Полный текст (1 335 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
هُوَ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ ؟
(فَأَجَابَ) قَالَ شَيْخُنَا الشَّمْسُ السَّخَاوِيُّ: لَا وُجُودَ لَهُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ وَلَا الْأَجْزَاءِ الْمَنْثُورَةِ وَجَزَمَ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْمُزَنِيّ وَغَيْرُهُ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عُمَرَ إنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ بَلْ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ «إنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ» وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا» قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ إنَّهُ يُؤْخَذُ مَعْنَاهُ مِنْهُ وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ بَابُ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَقِبَ إيرَادِهِ فِي كِتَابِ الْأُمِّ فَأَخْبَرَهُمْ ﷺ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي بِالظَّاهِرِ، وَأَنَّ أَمْرَ السَّرَائِرِ إلَى اللَّهِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا: إنَّ بَعْضَ مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ ظَنَّ هَذَا حَدِيثًا آخَرَ مُنْفَصِلًا عَنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فَنَقَلَهُ كَذَلِكَ ثُمَّ قَلَّدَهُ مَنْ بَعْدَهُ وَلِأَجْلِ هَذَا يُوجَدُ فِي كُتُبِ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ دُونَ غَيْرِهِمْ حَتَّى أَوْرَدَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْقَضَاءِ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْأُمِّ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «تَوَلَّى اللَّهُ مِنْكُمْ السَّرَائِرَ وَدَرَأَ عَنْكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ» وَكَذَا
стр. 1297
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِرِ، وَأَنَّ أَمْرَ السَّرَائِرِ إلَى اللَّهِ.
وَأَغْرَبَ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ الْجِيزِيُّ فِي كِتَابِهِ إدَارَةُ الْحُكَّامِ فَقَالَ فِيمَا نُقِلَ عَنْ مُغَلْطَاي مِمَّا وَقَفْت عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي «قِصَّةِ الْكِنْدِيِّ وَالْحَضْرَمِيِّ اللَّذَيْنِ اخْتَصَمَا فِي الْأَرْضِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ قَضَيْت عَلَيَّ وَالْحَقُّ لِي فَقَالَ ﷺ إنَّمَا أَقْضِي بِالظَّاهِرِ وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» قَالَ شَيْخُنَا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ وَلَا أَدْرِي أَسَاقَ لَهُ إسْمَاعِيلُ إسْنَادًا أَمْ لَا اهـ.
[هَلْ كَتَبَ النَّبِيّ بِيَدِهِ]
(سُئِلَ) هَلْ كَتَبَ ﷺ بِيَدِهِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ كَتَبَ وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّهَا صَدَرَتْ مِنْهُ مُعْجِزَةً وَمِنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ بِوَحْيٍ وَمِنْهَا أَنَّهُ أَمَرَ مَنْ كَتَبَ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ الْكِتَابَةُ تَجَوُّزًا وَهَذَا أَرْجَحُهَا فَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةٍ.
[الْأَنْبِيَاءَ يَأْتُونَ لِأَجْلِ شَفَاعَةِ النَّبِيّ وَيَسْأَلُونَهُ إيَّاهَا]
(سُئِلَ) هَلْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ أَنَّ النَّاسَ إذَا أَتَوْا آدَمَ ﵇ يَسْأَلُونَهُ يَدُلُّهُمْ عَلَى نُوحٍ وَيَقُولُ، وَأَنَا أَذْهَبُ مَعَكُمْ، وَأَنَّ نُوحًا يَدُلُّهُمْ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَيَقُولُ، وَأَنَا أَذْهَبُ مَعَكُمْ، وَأَنَّ إبْرَاهِيمَ يَدُلُّهُمْ عَلَى مُوسَى وَيَقُولُ، وَأَنَا أَذْهَبُ مَعَكُمْ، وَأَنَّ مُوسَى يَدُلُّهُمْ عَلَى عِيسَى وَيَقُولُ وَأَنَا أَذْهَبُ مَعَكُمْ وَأَنَّ عِيسَى يَدُلُّهُمْ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ -
стр. 1298
وَيَقُولُ، وَأَنَا أَذْهَبُ مَعَكُمْ فَيَأْتُونَهُ فَيَسْأَلُونَهُ الشَّفَاعَةَ فِي إرَاحَةِ النَّاسِ مِنْ طُولِ الْوُقُوفِ وَهَلْ السَّائِلُ فِي ذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ أَمْ غَيْرُهُمْ أَمْ الْجَمِيعُ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَأْتُونَ لِأَجْلِ شَفَاعَتِهِ وَيَسْأَلُونَهُ إيَّاهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي عُلُوِّ مَقَامِهِ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ حَدَّثَنِي نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنِّي لَقَائِمٌ أَنْتَظِرُ أُمَّتِي إذْ جَاءَنِي عِيسَى ﵇ فَقَالَ هَذِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَدْ جَاءَتْك يَسْأَلُونَ أَوْ قَالَ يَجْتَمِعُونَ إلَيْك تَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ جَمِيعِ الْأُمَمِ إلَى حَيْثُ شَاءَ لِعِظَمِ مَا هُمْ فِيهِ فَالْخَلْقُ مُلْجَمُونَ فِي الْعَرَقِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ عَلَيْهِ كَالزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَغْشَاهُ الْمَوْتُ قَالَ يَا عِيسَى انْتَظِرْ حَتَّى أَرْجِعَ إلَيْك قَالَ وَذَهَبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَلَقِيَ مَا لَمْ يَلْقَ مَلَكٌ مُصْطَفًى وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى جِبْرِيلَ أَنْ اذْهَبْ إلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَك وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرُوَاتُهُ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ فِي مَجْلِسِ الذِّكْرِ اللَّهُ اللَّهُ فِي حَالِ صَحْوِهِ مِنْ اسْتِغْرَاقٍ هَلْ يُسَمَّى ذِكْرًا أَوْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى ذِكْرًا هَلْ
стр. 1299
يُثَابُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى ذِكْرًا عُرْفًا لِعَدَمِ إفَادَتِهِ لَكِنَّهُ يُثَابُ لِقَصْدِ الذِّكْرِ كَمَا أَنَّ ذَا الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ آثِمٌ بِنُطْقِهِ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الْقُرْآنِ بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَعْصِيَةً وَشَرَعَ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ قَارِئًا.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] هَلْ الْوُرُودُ الدُّخُولُ أَمْ مُوَافَاةُ الْمَحَلِّ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ فَهَلْ هُوَ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْبَشَرِ حَتَّى الْأَنْبِيَاءِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْوُرُودَ الدُّخُولُ لِجَمِيعِ الْبَشَرِ فَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا يَبْقَى بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ إلَّا دَخَلَهَا فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا كَانَتْ عَلَى إبْرَاهِيمَ ﵇ حَتَّى أَنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجًا مِنْ بَرْدِهِمْ ثُمَّ يُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] » وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ «إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ وَعَدَنَا رَبُّنَا أَنْ نَدْخُلَ النَّارَ فَيُقَالُ لَهُمْ قَدْ وَرَدْتُمُوهَا وَهِيَ خَامِدَةٌ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قَالَ مُجْتَازٌ فِيهَا» وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «تَقُولُ النَّارُ لِلْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُزْ يَا مُؤْمِنٌ فَقَدْ أَطْفَأَ نُورُك لَهَبِي» وَعَنْ
стр. 1300
ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَرِدُ النَّاسُ النَّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ مِنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ فَأَوَّلُهُمْ كَلَمْحِ الْبَصَرِ ثُمَّ كَالرِّيحِ ثُمَّ كَحُضْرِ الْفَرَسِ ثُمَّ كَالرَّاكِبِ فِي رَحْلٍ ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ فِي مَشْيِهِ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْوُرُودُ الدُّخُولُ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إلَّا دَخَلَهَا وَكَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَخَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمْ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] فَالْمُرَادُ عَنْ عَذَابِهَا وَالِاحْتِرَاقِ بِهَا فَمَنْ دَخَلَهَا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهَا وَلَا يَحُسُّ مِنْهَا وَجَعًا وَلَا أَلَمًا فَهُوَ مُبْعَدٌ عَنْهَا فِي الْحَقِيقَةِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآخَرُ: لَا يَرِدُهَا مُؤْمِنٌ، وَقَوْلُ عِكْرِمَةَ: إنَّمَا يَرِدُهَا الظَّلَمَةُ وَقِيلَ وُرُودُهَا الْجَوَازُ عَلَى الصِّرَاطِ فَإِنَّهُ مَمْدُودٌ عَلَيْهَا، وَقَالَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ وَالسُّدِّيُّ وَقِيلَ هُوَ وُرُودُ إشْرَافٍ وَاطِّلَاعٍ وَقُرْبٍ وَقِيلَ وُرُودُ الْمُؤْمِنَ مَسُّ الْحُمَّى إيَّاهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» وَفِي الْحَدِيثِ «الْحُمَّى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ النَّارِ» .
(سُئِلَ) عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٨٣] وَكَيْفَ اسْتَثْنَى الْقَلِيلَ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ لَاتَّبَعَ الْكُلُّ الشَّيْطَانَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْخِطَابَ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَفِي مَعْنَى الْآيَةِ أَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا أَنَّ مَعْنَاهَا لَوْلَا
стр. 1301
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بِإِرْسَالِ الرَّسُولِ، وَإِنْزَالِ الْكِتَابِ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ بِالْكُفْرِ وَالضَّلَالِ إلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعَقْلٍ رَاجِحٍ اهْتَدَى بِهِ إلَى الْحَقِّ أَوْ عَصَمَهُ مِنْ مُتَابَعَةِ الشَّيْطَانِ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَجَمَاعَةٍ سِوَاهُ اهْتَدَوْا بِكَمَالِ عَقْلِهِمْ إلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ وَقِيلَ إنَّ فَضْلَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَرَحْمَتَهُ الْقُرْآنُ وَقِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا هُوَ مِنْ الِاتِّبَاعِ أَيْ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ كُلُّكُمْ إلَّا قَلِيلًا مِنْ الْأُمُورِ كُنْتُمْ لَا تَتَّبِعُونَهُ فِيهَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إنَّ اللَّهَ هَدَى الْكُلَّ لِلْإِيمَانِ فَمِنْهُمْ مَنْ تَمَكَّنَ فِيهِ حَتَّى لَا يَخْطِرَ لَهُ خَاطِرُ شَكٍّ وَلَا عَنَّتْ لَهُ شُبْهَةُ ارْتِيَابٍ فَذَلِكَ هُوَ الْقَلِيلُ وَهُمْ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى وَسَائِرُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْعَرَبِ لَمْ يَخْلُ مِنْ الْخَوَاطِرِ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٣] بِتَجْدِيدِ الْهِدَايَةِ لَضَلُّوا وَاتَّبَعُوا الشَّيْطَانَ.
وَثَانِيهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا إنَّ مَعْنَاهَا أَذَاعُوا بِهِ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ لَمْ يُذِعْ وَلَمْ يُفْشِ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّحْوِيِّينَ الْكِسَائِيُّ وَالْأَخْفَشُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ وَالطَّبَرِيُّ وَثَالِثُهَا أَنَّ مَعْنَاهَا لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا وَاخْتَارَهُ الزَّجَّاجُ قَالَ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِنْبَاطَ الْأَكْثَرُ يَعْرِفُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْلَامُ
стр. 1302
خَبَرٍ، وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ الْفَرَّاءُ قَالَ؛ لِأَنَّ عِلْمَ السِّرِّ إذَا ظَهَرَ عَلِمَهُ الْمُسْتَنْبِطُ وَغَيْرُهُ، وَالْإِذَاعَةُ تَكُونُ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ فَلِذَلِكَ اسْتَحْسَنُوا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِذَاعَةِ قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ عَلَى الْمَجَازِ يُرِيدُ أَنَّ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَقَوْلُهُ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ [النساء: ٨٣] كَلَامٌ تَامٌّ. وَرَابِعُهُمَا أَنَّ قَوْلَهُ ﴿إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٨٣] عِبَارَةٌ عَنْ الْعُمُومِ أَيْ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ كُلُّكُمْ قَالَ بَعْضُهُمْ وَهَذَا قَوْلٌ قَلِقٌ.
[الصَّلَوَاتِ الرُّبَاعِيَّةِ هَلْ فُرِضَتْ أَوَّلًا أَرْبَعًا أَرْبَعًا أَوْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ]
(سُئِلَ) عَنْ الصَّلَوَاتِ الرُّبَاعِيَّةِ هَلْ فُرِضَتْ أَوَّلًا أَرْبَعًا أَرْبَعًا أَوْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ فُرِضَتْ الصَّلَوَاتُ الرُّبَاعِيَّةُ أَرْبَعًا أَرْبَعًا فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي الْحَضَرِ فَأَجَبْت عَنْهُ بِأَنَّهَا قَالَتْهُ عَنْ اجْتِهَادِهَا بِنَاءً عَلَى ظَنِّهَا وَبِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِفِعْلِهَا حَيْثُ أَتَمَّتْ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ فَقَدْ قَالَتْ «يَا رَسُولَ اللَّهِ قَصَرْتَ أَنْتَ، وَأَتْمَمْتُ أَنَا، وَأَفْطَرْتَ أَنْتَ وَصُمْتُ أَنَا فَقَالَ أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ وَمَا عَابَ عَلَيَّ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمَعْرِفَةِ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَبِإِفْتَائِهَا بِالْإِتْمَامِ فِيهِ، وَالْعِبْرَةُ عِنْدَ الْمُخَالِفِ بِفِعْلِ الصَّحَابِيِّ أَوْ بِرَأْيِهِ لَا بِمَرْوِيِّهِ وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُسْلِمٍ «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ وَرَكْعَتَيْنِ» بِأَنَّ الْمَعْنَى فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا وَبِأَنَّ قَوْلَهُمَا
стр. 1303
فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ أَيْ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ فَإِنَّهَا قَبْلَهُ كَانَتْ صَلَاةٌ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥] وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلَّا الْمَغْرِبَ فَزِيدَتْ عَقِبَ الْهِجْرَةِ إلَّا الصُّبْحَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «فُرِضَتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَاطْمَأَنَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ وَتُرِكَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ لِطُولِ الْقِرَاءَةِ وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهَا وَتْرُ النَّهَارِ ثُمَّ بَعْدَ أَنْ اسْتَقَرَّ فَرْضُ الرُّبَاعِيَّةِ خُفِّفَ مِنْهَا فِي السَّفَرِ عِنْدَ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] » فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إلَيْهِ الْأَمْرُ مِنْ التَّخْفِيفِ لَا أَنَّهَا اسْتَمَرَّتْ مُنْذُ فُرِضَتْ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ.
[هَلْ كَانَ نَبِيُّنَا بَعْدَ بَعْثَتِهِ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ]
(سُئِلَ) هَلْ كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ بَعْدَ بَعْثَتِهِ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَمْ لَا عَلَى الصَّحِيحِ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِمِلَّةِ مُوسَى ﷺ فِي صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ نَبِيِّنَا ﷺ أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ هَلْ هَذَا الِاسْتِدْلَال صَحِيحٌ أَمْ لَا وَيَكُونُ صَوْمُهُ لَهُ مِنْ شَرِيعَتِنَا إمَّا بِإِيحَاءٍ أَوْ اجْتِهَادٍ مِنْهُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بَعْدَ بَعْثَتِهِ بِشَرْعِ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَعَلَيْهِ
стр. 1304
الْأَكْثَرُونَ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ بِامْتِنَاعِهِ عَقْلًا وَغَيْرُهُمْ بِامْتِنَاعِهِ نَقْلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وَلِأَنَّ لَهُ شَرْعًا يَخُصُّهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ لَوَجَبَ عَلَيْنَا تَعَلُّمُ ذَلِكَ الشَّرْعِ وَلَوَجَبَ الْبَحْثُ عَنْهُ عَلَى الْمُجْتَهِدِينَ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ شَرِيعَتَهُ نَاسِخَةٌ لِلشَّرَائِعِ أَيْ مَا يَقْبَلُ النَّسْخَ مِنْهَا وَقِيلَ إنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِمَا لَمْ يُنْسَخْ مِنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ اسْتِصْحَابًا لِتَعَبُّدِهِ بِهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَاسْتَدَلَّ قَائِلُهُ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى وَمَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَا مُتَابِعٌ وَحِينَئِذٍ فَصَوْمُهُ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ عَلَى الرَّاجِحِ لِدَلِيلٍ فِي شَرِيعَتِهِ.
(سُئِلَ) مَا الْأَسْمَاءُ الَّتِي تُنْعَتُ وَيُنْعَتُ بِهَا وَالْأَسْمَاءُ الَّتِي لَا تُنْعَتُ وَلَا يُنْعَتُ بِهَا وَالْأَسْمَاءُ الَّتِي تُنْعَتُ وَلَا يُنْعَتُ بِهَا وَالْأَسْمَاءُ الَّتِي لَا تُنْعَتُ وَيُنْعَتُ بِهَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي تُنْعَتُ وَيُنْعَتُ بِهَا كَثِيرٌ مِنْهَا أَسْمَاءُ الْإِشَارَةِ وَنَعْتُهَا مَصْحُوبٌ أَيْ خَاصَّةٌ، وَإِنْ كَانَ جَامِدًا مَحْضًا كَالرَّجُلِ فَالرَّاجِحُ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِّ أَنَّهُ نَعْتٌ وَعِنْدَ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ وَمِنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَا تُنْعَتُ وَلَا يُنْعَتُ بِهَا الْمُضْمَرَاتُ خِلَافًا لِلْكِسَائِيِّ فِي نَعْتِ ذِي الْغَيْبَةِ، وَمِنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تُنْعَتُ وَلَا يُنْعَتُ بِهَا الْأَعْلَامُ وَمِنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَا تُنْعَتُ وَيُنْعَتُ بِهَا أَيُّ مُضَافَةً إلَى نَكِرَةٍ تُمَاثِلُ الْمَنْعُوتَ مَعْنًى نَحْوَ جَاءَنِي رَجُلٌ أَيُّ رَجُلٍ أَيْ كَامِلٌ فِي صِفَةِ الرُّجُولِيَّةِ.
[هَلْ يَنْقَطِعُ الْعَذَابُ عَنْ الْكُفَّارِ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ]
(سُئِلَ) هَلْ يَنْقَطِعُ الْعَذَابُ عَنْ الْكُفَّارِ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَوْ لَا بَلْ يُعَذَّبُونَ إلَى أَنْ يُبْعَثُوا؟
(فَأَجَابَ)
стр. 1305
بِأَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ بَلْ يُعَذَّبُونَ إلَى أَنْ يُبْعَثُوا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] أَيْ فِي الْبَرْزَخِ وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] فَإِنَّ عَرْضَهُمْ عَلَى النَّارِ إحْرَاقُهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ عُرِضَ الْأُسَارَى عَلَى السَّيْفِ إذَا قُتِلُوا بِهِ وَذَلِكَ لِأَرْوَاحِهِمْ وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا مَاتَ الْكَافِرُ عُرِضَ عَلَى النَّارِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ وَيُقَالُ لَهُ هَذَا مَقْعَدُك إلَى أَنْ يَبْعَثَك اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ أَرْوَاحَ آلِ فِرْعَوْنَ وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ فَيُقَالُ لَهُمْ هَذِهِ دَارُكُمْ فَذَلِكَ دَأْبُهُمْ إلَى الْقِيَامَةِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طُيُورٍ سُودٍ تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيّ قَالَ رَجُلٌ لِلْأَوْزَاعِيِّ رَأَيْنَا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ تَأْخُذُ نَاحِيَةَ الْمَغْرِبِ بِيضًا صِغَارًا فَوْجًا فَوْجًا لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إلَّا اللَّهُ، وَإِذَا كَانَ الْعِشَاءُ رَجَعَتْ مِثْلُهَا سُودًا قَالَ تِلْكَ الطُّيُورُ فِي حَوَاصِلِهَا أَرْوَاحُ آلِ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا فَتَرْجِعُ إلَى أَوْكَارِهَا وَقَدْ احْتَرَقَتْ رِيَاشُهَا وَصَارَتْ سَوْدَاءَ فَيَنْبُتُ عَلَيْهَا مِنْ اللَّيْلِ رِيشًا بِيضًا وَتَنَاثُرُ السُّودُ ثُمَّ تَغْدُو وَتُعْرَضُ غُدُوًّا وَعَشِيًّا فَذَلِكَ دَأْبُهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. اهـ. وَذِكْرُ الْوَقْتَيْنِ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ وَالتَّأْبِيدَ عَلَيْهَا.
стр. 1306
سُئِلَ) عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] فَإِنَّ أَصْلَهُ لَكِنْ أَنَا، مَا الرَّاجِحُ فِي تَصْرِيفِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الرَّاجِحَ فِي تَصَرُّفِهِ نَقْلُ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إلَى نُونِ لَكِنْ فَقَدْ قَالَ السَّمِينُ وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَكِنْ أَنَا فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ أَنَا إلَى نُونِ لَكِنْ وَحُذِفَتْ الْهَمْزَةُ فَالْتَقَى مِثْلَانِ فَأُدْغِمَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِجَرْيِ الْأَوَّلِ عَلَى الْقَوَاعِدِ. اهـ. وَقَالَ السَّفَاقِسِيُّ: أَصْلُهُ لَكِنْ أَنَا فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ إلَى نُونِ لَكِنْ وَحُذِفَتْ الْهَمْزَةُ فَالْتَقَى مِثْلَانِ فَأُدْغِمَ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ وَقِيلَ حُذِفَتْ الْهَمْزَةُ مِنْ أَنَا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ ثُمَّ أُدْغِمَتْ نُونُ لَكِنْ السَّاكِنَةُ فِي نُونِ أَنَا اهـ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ النَّحَّاسُ مَذْهَبُ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاءِ وَالْمَازِنِيِّ أَنَّ الْأَصْلَ لَكِنْ أَنَا فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى نُونِ لَكِنْ فَأُدْغِمَتْ النُّونُ فِي النُّونِ. اهـ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: الْأَصْلُ لَكِنْ أَنَا فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى النُّونِ وَقِيلَ حُذِفَتْ حَذْفًا وَأُدْغِمَتْ النُّونُ فِي النُّونِ. اهـ. وَقَالَ ابْنُ زُهْرَةَ: الْأَصْلُ لَكِنْ أَنَا فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى النُّونِ وَحُذِفَتْ الْهَمْزَةُ فَبَقِيَتْ لَكِنَّنَا بِنُونَيْنِ مُتَحَرِّكَيْنِ فَلَمَّا تَلَاقَتْ النُّونَانِ أُسْكِنَتْ الْأُولَى وَأُدْغِمَتْ فِي الثَّانِيَةِ وَقِيلَ حُذِفَتْ الْهَمْزَةُ مَعَ حَرَكَتِهَا وَأُدْغِمَتْ النُّونُ فِي النُّونِ فَصَارَتْ لَكِنَّا كَمَا تَرَى.
(سُئِلَ) عَنْ مَنَافِعِ الْقُرْآنِ لِلْإِمَامِ الْبَاقِي إذَا أَخَذَ شَخْصٌ مِنْهَا شَيْئًا أَوْ مِنْ مَنَافِعِ الْقُرْآنِ لِلْبَوْنِيِّ أَوْ لِلسُّهْرَوَرْدِيِ وَعَمِلَ بِهِ لِخَرَابِ دِيَارِ الظَّلَمَةِ يُؤْذُونَ عِبَادَ اللَّهِ تَعَالَى يَأْثَمُ بِذَلِكَ أَمْ لَا وَهَلْ يُسَمَّى ذَلِكَ سِحْرًا أَوْ مَنَافِعَ
стр. 1307
الْقُرْآنِ فَتَنَزَّهَ عَنْ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِذَلِكَ بَلْ يُثَابُ عَلَيْهِ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ؛ لِأَنَّهُ سَاعٍ فِي دَفْعِ ظُلْمِهِمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ فَهُوَ فِي مَعْنَى دَفْعِ الظَّالِمِينَ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» وَلَيْسَ ذَلِكَ سِحْرًا كَيْفَ وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «وَمَا أَدْرَاك أَنَّهَا رُقْيَةٌ» .
(سُئِلَ) عَمَّا يُذْكَرُ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ مَا تَرَكَ الْقَاتِلُ عَلَى الْمَقْتُولِ مِنْ ذَنْبٍ هَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَوْ قَتَلَ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمَقْتُولَ ظُلْمًا تُكَفَّرُ عَنْهُ ذُنُوبُهُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقَتْلِ مُطْلَقًا كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ «أَنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلْخَطَايَا» .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ إذَا جَاءَ الْقَتْلُ مَحَا كُلَّ شَيْءٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَلَهُ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ نَحْوَهُ وَلِلْبَزَّارِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا «لَا يَمُرُّ الْقَتْلُ بِذَنْبٍ إلَّا مَحَاهُ» وَرَوَى مُسْلِمٌ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إلَّا الدَّيْنَ» قَالَ الْقُرْطُبِيُّ قَالَ عُلَمَاؤُنَا ذِكْرُ الدَّيْنِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذِّمَمِ كَالْغَصْبِ، وَأَخْذِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَقَتْلِ الْعَمْدِ، وَالْجِرَاحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّبِعَاتِ فَإِنَّ كُلَّ هَذَا أَوْلَى أَنْ لَا يُغْفَرَ بِالْقَتْلِ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ أَشَدُّ وَالْقِصَاصُ فِي هَذَا كُلِّهِ بِالسَّيِّئَاتِ وَالْحَسَنَاتِ حَسْبَمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ. اهـ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «الشَّهِيدُ يَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» .
(سُئِلَ) عَمَّنْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
стр. 1308
أَنَّهُ قَالَ مَنْ نَامَ بِالنَّهَارِ مِنْ غَيْرِ قِيَامِ اللَّيْلِ مَقَتَهُ اللَّهُ هَلْ هَذَا الْحَدِيثُ مَوْضُوعٌ أَوْ وَارِدٌ وَهَلْ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَرْوِيَ أَحَادِيثَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجَازَ بِهَا، وَلَا هِيَ وَارِدَةٌ فِي كِتَابٍ مَشْهُورٍ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بَلْ لَا يَصِحُّ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْتَ الْبُغْضُ وَقِيلَ أَشَدَّهُ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْوِيَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا إذَا أَخَذَهُ مِنْ كِتَابٍ مُعْتَمَدٍ وَقَابَلَهُ عَلَى أَصْلٍ مُعْتَمَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ، وَإِنْ حَكَى بَعْضُهُمْ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِمُعَلِّمٍ أَنْ يَقُولَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْقَوْلُ مَرْوِيًّا وَلَوْ عَلَى أَقَلِّ وُجُوهِ الرِّوَايَاتِ.
[هَلْ السَّمَاءُ أَفْضَلُ أَمْ الْأَرْضُ]
(سُئِلَ) هَلْ السَّمَاءُ أَفْضَلُ أَمْ الْأَرْضُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَرْضَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ بِقَاعًا مِنْهَا بِالْبَرَكَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى﴾ [آل عمران: ٩٦] وَقَوْلِهِ ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠] وَقَوْلِهِ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] وَقَوْلِهِ ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧] وَقَوْلِهِ ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ١٠] وَلِأَنَّهُ خَلَقَ الْأَنْبِيَاءَ الْمُكَرَّمِينَ مِنْ الْأَرْضِ، وَأَكْرَمَ نَبِيَّهُ فَجَعَلَ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدًا وَجَعَلَ تُرَابَهَا لَهُ طَهُورًا، وَأَرْجَحُهُمَا أَنَّ السَّمَاءَ أَفْضَلُ لِأُمُورٍ مِنْهَا أَنَّ السَّمَاءَ مُتَعَبَّدُ الْمَلَائِكَةِ وَمَا فِيهَا بُقْعَةٌ عُصِيَ اللَّهُ فِيهَا، وَأَنَّ آدَمَ لَمَّا أَتَى بِتِلْكَ الْمَعْصِيَةِ فِي الْجَنَّةِ قِيلَ لَهُ اهْبِطْ مِنْ الْجَنَّةِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَسْكُنُ فِي
стр. 1309
جِوَارِي مَنْ عَصَانِي، وَأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهَا سَقْفًا مَحْفُوظًا وَجَعَلَ فِيهَا بُرُوجًا، وَأَنَّهُ قَدَّمَهَا فِي الذِّكْرِ عَلَى الْأَرْضِ فِي الْأَكْثَرِ، وَأَنَّهُ زَيَّنَهَا بِتِسْعَةِ أَشْيَاءَ بِالْمَصَابِيحِ وَبِالشَّمْسِ وَبِالْقَمَرِ وَبِالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَالْقَلَمِ، وَأَنَّهُ جَعَلَهَا قِبْلَةَ الدُّعَاءِ وَمَحَلَّ الضِّيَاءِ وَالصَّفَاءِ وَالطَّهَارَةِ وَالْعِصْمَةِ مِنْ الْخَلَلِ وَالْفَسَادِ، وَأَنَّهُ سَمَّاهَا بِأَسْمَاءٍ تَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ شَأْنِهَا سَمَّاهَا سَقْفًا مَحْفُوظًا وَسَبْعًا طِبَاقًا وَسَبْعًا شِدَادًا ثُمَّ ذَكَرَ عَاقِبَةَ أَمْرِهَا فَقَالَ ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وَ ﴿تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] وَ ﴿تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] وَذَكَرَ مَبْدَأَهَا فِي آيَتَيْنِ فَقَالَ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] وَقَالَ ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] فَهَذَا الِاسْتِقْصَاءُ الشَّدِيدُ فِي كَيْفِيَّةِ حُدُوثِهَا وَفِنَائِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَلَقَهَا مُحْكَمَةً بَالِغَةً، وَأَنَّهُ جَعَلَهَا مُؤَثِّرَةً غَيْرَ مُتَأَثِّرَةٍ، وَالْأَرْضُ مُتَأَثِّرَةٌ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ، وَالْمُؤَثِّرُ أَشْرَفُ مِنْ الْقَابِلِ، وَأَنَّهُ فِي الْأَكْثَرِ ذَكَرَهَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْأَرْضُ بِلَفْظِ الْوَحْدَةِ، وَأَنَّهُ جَعَلَ لَوْنَهَا أَنْفَعَ الْأَلْوَانِ لِلْبَصَرِ وَشَكْلَهُ أَفْضَلَ الْأَشْكَالِ.
[الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِتَابَةِ وَالْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا]
(سُئِلَ) مَا مَعْنَى قَوْلِ الْبَيْضَاوِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧] وَالنَّقْضُ فَتْحُ التَّرْكِيبِ، وَأَصْلُهُ فِي طَاقَاتِ الْحَبْلِ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي إبْطَالِ الْعَهْدِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَهْدَ يُسْتَعَارُ لَهُ الْحَبْلُ لِمَا فِيهِ مِنْ رَبْطِ أَحَدِ الْمُتَعَاهِدَيْنِ بِالْآخَرِ فَإِنْ أُطْلِقَ مَعَ لَفْظِ الْحَبْلِ كَانَ تَرْشِيحًا لِلْمَجَازِ، وَإِنْ ذُكِرَ
стр. 1310
مَعَ الْعَهْدِ كَانَ رَمْزًا إلَى مَا هُوَ مِنْ رَوَادِفِهِ وَهُوَ أَنَّ الْعَهْدَ حَبْلٌ فِي إثْبَاتِ الْوَصْلَةِ بَيْنَ الْمُتَعَاهِدَيْنِ كَقَوْلِك شُجَاعٌ يَفْتَرِسُ أَقْرَانَهُ وَعَالِمٌ يَغْتَرِفُ مِنْهُ النَّاسُ فَإِنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ أَسَدٌ فِي شَجَاعَتِهِ وَبَحْرٌ بِالنَّظَرِ إلَى إفَادَتِهِ؟
(فَأَجَابَ) قَوْلُ الْمُفَسِّرِ ﵀ بَيَانٌ لِمَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِتَابَةِ وَالْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا فَالْمُسْتَعَارُ بِالْكِتَابَةِ هُوَ الْحَبْلُ اُسْتُعِيرَ لِلْعَهْدِ لِمَا فِيهِ مِنْ رَبْطِ أَحَدِ الْمُتَعَاهِدَيْنِ بِالْآخَرِ وَكَنَّى عَنْ الْحَبْلِ بِذِكْرِ النَّقْضِ الَّذِي هُوَ مِنْ رَوَادِفِهِ وَلَوَازِمِهِ فَقَوْلُهُ ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧] اسْتِعَارَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ؛ لِأَنَّ إبْطَالَ الْعَهْدِ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ وَهِيَ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ فَإِذَا قِيلَ يَنْقُضُونَ حَبْلَ اللَّهِ كَانَ إطْلَاقُ لَفْظِ الْحَبْلِ عَلَى الْعَهْدِ مَجَازًا عَلَاقَتُهُ الْمُشَابَهَةُ أَيْ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وَذَكَرَ النَّقْضَ تَرْشِيحًا. ثُمَّ قَالَ الْمُفَسِّرُ كَقَوْلِك شُجَاعٌ يَفْتَرِسُ أَقْرَانَهُ وَعَالِمٌ يَغْتَرِفُ مِنْهُ النَّاسُ أَيْ فَإِنَّ افْتِرَاسَ الشُّجَاعِ أَقْرَانَهُ اسْتِعَارَةٌ لِبَطْشِهِ وَقَتْلِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ وَبِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ اسْتِعَارَةِ الْبَحْرِ لَهُ وَكُلٌّ مِنْ التَّصْرِيحَتَيْنِ قَرِينَةٌ لِمَا تَفَرَّعَتْ عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ.
(سُئِلَ) هَلْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ لَا يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ إلَّا فَاسِقٌ وَلَا يَسْتَحْلِفُ بِهِ إلَّا مُنَافِقٌ أَمْ لَا؟ . .
(فَأَجَابَ) لَمْ أَرَ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَعَلَى تَقْدِيرِ وُرُودِهِ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَارِجٌ عَلَى سَبِيلِ الزَّجْرِ وَالرَّدْعِ.
(سُئِلَ) هَلْ وَرَدَ مَنْ قَصَدَنَا وَجَبَ حَقُّهُ عَلَيْنَا أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) لَمْ أَرَ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ إذْ الْمَقْصُودُ بِهِ التَّرْغِيبُ فِي قَضَاءِ حَاجَةِ السَّائِلِ، وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ
стр. 1311
بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ مِسْكِينًا سَأَلَهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ وَلَيْسَ فِي بَيْتِهَا إلَّا رَغِيفٌ فَقَالَتْ لِمَوْلَاةٍ لَهَا أَعْطِيهِ إيَّاهُ فَقَالَتْ لَيْسَ لَك مَا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ أَعْطِهِ إيَّاهُ فَفَعَلَتْ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ ابْنِ هِشَامٍ فِي شَرْحِ الْقَطْرِ فِي بَابِ الْمَفْعُولِ مَعَهُ يَجِبُ نَصْبُهُ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْعَطْفُ مُمْتَنِعًا لِمَانِعٍ مَعْنَوِيٍّ كَقَوْلِك لَا تَنْهَ عَنْ الْقَبِيحِ، وَإِتْيَانَهُ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ فَمَا وَجْهُ التَّنَاقُضِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ لَفْظَ الْقَبِيحِ يَقْتَضِي وُجُودَهُ بِأَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مُتَلَبِّسًا بِهِ إذْ فَعِيلٌ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ وَلَفْظُ إتْيَانِهِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ الْقَبِيحَ مَعْدُومٌ حَالَ التَّكَلُّمِ بِهِ فَيَلْزَمُ مِنْ الْعَطْفِ إفَادَةُ وُجُودِ الْقَبِيحِ وَعَدَمُ وُجُودِ ذَلِكَ الْقَبِيحِ.
[هَلْ يُقْطَعُ بِدُخُولِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ النَّارَ]
(سُئِلَ) هَلْ يُقْطَعُ بِدُخُولِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ النَّارَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ لِلْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ بَلْ قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ إنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ إذَا لَمْ يَتُبْ عَنْهَا مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْهَا أَبَدًا وَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ: قَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيثُ فِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ بِذُنُوبِهِ غَيْرَ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَبْقَى فِيهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ وَاَلَّذِي تَلْحَقُهُ الشَّفَاعَةُ ابْتِدَاءً حَتَّى لَا يُعَذَّبُ أَصْلًا غَيْرُ مَعْلُومٍ فَالذَّنْبُ خَطَرُهُ عَظِيمٌ وَرَبُّنَا غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَعَذَابُهُ شَدِيدٌ أَلِيمٌ. اهـ.
وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ لَهُ ﷺ شَفَاعَاتٍ مِنْهَا إخْرَاجُ مَنْ أُدْخِلَ النَّارَ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ وَيُشَارِكُهُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلَكِنَّهُ اخْتَصَّ بِالشَّفَاعَةِ لِمَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ الْإِيمَانِ فِي إخْرَاجِهِ مِنْ النَّارِ وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ غَيْرَ الْكُفَّارِ مِنْ الْعُصَاةِ وَمُرْتَكِبِي الْكَبَائِرِ لَا يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] وَلَا شَكَّ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ قَدْ عَمِلَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا وَهُوَ إيمَانُهُ فَأَمَّا أَنْ تَكُونَ رُؤْيَتُهُ لِلْخَيْرِ قَبْلَ
стр. 1312
دُخُولِهِ النَّارَ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ لِاسْتِحَالَةِ الْخُرُوجِ مِنْ الْجَنَّةِ بَعْدَ دُخُولِهَا أَوْ بَعْدَ دُخُولِهَا أَوْ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا وَفِيهِ الْمَطْلُوبُ وَهُوَ خُرُوجُهُ عَنْهَا وَعَدَمُ خُلُودِهِ فِيهَا وقَوْله تَعَالَى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [التوبة: ٧٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا﴾ [الكهف: ١٠٧] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] وقَوْله تَعَالَى ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] فَقَدْ ثَبَتَ لِصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ بِإِيمَانِهِ وَسَائِرِ مَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ اسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ، وَأَمَّا الْوَعِيدُ بِبَقَائِهِمْ الدَّائِمِ فَلُطْفٌ بِالْعِبَادِ لِكَوْنِهِ أَزْجَرَ عَنْ الْمَعَاصِي فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَكْتَرِثُ بِالْعَذَابِ الْمُنْقَطِعِ عِنْدَ الْمَيْلِ إلَى الِاسْتِلْذَاذِ ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِ الْوَعِيدِ تَصْدِيقًا لِلْمُخْبِرِ وَصَوْنًا لِلْقَوْلِ عَنْ التَّبْدِيلِ.
(سُئِلَ) عَنْ تَعْرِيفِ الْيَمِينِ وَالْمِرَاءِ.
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ الْبَرَكَةُ وَمَعْنَى الْمِرَاءِ الرِّيَاءُ.
(سُئِلَ) عَنْ تَعْرِيفِ الْأَثَرِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ تَعْرِيفَ الْأَثَرِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ هُوَ الْحَدِيثُ سَوَاءٌ أَكَانَ مَرْفُوعًا أَوْ مَوْقُوفًا، وَإِنْ قَصَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْمَوْقُوفِ.
(سُئِلَ) عَنْ تَعْرِيفِ الْعَرَبِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْعَرَبَ لَفْظٌ اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي غَيْرِ لُغَتِهِمْ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِهِ ﷺ الدُّنْيَا حَرَامٌ عَلَى أَهْلِ الْآخِرَةِ وَالْآخِرَةُ حَرَامٌ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا وَهُمَا حَرَامٌ عَلَى أَهْلِ اللَّهِ هَلْ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ.
[ضَغْطَة الْقَبْر لِكُلِّ أَحَد أُمّ لِإِنَاسِ دُون إنَاس]
(سُئِلَ) عَنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ لِكُلِّ أَحَدٍ أَمْ لِأُنَاسٍ دُونَ أُنَاسٍ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَمْ نَرَ فِيهَا تَخْصِيصًا.
(سُئِلَ) عَمَّا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ فِي قَوْله تَعَالَى اُقْتُلُوا ﴿الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] إنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ اُقْتُلُوا كَافَّةَ الْمُشْرِكِينَ فَمَا وَجْهُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ وَجْهَهُ مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ نَصْبُ كَافَّةٍ عَلَى الْحَالِ كَقَاطِبَةٍ، وَإِنَّهَا لَا تُثَنَّى وَلَا تُجْمَعُ وَلَا يَدْخُلُهَا
стр. 1313
أَلْ وَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهَا بِغَيْرِ الْحَالِ.
[أَسْبَاب التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ]
(سُئِلَ) عَمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَالَ كُلُّ مَا كَانَ حَرَامًا بِوَصْفِهِ وَبِسَبَبِهِ أَوْ بِأَحَدِهِمَا فَلَا يَأْتِيهِ التَّحْلِيلُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الضَّرُورَةِ أَوْ إلَّا كِرَاءً وَمَا كَانَ حَلَالًا بِوَصْفِهِ دُونَ سَبَبِهِ فَلَا يَأْتِيهِ التَّحْرِيمُ إلَّا مِنْ جِهَةِ سَبَبِهِ، وَمَا كَانَ حَلَالًا بِسَبَبِهِ فَلَا يَأْتِيهِ التَّحْرِيمُ إلَّا مِنْ جِهَةِ وَصْفِهِ، وَالْمَسْئُولُ مِنْ الصَّدَقَاتِ إيضَاحُ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ أَسْبَابَ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا قَائِمٌ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَالثَّانِي خَارِجٌ عَنْ الْمَحَلِّ فَأَمَّا الْقَائِمُ بِالْمَحَلِّ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ فَهُوَ كُلُّ صِفَةٍ قَائِمَةٍ بِالْمَحَلِّ مُوجِبَةٍ لِلتَّحْرِيمِ كَصِفَةِ الْخَمْرِ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ لِمَا قَامَ بِشُرْبِهَا مِنْ النَّشْوَةِ الْمُطْرِبَةِ الْمُفْسِدَةِ لِلْعُقُولِ وَكَالْمَيْتَةِ حَرُمَتْ لِمَا قَامَ بِهَا مِنْ الِاسْتِقْذَارِ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ حَرُمَ صِفَةٍ قَائِمَةٍ بِهِ وَكَالسُّمُومِ الْقَاتِلَةِ حَرُمَتْ لِمَا قَامَ بِهَا مِنْ الصِّفَاتِ الْقَاتِلَةِ، وَأَمَّا الْقَائِمُ بِالْمَحَلِّ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْلِيلِ فَكُلُّ صِفَةٍ قَائِمَةٍ بِالْمَحَلِّ مُوجِبَةٌ لِلتَّحْلِيلِ كَصِفَةِ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالرُّطَبِ وَالْعِنَبِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَأَمَّا الْخَارِجُ فَضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا الْأَسْبَابُ الْبَاطِلَةُ كَالْغَصْبِ وَالْقِمَارِ وَالْحُرِّيَّةِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْبَيْعِ فَهَذِهِ أَسْبَابٌ خَارِجَةٌ عَنْ الْمَحَلِّ مُوجِبَةٌ لِتَحْرِيمِ الْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ. الضَّرْبُ الثَّانِي الْأَسْبَابُ الصَّحِيحَةُ كَالْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَالْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْمَحْكُومِ بِصِحَّتِهَا فَقَوْلُ الشَّيْخِ: كُلُّ مَا كَانَ حَرَامًا بِوَصْفِهِ وَبِسَبَبِهِ أَوْ بِأَحَدِهِمَا فَلَا يَأْتِيهِ التَّحْلِيلُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الضَّرُورَةِ أَوْ الْإِكْرَاهِ. مِثَالُ الْأَوَّلِ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ إذَا غَصَبَهُمَا مِنْ ذِمِّيٍّ. وَمِثَالُ مَا كَانَا حَرَامًا بِوَصْفِهِ شُرْبُهُ خَمْرًا مُحْتَرَمَةً وَعَقْدُهُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَقْدًا اتَّفَقَا عَلَى مِثْلِهِ إذَا عَقَدَ عَلَى غَيْرِهِمَا وَمِثَالُ مَا كَانَ حَرَامًا بِسَبَبِهِ أَكْلُهُ مَالًا غَصَبَهُ أَوْ أَخَذَهُ بِقِمَارٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَأْتِيهِ
стр. 1314
التَّحْلِيلُ إلَّا مِنْ جِهَةِ اضْطِرَارِهِ إلَى تَنَاوُلِهِ أَوْ إكْرَاهِهِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ وَمَا كَانَ حَلَالًا بِسَبَبِهِ لَا يَأْتِيهِ التَّحْرِيمُ إلَّا مِنْ جِهَةٍ وَصِفَةٍ. مِثَالُ الْأَوَّلِ أَكْلُهُ بُرًّا مَغْصُوبًا أَوْ شَاةً مَغْصُوبَةً أَوْ بُرًّا مُشْتَرَكًا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَنَصِيبُ شَرِيكِهِ أَتَاهُ التَّحْرِيمُ مِنْ جِهَةِ سَبَبِهِ. وَمِثَالُ الثَّانِي تَنَاوُلُهُ كَثِيرَ الَّذِي يَنْفَعُ قَلِيلُهُ وَيَضُرُّ كَثِيرُهُ كَالسَّقَمُونْيَا وَالْأَفْيُونِ.
[السِّحْرِ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِاجْتِنَابِهِ تَعَلُّمُهُ]
(سُئِلَ) عَنْ السِّحْرِ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِاجْتِنَابِهِ تَعَلُّمُهُ؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَ مَا لَا يُعْرَفُ مُحَالٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ تَمْيِيزُهُ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا فِيهِ شُبْهَةٌ مِنْ الْعُلُومِ كَالسِّيمِيَاءِ وَالشَّعْبَذَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ تَعْلِيمَ السِّحْرِ وَتَعَلُّمَهُ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] بَلْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ تَعْلِيمِهِ وَتَعَلُّمِهِ كُفْرٌ مُطْلَقًا، وَلَكِنَّهُ حِكَايَةُ حَالٍ تَصْدُقُ بِصُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا تَضَمَّنَتْ الْكُفْرَ وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَا هُنَّ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» فَعَدَّهُ ﷺ مِنْ الْكَبَائِرِ وَثَنَّاهُ بِالشِّرْكِ، وَأَمَرَنَا بِاجْتِنَابِهِ فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يُقَالُ بِوُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْجِزَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ، وَالْعِلْمُ بِكَوْنِ الْمُعْجِزَةِ مُعْجِزَةً وَاجِبٌ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ؟
وَجَوَابُهُ أَنَّ السِّحْرَ أَوْ نَحْوَهُ إنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِعْجَازِ الَّذِي هُوَ كَفَلْقِ الْبَحْرِ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَلْتَبِسُ السِّحْرُ بِالْمُعْجِزَةِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ بَلَغَ السِّحْرُ حَدَّ الْإِعْجَازِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِدُونِ دَعْوَى التَّحَدِّي فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا الْتِبَاسَ أَوْ يَكُونَ مَعَهُ
стр. 1315
فَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ أَنْ لَا يَخْلُقَ اللَّهُ عَلَى يَدِهِ أَوْ أَنْ يَقْدِرَ غَيْرُهُ عَلَى مُعَارَضَتِهِ، وَإِلَّا كَانَ تَصْدِيقًا لِلْكَاذِبِ، وَأَنَّهُ يُحَالُ عَلَى اللَّهِ لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وَأَنَّ السِّحْرَ يُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ السَّاحِرِ وَمِنْ غَيْرِهِ فَقَدْ يَكُونُ جَمَاعَةٌ يَعْرِفُونَهُ وَيُمْكِنُهُمْ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَالْمُعْجِزَةُ لَا يُمَكِّنُ اللَّهُ أَحَدًا أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهَا وَيُعَارِضَهَا. وَاجْتِنَابُهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَعَلُّمِهِ بَلْ عَلَى تَصَوُّرِهِ بِوَجْهٍ مَا فَإِنْ تَصَوَّرَهُ بِرَسْمِهِ كَانَ آثِمًا؛ لِأَنَّهُ بِهِ وَقَفَ عَلَى جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ إجْمَالًا حَتَّى أَنَّ كُلَّ جُزْئِيَّةٍ تَرِدُ عَلَيْهِ عَلِمَ أَنَّهَا مِنْهُ. وَقَدْ رَسَمَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ عِلْمٌ بِكَيْفِيَّةِ اسْتِعْدَادَاتٍ تَقْتَدِرُ بِهَا النُّفُوسُ الْبَشَرِيَّةُ عَلَى ظُهُورِ التَّأْثِيرِ فِي عَالَمِ العناص، وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ كَلَامٌ مُؤَلَّفٌ يُعَظَّمُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَتُنْسَبُ إلَيْهِ الْمَقَادِيرُ وَالْكَائِنَاتُ وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ كُلُّ أَمْرٍ يَخْفَى سَبَبُهُ وَيُتَخَيَّلُ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَةٍ وَيَجْرِي مَجْرَى التَّمْوِيهِ وَالتَّخْيِيلِ، وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ مَا يُسْتَعَانُ فِي تَحْصِيلِهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَى الشَّيْطَانِ مِمَّا لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْإِنْسَانُ
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي فِي اجْتِنَابِهِ مَا ذَكَرْته مَا قَالَهُ أَئِمَّتُنَا مِنْ أَنَّ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ عِلْمَ دَاءِ الْقُلُوبِ الْمُفْسِدَ لَهَا لِيَحْتَرِزَ عَنْهَا وَهِيَ عِلْمُ أَمْرَاضِهَا الَّتِي تُخْرِجُهَا مِنْ الصِّحَّةِ وَتَحْصُلُ عِنْدَهَا كَالْعُجْبِ وَهُوَ اسْتِعْظَامُ الْآدَمِيِّ نَفْسَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَالرُّكُونُ إلَيْهَا مَعَ نِسْيَانِ إضَافَتِهَا لِلْمُنْعِمِ، وَالْكِبْرُ وَهُوَ أَنْ يَتَعَدَّى الشَّخْصُ طَوْرَهُ وَقَدْرَهُ وَهُوَ خُلُقٌ فِي النَّفْسِ، وَأَفْعَالٌ تَصْدُرُ مِنْ الْجَوَارِحِ وَالْحَسَدِ وَهُوَ كَرَاهَتُك نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَى غَيْرِك وَهُوَ تَمَنِّيك زَوَالَهَا عَنْهُ هَذَا إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ تَطْهِيرُ قَلْبِهِ مِنْهَا بِغَيْرِ الْعِلْمِ الْمَذْكُورِ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَأَنْ رُزِقَ قَلْبًا سَلِيمًا مِنْهَا كَفَاهُ ذَلِكَ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَمْيِيزِ السِّحْرِ عَمَّا فِيهِ شِبْهُهُ مِنْ الْعُلُومِ كالسيميا وَالشَّعْبَذَةِ لِمُشَارَكَتِهَا إيَّاهُ فِي وُجُوبِ اجْتِنَابِهَا لِتَحْرِيمِهَا عَلَى أَنَّ
стр. 1316
كَثِيرًا مِنْ الْعُلَمَاءِ أَدْرَجُوهَا فِيهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْته فِي رُسُومِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ فَأَمَّا سَائِرُ أَنْوَاعِ السِّحْرِ أَعْنِي الْإِتْيَانَ بِضُرُوبِ الشَّعْبَذَةِ وَالْآلَاتِ الْعَجِيبَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى النِّسَبِ الْهَنْدَسِيَّةِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ.
[هَلْ بَابُ التَّوْبَةِ يُفْتَحُ بَعْدَ تَغَلُّقِهِ وَحِينَئِذٍ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ]
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ التَّذْكِرَةِ إنَّ بَابَ التَّوْبَةِ يُفْتَحُ بَعْدَ تَغَلُّقِهِ وَحِينَئِذٍ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ هَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ ذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّمْسَ تُحْبَسُ عَنْ النَّاسِ حِينَ تَكْثُرُ الْمَعَاصِي فِي الْأَرْضِ وَيَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ فَلَا يَأْمُرُ بِهِ أَحَدٌ وَيَفْشُو الْمُنْكَرُ فَلَا يُنْهَى عَنْهُ وَتَسْجُدُ مِقْدَارَ لَيْلَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ كُلَّمَا سَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ رَبَّهَا تَعَالَى مِنْ أَيْنَ تَطْلُعُ لَمْ يُحَرْ إلَيْهَا جَوَابٌ حَتَّى يُوَافِيَهَا الْقَمَرُ فَيَسْجُدُ مَعَهَا وَيَسْتَأْذِنُ مِنْ أَيْنَ يَطْلُعُ فَلَا يُحَارُ إلَيْهِمَا جَوَابٌ حَتَّى يَحْبِسَهَا مِقْدَارَ ثَلَاثِ لَيَالٍ لِلشَّمْسِ وَلَيْلَتَيْنِ لِلْقَمَرِ فَلَا يَعْرِفُ طُولَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلَّا الْمُجْتَهِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ عِصَابَةٌ قَلِيلَةٌ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِذَا تَمَّ لَهَا مِقْدَارُ ثَلَاثِ لَيَالٍ أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ ﵇ فَيَقُولُ إنَّ الرَّبَّ يَأْمُرُكُمَا أَنْ تَرْجِعَا إلَى مَغَارِبِكُمَا فَتَطْلُعَا مِنْهُ، وَإِنَّهُ لَا ضَوْءَ لَكُمَا عِنْدَنَا وَلَا نُورَ فَيَطْلُعَانِ مِنْ مَغَارِبِهِمَا أَسْوَدَانِ لَا ضَوْءَ لِلشَّمْسِ وَلَا نُورَ لِلْقَمَرِ مِثْلُهُمَا فِي كُسُوفِهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] وَقَوْلُهُ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] فَيَرْتَفِعَانِ كَذَلِكَ مِثْلَ الْبَعِيرَيْنِ وَالْفَرَسَيْنِ فَإِذَا بَلَغَتْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ سُرَّةَ السَّمَاءِ وَهِيَ مُنْتَصَفُهَا جَاءَهُمَا جِبْرِيلُ فَأَخَذَ بِقُرُونِهِمَا وَرَدَّهُمَا إلَى الْمَغْرِبِ فَلَا يُغْرِبُهُمَا مِنْ مَغَارِبِهِمَا وَلَكِنْ يُغْرِبُهُمَا مِنْ بَابِ التَّوْبَةِ ثُمَّ يَرُدُّ الْمِصْرَاعَيْنِ ثُمَّ يَلْتَئِمُ بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا صَدْعٌ فَإِذَا أُغْلِقَ بَابُ التَّوْبَةِ لَمْ يُقْبَلْ لِعَبْدٍ بَعْدَ
стр. 1317
ذَلِكَ تَوْبَةٌ، وَلَمْ تَنْفَعْهُ حَسَنَةٌ يَعْمَلُهَا إلَّا مَنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنًا فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] . ثُمَّ إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يُكْسَيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ الضَّوْءَ وَالنُّورَ ثُمَّ يَطْلُعَانِ عَلَى النَّاسِ وَيَغْرُبَانِ كَمَا كَانَا قَبْلَ ذَلِكَ يَطْلُعَانِ وَيَغْرُبَانِ. اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ بَعْدَ أَنْ يُغْلَقَ لَا يُفْتَحُ.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ ابْنِ هِشَامٍ فِي شَرْحِ شُذُورِهِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى كِلَا وَكِلْتَا فِي إعْرَابِ قَوْلِهِ ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلَى أَنْ قَالَ وَقِيلَ إنَّ (أَحَدُهُمَا) بَدَلٌ مِنْ الْأَلِفِ أَوْ فَاعِلُ يَبْلُغَانِ عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ عَلَامَةٌ وَلَيْسَا بِشَيْءٍ فَتَأَمَّلْ فَمَا وَجْهُ التَّأَمُّلِ وَهَلْ هُوَ كَمَا قَالَ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ وَجْهَ تَأَمُّلِ ضَعْفِ الْإِعْرَابَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي أَوَّلِهِمَا إبْدَالَ الْبَعْضِ مِنْ الْكُلِّ ثُمَّ عَطْفَ الْكُلِّ عَلَيْهِ. وَفِي ثَانِيهِمَا إلْحَاقَ عَلَامَةِ التَّثْنِيَةِ لِلْفِعْلِ مَعَ كَوْنِ فَاعِلِهِ مُفْرَدًا فَإِنَّ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ فَالْإِعْرَابُ الْمُرْتَضَى فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَمَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ فَأَحَدُهُمَا فَاعِلٌ وَكِلَاهُمَا مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَالْأَلِفُ عَلَامَةٌ لِرَفْعِهِ؛ لِأَنَّهُ مُضَافٌ لِلضَّمِيرِ، وَأَمَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى بِالْأَلِفِ فَالْأَلِفُ فَاعِلٌ، وَأَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا وَفَائِدَةُ إعَادَةِ ذَلِكَ التَّوْكِيدُ.
(سُئِلَ) عَمَّنْ نَسِيَ الْقُرْآنَ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُهُ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ بِوُجُوبِهِ فَهَلْ تَرْكُهُ كَبِيرَةٌ وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ إنْ نَسِيَهُ وَهُوَ بَالِغٌ تَهَاوُنًا وَتَكَاسُلًا كَانَ نِسْيَانُهُ كَبِيرَةً وَيَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُهُ إنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ لِلْخُرُوجِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ.
[الْجَمْعِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ أَوْ الْإِضَافَةِ هَلْ هُوَ لِلْعُمُومِ]
(سُئِلَ) عَنْ الْجَمْعِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ أَوْ الْإِضَافَةِ هَلْ هُوَ لِلْعُمُومِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ لِتَبَادُرِهِ إلَى الذِّهْنِ كَمَا قِيلَ بِهِ أَوْ لَا وَهَلْ أَفْرَادُهُ آحَادٌ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا أَوْ لَا فَإِذَا قِيلَ بِأَنَّهُ
стр. 1318
لِلْعُمُومِ كَمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُفْرَدِ الْمُحَلَّى إذْ هُوَ مِثْلُهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَفِي قَوْلِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ عِنْدَ قَوْلِ بَعْضِ الْمُتُونِ يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الْأَحْرَارِ إنَّمَا ذَكَرَ الْأَحْرَارَ وَمَا بَعْدَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ مَعَ أَنَّهُ مُحَلًّى بِاللَّامِ، وَالْمُحَلَّى يَبْطُلُ فِيهِ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ إذْ الْعَادَةُ جَرَتْ وَقْتَ خُرُوجِهِمْ بِالْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ مِنْ الرُّفَقَاءِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ. اهـ. وَفِي قَوْلِهِ إنَّ إخْفَاءَ الزَّكَاةِ أَفْضَلُ هَلْ هُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْجَمْعَ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ وَالْإِضَافَةِ لِلْعُمُومِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ؛ لِمَا ذُكِرَ؛ وَلِأَدِلَّةٍ أُخَرَ مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ فِي قَوْلِنَا فِي التَّشَهُّدِ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّكُمْ إذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَأَفْرَادُهُ آحَادٌ فِي الْإِثْبَاتِ لِشُمُولِهِ أَفْرَادًا كُلُّهَا مِثْلُ الْمُفْرَدِ كَمَا ذَكَرَهُ أَئِمَّةُ الْأُصُولِ وَالنَّحْوِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِقْرَاءُ، وَصَرَّحَ بِهِ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ فِي كُلِّ مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ نَحْوَ ﴿أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَلِهَذَا صَحَّ بِلَا خِلَافٍ نَحْوَ جَاءَنِي الْقَوْمُ أَوْ الْعُلَمَاءُ إلَّا زَيْدًا، وَإِلَّا الزَّيْدَيْنِ مَعَ امْتِنَاعٍ قَوْلِك جَاءَنِي كُلُّ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَّا زَيْدًا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ أَفْرَادِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ عُمُومَ الْجَمْعِ مُسَاوٍ لِعُمُومِ الْمُفْرَدِ عَلَى الرَّاجِحِ وَلَكِنْ فُرِّقَ بَيْنَ الْمُفْرَدِ وَالْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ الْجِنْسِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْمُفْرَدَ صَالِحٌ؛ لَأَنْ يُرَادَ بِهِ جَمِيعُ الْجِنْسِ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ، وَالْوَاحِدُ مِنْهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] وَالْجَمْعُ صَالِحٌ؛ لَأَنْ يُرَادَ بِهِ جَمِيعُ الْجِنْسِ، وَأَنْ يُرَادَ بَعْضُهُ لَا الْوَاحِدُ؛ لِأَنَّ وِزَانَهُ فِي تَنَاوُلِ الْجَمْعِيَّةِ فِي الْجِنْسِ وِزَانَ الْمُفْرَدِ فِي تَنَاوُلِ الْجِنْسِيَّةِ، وَالْجَمْعِيَّةُ فِي الْجِنْسِ لَا فِي وَحَدَاتِهِ.
وَقَوْلُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ جَارٍ عَلَى الرَّاجِحِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَالْمُحَلَّى يَبْطُلُ فِيهِ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ مَعْنَاهُ أَنَّ
стр. 1319
أَفْرَادَهُ حِينَئِذٍ آحَادٌ لَا جُمُوعٌ ثُمَّ أَفَادَ أَنَّ نُكْتَةَ التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ الَّذِي هُوَ مَوْضُوعٌ لِلثَّلَاثَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اللَّازِمِ مُوَافَقَةٌ لِعَادَةِ النَّاسِ فِي الْخُرُوجِ لِلْحَجِّ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَالِكِ إظْهَارُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ كَالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَلِيَرَاهُ غَيْرُهُ فَيَعْمَلُ؛ وَلِئَلَّا يُسَاءَ الظَّنُّ بِهِ وَخَصَّهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِالْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ قَالَ أَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْإِخْفَاءُ فِيهَا أَوْلَى لِآيَةِ ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] فَإِنْ حُمِلَ كَلَامُ ذَلِكَ الشَّارِحِ عَلَى مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَهُوَ رَأْيٌ مَرْجُوحٌ.
[الْقَائِل بخلق الْقُرْآن ومنكر الْعِلْم بِالْجُزْئِيَّاتِ هَلْ يكفر]
(سُئِلَ) عَنْ الْقَائِلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَمُنْكِرِ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّاتِ يَكْفُرَانِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الرَّاجِحَ تَكْفِيرُ الثَّانِي لَا الْأَوَّلِ.
[شرع مِنْ قبلنا هَلْ هُوَ شرع لَنَا]
(سُئِلَ) عَنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا إذَا وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ هَلْ يَكُونُ شَرْعًا لَنَا أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَيْسَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعًا لَنَا، وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ؛ لِأَنَّ شَرِيعَةَ نَبِيِّنَا ﷺ نَاسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ.
[الْمُرَاد بِالْوَيْلِ فِي قَوْله تَعَالَى فَوَيْل للمصلين]
(سُئِلَ) عَنْ الْوَيْلِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] هَلْ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ وَهَلْ هُوَ مُعَدٌّ لِمَنْ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمِيعُ مَا فِي الْآيَةِ أَوْ مَنْ اجْتَمَعَ فِيهِ فَرْدٌ مِنْهَا؟ .
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَعْنَى الْوَيْلِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ الْخِزْيُ وَالْعَذَابُ وَالْهَلَكَةُ، وَقِيلَ هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ وَظَاهِرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي الْآيَةِ لَا عَلَى بَعْضِهِ.
(سُئِلَ) هَلْ يَجُوزُ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَكْفِي فِي جَوَازِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِثُبُوتِهِ كَأَنْ رَوَاهُ مِنْ أَصْلٍ مُعْتَمَدٍ.
[هَلْ يَجُوز تتبع الرخص]
(سُئِلَ) عَنْ تَتَبُّعِ الرُّخَصِ هَلْ يَجُوزُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمَذْهَبَ مَنْعُ تَتَبُّعِ الرُّخَصِ بِأَنْ يَخْتَارَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ مَا هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ.
[الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى إذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إنِّي مُتَوَفِّيك وَرَافِعُك إلَيَّ]
(سُئِلَ) عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] الْوَفَاةُ الْمُرَادُ بِهَا انْقِضَاءُ الْأَجَلِ بِالْمَوْتِ أَمْ بِمَعْنًى آخَرَ وَهَلْ أُرْسِلَ وَرُفِعَ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ أَمْ بَعْدَهَا فَإِذَا فُرِضَ أَنَّهُ أُرْسِلَ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ هَلْ تَكُونُ خُصُوصِيَّةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ أَمْ لَا وَهَلْ الْوَاوُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] لِمُطْلَقِ
стр. 1320
الْجَمْعِ أَوْ لِلِاسْتِئْنَافِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الرَّاجِحَ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] إنِّي مُسْتَوْفٍ أَجَلَك وَمُؤَخِّرُك إلَى الْأَجَلِ الْمُسَمَّى عَاصِمًا إيَّاكَ مِنْ قَتْلِهِمْ أَوْ قَابِضُك مِنْ الْأَرْضِ وَرَافِعُك إلَيَّ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ، مِنْ قَوْلِهِمْ تَوَفَّيْتُ الشَّيْءَ وَاسْتَوْفَيْته إذَا أَخَذْته وَقَبَضْته تَامًّا لِلرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ رَفَعَ رُوحَهُ دُونَ جَسَدِهِ أَوْ مُتَوَفِّيك نَائِمًا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] فَجَعَلَ النَّوْمَ وَفَاةً، وَإِنَّمَا رَفَعَهُ نَائِمًا لِئَلَّا يَلْحَقَهُ خَوْفٌ أَوْ أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] لَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَالْمَوْتُ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِهِ أَوْ مُمِيتُك عَنْ الشَّهَوَاتِ الْعَائِقَةِ عَنْ الْعُرُوجِ إلَى عَالَمِ الْمَلَكُوتِ أَوْ أَنَّ فِي الْآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ إنِّي رَافِعُك إلَيَّ وَمُطَهِّرُك مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمُتَوَفِّيك بَعْدَ إنْزَالِك إلَى الْأَرْضِ وَقِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَاتَهُ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ وَقِيلَ سَبْعَ سَاعَاتٍ ثُمَّ رَفَعَهُ إلَيْهِ. وَأَوْحَى اللَّهُ إلَى عِيسَى عَلَى رَأْسِ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً فَكَانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ وَعَاشَتْ أُمُّهُ بَعْدَ رَفْعِهِ سِتَّ سِنِينَ.
(سُئِلَ) عَمَّنْ مَاتَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى دُخُولَهُ الْجَنَّةَ هَلْ يَشْرَبُهَا فِي الْآخِرَةِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ إنَّ «التَّائِبَ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» أَنَّهُ يَشْرَبُهَا فِي الْآخِرَةِ.
(سُئِلَ) هَلْ يَجُوزُ لِلْقَارِئِ وَهُوَ مَارٌّ فِي الْقِرَاءَةِ أَنْ يُسَكِّنَ آخِرَ الْحُرُوفِ وَهُوَ مَارٌّ مِنْ غَيْرِ وَقْفٍ وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحَرِّكَ الْوَقْفَ عِنْدَ الْوَقْفِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّسْكِينُ الْمَذْكُورُ؛ لِأَنَّ الْوَصْلَ بِنِيَّةِ الْوَقْفِ جَائِزٌ دُونَ التَّحْرِيكِ الْمَذْكُورِ.
[مِنْ مَاتَ يَوْم الْجُمُعَةَ هَلْ يوقى فِتْنَة الْقَبْر]
(سُئِلَ) هَلْ مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُوقَى فِتْنَةَ الْقَبْرِ؟
(فَأَجَابَ) نَعَمْ وَرَدَ عَنْهُ « ﷺ أَنَّ مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ» وَمَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ رُؤْيَتِهِمَا وَسُؤَالِهِمَا خَوْفٌ وَلَا فَزَعٌ وَيُثَبَّتُ.
(سُئِلَ) عَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَصٌّ هَلْ يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي أُصُولِ
стр. 1321
الدِّينِ أَمْ لَا (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهَا.
(سُئِلَ) هَلْ الْأَفْضَلُ الْجِهَادُ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَمْ الزِّرَاعَةُ لِأَجْلِ الْحَدِيثِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ.
[هَلْ الْأَطْفَال يَسْأَلُونَ فِي الْقَبْر]
(سُئِلَ) عَنْ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ هَلْ وَرَدَ أَنَّهُمَا يَسْأَلَانِ الْأَطْفَالَ وَيُلْهَمُونَ الْجَوَابَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الطِّفْلَ لَا يُسْأَلُ وَلَا مَجْنُونٌ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ تَكْلِيفٌ.
[هَلْ يحشر النَّاس عَلَى طول آدَم]
(سُئِلَ) هَلْ يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى طُولِ آدَمَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَكُونُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ثُمَّ عِنْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ يَصِيرُونَ طُولًا وَاحِدًا فَفِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» وَفِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ فِي صِفَاتِ الْجَنَّةِ مَا ذَكَرْته.
[هَلْ أَحَدًا مِنْ الْخَلْقِ يُحْشَرُ بِلِحْيَتِهِ]
(سُئِلَ) هَلْ وَرَدَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْخَلْقِ يُحْشَرُ بِلِحْيَتِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ جُرْدًا مُرْدًا كَمَا ثَبَتَ فِي الْخَبَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ قَبْلَهُ.
(سُئِلَ) عَنْ الْأَطْفَالِ وَمَنْ مَاتَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يَتَزَوَّجُونَ فِي الْآخِرَةِ أَوْ لَا وَهَلْ وَرَدَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ بِأَزْوَاجٍ وَمَاتَتْ عِنْدَ آخِرِهِمْ تَأْخُذُ الْأَوَّلَ أَوْ الْأَخِيرَ أَوْ تُخَيَّرُ وَهَلْ كَذَلِكَ الرَّجُلُ إذَا تَزَوَّجَ بِأَزْوَاجٍ كَثِيرَةٍ وَمَاتَ وَمَعَهُ الْأَخِيرَةُ مِنْهُنَّ يَأْخُذُ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةَ أَوْ يُخَيَّرُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَنْ ذُكِرَ يَتَزَوَّجُونَ وَيَتَزَوَّجْنَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إذَا كَانَ لَهَا أَزْوَاجٌ كَانَتْ زَوْجَةً لِمَنْ كَانَ زَوْجُهَا آخِرًا فَقَدْ قَالَ حُذَيْفَةُ ﵁ إنْ سَرَّكِ أَنْ تَكُونِي زَوْجَتِي فِي الْجَنَّةِ فَلَا تَتَزَوَّجِي مِنْ بَعْدِي فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا وَخَطَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أُمَّ الدَّرْدَاءِ فَأَبَتْ وَقَالَتْ سَمِعْت أَبَا الدَّرْدَاءِ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْمَرْأَةُ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا فِي الْآخِرَةِ» وَقَالَ إنْ أَرَدْتِ أَنْ تَكُونِي زَوْجَتِي فِي الْآخِرَةِ فَلَا تَتَزَوَّجِي مِنْ بَعْدِي وَقِيلَ إنَّهَا تَكُونُ زَوْجَةً لِأَحْسَنِهِمْ خُلُقًا وَقِيلَ إنَّهَا تَتَخَيَّرُ، وَأَمَّا الرَّجُلُ إذَا تَزَوَّجَ زَوْجَاتٍ فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ بَعْضَهُنَّ كُنَّ كُلُّهُنَّ زَوْجَاتٍ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ طَلَّقَ بَعْضَهُنَّ وَتَزَوَّجْنَ غَيْرَهُ كُنَّ لِأَزْوَاجِهِنَّ.
[الْأَطْفَال هَلْ يحاسبون]
(سُئِلَ) عَنْ الْأَطْفَالِ هَلْ يُحَاسَبُونَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُمْ لَا يُحَاسَبُونَ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ.
[هَلْ يَقْطَع بِقَبُولِ تَوْبَة الْمُسْلِم إذَا اسْتَوْفَتْ شُرُوطهَا]
(سُئِلَ) عَنْ تَوْبَةِ الْمُسْلِمِ إذَا وُجِدَتْ شُرُوطُهَا هَلْ يُقْطَعُ بِقَبُولِهَا
стр. 1322
كَتَوْبَةِ الْكَافِرِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ التَّوْبَةَ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِقَبُولِهَا.
(سُئِلَ) هَلْ وَرَدَ أَنَّ الْكَلْبَ أَفْضَلُ مِنْ الْآدَمِيِّ الْمُهْدَرِ الدَّمِ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ مَا ذُكِرَ، وَأَيْضًا مَعْنَاهُ غَيْرُ صَحِيحٍ.
[تَفْضِيلُ الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ]
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّ خَوَاصَّ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ وَخَوَاصَّ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْبَشَرِ، وَخَوَاصَّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ هَلْ هَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ مُعْتَمَدٌ أَمْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ بِالتَّفْصِيلِ فَمَا الْمُرَادُ بِخَوَاصِّ الْبَشَرِ وَعَوَامِّهِ وَمَا الْمُرَادُ بِخَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ وَعَوَامِّهَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَقْوَالٍ أَحَدُهَا تَفْضِيلُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَثَانِيهَا تَفْضِيلُ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَاخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَبُو شَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَقَدْ رُوِيَتْ أَحَادِيثُ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْمَلَكِ وَالْبَشَرِ وَلِكُلِّ دَلِيلٍ وَجْهٌ. وَثَالِثُهَا الْوَقْفُ وَبِهِ قَالَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: الْخِلَافُ فِي التَّفْضِيلِ بِمَعْنَى أَيُّهُمَا أَكْثَرُ ثَوَابًا عَلَى الطَّاعَاتِ. اهـ. وَعِبَارَةُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَبَعْدَهُ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ ﵈ قَالَ شَارِحُهُ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيِّ فَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ الْبَشَرِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ. اهـ.
وَهَذَا ظَاهِرُ مَا فِي الْمَوَاقِفِ وَالْمَقَاصِدِ إذْ الْوَاقِعُ فِيهِمَا أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي تَفْضِيلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَذَلِكَ يُؤْذِنُ بِفَضْلِ الْمَلَائِكَةِ مُطْلَقًا عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي عَقَائِدِ النَّسَفِيِّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الرُّسُلِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ قَالَ: وَرُسُلُ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الْبَشَرِ، وَعَامَّةُ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الْمَلَائِكَةِ. اهـ. وَأَرَادَ بِالرَّسُولِ مَا يَشْمَلُ النَّبِيَّ وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ عَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالْخَوَاصِّ بَدَلَ الرُّسُلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلَفْظُهُ خَوَاصُّ الْبَشَرِ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْأَوْلِيَاءِ وَقَدْ صَرَّحَ بِالْأَوْلِيَاءِ الْبَيْهَقِيّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ فَقَالَ: قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي الْمَلَائِكَةِ وَالْبَشَرِ
стр. 1323
فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إلَى أَنَّ الرُّسُلَ مِنْ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ الرُّسُلِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَوْلِيَاءُ مِنْ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَعِبَارَةُ الْكَمَالِ بْنِ الْهُمَامِ فِي الْمُسَايَرَةِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ بَنِي آدَمَ كَالرُّسُلِ وَغَيْرِهِمْ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ خَوَاصُّهُمْ كَالْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّهِمْ وَعَوَامُّهُمْ كَالصُّلَحَاءِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّهِمْ. اهـ. وَالتَّفْصِيلُ حَسَنٌ صَحِيحٌ مُعْتَمَدٌ وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْته خَوَاصُّ الْبَشَرِ وَعَوَامُّهُمْ وَخَوَاصُّ الْمَلَائِكَةِ وَعَوَامُّهُمْ.
(سُئِلَ) عَمَّا يَقَعُ مِنْ الْعَامَّةِ مِنْ قَوْلِهِمْ عِنْدَ الشَّدَائِدِ يَا شَيْخُ فُلَانٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِغَاثَةِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَهَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ أَمْ لَا وَهَلْ لِلرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْمَشَايِخِ إغَاثَةٌ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَمَاذَا يُرَجِّحُ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ جَائِزَةٌ وَلِلرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ إغَاثَةٌ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؛ لِأَنَّ مُعْجِزَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ لَا تَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِمْ. أَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَلِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ كَمَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ وَتَكُونُ الْإِغَاثَةُ مِنْهُمْ مُعْجِزَةً لَهُمْ. وَالشُّهَدَاءُ أَيْضًا أَحْيَاءٌ شُوهِدُوا نَهَارًا جِهَارًا يُقَاتِلُونَ الْكُفَّارَ.
وَأَمَّا الْأَوْلِيَاءُ فَهِيَ كَرَامَةٌ لَهُمْ فَإِنَّ أَهْلَ الْحَقِّ عَلَى أَنَّهُ يَقَعُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ بِقَصْدٍ وَبِغَيْرِ قَصْدٍ أُمُورٌ خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ يُجْرِيهَا اللَّهُ تَعَالَى بِسَبَبِهِمْ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا أَنَّهَا أُمُورٌ مُمْكِنَةٌ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ وُقُوعِهَا مُحَالٌ وَكُلُّ مَا هَذَا شَأْنُهُ فَهُوَ جَائِزُ الْوُقُوعِ وَعَلَى الْوُقُوعِ قِصَّةُ مَرْيَمَ وَرِزْقُهَا الْآتِي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ التَّنْزِيلُ وَقِصَّةُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَضْيَافِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ وَجَرَيَانُ النِّيلِ بِكِتَابِ عُمَرَ وَرُؤْيَتُهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِالْمَدِينَةِ جَيْشَهُ بِنَهَاوَنْدَ حَتَّى قَالَ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ يَا سَارِيَةَ الْجَبَلَ مُحَذِّرًا لَهُ مِنْ وَرَاءِ الْجَبَلِ لِكَمِينِ الْعَدُوِّ هُنَاكَ، وَسَمَاعُ سَارِيَةَ كَلَامَهُ وَبَيْنَهُمَا مَسَافَةُ شَهْرَيْنِ، وَشُرْبُ خَالِدٍ السُّمَّ مِنْ غَيْرِ تَضَرُّرٍ بِهِ. وَقَدْ جَرَتْ خَوَارِقُ عَلَى أَيْدِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَا يُمْكِنُ إنْكَارُهَا لِتَوَاتُرِ مَجْمُوعِهَا، وَبِالْجُمْلَةِ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ جَازَ أَنْ يَكُونَ
стр. 1324
كَرَامَةً لِوَلِيٍّ لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا إلَّا التَّحَدِّي.
(سُئِلَ) عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ يُعْمَلُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ هَلْ مَعْنَاهُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِهِ، وَإِذَا قُلْتُمْ مَعْنَاهُ ذَلِكَ فَمَا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي كَلَامٍ عَلَى شُرُوطِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ، وَأَنْ لَا يَلْزَمَ عَلَيْهِ إثْبَاتُ حُكْمٍ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ حَكَى النَّوَوِيُّ فِي عِدَّةٍ مِنْ تَصَانِيفِهِ إجْمَاعَ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي الْفَضَائِلِ وَنَحْوِهَا خَاصَّةً وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَحَادِيثُ الْفَضَائِلِ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ وَقَالَ الْحَاكِمُ سَمِعْت أَبَا زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ الْخَبَرُ إذَا وَرَدَ لَمْ يُحَرِّمْ حَلَالًا وَلَمْ يُحَلِّلْ حَرَامًا وَلَمْ يُوجِبْ؛ حُكْمًا وَكَانَ فِيهِ تَرْغِيبٌ أَوْ تَرْهِيبٌ أُغْمِضَ عَنْهُ وَتُسُوهِلَ فِي رِوَايَتِهِ، وَلَفْظُ ابْنِ مَهْدِيٍّ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمَدْخَلِ إذَا رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَحْكَامِ شَدَّدْنَا فِي الْأَسَانِيدِ وَانْتَقَدْنَا فِي الرِّجَالِ، وَإِذَا رَوَيْنَا فِي الْفَضَائِلِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ سَهَّلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ وَتَسَامَحْنَا فِي الرِّجَالِ. وَلَفْظُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ عَنْهُ: الْأَحَادِيثُ الرَّقَائِقُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُتَسَاهَلَ فِيهَا حَتَّى يَجِيءَ شَيْءٌ فِيهِ حُكْمٌ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَيَّاشٍ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ: رَجُلٌ نَكْتُبُ عَنْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ يَعْنِي الْمَغَازِيَ وَنَحْوَهَا، وَإِذَا جَاءَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ أَرَدْنَا قَوْمًا هَكَذَا وَقَبَضَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ الْأَرْبَعَ.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ خَارِجٌ بِقَوْلِهِمْ مِنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ الْأَعْمَالُ وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ وَفِي مَعْنَاهَا الْقَصَصُ وَنَحْوُهَا.
(سُئِلَ) عَنْ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁ إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ انْفَرَدَ بَعْضُهُمْ فِيهَا بِمُؤَلَّفٍ وَمِنْ جُمْلَةِ مَحَامِلِهِ أَنْ يَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِي حُكْمٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَيْهِ فَيَقُولُ إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ قُلْت بِهِ.
[ضَغْطَةِ الْقَبْرِ هَلْ هِيَ قَبْلَ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ أَوْ بَعْدَهَا]
(سُئِلَ) عَنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ هَلْ هِيَ قَبْلَ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ أَوْ بَعْدَهَا وَهَلْ تَكُونُ الرُّوحُ حَالَ الضَّغْطَةِ فِي الْجَسَدِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الضَّغْطَةَ قَبْلَ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ فَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 1325
«إنَّ الْعَبْدَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَأَنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ اُنْظُرْ إلَى مَقْعَدِك مِنْ النَّارِ وَقَدْ أَبْدَلَك اللَّهُ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا» . وَقَالَ قَتَادَةُ وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ قَالَ مُسْلِمٌ سَبْعُونَ ذِرَاعًا وَيُمْلَأُ عَلَيْهِ خُضْرًا إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. اهـ.
وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ ضَغْطَةَ الْقَبْرِ قَبْلَ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ؛ لِأَنَّهَا تَعُمُّ الْمُؤْمِنَ وَغَيْرَهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ مَا أُجِيرَ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ أَحَدٌ وَلَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الَّذِي مِنْدِيلٌ مِنْ مَنَادِيلِهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ» «وَلَمَّا دَفَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ جَلَسَ عِنْدَ الْقَبْرِ فَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ رَأَيْنَا وَجْهَك يَا رَسُولَ اللَّهِ تَرَبَّدَ آنِفًا ثُمَّ سُرِّيَ عَنْك فَقَالَ ﷺ ذَكَرْت ابْنَتِي وَضَعْفَهَا وَعَذَابَ الْقَبْرِ فَدَعَوْتُ اللَّهَ فَفَرَّجَ عَنْهَا، وَأَيْمُ اللَّهِ لَقَدْ ضُمَّتْ ضَمَّةً سَمِعَهَا مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ» وَتَكُونُ الرُّوحُ حَالَ الضَّغْطَةِ وَسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ فِي الْجَسَدِ.
[كَيْفِيَّةِ عَرْضِ الْأَمَانَةِ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ]
(سُئِلَ) عَنْ كَيْفِيَّةِ عَرْضِ الْأَمَانَةِ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهَلْ كَانَ الْعَرْضُ عَلَيْهِمَا فِي آنٍ وَاحِدٍ أَوْ لَا وَهَلْ كَانَ الْعَرْضُ عَلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَوْ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ وَهَلْ تُعْرَضُ قَبْلَ آدَمَ عَلَى غَيْرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ تَأْوِيلًا يَطُولُ ذِكْرُهَا مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ هَذِهِ الْأَجْرَامَ خَلَقَ فِيهَا فَهْمًا، وَقَالَ إنِّي فَرَضْت فَرِيضَةً وَخَلَقْتُ الْجَنَّةَ لِمَنْ أَطَاعَنِي فِيهَا وَنَارًا لِمَنْ عَصَانِي فَقُلْنَ نَحْنُ مُسَخَّرَاتٌ عَلَى مَا خَلَقْتَنَا لَا نَحْتَمِلُ فَرِيضَةً وَلَا نَبْغِي ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا وَالْعَرْضُ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَاحِدٌ فَلَمْ يَسْبِقْهُ عَرْضٌ آخَرُ.
(سُئِلَ) عَنْ رَجُلَيْنِ نَقَلَ
стр. 1326
أَحَدُهُمَا عَنْ الْجَلَالِ السُّيُوطِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ فِي مُصَنَّفِهِ أُنْمُوذَجِ اللَّبِيبِ فِي خَصَائِصِ الْحَبِيبِ، وَأَعَادَ النَّبِيُّ ﷺ امْرَأَةَ أَبِي رُكَانَةَ إلَيْهِ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ مُحَلِّلٍ، وَأَسْلَمَ رَجُلٌ عَلَى أَنْ لَا يُصَلِّيَ صَلَاتَيْنِ فَقَبِلَ مِنْهُ، وَقَالَ الْآخَرُ كَذَبَ هَذَا النَّاقِلُ فِي هَذَا النَّقْلِ فَأَيُّهُمَا كَذَبَ وَهَلْ يُقَالُ فِي الْحَدِيثِ غَيْرِ الْمَوْضُوعِ إذَا كَانَ ضَعِيفًا بِأَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الطَّلَاقِ وَاقِعَةُ حَالٍ وَوَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَحِينَئِذٍ فَهُنَاكَ قَوْلٌ بِفَسَادِ نِكَاحِ الْكُفَّارِ، وَإِنْ قَرَّرْنَاهُمْ عَلَيْهِ، وَالطَّلَاقُ فِي الْفَاسِدِ لَا يَقَعُ فَفِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَحَلُّلٍ وَيَكُونُ هَذَا مِنْ أَدِلَّتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادُ نِكَاحِهِ بِسَبَبٍ اقْتَضَاهُ، وَإِذَا انْتَفَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ خَصَّ أَبَا رُكَانَةَ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْخَصَائِصَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الشَّرِيعَةِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الصَّلَاةِ فَقَوْلُهُ فِيهَا: فَقَبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ أَيْ إسْلَامَهُ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَأَخَّرَ وُجُوبَ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَيْهِ إلَى وَقْتِ دُخُولِهَا وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ غَيْرِ الْمَوْضُوعِ إنَّهُ كَذِبٌ؛ لِأَنَّ تَضْعِيفَهُ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
(سُئِلَ) هَلْ وَرَدَ أَنَّ الشَّخْصَ إذَا كَثُرَ دَمْعُهُ نَافَقَ أَوْ مَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ.
(سُئِلَ) عَمَّا لَوْ سَمِعَ مِنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْأَعْيَانِ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْفَتْوَى بِمِصْرَ الْآنَ مَنْ شَاعَ فِي النَّاسِ وَظَهَرَ فِيهِمْ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ سِيرَتُهُ وَسَرِيرَتُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَفَرَّجَ عَلَى مَغَانِي الْعَرَبِ تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ فَهَلْ يُحْمَلُ هَاتَانِ اللَّفْظَتَانِ وَهُمَا مَغَانِي الْعَرَب وَتَطْلُقُ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَمْ هُمَا مِنْ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي فِيهِ احْتِمَالٌ وَبَيَانُ الْمُحَالِ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْإِطْلَاقِ فَهَلْ جَاءَ فِيمَا قَالَهُ الْعَالِمُ مِنْ نَصٍّ صَرِيحٍ أَوْ حَدِيثٍ صَحِيحٍ
стр. 1327
وَإِنْ قُلْتُمْ بِالْمُشْتَرَكِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَمَا الدَّلِيلُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ التَّفَرُّجَ عَلَى مَغَانِي الْعَرَبِ يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَرَّمَاتٌ كَالنَّظَرِ إلَى النِّسَاءِ الْأَجْنَبِيَّاتِ الْمُتَزَيِّنَاتِ الْمُرْصَدَاتِ لِقَصْدِ الزِّنَا بِهِنَّ وَعَدَمُ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِنَّ، وَإِقْرَارُهُنَّ عَلَيْهِ وَلَمَّا كَانَ كُلُّ أَحَدٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ وُقُوعُ طَلَاقِ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ قَصَدَ ذَلِكَ الْعَالِمُ بِلَفْظِهِ الْمَذْكُورِ زَجْرَهُمْ وَرَدْعَهُمْ عَنْهُ لَا حَقِيقَتَهُ مِنْ تَطْلِيقِ زَوْجَةِ مَنْ تَفَرَّجَ عَلَيْهِنَّ إذْ لَا قَائِلَ بِهِ وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إخْرَاجِ اللَّفْظِ لِلزَّجْرِ وَالرَّدْعِ مِنْ غَيْرِ إرَادَةِ حَقِيقَتِهِ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ» .
(سُئِلَ) عَنْ إطْلَاقِ الْفُقَهَاءِ نَفْيَ الْجَوَازِ هَلْ ذَلِكَ نَصٌّ فِي الْحُرْمَةِ فَقَطْ أَوْ يُطْلَقُ عَلَى الْكَرَاهَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ حَقِيقَةَ نَفْيِ الْجَوَازِ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ التَّحْرِيمُ وَقَدْ يُطْلَقُ الْجَوَازُ عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مَكْرُوهًا أَمْ عَلَى مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ أَعْلَى وَمَا لَيْسَ مِنْ الْعُقُودِ كَالْعَارِيَّةِ.
[الْأَنْبِيَاء هَلْ يَسْأَلُونَ كَآحَادِ النَّاس]
(سُئِلَ) عَنْ الْأَنْبِيَاءِ هَلْ يُسْأَلُونَ كَآحَادِ النَّاسِ أَمْ لَهُمْ سُؤَالٌ مَخْصُوصٌ بِهِمْ وَهَلْ الشُّهَدَاءُ كَالْمَقْتُولِ بِالطَّعْنِ أَوْ الْبَطْنِ أَوْ الْحَرْقِ أَوْ الْغَرَقِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ يُسْأَلُونَ فِي قُبُورِهِمْ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ النَّبِيُّونَ فِي قُبُورِهِمْ وَكَذَلِكَ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ.
(سُئِلَ) هَلْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ حَمَّامًا أَوْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ بِهِ فَهَلْ كَانَتْ حَمَّامَاتُهُمْ كَالْحَمَّامَاتِ الْآنَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ النَّبِيُّ ﷺ حَمَّامًا وَلَمْ يَكُنْ الْحَمَّامُ فِي الْحِجَازِ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضٌ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إلَّا بِالْأُزُرِ وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» ثُمَّ رَأَيْت الْكَمَالَ الدَّمِيرِيَّ فِي شَرْحِهِ لِلْمِنْهَاجِ قَالَ وَالْمُسَخَّنُ وَلَوْ بِالنَّجَاسَةِ لَا تُكْرَهُ الطَّهَارَةُ بِهِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْحَمَّامَ بِالْجُحْفَةِ
стр. 1328
وَهُوَ مُحْرِمٌ.
[هَلْ يُؤَاخِذ الْمُكَلَّف بِحَدِيثِ النَّفْس]
(سُئِلَ) هَلْ يُؤَاخَذُ الشَّخْصُ بِالْهَاجِسِ وَالْخَاطِرِ وَحَدِيثِ النَّفْسِ وَالْهَمِّ وَالْعَزْمِ أَمْ لَا وَمَا تَعْرِيفُ كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ الْمُكَلَّفُ بِالْهَاجِسِ وَلَا بِالْخَاطِرِ وَلَا بِحَدِيثِ النَّفْسِ وَلَا بِالْهَمِّ وَيُؤَاخَذُ بِالْعَزْمِ فَالْهَاجِسُ مَا يُلْقَى فِي النَّفْسِ وَالْخَاطِرُ مَا يَجْرِي فِي النَّفْسِ بَعْدَ إلْقَائِهِ فِيهَا وَحَدِيثُ النَّفْسِ التَّرَدُّدُ هَلْ يَفْعَلُ أَوْ لَا يَفْعَلُ وَالْهَمُّ قَصْدُ الْفِعْلِ وَالْعَزْمُ الْجَزْمُ بِقَصْدِ الْفِعْلِ.
[إذَا أَوْجَبَ الشَّارِعُ شَيْئًا ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُهُ فَهَلْ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ]
(سُئِلَ) عَمَّا إذَا أَوْجَبَ الشَّارِعُ شَيْئًا ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُهُ فَهَلْ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ أَوْ لَا وَهَلْ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى الْإِيجَابِ يَكُونُ دَالًّا عَلَى الْجَوَازِ دَلَالَةً مَا أَمْ لَا وَهَلْ الدَّلَالَةُ زَالَتْ بِزَوَالِ الْوُجُوبِ أَمْ هِيَ بَاقِيَةٌ أَمْ لَا وَهَلْ يَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوُجُوبِ مِنْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ أَمْ لَا وَهَلْ الْجَوَازُ يَكُونُ جِنْسًا لِلْوُجُوبِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَعَمْ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ وَذَهَبَ إلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ الْوُجُوبَ إذَا نُسِخَ بَقِيَ الْجَوَازُ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: لَا يَبْقَى الْجَوَازُ بَلْ يَعُودُ الْأَمْرُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِيجَابِ مِنْ إبَاحَةٍ أَوْ تَحْرِيمٍ أَوْ بَرَاءَةٍ أَصْلِيَّةٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ رَفْعُ الْحَرَجِ عَنْ الْفِعْلِ الشَّامِلِ لِلْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ رَفْعُ الْحَرَجِ عَنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مَعَ اسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ رَفْعُ الْحَرَجِ عَنْهُمَا مَعَ تَرَجُّحِ الْفِعْلِ وَهُوَ الِاسْتِحْبَابُ، وَإِذَا صُرِفَ الْأَمْرُ عَنْ الْوُجُوبِ جَازَ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى النَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ. وَالْجَوَازُ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَعَلَيْهِ لَا يَكُونُ الْجَوَازُ جِنْسًا لِلْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جِنْسًا لَهُ لَكَانَ نَوْعُهُ وَهُوَ الْوُجُوبُ كَذَلِكَ وَهُوَ مُحَالٌ وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ عَدَمُ الْحَرَجِ عَنْ الْفِعْلِ وَهَذَا جِنْسٌ لِلْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ.
(سُئِلَ) عَنْ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْآخَرِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ اللَّبَنَ أَفْضَلُ مِنْ اللَّحْمِ لِأَوْجُهٍ مِنْهَا أَنَّهُ ﷺ لَمَّا أَخَذَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ الْقَدَحَ الَّذِي فِيهِ اللَّبَنُ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ قَدْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ وَمِنْهَا أَنَّ
стр. 1329
مِنْهُ اللِّبَأَ وَلَا يَعِيشُ الْوَلَدُ بِدُونِهِ غَالِبًا، وَمِنْهَا أَنَّ اللَّبَنَ مَنْشَأُ الْإِنْسَانِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَمِنْهَا أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ وَبِفُرُوعِهِ مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ.
(سُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ رَوَى رِوَايَةً قَدْ سَمِعَهَا مِنْ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ اسْتَطَاعَ الْحَجَّ وَلَمْ يَحُجَّ إنْ شَاءَ يَمُوتُ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا هَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ إثْمٌ أَمْ لَا وَهَلْ الْحَدِيثُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ وَالْحَدِيثُ يُعْمَلُ بِهِ فَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْبَيْهَقِيّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
(سُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ يَقُولُ بِصَرِيحِ لَفْظِهِ: أَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى السَّرَّاءِ لَا عَلَى الضَّرَّاءِ وَعَلَى الصِّحَّةِ لَا عَلَى السَّقَمِ وَعَلَى النِّعْمَةِ لَا عَلَى النِّقْمَةِ وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَقُولُ لَسْت مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَقَامِ الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ لَهُمْ السَّرَّاءُ وَالضَّرَّاءُ وَيَقُولُ إنَّ الرَّاضِيَ بِذَلِكَ وَالصَّابِرَ عَلَيْهِ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ فِي زَوَالِ شَيْءٍ مِنْهُ إذَا نَزَلَ بِهِ فَهَلْ هُوَ مُصِيبٌ أَوْ مُبْتَدِعٌ مُلْحِدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُبْتَدِعٍ وَلَا مُلْحِدٍ، وَإِنْ فَاتَتْهُ تِلْكَ الدَّرَجَةُ الْعَظِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ رَاضٍ بِمَا أَصَابَهُ مِنْ الضُّرِّ اقْتَصَرَ عَلَى الْحَمْدِ الَّذِي ثَوَابُهُ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَمِدَ فِي مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ أُثِيبَ عَلَيْهَا ثَوَابَ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ كَثَوَابِ سَبْعِينَ مَنْدُوبًا.
(سُئِلَ) عَنْ أَفْضَلِ خُطُوَاتِ الْإِنْسَانِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ أَفْضَلَ خُطُوَاتِ الْإِنْسَانِ مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الْمَكْتُوبَاتِ الْخَمْسِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ أَفْضَلَ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ.
(سُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ قَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِالْكُلِّيَّاتِ دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ فَقِيلَ لَهُ لَا يَقُولُ بِهَذَا مُسْلِمٌ فَقَالَ لَهُمْ يَقُولُ بِهِ مُسْلِمٌ وَلَا يَكْفُرُ فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ أَطْبَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى شَامِلٌ لِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ جُزْئِيَّاتِهَا وَكُلِّيَّاتِهَا لِلْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى أَنَّهُ يَعْلَمُ دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَأَنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا وَكَيْفَ لَا وَهُوَ خَالِقُهَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] وَضَلَّتْ الْفَلَاسِفَةُ بِقَوْلِهِمْ إنَّهُ يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ عَلَى الْوَجْهِ الْكُلِّيِّ لَا الْجُزْئِيِّ.
[رَجُلًا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا مُكْرَهًا ثُمَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا نَكَحَ أُخْتَهَا]
(سُئِلَ) عَنْ
стр. 1330
حَادِثَةٍ وَقَعَتْ بِالْيَمَنِ وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا مُكْرَهًا ثُمَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا نَكَحَ أُخْتَهَا تَقْلِيدًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ فِي قَوْلِهِ بِوُقُوعِ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ فَأَفْتَاهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ لَهُ وَطْءَ هَذِهِ بِهَذَا النِّكَاحِ تَقْلِيدًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَوَطْءَ الْأُولَى تَقْلِيدًا لِلشَّافِعِيِّ ﵁؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ زَوْجَتُهُ لَمْ تَزُلْ عِصْمَتُهَا عَنْ مِلْكِهِ فَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِي هَذَا تَلْفِيقَ التَّقْلِيدِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ التَّلْفِيقِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّلْفِيقِ اللَّذَيْنِ قَلَّدَ فِيهِمَا إمَامَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ كَلَوْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ وَصَلَّى بِنَجَاسَةٍ كَلْبِيَّةٍ لِأَنَّ فِعْلَهُ الْآنَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدُ الْإِمَامَيْنِ، وَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّهُ حَالَ وَطْئِهِ الْأُولَى تَقْلِيدًا لِلشَّافِعِيِّ مُنْفَكٌّ عَنْ وَطْءِ الثَّانِيَةِ تَقْلِيدًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَعَكْسُهُ فَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ صُورَةٌ اتَّفَقَ الْإِمَامَانِ عَلَى بُطْلَانِهَا أَوْ حُرْمَتِهَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ مِنْهُ فِعْلَانِ مُتَبَايِنَانِ قَالَ بِحِلِّ كُلٍّ عَلَى حِدَتِهِ إمَامٌ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَلَّدَ أَبَا حَنِيفَةَ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ بِلَا وَلِيٍّ وَالشَّافِعِيَّ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ أُخْرَى هِيَ بِنْتُهُ مِنْ الزِّنَا مَعَ أَنَّ تَلْفِيقَ التَّقْلِيدِ سَائِغٌ كَمَا حَرَّرَهُ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ فِي تَحْرِيرِهِ وَغَيْرِهِ، وَأَقَامَ الْبُرْهَانَ الْوَاضِحَ عَلَى جَوَازِهِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ أَكَابِرِ تَلَامِذَتِهِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ نَقَلَهُ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ. اهـ.
وَاعْتَرَضَ ذَلِكَ الْمُفْتِي أَيْضًا بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا ثُمَّ عَلَّقَ طَلَاقَهُنَّ التَّعْلِيقَ الْمَانِعَ لِوُقُوعِهِ مُطَلِّقًا عِنْدَ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَا قِيلَ ثُمَّ وَجَدَ مَا يَقْتَضِي الْوُقُوعَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ وَنَكَحَ أَرْبَعًا أُخْرَى تَقْلِيدًا لِمَنْ قَالَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ.
وَهُمْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ جَازَ لَهُ أَنْ يَطَأَ الْأُولَيَاتِ تَقْلِيدًا لِلْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الطَّلَاقِ، وَأَنْ يَطَأَ الْأُخْرَيَاتِ تَقْلِيدًا لِمَنْ قَالَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فَالْتَزَمَ ذَلِكَ وَقَالَ بِحِلِّهِ، وَإِنَّهُ مِثْلُ مَا مَرَّ فِي الْأُخْتَيْنِ لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا وَزَعَمَ أَنَّ جَوَازَ التَّقْلِيدِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَجَوَازَ تَلْفِيقِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا فِعْلُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَ مِنْ هَذَا ثُمَّ مِنْ هَذَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ تَلْفِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهَلْ مَا زَعَمَهُ هَذَا الْمُفْتِي صَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ أَمْ غَيْرُ صَحِيحٍ فَمَا دَلِيلُهُ وَمَا الْبُرْهَانُ عَلَيْهِ وَلَوْ
стр. 1331
سُلِّمَ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى بَعْضِ التَّلْفِيقِ فَهُوَ لَا يَقْتَضِي مَنْعَ اعْتِبَارِ رِعَايَةِ مَا قَالَهُ الْكَمَالُ وَمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ مَا الَّذِي يُلَامُ عَلَيْهِ أَوْ يُرَدُّ بِهِ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ الْكَمَالَ بَلَغَ رُتْبَةً مِنْ مَرَاتِبِ الِاجْتِهَادِ كَمَا قِيلَ فَيَكْفِي الِاسْتِنَادُ لِمَا قَالَهُ لَوْ لَمْ يَتَّضِحْ الدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ فَكَيْفَ وَقَدْ اتَّضَحَ سِيَّمَا وَقَدْ بَانَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ التَّلْفِيقِ فِي شَيْءٍ تَفَضَّلُوا أَدَامَ اللَّهُ بِكُمْ إيضَاحَ الْعَوِيصَاتِ، وَإِجْلَاءَ الْمُدْلَهِمَّاتِ.
وَأَوْضِحُوا الْجَوَابَ بِالْبَسْطِ الشَّافِي وَالْأَدِلَّةِ الْوَاضِحَةِ فَإِنَّ جَمَاعَةً اسْتَفْتَوْا عَنْ ذَلِكَ الْمُفْتِي فَاخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ صَوَّبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ سَفَّهَهُ وَلَمْ يَزِدْ إلَّا تَمَادِيًا عَلَى مَقَالَتِهِ وَتَصْمِيمًا عَلَى مُنَاظَرَتِهِ زَاعِمًا أَنَّ كُلَّ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا يَرُدُّ عَلَيْهِ بِالصَّدَدِ وَالتَّبَاهِي بِكَلَامِ مَنْ سَبَقَ فَمَنْ هُوَ مِثْلُ الْكَمَالِ وَمَقَامُهُ فَلَا يَكُونُ كَلَامُهُ حُجَّةً عَلَيْهِ وَلَهُ مِنْ هَذَا النَّحْوِ فِي الِاسْتِدْلَالِ الْمَجَالُ الْوَاسِعُ فَأَنْعِمُوا بِبَيَانِ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُشْكِلَةِ مَعَ بَسْطِ الدَّلِيلِ وَالْمَنْقُولَاتِ الْمُوَافِقَةِ وَالْمُخَالِفَةِ فَيَتَبَيَّنُ لِذَلِكَ الْمُفْتِي صَوَابُ رَأْيِهِ أَوْ فَسَادُهُ فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ عَمَّا أَفْتَى بِهِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُسْتَبْشَعٌ إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ لَنَا شَخْصٌ يَنْكِحُ الْأُخْتَيْنِ أَوْ يَنْكِحُ ثَمَانٍ إخْوَةً وَلَا يَسْمَحُ فَقِيهٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ أَدِلَّةَ ذَلِكَ الْمُفْتِي ظَاهِرَةٌ بِبَادِئِ الرَّأْيِ فِي الْحِلِّ فَتَفَضَّلُوا بِإِيضَاحِ الْحَقِّ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ الْمُفْتِي فِي فَتْوَاهُ الْمَذْكُورَةِ قَطْعًا لِمُخَالَفَتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَقَدْ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْمَحْصُولِ: شَرْطُ التَّقْلِيدِ أَنْ لَا يَفْعَلَ أَمْرًا يُجْمِعُ عَلَى إبْطَالِهِ إمَامُهُ الْأَوَّلُ وَإِمَامُهُ الثَّانِي. اهـ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لِلتَّقْلِيدِ شُرُوطٌ أَحَدُهَا أَنْ لَا يَجْتَمِعَ فِي صُورَةٍ يَقَعُ الْإِجْمَاعُ عَلَى بُطْلَانِهَا. اهـ. وَجَوَابُ الْمُفْتِي عَمَّا ذُكِرَ مِنْ التَّلْفِيقِ بَاطِلٌ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ فِيهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ مَسْأَلَةُ مَنْ قَلَّدَ أَبَا حَنِيفَةَ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ بِلَا وَلِيٍّ وَالشَّافِعِيَّ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ أُخْرَى هِيَ بِنْتُهُ مِنْ الزِّنَا نَظِيرَ مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ وَقَدْ رَأَيْت كَلَامَ ابْنِ الْهُمَامِ فِي
стр. 1332
تَحْرِيرِهِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ مَا نَسَبَهُ الْمُفْتِي إلَيْهِ وَمَا زَعَمَهُ الْمُفْتِي مِنْ جَوَازِ وَطْءِ الثَّمَانِ زَوْجَاتٍ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ بِهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْإِجْمَاعِ. وَمَا زَعَمَهُ أَيْضًا مِنْ جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَجَوَازِ تَلْفِيقِهِ، وَأَنَّ فِعْلَ الصَّحَابَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ وَلَا قَوْلِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ فِي مَسْأَلَتِنَا.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَمَدْلُولُ اللَّفْظِ إمَّا مَعْنًى جُزْئِيٌّ إلَى قَوْلِهِ أَوْ لَفْظٌ مُفْرَدٌ يُسْتَعْمَلُ كَالْكَلِمَةِ فَهِيَ قَوْلٌ مُفْرَدٌ ثُمَّ قَالَ الشَّارِحُ الْمَحَلِّيُّ يَعْنِي كَمَدْلُولِ الْكَلِمَةِ بِمَعْنَى مَاصَدَقِهَا فَمَاذَا تَفْهَمُونَ فِي هَاتَيْنِ الْغَايَتَيْنِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الشَّارِحَ إنَّمَا قَالَ يَعْنِي كَمَدْلُولِ الْكَلِمَةِ بِمَعْنَى مَاصَدَقِهِا أَيْ الْأَفْرَادِ الَّتِي يَصْدُقُ لَفْظُ الْكَلِمَةِ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا اسْمًا كَانَ أَوْ فِعْلًا أَوْ حَرْفًا؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْمَدْلُولِ عَلَى الْمَاصَدَقِ إطْلَاقٌ مَجَازِيٌّ؛ لِأَنَّهُ مَدْلُولٌ لُغَةً وَحَقِيقَةُ الْمَدْلُولِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ إطْلَاقُهُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ خَاصَّةً، وَاللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى مَاصَدُقِهِ مِنْ جِهَةِ اشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَفْهُومِ الَّذِي وُضِعَ لَهُ وَقَدْ قَالَ الشَّارِحُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِطْلَاقُ الْمَدْلُولِ عَلَى الْمَاصَدَقِ كَمَا هُنَا سَائِغٌ وَالْأَصْلُ إطْلَاقُهُ عَلَى الْمَفْهُومِ أَيْ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ.
[شَخْصٍ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ النَّبِيِّ فَآمَنَ بِاَللَّهِ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِالشَّهَادَتَيْنِ]
(سُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَآمَنَ بِاَللَّهِ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ مَاتَ فَهَلْ هَذَا الْإِيمَانُ يَنْفَعُهُ وَيَكُونُ فِي الْجَنَّةِ أَوْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ يَنْفَعُهُ فَمَا وَجَبَ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ حَيْثُ قَالَ وَاتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ الَّذِي يُحْكَمُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ لَا يَكُونُ إلَّا مَنْ اعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ دِينَ الْإِسْلَامِ اعْتِقَادًا جَازِمًا خَالِيًا مِنْ الشُّكُوكِ وَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَصْلًا إلَّا إذَا عَجَزَ عَنْ النُّطْقِ لِخَلَلٍ فِي لِسَانِهِ أَوْ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِمُعَالَجَةِ الْمَنِيَّةِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ فِي الشَّرْعِ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ بِمَا
стр. 1333
عَلِمَ ضَرُورَةَ مَجِيءِ الرَّسُولِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِهِ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنْ الْمُتَمَكِّنِ مِنْهُ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ عَلَيْهِ أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى الْأَوَّلِ وَقَدْ قَالَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ أَمَّا إذَا جَعَلْنَا الْإِيمَانَ اسْمًا لِلتَّصْدِيقِ فَقَطْ، وَأَنَّ الْإِقْرَارَ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ فِي الدُّنْيَا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَخَلَفِهِ وَالدَّفْنِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُطَالَبَةِ بِالْعُشْرِ وَالزَّكَوَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهُوَ مُؤْمِنٌ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ. اهـ
وَقَالَ غَيْرُهُ: مَنْ عَجَزَ عَنْ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِخَرَسٍ أَوْ اخْتِرَامِ مَنِيَّةٍ قَبْلَ التَّمَكُّنِ صَحَّ إيمَانُهُ قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ قَطْعًا وَقَالَ فِي الشِّفَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَأَبَى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ كَأَبِي طَالِبٍ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يُعْرَضْ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ إنَّهُ يَكْفِيهِ وَقَالَ كَيْفَ يُعَذَّبُ مَنْ قَلْبُهُ مَمْلُوءٌ بِالْإِيمَانِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ غَيْرَ أَنَّهُ لِخَفَائِهِ أُنِيطَ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ الظَّاهِرِ وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مُؤْمِنٍ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا عَكْسُ الْمُنَافِقِ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَادِ أَيْضًا.
(سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الشَّيْخِ الْعَيْدَرُوسِ السَّيِّدِ الْعَارِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى عَبْدِ اللَّهِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَسَرَّهُ فِي كِتَابِهِ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ أَجْمَعَ الْعَارِفُونَ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْعِبَادَاتِ مَعَ اللَّهِ الْأَنْفَاسُ أَعْنِي أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهَا وَدُخُولُهَا بِذِكْرِ الْجَلَالَةِ وَلَوْ قَوْلَك اللَّهُ اللَّهُ أَوْ ذِكْرَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْخَفِيُّ الَّذِي لَمْ تَتَحَرَّكْ بِهِ الشَّفَتَانِ أَعْنِي أَفْضَلَ الْعِبَادَاتِ حِفْظُ الْأَنْفَاسِ كَوْنُهَا الْأَنْفَاسَ الْهَوَائِيَّةَ الْجُسْمَانِيَّةَ يَكُونُ دُخُولُهَا وَخُرُوجُهَا عَلَى أَفْضَلِ الرِّضَا وَالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهَا جَوَاهِرُ الْأَعْمَارِ الْمُثْمِرَاتُ لِلْأَسْرَارِ وَالْأَنْوَارِ وَهَذَا مَعْدُودٌ مِنْ الْمَقَامَاتِ. اهـ كَلَامُهُ. فَهَلْ هَذَا النَّقْلُ عَنْ إجْمَاعِ الْعَارِفِينَ صَحِيحٌ أَوْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ بِأَنَّ الْأَفْضَلَ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ جَمِيعًا ثُمَّ مَا كَانَ بِالْقَلْبِ وَقَدْ ذَكَرَ مَا بِالْقَلْبِ غَيْرُهُ أَيْضًا؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ
стр. 1334
وَهَلْ الْمُرَادُ بِحِفْظِ الْأَنْفُسِ إعْمَالُ النَّفَسِ فِي الذِّكْرِ عِنْدَ خُرُوجِ النَّفَسِ وَدُخُولِهِ أَوْ مُجَرَّدُ ذِكْرِ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكِ النَّفَسِ بِذَلِكَ خُرُوجًا وَدُخُولًا بَيِّنُوا لَنَا بَيَانًا شَافِيًا آجَرَكُمْ اللَّهُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ النَّقْلَ عَنْ إجْمَاعِ الْعَارِفِينَ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ وَلَكِنْ هَذَا مَقَامُ الْكُمَّلِ، وَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ هُوَ مَقَامٌ دُونَ هَذَا الْمَقَامِ.
(سُئِلَ) عَنْ إمَامٍ يَؤُمُّ بِأُجْرَةٍ وَيَتْرُكُ فِي قِرَاءَتِهِ الْمَمْدُودَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْمُتَّصِلِ وَالْمُثَقَّلِ وَنَحْوَهُمَا فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَهَلْ ذَلِكَ يَضُرُّ فِي الصَّلَاةِ لِخَلَلٍ أَوْ بُطْلَانٍ وَهَلْ إذَا عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَأَصَرَّ عَلَيْهِ يَفْسُقُ بِهِ أَوْ لَا وَهَلْ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً أَمْ لَا وَهَلْ يَكُونُ غَيْرُهُ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ فَقِيهٍ، وَهَلْ إذَا عَلِمَ بِهِ الْإِمَامُ أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْهَاهُ عَمَّا ارْتَكَبَهُ يُعَزِّرُهُ التَّعْزِيرَ اللَّائِقَ بِحَالَةِ الْقَامِعِ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمَدَّ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ الْقُرَّاءِ وَأَئِمَّةِ الْأُصُولِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَصْلُهُ وَقَدْرُهُ، وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَأَبُو شَامَةَ إنَّ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى أَصْلِهِ لَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا سَلَفَ لَهُمَا فِيهِ فَقَدْ قَالَ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْقُرَّاءِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْجَزَرِيِّ فِي أَوَّلِ النَّشْرِ لَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَقَدَّمَ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ نَصَّ أَئِمَّةُ الْأُصُولِ عَلَى تَوَاتُرِ ذَلِكَ كُلِّهِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي كِتَابِهِ الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ وَلِأَنَّ نَقَلَةَ مَرَاتِبِ الْمَدِّ هُمْ نَقَلَةُ أَصْلِ الْقُرْآنِ وَهُمْ عَدَدُ التَّوَاتُرِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَأَبُو شَامَةَ مُعْتَرِفَانِ بِذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فَشُبْهَتُهُمَا سَاقِطَةٌ؛ لِأَنَّ ضَبْطَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ وَلَا تَكْلِيفَ بِمَا فَوْقَ الْوُسْعِ.
وَالنَّقَلَةُ الَّذِينَ بَلَغُوا حَدَّ التَّوَاتُرِ إذَا قَالُوا الْمَدُّ الْفَرْعِيُّ قَدْرُ ثَلَاثِ أَلِفَاتٍ وَنُقِلَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ عَصْرٌ بَعْدَ عَصْرٍ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَنَا قَطْعًا صَارَ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ قُرْآنٌ كَسَائِرِ كَلِمَاتِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا أَنَّ الْقَارِئَ هَلْ يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ غَيْرِ نُقْصَانٍ وَزِيَادَةٍ فَذَلِكَ أَمْرٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِنَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي كَوْنِهِ مَعْلُومًا كَوْنُهُ مِنْ الْقُرْآنِ تَوَاتُرًا إلَّا فِي أَنَّ زَيْدًا وَعَمْرًا هَلْ يَقْدِرَانِ
стр. 1335
عَلَى قِرَاءَتِهِ عَلَى مَا نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ أَوْ لَا وَهَذَا مِمَّا لَا رَيْبَ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الْفَاتِحَةِ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَكَذَا فِي الْفَاتِحَةِ، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ إذَا كَانَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ وَلَا يَفْسُقُ بِهِ عِنْدَ إصْرَارِهِ عَلَيْهِ إذَا غَلَبَتْ طَاعَاتُهُ مَعَاصِيَهُ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ، وَغَيْرُهُ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ فَقِيهٍ، وَإِذَا رُفِعَ أَمْرُهُ إلَى الْإِمَامِ - أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ - نَهَاهُ عَنْ فِعْلِهِ الْمَذْكُورِ فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْهُ عَزَّرَهُ التَّعْزِيرَ اللَّائِقَ بِحَالِهِ.
[هَلْ الصَّحِيحُ أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ مُتَغَايِرَانِ]
(سُئِلَ) هَلْ الصَّحِيحُ أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ مُتَغَايِرَانِ حَتَّى يَكُونَ كُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمًا وَلَا عَكْسَ أَمْ لَا بَيِّنُوا لَنَا مَعْنَى الْآيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وَكَذَا الْآيَةُ فِي الذَّارِيَاتِ ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْإِسْلَامَ إعْمَالُ الْجَوَارِحِ وَلَا يُعْتَبَرُ إلَّا مَعَ الْإِيمَانِ وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا «سَأَلَهُ جِبْرِيلُ ﵊ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إنْ اسْتَطَعْتَ إلَيْهِ سَبِيلًا» وَلَكِنْ لَا يُعْتَبَرُ وَيَقَعُ مُعْتَدًّا بِهِ إلَّا مَعَ الْإِيمَانِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ الْآتِي، وَأَمَّا الْإِيمَانُ فَهُوَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ بِمَا عَلِمَ ضَرُورَةَ مَجِيءِ الرَّسُولِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ إلَّا مَعَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنْ الْقَادِرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا، وَلَا مُسْلِمٌ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا وَهَذَا مُرَادُ الْجُمْهُورِ بِقَوْلِهِمْ إنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ لَا الِاتِّحَادُ فِي مَفْهُومِ الِاسْمَيْنِ كَمَا هُوَ شَأْنُ التَّرَادُفِ لُغَةً وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي صِدْقَ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُسْلِمِ لِاتِّحَادِ مَفْهُومِهِمَا، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] فَوَارِدٌ فِي قَوْمٍ مُنَافِقِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ وَيُخْفُونَ الْكُفْرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[خَاتِمَة الْكتاب]
هَذَا آخِرُ مَا عَلَّقَ مِنْ فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَارِثِ عُلُومِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُكَرَّمِينَ الْإِمَامِ الشَّهِيرِ الْعَلَّامَةِ الرَّمْلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَأَرْضَاهُ وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مُتَقَلَّبَهُ وَمَثْوَاهُ آمِينَ.