← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِنِيَّتِهِ لَا بِعُرْفِ أَهْلِ بَلْدَة فَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ فَقَطْ كَانَ رَجْعِيًّا وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ لَمْ تَحِلَّ لَهُ بِمُحَلَّلٍ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرُ الطَّلَاقِ. (سُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ عَمَّنْ قَالَ إلَّا دَخَلْت الدَّارَ طَلَّقْتُك فَهَلْ هُوَ تَعْلِيقٌ أَوْ لَغْوٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّهُ وَعْدٌ فَيَكُونُ لَغْوًا نَعَمْ إنْ ذَكَرَ قَبْلَهُ قَدْ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً كَانَ تَعْلِيقًا لِانْسِلَاخِهِ عَنْ الْوَعْدِ حِينَئِذٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (سُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي رَجُلٍ قَالَ عَلَيَّ الطَّلَاقُ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَحَنِثَ وَلَهُ زَوْجَتَانِ فَهَلْ تَطْلُقَانِ أَوْ إحْدَاهُمَا مُبْهِمًا فَيُعَيِّنُ وَلَوْ مَنْ مَاتَتْ مِنْهُمَا بَعْدَ التَّعْلِيقِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَطْلُقُ إلَّا إحْدَاهُمَا كَمَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَوْ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا بَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالَةِ التَّعْلِيقِ فَلَهُ تَعْيِينُ الْمَيِّتَةِ وَفِي التَّوَسُّطِ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ مَا يُوَافِقُهُ لَكِنْ اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ تَعْيِينُ الْحَيَّة نَظَرًا لِحَالِ الْوُقُوعِ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعَيِّنْ زَوْجَةً وَقَعَ عَلَى الْمَوْجُودَةِ حَالَ وُجُودِ الصِّفَةِ لِتَعَذُّرِهِ فِي غَيْرِهَا وَقَضِيَّةُ الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا إذَا بَقِيَتَا جَازَ لَهُ تَعْيِينُ إحْدَاهُمَا لِلْيَمِينِ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ وَاسْتِدْلَالُهُ فِي التَّوَسُّطِ بِكَلَامِ الشَّامِلِ وَقَضِيَّة الثَّانِي خِلَافُهُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (سُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ فِي امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مِنْ دَارِ زَوْجِهَا فَقَالَ إلَّا لَمْ تَرْجِعْ فَهِيَ طَالِقٌ فَتَطْلُقُ بِمَاذَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ مَاتَتْ قَبْلَ الرُّجُوع طَلُقَتْ قَبْل مَوْتِهَا أَوْ الزَّوْجُ أَوْ هُمَا لَمْ تَطْلُقْ كَذَا فِي التَّوَسُّطِ وَقَوْلُهُ لَمْ تَطْلُقْ مُعْتَرَضٌ بِأَنَّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْبِرُّ لَا فَرْقَ بَيْن أَنْ يُفْعَلْ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ الْبَيْنُونَةِ بِخِلَافِ مَا بِهِ الْحِنْثُ فَعَلَيْهِ لَوْ مَاتَ ثُمَّ مَاتَتْ وَلَمْ تَرْجِعْ وَقَعَ الطَّلَاقُ قُبَيْلَ مَوْتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ شَهِدَ بِأَنَّهُ سَرَّحَ زَوْجَتَهُ فَهَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ وَلَا نَظَرَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ سَرَّحَ رَأْسَهَا ذَكَرَهُ أَبُو زُرْعَةَ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَبَرَكَتِهِ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أُنْثَيَاك طَالِقٌ فَهَلْ تَطْلُقُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ أَنَّ لَهَا أُنْثَيَيْنِ بِقَوْلِ أَهْلِ الطِّبِّ طَلُقَتْ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ عَدَمَ الْوُقُوعِ وَمَنْ أَطْلَقَ الْوُقُوعَ مُحْتَجًّا بِأَنَّ لَهَا أُنْثَيَيْنِ دَاخِل الْفَرْجِ إحْدَاهُمَا لِلشَّعْرِ وَالْأُخْرَى لِلْمَنِيِّ كَمَا فِي الرَّجُلِ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ طَلَب فِي لَيْلَةٍ غَشَيَانَ زَوْجَتِهِ وَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ وَقَالَتْ لَهُ حَلَفْتُ أَنَّك مَا تَأْتِنِي اللَّيْلَةَ فَقَالَ لَهَا كَفِّرِي عَنْ يَمِينِك وَمَكِّنِينِي وَعَلَيَّ كَفَّارَتُهَا وَإِلَّا أَحْلِفُ أَنَا يَمِينًا لَا تُكَفِّرُ فَلَمْ تُمَكِّنْهُ فَقَالَ لَهَا إلَّا لَمْ تُمَكِّنِينِي اللَّيْلَةَ مِنْ نَفْسِك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَاقِي مَا بَقِيَ وَلَمْ يُعَيِّنْ فِي كَلَامِهِ بَاقِي اللَّيْلَةِ أَوْ بَاقِي الشَّهْرِ أَوْ بَاقِي السَّنَةِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَمَضَتْ اللَّيْلَةُ عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاق الثَّلَاثُ أَمْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَخْرَجٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ بِقَوْلِ اللَّيْلَةَ وَقَوْله بَاقِي مَا بَقِيَ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِتُمَكِّنَنِي وَأَرَادَ بِهِ زَمَنًا مُعَيَّنًا أَكْثَرَ مِنْ بَقِيَّةِ اللَّيْلَةِ كَانَ مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِ اللَّيْلَةَ فَيَلْغُو وَكَذَا إنْ أَرَادَ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ طَالِقٌ لِأَنَّ فِيهِ تَوْقِيتًا لِلطَّلَاقِ وَهُوَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ عَمَّنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ قُبَلَ مَوْتِي بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ طَلُقَتْ قُبَيْلَ مَوْتِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْنَوِيّ فَقَالَ وَمَا ذُكِرَ مِنْ فَتْحِ بَاءِ قَبْلَ غَلَطٌ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ وَإِنَّمَا فِيهِ ضَمُّ الْبَاءِ وَإِسْكَانُهَا وَهُوَ الدُّبُرُ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَبِأَنَّ الرَّافِعِيَّ وَابْنِ الرِّفْعَة لَمْ يَتَعَرَّضَا إلَّا لِضَمِّ الْقَاف فَقَطْ. اهـ. وَرَدَّهُ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنْ قَبْلَ هُنَا لَيْسَتْ نَقِيضَةَ بَعْدٍ بَلْ بِمَعْنَى مَا يُسْتَقْبَلُ فَمَعْنَى أَنْتِ طَالِقٌ قَبْل مَوْتِي أَيْ عِنْد اسْتِقْبَالِهِ وَذَلِكَ قُبَيْلَهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَزْهَرِيّ قَالَ وَفِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَسَرَ الْقَافَ أَيْضًا طَلُقَتْ قُبَيْلَ الْمَوْتِ. اهـ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَفِي رَدِّهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْإِسْنَوِيّ لَمْ يَجْعَلْ قَبْلَ نَقِيضِهِ بَعْدَ بَلْ جَعَلَهَا نَقِيضَةَ الدُّبُرِ ثُمَّ قَالَ عَلَى أَنَّ الضَّبْطَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْأَزْهَرِيِّ. اهـ. فَمَا الَّذِي تَعْتَمِدُونَهُ وَهَلْ عَنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ جَوَابٌ شَافٍ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ الْآن مُتَرَدِّدَةٌ بَيْن أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى

стр. 1087

قَبْل بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ حَالًا أَوْ بِمَعْنَى قُبْل بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ أَوْ ضَمِّهَا فَيَقَعُ قُبَيْلَ الْمَوْتِ وَالْعِصْمَةُ ثَابِتَةٌ بِيَقِينٍ فَلَمْ يُوقِعْ النَّوَوِيُّ بِهَا حَالًا بَلْ قُبَيْلِ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ وَهَذَا فِقْهٌ ظَاهِرٌ وَلَا نَظَرَ إلَى كَوْنِهَا لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ لُغَةً إنْ سَلَّمْنَاهُ لِأَنَّ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّهُ أَخْطَأَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهَذَا الْخَطَأُ لَا يُصَيِّرُ الْكَلِمَةَ لَا مَعْنَى لَهَا أَصْلًا حَتَّى يَقَعَ الطَّلَاقُ حَالًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بَلْ يُصَيِّرُهَا مُتَرَدِّدَةً بَيْن قَبْل وَقُبْل السَّابِقَتَيْنِ فَحَيْثُ لَمْ يُرِدْ بِهَا مَدْلُولَ أَحَدِهِمَا حَكَمْنَا بِالْمُحَقَّقِ وَهُوَ الْوُقُوعُ قُبَيْلَ الْمَوْتِ وَأَلْغَيْنَا الْمَشْكُوكَ فِيهِ وَهُوَ الْوُقُوعُ حَالًا فَانْدَفَعَ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْإِسْنَوِيّ وَبَانَ أَنَّهُ لَا يُلَاقِي كَلَامَ النَّوَوِيِّ وَأَنَّ مَا ذَكَره أَجْنَبِيٌّ عَمَّا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَرَضِيَ عَنْهُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ قَالَ أَنْتِ تَالِقٌ بِالتَّاءِ فَهَلْ يَحْنَثُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ لُغَتُهُمْ إبْدَالُ الطَّاءِ تَاءً كَانَ صَرِيحًا لِأَنَّ هَذَا الْإِبْدَالَ لُغَةُ قَوْمٍ مِنْ الْعَرَبِ وَإِلَّا فَهُوَ كِنَايَةٌ. (وَسُئِلَ) بِمَا صُورَته حَلَفَ صَائِمٌ أَنَّ امْرَأَتَهُ طَالِقٌ إلَّا أَفْطَرَ عَلَى حَارٍّ أَوْ بَارِدٍ فَمَا حِيلَتُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى ابْنُ الصَّبَّاغِ بِأَنَّهُ حَانِثٌ إذْ لَا بُدَّ مِنْ الْفِطْرِ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ بِأَنَّهُ لَا حِنْثَ لِإِفْطَارِهِ بِالْغُرُوبِ لِحَدِيثِ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ وَالتَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْإِفْطَارِ تَعَاطِي الْمُفْطِرَ كَانَتْ حِيلَتُهُ الْمُخَلِّصَةُ لَهُ مِنْ الْحِنْثِ بِأَنْ يُدْخِلَ عُودًا فِي صِمَاخِهِ أَوْ نَحْوَهُ وَحِينَئِذٍ فَقَدْ صَدَقَ أَنَّهُ لَمْ يُفْطِرْ عَلَى حَارٍّ أَوْ بَارِدٍ وَإِنْ أَرَادَ الْإِفْطَارَ الشَّرْعِيَّ فَلَا حِنْثَ أَيْضًا وَإِنْ أَطْلَقَ فَهُوَ مَحِلُّ التَّرَدُّدِ وَالنَّظَرِ لِتَعَارُضِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَالْعُرْفِيِّ فِي ذَلِكَ وَكَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَنَحْوَهُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ فَالْأَوْجُهُ تَرْجِيحُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاق وَمَنْ وَافَقَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إلَّا خَرَجْت مِنْ الدَّارِ بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ أَذِنَ لَهَا بَعْد ذَلِكَ فِي الْخُرُوجِ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ كَيَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ مَثَلًا فَلَمْ تَخْرُجْ فِيهِ ثُمَّ أَنَّهَا خَرَجَتْ فِي غَيْرِهِ فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا لِخُرُوجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فِي هَذَا الزَّمَنِ أَوْ لَا يَقَعُ لِإِذْنِهِ لَهَا فِي الْخُرُوجِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ الْمُعَيَّنِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ لِأَنَّ خُرُوجَهَا فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ خُرُوجٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَيَشْمَلُهَا يَمِينُهُ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُقَيَّدَ بِوَصْفٍ يَنْتَفِي اعْتِبَارُهُ بِانْتِفَاءِ ذَلِكَ الْوَصْفِ الْمُقَيَّدِ بِهِ فَيَصْدُقُ لُغَةً وَعُرْفًا أَنَّهَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا مِرْيَةَ فِي وُقُوعِ الثَّلَاثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ كَيْفِيَّةِ صِيغَةِ حَلِّ طَلَاقِ الدَّوْرِ عِنْدَ مَنْ يُصَحِّحُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صِيغَتُهُ فِيمَا إذَا عَلَّقَ بِطَلَاقِ نَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ أَنْ يَقُولَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك فَإِذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا طَلُقَتْ عَلَى الصَّحِيحِ سَوَاءٌ أَقُلْنَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالتَّوْكِيلِ أَمْ لَا لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكٌ عَلَى الصَّحِيحِ فَهُوَ لَمْ يُطَلِّقْ أَمَّا لَوْ عَلَّقَ بِأَنْ وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَلَا حِيلَةَ لَهُ إلَّا بِسَبَبٍ يُوجِبُ الْفَسْخَ بِإِعْسَارِهِ وَنَحْوِهِ فَإِذَا فُسِخَ بِذَلِكَ تَخَلَّصَ مِنْ الدَّوْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى ثَوْبٍ فَبَانَ ثَوْبَ غَيْرِهِ مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا ظَنَّهُ ثَوْبَهُ فَحَلَفَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الظَّنِّ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ ثَوْبُ غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ بِذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا لَا يَحْنَثُ النَّاسِي. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ الْمُشَرَّفَتَيْنِ وَحَضْرَمَوْتَ وَالشَّجَرَ وَعُمَانَ مِنْ الْيَمَنِ وَحَلَفَ آخَرُ أَنَّهَا مِنْ غَيْرِهِ مَنْ الْحَانِثُ وَمِنْ أَيْنَ إلَى أَيْنَ حَدُّ الْيَمَنِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَمْ أَرَ فِي حَدِّ الْيَمَنِ شَيْئًا يَشْفِي وَحِينَئِذٍ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى عُرْفِ الْحَالِفِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا الْمُطَّرِد عِنْدَهُ فَإِنْ وَافَقَ عُرْفَ يَمِينِهِ فَذَاكَ ظَاهِرٌ وَإِنْ خَالَفَ يَمِينَهُ حَنِثَ وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَلَا حِنْثَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالظَّاهِرُ بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَبَادِي الرَّأْيِ أَنَّ عُمَانَ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْيَمَنِ فَيَحْنَثُ الْحَالِفُ أَنَّهَا أَوْ إحْدَاهَا مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مَا يُعَيِّدُ مَعَ زَوْجَتِهِ وَغَالِبُ الظَّنِّ أَنَّ مُرَادَهُ بِمَا إذَا أَوْ إلَّا لَكِنْ الْعَامَّةَ لَا يَعْرِفُونَ حَرْفَ الشَّرْطِ فَمَا الْحُكْمُ وَإِذَا سَأَلَهُ دَرْسِي كَيْف قُلْت فَقَالَ

стр. 1088

طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا فَقَالَ كَيْفَ قُلْت فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا مَا أُعَيِّدُ مَعَك فَقَالَ لَهُ قَدْ أَقْرَرْت أَنَّك لَمْ تَذْكُرْ مَا وَلَا الْعِيد فَقَالَ دُهِشْت مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَتَى عَيَّدَ مَعَ زَوْجَتِهِ حَنِثَ وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّ غَالِبَ الظَّنِّ أَنَّهُ أَرَادَ مَا ذَكَرَ وَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ فِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ بَاطِنًا بِلَا شَكٍّ وَكَذَا ظَاهِرًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبُلْقِينِيُّ فِي فَتْوَاهُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّ صَخْرَةً بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مُرْتَفِعَةٌ فِي الْهَوَاءِ بَيْن السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَحَلَفَ آخَرُ بِهِ أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْبِنَاءِ الَّذِي تَحْتَهَا مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ أَرَادَ الْأَوَّلُ بِارْتِفَاعِهَا فِي الْهَوَاءِ أَنَّهَا غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِالْبِنَاءِ الَّذِي بُنِيَ تَحْتَهَا حَنِثَ لِكَذِبِهِ فِي ذَلِكَ نَعَمْ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ فَحَلَفَ اعْتِمَادًا عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ لَمْ يَحْنَثْ وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الِاتِّصَالَ بِالْبِنَاءِ مَوْجُودٌ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى اتِّصَالِهَا بِالْبِنَاءِ وَحَلَفَ وَاحِدٌ أَنَّهَا مُعْتَمَدَةٌ عَلَيْهِ وَآخِر أَنَّهَا لَيْسَتْ مُعْتَمَدَةٌ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ أَمْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ يُحْتَمَلُ وُجُودُهُ وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ وَمِثْلُ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْنَثَ فِيهِ أَحَدُهُمَا لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ وَلَا هُمَا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا صَادِقٌ فَهُوَ كَمَسْأَلَةِ مَا لَوْ قَالَ إنْ كَانَ الطَّائِرُ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَقَالَ آخَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَلَا يَحْنَثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ظَاهِرًا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَانِثًا قَطْعًا لِعَدَمِ تَعْيِينِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ قِيلَ لَهُ يَا فُلَانُ أَطَلَّقْتَ زَوْجَتَك فَقَالَ طَلَّقْت طَلْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ قَالَ لَهُ آخَرُ أَنْتَ طَلَّقْت ثَلَاثًا فَقَالَ الزَّوْجُ صَدَقْت بِكَلَامِك مَعَك عَلَيَّ شُهُودٌ فَقَالَ اشْهَدُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ طَلَّقَ ثَلَاثًا هَلْ هَذَا يَكُونُ إقْرَارًا مِثْل نَعَمْ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَوْلَهُ صَدَقْت كَنَعَمْ فَيَكُونُ إقْرَارًا مِنْهُ بِأَنَّهُ طَلَّقَ ثَلَاثًا فَيُؤَاخَذ بِهِ وَقَوْلُهُ بِكَلَامِك إلَخْ أَمَّا أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ أَوْ لَهُ مَعْنًى بِأَنْ يُرِيدَ بِهِ رَفْعَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ صَدَقْت وَحِينَئِذٍ فَهُوَ تَعْقِيبُ الْإِقْرَارِ بِمَا يَرْفَعُهُ فَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ بَلْ يُؤَاخَذُ بِمَدْلُولِ قَوْلِهِ صَدَقْت كَمَا تَقَرَّرَ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَتْ بَذَلْت صَدَاقِي عَلَى صِحَّةِ طَلَاقِي فَأَجَابَهَا بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا آخِرَ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ عُمْرِي فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَيَبْرَأُ مِنْ الصَّدَاقِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَقَعُ الطَّلَاقُ آخِرَ جُزْءِ عُمْرِهِ فَلَا تَرِثُ مِنْهُ وَلَا يَبْرَأُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الصَّدَاقِ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ لِعَدَمِ اتِّصَالِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْبَذْلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ التَّعْلِيقُ بِالثَّلَاثِ كَانَ رَجْعِيًّا لِعَدَمِ مُطَابَقَةِ جَوَابِهِ لِبَذْلِهَا لِأَنَّهَا طَلَبَتْ بِصِيغَةٍ تَقْتَضِي الطَّلَاقِ حَالًا فَأَجَابَهَا بِجَوَابٍ يَقْتَضِي الْوُقُوعِ قُبَيْلَ مَوْتِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ يَغْفُلُونَ عَنْ ذَلِكَ فَيُلَقِّنُونَهُ ذَلِكَ بَعْد أَنْ يُلَقِّنُوهَا الْبَذْلَ عَلَى الطَّلَاقِ آخِرَ عُمْرِهِ وَهُوَ لَا يُفِيدُ مَقْصُودَ الْمَرِيض مِنْ حِرْمَانِ الزَّوْجَةِ مِنْ الْإِرْثِ وَعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِعِدَّةِ الْوَفَاةِ وَلَوْ لَقَّنُوهَا بَذَلْت صَدَاقِي عَلَى تَعْلِيقِ طَلَاقِي بِآخِرِ أَجْزَاءِ حَيَاتِك فَفَعَلَ كَانَ بَائِنًا وَأَفَادَ الْمَقْصُودَ لِوُجُودِ الْمُطَابَقَةِ وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي آخِرِ الْعُمْرِ كَمَا ذَكَرَ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الرُّويَانِيّ عَنْ وَالِدِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ أَنَّهَا تَطْلُقُ حَالًا وَفِي الرَّوْضَةِ فِي تَعْلِيقِ مَا يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ وَعَدَمِ الْبَرَاءَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ عَمَّنْ قَالَ عَلَيَّ السَّبِيلُ مَا أَفْعَلُ كَذَا فَهَلْ هُوَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ بَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ عَمِلَ بِهِ وَإِلَّا كَانَ لَغْوًا وَهُوَ مُحْتَمَلٌ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ الْحَلَالُ فَإِنَّهُ كِنَايَةُ وَكَذَا هَذَا إلَّا أَنْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ هَذَا اُعْتِيدَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّلَاقِ بِخِلَافِ عَلَيَّ السَّبِيلُ وَمِثْلُهُ بِالْأَوْلَى عَلَيَّ الْحَقُّ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا لَمْ تَتَزَوَّجِي بِفُلَانٍ فَهَلْ تَطْلُقُ حَالًا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي أَفْتَى بِهِ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ وَعُمَرَ الْفَتَى أَنَّهُ يَقَعُ حَالًا لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلُ الْبِرِّ وَمُسْتَحِيلُهُ يَقَعُ الطَّلَاق بِهِ حَالًا كَإِنْ لَمْ تَصْعَدِي السَّمَاء وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ الشَّرَفُ ابْنُ الْمُقْرِي وَجَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا يَقَعُ أَصْلًا وَأَطَالَ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى ذَلِكَ وَمَعَ ذَلِكَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ قَدَّرَ مَحْذُوفًا جَعَلَ بِهِ الْبِرَّ مُمْكِنًا فَقَالَ يُمْكِنُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثُمَّ تَنْقَضِي الْعِدَّةُ وَتَتَزَوَّجُ فَالتَّقْدِيرُ إنْ لَمْ تَتَزَوَّجِي بَعْدَ طَلَاقِي إيَّاكِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ هَذَا التَّقْدِيرِ وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ إنْ لَمْ تَتَزَوَّجِي بِفُلَانٍ شَرْطٌ

стр. 1089

إلْزَامِيٌّ أَيْ أَنْتِ حَلَالٌ لِكُلِّ أَحَدٍ إلَّا فُلَانًا فَلَا تَحِلِّينَ لَهُ مُرِيدًا إلْزَامَهَا أَنْ لَا تَتَزَوَّجْ بِهِ وَهَذَا شَرْطٌ مُسْتَحِيلٌ شَرْعًا فَإِنَّهَا إذَا طَلُقَتْ حَلَّتْ لِفُلَانٍ وَغَيْره فَأَشْبَهَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا لَا يَقَع عَلَيْكِ جَمِيعُ أَحْكَامِهِ بَلْ بَعْضُهَا وَهُوَ مِلْكٌ لِمَا سِوَى فُلَان. وَهَذَا شَرْطٌ إلْزَامِيٌّ وَالطَّلَاقُ وَإِنْ قَبْل التَّعْلِيقِ فَلَا يَقْبَلُ إلْحَاق الشَّرْطِ الْإِلْزَامِيِّ بِهِ كَأَنْتِ طَالِقٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَدْخُلِي الدَّارَ وَأَنْ لَا تَحْتَجِبِي مِنِّي فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ جَزْمًا وَإِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْأَوَّلَ فِي مَسْأَلَتنَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ إلْزَامِيّ فَيَقَعُ وَيَلْغُو إلْزَامَهُ لَهَا مَا لَا يَلْزَمُهُ شَرْعًا هَذَا لَوْ فُرِضَ إمْكَانُهُ فَمَا بَالك بِالْمُسْتَحِيلِ شَرْعًا وَمَحِلُّ الْخِلَافِ إنْ كَانَ التَّعْلِيقُ بِإِنْ لَمْ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ فَوْرٌ فَإِنْ كَانَ بِإِذَا لَمْ تَتَزَوَّجِي وَقَعَ الطَّلَاقُ حَالًا اتِّفَاقًا. وَلَا فَرْقَ فِي الْكُلِّ بَيْنَ أَنْ يَقُول بِفُلَانٍ أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَى إنْ لَمْ تَتَزَوَّجِي لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَعْنَى إلْزَامُهَا أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِهِ فَلَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْن ذِكْرَ الْغَيْرِ وَعَدَمِ ذِكْرِهِ. (وَسُئِلَ) مَا الْمُعْتَمَدُ فِي مَسْأَلَةِ الدَّوْرَ فِي الطَّلَاقِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ وُقُوعُ الْمُنَجَّزِ كَمَا رَجَّحَهُ الشَّيْخَانِ وَتَبِعَهُمَا فُحُولُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيِّ وَالْبُلْقِينِيِّ وَغَيْرِهِمْ بَلْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْإِمَامِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَنَّ الْإِمَامَ ابْنَ سُرَيْجٍ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ بِقَوْلِهِ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَكَانَ هَذَا هُوَ مُسْتَنَدُ قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّ الدَّوْرَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ لَكِنْ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ لِمَا فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَكْثَرُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَصْرِ الشَّافِعِيِّ وَمَا قَبْلَهُ وَجَرَى كَثِيرُونَ عَلَى إنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ حَاكِمٌ نُقِضَ حُكْمُهُ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْإِمَامُ وَلِيُّ اللَّهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ ائْتُونِي بِزَوْجَةِ الْمُلْقِي لِلدَّوْرِ حَيْثُ طَلَّقَهَا بَعْده وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا لِأَتَزَوَّجَهَا وَنَاهِيك بِهِ عِلْمًا وَوَرَعًا قَيْل وَلَمْ يَنُصَّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى الدَّوْرِ الْجُعْلِيّ بَلْ عَلَى الدَّوْرِ الشَّرْعِيّ الَّذِي لَا خِلَاف فِي اعْتِبَارِهِ وَمَنْ نَسَبَ إلَيْهِ الْأَوَّلَ فَقَدْ غَلِطَ وَجَهِلَ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِينَ لِأَنَّهُ زَلَّةٌ وَقَدْ نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ. اهـ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ عَلَيَّ الطَّلَاقُ الثَّلَاث لَوْ تَغْدِي إلَى بَيْتِ أَهْلِك مِنْ غَيْرِ رِضَائِي مَا كَانَ إلَّا فِرَاقُك فَغَدَتْ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ لِبَيْتِ أَهْلِهَا فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ مُطْلَقًا أَوْ عِنْدَ الْيَأْسِ وَهَلْ يُصَدَّقُ إلَّا قَصَدَ الِاسْتِثْنَاءَ وَهَلْ حَذْفُ إلَّا كَوُجُودِهَا وَيَحْصُلُ الْفِرَاقُ بِطَلْقَةٍ رَجْعِيَّةٍ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ اخْتَلَفَ فِي هَذِهِ جَمْعٌ يَمَنِيُّونَ فَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثَةً لِأَنَّهَا غَدَتْ إلَى بَيْتِ أَهْلِهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ وَهُوَ عَامِّيٌّ لَا يُفَرِّقُ بَيْن التَّعْلِيقِ وَالتَّنْجِيزِ وَلَا قَصَدَ شَيْئًا وَأَفْتَى آخَرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ كَانَ إلَّا فِرَاقُك تَعْلِيقٌ عَلَى عَدَمِ اسْتِمْرَارِ امْرَأَتِهِ إنْ غَدَتْ إلَى بَيْتِ أَهْلِهَا وَالظَّاهِرُ الْفَرْقُ بَيْن إلَّا وَعَدَمِهَا وَقَدْ أَشَارَ فِي فَتَاوَى الْأَصْبَحِيّ إلَى نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ إنْ رُحْت إلَى أَهْلِك فَهُوَ تَمَامُ طَلَاقِك وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَنَّ لَفْظَ التَّمَامِ لَا يَقْتَضِي الثَّلَاثَ عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي أَجَابَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ وَظَهَرَ لِي أَنَّ تَمَامَ كَقَوْلِهِ كَانَ إلَّا فِرَاقُك. اهـ. وَفِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ أَنْظَارٌ ظَاهِرَةٌ فَالْوَجْهُ إفْتَاءُ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ أَمَّا إفْتَاءُ الْأَوَّلِ بِالْوُقُوعِ بِمُجَرَّدِ الْغُدُوِّ لِبَيْتِ أَهْلِهَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ لَفْظَ الْمُعَلَّقِ اشْتَمَلَ عَلَى التَّعْلِيقِ بِشَيْئَيْنِ بِالْغُدُوِّ لِبَيْتِ أَهْلِهَا وَعَدَمِ فِرَاقِهَا فَانْحَلَّ كَلَامُ الزَّوْجِ حِينَئِذٍ إلَى أَنَّهُ قَالَ إنْ غَدَوْتِ لِبَيْتِ أَهْلِكِ وَلَمْ أُفَارِقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَمَتَى غَدَتْ إلَيْهِمْ وَفَارَقَهَا فَوْرًا أَوْ تَرَاخِيًا وَلَوْ بِطَلْقَةٍ رَجْعِيَّةٍ انْحَلَّتْ الثَّلَاثُ وَإِنْ لَمْ يُفَارِقْهَا حَتَّى مَاتَ أَحَدُهُمَا وَقَعَتْ الثَّلَاثُ قُبَيْلَ الْمَوْتِ وَأَمَّا إفْتَاءُ الثَّانِي بِأَنَّهُ مُعَلِّقٌ الطَّلَاقَ عَلَى عَدَمِ اسْتِمْرَارِهَا فَغَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِنَّهُ إنَّمَا عَلَّقَهُ عَلَى الذَّهَابِ وَعَلَى عَدَمِ فِرَاقِهِ لَهَا بَعْدَ الذَّهَابِ وَقَوْل الثَّانِي الظَّاهِرُ الْفَرْقُ بَيْنَ إلَّا وَعَدَمِهَا غَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ إلَّا كَانَ فِرَاقُك فِيهِ تَعْلِيقُ الثَّلَاثِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَمْرَيْنِ. وَقَوْله كَانَ فِرَاقُك فِيهِ تَعْلِيقُهُ عَلَى مُجَرَّدِ ذَهَابِهَا إذْ الْمَعْنَى يَلْزَمُنِي الثَّلَاثُ إنَّ غَدَوْت لِأَهْلِك حَصَلَ الْفِرَاقُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لَوْ أَبْرَأَتْنِي فُلَانَةُ وَأَبُوهَا مِنْ صَدَاقِهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ

стр. 1090

بِإِبْرَائِهِمَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَقَعُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ وَشَيْخُهُ الْفَتَى لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي التَّعْلِيقِ وُجُودُ الصِّفَةِ الصَّحِيحَةِ وَبَرَاءَةُ أَبِيهَا لَغْوٌ فَلَمْ تُوجَدْ مِنْهُ بَرَاءَةٌ صَحِيحَةٌ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا طَلِّقْنِي فَقَالَ هِيَ طَالِقٌ فَهَلْ تَطْلُقُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ تَطْلُقُ لِقَوْلِهِمْ لَوْ نَادَى إحْدَى زَوْجَتَيْهِ: بِيَا حَفْصَةُ فَأَجَابَتْهُ عَمْرَةُ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ الْمُجِيبَةُ ظَاهِرًا فَإِنْ قَالَ أَرَدْت الْمُنَادَاة طَلُقَتْ أَيْضًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَكَّلَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ الطَّلَاقَ وَنَوَى فَهَلْ يَقَعُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَصِحُّ النِّيَّةُ إلَّا مِنْ الْكَاتِبِ فَإِنْ وَكَّلَهُ فِي النِّيَّةِ أَيْضًا فَكَتَبَ الْوَكِيلُ وَنَوَى وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِالْكِتَابَةِ لَا تَنْفُذُ إلَّا إنْ كَانَ الْكَاتِبُ هُوَ النَّاوِي سَوَاءٌ الْكَاتِبُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَتْ لَهُ طَلِّقْنِي وَهِيَ حَامِلٌ فَقَالَ إذَا تَحَمَّلْت بِمَا فِي بَطْنِك إلَى أَنْ يَعْرِفَنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَهَلْ تَطْلُقُ حَالًا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ بَيَّنَ الْمُدَّةَ وَالنَّفَقَةَ فَأَجَابَتْهُ طَلُقَتْ بَعْد الْمُدَّةِ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ التَّعْلِيقَ لَا يَحْتَمِلُ الْجَهَالَةَ بِخِلَافِ مَا إذَا أَتَى بِصِيغَةِ تَنْجِيزٍ كَطَلَّقْتُك عَلَى أَنْ تَتَحَمَّلِي بِهِ خَمْسَ سِنِينَ وَوَصَفَ الْمُلْتَزِمَ بِصِفَةِ السَّلَمِ فَقُبِلَتْ طَلُقَتْ فَوْرًا وَإِنْ لَمْ يَصِفْهُ وَقَعَ بِمَهْرِ الْمِثْلُ وَالْفَرْق أَنَّهُ فِي التَّنْجِيزِ يَصِحُّ الْخُلْعُ عَلَى الْمَجْهُولِ بِخِلَافِهِ فِي التَّعْلِيقِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ عَمَّنْ قَالَ إلَّا لَمْ تَخْرُجِي مِنْ بَيْتِي بِشَيْءٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ خَرَجْت بِغَيْرِ شَيْءٍ وَقَالَ بَلْ بِشَيْءٍ فَلَا يَقَعُ فَمَنْ الْمُصَدَّقُ مِنْهُمَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ مَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي فِي إنْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا هُنَا أَيْضًا لَكِنَّهُ اسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي أَنْتِ طَالِقٌ لِلسَّنَةِ ثُمَّ ادَّعَى وَطْأَهَا فِي هَذَا الطُّهْرِ وَفِيمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِعَدَمِ الْوَطْءِ ثُمَّ اخْتَلَفَا وَفِيمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِعَدَمِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ثُمَّ ادَّعَى الْإِنْفَاقَ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ الْحِنْثِ وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذِهِ النَّظَائِرِ عَدَمَ الْحِنْثِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ وَزَعَمَ أَنَّ مَا فِي الرَّوْضَةِ ضَعِيفٌ وَلَيْسَ فِي مَحِلِّهِ وَلَا يَرُدُّ عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ لِأَنَّ نَحْوَ الْوَطْءِ وَالْإِنْفَاقِ مِنْ شَأْنِهِ الْخَفَاءُ وَمَشَقَّةُ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْإِذْنِ وَخُرُوجِهَا بِشَيْءٍ مِنْ حَوَائِجِهِ وَنَحْوِهَا فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ لَوْ أَكَلَ قِطٌّ حَمَامَ إنْسَانٍ فَحَلَفَ لَيَقْتُلَنَّهُ فَتَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِهِ فَلَمْ يَقْتُلْهُ حَتَّى مَاتَ الْقِطُّ فَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَحْنَثُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ فَأَعْسَرَ الْغَرِيمُ فَإِنَّهُ إذَا فَارَقَهُ حَنِثَ وَإِنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْمُلَازَمَةُ وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ لَمْ أَطَؤُك اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا أَوْ مُحَرَّمَةً فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِتَرْكِ وَطْئِهَا خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ فَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْ الْجَوَابَيْنِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ فِي قِيَاسِهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْغَرِيمِ انْعَقَدَتْ مُطْلَقَةً فَعَمَّتْ حَالَتَيْ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ فَلَيْسَ فِيهَا تَنْصِيصٌ بِالْحَلْفِ عَلَى مَعْصِيَةٍ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ وَإِنَّمَا نَظِيرُهَا لَوْ حَلَفَ لِيَقْتُلَنَّ زَيْدًا أَوْ لَيَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ فَإِنَّهُ لَا يَبَرُّ إلَّا بِقَتْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ وَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةً لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَفِعْلِ الْوَاجِبِ وَتَرْكِهِ مُنْعَقِدَةٌ وَيَجِبُ الْحِنْثُ فِيهَا وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْغَرِيمِ فَلَا تَنْصِيصَ فِيهَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ أُفَارِق نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ آحَادُ الْمَنْفِيِّ كَلَا رَجُلَ فِي الدَّارِ وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ ظَرْفٍ كَقَوْلِهِ ﷺ «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» فَإِنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ عَهْدٍ وَكَلَا أَشْرَبُ مَاءً مِنْ إدَاوَةٍ فَإِنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ إدَاوَةٍ وَعُمُومُ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْي إمَّا ظَاهِرٌ كَلَا رَجُلٌ فِي الدَّارِ بِرَفْعِ رَجُلٍ أَوْ نَصٌّ كَلَا رَجُلَ بِفَتْحِ رَجُلٍ أَوْ مُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ التَّنْصِيصِ كَلَا مِنْ رَجُلٍ. وَلَا أُفَارِقُ مِنْ الظَّاهِرِ فِي الْعُمُومِ فَيَعُمُّ حَالَتَيْ الْيَسَار وَالْإِعْسَار فَعُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَة الْهِرِّ الْحِنْثُ بِتَرْكِ الْقَتْلِ إلَّا أَنْ يُبَاحَ لَهُ قَتْلُهُ بِأَنْ يَصُولَ عَلَى نَحْوِ طَعَامِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ إلَّا بِقَتْلِهِ هَذَا مَا فِي الْجَوَابِ الْأَوَّلِ وَأَمَّا جَوَابُ الثَّانِي فَإِنَّهُ فَاسِدٌ حُكْمًا وَقِيَاسًا أَمَّا الْحُكْمُ فَلَمَّا تَقَرَّرَ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ زَيْدًا أَوْ لَيَشْرَبْنَ الْخَمْرَ وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَلِأَنَّ الْحَلْفَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَطْءِ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ وَهُوَ يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ فِيهِ عَلَى الْجَائِزِ شَرْعًا إذْ لَا عُمُومَ لِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ لَمْ أَطَأْ حَثٌّ عَلَى الْوَطْءِ وَالْأَيْمَانُ الْمُطَلَّقَة تَنْزِلُ عَلَى

стр. 1091

الْمُبَاحَاتِ فَنُزِلَ عَلَى مَا يَجُوزُ فِعْلُهُ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْم لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَحُصُولُ الْفَيْئَةِ بِوَطْءِ الزَّوْجَةِ فِي الْحَيْضِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْحِنْثِ إذْ لَوْ وَطِئَ فِي الْمُدَّةِ نَاسِيًا لِلْيَمِينِ أَوْ مُكْرَهًا لَمْ يَحْنَثْ وَحَصَلَتْ الْفَيْئَةُ عَلَى الْأَصَحّ وَكَذَا لَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لَا يَنْحَلُّ يَمِينُهُ قَطْعًا وَتَحْصُلُ الْفَيْئَةُ عَلَى الْأَصَحِّ فَإِنْ قُلْتَ لِمَ لَا نُنَزِّلُ قَتْلَ الْهِرِّ عَلَى حَالَةِ الْإِفْسَادِ الَّتِي يَحِلُّ قَتْلُهُ فِيهَا قُلْت تِلْكَ حَالَةٌ نَادِرَةٌ فَلَا تَعْلَقُ بِهَا الْيَمِينُ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا الْحَلْفَ عَلَى قَتْلِ زَيْدٍ أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي يَحِلُّ قَتْلُهُ وَشُرْبُهَا فِيهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَالِفَ مَتَى تَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِ الْهِرِّ وَلَمْ يَقْتُلْهُ حَنِثَ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تِلْكَ الصُّورَةَ الْمَخْصُوصَةَ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يُصَلِّي خَلْف زَيْدٍ فَوَلِيَ إمَامَةَ الْجُمُعَةِ فَهَلْ تَسْقُطُ عَنْ الْحَالِفِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ تَسْقُطُ عَنْهُ لِأَنَّ مَشَقَّةَ فِرَاقِ الزَّوْجَةِ تَزِيدُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَعْذَارِ الْجُمُعَةِ وَأَيْضًا فَمِلْكُ الزَّوْجَةِ يُشْبِهُ فَوَاتُهُ فَوَاتَ الْمَالِيَّةِ وَفِي الْجَوَاهِرِ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وَيَشْهَدُ لَهُ بِالْأَوْلَى وَهُوَ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَوْ نَشَزَتْ وَرَجَا رَدَّهَا إلَى الطَّاعَةِ فَاشْتُغِلَ بِرَدِّهَا عُذِرَ فِي الْجُمُعَةِ كَمَا لَوْ اُشْتُغِلَ بِصَلَاحِ مَالِهِ الَّذِي يَخْشَى فَسَادَهُ لَوْ صَلَّى الْجُمُعَةَ لَا يُقَالُ لِمَ لَا يَكُونُ الْإِيجَابُ الشَّرْعِيُّ عُذْرًا فِي عَدَمِ الْحِنْثِ كَالْإِكْرَاهِ الْحِسِّيّ فَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ خَلْفَهُ وَلَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ حَلَفَ بِاخْتِيَارِهِ عَلَى مَا يَعُمّ الْمَعْصِيَةَ وَغَيْرَهَا كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ فَأَعْسَرَ فَفَارَقَهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ وَإِنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ مُلَازَمَتُهُ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ وَهُوَ فِي يَدِ الْكُفَّار عَلَى أَنَّهُ لَا يُهَاجِرُ لَزِمَتْهُ الْهِجْرَةُ وَيَحْنَثُ لِأَنَّ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ وَبِأَنَّ مَنْ بِيَدِهِ وَدِيعَةٌ يَلْزَمُهُ إخْفَاؤُهَا فَإِذَا حَلَفَ كَاذِبًا حَنِثَ لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ وَالْأَوْلَى لِهَذَا الْحَالِفِ أَنْ يَرْفَعَ الْقَضِيَّةَ إلَى حَاكِمٍ فَيُلْزِمُهُ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَلَا يَحْنَثُ لِإِكْرَاهِ الْقَاضِي وَإِلْزَامِهِ لَهُ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ طَلَّقْتَ زَوْجَتَك فَقَالَ تِسْعِينَ طَلْقَةً وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَمَا يَلْزَمُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ أَرَادَ الْمُلْتَمِسُ بِذَلِكَ الِاسْتِخْبَارَ كَانَ إقْرَارًا فَيُؤَاخَذُ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا فَلَهُ مُعَاشَرَتُهَا بَاطِنًا بَعْد الرَّجْعَةِ وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ الْتِمَاسَ الْإِنْشَاءِ مِنْ الْمُطَلَّقِ وَقَعَ عَلَيْهِ الثَّلَاثُ مُطْلَقًا لِأَنَّ طَلَّقْتُ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ لِذِكْرِهِ فِي السُّؤَالِ وَمَا فِيهِ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ فَكَأَنَّهُ قَالَ طَلَّقْتهَا تِسْعِينَ طَلْقَةً قَاصِدًا بِذَلِكَ الْإِيقَاعِ فَتَلْحَقُهَا الثَّلَاثُ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الطَّلَاقَ رَجْعِيُّ وَأَنَّ الْعِدَّةَ بَاقِيَةٌ وَمَا ذَكَرْته فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ مَأْخُوذَةٌ مِمَّا قَالُوهُ فِيمَنْ قِيلَ لَهُ الْتِمَاسًا لِلْإِنْشَاءِ أَطْلَقْتَ زَوْجَتَك فَقَالَ نَعَمْ مَثَلًا بِجَامِعِ أَنَّ نَحْوَ نَعَمْ لَيْسَتْ مِنْ صَرَائِحِ الطَّلَاقِ لَكِنَّهَا لَمَّا وَقَعَتْ بَعْدَ السُّؤَالِ الْمُعَادِ فِي الْجَوَابِ نَزَّلُوهَا مَنْزِلَةَ طَلَّقْتُهَا وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي نَحْوِ نَعَمْ الَّذِي لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى طَلَّقْتُهَا إلَّا مُجَرَّدُ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ فَأَوْلَى فِي تِسْعِينَ الْمُسْتَدْعَى تَقْدِيرُ عَامِلٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُؤَالٌ وَلَا إنْشَاءٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَم. (وَسُئِلَ) عَنْ امْرَأَةٍ ادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ رَجَعَتْ هَلْ يُقْبَلُ رُجُوعُهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يُقْبَلُ رُجُوعُهَا كَمَا فِي التَّدْرِيبِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تُنْسَبُ لِزَوْجِهَا مِنْ غَيْر تَحْقِيقٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ جَمَاعَةٍ جَاءُوا إلَى جَمَاعَةٍ آخَرِينَ فَحَلَفَ أَحَدُ الْجَمَاعَةِ الْوَارِدِينَ بِالطَّلَاقِ مَا نَحْنُ لَكُمْ بِضِيفَانٍ أَوْ مَا نَذُوقُ لَكُمْ طَعَامًا أَوْ مَا نَذُوق عِنْدَكُمْ زَادًا وَقَصَدَ الْيَمِينَ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ فَحَلَفَ أَحَدُ الْجَمَاعَةِ الْمَقْدُومِ عَلَيْهِمْ مَا تَرُوحُونَ إلَّا بَعْدَ زَادٍ فَهَلْ يَبْرَأُ الْحَالِفُ الْأَوَّلُ بِرُجُوعِ أَحَدٍ مِنْهُمْ إلَى مَحِلِّهِ وَبِالْمَحِلِّ بَاقِيهِمْ الزَّاد وَيَتَمَلَّكُونَ الزَّادَ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فَذَاكَ وَإِنْ قُلْتُمْ بِخِلَافِهِ فَمَا تَكُونَ الْحِيلَةُ فِي الْخَلَاصِ مِنْ الْحِنْثِ لَهُمَا أَوْضِحُوا لَنَا الْجَوَابَ عَنْ كُلِّ لَفْظٍ بِمَا يَقْتَضِيه؟ (فَأَجَابَ) ﵀ بِمَا صُورَتُهُ إذَا حَلَفَ مَا نَحْنُ لَكُمْ بِضِيفَانٍ وَقَصَدَ نَفْسَهُ وَجَمَاعَتَهُ وَحَلَفَ أَحَدُ الْمَقْدُومِ عَلَيْهِمْ مَا تَرُوحُونَ إلَّا بَعْدَ زَادٍ فَأَطْعَمَهُمْ أَحَدُ الْمَقْدُومِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ رَوَاحِهِمْ زَادًا لَمْ يَحْنَثْ وَاحِدٌ مِنْ الْحَالِفَيْنِ حَيْثُ لَا نِيَّةَ لَهُمَا بِأَنْ أَطْلَقَا هَذَيْنِ الْيَمِينَيْنِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ السَّائِلُ لِأَنَّ لَفْظَ الْأَوَّلِ فِيهِ مَا نَحْنُ لَكُمْ بِضِيفَانٍ. وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ لَمْ يُضَيِّفْهُمْ الْجَمِيعُ فَإِنْ أَرَادَ الْحَالِفُ الْأَوَّلُ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَا يَصِيرُ ضَيْفًا

стр. 1092

لِأَحَدٍ مِنْ الْقُدُومِ عَلَيْهِمْ فَلَا خَلَاصَ لَهُ وَإِنْ أَرَادَ الثَّانِي أَحَدًا مِنْهُمْ لَا يَرُوحُ إلَّا بَعْدَ أَكْلِهِ زَادًا مِنْ عِنْدِ أَحَدِ الْمَقْدُومِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَبْرَأْ إلَّا إنْ أَكَلُوا كُلُّهُمْ زَادًا مِنْ عِنْدِ أَحَدِ الْمَقْدُومِ عَلَيْهِمْ وَيُقَاسُ بِمَا ذَكَرْته بَقِيَّةُ النِّيَّاتِ، أَوْ يَسْأَلُ السَّائِلُ مِنْ الْحَالِفَيْنِ عَنْ مُرَادِهِمَا بِالْحَلِفِ هُنَا وَفِيمَا مَرَّ، وَقَدْ سُئِلَ بِصُورَةِ ذَلِكَ لِيُكْتَبَ لَهُ الْجَوَابُ عَلَى ثَبْتٍ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا نِيَّةٌ فَالْحُكْمُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَإِنْ حَلَفَ الْأَوَّلُ مَا نَذُوقُ لَكُمْ زَادًا فَمَتَى ذَاقَ أَحَدُ الْقَادِمِينَ زَادًا لِلْمَقْدُومِ عَلَيْهِمْ، أَوْ لِبَعْضِهِمْ إنْ أَرَادَهُ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَذُقْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ شَيْئًا لِلْمَقْدُومِ عَلَيْهِمْ فَلَا حِنْثَ، وَأَمَّا الْحَالِفُ الثَّانِي فَإِنْ أَرَادَ مُطْلَقَ الزَّادِ فَذَاقُوا زَادَ الْغَيْرِ الْمَقْدُومِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِأَكْلِهِمْ لَهُ قَبْلَ رَوَاحِهِمْ وَإِنْ حَلَفَ الْأَوَّلُ مَا نَذُوقُ عِنْدَكُمْ زَادًا فَمَتَى ذَاقُوا عِنْدَهُمْ أَيْ فِي الْمَحَلِّ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِمْ عُرْفًا مَعَ حُضُورِهِمْ فِيهِ زَادًا لِلْمَقْدُومِ عَلَيْهِمْ، أَوْ غَيْرِهِمْ حَنِثَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَحْنَثْ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرُوحُوا إلَّا بَعْدَ زَادٍ وَإِنْ رَاحُوا بِلَا أَكْلِ زَادٍ حَنِثَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ وَفِي صُورَةِ مَا نَذُوقُ لَكُمْ زَادًا وَلَا نِيَّةَ لِلْحَالِفِ فَيَبْرَأُ بِتَمَلُّكِهِمْ لِلزَّادِ قَبْلَ ذَوْقِهِ ثُمَّ عَلَى السَّائِلِ - وَفَّقَهُ اللَّهُ - أَنْ يَبْحَثَ عَنْ اللَّفْظِ الْوَاقِعِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَعَنْ كَوْنِ الْحَالِفَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا أَرَادَا شَيْئًا، أَوْ أَطْلَقَا وَيَتَأَمَّلَ مَا ذَكَرْتُهُ فِي هَذَا الْجَوَابِ فَإِنْ فَهِمَ حُكْمَهُ مِنْ ذَلِكَ فَهْمًا يَقِينِيًّا عَمِلَ بِهِ وَإِلَّا أَرْسَلَ لِمَا يَذْكُرُ أَنَّ لَهُ مُفَصَّلًا لِنَذْكُرَ لَهُ حُكْمَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ أَقَرَّ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ إنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى تَمَامِ الْبَرَاءَةِ مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَنْ أَقَرَّ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ عَلَّقَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ هَذِهِ الدَّعْوَى وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ نِكَاحِهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ تَزْوِيجًا صَحِيحًا وَيُغَيِّبَ حَشَفَتَهُ فِي قُبُلِهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا ثُمَّ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَشَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا أَشْهَدُ أَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ سِتَّ عَشْرَةَ طَلْقَةً وَقَالَ الْآخَرُ أَشْهَدُ أَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْفَ طَلْقَةٍ فَأَجَابَ بَعْضُ فُقَهَاءِ زُبَيْدٍ بِجَوَابٍ مَبْسُوطٍ حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ إلَّا طَلْقَةٌ فَمَا التَّحْقِيقُ الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ زُبَيْدٍ مِنْ وُقُوعِ طَلْقَةٍ فَقَطْ غَيْرُ مُعْتَمِدٍ وَلَا مُعَوِّلٍ عَلَيْهِ بَلْ لَا وَجْهَ لَهُ وَلَا قِيَاسَ يُعَضِّدُهُ وَلَيْتَهُ قَالَ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ فَإِنَّ لَهُ وَجْهًا مَا أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ فِيمَا لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّهُ غَصَبَهُ بُكْرَةً وَآخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ عَشِيَّةً حَلَفَ الْمُدَّعِي مَعَ أَحَدِهِمَا وَأَخَذَ الْغُرْمَ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَلَا تَعَارُضَ. اهـ. فَهَذَا قَدْ يَتَوَهَّمُ مِنْهُ مَنْ لَا تَحْصِيلَ عِنْدَهُ عَدَمَ وُقُوعِ شَيْءٍ فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَلَا تَعَارُضَ وَلَا يُمْكِنُ الْمُدَّعِيَ هُنَا حَلْفُهُ مَعَ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ يَظْهَرُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّ لَهُ وَجْهًا، تَمْوِيهٌ بَاطِلٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرَ مَسْأَلَتِنَا بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ فِيهَا لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ إلَّا فِي الزَّائِدِ عَلَى سِتَّ عَشْرَةَ؛ لِأَنَّ مَنْ شَهِدَ بِالْأَلْفِ لَمْ يُعَارِضْ مَنْ شَهِدَ بِسِتَّ عَشْرَةَ، إلَّا فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا وَأَمَّا السِّتَّ عَشْرَةَ فَهُمَا مُتَّفِقَانِ عَلَيْهَا لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِعَشَرَةٍ مَثَلًا كَانَ مُقِرًّا بِخَمْسَةٍ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ كَانَ مُقِرًّا بِسِتَّ عَشْرَةَ فَيَقَعُ مِنْهَا ثَلَاثٌ وَيُعَزَّرُ عَلَى إيقَاعِهِ الزَّائِدَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ نَقْلًا عَنْ الرُّويَانِيِّ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ فَإِنَّهُ أَعْنِي الزَّرْكَشِيّ قَالَ: وَاللَّامُ فِي الطَّلَاقِ لِلْعَهْدِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الثُّلُثُ فَلَوْ طَلَّقَ أَرْبَعًا قَالَ الرُّويَانِيُّ عُزِّرَ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ يَأْثَمُ. اهـ. وَشَاهِدُ مَا ذَكَرْته مِنْ وُقُوعِ الثَّلَاثِ قَوْلِهِمْ لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ دِينَارًا وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ دِينَارٍ ثَبَتَ نِصْفُ الدِّينَارِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ وَلِلْمُدَّعِي الْحَلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ بِالنِّصْفِ لَا يُعَارِضُ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ فَكَمَا ثَبَتَ النِّصْفُ الْأَوَّلُ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ كَذَلِكَ يَقَعُ هُنَا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فَاعْتَمِدْهُ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا خَالَفَهُ وَبِمَا قَرَّرْته يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ بَيْنَ مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ شَهَادَةِ

стр. 1093

وَاحِدٍ بِسِتَّةَ عَشَرَ وَآخَرَ بِأَلْفٍ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَشَهَادَةِ اثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى الثَّلَاثِ بِكُلِّ تَقْدِيرٍ وَهَذَا لَا إشْكَالَ فِيهِ. وَإِنَّمَا الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّظَرِ لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ طَلَّقَ وَاحِدَةً وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّهُ طَلَّقَ ثَلَاثًا فَقَدْ تَعَارَضَا فِي الزَّائِدِ عَلَى الْوَاحِدَةِ فَهَلْ يَقَعُ هَذَا الزَّائِدُ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ وُقُوعُهُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمُتْلَفِ بِأَنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ وَزْنَ مَا أَتْلَفَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دِينَارٌ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّ وَزْنَهُ نِصْفُ دِينَارٍ لَزِمَ الدِّينَارُ أَخْذًا بِشَهَادَةِ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ بِخِلَافِ شَهَادَةِ التَّقْوِيمِ فَإِنْ قَوَّمَتْهُ بَيِّنَةٌ بِدِينَارٍ وَأُخْرَى بِنِصْفٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ النِّصْفُ لِاتِّفَاقِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَيْهِ وَتَعَارُضِهِمَا فِي الْبَاقِي وَفَرَّقُوا بَيْنَ هَذِهِ وَمَا قَبْلَهَا بِأَنَّ مَدْرَكَ شَهَادَةِ التَّقْوِيمِ الِاجْتِهَادُ وَقَدْ تَطَّلِعُ بَيِّنَةُ الْأَقَلِّ عَلَى عَيْبٍ فَمَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّ زِيَادَةَ الْعِلْمِ عِنْدَ التَّعَارُضِ فِي الْوَزْنِ مَعَ الشَّهَادَةِ بِالْأَكْثَرِ وَعِنْدَ التَّعَارُضِ فِي الْقِيمَةِ مَعَ الشَّهَادَةِ بِالْأَقَلِّ وَكَالتَّعَارُضِ فِي الْوَزْنِ التَّعَارُضُ فِي الذَّرْعِ، أَوْ الْعَدِّ، أَوْ الْكَيْلِ فَيُؤْخَذُ بِشَهَادَةِ الْأَكْثَرِ وَأَمَّا قَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ قِيَاسُ كَلَامِهِمْ الَّذِي تَقَرَّرَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَزْنِ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِعَدَدِ الْمَعْدُودِ، أَوْ بِأَذْرُعِ الْمَذْرُوعِ فَعَارَضَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ بِأَنَّهُ أَنْقَصُ مِنْ ذَلِكَ كَنِصْفِهِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ أَعْنِي قَوْلَهُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَوَجْهُ رَدِّهِ أَنَّ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ قِيَاسُ كَلَامِهِمْ صَحِيحٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِنْ تَأَمُّلِ مَا قَالُوهُ فِي مَسْأَلَةِ الْوَزْنِ مِمَّا ذَكَرْته فِيهَا عُلِمَ جَرَيَانُ مِثْلِهِ فِي الْعَدِّ وَالذَّرْعِ وَالْكَيْلِ إذْ لَا فَارِقَ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ جَلِىٌّ وَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ بَيْنَهُمَا فَارِقٌ لَمْ يَتَأَتَّ قَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ إذْ لَا شَيْءَ فِيهِ لَا خَفِيٌّ وَلَا ظَاهِرٌ بَلْ هُوَ الْجَارِي عَلَى سُنَنٍ إلَّا سُنَنَ الِاسْتِقَامَةِ فَانْدَفَعَ قَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لِآخَرَ بَادَلْت أَوْ بَادَلْتُك بِزَوْجَتِي إلَى زَوْجَتِك أَوْ بِضَيْعَتِي إلَى ضَيْعَتِك أَوْ بَقَرَتِك أَوْ زَاقَرْت أَوْ زَاقَرْتك إلَى ذَلِكَ فَقَالَ بَادَلْت أَوْ بَادَلْتُك أَوْ زَاقَرْتك أَوْ زَاقَرْت وَيُرِيدَانِ بِزَاقَرْت مَعْنَى بَادَلْت مَا الْحُكْمُ وَعَمَّنْ قَالَ لِآخَرَ طَلِّقْ زَوْجَتَك وَأُزَوِّجُك أَوْ عَلَى أَنْ أُزَوِّجَك ابْنَتِي أَوْ أُخْتِي أَوْ قَالَتْ امْرَأَةٌ طَلِّقْ زَوْجَتَك وَأُزَوِّجُك نَفْسِي أَوْ عَلَى أَنْ أُزَوِّجُك نَفْسِي أَوْ وَأُزَوِّجَكَ أَوْ عَلَى أَنْ أُزَوِّجَك ابْنَتِي فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَقَالَ هِيَ طَالِقٌ أَوْ قَالَ طَلَقَتْ مَا الْحُكْمُ وَعَمَّنْ أَرَادَ السَّفَرَ فَقَالَ لِلنَّاسِ إلَّا لَمْ أَجِئْ هَذِهِ السَّنَةَ أَوْ إذَا غِبْت عَنْ زَوْجَتِي سَنَةً فَمَا أَنَا لَهَا بِزَوْجٍ أَوْ فَمَا هِيَ لِي امْرَأَةٌ مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يُتَّجَهُ فِي بَادَلْت، أَوْ بَادَلْتُك بِزَوْجَتِي إلَى زَوْجَتِك أَنَّهُ إنْ نَوَى بِهِ طَلَاقًا وَاحِدًا، أَوْ مُتَعَدِّدًا وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا فَهُوَ كِنَايَةٌ فِيهِ لِصِدْقِ حَدِّهَا عَلَيْهِ وَهُوَ مَا احْتَمَلَ الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ تَعَسُّفٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ بَادَلْتُك يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ كَذَلِكَ. وَقَاعِدَةُ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ وَلَمْ يَجِدْ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ تَشْهَدُ لِذَلِكَ، وَبَادَلْت صَرِيحٌ فِي الْبَيْعِ كَمَا يَأْتِي فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الزَّوْجَةِ نَاوِيًا بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يَجِدْ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ وَإِذَا لَمْ يَجِدْ نَفَاذًا كَذَلِكَ لَزِمَ كَوْنَهُ كِنَايَةً فِيهِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا لَا تَعَسُّفَ فِيهِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي نَحْوِ بِعْتُك نَفْسَك إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كِنَايَةٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْته. ثُمَّ رَأَيْتُهُمْ صَرَّحُوا بِنَحْوِ مَا ذَكَرْته فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ بِعْتُك الطَّلَاقَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ بَادَلْتُك بِضَيْعَتِي إلَى ضَيْعَتِك مَثَلًا فَبَيْعٌ؛ لِأَنَّ بَادَلْت مِنْ صَرَائِحِ الْبَيْعِ فَإِذَا أَرَادَ بِذَلِكَ بَادَلْتُك ضَيْعَتِي بِضَيْعَتِك انْعَقَدَ بَيْعًا وَصَارَتْ الضَّيْعَةُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْبَاءُ ثَمَنًا وَالْأُخْرَى مُثَمَّنًا وَأَمَّا بَادَلْت بِضَيْعَتِي إلَى ضَيْعَتِك فَهُوَ بَاطِلٌ لِفَقْدِ كَافِ الْخِطَابِ الْمُشْتَرَطَةِ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَزَاقَرْت إذَا اُشْتُهِرَتْ عِنْدَ قَوْمٍ بِمَعْنَى بَادَلْت صَارَتْ كِنَايَةَ بَيْعٍ وَطَلَاقٍ فَإِنْ نُوِيَ بِهَا بَيْعٌ صَحَّ، أَوْ طَلَاقٌ وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا وَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ زَيْدٌ بِنْتَهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ إلَّا إنْ زَوَّجَهُ فَإِذَا زَوَّجَهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا وَلِلْمُطَلِّقِ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُزَوِّجِ الْمُلْتَزِمِ لَهُ بِذَلِكَ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَطَّانِ لَكِنَّهُ قَالَ فِيمَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ طَلِّقْ امْرَأَتَك عَلَى أَنْ أُطَلِّقَ امْرَأَتِي وَجَعَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا طَلَاقَ هَذِهِ بَدَلًا عَنْ طَلَاقِ الْأُخْرَى يَقَعُ الطَّلَاقَانِ إذَا فَعَلَاهُ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الرَّجْعَةُ. اهـ. فَجَعْلُ ابْنِ الْقَطَّانِ الطَّلَاقَ فِي هَذِهِ رَجْعِيًّا يُنَاقِضُ جَعْلَهُ لَهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا بَائِنًا. وَمِنْ

стр. 1094

ثَمَّ قَالَ ابْنُ كَجٍّ فِي هَذِهِ لَا رَجْعَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ عَلَى الْآخَرِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لِيُوَافِقَ قَوْلُهُ مَا قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي تِلْكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ كَجٍّ يَقُولُ إنَّهُ بَائِنٌ فِي الصُّورَتَيْنِ وَيَجْعَلُ الْعِوَضَ فِيهِمَا فَاسِدًا حَتَّى يَقَعَ بَائِنًا وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَابْنُ الْقَطَّانِ يَقُولُ إنَّهُ بَائِنٌ فِي الْأُولَى رَجْعِيٌّ فِي الثَّانِيَةِ وَعَلَيْهِ الْفَرْقُ أَنَّ الْعِوَضَ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ نِكَاحُ الْبِنْتِ مَقْصُودٌ لَكِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْعِوَضِيَّةِ شَرْعًا فَكَانَ فَاسِدًا وَيَلْزَمُ مِنْ فَسَادِهِ الْوُقُوعُ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَأَمَّا الْعِوَضُ فِي الثَّانِيَةِ وَهُوَ الطَّلَاقُ فَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ عُرْفًا وَلَا شَرْعًا فَهُوَ بِمَثَابَةِ الدَّمِ. وَقَاعِدَةُ الْخُلْعِ أَنَّ عِوَضَهُ إذَا لَمْ يُقْصَدْ يَقَعُ رَجْعِيًّا وَلَا مَالَ وَبِهَذَا اتَّضَحَ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ مِنْ الْوُقُوعِ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ فِي الْأُولَى وَرَجْعِيًّا بِلَا مَالٍ فِي الثَّانِيَةِ هُوَ الْأَوْجَهُ لِمَا عَلِمْت مِنْ ظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَجَوَابُ بَقِيَّةِ الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرَهَا السَّائِلُ عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْته وَهُوَ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْمُقَابِلُ لِلْخُلْعِ تَزْوِيجًا فَوُجِدَ وَقَعَ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ، أَوْ طَلَاقًا وَقَعَ رَجْعِيًّا وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ أَجِئْ هَذِهِ السَّنَةَ. . . إلَخْ كِنَايَةٌ فَإِنْ نَوَى بِهِ طَلَاقًا، أَوْ مُتَعَدِّدًا وَغَابَ عَنْهَا سَنَةً وَقَعَ مَا نَوَاهُ وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فَقِيلَ لَهُ ثَلَاثًا فَقَالَ ثَلَاثًا أَوْ قِيلَ لَهُ طَلِّقْهَا ثَلَاثًا فَقَالَ ثَلَاثًا مَا الْحُكْمُ؟ ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْأَوْجَهُ أَخْذًا مِمَّا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ أَنَّهُ نَوَى بِقَوْلِهِ: ثَلَاثًا وَقَدْ بَنَاهُ عَلَى مُقَدَّرِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَقَعَ الثَّلَاثُ وَكَانَ التَّقْدِيرُ هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، أَوْ طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا وَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ وَأَمَّا مَنْ أَجَابَ بِأَنَّهَا طَلُقَتْ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَكِنْ يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الثَّلَاثِ كَوْنُهَا غَيْرَ مَنْوِيَّةٍ مَعَ لَفْظِ طَالِقٍ؛ لِأَنَّ شَرْطَ وُقُوعِ الْعَدَدِ كَوْنُهُ مَنْوِيًّا بِنِيَّةٍ مَقْرُونَةٍ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ كَاقْتِرَانِ نِيَّةِ الْكِنَايَةِ بِهَا فَقَدْ أَخْطَأَ كَمَا بَيَّنَهُ شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ حَيْثُ قَالَ: لَمْ يُصِبْ فِي جَوَابِهِ هَذَا سَوَاءٌ أَوْقَعَ الْوَاحِدَةَ بِلَفْظِ ثَلَاثًا كَمَا يَقْتَضِيهِ أَوَّلُ كَلَامِهِ لِمَا لَا يَخْفَى أَيْ مِنْ قَوْلِهِ إنَّ السُّؤَالَ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ أَمْ بِلَفْظِ طَالِقٍ الْمُقَدَّرِ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْمَالِ مُقَدَّرٍ يَجُوزُ عَدَمُ إرَادَتِهِ وَإِهْمَالِ مُتَلَفَّظٍ بِهِ وَلَا فِي تَوْجِيهِهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ اعْتَبَرَ أَنَّ التَّقْدِيرَ هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الثَّلَاثِ وَاقْتِرَانِهَا بِطَالِقٍ، إذْ نِيَّةُ الْعَدَدِ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا كَمَا ذُكِرَ عِنْدَ عَدَمِ ذِكْرِ الْعَدَدِ ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ نَقَلَ عَنْ فَتَاوَى الْإِمَامِ ابْنِ رَزِينٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ قَالَ قُولُوا لَهَا أَنْتِ وَرَفِيقَتُك طَالِقٌ فَقِيلَ لَهُ لِأَيِّ شَيْءٍ لَا تَقُولُ ثَلَاثًا فَقَالَ ثَلَاثًا. فَأَجَابَ إنْ قَصَدَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِلَفْظِي هَذَا أَيْ بَلِّغُوهُمَا أَنِّي طَلَّقْتهمَا وَنَوَى بِذَلِكَ إيقَاعَ الثَّلَاثِ وَقَعَ الثَّلَاثُ كَمَا نَوَى وَإِنْ قَصَدَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ عَدَدٍ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَبِذَلِكَ يَبْقَى قَوْلُهُ ثَلَاثًا إنْ قَصَدَ بِهِ إيقَاعَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ كَأَنَّهُ أَرَادَ طَلَّقْت الْآنَ كُلًّا مِنْهُمَا ثَلَاثًا، أَوْ كُلًّا مِنْهُمَا طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَعَ بِهِ تَمَامُ الثَّلَاثِ إنْ دَخَلَ بِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِقَوْلِهِ ثَلَاثًا قَصْدٌ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ بَعْدَ نَقْلِهِ ذَلِكَ وَفِي وُقُوعِ الثَّلَاثِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَقْفَةٌ وَلَا سِيَّمَا إنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ؛ لِأَنَّ ثَلَاثًا بِمُفْرَدِهَا لَا تَصْلُحُ لِلْإِيقَاعِ فَتَأَمَّلْهُ اهـ. وَفِي ذَلِكَ تَأْيِيدٌ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ الْجَوَابُ. وَأَمَّا تَوَقُّفُ الْأَذْرَعِيِّ فَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يَبْنِ الْكَلَامَ عَلَى الْمُقَدَّرِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ بِخِلَافِ مَا إذَا بَنَاهُ عَلَيْهِ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الصَّلَاحِ أَفْتَى فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ سَكَتَ وَرَاجَعَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ قَالَ ثَلَاثًا بَائِنَةً عَلَى كُلِّ مَذْهَبٍ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ قَدْ نَوَى الثَّلَاثَ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَعْنَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ أَوَّلًا لَكِنْ أَرَادَ ثَانِيًا بِقَوْلِهِ ثَلَاثًا تَتِمَّتَهُ وَتَفْسِيرَهُ وَعَنَى بِقَوْلِهِ ثَلَاثًا أَنَّهَا طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَعَ عَلَيْهِ الثَّلَاثُ أَيْضًا قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ بِلَفْظٍ حُذِفَ بَعْضُهُ اجْتِزَاءً بِالْبَاقِي مِنْهُ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى الْقَرِينَةِ وَمِمَّا نُصَّ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ ابْتِدَاءً أَنْتِ ثَلَاثًا وَنَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَ بِمِثْلِ ذَلِكَ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْهُ فِي تَوَسُّطِهِ قُلْت تَأَمَّلْ جَوَابَهُ مَعَ مَا سَبَقَ عَنْ صَاحِبِهِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ رَزِينٍ وَأَمَّا مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: أَنْتِ ثَلَاثًا فَالْأَصَحُّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ

стр. 1095

شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ سِوَاهُ فَاعْلَمْهُ. اهـ. وَيُجَابُ عَنْ مَسْأَلَةِ الرَّوْضَةِ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَا يَقْتَضِي تَقْدِيرَ مَحْذُوفٍ يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوْلُهُ ثَلَاثًا فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهَا النِّيَّةُ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُ سَبَقَ مَا يَقْتَضِي تَقْدِيرَ ذَلِكَ الْمَحْذُوفِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ثَلَاثًا فَصَحَّتْ نِيَّتُهُ وَوَقَعَ بِهِ الثَّلَاثُ ثُمَّ رَأَيْتنِي فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ مَعَ هَذَا. (وَسُئِلَ) اُشْتُهِرَ فِي التُّرْكِ إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ قَالَ لَهَا دُسْتُورٌ فَإِذَا غَابَ أَوْ مَاتَ وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ نَوَى الطَّلَاقَ أَمْ لَا مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا طَلَاقَ فِيمَا ذَكَرَ وَإِنْ جَعَلْنَا لَفْظَ (دُسْتُورٌ) كِنَايَةً؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْوُقُوعِ بِهَا تَحَقُّقُ نِيَّةِ الزَّوْجِ الطَّلَاقَ بِهَا وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ ثَابِتَةٌ مُحَقَّقَةٌ فَلَا تُزَالُ إلَّا بِيَقِينٍ وَجَعْلُ (دُسْتُورٌ) كِنَايَةً لَهُ وَجْهٌ فَإِنَّهَا تُسْتَعْمَلُ عُرْفًا فِي الْإِذْنِ فِي الْمُفَارَقَةِ فَإِذَا اسْتَعْمَلَهَا كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ فَقَدْ اسْتَعْمَلَهَا فِيمَا يُنَاسِبُ مَعْنَاهَا الْمُشْتَهِرَةِ فِيهِ عُرْفًا فَلَمْ يَبْعُدْ جَعْلُهَا كِنَايَةً. (وَسُئِلَ) عَنْ حُكْمِ حَلِّ الدَّوْرِ بِالصِّيغَةِ الَّتِي نَقَلَهَا السُّبْكِيّ وَالْإِسْنَوِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مَعَ التَّنْظِيرِ فِيهَا وَهِيَ كُلَّمَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا وَالدَّمِيرِيُّ يَقُولُ هِيَ إنْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْت طَالِقٌ فَهَلْ الصِّيغَتَانِ سَوَاءٌ وَقَوْلُ الْأَزْرَقِ فَإِنْ قِيلَ مَا الْمُخَلِّصُ إذَا قُلْتُمْ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ قُلْنَا الْمُخَلِّصُ أَنْ يَقُولَ لِلزَّوْجَةِ طَلِّقِي نَفْسَك فَتُطَلِّقُ نَفْسَهَا؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ عَلَى الْأَصَحِّ لَكِنْ حُكِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي الصَّيْفِ أَنَّهُ لَا مُخَلِّصَ لَهُ مِنْهُ إلَّا بِسَبَبٍ يُوجِبُ الْفَسْخَ كَالْإِعْسَارِ وَنَحْوِهِ. اهـ. فَعِبَارَةُ ابْنِ أَبِي الصَّيْفِ حَاصِرَةٌ وَالْأَزْرَقُ مِنْ الْوَاقِفِينَ عَلَى مُصَنَّفَاتِ السُّبْكِيّ وَالْإِسْنَوِيِّ وَكَثِيرًا مَا يَنْقُلُ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ مِنْهُ لِمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَلَا لِمَا أَظْهَرَاهُ مِنْ النَّظَرِ مَعَ نَقْلِهِ لِعِبَارَةِ ابْنِ أَبِي الصَّيْفِ الْحَاصِرَةِ فَهَلْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْفُضْ مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي نَقَلُوهُ عَنْ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ نَقْلًا عَنْ بَعْضِهِمْ إنَّهُ إذَا عَكَسَ التَّعْلِيقَ فَقَالَ: كُلَّمَا تَلَفَّظْت بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَإِذَا طَلَّقَهَا انْحَلَّ الدَّوْرُ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ قَالَ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْقَبْلِيَّ قَدْ صَارَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مُعَلَّقًا عَلَى النَّقِيضَيْنِ وَهُمَا الْوُقُوعُ وَعَدَمُ الْوُقُوعِ. وَكُلَّمَا كَانَ لَازِمًا لِلنَّقِيضَيْنِ فَهُوَ وَاقِعٌ لِاسْتِحَالَةِ خُلُوِّ الْوَاقِعِ عَنْ أَحَدِهِمَا قَالَ وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي الْوَكَالَةِ كُلَّمَا عَزَلْتُك فَأَنْتَ وَكِيلِي فَيُعَادُ الْعَزْلُ بِأَنْ يَقُولَ كُلَّمَا عُدْت وَكِيلِي فَأَنْتَ مَعْزُولٌ فَيَقُولُ عَزَلْتُكَ. اهـ. وَأَمَّا تَنْظِيرُ الْإِسْنَوِيِّ بِأَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ الْمُتَأَخِّرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ صِحَّتَهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى التَّنْجِيزِ الَّذِي هُوَ فَرْعُهُ فَمَرْدُودٌ بِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِصُوَرٍ يَصِحُّ فِيهَا التَّعْلِيقُ دُونَ التَّنْجِيزِ مِنْهَا الرَّاهِنُ إذَا أَعْسَرَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عِتْقَ الْمَرْهُونِ بِصِفَةٍ فَإِذَا وُجِدَتْ بَعْدَ انْفِكَاكِ الرَّهْنِ نَفَذَ الْعِتْقُ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَا يَصِحُّ تَنْجِيزُهُ وَمِنْهَا الْعَبْدُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ عَلَى عِتْقِهِ وَلَا يَصِحُّ تَنْجِيزُهَا وَلَهُ فِيهِ نَظْرٌ ثَانٍ وَهُوَ سَلَّمْنَا صِحَّةَ التَّعْلِيقِ الثَّانِي لَكِنَّ التَّعْلِيقَ الْأَوَّلَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيعَ عَلَى صِحَّةِ الدَّوْرِ وَاسْتِحَالَةِ وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ فِيهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِيرُ الطَّلَاقُ وَاقِعًا عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَدْرَكَ فِي الطَّلَاقِ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ إنَّمَا هُوَ وُقُوعُهُ عَلَى تَقْدِيرِ كُلٍّ مِنْ النَّقِيضَيْنِ. وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الطَّلَاقُ بِلَا لَفْظٍ آخَرَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ وَالْمَدْرَكُ فِي الْوَكَالَةِ إنَّمَا تَعَارُضُ التَّعْلِيقَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ تَعْلِيقٍ مَطْلُوبُهُ خِلَافُ مَطْلُوبِ الْآخَرِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَلَمَّا تَعَارَضَا اعْتَضَدَ الْعَزْلُ بِالْأَصْلِ إذْ الْأَصْلُ الْحَجْرُ وَلِهَذَا لَا يَحْصُلُ الْعَزْلُ إلَّا بِلَفْظٍ. اهـ. وَلَمْ أَرَ أَحَدًا تَعَقَّبَ اعْتِرَاضَهُ هَذَا وَهُوَ جَدِيرٌ بِالتَّعَقُّبِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَكِنَّ التَّعْلِيقَ الْأَوَّلَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. . . إلَخْ لَا يُفِيدُهُ فِي مَطْلُوبِهِ نَفْعًا؛ لِأَنَّ عَدَمَ تَرَتُّبِ شَيْءٍ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ مَعَ انْفِرَادِهِ عَمَّا يُعَارِضُهُ وَأَمَّا بَعْدَ وُجُودِ مُعَارِضٍ لَهُ وَهُوَ التَّعْلِيقُ الثَّانِي فَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ انْضِمَامِ هَذَا الْمُعَارِضِ إلَيْهِ شَيْءٌ وَهُوَ الْوُقُوعُ لِمَا تَقَرَّرَ أَوَّلًا أَنَّ سَبَبَ انْحِلَالِ الدَّوْرِ أَنَّ التَّعْلِيقَيْنِ لَمَّا وُجِدَا وَصَحَّا لَزِمَ كَوْنُ الطَّلَاقِ الْقَبْلِيِّ مُعَلَّقًا عَلَى النَّقِيضَيْنِ وَهُمَا الْوُقُوعُ الَّذِي اقْتَضَاهُ التَّعْلِيقُ الثَّانِي وَعَدَمُهُ الَّذِي اقْتَضَاهُ التَّعْلِيقُ الْأَوَّلُ. وَيَلْزَمُ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِالنَّقِيضَيْنِ الْوُقُوعُ ضَرُورَةَ اسْتِحَالَةِ خُلُوِّ الْوَاقِعِ

стр. 1096

عَنْ أَحَدِهِمَا فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِيرُ الطَّلَاقُ وَاقِعًا عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ وَإِيضَاحُ انْدِفَاعِهِ أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ وَاقِعٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ وَإِنَّمَا الَّذِي ادَّعَاهُ مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ مُعَلَّقًا بِالنَّقِيضَيْنِ وَأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ وَاقِعٌ لِمَا مَرَّ وَذَلِكَ لَمَّا صَدَرَ مِنْهُ التَّعْلِيقَانِ ثُمَّ قَالَ طَلَّقْتُك كَانَ هَذَا مُعَلَّقًا بِنَقِيضَيْنِ وَهُمَا وُقُوعُ الْقَبْلِيِّ ثَلَاثًا لَوْ وَقَعَ هَذَا اللَّفْظُ وَهُوَ مُفَادُ التَّعْلِيقِ الْأَوَّلِ وَوُقُوعُهُ ثَلَاثًا لَوْ لَمْ يَقَعْ هَذَا اللَّفْظُ وَهُوَ مُفَادُ التَّعْلِيقِ الثَّانِي فَإِذًا صَحَّحْنَا كُلًّا مِنْ التَّعَلُّقَيْنِ. فَإِنْ قُلْنَا بِتَأْثِيرِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَزِمَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، أَوْ بِعَدَمِ تَأْثِيرِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَزِمَ وُقُوعُ النَّقِيضِينَ وَكُلٌّ مِنْ الِاجْتِمَاعِ وَالِارْتِفَاعِ الْمَذْكُورَيْنِ مُحَالٌ فَلَزِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا وَاقِعٌ وَلَا بُدَّ وَأَنَّ الْوَاقِعَ هُوَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ الْأَوَّلَ لَمَّا وُجِدَ سَدَّ بَابَ الطَّلَاقِ فَلَمَّا وُجِدَ التَّعْلِيقُ الثَّانِي مَعَ قَوْلِهِ بَعْدُ طَلَّقْتُك وَقُلْنَا بِصِحَّةِ التَّعْلِيقِ الثَّانِي الَّتِي سَلَّمَهَا الْإِسْنَوِيُّ كَمَا مَرَّ لَزِمَ مَنْعُهُ لِذَلِكَ السَّدِّ وَاقْتِضَاؤُهُ لِلْوُقُوعِ وَإِلَّا لَزِمَ الْمُحَالُ الْمُقَرَّرُ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ انْدِفَاعُ قَوْلِهِ وَلِهَذَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الطَّلَاقُ بِلَا لَفْظٍ آخَرَ مَعَ قَوْلِهِ وَلِهَذَا لَا يَحْصُلُ الْعَزْلُ إلَّا بِلَفْظٍ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا تَقَرَّرَ وَانْدِفَاعِ مَا حَاوَلَهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا الْبَابِ وَبَابِ الْوَكَالَةِ عَلَى أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا لَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِيمَا قُلْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ قَدْ يَتَّفِقُ مَعَ اخْتِلَافِ مَدْرَكِهِمَا فَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ مَدْرَكُ الْوَكَالَةِ غَيْرَ مَدْرَكِ مَا هُنَا وَإِنْ اتَّفَقَا فِي الْحُكْمِ وَهُوَ حَلُّ الدَّوْرِ السَّابِقِ بِالتَّعْلِيقِ اللَّاحِقِ عَلَى أَنَّ ابْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ أَشَارَ إلَى أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا بِقَوْلِهِ: وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي الْوَكَالَةِ إلَخْ فَجَعَلَ بَيْنَهُمَا تَقَارُبًا لَا اتِّحَادًا وَهُوَ عَيْنُ مَا يَدَّعِيهِ الْإِسْنَوِيُّ فَلَا وَجْهَ لِاعْتِرَاضِهِ عَلَيْهِ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ بَحَثَ انْحِلَالَ الدَّوْرِ بِأَنْ يَقُولَ لَهَا يَدُكِ طَالِقٌ مَثَلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوُقُوعَ بِالسِّرَايَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الطَّلْقَةِ، أَوْ الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ لَا يُنْسَبُ لِلْمُطَلِّقِ وَإِنَّمَا هُوَ تَكْمِيلٌ مِنْ الشَّرْعِ عَلَى تَنَاقُضٍ فِيهِ وَقَعَ لِلرَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا لَمْ يَنْسَدَّ بَابُ الطَّلَاقِ عِنْدَ قَوْلِهِ لَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ وُقُوعُ طَلَاقٍ عَلَيْهَا وَفِي هَذَا الْمِثَالِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا وَقَعَ عَلَى بَعْضِهَا. اهـ. وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّهُ كَلَامٌ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ مَتَى انْسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ الطَّلَاقِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إيقَاعِ بَعْضِهِ وَلَا مِنْ تَطْلِيقِ بَعْضِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ فَرْعُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ. اهـ. وَلَيْسَ بِذَاكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ الطَّلَاقِ إلَّا إذَا أَوْقَعَهُ عَلَى كُلِّهَا دُونَ بَعْضِهَا؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الِانْسِدَادِ الدَّوْرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى لَفْظِهِ وَهُوَ مَتَى، أَوْ كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَإِذَا أَوْقَعَهُ عَلَى بَعْضِهَا وَقُلْنَا بِمَا مَرَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ قَوْلُهُ وَقَعَ عَلَيْك وَإِذَا لَمْ يَسْتَلْزِمْ وُقُوعُهُ وُقُوعَ الثَّلَاثِ قَبْلَهُ لَمْ يَحْصُلْ الدَّوْرُ فَظَهَرَ أَنَّ لِمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَجْهًا وَأَنَّ الدَّوْرَ يَنْحَلُّ بِهِ كَمَا يَنْحَلُّ بِمَا مَرَّ فَهَاتَانِ طَرِيقَتَانِ لِحَلِّهِ، وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ الْكَمَالِ الدَّمِيرِيِّ مِنْ حَلِّهِ بِمَا مَرَّ عَنْهُ فَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَرَّرَ فِي مَنْقُولِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَإِذَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي تِلْكَ تَحَقَّقَ التَّنَاقُضُ فَمَا بَالُك بِهَذِهِ الَّتِي لَا تَنَاقُضَ فِيهَا بِوَجْهٍ فَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهَا انْحِلَالٌ. وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ الْأَزْرَقِ فَإِنَّمَا يَتَّضِحُ إنْ كَانَتْ صِيغَةُ تَعْلِيقِهِ كُلَّمَا، أَوْ مَتَى طَلَّقْتُك وَحِينَئِذٍ فَلَا خُصُوصِيَّةَ لِمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ عَلَّقَ بِذَلِكَ لَمْ يَنْسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ الطَّلَاقِ حَتَّى يَحْتَاجَ لِحَلِّهِ وَإِنَّمَا يَنْسَدُّ الْبَابُ إذَا عَبَّرَ بِقَوْلِهِ كُلَّمَا، أَوْ مَتَى وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي وَهَذِهِ لَا يَنْحَلُّ الدَّوْرُ فِيهَا بِمَا قَالَهُ الْأَزْرَقُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك وَإِنْ كَانَ تَمْلِيكًا لِلطَّلَاقِ يُسَمَّى وُقُوعًا لَهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ إيقَاعًا وَحَصْرُ ابْنِ أَبِي الصَّيْفِ قَدْ بَانَ انْدِفَاعُهُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ لَهُ طَرِيقَيْنِ طَرِيقَ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَطَرِيقَ الْإِسْنَوِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (سُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَ عَلَيَّ فِي زَوْجَتِي بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ إلَّا بِإِسْكَانِ النُّونِ أَوْ تَشْدِيدِهَا بِفَتْحٍ أَوْ كَسْرٍ بُدُّكِ مِنْ مُسَايَرَتِي الْحَقَّ فَسَارَ إلَى الْحَقِّ بَعْدَ مُدَّةٍ لَكِنْ لَمْ يَتَسَايَرَا مَعًا فِي الطَّرِيقِ مَا حُكْمُهُ؟ وَعَمَّا لَوْ قَالَ عَلَيَّ فِي امْرَأَتِي بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ إلَّا لَمْ تُعْطِنِي الْحَقَّ هَلْ هُوَ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ بِنَفْيِ الْإِعْطَاءِ حَتَّى لَوْ أَعْطَاهُ الْحَقَّ لَا تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى مُقَدِّمَةٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى صِيغَةِ عَلَيَّ فِي زَوْجَتِي بِالطَّلَاقِ هَلْ هُوَ صَرِيحٌ، أَوْ كِنَايَةٌ، أَوْ لَغْوٌ

стр. 1097

وَلِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ مَجَالٌ مَنْشَؤُهُ قَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ بِالطَّلَاقِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا كَانَ لَغْوًا؛ لِأَنَّ الْبَاءَ مِنْ حُرُوفِ الْقَسَمِ وَالطَّلَاقُ لَا يُقْسَمُ بِهِ لَكِنَّهَا هُنَا مُحْتَمِلَةٌ لِذَلِكَ، وَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَيَّ فِي زَوْجَتِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ زَائِدَةً أَيْ: عَلَيَّ فِي زَوْجَتِي الطَّلَاقُ وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَغْوٌ وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي يَقْتَضِي أَنَّهُ صَرِيحٌ، وَإِذَا تَرَدَّدَ لَفْظٌ كَذَلِكَ رُجِعَ إلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ فَإِنْ نَوَى بِالْبَاءِ الْقَسَمَ كَانَ لَغْوًا، أَوْ كَوْنَهَا زَائِدَةً كَانَ صَرِيحًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ مَاتَ وَلَمْ تُعْلَمْ نِيَّتُهُ فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ التَّرَدُّدِ. وَأَصْلُ بَقَاءِ الْعِصْمَةِ يُرَجِّحُ النَّظَرَ إلَى عَدَمِ تَأْثِيرِهِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَحَيْثُ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ نُظِرَ فِي لَفْظِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّ بُدَّكَ مِنْ مُسَايَرَتِي الْحَقَّ. وَقَوَاعِدُ اللُّغَةِ قَاضِيَةٌ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ بِاحْتِمَالَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ يُفَرِّقُ بَيْنَ فَتْحِ إنَّ وَكَسْرِهَا مَعَ تَخْفِيفِهَا، أَوْ تَشْدِيدِهَا عُومِلَ بِقَضِيَّةِ فَرْقِهِ وَأُدِيرَ عَلَيْهِ حُكْمُ مَا تَلَفَّظَ بِهِ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ عَامِّيًّا لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ تِلْكَ الْمُحْتَمَلَاتِ رَجَعْنَا إلَى نِيَّتِهِ فَإِنْ قَالَ نِيَّتِي أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَسِيرَ مَعِي، أَوْ وَحْدَهُ عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ التَّرَاخِي إلَى الْقَاضِي، أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُخَلِّصُ لِي حَقِّي الَّذِي عَلَيْهِ أَخَذْنَاهُ بِمَا نَوَى مِنْ هَذِهِ الْمُحْتَمَلَاتِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِجَمِيعِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى السَّوَاءِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَإِنْ اطَّرَدَ عُرْفُهُمْ بِاسْتِعْمَالِ هَذَا اللَّفْظِ فِي مَعْنًى مُحْتَمِلٍ لَهُ حُمِلَ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا لَمْ نَقُلْ فِي عَلَيَّ فِي زَوْجَتِي بِالثَّلَاثِ بِالرُّجُوعِ إلَى الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الصَّرَائِحِ وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنَّهُمْ إذَا تَعَارَفُوا لَفْظًا طَلَاقًا وَكَانَ مُحْتَمِلًا لَهُ يَكُونُ كِنَايَةً وَإِنْ لَمْ يَطَّرِدْ عُرْفُهُمْ فِي ذَلِكَ اللَّفْظِ بِشَيْءٍ فَإِنْ نَطَقَ بِإِنْ مَكْسُورَةٍ مُخَفَّفَةٍ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا نَافِيَةٌ وَأَنَّ الْمَعْنَى لَا بُدَّ لَك أَيْ: لَا غِنًى لَك عَنْ أَنْ تُسَايِرَنِي الْحَقَّ فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ سَايَرَهُ الْحَقُّ بِأَنْ ذَهَبَ هُوَ وَإِيَّاهُ وَلَوْ مُتَرَتِّبَيْنِ إلَى مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنْ الْحَلِفِ لَمْ يَحْنَثْ وَإِلَّا حَنِثَ بِالْيَأْسِ بِمَوْتٍ، أَوْ نَحْوِهِ وَإِنَّمَا لَمْ تُشْتَرَطْ الْمَعِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمُسَايَرَةَ إلَى الْحَقِّ تَصْدُقُ بِاجْتِمَاعِهِمَا عِنْدَ مَنْ يَحْكُمُ بِهِ فَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا هُوَ نَصٌّ فِي الْمَعِيَّةِ عِنْدَ السَّيْرِ وَلَا مَا هُوَ نَصٌّ فِي فَوْرِيَّةِ الْمُسَايَرَةِ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ مُحَكَّمٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ. وَإِنْ شَدَّدَ إنَّ مَعَ كَسْرِهَا كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ الْحَلِفَ عَلَى إثْبَاتِ غِنَاهُ عَنْ مُسَايَرَتِهِ إلَى الْحَقِّ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ وَإِلَّا حَنِثَ وَإِنْ فَتَحَهَا مُخَفَّفَةً كَانَ نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِي أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلْت الدَّارَ بِفَتْحِ أَنْ مُخَفَّفَةً فَفِي النَّحْوِ يَقَعُ حَالًا؛؛ لِأَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ وَفِي غَيْرِهِ يَكُونُ بِمَعْنَى إنْ الْمَكْسُورَةِ الْمُخَفَّفَةِ؛ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فَيَأْتِي هُنَا مَا مَرَّ فِي الْمَكْسُورَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَإِنْ فَتَحَهَا مُشَدَّدَةً كَانَ مَعْنَاهُ قَرِيبًا مِمَّا مَرَّ فِي مَعْنَى الْمَكْسُورَةِ الْمُشَدَّدَةِ فَيَأْتِي فِيهَا فِي تِلْكَ هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا نِيَّةَ وَلَا عُرْفَ كَمَا تَقَرَّرَ. (وَسُئِلَ) عَنْ مَسْأَلَةٍ وَقَعَ فِيهَا جَوَابَانِ مُخْتَلِفَانِ صُورَتُهَا إذَا قُلْنَا بِتَصْحِيحِ الدَّوْرِ فَطَلَّقَ رَجُلٌ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ عَلَّقَ عَلَيْهَا مَسْأَلَةَ الدَّوْرِ قَبْلَ الطَّلَاقِ يُرِيدُ دَفْعَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِذَلِكَ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي دَعْوَاهُ مَسْأَلَةَ الدَّوْرِ أَمْ لَا فَيَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ (أَجَابَ الْأَوَّلُ) فَقَالَ: نَقَلَ الشَّيْخُ النَّهَارِيُّ الْيَمَنِيُّ فِي كِفَايَتِهِ عَنْ الْإِمَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِعَدَمِ الْإِلْغَاءِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ ادَّعَى الْإِلْقَاءَ قَبْلَ الطَّلَاقِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ. نَعَمْ إنْ قَامَتْ حِسْبَةٌ قُبِلَتْ، وَكَذَا إنْ أَقَامَتْهَا الْمَرْأَةُ، أَوْ صَدَّقَتْهُ عَلَى الْإِلْغَاءِ قُبِلَ قَالَ: وَفِي الرَّوْضَةِ مَا يُفْهِمُهُ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُقِرَّ بِعَدَمِ الْإِلْغَاءِ وَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ ادَّعَاهُ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ. (وَأَجَابَ الثَّانِي) فَقَالَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ وَيَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ وَلَوْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِمَامَ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْغَايَةِ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا ادَّعَى مَا لَا يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ وَيَدِينُ فِيهِ فَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فِيمَا ادَّعَاهُ لَمْ يَرْتَفِعْ الطَّلَاقُ بِذَلِكَ إذْ لَا أَثَرَ لِمُصَادَفَتِهَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ قَالَ الْإِمَامُ الْأَزْرَقُ وَبِنَحْوِهِ أَجَابَ الْفَقِيهُ الْحِلِّيُّ وَغَيْرُهُ فِيمَنْ ادَّعَى تَعْلِيقَ الدَّوْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. الْأَمْرُ الثَّانِي لِلْمَسْأَلَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا نَظَائِرُ قَالُوا فِيهَا بِعَدَمِ قَبُولِ قَوْلِ الْمُطَلِّقِ فِيمَا ادَّعَاهُ، مِنْهَا أَنَّ الْأَئِمَّةَ نَقَلُوا عَنْ الْإِمَامِ الْخُوَارِزْمِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ لَهُ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا طَلَّقَ

стр. 1098

زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ ادَّعَى فَسَادَ النِّكَاحِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ وَصَادَقَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَى دَعْوَاهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُمَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوقِعَا نِكَاحًا جَدِيدًا إلَّا بِمُحَلِّلٍ لِكَوْنِهِمَا مُتَّهَمَيْنِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَذَكَرَهُ أَيْضًا الشَّيْخُ الْقَفَّالُ وَنَقَلَهُ فِي الْأَنْوَارِ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَغَيْرِهِمَا وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيّ قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عُطَيْفٍ الْيَمَنِيُّ: وَإِذَا سَمِعَ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ قَوْلَ الزَّوْجَيْنِ وَبَيِّنَتَهُمَا عَلَى فَسَادِ النِّكَاحِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَحَكَمَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ الْمَنْقُولِ فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا كَمَا قَالَهُ أَقْضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ فَحِينَئِذٍ لَا يَخْفَى أَنَّ لِلْقَاضِي الشَّافِعِيِّ نَقْضَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. اهـ. قَالَ الْإِمَامُ الْأَذْرَعِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْخُوَارِزْمِيُّ مِنْ عَدَمِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ هُوَ جَارٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْبَغَوِيِّ فِي بَابِ الْمُرَابَحَةِ وَغَيْرِهِ قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ: وَالْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ: أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَدَمَ السَّمَاعِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَكْثَرِينَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعُذْرِ وَغَيْرِهِ وَأَنَّهُمْ رَدُّوا عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ حَيْثُ فَرَّقُوا فِي التَّحْلِيفِ وَأَلْزَمُوهُ بِالْبَيِّنَةِ قَالَ أَعَنَى الْأَذْرَعِيَّ وَفِيهِ مَا يُشْعِرُ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ سَمَاعِهَا مُطْلَقًا فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ لِلتُّهْمَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ كَمَسْأَلَتِنَا الْمَسْئُولِ عَنْهَا قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْعِمَادِ فِي تَوْقِيفِ الْحُكَّامِ: وَنَظِيرُ مَا قَالَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ. الْمَرْأَةُ إذَا خَالَعَتْ الزَّوْجَ ثُمَّ ادَّعَتْ أَنَّهَا زُوِّجَتْ بِغَيْرِ رِضَاهَا لَمْ يُسْمَعْ قَوْلُهَا كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ أَيْضًا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي الْفَتَاوَى وَقَوْلُهُمْ إنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ وَصُورَتُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا فِي الْبَاطِنِ أَمَّا لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَحِينَئِذٍ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فِي هَذَا الْيَوْمِ ثُمَّ قَالَ إنَّ نِكَاحِي كَانَ فَاسِدًا وَأُرِيدُ أَنْ أُكَلِّمَهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ ثُمَّ أَعْقِدُ نِكَاحًا صَحِيحًا فَكَلَّمَهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسَادِ نِكَاحِهِ وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ نَحْوَهُ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَذْرَعِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ فِي الدَّعَاوَى مِنْ شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَمِنْهَا أَنَّ الْجَمَالَ بْنَ ظَهِيرَةَ ذَكَرَ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَطَالَتْ مُدَّتُهُ مَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ ادَّعَى فَسَادَ النِّكَاحِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ ادَّعَى أَنِّي لَمْ أَكُنْ نَكَحْتهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ الْمَذْكُورِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَمِنْهَا مَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ بَائِنٌ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ مُدَّةٍ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَالَ أَرَدْت بِالْبَائِنِ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ الثَّلَاثُ لِمُصَادَفَتِهَا الْبَيْنُونَةَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ وَمِنْهَا أَنَّ الشَّيْخَ ابْنَ نَاصِرٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا بَعْدَ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلهَا ثُمَّ ادَّعَى أَنِّي كُنْت طَلَّقْتهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ قَبْل أَنْ تَضَعَ فَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِالْوَضْعِ قَبْلَ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَهَلْ تَعُودُ إلَيْهِ قَبِلَ الزَّوْجُ أَمْ لَا تَعُودُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ؟ (فَأَجَابَ) فَقَالَ: الْأَصْلُ عَدَمُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْوَضْعِ فَتَبِينُ بَعْدَهُ فَلَا تَعُودُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَعِدَّتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمِنْهَا مَا سُئِلَ عَنْهُ قَاضِي مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ بَلْ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَهِيرَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ خَالَعَهَا قَبْل ذَلِكَ وَأَرَادَ رَفْعَ الثَّلَاثِ بِالْخُلْعِ وَوَافَقَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يُقْبَلُ دَعْوَاهُمَا الْخُلْعَ وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ أَمْ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُمَا وَيَقَعُ الطَّلَاقُ؟ (فَأَجَابَ) فَقَالَ نُقِلَ فِي الرَّوْضَةِ فِي أَوَاخِرِ الطَّلَاقِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ كُنْت حَرَّمْتُهَا عَلَى نَفْسِي قَبْلَ هَذَا فَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا رَأَيْت فِي فَتَاوَى مَنْسُوبَةٍ إلَى الْقَاضِي إبْرَاهِيمَ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مَا آكُلُ هَذَا الزَّادَ الْمُعَيَّنَ ثُمَّ أَكَلَهُ قَبْل أَنْ يَقُومَ مِنْ مَقَامِهِ ثُمَّ قَالَ أَنَا مَلْقِيٌّ بِمَسْأَلَةِ الدَّوْرِ فَهَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الْمُنَجَّزُ؟ فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ: نَعَمْ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الْمُنَجَّزُ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَفْتَى بِذَلِكَ أَيْضًا وَلَدُ وَلَدِهِ الْقَاضِي صَلَاحُ الدِّينِ بْنِ أَبِي السُّعُودِ حَتَّى قَالَ وَأَمَّا عَدَمُ

стр. 1099

الْوُقُوعِ أَصْلًا فَغَيْرُ مُعْتَمَدٍ وَإِنْ رَجَّحَهُ كَثِيرُونَ وَانْتَصَرَ لَهُ جَمْعٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ فِي فَتَاوِيهِ: وَالْمُفْتَى بِهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ مَسْأَلَةَ الدَّوْرِ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهَا وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ الْمُنَجَّزِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا سَبَقَ عَنْ الْقَاضِي إبْرَاهِيمَ وَوَلَدِ وَلَدِهِ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الْمُنَجَّزِ وَمِنْهَا أَنَّ الشَّيْخَ نُورَ الدِّينِ الشَّرِيفَ السَّمْهُودِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ كُنْت وَكَّلْت فُلَانًا بِطَلَاقِهَا أَوْ كُنْت عَزَلْتهَا عَنْ فُلَانٍ أَوْ وَلَّيْتهَا فُلَانًا قَبْلَ هَذَا فَلَمْ يَقَعْ الثَّلَاثُ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) فَقَالَ: ذُكِرَ فِي الْعَزِيزِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَقْلًا عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ كُنْت حَرَّمْتهَا عَلَى نَفْسِي قَبْلَ هَذَا فَلَمْ يَقَعْ الثَّلَاثُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَهُوَ شَامِلٌ لِدَعْوَى سَبْقِ التَّحْرِيمِ بِوَاسِطَةِ وَكِيلِهِ فِيهِ بِخُلْعٍ وَنَحْوُهُ مَا فِي فَتَاوِي الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ وَلِيَّهَا كَانَ قَدْ وُكِّلَ بِتَزْوِيجِهَا مِنْهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَلَمْ يُزَوِّجْهَا الْوَكِيلُ إلَّا بِأَلْفٍ فَالْعَقْدُ لَمْ يَنْعَقِدْ فَالطَّلَاقُ لَمْ يَقَعْ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً لَمْ تُسْمَعْ وَحُكِمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى إبْطَالِ النِّكَاحِ بِالْمُخَالَفَةِ فِي أَصْلِ الصَّدَاقِ وَلَا يَخْتَصُّ مَا ذُكِرَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا بَلْ يَطَّرِدُ فِي كُلِّ صُورَةٍ ادَّعَيَا فِيهَا الْفَسَادَ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. جَوَابُهُ. وَمِنْهَا سُئِلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ بِالثَّلَاثِ مَا يَكُونُ هَذَا الْأَمْرُ ثُمَّ كَانَ فَقِيلَ لَهُ حَنِثَ ثُمَّ قَالَ أَنَا مَلْغِيٌّ بِمَسْأَلَةِ الدَّوْرِ عَلَى مَحْضَرِ الْفَقِيهِ فُلَانٍ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ أَنَّهُ مَلْغِيٌّ أَمْ لَا يُقْبَلُ؟ (فَأَجَابَ) فَقَالَ: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَعْمَلُ بِمَسْأَلَةِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا وَالْمُخْتَارُ الِاحْتِيَاطُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. إذْ لَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَادَّعَى كُلُّ مُطَلِّقٍ ثَلَاثًا أَرَادَ رَفْعَ الْعَارِ عَنْهُ بِتَحْلِيلِ زَوْجَتِهِ ثُمَّ تَجْدِيدِ نِكَاحِهَا أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ فَيَظْهَرُ الْفَسَادُ بِذَلِكَ لَا سِيَّمَا أَنَّ الشَّيْخَيْنِ ﵄ ذَكَرَا أَنَّ الرُّويَانِيَّ قَالَ بَعْدَ اخْتِيَارِهِ تَصْحِيحَ الدَّوْرِ لَا وَجْهَ لِتَعْلِيمِ الْعَوَامّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِفَسَادِ الزَّمَانِ بَلْ عِبَارَةُ الشَّيْخِ نَاصِرٍ لَا يَحِلُّ تَعْلِيمُهَا لِلْعَامِّيِّ الَّذِي لَا يَشْتَغِلُ بِالْعِلْمِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي تَصْحِيحِ الدَّوْرِ وَعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا سَبَقَ عَنْ الْقَاضِي صَلَاحِ الدِّينِ بْنِ ظَهِيرَةَ مِنْ أَنَّ عَدَمَ الْوُقُوعِ أَصْلًا غَيْرُ مُعْتَمَدٍ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ نَاصِرٍ فِي بَعْضِ أَجْوِبَتِهِ - وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ: وُقُوعُ الطَّلَاقِ الْمُنَجَّزِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَظَهَرَ لَنَا مِنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا عَدَمُ قَبُولِ الزَّوْجِ فِي دَعْوَاهُ تَعْلِيقَ الدَّوْرِ قَبْلَ الطَّلَاقِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُهُمْ لَوْ بَاعَ دَارًا ثُمَّ قَالَ كُنْت وَقَفْتهَا أَوْ بَاعَ عَبْدًا ثُمَّ قَالَ كُنْت أَعْتَقْتُهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ فَهَلْ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ أَوْ الْجَوَابُ الثَّانِي وَنَقْلُ مَا ذُكِرَ مِنْ النَّظَائِرَ نَظِيرٌ لِلْمَسْأَلَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا أَوْ لَا أَوْضِحُوا لَنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ بِجَوَابٍ شَافٍ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ فَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا بَلْ هِيَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فِي بِلَادِنَا لِكَثْرَةِ طَلَاقِهِمْ، ثُمَّ ادِّعَائِهِمْ بَعْدَ الطَّلَاقِ تَعْلِيقَ مَسْأَلَةِ الدَّوْرِ قَبْلَ الطَّلَاقِ فَظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبُلْدَانِ بِادِّعَائِهِمْ ذَلِكَ، فَالِاحْتِيَاطُ سَدَّ هَذَا الْبَابَ عَنْهُمْ لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؟ (فَأَجَابَ) عَفَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: أَمَّا الْمَسْأَلَةُ السُّرَيْجِيَّةُ فَقَدْ بَلَغَنِي فِيهَا عَنْ أَهْلِ بَجِيلَةَ وَغَيْرِهِمْ قَبَائِحُ عَظِيمَةُ الْفُحْشِ تَدُلُّ عَلَى اسْتِهْتَارِهِمْ بِالدِّينِ وَانْحِرَافِهِمْ عَنْ سُنَنِ الصَّالِحِينَ فَلِذَلِكَ صَنَّفْت فِي بُطْلَانِهَا وَفِسْقِ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا مُصَنَّفًا حَافِلًا يَتَعَيَّنُ عَلَيْكُمْ مُرَاجَعَتُهُ وَزَجْرُ أَهْلِ بِلَادِكُمْ بِهِ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْقَبَائِحِ، وَلَقَدْ أَخَذَهُ بَعْضُ أَبْنَاءِ الْفُقَرَاءِ إلَى وَادِي مُحَسِّرٍ، أَوْ بَعْضِ تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ وَحَصَلَ لِكَثِيرِينَ مِنْهُمْ الْهِدَايَةُ وَاجْتِنَابُ نِسَائِهِمْ، وَبَعْضُهُمْ تَحَلَّلَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ، وَبَعْضُهُمْ أَعْرَضَ عَنْهَا وَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ، وَقَدْ أَطَلْت فِي ذَلِكَ الْمُصَنَّفِ وَبَيَّنْت الرَّدَّ فِيهِ عَلَى رَجُلٍ زُهْدَانِيٍّ ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ شَيْخٍ لَهُ زُهْدَانِيٍّ أَيْضًا، وَبَيَّنْت أَيْضًا أَنَّ فِي كَلَامِ ذَلِكَ الرَّجُلِ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَبَيَّنْت فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ أَيْضًا أَنَّ أَكْثَرَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا

стр. 1100

فِي كَيْفِيَّةِ الْوُقُوعِ خِلَافَ مَا اشْتَهَرَ وَوَقَعَ فِي كَلَامِ كَثِيرِينَ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ وَبَيَّنْت فِيهِ أَيْضًا أَنَّ التَّقْلِيدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُسُوقٌ وَأَنَّ مَنْ حَكَمَ فِيهَا بِعَدَمِ الْوُقُوعِ يُنْقَضُ حُكْمُهُ فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُلْغِيًا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّا وَإِنْ تَحَقَّقْنَا إلْغَاءَهُ نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَكَذَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَيْضًا وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْمُجِيبُ الْأَوَّلُ مِنْ قَبُولِهِ إذَا أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ، أَوْ صَدَّقَتْهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ وَلَقَدْ أَصَابَ الْمُجِيبُ الثَّانِي فِيمَا ذَكَرَهُ فَهُوَ الْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (سُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لِوَلَدِهِ إلَّا قُلْت فِي بَيْتِي تَكُنْ أُمُّك طَالِقًا فَقَالَ بَعْضَ الْيَوْمِ فَهَلْ يَحْنَثُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقِيلَ أَكْثَرَ الْيَوْمِ وَمَا الْمُرَادُ بِالْقَيْلُولَةِ؟ (فَأَجَابَ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَا لَفْظُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ وَبِالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ الْقَيْلُولَةُ فِي اللُّغَةِ النَّوْمُ نِصْفَ النَّهَارِ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ أَحَادِيثَ الْفَضَائِلِ يُعْمَلُ فِيهَا بِالضَّعِيفِ. اهـ لَفْظُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْقَيْلُولَةَ هِيَ النَّوْمُ نِصْفَ النَّهَارِ، وَالْمُرَادُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ نِصْفُهُ تَقْرِيبًا لَا تَحْدِيدًا وَهُوَ قُبَيْلَ الظُّهْرِ فَمَتَى نَامَ الْوَلَدُ فِي بَيْتِ أَبِيهِ قُبَيْلَ الظُّهْرِ فِي يَوْمِ الْحَلِفِ، أَوْ غَيْرِهِ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا نَعَمْ إنْ نَوَى بِالْقَيْلُولَةِ وَقْتًا آخَرَ أُدِيرَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ رُوحِي أَيْ اذْهَبِي طَالِقًا بِالنَّصْبِ فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَوْ لَا؟ فَإِنَّ عُلَمَاءَ مِصْرَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَقَعُ وَاسْتَنَدَ لِفَرْعٍ فِي الرَّوْضَةِ وَبَعْضُهُمْ قَالَ: يَقَعُ وَأَوَّلَ الْفَرْعَ الْمَذْكُورَ، وَبَعْضُهُمْ مَالَ إلَى تَضْعِيفِ الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ نَقَلَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ خِلَافَهُ، وَبَعْضُهُمْ تَوَقَّفَ فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ رُوحِي كِنَايَةُ طَلَاقٍ كَاذْهَبِي فَإِنْ نَوَاهُ بِهِ جَاءَتْ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ فِيهِ الْآتِيَةُ فِي أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى بِرُوحِي الطَّلَاقَ كَانَ بِمَعْنَى أَنْتِ طَالِقٌ فَلَزِمَ أَنْ يَجْرِي فِيهِ حُكْمُهُ الْآتِي وَهُوَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَدَمُ الْوُقُوعِ حَالًا بِأَنْ طَلَّقَهَا غَيْرَ بَائِنٍ وَقَعَتْ طَلْقَةً ثَانِيَةً وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ فَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ بِهِ لَمْ يَقَعْ بِطَلَاقِهِ شَيْءٌ لِأُمُورٍ مِنْهَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ بِرُوحِي طَلَاقًا يَصِيرُ لَغْوًا وَإِذَا صَارَ لَغْوًا صَارَ قَوْلُهُ طَالِقًا مُتَجَرِّدًا عَمَّا يُصَيِّرُهُ مُعْتَدًّا بِهِ فَلَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ نَظِيرَ قَوْلِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ إنَّمَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ بِنِسَاءِ الْعَالَمِينَ طَوَالِقُ وَأَنْتِ يَا زَوْجَتِي، وَإِنْ قَالَ أَلْفَ مَرَّةٍ: وَأَنْتِ يَا زَوْجَتِي؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ لَغْوٌ فَيَصِيرُ وَأَنْتِ يَا زَوْجَتِي وَحْدَهُ وَهُوَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ نَظِيرَ قَوْلِهِمْ لَوْ قَالَ: طَلَّقْت، أَوْ طَالِقٌ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى امْرَأَتَهُ فِي الْأَوَّلِ وَأَنْتِ فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْمَرْأَةِ ذِكْرٌ وَلَا دَلَالَةٌ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ امْرَأَتِي وَنَوَى الطَّلَاقَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قِيلَ لَهُ طَلِّقْهَا فَقَالَ: طَلَّقْت فَإِنَّهَا تَطْلُقُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لَمْ أُرِدْهَا؛ لِأَنَّهَا مَذْكُورَةٌ ضِمْنًا وَاسْتَشْكَلَهُ الْعِجْلِيّ بِمَا لَوْ قَالَ الطَّلَاقُ لَازِمٌ لِي فَإِنَّهُ صَرِيحٌ عَلَى الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْمَرْأَةِ ذِكْرٌ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ خَلَفَ ذِكْرَهَا فِيهِ اشْتِهَارُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الطَّلَاقِ كَعَلَيَّ الطَّلَاقُ، وَأَمَّا رُوحِي طَالِقًا فَإِنَّهُ فُقِدَ فِيهِ الْمَعْنَيَانِ ذِكْرُهَا وَالِاشْتِهَارُ فَلَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ وَنَظِيرُ قَوْلِ الْقَاضِي أَيْضًا. لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ سَرَقْت مَالِي فَأَنْكَرَ فَقَالَ إلَّا كُنْت سَرَقْته فَامْرَأَتُك طَالِقٌ سَوَاءٌ أَزَادَ وَالنِّيَّةُ نِيَّتِي أَمْ لَا فَقَالَ طَالِقٌ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ شَيْئًا لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ وَحْدَهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مَا لَمْ يَقُلْ امْرَأَتِي وَلِأَنَّ الْغَيْرَ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْغَيْرِ فِي النِّيَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ إجَازَةٌ لِلطَّلَاقِ وَلَيْسَ بِإِيقَاعٍ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ لَا سِيَّمَا تَعْلِيلُهُ الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي عَدَمِ الْوُقُوعِ فِي صُورَتِنَا فَإِنْ قُلْت أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ هَذَا وَمَا مَرَّ فِي طَلِّقْهَا فَقَالَ طَلَّقْت قُلْت يُفَرَّقُ بِأَنَّ ذِكْرَهَا هُنَا وَقَعَ فِي حَيِّزِ الشَّرْطِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ طَلَبٌ لِطَلَاقِهَا حَتَّى يَنْزِلَ الْجَوَابُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ طَلِّقْهَا، نَعَمْ ذِكْرُهَا وَإِنْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ يُفِيدُ تَأْثِيرَ نِيَّةِ الطَّلَاقِ بِهِ بِخِلَافِ طَلَّقْت، أَوْ طَالِقٌ فَإِنَّهُ لَا تُؤَثِّرُ النِّيَّةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ أَصْلًا وَمِنْهَا أَنَّ الْإِسْنَوِيَّ قَيَّدَ قَوْلَ الشَّيْخَيْنِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ يَقَعُ بِهِ ثَلَاثٌ مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّأْكِيدُ بِمَا

стр. 1101

إذَا رَفَعَ بِخِلَافِ مَا إذَا سَكَّنَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمَا عَنْ الْعَبَّادِيِّ. لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقًا لَمْ يَقَعْ فِي الْحَالِ شَيْءٌ بَلْ إذَا طَلَّقَهَا وَقَعَ طَلْقَتَانِ فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَنْصُوبَ لَا يَقَعُ بِهِ إلَّا وَاحِدَةٌ أَيْ بِأَنْتِ طَالِقٌ لَا بِطَالِقًا كَمَا لَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَجَبَ حَمْلُ السَّاكِنِ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَنْ نَصْبٍ وَأَنْ يَكُونَ عَنْ رَفْعٍ فَنَأْخُذُ بِالْيَقِينِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْعَبَّادِيِّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْصُوبُ هُوَ الْأَوَّلُ، أَوْ الثَّانِي نَعَمْ إنْ نَصَبَهُمَا مَعًا، أَوْ جَرَّهُمَا، أَوْ جَرَّ أَحَدَهُمَا مَعَ نَصْبِ الْآخَرِ، أَوْ رَفْعِهِ فَالْقِيَاسُ فِي الْجَمِيعِ إلْحَاقُهُ بِالسَّاكِنِ أَيْضًا فَتَأَمَّلْهُ. اهـ. وَيَحُثُّ فِي التَّوَسُّطِ بَعْدَ ذِكْرِهِ ذَلِكَ أَنَّهُ يَنْبَغِي اسْتِفْسَارُ الْجَاهِلِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَيُعْمَلُ بِتَفْسِيرِهِ أَيْ: فَإِنْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَتُهُ فَالْوَجْهُ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَإِذَا تَأَمَّلْت مَا ذَكَرَهُ فِي أَنْتِ طَالِقًا طَالِقًا بِنَصَبِهِمَا، أَوْ طَالِقٌ طَالِقًا وَعَكْسُهُ بِالْجَرِّ مَعَ النَّصْبِ، أَوْ طَالِقٍ طَالِقٌ بِجَرِّ أَحَدِهِمَا وَرَفْعِ الْآخَرِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ إلَّا وَاحِدَةٌ أَيْ: خَبَرُ أَنْتِ وَإِنْ أَخْطَأَ بِنَصْبِهِ، أَوْ جَرِّهِ وَلَا يَقَعُ بِالْمَنْصُوبِ، أَوْ الْمَجْرُورِ الَّذِي لَيْسَ بِخَبَرٍ شَيْءٌ، عَلِمْت اتِّضَاحَ مَا ذَكَرْته أَنَّ طَالِقًا بِمُجَرَّدِهِ لَا يَقْتَضِي وُقُوعَ شَيْءٍ مُطْلَقًا وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَنْصُوبَ لَا يَقَعُ بِهِ إلَّا وَاحِدَةٌ أَيْ: بِأَنْتِ طَالِقٌ مِنْهُ لَا بِطَلَاقِهِ كَمَا مَرَّ تَعْلَمُ صِحَّةَ مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا شَيْءٌ أَصْلًا وَمِنْهَا قَوْلُ التَّهْذِيبِ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقًا فَإِنْ أَرَادَ طَلْقَتَيْنِ وَقَعَتَا وَإِنْ أَرَادَ التَّأْكِيدَ وَنَصَبَ عَلَى الْحَالِ قُبِلَ مِنْهُ وَتَقَعُ وَاحِدَةٌ. وَإِنْ أَرَادَ التَّعْلِيقَ قُبِلَ وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَهَا. اهـ. فَإِذَا كَانَ طَالِقًا الْمَنْصُوبُ هُنَا مُحْتَمَلًا لِمَا ذُكِرَ مَعَ كَوْنِهِ وَقَعَ بَعْدَ صِيغَةٍ صَحِيحَةٍ هِيَ أَنْتِ طَالِقٌ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مُحْتَمَلًا فِي رُوحِي طَالِقًا بَلْ لَا يَقَعُ بِهِ فِيهَا شَيْءٌ مُطْلَقًا لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ الْفَرْقِ أَنَّهُ فِي أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقًا وَقَعَ تَابِعًا لِصِيغَةٍ صَحِيحَةٍ فَاحْتَمَلَ الْإِيقَاعَ ثَانِيًا وَالتَّأْكِيدَ وَالتَّعْلِيقَ فَعُمِلَ بِإِرَادَتِهِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا فِي رُوحِي طَالِقًا فَوَقَعَ مُسْتَقِلًّا وَهُوَ لَا يَصْلُحُ وَحْدَهُ لِلِاسْتِقْلَالِ فَلَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ فَإِنْ قُلْت لَمْ يَذْكُرْ الْبَغَوِيّ عَلَى طَرِيقَتِهِ حُكْمَ مَا إذَا أَطْلَقَ. قُلْت قِيَاسُ مَا مَرَّ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ فِي السُّكُونِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ هُنَا؛ لِأَنَّهُ احْتَمَلَ الْوُقُوعَ وَعَدَمَهُ فَحَكَمْنَا بِعَدَمِهِ لِأَصِل بَقَاءِ الْعِصْمَةِ، وَأَمَّا مَا يَأْتِي عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَصَاحِبِ الذَّخَائِرِ مِنْ أَنَّهُ مَعَ الْإِطْلَاق يَقَعُ طَلْقَتَانِ فَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ نَصِّ الْأُمِّ وَهُوَ وَجْهٌ مُغَايِرٌ لِهَذَا الْوَجْهِ كَمَا يَأْتِي ثُمَّ رَأَيْت الْقَاضِيَ حُسَيْنًا حَكَى وَجْهًا أَيْ: ضَعِيفًا بِالْمَرَّةِ أَنَّ أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقًا لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ طَالِقًا يُنْصَبُ عَلَى الْحَالِ وَتَقْدِيرُهُ أَنْتِ طَالِقٌ حَالَةَ مَا تَكُونِينَ طَالِقًا وَالْمَرْأَةُ لَا تَكُونُ قَطُّ طَالِقًا إنَّمَا تَكُونُ مُطَلَّقَةً وَالرَّجُلُ هُوَ الطَّالِقُ وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تُوجَدُ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ. اهـ. وَعَلَى هَذَا فَمَا ذَكَرْته فِي رُوحِي طَالِقًا وَاضِحٌ لَا غُبَارَ فِيهِ وَمِنْهَا قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الْعَبَّادِيِّ وَاعْتَمَدُوهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقًا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ حَتَّى يُطَلِّقَهَا فَإِذَا طَلَّقَهَا طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ وَالتَّقْدِيرُ إذَا صِرْت مُطَلَّقَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ هَذَا إنْ لَمْ تَبِنْ بِالطَّلْقَةِ الْمُنَجَّزَةِ وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ غَيْرُهَا مَا لَمْ يُرِدْ إيقَاعَ طَلْقَةٍ مَعَ الْمُنَجَّزَةِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ وَقَعَ ثِنْتَانِ وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ تَطْلِيقِي إيَّاكِ قَالَا وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ طَالِقًا فَإِنْ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا فَدَخَلَتْ وَقَعَتْ الْمُعَلَّقَةُ وَإِنْ دَخَلَتْ غَيْرَ طَالِقٍ لَمْ تَقَعْ الْمُعَلَّقَةُ. اهـ. وَبِتَأَمُّلِهِ يُعْلَمُ أَنَّ طَالِقًا لَمْ يَقَعْ بِالتَّلَفُّظِ بِهِ شَيْءٌ أَصْلًا فَاتَّضَحَ أَنَّ طَالِقًا غَيْرُ مُقْتَضٍ لِوُقُوعِ شَيْءٍ بِلَفْظِهِ لَا عِنْدَ التَّكَلُّمِ وَلَا بَعْدَهُ وَإِذَا لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ هُنَا مَعَ كَوْنِهِ وَاقِعًا بَعْدَ صِيغَةِ طَلَاقٍ صَرِيحَةٍ فَأَوْلَى فِي رُوحِي طَالِقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَعْدَ صِيغَةِ طَلَاقٍ صَرِيحَةٍ بَلْ كِنَايَةٌ وَلَمْ يَنْوِهِ بِهَا كَمَا هُوَ الْغَرَضُ. وَمَرَّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ مَعَ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَحْوِ مَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ فِيمَا إذَا أَرَادَ إيقَاعَ طَلْقَةٍ مَعَ الْمُنَجَّزَةِ وَذَلِكَ الْفَرْقُ أَنَّهُ هُنَا وَقَعَ عَقِبَ صِيغَةٍ صَحِيحَةٍ صَرِيحَةٍ فَصَحَّتْ نِيَّةُ إيقَاعِ طَلْقَةٍ بِهِ مُصَاحِبَةٍ لِلطَّلْقَةِ الْوَاقِعَةِ بِتِلْكَ الصِّيغَةِ، وَأَمَّا فِي رُوحِي طَالِقًا فَوَقَعَ مُسْتَقِلًّا وَهُوَ مُسْتَقِلٌّ لَا يَصِحُّ إيقَاعُ شَيْءٍ بِهِ أَصْلًا فَإِنْ قُلْت كَيْفَ اعْتَمَدَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا

стр. 1102

مَا تَقَرَّرَ عَنْ الْعَبَّادِيِّ مَعَ نَقْلِ الْأَئِمَّةِ كَمَا فِي التَّوَسُّطِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ خِلَافَهُ، وَلَفْظُهُمْ: قَالَ فِي الْأُمِّ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقًا وَقَعَ طَلْقَةٌ. وَسُئِلَ عَنْ مُرَادِهِ بِقَوْلِهِ طَالِقًا فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ بِهِ الْحَالَ طَلُقَتْ ثَانِيَةً؛ لِأَنَّ الْحَالَ فِي مَعْنَى الصِّفَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ تَقَدُّمِ طَلْقَةٍ عَلَيْك وَإِنْ قَالَ أَرَدْت بِهِ طَلْقَةً أُخْرَى وَقَعَتْ ثَانِيَةً أَيْضًا كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ قَالَ أَرَدْت بِهِ التَّأْكِيدَ وَإِفْهَامَ الْأُولَى قُبِلَ مِنْهُ. قَالَ: وَحَلَّفْته وَإِنَّمَا قُلْنَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ، وَتَحْلِيفُهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ خِلَافُهُ قَالَ فِي التَّوَسُّطِ بَعْدَ ذِكْرِهِ ذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَقَوْلُهُ حَلَّفْته يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ يَقَعُ طَلْقَتَانِ؛ لِأَنَّهُ يُحَلِّفُهُ عَلَى إرَادَتِهِ وَاحِدَةً فَلَوْلَا أَنَّ مُطْلَقَهُ يَقْتَضِي طَلْقَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِتَحْلِيفِهِ وَجْهٌ هَذَا لَفْظُهُ وَقَدْ يَكُونُ تَحْلِيفُهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَا يَقْتَضِي وُقُوعَ طَلْقَتَيْنِ لَا أَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي وُقُوعَهُمَا وَظَاهِرُ النَّصِّ أَنَّ الْقَاضِيَ يُحَلِّفُهُ عَلَى ذَلِكَ حِسْبَةً مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ. اهـ كَلَامُ التَّوَسُّطِ وَتَبِعَهُ فِي الْخَادِمِ. فَقَالَ مَا حَاصِلُهُ قَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ إذَا صِرْت مُطَلَّقَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ طَالِقًا حَالٌ وَالْحَالُ تَقْتَضِي الْمُقَارَنَةَ وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إنْ أَعْتَقْت نِصْفَك فَنَصِيبِي حُرٌّ حَالَ عِتْقِك فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِمَا وَحِكَايَةُ هَذَا الْفَرْعِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ مَنَاصِيصِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَجِيبٌ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ نَصَّ عَلَى خِلَافِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ فِي الْأُمِّ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقًا طَلُقَتْ أُخْرَى قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْحَالَ صِفَةً يَقَعُ الطَّلَاقُ بِوُجُودِهَا وَالْحَالُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهَا فَإِذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ وَقَعَتْ أُخْرَى قَالَ: يَعْنِي الشَّافِعِيَّ وَإِنْ قَالَ أَرَدْت بِقَوْلِي طَالِقًا طَلْقَةً أُخْرَى طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ طَلْقَةً بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَلْقَةً أُخْرَى بِمَا نَوَاهُ فَإِنْ قَالَ أَرَدْت بِالثَّانِيَةِ أَنَّهَا الْأُولَى تَأْكِيدًا لَهَا حَلَّفْته قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ أَنَّهُ يَقَعُ بِهَا طَلْقَتَانِ طَلْقَةً بِالْمُبَاشَرَةِ وَأُخْرَى بِالصِّفَةِ. اهـ. وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ جَرَى جَمْعٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَمِنْ الْمَرَاوِزَةِ كَالْإِمَامِ وَغَيْرِهِ وَظَهَرَ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى الْعَبَّادِيِّ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا عِنْدَ إرَادَةِ الْحَالِ وَالثَّانِي عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ثُمَّ سَاقَ كَلَامًا بَيَّنَ بِهِ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ لَا يَتَقَيَّدَانِ بِنَصِّ الْأُمِّ وَلَا بِغَيْرِهِ بَلْ بِمَا اتَّضَحَ مَدْرَكُهُ وَإِنْ خَالَفَ النَّصَّ؛ لِأَنَّهُ كَمَا بَيَّنْته بِشَوَاهِدِهِ فِي شَرْحِ خُطْبَةِ الْعُبَابِ بَلْ وَفِي الْفَتَاوَى بِأَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَا طَيْبَةَ الْمُشَرَّفَةَ سَنَةَ خَمْسِينَ فَرَفَعَ فُضَلَاؤُهَا سُؤَالًا فِيهِ طَلَبُ وَجْهِ الْعُدُولِ عَنْ اعْتِرَاضَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَيْهِمَا بِالنَّصِّ وَكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُسْمَعُ لَهُمْ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ نَصٍّ لَهُ آخَرَ، أَوْ قَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِهِ فَكَانَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ رَجَّحَا مِنْهُمَا مَا اتَّضَحَ مَدْرَكُهُ وَهُنَا كَذَلِكَ، إذْ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْته فِي التَّهْذِيبِ الْمُصَرِّحِ بِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْحَالَ لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ وَعَنْ الْوَجْهِ الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي. وَعَنْ الْعَبَّادِيِّ رَجَّحَ الشَّيْخَانِ مِنْهَا كَلَامَ الْعَبَّادِيِّ لِظُهُورِهِ وَجَرَيَانِهِ عَلَى الْقَوَاعِدِ إذْ الْأَصْلُ فِي الْحَالِ أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً لِعَامِلِهَا فَإِذَا رَاعَيْنَا هَذَا الْأَصْلَ تَعَيَّنَ مَا ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ وَلَا يُنَافِي هَذَا كَوْنَهَا فِي مَعْنَى الصِّفَةِ الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ قَيْدٌ فِي الْمَعْنَى أَيْضًا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا فِي مَعْنَى الصِّفَةِ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ تَقَدُّمِ طَلْقَةٍ عَلَيْك عَلَى أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ لَا يَقْتَضِي إنْشَاءَ إيقَاعِ طَلْقَةٍ بَلْ الْإِخْبَارُ بِوُقُوعِهَا فَلْيُجْرَ فِيهِ بِفَرْضِ اعْتِمَادِهِ مَا قَالُوهُ فِي نَحْوِ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ إنْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ بِأَنَّهُ طَلَّقَهَا أَمْسِ فِي هَذَا الْعَقْدِ، وَكَذَا لَوْ أَرَادَ أَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي عَقْدٍ آخَرَ وَأَنَّ زَوْجًا آخَرَ قَبْلَهُ طَلَّقَهَا إنْ عُرِفَ ذَلِكَ وَكَذَا إنْ لَمْ يُعْرَفْ عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ اعْتِرَاضًا عَلَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ إنَّ الْحَالَ تَقْتَضِي الْمُقَارَنَةَ فَعَجِيبٌ؛ لِأَنَّ اقْتِضَاءَهَا الْمُقَارَنَةَ يُؤَيِّدُ مَا قَالَاهُ لَا أَنَّهُ يَرُدُّهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا اقْتَضَاهَا مَعَ كَوْنِهِ قَيْدًا كَمَا تَقَرَّرَ اقْتَضَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ حَالًا كَمَا قَالَاهُ بَلْ إنْ طَلَّقَ وَقَوْلُهُ وَيَصِيرُ. . . إلَخْ، أَعْجَبُ وَلَيْسَ هَذَا نَظِيرًا لِمَسْأَلَتِنَا بِوَجْهٍ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ حُرِّيَّةَ نَصِيبِهِ عَلَى عِتْقِ شَرِيكِهِ بِأَدَاةِ الشَّرْطِ وَجَعَلَ وُقُوعَهَا

стр. 1103

مُقَارِنًا لَهُ بِقَوْلِهِ: حَالَ عِتْقِك وَأَمَّا هُنَا فَعَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى وُجُودِ اتِّصَافِهَا بِكَوْنِهَا طَالِقًا فَعَمِلُوا فِي كُلٍّ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ فِيهِ وَقَوْلُهُ وَحِكَايَةُ هَذَا الْفَرْعِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ. . . إلَخْ. جَوَابُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَجِيبٍ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ قَدْ يَعْدِلَانِ عَنْ نَصٍّ لِمُقْتَضَى نَصٍّ آخَرَ هَذَا وَاعْتِرَاضُ الْأَذْرَعِيِّ صَاحِبِ الذَّخَائِرِ الَّذِي ذَكَرَ فِي الْخَادِمِ أَنَّ أَبَا الطَّيِّبِ سَبَقَهُ إلَيْهِ فِي أَخْذِهِ مِنْ النَّصِّ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ يَقَعُ طَلْقَتَانِ أَيْ: حَالًا وَاضِحٌ مِمَّا قَرَّرْته بَلْ الْوَجْهُ فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ وَإِرَادَةِ الْحَالِ مَا قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ خِلَافًا لِمَا مَرَّ عَنْ الْخَادِمِ فَتَأَمَّلْهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ فِي رُوحِي طَالِقًا إذَا لَمْ يُرِدْ بِرُوحِي طَلَاقًا لَا يَقَعُ بِطَالِقٍ شَيْءٌ مُطْلَقًا عَلَى الْأَوْجَهِ وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَرَيَانِ تِلْكَ الْأَوْجُهِ فِي أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقًا جَرَيَانُهَا فِي رُوحِي طَالِقًا إذَا لَمْ يَنْوِ بِرُوحِي طَلَاقًا لِمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ ثَمَّ صِيغَةً صَحِيحَةً صَرِيحَةً فَاغْتُفِرَ فِي تَابِعِهَا الْمُنَزَّلِ عَلَى مَعْنَاهَا وَحُكْمِهَا مَا لَمْ يُغْتَفَرْ فِي الْمُسْتَقِلِّ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ بِتَابِعٍ لِغَيْرِهِ. وَمِثْلُهُ لَا يَقَعُ بِاسْتِقْلَالِهِ شَيْءٌ كَمَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ كُلَّهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ. وَاَللَّهُ بِفَضْلِهِ هُوَ الْهَادِي إلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَإِلَيْهِ مَفْزَعُنَا فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ. فَإِنْ قُلْت هَلْ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ ذَلِكَ الْوَجْهِ الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ أَصْلًا بِمَا يَفِي بِهِ وَيَدْفَعُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ بِالْمَرَّةِ أَيْ: لِتَعْلِيلَيْهِ الْمُطَبَّقَيْنِ عَلَى مَا يَرُدُّهُ وَيُزَيِّفُهُ. قُلْت: نَعَمْ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْحَالَ مُقَيِّدَةٌ لِصَاحِبِهَا وَأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مِنْ نَوْعِ الْمَأْمُورِ بِهِ، أَوْ مِنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ تَنَاوَلَهَا الْأَمْرُ كَحُجَّ مُفْرَدًا، أَوْ اُدْخُلْ مَكَّةَ مُحْرِمًا فَإِذَا تَأَمَّلْت ذَلِكَ ظَهَرَ لَك أَنَّ طَالِقًا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَوْعِ رُوحِي لِتَنَاوُلِ الرَّوَاحِ بِمَعْنَى الذَّهَابِ لِلطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِأَنْ يُفَوِّضَهُ إلَيْهَا فَتُوقِعَهُ وَلَمْ تُوقِعْهُ فَحِينَئِذٍ اتَّضَحَ نَظَرًا لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ وَأَنَّهُ لَا شُذُوذَ فِي هَذَا الْوَجْهِ أَصْلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ ثَلَاثٌ بِرَفْعٍ أَوْ خَفْضٍ أَوْ سُكُونٍ هَلْ تَطْلُقُ مَعَ النِّيَّةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عُمُومِ كَلَامِ الْمُتَوَلِّي وَقَدْ فَرَّقَ الْفَقِيهُ ابْنُ عَبْسِينَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَامِّ وَغَيْرِهِ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ صَرِيحَةٌ فِي الطَّلَاقِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي إلَّا فَسَادُ كَلَامِهِ وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَظْهَرُ بِهَا لَيْسَتْ مِثْلَهَا فِيمَا يَظْهَرُ لِي وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ الثَّلَاثُ لَا يَكُونُ شَيْئًا. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ ذَكَرْت الْمَسْأَلَةَ بِأَطْرَافِهَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَعِبَارَتُهُ، أَوْ أَنْتِ اثْنَانِ وَنَوَى بِهِ ثَلَاثًا فَقَضِيَّةُ مَا نَقَلَهُ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ التَّوْشِيحِ وُقُوعُ ثِنْتَيْنِ وَإِنَّمَا التَّرَدُّدُ فِي وُقُوعِ الثَّلَاثِ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ بِنَاءً عَلَى اعْتِمَادِهِ عَدَمُ وُقُوعِهَا خِلَافًا لِمَا أَفْتَيْت بِهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا وَيُنَافِي الْوُقُوعَ مِنْ أَصْلِهِ مَا يَأْتِي فِي أَنْتِ ثَلَاثٌ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ ثِنْتَانِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِمَحْذُوفٍ أَيْ: أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ وَيَكُونُ ذِكْرُ الْأَلِفِ فِيهِ عَلَى اللُّغَةِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ فَأَثَّرَتْ نِيَّةُ الْعَدَدِ حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا لَمْ تُؤَثِّرْ نِيَّةُ الثَّلَاثِ لِمُنَافَاةِ لَفْظِهِ لَهَا كَمَا تَقَرَّرَ. وَلَوْ نَوَى بِأَنْتِ ثِنْتَانِ وَاحِدَةً وَقَعَتَا أَيْضًا فِيمَا يَظْهَرُ لِمُنَافَاةِ لَفْظِهِ لِنِيَّتِهِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ، أَوْ أَنْتِ ثَلَاثًا وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَلَغْوٌ وَإِنْ نَوَى أَصْلَ الطَّلَاقِ فَقَطْ فَثَلَاثٌ أَيْ: لِأَنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي الْعَدَدِ وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَجْهَانِ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ وُقُوعُ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ ثَلَاثًا صَرِيحٌ فِي الْعَدَدِ فَلَا أَثَرَ لِنِيَّةِ خِلَافِهِ، أَوْ أَنْتِ ثَلَاثٌ، أَوْ أَنْتِ الثَّلَاثُ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَفَارَقَتْ ثَلَاثٌ ثَلَاثًا بِأَنَّهَا بِالرَّفْعِ خَبَرُ أَنْتِ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ تَرْكِيبٌ فَاسِدٌ إذْ لَا يُخْبَرُ عَنْ أَنْتِ الْمَوْضُوعَةِ لِلذَّاتِ بِثَلَاثٍ سَوَاءٌ عُرِّفَتْ أَمْ نُكِّرَتْ وَلَا أَثَرَ لِصِحَّتِهِ بِتَقْدِيرِ أَنَّهَا صَارَتْ عَيْنَ الثَّلَاثِ مُبَالَغَةً وَادِّعَاءً؛ لِأَنَّ هَذَا اعْتِبَارٌ مُحَسَّنٌ يُخَالِفُهُ مَوْضُوعُ اللَّفْظِ وَالْحَمْلُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَخْرُجُ عَلَيْهِ وَلَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ فِي أَنْتِ الطَّلَاقُ لِوُجُودِ الْمَصْدَرِ ثُمَّ الَّذِي هُوَ أَصْلُ طَالِقٍ وَنَحْوِهِ فَأَثَّرَتْ نِيَّةُ الطَّلَاقِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ قَدْ يُرَادُ بِهِ اسْمُ الْفَاعِلِ وَنَحْوُهُ وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ إرَادَةِ ذَلِكَ فَفِيهِ أَصْلُ الْمَادَّةِ فَصَحَّتْ نِيَّتُهَا حِينَئِذٍ بِخِلَافِ ثَلَاثٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ فَلَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ بِهِ، وَأَمَّا النَّصْبُ فَهُوَ يَقْتَضِي حَذْفَ الْخَبَرِ فَيُقَدَّرُ بِمَا يُنَاسِبُهُ وَهُوَ طَالِقٌ فَصَحَّ اللَّفْظُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعَدَدِ الصَّرِيحِ وَبِمَا ذَكَرْته يَنْدَفِعُ قَوْلُ

стр. 1104

الْأَذْرَعِيِّ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ ثَلَاثٍ وَالثَّلَاثِ ثُمَّ مَا تَقَرَّرَ فِي أَنْتِ الثَّلَاثُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ إذَا رَفَعَهُ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي وُقُوعُ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الرَّفْعِ يَصِحُّ مَعَهُ اللَّفْظُ بِتَقْدِيرِ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ، أَوْ أَنْتِ ذَاتُ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَالسُّكُونُ ظَاهِرٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ بَيْنَ النَّحْوِيِّ وَغَيْرِهِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّا إنَّمَا قَدَّرْنَا مَا تَقَرَّرَ وَمَا يَأْتِي رِعَايَةً لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ مَعَ نِيَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ تَخْرِيجُهُ عَلَى الصِّنَاعَةِ النَّحْوِيَّةِ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الصَّنَاعَةِ إلَّا أَنَّهُ يَفْهَمُهُ بِالطَّبْعِ فَيَقْصِدُهُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ فَانْدَفَعَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَمْ يُفَرِّقُوا هُنَا بَيْنَ النَّحْوِيِّ وَغَيْرِهِ وَلِلْفَرْقِ اتِّجَاهٌ انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَفِيهَا التَّصْرِيحُ بِمَا يُوَافِقُ مَا قَالَهُ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَدَدِهِ، وَالرَّدُّ عَلَى مَا قَالَهُ الْفَقِيهُ ابْنُ عَبْسِينَ وَلَمْ أَدْرِ مَا النَّظِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَلَوْ ذَكَرَهُ السَّائِلُ لَوَضَّحْت الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ وَقَدْ يُسْتَشْهَدُ لَهُ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ مِائَةُ طَالِقٍ وَقَعَ عَلَيْهِ الثَّلَاثُ وَلَا شَاهِدَ فِيهِ لِصِحَّةِ التَّرْكِيبِ هُنَا إذْ مَدْلُولُهُ أَنَّهَا جَمَعَتْ مَا وُصِفَتْ بِهِ مِنْ الطَّلَاقِ وَهُوَ مِائَةُ طَلْقَةٍ فَكَانَ مُرَادُهُ أَنْتِ طَالِقٌ مِائَةً وَهَذَا يَقَعُ بِهِ الثَّلَاثُ وَلَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ فِي أَنْتِ ثَلَاثٌ، أَوْ الثَّلَاثُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ، قَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ: أَنْتِ مِنَى بِوَاحِدَةٍ وَنَوَى الثَّلَاثَ، أَوْ بِثَلَاثٍ وَنَوَى الطَّلَاقَ دُونَ الثَّلَاثِ فَوَجْهَانِ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ صَحِيحٌ فَأَثَّرَتْ فِيهِ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَكِنْ لَمَّا نَوَى الطَّلَاقَ تَعَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْخَبَرَ الْمَحْذُوفَ هُوَ طَالِقٌ وَمِنْ ثَمَّ رَجَّحْت فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ الْوُقُوعَ فَقُلْت وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ فِي الْأُولَى وُقُوعُ وَاحِدَةٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُ الثَّلَاثَ بِوَجْهٍ وَفِي الثَّانِيَةِ وُقُوعُ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ صَرِيحٌ فِي الْعَدَدِ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ فَهُوَ كَأَنْتِ بَائِنٌ ثَلَاثًا فَإِنْ قُلْت لَمْ يُبَيِّنْ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ حُكْمَ الْجَرِّ وَالسُّكُونِ فِي أَنْتِ ثَلَاثٌ قُلْت هُوَ مَعْلُومٌ مِمَّا ذَكَرْته مِنْ الْوُقُوعِ عِنْدَ النِّيَّةِ فِي أَنْتِ الثَّلَاثِ بِالْجَرِّ، أَوْ السُّكُونِ أَيْ: أَنْتِ ذَاتُ طَلَاقٍ ثَلَاثٍ وَالسُّكُونُ عَلَى الْوَقْفِ فَإِنْ قُلْت يُؤَيِّدُ مَنْ بَحَثَ الْفَرْقَ هُنَا بَيْنَ النَّحْوِيِّ وَغَيْرِهِ فَرْقُهُمْ بَيْنَهُمَا فِي أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلْت الدَّارَ بِفَتْحِ إنْ، وَنَحْوُهُ قُلْت يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ اخْتِلَافَ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ ثَمَّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالطَّلَاقِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ حَيْثُ تَعْجِيلُ الْوُقُوعِ فِي الْفَتْحِ وَتَأْخِيرُهُ فِي الْكَسْرِ فَنَظَرْنَا إلَى مَا يَتَبَادَرُ مِنْ حَالِ الْعَامِّيِّ عِنْدَ نُطْقِهِ بِنَحْوِ هَذِهِ الصِّيغَةِ وَهُوَ التَّعْلِيقُ لِبُعْدِ إرَادَته مِنْهَا مَعْنَى التَّعْلِيلِ فَفَرَّقْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّحْوِيِّ وَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ هُنَا فَاخْتِلَافُ حَرَكَةِ ثَلَاثٍ، أَوْ الثَّلَاثِ فِيهِ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالطَّلَاقِ إثْبَاتًا تَارَةً كَمَا فِي حَالَةِ النَّصْبِ وَنَفْيًا أُخْرَى كَمَا فِي حَالَةِ الرَّفْعِ، فَلَمْ نَنْظُرْ لِلَفْظِهِ إذَا صَدَرَ مِنْ عَامِّيٍّ وَإِنَّمَا نَظَرْنَا لِقَصْدِهِ فَحَيْثُ نَوَى مَا يُوَافِقُ الصِّنَاعَةَ وَلَوْ بِتَقْدِيرٍ أَوْقَعْنَا بِهِ وَحَيْثُ لَا فَلَا وَكَذَا النَّحْوِيُّ؛ لِأَنَّ مَا فَصَّلْنَاهُ فِي الرَّفْعِ وَغَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ هُوَ قَضِيَّةُ الصِّنَاعَةِ النَّحْوِيَّةِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ إلَّا مَعَ الْقَصْدِ وَإِلَّا كَانَ لَغْوًا فَلَزِمَ حِينَئِذٍ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ النَّحْوِيِّ وَغَيْرِهِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَيُؤَيِّدُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا هُنَا عَدَمُهُ فِي أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ شَاءَ اللَّهُ بِالْفَتْحِ فَتَقَعُ وَاحِدَةً مِنْ النَّحْوِيِّ وَغَيْرِهِ وَفَرَّقَ الزَّرْكَشِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي إنْ دَخَلْت الدَّارَ بِأَنَّ هَذَا لَا يَغْلِبُ فِيهِ التَّعْلِيقُ فَعِنْدَ الْفَتْحِ يَنْصَرِفُ لِلتَّعْلِيلِ بِهِ مُطْلَقًا وَذَاكَ يَغْلِبُ فِيهِ قَصْدُ التَّعْلِيقِ فَفَرْقٌ فِيهِ بَيْنَ النَّحْوِيِّ وَغَيْرِهِ وَشَيْخُنَا زَكَرِيَّا بِأَنَّ حَمْلَ هَذَا عَلَى التَّعْلِيقِ يُؤَدَّى إلَى رَفْعِ الطَّلَاقِ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ وَصَاحِبُ الْإِسْعَادِ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ الْمَفْتُوحَةُ لِلتَّعْلِيقِ فَتَمَخَّضَتْ لِلتَّعْلِيلِ بِخِلَافِهَا فِي الدُّخُولِ وَنَحْوِهِ فَكَمَا أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِمَا ذُكِرَ كَذَلِكَ فَرَّقْنَا نَحْنُ بَيْنَ صُورَةِ السُّؤَالِ وَإِنْ دَخَلَتْ بِمَا قَدَّمْنَاهُ وَاضِحًا مُبَيَّنًا. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ مِثْلُك طَالِقٌ فَمَا حُكْمُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَمْ أَرَ فِي هَذِهِ نَقْلًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَقَعُ عَلَى زَوْجَتِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوقِعْ الطَّلَاقَ عَلَى زَوْجَتِهِ قَصْدًا وَلَا ضِمْنًا وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ عَلَى مُمَاثِلِهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِهِ عَلَى مُمَاثِلِهَا وُقُوعُهُ

стр. 1105

عَلَيْهَا لِتَغَايُرِ ذَاتَيْ الْمِثْلَيْنِ وَإِنْ اتَّحَدَا فِي الصِّفَاتِ، أَوْ فِي بَعْضِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ وَأَنَّ مُمَاثَلَتَهَا لِغَيْرِهَا إنَّمَا هِيَ مِنْ حَيْثُ إيقَاعُهُ الطَّلَاقَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا الْمُخَاطَبَةِ بِطَرِيقِ الصَّرِيحِ وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّ طَلَاقَهُ لِغَيْرِ زَوْجَتِهِ لَغْوٌ فَكَيْف يُشْرِكُهَا مَعَهَا فِيهِ وَهُوَ لَغْوٌ؛ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فَقَالَ آخَرُ لِزَوْجَتِهِ أَشْرَكْتُك مَعَهَا كَانَ ذَلِكَ كِنَايَةً؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ أَوْقَعْته عَلَيْك كَمَا أَوْقَعَهُ ذَاكَ عَلَى زَوْجَتِهِ فَكَذَا هُنَا مَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ كَمَا كُلُّ مَنْ هُوَ مِثْلُك طَالِقٌ. وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا مِنْ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَسُّفِ وَأَنَّ الْكِنَايَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَحْتَمِلَ الطَّلَاقَ احْتِمَالًا خَالِيًا عَنْ تَكْلِيفٍ وَتَعَسُّفٍ وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا هُنَا أَنَّهُ كَقَوْلِهِ نِسَاءُ الْعَالَمِينَ، أَوْ الزَّيْدِينَ طَوَالِقُ وَأَنْتِ يَا زَوْجَتِي. وَلَا طَلَاقَ بِهَذَا وَإِنْ نَوَاهُ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الْبَاطِلِ بَاطِلٌ فَكَذَا هَذَا قَدْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَى مُمَاثِلَتِهَا بِالصَّرِيحِ وَهُوَ بَاطِلٌ فَوُقُوعُهُ عَلَى زَوْجَتِهِ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ كَالْمَعْطُوفِ عَلَى الْبَاطِلِ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُقْتَضِيَ لِلْإِيقَاعِ مُخْتَلِفٌ وَبَيْنَهُمَا تَرَتُّبٌ فَلَمْ يُمْكِنُ بِنَاءُ الْمَعْطُوفِ عَلَى الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِبُطْلَانِهِ بِخِلَافِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْإِيقَاعِ لَفْظٌ وَاحِدٌ. وَيُجَابُ بِأَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ بِالرُّتْبَةِ بَلْ وَبِالزَّمَانِ عِنْدَ قَوْمٍ فَلَا يَبْعُدُ الْقِيَاسُ فَإِنْ قُلْت قَدْ يُعَبِّرُ الْبُلَغَاءُ بِالْمِثْلِ وَلَا يُرِيدُونَ حَقِيقَتَهُ كَمَا فِي نَحْوِ: مِثْلُك لَا يَبْخَلُ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ إلَّا أَنْتَ لَا تَبْخَلُ وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْمَثَلِ لِيُفِيدَ نَفْيَ الْبُخْلِ عَنْهُ بِطَرِيقٍ أَظْهَرَ قُلْت هَذَا الِاعْتِبَارُ الْمُحَسَّنُ لَا يَأْتِي هُنَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ مِثْلُك طَالِقٌ حَيْثُ جَعَلَ الْمِثْلَ صِفَةً لِغَيْرِهَا صَرِيحًا فَلَمْ تُمْكِنْ إرَادَتُهَا مِنْ هَذَا التَّرْكِيبِ؛ لِأَنَّك لَوْ أَرَدْت أَنْ تُعَبِّرَ عَنْهُ بِأَنْتِ طَالِقٌ لَكَانَ تَأْوِيلًا بَعِيدًا وَحَمْلًا مُتَعَسِّفًا وَالْمُحَسِّنُ الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي مِثْلُك لَا يَبْخَلُ الدَّاعِي إلَيْهِ قَصْدُ الْمَدْحِ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِ لَا يَأْتِي هُنَا إلَّا بِتَكَلُّفٍ بَعِيدٍ، فَلَمْ يَظْهَرْ كَوْنُهُ كِنَايَةً لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّهَا مَا يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ احْتِمَالًا قَرِيبًا وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْته فَتَأَمَّلْهُ. وَلَا يَأْتِي هُنَا الْوُقُوعُ الَّذِي قِيلَ بِهِ فِي كُلِّ امْرَأَةٍ غَيْرُك طَالِقٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَا يَأْتِي هُنَا وَهُوَ مَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَغْرِقِ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ نَقْدٍ وَرَدٍّ وَتَنَاقُضٍ وَاخْتِلَافٍ وَقَدْ بَيَّنْتُ خُلَاصَتَهُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ ثُمَّ رَأَيْت مَا يُؤَيِّدُ مَا مِلْت إلَيْهِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ كِنَايَةٍ وَهُوَ أَنَّ جَمْعًا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي أَنْتِ أَوْلَى النِّسَاءِ بِنَفْسِك، أَوْ وَلِيَّةُ النِّسَاءِ بِنَفْسِك فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ لِتَضَمُّنِهِ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك وَهُوَ كِنَايَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِكِنَايَةٍ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ عُرْفَ الْعَامَّةِ كَلَا عُرْفٍ وَلَوْ قَالَ الطَّلَاقُ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا قَالَ الْقَفَّالُ: هُوَ لَغْوٌ وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَلَيْسَ كِنَايَةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إضَافَةٌ إلَى الْمَرْأَةِ وَلَا الْتِزَامٌ مِنْ الزَّوْجِ وَأَفْتَى الْعِجْلِيّ بِأَنَّهُ كِنَايَةٌ فَإِذَا قَالَ مَنْ ذَكَرَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ بِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْكِنَايَاتِ فَكَذَا مَسْأَلَتُنَا بَلْ قَوْلُ الْقَفَّالِ تَعْلِيلًا لِعَدَمِ الْكِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إضَافَةٌ إلَى الْمَرْأَةِ. . . إلَخْ نَصٌّ فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: كُلُّ امْرَأَةٍ مِثْلُك طَالِقٌ لَيْسَ فِيهِ إضَافَةٌ إلَى زَوْجَتِهِ فَلَا يَكُونُ كِنَايَةً. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْفَ مَرَّةٍ وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا هَلْ تَطْلُقُ وَاحِدَةً كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ الرَّوْضَةِ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ وَعَنْ نَفَائِسِ الْأَزْرَقِ وَذَكَر أَنَّ شَارِحَ الرَّوْضِ أَقَرَّ الرَّوْضَ كَأَصْلِهِ عَلَى ذَلِكَ وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الرَّوْضِ وَأَصْلِهِ يُفْهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ فَمَا الصَّوَابُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ غَلَطٌ صَرِيحٌ إمَّا لِسِقَمٍ فِي نَقْلِهِ، أَوْ فَهْمِهِ، أَوْ نُسْخَتِهِ فَاَلَّذِي فِي الرَّوْضَةِ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَاحِدَةً أَلْفَ مَرَّةٍ وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةً كَذَا قَالَ الْمُتَوَلِّي هَذِهِ عِبَارَتُهُ وَجَرَى عَلَيْهَا الرَّوْضُ وَشَارِحُهُ وَاَلَّذِي فِي النَّفَائِسِ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَاحِدَةً أَلْفَ مَرَّةٍ وَلَمْ يَنْوِ الْعَدَدَ لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةً قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَهَذِهِ الصُّورَةُ غَيْرُ صُورَةِ السُّؤَالِ فَالْتِبَاسُهَا بِهَا يُنْبِئُ عَنْ مَزِيدِ غَفْلَةٍ وَتَسَاهُلٍ، أَوْ عَنْ فَسَادِ تَصَوُّرٍ وَوَجْهُ وُقُوعِ الْوَاحِدَةِ فَقَطْ فِيهَا أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَهُ وَاحِدَةً لَمْ يُؤَثِّرْ قَوْلُهُ بَعْدَهُ أَلْفَ مَرَّةٍ كَذَا لَوْ قَالُوهُ لَكِنْ اسْتَشْكَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ طَلُقَتْ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ تَمَّ بِطَلْقَةٍ وَمَا بَعْدَهُ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْتَ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ الْإِشْكَالِ فِي هَذِهِ

стр. 1106

كَتِلْكَ بِأَنَّهُ لِمَ لَا يُقَالُ إنَّ أَلْفَ مَرَّةٍ وَثَلَاثَ طَلْقَاتٍ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا - جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦٠ - ٦١] قُلْتُ كَأَنَّهُمْ لَحَظُوا فِي الْفَرْقِ أَنَّ الْمُبْدَلَ مِنْهُ فِي الْآيَةِ فِي قُوَّةِ الْجَمْعِ لِكَوْنِهِ مُحَلًّى بِأَلْ فَحَسُنَ إبْدَالُ الْجَمْعِ مِنْهُ وَهُنَا لَيْسَ فِي الْمُبْدَلِ مِنْهُ مَا يُقَرِّبُهُ مِنْ الْجَمْعِ فَلَمْ يَحْسُنْ إبْدَالُهُ مِنْهُ ثُمَّ هَذَا الْإِيرَادُ وَإِنْ تَوَجَّهَ فِي مَسْأَلَةِ النَّصِّ لَا يَتَوَجَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الرَّوْضَةِ؛ لِأَنَّ التَّنَافِيَ فِيهَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ وَأَلْفٍ أَتَمُّ وَأَظْهَرُ مِنْهُ بَيْنَ طَلْقَةٍ وَثَلَاثٍ، فَإِذَا أَلْغَى الشَّافِعِيُّ ﵁ النَّظَرَ إلَى ثَلَاثٍ فِي مَسْأَلَةٍ فَأَوْلَى أَنْ يُلْغِيَ النَّظَرَ إلَى أَلْفٍ فِي مَسْأَلَةِ الرَّوْضَةِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّنَافِي، وَالْكَلَامُ قَدْ تَمَّ بِوَاحِدَةٍ فَلَا نَظَرَ لِمَا بَعْدَهَا لِمُنَافَاتِهِ لَهَا كَمَا تَقَرَّرَ. هَذَا كُلُّهُ فِي مَسْأَلَةِ الرَّوْضَةِ وَالرَّوْضِ وَشَرْحِهِ وَالنَّفَائِسِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ السُّؤَالِ الَّتِي نَقَلَهَا بَعْضُهُمْ عَنْ هَذِهِ الْكُتُبِ غَلَطًا وَتَحْرِيفًا فَالصَّوَابُ فِيهَا وُقُوعُ الثَّلَاثِ وَلَا شُبْهَةَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى مَسْكَةٍ مِنْ فَهْمٍ، أَوْ تَصَوُّرٍ، نَعَمْ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِثْلُ أَلْفٍ، أَوْ مِثْلُ الْأَلْفِ طَلُقَتْ ثَلَاثًا فِي الْأُولَى وَوَاحِدَةً فِي الثَّانِيَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْعَبَّادِيُّ عَنْ الْكَرَابِيسِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ وَقِيَاسُ الْعَمْدِ فِي أَنْتِ كَمِائَةِ طَلْقَةٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ إلَّا وَاحِدَةً أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي وُقُوعِ الْوَاحِدَةِ فِي مَسْأَلَتَيْ الْعَبَّادِيِّ عَنْ الْكَرَابِيسِيِّ بَيْنَ الْمُعَرَّفِ وَالْمُنَكَّرِ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الصَّبَّاغِ وُقُوعَ الثَّلَاثِ فِي أَنْتِ كَمِائَةِ طَالِقٍ لِوُقُوعِ التَّشْبِيهِ فِي الْعَدَدِ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ التَّشْبِيهَ لَيْسَ نَصًّا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كَمِائَةِ طَالِقٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِهِنَّ فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَفْرَادِهِنَّ، أَوْ فِي عَدَدِ الْوَاقِعِ عَلَيْهِنَّ وَإِذَا احْتَمَلَ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا عَامَلْنَاهُ بِالْأَقَلِّ تَمَسُّكًا بِأَصْلِ بَقَاءِ الْعِصْمَةِ كَمَا تَمَسَّكُوا بِهِ فِي مَسَائِلَ لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ دِرَايَةٌ بِكَلَامِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ وَاقِعَةِ حَالٍ مُهِمَّةٍ هِيَ شَخْصٌ ذُكِرَ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ مَثَلًا وَأُهْدُوا هَدَايَا لِلْأَصْحَابِ وَلَمْ يُعْطُوهُ شَيْئًا أَوْ أَعْطَوْهُ شَيْئًا اسْتَقَلَّهُ فَقَالَ أَمَّا أَنَا فَطَلَّقْت أَوْ فَقَدْ طَلَّقْت النَّاسَ كُلَّهُمْ ثَلَاثًا بِمَعْنَى أَنِّي قَطَعْت طَمَعِي عَنْهُمْ كُلِّهِمْ وَلَهُ زَوْجَةٌ وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ قَصْدُ الطَّلَاقِ الشَّرْعِيِّ وَلَا مَعْنَاهُ وَلَمْ يَقْصِدْ زَوْجَتَهُ حَالَ تَلَفُّظِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَهَلْ تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ بِمُجَرَّدِ هَذَا اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ لِدُخُولِهَا فِي عُمُومِ لَفْظِهِ الصَّرِيحِ أَمْ لَا وَهَلْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَمَسْأَلَةِ الْوَاعِظِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي الرَّاجِحُ فِيهَا عَدَمُ الْوُقُوعِ بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ وَأَوْضِحُوا إيضَاحًا شَافِيًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ بَيَّنْت فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ نِسَاءُ الْعَالَمِينَ طَوَالِقُ لَمْ تَطْلُقْ زَوْجَتُهُ إلَّا إنْ أَرَادَهَا فَإِذَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ فِي هَذِهِ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِالنِّسَاءِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَقَعَ عَلَيْهِ طَلَاقٌ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ وَلَا تَتَخَرَّجُ هَذِهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَاعِظِ؛ لِأَنَّهُ خَاطَبَ الْجَمْعَ الَّذِينَ فِيهِمْ امْرَأَتُهُ بِقَوْلِهِ: طَلَّقْتُكُمْ فَفِيهِ خِطَابٌ لِلْمَرْأَةِ مَعَهُمْ، لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقْصِدْ حَقِيقَةَ الطَّلَاقِ الشَّرْعِيِّ مَعَ وُجُودِ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِعَدَمِ طَلَاقِ امْرَأَتِهِ وَأَمَّا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ فَإِنَّهُ إنَّمَا تَلَفَّظَ بِقَوْلِهِ طَلَّقْت النَّاسَ كُلَّهُمْ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ لَا أَثَرَ لَهَا فِي تَنَاوُلِ زَوْجَتِهِ لِعَدَمِ تَأْثِيرِهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي قَوْلِهِمْ لَوْ قَالَ: نِسَاءُ الْعَالَمِينَ طَوَالِقُ وَأَنْتِ يَا زَوْجَتِي لَمْ تَطْلُقْ زَوْجَتُهُ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَهَا عَلَى مَنْ لَا تَطْلُقُ بَلْ لَوْ قَالَ مَنْ اسْمُهُ زَيْدٌ نِسَاءُ الزَّيْدِينَ طَوَالِقُ لَمْ تَطْلُقْ زَوْجَتُهُ، وَقَوْلُ الرُّويَانِيِّ تَطْلُقُ إنَّمَا يَأْتِي كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَمُولِيُّ عَلَى ضَعِيفٍ. نَعَمْ لَوْ قَالَ: امْرَأَةُ الزَّيْدِينَ طَالِقٌ طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ لَكِنَّ الَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ لَمْ أُرِدْ نَفْسِي؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ التَّعْرِيفِ عَلَى دُخُولِهِ فِي لَفْظِهِ لَا تُقَاوِمُ إرَادَتَهُ صَرْفَ لَفْظِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَفِي الرَّوْضَةِ وَجْهَانِ عَنْ الْقَفَّالِ فِيمَا لَوْ قَالَ مَنْ عُزِلَ عَنْ الْقَضَاءِ امْرَأَةُ الْقَاضِي طَالِقٌ. وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ مِنْهُمَا عَدَمُ الطَّلَاقِ كَمَا بَيَّنْتُهُ مَعَ مَا قَبْلَهُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَبِهَذَا كُلِّهِ بَانَ أَنَّ صُورَةَ السُّؤَالِ لَا يَجْرِي فِيهَا الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْوَاعِظِ فَلَا يَقَعُ فِيهَا طَلَاقٌ وَإِنْ قُلْنَا بِوُقُوعِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَاعِظِ لِمَا عَلِمْتَهُ مِمَّا تَقَرَّرَ. (وَسُئِلَ) عَنْ أَمَةٍ غَرَّتْ بِزَوْجِهَا بِإِذْنِ السَّيِّدِ لَهَا فِي بَذْلِ مَهْرِهَا فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَوْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِالْوُقُوعِ فَهَلْ هُوَ بَائِنٌ أَوْ رَجْعِيٌّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَقَعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَيَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهَا تَتَبُّعٌ بِهِ إذَا عَتَقَتْ وَقَدْ ذَكَرْت فِي اخْتِصَارِي لِتَحْرِيرِ

стр. 1107

الْآرَاءِ مَسْأَلَةَ الْبَذْلِ وَمَا فِيهَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فَقُلْت إذَا قَالَتْ بَذَلْت صَدَاقِي عَلَى طَلَاقِي، أَوْ بِطَلَاقِي فَطَلَّقَ بَانَتْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا طَلَّقَ بِعِوَضٍ ثُمَّ إنْ عَلِمْنَا قَدْرَ الْمَهْرِ وَوُجِدَتْ شُرُوطُهُ السَّابِقَةُ وَأَرَادَتْ بِبَذْلِهِ الْإِبْرَاءَ مِنْهُ بَرِئَ مِنْهُ وَإِلَّا لَمْ يَبْرَأْ وَلَزِمَهَا لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ. هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَاَلَّذِي فِي فَتَاوَى الْأَصْبَحِيِّ. إذَا قَالَتْ بَذَلْت صَدَاقِي عَلَى طَلَاقِي فَطَلَّقَ وَقَعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا الزَّوْجُ فَلَا فَرْقَ بَيْن أَنْ تَقُولَ بَذَلْت لَك، أَوْ بَذَلْت وَفِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَجَزْت كَبَذَلْتُ ثُمَّ رَأَيْتُنِي ذَكَرْت فِي الْفَتَاوَى أَنِّي سُئِلْت عَمَّا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ فَهَلْ تَطْلُقُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا أَوْ لَا تَطْلُقُ فَأَجَبْت بِقَوْلِي أَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْفَتَى وَتِلْمِيذُهُ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ وَالطَّيِّبُ النَّاشِرِيُّ بِأَنَّهَا لَا تَطْلُقُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا تَطْلُقُ بَائِنًا وَقَالَ ابْنُ عُجَيْلٍ وَإِسْمَاعِيلُ الْحَضْرَمِيُّ - نَفَعَ اللَّهُ بِهِمَا -: إنْ أَرَدْت اسْتِئْنَافَ الْبَرَاءَةِ لَمْ تَطْلُقْ وَإِلَّا طَلُقَتْ وَهُوَ الْأَوْجَهَ وَإِذَا قُلْنَا تَطْلُقُ طَلُقَتْ بَائِنًا. اهـ كَلَامِي فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ لِقَوْلِ الزَّوْجِ فِي جَوَابِهِ لَهَا عَلَى صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ. فَالْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ كَأَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ يَقْتَضِي إيجَادَ بَرَاءَةٍ صَحِيحَةً غَيْرَ الْأُولَى وَلَمْ تُوجَدْ فَعَلَيْهِ إنْ وُجِدَتْ فَكَمَا يَأْتِي عَلَى الثَّالِثِ فِيمَا يَظْهَرُ وَالْقَائِلُونَ بِالْوُقُوعِ رَجْعِيًّا نَظَرُوا إلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُنَا مُقَابَلَةٌ تَقْتَضِي الْعِوَضِيَّةَ حَتَّى يَقَعَ بَائِنًا، وَالْقَائِلُونَ بِالتَّفْصِيلِ نَظَرُوا إلَى، أَنَّ لَفْظَهُ مُحْتَمَلٌ فَإِنْ أَرَادَ اسْتِئْنَافَ الْبَرَاءَةِ فَلَا وُقُوعَ وَإِلَّا بِأَنْ أَطْلَقَ، أَوْ أَرَادَ عَدَمَ الِاسْتِئْنَافِ وَقَعَ بَائِنًا وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ فَعَلَيْهِ الَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ اسْتِئْنَافَ الْبَرَاءَةِ وَوُجِدَتْ مِنْهَا بَرَاءَةٌ صَحِيحَةٌ بَعْدَ كَلَامِهِ وَقَعَ بَائِنًا وَبَرِئَ وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ اسْتِئْنَافَهَا طَلُقَتْ إنْ كَانَتْ بَرَاءَتُهَا الْأُولَى صَحِيحَةً وَإِلَّا فَلَا فَتَأَمَّلْهُ، وَأَبْعَدُ تِلْكَ الْآرَاءِ الرَّأْيُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْوُقُوعِ رَجْعِيًّا لَا يَكَادُ يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ وَإِنْ عَلَّلْته بِمَا مَرَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ لَوْ قَالَ أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيَّ وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهَا طَلُقَتْ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ ثَلَاثًا وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثَانِيًا لِظَنِّهِ أَنَّهَا بَانَتْ مِنْهُ بِالثَّلَاثِ بِالْعِبَارَةِ الْأُولَى فَهَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ الثَّلَاثُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَدْ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ السِّرَاجُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ بِمَا لَفْظُهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ ثَانِيًا عَلَى الظَّنِّ الْمَذْكُورِ. اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ بَاطِنًا وَقَدْ خَاطَبَهَا بِالطَّلَاقِ وَلَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا قَرِينَةَ تُؤَيِّدُهُ. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِمَنْ يَعْتَقِدُهَا أَجْنَبِيَّةً وَهِيَ زَوْجَتُهُ بَاطِنًا كَأَنْ زَوَّجَهَا لَهُ أَبُوهُ فِي صِغَرِهِ، أَوْ وَكِيلُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا بِوَجْهٍ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ اللَّفْظَ لِمَعْنَاهُ وَلَا عِبْرَةَ بِظَنِّهِ فَكَذَا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ. ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ فِي تَوَسُّطِهِ نَقَلَ عَنْ الْإِمَامِ ابْنِ رَزِينٍ وَأَقَرَّهُ مَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرْته وَهُوَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ نَكَحَ امْرَأَةً وَعَلَّقَ بِالثَّلَاثِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ بَلَدِهِ إلَّا بِهَا فَأَخْبَرَهُ بَعْضٌ أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ فَخَرَجَ مِنْ الْبَلَدِ وَتَرَكَهَا مُتَوَهِّمًا أَنْ النِّكَاحَ بَاطِلٌ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَقَعُ طَلَاقُهُ وَلَا يُعْذَرُ فِي ذَلِكَ. وَمَسْأَلَتُنَا أَوْلَى مِنْ هَذِهِ بِالْوُقُوعِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ مَعَ الْجَهْلِ بِأَنَّهُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، أَوْ مَعَ النِّسْيَانِ، أَوْ الْإِكْرَاهِ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ فَإِذَا لَمْ يُجْعَلْ ظَنُّهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي نِكَاحِهِ عُذْرًا فِي خُرُوجِهِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ مَعَ الْجَهْلِ، أَوْ النِّسْيَانِ، أَوْ الْإِكْرَاهِ لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ، فَأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ ظَنُّهُ عُذْرًا فِي عَدَمِ الْوُقُوعِ فِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاحْتَفِظْ بِهِ فَإِنَّهُ كَثِيرُ الْوُقُوعِ وَسُئِلَ عَنْهُ كَثِيرًا ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّوَسُّطِ عَنْ الْفَارِقِيّ، أَوْ ابْنِ الْبَزْرِيِّ أَنَّهُ لَوْ اسْتَفْتَى عَامِّيٌّ فَقِيهًا فَقَالَ لَهُ طَلَّقْتَ زَوْجَتَك فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ طَلَّقْتَ زَوْجَتَك قَالَ نَعَمْ ثُمَّ رَأَى فِي الْكُتُبِ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ وَالْفَقِيهُ أَخْطَأَ فَقَالَ لَمْ أُطَلِّقْ وَإِنَّمَا قُلْت بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْفَقِيهِ قَالَ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَسَبَقَ عَنْ غَيْرِهِ مَا يُنَازِعُ فِي عَدَمِ الْقَبُولِ فَرَاجِعْهُ. اهـ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِمَا سَبَقَ عَنْ غَيْرِهِ مَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ رَزِينٍ لَكِنَّ الْوَجْهَ الْمُوَافِقَ لِكَلَامِ الشَّيْخَيْنِ كَالْأَصْحَابِ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ - أَنَّهُ مَتَى أَوْقَعَ الطَّلَاقَ أَوْ أَخْبَرَ بِهِ ثُمَّ قَالَ لَمْ أَعْلَمْ وُقُوعَهُ، فَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ كَإِفْتَائِهِ مِمَّنْ اُشْتُهِرَ عِلْمُهُ بِشَيْءٍ فَأَخْبَرَ مُسْتَنِدًا إلَيْهِ ثُمَّ بَانَ أَنَّ الْإِفْتَاءَ بِخِلَافِ الْحَقِّ لَمْ يَقَعْ

стр. 1108

عَلَيْهِ شَيْءٌ وَإِلَّا وَقَعَ بِهِ. وَمَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ آخِرًا مِمَّا قَامَتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ فَقُبِلَ وَكَذَا مَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ؛ لِأَنَّ ظَنَّهُ التَّحْرِيمَ بِأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ الْإِنْشَاءَ بَلْ الْإِخْبَارَ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَعْطَى الْمُكَاتَبَ النُّجُومَ فَقَالَ لَهُ السَّيِّدُ: أَعْتَقْتُك ظَانًّا صِحَّةَ الْأَدَاءِ ثُمَّ بَانَ فَسَادُهُ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِلْقَرِينَةِ، فَكَذَا هُنَا وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ رَزِينٍ فَالْوَجْهُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ لَهُ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ غَيْرَ ثِقَةٍ مُعْتَمَدٍ؛ لِأَنَّ إخْبَارَ مِثْلِ هَذَا لَا يَكُونُ قَرِينَةً فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ مُهِمٌّ (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ الْمُزَوَّجَةُ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ فَهَجَمَ أَهْلُهَا بِتَزْوِيجِهَا مِنْ غَيْرِ تَرَبُّصٍ زَمَنَ الْعِدَّةِ لِكَوْنِ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا وَفِي يَدِهِمْ فَدَخَلَ بِهَا هَذَا الزَّوْجُ فَوَجَدَهَا ثَيِّبًا فَزَعَمَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ وَطِئَهَا فِي نِكَاحِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَمْرُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ النِّكَاحُ الثَّانِي لَا يَرْتَفِعُ بِدَعْوَى الْأَوَّلِ الْوَطْءَ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا لَوْ طَلَّقَهَا دُونَ ثَلَاثٍ بِلَا عِوَضٍ ثُمَّ قَالَ وَطِئْت فَلِي الرَّجْعَةُ وَأَنْكَرَتْ وَطْأَهُ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا أَنَّهُ مَا وَطِئَهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَفَرَّقُوا بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَعَدَمِ قَبُولِ قَوْلِهَا فِيمَا إذَا ادَّعَى عِنِّينٌ، أَوْ مُولٍ الْوَطْءَ وَأَنْكَرَتْهُ بِأَنَّ النِّكَاحَ ثَابِتٌ فِي هَذِهِ وَهِيَ تَدَّعِي مَا يُزِيلُهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَأَمَّا فِي تِلْكَ فَالطَّلَاقُ قَدْ وَقَعَ وَهُوَ يَدَّعِي الرَّجْعَةَ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. فَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَصْدِيقِهَا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ بَلْ صُورَتُهُ أَوْلَى بِأَنْ تُصَدَّقَ فِيهَا مِنْ صُورَةِ الرَّوْضَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي صُورَةِ الرَّوْضَةِ لَمْ يَتَعَلَّق بِهَا حَقٌّ ثَالِثٌ وَمَعَ ذَلِكَ صُدِّقَتْ فِي نَفْيِ الْوَطْءِ فَأَوْلَى فِي صُورَةِ السُّؤَالَ أَنْ تُصَدَّقَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ ثَالِثٌ وَأَيْضًا فَتَصْرِيحُهُمْ فِي الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ سَبَبَ عَدَمِ تَصْدِيقِهِ فِي صُورَةِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ يَدَّعِي الرَّجْعَةَ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَالْأَصْلُ عِلْمُهُ وَهَذَا السَّبَبُ مَوْجُودٌ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ بِعَيْنِهِ فَالْمَنْقُولُ فِيهَا مَا قَرَّرْته ثُمَّ دَعْوَاهَا مَقْبُولَةٌ عَلَى الزَّوْجِ الثَّانِي مَا دَامَتْ فِي عِصْمَتِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهَا كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي نَظِيرِ صُورَةِ السُّؤَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ طَلَاقُك وَاحِدًا وَوَاحِدٌ اثْنَانِ ثَلَاثَةٌ هَلْ يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ أَمْ لَا وَعَيَّنَ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِالْوُقُوعِ أَوْ الذَّهَابِ كَأَنْ يَقُولَ إلَّا دَخَلْت الدَّارَ يَقَعُ أَوْ يَذْهَبُ طَلَاقُك أَوْ وَقَعَ أَوْ ذَهَبَ هَلْ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَأَقَرَّاهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ نَحْوِ طَلَّقْت مِنْ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ وَمَعَ نَحْوِ طَالِقٌ مِنْ ذِكْرِ الْمُبْتَدَإِ فَلَوْ نَوَى أَحَدُهُمَا لَمْ يَقَعْ بِذَلِكَ شَيْءٌ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ، أَوْ امْرَأَتِي وَنَوَى لَفْظَ طَالِقٍ نَعَمْ إنْ سَبَقَ ذِكْرُ الْمَرْأَةِ فِي سُؤَالٍ، أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ وَقَعَ تَفْوِيضٌ لَمْ يُشْتَرَطْ ذِكْرُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالُوهُ فِي طَلَّقْت جَوَابًا لِطَلِّقْنِي، أَوْ لِطَلِّقْهَا، أَوْ لِطَلِّقِي نَفْسَكِ وَفِي إنْ كُنْت كَاذِبًا. . . إلَخْ لِتَرَتُّبِهِ عَلَى السُّؤَالِ وَالتَّفْوِيضِ وَإِذَا عَلِمْتَ هَذَا بَانَ لَك أَنَّهُ لَا وُقُوعَ عَلَى مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ طَلَاقُك وَاحِدٌ، أَوْ اثْنَانِ، أَوْ ثَلَاثَةٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ صَادِقَةٌ مَعَ وُجُودِ الزَّوْجِيَّةِ لِعَدَمِ مُنَافَاتِهَا لَهَا إذْ يَصْدُقُ مَعَ وُجُودِ الزَّوْجِيَّةِ أَنَّ طَلَاقَهَا إذَا وُجِدَ لَهُ سَبَبٌ يَقْتَضِيهِ لَا يَخْلُو عَنْ كَوْنِهِ وَاحِدًا، أَوْ اثْنَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَا يَقْتَضِي حَلَّ الْعِصْمَةِ بِوَجْهٍ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهَا نَعَمْ لَوْ نَوَى بِطَلَاقِك وَاحِدٌ طَلَّقْتُكِ وَاحِدَةً مَثَلًا لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً فَيَقَعُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ طَلَاقَك مَصْدَرٌ وَهُوَ يَنُوبُ عَنْ الْفِعْلِ وَأَصْلٌ لَهُ فَلَا تَبْعُدُ إرَادَتُهُ بِهِ وَيُؤَيِّدُهُ إفْتَاءُ الْوَلِيِّ أَبِي زُرْعَةَ بِأَنَّ قَوْلَهُ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا مِنْ زَوْجَتِي تَفْعَلُ كَذَا كِتَابَةً؛ لِأَنَّ حَذْفَ يَلْزَمُنِي مَثَلًا صَيَّرَهُ كِنَايَةً فَإِنْ نَوَى إيقَاعَهُ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْفِعْلِ وَقَعَ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ بِتَقْدِيرِ إنْ لَمْ تَفْعَلْ فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ عَلَيَّ، أَوْ نَحْوِهِ. اهـ. فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ ظَاهِرًا فِيمَا ذَكَرْته وَإِذَا قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ يَقَعُ، أَوْ وَقَعَ طَلَاقُك فَهُوَ تَعْلِيقٌ صَحِيحٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ إلَّا بِدُخُولِ الدَّارِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا فَإِنْ أَبْدَلَ ذَلِكَ بِذَهَبَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الذَّهَابِ وَالْوُقُوعِ نَوْعُ تَقَارُبٍ فَلَا يَبْعُدُ إرَادَةُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَإِنْ أَرَادَ بِذَهَابِ الطَّلَاقِ وُقُوعَهُ وَقَعَ بِالدُّخُولِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَلَا وُقُوعَ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ طَالَبَتْهُ زَوْجَتُهُ أَوْ وَكِيلُهَا بِكِفَايَتِهَا كَالنَّفَقَةِ مَثَلًا وَكَانَتْ الْمُطَالَبَةُ بِحُضُورِ حَاكِمٍ مِنْ

стр. 1109

حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ الزَّوْجُ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ أَنَّ بَيْتَهَا مَلْآنُ طَعَامًا فَمَا الْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ الْمِلْءِ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مَمْلُوءًا حَقِيقَةً أَوْ يُدَيَّنُ وَيَرْجِعُ إلَى قَصْدِهِ بَيِّنُوا لَنَا الْجَزْمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ الْبَيْنُونَةُ، أَوْ عَدَمُهَا فَالْمَسْأَلَةُ وَاقِعَةٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ لِلزَّوْجِ نِيَّةٌ عُمِلَ بِهَا وَإِلَّا فَمَتَى لَمْ يَكُنْ بَيْتُهَا مَلْآنَ مِنْ الطَّعَامِ وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فَقَدْ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَبَحَثَهُ الشَّيْخَانِ فِي مَوْضِعٍ وَجَزَمَا بِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا حَتَّى تَمُوتَ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا الْمَجَازِ فَكَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَيَأْتِي فِيهَا مَا ذَكَرْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ كَتَبَ إلَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - السَّائِلُ أَيْضًا مَا لَفْظُهُ: هَذَا جَوَابُكُمْ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَقَدْ أَفَدْتُمْ كَانَ اللَّهُ لَكُمْ وَأَدَامَ بِكُمْ النَّفْعَ وَالْحَالُ أَنَّ الرَّجُلَ لَمَّا حَلَفَ مِنْ زَوْجَتِهِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ فِرَاقَهَا؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوءًا حَقِيقَةً وَاعْتَمَدَ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ قَوْلَ النَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ إنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تُصْرَفُ إلَى الْمَجَازِ بِالنِّيَّةِ إلَّا فِي حَقِّ اللَّهِ لَا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الرَّوْضَةِ فِي الْأَيْمَانِ وَكَذَلِكَ عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ فِي الْأَيْمَانِ فَرْعٌ قَدْ يُصْرَفُ مِنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ بِالنِّيَّةِ كَلَا أَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ وَنَوَى مَسْكَنَهُ دُونَ مِلْكِهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّ غَيْرِ آدَمِيٍّ. قَالَ الشَّارِحُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا بِأَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَا فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ كَأَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ، أَوْ عَتَاقٍ. وَعِبَارَةُ الْمُزَجَّدِ فِي الْعُبَابِ فِي الْإِيمَانِ فَرْعٌ: لَوْ قَالَ الْحَالِفُ أَنْ لَا يَدْخُلَ أَرَدْت شَهْرًا مَثَلًا قُبِلَ فِي حَقِّ اللَّهِ لَا الْآدَمِيِّ كَطَلَاقٍ وَإِيلَاءٍ وَعِتْقٍ لَكِنْ يُدَيَّنُ وَاعْتَمَدَ الْحَاكِمُ بِالْفُرْقَةِ هَذِهِ النُّصُوصَ وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى فُقَهَاءِ الْبَلَدِ وَقَالُوا الْمُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ وَلَا طَلَاقَ وَأَرَادُوا صَرْفَ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ بِالنِّيَّةِ فِي حَقِّ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَأَرْسَلُوا إلَيْك الصُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ وَلَمَّا وَرَدَ الْجَوَابُ الْكَرِيمُ قَامُوا بِهِ عَلَى الْحَاكِمِ بِالْفُرْقَةِ وَقَالُوا لَهُ: قَدْ أَجَابَ الشَّيْخُ عَلَى وَفْقِ كَلَامِنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ نِيَّتُهُ وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ أَلْبَتَّةَ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا فَقَالَ لَهُمْ الْحَاكِمُ مَا أَرَادَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ حَجَرٍ - عَفَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ لَكِنْ يُدَيَّنُ كَمَا جَزَمَتْ بِهِ النُّصُوصُ الْمَذْكُورَةُ آنِفًا كَمَا هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ سُؤَالِكُمْ فَإِنَّكُمْ قُلْتُمْ فِي السُّؤَالِ يُدَيَّنُ، أَوْ تَقَعُ الْبَيْنُونَةُ الْكُبْرَى وَكَانَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ وَمِنْ الْآنِ فَالْمَسْئُولُ مِنْ التَّفَضُّلَاتِ الْكَرِيمَةِ إزَاحَةُ الْإِشْكَالِ بِجَوَابٍ شَافٍ صَرِيحٍ يُبَيِّنُ أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَيُدَيَّنُ بِحَيْثُ إنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ فِي الظَّاهِرِ وَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ أَمْ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ أَصْلًا وَأَنَّ الْحَقِيقَةَ تُصْرَفُ إلَى الْمَجَازِ بِالنِّيَّةِ فِي حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْآدَمِيِّينَ كَمَا زَعَمُوا أَمْ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ أَصْلًا. وَأَنَّ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَمَا مَعْنَى هَذِهِ النُّصُوصِ الْجَازِمَةِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: مَا أَفْتَيْت بِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلزَّوْجِ نِيَّةٌ عَمِلَ بِهَا أَيْ: ظَاهِرًا أَيْضًا هُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ كَمَا يَأْتِي وَلَا يُعَارِضُهُ مَا ذُكِرَ عَنْ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِي نِيَةِ مَجَازٍ لَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ وَتُعَضِّدُهَا أَمَّا إذَا نَوَى غَيْرَ الْحَقِيقَةِ مِمَّا يَتَجَوَّزُ بِهِ عَنْهَا وَقَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ تِلْكَ النِّيَّةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَقَدْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي مَسَائِلَ فِي الطَّلَاقِ لَا تُحْصَى بَلْ قَدْ تَزْدَادُ قُوَّةُ الْقَرِينَةِ فَيُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى قَضِيَّتِهَا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ رَأَيْت مِنْ أُخْتِي شَيْئًا وَلَمْ تُخْبِرِينِي بِهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مُوجِبِ الرِّيبَةِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا إنْ رَأَتْ مِنْهَا مُوجِبَ رِيبَةٍ وَلَمْ تُخْبِرْهُ بِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَأَتْ مِنْهَا غَيْرَهُ وَلَمْ تُخْبِرْهُ عَمَلًا بِالْقَرِينَةِ الْمُخَصَّصَةِ لِلْعَامِّ فِي قَوْلِهِ شَيْئًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ. فَكَذَا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا طَالَبَتْهُ هِيَ، أَوْ وَكِيلُهَا بِكِفَايَتِهَا كَانَتْ مُدَّعِيَةً عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ طَعَامٌ فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ مَلْآنُ طَعَامًا كَانَتْ الْقَرِينَةُ دَالَّةً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْمِلْءَ الْحَقِيقِيَّ وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا يُكَذِّبُ دَعْوَاهَا وَكَانَ قِيَاسُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَدَمُ الْحِنْثِ فِي هَذِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَكِنَّ الْقَرِينَةَ لَمْ تَقْوَ فِيهَا قُوَّتَهَا فِي تِلْكَ أَعْنِي مَسْأَلَةَ الْأُخْتِ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي مَسْأَلَةِ الْأُخْتِ نِيَّةٌ وَاشْتَرَطْنَاهَا فِي مَسْأَلَتِنَا لِمَا عَرَفْت مِنْ قُوَّةِ الْقَرِينَةِ ثَمَّ لَا هُنَا. وَمِمَّا يَدُلُّ لِمَا ذَكَرْته

стр. 1110

أَيْضًا مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهَا لَوْ قَالَتْ لَهُ فَعَلْت كَذَا حَرَامًا أَيْ كَأَكْلِ الرِّبَا مَثَلًا فَقَالَ لَهَا إلَّا فَعَلْت حَرَامًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى بِالْحَرَامِ أَكْلَ الرِّبَا فَإِنَّهُ يُقْبَلُ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ ذِكْرِهَا لَهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ غَيْرَهُ فَحَمَلْنَا إطْلَاقَهُ الْحَرَامَ الشَّامِلَ لِلرِّبَا وَغَيْرِهِ عَلَى الرِّبَا فَقَطْ عَمَلًا بِالْقَرِينَةِ وَمِمَّا يَدُلُّ لِمَا ذَكَرْته أَيْضًا أَنَّ الْأَئِمَّةَ قَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَغْتَسِلُ أَنَّهُ يَقَعُ بِالْغُسْلِ مِنْ جَنَابَةٍ وَغَيْرِهَا فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ فَقَطْ دُيِّنَ وَلَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَمَحَلُّهُ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ. أَمَّا إذَا كَانَتْ قَرِينَةٌ كَمَا لَوْ رَاوَدَهَا فَامْتَنَعَتْ لِغَصْبٍ فَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَغْتَسِلُ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُقْبَلُ ظَاهِرًا قَوْلُهُ أَرَدْت الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّهُ عَيْنُ مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا أَغْتَسِلُ يَعُمُّ كُلَّ غُسْلٍ فَإِذَا خَصَّصَهُ بِبَعْضِ الْأَغْسَالِ فَقَدْ عَدَلَ عَنْ الْحَقِيقَةِ الَّتِي هِيَ الْعُمُومُ إلَى الْمَجَازِ الَّذِي هُوَ الْخُصُوصُ فَإِنْ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَتِهِ لِذَلِكَ دُيِّنَ وَلَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَتِهِ لِذَلِكَ قُبِلَتْ مِنْهُ ظَاهِرًا أَيْضًا فَكَذَا مَسْأَلَتُنَا حَقِيقَةُ الْمَلْءِ فِيهَا مَعْرُوفَةٌ فَإِنْ أَرَادَ بَعْضَ الْمَلْءِ فَإِنْ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَتِهِ دُيِّنَ وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَتِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ إنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا تَحْكِيمًا لِلْقَرِينَةِ، وَالْوَاقِعُ فِي السُّؤَالِ كَمَا عَرَفْت أَنَّهُ صَدَرَ مِنْهَا، أَوْ مِنْ وَكِيلِهَا قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ وُجُودِ شَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ فِي الْبَيْتِ فَحَلِفُهُ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ إنَّمَا يُرَادُ بِهَا تَكْذِيبُ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ. وَتَكْذِيبُهُ يَحْصُل بِوُجُودِ بَعْضِ طَعَامٍ فِي الْبَيْتِ فَظَهَرَ أَنَّ الْقَرِينَةَ مُرْبِحَةٌ لِلْمَجَازِ هُنَا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَعَمِلْنَا بِهَا بِعَيْنِ مَا قَالُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي هِيَ نَظَائِرُ مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ بَلْ عَيْنُهَا كَمَا لَا يَخْفَى ثُمَّ رَأَيْت الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرَهُمَا صَرَّحُوا بِمَا قُلْته مِنْ الضَّابِطِ الصَّرِيحِ فِي مَسْأَلَتِنَا حَيْثُ قَالُوا لَوْ خَصَّصَ عَامًّا بِالنِّيَّةِ كَأَنْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ وَقَالَ أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ دُيِّنَ وَإِنْ كَانَتْ تُشْعِرُ بِإِرَادَةِ الِاسْتِثْنَاءِ بَلْ، أَوْ عَدَمِ الطَّلَاقِ بِالْكُلِّيَّةِ قُبِلَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَمِثَالُ الْأَوَّلِ أَنْ تَقُولَ لَهُ الْمُسْتَثْنَاةُ وَهِيَ تُخَاصِمُهُ تَزَوَّجْت عَلَيَّ فَيَقُولُ لَهَا عَقِبَ ذَلِكَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ وَيَقُولُ أَرَدْت غَيْرَ الْمُخَاصَمَةِ فَيُقْبَلُ مِنْهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا قَالُوا لِقُوَّةِ إرَادَتِهِ بِدَلَالَةِ الْقَرِينَةِ وَمِثَالُ الثَّانِيَةِ مَا إذَا قَالَ أَرَدْت بِقَوْلِي طَالِقٌ طَلَاقَهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَثَاقِ قُبِلَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ قَالُوا وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِأَكْلِ خُبْزٍ أَوْ نَحْوِهِ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِنَوْعٍ خَاصٍّ فَلَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا إلَّا بِقَرِينَةٍ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته فِي صُورَةِ السُّؤَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ أَنَّهُ قَالَ مَتَى سَافَرْت إلَى سِوَاكُنَّ وَلِفُلَانٍ عِنْدِي فِلْسٌ وَاحِدٌ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ سَافَرَ لِسِوَاكُنَّ وَدَرَاهِمُ فُلَانٍ كُلُّهَا عِنْدَهُ فَلَمَّا حَضَرَ طَلَبَهُ أَبُو الزَّوْجَةِ هُوَ وَالشُّهُودُ فَحَضَرُوا عِنْدَ مُفْتٍ شَافِعِيٍّ لِيَسْتَفْتِيَهُ عَمَّا وَقَعَ لَهُ فَأَخْبَرَ الشُّهُودُ الْمُفْتِيَ بِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ الْيَمِينُ الْمَذْكُورَةُ فَاعْتَرَفَ بِالسَّفَرِ وَقَالَ لَهُ الْمُفْتِي وَقَعَ عَلَيْك الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فَحَلَفَ الْأَيْمَانَ الْأَكِيدَةَ الْغَلِيظَةَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ هَذَا التَّعْلِيقُ أَصْلًا وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الشُّهُودَ كَاذِبُونَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْمُفْتِي لَا يُقْبَلُ مِنْك ذَلِكَ فَقَالَ عِنْدِي مَطْعَنٌ فِي الشُّهُودِ فَخَرَجَ لِيَأْتِيَ بِهِ ثُمَّ عَادَ وَقَالَ عَجَزْت عَنْ إبْدَاءِ الْمَطْعَنِ وَحَلَفَ الْأَيْمَانَ أَيْضًا أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ عَلَيْهِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ فَقَالَ لَهُ الْمُفْتِي لَا يَنْفَعُك ذَلِكَ وَإِيَّاكَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي حَلَفْت مِنْهَا فَإِنَّك إلَّا فَعَلْت ذَلِكَ رَفَعْنَا أَمَرَك إلَى الْقَاضِي فَاعْتَزَلَهَا ثُمَّ جَاءَ هُوَ وَأَبُوهَا إلَى الْمُفْتِي ثَانِيًا وَأَعْطَى أَبَاهَا دَرَاهِمَ وَتَوَافَقَا عَلَى أَنْ تَتَحَلَّلَ لَهُ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَحَلَفَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَيْضًا أَنَّ الشُّهُودَ كَاذِبُونَ عَلَيْهِ وَاسْتَمَرَّ مُدَّةً كُلَّ مَا اجْتَمَعَ بِالْمُفْتِي يَحْلِفُ لَهُ كَذَلِكَ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ لَا يَنْفَعُك ذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَّمَهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَدَّعِيَ النِّسْيَانَ وَكَتَبَ لَهُ سُؤَالًا مُمَوَّهًا وَرَفَعَهُ لِمُفْتٍ شَافِعِيٍّ فَكَتَبَ لَهُ أَنَّهُ يَنْفَعُهُ النِّسْيَانُ ثُمَّ سُئِلَ ذَلِكَ الْحَالِفُ بَعْدَ إفْتَاءِ الْمُفْتِي لَهُ بِمَا ذَكَرَ هَلْ حَلَفْت وَنَسِيت فَحَلَفَ الْأَيْمَانَ الْمُغَلَّظَةَ أَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ ذَلِكَ التَّعْلِيقُ وَأَنَّ الشُّهُودَ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَتَصْمِيمِهِ عَلَى تَكْذِيبِ الشُّهُودِ دَعْوَى النِّسْيَانِ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ أَوْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ وَيَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ

стр. 1111

ذَاكِرِينَ النَّقْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ. (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: لَا تُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى النِّسْيَانِ فِيمَا ذَكَرَ فَيَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْمُتَأَخِّرِينَ الشِّهَابُ الْأَذْرَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَوَسُّطِهِ الَّذِي هُوَ أَجَلُّ كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ تَحْقِيقًا وَتَحْرِيرًا لِلْقَوْلِ فَقَدْ بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ مَحَلَّ قَبُولِ دَعْوَى نَحْوِ النِّسْيَانِ حَيْثُ لَا يَكْذِبَ الشُّهُودُ وَإِلَّا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ وَرَدَّ بِذَلِكَ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ مَعَهُ فِي رَدِّ غَالِبِ اعْتِرَاضَاتِهِ عَلَى الشَّيْخَيْنِ إطْلَاقَهُ اعْتِرَاضًا عَلَيْهِمَا قَبُولَ دَعْوَى مَا ذُكِرَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ هُوَ الْحَقُّ وَلَا يَسَعُ الْإِسْنَوِيَّ وَلَا غَيْرَهُ مُخَالَفَتُهُ لِظُهُورِهِ وَاتِّضَاحِهِ. وَمِنْ ثَمَّ أَيَّدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُطْلِقِينَ بِقَوْلِ الْقَفَّالِ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ لَوْ قَالَ إلَّا لَمْ أَحُجَّ فِي هَذَا الْعَامِ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ كَانَ بِالْكُوفَةِ يَوْمَ الْأَضْحَى وَقَالَ هُوَ قَدْ حَجَجْت وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ قَالَ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا عَدَلَ عَنْ دَعْوَى النِّسْيَانِ إلَى دَعْوَى الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِمَا يَقْتَضِي تَكْذِيبَهُ حَكَمَنَا عَلَيْهِ بِمُقْتَضَاهَا. اهـ. وَأَمَّا تَعْلِيمُ الْعَامِّيِّ دَعْوَى النِّسْيَانِ، أَوْ نَحْوِهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فِي السُّؤَالِ فَهُوَ غَالِبًا إنَّمَا يَنْشَأُ عَنْ التَّهَوُّرِ وَقِلَّةِ الدِّينَ قَصْدًا لِنَيْلِ شَيْءٍ مِنْ سُحْتِ الدُّنْيَا وَمَا دَرَى ذَلِكَ الْمُعَلِّمُ الْجَاهِلُ الْمَغْرُورُ أَنَّهُ ارْتَكَبَ مَفَاسِدَ إثْمُهَا عَظِيمٌ وَبَالُهَا وَخِيمٌ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ إلَّا تَسْلِيطُهُ الْعَامَّةِ الْجَهَلَةِ، أَوْ الْفَسَقَةِ عَلَى اسْتِبَاحَةِ الْأَبْضَاعِ بِالْبَاطِلِ مَعَ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَزِيدِ الِاحْتِيَاطِ وَالْحُرْمَةِ وَلِخَطَرِ أَمْرِهَا وَصُعُوبَةِ عَاقِبَتِهَا امْتَنَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إفْتَاءِ مُدَّعِي النِّسْيَانَ قَالُوا: وَاسْتِعْمَالُ التَّوَقِّي أَوْلَى مِنْ فَرَطَاتِ الْأَقْدَامِ وَمَنْ يَحْتَاطُ لِدِينِهِ لَا يُفْتِي فِي ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا لِكَثْرَةِ الْكَذِبِ فِي دَعْوَى النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ مِنْ الْعَامَّةِ. اهـ. وَإِذَا كَانَ هَذَا ذَكَرُوهُ عَنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ الَّذِي مَضَى مِنْ نَحْوِ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ فَمَا بَالُك بِزَمَانِنَا الَّذِي صَارَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ لَا خِلَافَ لَهُمْ وَلَا مَسْكَةَ وَلَقَدْ اسْتَفْتَانِي مَنْ لَا أُحْصِي فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَيَنْهَوْنَ إلَيَّ فِيهِ شَيْئًا فَأَمْتَنِعُ مِنْ إفْتَائِهِمْ حَتَّى أَبْحَثَ عَنْ الْقَضِيَّةِ فَأَجِدُهَا عَلَى خِلَافِ مَا حَكَوْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَأَجِدُ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا أَنَّ بَعْضَ فَسَقَةِ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ هُمْ الْحَامِلُونَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْ الْحَالِفِ نَارًا عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيُعَلِّمُونَهُ، أَوْ يَكْتُبُونَ لَهُ صُورَةً مُخَالِفَةً لِلْوَاقِعِ وَيُرْسِلُونَ بِهَا إلَيَّ لِلِاسْتِفْتَاءِ عَنْهَا فَيُلْهِمُنِي اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ التَّشَكُّكَ فِيهَا وَالْبَحْثَ الشَّدِيدَ عَنْهَا حَتَّى يَظْهَرَ أَنَّهَا عَلَى الْبَاطِلِ وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يُعَامِلَ بِعَدْلِهِ وَعُقُوبَتِهِ أُولَئِكَ الْفَسَقَةَ الْمَارِقِينَ وَالْمَرَدَةَ الضَّالِّينَ هَذَا وَمِمَّا يَحْمِلُك عَلَى التَّحَرِّي فِي الْإِفْتَاءِ فِي مَسَائِلِ النِّسْيَانِ وَنَحْوِهِ أَنَّ عَدَمَ وُقُوعِ طَلَاقِ النَّاسِي لَوْ فُرِضَ صِدْقُهُ إنَّمَا هُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ جَمْعٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إلَّا أَنَّ لَهُ قَوْلًا آخَرَ بِوُقُوعِ طَلَاقِ النَّاسِي وَعَلَيْهِ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُلَقَّبُ بِسُلْطَانِ الْعُلَمَاءِ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَنَاهِيك بِهِمَا فَإِنَّهُ مَا مِنْ فُحُولِ الْمُتَأَخِّرِينَ يُفْتِيَانِ بِوُقُوعِ طَلَاقِ النَّاسِي وَهُوَ الْأَحْوَطُ وَكَيْفَ لَا وَأَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَنَفَعَنَا بِهِمْ وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ وَوَفَّقَنَا إلَى سُلُوكِ طَرِيقَتِهِمْ الْمُثْلَى الْمُطَهَّرَةِ عَنْ قَبَائِحِ الزَّلَلِ وَمَفَاسِدِ الشُّبَهِ وَالْخَبَلِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ فَأَقَرَّ فِي حَالِ مَرَضِهِ عِنْدَ شَخْصٍ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ طَلَاقًا رَجْعِيًّا وَبَقِيَتْ الْمَرْأَةُ حَتَّى مَاتَ فَأَخْبَرَهَا الْمُقَرُّ عِنْدَهُ بِالْإِقْرَارِ وَصَدَّقَتْهُ فَهَلْ تَرِثُهُ وَلَا تَحْسِبُ الْعِدَّةَ إلَّا مِنْ الْمَوْتِ لِمُعَاشَرَتِهَا لَهُ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَهَلْ يُحْكَمُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ مِنْ الْإِقْرَارِ أَوْ مِنْ قَبْلِ الْإِقْرَارِ بِزَمَنٍ يَسَعُ التَّلَفُّظَ بِالطَّلَاقِ أَوْ كَيْفَ يَكُونُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا مَضَى مِنْ قُبَيْلِ إقْرَارِهِ مَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّتُهَا قَبْلَ مَوْتِهِ لَمْ تَرِثْهُ إنْ قُلْنَا: إنَّ مُعَاشَرَةَ الرَّجْعِيَّةِ تَقْطَعُ الْعِدَّةَ لِغَيْرِ نَحْوُ الرَّجْعَةِ كَمَا عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَفِي شَرْحِي الصَّغِيرِ عَلَى الْإِرْشَادِ وَأَلْحَقَ الْبُلْقِينِيُّ بِعَدَمِ جَوَازِ الرَّجْعَةِ أَيْ بَعْدَ مُضِيِّ مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ مَعَ الْمُعَاشَرَةِ عَدَمَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَقَضِيَّتُهُ امْتِنَاعُ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ

стр. 1112

تَرَدَّدَ فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ فِي تَكْمِلَتِهِ وَنَقَلَ فِي خَادِمِهِ عَنْ قَضِيَّةِ كَلَامِ الْمَطْلَبِ امْتِنَاعَ إرْثِهِ دُونَ إرْثِهَا ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ بُعْدٌ وَهُوَ كَمَا قَالَ بَلْ قِيَاسُ مَا مَرَّ مَا قُلْنَاهُ وَقِيَاسُ مُقَابَلَةِ الَّذِي انْتَصَرَ لَهُ جَمَاعَةٌ وَنَقَلُوهُ عَنْ الْأَصْحَابِ تَوَارُثُهُمَا. اهـ. وَإِنْ لَمْ يُمْضِ ذَلِكَ، أَوْ جَهِلَ الْحَالَ وَرِثَتْهُ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْعِصْمَةَ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِرْثِ مُحَقَّقَةُ الْبَقَاءِ إذْ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يُنَافِيهَا وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا وَعَدَمُ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْحَامِلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ أَخْبَرَتْهُ امْرَأَةٌ أَوْ امْرَأَتَانِ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهَا أَوْ صِدْقُهُمَا بِأَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَاتِهِ لَكِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ ذَلِكَ وَلَمْ يُحْدِثْ لَهُ الْإِخْبَارُ شَيْئًا مِنْ التَّذَكُّرِ سَوَاءٌ تَوَهَّمَ أَوْ ظَنَّ ذَلِكَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ إلَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّمَا تَلَفَّظَ بِلَفْظٍ يَظُنُّهُ الْمُخْبِرُ مُقْتَضِيًا لِلْوُقُوعِ وَهُوَ لَيْسَ عِنْدَ الْمُتَلَفِّظِ مِمَّا يَقْتَضِيهِ فَهَلْ مُجَرَّدُ الْإِخْبَارِ وَالْحَالُ مَا ذَكَرَ يُلْزِمُهُ بِفِرَاقِ نِسَائِهِ أَمْ لَا وَهَلْ إذَا شَكَّ إنْسَانٌ فِي زَوْجَةٍ تَزَوَّجَهَا هَلْ كَانَتْ دَخَلَتْ فِي عَقْدِهِ وَقْتَ مَا نُسِبَ إلَيْهِ مِنْ تَطْلِيقٍ أَمْ لَا تَطْلُقُ الْمَشْكُوكُ فِي دُخُولِهَا وَشُمُولِ التَّطْلِيقِ لَهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَلْزَمُهُ فِرَاقٌ بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ الْمَذْكُورِ إلَّا إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ وَلَمْ يَجُزْ اسْتِنَادُ إخْبَارِهِ لِمَا لَا يَقْتَضِي الْوُقُوعَ فَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ قَوْلُهُمْ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ يَقَعُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ. اهـ. وَيُوَافِقُهُ قَوْلُهُمْ لَوْ عَصَرَ عِنَبًا ثُمَّ قَالَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ وَجَدَهُ خَلًّا وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّلُ إلَّا بَعْدَ التَّخَمُّرِ وَبِهَذَا يَتَّجِهُ مَا ذَكَرْته مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ وَقَوْلِي وَلَمْ يُجَوَّزْ. . . إلَخْ جَمَعْت بِهِ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ نَقْلًا عَنْ الرُّويَانِيِّ وَأَقَرَّاهُ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا فَأَخْبَرَهُ عَدْلَانِ وَأُلْحِقَ بِهِمَا عَدْلٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَظَنَّ صِدْقَهُمَا لَزِمَهُ الْأَخْذُ بِالطَّلَاقِ وَبَيْنَ قَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، هَذَا إنَّمَا يَأْتِي إذَا أَوْقَعْنَا طَلَاقَ النَّاسِي بِأَنْ يُحْمَلَ الْأَوَّلُ عَلَى أَنَّهُ مَعَ ظَنِّ الصِّدْقِ لَمْ يُجَوَّزْ أَنَّهُ فَعَلَهُ نَاسِيًا وَحِينَئِذٍ أُلْحِقَ مَا نَقَلَاهُ وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ جَوَّزَهُ وَحِينَئِذٍ أُلْحِقَ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ: وَعَلَى الْأَوَّلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ فَسَقَةٍ وَصِبْيَانٍ ظَنَّ صِدْقَهُمْ. وَبِهَذَا كُلِّهِ اتَّضَحَ مَا ذَكَرْته أَوَّلًا وَلَا طَلَاقَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ وَتَزَوَّجَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ كَانَ تَزَوُّجُهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لَمْ يُؤَثِّرْ هَذَا وَالْوَرَعُ فِي كُلِّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى إنْعَامِهِ وَأَشْكُرُهُ عَلَى إلْهَامِهِ وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ وَخِتَامِهِ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ بِدَوَامِ أَفْضَالِهِ فِي دَارِ نَعِيمِهِ وَإِكْرَامِهِ. (وَبَعْدُ) فَهَذَا كِتَابٌ لَقَّبْته بِالِانْتِبَاهِ لِتَحْقِيقِ عَوِيصِ مَسَائِلِ الْإِكْرَاهِ حَمَلَنِي عَلَيْهِ أَنِّي أَفْتَيْت فِي مَسْأَلَةٍ بِمَا هُوَ الْحَقُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَتُوُهِّمَ خِلَافُ الْمُرَادِ حَتَّى وَقَعَ بَعْضُ الِانْتِقَادِ ثُمَّ بَعْدَ إمْعَانِ النَّظَرِ فِي أَطْرَافِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَتَخْرِيجِهَا عَلَى الْقَوَاعِدِ وَالدَّلَائِلِ ظَهَرَ أَنَّ فِيهَا مُشْكِلَاتٍ لَمْ يُنَبِّهُوا عَلَيْهَا وَمُعْضِلَاتٍ لَمْ يُوَجِّهُوا نَظَرَهُمْ إلَيْهَا فَقَصَدْت إلَى بَيَانِ مَا فِيهَا مِنْ نَقْدٍ وَرَدٍّ وَإِشْكَالٍ وَجَوَابٍ لِيَنْجَلِيَ بِذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَجْهُ الصَّوَابِ بِأَخْصَرِ عِبَارَةٍ وَأَوْجَزِ إشَارَةٍ فِي وَرَقَاتٍ يَسِيرَةٍ وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَتُهَا فِي نَفْسِهَا عَسِيرَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَسْأَلُ اللَّهَ فِي الْإِعَانَةِ عَلَى تَحْرِيرِ ذَلِكَ وَيُسَهِّلُ الْوَعْرَ مِنْ تِلْكَ الْمَسَالِكِ فَإِنَّهُ الْجَوَّادُ الْكَرِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ، وَمَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاَللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. وَرَتَّبْته عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَمَبَاحِثَ وَتَتِمَّةٍ (الْمُقَدَّمَةُ) فِي بَيَانِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ وَعَلَى تَنْجِيزِ الطَّلَاقِ وَعَلَى فِعْلِ، أَوْ تَرْكِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فِيهِمَا يَنْقَسِمُ إلَى إكْرَاهٍ بِحَقٍّ وَإِلَى إكْرَاهٍ بِبَاطِلٍ فَالْإِكْرَاهُ بِبَاطِلٍ إذَا صَحِبَهُ عَدَمُ قَصْدٍ مِنْ الْمُكْرَهِ وَاخْتِيَارٌ بِأَنْ أَتَى بِعَيْنِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَدْنَى تَغْيِيرٍ وَلَا تَبْدِيلٍ فِيهِ لِدَاعِيَةِ الْإِكْرَاهِ فَقَطْ. أَخْبَرَ الشَّارِعُ ﷺ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ إفْضَالُهُ وَجَلَّ نَوَالُهُ بِأَنَّهُ رَفَعَ حُكْمَهُ عَنْ أُمَّتِهِ رُخْصَةً لَهُمْ وَخُصُوصِيَّةً مِنْ خَصَائِصِهِمْ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» فَجَعَلَ فِعْلَ الْمُكْرَهِ الَّذِي

стр. 1113

وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْإِكْرَاهِ الْمُقَرَّرَةِ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ كَلَا فِعْلٍ فَكُلُّ مَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مُتَرَتِّبًا عَلَى فِعْلِ الْمُكَلَّفِ يَكُونُ بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ لَغْوًا بِمَنْزِلَةِ الْمَعْدُومِ بِخِلَافِ الْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى أَمْرٍ غَيْرِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَإِنْ كَانَ نَاشِئًا عَنْ فِعْلِهِ فَلَا يَرْتَفِعُ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ بَلْ لَا إكْرَاهَ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَهُ الْفِعْلُ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَمَوْضِعُ الْحُكْمِ الِانْفِعَالُ وَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ إكْرَاهٌ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّارِعَ قَدْ يُرَتِّبُ الْحُكْمَ عَلَى الْفِعْلِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يَشْمَلُ التَّرْكَ وَالْقَوْلَ وَقَدْ يُرَتِّبُهُ عَلَى الِانْفِعَالِ وَهُوَ فِي الْأَوَّلِ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ الَّذِي رَفَعَهُ شَفَقَةً عَلَيْنَا عِنْدَ الْإِكْرَاهِ. نَعَمْ إنْ عَظُمَتْ الْمَفْسَدَةُ بِحَيْثُ زَادَتْ عَلَى مَفْسَدَةِ الْإِكْرَاهِ لَمْ يُرَتِّبْ شَيْئًا، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُبَحْ الْقَتْلُ وَلَا الزِّنَا وَهَذَا سَبَبُ اسْتِثْنَائِهِمْ لِهَذَيْنِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ وَهُوَ فِي الثَّانِي مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَالْأَسْبَابِ وَالْعَلَامَاتِ فَكَيْفَ يَرْتَفِعُ مَعَ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الرَّبْطُ بِنَحْوِ السَّبَبِ، أَوْ الشَّرْطِ، أَوْ الْمَانِعِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى فِعْلٍ وَلَا إلَى فَاعِلٍ كَمَا يَأْتِي. وَمِنْ ثَمَّ حَرُمَ الْإِرْضَاعُ مَعَ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ فِيهِ مَنُوطٌ بِوُصُولِ اللَّبَنِ إلَى الْجَوْفِ وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْحَدَثِ كَانَ مُحْدِثًا، أَوْ التَّحَوُّلِ عَنْ الْقِبْلَةِ، أَوْ الْفِعْلِ الْكَثِيرِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ تَرْكِ الْقِيَامِ فِي الْفَرْضِ بَطَلَ، أَوْ عَلَى نَحْوِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالرَّمْيِ وَالسَّعْيِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الصَّرْفُ صَحَّ، أَوْ عَلَى نَحْوِ غَشَيَانِ أَمَتِهِ فَحَبِلَتْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ وَلَحِقَهُ، أَوْ عَلَى وَطْءِ زَوْجَتِهِ صَارَ مُحْصَنًا وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْمَهْرُ وَأَحَلَّهَا لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا، أَوْ عَلَى الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ وَلُحُوقُ النَّسَبِ وَانْفِسَاخُ نِكَاحِ نَحْوِ أَبِي الْوَاطِئِ كَمَجْنُونٍ وَطِئَ زَوْجَةَ أَبِيهِ، أَوْ أُكْرِهَ مَجُوسِيٌّ عَلَى ذَبْحٍ، أَوْ مُحْرِمٌ حَلَالًا عَلَى ذَبْحِ صَيْدٍ حَلَّ. وَإِنْ جَعَلْنَا الْمُكْرَهَ آلَةً لِلْمُكْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الشُّرُوطِ وَنَحْوِهَا وَالْخِطَابُ فِيهَا مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ كَمَا تَقَرَّرَ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَنَاطَ الْحُكْمَ بِوُجُودِ ذَلِكَ السَّبَبِ، أَوْ الشَّرْطِ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى فِعْلٍ وَلَا إلَى فَاعِلٍ وَبِمَا قَرَّرْته فِي هَذَا الْمَحَلِّ يَتَّضِحُ لَك مُتَفَرِّقَاتُ كَلَامِهِمْ الْمُتَعَارِضَةُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ فَإِنَّهُمْ أَلْغَوْا الْإِكْرَاهَ تَارَةً وَاعْتَدُّوا بِهِ تَارَةً أُخْرَى أَلَا تَرَى أَنَّ أَكْثَرَ مَسَائِلِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَثَّرَ فِيهَا الْإِكْرَاهُ وَإِلَى أَنَّ بَعْضَهَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا لِمَا مَرَّ فِيهِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي بِالْعَكْسِ فَأَكْثَرُ مَسَائِلِهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ وَبَعْضُهَا قَدْ يُؤَثِّرُ فِيهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مَأْخَذُهُ وَمَلْحَظُهُ مِمَّا تَقَرَّرَ فَاسْتَفِدْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ يَزُولَ بِهِ شُبَهٌ كَثِيرَةٌ لَا يُهْتَدَى إلَى حَلِّهَا إلَّا بَعْدَ إمْعَانِ النَّظَرِ كَمَا تَقَرَّرَ. وَبِهَذَا الَّذِي قَرَّرْته فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ التَّاجِ السُّبْكِيّ يَتَّضِحُ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ: لَا تَأْثِيرَ لِلْإِكْرَاهِ فِي الْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمَنْدُوبِ وَتَرْكِ الْحَرَامِ وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ إنْ كَانَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ، أَوْ فِعْلِ حَرَامٍ. اهـ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُبَاحَ وَمَا بَعْدَهُ لَا إثْمَ فِي فِعْلِهَا وَلَا تَرْكِهَا فَلَا تَأْثِيرَ لِلْإِكْرَاهِ فِيهَا بِخِلَافِ الْأَخِيرَيْنِ فَإِنَّ فِيهِمَا إثْمًا فَإِذَا كَانَا لِدَاعِيَةِ الْإِكْرَاهِ انْتَفَى عَنْهُمَا الْإِثْمُ رُخْصَةً مِنْ اللَّهِ كَمَا مَرَّ. وَنَخْتِمُ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ بِفَرْعَيْنِ مُشْكِلَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَوْ أَكْرَهَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْآخَرَ عَلَى وَطْءِ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ فَوَطِئَهَا وَأَحْبَلَهَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ لِشَرِيكِهِ الْمُكْرِهِ لَهُ أَوْ لَا لَا لِأَنَّهُ الْحَامِلُ لَهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ. وَأَقُولُ الَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ لَهُ شَيْءٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ آلَةُ الْمُكْرِهِ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي مَوَاضِعَ؛ لِأَنَّهُ نَتِيجَةُ فِعْلٍ فَكَيْفَ يَكُونُ فِعْلُهُ الْمُتَعَدِّي بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ سَبَبًا لِأَخْذِهِ مَالَ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ وَلَا رِضَاءَ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّ التَّرَدُّدِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْمُكْرَهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَعْجَمِيًّا يَرَى وُجُوبَ طَاعَةِ آمِرِهِ وَإِلَّا فَهُوَ آلَةٌ لَهُ لَا مَحَالَةَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي مَوَاضِعَ ثَانِيهِمَا: قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُكْرَهِ بِبَاطِلٍ عَقْدٌ وَلَا حَلٌّ كَبَيْعٍ وَطَلَاقٍ وَغَيْرِهِ وَمَعَ ذَلِكَ يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ كَثِيرًا فِي الْأَيْمَانِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِمَا فِيهِ قَوْلَا الْمُكْرَهِ وَهَذَا غَيْرُ مَا جَزَمُوا بِهِ. وَجَوَابُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَزْمَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يُوقِعُهُ الْمُكْرَهُ مُنَجَّزًا حَالَةَ الْإِكْرَاهِ، وَأَمَّا الْقَوْلَانِ فَمَحَلُّهُمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى فِعْلٍ سَبَقَهُ تَعْلِيقٌ بِالطَّلَاقِ مَثَلًا فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ نَحْوُ إلَّا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ تُكْرَهُ عَلَى دُخُولِهَا فَمَنْ نَظَرَ إلَى اخْتِيَارِهِ أَوَّلًا أَوْقَعَ عَلَيْهِ وَمَنْ نَظَرَ إلَى إكْرَاهِهِ

стр. 1114

عَلَى الدُّخُولِ لَمْ يُحَنِّثْهُ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْوُقُوعَ إنَّمَا يَسْتَنِدُ بِالْحَقِيقَةِ الْقَرِيبَةِ إلَى وُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَوُجُودُهُ مِنْ الْمُكْرَهِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ فَلَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ. وَأَمَّا الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ فَإِنَّهُ كَالِاخْتِيَارِ إذْ كَانَ مِنْ حَقِّ هَذَا الْمُكْرَهِ أَنْ يَفْعَلَ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ أُكْرِهَ، وَلَمْ يَسْقُطْ أَثَرُ فِعْلِهِ وَكَانَ آثِمًا عَلَى كَوْنِهِ أَحْوَجَ إلَى أَنْ يُكْرَهَ وَهَذَا كَالْمُرْتَدِّ وَالْحَرْبِيِّ يُكْرَهَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَيَصِحُّ وَإِنْ أَكْرَهَهُمَا كَافِرٌ مِنْهُمَا ظَاهِرًا وَكَذَا بَاطِنًا إنْ أَذْعَنَ لَهُ قَبْلَهُمَا وَمِنْ ذَلِكَ إكْرَاهُ الْإِمَامِ مُكَلَّفًا عَلَى الْقِيَامِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ وَمَنْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ أَوْ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ إعْتَاقِهِ وَامْتَنَعَ مِنْهُ أُجْبِرَ عَلَى إعْتَاقِهِ فَيَصِحُّ وَيَقَعُ الْمَوْقِعَ وَإِذَا امْتَنَعَ الْمَوْلَى مِنْ الطَّلَاقِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَقَامَ بِهِ مَانِعٌ مِنْ الْوَطْءِ كَإِحْرَامٍ وَلَمْ يَفِئْ بِلِسَانِهِ بِأَنْ يَقُولَ إذَا زَالَ عُذْرِي وَطِئْتُ فَأَكْرَهَهُ الْقَاضِي عَلَى طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَعَ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ بِحَقٍّ فَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى الثَّلَاثِ وَقُلْنَا الْقَاضِي لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ وَقَعَتْ وَاحِدَةً فَقَطْ وَلَغَا الزَّائِدُ، وَإِنْ قُلْنَا يَنْعَزِلُ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَهُوَ كَمَنْ أَكْرَهَهُ ظَالِمٌ؛ لِأَنَّ إكْرَاهَهُ إنَّمَا لَمْ يَمْنَعْ الْحُكْمَ مَا دَامَ بِالْحَقِّ فَإِذَا انْعَزَلَ لَمْ يَبْقَ لَهُ وِلَايَةٌ فَسَاوَى سَائِرَ الْآحَادِ حِينَئِذٍ وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ نُفُوذُ الطَّلَاقِ مَعَ عَدَمِ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ فِيمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: طَلِّقْ زَوْجَتِي، أَوْ أَعْتِقْ عَبْدِي، أَوْ بِعْ مَتَاعِي وَإِلَّا قَتَلْتُك مَثَلًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِكْرَاهَ تَضَمَّنَ إذْنًا فَمِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ جَاءَ النُّفُوذُ وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ إكْرَاهًا يَقْتَضِي إلْغَاءَ التَّصَرُّفِ وَلُحُوقَ الْإِثْمِ لِلْمُكْرِهِ بِالْكَسْرِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ فِيهِ حَيْثِيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ رُتِّبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمُهُمَا لِانْفِكَاكِ الْحُكْمَيْنِ وَعَدَمِ التَّلَازُمِ بَيْنَهُمَا وَبِهَذَا الَّذِي قَرَّرْته يُرَدُّ عَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ مَثَلًا هُنَا لِسُقُوطِ حُكْمِ اللَّفْظِ بِالْإِكْرَاهِ (تَنْبِيهٌ) تَعْبِيرِي بِالْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ هُوَ مَا عَبَّرُوا بِهِ وَأَقَرُّوهُ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْإِكْرَاهَ عَلَى حَقٍّ بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ عَلَى حَقٍّ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ وَالْمُعْتَبَرُ إنَّمَا هُوَ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ لَا عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ إكْرَاهَ الذِّمِّيِّ عَلَى الْإِسْلَامِ إكْرَاهٌ عَلَى حَقٍّ لَا بِهِ لِحُرْمَةِ إكْرَاهِهِ عَلَيْهِ لِقَبُولِنَا عَقْدَ الْجِزْيَةِ مِنْهُ الْمُسْتَلْزِمَ لِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ فَلَوْ أَسْلَمَ لِدَاعِيَةِ الْإِكْرَاهِ لَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ؛ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِبَاطِلٍ لَا يُقَالُ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا لَوْ قَالَ وَلِيُّ الدَّمِ لِلْقَاتِلِ طَلِّقْ امْرَأَتَك وَإِلَّا اقْتَصَصْتُ مِنْك لَمْ يَكُنْ إكْرَاهًا يَدْخُلُ فِي الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ مَعَ نَفْيِهِمْ عَنْهُ حَقِيقَةَ الْإِكْرَاهِ مِنْ أَصْلِهَا وَيَرُدُّ عَلَى مَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ بِحَقٍّ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ وَلَا عَكْسَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ الْمُكْرَهَ بِهِ حَقُّ الْمُكْرَهِ وَالطَّلَاقُ الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ لَيْسَ حَقًّا لَهُ فَالْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِكْرَاهَ عَلَى حَقٍّ خِلَافُ مَا ادَّعَيْتُمْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مَعْنَى قَوْلِنَا: الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ إنَّ الْإِكْرَاهَ نَفْسَهُ حَقٌّ وَلَا يَكُونُ حَقًّا إلَّا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ لَازِمَيْهِ الْمُكْرَهِ بِهِ وَعَلَيْهِ حَقًّا فَخَرَجَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ فِيهَا لَيْسَ حَقًّا وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَعَّدُ بِهِ حَلَالًا إذْ لَيْسَ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَنْ يُكْرِهَ بِهِ عَلَى الطَّلَاقِ الَّذِي لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ بِوَجْهٍ. (الْمَبَاحِثُ) فِي ذِكْرِ الصُّوَرِ الَّتِي مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا فِي الْخُطْبَةِ وَجْهُ الْإِشْكَالِ فِيهَا أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي بَعْضِهَا طِبْقَ مَا مَرَّ فِي بَحْثِ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَفِي بَعْضِهَا خِلَافُ ذَلِكَ مِنْ عَدَمِ وُقُوعِهِ مَعَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ فِيهِ بِحَقٍّ فَلَمْ يَجْرُوا عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ مُطَابِقٍ لِمَا اسْتَثْنَوْهُ وَمِنْ الْوُقُوعِ مَعَ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ وَعَدَمِهِ مَعَ الْإِكْرَاهِ بِبَاطِلٍ، فَمِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ فِي الْأَيْمَانِ فِيمَا إذَا قَالَ لَا أُفَارِقُكِ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكِ أَنَّهُ لَوْ أَفْلَسَ الْغَرِيمُ فَمَنَعَهُ الْحَاكِمُ مِنْ مُلَازَمَتِهِ فَفَارَقَهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ حِنْثِ الْمُكْرَهِ وَإِنْ فَارَقَهُ بِاخْتِيَارِهِ حَنِثَ وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ وَاجِبًا لِإِعْسَارِهِ كَمَا لَوْ قَالَ لَا أُصَلِّي الْفَرْضَ فَصَلَّى حَنِثَ. اهـ. وَبِهِ جَزَمَ غَيْرُهُمَا وَالْقِيَاسُ الْحِنْثُ؛ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ وَقَوْلُهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ. . . إلَخْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا قَالَاهُ أَثْنَاءَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ فِيمَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا لَمْ أَطَأْك اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا أَوْ مُحْرِمَةً مِنْ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ فَإِنَّهُ لَمَّا حَكَى عَدَمَ الْحِنْثِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - اعْتَرَضَهُ وَقَالَ بَلْ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْيَمِينِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَيَعْصِيَنَّ اللَّهَ فَلَمْ يَعْصِهِ حَنِثَ

стр. 1115

أَيْ: وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ الْمَعْصِيَةَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَمَا قَالَهُ الْمُزَنِيّ هُوَ نَظِيرُ مَا قَالَاهُ فِي لَا أُصَلِّي الْفَرْضَ فَلِمَ اُعْتُمِدَ الْحِنْثُ هُنَاكَ وَلَمْ يُعْتَمَدْ هُنَا مُوَافَقَةً لِلْمُزَنِيِّ مَعَ اتِّحَادِ الْمَدْرَكِ وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُمَا: الْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُزَنِيّ وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ وَقِيلَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ كَفَوَاتِ الْبِرِّ بِالْإِكْرَاهِ. هَذَا حَاصِلُ مَا فِي هَذَا الْمَبْحَثِ مِنْ هَذَيْنِ الْإِشْكَالَيْنِ الْقَوِيَّيْنِ وَيُجَابُ عَنْ أَوَّلِهِمَا بِأَنَّ مَحَلَّ قَوْلِهِمْ إنَّ الْإِكْرَاهَ بِحَقٍّ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ مَا إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ تَصَرُّفًا مُنَجَّزًا كَمَا مَرَّ فِي إكْرَاهِ الْقَاضِي لِلْمُولِي عَلَى الطَّلَاقِ، وَلِنَاذِرِ الْعِتْقِ وَشَارِطِهِ عَلَى إيقَاعِهِ، وَلِأَحَدِ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْقِيَامِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ كَمَا فِي إكْرَاهِ الْمُرْتَدِّ وَالْحَرْبِيِّ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَفِي هَذَا كُلِّهِ يَقَعُ الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ وَيَصِحُّ لِمَا مَرَّ مِنْ تَقْصِيرِ الْمُكْرَهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ بِتَرْكِ ذَلِكَ الْقَوْلِ، أَوْ الْفِعْلِ اللَّازِمِ لَهُ فِي الْحَالِ الْآثِمِ بِتَرْكِهِ حَتَّى أَحْوَجَ غَيْرَهُ إلَى حَمْلِهِ عَلَيْهِ. أَمَّا إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ فِعْلُ شَيْءٍ عَلَّقَ عَلَيْهِ طَلَاقًا مَثَلًا بِاخْتِيَارِهِ فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ فِي إلْغَاءِ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ وَالْإِكْرَاهِ بِبَاطِلٍ؛ لِأَنَّ الْمَلْحَظَ فِي الْحِنْثِ وُجُودُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الْإِكْرَاهِ بِقِسْمَيْهِ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِ شُرَّاحِ التَّنْبِيهِ فِي مَسْأَلَةِ غَرِيمِ الْمُفْلِسِ السَّابِقِ فَإِنْ فَارَقَهُ بَعْدَ حَجْرِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ فَعَلَى قَوْلِ الْمُكْرَهِ أَيْ: فَلَا يَحْنَثُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ شَرْعًا. اهـ. فَتَأَمَّلْ تَعْلِيلَهُ عَدَمَ حِنْثِهِ بِمَنْعِ الْحَاكِمِ لَهُ مِنْ مُلَازَمَةِ غَرِيمِهِ الْمُعْسِرِ بِأَنَّهُ مُكْرَهٌ شَرْعًا تَجِدْهُ صَرِيحًا أَيْ: صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ وُجُودَ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ بِالْإِكْرَاهِ الشَّرْعِيِّ كَهُوَ بِالْإِكْرَاهِ الْحِسِّيِّ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ وَمِنْ ثَمَّ عَلَّلَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ الْحِنْثِ فِي هَذِهِ أَيْضًا بِأَنَّ الْإِكْرَاهَ الشَّرْعِيَّ كَالْإِكْرَاهِ الْحِسِّيِّ، فَإِنْ قُلْتَ هَلْ لِمَا ذَكَرْته مِنْ الْفَرْقِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُنَجَّزِ وَالْمُعَلَّقِ وَجْهٌ جَلِيٌّ يَتَّضِحُ بِهِ ذَلِكَ؟ قُلْت: نَعَمْ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ فِي الْمُنَجَّزِ لَمْ يَنْظُرُوا إلَّا إلَى تَقْصِيرِ الْمُكْرَهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ بِمَا أَوْجَبَ أَنَّ إكْرَاهَهُ بِحَقٍّ وَإِلَى عَدَمِ تَقْصِيرِهِ بِمَا أَوْجَبَ أَنَّ إكْرَاهَهُ بِبَاطِلٍ، فَقَالُوا فِي الْأَوَّلِ يَنْفُذُ قَطْعًا وَفِي الثَّانِي لَا يَنْفُذُ قَطْعًا. وَأَمَّا فِي الْمُعَلَّقِ فَلَمْ يَنْظُرُوا كُلُّهُمْ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا نَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى ابْتِدَاءِ تَعْلِيقِهِ السَّابِقِ بِاخْتِيَارِهِ فَأَوْقَعَهُ بِفِعْلِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ أَمْ بِبَاطِلٍ وَبَعْضُهُمْ إلَى فِعْلِهِ حَالَ الْإِكْرَاهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ فَلَمْ يُوقِعْ سَوَاءٌ أَكَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ أَمْ بِبَاطِلٍ نَظَرًا إلَى عَدَمِ اخْتِيَارِهِ لَهُ فَتَأَمَّلْ اخْتِلَافَ نَظَرِهِمْ وَمَلْحَظِهِمْ فِي الْمُنَجَّزِ وَالْمُعَلَّقِ يَتَّضِحُ لَك مَا ذَكَرْته وَمِمَّا يُوَضِّحُهُ أَيْضًا أَنَّ الْمُعَلِّقَ لَمْ يَجْعَلْ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ مُوجِبًا لِحِنْثِهِ إلَّا إذَا قَارَنَهُ الِاخْتِيَارُ وَالرِّضَا بِهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ أَلْفَاظُ التَّعَالِيقِ كَلَا أُفَارِقُ، أَوْ إنْ دَخَلْت وَنَحْوِهِمَا، وَإِكْرَاهُ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِحَقٍّ يُنَافِي اخْتِيَارَ الْمُعَلِّقِ فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ. وَأَمَّا التَّصَرُّفُ الْمُنَجَّزُ فَلَمْ يَسْبِقْ مِنْ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِي تَقْيِيدُهُ بِاخْتِيَارٍ وَلَا بِعَدَمِهِ فَفَصَلَ فِيهِ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ وَعَدَمِهِ نَظَرًا إلَى تَقْصِيرِ الْمُكْرَهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَعَدَمِ تَقْصِيرِهِ فَإِنْ قُلْتَ هَلْ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْته مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا فُرُوعٌ أُخْرَى غَيْرُ مَسْأَلَةِ الْمُفْلِسِ السَّابِقَةِ قُلْت: نَعَمْ وَهَا أَنَا أُمْلِي عَلَيْك مِنْهَا لِتَطْمَئِنَّ نَفْسُك إلَى مَا ذَكَرْتُهُ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْخَادِمِ فِيمَنْ ابْتَلَعَ خَيْطًا وَبَقِيَ طَرَفُهُ خَارِجًا ثُمَّ أَصْبَحَ صَائِمًا فَإِنْ نَزَعَهُ أَفْطَرَ وَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ قَالَ وَطَرِيقُهُ أَنْ يُجْبِرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى نَزْعِهِ وَلَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ. اهـ. فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُمْ وَلَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ أَيْ: بِبَاطِلٍ تَعْلَمْ أَنَّهُ أَلْحَقَ هُنَا الْإِكْرَاهَ بِحَقٍّ كَالْإِكْرَاهِ بِبَاطِلٍ حَتَّى أَعْطَاهُ حُكْمَهُ فِي عَدَمِ الْفِطْرِ بِهِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى أَنَّ الِابْتِلَاعَ مِنْ فِعْلِهِ الْمُتَسَبِّبِ عَنْهُ إجْبَارُ الْحَاكِمِ لَهُ عَلَى نَزْعِهِ وَإِنَّمَا نَظَرَ إلَى أَنَّهُ لَمَّا أَجْبَرَهُ عَلَى نَزْعِهِ صَارَ غَيْرَ مُخْتَارٍ لَهُ فَسَاوَى الْمُكْرَهَ بِبَاطِلٍ فِي عَدَمِ الِاخْتِيَارِ فَلَمْ يُفْطِرْ حِينَئِذٍ وَمِنْهَا مَا فِي حَوَاشِي الرَّوْضَةِ لِلْجَلَالِ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى عَدَمِ فِعْلِ شَيْءٍ كَانَ فِعْلُهُ مُمْكِنًا فَمُنِعَ مِنْهُ كَأَنْ قَالَ إلَّا لَمْ أَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمُنِعَ مِنْ الدُّخُولِ بِالْإِكْرَاهِ إنْ كَانَتْ مِلْكَهُ أَوْ بِالشَّرْعِ إنْ كَانَتْ مِلْكَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ لِفَوَاتِ الْبِرِّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ. قَالَ وَقَدْ سُئِلْتُ عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ يَزْرَعَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَدَّانًا

стр. 1116

فَمُنِعَ بِالشَّرْعِ لِكَوْنِهَا مِلْكَ الْغَيْرِ مِنْ زَرْعِهِ فَظَهَرَ لِي عَدَمُ الْوُقُوعِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا أَيْ: وَهِيَ فَوَاتُ الْبِرِّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ قَالَ وَنَظِيرُهَا وَاَللَّهِ لَآكُلَنَّ الرَّغِيفَ غَدًا فَتَلِفَ الرَّغِيفُ قَبْلَ الْغَدِ أَيْ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ فَفَاتَ الْبِرُّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ حِنْثُ الْمُكْرَهِ أَيْ: وَأَصَحُّهُمَا عَدَمُ الْحِنْثِ وَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ أَدْخُلْ أَيْ: فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ مَعْنَاهُ إنْ عُدِمَ دُخُولِي بِاخْتِيَارِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ دَخَلْتهَا مُخْتَارًا لَمْ تَطْلُقْ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَوَّلًا، أَوْ بِالشَّرْعِ وَثَانِيًا فَمُنِعَ بِالشَّرْعِ أَنَّ الْحَاكِم مَنَعَهُ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ كَمَا يَأْتِي بَسْطُهُ فِي جَوَابِ الْإِشْكَالِ الثَّانِي وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الطَّلَاقِ فِيمَا لَوْ قَالَ إلَّا أَخَذْتِ حَقَّكِ مِنِّي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ حَتَّى أَعْطَى بِنَفْسِهِ مِنْ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي فِعْلِ الْمُكْرَهِ وَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ عَدَمِ الْحِنْثِ وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ لِمَا مَرَّ. وَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُمْ نَزَّلُوا الْإِكْرَاهَ الشَّرْعِيَّ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ الْحِسِّيِّ فَكَأَنَّهُ هُنَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ كَرْهًا، وَفِعْلُ الْمُكْرَهِ هُنَا كَلَا فِعْلٍ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي إنْ أَعْطَيْتُك حَقَّك فَامْرَأَتِي طَالِقٌ اخْتِيَارُ الْمَدِينِ لَا الدَّائِنِ، وَأَمَّا قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ عَقِبَ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ الرَّافِعِيِّ كَذَلِكَ وَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ عَدَمِ الْحِنْثِ وَالْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ فَهُوَ اشْتِبَاهٌ لِظَنِّهِ أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَيْهِ الْمُعَلَّقُ كَالْمُنَجَّزِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ هُوَ إيجَابُ الشَّرْعِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّ زَوْجَتَهُ اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا لَا يَحْنَثُ كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَيْ لِلْحَائِضِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ كَمَا. . . إلَخْ تَجِدْهُ مُصَرِّحًا بِأَنَّ الْمُكْرَهَ بِحَقٍّ عَلَى فِعْلِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ لَا يَحْنَثُ بِفِعْلِهِ لَهُ لِدَاعِيَةِ الْإِكْرَاهِ الَّذِي بِحَقٍّ فَهَذَا تَصْرِيحٌ أَيْ: صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرَتْهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ. . . إلَخْ مِنْ بَابِ اشْتِبَاهِ الْمُعَلَّقِ بِالْمُنَجَّزِ عَلَى أَنَّ الزَّرْكَشِيّ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَذَا الِاشْتِبَاهِ بَلْ سَبَقَهُ إلَيْهِ شَيْخُهُ الْأَذْرَعِيُّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا لَوْ قَالَ إلَّا أَخَذْتَ مَا لَكَ عَلَيَّ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَأَخَذَهُ مِنْهُ، أَوْ مِنْ وَكِيلِهِ وَلَوْ بِتَلَصُّصٍ، أَوْ انْتِزَاعِهِ مِنْهُ كَرْهًا وَالْمَالُ مُعَيَّنٌ فِي الْجَمِيعِ، أَوْ دَيْنٌ وَرَضِيَ بِهِ الْمَدِينُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِعْطَاءِ فِي الْأَخِيرَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ. وَمِثْلُهَا الثَّالِثَةُ طَلُقَتْ لِوُجُودِ الْوَصْفِ لَا إنْ أُكْرِهَ الدَّائِنُ عَلَى الْأَخْذِ مِنْهُ فَأَخَذَ مِنْهُ فَلَا تَطْلُقُ اهـ. قَالَ أَعْنِي الْأَذْرَعِيَّ مَحَلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ الطَّلَاقِ عِنْدَ إكْرَاهِ الدَّائِنِ عَلَى الْأَخْذِ مِنْ مَدِينِهِ مَا إذَا لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ أَخْذُهُ مِنْهُ فَإِنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ آخِرَ السَّلَمِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ. اهـ. فَقَوْلُهُ فَالظَّاهِرُ. . . إلَخْ هُوَ مَادَّةُ الزَّرْكَشِيّ فِيمَا مَرَّ عَنْهُ وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ ذَاكَ اشْتِبَاهٌ فَهَذَا اشْتِبَاهٌ أَيْضًا وَعَجِيبٌ مِنْ شَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ تَعَالَى عَهْدَهُ كَيْفَ تَبِعَ الْأَذْرَعِيَّ. عَلَى هَذَا الِاشْتِبَاهِ الظَّاهِرِ. وَكَلَامُ ابْنِ الرِّفْعَةِ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته وَهُوَ قَوْلُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ لَوْ قَالَ لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ فَاسْتَوْفَاهُ مِنْ وَكِيلِهِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ تَبَرَّعَ بِهِ، حَنِثَ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِمَا إذَا قَبَضَهُ مُخْتَارًا أَمَّا إذَا قَبَضَهُ جَبْرًا بِالْحَاكِمِ وَيُتَصَوَّرُ فِي الْأَجْنَبِيِّ بِأَنْ يَكُونَ ضَامِنًا فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْ الْإِكْرَاهِ كَمَا إذَا أَفْلَسَ فَفَارَقَهُ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ فِي دَفْعِ الْإِكْرَاهِ عِنْدَ الْفَلَسِ. وَلَا كَذَلِكَ هُنَا فَإِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ عِنْدَ بَذْلِ الْأَجْنَبِيِّ بِإِبْرَائِهِ مِنْ الضَّمَانِ وَبِإِبْرَاءِ الْمُوَكِّلِ وَإِنْ حَنِثَ بِهِ نَعَمْ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْإِكْرَاهِ عَلَى قَتْلِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ. اهـ كَلَامُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى نَفَائِسَ فَقَوْلُهُ أَمَّا إذَا قَبَضَهُ جَبْرًا بِالْحَاكِمِ. . . إلَخْ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته مِنْ الرَّدِّ عَلَى الْأَذْرَعِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَعْنِي ابْنَ الرِّفْعَةِ أَلْحَقَ الْجَبْرَ مِنْ الْحَاكِمِ هُنَا بِجَبْرِهِ عَلَى مُفَارَقَةِ الْمُفْلِسِ الْمُصَرِّحِينَ فِيهَا بِعَدَمِ الْحِنْثِ. كَمَا مَرَّ وَقَوْلُهُ: وَجَوَابُهُ. . . إلَخْ فِيهِ بَيَانُ وَجْهٍ آخَرَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْأَذْرَعِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ وَتَقْرِيرُهُ لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْإِكْرَاهَ بِحَقٍّ يَقْتَضِي الْوُقُوعَ لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْإِكْرَاهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَأَنْ لَا يَجِدَ الْمُكْرَهُ مَنْدُوحَةً عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّائِنَ الْمُكْرَهَ عَلَى الْأَخْذِ بِسَبِيلٍ مِنْ الْإِبْرَاءِ لِلْأَجْنَبِيِّ عَنْ الضَّمَانِ، أَوْ لِلْمُوَكِّلِ. وَإِنْ حَنِثَ بِهِ أَيْ: لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْبِرَّ بِاخْتِيَارِهِ وَإِذَا فَرَضَ أَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى أَخْذٍ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ.

стр. 1117

عَنْهُ بَلْ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى الْإِبْرَاءِ فَأَشْبَهَ الْإِكْرَاهَ عَلَى قَتْلِ هَذَا، أَوْ هَذَا أَوْ طَلَاقِ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ. وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ لَا يُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَقَدْ أَفْتَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ الشَّرَفُ الْمُنَاوِيُّ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ مِنْ صَوْمِهِ، أَوْ أَطْلَقَ أَفْطَرَ بِدُخُولِ اللَّيْلِ بِالْغُرُوبِ وَلَا حِنْثَ كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ فِي الْأَيْمَانِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ مُفْطِرًا مِنْ صَوْمٍ قَاصِدًا بِذَلِكَ الْوِصَالَ فَهُوَ آثِمٌ بِالْإِمْسَاكِ مِنْ الْغُرُوبِ فَإِذَا لَزِمَهُ الْحَاكِمُ بِتَنَاوُلِ مُفْطِرٍ بِعَيْنِهِ فَتَنَاوَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيْ حِنْثِ الْمُكْرَهِ نَظِيرُ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهُ فَأَفْلَسَ الْغَرِيمُ وَمَنَعَهُ الْحَاكِمُ مِنْ مُلَازَمَتِهِ فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْحَاكِمُ مُفْطِرًا، أَوْ عَيَّنَ لَهُ مُفْطِرًا فَتَنَاوَلَ غَيْرَهُ حَنِثَ لِقَرِينَةِ الِاخْتِيَارِ. اهـ. وَمِنْهَا مَا فِي تَوَسُّطِ الْأَذْرَعِيِّ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُعْطِيهِ مَالَهُ فَلَهُ أَحْوَالٌ أَحَدُهَا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ مُخْتَارًا فَيَحْنَثُ سَوَاءٌ أَخَذَ مِنْهُ اخْتِيَارًا أَمْ غَيْرَ اخْتِيَارٍ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ يَتَعَلَّقُ بِالْعَطَاءِ دُونَ الْأَخْذِ وَقَدْ وُجِدَ الْعَطَاءُ فَوَقَعَ الْحِنْثُ ثَانِيهَا أَنْ يُعْطِيَهُ لِوَكِيلِهِ وَلَوْ بِأَمْرِهِ أَيْ: إنْ غَابَ عَنْهُ الْمُوَكِّلُ كَمَا قَيَّدَ بِهِ الشَّيْخَانِ فِي بَابِ الْخُلْعِ ثَالِثُهَا أَنْ يُعْطِيَ وَكِيلُهُ دَائِنَهُ وَلَوْ بِأَمْرِهِ. رَابِعُهَا أَنْ يُعْطِيَهُ عِوَضًا عَنْهُ وَلَوْ بِحَوَالَةٍ. خَامِسُهَا أَنْ يَأْخُذَ السُّلْطَانُ مِنْ مَالِهِ جَبْرًا فَلَا يَحْنَثُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ. سَادِسُهَا أَنْ يُجْبِرَهُ السُّلْطَانُ عَلَى دَفْعِهِ فَيُعْطِيهِ إيَّاهُ مُكْرَهًا فَفِي حِنْثِهِ قَوْلَانِ. اهـ. وَمُرَادُهُ بِالْقَوْلَيْنِ الْقَوْلَانِ الْمَعْرُوفَانِ فِي وُجُود الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَأَظْهَرُهُمَا لَا حِنْثَ مَعَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ هُنَا بِحَقٍّ فَهُوَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ مِنْ أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى إيجَادِ الْمُعَلَّقِ يَمْنَعُ الْحِنْثَ بِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ أَمْ بِبَاطِلٍ. وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ لَا يُؤَدِّي دَيْنَ فُلَانٍ الَّذِي عَلَيْهِ فَحَكَمَ عَلَيْهِ حَاكِمٌ بِأَدَائِهِ فَأَدَّاهُ لَمْ يَحْنَثْ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ وَتَبِعَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الشَّرَفُ الْمُنَاوِيُّ وَبَعْضُ مُعَاصِرِيهِ تَنْزِيلًا لِلْإِكْرَاهِ الشَّرْعِيِّ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ الْحِسِّيِّ وَأَمَّا قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ: إنَّهُ يَحْنَثُ هُنَا أَيْضًا فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى فَهْمِهِ السَّابِقِ قَرِيبًا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى وَهْمِهِ مَا مَرَّ عَنْهُ فِي مَسْأَلَةِ نَزْعِ الْخَيْطِ مِنْ أَنَّ إجْبَارَ الْحَاكِمِ عَلَى النَّزْعِ غَيْرُ مُفْطِرٍ كَالْإِكْرَاهِ الْحِسِّيِّ وَمَا مَرَّ عَنْهُ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّ زَوْجَتَهُ اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا وَمُنِعَ عَنْ الْوَطْءِ لَمْ يَحْنَثْ، فَقَدْ صَرَّحَ فِي هَذَيْنِ بِأَنَّ الْإِكْرَاهَ الشَّرْعِيَّ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ الْحِسِّيِّ فَإِنْ قُلْت ذَكَرَ الْأَصْحَابُ مَسَائِلَ تَدُلُّ لِمَا مَرَّ عَنْ الزَّرْكَشِيّ وَالْأَذْرَعِيِّ. وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنَّ الْإِكْرَاهَ الشَّرْعِيَّ لَا يَمْنَعُ الْحِنْثَ فِي الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ التَّصَرُّفِ الْمُنَجَّزِ قُلْت: لَا شَاهِدَ لَهُمْ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ ذِكْرِهَا وَالْجَوَابِ عَنْهَا. مِنْهَا قَوْلُهُمْ لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِفُ يَمِينًا مُغَلَّظَةً فَوَجَبَ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَقُلْنَا بِوُجُوبِ التَّغْلِيظِ أَيْ: عَلَى الضَّعِيفِ حَلَفَ وَحَنِثَ فَلَمْ يَنْظُرُوا لِكَوْنِ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِالتَّغْلِيظِ كَالْإِكْرَاهِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هُنَا حَقِيقَةُ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ لَهُ مَنْدُوحَةً عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِتَأْدِيَةِ الْمُدَّعَى بِهِ فَيَنْدَفِعُ عَنْهُ حِنْثُ الْيَمِينِ فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ وَحَلَفَ حَنِثَ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ الْإِكْرَاهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِانْتِفَاءِ الْإِكْرَاهِ مِنْ أَصْلِهِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ ثُمَّ رَأَيْت مَا قَدَّمْته آنِفًا عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته بِخِلَافِ الْمَسَائِلِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِمَا فِيهَا لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهُ فَمَنَعَ الْحِنْثُ. وَمِنْهَا قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ: لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ مُقَيَّدٌ فَحَلَفَ بِعِتْقِهِ أَنَّ فِي قَيْدِهِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ وَحَلَفَ بِعِتْقِهِ لَا يَحُلُّهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ فَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي عَدْلَانِ أَنَّ فِي قَيْدِهِ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ فَحَكَمَ بِعِتْقِهِ ثُمَّ حَلَّ الْقَيْدَ فَوَجَدَهُ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ مِنْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ بِحَلِّ الْقَيْدِ دُونَ الشَّهَادَةِ لِتَحَقُّقِ كَذِبِهِمَا. اهـ. فَالْحُكْمُ بِالْعِتْقِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِالْحَلِّ وَلَمْ يَنْظُرُوا لَهُ وَيُجَابُ بَعْدَ تَسْلِيمِ اعْتِمَادِ كَلَامِ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَإِلَّا فَكَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِي الطَّلَاقِ مِنْ عَدَمِ حِنْثِ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي يَقْتَضِي ضَعْفَهُ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ كَمَا بَيَّنْته فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِحَلِّ الْقَيْدِ بَعْدَ حُكْمِهِ بِالْعِتْقِ وَإِنَّمَا الْمُعَلَّقُ هُوَ الَّذِي حَلَّهُ مُخْتَارًا لِظَنِّهِ أَنَّهُ عَتَقَ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ وَأَنَّ الْحَلَّ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ ثُمَّ بَانَ خَطَأُ ظَنِّهِ وَأَيْضًا فَكَلَامُنَا فِي حُكْمٍ صَحِيحٍ. وَهَذَا حُكْمٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ بَانَ أَنَّ عِتْقَهُ إنَّمَا تَرَتَّبَ

стр. 1118

عَلَى حَلِّهِ وَإِنْ لَمْ يُعْتَقَ بِزِنَةِ الْقَيْدِ وَأَنَّ الْحُكْمَ بِعِتْقِهِ بِهِ بَاطِلٌ فَوُجُوبُ الْحَلِّ الْمُرَتَّبِ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ الْبَاطِلِ لَاغٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْحُكْمَ بِالْعِتْقِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِالْحَلِّ فَقَدْ بَانَ بُطْلَانُهُ وَإِنَّمَا يَلْحَقُ بِالْإِكْرَاهِ حُكْمُ الْقَاضِي الصَّحِيحُ لَا غَيْرُ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ تَعْلِيلًا لِلْحِنْثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْمَبْحَثَ. وَأَمْعِنْ النَّظَرَ فِيهِ لِيَتَّضِحَ لَك مُتَفَرِّقَاتُ كَلَامِهِمْ الْمُتَعَارِضَةُ الظَّوَاهِرِ فِي ذَلِكَ حَتَّى زَلَّتْ فِيهَا أَقْدَامُ الْأَكَابِرِ كَمَا عَلِمْت، بَلْ الشَّخْصُ نَفْسُهُ يَتَنَاقَضُ كَلَامُهُ فِيهَا كَمَا مَرَّ لَك عَنْ الزَّرْكَشِيّ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ يَسْتَحْضِرُ بَعْضَ الْفُرُوعِ الْمُقَرَّرَةِ فِيمَا سَبَقَ أَوَّلًا فَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّ الْإِكْرَاهَ بِحَقٍّ فِي الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ يَمْنَعُ الْحِنْثَ كَالْإِكْرَاهِ بِبَاطِلٍ. وَفِي بَعْضِهَا يَسْتَحْضِرُ بَعْضَ هَذِهِ الْفُرُوعِ الْمُتَأَخِّرَةِ فَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّ الْإِكْرَاهَ بِحَقٍّ لَا يَمْنَعُ الْحِنْثَ هُنَا كَهُوَ فِي الْمُنَجَّزِ فَإِذَا أَمْعَنْت النَّظَرَ وَأَنْعَمْته فِيمَا قَرَّرْته وَتَأَمَّلْته حَقَّ التَّأَمُّلِ ظَهَرَ لَك أَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْفَرْقُ فِي الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ بَيْنَ الْمُنَجَّزِ وَالْمُعَلَّقِ وَأَنَّ الْفُرُوعَ الْمُصَرِّحَةَ بِهِ كَثِيرَةٌ صَرِيحَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ بِخِلَافِ الْفُرُوعِ الْمُوهِمَةِ لِخِلَافِهِ فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ. وَالْجَوَابُ عَنْهَا قَدْ ظَهَرَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فَلَا عُذْرَ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا فِي خِلَافِ مَا قُلْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ وَحَرَّرْنَاهُ. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ مُجَرَّدَ الْحُكْمِ مُلْحَقٌ بِالْإِكْرَاهِ سَوَاءٌ قَدَرَ الْحَاكِمُ عَلَى إكْرَاهِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ عَلَى فِعْلِ الْمَحْكُومِ بِهِ أَمْ لَا كَالظَّلَمَةِ الْمُتَمَرِّدِينَ وَأَمَّا ثَانِي الْإِشْكَالَيْنِ السَّابِقَيْنِ الَّذِي هُوَ تَصْرِيحُ الشَّيْخَيْنِ فِي الْأَيْمَانِ بِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الْفَرْضَ حَنِثَ وَفِي الطَّلَاقِ بِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّهَا اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا أَوْ مُحْرِمَةً بِنُسُكٍ لَمْ يَحْنَثْ خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ كَمَا مَرَّ مَبْسُوطًا فَيُجَابُ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ فِي صُورَةِ لَا أُصَلِّي الْفَرْضَ وَمَا قِيسَ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا أُفَارِقُك السَّابِقُ قَدْ وَجَّهَ الْحَلِفَ إلَى النَّفْيِ الْعَامِّ وَجَعَلَهُ هُوَ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَمِنْ الْمُفَارَقَةِ عِنْدَ إعْسَارِ الْغَرِيمِ فَحَيْثُ صَلَّى صَلَاةً صَحِيحَةً، أَوْ فَارَقَ غَرِيمَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَقَدْ خَالَفَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ صَرِيحًا فَحَنِثَ وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ إنْ لَمْ أَطَأْكِ فَفِيهِ تَعْلِيقٌ عَلَى انْتِفَاءِ الْوَطْءِ الْمُبَاحِ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِحَثِّ نَفْسِهِ عَلَيْهِ فَحَيْثُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ شَرْعًا لِحَيْضٍ وَنَحْوِهِ كَانَ كَتَعَذُّرِهِ حِسًّا فَلَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْوَطْءُ الْمُبَاحُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ لَازِمًا لِلتَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ. فَعُلِمَ بِهَذَا الَّذِي قَرَّرْته رَدُّ اعْتِرَاضِ الْمُزَنِيِّ السَّابِقِ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ صُورَةَ مَا لَوْ حَلَفَ لَيَعْصِيَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَتْ كَصُورَةِ لَأَطَؤُهَا اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا لِمَا تَقَرَّرَ بَلْ كَصُورَةِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الْفَرْضَ حَرْفًا بِحَرْفٍ؛ لِأَنَّهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَجَّهَ حَلِفَهُ إلَى إيقَاعِ الْمَعْصِيَةِ الْمُحَرَّمِ فَحَيْثُ خَالَفَهُ فَقَدْ خَالَفَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ صَرِيحًا فَحَنِثَ لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ الْمُخَالَفَةُ وَاجِبَةً فَتَأَمَّلْ هَذَا الْجَوَابَ لِتَفِرَّ بِهِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي وَرْطَةِ ذَلِكَ الْإِشْكَالِ الْمُسْتَلْزِمِ لِتَنَاقُضِ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ التَّنَاقُضَ الصَّرِيحَ الَّذِي لَا تَأْوِيلَ لَهُ لَوْلَا مَا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَلَهُ الْفَضْلُ وَالْمِنَّةُ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ الظَّاهِرِ لِلْمُتَأَمِّلِ. ثُمَّ رَأَيْتنِي فَرَّقْتُ بِفَرْقٍ آخَرَ فِي بَعْضِ التَّعَالِيقِ وَعِبَارَته إذَا وُجِدَ الْقَوْلُ أَوْ الْفِعْلُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ أَوْ النِّسْيَانِ أَوْ الْجَهْلِ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا عَدَمُ الْحِنْثِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ أَمْ بِالطَّلَاقِ. وَقَوْلُ الْقَفَّالِ: يَحْنَثُ فِي الطَّلَاقِ دُونَ الْيَمِينِ ضَعِيفٌ وَإِنْ كَانَ هُوَ مَذْهَبَ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَوْ قَالَ حَلَفَ إلَّا لَمْ تَصُومِي غَدًا أَوْ لَيَطَأَنَّهَا اللَّيْلَةَ فَحَاضَتْ لَمْ تَطْلُقْ كَأَنْ لَمْ تُصَلِّ الْيَوْمَ صَلَاةَ الظُّهْرِ فَحَاضَتْ وَقْتَهُ وَلَمْ يَمْضِ زَمَنُ إمْكَانِ الصَّلَاةِ وَقَوْلُ الْقَاضِي فِي إنْ لَمْ تُصَلِّي الْآنَ، فَحَاضَتْ طَلُقَتْ حَالًا ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَإِنْ قَالَ إلَّا لَمْ تَصُومِي يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ إلَّا لَمْ تُصَلِّي زَمَنَ الْحَيْضِ أَوْ إلَّا لَمْ تَبِيعِي الْخَمْرَ فَصَلَّتْ فِيهِ أَوْ صَامَتْ أَوْ بَاعَتْ الْخَمْرَ لَمْ تَطْلُقْ أَيْ: وَلَا نَظَرَ لِفَسَادِ ذَلِكَ وَحُرْمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ لَا يُشْتَرَطُ حِلُّهُ وَلَا صِحَّتُهُ فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: هَذَا مُشْكِلٌ، لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يَبَرُّ وَيَحْنَثُ بِالْقِرَاءَةِ جُنُبًا وَإِنْ لَمْ يَبَرَّ بِهِ عَنْ نَذْرِهِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ النَّذْرِ الْقُرْبَةُ، وَالْمَعْصِيَةُ لَا يُتَقَرَّبُ بِهَا بِخِلَافِ الْيَمِينِ فَإِنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا وُجُودُ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ مَعَ التَّذْكِيرِ وَالِاخْتِيَارِ. وَفَارَقَتْ هَذِهِ مَا قَبْلَهَا فِي صُوَرِ الْحَيْضِ بِأَنَّ التَّحْرِيمَ.

стр. 1119

ثَمَّ لَمَّا طَرَأَ بَعْدَ الْحَلِفِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْحَائِلِ الْحِسِّيِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعَلَّقِ بِهِ فَلَمْ يَحْنَثْ بِتَرْكِهِ لَهُ لِعُذْرِهِ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا عِنْدَ تَجَرُّدِ يَمِينِهِ لِفِعْلِ الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ قَاصِدٌ الْإِثْمَ وَمُخَالَفَةَ الشَّرْعِ فَكَيْفَ يُعَدُّ مَنْعُ الشَّارِعِ لَهُ عُذْرًا فِي عَدَمِ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَهُوَ أَعْنِي تَعَرُّضَهُ لِفِعْلِ الْمَعْصِيَةِ وَتَعْلِيقَهُ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِفِعْلِهِ لَهُ وَلَوْ مَعَ الْإِكْرَاهِ لِتَعَرُّضِهِ فِي حَلِفِهِ لَهُ وَأَمَّا الْأَوَّلُ أَعْنِي الَّذِي قَدْ عَلَّقَ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ فَطَرَأَ عَلَيْهِ مَا أَوْجَبَ تَحْرِيمَهُ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُتَغَلِّبٌ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِعُذْرِهِ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْفَرْقَ الظَّاهِرَ أَيْضًا يَتَّضِحُ لَك بِهِ أَيْضًا الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ الْإِشْكَالِ وَأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ فِي الطَّلَاقِ وَالْأَيْمَانِ. (التَّتِمَّةُ) فِي فَوَائِدَ تَتَعَلَّقُ بِالْإِكْرَاهِ مِنْهَا مَحَلُّ إلْغَاءِ فِعْلِ الْمُكْرَهِ وَقَوْلِهِ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ وَأَتَى بِعَيْنِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ فِيهِ بِوَجْهٍ لِدَاعِيَةِ الْإِكْرَاهِ فَحَسْبُ كَمَا مَرَّ. وَفِي مَجْمُوعِ الْمَحَامِلِيِّ الْإِكْرَاهُ يَرْفَعُ حُكْمَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْبَيْعِ فَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مَعَهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ أَرَادَ اللَّفْظَ فَقَطْ فَيَصِحُّ طَلَاقُهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْإِيقَاعَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ أَيْ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ إرَادَةُ اللَّفْظِ فَقَطْ وَحَكَى الْأَصْحَابُ فِيمَا لَوْ قَصَدَ الْمُكْرَهُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ قَوْلًا بِعَدَمِ الْوُقُوعِ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ أَثَرَ اللَّفْظِ. وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَا يُؤَثِّرُ وَالْأَصَحُّ الْوُقُوعُ إذْ لَا يَبْعُدُ اخْتِيَارُهُ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ ظَاهِرًا فَعَلَى هَذَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ كِنَايَةٌ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ إنْ نَوَى وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا وَمِنْهَا مَتَى حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَفَعَلَهُ نَاسِيًا لِلتَّعْلِيقِ أَوْ ذَاكِرًا لَهُ مُكْرَهًا عَلَى الْفِعْلِ أَوْ مُخْتَارًا جَاهِلًا بِالْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ لَا بِالْحُكْمِ خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ فِيهِ لَمْ يَحْنَثْ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» أَيْ: لَا يُؤَاخِذُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ كَضَمَانِ الْمُتْلَفِ فَالْفِعْلُ مَعَ ذَلِكَ كَلَا فِعْلٍ وَكَذَا لَا حِنْثَ إلَّا عَلَّقَ بِفِعْلِ غَيْرِهِ الْمُبَالِي بِتَعْلِيقِهِ بِأَنْ لَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ لِنَحْوِ صَدَاقَةٍ أَوْ حَيَاءٍ أَوْ مُرُوءَةٍ. وَقَصَدَ بِذَلِكَ مَنْعَهُ أَوْ حَثَّهُ وَعَلِمَ بِالتَّعْلِيقِ فَفَعَلَهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا أَمَّا إذَا لَمْ يَقْصِدْ مَنْعَهُ وَلَا حَثَّهُ أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُبَالَى بِتَعْلِيقِهِ كَالسُّلْطَانِ وَالْحَجِيجِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَفَعَلَهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ وَلَوْ مَعَ النِّسْيَانِ وَقَسِيمِهِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ حِينَئِذٍ مُجَرَّدُ التَّعْلِيقِ بِالْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مَنْعٍ، أَوْ حَثٍّ نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا قَصَدَ مَعَ الْحَثِّ، أَوْ الْمَنْعِ فِيمَنْ يُبَالِي بِهِ أَعْلَامَهُ بِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَلَا تَطْلُقُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَنَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ وَلَوْ عَلَّقَ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا فَفَعَلَهُ كَذَلِكَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ بِدُخُولِ نَحْوِ بَهِيمَةٍ، أَوْ طِفْلٍ فَدَخَلَ غَيْرَ مُكْرَهٍ حَنِثَ، أَوْ مُكْرَهًا فَلَا. وَفَارَقَ مَا مَرَّ مِنْ الْوُقُوعِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ مَعَ الْإِكْرَاهِ بِأَنَّ فِعْلَ الْبَهِيمَةِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَيْهَا حَالَ الْإِكْرَاهِ فَكَأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا بِخِلَافِ فِعْلِ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ وَلَوْ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَلِهَذَا يُضْمَنُ بِهِ وَأُلْحِقَ نَحْوُ الطِّفْلِ هُنَا بِالْبَهِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ شَبَهًا بِهَا مِنْهُ بِالْمُمَيَّزِ وَفِي الْحَلِفِ عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ بَيَّنْت حَاصِلَ الْمُعْتَمِدِ مِنْهُ فِي الْفَتَاوَى وَهُوَ عَدَمُ الْوُقُوعِ مُطْلَقًا فَعَلَيْك بِهِ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ مُهِمٌّ. وَلِكَثْرَةِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَطْرَافِهَا سَكَتَ كَثِيرُونَ عَنْ التَّرْجِيحِ فِيهَا وَامْتَنَعَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْإِفْتَاءِ فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَاسْتِعْمَالُ التَّوَقِّي أَوْلَى مِنْ زَلَّاتِ الْأَقْدَامِ وَمَنْ يَحْتَاطُ فِي دِينِهِ لَا يُفْتِي فِي ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا لِكَثْرَةِ الْكَذِبِ فِي دَعْوَى النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ مِنْ الْعَامَّةِ وَلَا سِيَّمَا النِّسَاءُ وَمِنْهَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ نَقْلًا عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ لَا أَدَعُك تُخْرِجُ هَذَا الْمَتَاعَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ وَإِنْ فَعَلْت فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَخَرَجَ الْحَالِفُ ثُمَّ ذَهَبَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِالْمَتَاعِ قَالَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ حَفِظَهُ حِفْظَ الْوَدِيعَةِ فَسَرَقَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، أَوْ أَكْرَهَهُ حَتَّى أَخَذَهُ مِنْهُ فَعَلَى قَوْلِ الْإِكْرَاهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهُ عَنْهُ حِفْظَ الْوَدِيعَةِ بِحَيْثُ يَصِيرُ ضَامِنًا فِي الْوَدِيعَةِ بِهِ حَنِثَ فِي الطَّلَاقِ وَلَوْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِسَاكِنِهِ فِي الدَّارِ فَإِنْ حَفِظَهُ عَنْهُ حِفْظًا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ فَكَالْمُكْرَهِ وَإِلَّا فَيَحْنَثُ. وَمِنْهَا أَخَذَتْ لِزَوْجِهَا دِينَارًا.

стр. 1120

فَقَالَ إلَّا لَمْ تُعْطِنِي الدِّينَارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَكَانَتْ قَدْ أَنْفَقَتْهُ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا بِالْيَأْسِ مِنْ إعْطَائِهَا لَهُ بِالْمَوْتِ، فَإِنْ تَلِفَ الدِّينَارُ قَبْلَ تَمَكُّنِهَا مِنْ رَدِّهِ إلَيْهِ فَهِيَ كَالْمُكْرَهِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَلَا تَطْلُقُ، أَوْ بَعْدَ التَّمَكُّنِ طَلُقَتْ. وَمِنْهَا لَوْ قَالَ اللُّصُوصُ لَا نُخَلِّيك حَتَّى تَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ إنَّك لَا تُخْبِرُ بِنَا فَحَلَفَ كَذَلِكَ كَانَ إكْرَاهًا؛ لِأَنَّهُمْ أَكْرَهُوهُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ وَهُوَ الْحَلِفُ الْمَذْكُورُ فَلَمْ يَنْعَقِدْ فَإِذَا خَبَّرَ بِهِمْ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي إلْغَاءِ فِعْلِ الْمُكْرَهِ بِبَاطِلٍ وَقَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَأَلَهُ ظَالِمٌ عَنْ مَالِهِ أَوْ إنْسَانٍ مَثَلًا أَنَّهُ يَعْرِفُ مَحَلَّهُ فَأَبَى أَنْ يُخْبِرَهُ بِهِ فَحَمَلَهُ وَأَكْرَهَهُ عَلَى الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ مُكْرَهٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْحَلِفِ بِخُصُوصِهِ بَلْ لَا غَرَضَ لِمُكْرِهِهِ فِي حَلِفِهِ، وَإِنَّمَا غَرَضُهُ فِي أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَا هُوَ سَائِلٌ عَنْهُ فَإِذَا تَرَكَ دَلَالَتَهُ وَحَلَفَ كَانَ مُخْتَارًا لِلْحَلِفِ فَيَحْنَثُ كَمَا لَوْ قَالَ مُتَغَلِّبٌ لِآخَرَ اُقْتُلْ هَذَا أَوْ هَذَا أَوْ طَلِّقْ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ إكْرَاهٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّخْيِيرِ وَكَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْحَلِفِ وَالدَّلَالَةِ فَإِذَا آثَرَ الْحَلِفَ كَانَ مُخْتَارًا لَهُ فَيَحْنَثُ بِهِ وَيُقَاسُ بِمَا تَقَرَّرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُهَا. وَمِنْهَا لَوْ قَالَ طَلَّقْتُ مُكْرَهًا فَأَنْكَرَتْ زَوْجَتُهُ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ كَالْحَبْسِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَإِلَّا صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا كَمَا لَوْ طَلَّقَ مَرِيضٌ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إنْ عُهِدَ لَهُ إغْمَاءٌ قَبْلَ ذَلِكَ قَبْلَ قَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَا. وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ ابْنِ الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيِّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: طَلَّقْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ، أَوْ نَائِمٌ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ زَادَ فِي الرَّوْضَةِ مَا ذَكَرَهُ فِي النَّائِمِ نَظَرٌ. اهـ. أَيْ: لِأَنَّهُ لَا أَمَارَةَ عَلَى النَّوْمِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَلَكِنْ لَا مُخَالَفَةَ فِي دَعْوَى النَّوْمِ لِلظَّاهِرِ فَمِنْ ثَمَّ كَانَ لِمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ نَوْعُ اتِّجَاهٍ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمَا فِي الْأَيْمَانِ لَا يُصَدَّقُ مُدَّعِي عَدَمِ قَصْدِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، ظَاهِرُ التَّعَلُّقِ حَقُّ الْغَيْرِ بِهِمَا، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ هُنَاكَ تَلَفَّظَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ ثُمَّ ادَّعَى صَرْفَهُ بِعَدَمِ الْقَصْدِ وَأَمَّا هُنَا فَالْمُدَّعَى طَلَاقٌ مُقَيَّدٌ بِحَالَةٍ لَا يَصِحُّ فِيهَا الطَّلَاقُ فَقُبِلَ قَوْلُهُ لِعَدَمِ مُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ كَمَا مَرَّ. هَذَا آخِرُ مَا قَصَدْتُهُ وَتَمَامُ مَا حَرَّرْتُهُ مِمَّا آمُلُ أَنْ أَكُونَ فِيهِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَسَنَنٍ قَوِيمٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، فَمَنْ اجْتَهَدَ وَأَصَابَ فَلَهُ عَشَرَةُ أُجُورٍ وَمَنْ اجْتَهَدَ وَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ. وَاَللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُسْبِلَ عَلَيَّ ذَيْلَ السِّتْرِ وَأَنْ يَمُنَّ بِإِصَابَةٍ صَوْبَ الصَّوَابِ إنَّهُ الْكَرِيمُ الْغَنِيُّ الْوَهَّابُ فَلَهُ الْحَمْدُ أَوَّلًا وَآخِرًا بَاطِنًا وَظَاهِرًا كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى عَبْدِهِ وَنَبِيِّهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ بِدَوَامِ كَرَمِهِ وَامْتِنَانِهِ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَإِلَيْهِ أَفْزَعُ فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. يَقُولُ مُؤَلِّفُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ فَرَغْتُ مِنْ تَسْوِيدِهِ عَشِيَّةَ الْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. قَالَ سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا وَشَيْخُنَا الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ الْعُمْدَةُ الْحَبْرُ الْبَحْرُ الْفَهَّامَةُ جَامِعُ أَشْتَاتِ الْفَضَائِلِ بَقِيَّةُ الْأَمَاثِلِ وَالْأَفَاضِلِ الْحُجَّةُ فِي زَمَانِهِ وَالْقُدْوَةُ فِي عَصْرِهِ وَأَوَانِهِ مُفْتَى الْحِجَازِ وَشَيْخُ الْحَرَمَيْنِ أَدَامَهُ اللَّهُ نَفْعًا لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ حَجَرٍ، لَا زَالَتْ كُتُبُ الْعُلَمَاءِ بِتَقْرِيرِهِ فِي الدُّرُوسِ وَاضِحَةَ الْبَيَانِ، وَمَسَائِلُ الْفُقَهَاءِ بِتَأْيِيدِهِ فِي الطُّرُوسِ ظَاهِرَةً وَاضِحَةَ التِّبْيَانِ حَتَّى يَخْرِقَ اللَّهُ الْعَادَةَ بِطُولِ مُدَّتِهِ فِي عَافِيَةٍ وَيَنْفَعَ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ بِعُلُومِهِ الْكَمَالِيَّةِ الْكَافِيَةِ - آمِينَ بَعْدَ مَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ فِي الدَّوْرِ فِي الطَّلَاقِ فَأَجَابَ جَوَابًا شَافِيًا كَانَ لِكُلِّ مِنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا كَافِيًا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أَنْجُو بِهَا مِنْ قَبِيحِ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إمَامُ الْعَالَمِينَ فِي وَرَعِهِ وَتَقْوَاهُ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ لَمْ تَأْخُذْهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ. وَلَمْ يَخْشَوْا سِوَاهُ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ بِدَوَامِ رُبُوبِيَّتِهِ وَعُلَاهُ آمِينَ (أَمَّا بَعْدُ) فَإِنَّ مَسْأَلَةَ الدَّوْرِ

стр. 1121

هَذِهِ قَدْ كَثُرَ فِيهَا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَأَفْرَدَهَا جَمَاعَةٌ بِالتَّصْنِيفِ مِنْهُمْ أَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ وَصَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَغَيْرُهُمْ وَهِيَ حَقِيقَةٌ بِبَسْطِ الْكَلَامِ فِيهَا لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَلَقَّنَهَا بَعْضُ الْعَوَامّ مِنْ بَعْضِ الْمُتَفَقِّهَةِ كَمَا تَلَقَّنَهَا هَذَا الْمُفْتِي الْمَذْكُورُ وَصَارُوا يُعَلِّمُونَهَا لِأَجْلَافِ الْبَوَادِي وَيَتَحَيَّلُونَ عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِتَعْلِيمِهِمْ لَهَا وَأَبَاحُوا لَهُمْ الْعَمَلَ بِهَا وَجَرَّأَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَتَكْرَارِهِ فِي أَلْسِنَتِهِمْ حَتَّى صَارَ لَهُمْ عَادَةً وَصَارَ جَرَاءَةً لَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ، فَإِنَّ مَنْ سَمِعَهُمْ يَحْلِفُونَ بِالطَّلَاقِ يَظُنُّ صِدْقَهُمْ لِظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَتَجَرَّأُ أَحَدٌ عَلَى الْحَلِفِ بِهِ كَاذِبًا، وَكُلُّ ذَلِكَ وَبَالُهُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُتَفَقِّهَةِ الَّذِينَ أَضَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ وَأَغْوَاهُمْ وَصَيَّرَهُمْ مِنْ أَعْوَانِهِ يُضِلُّ بِسَبَبِهِمْ النَّاسَ وَيُلْجِئُهُمْ إلَى أَقْبَحِ الْمَسَالِكِ. فَعَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى وَمَقْتُهُ وَعَذَابُهُ إنْ لَمْ يَتُوبُوا مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْقَبِيحَةِ وَكَيْفَ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ فُرُوضَ الْوُضُوءِ عَلَى وَجْهِهَا أَنْ يُفْتِيَ النَّاسَ فِي الْأَبْضَاعِ وَالْفُرُوجِ وَالْأَنْسَابِ وَيَتَجَرَّأَ عَلَى هَذَا الْمَنْصِبِ الْخَطَرِ، أَمَا عَلِمَ قَوْلَهُ ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧] وَهَذَا الْمُفْتِي الْمَذْكُورُ وَقَدْ ظَهَرَ فِي كَلَامِهِ كَمَا سَتَعْرِفُهُ مَا قَضَى عَلَى حَالِهِ وَحَكَمَ عَلَى مَقَالِهِ بِالْجَهْلِ الْمُفْرِطِ وَالْغَبَاوَةِ الظَّاهِرَةِ وَبِأَنَّهُ عَامِّيٌّ صِرْفٌ لَا يَهْتَدِي لِضَارٍّ فَيَجْتَنِبُهُ وَلَا لِنَافِعٍ فَيَقْصِدُهُ بَلْ هُوَ كَالرَّاكِبِ مَتْنَ عَمْيَاءَ وَالْخَابِطِ خَبْطَ عَشْوَاءَ وَمَنْ ذَا الَّذِي سَوَّغَ لِمِثْلِ هَذَا أَنْ يُفْتِيَ، أَوْ أَنْ يُرْسِلَ مَنْ يَأْمُرُ بِرَدِّ النِّسَاءِ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ وَلَوْ جَاءَ هَذَا الْجَاهِلُ مِنْ بِلَادِ الْأَجْلَافِ وَالْهَمَجِ الَّتِي هُوَ فِيهَا إلَى بِلَادِنَا بِلَادِ الْعِلْمِ وَالشَّرْعِ لَأَمَرْنَا حُكَّامَنَا بِأَنْ يُوجِعُوهُ ضَرْبًا وَتَأْدِيبًا وَبِأَنْ يُبَالِغُوا فِي زَجْرِهِ وَتَعْنِيفِهِ بِالْحَبْسِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُنَاسِبُ جَرَاءَتَهُ عَلَى مَنْصِبٍ لَا يَعْرِفُهُ وَتَصَدِّيهُ لِرَدِّ فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ الَّتِي جَاءَتْ لِتِلْكَ الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ فِي جَوَابِهِ بِأَمْرِهِ بِرَدِّ النِّسَاءِ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ مُعْتَمِدٌ لِمَسْأَلَةِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ وَتَوَهَّمَ؛ لِأَنَّ لِمَسْأَلَةِ ابْنِ سُرَيْجٍ مَعَ ضَعْفِهَا نَقْلًا وَمَعْنًى كَمَا يَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا مَبْسُوطًا شُرُوطًا لَمْ يُحِطْ بِهَا هَذَا الرَّجُلُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ عَامِّيٌّ صِرْفٌ وَإِنَّمَا حَفِظَ كَلِمَاتٍ مِنْ بَعْضِ الْمُتَفَقِّهَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاعْتَنَى بِهَا دُونَ بَقِيَّةِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهَا جَلْبٌ لِحُطَامٍ مِنْ الدُّنْيَا وَتَكُونُ نَارًا عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ كَيْفَ وَهُوَ مِمَّنْ صَدَقَ عَلَيْهِ إنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] مَا لَمْ يَتُبْ وَيَرْجِعْ إلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرْهُ وَتَحْسُنْ تَوْبَتُهُ، فَمِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ مَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ وَأَجِلَّائِهِمْ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلَى تَصْحِيحِ الدَّوْرِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَصْدُرَ ذَلِكَ التَّعْلِيقُ مِنْ عَارِفٍ بِمَعْنَاهُ وَمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُحَالِ الْمُوجِبِ لِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْإِمَامُ الْجَلِيلُ عِلْمًا وَفَهْمًا وَمَعْرِفَةً ابْنُ عُجَيْلٍ ذَكَرَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ أَبُو بَكْرٍ وَلَدُ الْإِمَامِ مُوسَى بْنِ الزَّيْنِ الصِّدِّيقِيِّ الرَّدَّادِ شَارِحُ الْإِرْشَادِ فِي جَمْعِهِ لِفَتَاوَى وَالِدِهِ فَانْظُرْ إلَى هَذَا الشَّرْطِ الَّذِي شَرَطُوهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِعَامِّيٍّ بَلْ وَلَا لِمُتَفَقِّهٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الدَّوْرِ الْمُوجِبِ لِإِلْغَاءِ الطَّلَاقِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا الْعُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ وَكَفَاك دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْغَزَالِيَّ مَعَ جَلَالَتِهِ وَوُصُولِهِ إلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الِاجْتِهَادِ تَنَاقَضَ كَلَامُهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْأُخْرَى، فَتَارَةً صَحَّحَ الدَّوْرَ لِظُهُورِ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ وَتَارَةً أَفْسَدَهُ لِفَسَادِ مَعْنَاهُ، وَتَارَةً رَجَعَ عَنْ هَذَا إلَى الْأَوَّلِ عَلَى مَا قِيلَ وَاعْتَمَدَهُ الْأَصْبَحِيُّ لَكِنَّ كَلَامَ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ الْآتِي يَرُدُّهُ وَيُصَرِّحُ بِأَنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ الرُّجُوعُ عَنْ صِحَّةِ الدَّوْرِ إلَى بُطْلَانِهِ وَعَلَى كُلٍّ فَقَدْ وَقَعَ لَهُ مِنْ التَّنَاقُضِ فِي ذَلِكَ وَمِنْ الْحُكْمِ بِبُطْلَانِهِ تَارَةً وَبِصِحَّتِهِ أُخْرَى مَا لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِدِقَّةِ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَزِيدِ خَفَائِهِ.

стр. 1122

وَمِنْ ثَمَّ اضْطَرَبَتْ فِيهَا أَفْهَامُ الْأَصْحَابِ وَاخْتَلَفَتْ وَتَبَايَنَتْ وَخَطَّأَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فِي الرَّدِّ عَلَى بَعْضٍ وَسَيَأْتِي عَنْ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ فِي تَصْنِيفِهِ الْمُفْرَدِ فِي بُطْلَانِ الدَّوْرِ أَلْزَمَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّتِهِ بِتَنَاقُضَاتٍ لِلْأُصُولِ وَمُخَالَفَاتٍ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْضَهُ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَا وَصَفْت لَك مِنْ هَذَا الْإِشْكَالِ الْعَظِيمِ وَتَقَرَّرَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِهَا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا أَنْ يَصْدُرَ التَّعْلِيقُ مِمَّنْ يَعْرِفُ مَعْنَاهُ وَمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّ هَذَا الزَّهْرَانِيَّ الْمُجِيبَ بِمَا مَرَّ لَا يَفْهَمُ ذَلِكَ وَلَا يَتَصَوَّرُهُ أَدْنَى تَصَوُّرٍ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمُجَازَفَاتِ فِي كَلَامِهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ وَإِيضَاحُهُ فَضْلًا عَنْ الْعَوَامّ وَفَضْلًا عَنْ أَجْلَافِ الْبَوَادِي. فَكَيْفَ سَاغَ لَهُ الْأَمْرُ بِرَدِّ النِّسَاءِ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ وَالْإِفْتَاءِ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ يُقَلِّدُونَ الْقَائِلِينَ بِالصِّحَّةِ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وَمِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ فِي تَدْرِيبِهِ وَنَاهِيكَ بِالْكِتَابِ وَمُصَنِّفِهِ أَنْ تَمْضِيَ لَحْظَةٌ بَعْدَ التَّعْلِيقِ تَسَعُ الْحُكْمَ بِالْوُقُوعِ أَمَّا لَوْ لَمْ تَمْضِ لَحْظَةٌ كَذَلِكَ بِأَنْ أَعْقَبَ تَعْلِيقَهُ بِالتَّنْجِيزِ فَإِنَّهُ يَقَعُ الْمُنَجَّزُ حَتَّى عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَمِنْهَا كَمَا فِي التَّدْرِيبِ أَيْضًا أَنْ لَا تَطْلُقَ بِطَلَبِهَا فِي الْإِيلَاءِ وَالْحُكْمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ، أَمَّا إذَا طَلَّقَ بِطَلَبِهَا فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ حَتَّى عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ أَيْضًا كَمَا يَقَعُ الْفَسْخُ فِي إنْ فَسَخْت بِعَيْبِك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا وَمِنْهَا كَمَا فِيهِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِلتَّعْلِيقِ الْمُوجِبِ لِإِلْغَاءِ الدَّوْرِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّتِهِ. أَمَّا لَوْ نَسِيَهُ ثُمَّ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ أَوْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَهُوَ نَاسٍ لَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ أَيْضًا وَإِذَا تَقَرَّرَ لَك أَنَّ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ عَلَى ضَعْفِهِ مُقَيَّدٌ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ الْكَثِيرَةِ فَكَيْفَ سَاغَ لِهَذَا الزَّهْرَانِيِّ التَّجَرِّي عَلَى الْإِفْتَاءِ بِإِطْلَاقِ صِحَّةِ الدَّوْرِ مِنْ ذِكْرِهِ هَذِهِ الشُّرُوطِ جَمِيعِهَا وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ. وَالْمَجْمُوعِ مَتَى أَطْلَقَ الْمُفْتِي إفْتَاءَهُ فِي مَحَلِّ التَّفْصِيلِ كَانَ مُخْطِئًا وَبِهِ يُعْلَمُ خَطَأُ هَذَا الْمُفْتِي وَأَنَّهُ عَاصٍ آثِمٌ وَلَيْتَهُ اقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ لِكَلَامِ النَّاسِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّذِي تَلَقَّنَهُ مِنْ شَيْخِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَلَمْ يَضُمَّ لِذَلِكَ أَمْرَهُ بِرَدِّ النِّسَاءِ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ فَذَلِكَ أَخَفُّ وَأَمَّا تَصَدِّيهِ لِلْإِفْتَاءِ وَأَمْرُهُ بِرَدِّهِنَّ مَعَ جَهْلِهِ بِتِلْكَ الشُّرُوطِ فَخَطَأٌ عَظِيمٌ وَذَنْبٌ قَبِيحٌ جَسِيمٌ. عَلَى أَنَّ شَيْخَهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ حِصَّةٌ وَافِرَةٌ فَإِنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ لَهُ مُجَرَّدَ تَعْدَادَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا مِنْ الشُّرُوطِ عِنْدَهُمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْإِضْلَالُ لِتِلْمِيذِهِ الْمَذْكُورِ وَلِلْعَوَامِّ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ لَهُمْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ - وَعَدَّدَ بَعْضَهُمْ - قَائِلُونَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِتَقْلِيدِهِمْ حَتَّى لَا يَقَعَ عَلَيْهِمْ طَلَاقٌ وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ: شَرْطُ عَدَمِ الْوُقُوعِ عِنْدَهُمْ كَذَا أَوْ كَذَا. فَهَلْ هَذَا إلَّا جَهْلٌ مُفْرِطٌ وَضَلَالٌ بَيِّنٌ وَإِطْلَالٌ لِلْعَوَامِّ وَاتِّبَاعٌ لِهَوَى النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ وَتَزْيِينِهِ وَوَسْوَسَتِهِ إيثَارًا لِلْعَرْضِ الْفَانِي وَهُوَ مَا أَخَذَهُ مِنْ الرِّشَا وَالسُّحْتِ الَّذِي يَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا فِي قَبْرِهِ فَقَبَّحَ اللَّهُ هَذَا الرَّجُلَ الزَّهْرَانِيَّ وَشَيْخَهُ الْمَذْكُورَ فَإِنَّهُمَا ضَلَّا وَأَضَلَّا ضَلَالًا مُبِينًا، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْهَوَى وَإِيثَارِ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَغِشِّ الْمُسْلِمِينَ وَعَدَمِ نُصْحِهِمْ أَنَّهُ ذَكَرَ مُجَرَّدَ تَعْدَادٍ لِبَعْضِ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَأَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ اخْتَلَفُوا فِي النَّقْلِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ حَتَّى قَالَ أَقَضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ وَنَاهِيكَ بِهِ: مَنْ نَقَلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ فَقَدْ وَهَمَ وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ اخْتَلَفَ جَوَابُهُ فَقَالَ مَرَّةً بِالصِّحَّةِ، وَهِيَ الَّتِي اُشْتُهِرَتْ عَنْهُ، وَقَالَ مَرَّةً بِالْبُطْلَانِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي كَافِيهِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَإِذَا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ وَلَمْ يُعْرَفْ الْمُتَأَخِّرُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِتَسَاقُطِهِمَا وَالرُّجُوعِ إلَى مَرْجِعٍ آخَرَ، وَلَا ذَكَرَ لَهُمْ أَيْضًا قَوْلَ ابْنِ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِهِ الشَّامِلِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَجَلِّ كُتُبِ الْمَذْهَبِ أَخْطَأَ مَنْ لَمْ يُوقِعْ الطَّلَاقَ خَطَأً ظَاهِرًا، وَلَيْسَ هُوَ بِمَذْهَبٍ لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَا ذَكَرَ لَهُمْ أَيْضًا. قَوْلَ الْغَزَالِيِّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي رَجَعَ فِيهِ عَنْ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ فَقَدْ قَالَ فِي أَوَّلِهِ دَخَلْت بَغْدَادَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَتَوَاتَرَتْ عَلَيَّ الْأَسْئِلَةُ عَنْ دَوْرِ الطَّلَاقِ وَرَأَيْت أَكْثَرَهُمْ.

стр. 1123

قَدْ أَطْبَقَ عَلَى إبْطَالِ الدَّوْرِ وَتَشْدِيدِ النَّكِيرِ عَلَى مَنْ يُصَحِّحُ الدَّوْرَ وَيَحْسِمُ بِهِ بَابَ الطَّلَاقِ مُعَوِّلِينَ فِيهِ عَلَى اعْتِرَاضَاتٍ ضَعِيفَةٍ قَاصِرَةٍ عَنْ إبْطَالِ عُمْدَةِ الْقَوْلِ بِالدَّوْرِ فَابْتَدَأْت فِي تِلْكَ الْمُنَاظَرَاتِ لِأُبْطِلَ اعْتِرَاضَاتِهِمْ الْفَاسِدَةِ وَصَنَّفْت فِيهِ كِتَابًا سَمَّيْته غَايَةُ الْغَوْرِ فِي نِهَايَةِ الدَّوْرِ مُشْتَمِلًا عَلَى تَزْيِيفِ تِلْكَ الِاعْتِرَاضَاتِ وَمُهَيِّئًا لِلْكَلَامِ فِيهِ إلَى أَقْصَى الْغَايَاتِ. ثُمَّ انْتَشَرَ ذَلِكَ الْكِتَابُ فِي الْأَمْصَارِ وَاسْتَطَارَ الْفَتْوَى بِصِحَّةِ الدَّوْرِ مِنِّي فِي الْأَقْطَارِ، ثُمَّ اتَّفَقَ لِي بَعْدَ ذَلِكَ فِكْرَةٌ فِي حَقِيقَةِ الدَّوْرِ فَاطَّلَعْت فِيهِ عَلَى غَوْرٍ وَتَغَيَّرَ شَبَهُ الِاجْتِهَادِ وَرَأَيْت إيقَاعَ الطَّلَاقِ بَعْدَ الدَّوْرِ أَقْرَبَ إلَى السَّدَادِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي الدَّوْرِ مِنْ الْفَسَادِ الْمَانِعِ مِنْ الِاعْتِقَادِ، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنْ إثْبَاتِ ذَلِكَ لِنُعَوِّلَ عَلَيْهِ لَا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْفَتْوَى قَبْلَهُ. فَذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي وَعَلَى التَّخْمِينِ وَالِاجْتِهَادِ تُبْنَى فِقْهِيَّاتُ الْمَسَائِلِ، وَالرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ فَأَقُولُ: لَفْظُ الْعَقْدِ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى مُحَالٍ وَجَبَ إلْغَاؤُهُ، وَلَفْظُ الدَّوْرِ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُحَالٍ فَيَجِبُ إلْغَاؤُهُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ وَأَطَالَ فِيهِ فَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ هَذَا تَجِدْهُ مُصَرِّحًا بِأَنَّ أَكْثَرَ عُلَمَاءِ بَغْدَادَ فِي زَمَنِهِ وَنَاهِيكَ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ مِنْ كَثْرَةٍ وَجَلَالَةٍ عَلَى بُطْلَانِ الدَّوْرِ وَبِأَنَّهُ كَانَ ظَهَرَ لَهُ أَوَّلًا صِحَّتُهُ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ فَسَادُهُ وَبِأَنَّ فَسَادَهُ هُوَ الْحَقُّ وَصِحَّتَهُ هِيَ الْبَاطِلُ لِقَوْلِهِ: وَالرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ. وَلَا ذَكَرَ لَهُمْ أَيْضًا قَوْلَ الْمُتَوَلِّي وَنَاهِيكَ بِجَلَالَتِهِ إنْ كُنْت جَاهِلًا بِمَقَادِيرِ الرِّجَالِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي إبْطَالِ الدَّوْرِ وَلَفْظِهِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ لَمَّا ظَهَرَ مَيْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُ إلَى مَسْأَلَةٍ تُعْرَفُ بِالْيَمِينِ الدَّائِرَةِ، وَانْتَشَرَ ذَلِكَ بَيْنَ الْعَوَامّ الْهَمَجِ فَصَارَ يَلْقَفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْأَسْوَاقِ وَيُفْتِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بَعْدَهَا وَنُسِبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَى الرَّفْضِ لَمَّا وَقَعَ فِي لِسَانِ الْعَامَّةِ أَنَّ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ عَلَى النِّسَاءِ، وَصَارَ ذَلِكَ شَنَاعَةً فِي الْمَذْهَبِ وَاَلَّذِينَ ذَهَبُوا إلَى هَذَا مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِنَا لَمْ يَكُونُوا يُظْهِرُونَ ذَلِكَ لِلْعَوَامِّ لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّنَاعَةِ سَأَلَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي أَنْ أَبْسُطَ الْكَلَامَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَكْشِفَ عَنْ الشُّبْهَةِ فِيهَا وَأُظْهِرَ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ فَأَجَبْته مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ خَيْرُ مُوَفِّقٍ وَمُعِينٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الدَّوْرَ وَأَطَالَ فِي بَيَانِ بُطْلَانِهِ وَمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ مِمَّا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْضُهُ، فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَرَضِيَ عَنْهُ وَجَزَاهُ خَيْرًا -: وَانْتَشَرَ ذَلِكَ بَيْنَ الْعَوَامّ الْهَمَجِ، تَجِدْهُ مُصَرِّحًا بِأَنَّهُ لَا يَتَجَاسَرُ عَلَى الْإِفْتَاءِ بِتَصْحِيحِ الدَّوْرِ إلَّا عَوَامُّ الْأَسْوَاقِ الَّذِينَ لَا يُعْبَأُ بِهِمْ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ، وَلَعَلَّ هَذَا الزَّهْرَانِيَّ مِنْ أُولَئِكَ الْعَوَامّ فَإِنَّ كَلَامَ الْمُتَوَلِّي هَذَا مُنْطَبِقٌ عَلَيْهِ وَعَلَى شَيْخِهِ. وَتَأَمَّلْ أَيْضًا الْفَسَادَ الَّذِي انْجَرَّ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِسَبَبِ أُولَئِكَ الْعَوَامّ فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَشَاعُوا ذَلِكَ فِي الْأَسْوَاقِ وَغَيْرِهَا صَارَ النَّاسُ يَعْتَقِدُونَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَجِلَّاءِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ أَرْفَاضٌ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ عَلَى النِّسَاءِ إنَّمَا يُعْزَى إلَى الْأَرْفَاضِ بَلْ إلَى النَّصَارَى كَمَا يَأْتِي. فَقَاتَلَ اللَّهُ أُولَئِكَ الْعَوَامَّ وَمَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ الْقَبِيحَ. كَهَذَا الرَّجُلُ وَشَيْخُهُ فَإِنَّهُمْ سَلَّطُوا الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ عَلَى الْخَوْضِ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْأَكَابِرِ بِمَا هُمْ بَرِيئُونَ مِنْهُ فَمَعَاذَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَفُرْسَانُ مَيْدَانِهَا أَنْ يُتَوَهَّمَ فِيهِمْ ذَلِكَ لَكِنَّ الْإِثْمَ الْعَظِيمَ وَالْعِقَابَ الْأَلِيمَ إنَّمَا هُوَ عَلَى أُولَئِكَ الْعَوَامّ وَمَنْ تَبِعَهُمْ وَشَابَهَهُمْ، حَيْثُ جَعَلُوا أَئِمَّةَ الدِّينِ وَعُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ هَدَفًا وَعُرْضَةً لِإِلْحَاقِ النَّقَائِصِ الْقَبِيحَةِ بِهِمْ وَلِلْخَوْضِ فِي أَعْرَاضِهِمْ الزَّكِيَّةِ الطَّاهِرَةِ بِالثَّلْبِ وَالسَّبِّ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ - بِالضَّرُورَةِ الَّتِي لَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ - مُعَادٍ لَهُمْ، وَقَدْ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» أَيْ: أَعْلَمْته أَنِّي مُحَارِبٌ لَهُ، وَمَنْ حَارَبَهُ اللَّهُ لَا يُفْلِحُ أَبَدًا، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: إنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِسُوءِ الْخَاتِمَةِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ . هَذَا فِيمَنْ عَادَى وَلِيًّا فَكَيْفَ بِمَنْ عَادَى أَوْلِيَاءً كَثِيرِينَ. وَتَأَمَّلْ أَيْضًا قَوْلَ الْمُتَوَلِّي: وَاَلَّذِينَ ذَهَبُوا إلَى هَذَا الْمَذْهَبِ مِنْ قُدَمَاءِ

стр. 1124

أَصْحَابِنَا لَمْ يَكُونُوا يُظْهِرُونَ ذَلِكَ لِلْعَوَامِّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَشَاعَةِ تَجِدُهُ صَرِيحًا أَيْضًا فِي امْتِنَاعِ إظْهَارِ ذَلِكَ لِلْعَوَامِّ وَلَوْ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِهَذَا أَيْضًا قَوْلُ الرُّويَانِيِّ مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَلَا وَجْهَ لِتَعْلِيمِ الْعَوَامّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِفَسَادِ الزَّمَانِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَالرَّوْضَةِ يَحْرُمُ التَّسَاهُلُ فِي الْفَتْوَى، وَمَنْ عُرِفَ بِهِ يَحْرُمُ اسْتِفْتَاؤُهُ فَمِنْ التَّسَاهُلِ أَنْ لَا يَتَثَبَّتَ وَيُسْرِعُ بِالْفَتْوَى قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهَا مِنْ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ التَّسَاهُلِ أَنْ تَحْمِلَهُ الْأَغْرَاضُ الْفَاسِدَةُ عَلَى تَتَبُّعِ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ أَوْ الْمَكْرُوهَةِ وَالتَّمَسُّكِ بِالشُّبْهَةِ طَلَبًا لِلتَّرْخِيصِ لِمَنْ يَرُومُ نَفْعَهُ، أَوْ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ ضُرَّهُ ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ الْحِيلَةِ الَّتِي فِيهَا شَبَهٌ وَيُذَمُّ فَاعِلُهَا الْحِيلَةُ السُّرَيْجِيَّةُ فِي سَدِّ بَابِ الطَّلَاقِ. اهـ. فَتَأَمَّلْ عِبَارَتَهُ هَذِهِ تَجِدْهَا صَرِيحَةً فِي مَنْعِ هَذَا الزَّهْرَانِيِّ مِنْ الْإِفْتَاءِ لَوْ كَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ فَكَيْفَ وَهُوَ عَامِّيٌّ صِرْفٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَظْهَرَ هَذِهِ الْحِيلَةَ لِلْعَوَامِّ وَعَلَّمَهَا لَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِرَدِّ نِسَائِهِمْ بَعْدَ حِنْثِهِمْ فِيهِنَّ بِالثَّلَاثِ فَعَلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَا يَسْتَحِقُّهُ وَلَوْ ذَكَرَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي ذَمِّ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ لِلْعَوَامِّ لَمْ يَتْبَعْهُ أَحَدٌ فِيهَا، وَمِمَّنْ ذَمَّهَا أَيْضًا وَبَالَغَ فِي تَخْطِئَةِ الْقَائِلِينَ بِهَا الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. وَنَاهِيك بِهِ جَلَالَةً وَمِنْ ثَمَّ لُقِّبَ بِسُلْطَانِ الْعُلَمَاءِ وَعِبَارَتُهُ كَمَا حَكَاهُ تِلْمِيذُهُ الْإِمَامُ الْقَرَافِيُّ عَنْهُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يَصِحُّ فِيهَا التَّقْلِيدُ وَالتَّقْلِيدُ فِيهَا فُسُوقٌ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي يُنْقَضُ إذَا خَالَفَ أَحَدَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: الْإِجْمَاعَ، أَوْ النَّصَّ، أَوْ الْقَوَاعِدَ، أَوْ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ وَمَا لَا نُقِرُّهُ شَرْعًا إذَا تَأَكَّدَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَنَنْقُضُهُ فَأَوْلَى فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ فِي غَيْرِ شَرْعٍ هَلَاكٌ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُخَالِفَةٌ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا يَصِحُّ التَّقْلِيدُ فِيهَا. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهَذَا بَيَانٌ حَسَنٌ ظَاهِرٌ. اهـ. وَأَقَرَّهُمَا عَلَى ذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ وَمِمَّنْ بَالَغَ فِي ذَمِّهَا أَيْضًا الْإِمَامُ ابْنُ الصَّلَاحِ فَإِنَّهُ جَعَلَهَا فِي فَتَاوِيهِ مِمَّا وَدَّ لَوْ مُحِيَتْ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَمَّا سُئِلَ عَنْ اخْتِيَارِ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ فِيهِ صِحَّةَ الدَّوْرِ تَبَعًا لِابْنِ سُرَيْجٍ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: ابْنُ سُرَيْجٍ بَرِيءٌ مِمَّا نُسِبَ إلَيْهِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الطَّوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ وَجَمَاهِيرِ أَصْحَابِنَا إبْطَالُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَنْسَدُّ بَابُ الطَّلَاقِ بَلْ يَقَعُ فِي كَمِّيَّةِ الْوَاقِعِ مِنْهَا. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْخَادِمِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّ الْقَوْلَ بِانْسِدَادِ بَابِ الطَّلَاقِ قَوْلٌ بَاطِلٌ فَإِنَّ الطَّلَاقَ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ نِكَاحٍ وَمَا مِنْ نِكَاحٍ إلَّا وَيُمْكِنُ فِيهِ الطَّلَاقُ قَالَ وَسَبَبُ الْغَلَطِ أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا صِحَّةَ هَذَا الْكَلَامِ فَقَالُوا: إذَا وَقَعَ الْمُنَجَّزُ وَقَعَ الْمُعَلَّقُ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ طَلْقَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِثَلَاثٍ وَوُقُوعُ طَلْقَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِثَلَاثٍ مُمْتَنِعٌ فِي الشَّرِيعَةِ فَإِنَّ الْكَلَامَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى ذَلِكَ بَاطِلٌ وَإِذَا كَانَ بَاطِلًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُقُوعِ الْمُنَجَّزِ وُقُوعُ الْمُعَلَّقِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ صَحِيحًا. قَالَ: وَمَا أَدْرِي هَلْ اسْتَحْدَثَ ابْنُ سُرَيْجٍ هَذَا لِلِاحْتِيَالِ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ، أَوْ قَالَهُ مِنْ طُرُقِ الْقِيَاسِ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ وَاحْتَالَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ. وَالظَّاهِرُ الثَّانِي. اهـ. وَقَالَ فِي الْخَادِمِ أَيْضًا: وَبَالَغَ السُّرَيْجِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ الْقَوْلُ بِانْسِدَادِ بَابِ الطَّلَاقِ يُشْبِهُ مَذْهَبَ النَّصَارَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الزَّوْجَ إيقَاعُ طَلَاقٍ عَلَى زَوْجَتِهِ مُدَّةَ عُمُرِهِ. إذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتُ فَلْتَرْجِعْ إلَى الْكَلَامِ عَلَى الْجَوَابِ عَلَى هَذَا الزَّهْرَانِيِّ وَنَبْنِي عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْمُجَازَفَاتِ وَالْجَهَالَاتِ وَالتَّنَاقُضَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى سُوءِ فَهْمِهِ وَقِلَّةِ عِلْمِهِ، بَلْ وَعَلَى إفْرَاطِهِ فِي الْجَهْلِ وَالتَّسَاهُلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَبَائِحِ الَّتِي سَتَتَّضِحُ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ عَنْ جَوَابِ الْمُفْتِي الَّذِي جَاءَهُ مِنْ مَكَّةَ أَنَّ فِيهِ مَنْ أَلْقَى عَلَى زَوْجَتِهِ بِمَسْأَلَةِ الدَّوْرِ أَنَّهَا تَطْلُقُ بِنَفْسِ الْإِلْقَاءِ كَلَامٌ كَذِبٌ وَبُهْتَانٌ وَلَا يَتَوَهَّمُ هَذَا مَنْ لَهُ أَدْنَى إلْمَامٍ بِفِقْهِ الشَّافِعِيَّةِ كَيْفَ وَذَلِكَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْمُخْتَصَرَاتِ فَضْلًا عَنْ الْمُطَوَّلَاتِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ قَوْلُهُ عَنْ شَيْخِهِ مُرَادُ النَّوَوِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ الطَّلَاقِ طَلُقَتْ وَلَا تَطْلُقُ بِنَفْسِ الْإِلْقَاءِ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا جَهْلٌ إذْ لَا يُقَالُ الْمُرَادُ كَذَا إلَّا إذَا دَلَّتْ الْعِبَارَةُ عَلَى خِلَافِهِ وَعِبَارَةُ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ مُجَرَّدَ التَّعْلِيقِ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ حَتَّى فِي الْمِنْهَاجِ الَّذِي سَاقَ هَذَا الزَّهْرَانِيُّ عِبَارَتَهُ فَقَوْلُهُ: فَطَلَّقَهَا وَقَعَ الْمُنَجَّزُ فَعِنْدَ ذَلِكَ عَزَلُوا النِّسَاءِ عَنْ

стр. 1125

أَزْوَاجِهِنَّ كَذِبٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ الَّذِي جَاءَهُمْ فِيهِ أَنَّ مَنْ عَلَّقَ بِمَسْأَلَةِ الدَّوْرِ ثُمَّ حَنِثَ يَقَعُ عَلَيْهِ مَا أَوْقَعَهُ فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُونَ مِنْهُ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِنَفْسِ الْإِلْقَاءِ وَيَعْزِلُونَ مَنْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِمْ حِنْثٌ مِنْهُمْ؟ وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى خَاطِرِ ابْنِ سُرَيْجٍ اسْتِظْهَارًا. . . إلَخْ بَاطِلٌ لِأَمْرَيْنِ أَمَّا أَوَّلًا فَمَنْ ذَا الَّذِي أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ بِالْكَلَامِ فِيهَا وَأَنَّى لَهُ مَعَ جَهْلِهِ بِالتَّجَاسُرِ عَلَى ذَلِكَ؟ وَفِي مَتْنِ الْأَنْوَارِ كَالْعَزِيزِ: أَنَّ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ الدَّوْرِ مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الصَّحَابِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِدَلَالَةٍ وَقَعَتْ عَلَى خَاطِرِ ابْنِ سُرَيْجٍ اسْتِظْهَارًا عَلَى مَزِيدِ جَهْلٍ هَذَا الزَّهْرَانِيِّ وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَفْهَمُهُ، وَلَا يَدْرِي مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ أُصُولِهِ، وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمَ بِالْهَذَيَانِ لَكِنْ لَا يُتَعَجَّبُ إلَّا إذَا صَدَرَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَهُ إلْمَامٌ بِشَيْءٍ مِنْ الْعُلُومِ، وَأَمَّا الْجَاهِلُ بِهَا جُمْلَةً كَافِيَةً كَهَذَا الزَّهْرَانِيِّ فَلَا يُتَعَجَّبُ مِنْ صُدُورِ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَبَيَانُ مَا فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ الْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ بِوُقُوعِهَا عَلَى خَاطِرِ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ بِهَا، وَإِنَّمَا أُلْهِمَهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ دَلَّ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا أُلْهِمَ حُكْمَهَا بِأَنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ مَا تَبَلَّجَ لَهُ صَدْرُهُ إذْ هَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْإِلْهَامِ كَانَ خَطَأً مِنْ هَذَا الزَّهْرَانِيِّ وَجَهْلًا وَسَفَاهَةً؛ لِأَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ نَفْسَهُ، وَغَيْرَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْإِلْهَامَاتِ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُعْمَلُ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إذْ هِيَ لَا تُبْنَى عَلَى الْخَوَاطِرِ وَالْإِلْهَامَاتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ حَتَّى شُرَّاحُ الْمِنْهَاجِ فِي أَوَائِلِ الطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا أَسْنَدْت التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ إلَى هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُتَفَقِّهٍ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الزَّهْرَانِيَّ لَمْ يَقْرَأْ، مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ بَابَ الطَّهَارَةِ فَضْلًا عَمَّا بَعْدَهُ، عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَنَاقُضٌ آخَرُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَعَتْ عَلَى خَاطِرِ ابْنِ سُرَيْجٍ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الزَّهْرَانِيَّ يَكْتُبُ مَا لَا يَفْهَمُهُ، وَلَا يَتَصَوَّرُهُ إذْ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْعِبَارَتَيْنِ الْمُتَنَاقِضَتَيْنِ تَنَاقُضًا ظَاهِرًا لَا يَخْفَى عَلَى مُتَعَلِّمٍ إلَّا مَنْ أَفْرَطَ جَهْلُهُ وَقَلَّ عَقْلُهُ، وَهُمَا قَوْلُهُ: وَقَعَتْ عَلَى خَاطِرِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَقَوْلُهُ: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَإِنْ أَرَادَ بِوُقُوعِهَا عَلَى خَاطِرِهِ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَهَا مِنْ دَلِيلٍ كَانَ تَعْبِيرُهُ بِقَوْلِهِ: وَقَعَتْ عَلَى خَاطِرِهِ خَطَأً إذْ لَا يُقَالُ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي يَسْتَنْبِطُهَا الْمُجْتَهِدُ مِنْ الْأَدِلَّةِ إنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى خَاطِرِهِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي الْإِلْهَامَاتِ، وَقَوْلُهُ اسْتِظْهَارًا خَطَأٌ مِنْهُ أَيْضًا إذْ الِاسْتِظْهَارُ طَلَبُ ظُهُورِ الْأَمْرِ وَانْجِلَائِهِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْفُقَهَاءُ يُعَبِّرُونَ بِهِ عَنْ الِاحْتِيَاطِ. وَمَعْلُومٌ مِمَّا قَدَّمْتُهُ مَبْسُوطًا وَمَا يَأْتِي أَنَّهُ لَا احْتِيَاطَ فِي تَصْحِيحِ الدَّوْرِ، وَإِنَّمَا الِاحْتِيَاطُ فِي بُطْلَانِهِ إذْ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّوَائِفُ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ أَصْحَابِنَا كَمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي تَصْحِيحِهِ احْتِيَاطٌ لَمْ يُبَالِغْ الْعُلَمَاءُ فِي ذَمِّهِ وَتَخْطِئَةِ الْقَائِلِينَ بِهِ كَمَا قَدَّمْت لَك ذَلِكَ عَنْهُمْ مَبْسُوطًا ثُمَّ جَزْمُهُ بِنِسْبَتِهَا لِابْنِ سُرَيْجٍ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قُصُورِ نَظَرِهِ لِمَا مَرَّ لَك أَنَّ الْأَئِمَّةَ اخْتَلَفُوا فِي نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ وَأَنَّ الْمَاوَرْدِيُّ خَطَّأَ مَنْ نَسَبَهَا إلَيْهِ، وَالْحَقُّ أَنَّ جَوَابَهُ اخْتَلَفَ فِيهَا فَقَالَ مَرَّةً بِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَهُوَ الَّذِي اُشْتُهِرَ عَنْهُ عَنْ جَمَاعَةٍ، وَمَرَّةً قَالَ بِبُطْلَانِهِ مُوَافَقَةً لِجَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ وَلِعُلَمَاءِ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ، وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا مَنْ صَحَّحَ مَسْأَلَةَ الدَّوْرِ فَهُمْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَكْثَرُ فَهُوَ - وَإِنْ قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ وَمَنْ تَبِعْهُ كَالْفَتَى فِي مُخْتَصَرِهَا وَغَيْرِهِ - مَرْدُودٌ بَلْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَكْثَرُونَ حَتَّى مِنْ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى بُطْلَانِ الدَّوْرِ كَمَا قَدَّمْت ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَهُوَ أَجَلُّ مِنْ الْإِسْنَوِيِّ وَجَمِيعِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ فَلَا يُلْتَفَتُ لِكَلَامِ هَؤُلَاءِ مَعَ كَلَامِهِ وَعِبَارَتِهِ كَمَا مَرَّ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الطَّوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ وَجَمَاهِيرِ أَصْحَابِنَا أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَنْسَدُّ بَابُ الطَّلَاقِ بَلْ يَقَعُ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: وَجَمَاهِيرُ أَصْحَابِنَا تَعْلَمْ بِهِ بُطْلَانَ قَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ: إنَّ الْقَوْلَ بِالِانْسِدَادِ هُوَ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَمِمَّا يُبْطِلُهُ أَيْضًا أَنَّ ابْنَ يُونُسَ فِي شَرْحِ التَّعْجِيزِ نَقَلَ الْقَوْلَ بِوُقُوعِ الْمُنَجَّزِ عَنْ أَكْثَرِ النَّقَلَةِ وَنَاهِيكَ بِابْنِ يُونُسَ هَذَا فَإِنَّهُ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ بَلَغَ مَرْتَبَةَ أَصْحَابِ الْأَوْجُهِ وَلَهُ مِنْ الْإِحَاطَةِ بِكَلَامِ الْأَصْحَابِ مَا لَيْسَ لِلْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ وَإِذَا تَعَارَضَ نَاقِلَانِ ثِقَتَانِ فِي شَيْءٍ كَانَ
следующие страницы →