← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21623

فتاوى الرملي

شهاب الدين الرملي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

تَعَالَى أَوْ أَنَّهُ حَفِظَهُ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ بِأَمْرِ إسْرَافِيلَ كَمَا وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي أَحَادِيثَ. فَمَنْ غَيَّرَ حَرْفًا مِنْهُ عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ وَكَذَا مَنْ غَيَّرَ صِفَةً؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مَقْطُوعٌ بِأَنَّهَا قُرْآنٌ كَسَائِرِ حُرُوفِهِ وَكَلِمَاتِهِ فَالْقَارِئُ كَذَلِكَ مِنْ الدَّاخِلِينَ فِي خَبَرِ «رُبَّ قَارِئٍ لِلْقُرْآنِ وَالْقُرْآنُ يَلْعَنُهُ» وَمُخْطِئٌ لِلصَّوَابِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ عِنْدَهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ فَالْجَلِيُّ خَطَأٌ يَعْرِضُ لِلَّفْظِ وَيُخِلُّ بِالْمَعْنَى وَالْعُرْفِ كَرَفْعِ الْمَجْرُورِ وَنَصْبِهِ، وَالْخَفِيُّ خَطَأٌ يَعْرِضُ لِلَّفْظِ وَلَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى بَلْ بِالْعُرْفِ كَتَرْكِ الْإِخْفَاءِ وَالْإِقْلَابِ وَالْغُنَّةِ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا تَحْرُمُ الْقِرَاءَةُ بِالشَّوَاذِّ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ قُرْآنًا؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لِإِعْجَازِهِ النَّاسَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ أَقْصَرِ سُورَةٍ تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ تَوَاتُرًا بَلْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَحْرِيمِهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ مَنْ قَرَأَ بِالشَّاذِّ إنْ كَانَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ عَرَفَ ذَلِكَ فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ عُزِّرَ تَعْزِيرًا بَلِيغًا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ عَنْ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ عَلَى الْإِنْكَارِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ. وَمَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ مِنْ الشَّاذِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ أَصْلًا وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ إنْ أَخْرَجَتْ لَفْظَ

стр. 1262

الْقُرْآنِ عَنْ صِيغَتِهِ بِإِدْخَالِ حَرَكَاتٍ فِيهِ أَوْ إخْرَاجِ حَرَكَاتٍ عَنْهُ أَوْ قَصْرِ مَمْدُودٍ أَوْ مَدِّ مَقْصُورٍ يَفْسُقُ بِهِ الْقَارِئُ وَيَأْثَمُ بِهِ الْمُسْتَمِعُ؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنْ نَهْجِهِ الْقَوِيمِ إلَى الِاعْوِجَاجِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] . اهـ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ إلَّا بِمَا تَوَاتَرَ نَقْلُهُ وَاسْتَفَاضَ وَتَلَقَّتْهُ الْأَئِمَّةُ بِالْقَبُولِ كَالْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ فَإِنَّ الشَّرْطَ فِي ذَلِكَ الْيَقِينُ وَالْقَطْعُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ ذَلِكَ فَمَمْنُوعٌ مِنْهُ مَنْعَ تَحْرِيمٍ لَا مَنْعَ كَرَاهَةٍ وَمَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَمَمْنُوعٌ مِنْهُ مَنْ عَرَفَ الْمَصَادِرَ وَالْمَبَانِيَ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ وَعَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ الْقِيَامُ بِوَاجِبِهِ. اهـ. [مَنْ قَالَ لَا أَحَدَ مِنْ آبَاءِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ آبَاءِ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ كَافِرًا] (سُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لَا أَحَدَ مِنْ آبَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ آبَاءِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ كَافِرًا، وَأَنْكَرَ أَنْ يُقَالَ أَنَّ وَالِدَ إبْرَاهِيمَ كَانَ كَافِرًا وَذَكَرَ أَنَّ آزَرَ كَانَ عَمَّهُ وَمَا كَانَ أَبَاهُ هَلْ هُوَ مُصِيبٌ أَوْ مُخْطِئٌ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْقَائِلَ الْمَذْكُورَ مُخْطِئٌ فِي قَوْلِهِ مُتَّبِعٌ فِيهِ رَأْيَ الشِّيعَةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَلِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَغَيْرُهُمْ أَمَّا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فَلِقَوْلِهِ

стр. 1263

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] وَقَوْلِهِ ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وَقَوْلِهِ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١] ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] ، وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ الْمَذْكُورُ: إنَّ آزَرَ كَانَ عَمَّ إبْرَاهِيمَ وَمَا كَانَ أَبَاهُ فَمَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلَى مَجَازِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِيهِ وَقَدْ اتَّفَقَتْ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ أَبَا إبْرَاهِيمَ كَانَ كَافِرًا. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي اسْمِهِ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالضَّحَّاكُ وَالْكَلْبِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ اسْمُ أَبِي إبْرَاهِيمَ آزَرُ وَهُوَ تَارَحُ مِثْلُ إسْرَائِيلَ وَيَعْقُوبَ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اسْمَهُ آزَرُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ اسْمَهُ تَارَحُ وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ إنَّ أَبَا إبْرَاهِيمَ اسْمُهُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ تَارَحُ وَبِغَيْرِهَا آزَرُ وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَغَيْرُهُ: آزَرُ لَقَبٌ لِأَبِي إبْرَاهِيمَ وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ فِي كِتَابِ الْعَرَائِسِ إنَّ اسْمَ أَبِي إبْرَاهِيمَ الَّذِي سَمَّاهُ أَبُوهُ تَارَحُ فَلَمَّا صَارَ مَعَ النُّمْرُودِ قَيِّمًا عَلَى خَزَائِنِهِ الْبَهِيَّةِ سَمَّاهُ آزَرَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَغَيْرُهُمَا: آزَرُ اسْمٌ لِلصَّنَمِ. وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْوَارِدَةُ بِكُفْرِ أَبِي إبْرَاهِيمَ كَثِيرَةٌ، وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ

стр. 1264

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «حَقُّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ أَنْ لَا يُسَمِّيَهُ إلَّا بِمَا سَمَّى إبْرَاهِيمُ بِهِ أَبَاهُ حَيْثُ قَالَ يَا أَبَتِ وَلَا يُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ» وَقَالَ السُّدِّيُّ دَخَلَ آزَرُ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ فَوَاقَعَهَا فَحَمَلَتْ بِإِبْرَاهِيمَ وَقَالَ أَيْضًا خَرَجَ نُمْرُودُ بِالرِّجَالِ إلَى الْعَسْكَرِ وَنَحَّاهُمْ عَنْ النِّسَاءِ تَخَوُّفًا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْلُودِ فَمَكَثَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ طَرَأَتْ لَهُ حَاجَةٌ فِي الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَأْتَمِنْ عَلَيْهَا أَحَدًا مِنْ قَوْمِهِ إلَّا آزَرَ فَبَعَثَ إلَيْهِ وَدَعَاهُ وَقَالَ لَهُ إنَّ لِي حَاجَةً أَخْتَارُ أَنْ أُوصِيَك بِهَا وَلَا أَبْعَثُك فِيهَا إلَّا لِثِقَتِي بِك فَأَقْسَمْت عَلَيْك أَنْ لَا تَدْنُوَ مِنْ أَهْلِك فَقَالَ آزَرُ أَنَا أَشَحُّ عَلَى دِينِي مِنْ ذَلِكَ فَأَوْصَاهُ بِحَاجَتِهِ فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ ثُمَّ قَضَى حَاجَتَهُ وَقَالَ لَوْ دَخَلْت عَلَى أَهْلِي فَنَظَرْت إلَيْهِمْ فَدَخَلَ فَلَمَّا نَظَرَ إلَى أُمِّ إبْرَاهِيمَ لَمْ يَتَمَالَكْ نَفْسَهُ حَتَّى وَاقَعَهَا فَحَمَلَتْ بِإِبْرَاهِيمَ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: إنَّ آزَرَ سَأَلَ زَوْجَتَهُ عَنْ حَمْلِهَا بَعْدَ وِلَادَتِهَا مَا فَعَلَ فَقَالَتْ وَلَدْت غُلَامًا فَمَاتَ فَصَدَّقَهَا وَسَكَتَ عَنْهَا، وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ وَالِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا بَلْ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ بَعْثَتِهِ ﷺ بَلْ قَبْلَ وِلَادَتِهِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَوَيْهِ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِمَا وَآمَنَا بِهِ أَوْ لَا

стр. 1265

فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِ السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ، وَأَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ شَاهِينَ فِي كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لَهُ بِإِسْنَادَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «حَجَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَمَرَّ بِي عَلَى عَقَبَةِ الْحَجُونِ وَهُوَ بَاكٍ حَزِينٌ مُغْتَمٌّ فَبَكَيْت لِبُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ إنَّهُ طَعَنَ فَنَزَلَ فَقَالَ يَا حُمَيْرَاءُ اسْتَمْسِكِي فَاسْتَنَدْت إلَى جَنْبِ الْبَعِيرِ فَمَكَثَ عَنِّي طَوِيلًا مَلِيًّا ثُمَّ إنَّهُ عَادَ إلَيَّ وَهُوَ فَرِحٌ مُبْتَسِمٌ فَقُلْت لَهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ نَزَلْت مِنْ عِنْدِي، وَأَنْتَ بَاكٍ حَزِينٌ مُغْتَمٌّ فَبَكَيْت لِبُكَائِك يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ إنَّك عُدْت إلَيَّ، وَأَنْتَ فَرِحٌ تَبْتَسِمُ فَعَمَّ ذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ذَهَبْتُ لِقَبْرِ أُمِّي آمِنَةَ فَسَأَلْت اللَّهَ رَبِّي أَنْ يُحْيِيَهَا فَأَحْيَاهَا فَآمَنَتْ بِي أَوْ قَالَ فَآمَنَتْ وَرَدَّهَا اللَّهُ » وَقَدْ ذَكَرَ نَسَبَهُ قَالَ مَجْهُولٌ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا لَهُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَآمَنَا بِهِ وَهَذَا نَاسِخٌ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِي فَقَالَ فِي النَّارِ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ قَالَ إنَّ أَبِي، وَأَبَاك فِي النَّارِ» . وَحَدِيثِ مَسْلَمَةَ بْنِ بُرَيْدٍ الْجُعْفِيِّ وَفِيهِ فَلَمَّا رَأَى مَا دَخَلَ عَلَيَّ قَالَ وَأُمِّي مَعَ أُمِّك وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْحَدِيثَ فِي إيمَانِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ مَوْضُوعٌ يَرُدُّهُ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ قَالَ تَعَالَى

стр. 1266

﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨] وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] فَمَنْ مَاتَ كَافِرًا لَمْ يَنْفَعْهُ الْإِيمَانُ بَعْدَ الرَّجْعَةِ بَلْ لَوْ آمَنَ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ فَكَيْفَ بَعْدَ الْإِعَادَةِ وَفِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] » وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْخَطَّابِ مُحَمَّدُ بْنُ دِحْيَةَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ فَضَائِلَ النَّبِيِّ ﷺ وَخَصَائِصَهُ لَمْ تَزَلْ تَتَوَالَى وَتَتَتَابَعُ إلَى حِينِ مَمَاتِهِ فَيَكُونُ هَذَا مِمَّا فَضَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَكْرَمَهُ بِهِ وَلَيْسَ إحْيَاؤُهُمَا، وَإِيمَانُهُمَا بِهِ يَمْتَنِعُ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا فَقَدْ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ إحْيَاءُ قَتِيلِ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَإِخْبَارُهُ بِقَاتِلِهِ وَكَانَ عِيسَى ﵊ يُحْيِي الْمَوْتَى وَكَذَلِكَ نَبِيُّنَا ﷺ أَحْيَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ جَمَاعَةً مِنْ الْمَوْتَى فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ إيمَانِهِمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا زِيَادَةً فِي كَرَامَتِهِ وَفَضِيلَتِهِ مَعَ مَا وَرَدَ مِنْ الْخَبَرِ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ خُصُوصًا فِيمَنْ مَاتَ كَافِرًا وَقَوْلُهُ فَمَنْ مَاتَ كَافِرًا إلَى آخِرِ كَلَامِهِ مَرْدُودٌ لِمَا رُوِيَ مِنْ الْخَبَرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَدَّ الشَّمْسَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ بَعْدَ مَغِيبِهَا ذَكَرَهُ أَبُو حَفْصٍ الطَّحَاوِيُّ وَقَالَ إنَّهُ حَدِيثُ ثَابِتٍ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ رُجُوعُ

стр. 1267

الشَّمْسِ نَافِعًا، وَأَنَّهُ لَا يَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْوَقْتِ لَمَا رَدَّهَا عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ يَكُونُ إحْيَاءُ أَبَوَيْ النَّبِيِّ ﷺ نَافِعًا لِإِيمَانِهِمَا وَتَصْدِيقِهِمَا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ قَبِلَ اللَّهُ تَعَالَى إيمَانَ قَوْمِ يُونُسَ وَتَوْبَتَهُمْ مَعَ تَلَبُّسِهِمْ بِالْعَذَابِ فِيمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْأَقْوَالِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ إيمَانِهِمْ وَكَوْنِهِمَا فِي الْعَذَابِ. اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ نَاصِرٍ الدِّمَشْقِيُّ: حَبَا اللَّهُ النَّبِيَّ مَزِيدَ فَضْلٍ ... عَلَى فَضْلٍ وَكَانَ بِهِ رَءُوفًا فَأَحْيَا أُمَّهُ وَكَذَا أَبَاهُ ... لِإِيمَانٍ بِهِ فَضْلًا لَطِيفًا فَسَلِّمْ فَالْقَدِيمُ بِذَا قَدِيرٌ ، وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ بِهِ ضَعِيفًا وَحِينَئِذٍ فَقَدْ صَارُوا مِنْ السُّعَدَاءِ الْفَائِزِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَقَوْلِهِ ﷺ «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] وَمِنْ رِضَاهُ ﷺ أَنْ لَا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَبَوَيْهِ النَّارَ وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَأَلْت رَبِّي أَنْ لَا يُدْخِلَ النَّارَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَأَعْطَانِي ذَلِكَ» أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِهِ ذَخَائِرِ الْعُقْبَى وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ إنَّ أَبَا النَّبِيِّ

стр. 1268

- ﷺ فِي النَّارِ فَأَجَابَ بِأَنَّ مَنْ قَالَ إنَّ أَبَا النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّارِ فَهُوَ مَلْعُونٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] قَالَ وَلَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقَالَ عَنْ أَبِيهِ إنَّهُ فِي النَّارِ فَإِنْ قِيلَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى كَوْنِهِمَا لَمْ يَكُونَا كَافِرَيْنِ أَنَّهُمَا مَاتَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَلَا تَعْذِيبَ قَبْلَهَا لِقَوْلِهِ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] وَقَدْ أَطْبَقَتْ أَئِمَّةُ الْأَشْعَرِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْأُصُولِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ يَمُوتُ نَاجِيًا، وَأَنَّهُ لَا يُقَاتَلُ حَتَّى يُدْعَى إلَى الْإِسْلَامِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا تَمَسُّكَ لِهَذَا الْقَائِلِ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّ مَعْنَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] يُبَيِّنُ الْحُجَجَ وَيُمَهِّدُ الشَّرَائِعَ فَمَدْلُولُهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ بِبَعْثِهِ أَحَدًا مِنْ رُسُلِهِ وَيُسَمَّى ذَلِكَ الزَّمَنُ زَمَنَ الْفَتْرَةِ فَالزَّمَنُ الَّذِي بَيْنَ بَعْثَةِ عِيسَى وَبَعْثَةِ نَبِيِّنَا ﷺ لَيْسَ زَمَنَ فَتْرَةٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا مُتَعَبِّدِينَ بِشَرِيعَةِ عِيسَى ﷺ حَتَّى نُسِخَتْ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا ﷺ ، وَأَبُوهُ ﷺ كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ حَالَ تَعَبُّدِهِمْ بِشَرِيعَةِ عِيسَى ﷺ وَلِهَذَا قَالَ أَئِمَّتُنَا

стр. 1269

مَنْ دَخَلَ آبَاؤُهُ فِي دِينِ الْيَهُودِيَّةِ بَعْدَ بَعْثَةِ عِيسَى ﷺ لَمْ يُقِرَّ بِالْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِدِينٍ بَاطِلٍ وَسَقَطَتْ فَضِيلَةٌ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ فِي كِتَابِ الْإِصَابَةِ: وَبَحِيرَاءُ الرَّاهِبُ الَّذِي بَشَّرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مَا أَدْرِي أَدْرَكَ الْبَعْثَةَ أَمْ لَا وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابَيْهِمَا فِي الصَّحَابَةِ وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ مَاتَ عَلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ قَبْلَ نَسْخِهِ بِالْبَعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمَّا فُرِضَ قِيَامُ اللَّيْلِ طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بُيُوتِ الصَّحَابَةِ لِيَنْظُرَ مَاذَا يَصْنَعُونَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ مِنْ الطَّاعَاتِ فَوَجَدَهَا كَبُيُوتِ الزَّنَانِيرِ لِكَثْرَةِ مَا سُمِعَ مِنْ قِرَاءَتِهِمْ وَتَسْبِيحِهِمْ وَتَهْلِيلِهِمْ فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] طَوَافُهُ ﷺ عَلَى السَّاجِدِينَ أَوْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ﷺ بِالْجَمَاعَةِ فَتَقَلُّبُهُ فِي السَّاجِدِينَ كَوْنُهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَمُخْتَلِطًا بِهِمْ حَالَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى حَالُك عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كُلَّمَا قُمْت وَتَقَلَّبْت فِي السَّاجِدِينَ أَيْ مَعَهُمْ فِي الِاشْتِغَالِ بِأُمُورِ الدِّينِ أَوْ أَنَّ مَعْنَاهُ تَقَلُّبُ بَصَرِهِ فِيمَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵊ «أَتِمُّوا

стр. 1270

الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» . وَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَالزُّهْرِيِّ وَابْنِ مُحَيْصِنٍ قَوْله تَعَالَى ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] بِفَتْحِ الْفَاءِ فَمَعْنَاهُ مِنْ أَشْرَفِكُمْ، وَأَفْضَلِكُمْ، وَأَعَزِّكُمْ نَسَبًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي سُؤَالِ هِرَقْلَ لِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ «كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ قَالَ هِرَقْلُ وَكَذَلِكَ تُبْعَثُ الرُّسُلُ فِي نَسَبٍ مِنْ قَوْمِهَا» . وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «لَمْ أَزَلِ أُنْقَلُ مِنْ أَصْلَابِ الطَّاهِرِينَ إلَى أَرْحَامِ الطَّاهِرَاتِ» فَمَعْنَاهُ لَمْ يَقَعْ فِي نَسَبِهِ ﷺ مَا كَانَ سِفَاحًا فَقَدْ قَالَ الْكَلْبِيُّ كَتَبْت لِلنَّبِيِّ ﷺ خَمْسَمِائَةِ أُمٍّ فَمَا وَجَدْت فِيهِ سِفَاحًا وَلَا شَيْئًا مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ فَإِنْ قِيلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آزَرَ كَانَ عَمَّهُ لَا أَبَاهُ؛ لِأَنَّهُ قُرِئَ آزَرُ بِضَمِّ الرَّاءِ عَلَى النِّدَاءِ وَبَدْءُ الْأَبِ بِالِاسْمِ الْأَصْلِيِّ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْإِيذَاءِ وَقَدْ حَكَى تَعَالَى عَنْ إبْرَاهِيمَ الْحِلْمَ فَقَالَ ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] وَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّجُلِ الْحَلِيمِ مِثْلُ هَذَا الْجَفَاءِ لِأَبِيهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وَقَالَ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] . وَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى إلَى فِرْعَوْنَ أَمَرَهُ

стр. 1271

بِالرِّفْقِ مَعَهُ فَقَالَ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنْ يَصِيرَ ذَلِكَ رِعَايَةً لِحَقِّ تَرْبِيَتِهِ إيَّاهُ فَالْأَبُ أَوْلَى بِالرِّفْقِ فَالْجَوَابُ أَنَّ أَبَاهُ لَمَّا كَانَ مُصِرًّا عَلَى كُفْرِهِ اسْتَحَقَّ التَّغْلِيظَ، وَأَنْ يُخَاطَبَ بِالْغِلْظَةِ زَجْرًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ الْقَبِيحِ وَقَدْ قَالَ فُقَهَاؤُنَا: يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ قَتْلُ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَحْرَمًا لَهُ أَوْ غَيْرَ مَحْرَمٍ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ إلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ ﷺ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ قَتْلُهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَيَنْبَغِي لِذَلِكَ الْقَائِلِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ الْمُوَافِقِ لِأَهْلِ الْبِدْعَةِ إلَى اعْتِقَادِ الْحَقِّ الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، وَقَدْ قَالَ ﷺ «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» . وَلَا شَكَّ أَنَّ الشِّيعَةَ مِنْ الِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَقَالَ ﷺ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» وَعَنْ أَبِي سُرَيْجٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَالُوا بَلَى قَالَ إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ طَرَفُهُ بِيَدِ اللَّهِ وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ

стр. 1272

فَتَمَسَّكُوا بِهِ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا» وَقَالَ ﷺ «مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ» وَقَالَ ﷺ «الِاقْتِصَادُ فِي السُّنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي الْبِدْعَةِ» وَقَالَ ﷺ «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» وَقَالَ ﷺ «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ، وَقَالَ ﷺ «إنِّي أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ ثَلَاثٍ مِنْ زَلَّةِ عَالِمٍ وَمِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ وَمِنْ حَكَمٍ جَائِرٍ» وَقَالَ ﷺ «إنَّ اللَّهَ حَجَبَ التَّوْبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ» وَقَالَ ﷺ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَوْمًا وَلَا حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَلَا جِهَادًا وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا يَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا تَخْرُجُ الشَّعْرَةُ مِنْ الْعَجِينِ» . وَقَالَ ﷺ «لَقَدْ تَرَكَتْكُمْ مِثْلَ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا مِثْلُ نَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا إلَّا هَالِكٌ» [هَلْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ زَوَّجَ بِنْتَهُ زَيْنَبَ لِكَافِرٍ وَكَانَتْ كَافِرَةً] (سُئِلَ) هَلْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَوَّجَ بِنْتَهُ زَيْنَبَ لِكَافِرٍ وَكَانَتْ كَافِرَةً أَمْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ بِوُرُودِهِ فَهَلْ هَذَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ أَمْ بَعْدَهَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّ سَيِّدَتَنَا زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -

стр. 1273

هَاجَرَتْ وَتَخَلَّفَ زَوْجُهَا أَبُو الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ كَافِرًا بِمَكَّةَ وَلَمْ يَنْقَطِعْ نِكَاحُهَا بِهِجْرَتِهَا وَلَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ لَمْ يَكُنْ شُرِعَ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ تَحْرِيمِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ فَلَمَّا نَزَلَتْ تَوَقَّفَ نِكَاحُهَا عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَلَمْ تَلْبَثْ إلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ أَبُو الْعَاصِ، وَأَظْهَرَ إسْلَامَهُ فَرَدَّهَا ﷺ بِنِكَاحِهَا الْأَوَّلِ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ تَوَقُّفِ نِكَاحِهَا عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَبَيْنَ إسْلَامِهِ إلَّا الْيَسِيرُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ هِجْرَتِهِ وَإِسْلَامِهَا سِتُّ سِنِينَ وَكَانَ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ. (سُئِلَ) هَلْ الِاشْتِغَالُ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِقَوْلِهِ ﷺ «أَفْضَلُ مَا قُلْت أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» أَوْ الِاشْتِغَالُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ ﷺ «فَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» وَلِتَحْرِيمِ قِرَاءَتِهِ عَلَى ذِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَمَسِّ مَا كُتِبَ فِيهِ وَحَمْلِهِ عَلَى الْمُحْدِثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْقُرْآنِ فَتَفْضِيلُهَا عَلَى بَقِيَّةِ كَلَامِهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ وَهُوَ صَحِيحٌ وَرَدَتْ بِهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ لَا مِنْ بَابِ

стр. 1274

تَفْضِيلِ غَيْرِ الْقُرْآنِ عَلَى الْقُرْآنِ وَانْدَفَعَ السُّؤَالُ. [أَفْضَل نِسَاء النَّبِيّ] (سُئِلَ) هَلْ الْأَفْضَلُ فِي نِسَائِهِ ﷺ عَائِشَةُ أَمْ خَدِيجَةُ وَهَلْ الْأَفْضَلُ خَدِيجَةُ أَمْ فَاطِمَةُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْأَفْضَلَ مِنْ نِسَائِهِ سَيِّدَتُنَا خَدِيجَةُ ثُمَّ عَائِشَةُ وَفَاطِمَةُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهَا بَضْعَةٌ مِنْهُ ﷺ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ لَا أُفَضِّلُ عَلَى بَضْعَةٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدًا. (سُئِلَ) عَنْ الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِ النَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ ﷺ تُوُفِّيَ ضُحَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشَرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ مِنْ الْهِجْرَةِ حَيْثُ اعْتَرَضَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ مَا قَالَهُ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ مَعَ كَوْنِ الْوَقْفَةِ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِ الشُّهُورِ وَلَا عَلَى تَقْدِيرِ نَقْصِهَا وَلَا عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِ بَعْضِهَا وَنَقْصِ بَعْضِهَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ أُجِيبَ عَنْ اعْتِرَاضِهِ بِأَنَّهُ عَجِيبٌ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ كَلَامِ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ ﷺ تُوُفِّيَ فِي الثَّالِثَ عَشَرَ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَلَا ثِنْتَا عَشْرَةَ ثُمَّ تُوُفِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ ضُحَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ثَالِثَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِ تِلْكَ الْأَشْهُرِ. (سُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ إنَّ الِاحْتِلَامَ إنْ كَانَ مِنْ الشَّيْطَانِ لَمْ يَجُزْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبِ بَرْدٍ أَوْ

стр. 1275

ضَعْفٍ فَيَجُوزُ هُوَ مُصِيبٌ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاحْتِلَامُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَهُمْ مَعْصُومُونَ. اهـ. وَحَقِيقَةُ الِاحْتِلَامِ نُزُولُ الْمَنِيِّ فِي النَّوْمِ فَأَفَادَ تَعْلِيلُهُمْ أَنَّ خُرُوجَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ سَبَبُهُ الشَّيْطَانَ، وَإِنَّمَا كَانَ بِسَبَبِ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ صُدُورُهُ مِنْهُمْ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَحِينَئِذٍ فَالْقَائِلُ مُصِيبٌ. [هَلْ يحشر السقط الَّذِي لَمْ ينفخ فِيهِ الرُّوح] (سُئِلَ) عَنْ السِّقْطِ الَّذِي لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ هَلْ يُحْشَرُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يُحْشَرُ ذَلِكَ السِّقْطُ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الصُّورَ قَرْنٌ مِنْ نُورٍ يُجْعَلُ فِيهِ الرُّوحُ يُقَالُ إنَّ فِيهِ ثَقْبًا عَلَى عَدَدِ أَرْوَاحِ الْخَلَائِقِ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ ذَهَبَ كُلُّ رُوحٍ إلَى جَسَدِهِ ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ [يس: ٥١] أَيْ الْقُبُورِ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ لَمْ تُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ لَا يُحْشَرُ. [يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ هَلْ يَجُوزُ لَعْنُهُ] (سُئِلَ) عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ هَلْ يَجُوزُ لَعْنُهُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ سِبْطَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ أَوْ لَا يَجُوزُ لَعْنُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ وَلَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَفِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُلْجَمٍ الَّذِي قَتَلَ عَلِيًّا هَلْ هُوَ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَعْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ لَعْنِ الْمُصَلِّينَ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ

стр. 1276

الْقِبْلَةِ وَلَا يُخَالِفُهُ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ اللَّعْنِ عَلَى مَنْ قَتَلَ الْحُسَيْنَ أَوْ أَمَرَ بِهِ أَوْ أَجَازَهُ أَوْ رَضِيَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ عَلَى وَجْهِ التَّعْمِيمِ وَهُوَ لَعْنُ الطَّوَائِفِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ بِالْأَوْصَافِ دُونَ تَعْيِينِ الْإِنْسَانِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَآكِلَ ثَمَنِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بَلْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ قَتَلَ الْحُسَيْنَ وَلَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ وَقَالَ فِي الْأَنْوَارِ لَا يَجُوزُ لَعْنُ يَزِيدَ وَلَا تَكْفِيرُهُ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ إنْ شَاءَ رَحِمَهُ. وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا وَقَدْ طَعَنَ الْحُسَيْنَ سِنَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ فَأَلْقَاهُ عَنْ فَرَسِهِ، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ خولي بْنُ يَزِيدَ بْنِ حِمْيَرٍ وَنَزَلَ لِيَحُزَّ رَأْسَهُ فَأَرْعَدَتْ يَدَاهُ فَنَزَلَ أَخُوهُ شِبْلُ بْنُ يَزِيدَ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ وَدَفَعَهُ إلَى أَخِيهِ خولي وَلَمَّا قَدِمُوا بِهِ عَلَى يَزِيدَ وَذَكَرُوا لَهُ قَتْلَهُ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ وَيْحَكُمْ كُنْت أَرْضَى مِنْ طَاعَتِكُمْ بِدُونِ قَتْلِ الْحُسَيْنِ لَعَنَ اللَّهُ ابْنَ مَرْجَانَةَ أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ كُنْت صَاحِبَهُ لَعَفَوْت عَنْهُ ثُمَّ قَالَ رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَغَفَرَ لَهُ وَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي السَّبْيِ قَالَ حُلُّوا عَنْهُمْ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ الْبَابَ، وَأَمَالَ الْمَطْبَخَ وَكَسَاهُمْ

стр. 1277

وَأَخْرَجَ لَهُمْ جَوَائِزَ كَثِيرَةً ثُمَّ قَالَ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ابْنِ مَرْجَانَةَ نَسَبٌ مَا قَتَلَهُمْ ثُمَّ رَدَّهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْته رَدُّ مَا قَدِمَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ عَلَيْهِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِلَعْنِ يَزِيدَ عَلَى التَّعْيِينِ مُسْتَنِدًا إلَى أَنَّ تَفَاصِيلَ مَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ رِضَاهُ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَاسْتِبْشَارِهِ بِهِ قَدْ تَوَاتَرَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا. اهـ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: اعْلَمْ أَنَّك فِي هَذَا الْمَقَامِ بَيْنَ أَنْ تُسِيءَ الظَّنَّ بِمُسْلِمٍ وَتَطْعَنَ فِيهِ وَتَكُونَ كَاذِبًا أَوْ تُحْسِنَ الظَّنَّ بِهِ وَتَكُفَّ لِسَانَك عَنْ الطَّعْنِ فِيهِ، وَأَنْتَ مُخْطِئٌ فَالْخَطَأُ فِي حُسْنِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِينَ أَسْلَمُ مِنْ الصَّوَابِ بِالطَّعْنِ فِيهِمْ فَلَوْ سَكَتَ إنْسَانٌ عَنْ لَعْنِ إبْلِيسَ أَوْ لَعْنِ أَبِي جَهْلٍ أَوْ أَبِي لَهَبٍ أَوْ أَحَدٍ مِنْ الْأَشْرَارِ طُولَ عُمْرِهِ لَمْ يَضُرَّهُ السُّكُوتُ وَلَوْ هَفَا هَفْوَةً بِالطَّعْنِ فِي مُسْلِمٍ بِمَا هُوَ بَرِيءٌ عِنْدَ اللَّهِ مِنْهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْهَلَاكِ، وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ الَّذِي قَتَلَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَهُوَ مُسْلِمٌ مِنْ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إنَّهُ قَتَلَهُ مُتَأَوِّلًا بِأَنَّهُ وَكِيلُ امْرَأَةٍ قَتَلَ عَلِيٌّ أَبَاهَا فَاقْتَصَّ مِنْهُ يَعْنِي مُتَأَوِّلًا عِنْدَ نَفْسِهِ فِيمَا كَانَ مُخْطِئًا فِيهِ وَفِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَتَأَوَّلُ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَأَوَّلَ وَقَدْ قَطَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ يَدَيْهِ

стр. 1278

وَرِجْلَيْهِ فَلَمْ يَجْزَعْ ثُمَّ أَرَادُوا قَطْعَ لِسَانِهِ فَجَزِعَ فَقِيلَ لَهُ لِمَ لَا جَزِعْت لِقَطْعِ يَدَيْك وَرِجْلَيْك وَجَزِعْت لِقَطْعِ لِسَانِك فَقَالَ إنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ تَمُرَّ سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ وَلَا أَذْكُرُ فِيهَا اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى. [هَلْ يَحْرُمُ الِاشْتِغَالُ بِعِلْمِ الْمَنْطِقِ] (سُئِلَ) هَلْ يَحْرُمُ الِاشْتِغَالُ بِعِلْمِ الْمَنْطِقِ وَكَانَ الْفَارَابِيُّ يُسَمِّيهِ رَئِيسَ الْعُلُومِ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ سِينَا وَقَالَ هُوَ خَادِمُهَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ فِي الِاشْتِغَالِ بِهِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ: يَحْرُمُ الِاشْتِغَالُ بِهِ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ لَا يُوثَقُ بِعُلُومِهِ وَالْمُخْتَارُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ جَوَازُهُ لِمَنْ وَثِقَ بِصِحَّةِ ذِهْنِهِ وَمَارَسَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَغَايَتُهُ عِصْمَةُ الْإِنْسَانِ عَنْ أَنْ يَضِلَّ فَكُرِهَ وَنِسْبَتُهُ إلَى الْمَعَانِي كَنِسْبَةِ النَّحْوِ إلَى الْأَلْفَاظِ وَهُوَ آلَةٌ لِغَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى آلَةٍ أُخْرَى. (سُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ مِنْ كَرَامَاتِ الْوَلِيِّ أَنْ يَقُولَ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَعَقِيدَتُهُ فَاسِدَةٌ فَهَلْ مَا ادَّعَاهُ صَحِيحٌ أَوْ بَاطِلٌ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ إذْ الْكَرَامَةُ الْأَمْرُ الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ يُظْهِرُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدِ وَلِيِّهِ وَقَدْ قَالَ الْأَئِمَّةُ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ جَازَ أَنْ يَكُونَ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا إلَّا التَّحَدِّيَ فَمَرْجِعُ الْكَرَامَةِ إلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى نَعَمْ إنْ أَرَادَ اسْتِقْلَالَ الْوَلِيِّ بِذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ. [هَلْ الْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ] (سُئِلَ) عَمَّا

стр. 1279

أَفْتَى بِهِ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُعْتَمَدٌ وَهَلْ الْجِنُّ كَذَلِكَ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ وَهَلْ النَّاسُ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ أَمْ لَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيّ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وَقَدْ اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ فَبَقِيَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْمَلَائِكَةِ. اهـ. وَمَا اُحْتِيجَ بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكُفَّارِ ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] ذَكَرَ ذَلِكَ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ فَلَزِمَ مِنْهُ كَوْنُ الْمُؤْمِنِينَ مُبَرَّئِينَ مِنْهُ وَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونُوا مَحْجُوبِينَ عَنْهُ بَلْ رَائِينَ لَهُ قَالَ الْحَسَنُ: وَكَمَا حَجَبَ الْكُفَّارَ فِي الدُّنْيَا عَنْ تَوْحِيدِهِ حَجَبَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَنْ رُؤْيَتِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَمَّا حَجَبَ أَعْدَاءَهُ فَلَمْ تَرَهُ تَجَلَّى لِأَوْلِيَائِهِ رَأَوْهُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يُرِيدُ لِلَّذِينَ قَالُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى

стр. 1280

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فَقَالَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا هُمْ أَهْلُ التَّوْحِيدِ وَالْحُسْنَى الْجَنَّةُ وَالزِّيَادَةُ الرُّؤْيَةُ إلَى وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى» . وَرُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْعَمَلَ فِي الدُّنْيَا الْجَنَّةُ وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ» وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّ مَنْ اتَّقَى اللَّهَ تَعَالَى لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا فَقَدْ أَحْسَنَ الْعَمَلَ وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ يَتَمَتَّعُ بِالنَّظَرِ إلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَيَتَفَاوَتُونَ فِي ذَلِكَ، وَأَعْلَاهُمْ مَنْ نَظَرَ إلَى رَبِّهِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا كَمَا فِي الصَّحِيحِ وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ الْحُسْنَى الْجَنَّةُ وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ قَالَ ﷺ إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَتُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنْجِينَا مِنْ النَّارِ قَالَ فَيَكْشِفُ اللَّهُ لَهُمْ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ مِنْ النَّظَرِ إلَى رَبِّهِمْ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] » . وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُنَادِيًا يُنَادِي يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ بِصَوْتٍ يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ إنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةً، الْحُسْنَى الْجَنَّةُ وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ الرَّحْمَنِ» وَعَنْهُ ﷺ -

стр. 1281

«أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَنْظُرُونَ إلَى رَبِّهِمْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ» وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ يَرَوْنَهُ أَيْضًا، وَأَنَّ رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ تَعَالَى إنَّمَا هِيَ فِي الْجَنَّةِ. (سُئِلَ) هَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ الْخَيْرُ فِي وَفِي أُمَّتِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ لَا أَعْرِفُهُ. اهـ. وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ ثَابِتٌ فِي أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ بِطُرُقٍ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» أَيْ السَّاعَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ وَحَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» . (سُئِلَ) هَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ عُلَمَاءُ أُمَّتِي كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ قَدْ اُشْتُهِرَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَرِّجٌ وَلَمْ يُوجَدْ فِي كِتَابٍ مُعْتَبَرٍ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَصْحَابِ السُّنَنِ وَغَيْرِهِمْ «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» . (سُئِلَ) هَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ إنَّ اللَّهَ يَسْتَحْيِي أَنْ يُعَذِّبَ عَبْدًا بِمَسْأَلَةٍ قَالَ بِهَا عَالِمٌ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثٍ وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِهَا مُقَلِّدًا لَهُ فِيهَا وَيُغْنِي عَنْهُ «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ لِلنَّاسِ» رَوَاهُ الشَّيْخُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِ الْحُجَّةِ مَرْفُوعًا وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمَدْخَلِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ مِنْ قَوْلِهِ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ

стр. 1282

نَحْوَهُ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَا سَرَّنِي لَوْ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَخْتَلِفُوا؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمْ تَكُنْ رُخْصَةٌ. اهـ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ. (سُئِلَ) هَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ مَنْ أَكَلَ مَعَ مَغْفُورٍ لَهُ غُفِرَ لَهُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَرْوِيهَا الْقُصَّاصُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ أَكَلَ مَعَ غَفُورٍ غُفِرَ لَهُ» وَلَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا يَرْوُونَهُ عَنْ سِنَانٍ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَقَدْ يَأْكُلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ. [هَلْ ترى الْمُؤْمِنَات رَبّهنَّ فِي الْآخِرَة] (سُئِلَ) هَلْ تَرَى الْمُؤْمِنَاتُ رَبَّهُنَّ فِي الْآخِرَةِ كَالْمُؤْمِنِينَ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الرَّاجِحَ نَعَمْ. [أَيْ السَّمَاوَات وَالْأَرْضِينَ أَفْضَل] (سُئِلَ) أَيُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِينَ أَفْضَلُ؟ (فَأَجَابَ) أَخْرَجَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ سَيِّدُ السَّمَوَاتِ السَّمَاءُ الَّتِي فِيهَا الْعَرْشُ وَسَيِّدُ الْأَرْضِينَ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا. اهـ. وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ السَّمَاءَ الْأُولَى أَفْضَلُ مِمَّا سِوَاهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥] . (سُئِلَ) هَلْ يُكْرَهُ إفْرَادُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الْآلِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ خَالِدٌ فِي شَرْحِ التَّوْضِيحِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ)

стр. 1283

بِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ كَثِيرُونَ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَرْحِهِ. [هَلْ سُجُودُ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ عَلَى جِبَاهِهِمْ أَوْ كَانَ انْحِنَاءً] (سُئِلَ) هَلْ سُجُودُ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ عَلَى جِبَاهِهِمْ أَوْ كَانَ انْحِنَاءً؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ وَالْمَأْمُورُ بِهِ إمَّا الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ فَالْمَسْجُودُ لَهُ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَجَعْلُ آدَمَ قِبْلَةَ سُجُودِهِمْ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ أَوْ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ، وَإِمَّا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ وَهُوَ التَّوَاضُعُ لِآدَمَ تَحِيَّةً وَتَعْظِيمًا لَهُ كَسُجُودِ إخْوَةِ يُوسُفَ لَهُ لَا سُجُودَ عِبَادَةٍ إبْقَاءً لَهُ عَلَى أَصْلِهِ وَهُوَ الْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ أَوْ الْمُرَادُ السُّجُودُ الَّذِي فِي الصَّلَاةِ لَكِنْ لِلَّهِ وَآدَمُ قِبْلَةٌ لَهُ كَمَا جُعِلَتْ الْقِبْلَةُ قِبْلَةً فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ السُّجُودُ طَاعَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَتَكْرِيمًا لِآدَمَ بِالسُّجُودِ إلَيْهِ. اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ سُجُودَ الْمَلَائِكَةِ إيمَاءٌ وَخُضُوعٌ ذَكَرَهُ النَّقَّاشُ وَغَيْرُهُ. (سُئِلَ) عَمَّا إذَا وَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ خِلَافُ مَا فِي الرَّوْضَةِ مَا الْمُعْتَمَدُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ تَرْجِيحِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مَا فِي الْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّ النَّوَوِيَّ ﵀ مُتَتَبِّعٌ لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ لَا مُخْتَصِرٌ لِكَلَامِ الرَّافِعِيِّ. [الْمَطَرِ هَلْ يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ مِنْ السَّحَابِ] (سُئِلَ) عَنْ الْمَطَرِ هَلْ يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ مِنْ السَّحَابِ أَوْ تُجَوِّزُونَ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الشَّيْءَ يُؤَثِّرُ فِي الْأَرْضِ فَتَخْرُجُ مِنْهَا

стр. 1284

أَبْخِرَةٌ مُتَصَاعِدَةٌ فَإِذَا وَصَلَتْ إلَى الْجَوِّ بَرَدَتْ فَثَقُلَتْ فَنَزَلَتْ إلَى ضِيقِ الْمَرْكَزِ فَاتَّصَلَتْ فَتَوَلَّدَ مِنْ اتِّصَالِ بَعْضِ الذَّرَّاتِ بِالْبَعْضِ قَطَرَاتُ الْمَطَرِ فَمَا الرَّاجِحُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَطَرُ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ بَلْ يَبْتَدِئُ نُزُولُهُ مِنْ السَّمَاءِ إلَى السَّحَابِ وَمِنْهُ إلَى الْأَرْضِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ ظَوَاهِرُ الْآيَاتِ وَالْآثَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ - وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة: ١٩ - ٢٢] ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا - وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ - أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ - وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٨ - ٤٣] ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] وَأَخْرَجَ الشَّيْخُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الْعَظَمَةِ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَطَرِ مِنْ السَّمَاءِ أَمْ مِنْ السَّحَابِ قَالَ مِنْ السَّمَاءِ فَالسَّحَابُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ السَّمَاءِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ الْمَطَرُ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَيَنْزِلُ مِنْ سَمَاءٍ إلَى سَمَاءٍ حَتَّى يَجْتَمِعَ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَجْتَمِعُ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الْأَيْزَمُ فَتَجِيءُ السَّحَابُ السُّودُ فَتَدْخُلُهُ فَتَشْرَبُهُ مِثْلَ شُرْبِ الْإِسْفَنْجَةِ فَيَسُوقُهَا اللَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ كَعْبٍ قَالَ السَّحَابُ غِرْبَالُ

стр. 1285

الْمَطَرِ وَلَوْلَا السَّحَابُ حِينَ يَنْزِلُ الْمَاءُ مِنْ السَّمَاءِ لَأَفْسَدَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ الْمَطَرُ مِنْهُ مِنْ السَّمَاءِ وَمِنْهُ مَا يَسْقِيهِ الْغَيْمُ مِنْ الْبَحْرِ فَيُعْذِبُهُ الرَّعْدُ وَالْبَرْقُ فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْبَحْرِ فَلَا يَكُونُ لَهُ نَبَاتٌ، وَأَمَّا النَّبَاتُ فَمَا كَانَ مِنْ السَّمَاءِ. (سُئِلَ) هَلْ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ وَعَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ اللَّهُ اللَّهُ» . (سُئِلَ) هَلْ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا يَتَهَارَجُونَ تَهَارُجَ الْحُمُرِ» وَفِي كِتَابِ الْفِرْدَوْسِ لِأَبِي دَاوُد «لَا يَزْدَادُ الْأَمْرُ إلَّا شِدَّةً وَلَا الدُّنْيَا إلَّا إدْبَارًا وَلَا النَّاسُ إلَّا شُحًّا وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ» وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَمَا جَانَسَهَا مَعْنَاهَا الْخُصُوصُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا أَنَّ الدِّينَ يَنْقَطِعُ كُلَّهُ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ

стр. 1286

ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّ الْإِسْلَامَ يَبْقَى إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إلَّا أَنَّهُ يَضْعُفُ وَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ.» (سُئِلَ) هَلْ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ جُبِلَتْ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَالَ «جُبِلَتْ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهَا وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهَا» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَدِيٍّ أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِيهِ الْوَقْفُ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ. اهـ. وَمَعْنَاهُ ثَابِتٌ «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂. [هَلْ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ أَفْضَلُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ] (سُئِلَ) هَلْ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ أَفْضَلُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَوْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ أَفْضَلُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] وَلِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بَعْدَ مَرْيَمَ فَاطِمَةُ وَخَدِيجَةُ» وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي خَيْرَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» وَقَوْلِهِ ﷺ حِينَ سَارَّهَا ثَانِيًا عِنْدَ مَوْتِهِ «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إلَّا مَرْيَمَ» وَلِخَبَرِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ

стр. 1287

كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَرْيَمُ ثُمَّ فَاطِمَةُ» وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلِخَبَرِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ «قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إلَّا مَرْيَمَ الْبَتُولَ» . وَلِخَبَرِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ثُمَّ فَاطِمَةُ ثُمَّ خَدِيجَةُ» وَلِخَبَرِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ بَعْدَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ» وَلِخَبَرٍ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ أَحَنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى بَعْلٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ وَلَوْ عَلِمْت أَنَّ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ رَكِبَتْ بَعِيرًا مَا فَضَّلْت عَلَيْهَا أَحَدًا» وَلِخَبَرِ الطَّبَرَانِيِّ «خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ثُمَّ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ثُمَّ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ» وَلِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ بَلَّغَتْهَا الْوَحْيَ عَنْ اللَّهِ شِفَاهًا بِالتَّكْلِيفِ وَالْإِخْبَارِ وَالْبِشَارَةِ كَرَامَةً لَهَا كَمَا بَلَّغَتْ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ وَلِهَذَا اُخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ الصَّحِيحُ أَنَّهَا نَبِيَّةٌ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ خَصَّهَا بِمَا لَمْ يُؤْتِهِ أَحَدًا مِنْ النِّسَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ

стр. 1288

كَلَّمَهَا وَظَهَرَ لَهَا وَنَفَخَ فِي دِرْعِهَا وَدَنَا مِنْهَا لِلنَّفْخَةِ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَلَمْ تَسْأَلْ آيَةً عِنْدَمَا بُشِّرَتْ كَمَا سَأَلَ زَكَرِيَّا ﷺ عَنْ الْآيَةِ وَلِذَلِكَ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي تَنْزِيلِهِ صِدِّيقَةٌ فَقَالَ ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] وَقَالَ ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] فَشَهِدَ لَهَا بِالصِّدِّيقِيَّةِ وَشَهِدَ لَهَا بِالتَّصْدِيقِ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَشَهِدَ لَهَا بِالْقُنُوتِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَجَابِرٌ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] مَعْنَاهُ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ كُلِّهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي النِّسَاءِ امْرَأَةٌ وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِ أَبٍ غَيْرَهَا وَلِأَنَّهَا قُبِلَتْ فِي التَّحْرِيرِ وَلَمْ يَكُنْ التَّحْرِيرُ فِي الْإِنَاثِ فَهِيَ مُخْتَارَةٌ عَلَى النِّسَاءِ كُلِّهِنَّ بِمَا لَهَا مِنْ الْخَصَائِصِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ إذْ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَرْيَمَ أَفْضَلُ مِنْ نِسَاءِ جَمِيعِ الْعَالَمِ مِنْ حَوَّاءَ إلَى آخِرِ امْرَأَةٍ تَقُومُ عَلَيْهَا السَّاعَةُ. ثُمَّ بَعْدَهَا فِي الْفَضِيلَةِ فَاطِمَةُ ثُمَّ خَدِيجَةُ وَمَا مَرَّ فِي خَبَرِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ تَفْضِيلِ خَدِيجَةَ عَلَيْهَا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى تَفْضِيلِهَا عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْأُمُومَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَرْيَمَ أَفْضَلُ مِنْ الْكُلِّ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ أَنَّهَا مُصْطَفَاةٌ عَلَى عَالَمِ زَمَانِهَا فَهُوَ تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ وَذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَحْوَهُ وَقَدْ اُسْتُثْنِيَ مِنْ

стр. 1289

كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ إلَّا تَبَعًا لَهُمْ مَنْ اُخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ كَلُقْمَانَ وَمَرْيَمَ عَلَى الْأَشْهَرِ مِنْ أَنَّهُمَا لَيْسَا نَبِيَّيْنِ فَفِي الْأَذْكَارِ لِلنَّوَوِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إفْرَادُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَرْتَفِعَانِ عَنْ حَالِ مَنْ يُقَالُ فِيهِ ﵁ لِمَا فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ مِمَّا يَرْفَعُهُمَا. [الْمُعْتَمَدُ فِي إيمَانِ الْمُقَلِّدِ] (سُئِلَ) مَا الْمُعْتَمَدُ فِي إيمَانِ الْمُقَلِّد مِنْ الْخِلَافِ الْمُنْتَشِرِ. (فَأَجَابَ) قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْعَوَامَّ مُؤْمِنُونَ، وَأَنَّهُمْ حَشْوُ الْجَنَّةِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ نَظَرٍ عَقْلِيٍّ فِي الْعَقَائِدِ وَقَدْ حَصَلَ لَهُمْ مِنْهُ الْقَدْرُ الْكَافِي فَإِنَّ فِطْرَتَهُمْ جُبِلَتْ عَلَى تَوْحِيدِ الصَّانِعِ وَقِدَمِهِ وَحُدُوثِ الْمَوْجُودَاتِ، وَإِنْ عَجَزُوا عَنْ التَّعْبِيرِ عَنْهُ عَلَى اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْعِلْمُ بِالْأَدِلَّةِ عِلْمٌ زَائِدٌ لَا يَلْزَمُهُمْ وَكَذَا نَقَلَ إلْكِيَا فِي تَعْلِيقِهِ إجْمَاعَ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ فَالْمُعْتَمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ كُلَّهُمْ مَنْ قَالَ بِإِيمَانِ الْمُقَلِّدِ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مُقَابِلَ التَّقْلِيدِ هُنَا هُوَ الِاسْتِدْلَال بِالْأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ وَبِالْمَصْنُوعِ عَلَى الصَّانِعِ وَلَا يَلْزَمُ مَنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ الِاقْتِدَارُ عَلَى إيرَادِ الْحُجَجِ وَدَفْعِ الشُّبْهَةِ لَوْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مُبْتَدِعٌ بَلْ ذَلِكَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الَّتِي يَقُومُ

стр. 1290

بِهَا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ عَالِمٌ مُتَبَحِّرٌ فَالْمُرَادُ بِالِاسْتِدْلَالِ مُجَرَّدُ الِانْتِقَالِ مِنْ الْأَثَرِ إلَى الْمُؤَثِّرِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْأَعْرَابِيِّ مِنْ قَوْلِهِ الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ وَآثَارُ الْأَقْدَامِ عَلَى الْمَسِيرِ فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ كَيْفَ لَا تَدُلُّ عَلَى الصَّانِعِ الْخَبِيرِ. فَإِذَا كَانَ مَعْنَى الِاسْتِدْلَالِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى تَحْرِيرِ الْأَدِلَّةِ وَدَفْعِ الشُّبْهَةِ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُقَلِّدٌ قَطُّ إذْ أَجْهَلُ مَنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ كَالرُّعَاةِ وَسُكَّانِ الْبَوَادِي إذَا رَأَى شَيْئًا عَجِيبًا يَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَهُ وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ مِنْهُ عَلَى وُجُودِ الْعَالَمِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَ أَجْهَلِهِمْ فَكَيْفَ حَالُ مَنْ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْوُعَّاظِ وَلَازَمَ الْجَمَاعَةَ وَالْجُمُعَةَ. اهـ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْحَقُّ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ بِطَرِيقٍ إجْمَالِيٍّ تَرْفَعُ النَّاظِرَ عَنْ حَضِيضِ التَّقْلِيدِ فَرْضُ عَيْنٍ لَا مَخْرَجَ عَنْهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ وَبِدَلِيلٍ تَفْصِيلِيٍّ يُمْكِنُ مَعَهُ إزَاحَةُ الشَّبَهِ، وَإِلْزَامُ الْمُنْكِرِينَ، وَإِرْشَادُ الْمُسْتَرْشِدِينَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقَالَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ لَيْسَ الْخِلَافُ فِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَشَئُوا فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَالصَّحَارِي وَلَا الَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ بَلْ فِيمَنْ

стр. 1291

نَشَأَ عَلَى شَاهِقِ جَبَلٍ وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَخَذَهُ إنْسَانٌ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُهُ وَصَدَّقَهُ بِمُجَرَّدِ إخْبَارِهِ مِنْ غَيْرِ تَدَبُّرٍ وَتَفَكُّرٍ فَهَذَا مَحْمَلُ كَلَامِ الْأَشْعَرِيِّ وَبِهِ يَسْتَقِيمُ مَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ مِنْ قَبُولِ الْإِيمَانِ مِنْ الْعَوَامّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ اسْمُ الْمُقَلِّدِ. اهـ. وَقَالَ غَيْرُهُ فَإِذَا حَصَلَ عَنْ ذَلِكَ جَزْمٌ لَا يَجُوزُ مَعَهُ كَوْنُ الْوَاقِعِ النَّقِيضَ فَقَدْ قَامَ بِالْوَاجِبِ مِنْ الْإِيمَانِ إذْ لَمْ يَبْقَ سِوَى الِاسْتِدْلَالِ وَمَقْصُودُ الِاسْتِدْلَالِ هُوَ حُصُولُ ذَلِكَ الْجَزْمِ فَإِذَا حَصَلَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ تَمَّ قِيَامُهُ بِالْوَاجِبِ. (سُئِلَ) مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﷺ «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ حَقِيقَةَ زِيَادَةِ طُولِ أَعْنَاقِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ أَكْثَرُ رَجَاءً؛ لِأَنَّ رَاجِي الشَّيْءِ يَمُدُّ عُنُقَهُ إلَيْهِ وَقِيلَ لَا يُلْجِمُهُمْ الْعَرَقُ فَإِنَّ الْعَرَقَ يَأْخُذُ النَّاسَ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ وَرُوِيَ إعْنَاقًا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ أَكْثَرُ إسْرَاعًا إلَى الْجَنَّةِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعَنَقِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ السَّيْرِ. [مَعْنَى قَوْله تَعَالَى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ] (سُئِلَ) عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ فِي تَفْسِيرِهِ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ

стр. 1292

جَلَّ ذِكْرُهُ يَوْمَ خَلَقَ آدَمَ قَبَضَ مِنْ صُلْبِهِ قَبْضَتَيْنِ فَوَقَعَ كُلُّ طَيِّبٍ فِي يَمِينِهِ وَكُلُّ خَبِيثٍ بِيَدِهِ الْأُخْرَى فَقَالَ هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ النَّارِ وَلَا أُبَالِي ثُمَّ أَعَادَهُمْ فِي صُلْبِ آدَمَ فَهُمْ يَنْسِلُونَ عَلَى ذَلِكَ إلَى الْآنَ» وَذَكَرَ أَحَادِيثَ أُخْرَى بِمَعْنَى ذَلِكَ، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ بَنِي آدَمَ مَخْلُوقُونَ الْآنَ مُودَعُونَ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ مَا مَعْنَاهُ «لَمْ أَزَلْ أُنْقَلُ مِنْ الْأَصْلَابِ الطَّيِّبَةِ إلَى الْأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ حَتَّى خَرَجْت مِنْ بَيْنِ أَبَوَيَّ» وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] فِي سُورَةِ نُوحٍ مَا مَعْنَاهُ إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النَّبَاتَاتِ مِنْ الْأَرْضِ وَجَعَلَهَا أَغْذِيَةً لَنَا وَخَلَقَ مِنْ الْأَغْذِيَةِ الْمَنِيَّ وَخَلَقَنَا مِنْ هَذَا الْمَنِيِّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ مَخْلُوقٌ مِنْ الْمَنِيِّ الَّذِي يَحْدُثُ مِنْ الْأَغْذِيَةِ وَهُوَ يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهِمْ مَخْلُوقِينَ مُودَعِينَ فِي الْأَصْلَابِ فَالْمَسْئُولُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِطَرِيقٍ وَاضِحٍ مُوجَزٍ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْرَجَ نَسَمَ بَنِي آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ فَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ كَالذَّرِّ وَفِي بَعْضِهَا كَالْخَرْدَلَةِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ إنَّهَا الْأَرْوَاحُ قَبْلَ خَلْقِ الْأَجْسَادِ، وَإِنَّهُ جَعَلَ فِيهَا مِنْ الْمَعْرِفَةِ مَا عَلِمَتْ بِهِ مَا خَاطَبَهَا بِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا

стр. 1293

أَمَّا عَلَى كَوْنِ الْمُخْرَجِ الْأَرْوَاحَ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ فِي إخْرَاجِ الْمَعْدُومِ إلَى عَالَمِ الذَّرِّ وَكَلَامِ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ فِي ابْتِدَاءِ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي صُلْبِ آدَمَ حَقِيقَةً إلَّا أَوْلَادُهُ وَغَيْرُهُمْ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَصْلَابِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. (سُئِلَ) هَلْ وَرَدَ أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ جَاءَ لَهُ مَلَكٌ يُقَالُ لَهُ نِكَارٌ قَبْلَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ أَمْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ بِهِ فِي صُورَةٍ لِمَاذَا وَهَلْ يَسْأَلَانِ الْمَيِّتَ بِلُغَتِهِ أَمْ بِغَيْرِهَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ مَجِيءُ نِكَارٍ وَيَسْأَلَانِ الْمَيِّتَ بِلُغَتِهِ. [رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ] (سُئِلَ) عَنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي حَقًّا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ» إلَخْ مَا الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِهِ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي حَقِّ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا وَهَلْ إذَا أَجَابَ مُجِيبٌ بِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا كَانَتْ صُورَتُهُ الشَّرِيفَةُ مُشَابِهَةً لِلصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَتَخَيَّلَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَتَمَثَّلُ بِهَا فَنَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ ﷺ ، وَأَمَّا الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ الْعَقْلُ أَنْ يُجَوِّزَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ فَلَمْ يَحْتَجْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ يَكُونُ مُصِيبًا فِي ذَلِكَ أَمْ لَا. (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ خَصَّ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ بِالذِّكْرِ لِحِكَمٍ مِنْهَا لِأَجْلِ قَوْلِهِ فَقَدْ رَآنِي حَقًّا، وَلَا

стр. 1294

كَذَلِكَ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ أَوْهَامٌ وَخَوَاطِرُ فِي الْقَلْبِ بِأَمْثَالٍ لَا تَلِيقُ بِهِ عَنْهَا وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ إنَّ ذَلِكَ لَا يُوهِمُ رُؤْيَةَ الذَّاتِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ فَإِنْ تَوَهَّمَ شَخْصٌ خِلَافَ الْحَقِّ فُسِّرَ لَهُ مَعْنَاهُ قَالَ: وَالْخِلَافُ عَائِدٌ إلَى إطْلَاقِ اللَّفْظِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى حُصُولِ الْمَعْنَى أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ فَإِنَّ الْمَرْئِيَّ مِثَالٌ وَاَللَّهُ يَضْرِبُ الْأَمْثَالَ لِذَاتِهِ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ الْمِثْلِ وَمِنْهَا أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ جَمَاعَةٌ إنَّهَا مُسْتَحِيلَةٌ؛ لِأَنَّ مَا يُرَى فِي الْمَنَامِ خَيَالٌ وَمِثَالٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْقَدِيمِ مُحَالٌ. وَمِنْهَا مَا أَجَابَ بِهِ الْمُجِيبُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّهُ مُصِيبٌ. (سُئِلَ) مَا الْمُرَادُ بِالرَّبْوَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] هَلْ هِيَ رَبْوَةُ دِمَشْقَ أَمْ رَبْوَةُ الْبَهْنَسَا. (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ إنَّهَا رَبْوَةُ دِمَشْقَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ هِيَ الرَّمْلَةُ مِنْ فِلَسْطِينَ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ قَتَادَةُ وَكَعْبٌ إنَّهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ قَالَ كَعْبٌ وَهِيَ أَقْرَبُ الْأَرْضِ إلَى السَّمَاءِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا وَقَالَ وَهْبٌ وَابْنُ زَيْدٍ إنَّهَا مِصْرُ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ إنَّهَا إسْكَنْدَرِيَّةُ. (سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الشَّيْخِ

стр. 1295

سَعْدِ الدِّينِ سَمِعَ صَوْتًا دَلَّ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا لِقَوْلِ الشَّيْخِ خَالِدٍ سَمِعَهُ بِلَا صَوْتٍ وَقِيلَ بِلَفْظٍ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ وَيَتَّضِحُ بِذِكْرِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ فَذَهَبَ الْأَشْعَرِيُّ إلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْقَدِيمَ الَّذِي هُوَ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى يَجُوزُ أَنْ يُسْمَعَ بِلَا صَوْتٍ وَلَا حَرْفٍ كَمَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ بِلَا كَمٍّ وَلَا كَيْفٍ وَهَذَا هُوَ الْمُرَجَّحُ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ جَلَالِ الدِّينِ وَمَنَعَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ ذَلِكَ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ، وَأَنَّهُ سَمِعَهُ بِصَوْتٍ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ أَوْ مِنْ جِهَةٍ بِلَا اكْتِسَابٍ وَعَلَى هَذَا فَرَّعَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ كَلَامَهُ. (سُئِلَ) عَمَّا قِيلَ إنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] إلَى قَوْلِهِ الْإِسْلَامُ كَانَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا خَرَّتْ الْأَصْنَامُ كُلُّهَا سَاجِدَةً لِلَّهِ تَعَالَى هَلْ لَهُ أَصْلٌ؟ . (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ كَانَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا لِكُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ صَنَمٌ أَوْ صَنَمَانِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الْآيَةَ قَالَ فَأَصْبَحَتْ الْأَصْنَامُ كُلُّهَا قَدْ خَرَّتْ سُجَّدًا لِلْكَعْبَةِ. (سُئِلَ) عَنْ قَوْلِهِ أُمِرْت أَنْ أَحْكُمَ بِالظَّاهِرِ وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ هَلْ

стр. 1296

هُوَ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ ؟ (فَأَجَابَ) قَالَ شَيْخُنَا الشَّمْسُ السَّخَاوِيُّ: لَا وُجُودَ لَهُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ وَلَا الْأَجْزَاءِ الْمَنْثُورَةِ وَجَزَمَ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْمُزَنِيّ وَغَيْرُهُ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عُمَرَ إنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ بَلْ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ «إنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ» وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا» قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ إنَّهُ يُؤْخَذُ مَعْنَاهُ مِنْهُ وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ بَابُ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَقِبَ إيرَادِهِ فِي كِتَابِ الْأُمِّ فَأَخْبَرَهُمْ ﷺ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي بِالظَّاهِرِ، وَأَنَّ أَمْرَ السَّرَائِرِ إلَى اللَّهِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا: إنَّ بَعْضَ مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ ظَنَّ هَذَا حَدِيثًا آخَرَ مُنْفَصِلًا عَنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فَنَقَلَهُ كَذَلِكَ ثُمَّ قَلَّدَهُ مَنْ بَعْدَهُ وَلِأَجْلِ هَذَا يُوجَدُ فِي كُتُبِ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ دُونَ غَيْرِهِمْ حَتَّى أَوْرَدَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْقَضَاءِ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْأُمِّ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «تَوَلَّى اللَّهُ مِنْكُمْ السَّرَائِرَ وَدَرَأَ عَنْكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ» وَكَذَا

стр. 1297

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِرِ، وَأَنَّ أَمْرَ السَّرَائِرِ إلَى اللَّهِ. وَأَغْرَبَ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ الْجِيزِيُّ فِي كِتَابِهِ إدَارَةُ الْحُكَّامِ فَقَالَ فِيمَا نُقِلَ عَنْ مُغَلْطَاي مِمَّا وَقَفْت عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي «قِصَّةِ الْكِنْدِيِّ وَالْحَضْرَمِيِّ اللَّذَيْنِ اخْتَصَمَا فِي الْأَرْضِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ قَضَيْت عَلَيَّ وَالْحَقُّ لِي فَقَالَ ﷺ إنَّمَا أَقْضِي بِالظَّاهِرِ وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» قَالَ شَيْخُنَا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ وَلَا أَدْرِي أَسَاقَ لَهُ إسْمَاعِيلُ إسْنَادًا أَمْ لَا اهـ. [هَلْ كَتَبَ النَّبِيّ بِيَدِهِ] (سُئِلَ) هَلْ كَتَبَ ﷺ بِيَدِهِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ كَتَبَ وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّهَا صَدَرَتْ مِنْهُ مُعْجِزَةً وَمِنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ بِوَحْيٍ وَمِنْهَا أَنَّهُ أَمَرَ مَنْ كَتَبَ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ الْكِتَابَةُ تَجَوُّزًا وَهَذَا أَرْجَحُهَا فَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةٍ. [الْأَنْبِيَاءَ يَأْتُونَ لِأَجْلِ شَفَاعَةِ النَّبِيّ وَيَسْأَلُونَهُ إيَّاهَا] (سُئِلَ) هَلْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ أَنَّ النَّاسَ إذَا أَتَوْا آدَمَ ﵇ يَسْأَلُونَهُ يَدُلُّهُمْ عَلَى نُوحٍ وَيَقُولُ، وَأَنَا أَذْهَبُ مَعَكُمْ، وَأَنَّ نُوحًا يَدُلُّهُمْ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَيَقُولُ، وَأَنَا أَذْهَبُ مَعَكُمْ، وَأَنَّ إبْرَاهِيمَ يَدُلُّهُمْ عَلَى مُوسَى وَيَقُولُ، وَأَنَا أَذْهَبُ مَعَكُمْ، وَأَنَّ مُوسَى يَدُلُّهُمْ عَلَى عِيسَى وَيَقُولُ وَأَنَا أَذْهَبُ مَعَكُمْ وَأَنَّ عِيسَى يَدُلُّهُمْ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ -

стр. 1298

وَيَقُولُ، وَأَنَا أَذْهَبُ مَعَكُمْ فَيَأْتُونَهُ فَيَسْأَلُونَهُ الشَّفَاعَةَ فِي إرَاحَةِ النَّاسِ مِنْ طُولِ الْوُقُوفِ وَهَلْ السَّائِلُ فِي ذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ أَمْ غَيْرُهُمْ أَمْ الْجَمِيعُ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَأْتُونَ لِأَجْلِ شَفَاعَتِهِ وَيَسْأَلُونَهُ إيَّاهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي عُلُوِّ مَقَامِهِ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ حَدَّثَنِي نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنِّي لَقَائِمٌ أَنْتَظِرُ أُمَّتِي إذْ جَاءَنِي عِيسَى ﵇ فَقَالَ هَذِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَدْ جَاءَتْك يَسْأَلُونَ أَوْ قَالَ يَجْتَمِعُونَ إلَيْك تَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ جَمِيعِ الْأُمَمِ إلَى حَيْثُ شَاءَ لِعِظَمِ مَا هُمْ فِيهِ فَالْخَلْقُ مُلْجَمُونَ فِي الْعَرَقِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ عَلَيْهِ كَالزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَغْشَاهُ الْمَوْتُ قَالَ يَا عِيسَى انْتَظِرْ حَتَّى أَرْجِعَ إلَيْك قَالَ وَذَهَبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَلَقِيَ مَا لَمْ يَلْقَ مَلَكٌ مُصْطَفًى وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى جِبْرِيلَ أَنْ اذْهَبْ إلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَك وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرُوَاتُهُ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ. (سُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ فِي مَجْلِسِ الذِّكْرِ اللَّهُ اللَّهُ فِي حَالِ صَحْوِهِ مِنْ اسْتِغْرَاقٍ هَلْ يُسَمَّى ذِكْرًا أَوْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى ذِكْرًا هَلْ

стр. 1299

يُثَابُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى ذِكْرًا عُرْفًا لِعَدَمِ إفَادَتِهِ لَكِنَّهُ يُثَابُ لِقَصْدِ الذِّكْرِ كَمَا أَنَّ ذَا الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ آثِمٌ بِنُطْقِهِ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الْقُرْآنِ بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَعْصِيَةً وَشَرَعَ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ قَارِئًا. (سُئِلَ) عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] هَلْ الْوُرُودُ الدُّخُولُ أَمْ مُوَافَاةُ الْمَحَلِّ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ فَهَلْ هُوَ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْبَشَرِ حَتَّى الْأَنْبِيَاءِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْوُرُودَ الدُّخُولُ لِجَمِيعِ الْبَشَرِ فَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا يَبْقَى بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ إلَّا دَخَلَهَا فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا كَانَتْ عَلَى إبْرَاهِيمَ ﵇ حَتَّى أَنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجًا مِنْ بَرْدِهِمْ ثُمَّ يُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] » وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ «إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ وَعَدَنَا رَبُّنَا أَنْ نَدْخُلَ النَّارَ فَيُقَالُ لَهُمْ قَدْ وَرَدْتُمُوهَا وَهِيَ خَامِدَةٌ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قَالَ مُجْتَازٌ فِيهَا» وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «تَقُولُ النَّارُ لِلْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُزْ يَا مُؤْمِنٌ فَقَدْ أَطْفَأَ نُورُك لَهَبِي» وَعَنْ

стр. 1300

ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَرِدُ النَّاسُ النَّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ مِنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ فَأَوَّلُهُمْ كَلَمْحِ الْبَصَرِ ثُمَّ كَالرِّيحِ ثُمَّ كَحُضْرِ الْفَرَسِ ثُمَّ كَالرَّاكِبِ فِي رَحْلٍ ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ فِي مَشْيِهِ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْوُرُودُ الدُّخُولُ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إلَّا دَخَلَهَا وَكَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَخَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمْ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] فَالْمُرَادُ عَنْ عَذَابِهَا وَالِاحْتِرَاقِ بِهَا فَمَنْ دَخَلَهَا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهَا وَلَا يَحُسُّ مِنْهَا وَجَعًا وَلَا أَلَمًا فَهُوَ مُبْعَدٌ عَنْهَا فِي الْحَقِيقَةِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآخَرُ: لَا يَرِدُهَا مُؤْمِنٌ، وَقَوْلُ عِكْرِمَةَ: إنَّمَا يَرِدُهَا الظَّلَمَةُ وَقِيلَ وُرُودُهَا الْجَوَازُ عَلَى الصِّرَاطِ فَإِنَّهُ مَمْدُودٌ عَلَيْهَا، وَقَالَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ وَالسُّدِّيُّ وَقِيلَ هُوَ وُرُودُ إشْرَافٍ وَاطِّلَاعٍ وَقُرْبٍ وَقِيلَ وُرُودُ الْمُؤْمِنَ مَسُّ الْحُمَّى إيَّاهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» وَفِي الْحَدِيثِ «الْحُمَّى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ النَّارِ» . (سُئِلَ) عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٨٣] وَكَيْفَ اسْتَثْنَى الْقَلِيلَ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ لَاتَّبَعَ الْكُلُّ الشَّيْطَانَ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْخِطَابَ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَفِي مَعْنَى الْآيَةِ أَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا أَنَّ مَعْنَاهَا لَوْلَا
следующие страницы →