← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

«لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ» وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْن هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِأَنَّهُ ﷺ إنَّمَا أَمَرَ بِالْفِرَارِ مِنْ الْمَجْذُومِ وَبِعَدَمِ إدَامَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ وَبِرُجُوعِهِ وَمُبَايَعَتِهِ مِنْ بَعِيدٍ شَفَقَةً عَلَى أُمَّتِهِ وَخَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَ مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ بِالْمُخَالَطَةِ وَغَيْرِهَا الْجُذَامُ فَيَسْبِقُ إلَى قَلْبِ بَعْضِهِمْ أَنَّ نَحْوَ الْجُذَامِ يُعْدِي بِطَبْعِهِ. وَهُوَ اعْتِقَادُ بَعْضِ الْكُفَّارِ كَمَا يَأْتِي وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فَهُوَ انْتِفَاءُ الْعَدْوَى أَصْلًا فَقَدْ نَفَاهَا ﷺ بِقَوْلِهِ رَدًّا عَلَى مَنْ أَثْبَتَهَا فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلُ وَبِقَوْلِهِ لَا عَدْوَى الْحَدِيث وَبِقَوْلِهِ أَنَّهُ لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا وَلِهَذَا أَكَلَ مَعَ الْمَجْذُومِ ثِقَةً بِاَللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ وَبِذَلِكَ عُلِمَ الْجَمْعُ بَيْن هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَجَمَعَ بَيْنَهَا أَيْضًا بِأَنَّهُ ﷺ خَاطَبَ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ فَبَعْضُ النَّاسِ يَكُونُ قَوِيَّ الْإِيمَانِ فَخَاطَبَهُ بِطَرِيقِ التَّوَكُّلِ وَبَعْضُهُمْ لَا يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ فَخَاطَبَهُ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْأَخْذِ بِالتَّحَفُّظِ وَقَدْ فَعَلَ ﷺ الْحَالَتَيْنِ مَعًا فَاجْتَنَبَ الْمَجْذُومَ تَارَةً رِعَايَةً لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَشَرِيَّةِ وَخَالَطَهُ تَارَةً أُخْرَى لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُوَّةِ الْإِلَهِيَّة وَأَيْضًا فَلِيَتَأَسَّى بِهِ كُلٌّ مِنْ سَالِكِي الْمَقَامَيْنِ. وَيَكُونُ لِكُلِّ طَبَقَةٍ مِنْ النَّاسِ حُجَّةٌ بِحَسْبِ حَالِهِمْ وَعَلَى مَا يَلِيقُ بِهِمْ وَاَلَّذِي مَالَ إلَيْهِ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ الْجَمْعُ الْأَوَّلُ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَمْرَاضَ الْمُعْدِيَةَ تُعْدِي بِطَبْعِهَا مِنْ غَيْرِ إضَافَة شَيْءٍ إلَى اللَّهِ فَأُبْطِلَ ﷺ اعْتِقَادُهُمْ بِقَوْلِهِ لَا عَدْوَى وَأَرْشَدَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ إلَى مُجَانَبَة مَا قَدْ يَحْصُلُ عِنْدَهُ عَادَةُ الضَّرَرِ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ. وَأَجَابَ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِأَنَّ الْقُرْب مِنْ الْمَجْذُومِ وَصَاحِبِ السُّلِّ قَدْ يُؤَدِّي إلَى السَّقَمِ لَكِنْ بِالرَّائِحَةِ لَا بِالْعَدْوَى وَرَدَّ بِأَنَّ الرَّائِحَةَ مِنْ أَحَدِ أَسْبَابِ الْعَدْوَى وَأَجَابَ الطَّبَرَانِيُّ بِأَنَّ أَمْرَهُ ﷺ بِتَجَنُّبِ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ وَمَخَافَةِ مَا يَقَعُ بِالنَّفْسِ مِنْ الْعَدْوَى ثُمَّ فَعَلَ خِلَافَ ذَلِكَ حَيْثُ خَالَطَ وَقَالَ لَا عَدْوَى لِيُبَيِّنَّ أَنَّ أَمَرَهُ بِالْفِرَارِ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ الْأَمْرُ بِالْفِرَارِ لِلْإِبَاحَةِ أَيْ إذَا لَمْ تَصْبِرْ عَلَى أَذَاهُ وَكَرِهْت مُخَالَطَتَهُ فَيُبَاحُ لَك أَنْ تَفِرَّ مِنْهُ وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ «كُلْ مَعَ الْمَجْذُومِ وَبَيْنَك وَبَيْنَهُ قِيدُ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ» وَقِيدُ بِكَسْرِ الْقَافِ بِمَعْنَى قَدْرُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا «أَنَّهُ مَرَّ عَلَى الْجَذْمَى فَخَمَّرَ أَيْ غَطَّى أَنْفَهُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قُلْت لَا عَدْوَى قَالَ بَلَى وَلَكِنْ أَقَذَرُهُمْ» قَالَ وَكِيعٌ أَحَدُ رُوَاتِهِ هَذَا رُخْصَةٌ وَأَجَابَتْ عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَغَيْرُهَا بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِرَارِ وَنَحْوِهِ مَنْسُوخٌ بِخَبَرِ لَا عَدْوَى وَنَحْوِهِ وَبِمُوَاكَلَتِهِ لِلْمَجْذُومِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يُحَدِّثُ بِحَدِيثِ «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ» وَبِحَدِيثِ «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» ثُمَّ أَمْسَكَ عَنْ الْأَوَّلِ فَرَاجَعُوهُ فِيهِ وَقَالُوا إنَّا سَمِعْنَاك تُحَدِّثُهُ فَأَبَى أَنْ يَعْتَرِفَ بِهِ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ الرَّاوِي عَنْهُ فَلَا أَدْرِي أَنْسِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْ نُسِخَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ بِالْآخَرِ أَيْ الْعَدْوَى بَاقِيَةٌ وَالْأَمْرُ بِالْفِرَارِ مَنْسُوخٌ وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالًا أَرْبَعَةً الْأَوَّلُ أَنَّ الْمَرَضَ يُعْدِي بِطَبْعِهِ وَحْدَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْكُفَّارِ الثَّانِي أَنَّ الْمَرَضَ يُعْدِي بِأَمْرٍ خَلَقَهُ اللَّهُ وَأَوْدَعَهُ فِيهِ وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ أَصْلًا إلَّا إنْ وَقَعَ لِصَاحِبِ مُعْجِزَةٍ أَوْ كَرَامَةٍ فَيَتَخَلَّفُ وَهَذَا مَذْهَبٌ إسْلَامِيٌّ لَكِنَّهُ مَرْجُوحٌ الثَّالِثُ أَنَّ الْمَرَضَ يُعْدِي لَكِنْ لَا بِطَبْعِهِ بَلْ بِعَادَةٍ أَجْرَاهَا اللَّهُ فِيهِ عَادَةً وَقَدْ تَتَخَلَّفُ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نُدُورٍ فِي الْعَادَةِ الرَّابِعُ أَنَّ الْمَرَضَ لَا يُعْدِي أَصْلًا لَا طَبْعًا وَلَا عَادَةً بَلْ مَنْ اتَّفَقَ لَهُ وُقُوعُ ذَلِكَ الْمَرَضِ فَهُوَ بِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ فِيهِ ابْتِدَاءً. وَلِهَذَا نَرَى الْكَثِيرَ مِمَّنْ يُصِيبُهُ الْمَرَضُ الَّذِي يُقَالُ أَنَّهُ يُعْدِي يُخَالِطُهُ الصَّحِيحُ كَثِيرًا وَلَا يُعْدِيه وَلَا يُصِيبُهُ مِنْهُ شَيْءٌ وَالرَّاجِحُ هُوَ الْأَخِيرُ وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ مَشْهُورًا أَيْضًا لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا» وَقَوْلُهُ فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مَعْنَى لَا عَدْوَى أَنَّهُ لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا بِطَبْعِهِ حَتَّى يَكُونَ الضَّرَرُ مِنْ قِبَلِهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وَفِعْلِهِ وَإِرَادَتِهِ قِيلَ وَلَا عَدْوَى نُهِيَ عَنْ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ أَوْ يُعْتَقَدَ وَقِيلَ هُوَ خَبَرٌ أَيْ لَا يَقَعُ وَمَعْنَى الطِّيَرَةِ التَّشَاؤُمُ مِنْ التَّطَيُّرِ مَصْدَرُ تَطَيَّرَ يَتَطَيَّرُ طِيَرَةً مَأْخُوذٌ مِنْ اسْمِ الطَّيْرِ. وَقَدْ كَانَتْ

стр. 1052

الْعَرَبُ إذَا أَرَادَتْ أَمْرًا جَاءَتْ إلَى وَكْرِ الطَّيْرِ فَنَفَرَتْهُ فَإِنْ تَيَامَنَ يَمَّنَتْ بِهِ وَسَمَّتْهُ الشَّامِخَ وَمَضَتْ لِمَا عَزَمَتْ عَلَيْهِ وَإِنْ تَيَاسَرَ سَمَّتْهُ الْبَارِحَ وَتَشَاءَمَتْ بِهِ وَتَرَكَتْهُ فَزَجَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ وَعَرَّفَهُمْ أَنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يُورِدْ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الرَّجُلُ الْمَرِيضُ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنَّمَا الْمُمْرِضُ الَّذِي مَرِضَتْ مَاشِيَتُهُ وَالْمُصِحُّ صَاحِبُ الصِّحَاحِ وَلَيْسَ النَّهْيُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمَرَضَ يُعْدَى الصِّحَاحَ وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الصِّحَاحَ إذَا مَرِضَتْ بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى يُوقِعُ فِي نَفْسِ صَاحِبِهَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْعَدْوَى فَيَفْتِنُهُ ذَلِكَ وَيُشَكِّكُهُ فِي أَمْرِهِ فَأَمَرَ بِاجْتِنَابِهِ وَالْمُبَاعَدَةِ عَنْهُ لِذَلِكَ لَا لِلْعَدْوَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ امْرَأَةٍ ادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا عِنِّينٌ وَأَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا وَأَنَّهَا بِكْرٌ فَأَنْكَرَ وَقَالَ إنَّهُ قَدْ افْتَضَّهَا فَشَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَنَّهَا بِكْرٌ فَهَلْ تُصَدَّقُ بِيَمِينِهَا أَوْ بِلَا يَمِينٍ أَنَّهُ عِنِّينٌ وَإِذَا ثَبَتَتْ عُنَّتُهُ وَضَرَبَ لَهَا الْقَاضِي الْمُدَّة الْمَعْرُوفَةَ وَانْقَضَتْ فَهَلْ تَسْتَقِلُّ بِالْفَسْخِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي ثَبَتَتْ عُنَّتُهُ فَاخْتَارِي وَكَيْف لَفْظُ الْفَسْخِ الْمُعْتَبَرِ الَّذِي لَا يَحْصُلُ بِدُونِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّهَا تُصَدَّقُ بِيَمِينِهَا عَلَى الرَّاجِحِ فِي الشَّرْحِ الصَّغِير وَفِي كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا مَا يُشِيرُ إلَيْهِ وَاعْتَمَدَهُ الْإِسْنَوِيّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ لَكِنْ لَا تَحْلِفُ إلَّا إنْ طَلَبَ الزَّوْجُ يَمِينَهَا عَلَى الرَّاجِحِ أَيْضًا. لِأَنَّ زَوْجَهَا وَهُوَ الْخَصْمُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الدَّعْوَى فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِيَاطِ لَهُ بِتَحْلِيفِهَا مِنْ غَيْرِ طَلَبِهِ ثُمَّ إنْ حَلَفَتْ بَعْد شَهَادَةِ النِّسْوَةِ الْأَرْبَع بِالْبَكَارَةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُزِلْ بَكَارَتَهَا فَلَهَا الْفَسْخُ بِعُنَّتِهِ بِشَرْطِهِ وَإِنْ نَكَلَتْ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ وَلَا خِيَار لَهَا فَإِنْ نَكَلَ هُوَ أَيْضًا فَسَخَتْ بِلَا يَمِينٍ وَلَيْسَ قَضَاءً بِالنُّكُولِ الْمُجَرَّدِ بَلْ لِأَجْلِ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِبَكَارَتِهَا الْمُعْتَضِدَةِ بِإِقْرَارِهِ الَّذِي تَضَمَّنَّهُ نُكُوله قَالَ الشَّيْخَانِ وَلَيْسَ لَهَا الِاسْتِقْلَالُ بِالْفَسْخِ إلَّا بَعْد قَوْلِ الْقَاضِي لَهَا ثَبَتَتْ عُنَّتُهُ ثُبُوتًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَسْخُ أَوْ ثَبَتَ حَقُّ الْفَسْخِ فَاخْتَارِي فَتَسْتَقِلُّ بِهِ حِينَئِذٍ اهـ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ فَاخْتَارِي لَيْسَ شَرْطًا بَلْ الْمُرَادُ بِهِ إعْلَامُهَا بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَسْخِ حَتَّى لَوْ بَادَرَتْ وَفَسَخَتْ قَبْلَهُ نَفَذَ فَسْخُهَا وَيُؤَيِّدُهُ حَذْفُ الرَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ فَاخْتَارِي مِنْ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَكَيْفِيَّةُ لَفْظِ الْفَسْخِ أَنْ تَقُولَ فَسَخْت نِكَاحَ فُلَانٍ لِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابٌ فِي الصَّدَاقِ] (وَسُئِلَ) عَمَّنْ خَطَبَ امْرَأَةً وَأَجَابُوهُ فَأَعْطَاهُمْ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ يُسَمَّى الْجِهَازَ هَلْ تَمْلِكُهُ الْمَخْطُوبَةُ أَوْ لَا بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِنِيَّةِ الْخَاطِبِ الدَّافِعِ فَإِنْ دَفَعَ بِنِيَّةِ الْهَدِيَّةِ مَلَكَتْهُ الْمَخْطُوبَةُ أَوْ بِنِيَّةِ حُسْبَانِهِ مِنْ الْمَهْر حُسِبَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أَوْ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ بِهِ عَلَيْهَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ زَوَاجٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ تَمْلِكهُ وَيُرْجَعُ بِهِ عَلَيْهَا. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى هَذَا الدَّنِّ مِنْ الْخَمْرِ فَإِذَا هُوَ خَلٌّ أَوْ عَلَى هَذَا الْحُرِّ فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ أَوْ هَذِهِ الْمَيْتَةِ فَإِذَا هِيَ مُذَكَّاةٌ مَا حُكْمُ الْعَقْدِ هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَوْ بَاطِلُ وَإِنْ قُلْتُمْ بِالصِّحَّةِ مَاذَا يَلْزَمُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْعَقْدُ صَحِيحٌ وَاللَّازِمُ لَهُ هُوَ الْخَلُّ وَالْعَبْد وَالْمُذَكَّاةُ لِلْقَاعِدَةِ عِنْدنَا أَنَّ الْإِشَارَة لِعَدَمِ تَطَرُّقِ الْخَطَإِ إلَيْهَا أَقْوَى مِنْ الْعِبَارَةِ الَّتِي قَدْ تُخْطِئُ وَقَدْ تُصِيبُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ الْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا هَلْ تَجِبُ لَهَا مُتْعَةٌ حَالًا وَهَلْ تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الطَّلَاقِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَجِبُ حَالًا بَلْ إذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ وَلَمْ يُرَاجِعْهَا عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو شُكَيْل فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ وَالْبُسْتِيّ وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا إنْ قُلْنَا بِسُقُوطِهَا بِالرَّجْعَةِ وَكَلَامُهُمْ يَأْبَاهُ فَالْوَجْهُ وُجُوبُهَا فَوْرًا مُطْلَقًا وَلَا تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الطَّلَاقِ كَمَا قَالَهُ الرَّاعِي وَالْبَدْر بْن شُهْبَةَ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ سَبَبَ إيجَابِهَا الْإِيحَاشُ وَالِابْتِذَالُ وَهُمَا مُنْتَفِيَانِ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَة وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الثَّانِيَةَ مَثَلًا لَوْ كَانَتْ بَعْد مُرَاجَعَةٍ تَكَرَّرَتْ بِهَا الْمُتْعَةُ وَقَالَ الْقَاضِي بْنُ كَثِيرٍ تَتَعَدَّدُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْأَوْفَقُ بِإِطْلَاقِهِمْ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْخَيَّاطِ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَأَبِي شُكَيْل وَقَالَ إنَّهُ الصَّحِيحُ. (وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ كَثُرَ كَلَامُ النَّاسِ فِي الْهَدِيَّةِ الَّتِي يُهْدِيهَا الْخَاطِبُ وَالزَّوْجُ لِأَهْلِ الْمَخْطُوبَةِ أَوْ الزَّوْجَةِ مِنْ الْقُمَاشِ وَالْمَطْعُومَاتِ وَغَيْرِهِمَا ثُمَّ يَحْصُلُ

стр. 1053

لَهُ رَدًّا وَمِنْهُ طَلَاقٌ قَبْلَ الْوَطْءِ فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي الرُّجُوعِ بِذَلِكَ مَعَ الْبَسْطِ فِيهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَوَاخِرِ بَابِ الصَّدَاقِ وَتَبِعُوهُ وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى قَبْضِ مَالٍ فَقَالَ دَفَعْته صَدَاقًا وَقَالَتْ بَلْ هَدِيَّةً فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ تَلَفَّظَ وَاخْتَلَفَا هَلْ قَالَ خُذِي هَذَا صَدَاقًا أَمْ قَالَ هَدِيَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَفْظٌ وَاخْتَلَفَا فِيمَا نَوَى فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ أَيْضًا وَقِيلَ بِلَا يَمِينٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ أَوْ غَيْرِهِ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ فَإِذَا حَلَفَ الزَّوْجُ فَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ وَقَعَ عَنْهُ وَإِلَّا فَإِنْ تَرَاضَيَا بِبَيْعِهِ بِالصَّدَاقِ فَذَاكَ وَإِلَّا اسْتَرَدَّ وَأَدَّى الصَّدَاقَ فَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَلَهُ الْبَدَلُ عَلَيْهَا وَقَدْ يَقَعُ التَّقَاصُّ اهـ. كَلَامُهُ قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَدَّى الصَّدَاقَ فَأَمَّا إذَا أَدَّاهُ فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ دَفَعْته مِنْ الصَّدَاقِ وَلَا يُعْلَمُ حُكْمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ اهـ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُصَدَّقُ الدَّافِعُ فِي نِيَّتِهِ أَيْضًا أَخْذًا مِمَّا فِي الرَّوْضِ فِي الْقَرْضِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِكَيْفِيَّةِ إزَالَةِ يَدِهِ عَنْ مِلْكِهِ وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ عَقِبَ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ صُوَرٍ الْأُولَى أَنْ يَبْعَث بِهِ بَعْد الْعَقْدِ وَيُصَرِّح بِكَوْنِهِ هَدِيَّةَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ قَدْ سَلَّطَهُمْ عَلَى إتْلَافِ مَالِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَهُوَ كَتَقْدِيمِ طَعَامٍ لِضَيْفٍ وَقَالَ كُلْهُ وَطَلَب مِنْهُ عِوَضَهُ لَا يَلْزَمُهُ لَهُ عِوَضٌ الثَّانِيَةُ أَنْ يُصَرِّحَ بِكَوْنِهِ مِنْ الصَّدَاقِ فَيَرْجِعُ قَطْعًا الثَّالِثَةُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ عَلَى صُورَةِ الْهَدِيَّةِ وَهُوَ سَاكِتٌ وَلَهُ حِينَئِذٍ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا أَنْ يَنْوِيَ الْهَدِيَّةَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الرُّجُوع ثَانِيهَا أَنْ يُطْلِقَ فَلَا يَحِلّ لَهُ الرُّجُوعُ أَيْضًا لِتَسْلِيطِهِ إيَّاهُمْ عَلَى الْأَكْلِ بِغَيْرِ نِيَّةِ عِوَضٍ ثَالِثُهَا أَنْ يَنْوِيَ جَعْلَهُ مِنْ الصَّدَاقِ. فَلَهُ الرُّجُوعُ عَمَلًا بِنِيَّتِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَبْعُوثُ بِهِ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ أَمْ لَا كَالطَّعَامِ رَابِعُهَا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْعَقْدِ وَبَعْدَ إجَابَةِ الْخِطْبَةِ فَيَبْعَثُ لَا عَلَى قَصْدِ الْهَدِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ بَلْ عَلَى قَصْدِ أَنْ يُزَوِّجُوهُ أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَبْعُوثُ مِنْ الصَّدَاقِ الَّذِي يُعْقَدُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ فَإِذَا رُدَّتْ الْخِطْبَة أَوْ رَغِبَ عَنْهُمْ وَكَانَ الْبَعْثُ عَلَى نِيَّة شَرِيطَة أَنْ يُزَوِّجُوهُ أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَبْعُوثُ مِنْ الصَّدَاقِ فَالْوَجْهُ الرُّجُوعُ وَهُوَ مَا أَفْتَى بِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيُّ الدِّينِ بْن رَزِين - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَفْتَى الْبَغَوِيّ أَنَّ الْأَبَ لَوْ خَطَبَ لِابْنِهِ امْرَأَةً وَأَهْدَى لَهَا هَدِيَّةً ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَلَمْ يَتَّفِقْ تَزْوِيجٌ بِأَنَّ الْهَدِيَّةَ تَكُونُ تَرِكَةً لِلْأَبِ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْهَدِيَّةِ. فَإِنْ صَرَّحَ بِهَا لَمْ يَرْجِعْ وَإِنْ نَوَى الْعِوَضِيَّةَ لِتَسْلِيطِهِمْ عَلَى الْإِتْلَافِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَوَقَعَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي التَّنْقِيحِ غَيْرَ مُنَقَّحَةٍ لِعَدَمِ اسْتِحْضَارِهِ لِكَلَامِ الرَّافِعِيِّ فَأَمَّا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْهَدِيَّةِ فَلِأَنَّ نَفْسَهُ لَمْ تَطِبْ بِهِ إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُزَوِّجُوهُ وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ نَظِيرَ هَذَا فِي كِتَاب اللِّعَانِ فَقَالَ لَوْ قَالَ الدَّلَّالُ لِغَيْرِ الْمَالِكِ أَنَّ الْبَائِعَ ظَلَمَهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أُجْرَةَ الدَّلَالَةِ فَارْتَغَمَ لَهُ الْأَجْنَبِيُّ وَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَكَانَ كَاذِبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إلَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِي دَعْوَاهُ عَدَمَ الْإِعْطَاءِ وَقَدْ قَالَ ﷺ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ فَأَطْعِمُوهُ شَيْئًا حَيَاءً مِنْهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَكْلُ قَالَ وَالْغَصْبُ نَوْعَانِ غَصْبُ اسْتِيلَاءٍ وَغَصْبُ اسْتِحْيَاءٍ فَغَصْبُ الِاسْتِيلَاءِ أَخْذُ الْأَمْوَالِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِيلَاءِ وَالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَغَصْب الِاسْتِحْيَاءِ هُوَ أَخْذُهُ بِنَوْعٍ مِنْ الْحَيَاءِ قَالَ وَهُمَا حَرَامَانِ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْن الْإِكْرَاهِ عَلَى أَخْذِ الْأَمْوَالِ بِالسِّيَاطِ الظَّاهِرَةِ وَبَيْن أَخْذِهِ بِالسِّيَاطِ الْبَاطِنَةِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَر إنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ أَنَّهُ سَلَّمَ الْبَائِعَ ثَمَنًا حَرَامًا فَسَلَّمَهُ الْمَبِيعَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْله وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ مَلَكَهُ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ وَهُوَ لَمْ يُسَلِّمْ الْمَبِيعَ إلَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي دَفَعَهُ لَهُ حَلَالٌ، وَكَذَا لَوْ أَظْهَرَ شَخْصٌ الْفَقْرَ وَأَخْفَى الْغَنَاءَ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ فَقْرِهِ حُرِّمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ كَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَاسْتُدِلَّ لَهُ «بِأَنَّ فَقِيرًا مَاتَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ فَوُجِدَ مَعَهُ دِينَارٌ فَقَالَ كَيَّةٌ مِنْ نَارٍ وَمَاتَ آخَرَ مِنْهُمْ وَخَلَفَ دِينَارَيْنِ فَقَالَ ﷺ كَيَّتَانِ مِنْ نَارٍ» وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ النَّارَ لِأَنَّهُ أَخْفَى

стр. 1054

الْغِنَاءَ وَأَظْهَرَ الْفَقْرَ وَقَعَدَ يَأْكُلُ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ أَعْطَى مُكَاتَبٌ سَيِّدَهُ النُّجُومَ فَقَالَ اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ فَقَدْ أَعْتَقْتُك ثُمَّ وَجَدَ النُّجُومَ أَوْ بَعْضَهَا زُيُوفًا فَإِنَّهُ يَرْتَدُّ الْعِتْقُ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَسْمَحْ بِعِتْقِهِ إلَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّرَاهِمَ سَلِيمَةٌ وَهَذَا نَظِير مَا إذَا أُوقِعَ الطَّلَاقُ عَلَى ظَنِّ وُقُوعِهِ لِفَتْوَى مِنْ مُقَلِّدٍ ثُمَّ بَانَ خَطَأُ الْمُفْتِي فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَفِي كُلِّ مَحَلٍّ أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ فِيهِ شَيْء عَلَى قَصْدِ تَحْصِيلِ غَرَضٍ أَوْ عِوَضٍ فَلَمْ يَحْصُلْ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ أَكْله فَعَلَى هَذَا إذَا خَطَبَ امْرَأَةً فَأَجَابُوهُ فَبَعَثَ شَيْئًا وَلَمْ يُصَرِّحْ بِكَوْنِهِ هَدِيَّةً وَقَصَدَ إبَاحَتَهُ عَلَى قَصْدِ أَنْ يُزَوِّجُوهُ فَإِذَا لَمْ يُزَوِّجُوهُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِمْ. وَمَنْ أَفْتَى بِالرُّجُوعِ مُطْلَقًا لَمْ يُصِبْ وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ مَا لَوْ أَهْدَى الْمَدِينُ لِدَائِنِهِ شَيْئًا وَصَرَّحَ بِالْهَدِيَّةِ فَلَا يُحْسَبُ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنْ قَالَ قَصَدْت الْعِوَضِيَّةَ صَدَقَ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا فَلَهُ حُسْبَانُهُ مِنْ الدَّيْن نَظِيرَ مَا مَرَّ ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَوْ بَعَثَ إلَى مَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ بَعَثْته بِعِوَضٍ وَأَنْكَرَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ وَهَذَا الْفَرْعُ دَائِرٌ بَيْن مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ وَالْخِطْبَةِ فَالْفُرُوعُ حِينَئِذٍ ثَلَاثٌ. الْأَوَّلُ: أَنْ يَبْعَث لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَصَدَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ. الثَّانِي: أَنْ يَبْعَثَ لِمَنْ وَعَدَهُ بِوَعْدٍ بِنَاءً عَلَى أَنْ يُنْجِزَهُ لَهُ كَالْخِطْبَةِ وَكَمَنْ وَعَدَ إنْسَانًا بِأَنْ يَسْعَى لَهُ فِي تَحْصِيلِ شُغْلٍ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ فَفِيهِ مَا سَبَقَ الثَّالِثُ: أَنْ يُهْدِيَ لِمَنْ لَا وَعْدَ عِنْدُهُ وَلَا دَيْنَ فَلَا يَلْزَمُ الْمَبْعُوثَ إلَيْهِ غَرَامَةُ شَيْءٍ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَنَّك لَمْ تَشْتَرِطْ عَلَيَّ عِوَضًا مَعَ الرَّسُولِ وَأَمَّا إذَا قَالَ نَوَيْت أَخْذَ الْعِوَضِ فَلَا يَلْزَمُ الْمُهْدَى إلَيْهِ أَنْ يُثِيبَهُ وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي نِيَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبُ الْإِثَابَةُ كَمَا لَمْ تَجِبُ الْهَدِيَّةُ لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى إتْلَافِ مَالِهِ وَلَيْسَ لَهُ هَا هُنَا قَرِينَةٌ تَنْزِلُ عَلَيْهَا دَعْوَى الْعِوَضِيَّةِ. وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ الدَّرَاهِمُ الَّتِي تُرْمَى فِي النُّقُوطِ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْأَمْلَاكِ وَالْأَصَارِيفِ الَّتِي تُعْمَلُ لِلصَّبِيِّ عِنْد خَتْمِهِ الْقُرْآن وَغَيْرُ ذَلِكَ فَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَهَا عَلَى قَصْدِ الْمُكَافَأَةِ بِمِثْلِهَا حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَدَّعِي بِهَا وَيَطْلُبُهَا بَعْد الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَاَلَّتِي يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الرُّجُوعُ لِأَنَّ دَفْعَ الدَّرَاهِمِ لَهُمْ عَلَى صُورَةِ الْهِبَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَعَلَى الْإِذْن فِي الْقَبْضِ فَهِيَ إمَّا هِبَةٌ فَاسِدَةٌ أَوْ قَرْضٌ فَاسِدٌ. فَعَلَى هَذَا إنْ دَفَعَهَا لِلْمَالِكِ رَجَعَ عَلَيْهِ وَإِنْ دَفَعَهَا لِنَحْوِ الْخَاتِنِ رَجَعَ عَلَيْهِ عِنْد قَصْدِ الْعِوَضِيَّةِ مَا لَمْ يَأْذَنْ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ فِي الدَّفْعِ إلَيْهِ وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَوَجْهُ الرُّجُوعِ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَا قَصْدُ تَصَدُّقٍ وَلَا إبَاحَةٍ بَلْ جَرَتْ الْعَادَةُ فِي ذَلِكَ بِالْمُكَافَأَةِ وَهِيَ إلَى الْقَرْضِ الْفَاسِدِ أَقْرَبُ وَإِلَى الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ أَبْعَدُ لِقَصْدِ الْعِوَضِيَّةِ وَقَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إطْعَامُ الْمُضْطَرِّ إذَا وَصَلَ إلَى أَدْنَى رَمَقٍ وَكِسْوَةُ الْعَارِي وَإِطْعَامُ الْجَائِعِ بِقَصْدِ الرُّجُوعِ فَيَرْجِعُ وَكَذَا إذَا دَادَى الْوَلِيُّ الصَّغِيرَ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْد إرَادَة الرُّجُوعِ لِعَوْدِ النَّفْعِ إلَيْهِ وَلَيْسَ مِمَّا سَبَقَ مَنْ أَهْدَى لِقَوْمٍ هَدِيَّةً عَلَى قَصْد التَّوَدُّدِ إلَيْهِمْ لِيُجِيبُوا خِطْبَتَهُ فَلَمْ يُجِيبُوهُ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ جَرَيَانِ السَّبَب وَهُوَ الْمُفَرِّطُ اهـ كَلَامُ ابْنِ الْعِمَادَ لَكِنْ مَعَ بَعْضِ زِيَادَةٍ وَإِصْلَاحٍ وَقَعَ ذَلِكَ فِي أَثْنَائِهِ وَأَطْلَقَ فِي مَنْظُومَتِهِ الرَّدَّ فَقَالَ وَخَاطِبٌ لِمَرْأَةٍ خَلِيَّهْ ... أَهْدَى لَهَا كِسْوَتَهَا الْوَفِيَّهْ وَآلَةُ الطَّبْخِ مَعَ الْقُلْقَاسِ ... كَمَا جَرَى مِنْ عَادَةِ الْأَكْيَاسِ إنْ رُدَّتْ الْخِطْبَةُ قَبْلَ الْوَصْلَةِ ... رُدَّ الَّذِي قَدْ قَبَضَتْ بِالْجُمْلَةِ قَبْل الْمَمَاتِ وَبَعْدَهُ فِيهِ نَظَر ... فِي مَوْتِهَا مِنْ قَبْلِ رَدٍّ لِي خَطَر إلْحَاقُهَا بِنَاكِحِ التَّفْوِيضِ ... إنْ قُرِّرَ الْمَهْرُ فَخُذْ قَرِيضِي وَاَلَّذِي يُتَّجَه أَنَّا حَيْثُ أَوْجَبْنَا لَهُ الرُّجُوعَ لَا فَرْقَ بَيْن مَوْتِهَا وَعَدَمِهِ ثُمَّ قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ مِنْ عَوْدِ الْهَدِيَّةِ إلَى مِلْكِ الْأَبِ حَتَّى تُجْعَلَ تَرِكَةً لَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُهَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا خَتَنَ الْوَلِيُّ الطِّفْلَ فَأُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ هَلْ تَكُونُ مِلْكًا لِلِابْنِ أَوْ مِلْكًا لِلْأَبِ. فَاَلَّذِي قَالَهُ

стр. 1055

الْبَغَوِيّ إنَّهَا تَكُونُ مِلْكًا لِلِابْنِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاق وَنَقَلَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ عَنْهُ إنَّهَا تَكُونُ مِلْكًا لِلْأَبِ لِأَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الْأَبَ دُون الِابْنِ فَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ كَمَا لَوْ أَصْدَقَ عَنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ شَيْئًا ثُمَّ طَلَّقَ الِابْنُ قَبْل الدُّخُولِ فَإِنَّهُ يُرْجِعُ الشَّطْرَ إلَى الِابْنِ لِأَنَّا نُقَدِّرُ دُخُولَهُ فِي مِلْكِهِ حَالَةَ الْإِصْدَاقِ فَكَذَلِكَ يُقَدَّرُ دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ حَالَةَ الْهَدِيَّةِ لِأَجْلِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَصْدَقَ عَنْ ابْنِهِ الْبَالِغِ أَوْ عَنْ أَجْنَبِيٍّ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِلْمُعْطِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ الْوَلِيمَةِ] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا حَدُّ الْمَسَافَةِ الَّتِي تَجِبُ إجَابَة الدَّاعِي لِوَلِيمَةِ الْعُرْسِ مِنْهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّتِنَا ضَبَطَ الْمَسَافَةَ الَّتِي تَجِبُ الْإِجَابَةُ مِنْهَا إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَيُؤْخَذُ مِنْ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِهِمْ احْتِمَالَانِ فِي ذَلِكَ أَحَدُهُمَا ضَبْطُ تِلْكَ الْمَسَافَةِ بِمَسَافَةِ الْعَدْوَى وَهِيَ الَّتِي يَرْجِعُ الْمُبَكِّرُ مِنْهَا لَيْلًا إلَى بَلَدِهِ قِيَاسًا عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ فِي تِلْكَ الْمَسَافَةِ وَهَذَا مِثْلُهُ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا حَقٌّ آدَمِيٌّ فَكَمَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ قَطْعُ تِلْكَ الْمَسَافَةِ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا حَقٌّ آدَمِيٌّ فَلْيَجِبْ هُنَا إجَابَة الدَّاعِي إلَى الْوَلِيمَةِ مِنْ تِلْكَ الْمَسَافَةِ لِأَنَّ الْإِجَابَةَ وَاجِبَةٌ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَدْعُوَّ لَوْ اعْتَذَرَ إلَى الدَّاعِي فَقَبِلَ عُذْرَهُ سَقَطَ الْوُجُوبُ فَسُقُوطُهُ بِإِسْقَاطِهِ صَرِيحٌ فِي تَمَحُّضِ الْحَقِّ لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَسْقُطْ بِإِسْقَاطِهِ وَلَا يُنَافِيه قَوْلُ ابْنِ النَّحْوِيِّ لَمَّا حَكَى تَرَدُّدًا عَنْ الذَّخَائِرِ فِيمَا لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمَدْعُوِّ أَنَّ الدَّاعِيَ لَا يَتَأَذَّى بِامْتِنَاعِهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَنْعِ أَنَّ الِامْتِنَاعَ مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِمَا ذُكِرَ حَرَامٌ فَكَلَامُهُمْ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ يَرُدُّهُ فَقَدْ قَالُوا لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ إنْسَان أَنَّ صَدِيقَهُ يَرْضَى بِالْأَكْلِ مِنْ مَالِهِ جَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ وَقَالُوا لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْقَاضِي وُقُوعُ أَمْرٍ بِحُضُورِهِ جَازَ لَهُ الْحُكْمُ فِيهِ بِعِلْمِهِ فَإِذَا جَوَّزُوا الْأَكْلَ وَنَحْوَهُ وَالْقَضَاءَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ فَأَوْلَى أَنْ يُجَوِّزُوا التَّخَلُّفَ عَنْ الدَّعْوَى عِنْد غَلَبَةِ الظَّنِّ بِأَنَّ الدَّاعِيَ لَا يَتَأَذَّى بِالتَّخَلُّفِ. وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ أَعْنِي أَنَّ الضَّبْطَ بِمَسَافَةِ الْعَدْوَى فَهَلْ يَأْتِي هُنَا مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الشَّاهِدَ لَوْ احْتَاجَ إلَى مَرْكُوبٍ لَمْ يَلْزَمْهُ السَّفَرُ لِلْأَدَاءِ إلَّا إنْ أُعْطِيَ أُجْرَةَ الْمَرْكُوبِ وَنَفَقَةَ الطَّرِيقِ وَلَوْ كَانَ يَتَخَلَّفُ بِالْأَدَاءِ عَنْ كَسْبِهِ الَّذِي مِنْهُ قُوتُهُ يَوْمًا بِيَوْمِ لَمْ يَلْزَمْهُ الذَّهَابُ لِلْأَدَاءِ إلَّا إنَّ أُعْطِيَ قَدْرَ كَسْبِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ أَوْ أُجْرَتَهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَوْ لَا يَأْتِي ذَلِكَ هُنَا لِاطِّرَادِ الْعَادَةِ بِهِ فِي الشُّهُودِ بِخِلَافِهِ فِي الْوَلِيمَةِ الَّذِي يُتَّجَهُ الثَّانِي عَلَى أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّا وَإِنْ قُلْنَا بِهَذَا الِاحْتِمَالِ فَإِنَّمَا نُوجِبُ الذَّهَابَ إلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى عَلَى قَوِيٍّ يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوبِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ إذْ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ فِي الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ فِي الْوَلِيمَةِ أَنَّهَا تَسْقُطُ بِأَدْنَى مِمَّا ذَكَرْنَاهُ ثَانِيهمَا ضَبْطُ تِلْكَ الْمَسَافَةِ بِالْمَسَافَةِ الَّتِي تَلْزَمُ الْإِجَابَةُ إلَيْهَا فِي الْجُمُعَةِ فَفِي الْبَلَدِ تَجِبُ الْإِجَابَةُ مُطْلَقًا لَكِنْ بِالشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ قَرِيبًا وَهُوَ أَنْ لَا تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ وَخَارِجِ الْبَلَدِ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ بِهَذَا الشَّرْطِ أَيْضًا وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ أَيْضًا فَإِذَا سَقَطَتْ عَلَى مَنْ لَا يَسْمَعُ النِّدَاءَ لِلْمَشَقَّةِ فَكَذَلِكَ سُقُوطُ وُجُوبِ الْإِجَابَة عَلَى مَنْ لَا يَسْمَعُ النِّدَاءَ وَهُوَ خَارِجَ الْبَلَدِ وَعَلَى هَذَا فَيُجَابُ عَمَّا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْإِجَابَةَ حَقُّ آدَمِيٍّ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهَا مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ بِأَنَّ تِلْكَ وَإِنْ كَانَتْ حَقَّ آدَمِيٍّ إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ اطَّرَدَ فِيهِ بِالْمُسَامَحَةِ عِنْد وُجُودِ الْمَشَاقِّ لِأَنَّ الْإِخْلَال بِهِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ يَلْحَقُ الدَّاعِيَ فَكَثُرَتْ الْأَعْذَارُ فِيهِ بِخِلَافِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّ الْإِخْلَال بِهِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ كَثِيرٌ يَلْحَقُ الْمَشْهُودَ لَهُ. فَلِذَا لَمْ تَكْثُرْ الْأَعْذَارُ فِيهِ كَثْرَتَهَا هُنَا فَاتَّضَحَ الْفَرْقُ بَيْن أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَالْإِجَابَةِ لِلْوَلِيمَةِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا حَقَّ آدَمِيٍّ وَبِهَذَا اتَّجَهَ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الثَّانِي أَقْرَبُ وَأَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ بَلْ أَقْرَبُ مِنْهُ احْتِمَالٌ ثَالِثٌ وَهُوَ تَحْكِيمُ الْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ عِنْد كُلِّ قَوْمٍ فِي نَاحِيَتِهِمْ فَإِذَا اعْتَادَ أَهْلُ نَاحِيَةٍ الدُّعَاءَ مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى فَأَقَلَّ وَاطَّرَدَ عُرْفُهُمْ بِالْإِجَابَةِ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ تَرْكَ الْإِجَابَةِ يُوجِبُ كَسْرًا وَقَطِيعَةً لِلْمَدْعُوِّ

стр. 1056

وَجَبَتْ الْإِجَابَةُ مِنْ تِلْكَ الْمَسَافَةِ عَلَى الْقَوِيِّ الَّذِي لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَشَقَّةٌ فِي بَدَنِهِ وَلَا مَاله وَإِنْ لَمْ يَعْتَادُوا ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ بَلْ لَوْ اعْتَادُوا عَدَمَ الدُّعَاءِ مِنْ خَارِجِ الْبَلَدِ وَإِنْ سَمِعَ الْخَارِجُونَ النِّدَاءَ لَمْ تَجِبُ الْإِجَابَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ التَّفَرُّجِ أَيَّامَ الزِّينَةِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهَا لِحُرْمَتِهَا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ حُرْمَةُ سَتْرِ الْجُدْرَانِ بِالْحَرِيرِ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ فَعَلُوهُ أَيَّامَ الزِّينَةِ اخْتِيَارًا حُرِّمَ التَّفَرُّجُ وَالنَّظَرُ إلَيْهِ أَوْ إكْرَاهًا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ الْجَوَازُ حِينَئِذٍ لِإِبَاحَتِهِ فَلَيْسَ فِي التَّفَرُّجِ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَعَلَى الْحَالِ الْأَوَّلِ يُحْمَلُ إفْتَاءُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَغَيْرِهِ بِحُرْمَةِ التَّفَرُّجِ وَالنَّظَرِ. (وَسُئِلَ) عَنْ قَرَاطِيسِ الْإِفْرِنْجِ هَلْ تَجُوزُ الْكِتَابَةُ فِيهَا أَوْ لَا لِمَا فِيهَا مِنْ صُوَرِ الْحَيَوَانَاتِ وَهَلْ يَجِبُ قَطْعُ مَحَلِّهَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْصٌ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ سَبَرْتُ الْآنَ مِنْهَا جُمْلَةً فَلَمْ أَرَ فِيهَا صُورَةَ حَيَوَانٍ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ كَالْخَتْمِ فَعِنْد تَحَقُّقِ مَا فِيهَا غَيْر صُورَةٍ الْأَمْرُ وَاضِحٌ وَكَذَا عِنْد الشَّكِّ فِيهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ وَأَمَّا عِنْد تَحَقُّقِ أَنَّ مَا فِيهَا صُورَةٌ فَالْوَجْهُ الْحِلُّ أَيْضًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ لِأَنَّهُمْ أَبَاحُوا اسْتِعْمَالَ مَا فِيهِ صُورَةٌ وَقَالُوا أَنَّهُ مُمْتَهَنٌ بِالِاسْتِعْمَالِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكِتَابَةَ فِي الْوَرَقِ اسْتِعْمَالٌ لَهُ بَلْ لَا اسْتِعْمَالَ لَهُ غَيْرُهُ فَكَانَتْ الْكِتَابَةُ فِيهِ مَعَ وُجُودِ الصُّورَةِ جَائِزَةٌ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ امْتِهَانِهَا عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً ذَكَرُوا جَوَازَ حَمْلِ الدَّنَانِيرِ الَّتِي تُجْلَبُ مِنْ أَرْضِهِمْ وَعَلَيْهَا صُورَةُ حَيَوَانٍ حَقِيقَةً يَقِينًا وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهَا كَانَتْ تُجْلَبُ مِنْ عِنْدِهِمْ فِي زَمَنِ السَّلَفِ أَيْضًا وَلَمْ يَنْهَوْا عَنْ حَمْلِهَا فِي الْعِمَامَةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا النَّقْدِيَّةُ لَا تِلْكَ الصُّورَةُ وَلِتَعَذُّرِ إزَالَتِهَا أَوْ تَعَسُّرِهِ وَإِذَا جَازَ هَذَا فِي تِلْكَ الدَّنَانِيرِ فَجَوَازُ الْكِتَابَةِ فِي الْوَرَقِ الْإِفْرِنْجِيِّ أَوْلَى وَإِنْ تُحُقِّقَ أَنَّ فِيهِ صُورَةَ حَيَوَانٍ. (وَسُئِلَ) هَلْ الشِّبَعُ بِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ مُطْلَقًا أَمْ لَا وَمَا مَعْنَى خَبَرِ «مَا مَلَأ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ» وَخَبَرِ «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ» ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الشِّبَعُ بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ بَعْد الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَصَحَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ غَلَبَتْ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ» قَالَ الْقُرْطُبِيُّ لَوْ سَمِعَ بُقْرَاط بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ وَقَالَ غَيْرُهُ إنَّمَا خَصَّ الثَّلَاثَةَ بِالذَّكَرِ لِأَنَّهَا أَسْبَابُ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ وَلِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْبَطْنَ سِوَاهَا وَهَلْ الْمُرَادُ بِالثُّلُثِ فِي كُلٍّ الْحَقِيقَةُ أَوْ التَّقْسِيمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُتَقَارِبَةٍ ظَاهِرُ الْخَبَرِ الْأَوَّل لَكِنَّ الثَّانِي أَظْهَرُ وَقَدْ صَحَّ «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ أَيْ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْقَصْرِ وَهُوَ الْمُصْرَان وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» وَالْمُرَادُ بِالسَّبْعَةِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْكَثْرَةِ أَيْ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ التَّقَلُّلُ مِنْ الْأَكْلِ لِاشْتِغَالِهِ بِالْعِبَادَةِ وَلِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْأَكْلِ الْإِعَانَةُ عَلَيْهَا لَا غَيْرَ وَمِنْ شَأْنِ الْكَافِرِ التَّكَثُّرُ مِنْهُ لِغَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا عَبَّرْنَا بِمَا مِنْ شَأْنِهِ لِأَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ يُكْثِرُ وَبَعْضُ الْكُفَّارِ قَدْ يُقَلِّلُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالِاقْتِنَاعُ بِالْبُلْغَةِ بِخِلَافِ الْكَافِرِ وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَتَحَصَّنُ مِنْ الشَّيْطَانِ بِالْبَسْمَلَةِ فَلَا يُشْرِكُهُ الشَّيْطَانُ فَيَكْفِيه الْقَلِيلُ بِخِلَافِ الْكَافِرِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ كَامِلُ الْإِيمَانِ لِأَنَّ كَمَالَهُ يَسْتَلْزِمُ إشْغَال الْفِكْرِ فِيمَا بَيْن يَدَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ وَمَا بَعْده فَيَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ اسْتِرْسَالِ نَفْسِهِ فِي شَهَوَاتِهَا وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَنْ كَثُرَ تَفَكُّرُهُ قَلَّ مَطْعَمُهُ وَمَنْ قَلَّ تَفَكُّرُهُ كَثُرَ مَطْعَمُهُ وَقَسَا قَلْبُهُ» وَقَالُوا لَا تَدْخُلُ الْحِكْمَةُ مِعْدَةً مُلِئَتْ طَعَامًا وَمَنْ قَلَّ طَعَامُهُ قَلَّ مَشْرَبُهُ وَخَفّ مَنَامه وَمَنْ خَفَّ مَنَامُهُ ظَهَرَتْ بَرَكَةُ عُمْرِهِ وَمَنْ امْتَلَأَ بَطْنُهُ كَثُرَ شُرْبُهُ فَيَثْقُلُ نَوْمُهُ فَتُمْحَقُ بَرَكَةُ عُمْرِهِ وَمَنْ اكْتَفَى بِدُونِ الشِّبَعِ حَسُنَ اغْتِذَاءُ بَدَنِهِ وَصَلُحَ حَالُ نَفْسِهِ وَقَلْبِهِ وَمَنْ امْتَلَأَ مِنْ الطَّعَامِ سَاءَ غِذَاءُ بَدَنه وَأَشِرَتْ نَفْسُهُ وَقَسَا قَلْبُهُ وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إنَّ أَهْل الشِّبَعِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْجُوعِ فِي الْآخِرَةِ» وَفِي رِوَايَةٍ «إنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا فِي الْآخِرَةِ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «لَمْ يَمْتَلِئ جَوْفُ النَّبِيِّ ﷺ شَبَّعَا قَطُّ» أَيْ شَبَّعَا مَذْمُومًا وَهُوَ مَا يُثْقِلُ الْمَعِدَةَ وَيُثَبِّطُ صَاحِبَهُ عَنْ حَقِّ الْقِيَامِ

стр. 1057

بِالْعِبَادَةِ وَيُفْضِي إلَى الْبَطَرِ وَالْأَشَرِ وَالنَّوْمِ وَالْكَسَلِ. وَقَدْ يُحَرَّمُ الشِّبَعَ إنْ أَضَرَّ أَوْ كَانَ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ أَوْ يَظُنُّ رِضَاهُ بِهِ وَأَمَّا الشِّبَعُ النِّسْبِيُّ الْمُعْتَادُ فِي الْجُمْلَةِ فَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ ﷺ لِمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ خُرُوجِهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ مِنْ الْجُوعِ وَذَهَابِهِمْ إلَى بَيْتِ الْأَنْصَارِيِّ وَذَبْحِهِ الشَّاةَ وَتَقْدِيمِهَا مَعَ الرُّطَبِ وَفِيهِ فَلَمَّا أَنْ رَوَوْا وَشَبِعُوا قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ جَوَازُ الشِّبَعِ وَمَا جَاءَ فِي كَرَاهَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ اهـ وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَوَّلِ مَرَاتِبِ الشِّبَعِ وَمِنْ شَأْنِ هَذَا أَنَّهُ لَا يُثْقِلُ وَلَا يُكَسِّل وَكَرَاهَتُهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا يُثْقِل مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَإِلَّا حُرِّمَ كَمَا مَرَّ وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَمْتَلِئْ بَطْنُهُ فِي يَوْمٍ مِنْ طَعَامَيْنِ كَانَ إذَا شَبِعَ مِنْ التَّمْرِ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ الشَّعِيرِ وَإِذَا شَبِعَ مِنْ الشَّعِيرِ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ التَّمْرِ» وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ دَائِمًا لَا يَجْمَعُ بَيْن نَوْعَيْنِ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ أَكَلَ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ كَمَا بَيَّنْتُهُ مَعَ مَا يُنَاسِبُهُ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ وَرَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي مَا يَجِدُ مِنْ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بَطْنه» (تَنْبِيه) عِنْد أَهْلِ التَّشْرِيحِ أَنَّ أَمْعَاءَ الْإِنْسَانِ سَبْعَةٌ الْمَعِدَةُ ثُمَّ ثَلَاثَةُ أَمْعَاءٍ بَعْدهَا مُتَّصِلَةٌ بِهَا الْبَوَّابُ ثُمَّ الصَّائِمُ ثُمَّ الرَّقِيقُ وَالثَّلَاثَةُ رِقَاقٌ ثُمَّ الْأَعْوَرُ وَالْقُولُونُ وَالْمُسْتَقِيمُ وَطَرَفُهُ الدُّبْرُ وَكُلُّهَا غِلَاظٌ وَقَدْ نَظَمَهَا الْحَافِظُ زَيْنَ الدِّينِ الْعِرَاقِيِّ فِي قَوْلِهِ سَبْعَةُ أَمْعَاءٍ لِكُلِّ آدَمِيٍّ ... مَعِدَةٌ بَوَّابُهَا مَعَ صَائِمٍ ثُمَّ الرَّقِيقُ أَعْوَرُ قُولُونُ مَعَ ... الْمُسْتَقِيمِ مَسْلَكِ الْمَطَاعِمِ. (وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ هَلْ جَوَازُ الْأَخْذ بِعِلْمِ الرِّضَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَمْ مَخْصُوصٌ بِطَعَامِ الضِّيَافَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ غَيْر مَخْصُوصٍ بِذَلِكَ وَصَرَّحُوا بِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ كَالْعِلْمِ فِي ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَمَتَى غَلَبَ ظَنُّهُ أَنَّ الْمَالِكَ يَسْمَحُ لَهُ بِأَخْذِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ جَازَ لَهُ أَخْذُهُ ثُمَّ إنْ بَانَ خِلَافُ ظَنّه لَزِمَهُ ضَمَانُهُ وَإِلَّا فَلَا. (وَسُئِلَ) عَمَّا اقْتَضَتْهُ عِبَارَةُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ مِنْ نَدْبِ غَسْلِ الْفَمِ قَبْل الطَّعَامِ هَلْ هُوَ صَحِيحُ وَمَا سَلَفُهُ نَقْلًا وَدَلِيلًا فَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهَا مِنْ مُفْرَدَاتِ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ عِبَارَتِهِ عَلَى أَنَّ بِهَا لَفًّا وَنَشْرًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ سَلَفُهُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ عِبَارَتِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ أَنَّ غَسْلَ الْيَدِ قَبْل الْأَكْلِ أَدَبٌ وَغَسْلَ الْفَمِ بَعْده كَذَلِكَ وَلَا يُنَافِيهِ إيهَامُ أَنَّ غَسْلَهَا بَعْده لَيْسَ أَدَبًا لِلْعِلْمِ بِالسُّنِّيَّةِ وَاشْتِهَارِهَا مَعَ دَلِيلِهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الشَّيْخِ سَقَى اللَّهُ تَعَالَى عَهْدَهُ مِنْ نَدْبِ غَسْلِ الْفَمِ قَبْل الطَّعَامِ فِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ الشَّامِلِ لِمَا قَبْلُ وَمَا بَعْدُ مَا يُفْهِمُهُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَعَهُ غَسْلَ فَمِهِ وَهُوَ فِقْهٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ حِكْمَةَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْل احْتِمَالِ مُبَاشَرَتِهِمَا لِأَذَى يُشَوِّشُ. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْفَمِ عَلَى وَجْهٍ أَتَمَّ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ تَغَيُّرَ الْفَمِ أَكْثَرُ وَأَسْرَعُ مِنْ تَغَيُّرِ الْيَدَيْنِ وَأَنَّ الْيَدَ يُبَاشِرُ بَعْضُهَا دَاخِلَهُ بِوَضْعِهَا اللُّقْمَةَ فِيهِ فَسُنَّ غَسْلُهُ لِتَطِيبَ النَّفْسُ بِوَضْعِ مُمَاسِّهِ فِي الطَّعَامِ بِخِلَافِ مَا إذَا غُسِلَتْ الْيَدُ دُون الْفَمِ فَإِنَّ النَّفْسَ مِنْ ثَانِي لُقْمَةٍ تَعَافُ عَوْدَ الْيَدِ لِلطَّعَامِ بَعْد مُمَاسَّتِهَا لِدَاخِلِ الْفَمِ الَّذِي تَقَرَّرَ كَثْرَةُ تَغَيُّرِهِ وَاسْتِقْذَارِهِ. فَاتَّضَحَ أَنَّ غَسَلَ الْفَمِ قَبْل الطَّعَامِ فِقْهٌ ظَاهِرٌ نَقْلًا وَدَلِيلًا إذْ بِفَرْضِ عَدَمِ ذِكْرِ أَحَدٍ لَهُ هُوَ مَقِيسٌ بِالْأَوْلَى عَلَى غَسْلِ الْيَدِ كَمَا تَقَرَّرَ وَالْمُنَازَعَةُ فِيهِ بَعْد ظُهُورِ ذَلِكَ وَتَوْضِيحُهُ مُكَابَرَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) هَلْ يُفَرَّقُ بَيْن الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَسَائِرِ الْمَشْرُوبَاتِ فِي الْعَبِّ وَالْمَصِّ وَمَا حِكْمَةُ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا الْمَاءُ فَالسُّنَّةُ فِيهِ الْمَصُّ وَأَنْ يَشْرَبَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَنْفَاسٍ يُسَمِّي فِي أَوَّلِ كُلٍّ وَيَحْمَدُ آخِرَهُ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُدَرِّجَهَا بِأَنْ تَكُونَ الْأُولَى أَقَلَّ وَالثَّانِيَةُ أَكْثَرَ مِنْهَا ثُمَّ يَسْتَوْفِي حَاجَتَهُ فِي الثَّالِثَةِ وَحِكْمَتُهُ أَنَّ لِنِيَاطِ الْقَلْبِ مَوْضِعًا رَقِيقًا لَطِيفًا فَإِنْ جَاءَ الْمَاءُ دَفْعَةً وَاحِدَةً رُبَّمَا قَطَعَهُ فَمَاتَ صَاحِبُهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَأَيْضًا إذَا جَرَعَهُ جَرْعًا وَاسْتَوْفَى رَيَّهُ مِنْهُ نَفَسًا وَاحِدًا تَكَاثَرَ الْمَاءُ فِي مَوَارِدِ حَلْقِهِ وَأَثْقَل مَعِدَتَهُ وَرُوِيَ أَنَّ الْكُبَادَ أَيْ وَجَعُ الْكَبِدِ

стр. 1058

مِنْ الْعَبْ وَأَمَّا شُرْبُ اللَّبَنِ فَالْأَوْلَى فِيهِ الْعَبُّ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُ سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ وَيُسَمِّي فِي أَوَّلِهِ وَيَحْمَدُ فِي آخِرِهِ كَالطَّعَامِ وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَفِي الْمَدْخَلِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْن الْعَبِّ وَالْمَصِّ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي فِي الْمَاءِ تَأْتِي فِيهِ بِالْأَوْلَى فَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَق بِهِ فِي الْمَصِّ خَشْيَةَ الْمَحْذُورِ السَّابِقِ فِي الْمَاءِ وَإِنَّمَا خَرَجَ اللَّبَنُ عَنْ ذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ فَيُؤْمَنُ فِيهِ الشَّرْقُ وَتَقْبَلُهُ الْمَعِدَةُ وَإِنْ كَثُرَ مِنْ غَيْرِ إيذَاءٍ يَحْصُلُ لَهَا مِنْهُ عِنْد تَرَادُفِهِ وَتَزَاحُمِهِ. (وَسُئِلَ) عَمَّا قِيلَ يُسَنُّ لِلْآكِلِ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ وَيُسِرَّ بِالتَّحْمِيدِ مَا وَجْهُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّمَا سُنَّ لَهُ الْجَهْرُ بِالتَّسْمِيَةِ لِيُنَبِّهَ الْآكِلِينَ عَلَيْهَا وَعَلَى الْأَخْذِ فِي الْأَكْلِ بِخِلَافِ الْحَمْدِ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَكْتَفِ بَعْدُ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ عَلِمَ فَرَاغَهُمْ وَكِفَايَتَهُمْ يَنْبَغِي أَنْ يُسَنَّ لَهُ الْجَهْرُ لِيُنَبِّهَهُمْ عَلَيْهِ وَلَمَّا لَمْ يُوجَدُ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي الشُّرْبِ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْن الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ مَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا يُقْتَدَى بِهِ فَيُسَنُّ لَهُ الْجَهْرُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِيَعْلَمَ مَنْ عِنْدَهُ السُّنَّةَ. (وَسُئِلَ) عَنْ حِكْمَةِ كَرَاهَةِ الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْكُوزِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قِيلَ حِكْمَتُهَا أَنَّهُ مَحِلُّ اجْتِمَاعِ الْوَسَخِ قِيلَ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَشْرَبَ مِنْ نَاحِيَةِ أُذُنِ الْكُوزِ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَشْرَبُ مِنْهَا. (وَسُئِلَ) عَمَّا اُعْتِيدَ مِنْ قَوْلِ الْإِنْسَانِ لِمَنْ يَفْرُغُ مِنْ شُرْبِهِ: صِحَّةً أَوْ نَحْو ذَلِكَ هَلْ لَهُ أَصْلٌ أَوْ هُوَ بِدْعَةٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا وَيُحْتَجُّ لَهُ بِقَوْلِهِ ﷺ لِأُمِّ أَيْمَنَ لَمَّا أَنْ شَرِبَتْ بَوْلَهُ ﷺ «صِحَّةً يَا أُمّ أَيْمَنَ لَنْ تَلِجَ النَّارُ بَطْنَك» وَوَجْهُ الْقِيَاس أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْد كَثِيرٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا طَهَارَةُ فَضَلَاتِهِ ﷺ وَأَنَّ بَوْلَهُ شِفَاءٌ أَيُّ شِفَاءٍ فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ لِشَارِبَتِهِ فَلَا بِدْعَ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ قَوْلٌ مِثْلُهُ لِشَارِبِ الْمَاءِ لَا يُقَالُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ قَوْلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ لِأَنَّا نَقُولُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ ﷺ فِيمَا يَفْعَلُهُ عَلَى جِهَةِ التَّشْرِيعِ تَكَرُّرُ ذَلِكَ الْفِعْلِ مِنْهُ ﷺ بَلْ يَكْفِي صُدُورُ ذَلِكَ مِنْهُ كَذَلِكَ وَلَوْ مَرَّةً كَمَا هُوَ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ عَدَمَ النَّقْلِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُودِ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَبِقَوْلِنَا أَنَّ بَوْلَهُ ﷺ شِفَاءٌ أَيُّ شِفَاءٍ انْدَفَعَ مَا قِيلَ هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَا يُشْرَبُ وَإِنَّمَا هُوَ الْبَوْلُ وَهُوَ إذَا شَرِبَ عَادَ بِالضَّرَرِ فَقَالَ صِحَّة لِيَنْفِيَ عَنْهَا مَا تَتَوَقَّعُهُ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ بَوْلِ غَيْرِهِ ﷺ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ دُعَاءً وَإِخْبَارًا بِخِلَافِ شُرْبِ الْمَاءِ اهـ. فَقَوْلُهُ لِيَنْفِيَ عَنْهَا مَا تَتَوَقَّعُهُ إلَخْ يُرَدُّ بِأَنَّهُ تَقَرَّرَ عِنْد أُمّ أَيْمَنَ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ شِفَاءٌ وَلَمْ تَقْصِدْ بِشُرْبِهِ إلَّا ذَلِكَ فَانْدَفَعَ جَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا حُجَّةَ فِيهِ لَا لِمَا ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ بَلْ لِكَوْنِهِ ﷺ لَمْ يَقُلْ لَهَا ذَلِكَ إلَّا تَحْقِيقًا لِمَا قَصَدَتْهُ مِنْ شُرْبِهَا لِلْبَوْلِ فَإِنَّهَا إنَّمَا شَرِبَتْهُ لِلتَّدَاوِي وَطَلَبِ الشِّفَاءِ فَقَالَ لَهَا ﷺ صِحَّة تَحْقِيقًا لِقَصْدِهَا وَإِجَابَةً لِمَا مَرَّ لَهَا وَإِخْبَارًا بِأَنَّ مَا قَصَدَتْهُ مِنْ الصِّحَّةِ قَدْ حَصَلَ وَتَحَقَّقَ وَهَذَا مَعْنَى ظَاهِر إرَادَته مِنْ اللَّفْظِ وَعِنْد ذَلِكَ لَا يَبْقَى فِي الْخَبَرِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ فِيهِ دَلِيلًا لِنَدْبِ ذَلِكَ عِنْد شُرْبِ الْمَاءِ نَعَمْ فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِنَدْبِهِ عِنْد شُرْبِ الدَّوَاءِ لِأَنَّهُ عَلَى طِبْقِ النَّصِّ فَلَا فَارِقَ بَيْنهمَا. (وَسُئِلَ) عَمَّا يَفْعَلُهُ الْأَعَاجِمُ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ مِنْ الْقِيَامِ أَوْ الِانْحِنَاءِ أَوْ الْمُطَأْطَأَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ عِنْد شُرْبِ بَعْضِهِمْ هَلْ هُوَ بِدْعَةٌ؟ (فَأَجَابَ) نَعَمْ هُوَ بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ لِأَنَّا نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ. (وَسُئِلَ) عَنْ اتِّخَاذِ إنَاء لِأَكْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ يَخْتَصُّ بِهِ هَلْ هُوَ بِدْعَةٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ هُوَ بِدْعَةٌ لِأَنَّهُ يُنْبِي عَنْ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَخِلَافُ مَا عُرِفَ مِنْ طَرِيقَتِهِ ﷺ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «كُنْت أَشْرَبُ مِنْ الْإِنَاء فَيَأْخُذُهُ ﷺ فَيَشْرَبُ مِنْهُ فَيَضَعُ فَاهُ مَوْضِعَ فِي» وَرُوِيَ «سُؤْرُ الْمُؤْمِنِ شِفَاءٌ» وَوَرَدَ الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ عِيَالِهِ قِيلَ وَهَذِهِ دَسِيسَةٌ دَسَّهَا الشَّيْطَانُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِيَتَوَفَّرَ لِلنِّسَاءِ مَا يَقْصِدْنَهُ كَثِيرًا مِنْ سِحْرِ الرِّجَالِ وَإِسْقَائِهِمْ مَا يُخْبِلُهُم أَوْ يُجَنِّنُهُمْ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ مَكَايِدِهِنَّ وَلَوْ كَانَ إنَاءُ شُرْبِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنه وَبَيْن عِيَاله لَمْ يَتَأَتَّ لَهُنَّ

стр. 1059

ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) عَمَّا اُعْتِيدَ أَنَّ الْآكِلَ أَوْ الْآكِلِينَ يَقُومُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ خَادِمٌ هَلْ هُوَ بِدْعَةٌ وَإِنْ اُضْطُرَّ لِذَلِكَ لِنَشِّ الذُّبَابِ أَوْ نَحْوِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ بِدْعَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَمِنْ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْتَاجَ لِذَلِكَ لِتَنْفِيرِ مُؤْذٍ كَذُبَابٍ وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ فَلَا بَأْسَ بِالْقِيَامِ لِهَذَا الْعُذْرِ لِأَنَّهُ يَنْفِي التَّشَبُّهَ وَالْكِبْرَ الْمَذْكُورَيْنِ وَفِعْلُ الْمُضِيفِ لِنَحْوِ نَشِّ الذُّبَابِ بِنَفْسِهِ أَوْلَى لِأَنَّهُ إكْرَامٌ لِلضَّيْفِ وَكُلُّ إكْرَامٍ لَهُ يُسَنُّ لِلْمُضِيفِ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ فَإِنْ تَعَسَّرَ عَلَيْهِ فَبِمَأْذُونِهِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ نَقَلَ أَنَّ الرَّغِيفَ لَا يُحْضَرُ بَيْن يَدَيْ آكِلِهِ حَتَّى يَخْدِمَ فِيهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ عَالَمًا بِفَتْحِ اللَّامِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ وَمِنْ ثَمَّ يَنْبَغِي لِلْآكِلِ أَنْ يَسْتَشْعِرَ فِي نَفْسِهِ ذَلِكَ وَيَتَأَمَّلَ كَمْ مِنْ عَالَمٍ عُلْوِيّ وَسُفْلِيٍّ خَدَمَتْهُ فِيهِ لِيَعْلَمَ قَدْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي إحْضَارِ هَذَا الرَّغِيفِ بَيْن يَدَيْهِ فَيَشْكُر اللَّهَ مُعْتَقِدًا عَجْزَهُ عَنْ حَقِّ شُكْرِهِ وَأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ نِعَمًا لَا تُحْصَى. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ يَأْكُلُ وَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي فَمِهِ ثُمَّ يَرُدُّهَا لِلطَّعَامِ هَلْ يُكْرَه لَهُ ذَلِكَ وَكَذَا لَعْقُ الْأَصَابِعِ قَبْل الْفَرَاغِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كُلٌّ مِنْ الرَّدِّ وَاللَّعْقِ قَبْل الْفَرَاغِ خِلَافُ الْأَوْلَى أَوْ مَكْرُوهٌ لِأَنَّ الْيَدَ إذَا أَصَابَهَا شَيْءٌ مِنْ اللُّعَاب فَعَادَتْ إلَى الطَّعَامِ إمَّا يَعَافُهُ هُوَ أَوْ مَنْ يَرَاهُ فَيُشَوِّشُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَيُسَنُّ لَهُ غَسْلُ يَدِهِ حَيْثُ أَصَابَهَا شَيْءٌ مِنْ اللُّعَابِ قَبْل رَدِّهَا لِلطَّعَامِ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا يُسَنُّ لِآكِلِ نَحْوِ التَّمْرِ أَنْ يُلْقِيَ نَوَاهُ عَلَى ظَهْرِ يَدِهِ ثُمَّ يُلْقِيَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ بَاطِنَ يَدِهِ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْمَأْكُولِ رِيقُهُ. (وَسُئِلَ) عَنْ الْأَكْلِ بِالْمَلَاعِقِ هَلْ هُوَ بِدْعَةٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ إنْ أَصَابَهَا شَيْءٌ مِنْ لُعَابِهِ ثُمَّ رَدَّهَا لِلطَّعَامِ أَوْ إنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ تَكَبُّرٍ أَوْ تَشَبُّهٍ بِالْأَعَاجِمِ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِقُبْحِهَا. (وَسُئِلَ) هَلْ يُسَنُّ فِي الْأَكْلِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَوَّلًا ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ يَأْكُلُ كَيْف تَيَسَّرَ كَمَا قِيلَ بِذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ أَنَّ الْبُدَاءَةَ فِي مَضْغِ أَوَّل لُقْمَةٍ بِنَاحِيَةِ الْيَمِينِ هِيَ السُّنَّةُ لِلْأَمْرِ بِالتَّيَامُنِ وَهُوَ عَامٌّ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ وَبَعْد ذَلِكَ يَأْكُلُ كَيْف شَاءَ قَالَ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ شَابًّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَقَدَّمَ لَهُ أَكْلًا فَأَكَلَ بِالْيَسَارِ فَقَالَ لَهُ مَنْ شَيْخُك قَالَ يَا سَيِّدِي نَاحِيَةُ الْيَمَنِ تَوْجَعُنِي فَقَالَ لَهُ كُلْ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْك وَعَمَّنْ رَبَّاك اهـ وَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا ذَلِكَ إلْحَاقًا لَهُ بِنَحْوِ اللُّبْسِ وَالسِّوَاكِ فَإِنَّهُ يُسَنُّ التَّيَمُّنُ فِي ابْتِدَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يُقَالُ الْفَرْقُ بَيْنهمَا وَبَيْن الْأَكْلِ وَاضِحٌ بِأَنَّهُمَا مِنْ بَابِ الْإِكْرَامِ وَهُوَ يُسَنُّ فِيهِ التَّيَامُنُ بِخِلَافِ الْأَكْلِ فَإِنَّهُ لَا إكْرَامَ فِيهِ وَمَا لَا إكْرَامَ فِيهِ لَا يُسَنُّ فِيهِ التَّيَامُنُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِأَنَّا نَقُولُ كَوْنُ الْأَكْلِ لَا إكْرَامَ فِيهِ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ مِنْ بَاب الْإِكْرَامِ لِأَنَّهُ وِقَايَةٌ لِلْبَدَنِ مِنْ الْأَذَى فَكَانَ كَاللُّبْسِ بَلْ أَوْلَى وَقَدْ صَرَّحُوا بِنَدْبِ التَّيَمُّنِ فِي الْكُحْلِ الَّذِي هُوَ غِذَاءُ الْعَيْنِ فَغِذَاءُ الْبَدَنِ كُلِّهِ أَوْلَى. (وَسُئِلَ) عَنْ التَّكَلُّفِ الْمَذْمُومِ مَا حَدُّهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَدُّهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَشَقَّةٌ عُرْفًا إمَّا بِأَنْ لَا يَتَيَسَّر لَهُ الشَّيْءُ إلَّا بِدَيْنٍ وَالدَّائِنُ مُتَكَرِّهٌ مِنْ اسْتِدَانَتِهِ أَوْ وَالْمَدِينُ يَعْسُرُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْذُلَ وَجْهَهُ لِلدَّائِنِ حَتَّى يَقْتَرِضَ مِنْهُ أَوْ لَا يَكُونُ لَهُ جِهَةٌ ظَاهِرَةٌ يُوفِي مِنْهَا لِأَنَّ الِاسْتِدَانَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْأَخِيرَةِ حَرَامٌ أَوْ بِأَنْ لَا يَكُونَ دَيْنٌ وَلَكِنْ عَلَيْهِ مَصْرِفٌ أَهَمُّ بِطَرِيقِ النَّدْبِ فَيُقَدَّمُ ذَلِكَ عَلَى التَّكَلُّفِ أَمَّا الْأَهَمُّ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ فَيَحْرُمُ تَقْدِيمُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ تَعَارَضَ التَّكَلُّفُ وَمَقْصِدٌ صَالِح بِأَنْ أَحَبَّ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ أَوْ جَاءَهُ مَنْ لَوْ لَمْ يَتَكَلَّفْ لَهُ لَحَصَلَ لَهُ مِنْهُ ضَرَرٌ وَلَوْ بِالْغِيبَةِ وَالذَّمِّ أَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ التَّكَلُّفِ إعَانَةٌ لِلنَّاسِ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَقَاصِدِ الْخَيْرِ فَمَا الَّذِي يُقَدَّمُ هَلْ يُتْرَكُ حَذَرًا مِنْ التَّكَلُّفِ أَوْ يُفْعَلُ وَلَوْ مَعَ التَّكَلُّفِ حِيَازَةً لِثَوَابِ ذَلِكَ الْمَقْصِدِ الصَّالِحِ هَذَا مِمَّا يَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِيهِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي الْآن أَنَّهُ حَيْثُ سَهُلَتْ عَلَيْهِ الِاسْتِدَانَةُ وَكَانَ لَهُ جِهَةٌ ظَاهِرَةٌ يُوفِي مِنْهَا أَوْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ مَصَارِفُ صَالِحَةٌ وَأَمْكَنَهُ جَعْلُ هَذَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنْ جُمْلَتِهَا فَلَا بَأْسَ بِالتَّكَلُّفِ

стр. 1060

وَلَا ذَمَّ فِيهِ حِينَئِذٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الظَّاهِرَةِ وَحَيْثُ انْتَفَى ذَلِكَ كُرِهَ التَّكَلُّفُ لِأَنَّهُ يَخْرُج غَالِبًا إلَى حَيِّزِ الرِّيَاءِ وَالْمُبَاهَاةِ وَالصَّالِحُونَ بُرَآءُ مِنْ ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْأَنْوَارِ فِي الْوَلِيمَةِ الْعَاشِرُ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ كَالْخَمْرِ وَالْمَلَاهِي وَالنِّسَاءِ عَلَى السُّقُوفِ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ حُضُورِ مَكَان بِهِ نِسَاءٌ يُشْرِفْنَ عَلَى الرِّجَالِ وَبِالْأَوْلَى إذَا كُنَّ فِي خِلَالِ الرِّجَالِ أَوْ بِجَانِبِهِمْ فَهَلْ هَذَا مُعْتَمَدٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَتُهُ الَّتِي اعْتَمَدَهَا جَمْعٌ أَنَّ وُجُودَ النِّسَاءِ بِمَحَلٍّ يَنْظُرْنَ الرِّجَالَ نَظَرًا مُحَرَّمًا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْإِجَابَةِ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ إذْ نَظَرُ الْأَجْنَبِيَّةِ لِلْأَجْنَبِيِّ حَرَامٌ وَأَمَّا تَحْرِيمُ الْحُضُورِ فَلَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُقْتَضَى الْحُكْمِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ حُرْمَةُ حُضُورِ الْمُنْكَرِ اخْتِيَارًا لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهِ وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ شَرْطُ الْحُرْمَةِ أَنْ يُعْلَمَ تَعَمُّدُ نَظَرِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ لَهُ نَظَرًا مُحَرَّمًا وَعِلْمُ ذَلِكَ بَعِيدٌ إذْ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُنَّ يَنْظُرْنَ نَظَرًا غَيْرَ مُحَرَّمٍ كَأَنْ يَقْصُرْنَ نَظَرَهُنَّ عَلَى غَيْرِ الْبَدَنِ مِنْ اللِّبَاسِ وَنَحْوِهِ أَوْ يُقَلِّدْنَ مَنْ يُجِيزُ ذَلِكَ وَكَمَا اُحْتُمِلَ فِي نَظَرِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لِلْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ نَحْو ذَلِكَ فَكَذَلِكَ هُنَا فَإِنْ قُلْت لَوْ نَظَرْنَا لِذَلِكَ وَجَبَتْ الْإِجَابَةُ قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ حُرْمَةِ الْحُضُورِ وُجُوبُ الْإِجَابَةِ وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ حِينَئِذٍ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ النِّسَاءِ وَنَظَرَهُنَّ إلَى الرِّجَالِ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ وَالْفَسَادِ فَيُسَمَّى مُنْكَرًا وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ حِينَئِذٍ مِنْهُنَّ نَظَرٌ مُحَرَّمٌ فَإِنْ قُلْت قَدْ قَرَّرُوهُ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِ النِّسَاءِ سَافِرَاتٍ وَعَلَى الرِّجَالِ غَضُّ الْبَصَرِ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ الْحُضُورُ وَإِنْ تَحَقَّقَ نَظَرٌ مُحَرَّمٌ إلَيْهِ قُلْت قَدْ قَيَّدْت ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ الْإِعَانَةُ عَلَى مُحَرَّمٍ وَالتَّمْكِينُ مِنْهُ اخْتِيَارًا مُحَرَّمَانِ بِمَا إذَا لَمْ تَعْلَمْ الْمَرْأَةُ أَنَّ أَجْنَبِيًّا يَنْظُرُ إلَيْهَا نَظَرًا مُحَرَّمًا وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهَا بَقَاءُ كَشْفِ وَجْهِهَا أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُنْظَرُ إلَيْهِ لِأَنَّ قُدْرَتَهَا عَلَى سَتْرِهِ مِنْهُ يُصَيِّرُهَا إذَا لَمْ تَسْتُرْهُ مُعِينَةً لَهُ عَلَى مُحَرَّمٍ وَمُمَكِّنَةً لَهُ مِنْهُ. وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْحَلَالِ تَمْكِين الْحَلِيلِ الْمُحَرَّم مِنْ الْجِمَاعِ وَنَحْوِهِ وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ بِحَضْرَةِ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا نَظَرًا مُحَرَّمًا خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ فِي ذَلِكَ زَاعِمًا أَنَّ النَّاظِرَ عَلَيْهِ غَضُّ الْبَصَرِ فَلَا يُكَلَّفُ الْمَنْظُورُ التَّحَفُّظَ مِنْهُ وَهَذَا خَيَالٌ بَاطِلٌ وَحَالٌ حَائِلٌ وَعِبَارَةُ شَرْحِي لِلْإِرْشَادِ عَطْفًا عَلَى الْأَعْذَارِ أَوْ كَانَ ثَمَّ زِحَامٌ يُؤْذِي خِلَافًا لِلرُّويَانِيِّ أَوْ نِسَاءٌ بِنَحْوِ أَسْطِحَةِ الدَّارِ أَوْ مَرَافِقِهَا يَنْظُرْنَ لِلرِّجَالِ أَوْ يَخْتَلِطْنَ بِهِمْ. (وَسُئِلَ) هَلْ يَحْرُمُ حُضُورُ الْمُنْكَرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ أَوْ لَا كَمَا قَالَ النَّاشِرِيّ أَنَّهُ الْمَنْقُولُ وَجَرَى عَلَيْهِ الْأَصْفُونِيُّ وَغَيْرُهُ فِي النَّبِيذِ وَغَيْرِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ يَجِبُ إزَالَةُ الْمُنْكَرِ إنْ أُجْمِعَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ الْفَاعِلُ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ بِخِلَافِ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَأَنْ رَأَى شَافِعِيٌّ حَنَفِيًّا جَالِسًا عَلَى حَرِيرٍ أَوْ شَارِبًا لِنَبِيذٍ وَحِينَئِذٍ لَا يَحْرُمُ الْحُضُورُ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الشَّافِعِيِّ إنْكَار ذَلِكَ عَلَى الْحَنَفِيِّ بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ إلَّا إنْ أَرْشَدَهُ بِلُطْفٍ إلَى رِعَايَةِ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَإِذَا لَمْ يَجِبُ الْإِنْكَار لَمْ يَحْرُمْ الْحُضُورُ إذْ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْإِنْكَار جَوَازُ التَّقْرِيرِ عَلَيْهِ بِحُضُورِهِ عِنْدَهُ أَوْ بِغَيْرِهِ فَإِنْ قُلْت كَيْف يُقِرُّهُ عَلَى شُرْبِ النَّبِيذِ وَهُوَ لَوْ رُفِعَ لِشَافِعِيٍّ حَدَّهُ عَلَيْهِ قُلْت حَدُّ الشَّافِعِيِّ لَهُ عَلَيْهِ لَيْسَ لِكَوْنِ الْحَنَفِيِّ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا فِي اعْتِقَادِ نَفْسِهِ وَلِذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ أَحُدُّهُ وَأَقْبَلُ شَهَادَتَهُ وَإِنَّمَا هُوَ لِضَعْفِ دَلِيلِهِ وَلِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْقَاضِي بِعَقِيدَتِهِ لَا بِعَقِيدَةِ الْمُتَرَافِعِينَ إلَيْهِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ هِيَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهَا وَفِي شَرْحِي لِلْإِرْشَادِ وَلَوْ حَضَرَ الْمُنْكَرَ جَاهِلًا بِهِ نَهَى مُرْتَكِبَهُ مَا لَمْ يَعْتَقِدُوا حِلَّهُ كَحَنَفِيَّةٍ يَشْرَبُونَ نَبِيذًا خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ وَلَا يَشْكُل عَلَيْهِ حَدُّ الْحَنَفِيِّ بِشُرْبِ النَّبِيذِ لِمَا يَأْتِي فِي الْأَشْرِبَةِ اهـ. وَهُوَ مُوَافِقٌ لَمَا قَدَّمْته، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزِ] (وَسُئِلَ) فِيمَا إذَا نَشَزَتْ الْمَرْأَةُ إلَى بَيْتِ أَهْلِهَا وَامْتَنَعَتْ مِنْ الرُّجُوعِ إلَّا أَنْ يُعْطِيَهَا شَيْئًا مَعْلُومًا فَأَعْطَاهَا هَلْ تَمْلِكُهُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُهُ لِأَنَّهَا أَخَذَتْهُ عَلَى وَجْهِ الْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ فَهُوَ كَالرِّشْوَةِ إذَا أَخَذَهَا

стр. 1061

الْقَاضِي وَكَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَجَائِزَةِ الشَّاعِرِ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَا يَمْلِكُونَ مَا أُعْطُوهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُعْطَوْهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِوَجْهٍ جَائِزٍ نَعَمْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنْ نَوَى الزَّوْجُ الْإِهْدَاءَ إلَيْهَا مُبَالَغَةً فِي تَطْيِيبِ خَاطِرِهَا لِأَجْلِ رَدِّهَا إلَى مَنْزِلِ طَاعَتِهِ مَلَكَتْهُ وَإِنْ كَانَتْ عَاصِيَةً لِأَنَّهُ لَمْ يُعْطِهَا حِينَئِذٍ فِي مُقَابَلَةِ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ بَلْ تَجَاوَزَهُ عَنْهَا فِيمَا عَصَتْ بِهِ وَقَصَدَ تَطْيِيبَ خَاطِرِهَا بِبَذْلِ شَيْءٍ مِنْ عِنْدِهِ هَدِيَّةً لَهَا فَتَمْلِكهُ حِينَئِذٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهَا لَا تَعُودُ إلَيْهِ إلَّا بِمَالٍ وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّهَا بِغَيْرِ مَالٍ فَحِينَئِذٍ قَصْدُهُ الْهَدِيَّةَ لَا يَرْفَعُ كَوْنَهَا وَقَعَتْ فِي مُقَابَلَةِ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ وَعِنْد وُقُوعِهَا فِي مُقَابَلَتِهِ يَبْعُدُ أَنْ تَمْلِكَهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَقَدْ أَسْقَطَهُ بِقَصْدِهِ الْإِهْدَاءَ إلَيْهَا مَعَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهَا فِي مُقَابَلَةِ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ فَتَمْلِكُهُ حِينَئِذٍ فِيمَا يَظْهَرُ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَلَدٍ صَحِيحٍ وَأَرَادَ نَقْلَهَا إلَى بَلَدٍ وَبِيئَةٍ فَهَلْ لَهَا الِامْتِنَاعُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَيْسَ لَهَا الِامْتِنَاعُ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ لِأَنَّ الْغَالِبَ السَّلَامَةُ فَهُوَ كَرُكُوبِ الْبَحْرِ إذَا غَلَبَتْ السَّلَامَةُ فِيهِ وَإِفْتَاءُ بَعْضِ أَهْلِ الْيَمَنِ بِأَنَّ لَهَا الِامْتِنَاعُ بَعِيدًا وَأَبْعَدُ مِنْهُ تَأْيِيدُهُ بِأَنَّ الْوَبِيَّةَ شَبِيهَةٌ بِبَلَدِ الطَّاعُونِ وَقَدْ نَهَى ﷺ عَنْ الدُّخُولِ إلَيْهَا اهـ وَهُوَ فَاسِدٌ إذْ الْأَرْضُ الْوَبِيَّةُ يَجُوزُ الدُّخُولُ إلَيْهَا بِالْإِجْمَاعِ كَمَا حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ بِخِلَافِ أَرْضِ الطَّاعُونِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الدُّخُولُ إلَيْهَا عِنْدَنَا فَلَا جَامِعَ بَيْنهمَا نَعَمْ لَوْ حُمِلَ إفْتَاءُ الْقَائِلِينَ بِالِامْتِنَاعِ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي بِهَا الطَّاعُونُ لَكَانَ وَجِيهًا لِحُرْمَةِ الدُّخُولِ إلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْخُلْعِ] (وَسُئِلَ) فِيمَنْ لَهُ زَوْجَةٌ غَائِبَةٌ عَنْهُ فَقَالَ مَتَى أَبْرَأَتْنِي زَوْجَتِي فُلَانَةُ مِنْ مَهْرِهَا وَهُوَ كَذَا فَهِيَ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ اتِّفَاقًا أَوْ عِنْد ظُهُورِ آيَةٍ كَكُسُوفٍ وَنَحْوِهِ طَلَبًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهَا رَسُولًا لَيُعْلِمَهَا تَعْلِيقَهُ بِحُصُولِ الْبَيْنُونَةِ فَأَتَى الرَّسُولُ فَقَالَ أَبِرِئْيِ زَوْجَك فُلَانًا مِنْ مَهْرِك وَلَمْ يُعْلِمْهَا بِتَعْلِيقِهِ وَلَمْ تَعْلَمْهُ فَأَبْرَأَتْهُ مِنْهُ عَالِمَةً مِقْدَارَهُ فَهَلْ تَطْلُقُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا أَوْ يُفَصَّلُ وَهَلْ التَّعْلِيقُ بِالْقَوْلِ كَالتَّعْلِيقِ بِالْفِعْلِ حَتَّى لَا تَطْلُقُ إلَّا مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّعْلِيقِ وَالذِّكْرِ عَلَى مَا فَصَّلُوهُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابَيْ الْبَيْعِ وَالْخُلْعِ صِحَّةُ الْإِبْرَاء وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بَائِنًا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ عَلَّقَ عَلَى الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَهْرِ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ إلَّا إنْ بَرِئَ مِنْهُ وَهُوَ فِي مَسْأَلَتِنَا قَدْ بَرِئَ لِتَصْرِيحِ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرِهِ كَابْنِ الصَّبَّاغِ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيمَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ فَبَانَ مَوْتُهُ فِي التَّعْلِيقِ فَإِذَا بَرِئَ مَنْ يُظَنُّ أَنْ لَا دَيْنَ لَهُ لِدِينٍ قُدِّرَ فَبَانَ لَهُ صَحَّتْ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الْإِصْطَخْرِي يَبْرَأُ بَاطِنًا أَيْضًا وَخَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ بَعْضُهُمْ الْبَرَاءَةُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَفِي صُورَةِ السُّؤَالِ أَوْلَى وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بِهَا بَائِنًا وَلَيْسَ التَّعْلِيقُ هُنَا كَهُوَ فِي نَحْوِ إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ لِأَنَّ مَحَلَّ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالتَّعْلِيقِ ثُمَّ إنْ قُصِدَ بِهِ الْمَنْعُ مِنْ الدُّخُولِ مَثَلًا فَيُشْتَرَطُ حِينَئِذٍ عِلْمُ الْمُعَلِّقِ بِفِعْلِهِ بِالتَّعْلِيقِ حَتَّى يَمْتَنِعَ لِأَجْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ امْتِنَاعٌ لِأَجْلِهِ فَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِالتَّعْلِيقِ وَأَمَّا فِي صُورَتِنَا فَالْمُعَلِّق بِالْبَرَاءَةِ رَاغِبٌ فِي حُصُولِهَا سَوَاءٌ أَعَلِمَ بِالتَّعْلِيقِ أَمْ لَا يَعْلَمُ فَلَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالتَّعْلِيقِ هُنَا وَجْهٌ أَلَّا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ بِفِعْلٍ وَلَمْ يَقْصِدْ مَنْعَهَا مِنْهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِ عَلِمَ فَاعِلُهُ بِالتَّعْلِيقِ أَمْ لَا فَكَذَلِكَ فِي صُورَتِنَا بَلْ أَوْلَى. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ طَلَاقُك بِصِحَّةِ بَرَاءَتِك إلَّا شَاءَ اللَّهُ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ اللَّهُ قَدْ أَبْرَأك ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ قَالَ لِجَمَاعَةٍ اشْهَدُوا عَلَيَّ أَنِّي قَدْ رَدَدْتهَا فِي عَقْدِ نِكَاحِي مِنْ نَهَارِهَا ظَانًّا أَنَّهَا طَلُقَتْ مِنْهُ فَهَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ أَمْ لَا يَقَعُ وَهَلْ يُفِيدُهُ رَدُّهَا إلَى عَقْدِ نِكَاحِهِ إلَّا صَحَّ الطَّلَاقُ بِمَا قَالَهُ أَمْ لَا يُفِيدُ أَوْ لَا عِبْرَةَ بِمَا قَالَهُ لَهَا وَقَالَتْهُ لَهُ وَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي الزَّوْجِيَّةِ أَفْتَوْنَا مَأْجُورِينَ نَفَعَ اللَّهُ بِكُمْ الْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ آمِينَ

стр. 1062

(فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ إذَا قَالَتْ لَهُ اللَّهُ قَدْ أَبْرَأك فَقَالَ لَهَا طَلَاقُك بِصِحَّةِ بَرَاءَتِك فَإِنْ كَانَتْ هِيَ وَهُوَ عَالَمَيْنِ بِمَا أَبْرَأَتْ مِنْهُ وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَإِذَا رَاجَعَهَا قَبْل انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا عَادَتْ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ رَدَدْتهَا إلَى نِكَاحِي رَجْعَةً وَإِنْ كَانَتْ جَاهِلَةً بِمَا أَبْرَأَتْ مِنْهُ أَوْ لَمْ تَنْوِ الْبَرَاءَةَ مِنْ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ وَلَوْ قَالَ لَهَا مَرَّةً أُخْرَى طَلَاقُك بِصِحَّةِ بَرَاءَتِك فَقَالَتْ اللَّهُ قَدْ أَبْرَأَك فَإِنْ صَحَّ الْإِبْرَاء وَقَعَ عَلَيْهِ طَلْقَة ثَانِيَة وَإِلَّا فَلَا وَلَا نَظَرَ لِتَأَخُّرِ بَرَاءَتِهَا لِأَنَّ قَوْلَهُ الْمَذْكُورَ تَعْلِيقٌ وَهُوَ يَكُون عَلَى الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبِلِ وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ كَوْنَ الطَّلَاقِ الْمَذْكُورِ رَجْعِيًّا وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا إلَّا أَبْرَأْتِنِي مِنْ نِصْفِ صَدَاقِك الْبَاقِي فِي ذِمَّتِي بَعْد الطَّلَاقِ فَأَنْتِ طَالِقٌ هَلْ تَطْلُقُ إذَا أَبْرَأَتْ مِنْ النِّصْفِ الْمَذْكُورِ وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْأَحْنَفُ وَالْأَصْبَحِيّ وَاعْتَمَدَهُ الْأَزْرَقِيّ وَبَعْضُ شُرَّاحِ الْوَسِيط وَكَلَام الشَّيْخَيْنِ فِي بَاب الصَّدَاقِ يَقْتَضِيه أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ قَبْل الدُّخُولِ إنْ أَبْرَأْتِنِي مِنْ صَدَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ لَمْ يَبْرَأْ وَلَمْ تَطْلُقْ أَوْ مِنْ نِصْفِ مَهْرِك الْبَاقِي بَعْد الطَّلَاقِ فِي ذِمَّتِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ طَلُقَتْ وَبَرِئَ وَإِنْ أَطْلَقَ ذِكْرَ النِّصْفِ فَأَبْرَأَتْهُ لَمْ يَبْرَأْ وَلَمْ تَطْلُقْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَ إلَّا أَبْرَأَتْنِي مِنْ الْمَهْرِ بِنْتُك أَوْ غَيْرُهَا فَأَنْتَ وَكِيلٌ فَطَلِّقْهَا أَهُوَ رَجْعِيٌّ كَمَا فِي النَّفَائِسِ لِلْأَزْرَقِيِّ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي فِي نَفَائِسِ الْأَزْرَقِيِّ هُوَ مَا لَفْظُهُ إذَا قَالَ إنْ أَبْرَأَتْنِي زَوْجَتِي مِنْ صَدَاقِهَا فَقَدْ وَكَّلْتُك فِي طَلَاقِهَا فَأَبْرَأَتْهُ فَطَلَّقَ الْوَكِيلُ هَلْ يَكُونُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَمْ بَائِنًا الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَكُون رَجْعِيًّا قَطْعًا. وَأَجَابَ الْفَقِيهُ أَحْمَدُ بْنُ حَسَنِ بْنِ أَبِي الْخَلِّ بِنَحْوِهِ وَيُسْتَدَلُّ بِأَنَّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَى الْفَوْرَ وَعَلَى التَّرَاخِي اهـ. لَفْظُهُ وَقَالَ قُبَيْلَ ذَلِكَ لَوْ قَالَ إنْ أَبْرَأْتِنِي مِنْ صَدَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ مِنْهُ وَهِيَ تَعْلَمُهُ طَلُقَتْ بَائِنًا عَلَى الْأَصَحِّ وَقَوْلُهُ وَهِيَ تَعْلَمُهُ صَوَابُهُ وَهُمَا يَعْلَمَانِهِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأُولَى مِنْ الْوُقُوعِ رَجْعِيًّا ظَاهِرٌ حُكْمًا لَا تَعْلِيلًا وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَلَّلَ بِهِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ أَبِي زُرْعَةَ فِي نَظِيرِهِ أَنَّ طَلَاقَ الْوَكِيلِ لَهَا طَلَاقُ تَبَرُّعٍ لَيْسَ بِعِوَضٍ فَإِنَّهَا لَمَّا أَبْرَأَتْهُ الْبَرَاءَةَ الصَّحِيحَةَ لَمْ يَبْقَ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ وَلَوْ شَاءَ الْوَكِيلُ لَمْ يُطَلِّقْهَا فَلَمَّا طَلَّقَهَا كَانَ طَلَاقًا بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَا وَجْهَ لِكَوْنِهِ بَائِنًا إذْ لَا عِوَضَ حِينَئِذٍ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ لِأَنَّ شَرْطَهَا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ مُعَلَّقًا عَلَى الْإِبْرَاءِ أَوْ يَقْتَرِنَ بِهِ إعْطَاءُ مَالٍ أَوْ تَمْلِيكٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ مَفْقُودٌ هُنَا وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي. وَحَكَاهُ عَنْهُ الشَّيْخَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَوَاخِرَ الْخُلْعِ وَأَقَرَّاهُ بِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ أَبْرَأْتُك مِنْ صَدَاقِي فَطَلِّقْنِي بَرِئَ الزَّوْجُ وَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُطَلَّقْ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ الْوُقُوعِ بَائِنًا هُوَ الْمُعْتَمَدُ لَكِنْ لَهُ شُرُوط أُخَرَ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي فَتْوَى غَيْرِ هَذِهِ فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْن الصُّورَتَيْنِ قُلْت وَاضِحٌ مِمَّا قَرَّرْته فِي الْأُولَى فَإِنَّهُ فِي الثَّانِيَةِ عَلَّقَ الطَّلَاق عَلَى الْإِبْرَاءِ فَإِذَا أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةً صَحِيحَةً وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي مُقَابَلَتِهَا فَكَانَ بَائِنًا بِخِلَافِهِ فِي الْأُولَى فَإِنَّهُ لَمْ يُعَلَّقْ الطَّلَاقُ بِالْإِبْرَاءِ وَإِنَّمَا الَّذِي عَلَّقَهُ بِهِ التَّوْكِيلُ فَإِذَا وَجَدَ الْإِبْرَاءَ مِنْهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا الْوَكِيلُ كَانَ طَلَاقُهُ تَبَرُّعًا لَيْسَ فِي مُقَابَلَةِ إبْرَائِهَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فِي مُقَابَلَته إلَّا إنْ صَحَّ بِصِحَّةِ الْإِبْرَاءِ وَفَسَدَ بِفَسَادِهِ وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إلَّا إذَا عُلِّقَ الطَّلَاق عَلَيْهِ وَهُنَا الْإِبْرَاءُ صَحِيحٌ قَبْل أَنْ يُطَلِّقَ فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالطَّلَاقِ لَا فِي الصِّحَّةِ وَلَا فِي الْفَسَادِ فَكَانَ طَلَاقُ تَبَرُّعٍ فَوَقَعَ بَائِنًا فَإِنْ قُلْت تَعْلِيقُ الْوَكَالَةِ بَاطِلٌ فَكَيْف صَحَّ طَلَاقُ الْوَكِيلِ حِينَئِذٍ قُلْتُ الْبَاطِلُ عِنْد فَسَادِ الْوَكَالَةِ إنَّمَا هُوَ خُصُوصُ التَّوْكِيلِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ أَمَّا عُمُومُ الْإِذْنِ الَّذِي يَقْتَضِي نُفُوذَ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ فَهُوَ بَاقٍ وَإِنْ فَسَدَتْ الْوَكَالَةُ كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي بَابِهَا وَلِوُضُوحِهِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْأَزْرَقِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى تَمَامِ الْبَرَاءَةِ فَقَالَتْ أَبْرَأْتُك مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى تَمَامِ الْبَرَاءَةِ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا إنْ أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةً صَحِيحَةً بِأَنْ تَعْلَمَ الزَّوْجَةُ وَالزَّوْجُ بِقَدْرِ مَا لَهَا عَلَيْهِ ثُمَّ تُبْرِئُهُ مِنْهُ وَهِيَ رَشِيدَةٌ وَلَمْ يَكُنْ

стр. 1063

مَضَى عَلَيْهِ مِنْ السِّنِينَ مَا يَقْتَضِي تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِهِ فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ طَلُقَتْ بَائِنًا وَإِلَّا لَمْ تَطْلُقْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ قَالَ أَبْرِئِينِي مِنْ مَهْرِك وَهُوَ مِائَةُ دِينَارٍ إلَى هَذِهِ الْعَشَرَة الدَّنَانِيرِ وَأُطَلِّقُك فَقَالَتْ أَبْرَأْتُك مِنْهُ إلَيْهَا فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ إلَّا أَبْرَأْتِنِي مِنْهُ إلَيْهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ أَبْرَأْتُك مِنْهُ إلَيْهَا مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا قَالَ لَهَا أَبْرِئِينِي مِنْ مَهْرِك وَهُوَ الْمِائَةُ إلَى هَذِهِ الْعَشَرَةِ الدَّنَانِيرِ وَأُطَلِّقُك فَقَالَتْ أَبْرَأْتُك مِنْهُ إلَيْهَا فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إلَى هَذِهِ الْعَشَرَةِ الدَّنَانِيرِ أَنَّ الْعَشَرَةَ عِوَضٌ مِنْهُ إلَيْهَا فِي مُقَابَلَةِ الْإِبْرَاء مِنْ الْمِائَةِ فَتَكُونُ إلَيَّ بِمَعْنَى عَلَيَّ صَحَّتْ بَرَاءَتُهَا وَلَزِمَهُ الْعِوَضُ وَهُوَ الْعَشَرَة فَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ وَتَبِعَهُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ بَذْلُ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِبْرَاءِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْد ذَلِكَ أَنْتِ طَالِق فَهُوَ يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ رَجْعِيًّا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّقٍ بِالْبَرَاءَةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ لَا وَأُطَلِّقُك وَعْدٌ وَلَوْ سَكَتَ عَنْهُ فَلَمْ يَقُلْ أَنْتِ طَالِقٌ صَحَّ الْإِبْرَاء وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالطَّلَاقِ وَأَمَّا إذَا قَالَ إنْ أَبْرَأْتِنِي مِنْهُ إلَيْهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ مِنْ الْمِائَةِ عَلَى الْعَشَرَة بَرَاءَة صَحِيحَة صَحَّ الْإِبْرَاء مِنْ الْمِائَة وَلَزِمَتْهُ الْعَشَرَة نَظِيرَ مَا مَرَّ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ هُنَا رَجْعِيًّا أَيْضًا بِخِلَافِهِ فِي إنْ أَبْرَأْتِنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي هَذِهِ وَقَعَ فِي مُقَابَلَةِ الْإِبْرَاء فَكَانَ الْإِبْرَاء عِوَضًا عَنْهُ وَهَذِهِ هِيَ حَقِيقَةُ الْخُلْعِ الْمُقْتَضِي لِلْبَيْنُونَةِ فَوَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا بِخِلَافِهِ فِي إنْ أَبْرَأْتِنِي مِنْ مَهْرِك عَلَى عَشْرَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ عِوَضًا عَنْ الْبَرَاءَةِ إذْ عِوَضُهَا الْعَشَرَةُ وَإِذَا خَلَا الطَّلَاقُ عَنْ عِوَضٍ فِي مُقَابَلَتِهِ كَانَ رَجْعِيًّا لَا بَائِنًا، وَاَللَّهُ أَعْلَم. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ إلَّا أَعْطَيْتنِي عَلَى ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ وَهُوَ يَمْلِكُ الثَّلَاثَ أَلْفِ أَشْرَفِيّ تَوْزِيعًا لِلْمُسَمَّى عَلَى عَدَدِ الثَّلَاثَةِ الْمَسْئُولَةِ فِي مُقَابِلِ كُلٍّ مِنْ الْمَالِ الْمَذْكُورِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَعْطَتْهُ فَوْرًا خَمْسمِائَةِ أَشْرَفِيّ فَهَلْ تَطْلُقُ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ وَهَلْ إذَا قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَنِصْفًا فَمَا يَسْتَحِقُّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَقَعُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى شَيْءٌ لِأَنَّ الصِّفَةَ الَّتِي عَلَّقَ عَلَيْهَا وَهِيَ إعْطَاءُ الْأَلْفِ لَمْ تُوجَد نَعَمْ إنْ قَصَدَ بِمَا قَالَهُ إيقَاعَ مَا يُقَابِلُ الْمُعْطَى لَوْ وُزِّعَتْ الْأَلْفُ عَلَى الثَّلَاثِ وَقَعَ بِالْخَمْسِمِائَةِ طَلْقَتَانِ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَيَقَعُ عَلَيْهِ طَلْقَتَانِ وَيَسْتَحِقُّ خَمْسَمِائَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) إذَا قَالَ خَلَعْتُك إلَى رَقَبَةِ أَبِيك مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا قَالَ خَلَعْتُك إلَى رَقَبَةِ أَبِيك فَقَدْ أَتَى بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ أَبَاهَا يَلْتَزِمُ لَهُ مَالًا فِي مُقَابَلَةِ طَلَاقِهَا لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَلْتَزِمَ لَهُ فَوْرًا وَحِينَئِذٍ فَتَطْلُقُ بَائِنًا بِذَلِكَ الْمَالِ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا وَإِلَّا فَبِمَهْرِ الْمِثْلِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ خَالَعَهَا خُلْعًا مُنَجَّزًا وَإِنَّهَا بَعْدُ تَصِيرُ فِي رَقَبَةِ أَبِيهَا أَيْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهَا طَلُقَتْ بِقَوْلِهِ خَالَعْتُك إنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَيَكُونُ رَجْعِيًّا فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ شَيْئًا وَلَمْ تَقْبَلْ لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ وَأَمَّا إذَا أَضْمَرَ الْتِمَاسَ جَوَابِهَا فَقَبِلَتْ بَانَتْ وَلَزِمَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْمِنْهَاجِ وَأَصْلِهِ وَهُوَ طَرِيقَةُ الْأَكْثَرِينَ لَكِنَّ الْمُصَحَّحَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ مَعَ عَدَمِ ذِكْرِ الْمَالِ كِنَايَةٌ مُطْلَقًا فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ اللَّفْظِ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ إلَّا بِالشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْته وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْعِصْمَةِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمَوْقِعُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ هُنَا لِأَنَّ لَفْظَهُ مُحْتَمَلٌ كَمَا تَقَرَّرَ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْ احْتِمَالَيْهِ لَا يَقْتَضِي الْوُقُوعَ مُطْلَقًا بَلْ بِشَرْطٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِي رَجُلٍ قَالَ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي إذَا أَعْطَيْتنِي كَذَا مَا تُمْسِي لِي زَوْجَةً فَهَلْ تَطْلُقُ بَائِنًا؟ (فَأَجَابَ) أَفْتَى الْفَتَى بِأَنَّهَا إذَا أَمْسَتْ لَهُ زَوْجَةً بِأَنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا قَبْل الْمَسَاءِ طَلُقَتْ بَائِنًا بِقَوْلِهِ يَلْزَمُنِي الطَّلَاقُ بَائِنًا لِخَشْيَةِ تَوَقُّعِ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَتِهِ لَكِنْ بِشَرْطِ الْفَوْرِيَّةِ فِي الْإِعْطَاءِ وَإِلَّا فَرَجْعِيًّا وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْل أَنْ تُمْسِي طَلُقَتْ بِالثَّانِي رَجْعِيًّا دُون يَلْزَمُنِي لِأَنَّهُ بَرَّ فِيهِ وَنَظَرَ بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ فِيمَا قَالَهُ أَوَّلًا وَالنَّظَرُ وَاضِحٌ إذْ الطَّلَاقُ لَمْ يُجْعَلْ فِي مُقَابَلَتِهِ مَالٌ

стр. 1064

أَلْبَتَّةَ فَالْأَوْجَهُ وُقُوعُهُ رَجْعِيًّا مُطْلَقًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِي رَجُل وَكَّلَ آخَرَ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ فَطَلَّقَهَا بَعْد أَنْ قَالَتْ بَذَلْت صَدَاقِي عَلَى صِحَّةِ طَلَاقِي فَهَلْ يَقَعُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَقَعُ رَجْعِيًّا لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَأْمُورِ فِيهِ مِنْ الطَّلَاقِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ حَتَّى يَكُونَ مُخَالِفًا لِمُوَكِّلِهِ وَمُفَوِّتًا لِغَرَضِهِ مِنْ بَقَاءِ الرَّجْعَةِ وَلَا يَبْرَأُ حِينَئِذٍ الزَّوْجُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ فِي مُقَابَلَةِ الْبَذْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِيمَا لَوْ قَالَتْ بَذَلْت صَدَاقِي عَلَى صِحَّةِ طَلَاقِي فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ فَهَلْ تَطْلُق بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا أَوْ لَا تَطْلُقُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَتِلْمِيذُهُ الرَّدَّادُ وَالطَّيِّبُ النَّاشِرِيّ بِأَنَّهَا لَا تَطْلُقُ وَقَالَ آخَرُونَ لَا تَطْلُقُ بَائِنًا وَقَالَ ابْنُ عُجَيْلٍ وَإِسْمَاعِيلُ الْحَضْرَمِيِّ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمَا إنْ أَرَادَ اسْتِئْنَافَ بَرَاءَةٍ لَمْ تَطْلُق وَإِلَّا طُلِقَتْ وَهُوَ الْأَوْجَهُ وَإِذَا قُلْنَا تَطْلُقُ طَلُقَتْ بَائِنًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَ إلَّا أَبْرَأْتِنِي مِنْ صَدَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ أَنْتَ بَرِئَ عَلَى صِحَّةِ الطَّلَاقِ فَهَلْ تَطْلُقُ؟ (فَأَجَابَ) نَعَمْ تَطْلُقُ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عُجَيْلٍ لَكِنْ خَالَفَهُ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ فَقَالَ لَا تَطْلُقُ وَالْأَوَّلُ أَوْجَه. (وَسُئِلَ) فِي رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَلَمْ يُعْطِهَا مُتْعَةً وَاجِبَةً ثُمَّ أَعَادَهَا ثُمَّ قَالَ إلَّا أَبْرَأْتِنِي مِنْ جَمِيعِ مَا تَسْتَحِقِّينَهُ عَلَيَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنَّ لَهَا عَلَيْهِ مُتْعَةٌ فَهَلْ يَقَعُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهَا وَهِيَ الْبَرَاءَةُ مِنْ جَمِيعِ مَا لَهَا عَلَيْهِ لَمْ تُوجَدْ وَلَا نَظَرَ لِخُطُورِ ذَلِكَ بِبَالِهِ أَوْ لَا نَعَمْ إنْ أَرَادَ الْبَرَاءَةَ مِنْ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ دُون غَيْرِهِ فَأَبْرَأَتْهُ مِنْهُ بَرَاءَةً صَحِيحَةً وَقَعَ بَائِنًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِيمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَبْرَأْتِنِي مِنْ مَهْرِك وَإِنْ لَمْ تُبْرِئِي فَهَلْ يَقَعُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ الْوُقُوعُ حَالًا لِأَنَّ مَدْلُولَهُ الْوُقُوعُ أَبْرَأَتْ أَوْ لَا لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ لَمْ تُبْرِئُ مُطْلَقًا فَإِنْ أَرَادَ التَّعْلِيقَ بِكُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ أَحَدُهُمَا طَلُقَتْ قَبْلُ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلهُ فَإِنْ أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةً صَحِيحَةً مَعَ عِلْمِهِمَا بِالْمُبَرَّإِ مِنْهُ طَلُقَتْ بَائِنًا وَإِنْ لَمْ تُبْرِئْهُ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةً فَاسِدَةً لَمْ تَطْلُقْ إلَّا عِنْد الْيَأْسِ قُبَيْلَ مَوْتِهَا وَلِلْفَتَى وَتِلْمِيذِهِ الرَّدَّادِ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْته، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِيمَا لَوْ شَهِدَ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ رَآهَا مُسْفِرَةً فَهَلْ يُقْبَلُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لِلرُّويَانِيِّ فِيهِ احْتِمَالَانِ رَجَّحَ مِنْهُمَا عَدَمَ الْقَبُولِ لِأَنَّ الْغَالِبَ سَتْرُ وُجُوهِهِنَّ قَالَ بَعْضُهُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَة سُئِلَتْ) عَمَّنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ خَالَعْتك بِمِائَةِ دِينَارٍ فَقَالَتْ قَبِلْت فَسَأَلَهَا الْمِائَةَ فَقَالَتْ مِمَّ هِيَ فَقِيلَ لَهَا إنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْك بِالْقَبُولِ فَقَالَتْ أَنَا لَمْ أَرْضَ بِبَذْلِ عِوَضٍ وَادَّعَتْ أَنَّهَا لَا تَعْرِفَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْعِوَضُ بِهَذَا اللَّفْظِ مَا الْحُكْمُ (فَأَجَبْت) بِقَوْلِي الَّذِي يُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ نَظَائِرَ ذَكَرُوهَا أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مُخَالِطَةً لِأَهْلِ الْمُدُنِ وَالْقُرَى الَّذِينَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا دَعْوَاهَا الْمَذْكُورُ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا وَتَلْزَمُهَا الْمِائَةُ وَإِنْ نَشَأَتْ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعَارِفِينَ بِذَلِكَ قُبِلَتْ مِنْهَا هَذِهِ الدَّعْوَى فَلَا يَقَعُ طَلَاقٌ وَلَا يَلْزَمُهَا مَال ثُمَّ رَأَيْت ابْن عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ فِي قَوَاعِدِهِ لَوْ نَطَقَ الْعَرَبِيُّ بِكَلِمَاتٍ عَرَبِيَّةٍ لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا فِي الشَّرْعِ لَا يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ إذْ لَا شُعُورَ لَهُ بِمَدْلُولِهِ حَتَّى يَقْصِدَ إلَى اللَّفْظِ. اهـ. وَرَأَيْت الزَّرْكَشِيّ نَظَرَ فِيهِ وَبِتَأَمُّلِ مَا قَرَّرَتْهُ مِنْ التَّفْصِيلِ يُعْلَمُ حَمْلُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى غَيْرِ الْمُخَالِطِ وَالزَّرْكَشِيِّ عَلَى الْمُخَالِطِ وَحِينَئِذٍ اتَّضَحَ مَا قَالَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الْأَوَّلَ قَائِلٌ بِإِطْلَاقِ الْقَبُولِ وَالثَّانِي قَائِلٌ بِإِطْلَاقِ عَدَمِهِ لَمْ يَكُنْ لِمَا قَالَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا وَجْهٌ بَلْ الصَّوَابُ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ الْمَأْخُوذِ مِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ فِي أَبْوَابٍ شَتَّى مَا ذَكَرْته فِي ذَلِكَ مِنْ التَّفْصِيلِ فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَنْ اعْتَمَدَ إطْلَاقَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ إنَّ تَنْظِيرَ الزَّرْكَشِيّ فِيهِ لَا مَعْنًى لَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ نَاشِئٌ عَنْ عَدَمِ التَّأَمُّلِ وَاسْتِحْضَارِ تِلْكَ النَّظَائِرِ الَّتِي أَشَرْت إلَيْهَا. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إلَّا خَرَجْت مِنْ بَيْتِي بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِذَا أَذِنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ

стр. 1065

إلَى بَيْتٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ هَلْ تَطْلُقُ أَمْ لَا وَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ بِلَا إذْن وَقُلْتُمْ تَطْلُقُ رَجْعِيَّةً فَإِذَا رَاجَعَهَا ثُمَّ أَذِنَ لَهَا بَعْدَ الْمُرَاجَعَةِ أَنْ تَخْرُجَ مَتَى شَاءَتْ هَلْ تَطْلُقُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِذْن فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) إذَا قَالَ إنْ خَرَجْت مِنْ بَيْتِي فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ بِالْخُرُوجِ وَإِنْ أَذِنَ لَهَا فَإِنْ قَالَ إنْ خَرَجْت مِنْ غَيْرِ إذْنِي فَخَرَجَتْ بِإِذْنِهِ لَمْ تَطْلُق وَإِنْ ذَهَبْت إلَى الْبَيْتِ الَّذِي لَمْ يَأْذَنْ لَهَا فِيهِ وَإِنْ قَالَ إنْ خَرَجْت مِنْ غَيْرِ إذْنِي إلَى بَيْتِ فُلَانَةَ فَأَذِنَ لَهَا فِيهِ فَخَرَجَتْ إلَى غَيْرِهِ طَلُقَتْ وَإِذَا خَرَجَتْ بِلَا إذْنٍ وَطَلُقَتْ ثُمَّ رَاجَعَهَا فَخَرَجَتْ بِلَا إذْن أَيْضًا لَمْ تَطْلُقْ بِالْخُرُوجِ الثَّانِي لِأَنَّ الصِّفَةَ انْحَلَّتْ نَعَمْ إنْ قَالَ كُلَّمَا خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي طَلُقَتْ بِالْخُرُوجِ الثَّانِي بِغَيْرِ إذْنِهِ طَلْقَةً ثَانِيَةً وَثَالِثًا طَلْقَةً ثَالِثَة وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ لَهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَى أَنْ لَا يُسَافِرَ أَوْ لَا يَبِيعَ لَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِوَكِيلِهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ ثُمَّ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي الشَّهْرِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَفَعَلَهُ فَهَلْ تَطْلُقُ بِغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ الْمَحْلُوفِ فِيهِ أَمْ لَا فَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى مَالٍ قَبْل انْفِسَاخِ الشَّهْرِ وَرَاجَعَهَا بِشُرُوطِهِ قَبْلَ انْفِسَاخِ الشَّهْرِ الْمَحْلُوفِ فِيهِ ثُمَّ سَافَرَ أَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ فِيهِ هَلْ تَبِينُ مِنْهُ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ لَا وَحَكَمَ شَافِعِيٌّ بِعَدَمِ الطَّلَاقِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي حُكْمِهِ لِعَدَمِ عَوْدِ الصِّفَةِ فَهَلْ يَكْفِي ذَلِكَ أَمْ لَا بُدّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِهَا فِي حُكْمِهِ احْتِرَازًا مِمَّنْ يَرَى بِهَا أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا قَيَّدَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِمُدَّةٍ كَمَا لَوْ حَلَفَ بِالثَّلَاثِ لَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا فِي هَذَا الشَّهْرِ ثُمَّ خَالَعَ قَبْل فَرَاغِهِ تَخَلَّصَ مِنْ الْحِنْثِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَوَّلًا وَوَافَقَهُ بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ وَنُظَرَائِهِ وَرَجَّحَهُ الزَّرْكَشِيّ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ الْحِنْثَ إنَّمَا يَحْصُلُ فِيمَا ذُكِرَ بِمُضِيِّ الزَّمَنِ الْمَجْعُولِ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إذْ الْخُرُوج عَنْ عُهْدَةِ الْحَلِفِ مُمْكِنٌ لِإِمْكَانِ الْإِتْيَانِ بِالصِّفَةِ وَمَتَى كَانَتْ مُمْكِنَةً لَا يَسْتَنِد الْوُقُوعُ إلَى مَا قَبْل الْفِعْلِ لِإِمْكَانِهِ بَعْدَهُ بَلْ إلَى آخِرِ زَمَنٍ يَتَحَقَّقُ انْتِفَاؤُهُ فِيهِ وَحِينَئِذٍ فَالصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ وَلَا نِكَاحَ فَلَا يَتَبَيَّنُ فَسَادُ الْخُلْعِ وَفَرَّقَ بَيْن هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ الرَّغِيفِ الْآتِيَةِ فَيَتَحَقَّقُ الْحِنْثُ فِيهَا فِي الزَّمَنِ الَّذِي يُؤَاخَذُ فِيهِ بِالْحِنْثِ وَاعْتَمَدَ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ الِانْتِفَاعُ بِالْخُلْعِ مُطْلَقًا حَتَّى لَا يَحْنَثَ. وَاسْتُشْهِدَ لَهُ بِإِفْتَاءِ التَّاجِ الْفَزَارِيِّ فِيمَنْ حَلَفَ بِالثَّلَاثِ أَنَّهُ لَا يُسَاكِنُ أَخَاهُ ثُمَّ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يُخَالِعُ وَلَا يُوَكِّلُ بِأَنَّ طَرِيقَهُ أَنْ يُخَالِعَ ثُمَّ لَا يَحْنَثُ لِحُصُولِ الْبَيْنُونَةِ بِالْخُلْعِ فَيَسْتَحِيلُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ وَيُوَافِقُهُ إفْتَاءُ الْجَلَالِ الْبُلْقِينِيُّ فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يُخَالِعُ بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَعْنِي بِسَبَبِ يَمِينِ الْخُلْعِ لِلْبَيْنُونَةِ بِهِ وَأَيَّدَ السُّبْكِيّ ذَلِكَ بِظَاهِرِ قَوْل الشَّيْخَيْنِ لَوْ قَالَ إلَّا لَمْ تَخْرُجِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَخَالَعَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ مِنْ اللَّيْلِ وَجَدَّدَ النِّكَاحَ وَلَمْ تَخْرُجْ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَحَلُّ الْيَمِينِ فَلَمْ يَمْضِ وَهِيَ زَوْجَتُهُ وَقَوْلُهُمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ تُفَّاحَتَانِ فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ إلَّا لَمْ تَأْكُلِي هَذِهِ التُّفَّاحَةَ الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقُ وَلِأَمَتِهِ إلَّا لَمْ تَأْكُلِي هَذِهِ الْأُخْرَى الْيَوْمَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَاشْتَبَهَتَا تَخَلَّصَ بِخُلْعِهِمَا ذَلِكَ الْيَوْمَ ثُمَّ يُعِيدُهَا أَيْ وَلَوْ بَعْد التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَكْلِ وَبِبَيْعِ الْأَمَةِ كَذَلِكَ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا لَكِنَّ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَصَوَّبَهُ وَوَافَقَهُ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ وِفَاقًا لِشَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ تَعَالَى عَهْدَهُ أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّصُ بِالْخُلْعِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى بَلْ يَنْظُرُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى انْقَضَى الشَّهْرُ بَانَ حِنْثُهُ قَبْل الْخُلْعِ وَبُطْلَانِ الْخُلْعِ وَيُؤَيِّدُهُ الْحِنْثُ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ فَتَلَف فِي الْغَدِ بَعْد التَّمَكُّنِ مِنْ أَكْلِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ أَوْ أَنَّهَا تُصَلِّي الْيَوْمَ الظُّهْرَ فَحَاضَتْ فِي وَقْتِهِ بَعْد تَمَكُّنِهَا مِنْ فِعْلِهِ وَلَمْ تُصَلِّ أَوْ لَتَشْرَبْنَ مِنْ مَاءِ هَذَا الْكُوزِ فَانْصَبَّ بَعْد إمْكَانِ شُرْبِهِ. وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ كَثِيرَةٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَمَسْأَلَتَيْ الشَّيْخَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ يَتَّضِحُ بِمَا حَقَّقَهُ السُّبْكِيّ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْن إنْ لَمْ أَفْعَلْ وَلَأَفْعَلَنَّ فَإِنَّ الْأَوَّلَ تَعْلِيقٌ عَلَى الْعَدَمِ وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْآخَرِ فَإِذَا صَادَفَهَا الْآخَرُ بَائِنًا لَمْ تَطْلُقْ كَمَا فِي فَرْعَيْ الشَّيْخَيْنِ إذْ لَيْسَ لِلْيَمِينِ فِيهِمَا كَنَظَائِرِهِمَا إلَّا جِهَةُ حِنْثٍ

стр. 1066

فَإِذَا فَعَلَ لَا يُقَالُ بَرَّ بَلْ لَمْ يَحْنَثْ لِعَدَمِ شَرْطِهِ وَأَمَّا لَأَفْعَلَنَّ كَمَا فِي صُورَتِنَا وَنَظَائِرِهَا فَالْفِعْلُ مَقْصُودٌ وَهُوَ إثْبَاتٌ جُزْئِيٌّ وَلَهُ جِهَةُ بِرٍّ وَهِيَ فِعْلُهُ وَجِهَةُ حِنْثٍ بِالسَّلْبِ الْكُلِّيِّ الَّذِي هُوَ نَقِيضُهُ وَالْحِنْثُ هُنَا قَضِيَّةُ الْيَمِينِ وَتَفْوِيتُ الْبِرِّ فَإِذَا الْتَزَمَهُ وَفَوَّتَهُ بِخُلْعٍ مِنْ جِهَتِهِ حَنِثَ لِتَفْوِيتِهِ الْبِرَّ بِاخْتِيَارِهِ وَعَلَيْهِ فَالصِّيَغُ أَرْبَعٌ اثْنَتَانِ يُفِيدُ فِيهِمَا الْخُلْعُ وَهُمَا الْحَلِفُ عَلَى النَّفْيِ كَلَا أَفْعَلُ كَذَا وَالْحَلِفُ عَلَى الْإِثْبَاتِ مُطْلَقًا بِمَا لَا إشْعَار لَهُ بِالزَّمَانِ مُطْلَقًا كَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَاثْنَتَانِ لَا يُفِيدُ فِيهِمَا الْخُلْعُ وَهُمَا الْحَلِفُ بِالْإِثْبَاتِ مُعَلَّقًا بِمَا يُشْعِرُ بِزَمَانٍ كَإِذَا لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَالْحَلِفِ بِلَأَفْعَلَنَّ وَنَحْوِهَا وَلَيْسَ قِيَاسُ هَذَا خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ أَنَّهُ إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ فِي مَسْأَلَةِ الرَّغِيفِ بِإِنْ لَمْ آكُلْ فَأَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ فِي الْغَدِ بَعْد تَمَكُّنِهِ مِنْ أَكْلِهِ لَا يَحْنَثُ بَلْ الْمَنْقُولُ فِي نَظِيرِهِ الْحِنْثُ هُنَا أَيْضًا وَعَلَيْهِ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْفَرْقِ كَمَا يُعْلَمُ بِتَأَمُّلِهِ وَأَمَّا تَوْجِيهُ الزَّرْكَشِيّ السَّابِقُ فَمَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْتِي فِي النَّظَائِرِ الْمُوَافِقَةِ لِمَا قُلْنَاهُ دُون الْمُخَالِفَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا مَرَّ مِنْ الْفَرْقِ لِمَا رَجَّحَهُ وَالتَّأْيِيدُ بِمَا مَرَّ عَنْ الْفَزَارِيّ وَالْبُلْقِينِيِّ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا تَأْيِيدَ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ فَأَنَّهُ مُهِمٌّ وَبِمَا قَرَّرْته عُلِمَ الْجَوَابُ عَمَّا فِي السُّؤَالِ وَهُوَ أَنَّ الْخُلْعَ يَنْفَعُهُ قَبْل مُضِيِّ الشَّهْرِ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الَّتِي فِي السُّؤَالِ فَإِذَا فَعَلَهُ ثُمَّ جَدَّدَ نِكَاحَهَا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ ثُمَّ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الثَّلَاثُ وَإِذَا جُدِّدَ النِّكَاحُ بَعْد الشَّهْرِ فَحَكَمَ لَهُ شَافِعِيٌّ بِصِحَّتِهِ أَوْ بِعَدَمِ الْحِنْثِ بِالثَّلَاثِ كَانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِعَدَمِ عَوْدِ الصِّفَةِ فَيَمْتَنِعُ عَلَى الْمُخَالِفِ الْحُكْمُ بِعَوْدِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمْ. (مَسْأَلَة) قَالَ لِزَوْجَتِهِ إلَّا أَبْرَأْتِنِي مِنْ صَدَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ وَهَبَتْهُ لَك أَوْ نَذَرْت بِهِ لَك وَلَوْ قَالَتْ لَهُ بَذَلْت لَك صَدَاقِي عَلَى طَلَاقِي فَقَالَ إلَّا صَحَّتْ بَرَاءَتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَوْ قَالَ لَهَا ابْرَئِينِي وَأَنَا أُطَلِّقُك فَقَالَتْ أَنْتَ الْبَرِيءُ فَقَالَ لَهَا أَنْتِ وَلِيَّةُ النِّسَاءِ بِنَفْسِك عَلَى تَمَامِ الْبَرَاءَةِ فَمَا حُكْمُ ذَلِكَ (فَأَجَبْت) بِقَوْلِي أَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ فَهُوَ إنْ أَرَادَ التَّعْلِيقَ عَلَى لَفْظِ الْإِبْرَاء لَمْ يَحْنَثْ بِقَوْلِهَا وَهَبْته أَوْ نَذَرْت بِهِ لَك وَإِنْ أَطْلَقَ حَنِثَ فِي وَهَبْته لَك كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُمْ هِبَةُ الدَّيْنِ الْمُسْتَقِرِّ لِلْمَدِينِ إبْرَاءٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى وَأَمَّا فِي نَذَرْت بِهِ لَك فَيُحْتَمَلُ إلْحَاقُهُ بِوَهَبْتُهُ لَك فِيمَا ذُكِرَ نَظَرًا إلَى أَنَّهُمَا فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْإِبْرَاءِ خُلُوُّ الذِّمَّةِ عَنْ الدَّيْنِ وَهِبَتُهُ وَنَذْرُهُ مِثْلُ الْإِبْرَاء فِي ذَلِكَ لِخُلُوِّ الذِّمَّةِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَنْهُ. وَأَيْضًا فَالْأَصَحُّ فِي الْإِبْرَاء أَنَّهُ تَمْلِيك الْمَدَّيْنِ مَا فِي ذِمَّتِهِ وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ فِيهِ شَائِبَةُ الْإِسْقَاطِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْهِبَة مُحَصِّلَةٌ لِذَلِكَ التَّمْلِيكِ وَكَذَلِكَ النَّذْرُ مُحَصِّلٌ لِلْمَقْصُودِ مِنْ ذَلِكَ التَّمْلِيكِ فَاسْتَوَتْ الثَّلَاثَةُ أَعْنِي الْإِبْرَاءَ وَالْهِبَةَ وَالنَّذْرَ فِي تَحْصِيلِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْمَقْصُودِ وَهُوَ خُلُوُّ الذِّمَّةِ عَنْ الدَّيْنِ وَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ بَيْن الْهِبَةِ وَالنَّذْرِ بِأَنَّ النَّذْرَ إنَّمَا يُسَمَّى الْتِزَامًا لَا تَمْلِيكًا بِخِلَافِ الْهِبَةِ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ فَسَاوَتْ الْإِبْرَاء فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ بِخِلَافِ النَّذْرِ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ الْأَوَّلُ وَلَا أَثَرَ لِهَذَا الْفَرْقِ لِمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الِالْتِزَامَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ النَّذْرُ مُحَصِّلٌ لِلْمَقْصُودِ مِنْ التَّمْلِيكِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ كُلٌّ مِنْ الْإِبْرَاء وَالْهِبَة وَقَاعِدَةُ أَنَّ الْأُمُورَ بِمَقَاصِدِهَا وَأَنَّ الْمَعْنَى قَدْ يُرَجَّحُ عَلَى اللَّفْظِ إذَا قَوِيّ مَأْخَذُهُ يُرَجِّحَانِ مَا ذَكَرْته أَنَّ نَذْرَ الدَّيْنَ لِلْمَدِينِ وَإِنْ سُمِّيَ الْتِزَامًا إلَّا أَنَّ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَالْمَقْصُودِ مِنْهُ مَوْجُودَانِ بِتَمَامِهِمَا فِيهِ. فَكَانَ الْأَوْجَهُ إلْحَاقُ النَّذْرِ بِالْهِبَةِ كَمَا مَرَّ وَحَيْثُ قُلْنَا بِالطَّلَاقِ فِيمَا ذُكِرَ فَهُوَ بَائِنٌ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ قَبْل أَنْ يَتَخَلَّلَ كَلَامٌ كَثِيرٌ أَجْنَبِيٌّ وَأَنْ يَعْلَمَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْرَ الصَّدَاقِ وَأَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مُطْلَقَةُ التَّصَرُّفِ شَرْعًا وَأَنْ لَا يَكُونَ الصَّدَاقُ زَكَوِيًّا وَإِلَّا اُشْتُرِطَ أَنْ لَا يَمْضِيَ عَلَيْهِ حَوْلٌ وَقَدْ بَيَّنْت هَذِهِ الشُّرُوطَ وَمَا فِيهَا مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي اخْتِصَارِي الْمُحَرَّرِ مِنْ الْآرَاءِ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ بِالْإِبْرَاءِ ثُمَّ رَأَيْتنِي ذَكَرْت فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ مَا يُصَرِّحُ بِمَا ذَكَرْته فِي النَّذْرِ وَعِبَارَتِي فِيهِ قَالَ إنْ نَذَرْت لِي بِكَذَا أَوْ بِجَمِيعِ مَا تَسْتَحِقِّيهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَنَذَرَتْ لَهُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَالتَّعْلِيقِ بِالْإِبْرَاءِ بِجَامِعِ تَضَمُّنِ كُلٍّ لِلْمُعَاوَضَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ وَحِينَئِذٍ فَيُشْتَرَطُ فِي الْبَيْنُونَةِ صِحَّةُ النَّذْرِ وَعِلْمُهُمَا بِمَا نَذَرَ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا اُشْتُرِطَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِبْرَاءِ لِمَا فِيهَا مِنْ

стр. 1067

شَائِبَةِ الْمُعَاوَضَةِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذِهِ فِيهَا تِلْكَ الشَّائِبَةُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ لَا بُدَّ هُنَا مِنْ عِلْمِهِ قَطْعًا لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الْمُعَاوَضَةِ وَغَلِطَ مِنْ أَجْرَى الْقَوْلَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْمَدِينِ هُنَا وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي فَهُوَ أَنَّهُ يَقَعُ فِيهَا الطَّلَاقُ وَعِبَارَتِي فِي الْمُخْتَصَرِ الْمَذْكُورِ إذَا قَالَتْ بَذَلْت صَدَاقِي عَلَى طَلَاقِي أَوْ بِطَلَاقِي فَطَلَّقَ بِهِ وَقَبِلَتْ بَانَتْ لِأَنَّهُ إنَّمَا طَلَّقَ بِعِوَضٍ ثُمَّ إنْ عَلِمَا قَدْرَ الْمَهْرِ وَوُجِدَتْ شُرُوطُهُ السَّابِقَةُ وَأَرَادَتْ بِبَذْلِهِ الْإِبْرَاء مِنْهُ بَرِئَ مِنْهُ وَإِلَّا لَمْ يَبْرَأْ وَلَزِمَهَا لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ هَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَاَلَّذِي فِي فَتَاوَى الْأَصْبَحِيِّ إذَا قَالَتْ بَذَلْت صَدَاقِي عَلَى طَلَاقِي فَطَلَّقَ وَقَعَ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا الزَّوْجُ. فَلَا فَرْقَ بَيْن أَنْ تَقُولَ بَذَلْت لَك أَوْ بَذَلْت وَفِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَذَلْتُ كَأَجَزْتُ ثُمَّ رَأَيْتنِي أَفْتَيْت فِيمَا لَوْ قَالَتْ بَذَلْت صَدَاقِي عَلَى صِحَّةِ طَلَاقِي فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ فَهَلْ تَطْلُقُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا أَوْ لَا تَطْلُقُ فَقُلْت أَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَتِلْمِيذُهُ الرَّدَّادُ وَالطَّيِّبُ النَّاشِرِيّ بِأَنَّهَا لَا تَطْلُقُ وَقَالَ آخَرُونَ لَا تَطْلُقُ بَائِنًا وَقَالَ ابْنُ عُجَيْلٍ وَإِسْمَاعِيلُ الْحَضْرَمِيُّ نَفَعَ اللَّهُ بِهِمَا إنْ أَرَادَ اسْتِئْنَافَ الْبَرَاءَةِ لَمْ تَطْلُقْ وَإِلَّا طَلُقَتْ وَهُوَ الْأَوْجَهُ وَإِذَا قُلْنَا تَطْلُقُ فَهَلْ تَطْلُقُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا فِيهَا التَّفْصِيلُ السَّابِقُ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الثَّالِثَةِ فَهُوَ أَنَّ الَّذِي يُتَّجَهُ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ وَلِيَّةُ نَفْسِك أَوْ وَلِيَّةُ النِّسَاءِ بِنَفْسِك أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ أَمَّا فِي الْأُولَى فَوَاضِحٌ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَكَذَلِكَ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْأُولَى لِأَنَّهَا إذَا وَلِيَتْ النِّسَاءَ بِسَبَبِ اسْتِقْلَالِهَا بِنَفْسِهَا كَانَتْ وَلِيَّةُ نَفْسِهَا. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مِنْ الْكِنَايَاتِ أَنْتِ وَشَأْنُك وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلًّا مِنْ ذَيْنِك أَبْلَغُ فِي الْإِشْعَارِ بِالِاسْتِقْلَالِ مِنْ هَذَا فَإِذَا نَوَى الطَّلَاقَ فَإِنْ نَوَى مَعَ ذَلِكَ تَعْلِيقَهُ عَلَى إبْرَائِهَا مِنْ الصَّدَاقِ وَجَعْلَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ قُبِلَ مِنْهُ لِاحْتِمَالِهِ وَتَوَقَّفَ عَلَى جَوَابِهَا فَإِنْ أَجَابَتْهُ وَقَدْ كَانَتْ أَوَّلًا أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةً صَحِيحَةً وَقَعَ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَإِنْ تُجِبْهُ لَمْ يَقَعْ وَإِنْ أَجَابَتْهُ وَلَمْ تَكُنْ أَوَّلًا أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةً صَحِيحَةً فَإِنْ أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةً صَحِيحَةً وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ وَلَمْ يُرِدْ التَّعْلِيقَ الْمَذْكُورَ فَإِنْ كَانَتْ أَبْرَأَتْهُ أَوَّلًا بَرَاءَةً صَحِيحَةً وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا كَمَا بَيَّنَهُ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ فِي فَتَاوِيه فِي نَظِيرِ ذَلِكَ وَأَطَالَ فِيهِ وَمِنْ جُمْلَتِهِ قَوْلُهُ وَهُوَ لَوْ صُرِّحَ هُنَا بِالتَّعْلِيقِ عَلَى الْإِبْرَاءِ الْمُتَقَدِّمِ فَقَالَ عَلَّقْت طَلَاقَك عَلَى الْإِبْرَاءِ الصَّادِرِ مِنْك لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقًا بَلْ تَنْجِيزًا مُعَلَّلًا بِالْإِبْرَاءِ الْمُتَقَدِّمِ إذْ كَيْف يَصِحّ التَّعْلِيقُ عَلَى الْمَاضِي وَفَارَقَ هَذَا مَا لَوْ خَالَعَهَا بِمَهْرِهَا بَعْد أَنْ أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ بَائِنًا جَزْمًا عِنْد الْجَهْلِ وَعَلَى خِلَافٍ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ ثَمَّ خَالَعَ عَلَى نَفْسِ الْمَهْرِ فَقَدْ طَلَّقَ بِعِوَضٍ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ثُبُوتُهُ لِبَرَاءَةِ ذِمَّته فَهُوَ كَخُلْعٍ فَاسِدٍ وَهُوَ مُقْتَضٍ لِلْبَيْنُونَةِ وَإِنْ عَلِمَا الْفَسَادُ وَهُنَا لَمْ يَجْعَلْ الْمَهْرَ عِوَضًا وَإِنَّمَا جَعَلَ الْبَرَاءَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ سَبَبًا لِلطَّلَاقِ وَذَلِكَ لَا يَجْعَلُهُ طَلَاقًا بِعِوَضٍ بَلْ هُوَ تَبَرُّعٌ حَمَلَهُ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ إبْرَائِهَا. اهـ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَبْرَأَتْهُ أَوَّلًا بَرَاءَةً صَحِيحَةً لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ شَيْءٌ نَعَمْ إنْ قَصَدَ تَنْجِيزَ الطَّلَاقِ فِي مُقَابَلَةِ مَا صَدَرَ مِنْهَا وَقَعَ رَجْعِيًّا وَإِنْ فَسَدَ الْإِبْرَاء لِأَنَّهُ مُجَرَّدٌ لَمْ يُعَلِّق فَيَلْغُو قَوْله عَلَى تَمَام الْبَرَاءَة بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقْصِد تَعْلِيقًا وَلَا تَنْجِيزًا فَإِنَّ الظَّاهِر حَمْلُهُ عَلَى التَّعْلِيق فَلَا يَقَع شَيْء عِنْد عَدَم صِحَّة الْإِبْرَاء وَلَا سَبِيل لِلْوُقُوعِ هُنَا بَائِنًا بَعْد صُدُور إبْرَائِهَا صَحِيحًا إذَا لَا عِوَض حِينَئِذٍ تَحْقِيقِيّ وَلَا تَقْدِيرِيٍّ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى تَمَامِ الْبَرَاءَةِ وَقَدْ كَانَتْ أَبْرَأَتْهُ قُبَيْلَ التَّعْلِيقِ مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى الْأَصْبَحِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقُ عَلَى تَمَامِ الْبَرَاءَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ إنْ أَبْرَأْتِنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِذَا كَانَ مِثْلَهُ فَيَأْتِي فِيهِ حُكْمُهُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لِمَنْ أَبْرَأَتْهُ فَإِنْ لَمْ تَتَلَفَّظْ بِالْبَرَاءَةِ فَلَا وُقُوعَ وَإِنْ تَلَفَّظَتْ بِهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ مُنْشَؤُهُمَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى الْبَرَاءَةِ بَرَاءَةٌ صَحِيحَةٌ أَمْ مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا وُقُوعَ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَى الضَّعِيفِ يَقَعُ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ التَّعْلِيقَ عَلَى مُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِالْبَرَاءَةِ وَإِلَّا وَقَعَ جَزْمًا وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَفْتَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْوُقُوعِ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ. (وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَتْ أَمَةٌ لِزَوْجِهَا سَيِّدِي أَذِنَ لِي أَنْ أَخْتَلِعَ

стр. 1068

مِنْك بِصَدَاقِي فَخَالَعَهَا فَانْكَرْ السَّيِّدُ ذَلِكَ فَهَلْ تَبِينُ وَيَكُونُ الصَّدَاقُ فِي ذِمَّتِهَا أَوْ تَطْلُقُ رَجْعِيًّا أَوْ لَا تَطْلُقُ كَمَا أَنَّهَا غَرَّتْهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ خَالَعَهَا عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ صَدَاقِهَا فَلَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ لِإِنْكَارِ سَيِّدِهَا الْإِذْن مِنْهُ لَهَا فِي ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إلَّا أَعْطَيْتنِي النَّخْلَةَ الْفُلَانِيَّةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ أَعْطَيْتُكهَا فَهَلْ يَمْلِكُهَا وَتَطْلُقُ بَائِنًا فَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَمَا طَرِيقُ صِحَّةِ مِلْكِهِ لِتَطْلُقَ فَلَوْ نَذَرَتْ بِهَا لَهُ أَوْ وَهَبَتْهَا مِنْهُ فَقَبِلَ فَهَلْ تَطْلُقُ أَوْ لَا وَحَيْثُ مَلَكهَا فَبَانَتْ مُسْتَحِقَّةً مَا حُكْمُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابَيْ الْخُلْعِ وَالْقَبْضِ أَنَّهَا إذَا خَلَّتْ بَيْنه وَبَيْن النَّخْلَةِ التَّخْلِيَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ بِنِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ التَّعْلِيقِ مَلَكهَا وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ نَزَّلُوا التَّخْلِيَةَ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ مَنْزِلَةَ الْأَخْذِ بِالْيَدِ فِي الْمَنْقُولِ وَقَالُوا هُنَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِإِعْطَاءِ شَيْءٍ فَوَضَعَتْهُ بَيْن يَدَيْهِ بِنِيَّةِ الدَّفْعِ عَنْ جِهَةِ التَّعْلِيقِ وَتَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهِ مَلَكَهُ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ قَبْضِهِ لِأَنَّ تَمْكِينهَا إيَّاهُ مِنْ الْقَبْضِ إعْطَاءٌ مِنْهَا إذْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ أَعْطَاهُ فَلَمْ يَأْخُذ وَهُوَ بِامْتِنَاعِهِ مُفَوِّتٌ لِحَقِّهِ وَإِنَّمَا مَلَكَ ذَلِكَ قَهْرًا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَقْبِضْهُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِالْإِعْطَاءِ وَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُهُ مَجَّانًا مَعَ قَصْدِ الْعِوَضِ وَقَدْ مَلَكَتْ زَوْجَتُهُ بُضْعَهَا فَيَمْلِكُ الْآخَرُ الْعِوَضَ عَنْ هَذَا. كَلَامُهُمْ وَهُوَ كَمَا تَرَى مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ بَيْن التَّعْلِيقِ بِإِعْطَاءِ مَنْقُولٍ أَوْ عَقَارٍ أَوْ شَجَرٍ وَأَنَّ قَوْلهمْ فَوَضَعَتْهُ بَيْن يَدَيْهِ إنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ تَصْوِيرٍ نَظَرًا إلَى أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْإِعْطَاءِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَنْقُولَاتِ غَالِبًا بِدَلِيلِ تَعْلِيلِهِمْ الَّذِي تَقَرَّرَ هُنَا فَإِنَّهُ جَارٍ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ أَيْضًا وَبِدَلِيلِ كَلَامِهِمْ فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ مِنْ إقَامَتِهِمْ التَّخْلِيَةَ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ مَنْزِلَةَ الْأَخْذِ بِالْيَدِ فِي الْمَنْقُولِ فَإِنْ قُلْت الْإِعْطَاءُ عُرْفًا إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَنْقُولِ دُون غَيْرِهِ قُلْت مَمْنُوعٌ بَلْ يُسْتَعْمَلُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا يُقَالُ أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ وَأَعْطَاهُ دَارًا وَنَخْلَةً وَإِنْكَار ذَلِكَ مُكَابَرَةٌ وَذَكَرْت فِي الْفَتَاوَى وَمُلَخَّصُ تَحْرِيرِ الْآرَاءِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ أَبْرَأْتِنِي مِنْ صَدَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ وَهَبْته لَك أَوْ نَذَرْت بِهِ لَك أَوْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْك أَنَّهُ إنْ أَرَادَ التَّعْلِيقَ بِلَفْظِ الْإِبْرَاء فَلَا وُقُوعَ أَوْ خَلَاصَهُ عَنْ عُهْدَةِ الصَّدَاقِ وَقَعَ بَائِنًا بِشُرُوطِهِ وَكَذَا إنْ أُطْلِقَ عَلَى كَلَامٍ طَوِيلٍ فِيهِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْهِبَةَ هُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ تَمْكِينُهَا إيَّاهُ مِنْ قَبْضِهِ كَافِيًا وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِشَيْءٍ كَمَا مَرَّ فَكَذَلِكَ زِيَادَةُ تَلَفُّظِهَا بِنَحْوِ وَهَبْته لَك مَعَ تَمْكِينِهِ مِنْ قَبْضِهِ بِنِيَّةِ الدَّفْعِ عَنْ جِهَةِ التَّعْلِيقِ لِأَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْطَى وَكَذَلِكَ زِيَادَةُ تَلَفُّظِهَا بِقَوْلِهَا نَذَرْت لَك بِهِ مَعَ التَّمْكِينِ مِنْ قَبْضِهِ بِنِيَّةِ الدَّفْعِ عَنْ جِهَةِ التَّعْلِيقِ وَيَزْدَادُ ذَلِكَ إيضَاحًا بِمُرَاجَعَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْفَتَاوَى وَالتَّلْخِيصِ الْمَذْكُورَيْنِ وَإِذَا أَعْطَتْهُ النَّخْلَةَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهَا فَخَرَجَتْ مُسْتَحِقَّةً لَزِمَهَا لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا أَيْضًا. (وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ كَانَ لِامْرَأَةٍ عَلَى زَوْجِهَا مَهْرٌ زَائِدٌ عَلَى نِصَابِ الزَّكَاةِ وَأَبْرَأَتْهُ عَنْ مَهْرِهَا بَعْد سِنِينَ عَدِيدَةٍ وَلَمْ تَعْرِفْ الْقَدْرَ الْبَاقِي بَعْد الزَّكَاةِ هَلْ الْإِبْرَاء صَحِيحٌ أَوْ لَا لِلْجَهْلِ بِالْمِقْدَارِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا قَالَ لَهَا إنْ أَبْرَأَتْنِي مِنْ مَهْرِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ مِنْ مَهْرِهَا الزَّكَوِيِّ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ وَإِنْ عَلِمَتْ مِقْدَارَ مَهْرِهَا لِعَدَمِ وُجُودِ الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلَّقَ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ جَمِيعِ الْمَهْرِ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ جَمِيعِهِ لِأَنَّ مِقْدَارَ الزَّكَاةِ لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاء مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهَا ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَبَرَّعَتْ بِإِبْرَائِهِ فَإِنْ عَلِمَتْ مِقْدَارَهُ وَعَلِمَتْ السِّنِينَ الْمَاضِيَةَ بِلَا زَكَاةٍ صَحَّ إبْرَاؤُهَا مِمَّا عَدَا قَدْرِ الزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ إبْرَاؤُهَا لِجَهْلِهَا بِمِقْدَارِهِ (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَقْرَأَ قُرْآنًا فِي هَذَا الْيَوْمِ مَثَلًا فَهَلْ يَحْنَثُ بِقِرَاءَتِهِ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ لِلتَّبَرُّكِ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ لَا يَحْنَثُ فَهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ قَصْدِهِ التَّبَرُّكَ نَفْيُ بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ لَوْ قَصَدَهُمَا أَعْنِي التَّبَرُّكَ وَالْقِرَاءَةَ يَحْنَثُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ قَصَدَ بِهِ التَّبَرُّكَ وَحْدَهُ لَمْ يَحْنَثْ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا تَجْوِيزُهُمْ الْقِرَاءَةَ لِلْجُنُبِ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ مَعَ الْقَصْدِ

стр. 1069

الْمَذْكُورِ صَارَ غَيْرَ قُرْآنٍ لِمَا يَأْتِي وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ لَوْ أَفْهَم الْمُصَلِّي غَيْرَهُ غَرَضًا آخَرَ بِالْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ لِمُسْتَأْذِنٍ عَلَيْهِ اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ وَقَصَدَ بِهِ التَّفْهِيمَ وَحْدَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذُكِرَ وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ فِي بَابَيْ الطَّلَاقِ وَالْأَيْمَانِ لَوْ قَالَ لَهَا إلَّا أَجَبْت خِطَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ خَاطَبَهَا فَقَرَأَتْ آيَةً تَتَضَمَّنُ جَوَابَهُ فَإِنْ قَصَدَتْ الْجَوَاب وَحْدَهُ لِمَا يَأْتِي طَلُقَتْ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك حَنِثَ بِقِرَاءَةِ آيَةٍ أَفْهَمَهُ بِهَا إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْقِرَاءَةَ أَيْ بِأَنْ قَصَدَ الْإِفْهَام وَحْدَهُ أَوْ أَطْلَقَ كَمَا يَأْتِي لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ. وَإِنْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ وَالْقِرَاءَةَ حَنِثَ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي الْمَحَالِّ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهُمْ حَرَّمُوهُ عَلَى الْجُنُبِ فَجَعَلُوهُ مَعَ ذَلِكَ قُرْآنًا وَيُوَجَّهُ تَغْلِيبُهُمْ قَصْدَ الْقِرَاءَةِ بِأَنَّهُ اعْتَضَدَ بِكَوْنِ الْأَصْلِ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ إنَّمَا يُؤْتَى بِهِ بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ الْمَوْضُوعِ هُوَ لَهَا فَغَلَبَ عَلَى قَصْدِ التَّبَرُّك بِعُرُوضِهِ وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يُبْطِلُوا الصَّلَاةَ بِهِ فِيمَا لَوْ قُصِدَ بِهِ الْقِرَاءَةُ وَالتَّفْهِيمُ لِبَقَاءِ نَظْمِ الْقُرْآنِ عَلَى حَالِهِ وَلَا نَظَرَ لِقَصْدِ التَّفْهِيمِ الْمُنْضَمِّ إلَى قَصْدِ الْقِرَاءَةِ لِمَا ذَكَرْتُهُ. وَقَالُوا فِي مَسْأَلَةِ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ الْمَذْكُورَة وَإِلَّا فَلَا كَمَا قَدَّمْته عَنْهُمْ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا لَوْ قَصَدَتْ الْجَوَابَ وَالْقِرَاءَةَ لَمْ يَحْنَثْ تَغْلِيبًا لِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ لِمَا قَدَّمْته أَيْضًا فَلَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهَا أَنَّهَا أَجَابَتْهُ وَقَالُوا فِي مَسْأَلَةِ الْحَلِفِ عَلَى الْكَلَامِ لَوْ قَصَدَ التَّفْهِيمَ وَالْقِرَاءَةَ لَمْ يَحْنَثْ وَوَجْهُهُ مَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مِنْ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ لَا يَحْنَثُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الَّذِي لَا يَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ وَإِنْ أَطْلَقَ بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ قِرَاءَةً وَلَا تَبَرُّكًا لَمْ يَحْنَثْ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ أَيْضًا لِأَنَّهُمْ أَحَلُّوا الْقِرَاءَةَ لِلْجُنُبِ حِينَئِذٍ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ قُرْآنًا إلَّا بِالْقَصْدِ أَيْ عِنْد عُرُوضِ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ لَهُ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ إلَى غَيْرِهَا كَالْجَنَابَةِ هُنَا لَا مُطْلَقًا لِمَا يَأْتِي وَأَبْطَلُوا بِهِ الصَّلَاةَ كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَبِهِ يَرُدُّ عَلَى جَمْعٍ نَازَعُوا فِيهِ وَقَدْ ذَكَرْت شُبَهَهُمْ مَعَ رَدِّهَا أَبْلَغَ رَدٍّ وَأُوَضِّحُهُ فِي شَرْح الْعُبَابِ وَعَلَّلُوهُ أَعْنِي الْقَائِلِينَ بِإِبْطَالِهِ بِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ قُرْآنًا إلَّا بِالْقَصْدِ وَالْقَرِينَةُ هُنَا هِيَ الِاسْتِئْذَانُ مَثَلًا الْمُقْتَضِي صَرْفُ اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ إلَى مَعْنَى مَا يُخَاطَبُ بِهِ النَّاسُ فَأَشْبَهَ كَلَامَهُمْ الْمُبَايِنَ لِلْقُرْآنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَإِلَيْهِ يُرْشِدُ خَبَرُ مُسْلِمٍ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمِنْهَاجِ وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مِنْ أَنَّهُ يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا وَأَتَى بِآيَةٍ مُفْهِمَةٍ فَهِمَ مِنْهَا زَيْدٌ مُرَادَهُ بِلَا قَصْدٍ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا لَهُ مَعَ الْإِطْلَاق حُكْمَ كَلَامِ الْآدَمِيِّ فَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ وَجَازَ لِلْجُنُبِ وَحَنِثَ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ وَاخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا فِي أَنَّ ذَلِكَ هَلْ يَجْرِي فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ أَوْ يَخْتَصُّ بِمَا يُوجَدُ نَظْمُهُ فِيهِ وَخَارِجَهُ كَالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [الزخرف: ١٣] إلَى آخِرِهِ وَ ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] وَ ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] دُون نَحْوِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَسُورَةِ الْإِخْلَاصِ فَأَكْثَرُهُمْ عَلَى الْأَوَّلِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ مُحَقِّقِيهِمْ عَلَى الثَّانِي وَمَالَ إلَيْهِ النَّوَوِيُّ بَعْد أَنْ قَرَّرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْإِطْلَاق كَمَا بَيَّنْته مِنْ كَلَامِهِ فِي شَرْح الْعُبَابِ مَعَ الرَّدِّ عَلَى ابْنِ الرِّفْعَةِ فِي فَرْقِهِ بَيْن إطْلَاقِ الْجُنُبِ وَإِطْلَاق الْمُصَلِّي وَوَقَعَ لِجَمْعٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ قَالُوا لَا يَضُرُّ قَصْدُ التَّنْبِيهِ وَحْدَهُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ وَالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ لَا يَقْبَلُ الصَّرْفَ عَنْهُ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ لَفْظَهُ مُشْتَرَكٌ بَيْن الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ فَأَمَّا حُكْمُهُمْ عَلَى جَمِيعِ لَفْظِ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ فَهُوَ يُوَافِقُ الْأَوَّلَ السَّابِقَ وَأَمَّا إثْبَاتُهُمْ ذَلِكَ لِلْقُرْآنِ دُون نَحْو التَّسْبِيحِ فَهُوَ فِي غَايَةِ الْغَرَابَةِ وَالضَّعْفِ وَعَجِيبٌ مِنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَيْف نَقَلَهُ وَأَقَرَّهُ مَعَ أَنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ مَعَ قَصْدِ التَّنْبِيهِ وَحْدَهُ بِمَعْنَى تَنَبَّهْ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ بِقَصْدِ الْإِعْلَام بِمَعْنَى رَكَعَ الْإِمَام فَاسْتَوَى الْقُرْآنُ وَغَيْره فِي التَّفْصِيل الْمَذْكُور فَإِنْ قُلْت قَدْ تَقَرَّرَ فِي خَبَرِ مُسْلِم السَّابِقِ أَنَّ الْقُرْآنَ مُبَايِنٌ لِكَلَامِ النَّاسِ فَكَيْف جَعَلْتُمُوهُ مُشْتَرَكًا كَمَا مَرَّ قُلْت لَمْ نَجْعَلُهُ مُشْتَرَكًا مُطْلَقًا وَإِنَّمَا نَظَرْنَا إلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَمَّا سَبَقَ مِمَّنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلْقُرْآنِ وَهُوَ الْجُنُبُ أَوْ سَبَقَ لِلتَّفْهِيمِ لِغَرَضٍ آخَرَ جَرَى عُرْفًا التَّفْهِيمُ فِيهِ بِالْقُرْآنِ وَبِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ التَّفْهِيمُ بِالْقُرْآنِ مَذْمُومًا شَرْعًا وَذَلِكَ مِنْ الْمُصَلِّي

стр. 1070

وَالْحَالِفُ أَشْبَهَ حِينَئِذٍ كَلَامَ النَّاسِ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْقَرِينَةِ الْعَارِضَةِ وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي ذَاتِهِ قُرْآنًا أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَنَا وَغَيْرَهُمْ فَضَّلُوا عَلَيْهِ الْأَذْكَارَ الْمَطْلُوبَةَ فِي مَحَالَّ مَخْصُوصَةٍ مَعَ أَنَّهُ لَا أَفْضَلَ مِنْ الْقُرْآنِ إجْمَاعًا وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يُفَضِّلُوهَا عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الذَّاتِ بَلْ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْعَارِضِ الَّذِي طَلَبَهُ الشَّارِعُ لِغَرَضٍ آخِر فَالتَّفْضِيلُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ الذَّاتِ بَلْ مِنْ حَيْثُ ذَلِكَ الْعَارِضِ فَكَمَا اتَّفَقُوا عَلَى التَّفْضِيلِ عَلَيْهِ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَلِذَلِكَ قُلْنَا وَمَنْ وَافَقَنَا مِنْ الْأَئِمَّةِ إذْ التَّفْضِيلُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُخْرِجهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ كَالْقَرِينَةِ الْمُقْتَضِيَةِ عُرْفًا صَرْفَهُ إلَيْهَا وَخُرُوجَهُ عَنْ مَعْنَى الْقُرْآنِيَّةِ إلَى مَعْنَى مَا يُتَخَاطَبُ بِهِ فَأَعْطَيْنَاهُ حِينَئِذٍ حُكْمَ كَلَامِ النَّاسِ وَأَدَرْنَا عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحْكَامَ السَّابِقَ تَقْرِيرُهَا فَإِنْ قُلْت مَرَّ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا فِي حَالَةِ قَصْدِ التَّبَرُّكِ وَحْدَهُ أَوْ التَّفْهِيمِ وَحْدَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي حَالَةِ الْإِطْلَاق فَمَا سَبَبُ ذَلِكَ قُلْت سَبَبُهُ أَنَّ الْقَصْدَ أَقْوَى فِي الصَّرْفِ مِنْ الْإِطْلَاق فَانْصَرَفَ بِهِ قَطْعًا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِقَرِينَةٍ بِخِلَافِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَإِنَّهُ تَعَارَضَ فِيهِ أَمْرَانِ هُمَا رِعَايَةُ ذَاتِهِ أَوْ الْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ لَهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا فَأَكْثَرُهُمْ رَاعُوهَا لِقُوَّتِهَا وَبَعْضهمْ رَاعَى الذَّاتَ لِأَصَالَتِهَا فَالْحَاصِلُ أَنَّ قَصْدَ غَيْرِ الْقُرْآنِيَّةِ كَافٍ وَحْدَهُ فِي الصَّرْفِ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ تُعَضِّدُهُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ قُوَّتِهِ وَأَنَّهُ إذَا أُطْلِقَ فَإِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ صَرَفَتْهُ إلَيْهَا وَأَخْرَجَتْهُ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ بَقِيَ عَلَى قُرْآنِيَّتِهِ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى قَصْدِهَا وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقَ أَئِمَّتُنَا عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ عَدَمُ صَرْفِهَا عَنْ الْقِرَاءَةِ إلَى غَيْرِهَا لَا قَصْدَ نَفْسِ الْقِرَاءَةِ إلَّا إنْ عَرَضَتْ قَرِينَةٌ كَأَنْ عَرَضَ عُطَاسٌ فَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ عَقِبَ عُطَاسِهِ فَقَرِينَةُ نَدْبِ قِرَاءَتِهَا عَقِبَ الْعُطَاسِ أَوْجَبَتْ عَدَمَ الِاعْتِدَادِ بِهَا عَنْ قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ إلَّا إنْ قَصَدَهَا وَأَمَّا حَيْثُ لَا قَرِينَةَ فَلَا يُشْتَرَطُ قَصْدُهَا كَمَا مَرَّ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا مَرَّ فِي قَصْدِ التَّبَرُّكِ وَنَحْوِهِ قَوْلُهُمْ مَا كُتِبَ مِنْ الْقُرْآنِ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ لَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَام الْقُرْآنِ مِنْ حُرْمَةِ مَسِّهِ عَلَى الْمُحْدِثِ وَتَجْوِيزهمْ الرَّسْمَ بِاسْمِ اللَّهِ فِي أَفْخَاذِ الْحَيَوَانِ مَعَ تَمَرُّغِهَا بِهِ فِي النَّجَاسَةِ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ كِتَابَتِهِ التَّبَرُّكُ بِهِ وَحِينَئِذٍ فَيَنْسَلِخُ عَنْ مَوْضُوعِهِ إلَى غَيْرِهِ فَلَمْ يُبَالَ بِتَنَجُّسِهِ هَذَا مُلَخَّصُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِنْ كَانَ لِبَسْطِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا مَجَالٌ وَاسِعٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ أَهْلُ مِلِيبَار يُطَلِّقُونَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ مَعَ إنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيَّ بَلْ يَعْرِفُونَ أَنَّهُ لِلْفِرَاقِ بَيْنه وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ فَهَلْ يَقَعُ طَلَاقُهُمْ بِهِ وَاشْتَهَرَ عِنْدَهُمْ أَلْفَاظٌ فِي الطَّلَاقِ وَلَيْسَتْ تَرْجَمَةُ طَلَاقٍ بَلْ هِيَ أَشْهَرُ عِنْد عَوَامِّهِمْ مِنْ لَفْظِ الطَّلَاقِ لِشُيُوعِهَا وَكَوْنِهَا بِلُغَتِهِمْ فَهَلْ هِيَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الصَّرِيحَةِ أَوْ الْكِنَايَةِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَقَعُ طَلَاقُهُمْ إذْ لَا مَعْنَى مَقْصُودًا مِنْ الطَّلَاق إلَّا وُقُوعُ الْفِرَاقِ بِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِحَلِّ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَمَعْرِفَتُهُمْ لِذَلِكَ كَافِيَةٌ فِي كَوْنِهِ صَرِيحًا فَيَقَعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَمَا اشْتَهَرَ عِنْدهمْ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الطَّلَاقِ فَإِنْ كَانَ لَفْظُ طَلَاقٍ أَوْ فِرَاقٍ أَوْ مَا اُشْتُقَّ مِنْهُمَا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى صَرَاحَتِهِ أَوْ لَفْظُ كِنَايَةٍ مِمَّا ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى كَوْنِهِ كِنَايَةً وَإِنْ اشْتَهَرَ عَلَى الْأَصَحِّ إذْ مَأْخَذ الصَّرَاحَةِ لَيْسَ هُوَ الِاشْتِهَارُ خِلَافًا لِجَمْعٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا بَلْ مَأْخَذُهَا تَكَرُّرُ اللَّفْظِ فِي الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ مِمَّا ذَكَرُوا فِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ كِنَايَةٍ فَلَيْسَ بِكِنَايَةٍ وَإِنْ اشْتَهَرَ وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ أَوْ مِمَّا لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ أَنَّهُ صَرِيحٌ وَلَا كِنَايَةَ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَمَلًا بِاشْتِهَارِهِ فَإِنَّ لِلِاشْتِهَارِ تَأْثِيرًا فِي الْكِنَايَةِ دُون الصَّرِيحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا قَالَ الزَّوْجُ لِأَجْنَبِيٍّ خَالَعْت امْرَأَتِي بِأَلْفٍ أَوْ بِثَوْبِك مَثَلًا فَقَالَ الْأَجْنَبِيُّ قَبِلْت الْخُلْعَ وَلَمْ يَقُلْ بِأَلْفٍ عَلَيْك هَلْ يَصِحُّ الْخُلْعُ؟ (فَأَجَابَ) أَمَّا فِي ثَوْبِك فَيَكْفِي قَبِلْت وَلَا يَحْتَاجُ لِشَيْءٍ وَأَمَّا فِي الْأَلْفِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ عَلَيْك أَوْ يَنْوِيَهُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ الْمُصْلِحَةَ لِدُنْيَاهَا لَا لِدِينِهَا مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا بِسَفَهٍ بِأَنْ بَلَغَتْ غَيْرَ مُصْلِحَةٍ لِدِينِهَا أَوْ لِدُنْيَاهَا وَاسْتَمَرَّتْ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ عَلَّقَ الزَّوْجُ طَلَاقَهَا عَلَى الْتِزَامِ مَالٍ أَوْ بَرَاءَةٍ مِنْهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ شَيْءٌ

стр. 1071

لِفَسَادِ الْتِزَامِهَا وَبَرَاءَتِهَا وَإِنْ لَمْ يُعَلِّقْهُ عَلَى ذَلِكَ وَقَعَ رَجْعِيًّا. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلْقَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا ثُمَّ الْتَزَمَ مِنْهَا بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ إلَّا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَبَعْد مُدَّةٍ مِنْ الِالْتِزَامِ قَالَتْ لَهُ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ عَلَى مَا تَشْهَدُوا أَنِّي بَذَلْت صَدَاقِي عَلَى طَلَاقِي ثُمَّ قَالَ عَلَى مَا تَشْهَدُوا أَنَّهَا طَالِقٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَ هَذَا الطَّلَاقِ فَهَلْ الطَّلْقَةُ الثَّانِيَةُ رَجْعِيَّةٌ أَوْ فِي مُقَابَلَةِ الْبَذْلِ فَإِنْ قُلْتُمْ أَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ هَلْ تَقَعُ الثَّلَاثُ الَّتِي الْتَزَمَ بِهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ تَقَعُ الثَّلَاثُ، وَاَللَّه أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ يَدْفَعُ إلَى غَرِيمِهِ إلَى أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا فِي الشَّهْرِ دَيْنَهُ وَلَفْظُهُ إلَّا جَاءَ الْيَوْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ وَمَا أُوفِيك فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَسَافَرَ رَبُّ الدَّيْنِ قَبْل الْحَادِيَ عَشَرَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِقِيّ وَابْنِ الْبَرَزِيِّ وَكِلَاهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ أَفْتَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِذِكْرِ الْحَادِيَ عَشَرَ انْتِهَاءَ الْغَايَةِ وَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِيفَاءِ وَلَمْ يُوفِ حَنِثَ أَوْ أَنَّ الْإِيفَاءَ يَكُونُ فِي الْحَادِيَ عَشَرَ فَسَافَرَ رَبُّ الدِّينِ قَبْل الْحَادِيَ عَشَرَ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْإِيفَاءِ فِيهِ فَفِي حِنْثِهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَطْلَقَ الْيَمِينَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُرَاجِعَهَا. اهـ. وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَدَمُ الْحِنْثِ وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ الْأَوْلَى أَنْ يُرَاجِعَهَا أَنَّهُ لَا وُقُوعَ فِي حَالِ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلشَّكِّ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ تِلْكَ الْيَمِينِ أَنَّهُمْ إنَّمَا يُرِيدُونَ انْتِهَاءَ الْغَايَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ يُسَافِرُ فِي شَهْرِهِ هَذَا أَوْ يَوْمِهِ إلَى الْمَحِلِّ الْفُلَانِيِّ فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ وَلَمْ يُسَافِرْ إلَى الْمَحِلِّ الْمَذْكُورِ هَلْ تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ عَلَيْهِ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ أَوْ شَهْرِهِ فَإِذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ الْمَحْلُوفِ بِهِ سَاعَةٌ مَثَلًا وَخَرَجَ مِنْ الْمَحِلِّ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْحَلِفُ إلَى خَارِجِ الْعُمْرَانِ وَلَوْ ثَلَاث خُطُوَاتٍ بِنِيَّةِ السَّفَرِ إلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَرَجَعَ إلَيْهِ هَلْ يَكْفِي وَيَسْلَمُ مِنْ الْحِنْثِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ السَّفَرِ إلَى الْمَحِلِّ الْمَذْكُورِ أَوْ إلَى مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ دُونِهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا فَوَّتَ السَّفَرَ فِي الزَّمَنِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ حَنِثَ بِمُضِيِّ زَمَنِ إمْكَان السَّفَرِ مِنْ أَوَّلِ ذَلِكَ الزَّمَنِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْبَغَوِيِّ وَالْإِمَام وَلَا بُدَّ مِنْ السَّفَرِ إلَى الْمَحِلِّ الْمَذْكُورِ قَبْل مُضِيِّ الْيَوْمِ أَوْ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ وَإِلَّا حَنِثَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ إنَّ أَبْرَأَتْنِي زَوْجَتِي مِنْ كَذَا فَهِيَ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ هَلْ يَقَعُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ اضْطَرَدَتْ لُغَتُهُمْ بِاسْتِعْمَالِ إلَى كَانَ فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّهُ يَقَعُ بَائِنًا بِشَرْطِهِ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ عَنْ الْبَغْدَادِيِّينَ فِي أَنْتِ طَالِقٌ لَا دَخَلْت الدَّارَ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ لُغَتُهُ أَنْ لَا كَانَ كَانَ تَعْلِيقًا بِالدُّخُولِ فَلَا يَقَعُ قَبْلَهُ. (وَسُئِلَ) عَنْ كَلَامِ الشَّيْخِ وَلِيِّ الدِّينِ أَبِي زُرْعَةَ فِي مَسْأَلَةِ قَوْلِ الزَّوْجِ أَبْرِئِينِي وَأَنَا أُطَلِّقُك تَفْضُلُوا بِبَيَانِهِ وَمَا الَّذِي تَقُولُونَهُ فِي قَوْلِهِ أَبْرِئِينِي مِنْ مَهْرِك وَأَنْتِ طَالِقٌ وَفِيمَا لَوْ قَالَتْ زَوْجَتُهُ طَرَحَ اللَّهُ لَك عَلَى تَمَامِ بَرَاءَتِي وَقَصَدَتْ بِالتَّمَامِ ثَلَاثًا فَأَوْقَعَ وَاحِدَةً فَقَطْ وَلَكُمْ فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى كَالْفَقِيهِ أَبِي مَخْرَمَةَ فِي فَتَاوِيهِ كَلَامٌ فِي الْمَسْأَلَةِ بَيِّنُوا حَاصِلَهُ مَعَ زِيَادَةِ إيضَاحٍ وَهَلْ الْمَسْأَلَةُ تُشْبِهُ قَوْلَهُمْ وَالْعِبَارَةُ لِلْإِرْشَادِ أَوْ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً فَثَلَاثَةً وَكَلَامُهُمْ وَكَلَامُ أَبِي مَخْرَمَةَ لَا يُوَافِقُ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَاصِلُ مَا حَرَّرْته فِي كِتَابِي إيضَاحُ الْمُقَرَّرِ مِنْ أَحْكَامِ الْمُحَرَّرِ فِي نَحْو أَبْرِئِينِي وَأَنَا أُطَلِّقُك فَأَبْرَأَتْهُ فَطَلَّقَهَا بِأَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ إلَّا صَحَّتْ بَرَاءَتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ طَلَاقُك بِصِحَّةِ بَرَاءَتِك أَنَّهُ رَجْعِيٌّ فِي الْأُولَى سَوَاءٌ صَحَّتْ بَرَاءَتُهَا أَمْ لَا وَكَذَا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ. لَكِنْ إنْ صَحَّتْ بَرَاءَتُهَا وَمَحِلُّ كَوْنِهِ رَجْعِيًّا فِي الْأُولَى مَا لَمْ يُرَدْ جَعْلَ الطَّلَاقِ فِي مُقَابَلَةِ الْبَرَاءَةِ أَيْ كَوْنهَا سَبَبًا لَهُ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا إنْ صَحَّتْ الْبَرَاءَةُ وَحِينَئِذٍ يَقَعُ رَجْعِيًّا بِخِلَافِهِ فِيمَا عَدَا الْأَخِيرِ لِأَنَّ الصَّادِرَ مِنْهُ الْوَعْدُ بِالطَّلَاقِ إذَا أَبْرَأَتْهُ وَالْحَاصِلُ مِنْهَا تَنْجِيزُ الْبَرَاءَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَابِلَهَا بِعِوَضٍ فَصَحَّتْ وَتَخَيَّرَ بَيْن الطَّلَاقِ وَعَدَمِهِ فَإِذَا طَلَّقَ بَعْد تَنْجِيزِهَا الْإِبْرَاء وَعَدَمِ إتْيَانِهَا بِمَا يُشْعِرُ بِالْعِوَضِيَّةِ بِوَجْهٍ كَانَ طَلَاقُهُ لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ أَلْبَتَّةَ وَلَا نَظَرَ لِقَوْلِهِ إنْ صَحَّتْ بَرَاءَتُك تَكُونِي طَالِقًا أَوْ نَحْوِهِ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ تَعْلِيقٌ عَلَى صِفَةٍ فَأَشْبَهَ إنْ صَحَّ بَيْعُك فَأَنْتِ طَالِقٌ

стр. 1072

وَبَحَثَ فِيهِ الرَّافِعِيُّ بِمَا أَجَبْت عَنْهُ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ فَوَقَعَ رَجْعِيًّا لَا بَائِنًا نَعَمْ إنْ فَهِمَتْ مِنْ كَلَامِهِ الْوَعْدَ بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِبْرَاءِ فَقَصَدَتْ جَعْلَ الْإِبْرَاء فِي مُقَابَلَتِهِ اُحْتُمِلَ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ وُقُوعُهُ بَائِنًا إنْ صَحَّ الْإِبْرَاء وَإِلَّا فَبِمَهْرِ الْمِثْلِ سَوَاءٌ وَافَقَهَا الزَّوْجُ عَلَى إرَادَةِ ذَلِكَ أَمْ لَا وَاحْتُمِلَ وَهُوَ الْأَوْجَه عَدَمُ النَّظَرِ لِقَصْدِهَا هُنَا وَفَارَقَ قَوْلَهَا طَلِّقْنِي وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ صَدَاقِي. الَّذِي قَاسَ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ بَحْثَهُ السَّابِقَ بَانَ وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ صَدَاقِي شَرْطٌ يَقْتَضِي الْتِزَامَ عِوَضٍ فِي مُقَابَلَةِ الطَّلَاقِ فَلِذَلِكَ وَقَعَ بَائِنًا بِالْبَرَاءَةِ إنْ صَحَّتْ وَإِلَّا فَبِمَهْرِ الْمِثْلِ وَأَمَّا لَفْظُهَا هُنَا فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى شَرْطِيَّةٍ وَلَا الْتِزَامِ عِوَضٌ فَخَلَا عَنْ الْمُعَاوَضَةِ لَفْظًا وَتَقْدِيرًا وَعِنْدَ خُلُوِّ لَفْظِ الزَّوْجَةِ عَنْهَا كَذَلِكَ لَا تُمْكِنُ الْبَيْنُونَةُ وَمُجَرَّدُ قَصْدِهَا الْعِوَضِيَّةُ مَعَ عَدَمِ دَلَالَةِ لَفْظِهَا عَلَيْهَا لَا يُؤَثِّرُ وَإِنَّمَا أَثَّرَتْ نِيَّةُ الزَّوْجِ فِيمَا مَرَّ آنِفًا لِأَنَّ طَلَاقَهُ بَعْد الْإِبْرَاءِ مُحْتَمِلٌ لِتَرْتِيبِهِ عَلَيْهِ تَرْتِيبَ الْجَزَاءِ عَلَى شَرْطِهِ فَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ أَثَّرَ الْوُقُوعُ بَائِنًا كَمَا مَرَّ. وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَنَظَائِرِهَا يَصِحُّ الْإِبْرَاء إذَا وُجِدَتْ شُرُوطُهُ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ وَلَوْ كَانَتْ إنَّمَا أَبْرَأَتْ طَمَعًا فِي حُصُولِهِ كَمَا بَيَّنْته فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته أَوَّلَ الْجَوَابِ إفْتَاءُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا فِيمَنْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ طَلِّقْنِي فَقَالَ لَهَا أَبْرِئِينِي وَأَنَا أُطَلِّقُك فَأَبْرَأَتْهُ جَاهِلَةً بِقَدْرِ الْمُبَرَّإِ مِنْهُ فَقَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ظَانًّا صِحَّة الْبَرَاءِ بِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ وَلَا يَنْفَعُهُ ظَنُّهُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ كَانَ الظَّنُّ الْمَذْكُورُ نَافِعًا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اهـ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَعْنِي قَوْلَهُ أَبْرِئِينِي مِنْ مَهْرِك وَأَنْتِ طَالِقٌ. فَاَلَّذِي حَرَّرَتْهُ فِي الْكِتَابِ السَّابِقِ ذِكْرُهُ فِي نَظِيرَتِهَا وَهِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَتَمَامُ طَلَاقِك بَرَاءَتِي أَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ فَيَتَوَقَّفُ الطَّلَاقُ عَلَى الْبَرَاءَةِ كَمَا نَقَلَهُ الْأَصْبَحِيّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ سَوَاءٌ أَنَوَى ذَلِكَ أَمْ أَطْلَقَ خِلَافًا لِإِطْلَاقِ الْأَصْبَحِيّ مَرَّةً كَصَاحِبِ الْبَيَانِ أَنَّهُ يَقَعُ حَالًا وَلِقَوْلِهِ آخِرًا إنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الشَّرْطَ وَقَعَ حَالًا وَإِنْ نَوَى بِهِ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِالْبَرَاءَةِ وَصَادَفَتْهُ الزَّوْجَةُ تَعَلَّقَ بِهَا وَلَمْ يَقَعْ إلَّا بِوُجُودِهَا عَلَى الْأَصَحِّ. اهـ. وَوَجَّهَ مَا ذَكَرْته أَنَّ هَذَا اللَّفْظ لَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ غَيْرُ التَّعْلِيقِ فَلَمْ يَحْتَجْ لِنِيَّةِ التَّعْلِيقِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْبَرَاءَةِ الصَّحِيحَةِ وَلَوْ فِي حَالِ الْإِطْلَاقِ بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى تَنْجِيزَ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يَقَعُ حَالًا وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فِي صُورَةِ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَالْأَصْبَحِيّ فَلِيَجْرِ نَظِيرُهُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ إذْ لَا فَارِقَ بَيْنهمَا فِي أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالْبَرَاءَةِ فَلَا يَقَعُ إلَّا بِوُجُودِهَا صَحِيحَةً مَا لَمْ يَنْوِ التَّنْجِيزَ وَعَدَمَ تَعَلُّقِهِ بِهَا وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ قَوْلُ الزَّوْجَةِ طَرَحَ اللَّهُ تَعَالَى لَك عَلَى تَمَامِ بَرَاءَتِي وَقَصَدَتْ بِالتَّمَامِ الطَّلَاقَ ثَلَاثًا فَأَوْقَعَ وَاحِدَةً فَقَطْ فَجَوَابُهَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّ الطَّرْحَ بِمَعْنَى الْإِبْرَاء وَاسْتِعْمَالِ تَمَامِ بَرَاءَتِهَا فِي بَيْنُونَتِهَا الْكُبْرَى مِنْهُ صَحِيحٌ وَحِينَئِذٍ فَهِيَ مُعَلَّقَةٌ لِلْإِبْرَاءِ مُطْلَقًا أَوْ مِمَّا نَوَتْهُ وَحْدَهَا أَوْ مَعَهُ مِنْ الْمَهْرِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ فَإِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً لَمْ يَأْتِ بِمَا شَرَطَتْهُ وَهُوَ الثَّلَاثُ فَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالثَّلَاثِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْمَهْرِ أَيْضًا لِأَنَّ الْإِبْرَاء لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَالْوَاحِدَةُ الَّتِي أَوْقَعَهَا تَكُونُ رَجْعِيَّةً مَا لَمْ يَنْوِ جَعْلَهَا فِي مُقَابَلَةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ مَهْرِهَا فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ وَبِهَذَا التَّوْجِيهِ الَّذِي ذَكَرْته اتَّضَحَ الْفَرْقُ بَيْن هَذِهِ وَصُورَةِ الْإِرْشَادِ الَّتِي فِي السُّؤَالِ. وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الَّذِي فِي صُورَةِ الْإِرْشَادِ أَنَّ الْأَلْفَ عِوَضٌ لِلثَّلَاثِ وَقَضِيَّةُ الْعِوَضِيَّةِ تَوْزِيعُ كُلٍّ عَلَى الْآخَرِ فَيَخُصُّ كُلَّ طَلْقَةٍ ثُلُثٌ فَإِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً وَقَعَ بِمَا يَخُصُّهَا بِحَسْبِ التَّوْزِيعِ وَهُوَ الثُّلُثُ وَاَلَّذِي فِي صُورَتِنَا تَعْلِيقُ الْإِبْرَاء مِنْ الْمَهْرِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا نَوَيَاهُ عَلَى الثَّلَاثِ فَإِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً لَمْ يَأْتِ بِالْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوُقُوعَ فِي التَّعْلِيقِ يَتَأَثَّرُ بِمَا لَا يَتَأَثَّرُ بِهِ الْوُقُوعُ فِي الْمُعَارَضَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِنَحْوِ سَفِيهَةٍ إلَّا أَبْرَأْتِنِي مِنْ مَهْرِك أَوْ دَيْنِك فَأَنْتِ طَالِق فَقَالَتْ أَبْرَأَتْك لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ أَصْلًا لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا وَهِيَ الْإِبْرَاءُ الْمُنْصَرِفُ شَرْعًا وَعُرْفًا إلَى الْإِبْرَاءِ الصَّحِيحِ دُون الْفَاسِدِ لَمْ تُوجَدْ وَلَوْ قَالَ لِنَحْوِ السَّفِيهَةِ خَالَعْتك عَلَى أَلْفٍ فَإِنْ قَبِلَتْ وَقَعَ رَجْعِيًّا وَلَا مَالَ وَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ وَفَرَّقُوا بِأَنَّهُ لَا تَعْلِيق هُنَا وَإِنَّمَا الصِّيغَةُ تَقْتَضِي

стр. 1073

الْقَبُول فَاشْتَرَطَ لِوُقُوعِ الطَّلَاق عَلَى الْمُعْتَمَد الْقَبُولَ دُون حُصُولِ الْأَلْفِ وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ فَلَا بَيْنُونَةَ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا بِعِوَضٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ [بَابُ الطَّلَاقِ] (وَسُئِلَ) مَا قَوْلُكُمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْكُمْ - وَنَفَعَ بِعُلُومِكُمْ فِي جَوَابِكُمْ السَّابِقِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ لَا بُدَّ فِي الشَّهَادَةِ بِالْإِكْرَاهِ مِنْ التَّفْصِيلِ إلَى آخِرِ جَوَابِكُمْ فَمَا حَدُّ الْإِكْرَاهِ فَإِنَّا رَأَيْنَا لِلْأَئِمَّةِ كَلَامًا لَمْ نَفْهَمْ الرَّاجِحَ مِنْهُ فَاكْتُبُوا لَنَا مَا هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَكُمْ مِنْ الْإِكْرَاهِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ حَدَّ الْإِكْرَاهِ أَنْ يُهَدِّدَ قَادِرٌ عَلَيْهِ بِعِقَابٍ عَاجِلٍ لِأَجَلِهِ يُؤْثِرُ الْعَاقِلُ الْإِقْدَامَ عَلَى مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُحَقِّقُ مَا هَدَّدَ بِهِ إنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْ يَعْجِزَ عَنْ الدَّفْعِ بِنَحْوِ هَرَبٍ أَوْ مُقَاوَمَةٍ أَوْ اسْتِغَاثَةٍ وَلَا يُشْتَرَطُ تَنْجِيزُ الْعَاجِلِ بَلْ يَكْفِي التَّوَعُّدُ لَفْظًا وَخَرَجَ بِهِ الْآجِل نَحْوَ لَأَضْرِبَنَّك غَدًا فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِكْرَاهُ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُكْرَهِ وَالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ إكْرَاهًا فِي شَخْصٍ أَوْ فِعْلٍ دُون آخَر وَمِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْإِكْرَاهُ عَلَى الطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ دُون الْقَتْلِ وَنَحْوِهِ التَّخْوِيفُ بِنَحْوِ حَبْسٍ طَوِيلٍ أَوْ صَفْعٍ عِنْد النَّاسِ أَوْ تَسْوِيدِ وَجْهٍ أَوْ طَوَافٍ فِي سُوقٍ لِذِي مُرُوءَةٍ أَوْ إتْلَافِ وَلَدٍ أَوْ وَالِدٍ أَوْ مَالٍ يَضِيقُ عَلَى الْمُكْرَهِ. وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ لَكِنْ قَالَ فِي بَعْضِ تَفْصِيلِهِ نَظَرٌ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَمِنْ ثَمَّ صَوَّبَ الزَّرْكَشِيُّ مَا حَكَى عَنْ النَّصِّ وَصَحَّحَهُ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ وَقَالَ فِي الشَّرْحَيْنِ أَنَّهُ الْأَرْجَحُ عِنْد الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِمَحْذُورٍ مِنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ أَوْ إتْلَافِهِ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ اسْتِخْفَافٍ وَتَخْتَلِفُ الثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ بِاخْتِلَافِ طَبَقَاتِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ وَلَا يَخْتَلِفُ بِهِ مَا قَبْلَهَا نَعَمْ الْأَوْجَهُ مَا اخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ وَجَزَمَ بِهِ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِهِ أَخْذُ الْمَالِ أَيْضًا وَلَا يَحْصُلُ الْإِكْرَاهُ بِنَحْوِ طَلِّقْ زَوْجَتَك مَثَلًا وَإِلَّا قَتَلْت نَفْسِي أَوْ قَتَلْتُك قِصَاصًا وَلَوْ قَالَ لَهُ اللُّصُوصُ لَا نُخَلِّيك حَتَّى تَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّك لَا تُخْبِرُ بِنَا فَحَلَفَ لَهُمْ بِذَلِكَ ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِمْ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُمْ أَكْرَهُوهُ عَلَى الْحَلِفِ بِخِلَافِ مَنْ أَكْرَهَهُ ظَالِمٌ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى زَيْدٍ أَوْ مَالِهِ وَقَدْ أَنْكَرَ مَعْرِفَةَ مَحِلِّهِ فَلَمْ يُخَلِّهِ حَتَّى يَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ فَحَلَفَ بِهِ كَاذِبًا أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الطَّلَاقِ بَلْ خُيِّرَ بَيْنه وَبَيْن الدَّلَالَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ طَلَّقَ أَوْ بَاعَ أَوْ تَصَرَّفَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا فَإِنْ أَثْبَتَ أَنَّهُ كَانَ ثَمَّ قَرِينَةٌ كَحَبْسٍ أَوْ تَرْسِيمٍ أَوْ كَوْنِهِ فِي دَارِ ظَالِمٍ صَدَقَ بِيَمِينِهِ وَبَطَلَتْ تَصَرُّفَاتُهُ الْوَاقِعَةُ مَعَ قِيَامِ تِلْكَ الْقَرِينَةِ عَمَلًا بِهَا وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّ هُنَاكَ قَرِينَةً لَمْ يُصَدَّقْ نَعَمْ لَهُ طَلَبُ يَمِينِ مَنْ أَنْكَرَ كَوْنَهُ مُكْرَهًا بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ فَإِنْ حَلَفَ كَذَلِكَ فَذَاكَ وَإِلَّا حَلَفَ هُوَ وَبَطَلَ تَصَرُّفُهُ أَيْضًا وَالْمَسْأَلَةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا فِي السُّؤَالِ سَتَأْتِي أَوَائِلَ الدَّعَاوَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إلَّا خَرَجْت مِنْ الدَّارِ بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ أَنَّهُ غَابَ عَنْهَا مُدَّةً وَأَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ بِأَنَّهُ أَذِنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ وَالْحَالُ أَنَّهَا خَرَجَتْ قَبْل بُلُوغِ الْإِذْنِ لَهَا فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاق لِصِدْقِ خُرُوجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ لَا لِخُرُوجِهَا بَعْد الْإِذْنِ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ أَذِنَ لَهَا ثُمَّ خَرَجَتْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ وَإِنْ لَمْ تَعْلَم بِوُقُوعِ الْإِذْنِ مِنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْ غَيْرِ إذْن وَلَمْ يُوجَدْ وَأَمَّا عَمَلُهَا بِالْإِذْنِ فَلَيْسَ مُعَلَّقًا عَلَيْهِ لَا لَفْظًا وَلَا عُرْفًا فَلَمْ يُشْتَرَطْ وُجُودُهُ نَعَمْ إنْ أَرَادَ التَّعْلِيقَ عَلَيْهِ وَقَعَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا طَرَحَ اللَّهُ لَك عَلَى تَمَامِ طَلَاقِي نَاوِيَةً الْإِبْرَاء فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ هَلْ تَطْلُقُ ثَلَاثًا أَمْ وَاحِدَةً أَمْ تُسْتَفْسَرُ عَنْ مُرَادِهَا بِقَوْلِهَا تَمَام فَإِنْ أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا تَمَام ثَلَاثًا أَوْ دُونه نَزَلَ كَلَامُهَا عَلَيْهِ وَإِنْ أَطْلَقَتْ أَوْ قَالَتْ لَمْ أُرِدْ إلَّا أَصْلَ الطَّلَاقِ لَا عَدَدًا نَزَل عَلَى مَا نَوَاهُ أَوْ صَرَّحَ بِهِ وَهَلْ يُسْتَفْسَرُ الزَّوْجُ أَوْ يُنْزَلُ عَلَى جَوَابِهَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ مَتَى أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ الِابْتِدَاءَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ إبْرَائِهَا فَإِنْ صَحَّ إبْرَاؤُهَا بِأَنْ وَجَدَتْ فِيهِ شُرُوطَ الْبَرَاءَةِ الصَّحِيحَةِ وَقَعَ مَا نَوَاهُ مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ لَمْ

стр. 1074

يَنْوِ شَيْئًا وَقَعَتْ وَاحِدَةً فَقَطْ وَلَا أَثَرَ لِنِيَّتِهَا الثَّلَاثَ حَتَّى تَطْلُقَ مِنْهُ حِينَئِذٍ ثَلَاثًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ نِيَّتُهَا لَهُنَّ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ الْبَرَاءَةِ إذَا لَمْ يُوجِدْهُنَّ لِأَنَّهَا إنَّمَا أَبْرَأَتْ بِشَرْطٍ وَهُوَ الثَّلَاثُ فَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الشَّرْطُ لَمْ يَصِحَّ الْإِبْرَاء. وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا إذَا نَوَتْ الثَّلَاثَ فَإِنْ نَوَاهَا هُوَ أَيْضًا بَرِئَ وَوَقَعَتْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا بِأَنْ أَطْلَقَ أَوْ أَرَادَ وَاحِدَةً فَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ إبْرَائِهَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّ إبْرَاءَهَا غَيْرُ صَحِيحٍ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَد شَرْطه وَهُوَ الثَّلَاث وَكَذَا إنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ ابْتِدَاءً وَلَا أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْإِبْرَاء لِأَنَّ لَفْظَهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْإِبْرَاء وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا إذَا نَوَى الِابْتِدَاء وَلَمْ يَنْوِ الثَّلَاثَ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَلَا يَبْرَأُ. فَعُلِمَ أَنَّ نِيَّتَهَا لِلثَّلَاثِ لَا تُوجِبُ طَلَاقَهَا ثَلَاثًا إذَا لَمْ يَنْوِهِنَّ هُوَ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَيْهَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهَا وَهُوَ الْبَرَاءَةُ وَمَا يَتْبَعُهَا كَاشْتِرَاطِهَا كَوْنَهَا فِي مُقَابَلَةِ الثَّلَاثِ الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ الْبَرَاءَةِ إذَا لَمْ تُوجَدْ الثَّلَاثُ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَيْهِ هُوَ لَا إلَيْهَا فَإِنْ نَوَاهُنَّ وَقَعْنَ وَإِلَّا فَلَا وَلَيْسَتْ كَمَنْ قَالَ لِآخَرَ طَلَّقْت امْرَأَتَك حَتَّى يَأْتِيَ هُنَا التَّفْصِيلُ ثُمَّ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنهمَا لِأَنَّ السُّؤَالَ هُنَا مَعَادٌ فِي الْجَوَابِ فَنَظَرَ لِحَالِ السَّائِل وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتنَا فَلَيْسَ فِيهَا سُؤَالٌ وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهَا مُعَاوَضَةٌ فَإِنْ صَحَّتْ تَرَتَّبَ حُكْمُهَا عَلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْظَرْ لِنِيَّتِهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا مَرَّ. (وَسُئِلَ) مَا حُكْمُ طَلَاقِ الدَّوْر وَكَيْف صِيغَةُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عِنْد مَنْ يُصَحِّحُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ طَلَاقَ الدَّوْرِ وَاقِعٌ وَلَا يَمْنَعُهُ الدَّوْرُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَالْقَوْلُ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ بَالَغَ الْأَئِمَّةُ فِي رَدِّهِ وَتَزْيِيفِهِ بَلْ بَالَغَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الشَّنَاعَةِ عَلَيْهِ وَقَالَ إنَّهُ يُشْبِهُ مَذْهَبَ النَّصَارَى فِي انْسِدَادِ بَابِ الطَّلَاقِ وَكَفَاك فِي الْمُبَالَغَةِ فِي بُطْلَانِهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالزَّرْكَشِيُّ فَإِنَّهُمْ بَالَغُوا فِي ذَلِكَ وَفِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَقْلِيدُ الْقَائِلِ بِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى الْكَلَامِ فِيهِ عَلَى كَيْفِيَّةِ مَنْعِهِ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عِنْد مَنْ يُصَحِّحُهُ لِأَنَّا نَرَى فَسَادَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَعَدَمَ جَوَازِ تَقْلِيدِهَا فَكَيْف نُفَرِّعُ عَلَيْهَا. (وَسُئِلَ) فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالٍ بِالتَّرْخِيمِ مَا الرَّاجِحُ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ الطَّلَاقُ أَوْ عَدَمُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ فِيهَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ وَمِنْ ثَمَّ جَزَمْت بِهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لَكِنِّي قُلْت فِيهِ أَيْ مِمَّنْ عَرَفَهُ أَيْ التَّرْخِيمَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. اهـ. وَوَجْهُهُ أَنَّ شَرْطَ تَأْثِيرِ الصَّرِيح أَنْ يَصْدُرَ مِمَّنْ عَرَفَ مَعْنَاهُ فَطَالٍ بِالتَّرْخِيمِ إنَّمَا يُؤَثِّرُ مِمَّنْ عَرَفَ أَنَّ أَصْلَهُ طَالِقٌ وَإِنَّمَا حُذِفَ آخِرُهُ تَرْخِيمًا تَخْفِيفًا فِي اللَّفْظِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِي رَجُلٍ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ طَلِّقْنِي فَقَالَ أَبْرِئِينِي فَأَبْرَأَتْهُ فَقَالَ لَهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ وَسَمَّاهَا بِاسْمِهَا وَاسْمِ وَالِدِهَا تَحْرُم عَلَيَّ تَحِلُّ لِغَيْرِي فَهَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ طَلْقَةُ وَاحِدَةٌ أَوْ ثَلَاثُ طَلْقَاتٍ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هَذَا كِنَايَةٌ فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا وَإِذَا نَوَى الطَّلَاقَ فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ أَطْلَقَ وَقَعَتْ وَاحِدَةً وَإِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَقَعَ مَا نَوَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِي رَجُلٍ تَشَاجَرَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ فَسَأَلَهَا الْبَرَاءَةَ مِنْ صَدَاقِهَا لِيُطَلِّقَهَا فَتُبْرِئُهُ فَيَقُولُ مَثَلًا أَبْرِئِينِي فَأُطَلِّقُك فَتَقُولُ أَبْرَأْتُك أَوْ أَبْرَأَكِ اللَّهُ مُنَجَّزَةً مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ يَقُولُ أَنْتِ طَالِقٌ بِلَفْظِ التَّنْجِيزِ وَإِذَا سُئِلَ هَلْ طَلَّقْت أَقَرَّ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا ظَانًّا أَنَّهَا طَلُقَتْ وَأَنَّ ذِمَّتَهُ خَلَصَتْ مِنْ الصَّدَاقِ وَإِنْ قَالَتْ لَا أَعْرِفُ صَدَاقِي قَالَ فَإِنَّ لَمْ أُطَلِّقْ إلَّا طَمَعًا فِي الْبَرَاءَةِ وَإِذَا أَقَرَّ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَتْ لَمْ أَعْلَمْ قَدْرَ صَدَاقِي حِينَئِذٍ تُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَى الزَّوْجِ فَقَالَ الزَّوْجُ إذَا لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ لِأَنِّي مَا طَلَّقْتهَا إلَّا طَمَعًا فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِي فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَمْ لَا لِأَنَّ الزَّوْجَ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ اللَّهِ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ وَلِيَّ الدِّينِ الْعِرَاقِيّ ذَكَرَ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ مَنْ نَجَّزَ تَصَرُّفًا ثُمَّ قَالَ أَرَدْت تَعْلِيقَهُ لَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا فِيمَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَنَقَلَ الشَّيْخَانِ عَنْ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ ثَلَاثًا أَنَّ الصَّحِيحَ يَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ فَمَا الصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ هَلْ هَذِهِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ أَمْ لَا؟ فَقَدْ أَجَابَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا مَا هَذَا نَصُّهُ الشَّيْخُ عَلِيُّ بْنُ نَاصِرٍ فَقَالَ اخْتَلَفَتْ أَنْظَارُ النَّاسِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَفْتَى جَمَاعَةٌ فِيهَا بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا لِأَنَّهُ نَجَّزَ الطَّلَاقَ وَأَطْلَقَهُ وَلَمْ

стр. 1075

يُقَيِّدْهُ بِصِحَّةِ الْإِبْرَاءِ وَإِقْرَارُهُ بَعْد ذَلِكَ مُؤَكِّدٌ لَهُ وَأَفْتَى جَمَاعَةٌ بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاق لِعَدَمِ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا طَلَّقَ طَمَعًا فِي الْبَرَاءَةِ فَإِذَا لَمْ يَبْرَأْ لَمْ يَقَعْ وَإِقْرَارُهُ بَعْد ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ بِذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ عَلَيْهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ قَالَ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الصَّحِيحُ. وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِثْلَ مَا نُقِلَ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَقْبَلْ لِكَوْنِهِ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَمَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ يُوَافِقُ الظَّاهِرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. جَوَابُهُ بِحُرُوفِهِ فَمَا الْمُعْتَمَدُ مِمَّا ذُكِرَ فِي السُّؤَال فَإِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ وَأَمَّا مَا فِي فَتَاوَى الْوَلِيِّ الْعِرَاقِيِّ أَنَّهَا لَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي فَقَالَ إنْ أَبْرَأْتِنِي مِنْ صَدَاقِك وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ طَلَّقْتُك فَقَالَتْ أَبْرَأْتُك مِنْ الْخَمْسمِائَةِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ ذَلِكَ سَوَاءٌ أَطَلَّقَ أَمْ لَا وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَرَدْت التَّعْلِيقَ. وَمَنْ نَجَّزَ تَصَرُّفًا ثُمَّ قَالَ أَرَدْت التَّعْلِيقَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا هَذَا فِيمَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَالْإِبْرَاء لَا يَقْبَلُهُ إذْ لَا يَصِحُّ إلَّا مُنَجَّزًا فَهَلْ هَذَا يُخَالِفُ مَا فِي فَتَاوَى الْأَصْبَحِيّ عَنْ الْإِمَامِ ابْنِ عُجَيْلٍ وَالْفَقِيهِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيِّ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَالَ أَبْرِئِينِي وَأَنَا أُعْطِيك كَذَا فَأَبْرَأَتْهُ ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ الْوَفَاءِ لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ أَمْ لَا يُخَالِفُهُ فَمَنْ أَجَابَ عَلَى هَذِهِ السَّيِّدُ الْجَلِيل الشَّرِيفُ السَّمْهُودِيُّ فَقَالَ إنَّ الْمَحْكِيَّ عَنْ ابْنِ عُجَيْلٍ وَالْحَضْرَمِيِّ مَنْظُورٌ فِيهِ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ اسْتِدْعَاءِ الْبَرَاءَةِ بِثَوَابٍ مَعْلُومٍ فَيُلْحَقُ بِالْهِبَةِ بِثَوَابٍ مَعْلُومٍ. وَمَعْنَى قَوْلِهَا فِي جَوَابِهِ أَبْرَأْتُك أَيْ بِاَلَّذِي ذَكَرْت إعْطَاءَهُ لَا أَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ مَجَّانًا وَفَّى بِمَا وَعَدَ أَمْ لَمْ يَفِ بِدَلَالَةِ السِّيَاقِ فَتَصِحُّ الْبَرَاءَةُ وَيَلْزَمُهُ مَا سَمَّى وَلَيْسَ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ دَفْعِ مَا سَمَّاهُ عِوَضًا مِنْ الْمُبَرَّإِ مِنْهُ فَيُتَّجَهُ حِينَئِذٍ عَدَمُ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ وَمَسْأَلَةُ الْوَلِيِّ الْعِرَاقِيِّ لَيْسَتْ نَظِيرًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِنَّمَا نَظِيرُهَا أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ أَبْرِئِينِي مِنْ صَدَاقِك وَأَنَا أُطَلِّقُك فِي نَظِيرِ الْبَرَاءَةِ فَتَقُولُ أَبْرَأْتُك قَاصِدَةً جَعْلَ الْبَرَاءَةِ عِوَضًا غَيْرَ أَنَّهَا حَذَفَتْ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ فَيَقُولُ الزَّوْجُ أَنْتِ طَالِقٌ قَاصِدًا ذَلِكَ وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ بِالرِّسَالَةِ الْمَوْسُومَةِ بِالْمُحَرَّرِ مِنْ الْآرَاءِ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ بِالْإِبْرَاءِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ صِحَّةُ الْإِبْرَاء وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بَائِنًا عِنْد الْعِلْمِ بِالْمُبَرَّإِ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا طَلَاقَ وَلَا بَرَاءَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ هُنَا ثُمَّ تَعَقَّبَهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُشَارِ إلَيْهَا هُنَا وَقَدْ سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَبْرِئِينِي وَأُطَلِّقُك فَقَالَتْ أَبْرَأْتُك فَقَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَبَانَ أَنَّ الْقَيْدَ الَّذِي أَبْرَأَتْ مِنْهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ فَأَجَابَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ مَوْضُوعِهِ أَنَّ الزَّوْجَ وَعَدَهَا بِالطَّلَاقِ عِنْد حُصُولِ الْبَرَاءَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَابِلَ بِهَا الطَّلَاقَ وَأَنَّ الزَّوْجَ ظَنَّ صِحَّتَهَا فَتَبَرَّعَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ الْبَرَاءَةِ لِسَبْقِهَا عَلَى طَلَاقِهِ مُنَجَّزَةً بِحَيْثُ لَوْ صَحَّتْ وَامْتَنَعَ مِنْ الطَّلَاقِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ مَعَ حُصُولِهَا لَهُ فَطَلَاقُهُ وَاقِعٌ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ لِعَدَمِ عِلْمِ الزَّوْجَةِ بِمَا أَبْرَأَتْ مِنْهُ هَذَا مَا يَقْتَضِيه وَضْعُ مَا ذَكَرَ ذَلِكَ هَذَا آخِر كَلَامِهِ بِحُرُوفِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ سِرَاج الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ بِنَحْوِ هَذَا فِيمَنْ سَأَلَ امْرَأَتَهُ الْإِبْرَاء مِنْ صَدَاقِهَا لِيُطَلِّقَهَا فَتُبْرِئُهُ فَيَقُولُ لَهَا طَلَاقُك بِبَرَاءَتِك وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ بِصِحَّةِ بَرَاءَتك وَجَمِيعُ أَهْلِ الْحِجَازِ يَسْتَعْمِلُونَ ذَلِكَ فَهَلْ يَكُونُ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا أَوْ لَا يَقَعُ بِهَذَا اللَّفْظِ فَإِنْ أَوْقَعْنَا بِهِ الطَّلَاقَ وَكَانَ الْإِبْرَاءُ فَاسِدًا فَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَقَوْلُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَتَاوِيهِ لَوْ قَالَ لَهَا زَوْجُهَا إنْ أَبْرَأْتَنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِذَا أَبْرَأَتْهُ عَنْ الصَّدَاقِ يَقَعُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا وَإِلَّا فَلَا فَهَلْ هُوَ كَمَا قَالَ؟ أَجَابَ الشَّيْخُ الْمَذْكُورُ فَقَالَ إنَّ قَوْلَ الزَّوْجِ طَلَاقُكِ بِبَرَاءَتِك أَوْ بِصِحَّةِ بَرَاءَتِكِ إنْ قَصَدَ بِهِ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَى صِحَّةِ مَا جَرَى مِنْ إبْرَاءِ الْمَرْأَةِ فَيُنْظَرُ إنْ صَحَّ الْإِبْرَاء لِوُجُودِ أَهْلِيَّةِ الْمَرْأَةَ لِذَلِكَ وَعَمَلِهَا بِمَا أَبْرَأَتْ مِنْهُ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ رَجْعِيًّا لِأَنَّ الْإِبْرَاء قَدْ صَدَرَ مِنْ الْمَرْأَةِ صَحِيحًا وَلَمْ يُقَابِلْ الزَّوْجُ طَلَاقَهُ بِعِوَضٍ تَحْقِيقِيٍّ وَلَا تَقْدِيرِيٍّ وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ عَلَى مُجَرَّدِ صِفَةٍ فَأَشْبَهُ مَا لَوْ صَدَرَ مِنْهَا عَقْدُ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَقَالَ لَهَا الزَّوْجُ إنْ صَحَّ الْعَقْدُ الصَّادِرُ مِنْك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَا تَوَقُّفَ فِي أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَقَعُ رَجْعِيًّا عِنْد وُجُودِ الصِّحَّةِ وَإِنْ لَمْ يَصِحّ

стр. 1076

الْإِبْرَاء مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ الطَّلَاقُ لِعَدَمِ وُجُودِ الصِّفَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الزَّوْجُ بِقَوْلِهِ طَلَاقُك بِبَرَاءَتِك أَوْ بِصِحَّةِ بَرَاءَتِك تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَى صِحَّةِ الْإِبْرَاء وَإِنَّمَا قَصَدَ تَنْجِيزَ طَلَاقِهَا مُقَابِلَ مَا صَدَرَ مِنْهَا فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ رَجْعِيًّا سَوَاءٌ صَحَّ الْإِبْرَاء أَمْ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ عَلَى الصِّحَّةِ وَإِنَّمَا صَدَرَ تَنْجِيزُهُ فَيَنْفُذُ وَيَلْغُو قَوْل الزَّوْجِ بِبَرَاءَتِك أَوْ بِصِحَّةِ بَرَاءَتِك وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَقْصِدْ تَعْلِيقًا وَلَا تَنْجِيزًا فَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى التَّعْلِيقِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْفَتَاوَى الْمُخْتَلِفَةِ فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ أَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ بَائِنًا فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ بَعْد صُدُورِ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَرْأَةِ صَحِيحًا إذْ لَا عِوَضَ حِينَئِذٍ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ. وَأَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ رَجْعِيًّا فَهَذَا لَا يُطْلِقُ الْقَوْلَ بِهِ بَلْ يُنْظَرُ فِي قَصْدِ التَّعْلِيقِ وَقَصْدِ التَّنْجِيزِ وَعَدَمِ الْقَصْدِ وَيُعْمَلُ بِمَا قَرَّرْنَاهُ وَأَمَّا إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ فَغَيْرُ مُعْتَمَدٍ وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَرَّرْنَاهُ وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّا إذَا أَوْقَعْنَا الطَّلَاقَ بِهَذَا الْإِبْرَاء فَكَانَ الْإِبْرَاء فَاسِدًا مَا حُكْمُهُ جَوَابُهُ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ كَمَا قَرَّرْنَا فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ عِنْد عَدَمِ صِحَّةِ الْإِبْرَاء لِعَدَمِ وُجُودِ الصِّفَةِ وَإِنْ قَصَدَ التَّنْجِيزَ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَا أَثَرَ لِفَسَادِ الْإِبْرَاءِ وَإِنْ أَطْلَقَ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى التَّعْلِيقِ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ الصِّفَةِ وَلَوْ كَانَ مَا يَحْكِيهِ الْقَاضِي حُسَيْن فِي فَتَاوِيهِ مُعْتَمَدًا لَكَانَ يَلْزَمُ أَنَّ مَنْ بَاعَ مَتَاعَهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ عَلَى الْمُشْتَرِي عِوَضًا تَحْقِيقًا وَلَمَّا اتَّفَقَتْ الطُّرُقُ الْمَشْهُورَةُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ لِلتَّقْدِيرِ كَذَلِكَ يَكُونُ الطَّلَاقُ بَعُوضٍ تَقْدِيرِيّ فَيَقَعُ بَائِنًا وَإِنَّمَا قُلْت اتَّفَقَتْ الطُّرُقُ الْمَشْهُورَةُ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ لِأَنَّ فِي شَرْحِ الرَّافِعِيِّ وَالرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ. فَرْعٌ بَاعَ الضَّامِنُ ثَوْبَهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ هَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهِ وَجْهَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ الرَّافِعِيُّ وَلَا صَاحِبُ الرَّوْضَةِ عِلَّةَ هَذَا الْوَجْهِ الصَّائِرِ إلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ وَتَوْجِيهِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي الْبَيْعِ عِوَضٌ تَحْقِيقِيٌّ وَهَذَا التَّخَيُّلُ فَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعَاوَضَاتِ تَقَعُ بِعِوَضٍ تَحْقِيقِيٍّ وَبِعِوَضٍ تَقْدِيرِيٍّ وَكَأَنَّ الصَّدَاقَ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ قَدْ تُعُوِّضَ عَنْ الطَّلَاقِ بِسُقُوطِهِ عَنْهُ وَهَذَا عِوَضٌ تَقْدِيرِيٌّ فَوَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ بَائِنًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَمَتَى لَمْ يَصِحَّ الْإِبْرَاء لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ هُنَا بِلَا خِلَافٍ. وَيُشْتَرَطُ هُنَا عِلْمُ الزَّوْجَيْنِ بِالْمِقْدَارِ الَّذِي عُلِّقَ الطَّلَاقُ عَلَى الْإِبْرَاءِ مِنْهُ لِأَنَّ فِيهِ الْمُعَاوَضَةُ هَذَا جَوَابُ الشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ فَإِذَا كَانَ أَهْلُ هَذِهِ الشَّاغِرَةِ لَا يَعْرِفُونَ إلَّا أَنَّهُ إذَا قَالَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ أَبْرِئِينِي مِنْ صَدَاقِك أَوْ أَبْرِئِينِي وَفِي نِيَّتِهِ مِنْ الصَّدَاقِ الْمَذْكُورِ فَقَالَتْ أَبْرَأك اللَّهُ أَوْ أَبْرَأْتُك فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَفِي عُرْفِهِمْ أَنَّهَا إذَا أَبْرَأَتْهُ صَحَّ طَلَاقُهَا وَإِذَا قَالَتْ لَمْ أَعْرِفْ مَهْرِي وَادَّعَتْ فَسَادَ الْبَرَاءَةِ رُجِعَ إلَى مَا فِي نِيَّتِهِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا طَلَّقَهَا طَمَعًا فِي بَرَاءَةِ ذِمَّته فَإِذَا ادَّعَتْ فَسَادَ الْبَرَاءَةِ وَأَسْنَدَتْ قَوْلَهَا إلَى مُسْتَنَدٍ صَحِيحٍ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهَا مِثَالُ إنْكَارِهَا لِصِحَّةِ الْبَرَاءَةِ أَنْ يُزَوِّجَهَا الْوَلِيُّ. وَهِيَ بَعِيدَةٌ عَنْ إيجَاب النِّكَاحِ وَتَكُونُ هِيَ قَدْ أَذِنَتْ فِي تَزْوِيجِهَا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ وَأَطْلَقَتْ الْوَكَالَة وَلَمْ تَذْكُرْ مَهْرًا وَهَلْ نَأْخُذُ بِقَوْلِ الزَّوْجِ أَنِّي لَمْ أُطَلِّقْهَا ثَلَاثًا إلَّا ظَانًّا أَنَّ ذِمَّتِي خَلَصَتْ مِنْ الصَّدَاقِ أَوْ لَمْ أُقِرَّ بِهِ إلَّا أَنِّي طَمِعْت فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِي مِنْ الصَّدَاقِ فَهَلْ إذَا كَانَ الزَّوْجُ عَامِّيًّا لَا يَعْرِف شَيْئًا وَكَانَ مِمَّنْ يُعْتَقَدُ أَنَّهُ يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ فَهَلْ يَدِينُ سَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ مُتَوَسِّطًا أَوْ عَامِّيًّا لَا يَعْرِفُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ وَإِذَا قُلْتُمْ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فَذَاكَ. وَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَقَعُ عِنْد الْجَهَالَةِ بِالْمُبَرَّإِ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيّ فَهَلْ يَحْلِفَانِ أَعْنِي الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ أَجْمِعُوا لَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَالْفَتْوَى وَهَلْ يَجُوزُ لِلَّذِي يُظَنُّ أَنَّ عِنْده بَعْضَ نَظَرٍ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُفْتِي بِمَا هُوَ مُقَلِّدٌ فِيهِ فَإِنِّي نَظَرْت لِلْقَفَّالِ فِي هَذَا أَنَّهُ يُجَوِّزُ ذَلِكَ فَمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ يَعْرِفُهُ مَعْرِفَةً جَازِمَةً وَهُوَ أَعْنِي الْمُقَلِّدَ يَتْبَع فِي ذَلِكَ تَصْحِيحَ الشَّيْخَيْنِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ بِأَنَّ الَّذِي أَفْتَيْت بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ فِيمَنْ سَأَلَتْهُ زَوْجَتُهُ الطَّلَاقَ فَقَالَ لَهَا أَبْرِئِينِي فَقَالَتْ لَهُ أَبْرَأْتُك أَوْ أَبْرَأَكَ اللَّهُ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنَّ ذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ تَلَفُّظِهَا بِالْإِبْرَاءِ أَوْ أَطْلَقَ فَلَمْ يُرِدْ شَيْئًا وَقَعَ الطَّلَاقُ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ كَوْنِهِ بَرِئَ مِمَّا طَلَبه مِنْهَا بِقَوْلِهِ أَبْرِئِينِي مِنْ دَيْنِك مَثَلًا وَعِلْمًا بِهِ

стр. 1077

وَكَانَتْ رَشِيدَةً مَالِكَةً لِكُلِّ الدَّيْنِ بِأَنْ لَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ حَوْلٌ أَوْ أَحْوَالٌ أَوْ كَانَ دُون نِصَابٍ زَكَوِيّ وَقَعَ الطَّلَاقُ أَيْضًا. وَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ كَأَنْ جَهِلَتْهُ هِيَ أَوْ هُوَ أَوْ كَانَتْ سَفِيهَةً بِأَنْ بَلَغَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ لِدِينِهَا وَمَالِهَا وَاسْتَمَرَّتْ كَذَلِكَ أَوْ مَلَكَ غَيْرُهَا بَعْضَ الدَّيْنِ كَأَنْ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ وَهُوَ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ فَإِنَّ مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ يَمْلِكُونَ بِقَدْرِهَا مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ فَإِذَا وُجِدَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ فَيَجْرِي هَذَا التَّفْصِيلُ فِي صُورَةِ السَّائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي أَوَّلِ السُّؤَالِ بِقَوْلِهِ فَيَقُول مَثَلًا أَبْرِئِينِي وَأُطَلِّقُك فَتَقُولُ أَبْرَأْتُك أَوْ أَبْرَأَكَ اللَّهُ إلَخْ وَفِي آخِرِ السُّؤَالِ بِقَوْلِهِ فَإِذَا كَانَ أَهْلُ هَذِهِ الشَّاغِرَةِ لَا يَعْرِفُونَ إلَخْ وَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ قَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ مَنْ نَجَّزَ تَصَرُّفًا إلَخْ لِأَنَّ مَحِلَّهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ. وَنَظَائِرِهَا مِمَّا قَامَتْ بِهِ الْقَرِينَةُ عَلَى صِدْقِ مَا ادَّعَاهُ الزَّوْجُ بِدَلِيلِ كَلَامِ أَبِي زُرْعَةَ نَفْسِهِ فِي نَظِيرَتِهَا الْآتِيَةِ وَإِلْحَاقِ أَبْرَأْكَ اللَّهُ بِأَبْرَأْتُكَ فِي كَوْنِهِ صَرِيحًا عَنْ الْإِبْرَاءِ لَا كِنَايَةً هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الطَّلَاقِ خِلَافًا لِأَبِي زُرْعَةَ وَغَيْرِهِ كَطَلَّقَك اللَّهُ أَوْ أَعْتَقَك اللَّهُ فَإِنَّ الْأَوَّلَ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ وَالثَّانِي صَرِيحٌ فِي الْعِتْقِ وَحَيْثُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ بِأَنْ أَرَادَ طَلَاقَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبَرَاءَةِ وَلَمْ تُوجَدْ جَمِيعُ شُرُوطِهَا الْمَذْكُورَةِ فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ ظَانًّا أَنَّ طَلَاقَهُ الْأَوَّلَ وَقَعَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهَذَا الْإِقْرَارِ فِيمَا يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ مِنْ احْتِمَالَيْنِ لِلزَّرْكَشِيِّ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْإِخْبَارَ بِمَا وَقَعَ وَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَمْ يُؤَاخَذْ بِهَذَا الْإِقْرَارِ عَمَلًا بِالْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ لَهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ أَئِمَّتِنَا لَوْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ النَّجْمَ الْأَخِيرَ وَكَانَ حَرَامًا وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ السَّيِّدُ بِهِ فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يُعْتَقْ بِقَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَال دَلَّتْ عَلَى إرَادَة الْإِخْبَار بِمَا وَقَعَ لِظَنِّهِ صِحَّةَ الْعِوَضِ. وَقَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَالَ أَرَدْت الْإِطْلَاقَ مِنْ وَثَاقٍ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا إنْ كَانَ يَحِلُّهَا مِنْهُ لِلْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ وَإِفْتَاء ابْنِ الصَّلَاحِ فِيمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ جَاءَ بِهَا لِمَنْ يَكْتُبُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ الْكَاتِبُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ تَقَدُّمَ الطَّلْقَةِ قُلْ خَالَعْتك عَلَى بَاقِي صَدَاقِك فَقَالَتْ قَبِلْت وَهُوَ يُرِيدُ الطَّلْقَةَ الْمَاضِيَةَ لَا إنْشَاءَ طَلْقَةٍ أُخْرَى بِأَنَّ الْخُلْعَ بَاطِلٌ وَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا فِي الْعِدَّةِ وَالْقَوْلُ قَوْله أَنَّ الْخُلْعَ وَقَعَ كَذَلِكَ. اهـ. وَلَا يُنَافِي مَا قَرَّرْته فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ عَنْ الشَّيْخَيْنِ عَنْ الْمُتَوَلِّي لِأَنَّ مَحِلَّهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَمْثَالِهَا كَمَا هُوَ جَلِيٌّ مِنْ كَلَامِهِمْ الَّذِي ذَكَرْته وَقَوْلُ السَّائِلِ ثُمَّ قَالَتْ لَمْ أَعْلَمْ قَدْرَ صَدَاقِي إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الزَّوْجَ مُتَّهَمٌ فِي حُقُوقِ اللَّهِ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ مُتَّهَمًا أَنْ لَوْ تَحَقَّقْنَا وُقُوعَ الطَّلَاقِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يَرْفَعُهُ كَأَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ ادَّعَى فَسَادَ النِّكَاحِ حَتَّى لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى مُحَلَّلٍ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ وُقُوعَ الطَّلَاقِ إلَّا إذَا عَلِمْنَا أَنَّهُمَا يَعْلَمَانِ قَدْرَ الْمُبَرَّإِ مِنْهُ وَأَمَّا إذَا لَمْ نَعْلَمْ ذَلِكَ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْوُقُوعِ إلَّا بَعْدَ اعْتِرَافِهِمَا بِأَنَّهُمَا يَعْلَمَانِهِ فَحَيْثُ اعْتَرَفَا أَوْ أَحَدُهُمَا بِعَدَمِ الْعِلْمِ فَلَا وُقُوعَ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُعْلَمُ مِنْ جِهَتِهِمَا هَذَا عِنْد اتِّفَاقِهِمَا عَلَى عَدَمِ عِلْمِهِمَا أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا. أَمَّا لَوْ اخْتَلَفَا بِأَنَّ ادَّعَتْ الْعِلْمَ وَأَنْكَرَ فَالرَّاجِحُ عَلَى مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ فَلَوْ قَالَتْ كُنْت جَاهِلَةً وَقَالَ بَلْ عَالِمَةً صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَبَرِئَ مِنْ الصَّدَاقِ وَبَانَتْ مِنْهُ لَكِنْ ذَكَرَ فِيهِ الْغَزِّيُّ تَفْصِيلًا وَهُوَ أَنَّ الْأَبَ إنْ زَوَّجَهَا إجْبَارًا أَوْ وَهِيَ صَغِيرَةٌ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا أَنَّهَا لَا تَعْلَمُ قَدْرَهُ فَلَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ وَإِنْ كَانَتْ حِينَ الْعَقْدِ بَالِغَةً عَاقِلَةً صُدِّقَ الزَّوْجُ بِيَمِينِهِ فِي عَمَلِهَا بِقَدْرِهِ حِينَ أَبْرَأَتْهُ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ وَالْمُجْبَرَةَ يُعْقَدُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ عِلْمِهَا بِالصَّدَاقِ بِخِلَافِ الْكَبِيرَةِ قَالَ الْغَزِّيُّ وَهَذَا وَاضِحٌ فِي الثَّيِّبِ أَمَّا الْبِكْرُ الْمُجْبَرَةُ فَيَنْبَغِي أَنَّ الْحَالَ إنْ دَلَّ عَلَى عِلْمِهَا بِالصَّدَاقِ لَمْ تُصَدَّقْ هِيَ وَإِلَّا صُدِّقَتْ. اهـ. وَبِمَا قَرَّرْته يَعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَوَفَّقَهُ وَأَحْيَا بِعَلِيِّ هِمَّتِهِ مَا انْدَرَسَ مِنْ مَعَالِمِ الْعُلُومِ آخِرُ السُّؤَالِ فَإِذَا كَانَ أَهْلُ هَذِهِ الشَّاغِرَةِ لَا يَعْرِفُونَ إلَى آخِرِهِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهَا إذَا ادَّعَتْ الْجَهْلَ بِمَا أَبْرَأَتْ مِنْهُ وَادَّعَى هُوَ أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقَهَا إلَّا طَمَعًا فِي الْبَرَاءَةِ قُبِلَ مِنْهُمَا فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ طَلَاقٌ

стр. 1078

وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهَا بَيْن يَدَيْ حَاكِمٍ أَنَّهَا تَعْلَمُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا إلَّا طَمَعًا حَلَّفَهُمَا الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ وَأَمَّا مَا أَفْتَى بِهِ أَبُو زُرْعَةَ مِنْ أَنَّهَا لَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي فَقَالَ إنْ أَبْرَأْتِنِي إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ عَنْهُ فَصَحِيحٌ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا تَبَعًا لِمَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي. وَلِنَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا لَمْ تُقْبَل هُنَا إرَادَتُهَا التَّعْلِيقَ لِأَنَّ الصُّورَةَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّ الزَّوْجَ خَالَعَهَا وَظَاهِرُ اللَّفْظِ صَرِيحٌ فِي دَعْوَاهُ فَصَدَقَ هُوَ دُونهَا وَأَمَّا مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عُجَيْلٍ وَالْحَضْرَمِيُّ مِمَّا ذَكَرَهُ السَّائِلُ عَنْهُمَا فَهُوَ شَيْءٌ انْفَرَدَا بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوَاعِدِ أَصْحَابِنَا وَإِنَّمَا الَّذِي يَقْتَضِيه كَلَامُهُمْ أَنَّهَا مَتَى قَالَتْ لَهُ أَبْرَأْتُك وَوُجِدَتْ فِيهَا شُرُوطُ الْبَرَاءَةِ بَرِئَ وَقَوْلُهُ وَأَنَا أُعْطِيك كَذَا وَعْدًا لَا يَلْزَمُ فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ الْوَفَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَفَاءُ بِهِ وَالْبَرَاءَةُ بَاقِيَةٌ بِحَالِهَا وَقَوْلُ السَّيِّدِ إنَّهُ مِنْ قَبِيلِ اسْتِدْعَاءِ الْبَرَاءَةِ بِثَوَابٍ مَعْلُومٍ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ عِنْد السَّائِلِ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَمَشَّى إلَّا إذَا عَبَّرَ بِقَوْلِهِ وَلَك كَذَا. وَقُلْنَا إنَّ الْإِبْرَاء مَحْضُ تَمْلِيكٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الرَّجْعَةِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ مَحْضَ تَمْلِيكٍ وَلَا مَحْضَ إسْقَاطٍ بَلْ فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْ كُلٍّ وَقَدْ يُغَلِّبُونَ شَائِبَةَ التَّمْلِيكِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَقَدْ يُغَلَّبُونَ شَائِبَةَ الْإِسْقَاطِ فَإِذَا نَظَرْنَا إلَى أَنَّهُ إسْقَاط أَوْ فِيهِ شَائِبَةٌ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُلْحَقَ بِالْهِبَةِ بِثَوَابٍ مَعْلُومٍ خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ فَالْوَجْهُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ الَّتِي فِيهَا وَأُعْطِيك كَذَا صِحَّةُ الْبَرَاءَةِ وَعَدَمُ لُزُومِ الْوَفَاءِ سَوَاءٌ أَذُكِرَ عِوَضًا صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا وَالْأَوْجَهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْتهَا وَهِيَ وَلَك عَلَيَّ كَذَا أَنَّهُ كَذَلِكَ نَظَرُ الشَّائِبَةِ الْإِسْقَاط وَقَوْلُ السَّيِّدِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا أَبْرَأْتُك أَيْ بِاَلَّذِي ذَكَرْت إلَخْ مَمْنُوعٌ وَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَالْبُطْلَانُ جَاءَ إمَّا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْأُولَى وَأُعْطِيك لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْوَعْدِ فَلَا يَصِحُّ لِلْإِلْزَامِ وَأَمَّا نَظَرُ الشَّائِبَةِ الْإِسْقَاطَ وَإِنْ قَالَ عَلَى أَنَّ لَك عَلَيَّ كَذَا فِي الثَّانِيَةِ. وَقَوْلُ السَّيِّدِ وَمَسْأَلَةُ الْوَلِيِّ الْعِرَاقِيِّ لَيْسَتْ نَظِيرَةً لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِنَّمَا نَظِيرَتُهَا إلَخْ صَحِيحٌ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ عَنْهُ مِنْ إفْتَائِهِ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَبْرِئِينِي وَأُطَلِّقُك إلَخْ بِقَوْلِهِ الْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ إلَخْ فَمَحِلُّهُ حَيْثُ قَصَدَ الزَّوْجُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ أَوْ أَطْلَقَ فَيَقَعُ مُطْلَقًا أَمَّا لَوْ أَرَادَ جَعْلَ الطَّلَاقِ فِي مُقَابَلَةِ صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ فَلَا يَقَعُ إلَّا إنْ صَحَّتْ الْبَرَاءَةُ كَمَا ذَكَرْته أَوْ لَا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي زُرْعَةُ الْآتِي قَرِيبًا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ أَرَدْت بِذَلِكَ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَى الْإِبْرَاء مِنْ الصَّدَاق وَجَعَلْته عِوَضًا لَا سَبَبًا إلَخْ. وَأَمَّا مَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ مِمَّا ذَكَرَهُ السَّائِلُ عَنْهُ فَهُوَ صَحِيحٌ وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ تِلْمِيذُهُ الْمُحَقِّقُ أَبُو زُرْعَةَ وَأَطَالَ فِيهِ وَفِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَفْتَى بِخِلَافِهِ كَالْمُحِبِّ الطَّبَرِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ نَعَمْ نَقَلَ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ الزَّرْكَشِيّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُمَا عَنْ الْخُوَارِزْمِيَّ وَأَقَرُّوهُ أَنَّهَا لَوْ قَالَتْ أَبْرَأْتُك مِنْ صَدَاقِي عَلَيْك بِالطَّلَاقِ فَطَلَّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ بَانَتْ وَبَرِئَ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْبُلْقِينِيُّ الْمَذْكُورُ وَكَلَامُ أَبِي زُرْعَةَ مِنْ أَنَّ صِحَّةَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بَائِنًا بِالْبَرَاءَةِ الصَّحِيحَةِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ إذَا بَدَأَ الزَّوْجُ بِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا فَقَطْ بِخِلَافِ مَا إذَا بَدَأَتْ هِيَ فَإِنَّهَا إنْ عَلَّقَتْ الْبَرَاءَةَ عَلَى الطَّلَاقِ لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ. وَإِنْ نَجَّزَتْهَا فَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّته قَبْل أَنْ يُطَلِّقَ فَيَكُونُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ الْخُوَارِزْمِيَّ الْمَذْكُورَةِ وَقَدْ نَقَلَ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ وَأَقَرُّوهُ أَيْضًا وَحَكَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ فَتَاوَى الْقَاضِي وَأَقَرَّاهُ أَنَّهَا لَوْ قَالَتْ أَبْرَأْتُك مِنْ صَدَاقِي فَطَلِّقْنِي فَقَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ إنْ صَحَّتْ بَرَاءَتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهَا قَصَدَتْ جَعْلَ الْإِبْرَاء عَنْ الطَّلَاقِ وَلِذَلِكَ تَرَتَّبَ سُؤَالُ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ. اهـ. وَحَذَفَهُ مِنْ الرَّوْضَةِ وَكَانَ وَجْهُ حَذْفِهِ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ كَلَامِهَا إنَّمَا هُوَ تَنْجِيزُ الْبَرَاءَةِ لَا جَعْلَهَا عِوَضًا نَعَمْ إنْ صَرَّحَتْ بِأَنَّهَا أَرَادَتْ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَوَافَقَهَا الزَّوْجُ عَلَى ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقَعُ بَائِنًا بِالْبَرَاءَةِ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ مُقَابَلَةِ الطَّلَاقِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْهَا وَوُقُوعِهِ مِنْهُ فِي مُقَابِلَتِهَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ احْتِمَالًا قَرِيبًا فَقُبِلَتْ دَعْوَى إرَادَتِهِ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ فِي مَسْأَلَةِ الْبُلْقِينِيُّ السَّابِقَةِ لَوْ قَالَ أَرَدْت بِقَوْلِي طَلَاقُك بِصِحَّةِ بَرَاءَتِك أَوْ بِبَرَاءَتِك تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَى الْإِبْرَاء مِنْ الصَّدَاقِ وَجَعْلَهُ عِوَضًا

стр. 1079

لَا سَبَبًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُ لِاحْتِمَالِهِ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى جَوَابِهَا فَإِنْ أَجَابَتْهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَإِنْ لَمْ تُجِبْهُ لَمْ يَقَعْ. اهـ. فَعُلِمَ أَنَّهَا لَوْ قَالَتْ فِيمَا إذَا قَالَ لَهَا أَبْرِئِينِي مِنْ صَدَاقِك وَأَنَا أُطَلِّقُك فَقَالَتْ أَبْرَأْتُك مِنْهُ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ طَلَاقُك بِصِحَّةِ بَرَاءَتِك أَوْ بِبَرَاءَتِك فَفَهِمَتْ مِنْ قَوْلِهِ أَبْرِئِينِي وَأَنَا أُطَلِّقُك الْوَعْدَ بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ فِي مُقَابِلَةِ الْإِبْرَاء فَأَرَدْت بِقَوْلِي أَبْرَأْتُك جَعْلَ الْإِبْرَاء فِي مُقَابِلَةِ الطَّلَاقِ الَّذِي يُوقِعُهُ وَأَرَدْت رَبْطَهُ بِهِ وَقَالَ الزَّوْجُ أَرَدْت ذَلِكَ وَقَعَ رَجْعِيًّا وَيَبْرَأُ وَلَا عِبْرَةَ بِإِرَادَتِهَا ذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَتْ أَبْرَأْتُك مِنْ صَدَاقِي فَطَلِّقْنِي فَإِنَّهُ يَبْرَأُ طَلَّقَهَا أَمْ لَا. فَإِنْ طَلَّقَهَا وَقَعَ رَجْعِيًّا وَإِنْ أَرَادَتْ وَحْدَهَا جَعْلَ الْإِبْرَاء فِي مُقَابَلَةِ الطَّلَاقِ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ وَحَيْثُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ طَلَاقُك بِبَرَاءَتِك أَوْ بِصِحَّةِ بَرَاءَتِك التَّعْلِيقَ عَلَى صِحَّةِ بَرَاءَتِهَا بَلْ اسْتِئْنَافَ عَقْدِ خُلْعٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ فِي مُقَابَلَةِ إبْرَاءٍ جَدِيدٍ تَوَقَّفَ تَمَامُ الْخُلْعِ حِينَئِذٍ عَلَى قَبُولِهَا أَوْ إبْرَائِهَا ثَانِيًا وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ وَإِنَّمَا قُبِلَ فِي إرَادَة ذَلِكَ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ خِلَافُهُ قِيَاسًا عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّهَا لَوْ قَالَتْ لَهُ طَلِّقْنِي عَلَى مِائَةٍ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مُرِيدًا الِابْتِدَاءَ قُبِلَ مِنْهُ وَوَقَعَ رَجْعِيًّا لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ فَإِنْ اتَّهَمَتْهُ حَلَّفَتْهُ اهـ. وَإِذَا وَصَلَ لِلْمُقَلِّدِ إفْتَاءُ بَعْضِ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ وَعَرَفَ خَطَّهُ أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ جَازَ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَالْعَمَلُ بِمَا فِيهِ وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْتَاطَ وَيَسْأَلَ غَيْره إنْ تَيَسَّرَ لِيَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ فَهُوَ الْوَرَعُ وَالِاحْتِيَاطُ وَلَا يَجُوز لِمَنْ لَمْ يَصِلْ لِرُتْبَةِ الْإِفْتَاءِ أَنْ يُفْتِيَ أَحَدًا إلَّا بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ قَطْعًا مِنْ مَذْهَبِهِ كَالنِّيَّةِ وَاجِبَةٌ فِي الْوُضُوءِ وَالْوِتْرِ مَنْدُوبٌ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يُفْتِي فِيهِ بِشَيْءٍ لَكِنْ إنْ كَانَ عَدْلًا وَأَخْبَرَ عَنْ إمَام أَوْ كِتَابٍ مَوْثُوقٍ بِهِ بِحُكْمٍ فِي مَسْأَلَة مُعَيَّنَةٍ جَازَ اعْتِمَادُ خَبَرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ مَرِضَ فَأَحْضَرَ شَاهِدَيْنِ فَقَالَ اشْهَدَا إذَا مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَامْرَأَتِي الْفُلَانِيَّةُ طَالِقٌ ثَلَاثًا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِي الْمُتَّصِلَةِ بِمَوْتِي هَلْ يَصِحُّ هَذَا الطَّلَاق إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ لَا تَرِثَ أَوْ كَانَ مِنْ طَرِيقِ أَنْ لَا تَتَكَلَّفَ بِالْإِحْدَادِ وَإِذَا قَالَ هَذَا الشَّخْصُ أَوْ غَيْرُهُ لِامْرَأَتِهِ أَبْرِئِينِي مِنْ مَهْرِك وَهِيَ لَا تَعْلَمُ قَدْرَهُ فَأَبْرَأَتْهُ هَلْ يَبْرَأُ فَإِذَا قُلْتُمْ لَا فَهَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فَلَا تَرِثُ سَوَاءٌ أَقَصَدَ بِذَلِكَ حِرْمَانَهَا مِنْ الْإِرْث أَمْ لَا وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ أَبْرَأْتِنِي مِنْ مَهْرِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ وَهِيَ لَا تَعْلَمُ قَدْرَهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ التَّعْلِيقَ عَلَى تَلَفُّظِهَا بِالْبَرَاءَةِ فَيَقَعُ رَجْعِيًّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ حَلَفَ مِنْ امْرَأَتِهِ فَأَبَانَهَا بِخُلْعٍ ثُمَّ جَدَّدَ نِكَاحَهَا ثُمَّ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ قَالَ فِي نَفَائِسِ الْأَزْرَقِيّ إنْ فَعَلَهُ بَيْن الطَّلَاقِ وَالتَّجْدِيدِ لَمْ يَحْنَثْ وَإِلَّا حَنِثَ فَهَلْ يُقَرَّرُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَا حُكِيَ عَنْ النَّفَائِسِ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا حَيْثُ قَالُوا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ بِصِفَةٍ كَالدُّخُولِ فَأَبَانَهَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَوُجِدَتْ الصِّفَةُ قَبْلَ التَّزْوِيجِ لَمْ يُطَلِّقْ لِانْحِلَالِ الْيَمِينِ بِالدُّخُولِ فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ وَكَذَا إنْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ بَعْد التَّزْوِيجِ لِأَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ الْحِنْثَ لَا يَعُودُ فِي الطَّلَاقِ وَلَا فِي غَيْرِهِ كَالْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ وَالْعِتْقِ بَعْد زَوَالِ مِلْكِ النِّكَاحِ أَوْ الرَّقَبَةِ وَبَعْد تَجَدُّدِهِ لِتَخَلُّلِ حَالَةٍ لَا يَصِحُّ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَرُفِعَ حُكْمُ الْيَمِينِ أَمَّا تَخَلُّلُ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَالرَّجْعَةُ بَيْن التَّعْلِيقِ وَوُجُودِ الصِّفَةِ فَلَا يَمْنَعُ عَوْدَ الْحِنْثِ فِيمَا ذُكِرَ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَيْسَتْ نِكَاحًا مُجَدَّدًا وَلَا تُخَلِّلُ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ مَا ذُكِرَ، وَاَللَّهَ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَ عَلَيَّ الْحَرَامُ مِنْ زَوْجَتِي أَنَّ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ لَمْ يَكُنْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَبَانَ إنَّهُ كَانَ فَهَلْ تَطْلُقُ وَالْحَالُ إنَّهُ نَوَى بِعَلَيَّ إلَى آخِرِهِ الطَّلَاقَ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ لِعُذْرِهِ سَوَاءٌ أَنَوَى أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فِي ظَنِّهِ أَوْ فِي الْوَاقِعِ كَمَا بَيَّنْته فِي فَتَاوَى أُخْرَى بِكَلَامٍ مَبْسُوطٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَانَ بِهِ الْحَقُّ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ قَدْ كَثُرَ اضْطِرَابهمْ فِيهَا وَاخْتِلَافُهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَكَّلَ زَوْجَتَهُ فِي طَلَاقِهَا فَقَالَتْ كَيْف أَقُولُ فَقَالَ قُولِي أَنْتِ الثَّلَاثُ

стр. 1080

أَوْ أَنَا الثَّلَاثُ مِنْ عَقْدِك طَالِقٌ أَوْ دُون عَقْدِك؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُتَوَلِّي فَرَّقَ بَيْن قَوْلِهِ أَنْتِ ثَلَاثٌ فَلَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ وَقَوْله أَنْتِ ثَلَاثًا فَيَقَعُ بِهِ لِأَنَّ حَذَفَ بَعْضِ الْكَلَامِ شَائِعٌ لُغَةً إذَا كَانَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَتَقْدِيرُهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَفِي الْبَحْرِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ الثَّلَاثُ لَا يَكُونُ شَيْئًا وَإِنْ نَوَى الطَّلَاق وَسَبَقَهُ إلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْن الْمُعَرَّفِ وَغَيْرِهِ. اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَا فَرْقَ بَيْنهمَا فِي حَالِ الرَّفْعِ لِأَنَّ ثَلَاثٌ بِالرَّفْعِ خَبَرٌ عَنْ أَنْتِ فَلَا حَذْفَ فِي الْكَلَامِ وَلَيْسَ هَذَا التَّرْكِيبُ صَحِيحًا لِأَنَّ أَنْتِ مَوْضُوعَةٌ لِلذَّاتِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ فَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِثَلَاثٍ لَا مُعَرَّفًا وَلَا مُنَكَّرًا وَأَمَّا ثَلَاثًا بِالنَّصْبِ فَيُقْتَضَى حَذْفَ الْخَبَرِ فَيُقَدَّرُ بِمَا يُنَاسِبُهُ وَهُوَ طَالِقٌ فَالْكَلَامُ مَعَهُ صَحِيحٌ فَإِذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعَدَدِ الصَّرِيحِ وَالْفَرْقُ بَيْن أَنْتِ ثَلَاثٌ وَأَنْتِ اثْنَتَانِ ذَكَرْته مَبْسُوطًا مَعَ مَا يُنَاسِبُهُ فِي فَتْوَى غَيْرِ هَذِهِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَإِذَا قَالَ قُولِي أَنْتِ الثَّلَاثُ أَوْ أَنَا الثَّلَاثُ فَقَالَتْ ذَلِكَ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ وَإِنْ نَوَتْهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ أَنْتِ الثَّلَاث طَالِقٌ أَوْ أَنَا الثَّلَاثُ طَالِقٌ فَإِنَّهُ يَقَع عَلَيْهِ الطَّلَاقُ إنْ نَوَتْ بِالْأَوَّلِ الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ لِإِسْنَادِ الطَّلَاقِ فِيهِ إلَى غَيْرِ مَحِلِّهِ وَهُوَ الزَّوْجُ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فَلَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) إذَا قُلْنَا بِتَصْحِيحِ الدَّوْرِ فَطَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ عَلَّقَ عَلَيْهَا مَسْأَلَةَ الدَّوْرِ قَبْل الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ يُرِيد رَفْعَ الطَّلَاقِ بِذَلِكَ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَة عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي دَعْوَاهُ مَسْأَلَةَ الدَّوْرِ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ أَمْ لَا يُقْبَل قَوْله فَيَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ لِقَوْلِ الْإِمَام ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْغَايَةِ إذَا ادَّعَى الزَّوْجُ مَا لَا يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ وَيَدِينُ فِيهِ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فِيمَا ادَّعَاهُ لَمْ يَرْتَفِعْ الطَّلَاقُ بِذَلِكَ إذْ لَا أَثَرَ لِمُصَادَقَتِهَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ وَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ ﵃ بِقَبُولِ قَوْلِهِمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّهِمَا لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ الْمُنَاوِيُّ. قَالَ الْإِمَام الْأَزْرَقِيّ وَبِنَحْوِهِ أَجَابَ الْمَحَلِّيُّ وَغَيْرُهُ فِيمَا إذَا ادَّعَى تَعْلِيقَ الدَّوْرِ أَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَالَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ لَوْ أَقَامَهَا عَلَى ذَلِكَ لِأُمُورِ. (أَحَدُهَا) أَنَّ الْأَئِمَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - نَقَلُوا عَنْ الْإِمَام الْخُوَارِزْمِيِّ مِنْ غَيْر مُخَالَفَةٍ لَهُ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ ادَّعَى فَسَادَ النِّكَاحِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ وَصَادَقَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَى دَعْوَاهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُمَا فَلَا يَجُوز أَنْ يُوقِعَا نِكَاحًا جَدِيدًا إلَّا بِمُحَلِّلٍ لِكَوْنِهِمَا مُتَّهَمَيْنِ فِي حَقِّ اللَّهِ وَذَكَرَهُ أَيْضًا الشَّيْخُ الْقَفَّالُ وَنَقَلَهُ فِي الْأَنْوَارِ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْن وَالْبَغَوِيّ وَغَيْرِهِمَا وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ مِنْ عَدَمِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فَهُوَ جَارٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْبَغَوِيّ فِي بَابِ الْمُرَابَحَةِ وَغَيْرِهِ قَالَ الْإِمَام ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ وَالْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَدَمَ السَّمَاعِ. وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْن الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَكْثَرِينَ لَا يُفَرَّقُونَ بَيْن الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ رَدُّوا عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ حَيْثُ فَرَّقُوا فِي التَّحْلِيفِ وَأَلْزَمُوهُ بِالْبَيِّنَةِ قَالَ أَعْنِي الْأَذْرَعِيُّ وَفِيهِ مَا يُشْعِرُ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ سَمَاعِهَا مُطْلَقًا فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْخُوَارِزْمِيُّ هُوَ الْمَذْهَب الْمُعْتَمَدُ لِلتُّهْمَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ إذْ لَوْ فَتَحَ هَذَا الْوَكَالَةَ لَادَّعَى كُلُّ مُطَلِّقٍ ثَلَاثًا أَرَادَ دَفْعَ الْعَارِ عَنْهُ بِتَحْلِيلِ زَوْجَته ثُمَّ تَجْدِيد نِكَاحِهَا أَنْ يَتَوَافَقَا عَلَى فَسَادِ نِكَاحِهَا لِدَفْعِ ذَلِكَ كَذَا قَالَ الشَّيْخُ الْبَكْرِيُّ فِي بَعْضِ أَجْوِبَتِهِ. قَالَ وَأَظُنُّ الْغَزَالِيَّ سُئِلَ لَوْ ادَّعَى أَنَّ الْوَلِيَّ كَانَ فَاسِقًا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَقَالَ إنَّهُ لَا يُقْبَلُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا قَالَ الْإِمَام ابْنُ الْعِمَادِ فِي تَوْقِيفِ الْحُكَّامِ نَظِيرُ مَا قَالَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ الْمَرْأَةُ إذَا خَالَعَتْ الزَّوْجَ ثُمَّ ادَّعَتْ أَنَّهَا زُوِّجَتْ بِغَيْرِ رِضَاهَا لَمْ يُسْمَعَ قَوْلُهَا كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ اهـ وَقَوْلُهُمْ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يُخَالِف مَا ذَكَرَهُ الْإِمَام الْخُوَارِزْمِيُّ وَصُورَتُهُ أَنْ يُطَلِّقُهَا ثَلَاثًا فِي الْبَاطِنِ أَمَّا لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَحِينَئِذٍ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنهمَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْره (الْأَمْرُ الثَّانِي) أَنَّ الْإِمَام الدَّبِيلِي ذَكَرَ

стр. 1081

فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فِي هَذَا الْيَوْمِ ثُمَّ قَالَ إنَّ نِكَاحِي كَانَ فَاسِدًا وَأُرِيدُ أَنْ أُكْمِلَهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ ثُمَّ أَعْقِدُ نِكَاحًا صَحِيحًا فَكَلَّمَهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسَادِ نِكَاحِهِ وَأَيْضًا ذَكَرَ الْإِمَام تَقِيُّ الدِّينِ بْنِ الصَّلَاح أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَةً ثَلَاثًا ثُمَّ ادَّعَى أَنِّي لَمْ أَكُنْ نَكَحْتهَا قَبْل الطَّلَاقِ الْمَذْكُورِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ذَكَرَهُ عَنْهُ الْإِمَام الْأَذْرَعِيُّ فِي الدَّعَاوَى مِنْ شَرْح الْمِنْهَاجِ وَذَكَرَ أَيْضًا نَحْو مَا سَبَقَ عَنْ الدَّبِيلِيِّ (الْأَمْرُ الثَّالِثُ) أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ بَائِنٌ ثُمَّ قَالَ بَعْد مُدَّةٍ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَالَ أَرَدْت بِالْبَائِنِ الطَّلَاقَ. فَلَمْ تَقَعْ الثَّلَاثُ لِمُصَادَفَتِهَا الْبَيْنُونَةَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ كَذَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى سَبْقَ لِسَانِهِ إلَى لَفْظِ الطَّلَاقِ وَأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهُ أَنَّهُ لَا يَسَعُ امْرَأَتَهُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُ ذَلِكَ (الْأَمْرُ الرَّابِعُ) أَنَّ الْقَاضِي جَمَالَ الدِّينِ بْنِ ظَهِيرَةَ سُئِلَ أَيْضًا عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ خَالَعَهَا قَبْل ذَلِكَ وَأَرَادَ دَفْعَ الثَّلَاثِ بِالْخُلْعِ وَوَافَقَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُمَا الْخُلْعَ وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ أَمْ لَا تُقْبَلَانِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ فَأَجَابَ فَقَالَ نُقِلَ فِي الرَّوْضَةَ فِي أَوَاخِرِ الطَّلَاقِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيّ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ كُنْت حَرَّمْتُهَا عَلَى نَفْسِي قَبْلَ هَذَا فَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ. اهـ. قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً لَمْ تُسْمَعْ (الْأَمْرُ الْخَامِسُ) أَنَّ الشَّيْخَ نُورَ الدِّينِ السَّمْهُودِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ كُنْت وَكَّلْت فُلَانًا بِطَلَاقِهَا وَكُنْتُ عَوَّلْتُ طَلَاقِهَا عَلَى فُلَانٍ إلَّا وَلَّيْتهَا فُلَانًا فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ فَقَالَ ذَكَر فِي الْعَزِيزِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة نَقْلًا عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيّ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ كُنْت حَرَّمْتهَا قَبْلَ هَذَا فَلَمْ يَقَعْ الثَّلَاثُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَهُوَ شَامِلٌ لِدَعْوَى سَبْقِ التَّحْرِيمِ بِوَاسِطَةِ وَكِيلِهِ فِيهِ بِخُلْعٍ وَنَحْوِهِ مَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْن أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ وَلِيّهَا كَانَ قَدْ وُكِّلَ بِتَزْوِيجِهَا مِنْهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسمِائَةِ وَلَمْ يُزَوِّجْهَا الْوَكِيل إلَّا بِأَلْفٍ فَالْعَقْدُ لَمْ يَنْعَقِدْ. فَالطَّلَاقُ لَمْ يَقَعْ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً لَمْ تُسْمَعْ وَحُكِمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ قَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي الْخَادِم وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى بُطْلَانِ النِّكَاحِ لِلْمُخَالَفَةِ فِي الصَّدَاقِ قَالَ وَلَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا بَلْ يَطَّرِدُ فِي كُلِّ صُورَةٍ ادَّعَيَا فِيهَا الْفَسَادَ قَبْل الطَّلَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. جَوَابُ الشَّيْخِ السَّمْهُودِيّ (الْأَمْرُ السَّادِسُ) أَنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ نُورَ الدِّين ابْن نَاصِرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا بَعْد أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا ثُمَّ ادَّعَى أَنِّي كُنْت طَلَّقْتهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ قَبْل أَنْ تَضَعَ الْحَمْلَ فَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِالْوَضْعِ قَبْل أَنْ أُرَاجِعَهَا فَهَلْ تَعُودُ إلَيْهِ قَبْل زَوْجٍ آخَرَ أَمْ لَا تَعُودُ إلَيْهِ إلَّا بَعْد زَوْجٍ آخَرَ. فَأَجَابَ فَقَالَ الْأَصْلُ عَدَمُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ قَبْل الْوَضْعِ فَتَبِينُ بَعْدَهُ فَلَا تَعُودُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَعِدَّتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. (الْأَمْرُ السَّابِعُ) أَنَّهُ لَوْ قُبِلَ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي دَعْوَاهُ تَعْلِيقَ الدَّوْرِ عَلَى زَوْجَتِهِ قَبْل الطَّلَاقِ لَفُتِحَ هَذَا الْبَابُ وَلَوْ فُتِحَ لَادُّعِيَ كُلُّ مُطَلِّقٌ ثَلَاثًا أَرَادَ دَفْعَ الْعَارِ عَنْهُ بِتَحْلِيلِ زَوْجَتِهِ ثُمَّ تَجْدِيدَ نِكَاحِهَا إذْ يَدَّعِي ذَلِكَ فَيَظْهَرُ الْفَسَادُ بِذَلِكَ لَا سِيَّمَا أَنَّ الشَّيْخَيْنِ ذَكَرَا أَنَّ الرُّويَانِيّ قَالَ بَعْد اخْتِيَارِهِ تَصْحِيحَ الْأَوَّلِ لَا وَجْهَ لِتَعْلِيمِ الْعَوَامّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَة) قَوْلُهُ فِي الْبَهْجَةِ لَوْ ضِعْفُ عِشْرِينَ لِعَقْدِ الْجُمُعَةِ كَيْفَ صُورَةُ ذَلِكَ وَمَا بَيَانُهُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُمْ فِي الْفَرَائِضِ الْإِدْلَاءُ كَيْفَ صِفَته وَمَا مَعْنَاهُ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) إذَا وَجَدْنَا مَسْأَلَةً فِيهَا نَصٌّ لِلشَّافِعِيِّ لَكِنْ الشَّيْخَانِ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ كَالْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّة وَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اعْتِرَاضِ صَاحِبِ الْمُهِمَّاتِ بِالنَّصِّ عَلَى الشَّيْخَيْنِ فَهَلْ نَأْخُذُ بِالنَّصِّ وَنَتْرُكُ مَا عَدَاهُ أَمْ نَأْخُذُ بِقَوْلِ الشَّيْخَيْنِ لَأَنَّهُمَا عُمْدَةُ الْمَذْهَبِ (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) إذَا ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى أَحَدٍ أَنِّي أَسْتَحِقُّ هَذِهِ الْعَيْنَ الَّتِي تَحْتَ يَدِك فَقَالَ الْمَالِكُ مِلْكِي وَرِثْته عَنْ أَبِي أَوْ قَالَ مِلْكِي وَلَمْ نَجِدْ بَيِّنَةً مَعَ الْمُدَّعِي فَهَلْ قَوْلُ الْمَالِك يَكْفِي فِي الْيَمِينِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ نَفْيِ مَا ذُكِرَ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى

стр. 1082

الْجَنَّةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَالْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ فِي النَّظَائِرِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ وَغَيْرِهَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ الزَّوْجِ دَعْوَاهُ الْمَذْكُورَةُ وَإِنْ صَدَّقَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بِمُحَلِّلٍ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا تَوَقُّفَ وَحُقُوقُ اللَّهِ لَا سِيَّمَا الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْأَبْضَاعِ يَجِبُ الِاحْتِيَاطُ لَهَا هَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّة. وَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ لَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ بِهِ وَلَا الْعَمَلُ بِهِ وَلَا يَرْتَكِبُ ذَلِكَ إلَّا بَعْضُ الْجَهَلَةِ مِنْ الْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْبَدْرُ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ سُرَيْج فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ زَلَّةُ عَالَمٍ وَزَلَّاتُ الْعُلَمَاءِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَقْلِيدُهُمْ فِيهَا وَلَقَدْ أَطَالَ جَمَاعَةٌ فِي الِانْتِصَار لِابْنِ سُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ وَالْحَطِّ عَلَى مَنْ يُقَلِّدهُ فِي ذَلِكَ وَالْمُعْتَمَدُ مَا قُلْنَاهُ فَلِيَتَنَبَّهْ السَّائِلُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَوَفَّقَهُ لِذَلِكَ وَلِيَحْذَرْ مِنْ الْوُقُوعِ فِي وَرْطَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِإِفْتَاءِ أَحَدٍ بِهَا أَوْ تَعْلِيمِهِ فَإِنَّ عَاقِبَةَ ذَلِكَ وَخَيْمَةٌ وَمَعْنِيّ مَا ذُكِرَ عَنْ الْبَهْجَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُبَادِرَ أَرْبَعُونَ مِمَّنْ سَمِعَ الْخُطْبَةَ إلَى عَقْدِ الْجُمُعَةِ قَبْل الْإِمَامِ الْخَاطِبِ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ النَّاظِمُ لَوْ سُمَّاعُهَا تَبَادَرُوا أَيْ ضِعْف عِشْرِينَ إلَخْ وَمَعْنَى الْإِدْلَاءِ الِانْتِسَابُ فَإِذَا قِيلَ فُلَانٌ يُدْلِي إلَى فُلَانٍ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ أَيْ أَنَّ بَيْنهمَا رَابِطَةً مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ وَإِذَا رَجَّحَ الشَّيْخَانِ شَيْئًا كَانَ الْمُعْتَمَدُ وَلَا نَظَرَ لِمَا يُطِيل بِهِ الْإِسْنَوِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمَا بِالنَّصِّ أَوْ غَيْرِهِ لَأَنَّهُمَا أَدْرِي بِأَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ وَنُصُوصِهِ مِنْ جَمِيعِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمَا فَلَا يَعْدِلَانِ عَنْ النَّصِّ إلَّا لِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ كَنَصٍّ آخَرَ أَوْ قَاعِدَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَلَيْسَ فِي الْمُعْتَرِضِ عَلَيْهِمَا مِنْ يُدَانِي مَرْتَبَتَهُمَا عِلْمًا وَوَرَعًا وَاجْتِهَادًا فَوَجَبَ الْمَصِيرُ لِأَقْوَالِهِمَا وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهُمَا وَقَدْ بَيَّنْت فِي شَرْح الْإِرْشَادِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِمَا فِي بَابِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَمَا شَاكَلَهُ وَبَيَّنْت كَجَمَاعَةٍ مِنْ مَشَايِخِي وَغَيْرَهُمْ أَنَّ الْحَقَّ مَا قَالَاهُ فَتَمَسَّكْ أَيُّهَا السَّائِلُ وَفَّقَك اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى وَلَا تَعْدِلْ عَنْهَا فَتَضِلَّ وَتُضِلَّ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْإِسْنَوِيّ نَفْسِهِ أَنَّهُ كَانَ إذَا سُئِلَ يُفْتِي بِمَا فِي الرَّوْضَةِ. وَإِنْ كَانَ اعْتَرَضَهُ فِي مُهِمَّاتِهِ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ رَأَيْنَاهُ فَإِنَّهُ كَانَ يَتْبَعُ الْمُعْتَرِضَ عَلَى الشَّيْخَيْنِ وَعِنْد الْإِفْتَاءِ لَا يُفْتِي إلَّا بِمَا قَالَ وَهَذَا هُوَ الْحَقّ فَلَا يَسَع أَحَدًا الْآن مُخَالَفَتُهُ وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ كَالْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّة فَمَرْدُودٌ لِأَنَّ النَّصَّ فِيهَا غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ وَلَا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُوده، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ هِيَ طَالِقٌ عَلَى تَمَامِ الْبَرَاءَةِ فَقَالَتْ أَنْتَ أَوْ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ جَمِيعِ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا لَمْ يَجُزْ بَيْنهمَا إلَّا لَفْظُ الْبَرَاءَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لَهُمَا فَلَا بَرَاءَةَ وَلَا طَلَاقَ وَإِنْ نَوَيَا شَيْئًا مُعِينًا أَوْ قَالَ لَهَا إنْ أَبْرَأْتِنِي مِنْ كَذَا وَعَيَّنَهُ فَقَالَتْ أَبْرَأْتُك مِنْهُ فَإِنْ كَانَ الْقَدْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْهُ مَعْلُومًا لَهُمَا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ كَزَكَاةٍ صَحَّتْ الْبَرَاءَةُ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا عَلَّقَ بِالْبَرَاءَةِ فَإِنْ صَحَّتْ بِأَنْ عَلِمَا الْقَدْرَ الْمُبَرَّأَ مِنْهُ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَا مَرَّ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ بِأَنْ جَهِلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ مَضَى عَلَيْهِ حَوْلٌ وَهُوَ زَكَوِيٌّ لَمْ يَقَعْ وَمَا قِيلَ أَنَّهَا إذَا عَلِمَتْ وَجَهِلَ الزَّوْجُ تَصِحُّ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِمَهْرِ الْمِثْل فَهُوَ فَاسِدٌ. وَلِذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا لِأَنَّا إذَا قُلْنَا بِعَدَمِ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ فَلَا طَلَاقَ أَوْ بِصِحَّتِهَا فَالْعِوَضُ الصَّدَاقُ لَا مَهْرَ الْمِثْلِ مَعَ الصَّدَاقِ وَلَا مَهْرَ الْمِثْلِ فَقَطْ وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّ الْعِوَضَ إذَا كَانَ فِي الْخُلْعِ مَجْهُولًا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّ مَحِلَّ ذَاكَ فِي صِيَغِ الْعُقُودِ الَّتِي يَغْلِبُ فِيهَا جَانِب الْمُعَاوَضَةِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ فِي صِيَغِ التَّعْلِيقِ فَغَلَبَ فِيهَا جَانِبُهُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ وُجُودِ الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا وَمَا وَقَعَ فِي شَرْح الْمِنْهَاجِ لِلدَّمِيرِيِّ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا جَاهِلَيْنِ يَقَعُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ضَعِيفٌ جِدًّا بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) هَلْ عَلَيَّ الطَّلَاقُ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَصَحُّ أَنَّ عَلَيَّ الطَّلَاق صَرِيحٌ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ أَنَّهَا خَرَجَتْ فَقَالَتْ مَا خَرَجْت مَا الْحُكْمُ وَقَالَ أَيْضًا عَلَيَّ الطَّلَاقُ إلَّا لَمْ تَنْقُلْ مَتَاعَك مِنْ جَانِبِ دَارِي لَأَشْتَكِيك

стр. 1083

إلَى الْوَالِي وَأَدِّي مَنْ يُحْضِرُك إلَيْهِ الْيَوْمَ هَذِهِ فَلَمْ يَنْقُلْ مَتَاعَهُ فَذَهَبَ الْحَالِف إلَى الْوَالِي وَكَانَ الْوَالِي مُشْتَغِلًا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَلَمْ يَتَّفِقْ وُصُولُهُ إلَيْهِ وَلَا إعْلَامُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) الْخُرُوجُ مِنْ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي نَفْيِهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ بِعَدَمِهِ إنْ كَانَ نَفْيُهُ مَحْصُورًا بِأَنْ عَيَّنَ لَهُ زَمَنًا فَادَّعَتْ عَدَمَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ وَأَقَامَتْ بِهِ بَيِّنَةً فَحِينَئِذٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا طَلَاقَ وَإِنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِالشَّكْوَى إلَى الْوَالِي فِي يَوْمٍ مُعِينٍ فَلَمْ يَشْتَكِ إلَيْهِ فِيهِ فَإِنْ كَانَ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ فِي لَحْظَةٍ مِنْ الْيَوْمِ فَتَرَكَ وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاق بِخِلَافِ مَا إذَا مَضَى الْيَوْمُ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ فِي جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَإِنَّهُ لَا طَلَاقَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِي رَجُلٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ اسْرَحِي بِلَفْظِ الْأَمْرِ هَلْ هُوَ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ؟ (فَأَجَابَ) لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ اسْرَحِي بِلَفْظِ الْأَمْرِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ لِأَنَّهُ مِنْ سَرَحَ بِالتَّخْفِيفِ وَهُوَ يَتَعَدَّى كَسَرَّحْتُهَا سَرْحًا قَالَ فِي الصِّحَاحِ هَذِهِ وَحْدُهَا بِلَا أَلِفٍ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] أَيْ تُخْرِجُونَ مَوَاشِيَكُمْ بِالْغَدَاةِ إلَى الْمَرْعَى وَلَا يَتَعَدَّى كَسَرَّحَتْ بِنَفْسِهَا سَرْحًا فَاسْرَحِي حِينَئِذٍ نَظِيرُ اذْهَبِي وَقَدْ جَعَلُوهُ كِنَايَةً لِأَنَّ الذَّهَابَ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ احْتِمَالًا ظَاهِرًا فَكَذَلِكَ اسْرَحِي كِنَايَةٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ أَيْ اُخْرُجِي بِالْغَدَاةِ لِأَنِّي طَلَّقْتُك وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ أَيْ اُخْرُجِي بِالْغَدَاةِ إلَى مَوَاشِيك مَثَلًا. فَإِنْ قُلْت اسْرَحِي مُشْتَقٌّ مِنْ السَّرَاحِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُشْتَقَّ مِنْ السَّرَاحِ صَرِيحٌ قُلْت هَذَا اشْتِبَاهٌ وَفَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْن سَرَحَ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَهُوَ مَا مَرَّ الْكَلَامُ فِيهِ وَسَرَّحَ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ الْمُشْتَقُّ مِنْ السَّرَاحِ أَيْ مَأْخُوذٌ مِنْهُ وَإِلَّا فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ التَّسْرِيحِ إذْ هُوَ الْمَصْدَرُ الْحَقِيقِيُّ وَأَمَّا السَّرَاحُ فَاسْمُ مَصْدَرٍ وَمَعْنَى سَرَّحَ الْمُضَعَّفِ لُغَةً أَرْسَلَ فَهُوَ بِمَعْنَى فَارَقَ فَلِذَلِكَ جَعَلُوهُ صَرِيحًا لِوُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيز مُرَادِفًا لِلتَّطْلِيقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْأَمْرُ مِنْ سَرَحَ الْمُضَاعَفِ سَرِّحِي وَأَمَّا اسْرَحِي فَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ فَلَا يُعْطَى حُكْمُهَا بَلْ يَكُونُ كِنَايَةً كَمَا مَرَّ وَأَمَّا سَرِّحِي فَهُوَ مِنْ مَادَّةِ السَّرَاحِ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ طَلِّقِي فَإِنْ نَوَى تَطْلِيقَ نَفْسِهَا كَانَ تَفْوِيضًا لِطَلَاقِهَا إلَيْهَا فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفَسَهَا وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ هِيَ طَالِقٌ هَلْ هُوَ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ أَوْ قَالَ عَلَيَّ الْحَرَامُ إلَّا خَرَجْت أَوْ قَالَ إلَّا لَمْ تَخْرُجِي مِنْ بَيْتِي مَا تَكُونِينَ لِي بِامْرَأَةٍ وَكُلَّمَا حَلَّيْتُ حَرَّمْتُ فَخَالَفَتْهُ مَا الْحُكْم وَلَوْ قَالَ أَنْتِ أَوْ هِيَ عَلَيَّ مِنْ السَّبْعِ الْمُحَرَّمَاتِ مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا قَالَ هِيَ طَالِقٌ فَإِنْ سَبَقَ لِزَوْجَتِهِ ذِكْرٌ كَأَنْ قِيلَ لَهُ طَلِّقْ زَوْجَتَك أَوْ إنَّ زَوْجَتَك فَعَلَتْ كَذَا فَقَالَ هِيَ طَالِقٌ وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ إلَّا إنْ نَوَاهَا هَذَا هُوَ الَّذِي يُتَّجَهُ مِنْ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِهِمْ فَإِنْ قُلْت يَشْكُلُ عَلَى ذَلِكَ تَرْجِيحُ الشَّيْخَيْنِ فِيمَا لَوْ قِيلَ لِزَيْدٍ يَا زَيْدُ فَقَالَ امْرَأَةُ زَيْدٍ طَالِقٌ أَنَّهُ لَا طَلَاقَ إلَّا إنْ نَوَى نَفْسَهُ خِلَافًا لِقَوْلِ شُرَيْحٍ الرُّويَانِيّ تَطْلُقُ فِي حَالِ الْإِطْلَاقِ أَيْضًا قُلْت لَا يَشْكُلُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِمْ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامه. إلَّا إنْ أَرَادَ نَفْسَهُ وَبِهَذَا فَارَقَ مَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ فِي الرَّوْضَة وَالْمِنْهَاجِ وَأَصْلِهِمَا فِيمَنْ قَالَ زَيْنَبُ طَالِقٌ وَأَرَادَ زَيْنَبَ غَيْرَ زَوْجَتِهِ فَلَا يُقْبَلُ مُطْلَقًا وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ هِيَ طَالِقٌ بَعْد أَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا أَصَرْحُ مِنْ قَوْلِهِ زَيْنَبُ لِأَنَّ الضَّمِيرَ أَعْرَفُ مِنْ الْعَلَمِ لِأَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ لَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ لِغَيْرِ زَوْجَتِهِ بِخِلَافِهِ فِي زَيْنَبَ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ صَرْفه إذْ لَفْظُ زَيْنَبَ مَوْضُوعٌ لِذَوَاتٍ كَثِيرَةٍ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقَفَّالُ إذَا أَرَادَ غَيْرَ زَوْجَتِهِ قُبِلَ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَنَاوَلَ ذَوَاتًا كَثِيرَةً إلَّا أَنَّ قَرِينَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُطَلِّقُ غَيْرَ زَوْجَتِهِ مَنَعَتْ مِنْ صَرْفِهِ إلَى غَيْرِهَا فَلِذَا كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إرَادَةَ غَيْرِهَا وَإِذَا اكْتَفَى فِي تَعْيِينهَا بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ الْخَارِجِيَّةِ الْمُحْتَمَلَةِ فَمِنْ بَابٍ أَوْلَى أَنْ يُكْتَفَى بِالصَّرِيحِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَهُوَ تَقَدُّمُ ذِكْر الزَّوْجَةِ ثُمَّ إعَادَةُ الضَّمِيرِ عَلَيْهَا فَيَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حِينَئِذٍ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَرَدْت غَيْرَهَا وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ فَالْأَمْرُ مُحْتَمَلٌ

стр. 1084

فَرُجِعَ فِيهِ إلَى نِيَّتِهِ فَإِنْ نَوَاهَا وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ قَوْلُهُمْ لَوْ قِيلَ لَهُ طَلِّقْ امْرَأَتَك فَقَالَ طَلَّقْت أَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ طَلَّقْت وَقَعَ الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى السُّؤَالِ فِي الْأُولَى وَالتَّفْوِيضِ فِي الثَّانِيَةِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ ابْتِدَاءً طَلَّقْت لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ وَإِنْ نَوَى امْرَأَتَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ وَلَا دَلَالَةٌ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ امْرَأَتِي وَنَوَى الطَّلَاق ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرَتْهُ لِأَنَّ تَقَدُّمَ ذِكْرِهَا أَغْنَى عَنْ الِاحْتِيَاج إلَى ذِكْرِ ضَمِيرِهَا بَعْد طَلَّقْت وَأَوْجَبَ الِاكْتِفَاءَ بِهِ خَالِيًا عَنْ الضَّمِيرِ ظَاهِرًا فَإِذَا كَانَ تَقَدُّمُ ذِكْرِ الْمَرْأَةِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ اسْمِهَا بِالصَّرِيحِ وَالضَّمِيرِ فَمِنْ بَابٍ أَوْلَى إنْ تَقَدُّمَ ذِكْرِهَا يُعَيِّنُ رُجُوعَ الْوَاقِعِ بَعْده إلَيْهَا فَإِنْ قُلْت دَلَالَةُ هَذَا صَرِيحَةٌ فِيمَا ذَكَرْته إذَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا لَكِنَّ مَا قَالَاهُ فِي طَلَّقْت ابْتِدَاءً مِنْ عَدَمِ الْوُقُوعِ ابْتِدَاءً. وَإِنْ نَوَاهَا يَرُدُّ مَا قُلْته فِي هِيَ طَالِقٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَ لَهَا ذِكْرٌ قُلْت لَا يَرُدُّهُ لِأَنَّ طَلَّقْت خَلَا عَمَّا يُمْكِنُ رُجُوعُهُ لِلْمَرْأَةِ إذْ لَيْسَ فِيهِ لَفْظٌ يَرْجِعُ عَلَيْهَا حَتَّى تَصِحَّ إرَادَتُهَا مِنْهُ بِخِلَافِ هِيَ طَالِقٌ فَإِنَّ هِيَ ضَمِيرٌ مَوْجُودٌ فِي اللَّفْظِ وَالضَّمِيرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَرْجِعٌ فِي اللَّفْظِ يَصِحُّ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَعْهُودٍ فَلَمَّا صَحَّ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ مَذْكُورٍ أَثَّرَتْ النِّيَّةُ فِيهِ وَأَمَّا طَلَّقْت فَلَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ فَلَمْ تُؤَثِّرْ النِّيَّةُ فِيهِ كَمَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِي امْرَأَتِي إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ بِوَجْهٍ فَلَمْ يُمْكِنُ تَأْثِيرُ النِّيَّةِ فِيهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ هِيَ طَالِقٌ بَعْد تَقَدُّمِ ذِكْرِ الْمَرْأَةِ صَرِيحٌ وَمَعَ عَدَمِ تَقَدُّمِهِ كِنَايَةٌ فِي الزَّوْجَةِ وَعَلَيَّ الْحَرَامِ وَإِنْ خَرَجْت مَا تَكُونِي لِي بِامْرَأَةٍ وَكُلَّمَا حَلَلْت حَرُمْت كِنَايَاتٌ فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ طَلُقَتْ إذَا وُجِدَ الْخُرُوجَ أَوْ عَدَمُهُ وَلَمْ يُطَلِّقْهَا لِأَنَّهُ إذَا نَوَى بِتِلْكَ الْأَلْفَاظ أَوْ بِاللَّفْظَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ الطَّلَاقَ كَانَ مَعْنَى كَلَامِهِ إنْ خَرَجْت وَلَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِذَا خَرَجَتْ وَلَمْ يُطَلِّقْهَا طَلُقَتْ وَإِنْ خَرَجَتْ فَطَلَّقَهَا لَمْ تَطْلُقْ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ. وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ مِنْ السَّبْعِ الْمُحْرِمَات وَأَرَادَ بِهِنَّ السَّبْعَ الْمَذْكُورَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الْآيَةُ كَانَ بِمَعْنَى أَنْت عَلَيَّ كَأُمِّي أَوْ كَأُخْتِي وَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ ذَلِكَ كَانَ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ وَالظِّهَار فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ طَلُقَتْ أَوْ الظِّهَارَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ بِشَرْطِ الْعَوْدِ وَإِنْ نَوَى تَحْرِيمَ عَيْنِهَا أَوْ وَطْئِهَا أَوْ فَرْجِهَا أَوْ رَأْسِهَا أَطْلَقَ ذَلِكَ أَوْ أَقَّتَهُ كُرِهَ وَلَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِ لَكِنْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فِي الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَطَأْ وَكَذَا يُكْرَهُ وَلَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فِي الْحَالِ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا هَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ لِي لِأَنَّ قَوْلَهُ مِنْ السَّبْعِ الْمُحْرِمَاتِ يُشْبِهُ قَوْلَهُ أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيَّ فَأَعْطَيْنَاهُ حُكْمه عِنْد الْإِطْلَاق بِخِلَافِ أَنْت كَأُمِّي فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْتِ مِثْلُهَا فِي الْإِكْرَامِ وَالِاحْتِرَامِ فَلِذَا لَمْ يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ عِنْد الْإِطْلَاقِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَته عَمَّنْ قَالَ أَنْتِ أَوْ هِيَ طَالِقٌ وَكَانَ فِي يَدِهِ حَصَاةٌ فَأَلْقَاهَا حِينَ الْقَوْلِ وَقَالَ مَا قَصَدْتُ إلَّا الْحَصَاةَ مَا الْحُكْمُ وَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ وَأَجْنَبِيَّةٌ فِي مَكَان وَاحِدٍ وَقَالَ مَا قَصَدْتُ إلَّا الْأَجْنَبِيَّةَ أَوْ كَانَ اسْمُهَا وَالْأَجْنَبِيَّةُ مُتَوَافِقَيْنِ وَقَالَ فُلَانَةُ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ مَا قَصَدْتُ إلَّا الْأَجْنَبِيَّةَ مَا الْحُكْمُ وَلَوْ قَالَ خَلَعْتُك إلَى رَقَبَةِ أَبِيك مَا حُكْمُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يُصَدَّقُ فِي قَوْله مَا قَصَدْتُ إلَّا الْحَصَاةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ فِي نَظِيرِهِ وَفِي قَوْلِهِ مَا قَصَدْتُ إلَّا الْأَجْنَبِيَّةَ يُقْبَلُ فِي صُورَةِ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا كَانَتَا حَاضِرَتَيْنِ كَمَا لَوْ قَالَ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَقَالَ مَا قَصَدْتُ إلَّا الْأَجْنَبِيَّةَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِهِ فِي صُورَةِ زَيْنَبُ طَالِقٌ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ. وَأَمَّا مَا فِي الرَّوْضَة وَأَصْلِهَا عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا إذَا قَالَ زَيْنَبُ طَالِقٌ وَقَالَ أَرَدْت زَيْنَبَ أُخْرَى غَيْرَ زَوْجَتِي فَهُوَ ضَعِيفٌ فَقَدْ قَالَ بَعْد ذَلِكَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ عَدَمُ الْقَبُولِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْن هَذَا وَمَا قَبْلَهُ وَقَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ لِأُمِّ زَوْجَتِهِ ابْنَتُك طَالِقٌ وَقَالَ أَرَدْت ابْنَتَك الْأُخْرَى قُبِلَ بِأَنَّ قَوْله زَيْنَبُ طَالِقُ لَا اشْتِرَاكَ فِيهِ وَضْعًا إذْ هُوَ عَلَمٌ وَالْعَلَمُ إنَّمَا وُضِعَ لِيُعَيِّنَ مُسَمَّاهُ تَعْيِينًا خَاصًّا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَأَمَّا وُقُوعُ الِاشْتِرَاكِ فِيهِ فَلَيْسَ وَضْعًا فَقَوْلُهُ زَيْنَبُ طَالِقٌ لَا يَنْصَرِفُ لِغَيْرِ زَوْجَتِهِ وَضْعًا وَكَذَا شَرْعًا إذْ الرَّجُلُ لَا يُطَلِّقُ

стр. 1085

غَيْرَ زَوْجَتِهِ وَأَمَّا ابْنَتُك وَإِحْدَاكُمَا وَأَنْتِ فَلَيْسَ عَلَمًا وَإِنَّمَا هُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَصْفِيَّةِ فَكَانَ مُشْتَرَكًا وَضْعًا فَإِذَا قَالَ ابْنَتُك مَثَلًا طَالِقٌ كَانَ آتِيًا بِلَفْظٍ مُشْتَرَكٍ بَيْن زَوْجَتِهِ وَغَيْرِهَا يَتَنَاوَلُهُمَا تَنَاوُلًا وَاحِدًا وَعِنْد هَذَا التَّنَاوُلِ لَا مُخَصِّصَ فِيهِ غَيْرُ الْقَصْدِ فَقُبِلَتْ مِنْهُ دَعْوَى إرَادَةِ غَيْرِ الزَّوْجَةِ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ. وَإِنْ كَانَتْ الْعَادَةُ الْمُوَافَقَةُ لِلشَّرْعِ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُطَلِّقُ غَيْرَ زَوْجَته وَإِنَّمَا لَمْ يُقْبَلُ فِي صُورَةِ الْحَصَاةِ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ الطَّلَاقَ بِوَجْهٍ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ فَإِنَّهَا تَقْبَلُهُ فِي الْجُمْلَةِ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَرَجُلٌ إحْدَاكُمَا طَالِقُ وَقَالَ أَرَدْت الرَّجُلَ لَمْ يُقْبَلْ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْحَصَاةِ بِجَامِعِ اسْتِحَالَةِ قَبُولِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلطَّلَاقِ وَإِذَا قَالَ خَالَعْتُكِ إلَى رَقَبَةِ أَبِيك فَقَدْ أَتَى بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ أَبَاهَا يَلْتَزِمُ لَهُ بِمَالٍ فِي مُقَابَلَةِ طَلَاقِهِ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَلْتَزِمَ لَهُ بِهِ فَوْرًا وَحِينَئِذٍ فَتَطْلُقُ بَائِنًا بِذَلِكَ الْمَالِ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا وَإِلَّا فَبِمَهْرِ الْمِثْلِ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّهُ خَالَعَهَا خُلْعًا مُنَجَّزًا وَأَنَّهَا بَعْدَهُ تَصِيرُ فِي رَقَبَةِ أَبِيهَا أَيْ عَلَيْهِ مُؤْنَتهَا طَلُقَتْ بِقَوْلِهِ خَالَعْتُكِ إنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَيَكُونُ رَجْعِيًّا فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ شَيْئًا أَوْ نَوَى وَلَمْ تَقْبَلْ لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ وَأَمَّا إذَا أُضْمِرَ الْتِمَاسُ جَوَابِهَا فَقَبِلَتْ بَانَتْ وَلَزِمَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْمِنْهَاجِ وَأَصْلُهُ وَهُوَ طَرِيقَةُ الْأَكْثَرِينَ لَكِنَّ الْمُصَحَّحَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ مَعَ عَدَمِ ذِكْرِ الْمَالِ كِنَايَةٌ مُطْلَقًا فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ اللَّفْظِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرَ فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ لَا يَقَع بِهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ إلَّا بِالشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْته وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْعِصْمَةِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمَوْقِعُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ هُنَا لِأَنَّ لَفْظَهُ مُحْتَمِلٌ كَمَا تَقَرَّرَ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْ احْتِمَالَيْهِ لَا يَقْتَضِي الْوُقُوعَ مُطْلَقًا بَلْ بِشَرْطٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (سُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ عَمَّنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ مَعِي الْيَوْمَ وَإِلَّا فَبُكْرَةً أَوْ قَدَّمَ مَعِي عَلَى مُطَلَّقَةٍ مَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إذَا قَالَ أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ مَعِي الْيَوْمَ وَإِلَّا فَبُكْرَةً وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ مَا رَبَطَ بِهِ الطَّلَاقَ بِقَوْلِهِ مَعِي إلَى آخِرِهِ لَا مَعْنَى لَهُ يَتَبَادَرُ مِنْهُ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ لَهُ مَعْنًى فَهُوَ أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ حَالَ كَوْنِك مَعِي فَإِنْ لَمْ تَكُونِي مَعِي فَأَنْتِ طَالِقٌ بُكْرَة أَيْ غَدًا وَهَذَا مَعْنَى يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ فَإِذَا أَرَادَهُ قُبِلَ ثُمَّ إنْ وُجِدَتْ مَعِيَّتُهَا لَهُ ذَلِكَ الْيَوْمِ طَلُقَتْ بِغُرُوبِ شَمْسِهِ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ مَعِيَّتُهَا لَهُ كَذَلِكَ طَلُقَتْ بِفَجْرِ غَدِهِ وَالْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ مَا قَصَدَهُ بِهَا إنْ كَانَ لَهُ قَصْدٌ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا شَيْئًا فَالْمَدَارُ عَلَى الْمَعِيَّةِ الْعُرْفِيَّةِ لِأَنَّ الْمَعِيَّةَ لَا ضَابِطَ لَهَا فِي اللُّغَةِ فَرُجِعَ فِيهَا إلَى الْعُرْفِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ لَهَا ضَابِطًا فِي اللُّغَةِ وَهُوَ الْمُقَارَنَةُ فَالْمُقَارَنَةُ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْعُرْفِ لِأَنَّهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ فَوَجَبَ إنَاطَةُ الْحُكْمِ فِيهَا بِالْعُرْفِ وَإِنْ قُلْنَا بِمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ مَا عَدَا الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ مِنْ تَقْدِيمِ اللُّغَةِ عَلَى الْعُرْفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (مَسْأَلَة) قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَهُوَ سَاكِنٌ هُوَ وَإِيَّاهَا بِعُلْوِ الدَّارِ مَتَى نَزَلْت إلَى أَسْفَلِ الدَّارِ بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ وَمُرَادُهُ بِأَسْفَلِهَا الْحَوْشُ وَصِفَةُ الْمَجْلِسِ الَّذِي هُوَ بِعُلُوِّهِ ثُمَّ تَشَاجَرَا فَقَالَتْ لَهُ طَلِّقْنِي فَإِنَّ عَازِمَةٌ إلَى بَيْتِ وَالِدَتِي فَقَالَ لَهَا إلَّا كُنْت تَعْزِمِي مُفَاتَنَةً فَقَدْ أَذِنْت لَك وَإِنْ كُنْت تُرِيدِي الطَّلَاقَ فَقَدْ عَرَفْت الْيَمِينَ الَّتِي حَلَفْتهَا فَخَرَجَتْ إلَى بَيْتِ وَالِدَتِهَا فَهَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ أَوْ يُرْجَعُ إلَى إرَادَتِهَا؟ (فَأَجَابَ) إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إنْ كُنْت تَعْزِمِي مُفَاتَنَةً فَقَدْ أَذِنْت لَك تَنْجِيزَ الْإِذْنِ لَهَا بِشَرْطِ أَنَّهَا تَنْزِلُ لِلْخُرُوجِ مُفَاتَنَةً فَنَزَلَتْ لِلْخُرُوجِ مُفَاتَنَةً لَمْ يَحْنَثْ وَإِلَّا حَنِثَ فَتُعْتَبَرُ نِيَّتُهَا حَالَ النُّزُولِ إلَى أَسْفَلِ الدَّارِ وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ تَعْلِيقَ الْإِذْنِ عَلَى خُرُوجِهَا مُفَاتَنَة وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا لِانْتِفَاءِ الْإِذْنِ مُطْلَقًا حَالَ النُّزُولِ لِلْخُرُوجِ فَوُجِدَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ فَوَقَعَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِي رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فَسَأَلَ آخَرُ عَنْهَا أَهِيَ زَوْجَته أَمْ لَا فَقَالَ هِيَ مُخْرَجَةٌ وَفِي بَلَدٍ عُرْفُهُمْ أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ هِيَ مُخْرَجَةٌ فَهِيَ الْبَيْنُونَةُ الْكُبْرَى فَهَلْ تَحِلُّ لَهُ بَعْد هَذَا الْإِقْرَارِ الصَّادِرِ مِنْهُ بِغَيْرِ مُحَلِّلٍ وَلَا يُلْتَفَتُ لِعُرْفِ بَلَدِهِ أَمْ لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْد زَوْجٍ عَلَى عُرْفِ أَهْلِ بَلَدِهِ

стр. 1086

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِنِيَّتِهِ لَا بِعُرْفِ أَهْلِ بَلْدَة فَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ فَقَطْ كَانَ رَجْعِيًّا وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ لَمْ تَحِلَّ لَهُ بِمُحَلَّلٍ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرُ الطَّلَاقِ. (سُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ عَمَّنْ قَالَ إلَّا دَخَلْت الدَّارَ طَلَّقْتُك فَهَلْ هُوَ تَعْلِيقٌ أَوْ لَغْوٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّهُ وَعْدٌ فَيَكُونُ لَغْوًا نَعَمْ إنْ ذَكَرَ قَبْلَهُ قَدْ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً كَانَ تَعْلِيقًا لِانْسِلَاخِهِ عَنْ الْوَعْدِ حِينَئِذٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (سُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي رَجُلٍ قَالَ عَلَيَّ الطَّلَاقُ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَحَنِثَ وَلَهُ زَوْجَتَانِ فَهَلْ تَطْلُقَانِ أَوْ إحْدَاهُمَا مُبْهِمًا فَيُعَيِّنُ وَلَوْ مَنْ مَاتَتْ مِنْهُمَا بَعْدَ التَّعْلِيقِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَطْلُقُ إلَّا إحْدَاهُمَا كَمَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَوْ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا بَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالَةِ التَّعْلِيقِ فَلَهُ تَعْيِينُ الْمَيِّتَةِ وَفِي التَّوَسُّطِ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ مَا يُوَافِقُهُ لَكِنْ اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ تَعْيِينُ الْحَيَّة نَظَرًا لِحَالِ الْوُقُوعِ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعَيِّنْ زَوْجَةً وَقَعَ عَلَى الْمَوْجُودَةِ حَالَ وُجُودِ الصِّفَةِ لِتَعَذُّرِهِ فِي غَيْرِهَا وَقَضِيَّةُ الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا إذَا بَقِيَتَا جَازَ لَهُ تَعْيِينُ إحْدَاهُمَا لِلْيَمِينِ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ وَاسْتِدْلَالُهُ فِي التَّوَسُّطِ بِكَلَامِ الشَّامِلِ وَقَضِيَّة الثَّانِي خِلَافُهُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (سُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ فِي امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مِنْ دَارِ زَوْجِهَا فَقَالَ إلَّا لَمْ تَرْجِعْ فَهِيَ طَالِقٌ فَتَطْلُقُ بِمَاذَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ مَاتَتْ قَبْلَ الرُّجُوع طَلُقَتْ قَبْل مَوْتِهَا أَوْ الزَّوْجُ أَوْ هُمَا لَمْ تَطْلُقْ كَذَا فِي التَّوَسُّطِ وَقَوْلُهُ لَمْ تَطْلُقْ مُعْتَرَضٌ بِأَنَّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْبِرُّ لَا فَرْقَ بَيْن أَنْ يُفْعَلْ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ الْبَيْنُونَةِ بِخِلَافِ مَا بِهِ الْحِنْثُ فَعَلَيْهِ لَوْ مَاتَ ثُمَّ مَاتَتْ وَلَمْ تَرْجِعْ وَقَعَ الطَّلَاقُ قُبَيْلَ مَوْتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ شَهِدَ بِأَنَّهُ سَرَّحَ زَوْجَتَهُ فَهَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ وَلَا نَظَرَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ سَرَّحَ رَأْسَهَا ذَكَرَهُ أَبُو زُرْعَةَ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَبَرَكَتِهِ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أُنْثَيَاك طَالِقٌ فَهَلْ تَطْلُقُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ أَنَّ لَهَا أُنْثَيَيْنِ بِقَوْلِ أَهْلِ الطِّبِّ طَلُقَتْ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ عَدَمَ الْوُقُوعِ وَمَنْ أَطْلَقَ الْوُقُوعَ مُحْتَجًّا بِأَنَّ لَهَا أُنْثَيَيْنِ دَاخِل الْفَرْجِ إحْدَاهُمَا لِلشَّعْرِ وَالْأُخْرَى لِلْمَنِيِّ كَمَا فِي الرَّجُلِ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ طَلَب فِي لَيْلَةٍ غَشَيَانَ زَوْجَتِهِ وَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ وَقَالَتْ لَهُ حَلَفْتُ أَنَّك مَا تَأْتِنِي اللَّيْلَةَ فَقَالَ لَهَا كَفِّرِي عَنْ يَمِينِك وَمَكِّنِينِي وَعَلَيَّ كَفَّارَتُهَا وَإِلَّا أَحْلِفُ أَنَا يَمِينًا لَا تُكَفِّرُ فَلَمْ تُمَكِّنْهُ فَقَالَ لَهَا إلَّا لَمْ تُمَكِّنِينِي اللَّيْلَةَ مِنْ نَفْسِك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَاقِي مَا بَقِيَ وَلَمْ يُعَيِّنْ فِي كَلَامِهِ بَاقِي اللَّيْلَةِ أَوْ بَاقِي الشَّهْرِ أَوْ بَاقِي السَّنَةِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَمَضَتْ اللَّيْلَةُ عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاق الثَّلَاثُ أَمْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَخْرَجٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ بِقَوْلِ اللَّيْلَةَ وَقَوْله بَاقِي مَا بَقِيَ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِتُمَكِّنَنِي وَأَرَادَ بِهِ زَمَنًا مُعَيَّنًا أَكْثَرَ مِنْ بَقِيَّةِ اللَّيْلَةِ كَانَ مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِ اللَّيْلَةَ فَيَلْغُو وَكَذَا إنْ أَرَادَ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ طَالِقٌ لِأَنَّ فِيهِ تَوْقِيتًا لِلطَّلَاقِ وَهُوَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ عَمَّنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ قُبَلَ مَوْتِي بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ طَلُقَتْ قُبَيْلَ مَوْتِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْنَوِيّ فَقَالَ وَمَا ذُكِرَ مِنْ فَتْحِ بَاءِ قَبْلَ غَلَطٌ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ وَإِنَّمَا فِيهِ ضَمُّ الْبَاءِ وَإِسْكَانُهَا وَهُوَ الدُّبُرُ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَبِأَنَّ الرَّافِعِيَّ وَابْنِ الرِّفْعَة لَمْ يَتَعَرَّضَا إلَّا لِضَمِّ الْقَاف فَقَطْ. اهـ. وَرَدَّهُ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنْ قَبْلَ هُنَا لَيْسَتْ نَقِيضَةَ بَعْدٍ بَلْ بِمَعْنَى مَا يُسْتَقْبَلُ فَمَعْنَى أَنْتِ طَالِقٌ قَبْل مَوْتِي أَيْ عِنْد اسْتِقْبَالِهِ وَذَلِكَ قُبَيْلَهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَزْهَرِيّ قَالَ وَفِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَسَرَ الْقَافَ أَيْضًا طَلُقَتْ قُبَيْلَ الْمَوْتِ. اهـ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَفِي رَدِّهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْإِسْنَوِيّ لَمْ يَجْعَلْ قَبْلَ نَقِيضِهِ بَعْدَ بَلْ جَعَلَهَا نَقِيضَةَ الدُّبُرِ ثُمَّ قَالَ عَلَى أَنَّ الضَّبْطَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْأَزْهَرِيِّ. اهـ. فَمَا الَّذِي تَعْتَمِدُونَهُ وَهَلْ عَنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ جَوَابٌ شَافٍ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ الْآن مُتَرَدِّدَةٌ بَيْن أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى

стр. 1087

قَبْل بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ حَالًا أَوْ بِمَعْنَى قُبْل بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ أَوْ ضَمِّهَا فَيَقَعُ قُبَيْلَ الْمَوْتِ وَالْعِصْمَةُ ثَابِتَةٌ بِيَقِينٍ فَلَمْ يُوقِعْ النَّوَوِيُّ بِهَا حَالًا بَلْ قُبَيْلِ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ وَهَذَا فِقْهٌ ظَاهِرٌ وَلَا نَظَرَ إلَى كَوْنِهَا لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ لُغَةً إنْ سَلَّمْنَاهُ لِأَنَّ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّهُ أَخْطَأَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهَذَا الْخَطَأُ لَا يُصَيِّرُ الْكَلِمَةَ لَا مَعْنَى لَهَا أَصْلًا حَتَّى يَقَعَ الطَّلَاقُ حَالًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بَلْ يُصَيِّرُهَا مُتَرَدِّدَةً بَيْن قَبْل وَقُبْل السَّابِقَتَيْنِ فَحَيْثُ لَمْ يُرِدْ بِهَا مَدْلُولَ أَحَدِهِمَا حَكَمْنَا بِالْمُحَقَّقِ وَهُوَ الْوُقُوعُ قُبَيْلَ الْمَوْتِ وَأَلْغَيْنَا الْمَشْكُوكَ فِيهِ وَهُوَ الْوُقُوعُ حَالًا فَانْدَفَعَ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْإِسْنَوِيّ وَبَانَ أَنَّهُ لَا يُلَاقِي كَلَامَ النَّوَوِيِّ وَأَنَّ مَا ذَكَره أَجْنَبِيٌّ عَمَّا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَرَضِيَ عَنْهُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ قَالَ أَنْتِ تَالِقٌ بِالتَّاءِ فَهَلْ يَحْنَثُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ لُغَتُهُمْ إبْدَالُ الطَّاءِ تَاءً كَانَ صَرِيحًا لِأَنَّ هَذَا الْإِبْدَالَ لُغَةُ قَوْمٍ مِنْ الْعَرَبِ وَإِلَّا فَهُوَ كِنَايَةٌ. (وَسُئِلَ) بِمَا صُورَته حَلَفَ صَائِمٌ أَنَّ امْرَأَتَهُ طَالِقٌ إلَّا أَفْطَرَ عَلَى حَارٍّ أَوْ بَارِدٍ فَمَا حِيلَتُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى ابْنُ الصَّبَّاغِ بِأَنَّهُ حَانِثٌ إذْ لَا بُدَّ مِنْ الْفِطْرِ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ بِأَنَّهُ لَا حِنْثَ لِإِفْطَارِهِ بِالْغُرُوبِ لِحَدِيثِ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ وَالتَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْإِفْطَارِ تَعَاطِي الْمُفْطِرَ كَانَتْ حِيلَتُهُ الْمُخَلِّصَةُ لَهُ مِنْ الْحِنْثِ بِأَنْ يُدْخِلَ عُودًا فِي صِمَاخِهِ أَوْ نَحْوَهُ وَحِينَئِذٍ فَقَدْ صَدَقَ أَنَّهُ لَمْ يُفْطِرْ عَلَى حَارٍّ أَوْ بَارِدٍ وَإِنْ أَرَادَ الْإِفْطَارَ الشَّرْعِيَّ فَلَا حِنْثَ أَيْضًا وَإِنْ أَطْلَقَ فَهُوَ مَحِلُّ التَّرَدُّدِ وَالنَّظَرِ لِتَعَارُضِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَالْعُرْفِيِّ فِي ذَلِكَ وَكَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَنَحْوَهُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ فَالْأَوْجُهُ تَرْجِيحُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاق وَمَنْ وَافَقَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إلَّا خَرَجْت مِنْ الدَّارِ بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ أَذِنَ لَهَا بَعْد ذَلِكَ فِي الْخُرُوجِ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ كَيَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ مَثَلًا فَلَمْ تَخْرُجْ فِيهِ ثُمَّ أَنَّهَا خَرَجَتْ فِي غَيْرِهِ فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا لِخُرُوجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فِي هَذَا الزَّمَنِ أَوْ لَا يَقَعُ لِإِذْنِهِ لَهَا فِي الْخُرُوجِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ الْمُعَيَّنِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ لِأَنَّ خُرُوجَهَا فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ خُرُوجٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَيَشْمَلُهَا يَمِينُهُ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُقَيَّدَ بِوَصْفٍ يَنْتَفِي اعْتِبَارُهُ بِانْتِفَاءِ ذَلِكَ الْوَصْفِ الْمُقَيَّدِ بِهِ فَيَصْدُقُ لُغَةً وَعُرْفًا أَنَّهَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا مِرْيَةَ فِي وُقُوعِ الثَّلَاثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ كَيْفِيَّةِ صِيغَةِ حَلِّ طَلَاقِ الدَّوْرِ عِنْدَ مَنْ يُصَحِّحُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صِيغَتُهُ فِيمَا إذَا عَلَّقَ بِطَلَاقِ نَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ أَنْ يَقُولَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك فَإِذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا طَلُقَتْ عَلَى الصَّحِيحِ سَوَاءٌ أَقُلْنَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالتَّوْكِيلِ أَمْ لَا لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكٌ عَلَى الصَّحِيحِ فَهُوَ لَمْ يُطَلِّقْ أَمَّا لَوْ عَلَّقَ بِأَنْ وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَلَا حِيلَةَ لَهُ إلَّا بِسَبَبٍ يُوجِبُ الْفَسْخَ بِإِعْسَارِهِ وَنَحْوِهِ فَإِذَا فُسِخَ بِذَلِكَ تَخَلَّصَ مِنْ الدَّوْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى ثَوْبٍ فَبَانَ ثَوْبَ غَيْرِهِ مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا ظَنَّهُ ثَوْبَهُ فَحَلَفَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الظَّنِّ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ ثَوْبُ غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ بِذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا لَا يَحْنَثُ النَّاسِي. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ الْمُشَرَّفَتَيْنِ وَحَضْرَمَوْتَ وَالشَّجَرَ وَعُمَانَ مِنْ الْيَمَنِ وَحَلَفَ آخَرُ أَنَّهَا مِنْ غَيْرِهِ مَنْ الْحَانِثُ وَمِنْ أَيْنَ إلَى أَيْنَ حَدُّ الْيَمَنِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَمْ أَرَ فِي حَدِّ الْيَمَنِ شَيْئًا يَشْفِي وَحِينَئِذٍ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى عُرْفِ الْحَالِفِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا الْمُطَّرِد عِنْدَهُ فَإِنْ وَافَقَ عُرْفَ يَمِينِهِ فَذَاكَ ظَاهِرٌ وَإِنْ خَالَفَ يَمِينَهُ حَنِثَ وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَلَا حِنْثَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالظَّاهِرُ بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَبَادِي الرَّأْيِ أَنَّ عُمَانَ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْيَمَنِ فَيَحْنَثُ الْحَالِفُ أَنَّهَا أَوْ إحْدَاهَا مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مَا يُعَيِّدُ مَعَ زَوْجَتِهِ وَغَالِبُ الظَّنِّ أَنَّ مُرَادَهُ بِمَا إذَا أَوْ إلَّا لَكِنْ الْعَامَّةَ لَا يَعْرِفُونَ حَرْفَ الشَّرْطِ فَمَا الْحُكْمُ وَإِذَا سَأَلَهُ دَرْسِي كَيْف قُلْت فَقَالَ

стр. 1088

طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا فَقَالَ كَيْفَ قُلْت فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا مَا أُعَيِّدُ مَعَك فَقَالَ لَهُ قَدْ أَقْرَرْت أَنَّك لَمْ تَذْكُرْ مَا وَلَا الْعِيد فَقَالَ دُهِشْت مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَتَى عَيَّدَ مَعَ زَوْجَتِهِ حَنِثَ وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّ غَالِبَ الظَّنِّ أَنَّهُ أَرَادَ مَا ذَكَرَ وَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ فِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ بَاطِنًا بِلَا شَكٍّ وَكَذَا ظَاهِرًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبُلْقِينِيُّ فِي فَتْوَاهُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّ صَخْرَةً بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مُرْتَفِعَةٌ فِي الْهَوَاءِ بَيْن السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَحَلَفَ آخَرُ بِهِ أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْبِنَاءِ الَّذِي تَحْتَهَا مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ أَرَادَ الْأَوَّلُ بِارْتِفَاعِهَا فِي الْهَوَاءِ أَنَّهَا غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِالْبِنَاءِ الَّذِي بُنِيَ تَحْتَهَا حَنِثَ لِكَذِبِهِ فِي ذَلِكَ نَعَمْ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ فَحَلَفَ اعْتِمَادًا عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ لَمْ يَحْنَثْ وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الِاتِّصَالَ بِالْبِنَاءِ مَوْجُودٌ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى اتِّصَالِهَا بِالْبِنَاءِ وَحَلَفَ وَاحِدٌ أَنَّهَا مُعْتَمَدَةٌ عَلَيْهِ وَآخِر أَنَّهَا لَيْسَتْ مُعْتَمَدَةٌ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ أَمْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ يُحْتَمَلُ وُجُودُهُ وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ وَمِثْلُ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْنَثَ فِيهِ أَحَدُهُمَا لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ وَلَا هُمَا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا صَادِقٌ فَهُوَ كَمَسْأَلَةِ مَا لَوْ قَالَ إنْ كَانَ الطَّائِرُ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَقَالَ آخَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَلَا يَحْنَثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ظَاهِرًا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَانِثًا قَطْعًا لِعَدَمِ تَعْيِينِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ قِيلَ لَهُ يَا فُلَانُ أَطَلَّقْتَ زَوْجَتَك فَقَالَ طَلَّقْت طَلْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ قَالَ لَهُ آخَرُ أَنْتَ طَلَّقْت ثَلَاثًا فَقَالَ الزَّوْجُ صَدَقْت بِكَلَامِك مَعَك عَلَيَّ شُهُودٌ فَقَالَ اشْهَدُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ طَلَّقَ ثَلَاثًا هَلْ هَذَا يَكُونُ إقْرَارًا مِثْل نَعَمْ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَوْلَهُ صَدَقْت كَنَعَمْ فَيَكُونُ إقْرَارًا مِنْهُ بِأَنَّهُ طَلَّقَ ثَلَاثًا فَيُؤَاخَذ بِهِ وَقَوْلُهُ بِكَلَامِك إلَخْ أَمَّا أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ أَوْ لَهُ مَعْنًى بِأَنْ يُرِيدَ بِهِ رَفْعَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ صَدَقْت وَحِينَئِذٍ فَهُوَ تَعْقِيبُ الْإِقْرَارِ بِمَا يَرْفَعُهُ فَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ بَلْ يُؤَاخَذُ بِمَدْلُولِ قَوْلِهِ صَدَقْت كَمَا تَقَرَّرَ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَتْ بَذَلْت صَدَاقِي عَلَى صِحَّةِ طَلَاقِي فَأَجَابَهَا بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا آخِرَ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ عُمْرِي فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَيَبْرَأُ مِنْ الصَّدَاقِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَقَعُ الطَّلَاقُ آخِرَ جُزْءِ عُمْرِهِ فَلَا تَرِثُ مِنْهُ وَلَا يَبْرَأُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الصَّدَاقِ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ لِعَدَمِ اتِّصَالِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْبَذْلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ التَّعْلِيقُ بِالثَّلَاثِ كَانَ رَجْعِيًّا لِعَدَمِ مُطَابَقَةِ جَوَابِهِ لِبَذْلِهَا لِأَنَّهَا طَلَبَتْ بِصِيغَةٍ تَقْتَضِي الطَّلَاقِ حَالًا فَأَجَابَهَا بِجَوَابٍ يَقْتَضِي الْوُقُوعِ قُبَيْلَ مَوْتِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ يَغْفُلُونَ عَنْ ذَلِكَ فَيُلَقِّنُونَهُ ذَلِكَ بَعْد أَنْ يُلَقِّنُوهَا الْبَذْلَ عَلَى الطَّلَاقِ آخِرَ عُمْرِهِ وَهُوَ لَا يُفِيدُ مَقْصُودَ الْمَرِيض مِنْ حِرْمَانِ الزَّوْجَةِ مِنْ الْإِرْثِ وَعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِعِدَّةِ الْوَفَاةِ وَلَوْ لَقَّنُوهَا بَذَلْت صَدَاقِي عَلَى تَعْلِيقِ طَلَاقِي بِآخِرِ أَجْزَاءِ حَيَاتِك فَفَعَلَ كَانَ بَائِنًا وَأَفَادَ الْمَقْصُودَ لِوُجُودِ الْمُطَابَقَةِ وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي آخِرِ الْعُمْرِ كَمَا ذَكَرَ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الرُّويَانِيّ عَنْ وَالِدِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ أَنَّهَا تَطْلُقُ حَالًا وَفِي الرَّوْضَةِ فِي تَعْلِيقِ مَا يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ وَعَدَمِ الْبَرَاءَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ عَمَّنْ قَالَ عَلَيَّ السَّبِيلُ مَا أَفْعَلُ كَذَا فَهَلْ هُوَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ بَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ عَمِلَ بِهِ وَإِلَّا كَانَ لَغْوًا وَهُوَ مُحْتَمَلٌ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ الْحَلَالُ فَإِنَّهُ كِنَايَةُ وَكَذَا هَذَا إلَّا أَنْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ هَذَا اُعْتِيدَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّلَاقِ بِخِلَافِ عَلَيَّ السَّبِيلُ وَمِثْلُهُ بِالْأَوْلَى عَلَيَّ الْحَقُّ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا لَمْ تَتَزَوَّجِي بِفُلَانٍ فَهَلْ تَطْلُقُ حَالًا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي أَفْتَى بِهِ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ وَعُمَرَ الْفَتَى أَنَّهُ يَقَعُ حَالًا لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلُ الْبِرِّ وَمُسْتَحِيلُهُ يَقَعُ الطَّلَاق بِهِ حَالًا كَإِنْ لَمْ تَصْعَدِي السَّمَاء وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ الشَّرَفُ ابْنُ الْمُقْرِي وَجَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا يَقَعُ أَصْلًا وَأَطَالَ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى ذَلِكَ وَمَعَ ذَلِكَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ قَدَّرَ مَحْذُوفًا جَعَلَ بِهِ الْبِرَّ مُمْكِنًا فَقَالَ يُمْكِنُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثُمَّ تَنْقَضِي الْعِدَّةُ وَتَتَزَوَّجُ فَالتَّقْدِيرُ إنْ لَمْ تَتَزَوَّجِي بَعْدَ طَلَاقِي إيَّاكِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ هَذَا التَّقْدِيرِ وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ إنْ لَمْ تَتَزَوَّجِي بِفُلَانٍ شَرْطٌ

стр. 1089

إلْزَامِيٌّ أَيْ أَنْتِ حَلَالٌ لِكُلِّ أَحَدٍ إلَّا فُلَانًا فَلَا تَحِلِّينَ لَهُ مُرِيدًا إلْزَامَهَا أَنْ لَا تَتَزَوَّجْ بِهِ وَهَذَا شَرْطٌ مُسْتَحِيلٌ شَرْعًا فَإِنَّهَا إذَا طَلُقَتْ حَلَّتْ لِفُلَانٍ وَغَيْره فَأَشْبَهَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا لَا يَقَع عَلَيْكِ جَمِيعُ أَحْكَامِهِ بَلْ بَعْضُهَا وَهُوَ مِلْكٌ لِمَا سِوَى فُلَان. وَهَذَا شَرْطٌ إلْزَامِيٌّ وَالطَّلَاقُ وَإِنْ قَبْل التَّعْلِيقِ فَلَا يَقْبَلُ إلْحَاق الشَّرْطِ الْإِلْزَامِيِّ بِهِ كَأَنْتِ طَالِقٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَدْخُلِي الدَّارَ وَأَنْ لَا تَحْتَجِبِي مِنِّي فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ جَزْمًا وَإِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْأَوَّلَ فِي مَسْأَلَتنَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ إلْزَامِيّ فَيَقَعُ وَيَلْغُو إلْزَامَهُ لَهَا مَا لَا يَلْزَمُهُ شَرْعًا هَذَا لَوْ فُرِضَ إمْكَانُهُ فَمَا بَالك بِالْمُسْتَحِيلِ شَرْعًا وَمَحِلُّ الْخِلَافِ إنْ كَانَ التَّعْلِيقُ بِإِنْ لَمْ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ فَوْرٌ فَإِنْ كَانَ بِإِذَا لَمْ تَتَزَوَّجِي وَقَعَ الطَّلَاقُ حَالًا اتِّفَاقًا. وَلَا فَرْقَ فِي الْكُلِّ بَيْنَ أَنْ يَقُول بِفُلَانٍ أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَى إنْ لَمْ تَتَزَوَّجِي لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَعْنَى إلْزَامُهَا أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِهِ فَلَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْن ذِكْرَ الْغَيْرِ وَعَدَمِ ذِكْرِهِ. (وَسُئِلَ) مَا الْمُعْتَمَدُ فِي مَسْأَلَةِ الدَّوْرَ فِي الطَّلَاقِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ وُقُوعُ الْمُنَجَّزِ كَمَا رَجَّحَهُ الشَّيْخَانِ وَتَبِعَهُمَا فُحُولُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيِّ وَالْبُلْقِينِيِّ وَغَيْرِهِمْ بَلْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْإِمَامِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَنَّ الْإِمَامَ ابْنَ سُرَيْجٍ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ بِقَوْلِهِ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَكَانَ هَذَا هُوَ مُسْتَنَدُ قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّ الدَّوْرَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ لَكِنْ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ لِمَا فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَكْثَرُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَصْرِ الشَّافِعِيِّ وَمَا قَبْلَهُ وَجَرَى كَثِيرُونَ عَلَى إنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ حَاكِمٌ نُقِضَ حُكْمُهُ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْإِمَامُ وَلِيُّ اللَّهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ ائْتُونِي بِزَوْجَةِ الْمُلْقِي لِلدَّوْرِ حَيْثُ طَلَّقَهَا بَعْده وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا لِأَتَزَوَّجَهَا وَنَاهِيك بِهِ عِلْمًا وَوَرَعًا قَيْل وَلَمْ يَنُصَّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى الدَّوْرِ الْجُعْلِيّ بَلْ عَلَى الدَّوْرِ الشَّرْعِيّ الَّذِي لَا خِلَاف فِي اعْتِبَارِهِ وَمَنْ نَسَبَ إلَيْهِ الْأَوَّلَ فَقَدْ غَلِطَ وَجَهِلَ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِينَ لِأَنَّهُ زَلَّةٌ وَقَدْ نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ. اهـ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ عَلَيَّ الطَّلَاقُ الثَّلَاث لَوْ تَغْدِي إلَى بَيْتِ أَهْلِك مِنْ غَيْرِ رِضَائِي مَا كَانَ إلَّا فِرَاقُك فَغَدَتْ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ لِبَيْتِ أَهْلِهَا فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ مُطْلَقًا أَوْ عِنْدَ الْيَأْسِ وَهَلْ يُصَدَّقُ إلَّا قَصَدَ الِاسْتِثْنَاءَ وَهَلْ حَذْفُ إلَّا كَوُجُودِهَا وَيَحْصُلُ الْفِرَاقُ بِطَلْقَةٍ رَجْعِيَّةٍ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ اخْتَلَفَ فِي هَذِهِ جَمْعٌ يَمَنِيُّونَ فَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثَةً لِأَنَّهَا غَدَتْ إلَى بَيْتِ أَهْلِهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ وَهُوَ عَامِّيٌّ لَا يُفَرِّقُ بَيْن التَّعْلِيقِ وَالتَّنْجِيزِ وَلَا قَصَدَ شَيْئًا وَأَفْتَى آخَرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ كَانَ إلَّا فِرَاقُك تَعْلِيقٌ عَلَى عَدَمِ اسْتِمْرَارِ امْرَأَتِهِ إنْ غَدَتْ إلَى بَيْتِ أَهْلِهَا وَالظَّاهِرُ الْفَرْقُ بَيْن إلَّا وَعَدَمِهَا وَقَدْ أَشَارَ فِي فَتَاوَى الْأَصْبَحِيّ إلَى نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ إنْ رُحْت إلَى أَهْلِك فَهُوَ تَمَامُ طَلَاقِك وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَنَّ لَفْظَ التَّمَامِ لَا يَقْتَضِي الثَّلَاثَ عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي أَجَابَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ وَظَهَرَ لِي أَنَّ تَمَامَ كَقَوْلِهِ كَانَ إلَّا فِرَاقُك. اهـ. وَفِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ أَنْظَارٌ ظَاهِرَةٌ فَالْوَجْهُ إفْتَاءُ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ أَمَّا إفْتَاءُ الْأَوَّلِ بِالْوُقُوعِ بِمُجَرَّدِ الْغُدُوِّ لِبَيْتِ أَهْلِهَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ لَفْظَ الْمُعَلَّقِ اشْتَمَلَ عَلَى التَّعْلِيقِ بِشَيْئَيْنِ بِالْغُدُوِّ لِبَيْتِ أَهْلِهَا وَعَدَمِ فِرَاقِهَا فَانْحَلَّ كَلَامُ الزَّوْجِ حِينَئِذٍ إلَى أَنَّهُ قَالَ إنْ غَدَوْتِ لِبَيْتِ أَهْلِكِ وَلَمْ أُفَارِقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَمَتَى غَدَتْ إلَيْهِمْ وَفَارَقَهَا فَوْرًا أَوْ تَرَاخِيًا وَلَوْ بِطَلْقَةٍ رَجْعِيَّةٍ انْحَلَّتْ الثَّلَاثُ وَإِنْ لَمْ يُفَارِقْهَا حَتَّى مَاتَ أَحَدُهُمَا وَقَعَتْ الثَّلَاثُ قُبَيْلَ الْمَوْتِ وَأَمَّا إفْتَاءُ الثَّانِي بِأَنَّهُ مُعَلِّقٌ الطَّلَاقَ عَلَى عَدَمِ اسْتِمْرَارِهَا فَغَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِنَّهُ إنَّمَا عَلَّقَهُ عَلَى الذَّهَابِ وَعَلَى عَدَمِ فِرَاقِهِ لَهَا بَعْدَ الذَّهَابِ وَقَوْل الثَّانِي الظَّاهِرُ الْفَرْقُ بَيْنَ إلَّا وَعَدَمِهَا غَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ إلَّا كَانَ فِرَاقُك فِيهِ تَعْلِيقُ الثَّلَاثِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَمْرَيْنِ. وَقَوْله كَانَ فِرَاقُك فِيهِ تَعْلِيقُهُ عَلَى مُجَرَّدِ ذَهَابِهَا إذْ الْمَعْنَى يَلْزَمُنِي الثَّلَاثُ إنَّ غَدَوْت لِأَهْلِك حَصَلَ الْفِرَاقُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لَوْ أَبْرَأَتْنِي فُلَانَةُ وَأَبُوهَا مِنْ صَدَاقِهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ

стр. 1090

بِإِبْرَائِهِمَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَقَعُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ وَشَيْخُهُ الْفَتَى لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي التَّعْلِيقِ وُجُودُ الصِّفَةِ الصَّحِيحَةِ وَبَرَاءَةُ أَبِيهَا لَغْوٌ فَلَمْ تُوجَدْ مِنْهُ بَرَاءَةٌ صَحِيحَةٌ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا طَلِّقْنِي فَقَالَ هِيَ طَالِقٌ فَهَلْ تَطْلُقُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ تَطْلُقُ لِقَوْلِهِمْ لَوْ نَادَى إحْدَى زَوْجَتَيْهِ: بِيَا حَفْصَةُ فَأَجَابَتْهُ عَمْرَةُ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ الْمُجِيبَةُ ظَاهِرًا فَإِنْ قَالَ أَرَدْت الْمُنَادَاة طَلُقَتْ أَيْضًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَكَّلَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ الطَّلَاقَ وَنَوَى فَهَلْ يَقَعُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَصِحُّ النِّيَّةُ إلَّا مِنْ الْكَاتِبِ فَإِنْ وَكَّلَهُ فِي النِّيَّةِ أَيْضًا فَكَتَبَ الْوَكِيلُ وَنَوَى وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِالْكِتَابَةِ لَا تَنْفُذُ إلَّا إنْ كَانَ الْكَاتِبُ هُوَ النَّاوِي سَوَاءٌ الْكَاتِبُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَتْ لَهُ طَلِّقْنِي وَهِيَ حَامِلٌ فَقَالَ إذَا تَحَمَّلْت بِمَا فِي بَطْنِك إلَى أَنْ يَعْرِفَنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَهَلْ تَطْلُقُ حَالًا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ بَيَّنَ الْمُدَّةَ وَالنَّفَقَةَ فَأَجَابَتْهُ طَلُقَتْ بَعْد الْمُدَّةِ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ التَّعْلِيقَ لَا يَحْتَمِلُ الْجَهَالَةَ بِخِلَافِ مَا إذَا أَتَى بِصِيغَةِ تَنْجِيزٍ كَطَلَّقْتُك عَلَى أَنْ تَتَحَمَّلِي بِهِ خَمْسَ سِنِينَ وَوَصَفَ الْمُلْتَزِمَ بِصِفَةِ السَّلَمِ فَقُبِلَتْ طَلُقَتْ فَوْرًا وَإِنْ لَمْ يَصِفْهُ وَقَعَ بِمَهْرِ الْمِثْلُ وَالْفَرْق أَنَّهُ فِي التَّنْجِيزِ يَصِحُّ الْخُلْعُ عَلَى الْمَجْهُولِ بِخِلَافِهِ فِي التَّعْلِيقِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ عَمَّنْ قَالَ إلَّا لَمْ تَخْرُجِي مِنْ بَيْتِي بِشَيْءٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ خَرَجْت بِغَيْرِ شَيْءٍ وَقَالَ بَلْ بِشَيْءٍ فَلَا يَقَعُ فَمَنْ الْمُصَدَّقُ مِنْهُمَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ مَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي فِي إنْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا هُنَا أَيْضًا لَكِنَّهُ اسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي أَنْتِ طَالِقٌ لِلسَّنَةِ ثُمَّ ادَّعَى وَطْأَهَا فِي هَذَا الطُّهْرِ وَفِيمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِعَدَمِ الْوَطْءِ ثُمَّ اخْتَلَفَا وَفِيمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِعَدَمِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ثُمَّ ادَّعَى الْإِنْفَاقَ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ الْحِنْثِ وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذِهِ النَّظَائِرِ عَدَمَ الْحِنْثِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ وَزَعَمَ أَنَّ مَا فِي الرَّوْضَةِ ضَعِيفٌ وَلَيْسَ فِي مَحِلِّهِ وَلَا يَرُدُّ عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ لِأَنَّ نَحْوَ الْوَطْءِ وَالْإِنْفَاقِ مِنْ شَأْنِهِ الْخَفَاءُ وَمَشَقَّةُ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْإِذْنِ وَخُرُوجِهَا بِشَيْءٍ مِنْ حَوَائِجِهِ وَنَحْوِهَا فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ لَوْ أَكَلَ قِطٌّ حَمَامَ إنْسَانٍ فَحَلَفَ لَيَقْتُلَنَّهُ فَتَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِهِ فَلَمْ يَقْتُلْهُ حَتَّى مَاتَ الْقِطُّ فَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَحْنَثُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ فَأَعْسَرَ الْغَرِيمُ فَإِنَّهُ إذَا فَارَقَهُ حَنِثَ وَإِنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْمُلَازَمَةُ وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ لَمْ أَطَؤُك اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا أَوْ مُحَرَّمَةً فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِتَرْكِ وَطْئِهَا خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ فَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْ الْجَوَابَيْنِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ فِي قِيَاسِهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْغَرِيمِ انْعَقَدَتْ مُطْلَقَةً فَعَمَّتْ حَالَتَيْ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ فَلَيْسَ فِيهَا تَنْصِيصٌ بِالْحَلْفِ عَلَى مَعْصِيَةٍ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ وَإِنَّمَا نَظِيرُهَا لَوْ حَلَفَ لِيَقْتُلَنَّ زَيْدًا أَوْ لَيَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ فَإِنَّهُ لَا يَبَرُّ إلَّا بِقَتْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ وَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةً لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَفِعْلِ الْوَاجِبِ وَتَرْكِهِ مُنْعَقِدَةٌ وَيَجِبُ الْحِنْثُ فِيهَا وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْغَرِيمِ فَلَا تَنْصِيصَ فِيهَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ أُفَارِق نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ آحَادُ الْمَنْفِيِّ كَلَا رَجُلَ فِي الدَّارِ وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ ظَرْفٍ كَقَوْلِهِ ﷺ «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» فَإِنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ عَهْدٍ وَكَلَا أَشْرَبُ مَاءً مِنْ إدَاوَةٍ فَإِنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ إدَاوَةٍ وَعُمُومُ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْي إمَّا ظَاهِرٌ كَلَا رَجُلٌ فِي الدَّارِ بِرَفْعِ رَجُلٍ أَوْ نَصٌّ كَلَا رَجُلَ بِفَتْحِ رَجُلٍ أَوْ مُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ التَّنْصِيصِ كَلَا مِنْ رَجُلٍ. وَلَا أُفَارِقُ مِنْ الظَّاهِرِ فِي الْعُمُومِ فَيَعُمُّ حَالَتَيْ الْيَسَار وَالْإِعْسَار فَعُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَة الْهِرِّ الْحِنْثُ بِتَرْكِ الْقَتْلِ إلَّا أَنْ يُبَاحَ لَهُ قَتْلُهُ بِأَنْ يَصُولَ عَلَى نَحْوِ طَعَامِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ إلَّا بِقَتْلِهِ هَذَا مَا فِي الْجَوَابِ الْأَوَّلِ وَأَمَّا جَوَابُ الثَّانِي فَإِنَّهُ فَاسِدٌ حُكْمًا وَقِيَاسًا أَمَّا الْحُكْمُ فَلَمَّا تَقَرَّرَ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ زَيْدًا أَوْ لَيَشْرَبْنَ الْخَمْرَ وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَلِأَنَّ الْحَلْفَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَطْءِ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ وَهُوَ يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ فِيهِ عَلَى الْجَائِزِ شَرْعًا إذْ لَا عُمُومَ لِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ لَمْ أَطَأْ حَثٌّ عَلَى الْوَطْءِ وَالْأَيْمَانُ الْمُطَلَّقَة تَنْزِلُ عَلَى
следующие страницы →