← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21619

المبدع في شرح المقنع - ط العلمية

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (3 567 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] (وَيَكْتَحِلُ) فِي كُلِّ عَيْنٍ (وِتْرًا) بِالْإِثْمِدِ الْمُطَيِّبِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، «مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا، فَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثَةُ أَطْرَافٍ كَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ: فِي الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَفِي الْيُسْرَى اثْنَتَيْنِ، وَقِيلَ: مِرْوَدَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْخَامِسُ: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَفْعَلُهُ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا. (وَيَجِبُ الْخِتَانُ) عِنْدَ الْبُلُوغِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْوُجُوبَ إِذَا وَجَبَتِ الطَّهَارَةُ، وَالصَّلَاةُ (مَا لَمْ يَخَفْهُ عَلَى نَفْسِهِ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ السِّنِينَ، وَقَدْ عُورِضَ بِمَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ، وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً» . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ أُمِرَ بِالِاخْتِتَانِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " الْأَدَبِ " بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْلُهُ ﵇: «أَلْقِ عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ، وَاخْتَتِنْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَخَرَجَ مِنْهُ إِلْقَاءُ الشَّعَرِ بِدَلِيلٍ، فَبَقِيَ الْخِتَانُ عَلَى أَصْلِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلذَّكَرِ، وَهُوَ قَطْعُ جِلْدَةٍ غَاشِيَةٍ عَلَى الْحَشَفَةِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: أَوْ أَكْثَرِهَا، وَلِلْأُنْثَى: وَهُوَ قَطْعُ جِلْدَةٍ فَوْقَ مَحَلِّ الْإِيلَاجِ تُشْبِهُ عُرْفَ الدِّيكِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُؤْخَذَ كُلُّهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ، وَصَحَّحَهَا بَعْضُهُمْ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَخْتَتِنُ الْخُنْثَى فِي ذَكَرِهِ، وَفَرْجِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا خِيفَ مِنْهُ، فَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَسْقُطُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: عَلَى الْأَصَحِّ، وَنَقَلَ

стр. 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] حَنْبَلٌ: يَخْتَتِنُ، فَظَاهِرُهُ يَجِبُ، لِأَنَّهُ قَلَّ مَنْ يَتْلَفُ مِنْهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالْعَمَلُ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَأَنَّهُ مَتَى خُشِيَ عَلَيْهِ لَمْ يَخْتَتِنْ، وَيُعْتَبَرُ لِذَلِكَ زَمَنٌ مُعْتَدِلٌ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِهِ وَلَوْ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، فَتَلِفَ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِهِ، وَزَعَمَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهُ يُتْلِفُ، أَوْ ظَنَّ تَلَفَهُ ضَمِنَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ. تَذْنِيبٌ: فِعْلُهُ زَمَنُ الصِّغَرِ أَفْضَلُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: التَّأْخِيرُ، زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْأَوَّلِ إِلَى التَّمْيِيزِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " قِيلَ: مُجَاوَزَةُ عَشْرٍ، وَفِي الرِّعَايَةِ بَيْنَ سَبْعٍ وَعَشْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ حَتَّى يُدْرِكَ جَازَ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ، وَيُكْرَهُ يَوْمُ السَّابِعِ لِلتَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ، وَعَنْهُ: لَا، قَالَ الْخَلَّالُ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ. (وَيُكْرَهُ الْقَزَعُ) وَهُوَ حَلْقُ بَعْضِ رَأْسِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْقَزَعِ، فَقِيلَ لِنَافِعٍ: مَا الْقَزَعُ؛ قَالَ: أَنْ يُحْلَقَ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ، وَيُتْرَكَ بَعْضُهُ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: بَلْ حَلْقُ وَسَطِهِ، وَقِيلَ: بَلْ حَلَقٌ يَقَعُ مِنْهُ، وَكَنَتْفِ الشَّيْبِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ حَلْقَهُ كُلَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نُسُكٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَقَصِّهِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ لِغَيْرِ نُسُكٍ، وَحَاجَةٍ وِفَاقًا لِمَالِكٍ، وَكَحَلْقِ الْقَفَا، زَادَ فِيهِ جَمْعٌ: لِمَنْ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ كَحِجَامَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ، وَيُكْرَهُ لِامْرَأَةٍ حَلْقُهُ كَقَصِّهِ، وَقِيلَ: يَحْرُمَانِ عَلَيْهَا، نَقَلَ الْأَثْرَمُ: أَرْجُو أَلَّا بَأْسَ لِضَرُورَةٍ، وَيُسْتَثْنَى عَلَى الْأَوَّلِ مَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَحْرُمُ حَلْقُهُ عَلَى مُرِيدٍ لِشَيْخِهِ، لِأَنَّهُ ذُلٌّ وَخُضُوعٌ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى. مَسَائِلُ: يَجُوزُ اتِّخَاذُ الشَّعَرِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ لَا إِنْ شَقَّ

стр. 73

الْقَزَعُ، وَيَتَيَامَنُ فِي سِوَاكِهِ وَطَهُورِهِ، وَانْتِعَالِهِ، وَدُخُولِهِ الْمَسْجِدَ. وَسُنَنُ الْوُضُوءِ عَشْرٌ: ــ [المبدع في شرح المقنع] إِكْرَامُهُ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ سُنَّةٌ لَوْ نَقْوَى عَلَيْهِ اتَّخَذْنَاهُ، وَلَكِنَّ لَهُ كُلْفَةً، وَمَئُونَةً، وَيُسَرِّحُهُ، وَيَفْرُقُهُ، وَيَكُونُ إِلَى أُذُنَيْهِ، وَيَنْتَهِي إِلَى مَنْكِبَيْهِ كَشَعَرِهِ ﵇، وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَتِهِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَجَعْلِهِ ذُؤَابَةً، وَيَعْفِي لِحْيَتَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ: أَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ كَقَصِّ الشَّارِبِ، وَأَطْلَقَ أَصْحَابُنَا، وَغَيْرُهُمْ: أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَفِي الْمَذْهَبِ مَا لَمْ يُسْتَهْجَنْ طُولُهَا، وِفَاقًا لِمَالِكٍ، وَيَحْرُمُ حَلْقُهَا، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَلَا يُكْرَهُ أَخْذُ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ. وَنَصُّهُ: لَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ، وَمَا تَحْتَ حَلْقِهِ لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَتَرْكُهُ أَوْلَى، وَأَخَذَ أَحْمَدُ مِنْ حَاجِبِهِ وَعَارِضِهِ، وَيَحُفُّ شَارِبَهُ، وَهِيَ أَوْلَى فِي الْمَنْصُوصِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنَظِّفَ أَنْفَهُ خُصُوصًا إِذَا فَحُشَ كَإِبِطِهِ، وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ، وَلَهُ إِزَالَتُهُ بِمَا شَاءَ، وَالتَّنْوِيرُ فَعَلَهُ أَحْمَدُ فِي الْعَوْرَةِ، وَكَرِهَ الْآمِدِيُّ كَثْرَتَهُ، وَيَدْفِنُ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَفْعَلُهُ كُلَّ أُسْبُوعٍ، وَلَا يَتْرُكُهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَمَّا الشَّارِبُ فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ وَحْشًا، وَقِيلَ: عِشْرِينَ، وَقِيلَ: لِلْمُقِيمِ، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ، وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَحِيفَ عَلَيْهَا فِي الْغَزْوِ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى حِلِّ شَيْءٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَنْظُرُ فِي مِرْآةٍ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي، وَحَرِّمْ وَجْهِي عَلَى النَّارِ» لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَيَتَطَيَّبُ الرَّجُلُ بِمَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَالْمَرْأَةُ عَكْسُهُ لِأَثَرٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. ( «وَيَتَيَامَنُ فِي سِوَاكِهِ» ) أَيْ: يَبْدَأُ بِجَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَيَسْتَاكُ بِيَسَارِهِ، نَقَلَهُ حَرْبٌ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَا عَلِمْتُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ كَانْتِثَارِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَذَكَرَ جَدُّهُ: إِنْ قُلْنَا: يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ فَيَسْتَاكُ بِهَا (وَطَهُورِهِ، وَانْتِعَالِهِ، وَدُخُولِهِ الْمَسْجِدَ) وَأَكْلِهِ، وَشُرْبِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطَهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 74

السِّوَاكُ، وَالتَّسْمِيَةُ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ، وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ــ [المبدع في شرح المقنع] [بَابُ الْوُضُوءِ] [ سُنَنُ الْوُضُوءِ] (وَسُنَنُ الْوُضُوءِ) سُمِّيَ وُضُوءًا لِتَنْظِيفِهِ الْمُتَوَضِّئَ وَتَحْسِينِهِ (عَشْرٌ السِّوَاكُ) لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ وَالْمُرَادُ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ، (وَالتَّسْمِيَةُ) هَذَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَالْمُؤَلِّفِ، قَالَ الْخَلَّالُ: إِنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ فَلَمْ يَذْكُرْهَا، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ، فَلَمْ تَجِبْ لَهَا التَّسْمِيَةُ، كَطَهَارَةِ الْخَبَثِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ يَثْبُتُ فِي هَذَا حَدِيثٌ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ حَدِيثًا لَهُ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ شَاقْلَا، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَحْمَدَ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَحْسَنُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ أَصَحُّهَا، فَعَلَى هَذَا تَسْقُطُ سَهْوًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ تَتَغَايَرُ أَفْعَالُهَا، فَكَانَ فِي وَاجِبَاتِهَا مَا يَسْقُطُ سَهْوًا كَالصَّلَاةِ، وَلَا تَسْقُطُ فِي أُخْرَى، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ شَرْطًا، اخْتَارَهَا ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَالْمَجْدُ، لَكِنْ قَالَ الشِّيرَازِيُّ وابن عبدوس: مَتَى سَمَّى فِي أَثْنَائِهِ أَجْزَأَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى وُضُوئِهِ، وَإِذَا قِيلَ بِوُجُوبِهَا، فَهَلْ تُسَمَّى فَرْضًا أَوْ

стр. 75

قَائِمًا مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ، وَالْبُدَاءَةُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] سُنَّةً؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَخْرَسُ تَكْفِي إِشَارَتُهُ بِهَا. تَتْمِيمٌ، مَحَلُّهَا اللِّسَانُ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ، وَوَقْتُهَا بَعْدَ النِّيَّةِ لِتَكُونَ شَامِلَةً لِجَمِيعِ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ، وَصِفَتُهَا: بِاسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ أَوِ الْقُدُّوسِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى الْأَشْهَرِ، كَمَا لَوْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى الْمُحَقَّقِ. (وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ) أَيْ: قَبْلَ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ [أَبِي] أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَاسْتَوْكَفَ ثَلَاثًا أَيْ: غَسَلَ كَفَّيْهِ» ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا يُغْسَلَانِ ثَلَاثًا، وَلَوْ تَحَقَّقَ طَهَارَتُهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ) نَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ، (فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ) الْأَصَحُّ وَالظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُ غَسْلِهِمَا تَعَبُّدًا، وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرِ بِهِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَالثَّانِيَةُ: هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَالشَّيْخَانِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْقَائِمَ إِلَى الصَّلَاةِ بِغَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْقَائِمِ مِنَ النَّوْمِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ فَسَّرَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ بِالْقِيَامِ مِنَ اللَّيْلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الْيَدَيْنِ، وَحُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ، لِأَنَّهُ عُلِّلَ بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ، وَطَرَيَانُ الشَّكِّ عَلَى يَقِينِ الطَّهَارَةِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهَا. فَرْعٌ: إِذَا نَسِيَ غَسْلَهُمَا سَقَطَ مُطْلَقًا، لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ، وَإِنْ وَجَبَ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يَسْقُطُ، لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْوُضُوءِ، وَالْأَوَّلُ: أَقْيَسُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ غَسْلِهِمَا قَبْلَ الْوُضُوءِ بَزَمَنٍ طَوِيلٍ، وَوُجُوبُ غَسْلِهِمَا لِمَعْنًى فِيهِمَا، وَقِيلَ: بَلْ لِإِدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ، وَيُعْتَبَرُ لِغَسْلِهِمَا نِيَّةٌ وَتَسْمِيَةٌ. مَسْأَلَةٌ: يَتَوَجَّهُ كَرَاهَةُ غَمْسِهَا فِي مَائِعٍ، وَأَكْلُ شَيْءٍ رَطْبٍ بِهَا. (وَالْبُدَاءَةُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ) أَيْ: قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي

стр. 76

وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا، وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ، وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] حَدِيثِ عُثْمَانَ: «أَنَّهُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ» وَلِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ فَقُدِّمَا، لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهُ أَذًى بَعْدَ غَسْلِ الظَّاهِرِ فَيُلَوِّثَهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ (وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا) إِلَى أَقَاصِيهِمَا، هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ، لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ: وَبَالَغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، وَاقْتَصَرَ الْخِرَقِيُّ عَلَيْهِ تَبَعًا لِحَدِيثِ لَقِيطٍ «قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ، فَقَالَ: وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَابْنُ شَاقْلَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ لِسُقُوطِهَا بِصَوْمِ النَّفْلِ، وَالْوَاجِبُ لَا يَسْقُطُ بِالنَّفْلِ، وَعَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُ الْمُبَالَغَةِ فِيهِمَا عَلَى الْمُفْطِرِ، وَقِيلَ: فِي الْكُبْرَى، وَالْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ: اجْتِذَابُ الْمَاءِ بِالنَّفَسِ إِلَى أَقْصَى الْأَنْفِ، وَلَا يُصَيِّرُهُ سَعُوطًا، وَفِي الْمَضْمَضَةِ: إِدَارَةُ الْمَاءِ فِي أَقَاصِي الْفَمِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ ": أَوْ أَكْثَرِهِ، وَلَا يُصِيِّرُهُ وَجُورًا، وَلَهُ بَلْعُهُ كَلَفْظِهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا) فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَحَرَّمَهُ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِصَوْمِ الْفَرْضِ، صَرَّحَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ. (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ) لِمَا رُوِيَ «عَنْ عُثْمَانَ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ، وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ حِينَ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ، وَهَذَا إِذَا كَانَتْ كَثِيفَةً، فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ خَفِيفَةً تَصِفُ الْبَشَرَةَ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا، وَقِيلَ: يَجِبُ التَّخْلِيلُ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ،

стр. 77

وَالتَّيَامُنُ، وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلْأُذُنَيْنِ، وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] وَهُوَ بَعِيدٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: فَيُخَلِّلُهَا مِنْ تَحْتِهَا بِأَصَابِعِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْ جَانِبَيْهَا بِمَاءِ الْوَجْهِ، وَقِيلَ: بِمَاءٍ جَدِيدٍ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ شَاءَ خَلَّلَهَا مَعَ وَجْهِهِ، وَإِنْ شَاءَ إِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ، وَحُكْمُ بَقِيَّةِ الشُّعُورِ كَعَنْفَقَةٍ، وَشَارِبٍ، وَحَاجِبٍ، وَلِحْيَةِ امْرَأَةٍ، وَخُنْثَى كَذَلِكَ. (وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ) أَيْ: تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِمَا رَوَى لَقِيطُ بْنُ صَبْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ فِي الرِّجْلَيْنِ آكَدُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَعَنْهُ: لَا يُسَنُّ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ، إِذْ تَفْرِيجُهُمَا يُغْنِي عَنْ تَخْلِيلِهِمَا، وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ الْيُسْرَى، لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ مِنْ بَاطِنِ رِجْلِهِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ، يَبْدَأُ بِخِنْصَرِهَا إِلَى إِبْهَامِهَا، وَفِي الْيُسْرَى بِالْعَكْسِ، لِيَحْصُلَ التَّيَامُنُ فِيهِ، وَأَصَابِعُ يَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، فَإِنْ كَانَتْ، أَوْ بَعْضُهَا مُلْتَصِقَةً سَقَطَ. (وَالتَّيَامُنُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَشَذَّ الرَّازِيُّ فَحَكَى فِي " تَفْسِيرِهِ " عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبَ غَسْلِ الْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى، وَهُوَ مُنْكَرٌ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: هُمَا فِي حُكْمِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ، حَتَّى لَوْ غَسَلَ إِحْدَاهُمَا بِمَاءِ الْأُخْرَى جَازَ (وَأَخَذَ مَاءً جَدِيدًا لِلْأُذُنَيْنِ) ظَاهِرِهِمَا، وَبَاطِنِهِمَا فِي رِوَايَةٍ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: «أَنَّهُ رَأَى

стр. 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ فَأَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ الَّذِي لِرَأْسِهِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ خَرَجَ مِنَ الْخِلَافِ، وَالثَّانِيَةُ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ: لَا يُسَنُّ، لِأَنَّ غَالِبَ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ ﵇: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، فَعَلَى الْأُولَى يُدْخِلُ سَبَّاحَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَيَمْسَحُ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا، كَذَا وَصَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْهُ ﷺ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَتُسَنُّ مُجَاوَزَةُ مَوْضِعِ الْفَرْضِ. (وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ ﵇ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، فَقَالَ: هَذَا وَظِيفَةُ الْوُضُوءِ، أَوْ قَالَ: هَذَا وُضُوءٌ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْهُ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً، ثُمَّ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ مَنْ تَوَضَّأَهُ كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الْأَجْرِ، وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالَ: هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الْمُرْسَلِينَ قَبْلِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَوْلُهُ ﵇ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَتَكَلَّمَ مُسْلِمٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَوْ نَقَصَ، وَأَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى نُقْصَانِ الْعُضْوِ، وَاسْتَحْسَنَهُ الذَّهَبِيُّ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ: فَيُكْرَهُ. زَادَ بَعْضُهُمْ لِغَيْرِ وَسْوَاسٍ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ لِلْخَبَرِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا إِلَّا رَجُلٌ مُبْتَلًى.

стр. 79

بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ وَصِفَتِهِ وَشَرْطِهِ وَفُرُوضُهُ سِتَّةٌ: غَسْلُ الْوَجْهِ، وَالْفَمِ، وَالْأَنْفِ، مِنْهُ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ، وَمَسْحُ ــ [المبدع في شرح المقنع] خَاتِمَةٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ مَسْحُ الْعُنُقِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ، وَعَنْهُ: يُسَنُّ، اخْتَارَهُ فِي " الْغُنْيَةِ " وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَابْنُ رَزِينِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ " الْخِلَافَ، وَأَنَّهُ لَا يُسَنُّ غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالشَّيْخَانِ، نَظَرًا إِلَى أَنَّ الضَّرَرَ الْمُتَوَقَّعَ كَالْمُتَحَقِّقِ، وَقِيلَ: يُسَنُّ مَعَ أَمْنِ الضَّرَرِ، جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَحَكَى بَعْضُهُمْ رِوَايَةً بِالْوُجُوبِ مُخَرَّجَةً مِنْ وُجُوبِ ذَلِكَ فِي الْغَسْلِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا لِنَجَاسَةٍ. [فَرَائِضُ الْوُضُوءِ] بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ وَصِفَتِهِ، وَشَرْطِهِ (وَفُرُوضُهُ سِتَّةٌ) الْفُرُوضُ: جَمْعُ فَرْضٍ، وَهُوَ لُغَةً التَّأْثِيرُ، وَشَرْعًا قِيلَ: مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ، وَعُوقِبَ تَارِكُهُ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الطَّهُورِ فِي الْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ عَلَى صِفَةٍ مُفْتَتَحَةٍ بِالنِّيَّةِ، وَكَانَ فَرْضُهُ مَعَ فَرْضِ الصَّلَاةِ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْفَرْضَ وَالشَّرْطَ يَشْتَرِكَانِ فِي تَوَقُّفِ الْعِبَادَةِ عَلَى وُجُودِهِمَا، وَيَفْتَرِقَانِ بِأَنَّ الشَّرْطَ خَارِجٌ عَنْهَا، وَالْفَرْضَ دَاخِلُهَا، وَبِأَنَّ الشَّرْطَ يُسْتَصْحَبُ فِيهَا إِلَى انْقِضَائِهَا، وَالْفَرْضَ يَنْقَضِي، وَيَخْلُفُهُ غَيْرُهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ نَظَرَ إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَسَمَّى النِّيَّةَ وَنَحْوَهَا فَرْضًا، وَهِيَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي شَرْطٌ (غَسْلُ الْوَجْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ، (وَالْفَمِ وَالْأَنْفِ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْوَجْهِ لِدُخُولِهِمَا فِي حَدِّهِ (وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] (وَمَسْحُ الرَّأْسِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] (وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] أَيْ: كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ فَرْضٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الْجَمَاهِيرِ لِقِرَاءَةِ نَافِعٍ،

стр. 80

الرَّأْسِ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، وَتَرْتِيبُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمُوَالَاةُ عَلَى إِحْدَى ــ [المبدع في شرح المقنع] وَابْنِ عَامِرٍ، وَالْكِسَائِيِّ، وَحَفْصٍ بِالنَّصْبِ فِي ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] عَطْفًا عَلَى الْيَدَيْنِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْخَفْضِ لِلْمُجَاوَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ: ٥] ، وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتِ الْأَرْجُلُ فِي مَظِنَّةِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَذْمُومٌ، عَطَفَهَا عَلَى الْمَمْسُوحِ لَا لِلتَّمَسَّحِ، بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى مِقْدَارِ الْوَاجِبِ، ثُمَّ قِيلَ: (إِلَى الْكَعْبَيْنِ) دَفْعًا لِظَنِّ ظَانٍّ أَنَّهَا مَمْسُوحَةٌ، لِأَنَّ الْمَسْحَ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ غَايَةٌ فِي الشَّرْعِ، وَلِفِعْلِهِ ﵇، وَقَوْلِهِ: «ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَاهُ، وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ. إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَأَنْ يُقْطَعَا أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَمْسَحَ الْقَدَمَيْنِ، وَهَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ لَابِسِ الْخُفِّ، فَأَمَّا لَابِسُهُ فَغَسْلُهُمَا لَيْسَ فَرْضًا مُتَعَيَّنًا فِي حَقِّهِ (وَتَرْتِيبُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى) هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَفِي " الْكَافِي " أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَدْخَلَ الْمَمْسُوحَ بَيْنَ الْمَغْسُولَاتِ، وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا فَائِدَةً غَيْرَ التَّرْتِيبِ، وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ الْوَاجِبِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ رَتَّبَ الْوُضُوءَ، وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَبْطُلُ بِالْحَدَثِ، فَكَانَ التَّرْتِيبُ مِنْ شَرْطِهِ كَالصَّلَاةِ يَجِبُ فِيهَا الرُّكُوعُ قَبْلَ السُّجُودِ، وَلَوْ كَانَ التَّنْكِيسُ جَائِزًا لِفِعْلِهِ، وَلَوْ مَرَّةً لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، فَأَمَّا إِذَا قِيلَ: إِنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ، فَوَاضِحٌ، فَعَلَى هَذَا لَوْ بَدَأَ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ لَمْ يُحْسَبْ لَهُ، نَعَمْ إِنْ تَوَضَّأَ مُنَكِّسًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ صَحَّ وُضُوءُهُ إِنْ قَرُبَ الزَّمَنُ، لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ، وَلَوْ غَسَلَهَا جَمِيعًا بِانْغِمَاسٍ وَاحِدٍ، أَوْ وَضَّأَهُ أَرْبَعَةً فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ لَبِثَ فِي جَارٍ، فَمَرَّتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُ جَرَيَاتٍ مُتَعَاقِبَةٍ، سَقَطَ التَّرْتِيبُ، إِنْ قِيلَ بِإِجْزَاءِ الْغَسْلِ عَنِ الْمَسْحِ، وَقِيلَ: إِنْ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ كَفَاهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ لَمْ تَمُرَّ عَلَيْهِ إِلَّا

стр. 81

الرِّوَايَتَيْنِ، وَهِيَ أَلَّا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ ــ [المبدع في شرح المقنع] جَرْيَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنِ انْغَمَسَ فِي كَثِيرٍ رَاكِدٍ فَمَنْصُوصُهُ، وَقَطَعَ بِهِ جَمْعٌ: إِنْ خَرَجَ مُرَتَّبًا جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، وَالثَّانِيَةُ وَحَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، وَأَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ نَصِّهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْمَضْمَضَةِ، وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَأَبَى ذَلِكَ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ بِالْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ. (وَالْمُوَالَاةُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهَا الْمَشْهُورَةُ، وَصَحَّحَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَرَجَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ شَرْطٌ، وَالثَّانِي جَوَابٌ، وَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ، وَهُوَ الْقِيَامُ، وَجَبَ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ عَنْهُ جَوَابُهُ، وَهُوَ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي، وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ: وَالصَّلَاةَ، وَهَذَا صَحِيحٌ، وَفِيهِ بَقِيَّةٌ، وَهُوَ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ، وَالثَّانِيَةُ، وَنَقَلَهَا حَنْبَلٌ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ، وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغَسْلِ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمُوَالَاةَ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ بَعْدَمَا جَفَّ وَضُوءُهُ، وَنَصَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ذَلِكَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْأَشْبَهُ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَلَهُ نَظَائِرُ مِنْهَا: التَّتَابُعُ فِي صَوْمِ شَهْرَيِ الْكَفَّارَةِ، وَجَوَابُهُ النَّصُّ، وَالْإِجْمَاعُ، ثُمَّ لَوْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَكَذَا الْمُوَالَاةُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَفِي الطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ لَا يَبْطُلُ بِفِعْلِ الْمَكْتُوبَةِ (وَهُوَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِي قَبْلَهُ)

стр. 82

لِطَهَارَةِ الْحِدَثِ كُلِّهَا، وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ أَوِ الطَّهَارَةَ لِمَا لَا يُبَاحُ إِلَّا بِهَا، ــ [المبدع في شرح المقنع] فِي زَمَنٍ مُعْتَدِلٍ، أَوْ بِمِقْدَارِهِ مِنَ الشِّتَاءِ، وَالصَّيْفِ، وَالْهَوَاءِ، وَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِمَا يَلِي الْعُضْوَ الْمَغْسُولَ، أَوْ أَوَّلِهَا، أَوْ جَمِيعَهَا؟ فِيهِ أَقْوَالٌ، وَالتَّفْرِيقُ الْمُبْطِلُ مَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ تَفْرِيقًا، قَالَ الْخَلَّالُ: هُوَ الْأَشْبَهُ بِقَوْلِهِ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ، فَلَوْ جَفَّ الْأَوَّلُ لِاشْتِغَالِهِ فِي الثَّانِي بِسُنَّةٍ كَتَخْلِيلٍ، وَإِسْبَاغٍ لَمْ يَضُرَّ، وَكَذَا إِنْ كَانَ لِوَسْوَسَةٍ، وَإِزَالَةِ وَسَخٍ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ لِلِاشْتِغَالِ بِتَحْصِيلِ الْمَاءِ فَرِوَايَتَانِ، وَيَضُرُّ إِسْرَافٌ، وَإِزَالَةُ الْوَسَخِ لِغَيْرِ الطَّهَارَةِ، وَزِيَادَةٌ عَلَى الثَّلَاثِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الطَّهَارَةِ شَرْعًا، وَلَا تَسْقُطُ هِيَ، وَتَرْتِيبٌ سَهْوًا، كَبَقِيَّةِ الْفُرُوضِ. (وَالنِّيَّةُ) لُغَةً: الْقَصْدُ يُقَالُ: نَوَاكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ أَيْ: قَصَدَكَ بِهِ، وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ، وَأَنْ يُخْلِصَهَا لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَالنَّصُّ دَلَّ عَلَى الثَّوَابِ فِي كُلِّ وُضُوءٍ، وَلَا ثَوَابَ فِي غَيْرِ مَنْوِيٍّ بِالْإِجْمَاعِ (شَرْطٌ) وَهُوَ لُغَةً: الْعَلَامَةُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] ، وَاصْطِلَاحًا: مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ (لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ كُلِّهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] ، وَالْإِخْلَاصُ مَحْضُ النِّيَّةِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَقَوْلِهِ «لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ» وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ لِقَوْلِهِ ﵇: «الطَّهُورُ شَطْرُ

стр. 83

فَإِنْ نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ، أَوِ التَّجْدِيدَ، فَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْإِيمَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَخْبَرَ أَنَّ الْخَطَايَا تَخْرُجُ بِالْوُضُوءِ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ نِيَّةٍ، فَالْعِبَادَةُ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ اضْطِرَادٍ عُرْفِيٍّ، وَلَا اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ، قِيلَ لِأَبِي الْبَقَاءِ: الْإِسْلَامُ وَالنِّيَّةُ عِبَادَتَانِ، وَلَا يَفْتَقِرَانِ إِلَى النِّيَّةِ، فَقَالَ: الْإِسْلَامُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ لِصُدُورِهِ مِنَ الْكَافِرِ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، سَلَّمْنَا، لَكِنْ صَحَّ لِلضَّرُورَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ، وَأَمَّا النِّيَّةُ، فَلِقَطْعِ التَّسَلْسُلِ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ، فَافْتَقَرَتْ إِلَى النِّيَّةِ كَالْكَفَّارَةِ، بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْخَبَثِ، فَإِنَّهَا نَقْلُ عَيْنٍ، أَشْبَهَ رَدَّ الْوَدِيعَةِ، وَلِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ بَابُهَا الْفِعْلُ أَشْبَهَتِ الصَّلَاةَ، وَطَهَارَةَ النَّجَاسَةِ بَابُهَا التَّرْكُ أَشْبَهَتْ تَرْكَ الزِّنَا، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ طَوَائِفَ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعِبَادَةِ النِّيَّةُ بِدَلِيلِ السِّتَارَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَهُمَا شَرْطَانِ لِلْعِبَادَةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمَا يُوجَدَانِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ كَوُجُودِهِمَا قَبْلَهَا، فَنِيَّةُ الصَّلَاةِ مُتَضَمِّنَةٌ لَهُمَا بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَتَطَهَّرُ، وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ لَمْ يَحْنَثْ بِالِاسْتِدَامَةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَسْتَتِرُ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ حَنِثَ بِاسْتِدَامَتِهِمَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي طَهَارَةِ النَّجِسِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُشْتَرَطُ إِنْ كَانَتْ عَلَى الْبَدَنِ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهَا شَرْطٌ مُطْلَقًا (وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ) ، وَهُوَ الْمَانِعُ مِمَّا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ، وَالْمُرَادُ رَفْعُ حُكْمِهِ، وَإِلَّا فَالْحَدَثُ إِذَا وَقَعَ لَا يَرْتَفِعُ (أَوِ الطَّهَارَةَ لِمَا لَا يُبَاحُ إِلَّا بِهَا) أَيْ: يَقْصِدُ اسْتِبَاحَةَ عِبَادَةٍ لَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِالطَّهَارَةِ كَالصَّلَاةِ، وَالطَّوَافِ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ الْحَدَثِ ضَرُورَةَ أَنَّ صِحَّةَ ذَلِكَ لَا تَجْتَمِعُ مَعَهُ، فَإِنْ نَوَى التَّبَرُّدَ، وَمَا لَا تُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ، كَأَكْلٍ وَبَيْعٍ، وَنَوَى مَعَ ذَلِكَ الطَّهَارَةَ صَحَّتْ، وَإِلَّا

стр. 84

نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا فَهَلْ يُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ ــ [المبدع في شرح المقنع] فَلَا، وَإِنْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ لِيُزِيلَ عَنْهَا النَّجَاسَةَ، أَوْ لِيُعَلِّمَ غَيْرَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ نَوَى صَلَاةً مُعَيَّنَةً لَا غَيْرَهَا ارْتَفَعَ مُطْلَقًا، وَإِنْ نَوَى طَهَارَةً مُطْلَقَةً، أَوْ وُضُوءًا مُطْلَقًا فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ، وَإِنْ نَوَى الْجُنُبُ بِغَسْلِهِ الْقِرَاءَةَ ارْتَفَعَ الْأَكْبَرُ، وَفِي الْأَصْغَرِ وَجْهَانِ، وَإِنْ نَوَى بِغَسْلِهِ اللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ، ارْتَفَعَ الْأَصْغَرُ وَفِي الْأَكْبَرِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَقِيلَ: وَغَيْرِهَا وَجْهَانِ، وَإِنْ نَوَى مِنْ حَدَثِهِ مُسْتَمِرًّا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ صَحَّ، وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ لِلْفَرْضِ، فَلَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ لَمْ يَرْتَفِعْ فِي الْأَقْيَسِ، وَيُسَنُّ نُطْقُهُ بِهَا سِرًّا، وَلَا يَضُرُّ سَبْقُ لِسَانِهِ بِخِلَافِ قَصْدِهِ. تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ وُضُوءٍ عَقْلٌ، وَتَمْيِيزٌ، وَإِسْلَامٌ، وَدُخُولُ وَقْتٍ عَلَى مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ لِفَرْضِهِ، وَإِزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ، وَطُهْرٌ مِنْ حَيْضٍ، وَنِفَاسٍ، وَفَرَاغُهُ مِنْ خُرُوجِ خَارِجٍ، وَطَهُورِيَّةُ مَاءٍ، وَإِبَاحَتُهُ (فَإِنْ نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ) كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالْأَذَانِ، وَنَحْوِهِمَا (أَوِ التَّجْدِيدَ) نَاسِيًا حَدَثَهُ (فَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَرْتَفِعُ، اخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، كَمَنْ نَوَى التَّبَرُّدَ، وَالْأُخْرَى: يَرْتَفِعُ، اخْتَارَهَا أَبُو حَفْصٍ، وَالشَّيْخَانِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ نَوَى طَهَارَةً شَرْعِيَّةً، وَصَحَّحَ السَّامِرِيُّ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ، إِذَا نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " إِنْ جَدَّدَ مُحْدِثٌ وُضُوءَهُ نَاسِيًا حَدَثَهُ، لَمْ يَرْتَفِعْ فِي الْأَشْهَرِ، وَفِي حُصُولِ التَّجْدِيدِ إِذَا لَمْ يَرْتَفِعِ احْتِمَالَانِ (وَإِنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا) كَغُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (فَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنِ الْوَاجِبِ) كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ (عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ، وَالْمَذْهَبُ الْإِجْزَاءُ كَعَكْسِهِ

стр. 85

أَحْدَاثٌ تُوجِبُ الْوُضُوءَ أَوِ الْغُسْلَ، فَنَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهَا، فَهَلْ يَرْتَفِعُ سَائِرُهَا؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَيَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى أَوَّلِ وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ، وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا ــ [المبدع في شرح المقنع] فَإِنْ لَمْ يَرْتَفِعِ الْوَاجِبُ حَصَلَ الْمَسْنُونُ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ الْوَاجِبُ لِأَنَّهُ أَعْلَى، فَإِنْ نَوَاهُمَا حَصَلَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنِ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ الْوُضُوءَ أَوِ الْغُسْلَ) مُتَنَوِّعَةٌ قِيلَ: مَعًا، وَقِيلَ: أَوْ مُتَفَرِّقَةٌ (فَنَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهَا) وَقِيلَ: وَعَلَى أَنْ لَا يَرْتَفِعَ غَيْرُهُ (فَهَلْ يَرْتَفِعُ سَائِرُهَا) أَيْ: بَاقِيهَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ ذَكَرَ بِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْجَمِيعِ إِلَّا الْجَوْهَرِيَّ، وَهُوَ وَهْمٌ (عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَرْتَفِعُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّ الْأَحْدَاثَ تَتَدَاخَلُ، فَإِذَا ارْتَفَعَ الْبَعْضُ ارْتَفَعَ الْجَمِيعُ، وَالْآخَرُ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا مَا نَوَاهُ، وَقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ أَشْبَهَ مَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَعَلَى قَوْلِهِ إِذَا اغْتَسَلَتْ مَنْ هِيَ حَائِضٌ جُنُبٌ لِلْحَيْضِ، حَلَّ وَطْؤُهَا دُونَ غَيْرِهِ لِبَقَاءِ الْحُرْمَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، إِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا، وَنَوَاهُ ارْتَفَعَ عَنِ الْمَنْوِيِّ، وَإِلَّا فَلَا، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُجْزِئُ نِيَّةُ حَيْضٍ عَنْ جَنَابَةٍ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَرْتَفِعُ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يُجْزِئُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، وَيُجْزِئُ فِي غَيْرِهِمَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا نَوَى الْجَمِيعَ ارْتَفَعَ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ إِلَّا غُسْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ، وَالْإِنْزَالَ.

стр. 86

عَلَى مَسْنُونَاتِهَا، وَاسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا فِي جَمِيعِهَا، وَإِنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَهَا، أَجْزَأَهُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] (وَيَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى أَوَّلِ وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ) لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا، فَيُعْتَبَرُ وَجُودُهَا فِي أَوَّلِهَا، فَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الْوَاجِبَاتِ قَبْلَ وُجُودِ النِّيَّةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بِزَمَنٍ يَسِيرٍ كَالصَّلَاةِ، وَقِيلَ: وَطَوِيلٍ مَا لَمْ يَفْسَخْهَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُهَا عَمَلٌ يَسِيرٌ (وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا عَلَى مَسْنُونَاتِهَا) أَيْ: يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا عَلَى أَوَّلِ الْمَسْنُونَاتِ مِنْهَا، كَغَسْلِ الْيَدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَائِمًا مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، لِيَشْمَلَ مَفْرُوضَ الْوُضُوءِ وَمَسْنُونَهُ، فَلَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ، صَحَّ فِي الْأَشْهَرِ. فَرْعٌ: غُسْلُ الذِّمِّيَّةِ مِنَ الْحَيْضِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ، وَاعْتَبَرَهُ الدِّينَوَرِيُّ قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ غُسْلٌ بِلَا نِيَّةٍ (وَاسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا فِي جَمِيعِهَا) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ أَفْضَلُ لِتَكُونَ أَفْعَالُهُ مَقْرُونَةً بِالنِّيَّةِ (وَإِنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَهَا أَجْزَأَهُ) وَمَعْنَاهُ أَنْ يَنْوِيَ الْمُتَطَهِّرُ فِي أَوَّلِهَا، ثُمَّ لَا يَنْوِي قَطْعَهَا فَإِنْ عَزَبَتْ عَنْ خَاطِرِهِ، وَذَهَلَ عَنْهَا لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي قَطْعِهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. فَرْعٌ إِذَا شَكَّ فِي النِّيَّةِ فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَهْمًا كَالْوَسْوَاسِ فَلَا يَلْتَفِتُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بَعْدَ فَرَاغِهِ كَالشَّكِّ فِي حَدَثٍ، وَالثَّانِي: تَبْطُلُ، لِأَنَّ حُكْمَهَا بَاقٍ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ أَبْطَلَهَا فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ بَطَلَ مَا مَضَى فِي

стр. 87

فَصْلٌ وَ صِفَةُ الْوُضُوءِ أَنْ يَنْوِيَ، ثُمَّ يُسَمِّيَ، وَيَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ، وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا مِنْ غُرْفَةٍ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ سِتٍّ وَهُمَا وَاجِبَانِ فِي ــ [المبدع في شرح المقنع] الْأَصَحِّ، وَلَمْ تَبْطُلْ فِي آخِرٍ، لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا فَلَمْ تَبْطُلْ بِقَطْعِ النِّيَّةِ كَمَا لَوْ نَوَى قَطْعَهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوُضُوءِ، ثُمَّ هَلْ يُتِمُّ عَلَى الْأَوَّلِ؛ يَنْبَنِي عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ. [صِفَةُ الْوُضُوءِ] فَصْلٌ (وَصِفَةُ الْوُضُوءِ) الْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْكَيْفِيَّةُ. (أَنْ يَنْوِيَ، ثُمَّ يُسَمِّيَ) وَقَدْ تَقَدَّمَا (وَيَغْسِلَ يَدَيْهِ) أَيْ: كَفَّيْهِ (ثَلَاثًا) لِأَنَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لِأَنَّ الْيَدَيْنِ آلَةٌ لِنَقْلِ الْمَاءِ، فَاسْتَحَبَّ غَسْلَهُمَا تَحْقِيقًا لِطَهَارَتِهِمَا، وَتَنْظِيفًا لَهُمَا، وَحِينَئِذٍ فَيَتَكَرَّرُ غَسْلُهُمَا عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ مِنَ النَّوْمِ، وَفِي أَوَّلِهِ، وَمَعَ كُلِّ يَدٍ (ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ، وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَأَخَذَ غُرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ بِهَا، وَاسْتَنْشَقَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْمَضْمَضَةُ: إِدَارَةُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ، وَالِاسْتِنْشَاقُ: اجْتِذَابُ الْمَاءِ بِالنَّفَسِ إِلَى بَاطِنِ الْأَنْفِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ بِيَمِينِهِ، وَيَسْتَنْثِرَ بِيَسَارِهِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ فِي الصُّغْرَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسَنُّ تَقْدِيمُ الْمَضْمَضَةِ عَلَيْهِ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ يَجِبُ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، وَلِأَنَّ الْفَمَ أَشْرَفُ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الْقِرَاءَةِ، وَالذِّكْرِ، وَغَيْرِهِمَا، وَهُمَا فِي تَرْتِيبٍ وَمُوَالَاةٍ كَغَيْرِهِمَا (وَإِنْ شَاءَ مِنْ ثَلَاثٍ) لِلْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّهُ «أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ» (وَإِنْ شَاءَ مِنْ سِتٍّ) لِأَنَّ فِي حَدِيثِ جَدِّ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ،

стр. 88

الطَّهَارَتَيْنِ، وَعَنْهُ: أَنَّ الِاسْتِنْشَاقَ وَحْدَهُ وَاجِبٌ فِيهِمَا، وَعَنْهُ: أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ فِي ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالِاسْتِنْشَاقِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَوُضُوءُهُ كَانَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فَلَزِمَ كَوْنُهُمَا مِنْ سِتٍّ، وَالْأَفْضَلُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا مِنْ غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي تَسْمِيَتِهِمَا فَرْضًا وَسُقُوطِهِمَا سَهْوًا رِوَايَتَانِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا يُسَمَّيَانِ فَرْضًا، وَلَا يَسْقُطَانِ سَهْوًا (وَهُمَا وَاجِبَانِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ وَأَطْلَقَ، وَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِفِعْلِهِ وَتَعْلِيمِهِ: تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ فِي كُلِّ وُضُوءٍ تَوَضَّأَهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ الْإِخْلَالُ بِهِ مَعَ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْمُجْزِئِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ مَرَّةً مَرَّةً، وَقَوْلُهُ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ، وَفِعْلُهُ إِذَا خَرَجَ بَيَانًا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ ذَلِكَ الْمُبَيَّنِ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَتَرَكَهُ، وَلَوْ مَرَّةً، لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ كَمَا فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَضْمَضَةِ، وَالِاسْتِنْشَاقِ» ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَفِي حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَتَمَضْمَضْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَلِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ وَضْعَ الطَّعَامِ، وَالْخَمْرِ فِيهِمَا لَا يُوجِبُ فِطْرًا، وَلَا يَنْشُرُ حُرْمَةً، وَلَا تُوجِبُ حَدًّا، وَحُصُولُ النَّجَاسَةِ فِيهِمَا يُوجِبُ غَسْلُهُمَا، وَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِوُصُولِهِمَا إِلَيْهِمَا، وَلَا يَشُقُّ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهِمَا، بِخِلَافِ بَاطِنِ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ (وَعَنْهُ: أَنَّ الِاسْتِنْشَاقَ وَحْدَهُ وَاجِبٌ فِيهِمَا لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ» ، وَفِي لَفْظٍ: «فَلْيَسْتَنْشِقْ» . وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ فَفِي الْغُسْلِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ طَرَفَ الْأَنْفِ لَا يَزَالُ مَفْتُوحًا بِخِلَافِ الْفَمِ، وَقَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ (وَعَنْهُ: أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ فِي الْكُبْرَى) لِأَنَّهُ يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ فِيهَا إِلَى

стр. 89

الْكُبْرَى دُونَ الصُّغْرَى. ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ، وَالذَّقَنِ طُولًا مَعَ مَا اسْتَرْسَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ، وَمِنَ الْأُذُنِ إِلَى الْأُذُنِ عَرْضًا، ــ [المبدع في شرح المقنع] بَاطِنِ الشُّعُورِ، وَنَحْوِهِ (دُونَ الصُّغْرَى) لِأَنَّ الْمَأْمُورَ فِيهَا غَسْلُ الْوَجْهِ، وَهُوَ مَا تَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ، وَلَيْسَا كَذَلِكَ، أَشْبَهَا بَاطِنَ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ، وَعَنْهُ: يَجِبَانِ فِي الْأَصْغَرِ فَقَطْ، نَقَلَهَا الْمَيْمُونِيُّ، وَعَنْهُ: يَجِبُ الِاسْتِنْشَاقُ وَحْدَهُ فِي الْأَصْغَرِ، ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَعَنْهُ: عَكْسُهَا ذَكَرَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَعَنْهُ: هُمَا سُنَّةٌ وِفَاقًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، كَانْتِثَارِهِ. (ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ) لِلنَّصِّ، فَيَأْخُذَ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا أَوْ يَغْتَرِفَ بِيَمِينِهِ، وَيَضُمَّ إِلَيْهَا الْأُخْرَى، وَيَغْسِلَ بِهَا ثَلَاثًا، لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدِ اسْتَفَاضَتْ بِهِ، خُصُوصًا حَدِيثُ عُثْمَانَ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ (مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ) غَالِبًا، فَلَا عِبْرَةَ بِالْأَقْرَعِ الَّذِي يَنْبُتُ شَعَرُهُ فِي بَعْضِ جَبْهَتِهِ، وَلَا بِالْأَجْلَحِ الَّذِي انْحَسَرَ شَعَرُهُ عَنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ (إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ، وَالذَّقَنِ طُولًا مَعَ مَا اسْتَرْسَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ، وَمِنَ الْأُذُنِ إِلَى الْأُذُنِ عَرْضًا) لِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ لَيْسَا مِنَ الْوَجْهِ، وَأَنَّ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ، وَالْأُذُنِ مِنْهُ، وَنَصَّ الْخِرَقِيُّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ مِنَ الْوَجْهِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِقَوْلِهِ هَذَا، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُلْتَحِي، فَكَذَا غَيْرُهُ، فَيَدْخُلُ فِي حَدِّ الْوَجْهِ: الْعِذَارُ: وَهُوَ الشَّعَرُ الَّذِي عَلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ سَمْتَ صِمَاخِ الْأُذُنِ، مُرْتَفِعًا إِلَى الصُّدْغِ، وَمُنْحَطًّا إِلَى

стр. 90

فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَعَرٌ خَفِيفٌ يَصِفُ الْبَشَرَةَ، وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ يَسْتُرُهَا أَجْزَأَهُ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْعَارِضِ، وَالْعَارِضُ: هُوَ الشَّعَرُ النَّابِتُ عَلَى الْخَدِّ، وَاللَّحْيَانِ: الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ فِي أَسْفَلِ الْوَجْهِ قَدِ اكْتَنَفَاهُ، وَعَلَيْهِمَا يَنْبُتُ أَكْثَرُ اللِّحْيَةِ، وَالذَّقَنُ: وَهُوَ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ، وَالْحَاجِبَانِ، وَأَهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ، وَالشَّارِبُ، وَالْعَنْفَقَةُ، وَلَا يَدْخُلُ صُدْغٌ، وَهُوَ الشَّعَرُ الَّذِي بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ مُحَاذِي رَأْسِ الْأُذُنِ، وَيَنْزِلُ عَنْ رَأْسِهَا قَلِيلًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَاخْتُلِفَ فِي التَّحْذِيفِ، وَهُوَ الشَّعَرُ بَيْنَ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ وَالنَّزَعَةِ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: هُوَ مِنْهُ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ الْأَصَحُّ، وَضَابِطُهُ أَنْ يَضَعَ طَرَفَ خَيْطٍ عَلَى رَأْسِ الْأُذُنِ، وَالطَّرَفَ الثَّانِيَ عَلَى أَعْلَى الْجَبْهَةِ، وَيَفْرِضَ هَذَا الْخَيْطَ مُسْتَقِيمًا، فَمَا نَزَلَ عَنْهُ إِلَى جَانِبِ الْوَجْهِ، فَهُوَ مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ النَّزَعَتَانِ، وَهُمَا مَا انْحَسَرَ عَنْهُ الشَّعَرُ فِي الرَّأْسِ مُتَصَاعِدًا مِنْ جَانِبَيْهِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالشِّيرَازِيُّ خِلَافَهُ، وَدَلَّ كَلَامُهُ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ اللِّحْيَةِ مَعَ مُسْتَرْسِلِهَا، أَوْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ عَرْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا خَرَجَ عَنْ مُحَاذَاةِ الْبَشَرَةِ طُولًا، وَعَرْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيُّ فِي الْمُسْتَرْسِلِ، كَمَا لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا اسْتَرْسَلَ مِنَ الرَّأْسِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ اللِّحْيَةَ تُشَارِكُ الْوَجْهَ فِي مَعْنَى التَّوَجُّهِ وَالْمُوَاجَهَةِ، وَخَرَجَ مَا نَزَلَ مِنَ الرَّأْسِ عَنْهُ، لِعَدَمِ مُشَارَكَةِ الرَّأْسِ فِي التَّرَؤُّسِ. مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ فِي مَاءِ الْوَجْهِ لِأَسَارِيرِهِ، وَدَوَاخِلِهِ، وَخَوَارِجِهِ، وَشُعُورِهِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَكَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ، ثُمَّ يَصُبَّهُ، ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ، وَقَالَ: هَذَا مَسْحٌ، وَلَيْسَ بِغَسْلٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَعَرٌ خَفِيفٌ يَصِفُ الْبَشَرَةَ، وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَهُ) لِأَنَّهَا لَا يُسْتَرُ مَا تَحْتَهَا، أَشْبَهَ الَّذِي لَا شَعَرَ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ غَسْلُ

стр. 91

غَسْلُ ظَاهِرِهِ، وَيُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُهُ. ثُمَّ يَغْسِلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، وَيُدْخِلَ الْمِرْفَقَيْنِ ــ [المبدع في شرح المقنع] الشَّعَرِ تَبَعًا لِلْمَحَلِّ (وَإِنْ كَانَ يَسْتُرُهَا أَجْزَأَهُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ) لِحُصُولِ الْمُوَاجَهَةِ فَوَجَبَ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِهِ، بِخِلَافِ الْغَسْلِ، وَقِيلَ: لَا، كَتَيَمُّمٍ، وَقِيلَ: يَجِبُ غَسْلُهُ، وَشَعَرُ غَيْرِ اللِّحْيَةِ كَهِيَ، وَقِيلَ: يَجِبُ غَسْلُهُ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ (وَيُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُهُ) كَمَا تَقَدَّمَ. فَرْعٌ: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَعَرٌ خَفِيفٌ، وَكَثِيفٌ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمَهُ. (ثُمَّ يَغْسِلَ يَدَيْهِ) لِلنَّصِّ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِيهِ (إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) وَيَجِبُ غَسْلُ أَظْفَارِهِ، وَلَا يَضُرُّ وَسَخٌ يَسِيرٌ فِي الْأَصَحِّ كَبَرَاجِمِهِ، وَقِيلَ: إِنْ مَنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ كَشَمْعٍ فَفِي صِحَّةِ طَهَارَتِهِ وَجْهَانِ، وَجَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ بِعَدَمِهَا، وَقِيلَ: يُسَامَحُ فَلَّاحٌ، وَنَحْوُهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا نَبَتَ لَهُ إِصْبَعٌ زَائِدَةٌ أَوْ يَدٌ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا مَعَهُ، فَلَوْ كَانَ النَّابِتُ فِي الْعَضُدِ أَوِ الْمَنْكِبِ، وَلَمْ يَتَمَيَّزِ الْأَصْلِيُّ غُسِلَا وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ تَمَيَّزَ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَا لَمْ يُحَاذِ الْفَرْضَ، وَكَذَا إِنْ حَاذَاهُ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي، وَالشِّيرَازِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ: أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْمُحَاذِي، وَإِذَا تَدَلَّتْ جِلْدَةٌ إِلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ، أَوْ مِنْهُ غُسِلَتْ، وَقِيلَ: إِنْ تَدَلَّتْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ غُسِلَتْ، وَإِلَّا فَلَا، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَإِنِ الْتَحَمَ

стр. 92

فِي الْغَسْلِ، ثُمَّ يَمْسَحَ رَأْسَهُ، فَيَبْدَأَ بِيَدَيْهِ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ يُمِرَّهُمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ ــ [المبدع في شرح المقنع] رَأْسُهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ وَجَبَ غَسْلُ مَا فِيهِ مِنْهَا (ثَلَاثًا) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ، وَغَيْرِهِ (وَيُدْخِلُ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقِهِ» ، وَهَذَا بَيَانٌ لِلْغَسْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ إِدْخَالُهُمَا فِيهِ، وَقَالَهُ زُفَرُ؛ لِأَنَّ " إِلَى " لِلْغَايَةِ، قُلْنَا: وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى " مَعَ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] فَبَيَّنَ ﵇ أَنَّهَا كَذَلِكَ، أَوْ يُقَالُ: الْيَدُ تُطْلَقُ حَقِيقَةً إِلَى الْمَنْكِبِ، وَإِلَى آخِرٍ عَدَا الْمِرْفَقِ، فَإِنْ كَانَتِ الْيَدُ لَا مِرْفَقَ لَهَا، غَسَلَ إِلَى قَدْرِ الْمِرْفَقِ فِي غَالِبِ النَّاسِ. (ثُمَّ يَمْسَحَ رَأْسَهُ) وَهُوَ فَرْضٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ النَّصُّ، وَهُوَ مَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ الشَّعَرُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ غَالِبُ النَّاسِ، فَلَا يُعْتَبَرُ الْأَقْرَعُ، وَلَا الْأَجْلَحُ، كَمَا سَبَقَ فِي حَدِّ الْوَجْهِ (فَيَبْدَأَ بِيَدَيْهِ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ يُمِرَّهَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدَّهُمَا إِلَى مُقَدَّمِهِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَفِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ ": يَضَعُ طَرَفَ

стр. 93

يَرُدَّهُمَا إِلَى مُقَدَّمِهِ، وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ مَعَ الْأُذُنَيْنِ وَعَنْهُ: يُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرِهِ وَلَا ــ [المبدع في شرح المقنع] إِحْدَى سَبَّابَتَيْهِ عَلَى طَرَفِ الْأُخْرَى، وَيَضَعُهُمَا عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَيَضَعُ الْإِبْهَامَيْنِ عَلَى الصُّدْغَيْنِ، ثُمَّ يُمِرُّ يَدَيْهِ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ فِي وَصْفِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا خَافَ أَنْ يَنْتَفِشَ شَعَرُهُ بِرَدِّ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، بَلْ يَمْسَحُ إِلَى قَفَاهُ فَقَطْ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، وَعَنْهُ: يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِهِ، وَيَخْتِمُ بِهِ، وَعَنْهُ: تَبْدَأُ هِيَ مِنْ وَسَطِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ مِنَ الْوَسَطِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ ": وَكَيْفَ مَسَحَ بَعْدَ اسْتِيعَابِ قَدْرِ الْوَاجِبِ أَجْزَأَهُ، وَيُجْزِئُ بَعْضُ يَدِهِ، وَبِحَائِلٍ فِي الْأَصَحِّ، وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. (وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ) هَذَا ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَمُخْتَارُ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَالسَّامِرِيُّ: أَنَّهُ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِمَسْحِ الرَّأْسِ، وَبِمَسْحِ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ، وَهُوَ يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ فِيهِ، فَكَذَا هُنَا إِذْ لَا فَرْقَ، وَلِأَنَّهُ ﵇ مَسَحَ جَمِيعَهُ، وَفِعْلُهُ وَقَعَ بَيَانًا لِلْآيَةِ، وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ أَيْ: إِلْصَاقِ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: أَلْصِقُوا الْمَسْحَ بِرُءُوسِكُمْ أَيِ: الْمَسْحَ بِالْمَاءِ، وَهَذَا بِخِلَافِ لَوْ قِيلَ: امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ، ثَمَّ شَيْءٌ مُلْصَقٌ، كَمَا يُقَالُ: مَسَحْتُ رَأْسَ الْيَتِيمِ، وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ الْبَاءَ إِذَا وَلِيَتْ فِعْلًا مُتَعَدِّيًا أَفَادَتِ التَّبْعِيضَ فِي مَجْرُورِهَا لُغَةً، فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ، وَلِإِنْكَارِ الْأَئِمَّةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ دُرَيْدٍ، وَابْنَ عَرَفَةَ عَنِ الْبَاءِ تُبَعِّضُ؛ فَقَالَا: لَا نَعْرِفُهُ فِي اللُّغَةِ، وَقَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبَاءَ تُبَعِّضُ فَقَدْ جَاءَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِمَا لَا يَعْرِفُونَهُ، وَقَوْلُهُ ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَمِنْ بَابِ التَّضْمِينِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: تُرْوَى، وَمَا «رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعَ الْعِمَامَةِ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ اسْتِيعَابُ ظَاهِرِهِ كُلِّهِ، لَكِنِ

стр. 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] اسْتَثْنَى فِي " الْمُتَرْجِمِ "، و" الْمُبْهِجِ " الْيَسِيرَ لِلْمَشَقَّةِ (مَعَ الْأُذُنَيْنِ) أَيْ: يَجِبُ مَسْحُهُمَا مَعَ الرَّأْسِ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ، لِقَوْلِهِ ﵇: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُهُمَا، وَإِنْ وَجَبَ الِاسْتِيعَابُ، لِأَنَّهُمَا مِنْهُ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً، لِأَنَّ الرَّأْسَ عِنْدَ إِطْلَاقِ لَفْظِهِ يَتَنَاوَلُ مَا عَلَيْهِ الشَّعَرُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مَسْحُهُمَا عَنْهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِإِجْزَاءِ الْبَعْضِ قَالَهُ الْجُمْهُورُ (وَعَنْهُ: يُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرِهِ) لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْجَمِيعِ كَمَا يُقَالُ جَاءَ الْعَسْكَرُ، وَالْمُرَادُ أَكْثَرُهُ، وَلِأَنَّ إِيجَابَ الْكُلِّ قَدْ يُفْضِي إِلَى الْحَرَجِ غَالِبًا، وَأَنَّهُ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، فَإِنْ تَرَكَ الثَّلَاثَ فَمَا دُونَ، جَازَ، وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ بَعْضُهُ، وَفِي " الِانْتِصَارِ ": فِي التَّجْدِيدِ، وَفِي " التَّعْلِيقِ ": لِلْعُذْرِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَنَّهُ يَمْسَحُ مَعَهُ الْعِمَامَةَ، وَيَكُونُ كَالْجَبِيرَةِ فَلَا تَوْقِيتَ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ بَعْضُهُ لِلْمَرْأَةِ، وَهِيَ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ الْخَلَّالِ وَالْمُؤَلِّفِ; لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهَا، وَعَنْهُ: قَدْرَ النَّاصِيَةِ، وَفِي تَعْيِينِهَا وَجْهَانِ، وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عِنْدَ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَقِيلَ: قُصَاصُ الشَّعَرِ. تَذْنِيبٌ: إِذَا مَسَحَ بَشَرَةَ رَأْسِهِ دُونَ ظَاهِرِ شَعَرِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَكَذَا إِذَا مَسَحَ مَا نَزَلَ عَنِ الرَّأْسِ مِنَ الشَّعَرِ، وَلَوْ كَانَ مَعْقُوصًا عَلَى الرَّأْسِ، وَإِنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلًا عَنْ مَسْحِهِ، ثُمَّ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ جَازَ فِي الْأَشْهَرِ، وَكَذَا الْخُفُّ وَالْجَبِيرَةُ، قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنَّمَا يُجْزِئُ الْغَسْلُ عَنْهُ إِذَا نَوَاهُ بِهِ، فَلَوْ أَصَابَ رَأْسَهُ مَاءٌ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، ثُمَّ مَسَحَهُ بِيَدِهِ بَعْدَ نِيَّةِ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ فِي الْأَقْيَسِ، وَالثَّانِي: لَا، كَمَا لَوْ وَضَعَ يَدَهُ مَبْلُولَةً عَلَى رَأْسِهِ، وَلَمْ يُمِرَّهَا عَلَيْهِ، أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ خِرْقَةً مَبْلُولَةً، أَوْ بَلَّهَا عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ خِضَابٌ فَمَسَحَ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ.

стр. 95

يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهُ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَيُدْخِلَهُمَا فِي ــ [المبدع في شرح المقنع] (وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهُ) فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ وَاحِدَةً، وَلِأَنَّهُ مَسَحَ فِي طَهَارَةٍ عَنْ حَدَثٍ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ تَكْرَارُهُ، كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَفِي التَّيَمُّمِ (وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ) قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ: وَالثَّلَاثُ أَفْضَلُ، وَفِيهِ نَظَرٌ - بِمَاءٍ جَدِيدٍ، نَصَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، لِمَا رَوَى عُثْمَانُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي الطَّهَارَةِ فَسُنَّ تَكْرَارُهُ كَالْوَجْهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالُوا فِيهَا: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا كَمَا ذَكَرُوا فِي غَيْرِهِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": أَحَادِيثُهُمْ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ صَرِيحٌ، لَا يُقَالُ: إِنَّ مَسْحَهُ ﵇ مَرَّةً وَاحِدَةً لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ، وَثَلَاثًا لِتَبْيِينِ الْفَضِيلَةِ كَمَا فَعَلَ فِي الْغَسْلِ، لِأَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي هَذَا طَهُورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ طَهُورٌ عَلَى الدَّوَامِ. فَرْعٌ: إِذَا زَالَ شَعَرُهُ بَعْدَ غَسْلِهِ، أَوْ مَسْحِهِ، أَوْ ظُفُرٌ، أَوْ عُضْوٌ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِي طَهَارَتِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: بَلَى، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ. (ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ) لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ (ثَلَاثًا) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ (إِلَى الْكَعْبَيْنِ)

стр. 96

الْغَسْلِ، وَيُخَلِّلَ أَصَابِعَهُ، فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَإِنْ لَمْ ــ [المبدع في شرح المقنع] أَيْ: كُلُّ رِجْلٍ تُغْسَلُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَلَوْ أَرَادَ كِعَابَ جَمِيعِ الْأَرْجُلِ لَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] ، لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ يَقْتَضِي تَوْزِيعَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ، كَقَوْلِكَ رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ. وَالْكَعْبَانِ: هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ اللَّذَانِ فِي أَسْفَلِ السَّاقِ مِنْ جَانِبَيِ الْقَدَمِ، وَقَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: «كَانَ أَحَدُنَا يُلْصِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ فِي الصَّلَاةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَوْ كَانَ مُشْطُ الْقَدَمِ لَمْ يَسْتَقِمْ ذَلِكَ (وَيُدْخِلَهُمَا فِي الْغَسْلِ) كَمَا سَبَقَ، وَلِقَوْلِهِ ﵇: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. (وَيُخَلِّلَ أَصَابِعَهُ) وَقَدْ تَقَدَّمَ (فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ، غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ) مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ (سَقَطَ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ. فَلَوْ قُطِعَ مِنَ الْمِرْفَقِ غَسَلَ رَأْسَ الْعَضُدِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُسْتَحَبُّ مَسْحُ طَرَفِهِ، صَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ. فَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، وَلَمْ يُسْتَحَبَّ مَسْحُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي " الشَّرْحِ " لِئَلَّا يَخْلُوَ الْعُضْوُ عَنْ طَهَارَةٍ، وَهُوَ مَوْضِعُ التَّحْجِيلِ، فَأَمَّا الْمُتَيَمِّمُ إِذَا قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ سَقَطَ مَسْحُ مَا بَقِيَ هُنَاكَ، وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ فِي الْغُسْلِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَا مَسْحُ الْكَفَّيْنِ، وَقَدْ رَمَيَا، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، فَإِنَّ الْمِرْفَقَ مِنْ جُمْلَةِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَالْمَنْصُوصُ: وُجُوبُ الْمَسْحِ أَيْضًا، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مَسْحُ الْيَدِ إِلَى الْكُوعِ.

стр. 97

يَبْقَ شَيْءٌ سَقَطَ، ثُمَّ يَرْفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَيَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَتُبَاحُ مَعُونَتُهُ وَتَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ. ــ [المبدع في شرح المقنع] فَرْعٌ: إِذَا تَبَرَّعَ بِتَطْهِيرِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَيَتَوَجَّهُ: لَا، وَيَتَيَمَّمُ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ لَزِمَهُ، وَقِيلَ: لَا، لِتَكَرُّرِ الضَّرَرِ دَوَامًا فَإِنْ عَجَزَ صَلَّى، وَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ، كَعَادِمِ الطَّهُورَيْنِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِي اسْتِنْجَاءٍ مِثْلُهُ، وَفِي الْمَذْهَبِ: يَلْزَمُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَزِيَادَةٍ لَا تُجْحِفُ فِي وَجْهٍ. (ثُمَّ يَرْفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَيَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ" وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ «ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ» قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْغَسْلِ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ. (وَتُبَاحُ مَعُونَتُهُ) كَتَقْرِيبِ مَاءِ الْوَضُوءِ، أَوِ الْغُسْلِ إِلَيْهِ، أَوْ صَبِّهِ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، إِذْ نَزَلَ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنْ إِدَاوَةٍ كَانَتْ مَعِي، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ، وَيَقِفُ عَنْ يَسَارِهِ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ.

стр. 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] فَرْعٌ: إِذَا وَضَّأَهُ غَيْرُهُ اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ فِي الْمُتَوَضِّئِ، لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ، وَقِيلَ: مَعَ نِيَّةِ مَنْ وَضَّأَهُ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَوْ وَضَّأَهُ غَيْرُهُ، وَلَا عُذْرَ، كُرِهَ، وَأَجْزَأَهُ، وَعَنْهُ: لَا، وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ. (وَتَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ) مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فِيهِمَا، لِمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: «زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنْزِلِنَا، فَأَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغُسْلٍ، فَوُضِعَ لَهُ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ نَاوَلَهُ مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً بِزَعْفَرَانٍ، أَوْ وَرْسٍ، فَاشْتَمَلَ بِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهَانِ كَنَفْضِ يَدِهِ، لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ» رَوَاهُ الْمَعْمَرِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ لَكِنْ قِيلَ لِأَحْمَدَ عَنْ مَسْحِ بَلَلِ الْخُفِّ فَكَرِهَهُ، وَقَالَ: لَا أَدْرِي لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ (وَلَا يُسْتَحَبُّ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ إِزَالَةُ أَثَرِ الْعِبَادَةِ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ كَإِزَالَةِ دَمِ الشَّهِيدِ، وَلَوْ كَانَ أَفْضَلَ لَدَاوَمَ عَلَيْهِ. [الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ] ١ مَسَائِلُ: الْأُولَى: الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَنْهُ: تُكْرَهُ، إِذْ لَا مُفَاضَلَةَ بَيْنَهَا كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ، وَيُعْمَلُ فِي عَدَدِهَا بِالْأَقَلِّ، وَفِي " النِّهَايَةِ ": بِالْأَكْثَرِ. الثَّانِيَةُ: يُسَنُّ التَّجْدِيدُ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِلْأَخْبَارِ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ»

стр. 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَعَنْهُ: لَا، كَمَا لَا يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ الْغُسْلِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: الْمُدَاوَمَةُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ. وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَمَاعَةٌ وُجُوبَ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: لَا يُصَلِّي بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ، وَخَصَّهَا قَوْمٌ بِالْمُسَافِرِ. الثَّالِثَةُ: يُبَاحُ غُسْلٌ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ إِنْ لَمْ يُؤْذِ بِهِ أَحَدًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَإِنْ نَجُسَ الْمُنْفَصِلُ حَرُمَ كَاسْتِنْجَاءٍ، وَرِيحٍ، وَهَلْ تُكْرَهُ إِرَاقَتُهُ فِيمَا يُدَاسُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَيُكْرَهُ فِي مَسْجِدٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَا يُغَسَّلُ فِيهِ مَيِّتٌ: قَالَ: وَيَجُوزُ عَمَلُ مَكَانٍ لِلْوُضُوءِ لِلْمَصْلَحَةِ بِلَا مَحْذُورٍ. الرَّابِعَةُ: إِذَا بَقِيَ لُمْعَةٌ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَهَلْ يُجْزِئُ مَسْحُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَعَ التَّرْتِيبِ، وَالْمُوَالَاةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. الْخَامِسَةُ: يُكْرَهُ الْكَلَامُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ، وَكَذَا السَّلَامُ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ لَا يُكْرَهُ السَّلَامُ، وَلَا الرَّدُّ، وَإِنْ كَانَ عَلَى طُهْرٍ فَهُوَ أَكْمَلُ لِفِعْلِهِ ﵇، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَكَذَا فِي كُلِّ عِبَادَةٍ إِلَّا لِدَلِيلٍ. السَّادِسَةُ: الْحَدَثُ يَحُلُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ كَالْجَنَابَةِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. السَّابِعَةُ: يَجِبُ الْوُضُوءُ بِالْحَدَثِ، وَقِيلَ: بِإِرَادَةِ الصَّلَاةِ بَعْدُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَذَكَرَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ إِذَنْ، وَوُجُوبِ الشَّرْطِ بِوُجُوبِ الْمَشْرُوطِ، وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي غُسْلٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ لَفْظِي. فَائِدَةٌ: الْحِكْمَةُ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْوُضُوءِ دُونَ غَيْرِهَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مَا يَتَحَرَّكُ لِلْمُخَالَفَةِ أَسْرَعَ مِنْهَا، فَأَمَرَ بِغَسْلِهَا ظَاهِرًا تَنْبِيهًا عَلَى طَهَارَتِهَا الْبَاطِنَةِ، وَرَتَّبَ غَسْلَهَا عَلَى تَرْتِيبِ سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ فِي الْمُخَالَفَةِ، فَأَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ، وَفِيهِ الْفَمُ وَالْأَنْفُ، فَابْتَدَأَ بِالْمَضْمَضَةِ، لِأَنَّ اللِّسَانَ أَكْثَرُ الْأَعْضَاءِ وَأَشَدُّهَا حَرَكَةً، لِأَنَّ غَيْرَهُ قَدْ

стр. 100

بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] يَسْلَمُ، وَهُوَ كَثِيرُ الْعَطَبِ قَلِيلُ السَّلَامَةِ غَالِبًا، ثُمَّ بِالْأَنْفِ لِيَنُوبَ عَمَّا يَشُمُّ بِهِ، ثُمَّ بِالْوَجْهِ لِيَنُوبَ عَمَّا نَظَرَ، ثُمَّ بِالْيَدَيْنِ لِتَنُوبَ عَنِ الْبَطْشِ، ثُمَّ خَصَّ الرَّأْسَ بِالْمَسْحِ، لِأَنَّهُ مُجَاوِرٌ لِمَنْ تَقَعُ مِنْهُ الْمُخَالَفَةُ، ثُمَّ بِالْأُذُنِ لِأَجْلِ السَّمَاعِ، ثُمَّ بِالرِّجْلِ لِأَجْلِ الْمَشْيِ، ثُمَّ أَرْشَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى تَجْدِيدِ الْإِيمَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ. [الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ] [حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ] بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَفِي " الْفُرُوعِ " مَسْحُ الْحَائِلِ، وَهُوَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ، وَأَعْقَبَهُ لِلْوُضُوءِ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِلَى مَسْحِ الْحَائِلِ أَتَى بِهِ بَعْدَهُ، وَهُوَ رُخْصَةٌ، وَعَنْهُ: عَزِيمَةٌ، وَمِنْ فَوَائِدِهَا: الْمَسْحُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَيُعْتَبَرُ الْمَسْحُ عَلَى لَابِسِهِ، وَيَرْفَعُ الْحَدَثَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ ﵇، وَأَصْحَابَهُ إِنَّمَا طَلَبُوا الْأَفْضَلَ، وَفِيهِ مُخَالَفَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَعَنْهُ: الْغَسْلُ، لِأَنَّهُ الْمَفْرُوضُ وِفَاقًا، وَعَنْهُ: هُمَا سَوَاءٌ لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِمَا، وَقِيلَ: الْمَسْحُ أَفْضَلُ إِنْ لَمْ يُدَاوِمْهُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُلْبَسَ لِيُمْسَحَ، كَالسَّفَرِ لِيَتَرَخَّصَ. (يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ) وَهُوَ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الصَّرِيحَةِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ: رَوَى الْمَسْحَ سَبْعُونَ نَفْسًا فِعْلًا مِنْهُ ﵇ وَقَوْلًا، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي قَلْبِي مِنَ الْمَسْحِ شَيْءٌ، فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ: وَمِنْ أُمَّهَاتِهَا حَدِيثُ جَرِيرٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ ذَلِكَ، لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ الْوَارِدُ فِيهَا بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ نَاسِخًا لِلْمَسْحِ، كَمَا صَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ

стр. 101

وَالْجُرْمُوقَيْنِ، وَالْجَوْرَبَيْنِ. وَالْعِمَامَةِ وَالْجَبَائِرِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] الصَّحَابَةِ، وَقَدِ اسْتَنْبَطَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْقُرْآنِ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ (وَأَرْجُلِكُمْ) بِالْجَرِّ، وَحَمْلُ قِرَاءَةِ النَّصْبِ عَلَى الْغَسْلِ لِئَلَّا تَخْلُوَ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ عَنْ فَائِدَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ حَتَّى لِزَمِنٍ، وَامْرَأَةٍ، وَمَنْ لَهُ رِجْلٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يَبْقَ مِنْ فَرْضِ الْأُخْرَى شَيْءٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْحَاجُّ إِذَا لَبِسَهُمَا لِحَاجَةٍ. [حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ] (وَالْجُرْمُوقَيْنِ) لِمَا رَوَى بِلَالٌ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْمُوقَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، أَشْبَهَ الْخُفَّ. تَنْبِيهٌ: الْمُوقُ هُوَ الْجُرْمُوقُ، وَهُوَ خُفٌّ صَغِيرٌ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ مِثَالُ الْخُفِّ يُلْبَسُ فَوْقَهُ لَا سِيَّمَا فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ، وَكَذَا كُلُّ كَلِمَةٍ فِيهَا جِيمٌ وَقَافٌ. (وَالْجَوْرَبَيْنِ) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَالنَّعْلَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ حَتَّى قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: النَّاسُ كُلُّهُمْ يَرْوُونَهُ عَلَى الْخُفَّيْنِ غَيْرَ أَبِي قَيْسٍ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ لَا يُحَدِّثُ بِهِ، لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنِ الْمُغِيرَةِ الْخُفَّيْنِ، وَهَذَا لَا يَصْلُحُ مَانِعًا لِجَوَازِ رِوَايَةِ اللَّفْظَيْنِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّعْلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ النَّعْلَيْنِ، كَمَا لَا يُقَالُ: مَسَحْتُ الْخُفَّ وَنَعْلَهُ، وَلِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ مَسَحُوا عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِلْقَدَمِ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ أَشْبَهَ الْخُفَّ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْمُجَلَّدِ وَالْمُنَعَّلِ، وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى جَوْرَبِ الْخِرَقِ، وَهُوَ أَشْهَرُ، وَعَنْهُ: لَا، وَجَزَمَ بِهَا فِي " التَّلْخِيصِ "، فَإِنْ

стр. 102

وَفِي الْمَسْحِ عَلَى الْقَلَانِسِ، وَخُمُرِ النِّسَاءِ الْمُدَارَةِ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ رِوَايَتَانِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] ثَبَتَ بِفِعْلٍ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ مَسَحَهُمَا فِي قَوْلِ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَعَنْهُ: أَوْ أَحَدُهُمَا، وَقِيلَ: يَمْسَحُ الْجَوْرَبَ وَحْدَهُ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ ": الظَّاهِرُ أَنَّهُ ﵇ إِنَّمَا مَسَحَ عَلَى سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ، فَأَمَّا أَسْفَلَهُ وَعَقِبَهُ فَلَا يُسَنُّ مَسْحُهُ فِي الْخُفِّ، فَكَذَا النَّعْلُ، وَيَبْطُلُ الْوُضُوءُ، وَقِيلَ: بَلِ الْمَسْحُ بِخَلْعِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسَحَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْمَسْحِ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ قَدَمُ الْمَاسِحِ. فَائِدَةٌ: الْجَوْرَبُ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ غِشَاءٌ مِنْ صُوفٍ يُتَّخَذُ لِلدِّفْءِ. [حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْجَبَائِرِ] (وَالْعِمَامَةِ) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَلِأَنَّ الرَّأْسَ يَسْقُطُ فَرْضُهُ فِي التَّيَمُّمِ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلِهِ كَالْقَدَمَيْنِ، وَخَالَفَ فِيهِ الْأَكْثَرُ. (وَالْجَبَائِرِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَقَدْ كَذَّبَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ صَاحِبِ الشَّجَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ عَلَى حَائِلٍ أُبِيحَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَالْخُفِّ. فَائِدَةٌ: الْجَبَائِرُ وَاحِدَتُهَا جَبِيرَةٌ، وَهِيَ أَخْشَابٌ أَوْ نَحْوُهَا، تُوضَعُ عَلَى الْكَسْرِ لِيَنْجَبِرَ. [حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الْقَلَانِسِ وَخُمُرِ النِّسَاءِ] (وَفِي الْمَسْحِ عَلَى الْقَلَانِسِ) وَاحِدُهَا قَلَنْسُوَةٌ، وَأَرَادَ بِهِ الْمُبَطَّنَاتِ كَدَنِيَّاتِ الْقُضَاةِ، وَالنَّوْمِيَّاتِ، نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ": أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا كَكِلَّةٍ، وَلِأَنَّهَا أَدْنَى مِنْ عِمَامَةٍ غَيْرِ مُحَنَّكَةٍ، وَلَا ذُؤَابَةَ

стр. 103

وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَلْبَسَ الْجَمِيعَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ إِلَّا الْجَبِيرَةَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] لَهَا، وَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَالَ: رُوِيَ عَنْ رَجُلَيْنِ صَحَابِيَّيْنِ: عُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا، وَلِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ مُعْتَادٌ سَاتِرٌ لِلرَّأْسِ أَشْبَهَ الْعِمَامَةَ الْمُحَنَّكَةَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الطَّاقِيَّةَ لَا يُمْسَحُ عَلَيْهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ (وَخُمُرِ النِّسَاءِ) وَاحِدُهَا: خِمَارٌ، وَهُوَ الْقِنَاعُ الَّذِي تُغَطِّي بِهِ رَأْسَهَا (الْمُدَارَةِ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ رِوَايَتَانِ) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ، لِمَا رَوَى بِلَالٌ قَالَ: «مَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَالْخِمَارِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «امْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ يَشُقُّ نَزْعُهُ، أَشْبَهَ الْعِمَامَةَ الْمُحَنَّكَةَ، وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ بِالْمَسْحِ مِنْ تَحْتِهِ، وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ كَالْوِقَايَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُدَارًا تَحْتَ حَلْقِهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا. [شُرُوطُ الْمَسْحِ على الخفين والجبيرة ونحوهما] (وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَلْبَسَ الْجَمِيعَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَالْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ الْمُعْظَمِ، لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.

стр. 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالطُّهْرُ الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ، وَلِأَنَّ مَا اشْتُرِطَتْ لَهُ الطَّهَارَةُ اشْتَرَطَ كَمَالَهَا كَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ «قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَهُوَ أَعَمُّ أَنْ يُوجِدَ ذَلِكَ مَعًا، أَوْ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى، لِأَنَّ حَدَثَهُ حَصَلَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَاللُّبْسِ، فَجَازَ الْمَسْحُ كَمَا لَوْ نَزَعَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ لَبِسَهُ، فَلَوْ غَسَلَ رِجْلًا، ثُمَّ أَدْخَلَهَا الْخُفَّ خَلَعَ، ثُمَّ لَبِسَ بَعْدَ غَسْلِ الْأُخْرَى، وَإِنْ لَبِسَ الْأُولَى طَاهِرَةً، ثُمَّ الثَّانِيَةَ، خَلَعَ الْأُولَى، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ: وَخَلَعَ الثَّانِيَةَ، وَلَوْ نَوَى جُنُبٌ رَفْعَ حَدَثَيْهِ، وَغَسْلَ رِجْلَيْهِ، وَأَدْخَلَهُمَا الْخُفَّ، ثُمَّ تَمَّمَ طَهَارَتَهُ، أَوْ فَعَلَهُ مُحْدِثٌ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ التَّرْتِيبَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ، وَعَلَى الْأُولَى: لَا، وَكَذَا لُبْسُ عِمَامَةٍ قَبْلَ طُهْرٍ كَامِلٍ، فَلَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ لَبِسَهَا، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، مَسَحَ عَلَى الثَّانِيَةِ، وَعَلَى الْأُولَى يَخْلَعُ ثُمَّ يَلْبَسُ، وَكَذَا يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا: لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ بَقِيَّةَ أَعْضَائِهِ، وَقُلْنَا: لَا تَرْتِيبَ، وَإِنْ تَيَمَّمَ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ حَدَثًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: بِالْجَوَازِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ رَافِعٌ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا فِيمَنْ تَيَمُّمُهُ لِعَدَمِ الْمَاءِ، أَمَّا مَنْ تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ كَالْجَرِيحِ، وَنَحْوِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَتَعْلِيلُهُمْ يَقْتَضِيهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، ثُمَّ لَبِسَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَهُ الْمَسْحُ، وَلَا يَمْسَحُ عَلَى طَهَارَةٍ لَا تُبِيحُ الصَّلَاةَ غَيْرِ هَذِهِ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ كَمَنَ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَنَحْوِهِمَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، لِأَنَّ طَهَارَتَهُمْ فِي حَقِّهِمْ كَامِلَةٌ. فَلَوْ زَالَ الْعُذْرُ لَزِمَهُمُ الْخَلْعُ، وَاسْتِئْنَافُ الطَّهَارَةِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ بِخِلَافِ ذِي الطُّهْرِ الْكَامِلِ يَخْلَعُ، أَوْ تَنْقَضِي الْمُدَّةُ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ اشْتِرَاطُ تَقَدُّمِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَحَكَى الشِّيرَازِيُّ رِوَايَةً بِعَدَمِهِ رَأْسًا.

стр. 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] فَلَوْ لَبِسَ مُحْدِثًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ، وَهُوَ غَرِيبٌ بَعِيدٌ. مَسْأَلَةٌ: يُكْرَهُ اللُّبْسُ عَلَى طَهَارَةٍ يُدَافِعُ أَحَدَ الْأَخْبَثَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلصَّلَاةِ أَشْبَهَ الصَّلَاةَ. (إِلَّا الْجَبِيرَةَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ قَدَّمَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " فِيهِ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِلْأَخْبَارِ، وَلِلْمَشَقَّةِ، لِأَنَّ الْجُرْحَ يَقَعُ فَجْأَةً، أَوْ فِي وَقْتٍ لَا يَعْلَمُ الْمَاسِحُ وُقُوعَهُ فِيهِ، وَالثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، و" الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ مَسْحٌ عَلَى حَائِلٍ، أَشْبَهَ الْخُفَّ، فَعَلَيْهَا حُكْمُهَا حُكْمُ الْخُفِّ فِي الطَّهَارَةِ، فَإِنْ شَدَّ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ نَزَعَ، وَإِنْ شَقَّ نَزْعُهَا تَيَمَّمَ لَهَا، وَقِيلَ: وَيَمْسَحُ، وَقِيلَ: هُمَا، وَكَذَا لَوْ تَعَدَّى بِالشَّدِّ مَحَلَّ الْحَاجَةِ وَخَافَ، وَإِنْ كَانَ شَدٌّ عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا حَائِلًا، فَإِنْ كَانَ جَبِيرَةً جَازَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَكَذَا لُبْسُهُ خُفًّا عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عِمَامَةً أَوْ عَكْسُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَتْ فِي رِجْلِهِ، وَقَدْ مَسَحَ عَلَيْهَا، ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْخِلَافَ رَاجِعٌ إِلَى مَا عَدَا الْجَبِيرَةَ مِنَ الْمَمْسُوحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهَا، وَهُوَ وَإِنْ قَرُبَ فَفِيهِ بُعْدٌ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْكَمَالِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا عَدَاهَا أَشْهَرُ مِنَ الْخِلَافِ فِيهَا، فِيهِ نَظَرٌ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ. فَرْعٌ: الدَّوَاءُ كَجَبِيرَةٍ، وَلَوْ جَعَلَ فِي شِقٍّ قَارًا، وَتَضَرَّرَ بِقَلْعِهِ، فَعَنْهُ: يَتَيَمَّمُ لِلنَّهْيِ عَنِ الْكَيِّ، وَعَنْهُ: لَهُ الْمَسْحُ كَمَا لَوْ أَلْقَمَ إِصْبُعَهُ مَرَارَةً لِحَاجَةٍ، وَشَقَّ نَزْعُهَا، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: يَغْسِلُهُ، وَعِنْدَ الْقَاضِي: إِنْ خَافَ تَلَفًا صَلَّى وَأَعَادَ.

стр. 106

وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا الْجَبِيرَةَ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا إِلَى حَلِّهَا، أَوْ بُرْئِهَا، وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ، وَعَنْهُ: مِنَ الْمَسْحِ ــ [المبدع في شرح المقنع] [مدة المسح للمُقِيم وَالْمُسَافِر] (وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ) لِأَخْبَارٍ: مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: سَلْ عَلِيًّا فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: هُوَ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ» ، وَالْمُرَادُ بِهِ سَفَرُ الْقَصْرِ، لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الرُّخَصُ، فَإِنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، أَوْ مُحْرِمًا مَسَحَ كَالْمُقِيمِ، جَعْلًا لِوُجُودِ هَذَا السَّفَرِ كَعَدَمِهِ، وَحِينَئِذٍ يَخْلَعُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِنْ خَافَ، أَوْ تَضَرَّرَ رَفِيقُهُ بِانْتِظَارِهِ تَيَمَّمَ، فَلَوْ مَسَحَ وَصَلَّى أَعَادَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَمْسَحُ كَالْجَبِيرَةِ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقِيلَ: يَمْسَحُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ كَغَيْرِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ، وَقِيلَ: لَا يَمْسَحُ أَصْلًا عُقُوبَةً لَهُ (إِلَّا الْجَبِيرَةَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا إِلَى حَلِّهَا، أَوْ بُرْئِهَا) لِأَنَّ مَسْحَهَا لِلضَّرُورَةِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا (وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ) أَيْ: مِنْ وَقْتِ جَوَازِ مَسْحِهِ بَعْدَ حَدَثِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنَّا سَفْرًا، أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّهَا تُنْزَعُ لِثَلَاثٍ يَمْضِينَ مِنَ الْغَائِطِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَاعْتُبِرَ أَوَّلُ وَقْتِهَا مِنْ حِينِ جَوَازِ فِعْلِهَا كَالصَّلَاةِ، فَلَوْ مَضَى

стр. 107

بَعْدَهُ، وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا، ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ، وَإِنْ مَسَحَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ، أَوْ ــ [المبدع في شرح المقنع] مِنَ الْحَدَثِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَوْ ثَلَاثَةٌ إِنْ كَانَ مُسَافِرًا، وَلَمْ يَمْسَحْ، انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، وَمَا لَمْ يُحْدِثْ لَا تُحْتَسَبُ الْمُدَّةُ، فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ لُبْسِهِ يَوْمًا عَلَى طَهَارَةِ اللُّبْسِ، ثُمَّ أَحْدَثَ، اسْتَبَاحَ بَعْدَ الْحَدَثِ الْمُدَّةَ (وَعَنْهُ: مِنَ الْمَسْحِ بَعْدَهُ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: امْسَحْ إِلَى مِثْلِ سَاعَتِكَ الَّتِي مَسَحْتَ فِيهَا. خَرَّجَهُ الْخَلَّالُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵇: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثًا» فَلَوْ كَانَ أَوَّلُهُ الْحَدَثَ لَمْ يُتَصَوَّرْ، إِذِ الْحَدَثُ لَا بُدَّ أَنْ يَسْبِقَ الْمَسْحَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتِ جَوَازِ الْمَسْحِ، وَأَمَّا تَقْدِيرُهُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ ﵇ قَدَّرَهُ بِالْوَقْتِ دُونَ الْفِعْلِ، فَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ الْمُقِيمُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَسْحِ سِتَّ صَلَوَاتٍ، يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَمْسَحُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَيُصَلِّيهَا فِيهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْجَمْعَ أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ سَبْعَ صَلَوَاتٍ، وَالْمُسَافِرُ أَنْ يُصَلِّيَ سِتَّ عَشْرَةَ صَلَاةً، وَإِنْ جَمَعَ فَسَبْعَ عَشْرَةَ صَلَاةً. (وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ) كَمَا فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهَا فِي الْحَضَرِ غَلَبَ حُكْمُهُ، وَلَوْ تَلَبَّسَ بِصَلَاةٍ فِي سَفِينَةٍ، فَدَخَلَتِ الْإِقَامَةُ فِي أَثْنَائِهَا بَطُلَتْ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": فِي الْأَشْهَرِ، وَقَوْلُهُ: أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ مُرَادُهُ: إِذَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ، فَإِنِ اسْتَكْمَلَهَا خَلَعَ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ لِتَغْلِيبِ جَانِبِ الْحَضَرِ، وَذَكَرَ الشِّيرَازِيُّ أَنَّهُ إِذَا مَسَحَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ (وَإِنْ مَسَحَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ) أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْأَكْثَرُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَغْلِيبِ جَانِبِ الْحَضَرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْحَضَرِ أَوْ لَا، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَسَائِلِ الَّتِي أُقِيمَ فِيهَا الزَّمَانُ مَقَامَ الْفِعْلِ، كَمَا إِذَا رَهَنَهُ أَوْ وَهَبَهُ شَيْئًا عِنْدَهُ، وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ، وَمَضَى زَمَنُ إِمْكَانِهِ صَارَ كَالْمَقْبُوضِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ صَلَّى بِطَهَارَةِ الْمَسْحِ فِي

стр. 108

شَكَّ فِي ابْتِدَائِهِ، أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ، وَعَنْهُ: يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ، وَمَنْ أَحْدَثَ، ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الْمَسْحِ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ. وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إِلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ، وَيَثْبُتُ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْحَضَرِ غَلَبَ جَانِبُهُ (أَوْ شَكَّ فِي ابْتِدَائِهِ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْغَسْلُ، وَالْمَسْحَ رُخْصَةٌ، فَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي شَرْطِهَا رُدَّ إِلَى الْأَصْلِ، وَسَوَاءٌ شَكَّ هَلْ أَوَّلُ مَسْحِهِ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ عَلِمَ أَوَّلَ الْمُدَّةِ، وَشَكَّ هَلْ كَانَ مَسْحُهُ حَاضِرًا أَوْ مُسَافِرًا (وَعَنْهُ: يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ) فِيهِمَا، أَمَّا الْأُولَى فَاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " الِانْتِصَارِ "، لِأَنَّ هَذَا مُسَافِرٌ فَيُعْطَى حُكْمُهُ. وَادَّعَى الْخَلَّالُ أَنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ أَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، وَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ; وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلِأَنَّهُ مُسَافِرٌ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: كَوْنُهُ يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ مَعَ الشَّكِّ فِي أَوَّلِهِ غَرِيبٌ بَعِيدٌ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ مَعَ الشَّكِّ فِي إِبَاحَتِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْغَسْلِ، فَلَوْ شَكَّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَمْسَحْ، فَإِنْ مَسَحَ الشَّاكُّ، فَبَانَ بَقَاءُ الْمُدَّةِ صَحَّ وُضُوءُهُ، وَقِيلَ: لَا، كَمَا يُعِيدُ مَا صَلَّى بِهِ مَعَ شَكِّهِ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قَالَ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ: وَمَنْ لَبِسَ وَأَحْدَثَ، وَمَسَحَ، وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ مَسَحَ قَبْلَ الظُّهْرِ أَوْ بَعْدَهَا؛ وَقُلْنَا: ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْمَسْحِ، بُنِيَ الْأَمْرُ فِي الْمَسْحِ فِي الْمُدَّةِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ بَعْدَهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهِ، وَوُجُوبُ الْغَسْلِ، فَعَادَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى أَصْلِهِ. فَرْعٌ: لَوْ مَسَحَ إِحْدَى خُفَّيْهِ فِي الْحَضَرِ، وَالْأُخْرَى فِي السَّفَرِ يَتَوَجَّهُ لَنَا خِلَافٌ. (وَمَنْ أَحْدَثَ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الْمَسْحِ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ) قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَا نَعْلَمُ فِيهِ

стр. 109

بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ، أَوْ كَانَ وَاسِعًا يُرَى مِنْهُ الْكَعْبُ، أَوِ الْجَوْرَبُ خَفِيفًا يَصِفُ الْقَدَمَ، أَوْ يَسْقُطُ مِنْهُ إِذَا مَشَى، أَوْ شَدَّ لَفَائِفَ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ ــ [المبدع في شرح المقنع] خِلَافًا، لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ مُسَافِرًا، وَذَكَرَ فِي الْخِلَافِ و" الرِّعَايَةِ " رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّهُ يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ، كَمَنْ سَافَرَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَلَمْ يُحْرِمْ بِالصَّلَاةِ، وَقِيلَ: إِنْ مَضَى وَقْتُ صَلَاةٍ. [شُرُوطُ الْمَسْحِ عَلَى حَوَائِلِ الرِّجْلِ] (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إِلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ) وَهُوَ الْقَدَمُ كُلُّهُ (وَيَثْبُتُ بِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ، أَوْ كَانَ وَاسِعًا يُرَى مِنْهُ الْكَعْبُ، أَوِ الْجَوْرَبُ خَفِيفًا يَصِفُ الْقَدَمَ، أَوْ يَسْقُطُ مِنْهُ، أَوْ شَدَّ لَفَائِفَ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ) . اعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى حَوَائِلِ الرِّجْلِ شُرُوطٌ. الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، وَإِلَّا فَحُكْمُ مَا اسْتَتَرَ الْمَسْحُ، وَمَا ظَهَرَ الْغَسْلُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى جَمْعِهِمَا، فَوَجَبَ الْغَسْلُ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَسَوَاءٌ كَانَ ظُهُورُهُ لِقِصَرِ الْحَائِلِ، أَوْ سَعَتِهِ، أَوْ صَفَائِهِ، أَوْ خَرْقٍ فِيهِ، وَإِنْ صَغُرَ حَتَّى مَوْضِعِ الْخَرَزِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْخَرْقَ إِذَا انْضَمَّ، وَلَمْ يَبْدُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، لَكِنْ مَالَ الْمَجْدُ إِلَى الْعَفْوِ عَنْ خَرْقٍ لَا يَمْنَعُ مُتَابَعَةَ الْمَشْيِ نَظَرًا إِلَى ظَاهِرِ خِفَافِ الصَّحَابَةِ، وَبَالَغَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَقَالَ: يَجُوزُ عَلَى الْمُخَرَّقِ مَا لَمْ يُظْهِرْ أَكْثَرَ الْقَدَمِ، فَإِنْ ظَهَرَ أَكْثَرُهُ فَهُوَ كَالنَّعْلِ، أَوِ الزَّرْبُولِ الَّذِي لَمْ يَسْتُرِ الْقَدَمَ مِمَّا فِي نَزْعِهِ مَشَقَّةٌ، بِأَنْ لَا يُخْلَعَ بِمُجَرَّدِ خَلْعِ الرِّجْلِ، إِنَّمَا يُخْلَعُ بِالرِّجْلِ الْأُخْرَى أَوْ بِالْيَدِ، وَقَالَ: إِنَّهُ يُغْسَلُ مَا ظَهَرَ مِنَ الْقَدَمِ، وَيُمْسَحُ النَّعْلُ، أَوْ يُمْسَحُ الْجَمِيعُ، مُعْتَمِدًا فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَادِيثَ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ.

стр. 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِنَفْسِهِ، إِذِ الرُّخْصَةُ وَرَدَتْ فِي الْخُفِّ الْمُعْتَادِ، وَمَا لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَسْقُطُ لِزَوَالِ شَرْطِهِ، وَلَا عَلَى اللَّفَائِفِ فِي الْمَنْصُوصِ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا، لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا بِنَفْسِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهَا نَعْلٌ أَوْ لَا، وَلَوْ مَعَ مَشَقَّةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ رِوَايَةً بِالْجَوَازِ، بِشَرْطِ قُوَّتِهَا وَشَدِّهَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ مَسْحُ لِفَافَةٍ تَحْتَ خُفٍّ مُخَرَّقٍ كَجَوْرَبٍ تَحْتَ مُخَرَّقٍ، أَمَّا إِذَا ثَبَتَ الْخُفُّ وَنَحْوُهُ بِنَفْسِهِ، لَكِنْ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ بِدُونِ شَدِّهِ، فَيَجُوزُ مَسْحُهُ مَعَ شَدِّهِ، صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا، اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الزَّرْبُولُ الَّذِي لَهُ أُذُنٌ. الثَّالِثُ: أَنْ يُمْكِنَ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، فَلَوْ تَعَذَّرَ لِضِيقِهِ، أَوْ نَعْلٍ جَدِيدَةٍ، أَوْ تَكْسِيرِهِ كَرَقِيقِ الزُّجَاجِ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا، فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْمَغْصُوبِ، وَالْحَرِيرِ، لِأَنَّ لُبْسَهُ مَعْصِيَةٌ، فَلَا تُسْتَبَاحُ بِهِ الرُّخْصَةُ، وَبَنَاهُ جَمَاعَةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَفِي ثَالِثٍ: إِنْ لَبِسَهُ لِحَاجَةٍ كَالْبِلَادِ الْبَارِدَةِ الَّتِي يَخْشَى فِيهَا سُقُوطَ أَصَابِعِهِ، أَجْزَأَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْفُصُولِ "، و" النِّهَايَةِ ".
следующие страницы →