← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21619

المبدع في شرح المقنع - ط العلمية

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (3 567 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وَإِنْ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا فَلَهُ خَرْصُ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحْدَهَا، وَلَهُ خَرْصُ الْجَمِيعِ دُفْعَةً وَاحِدَةً. وَيَجِبُ أَنْ يُتْرَكَ فِي الْخَرْصِ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثُ أَوِ الرُّبْعُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، ــ [المبدع في شرح المقنع] نَوْعًا وَاحِدًا فَلَهُ خَرْصُ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحْدَهَا) فَيُطِيفُ بِهَا (وَلَهُ خَرْصُ الْجَمِيعِ دُفْعَةً وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّ النَّوْعَ الْوَاحِدَ لَا يَخْتَلِفُ غَالِبًا، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ بِخَرْصِ كُلِّ شَجَرَةٍ عَلَى حِدَةٍ، وَالْخَرْصُ خَاصٌّ بِالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ فَقَطْ لِلنَّصِّ؛ وَلِلْحَاجَةِ إِلَى أَكْلِهَا رُطَبَيْنِ، وَخَرْصُهُمَا مُمْكِنٌ لِظُهُورِ ثَمَرَتِهِمَا، وَاجْتِمَاعِهِمَا فِي عَنَاقِيدِهِمَا، بِخِلَافِ الزَّيْتُونِ لِتَفَرُّقِ حَبِّهِ، وَاسْتِتَارِهِ بِوَرَقِهِ، وَقِيلَ: يُخْرَصُ. فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى الْمَالِكُ غَلَطَ الْخَارِجِ وَكَانَ مُمْكِنًا، فَإِنْ فَحُشَ، فَقِيلَ: يُرَدُّ قَوْلُهُ، وَقِيلَ: ضَمَانًا كَانَتْ أَوْ أَمَانَةً تُرَدُّ فِي الْفَاحِشِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَوِ ادَّعَى كَذِبَهُ عَمْدًا لَمْ يُقْبَلْ، وَلَوْ قَالَ: مَا حَصَلَ بِيَدِي إِلَّا هَذَا قُبِلَ، وَيُكَلَّفُ بِبَيِّنَةٍ فِي دَعْوَاهُ جَائِحَةً ظَاهِرَةً، ثُمَّ يُصَدَّقُ فِي التَّلَفِ، وَإِنِ ادَّعَى بِالْحَالِفِ الْعَادَةَ، لَمْ يُقْبَلْ. [مَا يُتْرَكُ لِرَبِّ الْمَالِ عِنْدَ الْخَرْصِ] (وَيَجِبُ أَنْ يُتْرَكَ فِي الْخَرْصِ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثُ أَوِ الرُّبْعُ) بِحَسَبِ اجْتِهَادِ السَّاعِي، لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا، وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبُعَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنِ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَهَذَا تَوْسِعَةٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْأَكْلِ هُوَ وَأَضْيَافُهُ وَجِيرَانُهُ وَأَهْلُهُ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا الْمَارَّةُ؛ وَمِنْهَا السَّاقِطَةُ، فَلَوِ اسْتَوْفَى الْكُلَّ أَضَرَّ بِهِمْ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يُتْرَكُ قَدْرُ أَكْلِهِمْ وَهَدِيَّتِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ بِلَا تَحْدِيدٍ لِلْأَخْبَارِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنَّمَا يُتْرَكُ فِي الْخَرْصِ إِذَا زَادَتِ الثَّمَرَةُ عَلَى النِّصَابِ، فَإِنْ كَانَتْ

стр. 807

فَلِرَبِّ الْمَالِ الْأَكْلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ. وَ يُؤْخَذُ الْعُشْرُ فِي كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ ، فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ أُخِذَ مِنَ الْوَسَطِ، وَيَجِبُ الْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمَالِكِ ، ــ [المبدع في شرح المقنع] نِصَابًا فَلَا، وَهَذَا الْقَدْرُ الْمُدْرَكُ لَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَدَلَّ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا لَمْ يُزَكِّهِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَفِي " الْوَجِيزِ ": يُزَكِّي الْكُلَّ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": وَيُوضَعُ ثُلُثُ الثَّمَرَةِ أَوْ رُبْعُهَا، فَلَا يُحْتَسَبُ لَهُ زَكَاةٌ، وَيُزَكِّي الْبَاقِيَ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلِرَبِّ الْمَالِ الْأَكْلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ بِأَنْ يَرَى السَّاعِي شَيْئًا مِنَ الْوَاجِبِ، أَخْرَجَهُ الْمَالِكُ نَصًّا. تَذْنِيبٌ: ظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ الْحُبُوبَ لَا تُخْرَصُ، وَلِلْمَالِكِ الْأَكْلُ مِنْهَا هُوَ وَعِيَالُهُ بِحَسَبَ الْعَادَةِ كَالْفَرِيكِ، وَمَا يَحْتَاجُهُ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ، وَلَا يَهْدِي، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ فِي " الْخِلَافِ ": أَسْقَطَ أَحْمَدُ عَنْ أَرْبَابِ الزَّرْعِ الزَّكَاةَ فِي مِقْدَارِ مَا يَأْكُلُونَ، كَمَا أَسْقَطَ فِي الثِّمَارِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُصُولِ " يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ، وَلَا يُتْرَكُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ كَالْمُشْتَرَكِ مِنَ الزَّرْعِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْقِيَاسُ، وَالْحَبُّ لَيْسَ فِي مَعْنَى الثَّمَرَةَ. [يُؤْخَذُ الْعُشْرُ فِي كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ] (وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ فِي كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ بِمَنْزِلَةِ الشُّرَكَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي كُلِّ نَوْعٍ، وَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ، بِخِلَافِ السَّائِمَةِ، فَإِنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ كُلِّ نَوْعٍ أَفْضَى إِلَى التَّشْقِيصِ، وَفِيهِ مَشَقَّةٌ، وَلَا يَجُوزُ الرَّدِيءُ عَنِ الْجَيِّدِ، وَبِالْعَكْسِ لَا يَجِبُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْرَارِ بِالْمَالِكِ (فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ أُخِذَ مِنَ الْوَسَطِ) لِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ شَرْعًا، وَكَالسَّائِمَةِ، فَلَوْ كَانَ الْمَالُ نَوْعًا وَاحِدًا أُخِذَ مِنْهُ مُطْلَقًا بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلى طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الشُّرَكَاءِ. [الْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمَالِكِ] (وَيَجِبُ الْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمَالِكِ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] ؛ وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِلزَّرْعِ كَالْمُسْتَعِيرِ، وَكَتَاجِرٍ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا، وَفِي إِيجَابِهِ عَلَى الْمَالِكِ إِجْحَافٌ يُنَافِي الْمُوَاسَاةَ؛ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الزَّرْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِذَا لَمْ يَزْرَعْ، وَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، بِخِلَافِ الْخَرَاجِ،

стр. 808

وَ يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَيَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرَاءُ الْأَرْضِ ــ [المبدع في شرح المقنع] فَإِنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ، وَالْغَاصِبُ إِذَا حَصَدَ زَرْعَهُ يُزَكِّيهِ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ، فَإِنْ مَلَكَهُ رَبُّ الْأَرْضِ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ زَكَّاهُ، وَكَذَا بَعْدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إِلَى أَوَّلِ زَرْعِهِ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ إِذَنْ، وَقِيلَ: يُزَكِّيهِ الْغَاصِبُ؛ لِأَنَّهُ تَمَلَّكَهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ. [يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً] (وَيَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً) ، وَكُلُّ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ لِلْعُمُومِ، فَالْخَرَاجُ فِي رَقَبَتِهَا، وَالْعُشْرُ فِي غَلَّتِهَا؛ وَلِأَنَّ سَبَبَ الْخَرَاجِ التَّمْكِينُ مِنَ النَّفْعِ لِوُجُوبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْ، وَسَبَبُ الْعُشْرِ الزَّرْعُ، كَأُجْرَةِ الْمَتْجَرِ مَعَ زَكَاةِ التِّجَارَةِ، وَلِأَنَّهَا بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا كَالْجَزَاءِ وَالْقِيمَةِ فِي الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ، وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ: " «لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ» . ضَعِيفٌ جِدًّا. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى الْخَرَاجِ الَّذِي هُوَ الْجِزْيَةُ (وَلَوْ كَانَ عُقُوبَةً لَمَا وَجَبَ عَلَى مُسْلِمٍ كَالْجِزْيَةِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ لِمُسْلِمٍ. قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي أَرْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ صَدَقَةٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي أَرْضِ الصُّلْحِ. تَذْنِيبٌ: الْأَرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ: مَا فُتِحَ عَنْوَةً، وَلَمْ تُقَسَّمْ، وَمَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا مِنَّا، وَمَا صُولِحُوا عَلَيْهَا عَلَى أَنَّهَا لَنَا، وَنُقِرُّهَا مَعَهُمْ بِالْخَرَاجِ، وَالْعُشْرِيَّةُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ: مَا أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا، نَقَلَهُ حَرْبٌ كَالْمَدِينَةِ وَنَحْوِهَا، وَمَا اخْتَطَّهُ الْمُسْلِمُونَ كَالْبَصْرَةِ، وَمَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَهُمْ بِخَرَاجٍ يُضْرَبُ عَلَيْهِمْ كَأَرْضِ الْيَمَنِ، وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِّمَ، كَنِصْفِ خَيْبَرَ، وَمَا أَقْطَعَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنَ السَّوَادِ إِقْطَاعَ تَمْلِيكٍ. فَرْعٌ: لَا زَكَاةَ فِي قَدْرِ الْخَرَاجِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ مؤنة الْأَرْضِ كَنَفَقَةِ زَرْعِهِ، وَمَتَى لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى غَلَّةِ الْأَرْضِ، وَفِيهَا مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ كَالْخَضْرَاوَاتِ، جَعَلَ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ فِي مُعَامَلَةِ الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْفُقَرَاءِ، وَلَا يَنْقُصُ النِّصَابُ بِمُؤْنَةِ حَصَادٍ وَدِيَاسٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْهُ لِسَبْقِ الْوُجُوبِ، (وَيَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرَاءُ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ) فِي

стр. 809

الْعُشْرِيَّةِ، وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِمْ عُشْرَانِ يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْإِسْلَامِ. فَصْلٌ وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ أَوْ مِنْ مِلْكِهِ، وَنِصَابُهُ عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ، كُلُّ فَرَقٍ سِتُّونَ رِطْلًا. ــ [المبدع في شرح المقنع] رِوَايَةٍ، وَقَالَهَا الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهَا مَالُ مُسْلِمٍ يَجِبُ الْحَقُّ فِيهَا لِلْفُقَرَاءِ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ بَيْعِهَا لِذِمِّيٍّ كَالسَّائِمَةِ، وَاقْتَصَرَ جَمْعٌ كَالْمُؤَلِّفِ عَلَى الْجَوَازِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يُمْنَعُونَ مِنْ شِرَائِهَا، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، فَعَلَيْهَا يَصِحُّ، جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَحَكَى أَحْمَدُ عَنِ الْحَسَنِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يُمْنَعُونَ مِنَ الشِّرَاءِ، فَإِنِ اشْتَرَوْا، لَمْ يَصِحَّ نَقْلُ عَدَمِ الْمَنْعِ (وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ زَكَاةٌ، فَلَا تجِبُ عَلَى ذَمِّيٍّ كَالسَّائِمَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " شَرْحِهِ " الصَّغِيرِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ غَيْرِ التَّغَلُّبِيِّ نِصْفُ الْعُشْرِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، سَوَاءٌ اتَّجَرَ بِذَلِكَ أَمْ لَمْ يَتَّجِرْ بِهِ مِنْ مَالِهِ وَثَمَرَتِهِ وَمَاشِيَتِهِ وَعَلَى الْمَنْعِ (وَعَنْهُ: عَلَيْهِمْ عُشْرَانِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَصْحِيحَ كَلَامِ الْمُتَعَاقِدِينَ، وَدَفْعَ الضَّرَرِ الْمُؤَبَّدِ عَنِ الْفُقَرَاءِ بِوُجُوبِ الْحَقِّ فِيهِ، وَكَانَ ضِعْفَ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ، كَمَا يَجِبُ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى الْعَاشِرِ نِصْفُ الْعُشْرِ ضِعْفُ الزَّكَاةِ (يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْإِسْلَامِ) ، وَكَذَا لَوْ بَاعَهَا مُسْلِمًا، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عُشْرٌ، وَيَبْقَى عُشْرُ الزَّكَاةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُمَا يَسْقُطَانِ بِالْإِسْلَامِ، لِسُقُوطِ جِزْيَةِ الرُّءُوسِ وَجِزْيَةِ الْأَرْضِ؛ وَهُوَ خَرَاجُهَا بِالْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ وَقْتَ الْوُجُوبِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، قَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِمْ عُشْرٌ وَاحِدٌ، ذَكَرَهَا فِي " الْخِلَافِ " كَمَا كَانَ لِتَعَلُّقِهِ بِالْأَرْضِ كَبَقَاءِ الْخَرَاجِ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: أَنَّهُ يَجُوزُ إِجَارَتُهَا مِنْهُ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى إِسْقَاطِ عُشْرِ الْخَارِجِ مِنْهَا، وَهَذِهِ الْأَرْضُ لَا تَصِيرُ خَرَاجِيَّةً بِمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهَا أَرْضُ عُشْرٍ، كَمَا لَوْ كَانَ مُشْتَرِيهَا مُسْلِمًا، وَلَا يَجُوزُ بَقَاءُ أَرْضٍ بِلَا عُشْرٍ وَلَا خَرَاجٍ بِالِاتِّفَاقِ. [زَكَاةُ الْعَسَلِ] فَصْلٌ (وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ) لِمَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ «أَبِي سَيَّارَةَ الْمُتَعِيِّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: " إِنَّ لِي نَحْلًا، قَالَ: فَأَدِّ الْعُشُورَ قَالَ: قُلْتُ يَا

стр. 810

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] رَسُولَ اللَّهِ، إن لي نحلا، قال: فأد العشور، قال: قلت يا رسول الله، احْمِ لِي جَبَلَهَا، قَالَ: فَحَمَى لِي جَبَلَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا سُلَيْمَانَ الْأَشْدَقَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا سَيَّارَةَ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: إِنَّهُمْ تَطَوَّعُوا بِهِ، قَالَ: لَا، بَلْ أُخِذَ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ خَارِجٌ مِنْ حَيَوَانٍ، أَشْبَهَ اللَّبَنَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ حَدِيثٌ يثبت وَلَا إِجْمَاعٌ، وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الْمُبَاحِ، وَاعْتَرَفَ الْمَجْدُ أَنَّهُ الْقِيَاسُ لَوْلَا الْأَثَرُ (سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ أَوْ مِنْ مِلْكِهِ) . قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا: أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَرْضِ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ. تَنْبِيهٌ: مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الشَّجَرِ كَالْمَنِّ وَالزَّنْجَبِينِ وَالشِّيرَخَشَكَ وَشِبْهَهَا؛ وَمِنْهُ اللادَّنُّ؛ وَهُوَ طَلٌّ يَنْزِلُ عَلَى نَبْتٍ تَأْكُلُهُ الْمِعْزَى، فِيهِ الْعُشْرُ كَالْعَسَلِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: لَا لِعَدَمِ النَّصِّ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ (وَنِصَابُهُ عَشَرَةُ أَفَرَاقٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ عُمَرَ: فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَفَرَاقٍ فَرَقٌ. رَوَاهُ الْجُوزْجَانِيُّ، وَتَقَدَّمَ قَوْلٌ فِي نِصَابِ الزَّيْتِ خَمْسَةُ أَفَرَاقٍ، فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ تَخْرِيجٌ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ فِيهِ، فَاعْتُبِرَ خَمْسَةُ أَمْثَالِهِ كَالْوَسْقِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا زَكَاةَ فِي قَلِيلِهِ، بَلْ يُعْتَبَرُ نِصَابُهُ بِالْأَفْرَاقِ؛ وَهُوَ جَمْعُ فَرَقٍ، قِيلَ: بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِهَا. قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ (كُلُّ فَرَقٍ سِتُّونَ رِطْلًا) عِرَاقِيَّةً فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " وَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ، فَيَكُونُ نِصَابُهُ سِتَّمِائَةِ رِطْلٍ، وَزْنُهَا بِالدِّمَشْقِيِّ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَثُلُثُ رِطْلٍ، وَفِي " الْخِلَافِ " سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا عِرَاقِيَّةً،

стр. 811

فَصْلٌ فِي الْمَعْدِنِ وَمَنِ اسْتَخْرَجَ مِنَ مَعْدِنِ نِصَابًا مِنَ الْأَثْمَانِ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ مِنَ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا عِرَاقِيَّةً؛ وَهُوَ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ. ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ لِخَبَرِ كَعْبٍ فِي الْفِدْيَةِ، وَحُمِلَ كَلَامُ عُمَرَ عَلَى التَّعَارُفِ بِبَلَدِهِ - وَهِيَ الْحِجَازُ - أَوْلَى، وَهَذَا ظَاهِرُ " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَقِيلَ: نِصَابُهُ أَلْفُ رِطْلٍ عِرَاقِيَّةٍ، قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: مِنْ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ، وَأَمَّا الْفَرْقُ بِسُكُونِ الرَّاءِ: مِكْيَالٌ ضَخْمٌ مِنْ مَكَايِلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَهُ الْخَلِيلُ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ: يَسَعُ مِائَةً وَعِشْرِينَ رِطْلًا. قَالَ الْمَجْدُ: وَلَا قَائِلَ بِهِ هُنَا. مَسْأَلَةٌ: مَنْ زَكَّى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمُعَشَّرَاتِ مَرَّةً، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، خِلَافًا لِلْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُرْصَدٍ لِلنَّمَاءِ، فَهُوَ كَالْقِنْيَةِ، بَلْ أَوْلَى لِنَقْصِهِ بِأَكْلٍ وَنَحْوِهِ. فَرْعٌ: تَضْمِينُ أَمْوَالِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ بَاطِلٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَّلَهُ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " بِأَنَّ ضَمَانَهَا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ فِي مِلْكِ مَا زَادَ، وَغُرْمِ مَا نَقَصَ، وَهَذَا مُنَافٍ لِمَوْضُوعِ الْعِمَالَةِ، وَحُكْمِ الْأَمَانَةِ. [فَصْلٌ فِي الْمَعْدِنِ] فَصْلٌ فِي الْمَعْدِنِ بِكَسْرِ الدَّالِّ سُمِّيَ بِهِ لِعُدُونِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ فِيهِ لِإِقَامَتِهِ، يُقَالُ: عَدَنَ عُدُونًا، وَالْمَعْدِنُ: الْمَكَانُ الَّذِي عُدِنَ فِيهِ الْجَوْهَرُ (وَمَنِ اسْتَخْرَجَ) إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَتَرَكَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ لِدَلَالَةِ مَا سَبَقَ (مِنْ مَعْدِنٍ) سَوَاءٌ كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ أَوْ مُبَاحَةٍ، وَلَوْ مِنْ دَارِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَوْ فِي مَوَاتٍ خَرِبٍ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ أَرْضِ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ جَارِيًا، فَكَأَرْضِهِ إِنْ قُلْنَا: هُوَ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَأَنَّهُ يَمْلِكُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ، وَأَنَّهُ يَمْلِكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ، أَوْ كَانَ جَامِدًا، فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى بَلَدِهِ كَالْمَغْصُوبِ (نِصَابًا مِنَ الْأَثْمَانِ) فَلِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (أَوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ) مِنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ بِقِيمَةِ أَحَدِهِمَا؛

стр. 812

الْجَوْهَرِ وَالصُّفْرِ وَالزِّئْبَقِ وَالْقَارِ وَالنِّفْطِ وَالْكُحْلِ وَالزَّرْنِيخِ وَسَائِرِ مَا يُسَمَّى مَعْدِنًا، فَفِيهِ الزَّكَاةُ فِي الْحَالِ رُبْعُ الْعُشْرِ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ مِنْ عَيْنِهَا إِنْ كَانَتْ أَثْمَانًا؛ سَوَاءٌ اسْتَخْرَجَهُ فِي دُفْعَةٍ أَوْ دُفُعَاتٍ، لَمْ يَتْرُكِ الْعَمَلَ بَيْنَهُمَا تَرْكَ إِهْمَالٍ، ــ [المبدع في شرح المقنع] لِأَنَّهُمَا قِيَمُ الْأَشْيَاءِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ فِيمَا دُونَ نِصَابِ الْأَثْمَانِ، ثُمَّ مَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ (مِنَ الْجَوْهَرِ، وَالصُّفْرِ، وَالزِّئْبَقِ، وَالْقَارِ، وَالنِّفْطِ، وَالْكُحْلِ، وَالزَّرْنِيخِ، وَسَائِرِ مَا يُسَمَّى مَعْدِنًا) كَالْبِلَّوْرِ، وَالْعَقِيقِ، وَالْحَدِيدِ، وَالْكِبْرِيتِ، وَالْمَغْرَةِ، وَنَحْوِهَا (فَفِيهِ الزَّكَاةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ، وَلِمَا رَوَى رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمَعَادِنَ الْقِبْلِيَّةَ قَالَ: فَتِلْكَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلَّا الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْمِ» رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَحْرُمُ عَلَى أَغْنِيَاءَ ذَوِي الْقُرْبَى، فَفِيهِ الزَّكَاةُ لَا الْخُمُسُ كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْطَبِعْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَرْضِ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا: «لَا زَكَاةَ فِي حَجَرٍ» إِنْ صَحَّ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْأَحْجَارِ الَّتِي لَا يُرْغَبُ فِيهَا عَادَةً، فَدَلَّ أَنَّ الرُّخَامَ مَعْدِنٌ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، قَالَ الْأَصْحَابُ: الطِّينُ والماء غير مَرْغُوبٌ فِيهِ، فَلَا حَقَّ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ الطِّينَ تُرَابٌ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: لَمْ أَسْمَعْ فِي مَعْدِنِ النَّارِ، وَالنِّفْطِ، وَالْكُحْلِ، وَالزَّرْنِيخِ شَيْئًا. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَظَاهِرُهُ التَّوَقُّفُ عَنْ غَيْرِ الْمُنْطَبِعِ (فِي الْحَالِ) لِأَهْلِهَا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْأَرْضِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ حَوْلٌ كَالزَّرْعِ (رُبْعُ الْعُشْرِ) مِنْ عَيْنِ أَثْمَانٍ أَوْ (مِنْ قِيمَة) مِنْ غَيْرِهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ بِظُهُورِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَ " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " وَغَيْرِهِمَا، كَالثَّمَرَةِ (سَوَاءٌ اسْتَخْرَجَهُ مِنْ دُفْعَةٍ أَوْ دُفُعَاتٍ، لَمْ يَتْرُكِ الْعَمَلَ بَيْنَهُمَا تَرْكَ إِهْمَالٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَأَدَّى إِلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ اسْتِخْرَاجُ نِصَابٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً،

стр. 813

وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا مِنْ عَيْنِهَا إِذَا كَانَتْ أَثْمَانًا إِلَّا بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ، وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالْعَنْبَرِ وَنَحْوِهِ. وَعَنْهُ: فِيهِ الزَّكَاةُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] فَإِنْ أَخَرَجَ دُونَ نِصَابٍ ثُمَّ تَرَكَ الْعَمَلَ مُهْمِلًا لَهُ، أَخَرَجَ دُونَ نِصَابٍ، فَلَا شَيْءَ فِيهِمَا، وَإِنْ بَلَغَا نِصَابًا، فَعَلَى هَذَا لَا أَثَرَ لِتَرْكِهِ لِمَرَضٍ، وَسِفْرٍ، وَصَلَاحِ آلَةٍ، وَنَحْوِهِ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ، كَالِاسْتِرَاحَةِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، أَوْ لِاشْتِغَالِهِ بِنَقْلِ تُرَابٍ خَرَجَ بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ، أَوْ هَرَبَ عَبِيدُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَرَقٍ يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ، وَحَدَّ ابْنُ الْمُنَجَّا الْإِهْمَالَ بِتَرْكِ الْعَمَلِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، وَإِنْ كَانَ فَبِزَوَالِهِ. ١ - مَسْأَلَةٌ: لَا يُضَمُّ جِنْسٌ لِآخَرَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ غَيْرَ نَقْدٍ، وَقِيلَ: بَلَى، وَقِيلَ: مَعَ تَقَارُبِهِمَا كَنَارٍ وَنِفْطٍ، وَمَنْ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ جِنْسٍ مِنْ مَعَادِنَ ضُمَّ كَالزَّرْعِ فِي مَكَانَيْنِ (وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا إِذَا كَانَتْ أَثْمَانًا إِلَّا بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ) ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إِخْرَاجُ الْوَاجِبِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْحُبُوبِ، فَلَوْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِ تُرَابِهِ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ، رَدَّهُ إِنْ كَانَ باقيا، أو قيمته إن كان تَالِفًا، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْآخِذِ فِي قَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، فَإِنْ صَفَّاهُ الْآخِذُ مَكَانَ الْوَاجِبِ أَجْزَأَ، وَإِنْ زَادَ رَدَّ الْفَاضِلَ إِلَّا أَنْ يَتْرُكَهُ الْمُخْرِجُ، وَإِنْ نَقَصَ كَمَّلَهُ، وَلَا يُحْتَسَبُ بِمُؤْنَتِهِمَا فِي الْأَصَحِّ لِمُؤْنَةِ اسْتِخْرَاجِهِ، فَإِنْ كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ احْتُسِبَ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا يُحْتَسَبُ بِمَا أُنْفِقَ عَلَى الزَّرْعِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْكَافِي: " لَا يُحْتَسَبُ بِهِ بِكَوْنِ الْحَصَادِ وَالزِّرَاعَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ عَنْ غَيْرِهَا قَبْلَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ. ١ - مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ بَيْعُ تُرَابِ مَعْدِنٍ وَصَاغَةٍ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَعَرْضٍ؛ لِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِمَا هُوَ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ كَالْبَاقِلَاءِ فِي قِشْرَتِهِ، وَعَنْهُ: لَا كَجِنْسِهِ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: لَا فِي تُرَابِ صَاغَةٍ، وَإِنَّ غَيْرَهُ أَهْوَنُ، وَزَكَاتُهُ عَلَى الْبَائِعِ لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ، كَبَيْعِ حَبٍّ بَعْدَ صَلَاحِهِ. [زَكَاةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ] (وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ) هُوَ نَبَاتٌ حَجَرِيٌّ يَتَوَسَّطُ فِي خَلْقِهِ بَيْنَ النَّبَاتِ وَالْمَعْدِنِ، وَمِنْ خَوَاصِّهِ أَنَّ النَّظَرَ إِلَيْهِ يَشْرَحُ الصَّدْرَ وَيُفْرِحُ الْقَلْبَ (وَالْعَنْبَرُ وَنَحْوُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ " الْمَذْهَبُ "، وَقَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَكْثَرُ،

стр. 814

فَصْلٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ، أَيُّ نَوْعٍ كَانَ مِنَ الْمَالِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ لِأَهْلِ الْفَيْءِ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ زَكَاةٌ، وَبَاقِيهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ شَيْءٌ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ دَسَّرَهُ الْبَحْرُ، وَعَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ، رَوَاهُمَا أَبُو عُبَيْدٍ، وَلَمْ تَأْتِ بِهِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ وُجُودُهُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ، فَهُوَ كَالْمُبَاحَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْبَرِّ (وَعَنْهُ: فِيهِ الزَّكَاةُ) نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ، فَوَجَبَ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْمَعْدِنِ، وَقِيلَ: غَيْرُ حَيَوَانٍ، جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ كَصَيْدِ الْبَرِّ، وَنَصَّ أَحْمَدُ التَّسْوِيَةَ، وَمُثِّلَ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " بِالْمِسْكِ وَالسَّمَكِ، فَيَكُونُ الْمِسْكُ بَحْرِيًّا، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي السَّمَكِ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَافَّةً، وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ بِأَنْ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ فِي الْمِسْكِ إِذَا أَصَابَهُ صَاحِبُهُ: فِيهِ الزَّكَاةُ، شَبَّهَهُ بِالسَّمَكِ إِذَا صَادَهُ، وَصَارَ فِي يَدِهِ مِنْهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَمَا أَشْبَهَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": (وَهُوَ أَوْلَى. [الرِّكَازُ] فَصْلٌ (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا الْحَسَنَ فَإِنَّهُ قَالَ: فِي أَرْضِ الْحَرْبِ الْخُمُسُ، وَفِي أَرْضِ الْعَرَبِ الزَّكَاةُ (أَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنَ الْمَالِ) كَالنَّقْدَيْنِ، وَالْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ، فَوَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ وَالْغَنِيمَةُ (قَلَّ) ذَلِكَ الْمَوْجُودُ (أَوْ كَثُرَ) بِخِلَافِ الْمَعْدِنِ وَالزَّرْعِ؛ لِكَوْنِهِمَا يَحْتَاجَانِ إِلَى

стр. 815

لِوَاجِدِهِ إِنْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ أَوْ أَرْضٍ لَا يُعْلَمُ مَالِكُهَا، وَإِنْ عُلِمَ مَالِكُهَا أَوْ ــ [المبدع في شرح المقنع] كُلْفَةٍ، وَاعْتُبِرَ لَهُمَا النِّصَابُ تَحْقِيقًا، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي مَصْرِفِهِ، فَرَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ (لِأَهْلِ الْفَيْءِ) اخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " وَابْنُ عَقِيلٍ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " لِفِعْلِ عُمَرَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَخْمُوسٌ لِخُمُسِ الْغَنِيمَةِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِمَصْرِفِ الْغَنِيمَةِ، بَلِ الْفَيْءُ الْمُطْلِقُ لِلْمَصَالِحِ كُلِّهَا (وَعَنْهُ: أَنَّهُ زَكَاةٌ) نَقَلَهَا حَنْبَلٌ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ صَاحِبَ الْكَنْزِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْخُمُسِ عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ فِي الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ كَالْمَعْدِنِ، فَيُصْرَفُ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ إِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ فَيْءٌ، إِلَّا إِذَا كَانَ عَبْدًا فَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ كسب مَالُهُ، كَالِاحْتِشَاشِ، وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ زَكَاةٌ لَمْ يَجِبْ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَيَمْلِكُهُ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ، وَيُخْرِجُهُ عَنْهُمَا وَلِيُهِمَّا، وَصَحَّحَ بَعْضُهُمْ وَجُوبَهَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مُطْلَقًا، وَيَجُوزُ لِوَاجِدِهِ تَعْرِفَتُهُ بِنَفْسِهِ، كَمَا لَوْ قُلْنَا إِنَّهُ زَكَاةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " لِأَنَّهُ أَدَّى الْحَقَّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ، قَدَّمَهُ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " كَخُمُسِ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يُضْمَنُ؟ وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِه والْمَعْدِنِ إِمْسَاكُ الْحَقِّ لِنَفْسِهِ لِحَاجَةٍ (وَبَاقِيهِ لِوَاجِدِهِ) لِفِعْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا دَفَعَا بَاقِيَ الرِّكَازِ لِوَاجِدِهِ؛ وَلِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٍ عَلَيْهِ، فَكَانَ لِوَاجِدِهِ بَعْدَ الْخُمُسِ كَالْغَنِيمَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَهُ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا بِدَارِنَا، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ أَجِيرًا لِطَلَبِهِ، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ سِوَى الْأُجْرَةِ (إِنْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ كَالصَّيْدِ مِنْهَا (أَوْ أَرْضٍ لَا يُعْلَمُ مَالِكُهَا) كَالْأَرْضِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا آثَارُ الْمِلْكِ مِنَ الْأَبْنِيَةِ الْقَدِيمَةِ، وَجُدْرَانِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقُبُورِهِمْ، وَلَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِهَا، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " أَوْ قَرْيَةٍ خَرَابٍ أَوْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا قَالَ: «وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ، وَلَا فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ

стр. 816

كَانَتْ مُنْتَقِلَةً إِلَيْهِ، فَهُوَ لَهُ أَيْضًا، وَعَنْهُ: أَنَّهُ لِمَالِكِهَا، أَوْ لِمَنِ انْتَقَلَتْ عَنْهُ إِنِ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِأَوَّلِ مَالِكٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضِ حَرْبِيٍّ مَلَكَهُ إِلَّا أَنْ لَا ــ [المبدع في شرح المقنع] الْخُمُسُ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَفِي لَفْظٍ: «وَإِنْ وَجَدَهُ فِي خَرِبَةٍ جَاهِلِيَّةٍ أَوْ فِي قَرْيَةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» (وَإِنْ عُلِمَ مَالِكُهَا) كَمَنْ دَخَلَ دَارَ غَيْرِهِ، أَوْ اسْتَأْجَرَهَا أَوِ اسْتَعَادَهَا (أَوْ كَانَتْ مُنْتَقِلَةً إِلَيْهِ) بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ (فَهُوَ لَهُ أَيْضًا) فِي الْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، بَلْ هُوَ مُودَعٌ فِيهَا، فَهُوَ كَالصَّيْدِ وَالْكَلَأِ، يَمْلِكُهُ مَنْ ظَفِرَ بِهِ كَالْمُبَاحَاتِ كُلِّهَا، وَعَلَيْهَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَهُ الْمَالِكُ أَوَ لَا، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ عَنْ أَحْمَدَ فَيَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لَهُ فِي دَارِهِ، فَأَصَابَ كَنْزًا، فَهُوَ لِلْأَجِيرِ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي (وَعَنْهُ: أَنَّهُ لِمَالِكِهَا) قَطَعَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " التَّلْخِيصِ " لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهَا، فَكَانَ مَا فِيهَا لَهُ كَالْقُمَاشِ (أَوْ لِمَنِ انْتَقَلَتْ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَهُ (إِنِ اعْتَرَفَ بِهِ) كُلٌّ مِنَ الْمَالِكِ وَالْمُنْتَقِلِ عَنْهُ، فَإِنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ مِيرَاثًا حُكِمَ بِأَنَّهُ مِيرَاثٌ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْوَرَثَةُ أَنَّهُ لِمُورِّثِهِمْ فَلِأَوَّلِ مَالِكٍ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا أُعْطِيَ كُلٌّ حُكْمَهُ (وَإِلَّا) فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، وَلَمْ يَدَّعِهِ (فَهُوَ لِأَوَّلِ مَالِكٍ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ، فَكَانَ لَهُ كَحِيطَانِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، كَمَا لَوِ ادَّعَاهُ بِصِفَةٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يَكُونُ كَالْمَالِ الضَّائِعِ حَيْثُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ فَادَّعَاهُ وَاجِدُهُ فَهُوَ لَهُ، جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ خِلَافُهُ، وَعَلَى الْأَوْلَى إِنِ ادَّعَاهُ الْمَالِكُ قَبِلَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا وَصْفٍ، فَهُوَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى مُمْكِنًا، وَكَانَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا، فَالظَّاهِرُ صِدْقُهُ، وَعَنْهُ: لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى بِلَا بَيِّنَةٍ، وَلَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، فَعَلَيْهَا يَكُونُ لِوَاجِدِهِ، وَمَتَى دُفِعَ إِلَى مُدَّعِيهِ بَعْدَ إِخْرَاجِ خُمُسِهِ، غَرِمَ وَاجِدُهُ بَدَلَهُ إِنْ كَانَ أَخْرَجَ بِاخْتِيَارِهِ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا غَرِمَهُ، لَكِنْ هَلْ هُوَ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ، وَعَنْهُ: مَالُهُ يَكُونُ لِلْمَالِكِ قَبْلَهُ إِنِ اعْتَرَفَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ أَوْ لم يُعَرِّفْهُ الْأَوَّلُ، فَلِوَاجِدِهِ، وَقِيلَ: لِبَيْتِ الْمَالِ (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ حَرْبِيٍّ مَلَكَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ،

стр. 817

يَقْدِرَ عَلَيْهِ إِلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَتكُونُ غَنِيمَةً، وَالرِّكَازُ: مَا وُجِدَ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَيْهِ عَلَامَتُهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ، فَهُوَ لُقَطَةٌ. بَابُ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَلَا زَكَاةَ فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالَا، ــ [المبدع في شرح المقنع] إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا حُرْمَةَ لَهُ، كَمَا لَوْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ، وَقِيلَ: غَنِيمَةٌ، خَرَّجَهُ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِمَنْعِهِ (إِلَّا أَنْ لا يَقْدِرَ عَلَيْهِ إِلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ غَنِيمَةً) ؛ لِأَنَّ قُوَّتَهُمْ أَوْصَلَتْهُ إِلَيْهِ، فَكَانَ غَنِيمَةً كَالْمَأْخُوذِ بِالْحَرْبِ (وَالرِّكَازُ) اشْتِقَاقُهُ مِنْ رَكَزَ يَرْكِزُ كَغَرَزَ يَغْرِزُ: إِذَا خَفِيَ؛ وَمِنْهُ غَرَزْتُ الرُّمْحَ إِذَا أَخْفَيْتُ أَسْفَلَهُ، فَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْمَالُ الْمَدْفُونُ فِي الْأَرْضِ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ (مَا وُجِدَ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ) ؛ لِأَنَّ دِفْنَهُمْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ وَخَفِيَ مَكَانَهُ (عَلَيْهِ عَلَامَتُهُمْ) كَأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ؛ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِمْ: هُوَ الْمَالُ الْجَاهِلِيُّ الْمَدْفُونُ، وَحُكْمُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْكُفَّارِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَتُهُمْ، فَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " (أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رِكَازًا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى بَعْضِهِ (عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ) كَاسْمِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ (أَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ) كَالْحُلِيِّ وَالسَّبَائِكِ وَالْآنِيَةِ (فَهُوَ لُقَطَةٌ) أَيْ: لَا مِلْكَ إِلَّا بَعْدَ التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ لَمْ يُعْلَمْ زَوَالُهُ عَنْهُ، وَتَغْلِيبًا لِحُكْمِ دَارِ الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ فِي مِلْكٍ انْتَقَلَ إِلَيْهِ، فَيَدَّعِيهِ الْمَالِكُ قَبْلَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا صِفَةٍ، فَهَلْ يُدْفَعُ إِلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ حَكَاهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَنَقَلَهُ فِي " الشَّرْحِ " عَنْهُ إِحْدَاهُمَا: لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ كَاللُّقَطَةِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْمِلْكِ. [بَابُ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ] [نِصَابُ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ] بَابُ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ (وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ) فَدَلَّ أَنَّ الْفُلُوسَ الرَّائِجَةَ لَا تُسَمَّى بِهِ، وَنَصَّ لَهُمَا خَاصَّةً،

стр. 818

فَيَجِبُ فِيهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ، وَلَا فِي الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَيَجِبُ فِيهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا الْإِجْمَاعُ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] الْآيَةَ. وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ (وَلَا زَكَاةَ فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا فَيَجِبُ نِصْفُ مِثْقَالٍ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ مَرْفُوعًا: «أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ مِثْقَالًا نِصْفَ مِثْقَالٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، فَالْمِثْقَالُ: دِرْهَمٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ؛ وَهُوَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةَ شَعِيرٍ مُتَوَسِّطَةً؛ وَهُوَ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ (وَلَا فِي الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ) وَزْنَ (مِائَتَيْ دِرْهَمٍ) لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» (فَيَجِبُ فِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ» ، وَالِاعْتِبَارُ بِالدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ الَّذِي وَزَنُهُ سِتَّةُ دَوَانِيقَ، وَالْعَشَرَةُ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ سَوْدَاءَ، وَزْنُ الدِّرْهَمِ مِنْهَا ثَمَانِيَةُ دَوَانِيقَ، وَطَبَرِيَّةً، الدِّرْهَمُ مِنْهَا أَرْبَعَةُ دَوَانِيقَ، فَجَمَعَتْهَا بَنُو أُمَيَّةَ، وَقَسَّمَتْهَا عَلَى اثْنَيْنِ، فَصَارَ الدِّرْهَمُ مِنْهَا سِتَّةَ دَوَانِيقَ، وَذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ إِجْمَاعَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ سُئِلَ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَذِيِّ عَنْ دَرَاهِمَ صِغَارٍ فَقَالَ: تُرَدُّ إِلَى الْمَثَاقِيلِ، فَالدِّرْهَمُ نِصْفُ مِثْقَالٍ، وَخُمُسُهُ؛ وَهُوَ خَمْسُونَ حَبَّةٍ وَخُمُسَا حَبَّةٍ، فَنِصَابُ الذَّهَبِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَقَدْرُهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا وَسُبْعَا دِينَارٍ، وَتُسْعُهُ عَلَى التَّحْدِيدِ الَّذِي زِنَتُهُ دِرْهَمٌ وَثُمُنُ دِرْهَمٍ.

стр. 819

خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَا زَكَاةَ فِي مَغْشُوشِهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ مَا فِيهِ نِصَابًا، فَإِنْ شَكَّ فِيهِ خُيِّرَ بَيْنَ سَبْكِهِ وَبَيْنَ الْإِخْرَاجِ، وَيُخْرِجُ عَنِ الْجَيِّدِ الصَّحِيحِ مِنْ جِنْسِهِ، فَإِنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] لَكِنْ قَالَ الْأَثْرَمُ: قَدِ اصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَى دَرَاهِمِنَا، فَيُزَكِّي الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ مِنْ دَرَاهِمِنَا هَذِهِ، فَيُعْطِي مِنْهَا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْأُوقِيَّةُ وَالدَّرَاهِمُ مَجْهُولَةً زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ وَهُوَ مُوجِبٌ الزَّكَاةَ فِي أَعْدَادٍ مِنْهَا، وَيَقَعُ مِنْهَا الْبِيَاعَاتِ وَالْأَنْكِحَةِ كَمَا فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ؛ وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً إِلَى زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَنَّهُ جَمَعَهَا بِرَأْيِ الْعُلَمَاءِ، وَجَعَلَ وَزْنَ الدِّرْهَمِ مِنْهَا سِتَّةَ دَوَانِيقَ، قَوْلٌ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا مَعْنَى مَا نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى صِفَةٍ لَا تَخْتَلِفُ، فَرَأَوْا صَرْفَهَا إِلَى ضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَنَقْشِهِ، فَجَمَعُوا أَكْبَرَهَا وَأَصْغَرَهَا، وَضَرَبُوهُ عَلَى وَزْنِهِمْ (وَلَا زَكَاةَ فِي مَغْشُوشِهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ مَا فِيهِ) مِنَ النَّقْدِ الْخَالِصِ (نِصَابًا) لِلنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ النِّصَابِ. وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ وَجْهًا: إِنْ بَلَغَ مَضْرُوبُهُ نِصَابًا زَكَّاهُ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ الْغِشُّ أَكْثَرَ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: يَقُومُ مَضْرُوبُهُ كَالْعُرُوضِ (فَإِنَّ شَكَّ فِيهِ) أَيْ فِي بُلُوغِ قَدْرِ مَا فِي الْمَغْشُوشِ مِنَ النَّقْدِ نِصَابًا (خُيِّرَ بَيْنَ سَبْكِهِ) لِيُعْلَمَ قَدْرُ مَا فِيهِ (وَبَيْنَ الْإِخْرَاجِ) أَيْ: يَسْتَظْهِرُ وَيُخْرِجُ لِيُسْقِطَ الْفَرْضَ بِيَقِينٍ. فَعَلَى هَذَا إِذَا سَبَكَهُ، فَظَهَرَ نِصَابًا فَأَكْثَرَ، أَخْرَجَ رُبُعَ عُشْرِهِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ، فَلَا، وَإِنِ اسْتَظْهَرَ فَيُخْرِجُ مَا يُجْزِئُهُ بِيَقِينٍ، وَقِيلَ: لَا زَكَاةَ، وَإِنْ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ، وَشَكَّ فِي زِيَادَةٍ اسْتَظْهَرَ، فَأَلْفٌ ذَهَبٌ، وَفِضَّةٌ، سِتُّمِائَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا يُزَكِّي سِتَّمِائَةٍ ذَهَبًا، وَأَرْبَعَمِائَةٍ فِضَّةً، وَإِنْ لَمْ يُجْزِ ذَهَبٌ عَنْ فِضَّةٍ، زَكَّى سِتَّمِائَةٍ ذَهَبًا، وَسِتَّمِائَةٍ فِضَّةً، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ قَدْرَ الْعُشْرِ بِأَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ دِينَارٍ سُدُسُهُ، جَازَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُخْرِجًا لِرُبْعِ الْعُشْرِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ قَدْرُ الْعُشْرِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ، لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا أَنْ يَسْتَظْهِرَ، فَيُخْرِجُ قَدْرَ الزَّكَاةَ بِيَقِينٍ، وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْهَا مَا لَا غَشَّ فِيهِ، فَهُوَ أَفْضَلُ، وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ: إِنْ زَادَتْ قِيمَةُ الْمَغْشُوشِ بِصَنْعَةِ الْغِشِّ، أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِهِ، كَحُلِيِّ الْكِرَاءِ إِذَا زَادَتْ قِيمَتُهُ بِصِنَاعَةٍ. فَائِدَةٌ: يُعْرَفُ قَدْرُ غِشِّهِ بِوَضْعِ ذَهَبٍ خَالِصٍ زِنَةَ مَغْشُوشٍ فِي مَاءٍ، ثُمَّ فِضَّةٍ كَذَلِكَ؛

стр. 820

أَخْرَجَ مَكْسُورًا أَوْ بَهْرَجًا، زَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَضْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَهَلْ يُضَمُّ الذَّهَبُ إِلَى الْفِضَّةِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ أَوْ يُخْرَجُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ؟ عَلَى ــ [المبدع في شرح المقنع] وَهِيَ أَضْخَمُ، ثُمَّ مَغْشُوشٍ، وَيُعْلَمُ عُلُوُّ الْمَاءِ، وَيُمْسَحُ بَيْنَ كُلِّ عَلَامَتَيْنِ، فَمَعَ اسْتِوَاءِ الْمَمْسُوحَيْنِ نَصِفُهُ ذَهَبٌ، وَنِصْفُهُ فِضَّةٌ، وَمَعَ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ بِحِسَابِهِ. تَذْنِيبٌ: يُكْرَهُ ضَرْبُ نَقْدٍ مَغْشُوشٍ وَاتِّخَاذُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ. قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي: لَيْسَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَضْرِبُوا إِلَّا جَيِّدًا، وَيُكْرَهَ الضَّرْبُ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لَا يَصْلُحُ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ إِلَّا فِي دَارِ الضَّرْبِ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إِنْ رُخِّصَ لَهُمْ رَكِبُوا الْعَظَائِمَ. (وَيُخْرِجُ عَنِ الْجَيِّدِ الصَّحِيحَ مِنْ جِنْسِهِ) ؛ لِأَنَّ إِخْرَاجَ غَيْرِ ذَلِكَ خَبِيثٌ، فَلَمْ يَجُزْ، وَكَالْمَاشِيَةِ، وَيُخْرِجُ عَنِ الرَّدِيءِ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ أَنْوَاعًا مُتَسَاوِيَةَ الْقِيمَةِ جَازَ إِخْرَاجُهَا مَنْ أَحَدِهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْقِيمَةُ أُخِذَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِحِصَّتِهِ، وَجَزَمَ الْمُؤَلِّفُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " إِنْ شَقَّ لِكَثْرَةِ الْأَنْوَاعِ، فَمِنَ الْوَسَطِ كَالْمَاشِيَةِ، وَإِنْ أَخْرَجَ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الْأَعْلَى كَانَ أَفْضَلَ، وَإِنْ أَخْرَجَ عَنِ الْأَعْلَى مِنَ الْأَدْنَى أَوِ الْوَسَطِ، وَزَادَ قَدْرَ الْقِيمَةِ جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخْرَجَ مِنَ الْأَعْلَى بِقَدْرِ الْقِيمَةِ دُونَ الْمَوْزُونِ، لَمْ يَجُزْ (فَإِنْ أَخْرَجَ) أَيْ: عَنِ الصِّحَاحِ (مُكَسَّرًا أَوْ) أَخْرَجَ عَنِ الْجِيَادِ (بَهْرَجًا) أَيْ: رَدِيئًا؛ وَهُوَ الْمَغْشُوشُ، أَوْ أَخْرَجَ سَوْدَاءَ عَنْ بَعْضٍ (زَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَضْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ) وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ قِيمَةً وَقَدْرًا، وَكَمَا لَوْ أَخْرَجَ مِنْ عَيْنِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يَجِبُ الْمِثْلُ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " فِي غَيْرِ مُكَسَّرٍ عَنْ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ جَيِّدٌ صَحِيحٌ، فَلَمْ يُجْزِئْ ضِدُّهُ، كَالْمَرِيضَةِ عَنِ الصِّحَاحِ، فَإِذَا تَسَاوَى الْوَاجِبُ وَالْمُخْرَجُ فِي الْقِيمَةِ وَالْوَزْنِ، جَازَ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ، فَالْقَصْدُ مِنْهَا الِانْتِفَاعُ بِعَيْنِهَا. [ضَمُّ الذَّهَبِ إِلَى الْفِضَّةِ مِنْ تَكْمِيلِ النِّصَابِ] (وَهَلْ يُضَمُّ الذَّهَبُ إِلَى الْفِضَّةِ مِنْ تَكْمِيلِ النِّصَابِ، أَوْ يُخْرَجُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يُكْمَلُ نِصَابُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَالْخِرَقِيُّ

стр. 821

رِوَايَتَيْنِ، وَيَكُونُ الضَّمُّ بِالْأَجْزَاءِ، وَقِيلَ بِالْقِيمَةِ فِيمَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ، وَيُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَصَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ ": لِأَنَّ مَقَاصِدَهُمَا وَزَكَاتَهُمَا مُتَّفِقَةٌ، فَهُمَا كَنَوْعَيِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، فَعَلَيْهَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الحاضر والدين إِذَا كَانَ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُضَمُّ. قَالَ الْمَجْدُ: يُرْوَى أَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ إِلَيْهَا أَخِيرًا، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْكَافِي " وَ " الرِّعَايَةِ "، وَابْنُ تَمِيمٍ؛ لِقَوْلِهِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» ؛ وَلِأَنَّهُمَا مَالَانِ يَخْتَلِفُ نِصَابُهُمَا، فَلَمْ يَجُزِ الضَّمُّ كَأَجْنَاسِ الْمَاشِيَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهَذِهِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى دَلِيلًا وَأَصَحُّ تَعْلِيلًا، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْخَبَرَ مَخْصُوصٌ بِعَرَضِ التِّجَارَةِ، فَيَصِحُّ الْقِيَاسُ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْهُ الْوَقْفَ، فَيَكُونُ قَوْلًا ثَالِثًا (وَأَمَّا إِخْرَاجُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ) فَيَجُوزُ، صَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ أَحَدِهِمَا يَحْصُلُ بِإِخْرَاجِ الْآخَرِ، فَهُوَ كَأَنْوَاعِ الْجِنْسِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، فَيَمْتَنِعُ كَسَائِرِ الْأَجْنَاسِ، وَعَلَى الْأُولَى لَا يَجُوزُ الْإِبْدَالُ فِي مَوْضِعٍ يَلْحَقُ الْفَقِيرَ ضَرَرٌ، فَإِنْ اخْتَارَ الْمَالِكُ الدَّفْعَ مَنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ، وَأَرَادَ الْفَقِيرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ لِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ، لَمْ يَلْزَمِ الْمَالِكَ إِجَابَتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُكَلَّفْ سِوَاهُ، وَقِيلَ: اخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ، فَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِهِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، (وَ) عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الضَّمِّ (يَكُونُ الضَّمُّ بِالْأَجْزَاءِ) عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ لَاعْتُبِرَ بِنَفْسِهِ، فَكَذَا إِذَا ضُمَّ إِلَى غَيْرِهِ كَالْمَوَاشِي؛ وَلِأَنَّ الضَّمَّ بِالْأَجْزَاءِ مُتَيَقَّنٌ، بِخِلَافِ الْقِيمَةِ، فَإِنَّهُ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ، كَمَا لَوْ كَانَ مِلْكُهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا نِصْفُ نِصَابٍ، فَمَجْمُوعُهُمَا نِصَابٌ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الثُّلُثُ أَوْ بَقِيَّةُ الْأَجْزَاءِ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَالْبَاقِي مِنَ الْآخَرِ (وَقِيلَ: بِالْقِيمَةِ) قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ كُلَّ نِصَابٍ ضُمَّ، فَإِنَّهُ بِالْقِيمَةِ كَنِصَابِ السَّرِقَةِ (فِيمَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ) لأَنَّ أَصْلَ الضَّمِّ إِنَّمَا

стр. 822

فصل وَلَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، فَأَمَّا ــ [المبدع في شرح المقنع] شُرِعَ لِأَجْلِ الْحَظِّ ، فَإِذَا كَانَ لَهُ تِسْعَةُ دَنَانِيرَ قِيمَتُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَلَهُ مِائَةٌ أُخْرَى ضُمَّا، وَعَلَى الْأَجْزَاءِ: لَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَحَظُّ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالْقِيمَةِ فَقَطْ، لِانْقِطَاعِهِ عَمَّا قَبْلَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إِلَيْهِمَا، فَلِهَذَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": (وَعَنْهُ: يُكَمَّلُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بِالْأَحَظِّ لِلْفُقَرَاءِ مِنَ الْأَجْزَاءِ أَوِ الْقَيِّمَةِ، ذَكَرَهَا فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ ". فَرْعٌ: يُضَمُّ جَيِّدُ كُلِّ جِنْسٍ إِلَى رَدِيئِهِ، وَمَضْرُوبِهِ إِلَى غَيْرِهِ. (وَيُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ) ؛ أَيْ: عُرُوضِ التِّجَارَةِ (إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، كَمَنْ لَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَمَتَاعٌ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ أُخْرَى، أَوَّ لُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَمَتَاعٌ قِيمَتُهُ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي قِيمَةِ الْعُرُوضِ؛ وَهِيَ تُقَوَّمُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَكَانَا مَعَ الْقِيمَةِ جِنْسًا وَاحِدًا، فَلَوْ كَانَ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَعُرُوضٌ، فَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يُضَمُّ الْجَمِيعُ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ. [الْحُلِيُّ الْمُبَاحُ وَالْحُلِيُّ الْمُحَرَّمُ] فَصْلٌ (وَلَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ» رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ؛ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَلِأَنَّهُ مُرْصَدٌ لِلِاسْتِعْمَالِ الْمُبَاحِ، فَلَمْ تَجِبْ كَالْعَوَامِلِ، وَثِيَابِ الْقِنْيَةِ، قَالَ جَمَاعَةٌ: مُعْتَادٌ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ آخَرُونَ لِرَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ إِنْ أُعِدَّ لِلُبْسٍ مُبَاحٍ أَوْ إِعَارَةٍ، وَلَوْ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَرَجُلٍ يَتَّخِذُ حُلِيَّ النِّسَاءِ لِإِعَارَتِهِنَّ، أَوِ امْرَأَةٍ تَتَّخِذُ حُلِيَّ الرِّجَالِ

стр. 823

الْحُلِيُّ الْمُحَرَّمُ، وَالْآنِيَةُ، وَمَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ أَوِ النَّفَقَةِ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَ نِصَابًا، ــ [المبدع في شرح المقنع] لِإِعَارَتِهِمْ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ إِذَا لَمْ يُعرْ وَلَمْ يُلْبَسْ، قَالَهُ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ "، نَقَلَ ابْنُ هَانِي: زَكَاتُهُ عَارِيَتُهُ، وَقَالَ: هُوَ قَوْلُ خَمْسَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ: مُطْلَقًا، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِامْرَأَةٍ فِي يَدِهَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ: هَلْ تُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ» ". وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ، قَالَهُ أَبُو عَبِيدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ: «وَفِي الرِّقَّةِ رُبُعُ الْعُشْرِ» . وَجَوَابُهُ بِأَنَّهَا هِيَ الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ، قَالَ أَبُو عَبِيدٍ: لَا نَعْلَمُ هَذَا الِاسْمَ فِي الْكَلَامِ الْمَعْقُولِ عِنْدَ الْعَرَبِ إِلَّا عَلَى الدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ ذَاتِ السِّكَّةِ السَّائِرَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الشُّمُولُ يَكُونُ مَخْصُوصًا بِمَا ذَكَرْنَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ إِذَا كَانَ الْحُلِيُّ لِيَتِيمٍ لَا يَلْبَسُهُ، فَلِوَلِيِّهِ إِعَارَتُهُ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا زَكَاةَ، وَإِنْ لَمْ يُعِرْهُ وَجَبَتْ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ (فَأَمَّا الْحُلِيُّ الْمُحَرَّمُ) ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ أَصْلِهِ، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ: مَا كَانَ عَلَى سَرْجٍ وَلِجَامٍ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْآنِيَةُ مِنَ النَّقْدَيْنِ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَمَّا كَانَتْ لِمُحَرَّمٍ جُعِلَتْ كَالْعَدَمِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الِاتِّحَادِ جَوَازُ الصَّنْعَةِ، كَتَحْرِيمِ تَصْوِيرِ مَا يُدَاسُ مَعَ جَوَازِ اتِّخَاذِهِ (وَمَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَالْمَدِّ فَقَطْ، فَنَصَّ عَلَى وُجُوبِهَا، سَوَاءٌ حَلَّ لَهُ لُبْسُهُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مِنْ جِنْسِهِ الزَّكَاةُ، وَكَمَا لَوْ أُعِدَّ لِتِجَارَةٍ كُحْلِيِّ الصَّيَارِفِ (أَوِ النَّفَقَةِ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ) ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَقَطَتْ مِمَّا أُعِدَّ لِلِاشْتِغَالِ بِصَرْفِهِ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ، وَقَيَّدَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الشَّرْحِ " بِالِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ،

стр. 824

وَالِاعْتِبَارُ بِوَزْنِهِ إِلَّا مَا كَانَ مُبَاحَ الصِّنَاعَةِ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي النِّصَابِ بِوَزْنِهِ، وَفِي الْإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ. وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ وَقَبِيعَةُ السَّيْفِ، وَفِي حِلْيَةِ ــ [المبدع في شرح المقنع] قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": أَوْ لَمْ يَقْصِدْ رَبُّهُ شَيْئًا (إِذَا بَلَغَ) كُلُّ وَاحِدٍ (نِصَابًا، وَالِاعْتِبَارُ) فِي نِصَابِ الْكُلِّ (بِوَزْنِهِ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ؛ لِعُمُومِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» ، وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِوَاسِطَةِ صَنْعَةٍ مُحَرَّمَةٍ يَجِبُ إِتْلَافُهَا شَرْعًا، فَلَمْ يُعْتَبَرْ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِ إِذَا كَانَتْ صِيَاغَتُهَا مُبَاحَةً، كَمَنْ عِنْدَهُ حُلِيٌّ لِلْكِرَاءِ وَزْنُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، قِيمَتُهُ مِائَتَانِ، وَقِيلَ: تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ مُطْلَقًا، وَحُكِيَ رِوَايَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ لَا يَحْرُمُ اتِّخَاذُهُ، وَيَضْمَنُ صَنْعَتَهُ بِالْكَسْرِ (إِلَّا مَا كَانَ مُبَاحَ الصِّنَاعَةِ) كُحُلِيِّ التِّجَارَةِ (فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي النِّصَابِ بِوَزْنِهِ، وَفِي الْإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ) هَذَا قَوْلٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِهِ لَوَقَعَتِ الْقِيمَةُ الْمُقَوَّمَةُ شَرْعًا لَا حَظَّ فِيهَا لِلْفُقَرَاءِ؛ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَ وَزْنُهُ مِائَتَيْنِ، وَقِيمَتُهُ ثَلَاثَمِائَةٍ، فَعَلَيْهِ قَدْرُ رُبْعِ عُشْرِهِ دَنَانِيرَ، وَقِيمَتُهُ لِأَنَّهَا بِغَيْرِ مُحَرَّمٍ، أَشْبَهَ زِيَادَةَ قِيمَتِهِ لِنَفَاسَةِ جَوْهَرِهِ، وَإِنْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِهِ مُشَاعًا، أَوْ مِثْلَهُ وَزْنًا مِمَّا يُقَابِلُ جَوْدَتَهُ زِيَادَةُ الصَّنْعَةِ جَازَ، وَإِنْ خَبَرَ زِيَادَةَ الصَّنْعَةِ بِزِيَادَةٍ فِي الْمُخْرَجِ، فَكَمُكَسَّرَةٌ عَنْ صِحَاحٍ، فَإِنْ أَرَادَ كَسْرَهُ مُنِعَ لِبَعْضِ قِيمَةٍ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إِنْ أَخْرَجَ مِنْ غَيْرِهِ بِقَدْرِهِ جَازَ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرِ الْقِيمَةَ لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الْكَسْرِ، وَلَمْ يُخْرِجْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، لَكِنْ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْقِيمَةَ فِي الْإِخْرَاجِ إِنِ اعْتُبِرَتْ فِي النِّصَابِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرْ فِي النِّصَابِ لَمْ يَعْتَبِرْ فِي الْإِخْرَاجِ، لِمَا فِيهِ مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ، أَوْ تَكْلِيفِهِ أَجْوَدَ لِتُقَابِلَ الصَّنْعَةَ، فَإِنْ كَانَ مُعَدًّا لِلتِّجَارَةِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قِيمَتِهِ كَالْعُرُوضِ. [مَا يُبَاحُ لِلرَّجُلِ مِنْ خَاتَمِ الْفِضَّةِ] (وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ) : " «لِأَنَّهُ ﵇ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 825

الْمِنْطَقَةِ رِوَايَتَانِ، وَعَلَى قِيَاسِهَا الْجَوْشَنُ وَالْخُوذَةُ وَالْخُفُّ وَالرَّانُّ وَالْحَمَائِلُ، وَمِنَ ــ [المبدع في شرح المقنع] قَالَ أَحْمَدُ: فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُلِ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَهُ خَاتَمٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا فَضْلَ فِيهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِقَصْدِ الزِّينَةِ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْأَفْضَلُ جَعْلُ فَصِّهِ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ، وَلَهُ جَعْلُ فَصِّهِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَالْمَنْقُولُ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ فِي يَسَارِهِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتُ، وَضُعِّفَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ التَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ، وَقِيلَ: الْيَمِينُ أَفْضَلُ، لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالْإِكْرَامِ، وَيُكَرَهُ فِي السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى لِلنَّهْيِ عَنْهُ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَالْإِبْهَامُ مِثْلُهُمَا، فَالْبِنْصِرُ مِثْلُهُ وَلَا فَرْقَ. فَائِدَةٌ: يُسَنُّ أَنْ يَكُونَ دُونَ مِثْقَالٍ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْمُؤَلِّفِ: لَا بَأْسَ بِأَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ لِضَعْفِ خَبَرٍ بُرَيْدَةَ، وَالْمُرَادُ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الْعَادَةِ، وَإِلَّا حَرُمَ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا ذِكْرُ اللَّهِ أَوْ غَيْرُهُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " أَوْ رَسُولُهُ، وَفِي " الْفُرُوعِ " يَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ لَا يُكْرَهُ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِلنَّصِّ الصَّرِيحِ. ١ - فَرْعٌ: لَوِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ عِدَّةَ خَوَاتِيمَ، لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ فِيمَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ، إِلَّا أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ لِوَلَدِهِ أَوْ عَبْدِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: لَا زَكَاةَ (وَقَبِيعَةُ السَّيْفُ) لِقَوْلِ أَنَسٍ: «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ النَّبِيِّ ﷺ فِضَّةً» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالْقَبِيعَةُ: مَا يُجْعَلُ عَلَى طَرَفِ الْقَبْضَةِ، وَعِبَارَةُ الْخِرَقِيِّ أَعَمُّ؛ وَهِيَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " شَرْحِهِ " قَالَ هِشَامٌ: كَانَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ مُحَلًّى بِالْفِضَّةِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَلِأَنَّهَا حِلْيَةٌ مُعْتَادَةٌ لِلرَّجُلِ، أَشْبَهَتِ الْخَاتَمَ (وَفِي حِلْيَةِ الْمِنْطَقَةِ) وَهِيَ مَا شَدَدْتَ بِهِ وَسَطَكَ. قَالَهُ الْخَلِيلُ، وَتُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ: الْحِيَاصَةَ (رِوَايَتَانِ) أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يُبَاحُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّخَذُوا الْمَنَاطِقَ مُحَلَّاةً

стр. 826

الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيْفِ، وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ كَالْأَنْفِ وَمَا رَبَطَ بِهِ أَسْنَانَهُ، ــ [المبدع في شرح المقنع] بِالْفِضَّةِ؛ وَهِيَ كَالْخَاتَمِ، وَالثَّانِيَةُ: لا لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ؛ وَلِأَنَّهَا تُشْعِرُ بِالتَّخَنُّثِ وَالِانْحِلَالِ، أَشْبَهَ الطَّوْقَ وَالدُّمْلُجَ (وَعَلَى قِيَاسِهَا) حِلْيَةُ (الْجَوْشَنِ) ، وَهُوَ الدِّرْعُ (وَالْخُوذَةُ) وَهِيَ الْبَيْضَةُ (وَالْخُفُّ وَالرَّانُ) وَهُوَ شَيْءٌ يُلْبَسُ تَحْتَ الْخُفِّ مَعْرُوفٌ (وَالْحَمَائِلُ) وَاحِدَتُهَا حِمَالَةٌ، قَالَهُ الْخَلِيلُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يُسَاوِي الْمِنْطَقَةَ مَعْنًى، فَوَجَبَ أَنْ يُسَاوِيَهَا حُكْمًا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَعَلَّلَهُ الْمَجْدُ بِأَنَّهُ يَسِيرُ فِضَّةٍ فِي لِبَاسِهِ، وَجَزَمَ فِي " الْكَافِي " بِإِبَاحَةِ الْكُلِّ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي الْحَمَائِلِ بِالتَّحْرِيمِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْخِلَافَ - أَيْضًا - فِي الْمِغْفَرِ وَالنَّعْلِ وَرَأْسِ الرُّمْحِ وَشُعَيْرَةِ السِّكِّينِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَتِرْكَاشُ النُّشَّابِ، وَالْكَلَالِيبُ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ تَابِعٌ، وَلَا يُبَاحُ غَيْرُ ذَلِكَ كَتَحْلِيَةِ الْمَرَاكِبِ، وَلِبَاسِ الْخَيْلِ كَاللُّجُمِ، وَعُلْبَةِ الدَّوَاةِ، وَالْمِقْلَمَةِ، وَالْمِرْآةِ، وَالْكِمْرَانِ، وَالْمُشْطِ، وَالْمُكْحُلَةِ، وَالْمِيلِ، وَالْقِنْدِيلِ (وَ) يُبَاحُ لِلرَّجُلِ (مِنَ الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيْفِ) لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ لَهُ سَيْفٌ وَسَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ، وَعُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ كَانَ فِي سَيْفِهِ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ، ذَكَرَهُمَا أَحْمَدُ، وَقَيَّدَهَا بِالْيَسِيرِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ قَبِيعَةَ سَيْفِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ وَزْنُهَا ثَمَانِيَةَ مَثَاقِيلَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ ذَهَبًا وَفِضَّةً، وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ كَذَلِكَ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْقُطَ، يَجْعَلُ فِيهِ مِسْمَارًا مَنْ ذَهَبٍ؛ قَالَ: إِنَّمَا رُخِّصَ فِي الْأَسْنَانِ (وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ كَالْأَنْفِ) وَإِنْ أَمْكَنَ اتِّخَاذُهُ مِنْ فِضَّةٍ؛: «لِأَنَّ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ، فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ،

стр. 827

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ، وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ؛ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ حَرُمَ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالْحِكْمَةُ فِي الذَّهَبِ لَا يَصْدَأُ، بِخِلَافِ الْفِضَّةِ (وَمَا رَبَطَ بِهِ أَسْنَانَهُ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، وَأَبِي حَمْزَةَ الضُّبَعِيِّ، وَأَبِي رَافِعٍ، وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَإِسْمَاعِيلِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمْ شَدُّوا أَسْنَانَهُمْ بِالذَّهَبِ؛ وَهِيَ ضَرُورَةٌ، فَأُبِيحَ كَالْقَبِيعَةِ بَلْ أَوْلَى، وَيَتَوَجَّهُ جَوَازُهُ فِي الْأُنْمُلَةِ كَالسِّنِّ. وَظَاهِرُهُ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ يَسِيرُ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا كَالْأُصْبُعِ وَالْخَاتَمِ إِجْمَاعًا، وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَتَهُ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ إِبَاحَتَهُ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ) مُطْلَقًا، لِقَوْلِهِ: نُهِيَ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا، وَقِيلَ: يُبَاحُ فِي سِلَاحٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقِيلَ: كُلُّ مَا أُبِيحَ تَحْلِيَتُهُ بِفِضَّةٍ أُبِيحَ بِذَهَبٍ، وَكَذَا تَحْلِيَةُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ بِهِ، وَالصَّحِيحُ التَّحْرِيمُ كَالْكَثِيرِ لِلْعُمُومِ، وَلِمَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ؛ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَصْلُحُ مِنَ الذَّهَبِ شَيْءٌ، وَلَا خَرْبَصِيصَةَ» انْتَهَى؛ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْحُلِيِّ بِقِدْرِ عَيْنِ الْجَرَادَةِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ سَرَفًا (وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ) كَالطَّوْقِ مِنَ الْحِلَقِ، وَالْخَلْخَالِ، وَالسُّوَارِ، وَالْقُرْطِ فِي الْأُذُنِ، وَظَاهِرُهُ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَمَا فِي الْمَخَانِقِ، وَالْمَقَالِدِ مِنْ حَرَائِرَ وَتَعَاوِيذَ. قَالَ جَمَاعَةٌ: وَالتَّاجُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى التَّجَمُّلِ وَالتَّزَيُّنِ لِزَوْجِهَا، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِلُبْسِهِ كَالثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ بِالذَّهَبِ، وَالنِّعَالِ الذَّهَبِ، لَا يُبَاحُ لَهُنَّ لِانْتِفَاءِ التَّجَمُّلِ، فَلَوِ اتَّخَذَتْهُ حَرُمَ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ (قَلَّ أَوْ كَثُرَ) ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَبَاحَ لَهُنَّ التَّحَلِّي مُطْلَقًا، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ حَرُمَ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ) لِمَا رَوَى أَبُو عَبِيدٍ عَنْ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ أَيْضًا؛ وَلِأَنَّهُ سَرَفٌ وَخُيَلَاءُ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ في الاستعمال.

стр. 828

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] وَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": إِنْ بَلَغَ أَلْفًا فَهُوَ كَثِيرٌ، فَيَحْرُمُ لِلسَّرَفِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ عَنِ الذَّهَبِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَأَبَاحَ الْقَاضِي أَلْفَ مِثْقَالٍ فَمَا دُونَ، وَيُعْتَبَرُ مَجْمُوعُهُ لَا مُفْرَدَاتُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُبَاحُ الْمُعْتَادُ، فَإِنْ بَلَغَ الْخَلْخَالُ وَنَحْوُهُ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ، وَتَحَقَّقَ السَّرَفُ، فَلَمْ يُبَحْ، وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ لَيْسَ بِصَرِيحٍ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى التَّوَقُّفِ. وَنَقَلَ الْجَوْزَجَانِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ، وَإِنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ، لِأَنَّهُ يُعَارُ وَيُلْبَسُ. ١ - فَرْعٌ: يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ التَّحْلِيَةُ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ مُعَرَّاةٍ، وَفِي مُرْسَلَةٍ فِي وَجْهٍ، وَعَلَيْهَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ. مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ التَّحَلِّي بِالْجَوْهَرِ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلِاسْتِعْمَالِ كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِتِجَارَةٍ، فَيَقُومُ جَمِيعُهُ تَبَعًا، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: يُكَرَهُ لِلرَّجُلِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ مُرَادَهُ غَيْرُ تَخَتُّمِهِ بِذَلِكَ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَأَمَّا تَشَبُّهُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ، وَعَكْسُهُ، فَيَحْرُمُ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِلَعْنِ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِالْكَرَاهَةِ مَعَ جَزْمِهِمْ بِتَحْرِيمِ اتِّخَاذِ أَحَدِهِمَا حُلِيَّ الْآخَرِ لِيَلْبِسَهُ، وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى إِبَاحَةِ تَحَلِّي النِّسَاءِ بِالْجَوَاهِرِ وَالْيَاقُوتِ، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ لِلرِّجَالِ إِلَّا فِي الْخَاتَمِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّخَتُّمَ لَهُمْ بِجَمِيعِ الْأَحْجَارِ مُبَاحٌ، وَيُسْتَحَبُّ بِالْعَقِيقِ؛ لِقَوْلِهِ: «تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ» وَضَعَّفَهُ الْعُقَيْلِيُّ، وَفِي دَعْوَى ابْنِ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ مِنَ

стр. 829

بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا، وَيُؤْخَذُ مِنْهَا لَا ــ [المبدع في شرح المقنع] الْمَوْضُوعَاتِ نَظَرٌ، وَيُكْرَهُ لَهُمَا خَاتَمُ حَدِيدٍ، وَصُفْرٍ، وَنُحَاسٍ، وَرَصَاصٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، نُقِلَ مهَنا: أَكْرَهُ خَاتَمَ الْحَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ. [بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ] [تَعْرِيفُ الْعُرُوضِ] بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ هِيَ جَمْعُ عَرْضٍ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ؛ وَهُوَ مَا عَدَا الْأَثْمَانِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالنَّبَاتِ، وَبِفَتْحِهَا فَهُوَ كَثْرَةُ الْمَالِ، وَالْمَتَاعِ، وَسُمِّيَ عَرْضًا؛ لِأَنَّهُ يَعْرِضُ ثُمَّ يَزُولُ وَيَفْنَى، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُعْرَضُ لِيُبَاعَ وَيُشْتَرَى تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ، كَتَسْمِيَةِ الْمَعْلُومِ عِلْمًا، وَفِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ: هُوَ الَّذِي لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " تَبَعًا لِلْخَرْقِيِّ بِزَكَاةِ التِّجَارَةِ؛ وَهِيَ أَشْمَلُ لِدُخُولِ الْإِيجَارِ فِي النَّقْدَيْنِ، وَعَدَلَ الْمُؤَلِّفُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَرْجَمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ وَالْعُرُوضِ (تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ، وَ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وَمَالُ التِّجَارَةِ أَعَمُّ الْأَمْوَالِ، فَكَانَتْ أَوْلَى بِالدُّخُولِ، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِمَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: جَعْفَرٌ وَحَبِيبٌ مَجْهُولَانِ، وَقَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: إِسْنَادُهُ مُقَارِبٌ، وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: «وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَصَحَّحَ إِسْنَادَهُمَا، وَقَالَ: إِنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ: قَوِّمْهَا ثُمَّ أَدِّ زَكَاتَهَا. وَقَالَ الْمَجْدُ: هُوَ إِجْمَاعٌ مُتَقَدِّمٌ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ

стр. 830

مِنَ الْعُرُوضِ، وَلَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ إِلَّا أَنْ يَمْلِكَهَا بِفِعْلِهِ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ بِهَا، فَإِنْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ، أَوْ مَلَكَهَا بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، ثُمَّ نَوَى التِّجَارَةَ لَمْ تَصِرْ لِلتِّجَارَةِ، وَإِنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا زَكَاةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ، قَالَ: وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ قَوْلًا فِي الْقَدِيمِ: لَا يَجِبُ، وَحَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ مَالِكٍ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵇: «عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ» ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ، وَادَّعَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ نَامٍ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالسَّائِمَةِ، وَخَبَرُهُمُ الْمُرَادُ بِهِ زَكَاةُ الْعَيْنِ لَا الْقِيمَةِ، عَلَى أَنَّ خَبَرَنَا خَاصٌّ؛ وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى خَبَرِهِمُ الْعَامِّ (إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا) وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ نَامٍ، فَاعْتُبِرَ لَهُ مَا ذَكَرْنَا، كَالْمَاشِيَةِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ نَقَصَتْ قِيمَةُ النِّصَابِ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ ثُمَّ زَادَتِ الْقِيمَةُ فَبَلَغَتْهُ ابْتُدِئَ حِينَئِذٍ، كَسَائِرِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ (وَيُؤْخَذُ مِنْهَا) أَيْ: مِنَ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْوُجُوبِ كَالدَّيْنِ، رُبْعُ الْعُشْرِ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ لِتَعَلُّقِهَا بِالْقِيمَةِ (لَا مِنَ الْعُرُوضِ) إِلَّا أَنْ يَقُولَ بِإِخْرَاجِ الْقِيمَةِ، فَيَجُوزُ بِقَدْرِهَا وَقْتَ الْإِخْرَاجِ، وَتَتَكَرَّرُ الزَّكَاةُ لِكُلِّ حَوْلٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا تَصِيرُ) الْعُرُوضُ (لِلتِّجَارَةِ إِلَّا) بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا (أَنْ يَمْلِكَهُ بِفِعْلِهِ) سَوَاءٌ كَانَ بِعِوَضٍ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ أَوْ لَا، كَالْهِبَةِ وَالْغَنِيمَةِ، هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ، وَأَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْمُعَاوَضَةُ؛ لِظَاهِرِ خَبَرِ سَمُرَةَ، وَلِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِفِعْلِهِ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُجَرَّدِ " أَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْمُعَاوَضَةَ مَحْضَةً كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ أَوْ لَا، كَنِكَاحٍ، وَخُلْعٍ، وَصُلْحٍ عَنْ دَمٍ عُمَدٍ. قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ نَصُّهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ وَالْهِبَةَ لَيْسَتَا مِنْ جِهَاتِ التِّجَارَةِ كَالْمَوْرُوثِ، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْعِوَضِ نَقْدًا، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، لِاعْتِبَارِ النِّصَابِ بِهِمَا، فَيُعْتَبَرُ أَصْلُ وُجُودِهِمَا. الثَّانِي: وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ بِهَا) عِنْدَ التَّمَلُّكِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ، وَالتِّجَارَةَ عَمَلُهُ، فَوَجَبَ اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِهِ كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ؛ وَلِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ فِي الْأَصْلِ لِلِاسْتِعْمَالِ، فَلَا يَضُرُّ لِلتِّجَارَةِ إِلَّا بِنِيَّتِهَا، كَعَكْسِهِ، وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فِي كُلِّ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ فِي جَمِيعِهِ، فَوَجَبَ كَالنِّصَابِ (فَإِنْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ) وَلَوْ نَوَاهَا (وَمَلَكَهَا بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، ثُمَّ نَوَى التِّجَارَةَ لَمْ

стр. 831

كَانَ عِنْدَهُ عَرَضٌ لِلتِّجَارَةِ فَنَوَاهُ لِلْقِنْيَةِ ثُمَّ نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ، وَعَنْهُ: إنَّ الْعُرُوضَ تصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ. وَتُقَوَّمُ الْعُرُوضُ عِنْدَ الْحَوْلِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرَقٍ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيَتْ بِهِ، وَإِنِ اشْتَرَى عَرَضًا ــ [المبدع في شرح المقنع] تَصِرْ لِلتِّجَارَةِ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ مِنْ أَصْلِهِ لَا يَصِيرُ مَحَلًّا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَالْمَعْلُوفَةِ إِذَا نَوَى فِيهَا إِسَامَتَهَا؛ وَلِأَنَّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ لَا يَنْقُلُ عَنِ الْأَصْلِ؛ إِذِ الْأَصْلُ فِيهَا النِّيَّةُ (وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عَرَضٌ لِلتِّجَارَةِ فَنَوَاهُ لِلْقِنْيَةِ، ثُمَّ نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ، لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ) هَذَا ظَاهِرُ " الْمَذْهَبِ "، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقِنْيَةَ هِيَ الْأَصْلُ، فَيَكْفِي فِي الرَّدِّ إِلَيْهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ نَوَى بِالْحُلِيِّ التِّجَارَةَ، وَالْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ؛ وَلِأَنَّ نِيَّةَ التِّجَارَةِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ فِيهَا، وَإِذَا نَوَى الْقِنْيَةَ زَالَتْ نِيَّةُ التِّجَارَةِ، فَفَاتَ شَرْطُ الْوُجُوبِ، بِخِلَافِ السَّائِمَةِ إِذَا نَوَى عَلَفَهَا، فَإِنَّ الشَّرْطَ الْإِسَامَةُ دُونَ نِيَّتِهَا (وَعَنْهُ: إِنَّ الْعُرُوضَ تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ) نَقَلَهَا صَالِحٌ وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " التَّبْصِرَةِ " " وَالرَّوْضَةِ " لِعُمُومِ حَدِيثِ سَمُرَةَ؛ وَلِأَنَّ نِيَّةَ الْقِنْيَةَ كَافِيَةٌ بِمَجْرَدِهَا، فَكَذَا شِبْهُ التِّجَارَةِ، بَلْ أَوْلَى؛ إِذْ الْإِيجَابُ يَغْلِبُ عَلَى الْإِسْقَاطِ احْتِيَاطًا، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تُبَاعَ، وَيُسْتَقْبَلَ بِثَمَنِهَا حَوْلًا. فَرْعٌ: إِذَا كَانَ عِنْدَهُ مَاشِيَةٌ لِلتِّجَارَةِ نِصْفَ حَوْلٍ، فَنَوَى بِهَا الْإِسَامَةَ، وَقَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ، انْقَطَعَ حَوْلُهَا، وَاسْتَأْنَفَ حَوْلَ السَّائِمَةِ؛ لِأَنَّ حَوْلَ التِّجَارَةِ انْقَطَعَ بِنِيَّةِ الِاقْتِنَاءِ، وَحَوْلَ السَّائِمَةِ لَا يَنْبَنِي عَلَى حَوْلِ التِّجَارَةِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْأَشْبَهُ بِالدَّلِيلِ أَنَّهَا مَتَى كَانَتْ سَائِمَةً فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِيهَا عِنْدَ تَمَامِهِ، وَرُوِيَ عَنْ إِسْحَاقَ. [تُقَوَّمُ الْعُرُوضُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ] (وَتُقَوَّمُ الْعُرُوضُ عِنْدَ) تَمَامِ (الْحَوْلِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرَقٍ) لِأَنَّ تَقْوِيمَهُ لِحَظِّ الْفُقَرَاءِ، فَيُقَوَّمُ بِالْأَحَظِّ لَهُمْ، كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ بِعَرَضِ قِنْيَةٍ، وَفِي الْبَلَدِ نَقْدٌ، إِنْ تَسَاوَيَا فِي الْغَلَّةِ يَبْلُغُ بِأَحَدِهِمَا نِصَابًا، بِخِلَافِ الْمُتْلَفَاتِ، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ: يُقَوَّمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ تَعَدَّدَ فَبِالْأَحَظِّ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِنَقْدٍ قُوِّمَ بِجِنْسِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَجَبَتِ الزَّكَاةُ بِحَوْلِهِ، فَوَجَبَ جِنْسُهُ كَالْمَاشِيَةِ؛ وَلِأَنَّ أَصْلَهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا يُقَوَّمُ نَقْدٌ بِآخَرَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: إِذَا تَسَاوَتْ قِيمَةُ الْعُرُوضِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا

стр. 832

بِنِصَابٍ مِنَ الْأَثْمَانِ، أَوْ مِنَ الْعُرُوضِ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِنِصَابٍ مِنَ السَّائِمَةِ لَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ. وَ إِنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنَ السَّائِمَةِ لِلتِّجَارَةِ ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ دُونَ السَّوْمِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] خَيْرٌ؛ لِقِيَامِ كُلٍّ مِنْهَا مَقَامَ الْآخَرِ فِي حُصُولِ الْغَرَضِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ: يُقَوَّمُ بِالْأَنْفَعِ لِلْفُقَرَاءِ كَأَصْلِ الْوُجُوبِ (وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيَتْ بِهِ) مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرَقٍ قَدْرًا وَلَا جِنْسًا، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ؛ لِأَنَّ فِي تَقْوِيمِهَا بِمَا اشْتُرِيَتْ بِهِ إِبْطَالًا لِلتَّقْوِيمِ بِالْأَنْفَعِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا بَلَغَتْ قيمتها نصابا بِالدَّرَاهِمِ قُوِّمَتْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِالذَّهَبِ، وَكَذَا عَكْسُهُ. فَرْعٌ: تُقَوَّمُ الْمُغَنِّيَةُ سَاذَجَةً، وَالْخَصِيُّ بِصِفَتِهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِقِيَمةِ آنِيَةِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَيُضَمُّ بَعْضُ الْعُرُوضِ إِلَى بَعْضٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَةً وَمُشْتَرًى، (وَإِنِ اشْتَرَى) أَوْ بَاعَ (عَرَضًا) لِلتِّجَارَةِ (بِنِصَابٍ مِنَ الْأَثْمَانِ، أَوْ مِنَ الْعُرُوضِ، بَنَى عَلَى حَوْلِهِ) أَيْ: حَوْلِ الْأَوَّلِ وِفَاقًا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِالْقِيمَةِ وَهِيَ الْأَثْمَانُ، وَالْأَثْمَانُ يبني حَوْلُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، فَلَوْ قَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ فِي الْعُرُوضِ بَنَى حَوْلَ النَّقْدِ عَلَى حَوْلِهَا؛ لِأَنَّ وَضْعَ التِّجَارَةِ لِلتَّقَلُّبِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِثَمَنٍ وَعَرَضٍ، فَلَوْ لَمْ يَبْنِ، بَطَلَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ النَّقْدُ نِصَابًا فَحَوْلُهُ مُنْذُ كَمُلَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا مِنْ شِرَائِهِ (وَإِنِ اشْتَرَاهُ) أَوْ بَاعَهُ (بِنِصَابٍ مِنَ السَّائِمَةِ لَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ) لِاخْتِلَافِهِمَا فِي النِّصَابِ وَالْوَاجِبِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِي نِصَابَ سَائِمَةٍ لِلتِّجَارَةِ بِمِثْلِهِ لِلْقِنْيَةِ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ السَّوْمَ سَبَبٌ لِلزَّكَاةِ، قُدِّمَ عَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ لِقُوَّتِهِ، فَبِزَوَالِ الْعَارِضِ ثَبَتَ حُكْمُ السَّوْمِ لِظُهُورِهِ [إِنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنَ السَّائِمَةِ لِلتِّجَارَةِ] (وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنَ السَّائِمَةِ لِلتِّجَارَةِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ) ؛ لِأَنَّ وَضْعَهَا عَلَى التَّقَلُّبِ، فَهِيَ تُزِيلُ سَبَبَ زَكَاةِ السَّوْمِ، وَهُوَ الِاقْتِنَاءُ لِطَلَبِ النَّمَاءِ مَعَهُ، وَاقْتَصَرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْأَحَظِّ، فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ (دُونَ) زَكَاةِ (السَّوْمِ) ، وَقِيلَ: يَجِبُ زَكَاةُ السَّوْمِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى لِلْإِجْمَاعِ وَتَعَلُّقُهَا بِالْعَيْنِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الْأَحَظُّ مِنْهُمَا لِلْفُقَرَاءِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، فَفِي أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسِينَ

стр. 833

وَإِذَا اشْتَرَى أَرْضًا وَنَخْلًا لِلتِّجَارَةِ، فَأَثْمَرَتِ النَّخْلُ، وَزُرِعَتِ الْأَرْضُ، فَعَلَيْهِ فِيهِمَا الْعُشْرُ، وَيُزَكِّي الْأَصْلَ لِلتِّجَارَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُزَكِّي الْجَمِيعَ زَكَاةَ الْقَيِّمَةِ، وَلَا ــ [المبدع في شرح المقنع] حِقَّةٌ أَوْ جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ أَوْ إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ، أَوْ مِائَةٍ مِنَ الْغَنَمِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ أَحَظُّ لِزِيَادَتِهَا بِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ وَقْصٍ، وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ زَكَاةُ السَّوْمِ، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ دُونَ الْجَذَعَةِ، أَوْ خَمْسِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ، أَوْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ حِقَّةٌ، أَوْ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ يَجِبُ الْأَحَظُّ مِنْ زَكَاةِ التِّجَارَةِ أَوِ السَّوْمِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " يُزَكِّي النِّصَابَ لِلْعَيْنِ، وَالْوَقْصَ لِلْقِيمَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا أَو لا فِي وَجْهٍ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ السَّابِقُ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، لِأَنَّهُ وَجَدَ سَبَبَ زَكَاتِهِ بِلَا مُعَارِضٍ (وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ) كَمَنْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً، قِيمَتُهَا دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ (فَعَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِوُجُودِ سَبَبِ الزَّكَاةِ فِيهِ بِلَا مُعَارِضٍ، وَقِيلَ: يُغَلَّبُ مَا يَغْلِبُ إِذَا اجْتَمَعَ النِّصَابَانِ، وَلَوْ سَقَطَتْ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ إِنْ نَقَصَ نِصَابُ السَّوْمِ، كَمَنْ مَلَكَ أَرْبَعًا مِنْ الْإِبِلِ قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَجَبَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ، فَأَمَّا إِنْ سَبَقَ جَرْيُ السَّوْمِ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ دُونَ نِصَابٍ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ فَلَا زَكَاةَ حَتَّى يَتِمَّ الْحَوْلُ مِنْ بُلُوغِ النِّصَابِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، قَالَ الْقَاضِي: يَتَأَخَّرُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ حَتَّى يَتِمَّ حَوْلُ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: تَجِبُ زَكَاةُ السَّوْمِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهَا لِوُجُودِ مُقْتَضِيهَا، إِذْ لَا يُمْكِنُ إِيجَابُ زَكَاتَيْنِ بِكَمَالِهِمَا، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى إِيجَابٍ زكاتين فِي حَوْلٍ وَاحِدٍ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَجُزْ، بِخِلَافِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ، وَالْفِطْرِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ (وَإِذَا اشْتَرَى أَرْضًا أَوْ نَخْلًا لِلتِّجَارَةِ، فَأَثْمَرَتِ النَّخْلُ، وَزُرِعَتِ الْأَرْضُ، فَعَلَيْهِ فِيهِمَا الْعُشْرُ) أَيْ: فِي الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ بِشَرْطِهِ (وَيُزَكِّي الْأَصْلَ) أَيِ: الْأَرْضَ وَالنَّخْلَ (لِلتِّجَارَةِ) جَزَمَ بِهِ في " الْوَجِيزُ " لِأَنَّهُمَا عَيْنَانِ تَجِبُ فِي أَحَدِهِمَا زَكَاةُ الْعَيْنِ؛ وَهُوَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ؛ إِذِ الْعُشْرُ أَحَظُّ مِنْ رُبْعِهِ، وَفِي الْأُخْرَى زَكَاةُ الْقِيمَةِ حَالَ الِانْفِرَادِ، فَكَذَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَحِينَئِذٍ فَمُرَادُهُ إِذَا اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَقَالَ الْقَاضِي) وَأَصْحَابُهُ (يُزَكِّي الْجَمِيعَ زَكَاةَ الْقِيمَةِ) إِذَا تَمَّ الْحَوْلُ، نَصَّ عَلَيْهِ،

стр. 834

عُشْرَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَسْبِقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ حَوْلَ التِّجَارَةِ فَيُخْرِجُهُ. وَإِذَا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إِخْرَاجِ زَكَاتِهِ، فَأَخْرَجَاهَا مَعًا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ ضَمِنَ الثَّانِي نَصِيبَ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ، فَوَجَبَتْ زَكَاتُهَا كَالسَّائِمَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّمَرَ وَالزَّرْعَ جُزْءُ الْخَارِجِ مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَقُومَ مَعَ الْأَصْلِ، كَالسِّخَالِ، وَالرِّبْحُ الْمُتَجَدِّدُ إِذَا كَانَتِ الْأُصُولُ لِلتِّجَارَةِ (وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَاجْتَمَعَ فِي مَالٍ وَاحِدٍ زَكَاتَانِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ بِالْمَالِكِ؛ وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا (إِلَّا أَنْ يَسْبِقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ حَوْلَ التِّجَارَةِ فَيُخْرِجُهُ) أَيْ: فَيُخْرِجُ الْعُشْرَ لِوُجُودِ سَبَبِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ؛ وَهُوَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ لِلْمُؤَلِّفِ أَنْ يُقَدِّمَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَحُلَّ الْخِلَافَ فِيهَا، ثُمَّ يَذْكُرَ الْمُسْتَثْنَى؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ أَوْجَبَ مِنَ الْجَمِيعِ زَكَاةَ الْقِيمَةِ لَمْ يُوجِبِ الْعُشْرَ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ سَبْقَ أَحَدِهِمَا، وَاعْتِرَاضُ ابْنُ الْمُنَجَّا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدَّمَ غَيْرَ الْمَذْهَبِ اعْتِبَارًا بِمَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " مِنْ إِيمَاءِ أَحْمَدَ إِلَيْهِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إِذِ التَّقْدِيمُ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنَ الدَّلِيلِ، وَيُعَضِّدُهُ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: بِزَكَاةِ الْعُشُورِ هُنَا؛ لِكَثْرَةِ الْوَاجِبِ، لِعَدَمِ الْوَقْصِ، وَالْخُلْفُ فِي اعْتِبَارِ النِّصَابِ. تَنْبِيهٌ: يُسْتَأْنَفُ حَوْلُ التِّجَارَةِ عَلَى زَرْعٍ وَثَمَرٍ مِنْ حَصَادٍ وَجِذَاذٍ؛ لِأَنَّ بِهِ يَنْتَهِي وُجُوبُ الْعُشْرِ الَّذِي لَوْلَاهُ لَجَرَيَا فِي حَوْلِ التِّجَارَةِ، وَقِيلَ: لَا يَسْتَأْنِفُهُ إِلَّا بِثَمَنِهَا إِنْ بِيعَا كَمَالِ الْقِنْيَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ وَقْتُ الْوُجُوبِ، أَوْ وَجَدَ نِصَابَ أَحَدِهِمَا فَكَمَسْأَلَةِ سَائِمَةِ التِّجَارَةِ، وَإِنْ زَرَعَ بَذْرَ تِجَارَةٍ فِي أَرْضٍ قِنْيَةٍ، فَهَلْ يُزَكَّى الزَّرْعُ زَكَاةَ عُشْرٍ، أَوْ قِيمَةٍ؛ فِيهِ خِلَافٌ، وَفِي بَذْرِ قِنْيَةِ الْعُشْرُ أَوْ فِي أَرْضِهِ لِلتِّجَارَةِ الْقِيمَةُ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ وَالزَّرْعُ لَا زَكَاةَ فِيهِ ضَمَّ قِيمَةَ الثَّمَرِ وَالْآخَرَ إِلَى قِيمَةِ الْأَصْلِ مِنَ الْحَوْلِ كَرِبْحٍ وَنِتَاجٍ، وَقِيلَ: لَا. [إِذَا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إِخْرَاجِ زَكَاةٍ] (وَإِذَا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إِخْرَاجِ زَكَاةٍ، فَأَخْرَجَاهَا مَعًا، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ انْعَزَلَ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، بِإِخْرَاجِ الْمَالِكِ زَكَاةَ نَفْسِهِ، وَكَمَا لَوْ عَلِمَ ثُمَّ نَسِيَ، وَانْعَزَلَ حُكْمًا، الْعِلْمُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ، فَبَاعَهُ الْمُوَكَّلِ أَوْ أَعْتَقَهُ (وَإِنْ أَخْرَجَهَا أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ ضَمِنَ الثَّانِي نَصِيبَ الْأَوَّلِ، عَلِمَ

стр. 835

الْأَوَّلِ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَيَتَخَرَّجْ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ. بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَاسِهِ، إِذَا فَضَلَ عِنْدَهُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ ــ [المبدع في شرح المقنع] أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) ؛ لِأَنَّ الْعَزْلَ الْحُكْمِيَّ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْمَالِكُ (وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ) بِإِخْرَاجِ صَاحِبِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ، وَقِيلَ: لَا يُضْمَنُ، وَإِنْ قُلْنَا: يَنْعَزِلُ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَكَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، فَقَضَاهُ الْمَالِكُ، ثُمَّ الْوَكِيلُ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَالِكِ، بِخِلَافِ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّهَا تَنْقَلِبُ تَطَوُّعًا، كَمَنْ دَفَعَ زَكَاةً يَعْتَقِدُهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ تَكُنْ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْقَابِضُ مِنْهُمَا السَّاعِي، ثُمَّ عَلِمَ الْحَالَ، فَلَا ضَمَانَ؛ لِإِمْكَانِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ مَعَ بَقَائِهَا بِيَدِ السَّاعِي. فَرْعٌ: إِذَا وَكَّلَهُ فِي إِخْرَاجِ زَكَاتِهِ فَأَخْرَجَهَا الْمُوَكِّلُ، ثُمَّ الْوَكِيلُ، فَالْخِلَافُ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ أنَّهُ أَخْرَجَهَا قَبْلَ وَكِيلِهِ، وَلَهُ الصَّدَقَةُ قَبْلَ إِخْرَاجِ زَكَاتِهِ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا اشْتَرَى مَا يَصْبُغُ بِهِ، وَيَبْقَى كَزَعْفَرَانٍ وَنِيلٍ، وَنَحْوِهِ فَهُوَ عَرَضُ تِجَارَةٍ يُقَوِّمُهُ عِنْدَ حَوْلِهِ لِاعْتِيَاضِهِ عَنْ صَبْغٍ قَائِمٍ بِالثَّوْبِ، فَفِيهِ مَعْنَى التِّجَارَةِ، وَكَذَا يَجِبُ فِيمَا يَشْتَرِيهِ دَبَّاغٌ لِيَدْبُغَ بِهِ، كَعَفْصٍ، وَمَا يَدْهُنُهُ بِهِ، كَسَمْنٍ وَمِلْحٍ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ، كَمَا يَشْتَرِيهِ قَصَّارٌ مِنْ قَلْيٍ وَصَابُّونٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا شَيْءَ فِي آلَاتِ الصَّبَّاغِ، وَأَمْتِعَةِ التِّجَارَةِ، وَقَوَارِيرِ الْعَطَّارِ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بَيْعَهَا مَعَ مَا فِيهَا، وَلَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ، وَلَا فِي قِيمَةِ مَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ مِنْ عَقَارٍ وَحَيَوَانٍ، لَكِنْ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شِرَاءِ عَقَارٍ فَارًّا مِنَ الزَّكَاةِ، فَقِيلَ: يُزَكِّي قِيمَتَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا. [بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ] [حُكْمُ زَكَاةِ الْفِطْرِ] بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ قَوْلِكَ: أَفْطَرَ الصَّائِمُ إِفْطَارًا، وَأُضِيفَتْ إِلَى الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِهِ، فَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى سَبَبِهِ، وَالْفِطْرَةُ: الْخِلْقَةُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ، وَهَذِهِ يُرَادُ بِهَا الصَّدَقَةُ عَنِ الْبَدَنِ وَالنَّفْسِ، وَبِضَمِّ الْفَاءِ كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِمَّا يَلْحَنُ فِيها الْعَامَّةُ، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، لِاسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ لَهَا (وَهِيَ وَاجِبَةٌ) قَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ كَالإِجْمَاعٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]

стр. 836

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّهَا زَكَاةُ الْفِطْرِ. وَرُدَّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا تُطَهِّرُ مِنَ الشِّرْكِ، وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وَلَمْ يَكُنْ بِهَا زَكَاةٌ وَلَا عِيدٌ، وَالْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ، وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَدَعْوَى أَنَّ فَرَضَ بِمَعْنَى: قَدَّرَ، مَرْدُودٌ بِأَنَّ كَلَامَ الرَّاوِي لَا يُحْمَلُ إِلَّا عَلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ، بِدَلِيلِ الْأَمْرِ بِهَا فِي " الصَّحِيحِ " - أَيْضًا - مِنْ حَدِيثِهِ، وَيُسَمَّى فَرْضًا عَلَى الْأَصَحِّ لِقَوْلِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ: لَا، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْمَضْمَضَةِ. وَذَهَبَ الْأَصَمُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ وَجَمَاعَةٌ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الزَّكَاةُ فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا، وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ» إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ اسْتِصْحَابُ الْأَمْرِ السَّابِقِ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ وَالْمُعَارِضِ، وَقَدْ فَرَضَهَا الشَّارِعُ وَأَمَرَ بِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ فَرْضَهَا مَعَ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) وَهُوَ شَامِلٌ لِلْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ كُلٍّ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى نَكِرَةٍ، فَيَقْتضِي عُمُومَ الْأَفْرَادِ، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ الْكَافِرُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا هَلَّ شَوَّالٌ عَلَى عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ، فَالْأَظْهَرُ

стр. 837

عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ صَاعٌ وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا، وَإِنْ فَضَلَ بَعْضُ صَاعٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَيَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ يُمَوِّنُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَجُوبُهَا عَلَى الْكَافِرِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ مُخَاطَبٍ بِالصَّوْمِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ: تَجِبُ عَلَى مُرْتَدٍّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَهْلِ الْبَوَادِي وَغَيْرِهِمْ (يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَفْسِهِ) لِقَوْلِهِ ﵇: «أَدُّوا الْفِطْرَةَ عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَهُوَ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى مَنْ لَا يَمُونُ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ خَاطَبَ بِالْوُجُوبِ غَيْرَهُ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ لَخَاطَبَهُ بِهِ كَسَائِرِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ (إِذَا فَضَلَ عِنْدَهُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ صَاعٌ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَهَمُّ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا مِلْكُ نِصَابٍ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ (وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا) فَيَجِبُ عَلَيْهِ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ النَّصِّ؛ وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، فَلَزِمَهُ فِطْرَتُهُ كَالْحُرِّ، لَا عَلَى سَيِّدِهِ (وَإِنْ فَضَلَ بَعْضَ صَاعٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهُ) عَنْ نَفْسِهِ؛ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَكَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ ". وَقَالَ: التَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ، إِحْدَاهُمَا: يَجِبُ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِأَنَّهَا طُهْرَةٌ، فَهِيَ كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ، اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَ " الْوَجِيزِ " كَالْكَفَّارَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَهَا بَدَلٌ، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْدَمَا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ سَكَنٍ وَعَبْدٍ وَدَابَّةٍ وَثِيَابٍ بِذْلَةٍ.

стр. 838

مَا يُؤَدِّي عَنْ جَمِيعِهِمْ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بِامْرَأَتِهِ، ثُمَّ بِرَقِيقِهِ ثُمَّ بِوَلَدِهِ، ثُمَّ بِأُمِّهِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] وَقَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ، وَجَزَمَ الْمُؤَلِّفُ: أَوْ لَهُ كَتُبٌ يَحْتَاجُهَا لِلنَّظَرِ وَالْحِفْظِ، أَوْ لِلْمَرْأَةِ حُلِيٌّ لِلُّبْسِ أو الكراء وَهِيَ تَحْتَاجُهُ. [يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ يُمَوِّنُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ] (وَ) حَيْثُ لَزِمَهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ (يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ يُمَوِّنُهُ) فَدَخَلَ فِيهِ الزَّوْجَاتُ، وَالْإِمَاءُ، وَالْأَقَارِبُ (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فَدَلَّ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ يُمَوِّنُهُ مِنَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لِلْمُخْرَجِ عَنْهُ؛ وَهُوَ لَا يَقْبَلُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَشَمَلَ مَا إِذَا كَانَ لِزَوْجَتِهِ خَادِمٌ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ عَنْهُ إِنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَةٌ، وَكَذَا عَبْدُ عَبْدِهِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَالْأَشْهَرُ فِيهِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ بِالتَّمْلِيكِ أَدَّى عَنْهُ، وَإِنْ مَلَكَ فَلَا فِطْرَةَ لَهُ لِعَدَمِ مِلْكِ السَّيِّدِ الْأَعْلَى، وَمُقْتَضَى مِلْكِ الْعَبْدِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى، فَأَمَّا زَوْجَةُ عَبْدِهِ فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّ فِطْرَتَهَا عَلَيْهَا إِنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَعَلَى سَيِّدِهَا إِنْ كَانَتْ أَمَةً، وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، كَالنَّفَقَةِ، وَكَمَا لَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ، وَكَذَا لَوْ زَوَّجَ قَرِيبَهُ، وَلَزِمَهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهَا، لَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ أَجِيرٍ، وَظِئْرٍ، اسْتَأْجَرَهُمَا بِطَعَامِهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا مَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَفِي الضَّيْفِ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ تَجِبُ عَلَى مَنْ يَجِبْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُؤَدِّي عَنْ جَمِيعِهِمْ بَدَأَ بِنَفْسِهِ) وَهِيَ تُبْنَى عَلَى النَّفَقَةِ، وَنَفَقَةُ نَفْسِهِ مُقَدَّمَةٌ، فَكَذَا فِطْرَتُهُ (ثُمَّ بِامْرَأَتِهِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الْإِمَاءِ، وَقُدِّمَتْ عَلَى غَيْرِهَا لِآكَدِيَّتِهَا، وَلِأَنَّهَا مُعَارِضَةٌ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ، فَإِنْ سَلَّمَهَا لَيْلًا، فَفَطَرَتُهَا عَلَى سَيِّدِهَا لِقُوَّةِ مِلْكِ الْيَمِينِ فِي تَحَمُّلِهَا لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا كَالنَّفَقَةِ (ثُمَّ بِرَقِيقِهِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِمْ مَعَ الْإِعْسَارِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ مَرْهُونًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِلتِّجَارَةِ أَوْ لَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُهُمْ عَلَى الزَّوْجَةِ لِئَلَّا تَسْقُطَ بِالْكُلِّيَّةِ (ثُمَّ بِوَلَدِهِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقِيلَ: مَعَ صِغَرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ شِهَابٍ، وَحَمَلَ ابْنُ الْمُنَجَّا

стр. 839

ثُمَّ بِأَبِيهِ، ثُمَّ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرِجَ عَنِ الْجَنِينِ، وَلَا يَجِبُ. وَ مَنْ تَكَفَّلَ بِمُؤْنَةِ شَخْصٍ من شَهْرِ رَمَضَانَ لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ. وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ، فَعَلَيْهِمْ ــ [المبدع في شرح المقنع] كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْوَلَدُ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَقِيلَ: الصَّغِيرُ يُقَدَّمُ عَلَيْهَا وَعَلَى عَبْدِهِ (ثُمَّ بِأُمِّهِ) لِتَقْدِيمِهَا عَلَى الْأَبِ فِي الْبِرِّ (ثُمَّ بِأَبِيهِ) لِلْخَبَرِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ عَلَيْهَا، وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ، وَقِيلَ: بِتَسَاوِيهِمَا، وَقَدَّمَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " عَلَى الْوَلَدِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَقَدَّمَهُ آخَرُونَ، وَذَكَرَهُ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ ": ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ (ثُمَّ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ فِي الْمِيرَاثِ) ؛ لِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، فَقُدِّمَ كَالْمِيرَاثِ. فَرْعٌ: إِذَا اسْتَوَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ، وَلَمْ يَفْضُلْ غَيْرُ صَاعٍ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، وَقِيلَ: يُوَزَّعُ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ. [إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنِ الْجَنِينِ] (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرِجَ عَنِ الْجَنِينِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْخَبَرِ أَنَّ الصَّاعَ مُجْزِئٌ مُطْلَقًا (وَلَا يَجِبُ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَوْلُ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ، لَتَعَلَّقَتِ الزَّكَاةُ بِأَجِنَّةِ السَّوَائِمِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِفِعْلِ عُثْمَانَ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَحْسَبُهُ صَارَ وَلَدًا؛ وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَبِهِ، وَيَرِثُ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا إِلَّا فِي الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، بِشَرْطِ خُرُوجِهِ حَيًّا، وَأَمَّا أُمُّهُ، فَإِنْ كَانَتْ بَائِنًا فَيَلْزَمُهُ فِطْرَتُهَا إِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لَهَا، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَمْلِ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَصَحِّ، بِنَاءً عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْجَنِينِ. [مَنْ تَكَفَّلَ بِمُؤْنَةِ شَخْصٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ] (وَمَنْ تَكَفَّلَ) أَيْ: تَبَرَّعَ (بِمُؤْنَةِ شَخْصٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ عِنْدَ أَبِي

стр. 840

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] الْخَطَّابِ) وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَحَمَلَا كَلَامَ أَحْمَدَ على الاستحباب لِعَدَمِ الدَّلِيلِ؛ وَلِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ وُجُوبُ النَّفَقَةِ، وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ هُنَا، فَكَذَا فِطْرَتُهُ. فَعَلَى هَذَا فِطْرَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُنْهُ؛ إِذِ الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْمُؤْنَةِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْآبِقِ (وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «عَمَّنْ تُمَوِّنُونَ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " الشَّافِي " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِسْنَادُهُمَا ضَعِيفٌ؛ وَلِأَنَّهُ شَخْصٌ مُنْفَقٌ عَلَيْهِ، فَلَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ كَعَبْدِهِ، وَالْمُعْتَبَرُ جَمِيعُ الشَّهْرِ بِفَوْتِهِ لِنَفَقَةِ التَّبَرُّعِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: تَلْزَمُهُ إِذَا مَانَهُ آخِرَ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ، كَمَنْ مَلَكَ عَبْدًا أَوْ زَوْجَةً قَبْلَ الْغُرُوبِ، فَإِنْ مَانَهُ جَمَاعَةٌ كُلَّ الشَّهْرِ أَوْ إِنْسَانٌ بَعْضَهُ. فَقَالَ فِي " الْمُغْنِي ": فِي الْأُولَى لَا أَعْلَمُ فِيهَا لِلْأَصْحَابِ قَوْلًا، وَفِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " فِيهِ احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا: لَا تَجِبُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ الْمُؤْنَةُ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ، وَلَمْ تُوجَدْ، وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَجِبُ بِالْحِصَصِ، كَعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ. [إِنْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ] (وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ فَعَلَيْهِمْ صَاعٌ) اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ وَهُوَ " الْمَذْهَبُ "، وَآخِرُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا أَوْجَبَ عَنِ الْوَاحِدِ صَاعًا، فَأَجْزَأَهُ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَكَالنَّفَقَةِ، وَمَاءِ طَهَارَتِهِ (وَعَنْهُ: عَلَى

стр. 841

صَاعٌ، وَعَنْهُ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فَيَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ. وَ إِنْ عَجَزَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ عَنْ فِطْرَتِهَا ، فَعَلَيْهَا أَوْ عَلَى سَيِّدِهَا إِنْ كَانَت أَمَةً فِطْرَتُهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يجِبَ، وَمَنْ كَانَ لَهُ غَائِبٌ أَوْ آبِقٌ، فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ إِلَّا أَنْ يَشُكَّ فِي حَيَاتِهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] كُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ) قَدَّمَهُ " الْخِرَقِيُّ "، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَمْعٌ؛ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَكَذَا إِذَا وَرِثَهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فَيَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ) لِأَنَّهُ يُسَاوِي الْعَبْدَ الْمُشْتَرَكَ مَعْنًى، فَوَجَبَ أَنْ يُسَاوِيَهُ حُكْمًا، اخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ: يُلْزَمُ السَّيِّدُ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ. تَنْبِيهٌ: لَا تَدْخُلُ الْفِطْرَةُ فِي الْمُهَايَأَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ كَالصَّلَاةِ، وَالْمُهَايَأَةُ: مُعَارَضَةُ كَسَبٍ بِكَسْبٍ، وَمَنْ عَجَزَ عَمَّا عَلَيْهِ، لَمْ يَلْزَمِ الْآخَرَ قِسْطُهُ، كَشَرِيكٍ ذِمِّيٍّ لَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ قِسْطُهُ، فَإِنْ كَانَ يَوْمَ الْعِيدِ مُؤْنَةُ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ نِصْفَهُ، اعْتُبِرَ أَنْ يَفْصِلَ عَنْ قُوتِهِ نِصْفَ صَاعٍ، وَإِنْ كَانَ مُؤْنَةَ سَيِّدِهِ، لَزِمَ الْعَبْدَ نِصْفُ صَاعٍ، وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ بِنَاءً عَلَى وَجْهٍ مِنْ كَسْبٍ نَادِرٍ فِيهَا كَالنَّفَقَةِ، فَلَوْ كَانَ يَوْمُ الْعِيدِ مُؤْنَةَ الْعَبْدِ، وَعَجَزَ عَنْهَا، لَمْ يَلْزَمِ السَّيِّدَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، كَمُكَاتَبٍ عَجَزَ عَنْهَا. فَرْعٌ: إِذَا أَلْحَقَتِ الْقَافَةُ وَلَدًا بِاثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَالْحُكْمُ فِي فِطْرَتِهِ، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَى، جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ: يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ صَاعٌ وَجْهًا وَاحِدًا. [إِنْ عَجَزَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ عَنْ فِطْرَتِهَا] (وَإِنْ عَجَزَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ عَنْ فِطْرَتِهَا فَعَلَيْهَا) إِنْ كَانَتْ حُرَّةً (أَوْ عَلَى سَيِّدِهَا إِنْ كَانَتْ أَمَةً فِطْرَتُهَا) ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَعْدُومِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ) عَلَيْهِمَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ عَلَى مَنْ وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ لِعُسْرَتِهِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى غَيْرِهِ كفِطْرَةِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ لِوُجُوبِهَا مُطْلَقًا، فَعَلَى هَذَا تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ كَالنَّفَقَةِ أَمْ لَا كَفِطْرَةِ نَفْسِهِ؟ يَتَوَجَّهُ احْتِمَالَانِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: هَلْ تَرْجِعُ الْحُرَّةُ وَالسَّيِّدُ عَلَى الزَّوْجِ كَالنَّفَقَةِ أَمْ لَا كَفِطْرَةِ الْقَرِيبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ [مَنْ كَانَ لَهُ غَائِبٌ أَوْ ضَالٌّ فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ] (وَمَنْ كَانَ لَهُ غَائِبٌ أَوْ آبِقٌ) أَوْ مَغْصُوبٌ أَوْ ضَالٌّ (فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ) لِلْعُمُومِ، وَلِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ، بِدَلِيلِ رُجُوعِ مَنْ يَرُدَّ الْآبِقَ بِنَفَقَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ، وَعَلَيْهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ

стр. 842

فَتَسْقُطُ، وَإِنْ عَلِمَ حَيَاتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَخْرَجَ لِمَا مَضَى. وَلَا تَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ النَّاشِزِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَلْزَمُهُ، وَ مَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ، فَأَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ــ [المبدع في شرح المقنع] يَرْجُوَ رَجَعَتْهُ أَوْ يَيْأَسَ مِنْهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ مُطْلَقًا، أَوْ مَحْبُوسًا، أَوْ لَا، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَعَنْهُ: رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ مِنْ زَكَاةِ الْمَالِ لَا يَجِبُ، وَلَوِ ارْتَجَى عَوْدُ الْآبِقِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهَا حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: أَوْ يَعْلَمَ مَكَانَ الْآبِقِ (إِلَّا أَنْ يَشُكَّ فِي حَيَاتِهِ فَتَسْقُطَ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَالظَّاهِرُ مَوْتُهُ، وَكَالنَّفَقَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ لَمْ تُجْزِئْهُ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ: تَلْزَمُهُ لِئَلَّا تَسْقُطَ بِالشَّكِّ، وَالْكَفَّارَةُ ثَابِتَةٌ بِيَقِينٍ، فَلَا يَسْقُطُ مَعَ الشَّكِّ فِي حَيَاتِهِ (وَ) عَلَى الْأَوَّلِ (إِنْ عَلِمَ حَيَاتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَجَ لِمَا مَضَى) ؛ لِأَنَّهُ بَانَ لَهُ وُجُودُ سَبَبِ الْوُجُوبِ فِي الْمَاضِي، فَوَجَبَ الْإِخْرَاجُ، كَمَالِ غَائِبٍ بَانَتْ سَلَامَتُهُ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: عَنِ الْقَرِيبِ كَالنَّفَقَةِ. [لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ الزَّوْجَةِ النَّاشِزِ] (وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ النَّاشِزِ) فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ؛ لِعَدَمِ وُجُوبِ نَفَقَتِهَا، فَفِطْرَتُهَا عَلَيْهَا أَوْ عَلَى سَيِّدِهَا، وَالْمُرَادُ إِذَا كَانَ نُشُوزُهَا فِي وَقْتِ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَلْزَمُهُ) ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ ثَابِتَةٌ عَلَيْهَا، فَلَزِمَهُ فِطْرَتُهَا كَالْمَرِيضَةِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمَرِيضَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى نَفَقَةٍ، لَا لِخَلَلٍ فِي الْمُقْتَضِي لَهَا، وَحُكْمُ كُلُّ امْرَأَةٍ لَا نَفَقَةَ لَهَا كَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إِذَا لَمْ تُسَلَّمْ إِلَيْهِ، وَالصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، تَجِبُ عَلَى الثَّانِي لَا الْأَوَّلِ. [مَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ فَأَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ] (وَمَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ فَأَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ) أَيْ: بِغَيْرِ إِذْنِ مَنْ تَلْزَمُهُ، زَادَ فِي " الِانْتِصَارِ " وَنِيَّتِهِ (فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ أدى الْوَاجِبُ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ، وَهُمَا يَنْفِيَانِ هَلْ يَكُونُ مُتَحَمِّلًا عَنِ الْغَيْرِ لِكَوْنِهَا طُهْرَةً لَهُ أَوْ أَصِيلًا؛ لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِهَا؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ، فَلَوْ لَمْ يُخْرِجْ مَعَ قُدْرَتِهِ، لَمْ يَلْزَمِ الْغَيْرَ شَيْءٌ، وَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْإِخْرَاجِ، جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ،

стр. 843

مُطَالَبًا بِهِ. وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ، فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ مَلَكَ عَبْدًا أَوْ زَوْجَةً أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ قَبْلَ الْغُرُوبِ ــ [المبدع في شرح المقنع] كَنَفَقَتِهِ، لَكِنْ لَوْ أَخْرَجَ الْعَبْدُ بِلَا إِذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَقِيلَ: إِنْ مَلَّكَهُ سَيِّدَهُ مَالًا، وَقُلْنَا: يَمْلِكُهُ، فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ مِمَّا فِي يَدِهِ، فَعَلَى هَذَا يُخْرِجُ الْعَبْدُ عَنْ عَبْدِهِ مِنْهُ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ إِذَا أَخْرَجَ بِإِذْنِهِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، فَلَوْ أَخْرَجَ عَمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ بِإِذْنِهِ أَجْزَأَ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الْآجُرِّيُّ: هَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ. مَسْأَلَةٌ: مَنْ لَزِمَهُ فِطْرَةُ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، أَخْرَجَهَا مَكَانَهُمَا، كَمَالٍ مُزَكًّى فِي غَيْرِ بَلَدِ مَالِكِهِ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُخْرِجُهَا مَكَانَهُ لِفِطْرَةِ نَفْسِهِ. فَرْعٌ: مَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِنْفَاقٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إِيصَالُ الْمَالِ مِنْ حَقِّهِ، قَالَهُ الْقَاضِي، أَوْ لِأَنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ مُعَيَّنٌ، كَعَبِيدِ الْغَنِيمَةِ قبل الغنيمة وَالْفَيْءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. [لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ] (وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ) لِتَأَكُّدِهَا بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْفَقِيرِ، وَشُمُولِهَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ قَدَرَ عَلَى إِخْرَاجِهَا، فَجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ بِالْمِلْكِ، وَالدَّيْنُ يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَالْفِطْرَةُ تَجِبُ عَلَى الْبَدَنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِهِ) فَيَمْنَعُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِوُجُوبِ أَدَائِهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَتَأَكُّدِهِ بِكَوْنِهِ حَقَّ آدَمِيٍّ لَا يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ، أَشْبَهَ مَنْ لَا فَضْلَ عِنْدَهُ، وَعَنْهُ: يَمْنَعُ مُطْلَقًا، وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، كَزَكَاةِ الْمَالِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: عَكْسَهُ، لِتَأَكُّدِهَا كَالنَّفَقَةِ وَالْخَرَاجِ. [وَقْتُ إِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ] (وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. فَأَضَافَ الصَّدَقَةَ إِلَى الْفِطْرِ، فَكَانَتْ وَاجِبَةً بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ وَالسَّبَبِيَّةَ، وَأَوَّلُ فِطْرٍ يَقَعُ مِنْ جَمِيعِ رَمَضَانَ بِمَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ (فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: بَعْدَ الْغُرُوبِ (أَوْ مَلَكَ عَبْدًا وَزَوْجَةً، أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ لَمْ يَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَعَنْهُ: يَمْتَدُّ وَقْتُ الْوُجُوبِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ

стр. 844

وَجَبَتْ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ، وَالْأَفْضَلُ إِخْرَاجُهَا يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْفِطْرِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْهُ، وَعَنْهُ: وَيَمْتَدُّ إِلَى أَنْ يُصَلَّى الْعِيدُ (وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَجَبَتْ) لِوُجُودِ السَّبَبِ، فَالِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ، فَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَقْتَ الْوُجُوبِ ثُمَّ أَيْسَرَ، فَلَا فِطْرَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَكْسُهُ: لَا يَسْقُطُ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَلَا فِطْرَةَ، وَلَوْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يَسْقُطْ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ إِجْمَاعًا فِي عِتْقِ عَبْدٍ، وَالْفِطْرَةُ فِي عَبْدٍ مَوْهُوبٍ، وَمُوصًى بِهِ عَلَى الْمَالِكِ وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَكَذَا الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَفِي مِلْكِ عَبْدٍ دُونَ نَفْعِهِ أَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: أَنَّهَا فِي كَسْبِهِ بِالنَّفَقَةِ (وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: كَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهَا أَوْ بَقَاءُ بَعْضِهَا إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَمْ تُجْزِ بِأَكْثَرَ لِفَوَاتِ الْإِغْنَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْلِهِ: «أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ هَذَا الْيَوْمَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَعْشَرٍ، وَفِيهِ كَلَامٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ؛ وَلِأَنَّ الْفِطْرَ سَبَبُهَا، أَوْ أَقْوَى جُزْأَيْ سَبَبِهَا لِمَنْعِ التَّقْدِيمِ عَلَى النِّصَابِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِخْرَاجِ فِي الْوَقْتِ الْخَاصِّ، خَرَجَ مِنْهُ التَّقْدِيمُ بِالْيَوْمَيْنِ، لِفِعْلِهِمْ، وَإِلَّا فَالْمَعْرُوفُ مَنْعُ التَّقْدِيمِ عَلَى السَّبَبِ الْوَاحِدِ، وَجَوَازُهُ عَلَى أَحَدِ السَّبَبَيْنِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بِثَلَاثَةٍ، جَزَمَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " بِأَيَّامٍ، وَقِيلَ: بِخَمْسَةَ عَشَرَ حَوْلًا لِلْأَكْثَرِ كَالْكُلِّ وَقِيلَ: بِشَهْرٍ لَا أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا الصَّوْمُ، وَالْفِطْرُ مِنْهُ كَزَكَاةِ الْمَالِ (وَالْأَفْضَلُ إِخْرَاجُهَا يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ) أَوْ قَدْرِهَا؛ لِأَنَّهُ ﵇: «أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.

стр. 845

الصَّلَاةِ، وَتَجُوزُ فِي سَائِرِ الْيَوْمِ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا عَنْهُ أَثِمَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. فَصْلٌ وَالْوَاجِبُ فِي الْفِطْرَةِ صَاعٌ مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيرِ، أَوْ دَقِيقِهِمَا وَسَوِيقِهِمَا، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَمِنَ الْأَقِطِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَقَالَ جَمْعٌ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُخْرِجَهَا إِذَا خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى، وَفِي الْكَرَاهَةِ بَعْدَهُ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: تَحْرُمُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَعَلَيْهِ تَكُونُ قَضَاءً، جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَاسْتَدَلَّ الْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ، وَتَمَامُهُ: «فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» وَتَجُوزُ فِي سَائِرِ الْيَوْمِ لِحُصُولِ الْإِغْنَاءِ بِهَا فِيهِ، إِلَّا أَنَّهُ يُزَكِّي الْأَفْضَلَ (فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ أَثِمَ) لِتَأْخِيرِهِ الْوَاجِبَ عَنْ وَقْتِهِ؛ وَلِمُخَالَفَةِ الْأَثَرِ، (وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهَا) عِبَادَةٌ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ كَالصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: لَا يَأْثَمُ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ: أَرْجُو أَنْ لَا بَأْسَ، وَقِيلَ لَهُ فِي رِوَايَةِ الْكَحَّالِ: وَإِنْ أَخَّرَهَا، قَالَ: إِذَا أَعَدَّهَا لِقَوْمٍ. [مِقْدَارُ الْوَاجِبِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ] فَصْلٌ (وَالْوَاجِبُ فِي الْفِطْرَةِ صَاعٌ) بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ وَهُوَ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِ الْقَامَةِ، وَحِكْمَتُهُ كِفَايَةُ الصَّاعِ لِلْفَقِيرِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ (مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيرِ) إِجْمَاعًا (أَوْ دَقِيقِهِمَا وَسَوِيقِهِمَا وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) إِجْمَاعًا (وَمِنَ الْأَقِطِ) وَهِيَ شَيْءٌ يُعْمَلُ مِنَ اللَّبَنِ الْمَخِيضِ، وَقِيلَ: مِنَ الْإِبِلِ فَقَطْ (فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مَنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَصَرِيحُهُ إِجْزَاءُ الدَّقِيقِ؛ وَهُوَ الطَّحِينُ، وَالسَّوِيقُ؛ وَهُوَ
следующие страницы →