Полный текст (3 567 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: الْإِبِلُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا، فَتَجِبُ فِيهَا شَاةٌ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
السَّلَامُ -: «فِي الْإِبِلِ السَّائِمَةِ، فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً، شَاةٌ» ، فَذِكْرُهُ السَّوْمَ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلنَّسْلِ وَالدَّرِّ بِخِلَافِ الْمِعْلُوفَةِ وَالْعَوَامِلِ، وَقِيلَ: يَجِبُ فِي الْعَوَامِلِ كَالْإِبِلِ الَّتِي تُكْرَى.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَقِيلَ: وَتَجِبُ فِي مَعْلُوفَةٍ كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ سَائِمَةٍ وَمَعْلُوفَةٍ (وَهِيَ الَّتِي تَرْعَى) الْمُبَاحَ، فَلَوِ اشْتَرَى لَهَا مَا تَرْعَاهُ، أَوْ جَمَعَ لها مَا تَأْكُلُ، فَلَا زَكَاةَ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ هَلِ السَّوْمُ شَرْطٌ أَوْ عَدَمُهُ مَانِعٌ، فَلَا يَصِحُّ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي (أَكْثَرِ الْحَوْلِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ لَامْتَنَعَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ أَصْلًا، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ كُلُّهُ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَا أَثَرَ لِعَلَفِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لِلسَّوْمِ، وَالْعَلَفُ نِيَّةٌ فِي وَجْهٍ، فَلَوْ سَامَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ أَسَامَهَا غَاصِبٌ، وَجَبَتْ كَغَصْبِهِ حَبًّا، وَزَرْعِهِ فِي أَرْضِ مَالِكِهِ، فِيهِ الْعُشْرُ عَلَى رَبِّهِ كَنَبَاتِهِ بِلَا زَرْعٍ، وَإِنِ اعْتَلَفَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ عَلَفَهَا غَاصِبٌ فَلَا زَكَاةَ؛ لِفِقْدَانِ الشَّرْطِ، وَفِي آخَرٍ يُعْتَبَرُ فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ، وَقِيلَ: تَجِبُ إِذَا عَلَفَهَا غَاصِبٌ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، فَقِيلَ: لِتَحْرِيمِ فِعْلِهِ، وَقِيلَ: لِانْتِفَاءِ الْمُؤْنَةِ عَنْ رَبِّهَا، وَقِيلَ: يَجِبُ إِنْ أَسَامَهَا لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ، كَمَا لَوْ كَمُلَ النِّصَابُ بِيَدِ الْغَاصِبِ (وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا الْإِبِلُ) بَدَأَ بِهَا لَبُدَاءَةِ الشَّارِعِ حِينَ فَرَضَ زكاة الْأَنْعَامَ؛ وَلِأَنَّهَا أَهَمُّ؛ لِكَوْنِهَا أَعْظَمَ النِّعَمِ قِيمَةً وَأَجْسَامًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ (وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا) وَهِيَ أَقَلُّ نِصَابِهَا؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الْإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» (فَتَجِبُ فِيهَا شَاةٌ) إِجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ ﵇: " «إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا، فَفِيهَا شَاةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
стр. 772
فَإِنْ أَخْرَجَ بَعِيرًا لَمْ يُجْزِئْهُ، وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشَرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي الْعِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهِيَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُجْزِئُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ شَاةِ الْجُبْرَانِ، وَجَعَلَهُ فِي الشَّرْحَيْنِ إِذَا عَدِمَ الشَّاةَ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: لَا يُجْزِئُهُ مَعَ وُجُودِ الشَّاةِ فِي مِلْكِهِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَتُعْتَبَرُ الشَّاةُ بِصِفَةِ الْإِبِلِ، فَفِي كِرَامٍ سَمِينَةٍ كَرِيمَةٌ سَمِينَةٌ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، وَإِنْ كَانَتْ بَدِيلَ مَعِيبَةٍ. فَقِيلَ: الشَّاةُ كَشَاةِ الصِّحَاحِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَشَاةِ الْفِدْيَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَقِيلَ: بَلْ صِحَّتُهَا بِقَدْرِ الْمَالِ، يَنْقُصُ قِيمَتُهَا بِقَدْرِ نَقْصِ الْإِبِلِ، كَشَاةِ الْغَنَمِ، وَقِيلَ: شَاةٌ تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْقِيمَةِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَبِكُلِّ حَالٍ لَا يُخْرِجُ مَرِيضَةً، وَكَذَا شَاةُ الْجُبْرَانِ، وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا مِنْ جِنْسِ غَنَمِهِ، وَلَا جِنْسِ غَنَمِ الْبَلَدِ، وَلَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ، وَقِيلَ: بَلَى لِإِطْلَاقِهَا (فَإِنْ أَخْرَجَ بَعِيرًا لَمْ يُجْزِئْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَلَمْ تُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ بَقَرَةً، وَكَنِصْفَيْ شَاتَيْنِ فِي الْأَصَحِّ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ أَوَّ لًا، وَإِنَّمَا أَجْزَأَتْ بِنْتُ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ؛ لِأَنَّهُ مُخْرِجٌ لِلْوَاجِبِ، وَزِيَادَةٍ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ، بِخِلَافِ الْبَعِيرِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ شَاةٍ وَسَطٍ فَأَكْثَرَ، بِنَاءً عَلَى إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ إِنْ أَجْزَأَ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ (وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشَرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي الْعِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ) هَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَثَابِتٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ: «فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا، فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ» (فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إِلَّا مَا يُحْكَى عَنْ عَلِيٍّ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ» (وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَةٌ) وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا قَدْ حَمَلَتْ غَالِبًا، وَالْمَاخِضُ: الْحَائِلُ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ تَعْرِيفًا بِغَالِبِ حَالِهَا، كَتَعْرِيفِهِ الرَّبِيبَةَ
стр. 773
الَّتِي لَهَا سَنَةٌ، فَإِنْ عَدِمَهَا أَجْزَاهُ ابْنُ لَبُونٍ، وَهُوَ الَّذِي لَهُ سَنَتَانِ، فَإِنْ عَدِمَهُ أَيْضًا لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَهِيَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِالْحِجْرِ (فَإِنْ عَدِمَهَا) فِي مَالِهِ، أَوْ كَانَتْ مَعِيبَةً (أَجْزَأَهُ ابْنُ لَبُونٍ) لِقَوْلِهِ ﵇: " «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» . " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ» عَلَى وَجْهِهَا؛ لِأَنَّ وُجُودَهَا كَالْعَدَمِ فِي الِانْتِقَالِ إِلَى الْبَدَلِ، وَالْأَشْهَرُ: أَوْ خُنْثَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُ، وَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَيُجْزِئُ حِقٌّ أَوْ جَذَعٌ أَوْ ثَنِيٌّ، وَأَوْلَى لِزِيَادَةِ السِّنِّ، وَفِي بِنْتِ لَبُونٍ، وَلَهُ جُبْرَانٌ وَجْهَانِ، فَإِنِ اشْتَرَى بِنْتَ مَخَاضٍ وَأَخْرَجَهَا أَجْزَأَ بِلَا نِزَاعٍ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَلَا يُجْزِئُ إِخْرَاجُ ابْنِ لَبُونٍ بَعْدَ شِرَائِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ أَعْلَى مِنَ الْوَاجِبِ، لَمْ يُجْزِئْهُ ابْنُ لَبُونٍ، وَالْأَشْهَرُ: لَا يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهَا، بَلْ يُخَيَّرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سِوَى بِنْتِ مَخَاضٍ بِصِفَةِ الْوَاجِبِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّهُ يُخْرِجُ عَنِ الْمِرَاضِ صَحِيحَةً، حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْهُ (وَهُوَ الَّذِي لَهُ سَنَتَانِ) وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ وَضَعَتْ، فَهِيَ ذَاتُ لَبَنٍ (فَإِنْ عَدِمَهُ - أَيْضًا - لَزِمَهُ) شِرَاءُ بِنْتِ (مَخَاضٍ) وَلَا يُجْزِئُهُ هُوَ؛ لِقَوْلِهِ ﵇ فِي خَبَرِ أَبِي بَكْرٍ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ» ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَتَبِعَهُ الْأَصْحَابُ؛ وَلِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْعَدَمِ، فَلَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، كَمَا لَوِ اسْتَوَيَا فِي الْوُجُودِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ (وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ) لِقَوْلِهِ فِي خَبَرِ أَبِي بَكْرٍ: «فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَفِيهَا بنت لَبُونٌ أُنْثَى» وَظَاهِرُهُ: لَا يُجْزِئُ ابْنُ لَبُونٍ، وَقِيلَ: بَلْ يُجْبَرَانِ لِعَدَمٍ (وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ) لِحَدِيثِ الصِّدِّيقِ: «فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ» (وَهِيَ الَّتِي لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ) وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ، سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ تُرْكَبَ وَيُحْمَلَ عَلَيْهَا، وَيَطْرُقَهَا الْفَحْلُ، وَالذَّكَرُ مِنْهَا مُحِقٌّ
стр. 774
الَّتِي لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ.
فصل
وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ، فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، ثُمَّ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ) لِقَوْلِهِ ﵇ فِي الصَّدَقَةِ: «وَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ» (وَهِيَ الَّتِي لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ) وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ، سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَجْذَعُ إِذَا سَقَطَ مِنْهَا سِنُّهَا، وَالذَّكَرُ جَذَعٌ، فَلَوْ أَخْرَجَ ثَنِيَّةً؛ وَهِيَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي السَّادِسَةِ، أَجْزَأَ بِلَا جُبْرَانٍ، سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا أَلْقَتْ ثَنِيَّتَهَا، وَقِيلَ: وَيُجْزِئُ عَنِ الْجَذَعَةِ حِقَّتَانِ، وَابْنَتَا لَبُونٍ، وَابْنَتَا لَبُونٍ عَنِ الْحِقَّةِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ وَنَقَضَهُ بَعْضُهُمْ بِبِنْتِ مَخَاضٍ عَنْ عِشْرِينَ، وَبِبِنْتِ بَنَاتِ مَخَاضٍ عَنِ الْجَذَعَةِ.
١ -
فَصْلٌ
الْأَسْنَانُ الْمَذْكُورَةُ لِلْإِبِلِ هُوَ قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لِبِنْتِ مَخَاضٍ سَنَتَانِ، وَلِبِنْتِ لَبُونٍ ثَلَاثٌ، وَلِحِقَّةٍ أَرْبَعٌ، وَلِجَذَعَةٍ خَمْسٌ كَامِلَةٌ، فَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى بَعْضِ السَّنَةِ؛ وَهُوَ غَرِيبٌ؛ لِقَوْلِهِ: كَامِلَةٌ، وَقِيلَ: لِبِنْتِ مَخَاضٍ نِصْفُ سَنَةٍ، ولبنت لبون سنة، وَلِحِقَّةٍ سَنَتَانِ، وَلِجَذَعَةٍ ثَلَاثٌ (وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ ابْنَتَا لَبُونٍ) إِجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ» (وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ) إِجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ» (فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً) أَيْ: عَلَى الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ (فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ) فِي الْمَشْهُورِ، وَالْمُخْتَارُ للعامة، لظاهر خَبَرُ الصِّدِّيقِ: «فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ» وَبِالْوَاحِدَةِ حَصَلَتِ الزِّيَادَةُ، فَقِيلَ: الْوَاحِدَةُ عَفْوٌ، وَإِنْ تَغَيَّرَ بِهَا الْفَرْضُ، وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِهَا
стр. 775
خَمْسِينَ حِقَّةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ، فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُخْرِجُ الْحَقَاقَ، وَلَيْسَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ شَيْءٌ، وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ، فَعَدِمَهَا، أَخْرَجَ سِنًّا أَسْفَلَ مِنْهَا، وَمَعَهَا شَاتَانِ، أَوْ عِشْرِونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا، وَأَخَذَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ السَّاعِي، فَإِنْ عَدِمَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْوُجُوبُ (ثُمَّ) تَسْتَقِرُّ الْفَرِيضَةُ (فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي خَمْسِينَ حِقَّةٌ) هَذَا الْمَذْهَبُ لِخَبَرِ الصِّدِّيقِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْهُ: لَا يَتَغَيَّرُ الْفَرْضُ إِلَّا إِلَى مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ فَتَسْتَقِرُّ الْفَرِيضَةُ، فَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْآجُرِّيُّ، لِخَبَرِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، فَإِنْ صَحَّ، عُورِضَ بِرِوَايَتِهِ الْأُخْرَى، وَبَّمَا هو أَكْثَرُ مِنْهُ، وَأَصَحُّ (فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ، اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ، فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ) هَذَا الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْبَقَرِ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِلْأَخْبَارِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ: مَا لَمْ يَكُنِ الْمَالُ لِيَتِيمٍ أَوْ مَجْنُونٍ، فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ إِخْرَاجُ الْأَدْوَنِ الْمُجْزِئِ، فَلَوْ جُمِعَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ فِي الْإِخْرَاجِ، كَأَرْبَعِ حِقَاقٍ، وَخَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ عَنْ أَرْبَعِمِائَةٍ جَازَ، جَزَمَ بِهِ الْأَئِمَّةُ، فَإِطْلَاقُ وَجْهَيْنِ سَهْوٌ، أَمَّا مَعَ الْكَسْرِ، فَلَا، كَحِقَّتَيْنِ وَبِنْتَيْ لَبُونٍ وَنِصْفٍ عَنْ مِائَتَيْنِ، وَفِيهِ تَخْرِيجٌ؛ وَهُوَ ضَعْفٌ.
فَرْعٌ: إِذَا وُجِدَ أَحَدُ الْفَرْضَيْنِ كَامِلًا، وَالْآخَرُ نَاقِصًا، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ جُبْرَانٍ يُعَيِّنُ الْكَامِلَ؛ لِأَنَّ الْجُبْرَانَ بَدَلٌ (وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُخْرِجُ الْحِقَاقَ) أَيْ: يَجِبُ إِخْرَاجُهَا، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي " الشَّرْحِ " نَظَرَا لِحَظِّ الْفُقَرَاءِ، إِذْ هِيَ أَنْفَعُ لَهُمْ لِكَثْرَةِ دَرِّهَا وَنَسْلِهَا، وَأَوَّلَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " النَّصَّ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ، وَقَدَّمَ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ": أَنَّ السَّاعِيَ يَأْخُذُ أَفْضَلَهَا، وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: يَأْخُذُ مَا وُجِدَ عِنْدَهُ مِنْهَا، وَمُرَادُهُمْ: لَيْسَ لِلسَّاعِي تَكْلِيفُ الْمَالِكِ سِوَاهُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ سَبَبُهَا النِّصَابُ، فَاعْتُبِرَتْ بِهِ (وَلَيْسَ فِيمَا بَيْنُ الْفَرِيضَتَيْنِ شَيْءٌ) وَتُسَمَّى الْأَوْقَاصُ؛ لِعَفْوِ الشَّارِعِ عَنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ فَعَدِمَهَا) لَمْ يُكَلَّفْ تَحْصِيلَهَا، وَخُيِّرَ الْمَالِكُ، فَإِنْ شَاءَ (أَخْرَجَ سنا أَسْفَلَ مِنْهَا، وَمَعَهَا شَاتَانِ، أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا، وَأَخَذَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ السَّاعِي) هَذَا
стр. 776
السِّنَّ الَّتِي تَلِيهَا، انْتَقَلَ إِلَى الْأُخْرَى، وَجَبَرَهَا بِأَرْبَعِ شِيَاهٍ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا إِلَى سِنٍّ تَلِي الْوَاجِبَ، وَلَا مَدْخَلَ لَلْجُبْرَانِ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا فِي كِتَابِ أَنَسٍ: " «وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا التَّخْيِيرُ ثَابِتٌ فِي كَوْنِ مَا عَدَلَ إِلَيْهِ فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ عَدِمَهَما حَصَلَ الْأَصْلُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ أَدْنَى مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، لِأَنَّهَا أَقَلُّ مَا يَجِبُ فِي زَكَاتِهَا، وَلَا يُخْرِجُ أَعْلَى مِنَ الْجَذَعَةِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى رَبُّ الْمَالِ بِغَيْرِ جُبْرَانٍ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَاقْتَضَى: أَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجَذَعَةُ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَأَخْرَجَ الثَّنِيَّةَ، أَنْ يَأْخُذَ الْجُبْرَانَ مِنَ السَّاعِي، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ بِشَاةٍ وَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِي وَجْهٍ حِذَارًا مِنْ تَخْيِيرٍ ثَالِثٍ، وَيَجُوزُ مِنْ آخَرَ، وقَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الْعَشَرَةَ فِي مُقَابَلَةِ الشَّاةِ (فَإِنْ عَدِمَ السِّنَّ الَّتِي تَلِيهَا، انْتَقَلَ إِلَى الْأُخْرَى وَجَبَرَهَا بِأَرْبَعِ شِيَاهٍ، أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا) أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَوْرَدَهُ الشَّيْخَانِ مَذْهَبًا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَوَّزَ لَهُ الِانْتِقَالَ إِلَى الَّذِي يَلِيهِ مَعَ الْجُبْرَانِ، وَجَوَّزَ الْعُدُولَ عَنْهَا إِذَا عَدِمَ الْجُبْرَانَ إِذَا كَانَ هُوَ الْوَصِيُّ، وَهَاهُنَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا، فَإِذَا عَدِمَ، جَازَ الْعُدُولُ إِلَى مَا يَلِيهِ مَعَ الْجُبْرَانِ، وَلَا شَكَّ فِي التَّعْدِيَةِ إِذَا عُقِلَ مَعْنَى النَّصِّ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَ بِصِفَةِ الصِّحَّةِ، أَوْ لِجَائِزِ الْأَمْرِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ النِّصَابُ مَعِيبًا، وَعُدِمَتِ الْفَرِيضَةُ، فَلَهُ دَفْعُ السِّنِّ السُّفْلَى مَعَ الْجُبْرَانِ، وَلَيْسَ لَهُ دفع مَا فَوْقَهَا مَعَ الْجُبْرَانِ؛ لِأَنَّ الْجُبْرَانَ قَدَّرَهُ الشَّارِعُ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَمَا بَيْنَ الْمَعِيبَيْنِ أَقَلُّ، فَإِذَا دَفَعَهُ الْمَالِكُ صَارَ كَتَطَوُّعِهِ بِالزَّائِدِ بِخِلَافِ السَّاعِي وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمَا إِلَّا إِخْرَاجُ الْأَدْوَنِ؛ وَهُوَ أَقَلُّ الْوَاجِبِ، كَمَا لَا يَتَبَرَّعُ. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) وَابْنُ عَقِيلٍ وَذَكَرَهُ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ ": وهو ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ (لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا إِلَى سِنٍّ تَلِي الْوَاجِبَ) إِذِ النَّصُّ إِنَّمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ، وَالزَّكَاةُ فِيهَا شِيَابَةُ التَّعَبُّدِ (وَلَا مَدْخَلَ لَلْجُبْرَانِ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ) ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إِنَّمَا وَرَدَ فِيهَا،
стр. 777
فَصْلٌ
النَّوْعُ الثَّانِي: الْبَقْرُ، وَلَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ، فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَةٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ، وَفِي السِّتِّينَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ غَيْرُهُا فِي مَعْنَاهَا لِكَثْرَةِ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ لَا تَخْتَلِفُ فَرِيضَتُهَا بِاخْتِلَافِ سِنِّهَا، وَمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْبَقَرِ يُخَالِفُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْإِبِلِ، فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ، فَلَوْ غَيَّرَ صِفَةَ الْوَاجِبِ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَأَخْرَجَ الرَّدِيءَ عَنِ الْجِيدِ، وَزَادَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَضْلِ، لَمْ يُجْزِئْ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ النَّفْعُ بِعَيْنِهَا، فَيَفُوتُ بَعْضُ الْمَقْصُودِ، وَمِنَ الْأَثْمَانِ الْقِيمَةُ.
وَقَالَ الْمَجْدُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ فِي الْمَاشِيَةِ وَغَيْرِهَا.
[زَكَاةُ الْبَقَرِ]
فَصْلٌ
(النَّوْعُ الثَّانِي: الْبَقَرُ) وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَالْبَقَرَةُ تَقَعُ عَلَى الْأُنْثَى وَالذَّكَرُ، وَدَخَلَتِ الْهَاءُ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْ جِنْسٍ، وَالْبَقَرَاتُ: الْجَمْعُ، وَالْبَاقِي جَمَاعَةُ الْبَقَرِ مَعَ رُعَاتِهَا؛ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ بَقَرْتَ الشَّيْءَ إِذَا شَقَقْتَهُ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَرُ الْأَرْضَ بِالْحِرَاثَةِ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا أَحَادِيثُ، مِنْهَا مَا رَوَى مُعَاذٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمَنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ فِي خَبَرِ الصَّدَقَةَ لِقِلَّتِهَا فِي الْحِجَازِ، إِذْ يَنْدُرُ مِلْكُ نِصَابٍ مِنْهَا، بَلْ لَا يُوجَدُ، وَلِمَا أَرْسَلَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ ذَكَرَ لَهُ حُكْمَهَا لِوُجُودِهَا، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا (وَلَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ) وَهِيَ أَقَلُّ نِصَابِهَا (فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعٌ) سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ؛ وَهُوَ جَذَعُ الْبَقْرِ الَّذِي اسْتَوَى قَرْنَاهُ، وَحَاذَى قَرْنُهُ أُذُنَهُ غَالِبًا (أَوْ تَبِيعَةٌ؛ وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَةٌ) وَعِبَارَةُ " الْفُرُوعِ " لِكُلٍّ مِنْهَما سَنَةٌ، وَذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " نِصْفُ سَنَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: سَنَتَانِ (وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ) ؛ لِأَنَّهَا أَلْقَتْ سِنًّا غَالِبًا؛ وَهِيَ الثَّنِيَّةُ (وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ) وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " سَنَةٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ، وَقِيلَ: أَرْبَعٌ،
стр. 778
تَبِيعَانِ، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَلَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ فِي الزَّكَاةِ فِي غَيْرِ هَذَا إِلَّا ابْنُ لَبُونٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ إِذَا عَدِمَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا، فَيُجْزِئُ الذَّكَرُ فِي الْغَنَمِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ فِي أَحَدِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا مُسِنٌّ، بَلْ عَنِ الْأَوَّلِينَ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ عَنْهَا تَبِيعَانِ (وَفِي السِّتِّينَ تَبِيعَانِ، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ) وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مَنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنَ السِّتِّينَ تَبِيعَيْنِ، وَمِنَ السَّبْعِينَ مُسِنَّةً وَتَبِيعًا، وَمِنَ الثَّمَانِينَ مُسِنَّتَيْنِ، وَمِنَ التِّسْعِينَ ثَلَاثَةَ أَتْبَاعٍ، وَمِنَ الْمِائَةِ مُسِنَّةً وَتَبِيعَيْنِ، وَمِنَ الْعَشَرَةِ وَمِائَةٍ مُسِنَّتَيْنِ وَتَبِيعًا، وَمَنِ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثَ مُسِنَّاتٍ وَأَرْبَعَةَ أَتْبَاعٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا آخُذَ مِمَّا بَيْنَ ذَلِكَ شَيْئًا، إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ مُسِنَّةً أَوْ جَذَعًا» "، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَعِشْرِينَ اتَّفَقَ فِيهَا الْفَرْضَانِ كَالْإِبِلِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ هُنَا عَلَى التَّخَيُّرِ.
١ -
(وَلَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ فِي الزَّكَاةِ) إِذَا كَانَتْ ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا؛ لِأَنَّ الْأُنْثَى أَفْضَلُ، لِمَا فِيهَا مِنَ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْإِبِلِ فِي الْأَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ (فِي غَيْرِ هَذَا) إِذِ التَّبِيعُ مَكَانَ التَّبِيعَةِ؛ لِلنَّصِّ السَّابِقِ؛ وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ لَحْمًا، فَتُعَادِلُ الْأُنُوثَةَ (إِلَّا ابْنَ لَبُونٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ إِذَا عَدِمَهَا) ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَيَرْعَى الشَّجَرَ فَيُجْزِئُ بِنَفْسِهِ، وَيَرِدُ الْمَاءَ، لَكِنْ لَيْسَ بِأَصْلٍ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُجْزِئُ مَعَ وُجُودِهَا، بِخِلَافِ التَّبِيعِ فَيُجْزِئُ فِي الثَّلَاثِينَ، وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهَا كَالسِّتِّينَ، وَأَمَّا الْأَرْبَعُونَ وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهَا كَالثَّمَانِينَ، فَلَا يُجْزِئُ فِي فَرْضِهَا إِلَّا الْإِنَاثُ لِنَصِّ الشَّارِعِ عَلَيْهَا، إِلَّا أَنْ يُخْرِجَ عَنِ الْمُسِنَّةِ تَبِيعَيْنِ، فَيُجْزِئُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (إِلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا، فَيُجْزِئُ الذَّكَرُ فِي الْغَنَمِ وَجْهًا وَاحِدًا) ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ، فَلَا يُكَلَّفُهَا مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَقِيلَ: لَا، فَيُخْرِجُ أُنْثَى بِقِيمَةِ الذَّكَرِ (وَ) يُجْزِئُ (مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا سَبَقَ.
الثَّانِي: لَا يُجْزِئُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ نَصَّ عَلَى الْأُنْثَى؛ وَهِيَ أَفْضَلُ، فَفِي الْعُدُولِ
стр. 779
الْوَجْهَيْنِ. وَمِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ، وَمِنَ الْمِرَاضِ مَرِيضَةٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُؤْخَذُ إِلَّا كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ، فَإِنِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَنْهَا عُدُولٌ عَنِ الْمَنْصُوصِ، وَصَحَّحَ فِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ " الْإِجْزَاءَ فِي الْبَقَرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَوَّزْنَا الذَّكَرَ فِي الْغَنَمِ مَعَ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي زَكَاتِهَا مَعَ وُجُودِ الْإِنَاثِ، فَالْبَقَرُ الَّتِي فِيهَا مَدْخَلٌ أَوْلَى.
وَفِي الْإِبِلِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُ، لِمَا ذُكِرَ مِنَ الْمُوَاسَاةِ.
وَالثَّانِي: لَا يُجْزِئُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى إِخْرَاجِ ابْنِ لَبُونٍ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَسِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَفِيهِ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ النِّصَابَيْنِ، فَعَلَى هَذَا يُخْرِجُ أُنْثَى نَاقِصَةً بِقَدْرِ قِيمَةِ الذَّكَرِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُخْرِجُ ابْنَ لَبُونٍ عَنِ النِّصَابَيْنِ، وَيَكُونُ التَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّارِعَ أَطْلَقَ الشَّاةَ الْوَاجِبَةَ، وَنَصَّ عَلَى الْأُنْثَى مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ (وَيُؤْخَذُ مِنَ الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا. . . الْخَبَرَ، وَيُتَصَوَّرُ أَخْذُهَا، فَإِذَا أَبْدَلَ الْكِبَارَ بِالصِّغَارِ، أَوْ بِمَوْتِ الْإِنَاثِ، وَتَبَقَّى الصِّغَارُ، وَهَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ الْحَوْلَ يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا مُفْرَدَةً، وَهَذَا فِي الْغَنَمِ دُونَ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، فَلَا يُجْزِئُ إِخْرَاجُهُ فُصْلَانَ وَعَجَاجِيلَ، فَيُقَوَّمُ النِّصَابُ مِنَ الْكِبَارِ، وَيُقَوَّمُ فَرْضُهُ، ثُمَّ تُقَوَّمُ الصِّغَارُ، وَيُؤْخَذُ عَنْهَا كَبِيرَةٌ بِالْقِسْطِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ فَيُؤْخَذُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إِلَى إِحْدَى وَسِتِّينَ وَاحِدَةً، وَالتَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ مَكَانَهُ زِيَادَةُ السِّنِّ، (وَمِنَ الْمِرَاضِ مَرِيضَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، وَلَيْسَ مِنْهَا أَنْ يُكَلَّفَ غَيْرَ الَّذِي فِي مَالِهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِقِلَّةِ الْعَيْبِ وَكَثْرَتِهِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَأْتِي عَلَى ذَلِكَ، لِكَوْنِ أَنَّ الْمُخْرَجَ وَسَطُ الْقِيمَةِ، (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُؤْخَذُ) فِيهِمَا (إِلَّا كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ) لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ: لَا يَأْخُذُ مَا يَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ.
قَالَ الْقَاضِي: وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ: ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِ مُصَدِّقِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَمَرَنِي أَنْ لَا آخُذُ مِنْ رَاضِعٍ شَيْئًا، إِنَّمَا حَقُّنَا فِي الثَّنِيَّةِ وَالْجَذَعَةِ» .
стр. 780
اجْتَمَعَ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، وَصِحَاحٌ وَمِرَاضٌ، وَذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، لَمْ يُؤْخَذْ إِلَّا أُنْثَى صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ، وَإِنْ كَانَ نَوْعَيْنِ كَالْبَخَاتِيِّ وَالْعِرَابِ، وَالْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ، وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، أَوْ كَانَ فِيهِ كِرَامٌ وَلِئَامٌ، وَسِمَانٌ وَمَهَازِيلُ، أُخِذَتِ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلِقَوْلِ عُمَرَ: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ، وَلَا تَأْخُذْهَا مِنْهُمْ، وَكَشَاةِ الْإِبِلِ. فَعَلَى هَذَا يُكَلَّفُ سَوَاءً كَبِيرَةٌ أَوْ صَحِيحَةٌ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْفَرْضِ لِتَحْصُلَ الْمُوَاسَاةُ، وَالْأَوَّلُ أَشَهَرُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى النَّوْعَيْنِ، وَشَاةُ الْإِبِلِ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ، فَلَا يَرْتَفِقُ الْمَالِكُ، وَهُنَا مِنْ جِنْسِهِ، فَهُوَ كَالْحُبُوبِ (فَإِنْ اجْتَمَعَ) فِي النِّصَابِ (صِغَارٌ وَكِبَارٌ، وَصِحَاحٌ وَمِرَاضٌ، وَذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، لَمْ يُؤْخَذْ إِلَّا أُنْثَى صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) لِلنَّهْيِ عَنْ أَخْذِ الصَّغِيرِ وَالْمَعِيبِ وَالْكَرِيمَةِ لِقَوْلِهِ: «وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ» ؛ ولِتَحْصُلَ الْمُوَاسَاةُ، فَإِذَا كَانَ قِيمَةُ الْمَالِ الْمُخْرَجِ إِذَا كَانَ الْمُزَكَّى كُلُّهُ كِبَارًا صِحَاحًا عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ بِالْعَكْسِ عَشَرَةً، وَجَبَ كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ قِيمَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، هَذَا مَعَ تَسَاوِي الْعَدَدَيْنِ، فَلَوْ كَانَ الثُّلُثُ أَعْلَى، وَالثُّلُثَانِ أَدْنَى، فَشَاةٌ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَثُلُثٌ، وَبِالْعَكْسِ قِيمَتُهَا سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ (وَإِنْ كَانَ نَوْعَيْنِ كَالْبَخَاتِيِّ) ، الْوَاحِدُ: بُخْتِيٌّ، وَالْأُنْثَى بُخْتِيَّةٌ، قَالَ عِيَاضٌ: هِيَ إِبِلٌ غِلَاظٌ ذَوَاتُ سَنَامَيْنِ (وَالْعِرَابِ) هِيَ جُرْدٌ مُلْسٌ حِسَانُ الْأَلْوَانِ كَرِيمَةٌ (وَالْبَقَرِ، وَالْجَوَامِيسِ) وَاحِدُهَا: جَامُوسٌ.
قَالَ مَوْهُوبٌ: هُوَ أَعْجَمِيٌّ تَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ (وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، أَوْ كَانَ فِيهِ كِرَامٌ) وَاحِدُهَا: كَرِيمٌ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ فِي قَوْلِهِ: «وَاتَّقِ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» أَنَّهَا جَمْعُ كَرِيمَةٍ؛ وَهِيَ الْجَامِعَةُ لِلْكَمَالِ الْمُمْكِنِ فِي حَقِّهَا مِنْ غَزَارَةِ لَبَنٍ أَوْ جِمَالِ صُورَةٍ أَوْ كَثْرَةِ لَحْمٍ أَوْ صُوفٍ، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي يَخْتَصُّهَا مَالِكُهَا لِنَفْسِهِ وَيُؤْثِرُهَا (وَلِئَامٌ) وَاحِدٌهَا لَئِيمَةٌ؛ وَهِيَ ضِدُّ الْكَرِيمَةِ (وَسِمَانٌ، وَمَهَازِيلُ، أُخِذَتِ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) ؛ لِأَنَّهَا مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي هَزِيلَةٍ بِقِيمَةِ سَمِينَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي أَيِّ الْأَنْوَاعِ أَحَبَّ، سَوَاءٌ دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ أَوْ لَا، لَكِنْ مِنْ كِرَامٍ وَسِمَانٍ، وَضِدُّهُمَا يُخْرِجُ وَسَطًا، نَصَّ عَلَيْهِ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ السَّاعِي، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ مِنْ ضَأْنٍ وَمَعْزٍ: يُخَيَّرُ السَّاعِيَ لِاتِّحَادِ الْوَاجِبِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ أَبُو بَكْرٍ الْقِيمَةَ فِي النَّوْعَيْنِ.
стр. 781
فَصْلٌ
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْغَنَمُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَيَجِبُ فِيهَا شَاةٌ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْمَعْزِ الثَّنِيُّ، وَمِنَ الضَّأْنِ الْجَذَعُ، وَلَا يُؤْخَذُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ. نَقَلَ حَنْبَلٌ: وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ أَكْثَرِهِمَا عَدَدًا، وَقَدْ تَضَمَّنَ كَلَامُهُ ضَمَّ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ، وَخَرَجَ بِهِ الْخِرَقِيُّ فِي الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَخْرَجَ عَنِ النِّصَابِ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ مَا لَيْسَ فِي مَالِهِ مِنْهُ، جَازَ إِنْ لَمْ يُنْقِصْ قِيمَةَ الْمُخْرَجِ عَنِ النَّوْعِ الْوَاجِبِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ نَقَصَتْ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ هُنَا مُطْلَقًا كَغَيْرِ الْجِنْسِ.
[زَكَاةُ الْغَنَمِ]
فَصْلٌ
(النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْغَنَمُ وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ) وَهِيَ أَقَلُّ نِصَابِهَا إِجْمَاعًا (فَيَجِبُ فِيهَا شَاةٌ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ) إِجْمَاعًا (فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ) وِفَاقًا (ثُمَّ) تَسْتَقِرُّ الْفَرِيضَةُ، فَيَجِبُ (فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ) وَسَنَدُهُ مَا رَوَى أَنَسٌ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ أَنَّهُ قَالَ: " «فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، وَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا» مُخْتَصَرٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْهُ: فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِي زِيَادَتِهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَمِائَةٍ، فَيَكُونُ خَمْسَ شِيَاهٍ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْمِائَةَ زَائِدَةٌ، فَفِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ خَمْسُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ سِتٌّ، وَعَلَى هَذَا أَبَدًا، وَاخْتَلَفَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمِائَةٍ، فَيَجِبُ فِي كُلِّ مِائَةِ
стр. 782
فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا تَيْسٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَهِيَ الْمَعِيبَةُ، وَلَا الرُّبَّى؛ وَهِيَ الَّتِي تُرَبِّي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
شَاةٌ، وَالْوَقْصُ مِائَتَيْنِ مِائَتَيْنِ، وَوَاحِدَةٌ إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ؛ وَهُوَ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ (وَيُؤْخَذُ مِنَ الْمَعْزِ الثَّنِيُّ، وَمِنَ الضَّأْنِ الْجَذَعُ) لِمَا رَوَى سُوِيدُ بْنُ غَفْلَةَ قَالَ: «أَتَانَا مُصَدِّقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: أَمَرَنَا أَنْ نَأْخُذَ الْجَذَعَةَ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيَّةَ مِنَ الْمَعْزِ» وَلِأَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ فِي الْأُضْحِيَّةِ، فَكَذَا هُنَا، الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ: مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ لَا سِنَةٌ، وَالثَّنِيُّ مِنَ الْمَعْزِ: مَا لَهُ سَنَةٌ لَا سَنَتَانِ (وَلَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا تَيْسٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وَفِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ: وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ، إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَرْوِيهِ بِفَتْحِ الدَّالِّ مِنَ الْمُصَدَّقِ يَعْنِي الْمَالِكَ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إِلَى التَّيْسِ فَقَطْ، وَخَالَفَهُ عَامَّةُ الرُّوَاةِ فَقَالُوا: بِكَسْرِهَا، يَعْنِي: السَّاعِيَ، ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ.
وَقَالَ: التَّيْسُ لَا يُؤْخَذُ لِنَقْصِهِ، وَفَسَادِ لَحْمِهِ، فَيَكُونُ كَتَيْسٍ لَا يَضْرِبُ، لَكِنْ قَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّ فَحْلَ الضَّرْبِ لَا يُؤْخَذُ لِجَبْرِهِ، فَلَوْ بَذَلَهُ الْمَالِكُ لَزِمَ قَبُولُهُ حَيْثُ يُقْبَلُ الذَّكَرُ، وَالْهَرِمَةُ: هي الكبيرة الطَّاعِنَةُ فِي السِّنِّ، وَالْعَوَارُ بِفَتْحٍ العين عَلَى الْأَفْصَحِ (وَهِيَ الْمَعِيبَةُ) الَّتِي لَا يُضَحَّى بِهَا، قَالَهُ الْأَكْثَرُ، وَفِي " نِهَايَةِ " الْأَزَجِيِّ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ: إِذَا رُدَّتْ فِي الْبَيْعِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يُؤْخَذُ عَوْرَاءُ، وَلَا عَرْجَاءُ، وَلَا نَاقِصَةُ الْخَلْقِ. وَاخْتَارَ الْمَجْدُ جَوَازَهُ إِنْ رَآهُ السَّاعِي أَنْفَعَ لِلْفُقَرَاءِ لِزِيَادَةِ صِفَةٍ فِيهِ، وَأَنَّهُ أَقْيَسُ بِالْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ إِخْرَاجُ الْمَكْسُورَةِ عَنِ الصِّحَاحِ إِذَا زَادَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَضْلِ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إِلَى الثَّلَاثَةِ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ (وَلَا الرُّبَّى؛ وَهِيَ
стр. 783
وَلَدَهَا، وَلَا الْحَامِلُ، وَلَا كَرَائِمُ الْمَالِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهُ.
وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ، وَإِنْ أَخْرَجَ سِنًّا أَعْلَى مِنَ الْفَرْضِ مِنْ جِنْسِهِ، جَازَ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الَّتِي تُرَبِّي وَلَدَهَا) قَالَهُ أَحْمَدُ، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تُرَبَّى فِي الْبَيْتِ لِأَجْلِ اللَّبَنِ (وَلَا الْحَامِلُ) لِقَوْلِ عُمَرَ: لَا تُؤْخَذُ الرُّبَّى وَلَا الْمَاخِضُ وَلَا الْأَكُولَةُ، وَمُرَادُهُ السَّمِينَةُ، مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ إِخْرَاجُ الْفَرِيضَةِ عَلَى صِفَةٍ مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِالسِّنِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَا يُؤْخَذُ طَرُوقَةُ الْفَحْلُ؛ لِأَنَّهَا تَحْبَلُ غَالِبًا (وَلَا كَرَائِمُ الْمَالِ) وَهِيَ النَّفِيسَةُ، فَهَذِهِ لَا تُؤْخَذُ لِشَرَفِهَا، وَلِحَقِّ الْمَالِكِ (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهُ) ؛ لِأَنَّهُ خَيْرُ الْمَالِ، فَلَمْ يُجْزِئْ أَخْذُهُ بِغَيْرِ رِضَى مَالِكِهِ، وَالْحَقُّ فِي الْوَسَطِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ قَسَّمَ الشَّاء أثلاثا: ثُلُثَ خِيَارٍ، وَثُلُثَ وَسَطٍ، وَثُلُثَ شِرَارٍ، وَأَخَذَ مِنَ الْوَسَطِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، يُؤَيِّدُه قَوْلَهُ ﵇: " «وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ شَرَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ]
(وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇ لِمُعَاذٍ: " «خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالْإِبِلَ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرَ مِنَ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمَ مِنَ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَاشِيَةِ وَغَيْرِها.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قِيلَ لِأَحْمَدُ: أُعْطِي دَرَاهِمَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ؟ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ لَا يُجْزِئَ، خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَعَنْهُ: يَجُوزُ) لِقَوْلِ مُعَاذٍ: ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، فَإِنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْكُمْ، وَأَنْفَعُ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ. وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ حَاجَةِ الْفُقَرَاءِ، وَلَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ صُوَرِ الْأَمْوَالِ إِذَا حَصَلَتِ الْقِيمَةُ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": هَذَا فِيمَا عَدَا صَدَقَةَ الْفِطْرِ، فَتَكُونُ بِالْبُرِّ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ
стр. 784
فَصْلٌ
فِي الْخُلْطَةِ وَإِذَا اخْتَلَطَ نَفْسَانِ، أَوْ أَكْثَرُ، مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، فِي نِصَابٍ مِنَ الْمَاشِيَةِ حَوْلًا، لَمْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِلْحَاجَةِ إِنْ تَعَذَّرَ الْفَرْضُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِلنُّصُوصِ، وَقَوْلُ مُعَاذٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْجِزْيَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ مَجَازًا، وَقَوْلُهُ: مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَالَحَهُمْ عَنْ أَرَاضِيهِمْ بِذَلِكَ. قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا؛ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْفُقَرَاءِ وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَالِ، فَيَتَنَوَّعُ الْوَاجِبُ لِيَصِلَ إِلَى الْفَقِيرِ مَنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ، وَيَحْصُلُ شُكْرُ النِّعْمَةِ بِالْمُوَاسَاةِ مَنْ جِنْسِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ فِي تَجْوِيزِ إِخْرَاجِ غَيْرِهَا عُدُولًا عَنِ الْمَفْرُوضِ (وَإِنْ أَخْرَجَ سِنًّا أَعْلَى مِنَ الْفَرْضِ مِنْ جِنْسِهِ) كَبِنْتِ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ (جَازَ) قَالَهُ الْأَئِمَّةُ، لِمَا رَوَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: " «أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتَانِي رَسُولُكَ لِيَأْخُذَ مِنِّي صَدَقَةَ مَالِي، فَزَعَمَ أَنَّ مَا عَلَيَّ مِنْهُ بِنْتَ مَخَاضٍ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ نَاقَةً فَتِيَّةً سَمِينَةً، فَقَالَ ﵇: ذَاكَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْكَ، فَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللَّهُ فِيهِ، وَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ، فَقَالَ: هَا هِيَ ذِهْ، فَأَمَرَ بِقَبْضِهَا، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَلِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ مِنْ جِنْسِهِ مَا يُجْرِئُ عَنْ غَيْرِهِ فَأَجْزَأَ، كَمَا لَوْ زَادَ فِي الْعَدَدِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا: لَا يُجْزِئُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ فِي الْخُلْطَةِ]
[تَعْرِيفُ الْخُلْطَةِ]
فَصْلٌ
فِي الْخُلْطَةِ بِضَمِّ الْخَاءِ: الشَّرِكَةُ؛ وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ (وَإِذَا اخْتَلَطَ نَفْسَانِ) ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْوَاحِدُ، وَلَا خُلْطَةَ مَعَهُ (أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ) فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُكَاتَبًا أَوْ ذِمِّيًّا، فَلَا أَثَرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي مَالِهِ، فَلَمْ يَكْمُلِ النِّصَابُ بِهِ (فِي نِصَابٍ) فَلَوْ كَانَ الْمَجْمُوعُ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ،
стр. 785
يَثْبُتْ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِهِ، فَحُكْمُهَما فِي الزَّكَاةِ حُكْمُ الْوَاحِدِ، سَوَاءٌ كَانَتْ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ، بِأَنْ يَكُونَ مُشَاعًا بَيْنَهُمَا، أَوْ خُلْطَةَ أَوْصَافٍ بِأَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا، فَاشْتَرَكَا فِي الْمُرَاحِ، وَالْمَسْرَحِ، وَالْمَشْرَبِ، وَالْمَحْلَبِ، وَالرَّاعِي، وَالْفَحْلِ، فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا أَوْ ثَبَتَ لَهُمَا حكم الِانْفِرَادُ فِي بَعْضِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَلَا عِبْرَةَ فِي ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُ الْجَوَازُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى (مِنَ الْمَاشِيَةِ) فَلَا يُؤَثِّرُ فِي غَيْرِهَا، وَسَيَأْتِي (حَوْلًا لَمْ يَثْبُتْ لَهَما حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِهِ) ؛ لِأَنَّ الْخُلْطَةَ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ إِيجَابُ الزَّكَاةِ، فَاعْتُبِرَتْ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ، كَالنِّصَابِ (فَحُكْمُهَما فِي الزَّكَاةِ حُكْمُ الْوَاحِدِ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ جَمْعِ التَّفَرُّقِ وَعَكْسِهِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَسَوَاءٌ أَثَّرَتْ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ أَوْ إِسْقَاطِهَا، أَوْ فِي تَغْيِيرِ الْفَرْضِ، فَلَوْ كَانَ لِأَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ أَرْبَعُونَ شَاةً، أَوْ لِوَاحِد شَاةٌ، وَلِلْآخَرِ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ لَزِمَهُمْ شَاةٌ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَمَعَ الِانْفِرَادِ لَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ لِثَلَاثَةٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً، لَزِمَهُمْ شَاةٌ، وَمَعَ الِانْفِرَادِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ (سَوَاءٌ كَانَتْ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ) ؛ لِأَنَّ أَعْيَانَهَا مُشْتَرِكَةٌ (بِأَنْ يَكُونَ مُشَاعًا بَيْنَهُمَا) بِأَنْ مَلَكَاهُ بِإِرْثٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهَا (أَوْ خُلْطَةَ أَوْصَافٍ بِأَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَما مُتَمَيِّزًا) عَنِ الْآخَرِ بِصِفَةٍ أَوْ صِفَاتٍ (وَاشْتَرَكَا) فِي الْأَوْصَافِ الْآتِي ذِكْرُهَا، وَيُعْتَبَرُ فِيهَا أَنْ لَا يَتَمَيَّزَ (فِي الْمُرَاحِ) بِضَمِّ الْمِيمِ: الْمَكَانُ الَّذِي تَرُوحُ إِلَيْهِ الْمَاشِيَةُ عِنْدَ رُجُوعِهَا فَتَبِيتُ فِيهِ، (وَالْمَسْرَحِ) مَوْضِعُ الرَّعْيِ، وَفَسَّرَهُ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرُهُ: مَوْضِعُ جَمْعِهَا عِنْدَ خُرُوجِهَا لِلرَّعْيِ (وَالْمَشْرَبِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ: الْمَكَانُ الَّذِي يُشْرَبُ فِيهِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ (وَالْمَحْلَبِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ: الْمَوْضِعُ الذي يُحْلَبُ فِيهِ، وَبِكَسْرِ الْمِيمِ: الْإِنَاءُ، وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ خَلْطَ اللَّبَنِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرْفَقٍ، بَلْ مَشَقَّةً لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى قَسْمِ اللَّبَنِ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إِلَى الرِّبَا، وَقِيلَ: يَلْزَمُ خَلْطُ اللَّبَنِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الْآنِيَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " (وَالرَّاعِي) كَذَا قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَأَسْقَطَ الْمَحْلَبَ، (وَالْفَحْلِ) وجَزَمَ بِهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الْمُعَدُّ لِلضَّرْبِ، وَلَيْسَ الْمُعْتَبَرُ اتِّخَاذَهُ، وَلَا أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا، بَلْ أَنْ لَا يَتَمَيَّزَ فُحُولُ الْمَالَيْنِ عَنِ الْآخَرِ عِنْدَ الضَّرْبِ. وَجَمَعَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " بَيْنَ الْمَسْرَحِ
стр. 786
الْحَوْلِ، زَكَّيَا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدَيْنِ فِيهِ، وَإِنْ ثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ وَحْدَهُ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْمَرْعَى كَالْخِرَقِيِّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنِ الْخِرَقِيَّ أَرَادَ بِالرَّعْيِ: الرَّعْيَ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ لَا الْمَكَانُ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَسْرَحِ: الْمَصْدَرَ الَّذِي هُوَ السُّرُوحُ لَا الْمَكَانُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ زَالَ التَّكْرَارُ، وَحَصَلَ بِهِ اتِّحَادُ الرَّاعِي وَالْمَشْرَبِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْمَرْعَى وَالْمَسْرَحُ شَرْطٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَحْمَدُ الْمَسْرَحَ لِيَكُونَ فِيهِ رَاعٍ وَاحِدٌ، وَقَالَ فِي " الْوَاضِحِ ": " الْفَحْلِ وَالرَّاعِي وَالْمَحْلَبِ، وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ الْمُرَاحَ وَالْمَسْرَحَ وَالْفَحْلَ وَالْمَرْعَى، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ الرَّاعِي فَقَطْ، وَذَكَرَ رِوَايَةً أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الرَّاعِي وَالْمُبَيَّتُ فَقَطْ، وَفِيهِ طُرُقٌ أُخْرَى، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ لِاعْتِبَارِ ذَلِكَ بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «الْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا عَلَى الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّاعِي» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو عَبِيدٍ، وَجَعَلَ بَدَلَ الرَّاعِي الْمَرْعَى، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ، فَيَتَوَجَّهُ الْعَمَلُ بِالْعُرْفِ فِي ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ خُلْطَةَ الْأَوْصَافِ لَا أَثَرَ لَهَا، كَمَا يُرْوَى عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ الْمَالِ بِنَفْسِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلْخُلْطَةِ نِيَّةٌ؛ وَهِيَ فِي خُلْطَةِ الْأَعْيَانِ إِجْمَاعٌ، وَكَذَا فِي خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ فِي الْأَصَحِّ، وَاحْتَجَّ الْمُؤَلِّفُ بِنِيَّةِ السَّوْمِ فِي السَّائِمَةِ، وَكَنِيَّةِ السَّقْيِ فِي الْمُعَشَّرَاتِ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهَا يُعْتَبَرُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مَعْنًى يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، فَافْتَقَرَ إِلَى النِّيَّةِ كَالسَّوْمِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي خَلْطٍ وَقَعَ اتِّفَاقًا، أَوْ فَعَلَهُ رَاعٍ وَتَأَخَّرَ النِّيَّةُ عَنِ الْمِلْكِ، وَقِيلَ: لَا يَضُرُّ تَأْخِيرُهَا بِزَمَنٍ يَسِيرٍ، لتقديمها على الملك بزمن يسير (فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا) بَطَلَ حُكْمُهَا لِفَوَاتِ شَرْطِهَا، وَصَارَ وُجُودُهَا كَالْعَدَمِ، فَيُزَكِّي كُلُّ وَاحِدٍ مَالَهُ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا وَإِلَّا فَلَا (أَوْ ثَبَتَ لَهَما حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ) كَرَجُلَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابُ مِلْكِهِ فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ ثُمَّ اخْتَلَطَا بَعْدَ ذَلِكَ (زَكَّيَا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدَيْنِ فِيهِ) يَعْنِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ شَاةٌ، وَفِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ السِّنِينَ يُزَكِّيَانِ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ، فَإِنِ اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا أَخْرَجَا شَاةً عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ نِصْفَيْنِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ نِصْفُ شَاةٍ، وَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ الْمَالِ، فَعَلَى الثَّانِي نِصْفُ شَاةٍ أَيْضًا، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنَ الْمَالِ فَقَدْ تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي عَلَى تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ شَاةً ونصف
стр. 787
فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ، وَعَلَى الثَّانِي زَكَاةُ الْخُلْطَةِ، ثُمَّ يُزَكِّيَانِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ الْحَوْلِ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ، كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنْهَا.
و إِنْ مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ مُشَاعًا ، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بَعْضِهِ، وَبَاعَهُ مُخْتَلِطًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَيَسْتَأْنِفَانِهِ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَنْقَطِعُ حَوْلُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
شاة، لَهُ مِنْهَا أَرْبَعُونَ شَاةً، يَلْزَمُهُ أَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا وَنِصْفِ جُزْءٍ مِنْ شَاةٍ، فَيُضَعِّفُهَا لِتَكَوُّنَ ثَمَانِينَ جُزْءًا مِنْ مِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ، كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ مِنْ زَكَاةِ الْجَمِيعِ بِقَدْرِ مَا لَهُ فِيهِ (وَإِنْ ثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ وَحْدَهُ) بِأَنْ يَمْلُكَ رَجُلَانِ نِصَابَيْنِ، ثُمَّ يَخْلِطَاهُمَا، ثُمَّ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ أَجْنَبِيًّا بَعْدَ مِلْكِ الْمُشْتَرِي أَرْبَعِينَ، ثُمَّ يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ، فَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ (فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ) وَهُوَ شَاةٌ لِثُبُوتِ حُكْمِ الِانْفِرَادِ مِنْ حَقِّهِ (وَعَلَى الثَّانِي) إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ (زَكَاةُ الْخُلْطَةِ) وَهُوَ نِصْفُ شَاةٍ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ مُخَالِطًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَ مِنْهُ، لَزِمَهُ أَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ (ثُمَّ يُزَكِّيَانِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ الْحَوْلِ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ) ؛ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ بِشُرُوطِهَا (كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَالَهُ مِنْهَا) أَيْ: يُزَكِّي بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ يُزَكِّي مَا عَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ الثَّانِي، وَلَا يَنْتَظِرُ حَوْلَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ بَعْدَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا، وَإِنَّ الْمُشْتَرِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ زَكَاتِهِ إِلَى رَأْسِ حَوْلِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَهَا قَبْلَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ لَا يَجِبُ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصَابٌ، فَعَلَى كُلٍّ مِنْهَما نِصْفُ شَاةٍ، فَإِنْ كَانَ لِلْأَوَّلِ أَرْبَعُونَ، وَلِلثَّانِي ثَمَانُونَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثُ شَاةٍ، وَعَلَى الثَّانِي ثُلُثَاهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا.
تَنْبِيهٌ: يَثْبُتُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ - أَيْضًا - فِيمَا إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ، وَلِلْآخَرِ دُونَهُ، ثُمَّ يَخْتَلِطَانِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، وَكَذَا إِذَا أَبْدَلَ نِصَابًا مُنْفَرِدًا بِنِصَابٍ مُخْتَلِطٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَقُلْنَا: لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ بِهِ، زَكَّيَا زَكَاةَ انْفِرَادٍ، كَمَالٍ وَاحِدٍ حَصَلَ الِانْفِرَادُ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ حَوْلِهِ، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى أَحَدُ الْخَلِيطَيْنِ بِأَرْبَعِينَ مُخْتَلِطَةً أَرْبَعِينَ مُنْفَرِدَةً، وَخَلَطَهَا فِي الْحَالِ، لِوُجُودِ الِانْفِرَادِ مِنْ بَعْضِ الْحَوْلِ، وَقِيلَ: يُزَكِّي زَكَاةَ خُلْطَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى حَوْلِ خُلْطَةٍ، وَزَمَنُ الِانْفِرَادِ يَسِيرٌ.
[إِنْ مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ مُشَاعًا]
(وإِنْ مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ مُشَاعًا، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بَعْضِهِ) أَيْ: عَيَّنَهُ (وَبَاعَهُ مُخْتَلِطًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَيَسْتَأْنِفَانِهِ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ)
стр. 788
الْبَائِعِ، وَعَلَيْهِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ زَكَاةُ حِصَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ أَخْرَجَهَا مِنَ الْمَالِ انْقَطَعَ حَوْلُ الْمُشْتَرِي، لِنُقْصَانِ النِّصَابِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَقُلْنَا: الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا فِي الذِّمَّةِ، فَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ حِصَّتِهِ. وَإِنْ أَفْرَدَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ فِي النِّصْفِ الْمَبِيعِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ أَصْلًا، فَلَزِمَ انْقِطَاعُ الْحَوْلِ في الثَّانِي (وقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَنْقَطِعُ حَوْلُ الْبَائِعِ) فِيمَا لم يَبِعْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُخَالِطًا لِمَالٍ جَارٍ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ (وَعَلَيْهِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ زَكَاةُ حِصَّتِهِ) فَيَلْزَمُهُ نِصْفُ شَاةٍ لِكَوْنِهِ مَا خَلَا حَوْلُهُ مِنْ مِلْكِ نِصْفِ نِصَابٍ، فَهُوَ كَالْخَلِيطِ إِذَا تَمَّ مَالُهُ بِمَالِ شَرِيكِهِ (فَإِنْ كَانَ) الْبَائِعُ (أَخْرَجَهَا مِنَ الْمَالِ انْقَطَعَ حَوْلُ الْمُشْتَرِي) ذَكَرَهُ الْمَجْدُ إِجْمَاعًا، فَعَلَى هَذَا: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ (لِنُقْصَانِ النِّصَابِ) فِي بَعْضِ الْحَوْلِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَدِيمَ الْفَقِيرُ الْخُلْطَةَ بِنِصْفِهِ، فَلَا يَنْقُصُ النِّصَابَ إِذًا، وَيُخْرِجُ الثَّانِي نِصْفَ شَاةٍ، وَقِيلَ: إِنْ زَكَّى الْبَائِعُ مِنْهُ إِلَى فَقِيرِ زَكَّى الْمُشْتَرِي (وَإِنْ أَخْرَجَهَا) الْبَائِعُ (مِنْ غَيْرِهِ، وَقُلْنَا: الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ، فَكَذَلِكَ) وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَقِيَّةِ كُتُبِهِ وَصَحَّحَهُ، وَعَزَاهُ إِلَى أَبِي الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَهَا بِالْعَيْنِ يُنْقِصُ النِّصَابَ، فَمَنَعَ وُجُوبَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَجَزَمَ الْأَكْثَرُ مِنْهُمُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي نِصْفُ شَاةٍ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِالْعَيْنِ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْحَوْلِ الثَّانِي بِالِاتِّفَاقِ، وَالْفَقِيرُ لَا يَمْلِكُ جُزْءًا مِنَ النِّصَابِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِهِ كَتَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِالْجَانِي، فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَهَا، وَضَعَّفَ الْمَجْدُ الْأَوَّلَ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَقَالَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مَوْضِعٌ يُخَالِفُهُ، مَعَ أَنَّ فِي كَلَامِهِ نَظَرًا مِنْ حَيْثِيَّةِ أَنَّهُ بَعْدَ إِخْرَاجِهَا كَيْفَ يُتَصَوَّرُ التَّعَلُّقُ؟ لِأَنَّ بَعْدَ الْأَدَاءِ لَا يَجُوزُ تَعَلُّقُهَا، كَمَا لَا يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِالرَّهْنِ بَعْدَ أَدَائِهِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ بِالْجَانِي بَعْدَ فِدَائِهِ (وَإِنْ قُلْنَا فِي الذِّمَّةِ فَعَلَيْهِ) أَيِ: الْمُشْتَرِي (عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ حِصَّتِهِ) لِعَدَمِ نُقْصَانِ النِّصَابِ فِي حَقِّهِ مُطْلَقًا، وَعَكْسُهَا صُورَةُ لَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ نِصَابُ خُلْطَةٍ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا خَلِيطَهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ خَلِيطُ نَفْسِهِ، ثم صار خليط أجنبي، وهاهنا كان خليط أجنبي،
стр. 789
بَعْضَهُ وَبَاعَهُ، ثُمَّ اخْتَلَطَا، انْقَطَعَ الْحَوْلُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ إِذَا كَانَ زَمَنًا يَسِيرًا.
وَ إِنْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا مُشَاعًا ، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ حُكْمُ الِانْفِرَادِ، وَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ عَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ وَجْهًا وَاحِدًا.
وَ إِذَا مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ مَلَكَ آخَرَ ، لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، مِثْلُ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ، وَأَرْبَعِينَ فِي صَفَرٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ثم صار خليط نفسه، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ اسْتَدَانَ مَا أَخْرَجَهُ، وَلَا مَالَ لَهُ يُجْعَلُ فِي مُقَابَلَةِ دَيْنِهِ إِلَّا مَالَ الْخُلْطَةِ، أَوْ لَمْ يُخْرِجِ الْبَائِعُ الزَّكَاةَ حَتَّى تَمَّ حَوْلُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ قُلْنَا: الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، أَوْ قُلْنَا: يَمْنَعُ، لَكِنْ لِلْبَائِعِ مَالٌ يُجْعَلُ فِي مُقَابَلَةِ دَيْنِ الزَّكَاةِ، زَكَّى الْمُشْتَرِي حِصَّتَهُ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ نِصْفَ شَاةٍ، وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ أَفْرَدَ بَعْضَهُ وَبَاعَهُ ثُمَّ اخْتَلَطَا، انْقَطَعَ الْحَوْلُ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، لِوُجُودِ الِانْفِرَادِ فِي الْبَعْضِ، وَكَحُدُوثِ بَعْضِ مَبِيعٍ بَعْدَ سَاعَةٍ (وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ إِذَا كَانَ زَمَنًا يَسِيرًا) ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ مُشَاعًا.
[إِنْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ شَهْرًا ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا مُشَاعًا]
(وَإِنْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمَا مُشَاعًا، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ حُكْمُ الِانْفِرَادِ) ؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ الْبَيْعَ يَقْطَعُ الْحَوْلَ، فَيَصِيرُ الْبَائِعُ كَأَنَّهُ مَلَكَ نِصَابًا مُنْفَرِدًا (وَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ) لِثُبُوتِ حُكْمِ الِانْفِرَادِ لَهُ (وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ: عَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ) لِاخْتِيَارِهِ عَدَمَ الِانْقِطَاعِ بِالْبَيْعِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةُ خُلْطَةٍ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ مُخَالِطًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ (فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ وَجْهًا وَاحِدًا) ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ الَّتِي لَهُ لَمْ تَزَلْ مُخْتَلِطَةً فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ.
[إِذَا مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا ثُمَّ مَلَكَ آخَرَ]
(وَإِذَا مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ مَلَكَ آخَرَ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، مِثْلُ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ، وَأَرْبَعِينَ فِي صَفَرٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ) وَهِيَ شَاةٌ لِانْفِرَادِهَا فِي بَعْضِ الْحَوْلِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي) إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ
стр. 790
عَلَيْهِ للثَّانِي زَكَاةُ خُلْطَةٍ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِائَةَ شَاةٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، وَلَا يَبْلُغُ نِصَابًا، مِثْلُ أَنْ مَلَكَ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَعَشْرًا فِي صَفَرٍ، فَعَلَيْهِ فِي الْعَشْرِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا رُبْعُ مُسِنَّةٍ.
وَإِنْ مَلَكَ مَا لَا يُغَيِّرُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مِلْكٌ وَاحِدٌ، فَلَمْ يَزِدْ فَرْضُهُ عَلَى شَاةٍ كَمَا لَوِ اتَّفَقَتْ أَحْوَالُهُ، وَلِلْعُمُومِ فِي الْأَوْقَاصِ كَمَمْلُوكٍ دُفْعَةً (وَفِي الْآخَرِ عَلَيْهِ لِلثَّانِي زَكَاةُ خُلْطَةٍ) وَهُوَ نِصْفُ شَاةٍ، لِاخْتِلَاطِهَا بِالْأَرْبَعِينَ الْأُولَى (كَالْأَجْنَبِيِّ فِي) الْمَسْأَلَةِ (الَّتِي قَبْلَهَا) وَقِيلَ: يَجِبُ شَاةٌ كَالْأُولَى، وَكَمَا لِمُنْفَرِدٍ، وَعَلَى الثَّانِي فِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ يُزَكِّيهِمَا زَكَاةَ خُلْطَةٍ، كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ إِحْدَاهُمَا، أَخْرَجَ قِسْطَهَا نِصْفَ شَاةٍ، فَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ أُخْرَى فِي رَبِيعٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا شَيْءَ سِوَى الشَّاةِ الْأُولَى، وَعَلَى الثَّانِي: زَكَاةُ خُلْطَةٍ ثُلُثُ شَاةٍ؛ لِأَنَّهَا ثُلُثُ الْجَمْعِ، وَفِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ فِي كُلٍّ ثُلُثُ شَاةٍ لِتَمَامِ حَوْلِهَا، وَعَلَى الثَّالِثِ شَاةٌ (وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِائَةَ شَاةٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ، وَجْهًا وَاحِدًا) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " كَمَا لَوِ انْقَضَتْ أَحْوَالُهُ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُجْعَلَا كَالْمَالِ الْوَاحِدِ لِمَالِكٍ أَوْ كَمَالَيْنِ لِمَالِكَيْنِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَجِبُ شَاةٌ أُخْرَى، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهَذَا عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يَنْظُرُ هُنَا إِلَى زَكَاةِ الْجَمِيعِ، فَيَسْقُطُ مِنْهَا مَا وَجَبَ فِي الْأَوَّلِ، وَيَجِبُ الْبَاقِي فِي الثَّانِي، وَكَذَا عَلَى الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ يُعْتَبَرُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وَكَذَا هُنَا، وَعَلَى الثَّانِي: يَجِبُ زَكَاةُ خُلْطَةٍ؛ وَهِيَ شَاةٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ شَاةٍ؛ لِأَنَّ فِي الْكُلِّ شَاتَيْنِ، حِصَّةُ الْمِائَةِ مِنْهَا خَمْسَةُ أَسْبَاعِ الْكُلِّ بِحِصَّتِهَا مِنْ فَرْضِهِ خَمْسَةُ أَسِبَاعِهِ، فَلَوْ مَلَكَ مِائَةً أُخْرَى فِي رَبِيعٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ شَاةٌ، وَعَلَى الثَّانِي شَاةٌ وَرُبْعٌ؛ لِأَنَّ فِي الْكُلِّ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَالْمِائَةُ رُبْعُ الْكُلِّ وَسُدْسُهُ، فَحِصَّتُهَا مِنْ فَرْضِهِ رُبْعُهُ وَسُدْسُهُ، وَفِي إِحْدَى وَثَمَانِينَ شَاةً بَعْدَ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، وَقِيلَ: شَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ مِائَةٍ، وَأَحَدٌ وَعِشْرونَ جُزْءًا مِنْ شَاةِ الْخَلِيطِ (وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ وَلَا يَبْلُغُ نِصَابًا، مِثْلُ أَنْ مَلَكَ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَعَشْرًا فِي صَفَرٍ) فَيَجِبُ فِي ثَلَاثِينَ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا تَبِيعٌ، وَأَمَّا الْمُسْتَفَادُ (فَعَلَيْهِ فِي الْعَشْرِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا رُبْعُ مُسِنَّةٍ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْفَرِيضَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْمُسِنَّةِ قَدْ كَمُلَتْ، وَقَدْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الثَّلَاثِينَ، فَوَجَبَ فِي الْعَشْرِ، يَقْطَعُهَا مِنَ الْمُسِنَّةِ وَهُوَ رُبْعُهَا، وَعَلَى الثَّالِثِ: لَا يَجِبُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ مَلَكَهَا مُنْفَرِدَةً.
[إِنْ مَلَكَ مَا لَا يُغَيِّرُ الْفَرْضَ]
(وَإِنْ مَلَكَ مَا لَا يُغَيِّرُ الْفَرْضَ
стр. 791
الْفَرْضَ كَخَمْسٍ، فَلَا شَيْءَ فِيهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الثَّانِي: عَلَيْهِ سُبْعُ تَبِيعٍ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا، وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّونَ شَاةً، كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا مُخْتَلِطَةٌ بِعِشْرِينَ لِآخَرَ، فَعَلَى الْجَمِيعِ شَاةٌ، نِصْفُهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ، وَنِصْفُهَا عَلَى خُلَطَائِهِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سُدُسُ شَاةٍ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ عَشْرٍ مِنْهَا مُخْتَلِطَةً بِعَشْرٍ لِآخَرَ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى خُلَطَائِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِطُوا فِي نِصَابٍ، وَإِذَا كَانَتْ مَاشِيَةُ الرَّجُلِ مُتَفَرِّقَةً فِي بَلَدَيْنِ لَا تُقْصَرُ بَيْنَهُمَا الصَّلَاةُ فَهِيَ كَالْمُجْتَمِعَةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّ لِكُلِّ مَالٍ حُكْمَ نَفْسِهِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَخَمْسٍ فَلَا شَيْءَ فِيهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ وَقْصٌ، وَكَمَا لَوْ مَلَكَهُمَا دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا عَلَى الثَّالِثِ (وَفِي الثَّانِي عَلَيْهِ سُبْعُ تَبِيعٍ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا) ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِطٌ بِخَمْسٍ كَثَلَاثِينَ كَالْأَجْنَبِيِّ (وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّونَ شَاةً، كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا مُخْتَلِطَةٌ بِعِشْرِينَ لِآخَرَ، فَعَلَى الْجَمِيعِ شَاةٌ) ؛ لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ شَيْئًا يَجِبُ فِيهِ شَاةٌ عَلَى الِانْفِرَادِ، فَكَذَا فِي الِاخْتِلَاطِ (نِصْفُهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ، وَنِصْفُهَا عَلَى خُلَطَائِهِ، عَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ سُدْسُ شَاةٍ) ضُمَّ الْمَالُ كُلُّ خَلِيطٍ إِلَى مَالِ الْكُلِّ، فَيَصِيرُ كَمَالٍ وَاحِدٍ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَمَحَلُّهُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ قَصْرٍ، أَوْ كَانَ عَلَى رِوَايَةٍ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُمْ شَاتَانِ وَرُبْعٌ، عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِطُ الْعِشْرِينَ خُلْطَةَ وَصْفٍ، وَلِأَرْبَعِينَ بِجَهَةِ الْمِلْكِ، وَحِصَّةُ الْعِشْرِينَ مِنْ زَكَاةِ الثَّمَانِينَ رُبْعُ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِطُ الْعِشْرِينَ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ فِي الْجَمِيعِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، عَلَى رَبِّ السِّتِّينَ شَاةٌ وَنِصْفٌ، جُعِلَا لِلْخُلْطَةِ قَاطِعَةً بَعْضَ مِلْكِهِ عَنْ بَعْضٍ، وَعَلَى كُلِّ خَلِيطٍ نِصْفُ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُخَالِطْ سِوَى عِشْرِينَ (وإِنْ كَانَتْ كُلُّ عَشْرٍ مِنْهَا مُخْتَلِطَةً بِعَشْرٍ لِآخَرَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ نِصَابًا، وَقَدْ فَاتَ هُنَا، فَوَجَبَ عَلَى مَالِكِ السِّتِّينَ شَاةٌ (وَلَا شَيْءَ عَلَى خُلَطَائِهِ) وَأَبْرَزَ الْمُؤَلِّفُ عِلَّتَهُ.
فَقَالَ: (لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِطُوا فِي نِصَابٍ) بِخِلَافِ الْأُولَى (وَإِذَا كَانَتْ مَاشِيَةُ الرَّجُلِ مُتَفَرِّقَةً فِي بَلَدَيْنِ لَا تُقْصَرُ بَيْنَهُمَا الصَّلَاةُ، فَهِيَ كَالْمُجْتَمِعَةِ) يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيُزَكِّيهَا كَالْمُخْتَلِطَةِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ، فَكَذَلِكَ) فِي رِوَايَةٍ هِيَ (قَوْلُ) أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتِيَارُ (أَبِي الْخَطَّابِ) وَصَحَّحَهُ فِي
стр. 792
كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ، وَلَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُؤَثِّرُ.
وَيَجُوزُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
" الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " لِقَوْلِهِ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ وَاحِدٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَكَغَيْرِ السَّائِمَةِ إِجْمَاعًا، وَعَلَيْهَا يَخْرُجُ الْفَرْضُ فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَقِيلَ: بِالْقِسْطِ (وَالْمَنْصُوصُ) عَنْ أَحْمَدَ كَمَا نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ (أَنَّ لِكُلِّ مَالٍ حُكْمُ نَفْسِهِ) فَإِنْ كَانَ نِصَابًا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا، فَجَعَلَ التَّفْرِقَةَ فِي الْبَلَدَيْنِ كَالتَّفْرِقَةِ فِي الْمِلْكَيْنِ، فَصَارَ (كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ) احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ ﵇: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ. . .» الْخَبَرَ، وَعِنْدَنَا أَنَّ مَنْ جَمَعَ أَوْ فَرَّقَ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَالٍ يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ بِبَلَدِهِ، فَتَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِهِ.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ غَيْرِ أَحْمَدَ، وَحَمَلَ الْمُؤَلِّفُ النَّصَّ عَلَى الْمُجْتَمِعَةِ، وَكَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّ السَّاعِيَ لَا يَأْخُذُهَا، وَإِنَّمَا رَبُّ الْمَالِ، فَيُخْرِجُ إِذَا بَلَغَ مَالُهُ نِصَابًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمَاشِيَةِ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ، لَكِنْ جَعَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ رِوَايَتَيْنِ كَالْمَاشِيَةِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ (وَلَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ: لَا يُجْمَعُ الْخَلِيطَانِ؛ وَلِأَنَّ السَّائِمَةَ تَقِلُّ تَارَةً، وَتَكْثُرْ أُخْرَى، وَسَائِرُ الْمَالِ يَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ، فَلَا أَثَرَ لِجَمْعِهَا، وَالْخُلْطَةُ مِنَ الْمَاشِيَةِ يُؤَثِّرُ فِي النَّفْعِ وَالضَّرَرِ، فَلَوِ اعْتَبَرْنَاهُ فِي غَيْرِهَا لَأَثَّرَتْ ضَرَرًا مَحْضًا بِرَبِّ الْمَالِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُؤَثِّرُ) ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ الْمُعْتَبَرَ فِيهَا مَوْجُودٌ فِي غَيْرِهَا، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا، وَخَصَّهَا الْأَكْثَرُ بِخُلْطَةِ الْأَعْيَانِ؛ وَهِيَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَالْأَوْزَاعِيُّ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَأَمَّا خُلْطَةُ الْأَوْصَافِ فَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ لَا يَحْصُلُ، وَقِيلَ: لَهَا مَدْخَلٌ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: كَالْمَوَاشِي، فَقَالَ: إِذَا كَانَا رَجُلَيْنِ
стр. 793
لِلسَّاعِي أَخْذُ الْفَرْضِ مَنْ مَالِ أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ ، مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا، وَيَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ به عَلَى خَلِيطِهِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْقِيمَةِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ إِذَا عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ، وَإِذَا أَخَذَ السَّاعِي أَكْثَرَ مِنَ الْفَرْضِ ظُلْمًا، لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى خَلِيطِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ رَجَعَ عَلَيْهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لَهُمَا مِنَ الْمَالِ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ النَّقْدَيْنِ، فَعَلَيْهِمَا بِالْحِصَصِ، فَيُعْتَبَرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ اتِّحَادُ الْمُؤَنَ وَمَرَافِقُ الْمِلْكِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِإِصْلَاحِ الشَّرِكَةِ، وَخَصَّهَا الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ بِالنَّقْدَيْنِ.
[لِلسَّاعِي أَخْذُ الْفَرْضِ مِنْ مَالِ أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ]
(وَيَجُوزُ لِلسَّاعِي أَخْذُ الْفَرْضِ مِنْ مَالِ أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ) ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ كَالْمَالِ الْوَاحِدِ (مَعَ الْحَاجَةِ) بِأَنْ تَكُونَ الْفَرِيضَةُ عَيْنًا وَاحِدَةً لَا يُمْكِنُ أَخْذُهَا إِلَّا مِنْ أَحَدِ الْمَالَيْنِ، أَوْ تَكُونُ أَحَدُهُمَا صِغَارًا، وَالْآخَرُ كِبَارًا، وَنَحْوُهُ (وَعَدَمُهَا) بِأَنْ يَجِدَ فَرْضَ كُلٍّ مِنَ الْمَالَيْنِ فِيهِ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بَعْدَ قِسْمَةٍ فِي خُلْطَةِ أَعْيَانٍ مَعَ بَقَاءِ النَّصِيبَيْنِ، وَقَدْ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ خِلَافًا لِ " الْمُحَرَّرِ " (فَأَمَّا مَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، كَذِمِّيٍّ وَمُكَاتَبٍ، فَلَا أَثَرَ لِخُلْطَتِهِ فِي جَوَازِ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ مِنْ خَلِيطَيْنِ يُمْكِنُ رُجُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ (وَيَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ بِهِ عَلَى خَلِيطِهِ) لِقَوْلِهِ ﵇: «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» ؛ أَيْ: إِذَا أُخِذَ مِنْ أَحَدِهِمَا (بِحِصَّتِهِ مِنَ الْقِيمَةِ) يَوْمَ أُخِذَتْ لِزَوَالِ مِلْكِهِ إِذَنْ؛ وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَيَرْجِعُ بِالْقِسْطِ الَّذِي قَابَلَ مَالَهُ مِنَ الْمُخْرَجِ، فَإِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُ الْمَالِ، وَأُخِذَ الْفَرْضُ مِنْهُ، رَجَعَ بِقِيمَةِ ثُلُثَيِ الْمُخْرَجِ عَلَى شَرِيكِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنَ الْآخَرِ رَجَعَ بِقِيمَةِ الثُّلُثِ، يَرْجِعُ رَبُّ عَشَرَةٍ مِنَ الْإِبِلِ أُخِذَتْ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى رَبِّ عِشْرِينَ بِقِيمَةِ ثُلُثَيْهَا، وَبِالْعَكْسِ بِقِيمَةِ ثُلُثِهَا (فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ) بِأَنْ قَالَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ: قِيمَتُهَا عِشْرُونَ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ قِيمَتُهَا عَشَرَةٌ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ) مَعَ يَمِينِهِ (إِذَا عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ) وَاحْتُمِلَ صِدْقُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ غَارِمٌ، وَكَالْغَاصِبِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ وُجُودِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ يَجِبُ بِمَا يَقُولُهُ، لِأَنَّهَا تَرْفَعُ النِّزَاعَ (وَإِذَا أَخَذَ السَّاعِي أَكْثَرَ مِنَ الْفَرْضِ ظُلْمًا) ؛ أَيْ: ثَلَاثًا، قِيلَ: كَأَخْذِهِ عَنْ أَرْبَعِينَ مُخْتَلِطَةً شَاتَيْنِ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا (لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى خَلِيطِهِ) ؛ لِأَنَّهَا ظُلْمٌ، فَلَا يَجُوزُ رُجُوعُهُ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ وِفَاقًا. وَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ عَلَى
стр. 794
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
خَلِيطِهِ بِنِصْفِ شَاةٍ فَقَطْ، وَذَكَرَ الشَّيْخِ تَقِيُّ الدِّينِ فِيهَا قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ أَظْهَرُهُمَا: يَرْجِعُ.
وَقَالَ فِي الْمَظَالِمِ الْمُشْتَرَكَةِ: وَحِينَئِذٍ تُطْلَبُ مِنَ الشُّرَكَاءِ، يَطْلُبُهَا الْوُلَاةُ مِنَ الْبُلْدَانِ أَوِ التُّجَّارِ أَوِ الْحَجِيجِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَالْكُلَفُ السُّلْطَانِيَّةُ عَلَى الْأَنْفُسِ أَوِ الْأَمْوَالِ أَوِ الدَّوَابِّ، وَيَلْزَمُهُمُ الْتِزَامُ الْعَدْلِ فِي ذَلِكَ، كَمَا يَلْزَمُ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِحَقٍّ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَدَاءِ قِسْطِهِ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُؤْخَذُ قِسْطُهُ مِنَ الشُّرَكَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعِ الظُّلْمَ عَنْهُ إِلَّا بِظُلْمِ شُرَكَائِهِ (وَإِنْ أَخَذَهُ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ) كَأَخْذِهِ صَحِيحَةً عَنْ مِرَاضٍ، أَوْ كَبِيرَةً عَنْ صِغَارٍ، أَوْ قِيمَةَ الْوَاجِبِ (رَجَعَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ السَّاعِيَ نَائِبُ الْإِمَامِ، فِعْلُهُ كَفِعْلِهِ، وَلِهَذَا لَا يُنْقَضُ؛ لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَمَا فِي الْحَاكِمِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ وَجَبَ دَفْعُهُ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاجِبِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ سَائِغٌ نَافِذٌ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِسَوَغَانِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِنْ أَخَذَ الْقِيمَةَ، وَصَارَ أَحَدُهَا، رَجَعَ بِنِصْفِهَا، إِنْ قُلْنَا: الْقِيمَةُ أَصْلٌ، وَإِنْ قُلْنَا: بَدَلٌ، فَيُنَصِّفُ قِيمَةَ الشَّاةِ، وَإِنْ لَمْ تُجْزِئِ الْقِيمَةُ فَلَا رُجُوعَ، وَلَمْ يَرْتَضِهِ فِي " الْفُرُوعِ "، وَإِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ، وَلَوِ اعْتَقَدَ الْمَأْخُوذُ بِهِ عَدَمَهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا أَخْرَجَ أَحَدُ الْخَلِيطَيْنِ فَوْقَ الْوَاجِبِ لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ.
قَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ ": عَقْدُ الْخُلْطَةِ: جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْإِذْنِ لِخَلِيطِهِ فِي الْإِخْرَاجِ عَنْهُ، وَكَذَا قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، غَابَ الْآخَرُ أَوْ حَضَرَ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ: لَا يُجْزِئُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَخَذَ السَّاعِي فَرْضًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ: هَلْ هُوَ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا، عَمِلَ كُلٌّ فِي التَّرَاجُعِ بِمَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَقْضَ فِيهِ، لِفِعْلِ السَّاعِي، فَعِشْرُونَ خُلْطَةً بِسِتِّينَ فِيهَا رُبْعُ شَاةٍ، فَإِذَا أَخَذَ الشَّاةَ مِنَ السِّتِّينَ رَجَعَ رَبُّهَا
стр. 795
بَابُ زَكَاةُ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحُبُوبِ كُلِّهَا، وَفِي كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ، كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِرُبْعِ الشَّاةِ، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنَ الْعِشْرِينَ رَجَعَ بِهَا بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهَا لَا بِقِيمَتِهَا كُلِّهَا، وَلَا يَسْقُطُ زِيَادَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بِأَخْذِ السَّاعِي مُجْمَعًا عَلَيْهِ، كَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ خُلْطَةً بَيْنِهِمَا ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ عَقِبَ الْحَوْلِ بِأَخْذِ نِصْفِ شَاةٍ، بِنَاءً عَلَى تَعَلُّقٍ الزَّكَاةِ بِالنِّصَابِ وَالْعَفْوِ، وَجَعْلِ لِلْخُلْطَةِ وَالتَّلَفِ تَأْثِيرًا، لَزِمَهُمَا إِخْرَاجُ نِصْفِ شَاةٍ، ذَكَرَهُمَا فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ ".
[بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ]
[حُكْمُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ]
بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وَالزَّكَاةُ تُسَمَّى نَفَقَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَقُّهُ الزَّكَاةُ، مَرَّةً الْعُشْرُ وَمَرَّةً نِصْفُ الْعُشْرِ، وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ. حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ (تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحُبُوبِ كُلِّهَا، سَوَاءٌ كَانَ قُوتًا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْأُرْزِ وَالدُّخْنِ، أَوْ مِنَ الْقُطْنِيَّاتِ كَالْبَاقِلَاءِ وَالْعَدَسِ وَالْحِمَّصِ، أَوْ مِنَ الْأَبَازِيرِ كَالْكُسْفُرَةِ وَالْكَمُّونِ، وَكَبِزْرِ الْكَتَّانِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ، وَحَبِّ الْبُقُولِ، كَحَبِّ الرَّشَادِ، وَالْفُجْلِ، وَالْقُرْطُمِ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ السَّابِقِ، وَلِقَوْلِهِ ﵇: " «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَفِي كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ) نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: " «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَدْخُلُهُ التَّوْسِيقُ لَيْسَ مُرَادًا مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَإِلَّا لَكَانَ ذِكْرُ الْأَوْسُقِ لَغْوًا؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُدَّخَرِ لَا تَكْمُلُ فِيهِ النِّعْمَةُ لِعَدَمِ النَّفْعِ فِيهِ مَآلًا (كَالثَّمَرِ وَالزَّبِيبِ وَاللَّوْزِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مَكِيلٌ (وَالْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ) وَالسُّمَّاقُ. نَقَلَ صَالِحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَأَنْ يُكَالَ وَيُدَّخَرَ، وَيَقَعُ فِيهِ الْقَفِيزُ،
стр. 796
وَاللَّوْزِ وَالْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ، وَلَا تَجِبُ فِي سَائِرِ الثَّمَرِ، وَلَا فِي الْخُضَرِ وَالْبُقُولِ وَالزَّهْرِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَجِبُ فِي الزَّيْتُونِ وَالْقُطْنِ وَالزَّعْفَرَانِ إِذَا بَلَغَا بِالْوَزْنِ نِصَابًا،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَمَا كَانَ مِثْلَ الْبَصَلِ، وَالرَّيَاحِينِ، وَالرُّمَّانِ، فَلَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ، إِلَّا أَنْ يُبَاعَ وَيَحُولُ عَلَى ثَمَنِهِ حَوْلٌ. اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ آخَرُونَ، (وَلَا تَجِبُ فِي سَائِرِ الثَّمَرِ) كَالْجَوْزِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعُلِّلَ بِأَنَّهُ مَعْدُودٌ، وَالْخَوْخِ، وَالْآجَاصِ، وَالْكُمَّثْرَى، وَالْمِشْمِشِ، وَالتِّينِ، وَالتُّوتِ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَكِيلَةً، وَقَدْ رُوِيَ أَنْ عَامِلَ عُمَرَ كَتَبَ إِلَيْهِ فِي كُرُومٍ فِيهَا مِنَ الْفِرْسِكِ وَالرُّمَّانِ مَا هُوَ أَكْثَرُ غَلَّةً مِنَ الْكُرُومِ أَضْعَافًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: لَيْسَ فِيه عُشْرٌ، هِيَ مِنَ الْعِضَاهِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَكَذَا الْعُنَّابُ، وَجَزَمَ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْكَافِي " بِالزَّكَاةِ فِيهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهَذَا أَظْهَرُ، وَالتِّينُ، وَالْمِشْمِشُ، وَالتُّوتُ مِثْلُهُ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا فِي التِّينِ؛ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ كَالتَّمْرِ (وَلَا فِي الْخُضَرِ) كَالْقِثَّاءِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَاللِّفْتِ، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» " وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ، (وَالْبُقُولِ وَالزَّهْرِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَكِيلٍ مُدَّخَرٍ، وَنَحْوُهُمَا الْوَرَقُ وَطَلْعُ الْفُحَّالِ، وَالسَّعَفِ وَالْخُوصِ، وَالْحَطَبِ وَالْخَشَبِ، وَأَغْصَانِ الْخِلَافِ، وَالْحَشِيشِ وَالْقَصَبِ مُطْلَقًا، وَلَبَنِ الْمَاشِيَةِ وَصُوفِهَا، وَكَذَا الْحَرِيرُ وَدُودُ الْقَزِّ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَجِبُ فِي الزَّيْتُونِ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] الْآيَةَ؛ وَلِأَنَّهُ حَبٌّ مَكِيلٌ يُنْتَفَعُ بِدُهْنِهِ الْخَارِجِ مِنْهُ، أَشْبَهَ السِّمْسِمَ وَالْكَتَّانَ، فَيُزَكَّى إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ كَيْلًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُخْرِجُ مِنْهُ، وَإِنْ صَفَّاهُ، وَأَخْرَجَ عَصِيرَ زَيْتِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَالثَّانِيَةُ لا يجب، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُؤَلِّفُ: عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الِادِّخَارَ شَرْطٌ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ، فَلَمْ يَجِبْ، وَالْآيَةُ بِمَكَّةَ نَزَلَتْ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَلَا تَكُونُ مُرَادَةً، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي الرُّمَّانِ (وَالْقُطْنِ وَالزَّغْفَرَانِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْزُونٌ مُدَّخَرٌ تَامُّ الْمَنْفَعَةِ وَالْوَزْنِ، أُقِيمَ مَقَامَ الْكَيْلِ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي عُمُومِ الْمَنْفَعَةِ (إِذَا بَلَغَا بِالْوَزْنِ نِصَابًا) وَهُوَ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ عِرَاقِيَّةٍ؛
стр. 797
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا زَكَاةَ فِي حَبِّ الْبُقُولِ كَحَبِّ الرَّشَادِ وَالْأَبَازِيرِ، كَالْكُسْفُرَةِ وَالْكَمُّونِ، وَبَذْرِ الْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَنَحْوِهِ.
وَيُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أن يبلغ نصابا قَدْرَهُ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ اعْتِبَارُهُ بِالْكَيْلِ رَجَعَ فِيهِ إِلَى الْوَزْنِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " (وَعَنْهُ: أَنَّ نِصَابَ ذَلِكَ مَا يَبْلُغُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ نِصَابٍ مِنْ أَدْنَى الْعَشَرَاتِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ فِيهِمَا؛ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِ لِعَدَمِ الْكَيْلِ فِيهِمَا، وَقِيَامُ الْوَزْنِ مَقَامَ الْكَيْلِ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْكَيْلِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَمْ أَجِدْ فِيهِمَا نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ، غَيْرَ أَنَّ الْقَاضِي حَكَى عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ فِي الْقُطْنِ وَجَبَ فِي حَبِّهِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ عَدَمَ الْوُجُوبِ، وَالْكَتَّانُ مِثْلُهُ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَكَذَا الْعِنَبُ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الزَّعْفَرَانِ، وَيَخْرُجُ عَلَيْهِ الْعُصْفُرُ وَالْوَرْسُ وَالنِّيلُ.
قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: وَالْفُوَّةُ، وَفِي الْحِنَّاءِ الْخِلَافُ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا زَكَاةَ فِي حَبِّ الْبُقُولِ كَحَبِّ الرَّشَادِ، وَالْأَبَازِيرِ، كَالْكُسْفُرَةِ وَالْكَمُّونِ، وَبِزْرِ الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ وَنَحْوِهِ) كَبِزْرِ الرَّيَاحِينِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقُوتٍ وَلَا أُدْمٍ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا بِزْرُ الْيَقْطِينِ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " مِنَ الْمُقْتَاتِ، وَيُخْرِجُ الصَّعْتَرَ وَالْأُشْنَانَ عَلَى الْخِلَافِ، وَجَزَمَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْمَجْدُ بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ نَبَاتٌ مَكِيلٌ مُدَّخَرٌ، وَمَالُهُ وَرَقٌّ مَقْصُودٌ كَوَرَقِ السِّدْرِ وَالْخِطْمِيِّ وَالْآسِ عَلَى الْخِلَافِ، وَالْأَشْهَرُ الْوُجُوبُ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ: لَا زَكَاةَ إِلَّا فِي التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي مُخْتَصَرِهِ، يُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ التَّابِعِينَ.
[شُرُوطُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ]
(وَيُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا شَرْطَانِ، أَحَدُهُمَا: أَن يبلغ نصابا، قَدْرَهُ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ خمسة أوسق) فَلَا يَجِبُ فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: " «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ ثَمَرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ. فَتَقْدِيرُهُ بِالْكَيْلِ يَدُلُّ عَلَى إِنَاطَةِ الْحُكْمِ بِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْحَوْلُ لِتَكَامُلِ النَّمَاءِ عِنْدَ الْوُجُوبِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ النِّصَابِ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ الْكَمَالِ وَالِادِّخَارِ وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ؛ لِأَنَّ التَّوْسِيقَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ التَّحْقِيقِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ
стр. 798
وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا، وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وثلث بِالْعِرَاقِيِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عِنْدَهُ، فَلَوْ كَانَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ عِنَبًا، لَا يَجِيءُ مِنْهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ زَبِيبًا، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ (وَالْوَسْقُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا (سِتُّونَ صَاعًا) لِقَوْلِهِ ﵇: " «الْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ، وَنَحْوُهُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَهَذَا أَشْهَرُ فِي اللُّغَةِ، وَتَوَارَدَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ، فَيَكُونُ ثَلَاثَمِائَةِ صَاعٍ، (وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وثلث بِالْعِرَاقِيِّ) وَهُوَ رِطْلٌ وَسُبْعٌ دِمَشْقِيٌّ، فَرَدَّ عَلَى الثَّلَاثِمِائَةِ سُبْعَهَا، تَكُنْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ رِطْلًا، وَسِتَّةَ أَسْبَاعِ رِطْلٍ بِالدِّمَشْقِيِّ، عَلَى مَا حَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي الْجَدِيدِ " أَنَّ الرِّطْلَ الْعِرَاقِيَّ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَبِالْقُدْسِيِّ وَمَا وَافَقَهُ: مِائَتَانِ وَسَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ رِطْلًا وَسُبْعُ رِطْلٍ، وَبَالْحَلَبِيِّ وَمَا وَافَقَهُ: مِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ رِطْلًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ رَطْلٍ، وَبِالْمِصْرِيِّ وَمَا وَافَقَهُ: أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ (فَيَكُونُ ذَلِكَ) أَيْ: بِالْعِرَاقِيِّ (أَلْفًا وَسِتَّمِائَةِ رِطْلٍ) وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ بِلَا كَسْرٍ: ثَلَاثُمِائَةِ رِطْلٍ وَأَحَدٌ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَثُلُثُ رِطْلٍ، وَالْوَسْقُ وَالصَّاعُ كَيْلَانِ لَا صَنْجَانِ، وَإِنَّمَا نُقِلَ إِلَى الْوَزْنِ لِيُحْفَظَ وَيُنْقَلَ؛ إِذِ الْمَكِيلُ يَخْتَلِفُ فِي الْوَزْنِ، فَمِنْهُ ثَقِيلٌ كَالْأُرْزِ وَالتَّمْرِ، وَمُتَوَسِّطٌ كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ، وَخَفِيفٌ كَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِالْمُتَوَسِّطِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ فِي الْخَفِيفِ إِذَا قَارَبَ هَذَا الْوَزْنَ، وَإِنْ لَمْ يَيْلُغْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْكَيْلِ كَالرَّزِينِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَأَكْثَرُ الثَّمَرِ أَخَفُّ مِنَ الْحِنْطَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُكَالُ شَرْعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى هَيْئَةٍ غَيْرُ مَكْبُوسٍ، وَعَنْهُ: أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ بِالْحِنْطَةِ أَيْ: بِالرَّزِينِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُسَاوِي الْعَدَسَ فِي وَزْنِهِ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنِ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَبْعَدُ الْأَمْرَيْنِ الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ.
١ -
تَنْبِيهٌ: نِصَابُ الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ تَحْدِيدٌ فِي الْأَشْهَرِ، لِتَحْدِيدِ الشَّارِعِ بِالْأَوْسُقِ، وَعَنْهُ: تَقْرِيبٌ، فَيُؤْثَرُ نَحْوُ رِطْلَيْنِ وَمُدَّيْنِ عَلَى الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي، وَجَعَلَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فَائِدَةَ الْخِلَافِ، وَقَدَّمَ الثَّانِيَةَ، وَلَا اعْتِبَارَ بِنَقْصِ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، جَزَمَ بِهِ الْأَئِمَّةُ.
стр. 799
رِطْلٍ إِلَّا الْأُرْزَ وَالْعَلَسَ - نَوْعٌ مِنَ الْحِنْطَةِ يُدَّخَرُ فِي قِشْرِهِ - فَنِصَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ قِشْرِهِ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ نِصَابُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ رُطَبًا، ثُمَّ يُؤْخَذُ عُشْرُهُ يَابِسًا،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": إِذَا نَقَصَ مَا لَوْ وُزِّعَ عَلَى الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ ظَهَرَ فِيهَا، فَلَا زَكَاةَ، وَإِلَّا وَجَبَتْ.
١ -
فَرْعٌ: إِذَا شَكَّ فِي بُلُوغِ قَدْرِ النِّصَابِ احْتَاطَ، وَأَخْرَجَ وَلَمْ تَجِبْ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " مُنْتَهَى الْغَايَةِ "، وَمَنِ اتَّخَذَ وِعَاءً يَسَعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا مِنَ الْبُرِّ الرَّزِينِ، ثُمَّ كَالَ بِهِ مَا شَاءَ، عَرَفَ أَبْلَغَ حَدِّ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا الْأُرْزَ وَالْعَلَسَ نَوْعٌ مِنَ الْحِنْطَةِ) وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ (يُدَّخَرُ فِي قِشْرِهِ) عَادَةً لِحِفْظِهِ (فَإِنَّ نِصَابَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ قِشْرِهِ عشرة أوسق) ؛ لِأَنَّ أَهْلَهُ زَعَمُوا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى النِّصْفِ، وَأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مِنْ قِشْرِهِ لَا يَبْقَى كَغَيْرِهِ، فَيَجِبُ الْعُشْرَ إِذَا بَلَغَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ حَبًّا، وَإِنْ صُفِّيَا فَخَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِثِقَلٍ وَخِفَّةٍ، فَيُرْجَعُ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَيُؤْخَذُ بِقَدْرِهِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ نِصَابُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ رُطَبًا، ثُمَّ يُؤْخَذُ عُشْرُهُ يَابِسًا) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ: «أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ، كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، فَيُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا، كَمَا يُؤْخَذُ صَدَقَةُ النَّخْلِ تَمْرًا» "، وَمَا وَجَبَ خَرْصُهُ اعْتُبِرَ بِحَالِ رُطُوبَتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ لَا، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ نِصَابُهُمَا رُطَبًا وَعِنَبًا، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَيُؤْخَذُ عُشْرُ مَا يَجِيءُ مِنْهُ، وَحَمَلَهَا فِي " الْمُغْنِي " عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُؤْخَذَ عُشْرُ مَا يَجِيءُ مِنْهُ مِنَ التَّمْرِ إِذَا بَلَغَ رُطَبُهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ لِأَنَّ إِيجَابَ قَدْرِ عُشْرِ الرُّطَبِ مِنَ التَّمْرِ إِيجَابٌ لِأَكْثَرِ مِنَ الْعُشْرِ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
وَرَدَّهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَخْرُصُ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ خَرَصَ عَلَيْهِ مِائَةَ وَسْقٍ رُطَبًا يُعْطِي عِشْرَةَ أَوْسُقٍ تَمْرًا؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي مُخَالَفَةِ التَّأْوِيلِ
стр. 800
وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حِمْلَيْنِ ضَمَّ أَحَدَهُمَا إِلَى الْآخَرِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُضَمُّ، وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إِلَى آخَرَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْحُبُوبَ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَعَنْهُ: يُضَمُّ الْحِنْطَةُ إِلَى الشَّعِيرِ، وَالْقُطْنِيَّاتُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَمْلُوكًا لَهُ وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَلَا يَجِبُ فِيمَا يَكْتَسِبُهُ اللُّقَّاطُ، أَوْ يَأْخُذُهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَكَمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُ إِحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى؛ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ كَالْبَرْنِيِّ وَالْمَعْقِلِ، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَ وَقْتُ إِطْلَاعِهَا وَإِدْرَاكِهَا أَوِ اخْتَلَفَ، أَوْ تَعَدَّدَ الْبَلَدُ أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ، فَيَأْخُذُ عَامِلُ الْبَلَدِ حِصَّتَهُ مِنَ الْوَاجِبِ فِي مَحَلِّ وِلَايَةٍ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ لِنَقْصِ مَا فِي وِلَايَتِهِ عَنْ نِصَابٍ، فَيُخْرِجُ الْمَالِكُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْعَامِ هُنَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، بَلْ وَقْتُ اسْتِغْلَالِ الْمُغَلِّ مِنَ الْعَامِ عُرْفًا، وَأَكْثَرُهُ عَادَةً سِتَّةُ أَشْهُرٍ بِقَدْرِ فَصْلَيْنِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَضُمُّ ثَمَرَةَ عَامٍ، أَوْ زَرْعَهُ إِلَى آخَرَ (فَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حِمْلَيْنِ، ضَمَّ أَحَدَهُمَا إِلَى الْآخَرِ) لِزَرْعِ الْعَامِ الْوَاحِدِ، وَكَالذُّرَةِ الَّتِي تَنْبُتُ مَرَّتَيْنِ (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَضُمُّ) لِقُدْرَتِهِ مَعَ بَيَانِ أَصِلِهِ، فَهُوَ لِثَمَرَةِ عَامٍ آخَرَ، بِخِلَافِ الزَّرْعِ، فَعَلَيْهِ لَوْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ بَعْضُهُ فِي السَّنَةِ حِمْلًا، وَبَعْضُهُ حِمْلَيْنِ، ضَمَّ مَا يَحْمِلُ حِمْلًا إِلَى أَيِّهِمَا بَلَغَ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: أَقْرَبُهُمَا إِلَيْهِ (وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إِلَى آخَرَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " كَأَجْنَاسِ الثِّمَارِ وَالْمَاشِيَةِ (وَعَنْهُ: أَنَّ الْحُبُوبَ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ، وَصَحَّحَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي قَدْرِ النِّصَابِ وَالْمُخْرَجِ كَضَمِّ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ (وَعَنْهُ: يُضَمُّ الْحِنْطَةُ إِلَى الشَّعِيرِ، وَالْقُطْنِيَّاتُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَجَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَقَارَبُ مَنْفَعَةً، أَشْبَهَ نَوْعِيِ الْجِنْسِ، وَعَلَيْهَا تُضَمُّ الْأَبَازِيرُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَكَذَا حَبُّ الْبُقُولِ لِتَقَارُبِ الْمَقْصُودِ، وَالذُّرَةُ إِلَى الدُّخْنِ، وَكُلُّ مَا يُقَارِبُ مِنَ الْحُبُوبِ ضُمَّ، وَمَعَ الْمِسْكِ لَا ضَمَّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَمْلُوكًا لَهُ وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ) وَهُوَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ (وَلَا يَجِبُ فِيمَا يَكْتَسِبُهُ اللُّقَّاطُ) مِنَ السُّنْبُلِ (أَوْ يَأْخُذُهُ) أُجْرَةً (بِحَصَادِهِ) ، وَكَذَا مَا مَلَكَهُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ بِشِرَاءٍ أَوْ
стр. 801
بِحَصَادِهِ، وَلَا فِيمَا يَجْتَنِيهِ مِنَ الْمُبَاحِ، كَالْبُطْمِ وَالزَّعْبَلِ وَبِزْرِ قَطُونَا وَنَحْوِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا ثَبَتَ فِي أَرْضِهِ.
فَصْلٌ وَيَجِبُ الْعُشْرُ فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ، كَالْغَيْثِ وَالسُّيُوحِ، وَمَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ كَالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ، فَإِنْ سَقَى نِصْفَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
إِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْعَسَلِ لِلْأَثَرِ (وَلَا فِيمَا يَجْتَنِيهِ مِنَ الْمُبَاحِ كَالْبُطْمِ، وَالزَّعْبَلِ) بِوَزْنِ جَعْفَرٍ؛ وَهُوَ شَعِيرُ الْجَبَلِ (وَبِزْرِ قَطُونَا وَنَحْوِهِ) كَحَبِّ النَّمَّامِ، وَبِزْرِ الْبَقْلَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ لَمْ يَمْلِكْهُ، فَلَمْ تَجِبْ، كَمَا لَوِ اتَّهَبَهُ (وَقَالَ الْقَاضِي:) وَأَبُو الْخَطَّابِ (فِيهِ الزَّكَاةُ) لِكَوْنِهِ مَكِيلًا مُدَّخَرًا (إِذَا ثَبَتَ فِي أَرْضِهِ) وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ إِذَا ثَبَتَ فِي أَرْضِهِ هَلْ يَمْلِكُ بملك الْأَرْضَ أَوْ يَأْخُذُهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِمِلْكِهَا، بَلْ يَأْخُذُهُ، فَإِنْ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ مَا يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّ كَمَنْ سَقَطَ لَهُ حَبُّ حِنْطَةٍ فِي أَرْضِهِ، أَوْ أَرْضٍ مُبَاحَةٍ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ.
[وُجُوبُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ وَنِصْفِ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ كُلْفَةً]
فَصْلٌ
(وَيَجِبُ الْعُشْرُ) وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ إِجْمَاعًا (فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ كَالْغَيْثِ وَالسُّيُوحِ) جَمْعُ سَيْحٍ؛ وَهُوَ الْمَاءُ الْجَارِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالْمُرَادُ: الْأَنْهَارُ وَالسَّوَاقِي (وَمَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ) كَالْبَعْلِ (وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ كَالدَّوَالِي) وَاحِدَتُهَا دَالِيَةٌ؛ وَهِيَ الدُّولَابُ تُدِيرُهُ الْبَقَرُ، وَالنَّاعُورَةُ تُدِيرُهَا الْمَاءُ (وَالنَّوَاضِحُ) جَمْعُ نَاضِحٍ وَنَاضِحَةٍ، وَهُمَا الْبَعِيرُ وَالنَّاقَةُ يُسْتَقَى عَلَيْهِمَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا، الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. سُمِّيَ عَثَرِيًّا؛ لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ فِي مَجْرَى الْمَاءِ عَاثُورًا، فَإِذَا صَدَّتْهُ الْمَاءُ يَزَادُ مَدْخَلُ تِلْكَ الْمَجَارِ، فَتَسْقِيهِ؛ وَلِأَنَّ لِلْكُلْفَةِ تَأْثِيرًا فِي إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ، فَفِي تَخْفِيفِهَا أَوْلَى، وَلَا تُؤَثِّرُ مُؤْنَةُ حَفْرِ الْأَنْهَارِ وَالسَّوَاقِي؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ إِحْيَاءِ الْأَرْضِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ، وَكَذَا مَنْ
стр. 802
السَّنَةِ بِهَذَا، وَنَصْفَهَا بِهَذَا، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ، وَإِنْ سَقَى بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ، اعْتَبَرَ أَكْثَرَهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ، وَإِنْ جُهِلَ الْمِقْدَارُ، وَجَبَ الْعُشْرُ.
وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ وَبَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي السَّوَاقِي؛ لِأَنَّهُ لِحَرْثِ الْأَرْضِ وَتَسْحِيَتِهَا، فَلَوِ اشْتَرَى مَاءَ بِرْكَةٍ أَوْ حُفَيْرَةٍ، وَسَقَى سَيْحًا، فَالْعُشْرُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ لِنُدْرَةٍ هَذِهِ الْمُؤْنَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: نِصْفُهُ، وَكَذَا إِنْ جَمَعَهُ، ثُمَّ سَقَى بِهِ، فَيَجِبُ الْعُشْرُ، فَإِنْ كَانَ يَجْرِي مِنَ النَّهْرِ فِي سَاقِيَةٍ إِلَى الْأَرْضِ، وَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ مَنْ وَجْهِهَا إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَرْقِيَةِ الْمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ إِلَى آلَةٍ مِنْ غَرْفٍ أَوْ دُولَابٍ، فَهُوَ مِنَ الْكُلْفَةِ الْمُسْقِطَةِ لِنِصْفِ الْعُشْرِ.
فَرْعٌ: إِذَا سُقِيَتْ أَرْضُ الْعُشْرِ بِمَاءِ الْخَرَاجِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا، وَعَكْسُهُ لَمْ يَسْقُطْ خَرَاجُهَا، وَلَا يَمْنَعْ مِنْ سَقْيِ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِمَاءِ الْأُخْرَى، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ (فَإِنْ سَقَى نِصْفَ السَّنَةِ بِهَذَا، وَنَصِفَهَا بِهَذَا، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ وُجِدَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ لَأَوْجَبَ مُقْتَضَاهُ، فَإِذَا وُجِدَ فِي نِصْفِهِ أَوْجَبَ نِصْفَهُ (فَإِنْ سَقَى بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ اعْتَبَرَ أَكْثَرَهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ عَدَدِ السَّقْيِ وَمَرَّاتِهِ وَقَدْرَ مَا يُسْقَى بِهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَشُقُّ، فَاعْتَبَرَ الْأَكْثَرَ كَالسَّوْمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: بِعَدَدِ السَّقْيَاتِ، وَقِيلَ: بِاعْتِبَارِ الْمُدَّةِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ) لِوُجُوبِهِ عِنْدَ التَّمَاثُلِ، فَكَذَا عِنْدَ التَّفَاضُلِ كَفِطْرَةِ الْعِيدِ الْمُشْتَرَكِ، فَلَوِ اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَالسَّاعِي فِيمَا سُقِيَ بِهِ أَكْثَرَ، صَدَقَ الْمَالِكَ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يُسْتَحْلَفُونَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ، وَقِيلَ: يَحْلِفُ، لَكِنْ إِنْ نَكَلَ، لَزِمَهُ مَا اعْتَرَفَ بِهِ فَقَطْ (وَإِنْ جَهِلَ الْمِقْدَارَ وَجَبَ الْعُشْرُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُهُ كَامِلًا؛ وَلِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِيَقِينٍ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ: يُجْعَلُ مِنْهُ بِكُلْفَةِ الْمُتَيَقِّنِ، وَالْبَاقِي سَيْحًا، وَيُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ؛ وَهُوَ مَعْنَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ الْأَنْفَعِ لِلْفَقِيرِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ لَهُ حَائِطَانِ، أَحَدُهُمَا يُسْقَى بِمُؤْنَةٍ، وَالْآخَرُ بِغَيْرِهَا، ضُمَّا فِي النِّصَابِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمُ نَفْسِهِ فِي سَقْيِهِ بِمُؤْنَتِهَا أَوْ غَيْرِهَا.
стр. 803
فَإِنْ قَطْعَهَا قَبْلَهُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَقْطَعَهَا فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ فَيَلْزَمُهُ، وَلَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إِلَّا بِجَعْلِهَا فِي الْجَرِينِ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ سَقَطَتْ، سَوَاءٌ كَانَتْ خُرِصَتْ أَوْ لَمْ تُخْرَصْ، وَإِذَا ادَّعَى تَلَفَهَا قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَيَجِبُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[إِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ وَبَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ]
(وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ، وَبَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ) ؛ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ لِلْأَكْلِ وَالِاقْتِيَاتِ كَالْيَابِسِ؛ وَلِأَنَّهُ وَقْتُ خَرْصِ الثَّمَرَةِ لِحِفْظِ الزَّكَاةِ وَمَعْرِفَةِ قَدْرِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَهُ لَزِمَهُ زَكَاتُهُ، وَلَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ قَبْلَ الْخَرْصِ وَبَعْدَهُ، فَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ دُونَ الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ، وَلَوْ مَاتَ وَلَهُ وَرَثَةٌ لَمْ يَبْلُغْ حِصَّتَهُ، وَأُخِذَ مِنْهُمْ نِصَابًا لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: تَجِبُ زَكَاةُ الْحَبِّ يَوْمَ حَصَادِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] .
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي التَّصَرُّفِ (فَإِنْ قَطَعَهَا قَبْلَهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا) كَمَا لَوْ أَكَلَ السَّائِمَةَ أَوْ بَاعَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ (إِلَّا أَنْ يَقْطَعَهَا فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ فَيَلْزَمُهُ) لِيَفُوتَهُ الْوَاجِبُ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ، أَشْبَهَ الْعَامِلَ، وَالْمُطَلِّقَ ثَلَاثًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ (وَلَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إِلَّا بِجَعْلِهَا فِي الْجَرِينِ) وَيُجْعَلُ الزَّرْعُ فِي الْبَيْدَرِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ مَا لَمْ يُثْبَتْ الْيَدُ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَتْ مَبِيعَةً فَتَلِفَتِ بِجَائِحَةٍ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى فِعْلِ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ التَّمَكُّنَ مِنَ الْأَدَاءِ شَرْطًا (فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ سَقَطَتْ) ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَسْتَقِرَّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ، فَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ فَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ الثَّانِي نِصَابًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْمَذْهَبُ: إِنْ كَانَ التَّلَفُ قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَهُوَ كَمَا قَالَ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَجَبَ فِي الْبَاقِي بِقَدْرِهِ مُطْلَقًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَتْلَفَهَا أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ أَنَّهُ يَضْمَنُ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَ " الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ (سَوَاءٌ كَانَتْ خُرِصَتْ أَوْ لَمْ تُخْرَصْ) ؛ لِأَنَّ الْخَرْصَ لَا يُوجِبُ، وَإِنَّمَا فُعِلَ ذَلِكَ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ التَّصَرُّفِ،
стр. 804
إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْحَبِّ مُصَفًّى وَالثَّمَرِ يَابِسًا ، فَإِنِ احْتِيجَ إِلَى قَطْعِهِ قَبْلَ كَمَالِهِ، لِضَعْفِ الْأَصْلِ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ رُطَبًا، لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ، أَوْ عِنَبًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيبٌ، أَخْرَجَ مِنْهُ عِنَبًا وَرُطَبًا، وَقَالَ الْقَاضِي: يُخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ قِسْمَتِهِ مَعَ رَبِّ الْمَالِ قَبْلَ الْجِذَاذِ وَبَعْدِهِ، وَبَيْنَ بَيْعِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَّا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَوَجَبَ سُقُوطُ الزَّكَاةِ مَعَ وُجُودِهِ كَعَدَمِهِ (وَإِذَا ادَّعَى تَلَفَهَا) بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ (قَبْلَ قَوْلِهِ) وَلَوِ اتُّهِمَ (بِغَيْرِ يَمِينٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ، فَلَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ كَالصَّلَاةِ.
[إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْحَبِّ مُصَفًّى وَالثَّمَرِ يَابِسًا]
(وَيَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْحَبِّ مُصَفًّى، وَالثَّمَرِ يَابِسًا) لِحَدِيثِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، «وَلَا يُسَمَّى زَبِيبًا وَتَمْرًا إِلَّا الْيَابِسُ» ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِيهِمَا، فَالْكُلُّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْيَباسِ حَالَةُ الْكَمَالِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " (وَقِيلَ: يُجْزِئُ رُطَبُهُ، وَقِيلَ: فِيمَا لَا يُتْمِرُ وَلَا يُزَبَّبُ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لَا عِبْرَةَ بِهِ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَأَطْلَقَ ابْنُ تَمِيمٍ عَنِ ابْنِ بَطَّةَ: لَهُ أَنْ يُخْرِجَ رُطَبًا وَعِنَبًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ أَخْرَجَ سُنْبُلًا وَرُطَبًا وَعِنَبًا لَمْ يُجْزِئْهُ وَوَقَعَ نَفْلًا، وَإِنْ كَانَ السَّاعِي أَخَذَهُ فَجَفَّفَهُ وَصَفَّاهُ، وَكَانَ قَدْرَ الْوَاجِبِ، أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ أَخَذَ الْبَاقِي، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا رَدَّ الْفَضْلَ، وَإِنْ كَانَ رُطَبًا بِحَالِهِ رَدَّهُ، وَإِنْ تَلِفَ رَدَّ مِثْلَهُ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ (فَإِنِ احْتِيجَ إِلَى قَطْعِهِ قَبْلَ كَمَالِهِ لِضَعْفِ الْأَصْلِ وَنَحْوِهِ) كَخَوْفِ عَطَشٍ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": أَوْ لِتَحْسِينِ بَقِيَّتِهِ (أَوْ كَانَ رُطَبًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ) كَالْحَسْنَوِيِّ (أَوْ عِنَبًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيبٌ) كَالْخَمْرِيِّ (أَخْرَجَ مِنْهُ عِنَبًا وَرُطَبًا) إِنْ كَانَ قَدْرَ نِصَابٍ يَابِسًا، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالشَّيْخَانِ وَصَاحِبُ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، وَلَا مُوَاسَاةَ فِي إِلْزَامِهِ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ جَوَازَ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْإِخْرَاجِ إِلَّا بِهِ؛ وَلِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي إِبْقَائِهِ.
لَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: إِنْ كَفَى التَّجْفِيفُ لَمْ يَجُزْ قَطْعُ الْكُلِّ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ إِطْلَاقٌ، وَإِنَّمَا قِيلَ: جَازَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ، وَمُرَادُهُ يَجِبُ لِإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ إِلَّا بِإِذْنِ السَّاعِي إِنْ كَانَ (وَقَالَ الْقَاضِي) وَجَمَاعَةٌ (يُخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ قِسْمَتِهِ مَعَ رَبِّ الْمَالِ قَبْلَ الْجِذَاذِ) بِالْخَرْصِ، وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُمْ نَخَلَاتٍ مُفْرَدَةً بِأَخْذِ تَمْرَتِهَا (أَوْ بَعْدَهُ) بِأَنْ جَذهَا وَقَاسَمَهُ إِيَّاهَا بِالكيْلِ، وَيُقَسِّمُ الثَّمَرَةَ فِي الْفُقَرَاءِ (وَبَيْنَ
стр. 805
يَابِسًا، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ شِرَاءُ زَكَاتِهِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ سَاعِيًا إِذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ لِيَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا، خَرَصَ كُلَّ نَوْعٍ وَحْدَهُ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بَيْعِهَا مِنْهُ أَوْ فِي غَيْرِهِ) وَيُقَسِّمُ ثَمَنَهَا، وَلِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَبْذُلُ فِيهَا عِوَضَ مِثْلِهَا، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ (وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يُخْرِجُ إِلَّا يَابِسًا) مُصَفَّاةً، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ ﵇: «يُخْرَصُ الْعِنَبُ فَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا» ، وَلِأَنَّهُ حَالَةُ الْكَمَالِ، فَاعْتُبِرَ، فَإِنْ أَتْلَفَ رَبُّ الْمَالِ هَذِهِ الثَّمَرَةَ، ضَمِنَ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّتِهِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا كَغَيْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَهَلْ يُخْرِجُ قِيمَتَهُ أَوْ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ يُخْرِجُهُ إِذَا قَدَرَ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ (وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ شِرَاءُ زَكَاتِهِ) لِقَوْلِهِ ﵇ لِعُمَرَ فِي سَرِيرِ الْفَرَسِ: «لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» ، وَقَيَّدَهُ فِي " الْوَجِيزِ " بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ وَهُوَ مُرَادٌ.
[يَبْعَثُ الْإِمَامُ سَاعِيًا إِذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ لِيَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ]
(وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعَثُ الْإِمَامُ سَاعِيًا إِذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ لِيَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: " «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةٍ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِحَدِيثِ عَتَّابٍ وَغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِالظَّنِّ لِلْحَاجَةِ لِغَيْرِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّا أَنَّ نَخْلَ الْبَصْرَةِ لَا يُخْرَصُ، وَأَنَّهُ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فقهاء الْأَمْصَارُ لِلْمَشَقَّةِ، وَيَكْفِي خَارِصٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ كَحَاكِمٍ وَقَائِفٍ، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا أَمِينًا لَا يُتَّهَمُ، خَبِيرًا، وَقِيلَ: حُرًّا، وَأُجْرَتُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُبْعَثْ فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنَ الْخَرْصِ مَا يَفْعَلُهُ السَّاعِي، لِيَعَرِفَ قَدْرَ الْوَاجِبِ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ، وَيُخَيِّرُهُ بَيْنَ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِمَا شَاءَ وَيَضْمَنَ قَدْرَهَا، وَبَيْنَ حِفْظِهَا إِلَى وَقْتِ الْجَفَافِ، فَإِنْ لَمْ يَضْمَنِ الزَّكَاةَ وَتَصَرَّفَ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ، وَحَكَى ابْنُ تَمِيمٍ عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُبَاحُ التَّصَرُّفُ، كَتَصَرُّفِهِ قَبْلَ الْخَرْصِ (فَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا، خَرَصَ كُلَّ نَوْعٍ وَحْدَهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْعَدْلِ وَعَدَمِ الْجَوْرِ؛ لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ تَخْتَلِفُ، فَمِنْهَا مَا يَكْثُرُ رُطَبُهُ، وَيَقِلُّ تَمْرُهُ، وَبِالْعَكْسِ (وَإِنْ كَانَ
стр. 806
وَإِنْ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا فَلَهُ خَرْصُ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحْدَهَا، وَلَهُ خَرْصُ الْجَمِيعِ دُفْعَةً وَاحِدَةً.
وَيَجِبُ أَنْ يُتْرَكَ فِي الْخَرْصِ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثُ أَوِ الرُّبْعُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
نَوْعًا وَاحِدًا فَلَهُ خَرْصُ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحْدَهَا) فَيُطِيفُ بِهَا (وَلَهُ خَرْصُ الْجَمِيعِ دُفْعَةً وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّ النَّوْعَ الْوَاحِدَ لَا يَخْتَلِفُ غَالِبًا، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ بِخَرْصِ كُلِّ شَجَرَةٍ عَلَى حِدَةٍ، وَالْخَرْصُ خَاصٌّ بِالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ فَقَطْ لِلنَّصِّ؛ وَلِلْحَاجَةِ إِلَى أَكْلِهَا رُطَبَيْنِ، وَخَرْصُهُمَا مُمْكِنٌ لِظُهُورِ ثَمَرَتِهِمَا، وَاجْتِمَاعِهِمَا فِي عَنَاقِيدِهِمَا، بِخِلَافِ الزَّيْتُونِ لِتَفَرُّقِ حَبِّهِ، وَاسْتِتَارِهِ بِوَرَقِهِ، وَقِيلَ: يُخْرَصُ.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى الْمَالِكُ غَلَطَ الْخَارِجِ وَكَانَ مُمْكِنًا، فَإِنْ فَحُشَ، فَقِيلَ: يُرَدُّ قَوْلُهُ، وَقِيلَ: ضَمَانًا كَانَتْ أَوْ أَمَانَةً تُرَدُّ فِي الْفَاحِشِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَوِ ادَّعَى كَذِبَهُ عَمْدًا لَمْ يُقْبَلْ، وَلَوْ قَالَ: مَا حَصَلَ بِيَدِي إِلَّا هَذَا قُبِلَ، وَيُكَلَّفُ بِبَيِّنَةٍ فِي دَعْوَاهُ جَائِحَةً ظَاهِرَةً، ثُمَّ يُصَدَّقُ فِي التَّلَفِ، وَإِنِ ادَّعَى بِالْحَالِفِ الْعَادَةَ، لَمْ يُقْبَلْ.
[مَا يُتْرَكُ لِرَبِّ الْمَالِ عِنْدَ الْخَرْصِ]
(وَيَجِبُ أَنْ يُتْرَكَ فِي الْخَرْصِ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثُ أَوِ الرُّبْعُ) بِحَسَبِ اجْتِهَادِ السَّاعِي، لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا، وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبُعَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنِ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَهَذَا تَوْسِعَةٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْأَكْلِ هُوَ وَأَضْيَافُهُ وَجِيرَانُهُ وَأَهْلُهُ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا الْمَارَّةُ؛ وَمِنْهَا السَّاقِطَةُ، فَلَوِ اسْتَوْفَى الْكُلَّ أَضَرَّ بِهِمْ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يُتْرَكُ قَدْرُ أَكْلِهِمْ وَهَدِيَّتِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ بِلَا تَحْدِيدٍ لِلْأَخْبَارِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنَّمَا يُتْرَكُ فِي الْخَرْصِ إِذَا زَادَتِ الثَّمَرَةُ عَلَى النِّصَابِ، فَإِنْ كَانَتْ
стр. 807
فَلِرَبِّ الْمَالِ الْأَكْلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ.
وَ يُؤْخَذُ الْعُشْرُ فِي كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ ، فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ أُخِذَ مِنَ الْوَسَطِ،
وَيَجِبُ الْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمَالِكِ ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
نِصَابًا فَلَا، وَهَذَا الْقَدْرُ الْمُدْرَكُ لَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَدَلَّ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا لَمْ يُزَكِّهِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَفِي " الْوَجِيزِ ": يُزَكِّي الْكُلَّ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": وَيُوضَعُ ثُلُثُ الثَّمَرَةِ أَوْ رُبْعُهَا، فَلَا يُحْتَسَبُ لَهُ زَكَاةٌ، وَيُزَكِّي الْبَاقِيَ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلِرَبِّ الْمَالِ الْأَكْلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ بِأَنْ يَرَى السَّاعِي شَيْئًا مِنَ الْوَاجِبِ، أَخْرَجَهُ الْمَالِكُ نَصًّا.
تَذْنِيبٌ: ظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ الْحُبُوبَ لَا تُخْرَصُ، وَلِلْمَالِكِ الْأَكْلُ مِنْهَا هُوَ وَعِيَالُهُ بِحَسَبَ الْعَادَةِ كَالْفَرِيكِ، وَمَا يَحْتَاجُهُ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ، وَلَا يَهْدِي، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ فِي " الْخِلَافِ ": أَسْقَطَ أَحْمَدُ عَنْ أَرْبَابِ الزَّرْعِ الزَّكَاةَ فِي مِقْدَارِ مَا يَأْكُلُونَ، كَمَا أَسْقَطَ فِي الثِّمَارِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُصُولِ " يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ، وَلَا يُتْرَكُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ كَالْمُشْتَرَكِ مِنَ الزَّرْعِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْقِيَاسُ، وَالْحَبُّ لَيْسَ فِي مَعْنَى الثَّمَرَةَ.
[يُؤْخَذُ الْعُشْرُ فِي كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ]
(وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ فِي كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ بِمَنْزِلَةِ الشُّرَكَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي كُلِّ نَوْعٍ، وَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ، بِخِلَافِ السَّائِمَةِ، فَإِنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ كُلِّ نَوْعٍ أَفْضَى إِلَى التَّشْقِيصِ، وَفِيهِ مَشَقَّةٌ، وَلَا يَجُوزُ الرَّدِيءُ عَنِ الْجَيِّدِ، وَبِالْعَكْسِ لَا يَجِبُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْرَارِ بِالْمَالِكِ (فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ أُخِذَ مِنَ الْوَسَطِ) لِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ شَرْعًا، وَكَالسَّائِمَةِ، فَلَوْ كَانَ الْمَالُ نَوْعًا وَاحِدًا أُخِذَ مِنْهُ مُطْلَقًا بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلى طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الشُّرَكَاءِ.
[الْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمَالِكِ]
(وَيَجِبُ الْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمَالِكِ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] ؛ وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِلزَّرْعِ كَالْمُسْتَعِيرِ، وَكَتَاجِرٍ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا، وَفِي إِيجَابِهِ عَلَى الْمَالِكِ إِجْحَافٌ يُنَافِي الْمُوَاسَاةَ؛ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الزَّرْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِذَا لَمْ يَزْرَعْ، وَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، بِخِلَافِ الْخَرَاجِ،
стр. 808
وَ يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَيَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرَاءُ الْأَرْضِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَإِنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ، وَالْغَاصِبُ إِذَا حَصَدَ زَرْعَهُ يُزَكِّيهِ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ، فَإِنْ مَلَكَهُ رَبُّ الْأَرْضِ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ زَكَّاهُ، وَكَذَا بَعْدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إِلَى أَوَّلِ زَرْعِهِ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ إِذَنْ، وَقِيلَ: يُزَكِّيهِ الْغَاصِبُ؛ لِأَنَّهُ تَمَلَّكَهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ.
[يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً]
(وَيَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً) ، وَكُلُّ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ لِلْعُمُومِ، فَالْخَرَاجُ فِي رَقَبَتِهَا، وَالْعُشْرُ فِي غَلَّتِهَا؛ وَلِأَنَّ سَبَبَ الْخَرَاجِ التَّمْكِينُ مِنَ النَّفْعِ لِوُجُوبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْ، وَسَبَبُ الْعُشْرِ الزَّرْعُ، كَأُجْرَةِ الْمَتْجَرِ مَعَ زَكَاةِ التِّجَارَةِ، وَلِأَنَّهَا بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا كَالْجَزَاءِ وَالْقِيمَةِ فِي الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ، وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ: " «لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ» . ضَعِيفٌ جِدًّا.
قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى الْخَرَاجِ الَّذِي هُوَ الْجِزْيَةُ (وَلَوْ كَانَ عُقُوبَةً لَمَا وَجَبَ عَلَى مُسْلِمٍ كَالْجِزْيَةِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ لِمُسْلِمٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي أَرْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ صَدَقَةٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي أَرْضِ الصُّلْحِ.
تَذْنِيبٌ: الْأَرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ: مَا فُتِحَ عَنْوَةً، وَلَمْ تُقَسَّمْ، وَمَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا مِنَّا، وَمَا صُولِحُوا عَلَيْهَا عَلَى أَنَّهَا لَنَا، وَنُقِرُّهَا مَعَهُمْ بِالْخَرَاجِ، وَالْعُشْرِيَّةُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ: مَا أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا، نَقَلَهُ حَرْبٌ كَالْمَدِينَةِ وَنَحْوِهَا، وَمَا اخْتَطَّهُ الْمُسْلِمُونَ كَالْبَصْرَةِ، وَمَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَهُمْ بِخَرَاجٍ يُضْرَبُ عَلَيْهِمْ كَأَرْضِ الْيَمَنِ، وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِّمَ، كَنِصْفِ خَيْبَرَ، وَمَا أَقْطَعَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنَ السَّوَادِ إِقْطَاعَ تَمْلِيكٍ.
فَرْعٌ: لَا زَكَاةَ فِي قَدْرِ الْخَرَاجِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ مؤنة الْأَرْضِ كَنَفَقَةِ زَرْعِهِ، وَمَتَى لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى غَلَّةِ الْأَرْضِ، وَفِيهَا مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ كَالْخَضْرَاوَاتِ، جَعَلَ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ فِي مُعَامَلَةِ الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْفُقَرَاءِ، وَلَا يَنْقُصُ النِّصَابُ بِمُؤْنَةِ حَصَادٍ وَدِيَاسٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْهُ لِسَبْقِ الْوُجُوبِ، (وَيَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرَاءُ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ) فِي
стр. 809
الْعُشْرِيَّةِ، وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِمْ عُشْرَانِ يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْإِسْلَامِ.
فَصْلٌ وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ أَوْ مِنْ مِلْكِهِ، وَنِصَابُهُ عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ، كُلُّ فَرَقٍ سِتُّونَ رِطْلًا.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
رِوَايَةٍ، وَقَالَهَا الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهَا مَالُ مُسْلِمٍ يَجِبُ الْحَقُّ فِيهَا لِلْفُقَرَاءِ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ بَيْعِهَا لِذِمِّيٍّ كَالسَّائِمَةِ، وَاقْتَصَرَ جَمْعٌ كَالْمُؤَلِّفِ عَلَى الْجَوَازِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يُمْنَعُونَ مِنْ شِرَائِهَا، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، فَعَلَيْهَا يَصِحُّ، جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَحَكَى أَحْمَدُ عَنِ الْحَسَنِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يُمْنَعُونَ مِنَ الشِّرَاءِ، فَإِنِ اشْتَرَوْا، لَمْ يَصِحَّ نَقْلُ عَدَمِ الْمَنْعِ (وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ زَكَاةٌ، فَلَا تجِبُ عَلَى ذَمِّيٍّ كَالسَّائِمَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " شَرْحِهِ " الصَّغِيرِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ غَيْرِ التَّغَلُّبِيِّ نِصْفُ الْعُشْرِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، سَوَاءٌ اتَّجَرَ بِذَلِكَ أَمْ لَمْ يَتَّجِرْ بِهِ مِنْ مَالِهِ وَثَمَرَتِهِ وَمَاشِيَتِهِ وَعَلَى الْمَنْعِ (وَعَنْهُ: عَلَيْهِمْ عُشْرَانِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَصْحِيحَ كَلَامِ الْمُتَعَاقِدِينَ، وَدَفْعَ الضَّرَرِ الْمُؤَبَّدِ عَنِ الْفُقَرَاءِ بِوُجُوبِ الْحَقِّ فِيهِ، وَكَانَ ضِعْفَ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ، كَمَا يَجِبُ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى الْعَاشِرِ نِصْفُ الْعُشْرِ ضِعْفُ الزَّكَاةِ (يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْإِسْلَامِ) ، وَكَذَا لَوْ بَاعَهَا مُسْلِمًا، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عُشْرٌ، وَيَبْقَى عُشْرُ الزَّكَاةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُمَا يَسْقُطَانِ بِالْإِسْلَامِ، لِسُقُوطِ جِزْيَةِ الرُّءُوسِ وَجِزْيَةِ الْأَرْضِ؛ وَهُوَ خَرَاجُهَا بِالْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ وَقْتَ الْوُجُوبِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، قَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِمْ عُشْرٌ وَاحِدٌ، ذَكَرَهَا فِي " الْخِلَافِ " كَمَا كَانَ لِتَعَلُّقِهِ بِالْأَرْضِ كَبَقَاءِ الْخَرَاجِ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: أَنَّهُ يَجُوزُ إِجَارَتُهَا مِنْهُ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى إِسْقَاطِ عُشْرِ الْخَارِجِ مِنْهَا، وَهَذِهِ الْأَرْضُ لَا تَصِيرُ خَرَاجِيَّةً بِمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهَا أَرْضُ عُشْرٍ، كَمَا لَوْ كَانَ مُشْتَرِيهَا مُسْلِمًا، وَلَا يَجُوزُ بَقَاءُ أَرْضٍ بِلَا عُشْرٍ وَلَا خَرَاجٍ بِالِاتِّفَاقِ.
[زَكَاةُ الْعَسَلِ]
فَصْلٌ
(وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ) لِمَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ «أَبِي سَيَّارَةَ الْمُتَعِيِّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: " إِنَّ لِي نَحْلًا، قَالَ: فَأَدِّ الْعُشُورَ قَالَ: قُلْتُ يَا
стр. 810
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
رَسُولَ اللَّهِ، إن لي نحلا، قال: فأد العشور، قال: قلت يا رسول الله، احْمِ لِي جَبَلَهَا، قَالَ: فَحَمَى لِي جَبَلَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا سُلَيْمَانَ الْأَشْدَقَ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا سَيَّارَةَ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: إِنَّهُمْ تَطَوَّعُوا بِهِ، قَالَ: لَا، بَلْ أُخِذَ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ خَارِجٌ مِنْ حَيَوَانٍ، أَشْبَهَ اللَّبَنَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ حَدِيثٌ يثبت وَلَا إِجْمَاعٌ، وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الْمُبَاحِ، وَاعْتَرَفَ الْمَجْدُ أَنَّهُ الْقِيَاسُ لَوْلَا الْأَثَرُ (سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ أَوْ مِنْ مِلْكِهِ) .
قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا: أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَرْضِ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ.
تَنْبِيهٌ: مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الشَّجَرِ كَالْمَنِّ وَالزَّنْجَبِينِ وَالشِّيرَخَشَكَ وَشِبْهَهَا؛ وَمِنْهُ اللادَّنُّ؛ وَهُوَ طَلٌّ يَنْزِلُ عَلَى نَبْتٍ تَأْكُلُهُ الْمِعْزَى، فِيهِ الْعُشْرُ كَالْعَسَلِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: لَا لِعَدَمِ النَّصِّ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ (وَنِصَابُهُ عَشَرَةُ أَفَرَاقٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ عُمَرَ: فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَفَرَاقٍ فَرَقٌ. رَوَاهُ الْجُوزْجَانِيُّ، وَتَقَدَّمَ قَوْلٌ فِي نِصَابِ الزَّيْتِ خَمْسَةُ أَفَرَاقٍ، فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ تَخْرِيجٌ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ فِيهِ، فَاعْتُبِرَ خَمْسَةُ أَمْثَالِهِ كَالْوَسْقِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا زَكَاةَ فِي قَلِيلِهِ، بَلْ يُعْتَبَرُ نِصَابُهُ بِالْأَفْرَاقِ؛ وَهُوَ جَمْعُ فَرَقٍ، قِيلَ: بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِهَا.
قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ (كُلُّ فَرَقٍ سِتُّونَ رِطْلًا) عِرَاقِيَّةً فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " وَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ، فَيَكُونُ نِصَابُهُ سِتَّمِائَةِ رِطْلٍ، وَزْنُهَا بِالدِّمَشْقِيِّ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَثُلُثُ رِطْلٍ، وَفِي " الْخِلَافِ " سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا عِرَاقِيَّةً،
следующие страницы →