Полный текст (1 335 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
مِمَّنْ لَا يُعْتَبَرُ إذْنُهُ وَلَيْسَ هَذَا كَمَا إذَا أَعْرَضَ عَنْ كَسْرِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الَّذِي يَعْتَبِرُ إعْرَاضَهُ وَأَمَّا الْتِقَاطُ السَّنَابِلِ فَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ اهـ.
وَكَلَامُهُ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ النَّظَرِ إلَى الْعَادَةِ وَالْعَمَلِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكِسْرَةِ وَالسَّنَابِلِ فِي أَنَّ الْأُولَى لَا بُدَّ فِي الْمُعْرِضِ عَنْهَا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ وَإِنْ اقْتَضَتْ أَنَّهُ مِمَّا لَا يُعْرَضُ عَنْهُ، أَوْ لَمْ تَقْتَضِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ إلَّا عَلَى جِهَةِ الِالْتِقَاطِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَعْرِيفُهُ سَنَةً، أَوْ مَا يَلِيقُ بِهِ وَقَدْ قَالَ الْقَفَّالُ لَوْ وَجَدَ دِرْهَمًا فِي بَيْتِهِ لَا يَدْرِي أَهُوَ لَهُ، أَوْ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَعَلَيْهِ تَعْرِيفُهُ لِمَنْ يَدْخُلُ بَيْتَهُ كَاللُّقَطَةِ أَيْ الْمَوْجُودَةِ فِي غَيْرِ بَيْتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ هَلْ يَجُوزُ إحْرَاقُ الْجَرَادِ حَيًّا لِأَكْلِهِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ يَجُوزُ شَيُّ الْجَرَادِ حَيًّا لِأَكْلِهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ مَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ جَوَازِ قَلْيِهِ حَيًّا وَمُنَازَعَةُ الزَّرْكَشِيّ فِيهِ بِأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى الْحُرْمَةِ رَدَدْتهَا فِي شَرْحِ الْعُبَابِ بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْمَذْهَبُ الْحِلُّ وَبِأَنَّ قَوْلَ الشَّيْخَ أَبِي حَامِدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ بِالْحُرْمَةِ مَبْنِيٌّ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ حُرْمَةَ ابْتِلَاعِ السَّمَكِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَمِنْ ثَمَّ تَبِعَ ابْنَ الرِّفْعَةِ مَعَ تَحْقِيقِهِ وَكَثْرَةِ اطِّلَاعِهِ النَّوَوِيُّ فِيمَا ذَكَرَهُ وَرَدَدْت فِيهِ أَيْضًا اسْتِشْكَالَ الْإِسْنَوِيِّ قَوْلَ الرَّوْضَةِ وَقَلْيُ السَّمَكِ حَيًّا جَائِزٌ كَابْتِلَاعِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) فِي شَخْصٍ نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ لِإِعْيَائِهَا وَتَرَكَهَا فَأَخَذَهَا غَيْرُهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا فَلِمَنْ هِيَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا إذْ الْإِعْرَاضُ لَا يُؤَثِّرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَلَا رُجُوعَ لِلْمُنْفِقِ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ وَقَالَ أَحْمَدُ إنَّهَا لِلْآخِذِ وَمَالِكٌ لِمَالِكِهَا وَعَلَيْهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ هَلْ يَحِلُّ الِاصْطِيَادُ بِالْبُنْدُقِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ أَفْتَى النَّوَوِيُّ ﵀ ﵎ بِحِلِّهِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ الْحَذْفِ وَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّهُ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَلَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ وَلَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ وَلَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ قَتْلًا يُبِيحُهُ فَخَرَجَ الْبُنْدُقَ لِأَنَّهُ يَقْتُلُهُ قَتْلًا لَا يُبِيحُهُ وَمِنْ ثَمَّ جَزَمَ فِي الذَّخَائِرِ بِتَحْرِيمِهِ ثُمَّ الرَّمْيُ بِهِ وَبِمَا لَا حَدَّ لَهُ كَالدَّبُّوسِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضُ الْحَيَوَانِ لِلْهَلَاكِ وَيُجَابُ بِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ أَنَّ الْبُنْدُقَ يَقْتُلُهُ قَتْلًا مُحَرَّمًا بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُبْطِلَ حَرَكَتَهُ مَعَ بَقَاءِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ فِيهِ فَإِذَا ذَبَحَهُ حِينَئِذٍ حَلَّ فَهُوَ طَرِيقٌ لِإِبْطَالِ امْتِنَاعِهِ لَا لِقَتْلِهِ وَتَقْوِيَتِهِ وَبِهَذَا يَتَّضِحُ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ.
(وَسُئِلَ) سُؤَالًا صُورَتُهُ وَرَدَ فِي أَبِي دَاوُد مَا مَعْنَاهُ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمْ اصْطَادَ وَلَدَ حُمْرَةٍ فَجَاءَتْ أُمُّهُ تُعَرِّشُ فَرَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا فَقَالُوا فُلَانٌ فَأَمَرَهُ بِإِطْلَاقِهِ فَمَا الْجَوَابُ عَنْ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - مِنْ تَحْرِيمِ إطْلَاقِ مِلْكِهِ مِنْ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) ﵀ ﵎ بِقَوْلِهِ ذَكَرَ بَعْضُ مُحَقِّقِي مَشَايِخِنَا أَنَّ أَمْرَهُ ﷺ بِإِطْلَاقِهِ مَحْمُولٌ عَلَى خَوْفِ تَلَفِهِ بِسَبَبِ حَبْسِهَا عَنْهُ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَنْ بَنَادِقِ الْأَرْوَامِ وَالْإِفْرِنْجِ الَّتِي فِيهَا الْبَارُودُ وَالنَّارُ هَلْ يَحِلُّ الِاصْطِيَادُ بِهَا لِأَنَّهَا أَشَدُّ مِنْ الْمُحَدَّدِ؟ وَهَلْ هِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبَنَادِقِ الَّتِي يُصَادُ بِهَا؟ وَهَلْ الْمُرَادُ بِمَا فِي فَتَاوَى الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ ﵀ ﵎ مِنْ حِلِّ الِاصْطِيَادِ بِهَا جَوَازُ الِاصْطِيَادِ بِهَا، أَوْ حِلُّ أَكْلِ مَا صِيدَ بِهَا، أَوْ لَا؟ وَالْحَيَوَانُ إذَا صَارَ إلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ بِجَرْحِ هِرَّةٍ، أَوْ نَحْوِهَا، أَوْ بُنْدُقٍ هَلْ يَحِلُّ أَكْلُهُ بِذَبْحِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَعَ أَنَّهُ يَضْطَرِبُ اضْطِرَابًا شَدِيدًا بَعْدَ الذَّبْحِ وَيَنْفَجِرُ مِنْهُ الدَّمُ، أَوْ لَا يَحِلُّ؟
(فَأَجَابَ) - نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ لَا خِلَافَ فِي حُرْمَةِ الرَّمْيِ إلَى الصَّيْدِ بِالْبُنْدُقِ الَّذِي فِيهِ النَّارُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْبُنْدُقِ الَّذِي مِنْ طِينٍ فَصَاحِبِ الذَّخَائِرِ يَقُولُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضَ الْحَيَوَانِ لِلْهَلَاكِ وَالنَّوَوِيُّ يَقُولُ: يَحِلُّ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى الِاصْطِيَادِ وَهُوَ مُبَاحٌ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ الْحَذْفِ، وَقَالَ إنَّهُ لَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ وَلَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ وَلَكِنْ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ» قَالَ فَمُقْتَضَى الْحَدِيثِ إبَاحَةُ الصَّيْدِ بِالْبُنْدُقِ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّهُ كَرِهَ الرَّمْيَ بِهِ فِي الْقُرَى
стр. 1192
خَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَ مَنْ فِيهَا دُونَ الصَّحْرَاءِ وَمِنْ عِلَّتَيْ صَاحِبِ الذَّخَائِرِ وَالنَّوَوِيِّ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَلَّلَ عَدَمَ الْحِلِّ بِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضَ الصَّيْدِ لِلْهَلَاكِ.
وَالثَّانِي عَلَّلَ الْحِلَّ بِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى الِاصْطِيَادِ فَعَلِمْنَا أَنَّ الْأَوَّلَ يَقُولُ بِالْحِلِّ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْبُنْدُقَ لَا يُهْلِكُهُ، وَالثَّانِي يَقُولُ بِالْحُرْمَةِ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْبُنْدُقَ يَقْتُلُهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَبْحِهِ فَلَا تَخَالُفَ بَيْنَهُمَا وَكَانَ هَذَا الَّذِي قَرَّرْتُهُ هُوَ مَلْحَظُ مَا فِي فَتَاوَى الْبُلْقِينِيُّ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَمْيِ الطَّيْرِ بِالْبُنْدُقِ مَا حُكْمُهُ؟
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ أَمَّا الرَّمْيُ بِالْبُنْدُقِ فَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ الضَّرَرِ وَلَا سِيَّمَا فِي الْبُنْيَانِ، وَأَمَّا رَمْيُ الطُّيُورِ بِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا أُمِرَ بِقَتْلِهِ فَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَالنَّهْيُ بَاقٍ وَإِنْ كَانَ مَأْكُولًا يُرْجَى أَنْ يَسْقُطَ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَيُذْبَحُ بِحَيْثُ يَحِلُّ فَهَذَا جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يُرْجَى ذَلِكَ فَالنَّهْيُ بَاقٍ إلَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ ضَرَرٌ اقْتَضَى تَنْفِيرَ ذَلِكَ الطَّيْرِ فَيَجُوزُ. اهـ. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ وَبِهِ يَتَأَيَّدُ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ حَمْلِ كَلَامِ النَّوَوِيِّ أَخْذًا مِنْ عِلَّتِهِ عَلَى مَا إذَا عُلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْبُنْدُقَةَ لَا تُهْلِكُهُ وَإِنَّمَا تُزِيلُ مَنَعَتَهُ حَتَّى يَصِيرَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَالرَّمْيُ بِهِ حِينَئِذٍ حَلَالٌ وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ الْفَوَاسِقِ أَوْ صَالَ عَلَيْهِ مَثَلًا وَلَمْ يَنْدَفِعْ عَنْهُ إلَّا بِذَلِكَ فَيَرْمِيهِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ هَذَا كُلُّهُ فِي الِاصْطِيَادِ بِهَا وَأَمَّا حِلُّ مَا صِيدَ بِهَا فَإِنْ أَدْرَكَهُ وَبِهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَذَبَحَهُ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا وَمَا وَصَلَ إلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ بِسَبَبِ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ حَرَكَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ ذَبْحُهُ مُطْلَقًا وَمَا لَمْ يَصِلْ لِذَلِكَ حَلَّ إنْ تَيَقَّنَ حَالَ الذَّبْحِ أَنَّ بِهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَكَذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ بِالْحَرَكَةِ الشَّدِيدَةِ وَانْفِجَارُ الدَّمِ وَمَتَى شَكَّ فِي اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ حَرُمَ وَإِنْ وَجَدَ انْفِجَارَ الدَّمِ وَغَيْرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ الْأُضْحِيَّةِ]
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إتْلَافُ شَيْءٍ مِنْهَا بِغَيْرِ الْأَكْلِ وَالِانْتِفَاعِ لَهُ وَلِمَنْ أَذِنَ لَهُ إنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا فَلَوْ أَتْلَفَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بَدَلُهُ يَصْرِفُهُ مَصْرِفَهَا وَأَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِذَلِكَ وَيَكْفِيهِ نِيَّتُهُ لِلْبَدَلِ وَيَكُونُ بِقِيمَتِهِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ يَشْتَرِي بِهِ مِثْلَهُ أَوْ مِثْلَيْهِ إنْ كَانَ " نَبَّا " وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ إتْلَافَهُ كَأَنْ تَطَيَّرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ وَدَكِهَا أَوْ عَثَرَ بِإِنَائِهِ فَانْقَلَبَ وَكَذَا قَدْ يُتَخَيَّلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إطْعَامُ هِرَّةٍ أَوْ غَيْرِ آدَمِيٍّ مِنْهُ.
وَفِي كُلِّ مَا ذُكِرَ حَرَجٌ وَخِلَافٌ لِلْعَادَةِ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ فِيهِ سَعَةٌ فَلْيَتَفَضَّلْ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ بِذِكْرِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا فَلَوْ مَاتَ فَوَرَثَتُهُ مَوْضِعُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَهُمْ الْأَكْلُ وَالِانْتِفَاعُ وَالْإِهْدَاءُ كَهُوَ قَالَ السُّبْكِيّ وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهَا بِالذَّبْحِ وَلَا تُورَثُ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِوَارِثِهِ وِلَايَةُ الْقِسْمَةِ مِثْلَهُ وَلَا تَقُلْ فِيهَا بِخُصُوصِهَا. اهـ. وَلَا يَشْكُلُ ذَلِكَ بِمَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ إذَا ضَحَّيْت الْأُضْحِيَّةَ عَنْ الْمَيِّتِ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ حِينَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْأَكْلِ مِمَّا ضُحِّيَ عَنْهُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ حَتَّى يَقُومَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ.
وَيَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ كَهُوَ كَمَا قَالُوهُ فِيمَا ضَحَّى بِهِ فِي حَيَاتِهِ فَلَوْ كَانَ وَرَثَتُهُ أَوْ بَعْضُهُمْ صِغَارًا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَجُوزُ إطْعَامُهُمْ مِنْهَا بِالْقِسْطِ لِئَلَّا يَضِيعَ وَاسْمُ الْقِسْمَةِ عَلَيْهَا بِمَعْنَى اسْتِحْقَاقِ كُلٍّ مِنْهُمْ شَيْئًا يَخْتَصُّ بِهِ مَمْنُوعٌ فِيمَا يَظْهَرُ وَإِنْ قُلْنَا بِبَقَاءِ الْمِلْكِ فِي أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ لِلتَّعَلُّقِ اللَّازِمِ بِهِ الْمَانِعِ مِنْ نَقْلِ الْمِلْكِ أَبَدًا كَالْمَرْهُونِ بِلَا وَلِيٍّ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهَا الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ فِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ أَجِدْهُ مَنْصُوصًا مَعَ كَثْرَةِ التَّفْتِيشِ عَنْهُ وَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ كَمَا يَرْمِي إلَيْهِ كَلَامُ بَعْضِهِمْ فِي غُضُونِ الْمَسَائِلِ لِتَعَيُّنِهَا لِذَلِكَ وَكَوْنُهُ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي شُرِعَتْ التَّضْحِيَةُ لَأَجْلِهِ.
وَإِنَّمَا جَوَّزَ الْأَكْلَ تَرْخِيصًا كَمَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ فِي مَنْعِ النَّبِيِّ ﷺ أَوَّلًا مِنْ ادِّخَارِهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهَا فِي عَصْرِهِ ﷺ وَإِنْ كَانَ نُسِخَ لِزَوَالِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ بِهِ إنَّ الصَّدَقَةَ هِيَ الْأَصْلُ فِيهَا فَإِنْ قُلْنَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْهَا فَالظَّاهِرُ جَوَازُ أَكْلِهِ مِنْهَا حَالًا إنْ كَانَ فَقِيرًا كَغَيْرِهِ وَلَا نَقُولُ هُنَا يَمْتَنِعُ لِأَنَّهُ يَتَّحِدُ فِيهِ قَبْضُهُ وَإِقْبَاضُهُ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمَالِكِ
стр. 1193
وَالْمَالِكُ لَهُ الِاسْتِبْدَادُ بِذَلِكَ نَعَمْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِادِّخَارُ لِيَنْتَفِعَ بِنَفْسِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا إذْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا بِتَرْكِ مَا يَرَاهُ صَلَاحًا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِمْ وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي فِي الْحَالِ.
وَإِذَا كَانُوا جَمَاعَةً أَوْ اثْنَيْنِ مَيَّزَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ قَبْل أَنْ رَآهُ وَإِنْ اتَّفَقَتْ حَاجَتُهُمْ وَضَافَ الشَّيْءُ وُزِّعَ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ تَشْبِيهًا بِالْغَانِمِينَ فِي طَعَامِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ وُصُولِهِمْ أَوْطَانِهِمْ فَيَكُونُ كُلٌّ مُخْتَصًّا بِمَا مُيِّزَ لَهُ لَا مِلْكًا وَيَتَعَيَّنُ التَّصَدُّقُ إذَا كَانَ الصَّغِيرُ ضَعِيفًا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأْكُلَ اللَّحْمَ وَخَشِيَ تَغَيُّرَهُ إذْ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ وَلَهُ نَظِيرٌ مِنْ الشَّرْعِ هَذَا مَا تَقَرَّرَ لِي بَعْدَ النَّظَرِ وَالْبَحْثِ وَإِنْ كَانَ نُقِلَ بِخِلَافِهِ فَسَمْعًا وَطَاعَةً وَهُوَ أَوْلَى فَلْيُنْظَرْ فِيهِ وَإِذَا ضَحَّى الْوَلِيُّ عَنْ صَغِيرٍ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ قَالَ شَيْخُنَا عَبْدُ اللَّهِ أَبُو فَضْلٍ الظَّاهِرُ مَنْعُ أَكْلِهِ مِنْهَا لِأَنَّهُ يَقْدِرُ أَنَّهُ مَلَكَهَا فِي ضِمْنِ التَّضْحِيَةِ قَبْلَهَا أَقُولُ وَمَا قَدَّرَهُ مُمْكِنٌ ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ جَدًّا يَتَوَلَّى طَرَفَيْ التَّمْلِيكِ وَفِي غَيْرِهِ نَظَرٌ وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ أَئِمَّةِ الْيَمَنِ بِجَوَازِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ تَقْدِيرِ انْتِقَالِ مِلْكٍ إلَيْهِ.
قَالَ شَيْخُنَا وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْعَقِيقَةِ عَنْهُ لِأَنَّ الْأَبَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا لِنَفْسِهِ أَقُولُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الضَّحِيَّةُ مِثْلَهَا وَيَتَصَرَّفُ الْأَبُ فِيهَا كَضَحِيَّةِ نَفْسِهِ وَإِمَّا أَنْ يُمْنَعَ مِنْهَا غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَتَصِحُّ مِنْهُمَا بِتَقْدِيرِ انْتِقَالِ الْمِلْكِ ثُمَّ يَتَضَيَّقُ الْأَمْرُ فِيهَا بِأَنْ يُطْعِمَ مِنْهَا الصَّبِيَّ فَقَطْ وَيَكُونُ فِي التَّصَدُّقِ بِشَيْءٍ مِنْهَا مَا سَبَقَ فِي لَحْمِ الضَّحِيَّةِ الْمُخَلَّفِ عَنْ الْمَيِّتِ وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ ظُلْمَةٌ أَزَالَهَا اللَّهُ وَسَائِرَ الظُّلُمَاتِ بِنُورِ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ وَالْهِدَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَالْمَسْئُولُ مِمَّنْ وَقَفَ عَلَى هَذَا مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَنَفَعَ بِهِمْ إمْعَانُ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ وَبَيَانُ مَا ظَهَرَ لَهُ فِيهِ بِنَقْلٍ أَوْ بَحْثٍ بِإِيضَاحٍ بَيِّنٍ لَا أَخَلَا اللَّهُ مِنْهُمْ آمِينَ.
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ أَمَّا الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِبَرَكَتِهِ وَعُلُومِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ إتْلَافُ شَيْءٍ مِنْهَا إلَخْ ظَاهِرٌ وَقَدْ صَرَّحُوا بِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَلَوْ أَتْلَفَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ إلَخْ مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ أَتْلَفَ الْقَدْرَ الَّذِي يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ فَذَلِكَ لَيْسَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ بَلْ صَرَّحُوا بِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُتْلِفَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا بَلْ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ بِتَقْصِيرِهِ ضَمِنَهُ أَيْضًا لِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ يَدُ أَمَانَةٍ وَهَذَا حُكْمُهَا وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ أَتْلَفَ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ ذَبْحُهَا وَتَصَدَّقَ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ وَأَتْلَفَ مَا عَدَاهُ قَبْلَ التَّصَدُّقِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَيْسَ الضَّمَانُ حِينَئِذٍ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ.
وَإِنَّمَا مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ بَلْ صَرِيحُهُ عَدَمُ الضَّمَانِ إذْ لَوْ ضَمِنَهُ لَضَمِنَهُ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ صَارَ مُسْتَحِقًّا لِأَكْلِ الْجَمِيعِ وَإِنْ نُدِبَ لَهُ التَّصَدُّقُ بِهِ فَلَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ ضَمَانِ مَا أَتْلَفَهُ لَضَمِنَهُ لِنَفْسِهِ وَضَمَانُ الْإِنْسَانِ مُتْلَفَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَا يَئُولُ إلَى نَفْسِهِ مُمْتَنِعٌ ظَاهِرُ الِامْتِنَاعِ وَالِاسْتِحَالَةِ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ وَهُوَ بِالتَّضْحِيَةِ قَدْ زَالَ مِلْكُهُ وَإِنْ زَالَ بَقِيَ لَهُ اسْتِحْقَاقُ الْأَكْلِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ شَيْءٌ لِغَيْرِهِ فَانْحَصَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فِيهِ وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ يَضْمَنُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا انْحَصَرَ اسْتِحْقَاقُهُ لَهُ فَالِاسْتِحَالَةُ بَاقِيَةٌ.
فَإِنْ قُلْت كَلَامُهُمْ فِي إتْلَافِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لِلْوَقْفِ الَّذِي عَلَيْهِ يُنَافِي ذَلِكَ قُلْت لَا يُنَافِيهِ لِظُهُورِ فُرْقَانِ مَا بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ ثَمَّ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بَلْ مَنْ بَعْدَهُ يَسْتَحِقُّهُ أَيْضًا فَضَمِنَهُ لِأَجْلِ غَيْرِهِ وَهُنَا لَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ اسْتِحْقَاقٌ فِيهِ بِوَجْهٍ فَلَمْ يَضْمَنْهُ وَأَيْضًا فَالْوَقْفُ فِيهِ نَاظِرُهُ إمَّا عَامٌّ أَوْ خَاصٌّ يُطَالِبُ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ بِالْبَدَلِ وَهُنَا لَا مَطَالِبَ وَأَيْضًا فَالْقَصْدُ بِالْوَقْفِ الدَّوَامُ فَلَوْ لَمْ يَضْمَنْ لَنَا فِي مَقْصُودَهُ وَالْقَصْدُ مِنْ التَّضْحِيَةِ إرَاقَةُ الدَّمِ مَعَ إرْفَاقِ الْمَسَاكِينِ بِأَدْنَى جُزْءٍ مِنْهَا غَيْرِ تَافِهٍ وَقَدْ حَصَلَ هَذَا الْمَقْصُودُ فَلَا وَجْهَ لِلضَّمَانِ عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِنَا كَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْقَاصِّ وَالْإِصْطَخْرِيِّ وَابْنِ الْوَكِيلِ قَالُوا إنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ الْجَمِيعِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ مِنْهَا.
وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقَاصِّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّضْحِيَةِ أَتَمَّ. اهـ. وَالتَّقَرُّبُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ فَحَسْبُ وَأَمَّا الضَّحِيَّةُ بَعْدَ الذَّبْحِ فَكَسَائِرِ الذَّبَائِحِ غَيْرِهَا وَعَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ مُطْلَقًا وَكَذَا يُقَالُ فِي جِلْدِهَا وَنَحْوِهِ مِمَّا لَهُ الِانْتِفَاعُ بِعَيْنِهِ مَا دَامَتْ بَاقِيَةً دُونَ نَحْوِ بَيْعِهِ هَذَا حُكْمُ الْإِتْلَافِ مِنْ
стр. 1194
حَيْثُ الضَّمَانُ وَعَدَمُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ لَا مَحِيدَ عَنْهُ فَيَتَعَيَّنُ اعْتِمَادُهُ لِأَنَّ قَوَاعِدَهُمْ تُصَرِّحُ بِهِ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْإِثْمِ فَإِنْ تَعَمَّدَ أَثِمَ لَا مِنْ حَيْثُ التَّضْحِيَةُ بَلْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا إضَاعَةَ مَالٍ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لَمْ يَأْثَمْ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَكَذَا قَدْ يَتَخَيَّلُ إلَخْ.
فَهُوَ إنَّمَا يَتَّجِهُ فِي الْغَنِيِّ الَّذِي أُهْدِيَ إلَيْهِ دُونَ نَفْسِهِ وَدُونَ الْفَقِيرِ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ لَا تَمْلِيكِهِمْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرِهِمَا خِلَافًا لِابْنِ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ كَمَا يَأْتِي فَلَا يَجُوزُ تَمْلِيكُ الْأَغْنِيَاءِ شَيْئًا مِنْ الْأُضْحِيَّةِ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ بَلْ بِالْأَكْلِ وَلِذَا جَازَ إطْعَامُهُمْ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا وَكَذَا الْإِهْدَاءُ إلَيْهِمْ كَمَا يَأْتِي وَاسْتَثْنَى الْبُلْقِينِيُّ مِنْ ذَلِكَ ضَحِيَّةَ الْإِمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
قَالَ فَيَمْلِكُ الْأَغْنِيَاءُ مَا يُعْطِيهِمْ مِنْهَا بِخِلَافِ الْفُقَرَاءِ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُمْ فَيَجُوزُ إطْعَامُهُمْ وَتَمْلِيكُهُمْ حَتَّى مِنْ الزَّائِدِ عَلَى مَا يَجِبُ تَمْلِيكُهُ نِيئًا وَيَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ أَمَّا الْأَغْنِيَاءُ فِيمَا يُهْدَى إلَيْهِمْ فَلَا يَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِغَيْرِ الْأَكْلِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ يَجُوزُ إطْعَامُهُمْ كَمَا يُطْعِمُ الضَّيْفَ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْقَمُولِيِّ نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ مَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ مِنْ أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ لَا يَجُوزُ لَهُ إتْلَافُهُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا أَنْ يَمْلِكَهُ الْأَغْنِيَاءُ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ وَلَهُمْ الْأَكْلُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ.
وَنَظَرَ فِيهِ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِهِمْ جَوَازُ الْإِهْدَاءِ إلَى الْأَغْنِيَاءِ فِي الْهِبَةِ الْمُفِيدَةِ لِلْمِلْكِ الْمُمَكِّنَةِ مِنْ التَّصَرُّفِ لَا الْإِطْعَامِ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى هَدِيَّةً وَيُرَدُّ وَإِنْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، وَغَيْرُهُ أَنَّ مَا قَالَهُ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ الَّذِينَ ذَكَرُوا الْإِهْدَاءَ بِأَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُ أَكْلِهِمْ مِنْهَا وَإِنَّمَا جَازَ لَهُمْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُوَسِّعَ لَهُمْ فِي غَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ وَظَاهِرُ التَّشْبِيهِ بِالضَّيْفِ أَنَّهُ لَيْسَ لِغَنِيٍّ أُهْدِيَ لَهُ شَيْءٌ مِنْهَا إهْدَاؤُهُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُحْمَلُ الْإِهْدَاءُ إلَيْهِمْ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَا الْمِلْكِ فَلِلْمُهْدِي اسْتِرْجَاعُهُ وَلَوْ بَعْدَ الْوُصُولِ لِلْمُهْدَى إلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْأَذْرَعِيِّ قَضِيَّةُ التَّشْبِيهِ بِالضَّيْفِ أَنَّ الْمُهْدَى إلَيْهِ لَا يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ الْأَكْلِ مِنْ صَدَقَةٍ وَنَحْوِهَا وَفِي مَنْعِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْإِيثَارِ بِهِ بُعْدٌ بِخِلَافِ مَنْعِهِ مِنْ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ كَالْمُضَحِّي يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَيْ الْبَيْعُ دُونَ الصَّدَقَةِ وَإِطْعَامِ الْغَيْرِ فَيُرَدُّ بِأَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ كَالْمُضَحِّي لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّفْرِقَةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِجَوَازِ التَّصَدُّقِ وَإِطْعَامِ الْغَيْرِ بِخِلَافِ الْمُهْدَى إلَيْهِ. اهـ. مَا فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا ذَكَرْتُهُ أَمَّا الْفَقِيرُ فَوَاضِحٌ لِمَا عُلِمَ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ فَأَوْلَى إطْعَامُ نَحْوِ الْهِرَّةِ وَأَمَّا الْمُضَحِّي فَلَمَّا عَلِمَ أَيْضًا أَنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ بِالْأَكْلِ وَالصَّدَقَةِ وَإِطْعَامِ الْغَيْرِ وَإِطْعَامِ نَحْوِ الْهِرَّةِ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْغَنِيُّ الْمُهْدَى إلَيْهِ فَلِمَا عُلِمَ أَنَّهُ إبَاحَةٌ لَهُ وَأَنَّهُ كَالضَّيْفِ وَقَدْ صَرَّحُوا فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ وَلَا إطْعَامُ نَحْوِ الْهِرَّةِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ فِي الْمُضَحِّي قَوْلُهُمْ يَجُوزُ لَهُ شُرْبُ مَا فَضَلَ مِنْ لَبَنِ الْمَنْذُورَةِ عَنْ رِيِّ وَلَدِهَا وَأَنْ يَسْبِقَهُ غَيْرُهُ أَيْ وَلَوْ وَلَدَ دَابَّةٍ أُخْرَى فَكَمَا جَازَ لَهُ سَقْيُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ إطْعَامُ نَحْوِ الْهِرَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا إلَى قَوْلِهِ اهـ ظَاهِرٌ.
وَمِنْ ثَمَّ قُلْت فِي شَرْحِ الْعُبَابِ فَرْعٌ مَاتَ الْمُضَحِّي وَعِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ وَإِهْدَاؤُهُ لَمْ يُورَثْ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ لَكِنْ لِوَارِثِهِ وِلَايَةُ الْقِسْمَةِ وَالتَّفْرِقَةِ وَالْإِهْدَاءِ وَالْأَكْلِ كَمَا كَانَ لَهُ ذَكَرَهُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ. اهـ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ بِمَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَتَعْلِيلِهِ دَفَعَ الْإِشْكَالَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ حِينَ مَوْتِهِ إلَخْ فَتَخَيُّلُ الْأَشْكَالِ بِذَلِكَ بَعِيدٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ سَوْقِ كَلَامِ الْقَفَّالِ وَعِبَارَةِ شَرْحِ الْعُبَابِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ أَيْ جَوَازُ الْأَكْلِ لِلْمُضَحِّي إذَا ضَحَّى عَنْ نَفْسِهِ فَلَوْ ضَحَّى عَنْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ كَمَيِّتٍ أَوْصَى بِذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ الْأَكْلُ مِنْهُ وَبِهِ صَرَّحَ الْقَفَّالُ فِي الْمَيِّتِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ وَقَعَتْ عَنْهُ أَيْ الْمَيِّتِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَيْ الْمُضَحِّي الْأَكْلُ مِنْهَا إلَّا بِإِذْنِهِ أَيْ الْمَيِّتِ.
وَقَدْ تَعَذَّرَ فَيَجِبُ التَّصَدُّقُ عَنْهُ بِجَمِيعِهَا وَاعْتَمَدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ وَعِبَارَةُ الْمَطْلَبِ هَلْ يَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي جَوَازِ الْأَكْلِ وَالْإِهْدَاءِ نَظَرًا إلَى أَنَّهَا
стр. 1195
تَطَوُّعٌ أَوْ نَقُولُ قَدْ صَارَتْ وَاجِبَةَ الذَّبْحِ بَعْد الْمَوْتِ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَنْذُورَةِ أَوْ يَتَعَيَّنُ صَرْفُ الْجَمِيعِ لِلْفُقَرَاءِ لِأَنَّهَا حُسِبَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ الثُّلُثِ مَحَلُّ نَظَرٍ وَالْأَقْرَبُ الْأَخِيرُ انْتَهَتْ وَفِيهِ بَسْطٌ مُهِمٌّ ذَكَرْتُهُ فِي حَاشِيَةِ الْإِيضَاحِ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَبِهَا يُعْلَمُ ظُهُورُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُضَحِّي إذَا مَاتَ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ الْمُضَحَّى عَنْهُ فَإِنَّ الْأَوَّلَ كَانَتْ لَهُ وِلَايَةُ التَّفْرِقَةِ وَالْأَكْلِ وَالْإِهْدَاءِ فَثَبَتَ كُلُّ ذَلِكَ لِوَارِثِهِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَلَمْ يَثْبُتْ لِوَارِثِهِ شَيْءٌ مِنْهُ لِمَا ذُكِرَ.
وَلِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ حُسِبَتْ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْ الثُّلُثِ أَيْ إذَا أَوْصَى بِهَا فَصَارَتْ جَمِيعُهَا مُسْتَحِقَّةً لَهُمْ وَوَرَثَةُ الْمَيِّتِ الْمُوصَى لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ ثُلُثِهِ الْمُوصِي بِهِ وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ لِئَلَّا يَتَّحِدَ الْقَابِضُ وَالْمُقْبَضُ وَأَمَّا الْأَغْنِيَاءُ فَلِأَنَّ الْوَصَايَا إنَّمَا تَنْصَرِفُ إلَى الْفُقَرَاءِ غَالِبًا فَلَمْ يَجُزْ صَرْفُ شَيْءٍ إلَيْهِمْ أَيْضًا وَأَمَّا قَوْلُهُ فَلَوْ كَانَ وَرَثَتُهُ أَوْ بَعْضُهُمْ صِغَارًا إلَخْ فَإِنْ أَرَادَ بِهِمْ وَرَثَةَ الْمَيِّتِ الْمُضَحَّى عَنْهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا عَلِمْتَ أَنَّ وَارِثَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا لِوُجُوبِ صَرْفِ جَمِيعِهَا لِلْفُقَرَاءِ كَمَا عَلِمْتَهُ مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ الرِّفْعَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَقَوْلُهُ فِي حِكَايَةِ كَلَامِ الْقَفَّالِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَقُلْهُ الْقَفَّالُ كَذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّمَا عَلَّلَ عَدَمَ جَوَازِ أَكْلِ الْمُضَحِّي وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ بِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ وَقَعَتْ عَنْ الْمَيِّتِ فَلَا يَحِلُّ الْأَكْلُ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ فَيَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهَا عَنْهُ وَقَوْلُهُ بِالْقِسْطِ لِئَلَّا يَضِيعَ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ إذْ التَّقْسِيطُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَخَشْيَةُ الضَّيَاعِ لَيْسَتْ هِيَ الْمُبِيحَةُ لِلْأَكْلِ لِمَا يَأْتِي وَقَوْلُهُ مَمْنُوعٌ فِيمَا يَظْهَرُ ظَاهِرٌ لَكِنْ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ لِلتَّعَلُّقِ اللَّازِمِ إلَخْ مَمْنُوعٌ إذْ التَّعَلُّقُ اللَّازِمُ لَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّيْنَ وَالْحُقُوقَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ لَا يَمْنَعُ انْتِقَالُهَا لِلْوَرَثَةِ وَإِنْ حُجِرَ عَلَيْهِمْ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا حَتَّى لَوْ قَضَوْا الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِهَا بِأَنَّهَا عَلَى مِلْكِهِمْ وَلَوْ بِيعَتْ فِيهِ كَانَتْ زَوَائِدُهَا مِنْ حِين الْمَوْتِ إلَى وَقْتِ الْبَيْعِ مِلْكًا لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ إلَخْ هُوَ كَذَلِكَ لَا لِمَا ذَكَرَهُ فَحَسْبُ بَلْ لِمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ وَصَرَّحُوا بِهِ مِنْ زَوَالِ مِلْكِ الْمُضَحَّى عَنْهَا وَعَدَمِ إرْثِهَا عَنْهُ وَإِنَّ الثَّابِتَ لِلْوَارِثِ إنَّمَا هُوَ وِلَايَةُ التَّفْرِقَةِ وَجَوَازُ الْأَكْلِ فَالْمُورَثُ لَيْسَ إلَّا الْوِلَايَةُ وَالْجَوَازُ الْمَذْكُورَانِ فَقَطْ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ فَأَمَّا الْوِلَايَةُ فَيَخْلُفُ الْوَارِثَ الْمَحْجُورَ فِيهَا وَلِيَّهُ لِعَدَمِ تَأَهُّلِهِ لَهَا وَأَمَّا جَوَازُ الْأَكْلِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِيهِ غَيْرُهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ لَهُ بِمَعْنَى أَنَّ لِلْوَارِثِ أَنْ يُطْعِمَهُ مِنْهَا لَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِذَا خَلَفَهُ وَلِيُّهُ فِي وِلَايَةِ التَّفْرِقَةِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ إطْعَامه وَحْدَهُ فَلَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ وَأَنْ يُطْعِمَ غَيْرَهُ.
فَعُلِمَ بِمَا قَرَّرْته أَنَّ جَوَازَ إطْعَام الْوَلِيِّ غَيْرَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ مِنْهُ. اهـ. وَصَرِيحُ كَلَامِهِمْ وَلَا نَظَرَ لِلتَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلْمَنْعِ إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ حِلَّ أَكْلِ الْمُضَحَّى مِنْهَا رُخْصَةٌ إذْ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدُّهَا الْمُقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ بَلْ هُوَ ثَابِتٌ قَبْلَ النَّسْخِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفُ وَأَتَمُّ. اهـ. مَا مُتَوَارِدَاتٌ عَلَى جَوَازِ الِادِّخَارِ مِنْهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ فَأَمَّا حِلُّهُ قَبْلَ ثَلَاثٍ وَحَلَّ الْأَكْلُ مُطْلَقًا فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ نَسْخٌ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْهُ وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّدَقَةَ هِيَ الْأَصْلُ فِيهَا لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا نُسِخَ امْتَنَعَ النَّظَرُ إلَيْهِ مُطْلَقًا فَلَا يُعْمَلُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ وَلَا بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ وَأَيْضًا فَالْمَنْظُورُ إلَيْهِ فِيهَا بِطَرِيقِ الذَّاتِ إنَّمَا هُوَ إرَاقَةُ الدَّمِ لِأَنَّهُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي وُجُوبِهَا كَمَا مَرَّ وَعَلَى الْوُجُوبِ فَهِيَ بِجُزْءٍ غَيْرِ تَافِهٍ فَهَذِهِ كُلُّهَا صَرَائِحُ فِي مَنْعِ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَأَمَّا التَّعْلِيلُ الصَّحِيحُ وَالْمَأْخَذُ الظَّاهِرُ فَهُوَ مَا ذَكَرْته وَاسْتَنْبَطْتُهُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَحَرَّرْته فَلَا مَسَاغَ فِي الْعُدُولِ عَنْهُ وَقَوْلُهُ فَالظَّاهِرُ جَوَازُ أَكْلِهِ إلَخْ إنَّمَا يَتَّجِهُ عَلَى مَا قَالَهُ جَمْعٌ فِيمَنْ أَوْصَى إلَى إنْسَانٍ بِتَفْرِقَةِ ثُلُثِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ نَفْسَهُ وَانْتَصَرَ لَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَأَمَّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِاتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبَضِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ هُنَا أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا لِاتِّحَادِهِمَا وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ نَائِبَ الْمَالِك لِأَنَّ الْوَصِيَّ أَيْضًا نَائِبُ الْمَالِكِ.
وَقَدْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ نِيَابَتَهُ عَنْهُ تُقَوِّي ذَلِكَ الِاتِّحَادَ الْمَمْنُوعَ فَإِنْ قُلْت فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا قُلْت يَفْرُقُ بِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ
стр. 1196
لِلْمُضَحِّي كَالْكَلَإِ الْمُبَاحِ إذْ لَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ اتِّحَادٌ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِنَائِبِ الْمَالِكِ فَلَا لِأَنَّهُ مَالٌ يَلِي تَفْرِقَتَهُ غَيْرُ الْمَالِكِ وَقَدْ صَارَ النَّائِبُ وَكِيلًا عَنْ ذَلِكَ الْوَلِيِّ فَإِذَا أَخَذَ مِنْهُ كَانَ مُقْبَضًا عَنْ غَيْرِهِ وَقَابِضًا لِنَفْسِهِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ لَكَ أَنَّ تَعْلِيلَ جَوَازِ الِاتِّحَادِ بِكَوْنِهِ نَائِبَ الْمَالِك فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَأَنَّهُ مِنْ تَعْلِيلِ الشَّيْءِ بِمَا يُبْطِلُهُ وَيَرُدُّهُ وَقَوْلُهُ نَعَمْ الظَّاهِرُ إلَخْ بَعِيدٌ جِدًّا لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ جَوَّزَ لَهُ الْأَكْلَ كَيْفَ يَمْنَعُهُ مِنْ الِادِّخَارِ وَيُعَلَّلُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا وَهَلْ هَذَا إلَّا التَّنَاقُضُ الْبَيِّنُ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا يُبْطِلُ مَا قَالَهُ مِنْ جَوَازِ أَكْلِهِ وَتَعْلِيلُهُ جَوَازِ أَكْلِهِ بِأَنَّهُ كَغَيْرِهِ يُبْطِلُ مَا قَالَهُ مِنْ مَنْعِهِ مِنْ الِادِّخَارِ فَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ وَقَوْلُهُ بَلْ يَتْرُكُ مَا يَرَاهُ صَلَاحًا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا مَرَّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ بِكُلِّهَا وَإِنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ فِيهِ إلَّا وِلَايَةَ التَّفْرِقَةِ فَقَطْ فَانْدَفَعَ قَوْلُهُ فَيُتْرَكُ وَقَوْلُهُ يَتَصَدَّقُ وَقَوْلُهُ مَيَّزَ.
وَقَوْلُهُ وَزَّعَ إنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ نَعَمْ وَقَوْلُهُ إنْ رَآهُ يُشْعِرُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ لَكِنْ لَا مُطْلَقًا بَلْ إنْ لَمْ يَرَهُ فَإِنْ رَآهُ لِحَاجَةِ مَحْجُورِهِ إلَيْهِ لَزِمَهُ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ وَقَوْلُهُ وَإِذَا ضَحَّى الْوَلِيُّ إلَخْ اعْلَمْ أَنَّهُمْ اسْتَثْنَوْا مِنْ مَنْعِ التَّضْحِيَةِ عَنْ الْغَيْرِ صُوَرًا مِنْهَا تَضْحِيَةُ الْوَلِيِّ مِنْ مَالِهِ عَنْ مَحَاجِيرِهِ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ شَيْخِهِ الْإِمَامِ الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ أَخَذَهُ مِنْ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - فِي الْأُمِّ وَمِنْ مُقْتَضَى قَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُمَا مِنْ أَمْوَالِهِمَا قَالَ فَمَفْهُومُهُ جَوَازُهُ مِنْ مَالِهِ. اهـ.
وَبِنَحْوِ عِبَارَةِ الْمَاوَرْدِيُّ هَذِهِ عَبَّرَ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ فَلْيُسْتَدَلَّ بِهَا أَيْضًا وَجَرَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ صَالِحُ الْبُلْقِينِيُّ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ وَالِدِهِ فِي تَتِمَّتِهِ وَتَدْرِيبِهِ فَقَالَ الثَّانِيَةُ الْوَلِيُّ إذَا ضَحَّى مِنْ مَالِهِ عَنْ الَّذِي تَحْتَ حِجْرِهِ مِنْ الْأَطْفَالِ وَالسُّفَهَاءِ وَالْمَجَانِينَ فَمُقْتَضَى نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ الْجَوَازُ. اهـ. إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَضِيَّةُ مَا مَرَّ فِي مَنْعِ الْمُضَحِّي عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ أَكْلِ شَيْءٍ مِنْهَا لِأَنَّهَا انْتَقَلَتْ إلَى الْمَيِّتِ وَإِذْنُهُ مُتَعَذِّرٌ أَنَّ الْوَلِيَّ هُنَا إذَا ضَحَّى عَنْ مُوَلِّيهِ مِنْ مَالِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهَا لِأَنَّهَا انْتَقَلَتْ لِلْمَحْجُورِ.
وَإِذْنُهُ مُتَعَذِّرٌ فَالْوَجْهُ مَا قَالَهُ شَيْخُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِمَا وَبِمَدَدِهِمَا لَا هُوَ وَبَعْضُ أَئِمَّةِ الْيَمَنِ لِمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ تَضْحِيَةَ الْوَلِيِّ عَنْ مُوَلِّيهِ مُتَضَمِّنَةٌ لِانْتِقَالِهَا إلَيْهِ شَرْعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبًا وَلَا جَدًّا فَإِنْ قُلْت قَضِيَّةُ الِانْتِقَالِ إلَيْهِ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ مِنْهَا قُلْت لَيْسَ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ هُنَا إلَّا لِتَحْصِيلِ ثَوَابِهَا تَوْسِعَةً فِي تَحْصِيلِ طُرُقِهِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّصَدُّقِ مِنْهَا وَبِمَا تَقَرَّرَ فَارَقَ مَا هُنَا مَا قَالُوهُ فِيمَا لَوْ أَصْدَقَ الْوَلِيُّ عَنْ مَحْجُورِهِ أَوْ دَفَعَ الثَّمَنَ عَنْهُ ثُمَّ ارْتَفَعَ ذَلِكَ الْعَقْدُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ فَأُدِيرَ عَلَيْهِ حُكْمُهَا وَمَا هُنَا الْقَصْدُ بِهِ كَمَا تَقَرَّرَ الثَّوَابُ فَوُسِّعَ لَهُ فِي طُرُقِ تَحْصِيلِهِ كَمَا وُسِّعَ لِلْمَيِّتِ فِي ذَلِكَ لَكِنْ إنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْحَيَاةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِذْنِ بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ مُطْلَقًا وَأَلْحَقَ بِهِمَا مَنْ جُنَّ أَوْ سَفَهَ بَعْدَ كَمَالِهِ طَرَدَ اللُّبَابِ.
وَقَوْلُهُ أَقُولُ فَأَمَّا إلَخْ الْأَوْجَهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَقِيقَةِ وَالتَّضْحِيَةِ فَلِلْأَبِ إذَا عَقَّ عَنْ وَلَدِهِ الْأَكْلُ مِنْهَا لِأَنَّ الْأَبَ مُخَاطَبٌ بِهَا أَصَالَةً فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَضَحِيَّةِ نَفْسِهِ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ الْعَقِيقَةِ كَمَا لَهُ الْأَكْلُ مِنْ أُضْحِيَّةِ نَفْسِهِ وَأَمَّا التَّضْحِيَةُ عَنْ طِفْلِهِ فَهِيَ غَيْرُ مُخَاطَبٌ بِهَا وَإِنَّمَا وُسِّعَ لَهُ فِيهَا تَحْصِيلًا لِلثَّوَابِ لِمُوَلِّيهِ لِأَنَّهَا فِدَاءٌ عَنْ نَفْسِ الْمُوَلَّى لَا يَعُودُ عَلَى الْأَبِ مِنْهُ شَيْءٌ فَتَمَحَّضَ النَّفْعُ لِلْمُوَلِّي وَالْوُقُوعُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْعَقِيقَةِ فَإِنَّ نَفْعَهَا مِنْ كَوْنِ الْوَلَدِ بِسَبَبِهَا يَشْفَعُ لِأَبِيهِ كَمَا قَالَهُ أَئِمَّةٌ مُجْتَهِدُونَ أَمْرٌ خَاصٌّ بِالْوَلِيِّ لِعَوْدِ نَفْعِهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ كَالْمُضَحِّي عَنْ الْغَيْرِ وَإِنَّمَا هُوَ كَالْمُضَحِّي عَنْ نَفْسِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَعُلِمَ الْجَوَابُ عَنْ تَرْدِيدَاتِ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَحْضَرَ تَصْرِيحَهُمْ بِأَنَّ لِلْعَاقِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ الْعَقِيقَةِ كَالْأُضْحِيَّةِ عَنْ نَفْسِهِ.
وَأَنَّ الضَّحِيَّةَ عَنْ الْغَيْرِ لَا يَجُوزُ لِلْمُضَحِّي الْأَكْلُ مِنْهَا وَمَنْ تَأَمَّلْ حُكْمَ ذَلِكَ وَعِلَلَهَا الَّتِي قَرَّرْتُهَا لَمْ يُبْدِ تِلْكَ التَّرْدِيدَاتِ وَلَزَالَتْ عَنْهُ تِلْكَ الظُّلْمَةُ أَزَالَ اللَّهُ عَنَّا وَعَنْهُ ظُلْمَ نُفُوسِنَا وَحُظُوظِنَا وَبَوَّأَنَا مَنَازِلَ شُهُودِهِ وَمَعَالِيهَا إلَى أَنْ
стр. 1197
نَلْقَاهُ رَاضِيًا عَنَّا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ إنَّهُ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا إذَا اشْتَرَكَا فِي سُبُعَيْ بَدَنَةٍ هَلْ يَمْتَنِعُ كَاشْتِرَاكِهِمَا فِي شَاتَيْنِ أَوْ يَفْرُقُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ وَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ فِي الشَّاتَيْنِ اسْتِقْلَالُ كُلٍّ بِإِرَاقَةِ دَمٍ كَامِلٍ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْمُشَارَكَةُ فِيهِ وَإِنْ حَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الشَّرِكَتَيْنِ لِكُلٍّ دَمٌ لِأَنَّهُ دَمٌ مُلَفَّقٌ وَهُوَ لَا يُجْزِئُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى عَدَمِ التَّلْفِيقِ وَأَمَّا فِي السُّبْعَيْنِ مِنْ الْبَدَنَةِ فَالتَّفْلِيقُ حَاصِلٌ فِي دَمِهَا سَوَاءٌ أَجَعَلْنَا كُلَّ سُبْعٍ عَنْ وَاحِدٍ وَسُبُعًا عَنْ اثْنَيْنِ وَسُبُعًا عَنْ آخَرَ فَإِنْ قُلْت هَذَا فَرْقٌ ظَاهِرٌ فَمَا بَالُك قُلْت إنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الظَّاهِرُ قُلْت لِأَنَّهُمْ نَزَّلُوا كُلَّ سُبُعٍ مَنْزِلَةَ شَاةٍ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى مَا ذُكِرَ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَالُوا لَوْ كَانَ بَعْضُ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْبَدَنَةِ يُرِيدُ اللَّحْمَ وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ الضَّحِيَّةَ أَوْ الْهَدْيَ الْوَاجِبَ أَوْ الْمَنْدُوبَ أُجْبِرَ حَتَّى لَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ مُحَرَّمًا مَا لَمْ يَمْنَعُ مُرِيدَ الْمَنْدُوبِ أَوْ الْوَاجِبَ فَظَهَرَ أَنَّهُمْ مُنَزِّلُونَ كُلَّ سُبُعٍ مَنْزِلَةَ شَاةٍ فَمَا قَالُوهُ فِي الشَّاتَيْنِ مِنْ مَنْعِ الِاشْتِرَاكِ يَأْتِي فِي السُّبْعَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ ذَبْحِ شَاةٍ أَيَّامَ الْأُضْحِيَّةِ بِنِيَّتِهَا وَنِيَّةِ الْعَقِيقَةِ فَهَلْ يَحْصُلَانِ أَوْ لَا اُبْسُطُوا الْجَوَابَ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَجَرَيْنَا عَلَيْهِ مُنْذُ سِنِينَ أَنَّهُ لَا تَدَاخُلَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ لِذَاتِهَا وَلَهَا سَبَبٌ يُخَالِفُ سَبَبَ الْأُخْرَى وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا غَيْرُ الْمَقْصُودِ مِنْ الْأُخْرَى إذْ الْأُضْحِيَّةُ فِدَاءٌ عَنْ النَّفْسِ وَالْعَقِيقَةُ فِدَاءٌ عَنْ الْوَلَدِ إذْ بِهَا نُمُوُّهُ وَصَلَاحُهُ وَرَجَاءُ بِرِّهِ وَشَفَاعَتِهِ.
وَبِالْقَوْلِ بِالتَّدَاخُلِ يَبْطُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَلَمْ يُمْكِنْ الْقَوْلُ بِهِ نَظِيرَ مَا قَالُوهُ فِي سُنَّةِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَغُسْلِ الْعِيدِ وَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَسُنَّةِ الْعَصْرِ وَأَمَّا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَنَحْوُهَا فَهِيَ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا بَلْ لِعَدَمِ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِصَلَاةِ غَيْرِهَا وَكَذَا صَوْمُ نَحْوِ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ إحْيَاءُ هَذَا الْيَوْمِ بِعِبَادَةِ الصَّوْمِ الْمَخْصُوصَةِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِأَيِّ صَوْمٍ وَقَعَ فِيهِ وَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ وَالْعَقِيقَةُ فَلَيْسَتَا كَذَلِكَ كَمَا ظَهَرَ مِمَّا قَرَّرْتُهُ وَهُوَ وَاضِحٌ وَالْكَلَامُ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى نَحْوِ شَاةٍ أَوْ سُبُعِ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَمَّا لَوْ ذَبَحَ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً عَنْ سَبْعَةِ أَسْبَابٍ مِنْهَا ضَحِيَّةٌ وَعَقِيقَةٌ وَالْبَاقِي كَفَّارَاتٌ فِي نَحْوِ الْحَلْقِ فِي النُّسُكِ فَيُجْزِي ذَلِكَ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ التَّدَاخُلِ فِي شَيْءٍ لِأَنَّ كُلَّ سُبُعٍ يَقَعُ مُجْزِيًا عَمَّا نُوِيَ بِهِ وَفِي شَرْحِ الْعُبَابِ لَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدَانِ وَلَوْ فِي بَطْنٍ وَاحِدَةٍ فَذَبَحَ عَنْهُمَا شَاةً لَمْ يَتَأَدَّ بِهَا.
أَصْلُ السُّنَّةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ.
وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُجْزِي التَّدَاخُلُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى لِأَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فَأَوْلَى مَعَ اخْتِلَافِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
[بَابُ الْعَقِيقَةِ]
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ مَا حُكْمُ حَلْقِ مَا تَحْتَ الذَّقَنِ.
(فَأَجَابَ) ﵀ ﵎ بِقَوْلِهِ حَلْقُ مَا تَحْتَ الْحَلْقِ مِنْ اللِّحْيَةِ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَعِبَارَتُهُ قَالَ الْغَزَالِيُّ تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ فِي اللِّحْيَةِ وَالنَّقْصُ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي شَعْرِ الْعِذَارَيْنِ مِنْ شَعْرِ الصُّدْغَيْنِ إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ وَيَنْزِلُ فَيَحْلِقُ بَعْضَ الْعِذَارَيْنِ قَالَ كَذَلِكَ جَانِبَيْ الْعَنْفَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يُغَيِّرُ شَيْئًا وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵀ ﵎ لَا بَأْسَ بِحَلْقِ مَا تَحْتَ حَلْقِهِ مِنْ لِحْيَتِهِ وَلَا بِنَقْصِ مَا زَادَ عَنْهَا عَلَى قَبْضَةِ الْيَدِ وَيُرْوَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمْ وَطَاوُسٍ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا هُوَ الصَّحِيحُ انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَهِيَ صَرِيحَةٌ كَمَا تَرَى فِي كَرَاهَةِ حَلْقِ مَا تَحْتَ الْحَلْقِ مِنْ اللِّحْيَةِ بِخِلَافِ مَا تَحْتَ الْحَلْقِ مِنْ غَيْرِ اللِّحْيَةِ كَالشَّعْرِ النَّابِتِ عَلَى الْحُلْقُومِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ حَلْقُهُ كَمَا أَفْهَمَهُ تَقْيِيدُ النَّوَوِيِّ كَالْغَزَالِيِّ بِقَوْلِهِمَا مِنْ اللِّحْيَةِ لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَبْلَ ذَلِكَ
وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ إذَا طَالَا فَلَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا لِأَصْحَابِنَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ فَكُرِهَ وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ وَكَانَ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
стр. 1198
يَفْعَلُهُ وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. اهـ. فَقَضِيَّةُ تَعْلِيلِهِ مَا بَحَثَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ بِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ كَرَاهَةُ حَلْقِ مَا تَحْتَ اللِّحْيَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ التَّغْيِيرَ فِي الْحَاجِبِينَ لِمَزِيدِ ظُهُورِهِمَا وَوُقُوعِ الْمُوَاجِهَةِ بِهِمَا أَقْبَحُ مِنْهُ فِي حَلْقِ مَا تَحْتَ الْحَلْقِ مِنْ غَيْرِ اللِّحْيَةِ فَلِذَا كُرِهَ الْأَخْذُ مِنْ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ وَلَمْ يُكْرَهْ حَلْقَ مَا تَحْتَ الْحَلْقِ مِنْ غَيْرِ اللِّحْيَةِ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ مَا حُكْمُ حِنَّاءِ يَدَيْ الرَّجُلِ وَرِجْلَيْهِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ حُكْمُ حِنَّاءِ يَدَيْ الرَّجُلِ وَرِجْلَيْهِ أَنَّهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ حَرَامٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ وَقَدْ لَعَنَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ» وَبِهَذَا يُرَدُّ عَلَى مَنْ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ مَا حُكْمُ الْمُكَاتَبَاتِ بِجَمَالِ الدِّينِ وَتَقِيِّ الدِّينِ وَنُورِ الدِّينِ إذَا كَانَ الْمُلَقَّبُ بِذَلِكَ فَاسِقًا اُبْسُطُوا الْجَوَابَ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ لَا حَرَجَ فِي الْمُكَاتَبَاتِ بِنَحْوِ جَمَالِ الدِّينِ وَتَقِيِّ الدِّينِ وَلَوْ لِفَاسِقٍ اُشْتُهِرَ بِالتَّلَقُّبِ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِاللَّقَبِ حِينَئِذٍ مُجَرَّدُ التَّعْرِيفِ لَا حَقِيقَةُ مَدْلُولِهِ لِأَنَّ تِلْكَ لَا يُلَاحِظُهَا إلَّا وَاضِعُ ذَلِكَ اللَّقَبِ وَأَمَّا بَعْدَ الْوَضْعِ فَلَيْسَ الْقَصْدُ بِهِ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ وَضَعَ ابْتِدَاءً لِفَاسِقِ التَّلْقِيبِ بِنَحْوِ تَقِيِّ الدِّينِ حَرُمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُجَرَّدَ التَّعْرِيفِ دُونَ حَقِيقَةِ مَدْلُولِهِ فَحِينَئِذٍ لَا حُرْمَةَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلْ تُسْتَحَبُّ الْعَقِيقَةُ عَنْ السِّقْطِ مُطْلَقًا أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْ ظَهَرْت فِيهِ أَمَارَةُ التَّخَلُّقِ مِنْ تَخْطِيطٍ وَغَيْرِهِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ الْعَقِيقَةَ إنَّمَا تُسَنُّ عَنْ سُقْطٍ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ كَمَا جَرَيْتُ عَلَيْهِ فِي شَرْحَيْ الْإِرْشَادِ وَالْعُبَابِ تَبَعًا لِلزَّرْكَشِيِّ وَأَمَّا مَا لَمْ تُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ فَهُوَ جَمَادٌ لَا يُبْعَثُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَلَا تُسَنُّ لَهُ عَقِيقَةٌ بِخِلَافِ مَا نُفِخَتْ فِيهِ فَإِنَّهُ حَيٌّ يُبْعَثُ فِي الْآخِرَةِ وَيُنْتَفَعُ بِشَفَاعَتِهِ وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ مَنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْ وَلَدِهِ لَا يَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَفْهَمَ مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْعَقِيقَةَ تَابِعَةٌ لِلْوَلَدِ الَّذِي يَشْفَعُ وَهُوَ مَنْ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ فَكَذَلِكَ يُقَيَّدُ نَدْبُهَا بِمَنْ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ هَلْ الْعِبْرَةُ فِي الْعَقِيقَةِ بِبَلَدِ الْوَلَدِ أَوْ الْعَاقِّ عَنْهُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ تُعْتَبَرَ بِبَلَدِ الْوَلَدِ تَخْرِيجًا عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ رَأَيْت مَا يُؤَيِّدُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْبُلْقِينِيُّ وَيَعُقُّ الْكَافِرُ عَنْ وَلَدِهِ الْمُسْلِمِ كَفِطْرَتِهِ قُلْتُهُ تَخْرِيجًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِبَلَدِ الْعَاقِّ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِهَا وَيُفَارِقُ الزَّكَاةَ بِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ فَكَانَتْ أَعْنِي بَلَدَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ مُلْتَفَتًا إلَيْهَا دُونَ بَلَدِ الْمُؤَدِّي فَاخْتُصَّتْ بِبَلَدِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ.
وَأَمَّا الْعَقِيقَةُ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُوبِهَا وَاخْتِصَاصِهَا بِأَصْنَافِ الزَّكَاةِ فَالْأَعْيَنُ لَا تَطَلُّعُ إلَيْهَا فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا بَلَدُ الْوَلَدِ بَلْ الْعَاقُّ لِأَنَّ الْأَعْيَنَ إنْ فُرِضَ أَنَّ لَهَا نَوْعَ تَطَلُّعٍ فَإِنَّمَا تَطْلُعُ لِبَلَدِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يُنْظَرْ لِهَذَا الْفَرْقِ فِي مَسْأَلَةِ الْبُلْقِينِيُّ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى التَّخَرُّجِ فِيهَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمُوَاسَاةُ لَلْمُسْتَحِقِّينَ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ عَدَمِهِ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَدَمُ إيجَابِ شَيْءٍ بِالْكُلِّيَّةِ وَأَمَّا هُنَا فَالسُّنِّيَّةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا التَّرَدُّدُ فِي أَيِّ الْمَحَالِّ أَوْلَى بِالْإِخْرَاجِ وَبَلَدُ الْعَاقِّ أَوْلَى بِهِ لِلْمَعْنَى الَّذِي قَرَّرْنَاهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ أَوْ أَرْسَلَ إلَى بَلَدِ الْوَلَدِ وَفُعِلَتْ فِيهَا أَجْزَأَتْ ثُمَّ إذَا بَلَغَتْهُ بَعْدَ مُضِيِّ يَوْمِ السَّابِعِ مِنْ الْوِلَادَةِ فَهَلْ الْأَفْضَلُ فِعْلُهَا عَقِبَ بُلُوغِ الْخَبَرِ أَوْ يَوْمَ السَّابِعِ مِنْهُ أَوْ الثَّالِثِ.
كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ وَيُقَاسُ بِالْعَقِيقَةِ فِيمَا مَرَّ الْأُضْحِيَّةُ وَالْوَلِيمَةُ بِأَنْوَاعِهَا الَّتِي ذَكَرُوهَا فَالْعِبْرَةُ فِيهِمَا عَلَى الْأَقْرَبِ بِبَلَدِ الْمُضَحِّي وَالْمُولِمِ زَوْجًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ إلَى قَوْلِهِ ﵎ ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] يَوْمَ يَعُقُّ عَنْ الْمَوْلُودِ هَلْ لِذَلِكَ أَصْلُ خَبَرٍ أَوْ أَثَرٍ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ لَا أَعْلَمُ لِذَلِكَ أَصْلًا خَبَرًا وَلَا أَثَرًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ مُبْتَدَعَاتِ الْعَوَامّ الْجَهَلَةِ الطَّغَامِ فَيَنْبَغِي
стр. 1199
الِانْكِفَافُ عَنْهُ وَتَحْذِيرُ النَّاسِ مِنْهُ مَا أَمْكَنَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَنْ حُكْمِ خَضْبِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِالْحِنَّاءِ لِلرِّجَالِ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ صَنَّفَ مُصَنَّفًا فِي تَحْرِيمِهِ عَلَى الرِّجَالِ وَتَحْرِيمُهُ مَشْهُورٌ فِي كِبَارِ الْمُصَنَّفَاتِ وَصِغَارِهَا وَبَعْضُهُمْ صَنَّفَ مُصَنَّفًا فِي إبَاحَتِهِ لَهُمْ وَبَسَطَ فِيهِ وَقَالَ إنَّ الرَّافِعِيَّ وَالنَّوَوِيَّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ﵎ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَا لِمَنْ بَعْدَهُمَا حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي تَحْرِيمِهِ فَتَفَضَّلُوا بِإِيضَاحِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ وَهَلْ أَحَدٌ سَبَقَ الْعِجْلِيّ إلَى الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ قَدْ وَصَلَ إلَيْنَا بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةَ هَذَا الْمُؤَلَّفُ الثَّانِي فَرَأَيْته مُشْتَمِلًا عَلَى عَجَائِبِ الْغَلَطِ وَغَرَائِبِ الشَّطَطِ وَبَدَائِعِ الِافْتِرَاءِ وَقَبَائِحِ الْجِدَالِ وَالْمِرَاءِ وَادِّعَاءِ الِاجْتِهَادِ وَالتَّصْمِيمِ عَلَى الْخَطَإِ وَالْعِنَادِ وَالتَّشْنِيعِ الْقَبِيحِ عَلَى أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَرَمْيِهِمْ بِالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ وَزَعَمَ أَنَّهُمْ تُوَالَوْا عَلَى الْخَطَإِ مِئِينَ مِنْ السِّنِينَ فَلِذَلِكَ شَمَّرْت لَهُ سَاعِدَ الْهَتْكِ وَأَهْوَيْته مَكَانًا سَحِيقًا مِنْ أَوْدِيَةِ الْهَلَاكِ وَالشَّكِّ وَأَلَّفْت فِي رَدِّ جَمِيعِ مُخْتَرَعَاتِهِ الْفَاسِدَةِ وَبِضَاعَتِهِ الْكَاسِدَةِ تَأْلِيفًا شَرِيفًا فِي فَنِّهِ حَافِلًا وَكِتَابًا مُنِيفًا رَافِلًا مُؤَيَّدًا بِالدَّلَائِلِ الْقَوَاطِعِ وَالْبَرَاهِينِ السَّوَاطِعِ فَسَيَّفَ ذَلِكَ الْمُعَانِدَ فِي مُعَارَكَةِ الْمَقَامِعِ وَقَطَعَ مِنْهُ أَعْنَاقَ الْأَعْنَاقِ وَمَطَايَا الْمَطَامِعِ وَأَلْجَأَهُ إلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ وَأَوْعَرِ الْمَسَالِكِ وَأَنْبَأَهُ بِمَا حَوَاهُ تَأْلِيفُهُ مِنْ الْخُرَافَاتِ الْحَوَالِكِ كَمَا أَنْبَأَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَسْمُهُ وَعِلْمُهُ وَاسْمُهُ إذْ هُوَ شَنَّ الْغَارَةَ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ مَعَرَّةَ تَقَوُّلِهِ فِي الْحِنَّاءِ وَعَوَارَهُ، وَحَاصِلُ بَعْضِهِ الْمُتَعَلِّقُ بِالسُّؤَالِ وَالْمُزِيلُ لِلْإِشْكَالِ أَنَّ تَحْرِيمَ الْحِنَّاءِ عَلَى الرِّجَالِ بِلَا ضَرُورَةٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَالنُّصُوصُ الصَّرِيحَةُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ - وَجَعَلَ جَنَّاتِ الْمَعَارِفِ مُتَقَلَّبَهُ وَمَثْوَاهُ صَرِيحًا وَاسْتِنْبَاطًا وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ مُجَانِبِينَ تَفْرِيطًا وَإِفْرَاطًا.
فَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ ﵀ ﵎ وَهُوَ الثِّقَةُ الْعَدْلُ فِي أَجَلِّ كُتُبِهِ وَأَعْلَاهَا وَهُوَ شَرْحُ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - نَصَّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ عَلَى تَحْرِيمِ الْحِنَّاءِ لِلرِّجَالِ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ ﵏ ﵎ وَهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ قَاطِعٌ لِلنِّزَاعِ وَمُظْهِرٌ لِخَطَإِ الْمُعْتَرِضِينَ وَإِنَّهُمْ وَقَعُوا فِي هُوَّةِ مُقَابَلَةِ النُّصُوصِ بِالسِّبَاقِ مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ وَتَأَمُّلٍ إلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الِانْقِيَادِ وَالْمُبَادَرَةِ بِالدِّفَاعِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا لِنَصِّ إمَامِهِمْ الَّذِي عَلَيْهِ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ وَأَنْ يَعْتَرِفُوا بِأَنَّ تَحْرِيمَهُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي قَرَّ فِي نِصَابِهِ وَأَنَّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْحِلِّ بَانَ خَطَلُهُ وَانْحِرَافُهُ وَزَلَلُهُ فَإِنْ تَمَادَوْا عَلَى الْعِنَادِ آبُوا بِخِزْيٍ عَظِيمٍ يَوْمَ التَّنَادِ أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ وَأَعَاذَنَا مِنْ جَمِيعِ الْمَهَالِك بِمَنِّهِ وَكَرْمِهِ آمِينَ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ الْيُسْرَى لَهَا أَصْلٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ نَعَمْ لَهَا أَصْلٌ رَوَاهُ رَزِينٌ فِي مُسْنَدِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَنْ حَدِيثِ «خَيْرِ الْأَسْمَاءِ مَا عُبِّدَ وَمَا حُمِّدَ» هَلْ لَهُ أَصْلٌ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ لَمْ أَرَ هَذَا اللَّفْظَ حَدِيثًا وَإِنَّمَا الَّذِي فِي الْحَدِيثِ أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللَّهِ ﵎ مَا تَعَبَّدَ لَهُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ يَجُوزُ التَّسْمِيَةُ بِعَبْدِ النَّبِيِّ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ حُرْمَةُ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ بَلْ نَقَلَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ فَقَالَ وَمَنَعَ الْأَكْثَرُونَ التَّسْمِيَةَ بِعَبْدِ النَّبِيِّ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ هَلْ وَرَدَ فِي تَسْرِيحِ اللِّحْيَةِ وَالْقِرَاءَةِ عِنْدَهُ شَيْءٌ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيّ «كَانَ ﷺ يُكْثِرُ الْقِنَاعَ يَعْنِي التَّطْلِيسَ وَيُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ وَيُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ بِالْمَاءِ» وَالتِّرْمِذِيُّ كَانَ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ وَالْخَطِيبُ كَانَ يُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ بِالْمُشْطِ وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ عِنْدَ تَسْرِيحِهَا فَلَمْ يَرِدْ فِيهَا حَدِيثٌ وَلَا أَثَرٌ قَالَهُ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ حَدِيثِ «دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَقَالَ أَلَسْت مُسْلِمًا قَالَ بَلَى قَالَ فَاخْتَضِبْ» مَنْ أَخْرَجَهُ.
فَأَجَابَ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ سَرَّحَ
стр. 1200
لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ عُوفِيَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ مَنْ رَوَاهُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ رَوَاهُ أَبُو تَمَّامٍ فِي فَوَائِدِهِ وَفِيهِ مَنْ حَسَّنَهُ بَعْضُهُمْ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ حِبَّانَ لَكِنْ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ إنَّهُ مُنْكَرٌ بِمَرَّةٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَعَدَّهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا لَفْظُهُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ» مَنْ أَخْرَجَهُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَنْ حَدِيثِ «مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ خِفَّةُ لِحْيَتِهِ» مَنْ رَوَاهُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْخَطِيبُ وَضَعَّفَهُ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَقِيلَ إنَّ فِيهِ تَصْحِيفًا وَإِنَّمَا هُوَ خِفَّةُ لَحْيَيْهِ بِذِكْرِ اللَّهِ حَكَاهُ الْخَطِيبُ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَنْ حَدِيثِ «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا حُبًّا لِي وَتَبَرُّكًا كَانَ هُوَ وَمَوْلُودُهُ فِي الْجَنَّةِ» مَنْ رَوَاهُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ وَسَنَدُهُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الْحَسَنِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ خَبَرِ «إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ عِبَادَتُهُمْ كُلُّ دَارٍ فِيهَا اسْمُ مُحَمَّدٍ» هَلْ هُوَ ثَابِتٌ وَمَا مَعْنَاهُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الشِّفَاءِ وَمَعْنَاهُ عِبَادَتُهُمْ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ حِفْظُ أَوْ رُؤْيَةُ كُلِّ دَارٍ فِيهَا ذَلِكَ الِاسْمُ الشَّرِيفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْأَطْعِمَةِ]
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ مُسِخَ آدَمِيٌّ بَقَرَةً مَثَلًا فَهَلْ يَحِلُّ أَكْلُهُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ يَحِلُّ وَقَضِيَّةُ مَذْهَبِنَا خِلَافَهُ وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ «أَنَّهُ ﷺ نَزَلَ بِأَرْضٍ كَثِيرَةِ الضَّبَابِ فَطَبَخُوا مِنْهَا فَقَالَ ﷺ إنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مُسِخْت دَوَابَّ فَأَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ فَأَكْفِئُوهَا» وَجَمَعَ بَيْنَ هَذَا وَإِذْنِهِ فِي الْأَكْلِ مِنْهُ بِحَمْلِ ذَاكَ عَلَى أَوَّلِ الْأَمْرِ حِينَ تَجْوِيزِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَمْسُوخِ فَحِينَئِذٍ أَمَرَ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ وَتَوَقَّفَ وَلَمْ يَأْمُرْ وَلَمْ يَنْهَ فِيهَا بِشَيْءٍ وَحُمِلَ الْإِذْنُ عَلَى عِلْمِهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمَمْسُوخِ وَكَرَاهِيَتُهُ لَهُ إنَّمَا كَانَتْ تَقَذُّرًا وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِمَنْ يَتَقَذَّرُهُ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْعُبَابِ إنَّهُ قَالَ الْحِلُّ بَعِيدٌ فِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ عَمَلًا بِأَصْلِ الذَّاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَعَنْهُ أَنَّهُ بَحَثَ الْحِلَّ فِي مَسْخِ حَلَالٍ مُحَرَّمًا عَمَلًا بِالْأَصْلِ وَنَظَرَ فِيهِ بِأَنَّ صُورَتَهُ صُورَةُ مُحَرَّمٍ فَكَيْفَ يُنْظَرُ إلَى أَصْلِهِ وَتَغْلِيبُهُمْ التَّحْرِيمِ فِي الْمُتَوَلِّي بَيْنَ حَرَامٍ وَحَلَالٍ يُؤَيِّدُ الْحُرْمَةَ وَأَخَذَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ طَعَامًا فَقَلَبَهُ وَلِيٌّ دَمًا ثُمَّ عَادَ إلَى حَالِهِ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ احْتِرَامًا لِمَالِ الْغَيْرِ قِيلَ وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ لَوْ قُتِلَ الْوَلِيُّ بِحَالِهِ لَا يُقْتَلُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ هُنَا بِقَلْبِهِ دَمًا مَثَلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ اُبْتُلِيَ بِأَكْلٍ نَحْوِ الْأَفْيُونِ وَصَارَ إلَّا لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ هَلَكَ هَلْ يُبَاحُ لَهُ حِينَئِذٍ أَكْلُهُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) عَفَا اللَّهُ ﵎ عَنْهُ بِقَوْلِهِ إذَا عَلِمَ عِلْمًا قَطْعِيًّا بِقَوْلِ الْأَطِبَّاءِ أَوْ التَّجْرِبَةِ الصَّحِيحَةِ الصَّادِقَةِ أَنَّهُ لَا دَافِعَ لِخَشْيَةِ هَلَاكِهِ إلَّا أَكْلُهُ مِنْ نَحْوِ الْأَفْيُونِ الْقَدْرَ الَّذِي اعْتَادَهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ حَلَّ لَهُ أَكْلُهُ بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ فِي بَقَاءِ رُوحِهِ فَهُوَ حِينَئِذٍ كَالْمَيْتَةِ فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ إلَيْهَا بِخُصُوصِهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مَعَ وُضُوحِهِ نَعَمْ أَشَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ إلَى شَيْءٍ حَسَنٍ يَتَعَيَّنُ اعْتِمَادُهُ وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مُتَعَاطِي ذَلِكَ السَّعْيُ فِي قَطْعِهِ بِالتَّدْرِيجِ بِأَنْ يُقَلِّلَ مِمَّا اعْتَادَهُ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرَ سِمْسِمَةٍ فَإِنَّ نَقْصَهَا لَا يَضُرُّهُ قَطْعًا فَإِذَا اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَمْضِ إلَّا مُدَّةٌ قَلِيلَةٌ وَقَدْ زَالَ تَوَلُّعُ الْمَعِدَةِ بِهِ وَنَسِيَتْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَشْعُرَ وَلَا تُسْتَضَرَّ لِفَقْدِهِ.
فَبِهَذَا أَمْكَنَ زَوَالُهُ وَقَطْعُهُ فَهُوَ وَسِيلَةٌ إلَى إزَالَةِ ذَلِكَ الْمُحَرَّمِ فِي ذَاتِهِ وَإِنْ وَجَبَ تَعَاطِيهِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لِعَارِضٍ لَا يُنَافِي الْحُرْمَةَ الذَّاتِيَّةَ كَمَا أَنَّ تَنَاوُلَ الْمُضْطَرِّ لِلْمَيْتَةِ وَاجِبٌ فِي حَقِّهِ لِعُرُوضِ الِاضْطِرَارِ مَعَ بَقَائِهَا فِي حَدِّ ذَاتِهَا عَلَى وَصْفِ الْحُرْمَةِ الذَّاتِيِّ لَهَا وَمَا كَانَ وَسِيلَةً إلَى إزَالَةِ الْمُحَرَّمِ يَكُونُ وَاجِبًا فَوَجَبَ فِعْلُ هَذَا التَّدْرِيجِ وَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَهُوَ عَاصٍ آثِمٌ فَاسِقٌ مَرْدُودُ
стр. 1201
الشَّهَادَةِ وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي دَوَامِ تَعَاطِيهِ.
إنْ أَوْجَبْنَاهُ عَلَيْهِ فِي الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ لِبَقَاءِ رُوحِهِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّ كَثِيرِينَ مِنْ الْمَخْذُولِينَ بِالِابْتِلَاءِ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ الْقَبِيحَةِ الشَّنِيعَةِ يَتَمَسَّكُونَ بِدَوَامِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَقْتِ وَالْمَسْخِ الْمَعْنَوِيِّ بِأَنَّهُمْ نُشِّئُوا فِيهِ وَتَمَكَّنَ مِنْهُمْ فَصَارَ تَعَاطِيهِ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ وَجَوَابُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَلَامٌ حَقٌّ أُرِيدَ بِهِ بَاطِلٌ لِأَنَّا نَقُولُ لَهُمْ لَئِنْ سَلَّمْنَا لَكُمْ مَا قُلْتُمُوهُ هُوَ لَا يَمْنَعُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكُمْ السَّعْيُ فِي قَطْعِهِ وَزَوَالِ ضَرَرِهِ وَمَسْخِهِ لِأَبْدَانِكُمْ وَأَدْيَانِكُمْ وَعُقُولِكُمْ وَمَحْصُولِكُمْ وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ يُمْكِنُ قَطْعُ الْأَفْيُونِ فِي سَبْعَةِ أَيَّامٍ بِدَوَاءٍ بَرَّهُ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ بَلْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ الصُّلَحَاءُ إنَّهُ كَانَ مُبْتَلًى مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِمِقْدَارٍ كَثِيرٍ فَسَاءَهُ حَالُهُ وَتَعَطَّلَ عَلَيْهِ عَقْلُهُ وَأَدْرَكَ أَنَّهُ الْمَسْخُ الْأَكْبَرُ وَالْقَاتِلُ الْأَكْبَرُ وَالْمُزِيلُ لِكُلِّ أَنَفَةٍ وَمُرُوءَةٍ وَأَدَبٍ وَرِيَاسَةٍ وَالْمُحَصِّلُ لِكُلِّ ذِلَّةٍ وَرَذِيلَةٍ وَبِذْلَةٍ وَرَثَاثَةٍ وَخَسَاسَةٍ قَالَ فَذَهَبْت إلَى الْمُلْتَزَمِ الشَّرِيفِ وَابْتَهَلْت إلَى اللَّهِ بِقَلْبٍ حَزِينٍ وَدُمُوعٍ وَأَنِينٍ وَحُرْقَةٍ صَادِقَةٍ وَتَوْبَةٍ نَاصِحَةٍ وَسَأَلْت اللَّهَ ﵎ أَنْ يَمْنَعَ ضَرَرَ فَقْدِهِ عَنِّي ثُمَّ ذَهَبْت إلَى زَمْزَمَ وَشَرِبْت مِنْهَا بِنِيَّةِ تَرْكِهِ وَكِفَايَةِ ضَرَرِ فَقْدِهِ فَلَمْ أَعُدْ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ أَجِدْ لِفَقْدِهِ ضَرَرًا بِوَجْهٍ مُطْلَقًا. اهـ. وَصَدَقَ فِي ذَلِكَ وَبَرَّ فَإِنَّ شَغَفَ النُّفُوسِ عِنْدَ فَقْدِهِ وَظُهُورِ عَلَامَاتِ الضَّرَرِ عَلَيْهَا إنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ خُلُوصِ نَبَاتِهَا وَفَسَادِ طَوِيَّاتِهَا وَبَقَاءِ كَمِينِ تَشَوُّفِهَا إلَيْهِ وَتَعْوِيلِهَا عَلَيْهِ فَلَمْ تَجِدْ حِينَئِذٍ مَا يَسُدُّ مَحَلَّهُ مِنْ الْكَبِدِ فَيَعْظُمُ ضَرَرُ فَقْدِهِ حِينَئِذٍ وَأَمَّا مَنْ عَزَمَ عَزْمًا صَادِقًا عَلَى تَرْكِهِ وَتَوَسَّلَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِصِدْقِ نِيَّةٍ وَإِخْلَاصِ طَوِيَّةٍ فَلَا يَجِدُ لِتَرْكِهِ أَلَمًا بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ ابْتِلَاعِ قُمُوعِ النَّبْقِ وَهُوَ الْكَيْنُ هَلْ يَحِلُّ إذْ لَيْسَ بِضَارٍ وَلَا قَذِرٍ أَمْ لَا وَكَذَلِكَ النَّوَى مَعَ التَّمْرِ هَلْ يَحِلُّ ابْتِلَاعُهُ مَعَهُ أَيْضًا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إنَّ ابْتِلَاعَ نَوًى نَحْوُ التَّمْرِ أَوْ النَّبْقِ جَائِزٌ حَيْثُ لَا ضَرَرَ فِيهِ بِخِلَافِ نَحْوِ التُّرَابِ فَإِنَّهُ مُضِرٌّ غَالِبًا فَيَحْرُمُ مُطْلَقًا وَإِذَا جَازَ أَكْلُ دُودِ نَحْوِ الْفَاكِهَةِ وَالْجُبْنِ الْمَيِّتِ فِيهِ مَعَهُ وَإِنْ سَهُلَ تَمْيِيزُهُ كَمَا قَالُوهُ خِلَافًا لِمَنْ غَلِطَ فِيهِ فَأَوْلَى هَذَا وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ مَا يَشُقُّ تَمْيِيزُهُ بِخِلَافِ ذَاكَ لِأَنَّ نَوَى بَعْضِ الْفَاكِهَةِ قَدْ يَشُقُّ تَمْيِيزُهُ فَهُوَ مِثْلُهُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ فَإِنْ قُلْت صَرَّحُوا بِحُرْمَةِ أَكْلِ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ فَمَا الْفَرْقُ قُلْت الْفَرْقُ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ بِالِانْدِبَاغِ انْتَقَلَ إلَى طَبْعِ الثِّيَابِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ جِنْسِ الْمَأْكُولِ وَلَا مِنْ تَوَابِعِهِ بِوَجْهٍ بِخِلَافِ النَّوَى فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْمَأْكُولِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُعْلَفُ بِهِ الدَّوَابُّ وَمِنْ تَوَابِعِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ النَّوَى لَهُ خُصُوصِيَّاتٌ نَافِعَةٌ كَمَا قَالَهُ الْأَطِبَّاءُ فَاتَّجَهَ أَنَّهُ حَيْثُ عُلِمَ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِلَاعُهُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الصَّدَفِ الْمَوْجُودِ فِي مِلِيبَارَ هَلْ يَحِلُّ أَكْلُهُ أَوْ لَا وَفِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْكَبِيرُ يَكُونُ مِثْلَ صَدَفِ اللُّؤْلُؤِ وَالصَّغِيرُ يَكُونُ مُدَوَّرًا وَهَلْ هُوَ الدَّنِيلِسُ أَوْ حُكْمُهُ حُكْمُهُ وَفِي لَحْمِهِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ السَّرَطَانُ الصَّغِيرُ هَلْ يَجُوزُ أَكْلُهُ مَعَهُ أَوْ لَا إذَا طُبِخَ مَعَهُ وَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الدُّودِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ الْمَأْكُولِ أَوْ لَا وَفِي لَحْمِهِ سَوَادٌ يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ إنَّهُ خَرْؤُهُ هَلْ يَجُوزُ أَكْلُهُ مَعَهُ أَوْ لَا.
وَهَلْ السَّرَطَانُ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ يَسْتَدْعِي تَحْرِيرَ الْحُكْمِ فِي حَيَوَانِ الْبَحْرِ وَاَلَّذِي فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا أَنَّهُ حَلَالٌ إلَّا مَا يَعِيشُ مِنْهُ فِي الْبَرِّ بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ عَيْشُهُ غَيْرَ عَيْشِ مَذْبُوحٍ وَإِلَّا الضُّفْدَعَ وَالتِّمْسَاحَ وَالسَّرَطَانَ وَالسُّلَحْفَاةَ وَكَذَا النِّسْنَاسَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ رَجَّحَهُ غَيْرُهُمَا وَاَلَّذِي فِي الْمَجْمُوعِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ قُلْت الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْبَحْرِ تَحِلُّ مَيْتَتُهُ إلَّا الضُّفْدَعَ.
وَيُحْمَلُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ أَوْ بَعْضُهُمْ مِنْ السُّلَحْفَاةِ وَالْحَيَّةِ وَالنِّسْنَاسِ عَلَى غَيْرِ مَا فِي الْبَحْرِ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ يَحِلُّ عِنْدَنَا كَجَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمْ كُلُّ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ غَيْرَ الضُّفْدَعِ. اهـ. فَعَلَى مَا فِي الْمَجْمُوعِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ يَحِلُّ كُلُّ أَنْوَاعِ الصَّدَفِ سَوَاءٌ صَغِيرُهُ وَكَبِيرُهُ وَسَوَاءٌ السَّرَطَانُ والدنيلس وَغَيْرُهُ كَالتِّرْسَةِ
стр. 1202
وَالسُّلَحْفَاةِ إلَّا مَا ثَبَتَ فِيهِ سُمِّيَّةٌ وَعَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ.
وَأَصْلِهَا وَهُوَ الْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ يَحْرُمُ السَّرَطَانُ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الصَّدَفِ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْبِرِّ أَيْضًا وَاخْتَلَفُوا فِي الدَّنِيلِسِ وَهُوَ صَدَفٌ صَغِيرٌ صُورَتُهُ صُورَةُ اللَّوْزِ فِي بَاطِنِهِ لَحْمٌ فِيهِ نُقْطَةٌ سَوْدَاءُ فَأَفْتَى الشَّمْسُ ابْنُ عَدْلَانَ وَعُلَمَاءُ عَصْرِهِ وَغَيْرُهُمْ بِحِلِّهِ قَالُوا لِأَنَّهُ مِنْ طَعَامِ الْبَحْرِ وَلَا يَعِيشُ إلَّا فِيهِ وَأَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِتَحْرِيمِهِ وَقَالَ هَذَا مِمَّا لَا يَرْتَابُ فِيهِ سَلِيمُ الْعَقْلِ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَيْضًا فَمَنْ رَجَّحَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْبَدْرُ الزَّرْكَشِيُّ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ أَصْلُ السَّرَطَانِ لِتَوَلُّدِهِ مِنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَيَوَانِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الصَّدَفِ كَالسُّلَحْفَاةِ. اهـ. وَمِمَّنْ رَجَّحَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَدْلَانَ وَأَهْلُ عَصْرِهِ الْكَمَالُ الدَّمِيرِيُّ فَقَالَ مُتَعَرِّضًا لِرَدِّ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ لَمْ يَأْتِ عَلَى تَحْرِيمِهِ دَلِيلٌ.
وَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ الْإِفْتَاءِ بِتَحْرِيمِ أَكْلِهِ لَمْ يَصِحَّ وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ فُقَهَاءِ عَصْرِنَا بِتَحْرِيمِ أَكْلِهِ وَهَذِهِ عِبَارَةُ مَنْ فَقَدَ نَصَّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ عَلَى أَنَّ حَيَوَانَ الْبَحْرِ الَّذِي لَا يَعِيشُ إلَّا فِيهِ يُؤْكَلُ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» . اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ وَهَذَا لَا يَرُدُّ مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ كَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لِأَنَّ الْآيَةَ وَالْحَدِيثَ مَخْصُوصَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ لَحْمَ السَّرَطَانِ خَبِيثٌ وَهُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الدَّنِيلِسِ كَمَا عَلِمْت نَقْلَهُ عَنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَيَوَانِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ إنَّ الضُّفْدَعَ يَتَوَلَّدُ مِنْ اللَّحْمِ الَّذِي فِي الدَّنِيلِسِ وَالضُّفْدَعُ خَبِيثٌ أَيْضًا فَعَلَى كُلٍّ مِنْ قَوْلَيْ تَوَلُّدُ الضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ مِنْهُ هُوَ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ إلَّا خَبِيثٌ فَلْيَكُنْ خَبِيثًا وَإِذَا ثَبَتَ خُبْثُهُ حَرُمَ بِنَصِّ الْآيَةِ فَالْأَوْلَى لِمَنْ أَرَادَ أَكْلَهُ تَقْلِيدُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمَا - فَإِنَّهُمَا يَرَيَانِ حِلَّ جَمِيعِ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ كَمَا مَرَّ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْهُمَا وَأَهْلُ مِصْرَ يَأْكُلُونَ الدَّنِيلِسَ وَيَبِيعُونَهُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَلَعَلَّهُمْ جَارُونَ عَلَى إفْتَاءِ ابْنِ عَدْلَانَ وَمَنْ عَاصَرَهُ فَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ خُبْثٍ وَإِنَّ تَجَنُّبَ أَكْلِهِ أَوْلَى وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ السَّوَادِ خَرْؤُهُ عَلَى أَنَّ مَا قِبَلَ أَنَّهُ خَرْؤُهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَإِلْحَاقُهُ بِالدُّودِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ الْمَأْكُولِ بَعِيدٌ جِدًّا إذْ لَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ فَإِنَّ عِلَّةَ حِلِّ أَكْلِ الدُّودِ عُسْرُ تَمْيِيزِهِ عَمَّا خَالَطَهُ وَأَمَّا الدَّنِيلِسُ وَنَحْوُهُ فَالْمُحَرِّمُونَ لِذَلِكَ يَحْكُمُونَ عَلَى جَمِيعِ عَيْنِهِ بِالنَّجَاسَةِ وَالتَّحْرِيمِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ خُبْثِهِ فَحِينَئِذٍ هُوَ لَمْ يُخَالِطْ غَيْرَهُ حَتَّى يُعْفَى عَنْهُ وَالسَّرَطَانُ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَأَلْحَقُوهُ بِالضُّفْدَعِ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الدَّمِيرِيِّ إنَّهُ لَا يَتَخَلَّقُ بِتَوَالُدٍ وَنِتَاجٍ إنَّمَا يَتَخَلَّقُ فِي الصَّدَفِ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ التَّوَالُدِ وَالنِّتَاجِ عَدَمُ الدَّمِ لَكِنْ جَرَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الضُّفْدَعَ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً فَيَجْرِي ذَلِكَ فِي السَّرَطَانِ وَمَعَ ذَلِكَ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ ضَعِيفٌ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ هَلْ يَحِلُّ أَكْلُ الْبَطَارِخِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِبَرَكَتِهِ وَعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ نَعَمْ لِأَنَّهُ بَيْضُ السَّمَكِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَلَا يُنَافِيه قَوْلُ الْجَوَاهِرِ وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ سَمَكِ مِلْحٍ وَلَمْ يُنْزَعْ مَا فِي جَوْفِهِ لِأَنَّهُ فِي أَكْلِ السَّمَكَةِ كُلِّهَا مَعَ مَا فِي جَوْفِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْبَطَارِخِ فَإِنَّهُ يُشَقُّ جَوْفُهَا ثُمَّ يُخْرَجُ مِنْهُ لَكِنَّ مَحَلَّ هَذَا إنْ لَمْ يُعْلَمْ مُمَاسَّتُهُ لِنَجَاسَةِ الْجَوْفِ فَإِنْ عَلِمْت وَجَبَ غَسْلُهُ قَبْلَ أَكْلِهِ فَإِطْلَاقُ بَعْضِهِمْ حُرْمَةَ الْبَطَارِخِ اسْتِدْلَالًا بِعِبَارَةِ الْجَوَاهِرِ هَذِهِ غَلَطٌ ثُمَّ عِبَارَتُهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى سَمَكٍ كِبَارٍ لِمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي الصِّغَارِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُهَا قَبْلَ شَقِّ أَجْوَافِهَا لِعُسْرِ تَتَبُّعِ مَا فِيهَا.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الْحِجَامَةِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَالْأَمْرُ بِهَا فِي الْبَعْضِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ نَعَمْ وَرَدَ بَلْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ وَالْأَحَدِ وَالْأَرْبِعَاءِ وَفِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ أَنَّ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ يَوْمُ الدَّمِ وَإِنَّ فِيهِ سَاعَةٌ لَا يَنْقَطِعُ فِيهَا الدَّمُ وَأَنَّهُ يُخْشَى مِنْهَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَالسَّبْتِ الْبَرَصُ وَأَنَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يَحْتَجِمُ فِيهَا أَحَدٌ إلَّا مَاتَ وَصَحَّ الْأَمْرُ بِهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1203
[بَابُ الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ]
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا يَقَعُ بَيْنَ أَهْلِ مِلِيبَارَ مِنْ اللَّعِبِ بِنَحْوِ السُّيُوفِ الْمُحَدَّدَةِ وَالتَّضَارُبِ بِهَا اعْتِمَادًا عَلَى حِرَاسَتِهِمْ بِالتُّرْسِ وَالْغَالِبُ السَّلَامَةُ وَقَدْ يَقَعُ الْجُرْحُ وَقَدْ يَقَعُ الْهَلَاكُ فَهَلْ هُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ التَّمْرِينُ حَتَّى يَنْفَعَ فِي الْحَرْبِ أَوْ لَا لِدُخُولِهِ فِي الْإِشَارَةِ عَلَى مُسْلِمٍ بِالسِّلَاحِ وَحَمْلِهِ عَلَيْهِ وَقَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِذَلِكَ.
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا حَيْثُ قَالُوا يَجُوزُ وَلَوْ بِعِوَضِ الْمُسَابَقَةِ عَلَى التَّرَدُّدِ بِالسُّيُوفِ وَإِدَارَتِهَا وَالرِّمَاحِ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ فِي الْحَرْبِ وَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةٍ وَحِذْقٍ وَيَجُوزُ بِلَا عِوَضٍ الْمُرَامَاةُ بِأَنْ يَرْمِيَ كُلُّ وَاحِدٍ الْحَجَرَ أَوْ السَّهْمَ إلَى الْآخَرِ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ بِعِوَضٍ لِأَنَّهَا لَا تَنْفَعُ فِي الْحَرْبِ. اهـ. فَعُلِمَ مِنْهُ مَا قُلْنَاهُ وَلِأَنَّ التَّرَدُّدَ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ، وَمُرَامَاةِ الْأَحْجَارِ وَالسِّهَامِ قَدْ يَقَعُ فِيهَا جُرْحٌ وَهَلَاكٌ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَنْظُرُوا إلَيْهِ لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ وَكَوْنُهُ نَافِعًا فِي الْحَرْبِ لَيْسَ هُوَ الْعِلَّةَ فِي التَّجْوِيزِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا هُوَ عِلَّةٌ فِي التَّجْوِيزِ بِعِوَضٍ أَلَا تَرَى إلَى تَجْوِيزِهِمْ الْمُرَامَاةَ بِالسِّهَامِ وَالْأَحْجَارِ بِلَا عِوَضٍ مَعَ عَدَمِ نَفْعِهَا فِي الْحَرْبِ.
وَلَيْسَ عِلَّةُ ذَلِكَ إلَّا غَلَبَةَ السَّلَامَةِ فِيهَا فَكَذَا مَا فِي السُّؤَالِ يَجُوزُ لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ فِيهِ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ غَيْرُ نَافِعٍ فِي الْحَرْبِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْإِشَارَةِ عَلَى مُسْلِمٍ بِالسِّلَاحِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لِأَنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ فِي إشَارَةٍ مُخِيفَةٍ أَوْ يَتَوَلَّدُ عَنْهَا الْهَلَاكُ قَرِيبًا غَيْرُ نَادِرٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(سُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَيْفَ عَدَّ الْأَصْحَابُ الرَّمْيَ بِنِيَّةِ الْجِهَادِ سُنَّةٌ مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالْقُوَّةُ مُفَسَّرَةٌ فِي الْأَحَادِيثِ بِالرَّمْيِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ اسْتَنَدُوا فِي ذَلِكَ إمَّا لِقَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ: الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ وَإِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ بَقِيَ الْجَوَازُ الشَّامِلُ لِلنَّدْبِ الدَّالِّ عَلَيْهِ كَثْرَةُ الْأَحَادِيثِ فِي كَثْرَةِ ثَوَابِ الرَّمْيِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ وَإِمَّا احْتِمَالُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِرْشَادِ وَلَا تَرِدُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْإِرْشَادِيَّ لَا ثَوَابَ فِيهِ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ وَإِمَّا بِالنَّظَرِ لِمَا يَقْتَرِنُ بِهِ.
فَقَدْ يَعْظُمُ ثَوَابُهُ بِخِلَافِ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ فَإِنَّ الثَّوَابَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ يَقْتَرِنُ بِهِ وَهَذَا الْفَرْقُ وَإِنْ لَمْ أَرَهُ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُومِئُ إلَيْهِ بَعْضُ الْفُرُوقِ مِنْ الْكَرَاهَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْإِرْشَادِيَّة وَإِمَّا أَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى عُمُومِ مَا الْمُفَسَّرَةِ بِقُوَّةٍ وَذَلِكَ شَامِلٌ لِلرَّمْيِ وَغَيْرِهِ كَالسَّيْفِ وَالسِّلَاحِ وَالْحُصُونِ وَذُكُورِ الْخَيْلِ كَمَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَفْظُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ هِيَ الْقَوْسُ إلَى السَّهْمِ فَمَا دُونَهُ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» فَهُوَ مِنْ بَابِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» كَمَا قَالَهُ مَكْحُولٌ.
وَعَلَى هَذَا فَالْأَمْرُ فِي الْآيَةِ لِلْوُجُوبِ لِأَنَّ التَّهَيُّؤَ لِجِهَادِ الْعَدُوِّ وَالِاسْتِعْدَادَ لِمُلَاقَاتِهِ بِدُخُولِ جَيْشِنَا إلَى دَارِهِ كُلَّ سَنَةٍ أَوْ بِعِمَارَةِ الثُّغُورِ وَنَحْوِهَا حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ سَبِيلٌ إلَى دُخُولِ دَارِنَا وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَحِينَئِذٍ إذَا نَظَرْنَا لِلرَّمْيِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ قُلْنَا إنَّهُ سُنَّةٌ أَوْ مِنْ حَيْثُ دُخُولُهُ تَحْتَ الْأَمْرِ الْمَوْضُوعِ حَقِيقَةً لِلْوُجُوبِ قُلْنَا هُوَ مِنْ بَعْضِ جُزْئِيَّاتِ الْمَفْرُوضِ وَنَظِيرُهُ الْعِتْقُ مَثَلًا فِي الْكَفَّارَةِ الْمُخَيَّرَةِ فَهُوَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَفْضَلُهَا مَنْدُوبٌ وَمِنْ حَيْثُ تَأَدِّي الْوَاجِبِ بِهِ وَاجِبٌ وَلَعَلَّ هَذَا التَّقْرِيرَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الرَّمْيِ أَخْذًا مِنْ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَاجِبٌ لَعَيْنِهِ بَلْ إنَّهُ مِنْ بَابِ إيجَابِ شَيْءٍ لَا بِعَيْنِهِ كَمَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ فِي خَائِفِ الْعَنَتِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعَفُّفُ وَلَا يُقَالُ إنَّ النِّكَاحَ فِي حَقِّهِ وَاجِبٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ وَاجِبٌ لَعَيْنِهِ بَلْ عَلَى مَعْنَى أَنَّ السَّعْيَ فِي الْإِعْفَافِ وَاجِبٌ إمَّا بِالنِّكَاحِ وَإِمَّا بِالتَّسَرِّي فَإِيجَابُ النِّكَاحِ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ إيجَابِ شَيْءٍ لَا بِعَيْنِهِ وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ إذَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ قِيلَ إنَّهُ سُنَّةٌ وَكَذَلِكَ هُنَا الْوَاجِبُ إعْدَادُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْقِتَالِ وَيُدْفَعُ بِهِ الْعَدُوُّ أَمَّا الرَّمْيُ أَوْ غَيْرُهُ وَإِذَا حُكِمَ عَلَى الرَّمْيِ بِعَيْنِهِ قِيلَ إنَّهُ سُنَّةٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ الْأَيْمَانِ]
(وَسُئِلَ) ﵀ عَنْ رَجُلَيْنِ مَرَّ بِهِمَا رَجُلٌ فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا وَلَدُ فُلَانٍ وَحَلَفَ الْآخَرُ أَنَّهُ وَلَدُ فُلَانٍ غَيْرِ الذِّمِّيِّ الَّذِي يَعْنِيهِ صَاحِبُهُ وَهُمَا جَمِيعًا يَظُنَّانِ أَنَّهُمَا عَلَى الصَّوَابِ فَهَلْ يَحْنَثَانِ أَوْ لَا وَهَلْ إذَا
стр. 1204
حَلَفَا يَمِينًا بِالطَّلَاقِ يَحْنَثَانِ أَوْ لَا كَمَا إذَا حَلَفَ ظَانًّا أَنَّهُ صَادِقٌ فَبَانَ خِلَافُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ حَلَفَ لَا يُرَاجِعُ زَوْجَتَهُ فَوَكَّلَ هَلْ يَحْنَثُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَحْنَثُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ حَنِثَ بِعَقْدِ وَكِيلِهِ وَالرَّجْعَةُ وَإِنْ كَانَتْ اسْتِدَامَةً فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ إلَّا أَنَّهُمْ نَزَّلُوا فِعْلَ الْوَكِيلِ فِي بَابِ النِّكَاحِ كَفِعْلِ الْمُوَكِّلِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ حَلَفَ لَا يَخَافُ فُلَانًا فَهَلْ يَحْنَثُ مُطْلَقًا أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبِقَوْلِهِ الْخَوْفُ مِنْ الْأُمُورِ الْقَلْبِيَّةِ الَّتِي لَا اطِّلَاعَ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَيَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِمَا عِنْدَهُ فَإِنْ خَافَهُ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ دَلَّتْ الْقَرَائِنُ عَلَى خَوْفِهِ مِنْهُ إذْ لَا عِبْرَةَ هُنَا بِالْقَرَائِنِ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ فَرْطُ هُجُومٍ وَإِقْدَامٍ فَلَا يَخَافُ مَنْ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ وَنَفَذَتْ كَلِمَتُهُ وَظَهَرَتْ دَوْلَتُهُ وَهَذَا يُشَاهَدُ كَثِيرًا أَعْنِي أَنَّ بَعْضَ مَنْ لَهُمْ قُوَّةُ جَرَاءَةٍ قَدْ يُقْدِمُونَ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْمَهُولَةِ جِدًّا الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْقَتْلِ فَوْرًا عَادَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ خَوْفٌ مِنْهَا وَمِنْ ثَمَّ كَانَتْ الشُّجَاعَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الْمُوَرِّثَةُ لِعَظِيمِ الْإِقْدَامِ أَوْ خَوْضِ الْمَهَالِكِ نِسْيَانَ الْعَوَاقِبِ فَمَنْ نَسِيَ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي كُلِّ مَهْلَكَةٍ وَمَخُوفَةٍ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمِ خَوْفٍ وَلَا فَزَعٍ وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي هَذَا رَدًّا لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ لَوْ قَالَ لَا أَخَافُ وَدَلَّ الْحَالُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ إمَّا بِقُوَّةِ شَوْكَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوْ شِدَّةِ بَأْسِهِ أَوْ فَرْطِ هُجُومِهِ فَالظَّاهِرُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ. اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ ظَاهِرَهُ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا لَفْظُهُ قَالَ السِّرَاجُ الْبُلْقِينِيُّ أَفْضَلُ الصِّيَغِ لِلْحَمْدِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هَلْ هُوَ الْمُعْتَمَدُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ أَفْضَلَ صِيغَةٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ وَلِي فِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى وَدَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَنَّ أَفْضَلَهَا يَا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِك وَعَظِيمِ سُلْطَانِك وَمَا قَالَهُ اخْتِيَارٌ لَهُ بِأَنَّهَا أَوَّلُ كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ وَآخِرُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَلَوْ ضُمَّ إلَيْهَا مَا ذَكَرْتُهُ لِيَصِيرَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ لَزَادَ اتِّضَاحُهُ وَلَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ وَلَدِهِ عَلَمِ الدِّينِ يَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَ مَا قَالَهُ وَمَا قَالُوهُ لِيَصِيرَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ وَعَلَى كُلٍّ فَيَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَ مَا قُلْته وَمَا قَالَهُ وَمَا قَالُوهُ وَهُوَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يُؤَجِّرُ وَلَا يُسَكِّنُ فُلَانًا دَارِهِ فَأَجَّرَهُ الدَّارَ جَاهِلًا الْحَلِفَ أَوْ عَامِدًا فَهَلْ يَحْنَثُ أَوْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ لَا فَهَلْ الْحِيلَةُ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ أَنْ يُرْفَعَ إلَى حَاكِمٍ يَأْمُرُهُ بِالْإِسْكَانِ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِجَارَةِ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟
(فَأَجَابَ) ﵀ بِقَوْلِهِ إذَا أَجَّرَهُ نَاسِيًا الْحَلِفَ لَمْ يَحْنَثْ أَوْ ذَاكِرًا لَهُ حَنِثَ وَجَهْلُ الْحُكْمِ لَيْسَ بِعُذْرٍ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ وَإِذَا لَمْ يَحْنَثْ وَصَحَّ إيجَارُهُ فَرَفَعَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِحَاكِمٍ فَأَلْزَمَهُ بِتَمْكِينِهِ مِنْ السَّكَنِ فَسَكَنَ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ الشَّرْعِيَّ كَالْإِكْرَاهِ الْحِسِّيِّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّهُ لَا يَضْرِبُ زَوْجَتَهُ فَكَالَمَتْهُ ثُمَّ حَذَفَتْهُ بِنَعْلِهَا فَحَذَفَهَا بِنَعْلِهِ فَأَصَابَهَا فَهَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ أَمْ لَا كَمَا مَالَ إلَيْهِ بَعْضُ مَشَايِخِ الْعَصْرِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الضَّرْبِ غَيْرُ حَقِيقَةِ الْحَذْفِ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ اللُّغَوِيِّينَ وَاسْتِعْمَالِ أَهْلِ الْعُرْفِ قَالَ فَكَانَ حَقِيقَةُ الضَّرْبِ صَدْمَ الْمَضْرُوبِ بِالْآلَةِ مَعَ اتِّصَالِهَا بِالضَّارِبِ وَالْمَضْرُوبِ وَفِي الْحَذْفِ يَحْصُلُ الصَّدْمُ بَعْدَ الِانْفِصَالِ عَنْ الْحَاذِفِ فَافْتَرَقَا وَأَوْرَدَ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا الْوَكْزَ بِالضَّرْبِ.
وَالْوَكْزُ فِي الْقَامُوسِ هُوَ الدَّفْعُ وَالطَّعْنُ وَالضَّرْبُ بِجَمْعِ الْكَفِّ وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْوَكْزِ بِمَعْنَى الدَّفْعِ وَالدَّفْعُ لَيْسَ فِيهِ الِاتِّصَالُ الَّذِي شُرِطَ فِي الضَّرْبِ فَلْيَكُنْ الْحَذْفُ مِثْلَهُ أَوْ هُوَ نَوْعٌ مِنْ الدَّفْعِ قُلْت إنَّمَا وَقَعَ الْحِنْثُ بِالْوَكْزِ الَّذِي هُوَ الضَّرْبُ بِجَمْعِ الْكَفِّ لِأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الضَّرْبِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الدَّفْعِ أَنْ يَقَعَ الْحِنْثُ بِالدَّفْعِ وَقَدْ اقْتَصَرَ الْإِسْنَوِيُّ
стр. 1205
عَلَى تَفْسِيرِ الْوَكْزِ بِالضَّرْبِ بِجَمْعِ الْكَفِّ وَلَمْ نَجِدْ تَفْسِيرَهُ بِالدَّفْعِ فِيمَا يَقَعُ بِهِ حِنْثُ الْحَالِفِ عَلَى الضَّرْبِ إلَّا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ زَكَرِيَّا.
وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْرَادِ الضَّرْبِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الدَّفْعِ إذَا سَلَّمْنَا وُقُوعَ الْحِنْثِ بِهِ فِي الصَّدْمِ الْمُعْتَبَرِ فِي حَقِيقَةِ الضَّرْبِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِيمَا يَظْهَرُ فَلَوْ دَفَعَ الشَّخْصُ إنْسَانًا فَأَمَالَهُ وَلَمْ يَصْدِمْ شَيْئًا صَحَّ أَنْ يُقَالَ وَكَزَهُ وَلَا يَقَعُ بِهِ حِنْثٌ أَصْلًا فَظَهَرَ أَنَّ الْوَكْزَ بِهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُرَادٍ فِيمَا يَقَعُ بِهِ الْحِنْثُ. اهـ. كَلَامُهُ فَهَلْ تُوَافِقُونَهُ عَلَى جَمِيعِهِ أَوْ بَعْضِهِ أَوْ تُخَالِفُونَهُ فَمَا سَنَدُ الْمُخَالَفَةِ حَقِّقُوا ذَلِكَ وَابْسُطُوا لَنَا الْقَوْلَ فِيهِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ وَاقِعَةٌ حَالًا وَالسَّائِلُ يَنْتَظِرُ الْجَوَابَ فِيهَا أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ عُرِضَتْ عَلَيَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَأَنَا مَشْغُولٌ بِبَعْضِ الْمُهِمَّاتِ فَتَوَقَّفْتُ فِيهَا وَلَمْ أَجْزِمْ فِيهَا بِشَيْءٍ وَإِنْ كَانَ مَيْلِي إلَى الْحِنْثِ إذَا أَصَابَهَا الْمَحْذُوفُ بِهِ إصَابَةً لَهَا وَقْعٌ مَعَ إيلَامٍ أَوْ عَدَمِهِ بِنَاءً عَلَى التَّنَاقُضِ الشَّهِيرِ فِي التَّعْلِيقِ بِالضَّرْبِ ثُمَّ تَجَاذَبْت الْبَحْثَ فِيهَا مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَشَايِخِ فَلَمْ يَمِيلُوا إلَّا إلَى عَدَمِ الْحِنْثِ لِنَحْوِ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ وَلَمْ يَنْقَدِحْ عِنْدِي غَيْرُ الْحِنْثِ وَاسْتَمَرَّيْت عَلَى ذَلِكَ مَعَ التَّرَدُّدِ فِيهِ أَيَّامًا إلَى أَنْ رَأَيْت مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَاللُّغَوِيِّينَ مَا اقْتَضَى الْجَزْمَ بِالْحِنْثِ وَبَيَانُ ذَلِكَ بِأُمُورٍ وَقَبْلَهَا لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مُقَدِّمَةٍ هِيَ أَنَّ الْأَصْحَابَ إلَّا الْإِمَامَ وَالْغَزَالِيَّ يُقَدِّمُونَ الْوَضْعَ اللُّغَوِيَّ عَلَى الْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ وَفِي ذَلِكَ كَلَامٌ وَتَقْيِيدَاتٌ مَبْسُوطَةٌ فِي مَحَلِّهَا وَقَدْ بَيَّنْت حَاصِلَهَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُشَكُّ أَنَّهُ مِنْ أَكَابِرِ الْعَرَبِ الَّذِينَ يُحْتَجُّ بِكَلَامِهِمْ وَتَثْبُتُ اللُّغَةُ بِقَوْلِهِ وَيُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَرْتَبَتِهِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ سَمَّى الْحَذْفَ ضَرْبًا فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي قِصَّةِ رَجْمِ مَاعِزٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ مَا لَفْظُهُ فَأُخْرِجَ إلَى الْحَرَّة فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ فَرَّ يَشْتَدُّ حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لِحَيِّ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ بِهِ وَضَرَبَهُ النَّاسُ حَتَّى مَاتَ وَاَلَّذِي وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَمِنْ النَّاسِ إنَّمَا هُوَ الرَّجْمُ كَمَا صَحَّ عَنْ جَابِرٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَلَفْظُهُ فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ فَهَذَا جَابِرٌ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُمْ بَعْد الْإِدْرَاكِ هُوَ الرَّجْمُ الْمُوَافِقُ لِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ سَمَّى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ذَلِكَ الرَّجْمَ ضَرْبًا فَهُوَ صَرِيحٌ أَيْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الرَّجْمَ الَّذِي هُوَ الْحَذْفُ يُسَمَّى ضَرْبًا وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَضَرَبَهُ بِهِ وَضَرَبَهُ النَّاسُ فَإِنْ قُلْت يُحْتَمَلُ أَنَّ الصَّادِرَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ إنَّمَا هُوَ الضَّرْبُ وَأَنَّ جَابِرًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هُوَ الَّذِي تَجَوَّزَ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالرَّجْمِ مَجَازًا وَأَنَّ بَعْضَهُمْ ضَرَبَهُ وَبَعْضَهُمْ رَجَمَهُ قُلْت كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ حُجَّةٌ لَنَا عَلَى التَّقْرِيرِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا هُوَ الرَّجْمُ فَانْتِقَالُهُمْ جَمِيعُهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ عَنْهُ إلَى الضَّرْبِ تَصْرِيحٌ مِنْهُمْ بِأَنَّ الرَّجْمَ يَصْدُقُ عَلَى الضَّرْبِ وَإِلَّا لَمْ يَفْهَمُوهُ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْمَجَازِ لَا يُعْدَلُ إلَيْهِ لِاسْتِدْعَائِهِ إلَى قَرِينَةٍ تَصْرِفُهُ عَنْ الْحَقِيقَةِ وَلَا قَرِينَةَ هُنَا فَوَجَبَ إبْقَاءُ كُلٍّ مِنْ لَفْظِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَلَى حَقِيقَتِهِمَا وَظَهَرَ بِذَلِكَ ظُهُورًا لَا يَشُكُّ فِيهِ مُنْصِفٌ أَنَّ الرَّجْمَ الَّذِي هُوَ الْحَذْفُ يُسَمَّى ضَرْبًا وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَذْفَ يُسَمَّى ضَرْبًا لُغَةً كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الَّذِي هُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ أَهْلِ اللِّسَانِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِمْ فِيهِ فَلْيَحْنَثْ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى عَدَمِ الضَّرْبِ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُسَمَّى ضَرْبًا وَحِينَئِذٍ انْدَفَعَ مَا فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّ حَقِيقَةَ الدَّفْعِ غَيْرُ حَقِيقَةِ الضَّرْبِ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ اللُّغَوِيِّينَ
وَانْدَفَعَ تَفْسِيرُ الضَّرْبِ بِأَنَّهُ صَدْمُ الْمَضْرُوبِ بِالْآلَةِ مَعَ اتِّصَالِهَا بِالضَّارِبِ وَالْمَضْرُوبِ وَكَيْفَ يَتَأَتَّى هَذَا التَّفْسِيرُ مَعَ تَسْمِيَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِلرَّجْمِ بِالضَّرْبِ كَمَا عَلِمْت عَلَى أَنَّ عِبَارَةَ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا فِي تَفْسِيرِ الضَّرْبِ يَدْفَعُ ذَلِكَ أَيْضًا فَلْيَكُنْ مِنْك عَلَى ذِكْرٍ الثَّانِي أَنَّ الْأَصْمَعِيَّ مِنْ أَكَابِرِ اللِّسَانِ أَيْضًا فَسَّرَ الْوَكْزَ الَّذِي هُوَ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الضَّرْبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا بِالدَّفْعِ بِالْيَدِ لَا بِغَيْرِهَا وَتَبِعَهُ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ عَلَى ذَلِكَ كَصَاحِبِ الصِّحَاحِ
стр. 1206
وَغَيْرِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الدَّفْعَ يَصْدُقُ بِدَفْعِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَدَفْعِ الْآلَةِ إلَيْهِ وَإِنْ انْفَصَلَتْ عَنْ الدَّافِعِ وَهَذَا هُوَ الْحَذْفُ وَإِذَا صَدَقَ الْوَكْزُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّرْب بِالْحَذْفِ صَدَقَ بِهِ الضَّرْبُ وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ لِلْوَكْزِ بِأَنَّهُ الضَّرْبُ بِجَمْعِ الْكَفِّ فَهُوَ تَفْسِيرٌ قَاصِرٌ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي ذَلِكَ عَلَى تَفْسِيرِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَقَدْ تَقَرَّرَ عَنْهُمْ تَفْسِيرُهُ بِالدَّفْعِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ وَهَذَا مَلْحَظُ شَيْخِنَا خَاتِمَةِ الْمُحَقِّقِينَ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ فِي السُّؤَالِ مِنْ تَفْسِيرِهِ بِالدَّفْعِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ وَإِعْرَاضُهُ عَمَّا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّقْيِيدِ وَبِهَذَا الَّذِي قَرَّرْته انْدَفَعَ مَا فِي السُّؤَالِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مِنْ التَّنْظِيرِ فِي كَلَامِ شَيْخِنَا وَكَيْفَ يُنْظَرُ فِيهِ مَعَ تَصْرِيحِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَتَصْرِيحِ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ بِأَنَّ الْوَضْعَ اللُّغَوِيِّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ وَبِأَنَّ الْوَكْزَ ضَرْبٌ وَإِذَا وَقَعَ اخْتِلَافٌ فِي الْوَكْزِ رَجَعَ فِيهِ لِأَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالْمُقَرَّرُ عِنْدَهُمْ كَمَا عَرَفْت أَنَّهُ يَشْمَلُ الدَّفْعَ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِيَدٍ وَلَا بِغَيْرِهَا فَاتَّضَحَ كَلَامُ الشَّيْخِ وَأَنَّهُ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَا نَظَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ وَأَنَّهُ عَيْنُ كَلَامِ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ وَاللُّغَةِ وَأَنَّ قَوْلَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ لَمْ نَجِدْ تَفْسِيرَهُ بِالدَّفْعِ إلَخْ هُوَ الَّذِي فِيهِ النَّظَرُ الظَّاهِرُ فَتَأَمَّلْهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الدَّفْعِ إلَخْ فَهُوَ بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لَا يُرَدُّ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الشَّيْخِ لِأَنَّ اعْتِبَارَ هَذَا الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ أَخَذَهُ الْفُقَهَاءُ بِنَاءً عَلَى اعْتِمَادِهِ مِنْ قَرِينَةِ الْمَقَامِ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحَلِفِ عَلَى الضَّرْبِ الْإِيذَاءُ وَمِنْ ثَمَّ اشْتَرَطَ الشَّيْخَانِ فِي مَوْضِعٍ كَوْنُهُ مُؤْلِمًا مَعَ أَنَّ الْإِيلَامَ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَةِ الضَّرْبِ اللُّغَوِيِّ وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْإِيلَامَ قَالَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نَوْعِ إيذَاءٍ حَتَّى لَا يَكْفِي ضَرْبُهُ بِأُصْبُعِهِ اتِّفَاقًا فَاشْتِرَاطُهُمْ لِهَذَا الْأَمْرِ الزَّائِدِ عَلَى الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ أَخَذُوهُ مِنْ قَرِينَةِ الْمَقَامِ الدَّالِّ عَلَيْهَا الْحَلِفُ عَلَى الضَّرْبِ عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ اعْتِبَارَ الصَّدْمَ فِي الدَّفْعِ وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَوْعُ إزْعَاجٍ لِلْمَدْفُوعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إيلَامٌ عُرْفًا سَوَاءٌ أَصَدَمَ شَيْئًا أَمْ لَا هَذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ وَتَصَرُّفَاتُهُمْ فَتَأَمَّلْهُ وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الصِّحَاحِ فَسَّرَ الْحَذْفَ بِالضَّرْبِ فِي بَعْضِ الْمَوَادِّ نَحْوَ حَذَفَ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَسَّرَهُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ بِالْقَطْعِ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ فَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْقَطْعِ لَا يَمْنَعُ إطْلَاقَهُ عَلَى الضَّرْبِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ فَضَرَبَهُ بِسَيْفٍ فَقَطَعَ يَدَهُ أَوْ رَقَبَتَهُ حَنِثَ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ الثَّالِثُ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا عَنْ الْإِمَامِ بَعْدَ كَلَامٍ سَاقَاهُ عَنْهُ وَكَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الضَّرْبِ الصَّدْمَ بِمَا يُؤْلِمُ أَوْ يُتَوَقَّعَ مِنْهُ إيلَامٌ وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ الْحِجَازِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الرَّوْضَةِ فَقَالَ وَلَا يَكْفِي إيلَامٌ وَحْدَهُ بِأَنْ وَضَعَ عَلَيْهِ حَجَرًا ثَقِيلًا وَلَا الصَّدْمُ وَحْدَهُ كَبِأُنْمُلَةٍ فَالْمُعْتَبَرُ الصَّدْمُ بِمَا يُؤْلِمُ أَوْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ إيلَامٌ. اهـ.
وَعِبَارَةُ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إيلَامٌ وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ الْأَكْثَرُونَ وَاكْتَفَوْا بِالصَّدْمَةِ الَّتِي يُتَوَقَّعُ مِنْهَا الْإِيلَامُ انْتَهَتْ وَهَذَا كَمَا تَرَى ظَاهِرٌ فِي شُمُولِ الضَّرْبِ لِلرَّمْيِ بِحَجَرٍ أَوْ نَحْوِهِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَدْمٌ بِمَا يُؤْلِمُ أَوْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ إيلَامٌ وَحِينَئِذٍ وَافَقَ كَلَامُ الْفُقَهَاءِ كَلَامَ اللُّغَوِيِّينَ فِي صِدْقِ اسْمِ الضَّرْبِ بِالرَّمْيِ وَالْحَذْفِ فَلَمْ يَبْقَ عُذْرٌ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّ الرَّمْيَ لَا يُسَمَّى ضَرْبًا الرَّابِعُ أَنَّ أَئِمَّتَنَا صَرَّحُوا بِاتِّحَادِ الضَّرْبِ وَالْحَذْفِ حَيْثُ قَالُوا لَوْ زَنَى بِكْرًا ثُمَّ ثَيِّبًا دَخَلَ الْجَلْدُ فِي الرَّجْمِ لِاتِّحَادِ جِنْسِهِمَا أَيْ مِنْ حَيْثُ إطْلَاقُ اسْمِ الضَّرْبِ عَلَيْهِمَا لَا الْحَدَّ وَإِلَّا لَدَخَلَ الْجَلْدُ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ فَعَلِمْنَا أَنَّ مُرَادَهُمْ بِاتِّحَادِ جِنْسِهِمَا مَا قُلْنَاهُ مِنْ شُمُولِ اسْمِ الضَّرْبِ لَهُمَا وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُطْلَقُ عَلَى الْآخَرِ وَأَمَّا مَا تُوُهِّمَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِاتِّحَادِ جِنْسِهِمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُسَمَّى زِنًا فَهُوَ خَيَالٌ بَاطِلٌ إذْ الزِّنَا سَبَبٌ لَا جِنْسٌ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اتِّحَادِ السَّبَبِ اتِّحَادُ الْمُسَبِّبِ وَلَا تَعَدُّدِهِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالْجِنْسِ مَا يَدْخُلَانِ تَحْتَ مُسَمَّاهُ كَمَا هُوَ شَأْنُ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ وَالْأَنْوَاعِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا الضَّرْبُ لَا غَيْرُ لَا يُقَالُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ الْإِيذَاءُ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ مَا لَا يُجْزِئُ فِي الْحَدِّ فَلَمْ يَتَّضِحْ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا فَتَأَمَّلْهُ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَهَذَا أَيْضًا نَصٌّ فِي الْحِنْثِ فِي مَسْأَلَتِنَا بِالْحَذْفِ وَيُوَافِقهُ قَوْلُ بَعْضِ الشَّارِحِينَ فِي تَعْلِيلِ عَدَمِ إجْزَاءِ مَرَّةٍ بِعِثْكَالٍ فِي لَأَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ ضَرْبَةً لِأَنَّ الْجَمِيعَ يُسَمَّى ضَرْبَةً وَاحِدَةً بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَمَى فِي الْجِمَارِ السَّبْعَ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ يُسَمَّى رَمْيَةً وَاحِدَةً. اهـ.
فَاسْتِدْلَالُهُ
стр. 1207
بِذَلِكَ قَاضٍ بِأَنَّ بَيْنَ الضَّرْبِ وَالرَّمْيِ اتِّحَادًا حَتَّى يُسْتَدَلَّ بِمَا قَالُوهُ فِي أَحَدِهِمَا عَلَى مَا قَالُوهُ فِي الْآخَرِ الْخَامِسُ أَنَّ الرَّافِعِيَّ وَغَيْرَهُ فَرَّقُوا بَيْنَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِيلَامِ فِي لَأَضْرِبَنَّهُ أَيْ بِنَاءً عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِيلَامُ وَبَيْنَ اتِّفَاقِهِمْ فِي الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْإِيلَامِ بِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْحَدِّ الزَّجْرُ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْإِيلَامِ وَالْيَمِينُ تَتَعَلَّقُ بِالِاسْمِ وَهُوَ صَادِقٌ مَعَ عَدَمِ الْإِيلَامِ وَلِهَذَا يُقَالُ ضَرَبَهُ فَلَمْ يُؤْلِمْهُ وَهَذَا أَيْضًا قَاضٍ بِأَنَّ كُلَّ مَا كَفَى فِي الْجَلْدِ أَوْ التَّعْزِيرِ أَوْ الرَّجْمِ كَفَى فِي الْيَمِينِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنَّ بَيْنَهُمَا اتِّحَادًا غَيْرَ اشْتِرَاطِ الْإِيلَامِ إلَّا إذَا كَانَ مَا يَكْفِي فِي الْأَخَصِّ وَهُوَ الْحَدُّ يَكْفِي فِي الْأَعَمِّ وَهُوَ الْيَمِينُ وَلَمَّا أَتْمَمْت ذَلِكَ ظَفِرْت بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ وَفَضْلِهِ وَمَعُونَتِهِ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَنْقُولَةٌ كَمَا قُلْته فَقَدْ صَرَّحَ بِهَا الْخُوَارِزْمِيُّ عَلَى جِهَةِ نَقْلِ الْمَذْهَبِ الَّذِي كَافِيهِ مِنْ أَجْلِ الْمُصَنَّفَاتِ فِيهِ وَعِبَارَتُهُ فِي التَّعْلِيقِ بِالضَّرْبِ كَمَا فِي تَوَسُّطِ الْأَذْرَعِيِّ عَنْهُ وَلَوْ رَفَسَهَا بِرِجْلِهِ أَوْ رَمَاهَا بِحَجَرٍ طَلُقَتْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إذَا أَصَابَهَا الْحَجَرُ. اهـ. وَهَذَا هُوَ مُرَادُ الْكَافِي بِلَا شَكٍّ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ تَجِدْهَا عَيْنَ الْمَسْأَلَةِ وَبِهَا يَنْدَفِعُ جَمِيعُ مَا مَرَّ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَيَتَّضِحُ مَا رَدَدْت بِهِ عَلَيْهِ وَتَأَمَّلْ مَا قَدَّمْته عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَئِمَّةِ اللُّغَةِ تَجِدْهُ دَلِيلًا ظَاهِرًا لَهَا فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَلْهَمَنَا مُوَافَقَةَ أَئِمَّتِنَا فِي الْحُكْمِ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ وَهَدَانَا لِمَا هَدَاهُمْ إلَيْهِ وَأَمَدَّنَا بِأَنْ ذَكَّرَنَا لِمَا قَالُوهُ وَوَافَقْنَاهُمْ فِيهِ أَدِلَّةً ظَاهِرَةً وَاضِحَةً جَلِيَّةً لَائِحَةً لَا يَمْتَرِي فِيهَا مُنْصِفٌ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهَا مُعَانِدٌ وَلَا مُتَعَسِّفٌ فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى سُبْحَانَهُ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مَا أَبِيعُ كَذَا وَأُفَصِّلُهُ لِنَفْسِي بَعْدَ أَنْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ أَنْتَ تَأْخُذُ هَذَا تَبِيعُهُ فَهَلْ لَوْ فَصَّلَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ يَحْنَثُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ فِي الْوَاوِ فِي وَأُفَصِّلُهُ أَنَّهَا لِلِاسْتِئْنَافِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ وَهِيَ قَوْلُ الزَّوْجَةِ خِطَابًا لَهُ أَنْتَ تَأْخُذُ هَذَا تَبِيعُهُ وَحِينَئِذٍ فَالْحَلِفُ إنَّمَا هُوَ عَلَى نَفْيِ الْبَيْعِ فَلَا يَحْنَثُ بِتَفْصِيلِ غَيْرِهِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا قُبِلَ مِنْهُ ادِّعَاءَ الِاسْتِئْنَافِ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ وَالْقَرِينَةِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الِاسْتِئْنَافَ فَتَارَةً يَنْوِي الْحَلِفَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَحْدَهُ وَيَمْضِي بَعْدَ الْيَمِينِ زَمَنٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يُفَصِّلَهُ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَيَحْنَثُ بِتَفْصِيلِ غَيْرِهِ مُطْلَقًا أَمَّا فِي الْأَخِيرَةِ فَوَاضِحٌ لِأَنَّ الْحِنْثَ فِيهَا إنَّمَا يَكُونُ بِالْبَيْعِ وَتَلَفُهُ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ وَأَمَّا فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ فَلِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ هُوَ مُفَادُ الْوَاوِ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهَا فَحُمِلَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ قَالَ يَشْهَدُ اللَّهُ لَا أُجِيبُ إلَى كَذَا عَازِمًا عَلَى عَدَمِ الْإِجَابَةِ فَلَوْ تَغَيَّرَ عَزْمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَجَابَ مَاذَا يَلْزَمُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَتَّجِهُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَغْوٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْنِدْ لِنَفْسِهِ شَيْئًا يَتَضَمَّنُ الْحَلِفَ فَلَيْسَ كَأُقْسِمُ أَوْ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ عَلَى أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَوَّلَ اشْتَهَرَ فِي الْيَمِينِ فَانْعَقَدَتْ بِهِ وَإِنْ أَطْلَقَ بِخِلَافِ الثَّانِي فَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ إلَّا إنْ نَوَاهَا وَقَالُوا فِي أَشْهَدُ بِاَللَّهِ فِي اللِّعَانِ إنَّهُ صَرِيحٌ.
فَاقْتَضَى كَلَامُهُمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي إسْنَادِ الشَّهَادَةِ إلَى نَفْسِهِ وَمَا فِي السُّؤَالِ لَمْ يُسْنِدْهَا إلَيْهِ فَلْتَكُنْ لَغْوًا وَأَيْضًا فَكَلَامُهُمْ نَاطِقٌ فِي اللِّعَانِ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ يَشْهَدُ اللَّهُ أَنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ إلَخْ يَكُونُ لَغْوًا وَأَيْضًا فَصَرَّحُوا فِي أُقْسِمُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ صِلَتِهِ وَمِثْلُهُ أَشْهَدُ بِالْأَوْلَى لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِذَلِكَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِخِلَافِ هَذَا بِأَنَّهُ لَغْوٌ فَإِذَا كَانَ أَشْهَدُ لَغْوًا لِعَدَمِ ذِكْرِ الصِّلَةِ مَعَ إسْنَادِهِ إلَى النَّفْسِ فَيُشْهِدُ اللَّهَ كَذَلِكَ وَأَوْلَى.
وَمِمَّا تَرْجَمَ بِهِ الْجَمُّ الْغَفِيرُ أَنَّ مَنْ قَالَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فَعَلْت كَذَا وَكَانَ فَعَلَهُ كَفَرَ لِأَنَّهُ نَسَبَ إلَى اللَّهِ الْعِلْمَ عَلَى الْخِلَافِ الْوَاقِعِ وَظَاهِرُ تَقْيِيدِهِ بِالْعَالِمِ الْمُتَعَمِّدِ لِذَلِكَ فَمَحَّضُوهُ لِلْإِخْبَارِ لَا لِلْإِنْشَاءِ وَهُوَ فِي الْمَاضِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْكَذِبُ فَحُكِمَ عَلَى قَائِلِهِ بِالْكُفْرِ بِخِلَافِهِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ فَإِنَّهُ مَحْضُ إخْبَارٍ عَمَّا سَيَقَعُ وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ كَذِبٌ فَلَا شَيْءَ فِيهِ عِنْدَ إخْلَافِهِ هَذَا مَا تَيَسَّرَ الْآن وَالْمَسْأَلَةُ تَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ دَارًا وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ رَأَى وَتَسَلَّمْ ثُمَّ أَنْكَرَ الرُّؤْيَةَ وَطَلَبَ يَمِينَ
стр. 1208
الْمُؤَجِّرِ أَنَّهُ رَأَى فَهَلْ يُجَابُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ أَفْتَى الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ لَا يُجَابُ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ مَا يُكَذِّبُهُ وَهُوَ إقْرَارُهُ بِوُقُوعِ الرُّؤْيَةِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالْقَبْضِ ثُمَّ قَالَ إنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ عَلَى رَسْمِ الْقَبَالَةِ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْقَبْضِ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ كَثِيرٌ مُتَعَارَفٌ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَسَادُ عَقْدٍ فَسُمِعَتْ الدَّعْوَى بِهِ لِلتَّحْلِيفِ وَأَمَّا تَأْخِيرُ الرُّؤْيَةِ عَنْ عَقْدِ الْإِجَارَةِ فَهُوَ مُبْطِلٌ لَهَا وَلَمْ يُعْتَدَّ عُرْفًا وَلَا شَرْعًا تَأَخُّرُ الرُّؤْيَةِ عَنْهَا كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْمُشْتَرَطَةِ فِيهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا رَسْمُ قَبَالَةٍ فَلَمْ يُسْمَعْ طَلَبُهُ لِلتَّحْلِيفِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهَا لَمْ يُعَارَضْ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ رَسْمِ الْقَبَالَةِ فَإِنَّ الْعُرْفَ قَاضٍ بِالْإِشْهَادِ عَلَى وُجُودِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ وَلَا كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعَقْدٍ إجْمَالِيٍّ ثُمَّ أَنْكَرَ بَعْضَ شُرُوطِهِ أَوْ لَوَازِمِهِ أَوْ صِفَاتِهِ وَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُفْسِدُ الْعُقَدَ فَتُقْبَلُ دَعْوَاهُ لِلتَّحْلِيفِ لِعُذْرِهِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ بِخُصُوصِهِ ثُمَّ أَنْكَرَهُ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ وَيَجْرِي ذَلِكَ فِيمَا لَوْ أَقَرَّ بِالْبَيْعِ وَالرُّؤْيَةِ ثُمَّ قَالَ لَمْ أَرَ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِتَحْلِيفٍ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ النَّذْرِ]
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ نَذَرَ بِجَمِيعِ أَمْلَاكِهِ أَوْ بَاعَهُ إلَى مَنْ هُوَ تَحْتَ يَدِهِ وَقَهَرَهُ وَأَبْرَأَهُ مِنْ الثَّمَنِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، لَوْلَا ذِكْرُ التَّحْتِيَّةِ وَالْقَهْرِيَّةِ وَالْغَلَبَةِ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى انْتِزَاعِ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ لَمْ يُنْذِرْ وَلَمْ يَبِعْ فَمَا الْحُكْمُ حِينَئِذٍ مَعَ أَنَّ فِي فَتَاوَى ابْنِ كَبَّنَ فِيمَنْ امْتَنَعَ أَنْ يَقْسِمَ لِأُخْتِهِ مِنْ مُخْلَفِ أَبِيهَا وَصَارَ يَتَصَرَّفُ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ مُدَّةً ثُمَّ طَلَبَ مِنْهَا أَنْ تَبِيعَهُ نَصِيبَهَا بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ بِقَدْرٍ لَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ فَبَاعَتْهُ بِمَا أَرَادَ وَلَوْلَا عَدَمُ قُدْرَتِهَا عَلَى انْتِزَاعِهِ لَمْ تَبِعْهُ وَجَرَى مِنْهَا هَذَا الْبَيْعُ وَهِيَ تَحْتَ حَجْرِهِ وَقَهْرِهِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ.
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ بِأَنَّ الْبَيْعَ وَالْإِبْرَاءَ فِيهِمَا صَحِيحَانِ وَلَا نَظَرَ لِمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِكْرَاهِ الَّتِي ذَكَرهَا الْأَئِمَّةُ لَمْ تُوجَدْ هُنَا وَإِذَا عُلِمَ انْتِفَاءُ حَقِيقَةِ الْإِكْرَاهِ فَيَصِحُّ النَّذْرُ أَيْضًا إنْ وُجِدَتْ بَقِيَّةُ شُرُوطِهِ وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا نَقَلْتُمُوهُ عَنْ ابْنِ كَبَّنَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ فِي السُّؤَالِ وَهِيَ تَحْتَ حَجْرِهِ وَقَهْرِهِ كَمَا ذَكَرْتُمُوهُ فَإِذَا كَانَتْ تَحْتَ حَجْرِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ بَيْعُهَا لَهُ فَالْفَسَادُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ كَوْنِهَا تَحْتَ حَجْرِهِ لَا مِنْ جِهَةِ الْإِكْرَاهِ عَلَى أَنَّ جَمْعًا قَالُوا بِبُطْلَانِ بَيْعِ الْمُصَادِرِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ ابْنَ كَبَّنَ تَبِعَهُمْ فِي ذَلِكَ لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ صِحَّةُ بَيْعِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَبِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ فَكَذَلِكَ مَنْ ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ غَيْرُ مُكْرَهٍ كَالْمُصَادِرِ بَلْ أَوْلَى وَهَذَا جَمِيعُهُ يَتَّضِحُ بِهِ صِحَّةُ الْبَيْعِ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ لِلْغَاصِبِ وَهِيَ الْعِشْرُونَ لِأَنَّهُ لَا إكْرَاهَ فِيهَا وَالْبَائِعُ فِيهَا وَفِي الَّتِي قَبْلَهُ. اهـ. وَالْمُقَصِّرُ بِالْبَيْعِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ بِالسُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ فَإِنْ فُرِضَ عَجْزُ السُّلْطَانِ أَوْ بُعْدُهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُخَلِّصَهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ نُوَّابِهِ مِمَّنْ تَحْتَ يَدِهِ تِلْكَ الْعَيْنُ فَهَذَا نَادِرٌ فَلَا يُدَارُ عَلَيْهِ حُكْمٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي مَوَاضِعَ كَالْفَلْسِ وَالنَّفَقَاتِ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى مَسْأَلَةٍ مَرَّتْ فِي الْبَيْعِ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلَ سُئِلَ عَنْهَا جَاءَتْ إلَيْهِ مِنْ عُلَمَاءِ حَضْرَمَوْتَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى إشْكَالَاتٍ وَنَوَادِرَ وَغَرَائِبَ وَلِذَا اخْتَلَفَتْ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا الْأَجْوِبَةُ وَلَمْ يَبْسُطْ أَحَدٌ فِيهَا بِمِثْلِ مَا بُسِطَ فِي هَذِهِ الْفَتَاوَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ فِيمَا لَوْ نَذَرَ مَجْذُومٌ أَوْ هَرِمٌ بِجَمِيعِ أَمْلَاكِهِ لِآخَرَ عَلَى أَنْ يَقُومَ بِمُؤْنَتِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مَا حُكْمُهُ) ؟
فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ عَدَمُ صِحَّةِ النَّذْرِ فِيهَا لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ بِشَرْطٍ أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْبَةً فَفَاتَ لِشَرْطِ النَّذْرِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ نَذَرَ بِجَمِيعِ أَمْلَاكِهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا لِمُؤْنَتِهِ أَوْ لِمُؤْنَةِ مُمَوِّنِهِ أَوْ قَضَاءِ دِينٍ مَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِدَيْنٍ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً أَوْ لِنَفَقَةِ مُمَوِّنِهِ أَوْ لِنَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَصِيرُ عَلَى الْإِضَافَةِ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ إمَّا حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ لَا يُقَالُ الْحُرْمَةُ وَالْكَرَاهَةُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ فَلَا يُنَافِي صِحَّةَ النَّذْرِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي مَوَاضِعَ وَمِنْ ثَمَّ صَحَّتْ هِبَةُ الْمَاءِ الَّذِي يَحْتَاجُهُ بَعْدَ
стр. 1209
دُخُولِ الْوَقْتِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَتْ الْحُرْمَةُ وَلَا الْكَرَاهَةُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَتَا مُنَافِيَتَيْنِ لِصِحَّةِ النَّذْرِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْهِبَةِ بِأَنَّ الْهِبَةَ تَصِحُّ بِمَا لَا قُرْبَةَ فِيهِ بِخِلَافِ النَّذْرِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَخْصٍ قَالَ نَذَرْت هَذِهِ الْعَيْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ مَثَلًا نَفَعَنَا اللَّهُ ﵎ بِهِ فَهَلْ تُصْرَفُ قِيمَتُهَا فِي مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَوْ لِأَوْلَادِ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَإِنْ سَفَلُوا إذَا قُلْتُمْ إنَّ أَوْلَادَ ابْنَتِهِ أَوْلَادُهُ ﷺ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﷺ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَيَسْتَوْعِبُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ.
وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى عَمَلِكُمْ الْكَرِيمِ أَوْ يَسْتَوْعِبُ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ بِبَلَدِ النَّاذِرِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا يَدْفَعُ لِأَقَلِّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةً وَإِذَا كَانَ النَّذْرُ لِلشَّيْخِ الْمَذْكُورِ فَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ تُرْبَتِهِ أَوْ لِأَوْلَادِهِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا ذَكَرَ يُسْتَوْعَبُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِبَرَكَتِهِ وَعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ نَذْرُ شَيْءٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ لِغَيْرِهِ كَالشَّيْخِ الْمَذْكُورِ نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ يُحْمَلُ حَيْثُ لَمْ يُعْرَفْ قَصْدُ النَّاذِرِ عَلَى مَا اطَّرَدَ بِهِ الْعُرْفُ فِي ذَلِكَ النَّذْرِ فَإِنْ اطَّرَدَ بِصَرْفِهِ لِمَصَالِحِ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ أَوْ لِمَصَالِحِ مَسْجِدِهِ أَوْ لِأَهْلِ بَلَدِهِ عَمِلَ بِذَلِكَ الْعُرْفِ فِي هَذَا النَّذْرِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي النَّذْرِ لِلْقَبْرِ أَوْ لِلْفَقِيرِ الْمَشْهُورِ بِجُرْجَانَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ أَوْ كَانَ وَجَهِلَهُ النَّاذِرُ فَلِلزَّرْكَشِيِّ فِيهِ تَرَدُّدٌ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ الْبُطْلَانُ فَإِنْ عُرِفَ قَصْدُهُ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ يَأْتِي فِيهِ قَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ فِي النَّذْرِ لِلْمَشَاهِدِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى قَبْرِ وَلِيٍّ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ أَنَّ النَّاذِرَ إنْ قَصَدَ تَعْظِيمَ الْبُقْعَةِ أَوْ الْقَبْرِ أَوْ التَّقَرُّبَ إلَى مَنْ دُفِنَ فِيهَا أَوْ مَنْ تُنْسَبُ إلَيْهِ وَهُوَ الْغَالِبُ مِنْ الْعَامَّةِ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لِهَذِهِ الْأَمَاكِنِ خُصُوصِيَّاتٍ لِأَنْفُسِهِمْ وَيَرَوْنَ أَنَّ النَّذْرَ لَهَا مِمَّا يَنْدَفِعُ بِهِ الْبَلَاءُ فَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ فِي صُورَةٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ بِهِ التَّصَدُّقَ عَلَى مَنْ يَسْكُنُ تِلْكَ الْبُقْعَةَ أَوْ مَنْ يَرِدُ إلَيْهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّ هَذَا نَوْعُ قُرْبَةٍ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ أَوْلَادَ الْمَنْذُورِ لَهُ وَأَوْلَادَهُمْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي النَّذْرِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُمْ وَرَثَةً لَهُ نَعَمْ إنْ اطَّرَدَ الْعُرْفِ بِأَنَّ الْمَنْذُورَ لِأَبِيهِمْ يُصْرَفُ لَهُمْ عَمَلٌ بِهِ فِيهِمْ وَصُرِفَ لَهُمْ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُمْ ذُرِّيَّتَهُ بَلْ لِلْعُرْفِ إذْ لَوْ اطَّرَدَ بِالصَّرْفِ لِأَجَانِبَ مَخْصُوصِينَ صُرِفَ إلَيْهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا نَذَرَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي بِمِثْلِ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ الْمَبِيعَةِ أَوْ بِمِثْلِ أُجْرَةِ الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ إلَّا خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا فَهَلْ هَذَا نَذْرُ لَجَاجٍ لِأَنَّ نَذْرَ اللَّجَاجِ هُوَ الْمُعَلَّقُ بِأَمْرٍ مَرْغُوبٍ عَنْهُ لَا فِيهِ أَوْ هُوَ نَذْرٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ إذَا وُجِدَ شَرْطُهُ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ تَعْلِيقٌ وَهَلْ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِ النَّاذِرِ قَصْدِي كَذَا مُطْلَقًا أَوْ مَا لَمْ يَقْضِ الشَّرْعُ بِكِفَايَتِهِ وَعَمَّا لَوْ كَانَ لِشَخْصٍ دَيْنٌ مَعْلُومٌ عَلَى آخَرَ فَطَالَبَ رَبُّ الدَّيْنِ الْمَدِينَ بِدَيْنِهِ فَقَالَ الْمَدِينُ مَا عِنْدِي فِي هَذَا الْوَقْتِ شَيْءٌ فَقَالَ رَبُّ الدَّيْنِ أَنْذِرْ لِي بِثَلَاثَةِ آصُعٍ طَعَامٍ فِي ذِمَّتِك إذَا خَرَجَ الشَّهْرُ وَلَمْ تُوَفِّنِي دَيْنِي فَنَذَرَ لَهُ بِذَلِكَ كَذَلِكَ هَلْ هَذَا نَذْرُ لَجَاجٍ أَوْ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ.
فَإِنْ قُلْتُمْ لَجَاجٌ فَلَوْ قَالَ لَهُ قُلْ إذَا خَرَجَ الشَّهْرُ الْمَذْكُورُ وَلَمْ أُوَفِّك دَيْنَك وَدَعَوْت لِي بِالْعَافِيَةِ أَوْ بِمَا تَيَسَّرَ فَلَكَ كَذَا فَقَالَ ذَلِكَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَهُ وَيَخْرُجُ بِهَذَا عَنْ نَذْرِ اللَّجَاجِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ الَّذِي نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَأَقَرَّهُ أَنَّ النَّذْرَ فِي الصُّورَةِ الْأَوْلَى لَغْوٌ وَوَجْهُهُ أَنَّ هَذَا مُبَاحٌ وَهُوَ لَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا لِنَحْوِ الصَّدَقَةِ وَذَلِكَ قُرْبَةٌ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْخَاصِّ أَعْنِي تَعْلِيقَهُ.
وَجَعْلَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ قُرْبَةً وَلَا مُحَرَّمًا فَكَانَ مُبَاحًا وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّهُ نَذْرُ لَجَاجٍ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ إلَّا تَرْوِيجَ سِلْعَتِهِ فَمَنْ جَعَلُوهُ لَغْوًا نَظَرُوا لِمَعَانِي الْعُقُودِ دُونَ صِيغَتِهَا وَهِيَ قَاعِدَةٌ شَهِيرَةٌ تَارَةً يُغَلِّبُونَ فِيهَا النَّظَرَ إلَى الصِّيَغِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَتَارَةً يُغَلِّبُونَ فِيهَا النَّظَرَ إلَى الْمَعْنَى إذَا قَوِيَ بِعَاضِدٍ كَمُوَافَقَةِ الْغَالِبِ هُنَا فَإِفْتَاءُ بَعْضِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ نَذْرُ لَجَاجٍ لَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ بَانَ الْجَوَابُ
стр. 1210
عَنْهُ وَأَمَّا النَّذْرُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَغْوٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى حَرَامٍ أَوْ مُبَاحٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ إنْ خَرَجَ الشَّهْرُ وَلَمْ أُوَفِّك دَيْنَك فَعَلَيَّ كَذَا كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى خُرُوجِ الشَّهْرِ وَعَدَمِ وَفَاءِ الدَّيْنِ وَعَدَمِ وَفَائِهِ مَعَ وُجُودِ شَيْءٍ يُوَفِّي مِنْهُ حَرَامٌ لِأَنَّ أَدَاءَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ عَلَى الْمُوسِرِ بَعْدَ الطَّلَبِ وَمَعَ عَدَمِ ذَلِكَ مُبَاحٌ وَضَمُّهُ إلَى ذَلِكَ الدُّعَاءِ لَا يَقْلِبُهُ صَحِيحًا لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَيْئَيْنِ أَحَدِهِمَا بَاطِلٌ فَبَطَلَ وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ فِيمَا يَصِحُّ وَيَبْطُلُ فِيمَا يَبْطُلُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ الْوَاحِدَ لَا يَتَبَعَّضُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا صُورَتُهُ وَصَلَ مَا تَفَضَّلَ بِهِ سَيِّدِي فَجَزَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنَّا وَعَنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ وَالْقَائِلُ بِأَنَّ ذَلِكَ نَذْرُ لَجَاجٍ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى هُوَ الْفَقِيهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ فَضْلٍ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ الَّذِي شَرَحْتُمُوهُ وَوَجْهُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ ظَاهِرٌ وَمَا وَجْهُ الْقَائِلِ بِأَنَّ ذَلِكَ تَعْلِيقٌ بِصِفَةٍ وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَكَابِرِ فُقَهَاءِ الْجِهَةِ لَكِنَّ الْحَقَّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَعْلِيقٌ بِصِفَةٍ وَمَا ذَكَرَهُ سَيِّدِي فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَاضِحٌ فَجَزَاكُمْ اللَّهُ تَعَالَى خَيْرًا لَكِنْ هَلْ لِلدَّائِنِ سَبِيلٌ عَلَى حَثِّ الْمَدِينِ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ بِصُورَةِ نَذْرٍ يَلْتَزِمُهَا الْمَدِينُ بِغَيْرِ صُورَةِ لَجَاجٍ وَيَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَهُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِهِ بِقَوْلِهِ الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى زَمَنٍ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ ثُمَّ يَقُولَ الْمَدِينُ لِلدَّائِنِ إذَا جَاءَ الزَّمَنُ الْفُلَانِيُّ فَلِلَّهِ عَلَيَّ لَك كَذَا فَتَعَلَّقَ بِمُضِيِّ الزَّمَنِ فَقَطْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) فِي عَادَةٍ اطَّرَدَتْ عِنْدَ قُضَاةِ الْحِجَازِ وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ أَوْ الْمُشْتَرِيَ إذَا خَافَ مِنْ إظْهَارِ فِتْنَةٍ أَوْ مُنَازِعٍ آخَرَ يَقُولُونَ لِلْبَائِعِ قُلْ نَذَرْت إلَّا قَامَ قَائِمٌ شَرْعِيٌّ عَلَى الْمُشْتَرِي بِنَذْرٍ لَهُ بِنَظِيرِ مَا يُقَامُ بِهِ عَلَيْهِ وَمَقْصُودُهُمْ إذَا أَخَذْت مِنْهُ الْأَرْضَ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِمِثْلِ مَا أُخِذَ مِنْهُ مِنْ الْأَرْضِ وَيَحْكُمُ بِذَلِكَ النَّذْرِ حَاكِمُ الْبَيْعِ مِنْ جُمْلَةِ الْحُكْمِ هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ النَّذْرُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ النَّذْرُ الْمَذْكُورُ بَاطِلٌ فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رَجُلٍ نَذَرَ سُكْنَى الْمَدِينَةِ فَهَلْ يَكُونُ نَذْرُهُ قُرْبَةً فَتَلْزَمُهُ وَإِذَا قُلْتُمْ بِاللُّزُومِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ سُكْنَى مَكَّةَ قِيَاسًا عَلَى الِاعْتِكَافِ وَإِذَا قُلْتُمْ بِالْقِيَاسِ فَمَا الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِهِ فَمَا الْفَرْقُ أَوْ يَكُونُ قِيَاسُ نَذْرِ سُكْنَى الْمَدِينَةِ كَقِيَاسِ نَذْرِ الْمَشْيِ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ يَلْزَمُ مَعَ كَوْنِ الرُّكُوبِ أَفْضَلَ وَمَا الْقِيَاسُ فِيهِ
وَالْفَرْقُ وَهَلْ الْأَفْضَلُ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ، أَوْ الِاعْتِكَافُ فِي مَسْجِدِهَا إتْمَامُ مَا الْتَزَمَهُ أَوْ تَكُونُ مَكَّةُ مُجْزِئَةٌ مَعَ الْأَفْضَلِيَّةِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ سُكْنَى الْمَدِينَةِ سُنَّةٌ إنْ أَمِنَ مِنْ الْوُقُوعِ فِي مَحْذُورٍ وَحِينَئِذٍ فَيَصِحُّ نَذْرُهَا كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ النَّذْرِ وَأَفْهَمَ كَلَامُهُمْ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْهَا سُكْنَى مَكَّةَ وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ كَمَا لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ لَا يَجُوزُ الرُّكُوبُ وَكَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِالدَّرَاهِمِ لَا يَجُوزُ بِالذَّهَبِ لِأَنَّ الْمَشْيَ فِيهِ مَشَقَّةٌ مَقْصُودَةٌ لِلشَّارِعِ لَا تُوجَدُ فِي الرُّكُوبِ.
وَكَذَا الدِّرْهَمُ فِيهَا مَا لَا يُوجَدُ فِي الذَّهَبِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْجِنْسِ وَكَذَلِكَ سُكْنَى الْمَدِينَةِ فِيهَا مِنْ الْمَشَقَّةِ وَغَيْرِهَا مَا لَا يُوجَدُ فِي مَكَّةَ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ لَوْ نَذَرَ جِهَادًا وَعَيَّنَ لَهُ جِهَةً فِي نَذْرِهِ أَجُزْأَهُ غَيْرُهَا إنْ سَاوَتْهَا مَسَافَةً وَمُؤْنَةً وَإِلَّا فَلَا فَأَفْهَمَ ذَلِكَ أَنَّ سُكْنَى مَكَّةَ لَا يُجْزِئُ عَنْ سُكْنَى الْمَدِينَةِ وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُسْتَوِيَيْنِ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ السُّكْنَى وَالِاعْتِكَافِ بِأَنَّهُ مَنُوطٌ بِالْمَسْجِدِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ الْغَرَضُ بِاخْتِلَافِ ذَوَاتِ الْمَسَاجِدِ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ وَأَمَّا هِيَ فَالِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا إنَّمَا جَاءَ فِي أَمْرٍ تَابِعٍ هُوَ مُجَرَّدُ الْفَضِيلَةِ فَأَجْزَأَ الْفَاضِلُ عَنْ الْمَفْضُولِ وَلَا عَكْسَ وَأَمَّا الْمَشَقَّةُ وَنَحْوُهَا فَالثَّلَاثَةُ مُسْتَوِيَةٌ فِيهَا بِخِلَافِ السُّكْنَى كَمَا مَرَّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَفْسَ الِاعْتِكَافِ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْمَحَالِّ إلَّا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ فَحَسْبُ وَالسُّكْنَى مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ الْمَحَالِّ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَمَتَى وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي غَيْرِ الْأَفْضَلِيَّةِ لَمْ يُجْزِ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَحَيْثُ عَيَّنَ فِي نَذْرِهِ شَيْئًا فَالْأَوْلَى فِعْلُهُ وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ غَيْرَهُ الْأَفْضَلُ يُجْزِئُ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حَقِيقَةِ نَذْرِ التَّبَرُّرِ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
стр. 1211
نَذْرِ اللَّجَاجِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْأَنْوَارِ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ نَذْرَ التَّبَرُّرِ تَعْلِيقُ قُرْبَةٍ عَلَى حُصُولِ نِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ فَهَلْ هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى ذَلِكَ أَوْ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ الْحَثُّ وَالْمَنْعُ لَجَاجٌ وَالْبَاقِي تَبَرُّرٌ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ قَالَ إنْ سَقَطَ هَذَا الْجِدَارُ فَعَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا وَكَذَا أَوْ إنْ اُسْتُحِقَّ مِنْك يَا فُلَانُ هَذَا الْمَالَ بِدَعْوَى مِنْ فُلَانٍ أَوْ مِنْ أَحَدٍ فَنَذْرٌ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَيْك بِكَذَا فَهَلْ هَذَا نَذْرُ لَجَاجٍ أَوْ تَبَرُّرٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ إنْ دَخَلَ فُلَانٌ الدَّارَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا فَظَاهِرُ أَنَّهُ لَجَاجٌ فَبَيِّنُوا لَنَا حَقِيقَةَ ذَلِكَ جَزَاكُمْ اللَّهُ ﵎ خَيْرًا.
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ النَّذْرُ إمَّا تَبَرُّرٌ أَوْ لَجَاجٌ وَالتَّبَرُّرُ إمَّا مُجَازَاةٌ أَوْ مُلْتَزَمٌ ابْتِدَاءً فَالْمُجَازَاةُ هُوَ تَعْلِيقُ الْتِزَامِ قُرْبَةٍ فِي مُقَابَلَةِ حُدُوثِ نِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ كَمَا لَوْ قَالُوهُ أَوْ كُلُّ مَا يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهِ وَأَنْ يَسْأَلَهُ إيَّاهُ كَمَا قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ وَطَرَدَهُ الْقَاضِي فِي كُلِّ مُبَاحٍ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَهُوَ أَفْقَهُ وَأَوْضَحُ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَعْلِيقُ الْتِزَامِ الْقُرْبَةِ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَرْغَبُ فِيهِ.
سَوَاءٌ أَكَانَ حُصُولُهُ عَلَى نُدُورٍ أَمْ لَا وَغَيْرُ الْمُجَازَاةِ كَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ مَثَلًا وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَسْمَيْنِ الْإِضَافَةَ إلَى اللَّهِ خِلَافًا لِلْقَاضِي وَأَمَّا نَذْرُ اللَّجَاجِ فَهُوَ تَعْلِيقُ الْقُرْبَةِ بِمَا يَرْغَبُ عَنْهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ هُوَ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ مِنْ شَيْءٍ أَوْ يَحُثَّهَا عَلَيْهِ بِتَعْلِيقِ الْتِزَامِ قُرْبَةٍ وَقَدْ يَكُونُ لِتَحْقِيقِ خَبَرٍ أَيْضًا كَأَنْ لَمْ يَكُنْ كَمَا قُلْت فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا ثُمَّ الصِّيغَةُ إنْ كَانَتْ نَصًّا فِي التَّبَرُّرِ أَوْ اللَّجَاجِ فَظَاهِرٌ وَلَا يَحْتَاجُ هُنَا إلَى قَصْدٍ.
وَإِنْ احْتَمَلَتْهُمَا اُشْتُرِطَ قَصْدُ النَّاذِرِ فَإِنْ قَصَدَ شَيْئًا عَمِلَ بِهِ فَإِذَا قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَمَالِي صَدَقَةٌ كَانَ نَذْرَ لَجَاجٍ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْهُ فَكَانَ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمَالِي فَإِمَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِكُلِّهِ وَإِمَّا أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَلِتَبَادُرِ اللَّجَاجِ مِنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ لَمْ يَحْتَجْ لِقَصْدِهِ كَمَا أَفْهَمَهُ إطْلَاقُهُمْ بِخِلَافِ التَّبَرُّرِ فَإِنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ وَإِنْ احْتَمَلَتْهُ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَبَادَرٍ مِنْهَا فَاحْتِيجَ إلَى قَصْدِهِ فَإِذَا أَرَادَ بِهَا إنْ رَزَقَنِي اللَّهُ دُخُولَ الدَّارِ بِأَنْ رَغِبَ دُخُولَهَا كَانَتْ نَذْرَ تَبَرُّرٍ وَكَذَا يُقَالُ فِي إنْ سَقَطَ هَذَا الْجِدَارُ فَعَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا فَهُوَ نَذْرُ لَجَاجٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ إنْ رَزَقَنِي اللَّهُ تَعَالَى سُقُوطَهُ بِأَنْ يَكُونَ سُقُوطُهُ مَرْغُوبًا فِيهِ فَيَكُونُ نَذْرَ تَبَرُّرٍ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَرْغُوبَ فِيهِ تَبَرُّرٌ وَالْمَرْغُوبُ عَنْهُ لَجَاجٌ وَضَبَطَ ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ الْفِعْلَ إمَّا طَاعَةٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ أَوْ مُبَاحٌ وَالِالْتِزَامُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَارَةً يَتَعَلَّقُ بِالْإِثْبَاتِ وَتَارَةً يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْيِ فَالْإِثْبَاتُ فِي الطَّاعَةِ كَأَنْ صَلَّيْت فَعَلَيَّ كَذَا يُحْتَمَلُ التَّبَرُّرَ يُرِيدُ إنْ وَفَّقَنِي اللَّهُ ﵎ لِصَلَاةٍ فَعَلَيَّ كَذَا وَاللَّجَاجُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ صَلِّ فَيَقُولُ لَا أُصَلِّي.
وَإِنْ صَلَّيْت فَعَلَيَّ كَذَا وَالنَّفْيُ فِي الطَّاعَةِ كَأَنْ يُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ فَيَقُولُ إنْ لَمْ أُصَلِّ فَعَلَيَّ كَذَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ اللَّجَاجِ إذْ لَا بِرَّ فِي تَرْكِ الطَّاعَةِ وَالْإِثْبَاتِ فِي تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ كَأَنْ يُؤْمَرُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فَيَقُولُ إنْ شَرِبْتُهَا فَعَلَيَّ كَذَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ اللَّجَاجِ أَيْضًا لِمَا تَقَرَّرَ وَالنَّفْيُ فِيهَا كَأَنْ لَمْ أَشْرَبْهَا فَعَلَيَّ كَذَا يَحْتَمِلُهَا التَّبَرُّرُ بِأَنْ يُرِيدَ إنْ عَصَمَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ شُرْبِهَا وَاللَّجَاجُ بِأَنْ يُمْنَعَ مِنْ شُرْبِهَا فَيَقُولُ إنْ لَمْ أَشْرَبْهَا وَالْمُبَاحُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا يَحْتَمِلُهَا فَالتَّبَرُّرُ فِي النَّفْيِ كَأَنْ لَمْ آكُلْ كَذَا فَعَلَيَّ كَذَا بِقَصْدِ إنْ أَعَانَنِي اللَّهُ عَلَى كَسْرِ شَهْوَتِي فَتَرَكْته فَعَلَيَّ كَذَا وَفِي الْإِثْبَاتِ كَإِنْ أَكَلْت كَذَا بِقَصْدِ إنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ ﵎ لِي وَلِلَّجَاجِ فِي النَّفْيِ كَقَوْلِهِ وَقَدْ مُنِعَ مِنْ أَكْلِ الْخُبْزِ إنْ لَمْ آكُلْهُ فَعَلَيَّ كَذَا وَفِي الْإِثْبَاتِ وَقَدْ أُمِرَ بِأَكْلِهِ إنْ أَكَلْته فَعَلَيَّ كَذَا.
وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ إنْ اُسْتُحِقَّ مِنْك يَا فُلَانُ هَذَا الْمَالُ إلَخْ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ تَبَرُّرًا بِأَنْ يَكُونَ النَّاذِرُ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ وَأَرَادَ إثْبَاتَهُ لَهَا لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِمَرْغُوبٍ فِيهِ حِينَئِذٍ وَأَنْ يَكُونَ لَجَاجًا بِأَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ ضَرَرُ النَّاذِرِ مَثَلًا لِكَوْنِهِ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ فَيَكُونُ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ مَثَلًا لِكَوْنِهِ مَرْغُوبًا عَنْهُ حِينَئِذٍ وَقَوْلُ الشَّيْخَيْنِ نَقْلًا عَنْ الْغَزَالِيِّ وَأَقَرَّهُ لَوْ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي إنْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَهَبَك أَلْفًا كَانَ لَغْوًا اعْتَرَضَهُ كَثِيرُونَ بِأَنَّ الْوَجْهَ انْعِقَادُ النَّذْرِ وَغَايَتُهُ أَنَّهُ لَجَاجٌ.
وَأَجَبْت عَنْهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ بِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ غَالِبًا بَلْ دَائِمًا إلَّا تَرْوِيجَ سِلْعَتِهِ فَمِنْ ثَمَّ جَعَلُوهُ لَغْوًا نَظَرًا لِمَعَانِي الْعُقُودِ دُونَ صِيَغِهَا وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ لِلصِّيَغِ أَكْثَرَ
стр. 1212
وَقَوْلُ السَّائِلِ فِي إنْ دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَجَاجٌ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ التَّبَرُّرَ وَاللَّجَاجُ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ إنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِلدُّخُولِ أَنَّهُ كَأَكْلِ الْخُبْزِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِيهِ نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالتَّبَرُّرُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَخُصُّوا ذَلِكَ بِالدُّخُولِ بَلْ أَجْرَوْهُ فِي كُلِّ مُبَاحٍ وَمِنْهُ الدُّخُولُ فَكَلَامُهُمْ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الدُّخُولَ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا يَحْتَمِلُ النَّذْرَيْنِ بِالْمَعَانِي الَّتِي قَرَّرْنَاهَا فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يُقَالُ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَجَاجٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ يَصِحُّ النَّذْرُ عَلَى بَعْضِ أَوْلَادِهِ دُونَ بَعْضٍ وَإِذَا أَرَادَ النَّذْرَ عَلَى جَمِيعِهِمْ فَنَذْرٌ عَلَى الْأَوَّلِ ثُمَّ الثَّانِي إلَى آخِرِهِمْ مَا حُكْمُهُمْ بَيِّنُوا ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فِي النَّذْرِ عَلَى بَعْضِ الْأَوْلَادِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ كَالْفَتَى وَتِلْمِيذِهِ الْكَمَالِ الرَّدَّادِ وَالْجَمَالِ بْنِ حُسَيْنٍ الْقَمَّاطِ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبَدْرِ بْنِ شُهْبَةَ أَنَّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّ شَرْطَ النَّذْرِ الْقُرْبَةُ وَلَا قُرْبَةَ فِي ذَلِكَ بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي تَنْقِيحِ الْوَسِيطِ وَقَوْلِ الْوَسِيطِ كَانَ تَارِكًا لِلْأَحَبِّ عِبَارَةٌ نَاقِصَةٌ وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مُصَرِّحٌ بِشِدَّةِ كَرَاهِيَتِهِ بَلْ صَرَّحَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِعَدَمِ جَوَازِهِ وَأَطْنَبَ فِيهِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ بِأَنَّ «أَبَا النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ نَحَلَهُ شَيْئًا دُونَ إخْوَتِهِ فَطَلَب مِنْ النَّبِيِّ ﷺ الْإِشْهَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ فَلَا تُشْهِدْنِي إذًا فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» وَالْحُرْمَةُ مَذْهَبٌ وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بِالْكَرَاهَةِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ ﷺ «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي» وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي إشْهَادِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ وَالْجَوْرُ الْمَيْلُ وَالْمَكْرُوهُ مَائِلٌ عَنْ سَنَنِ الِاسْتِقَامَةِ فَلَا دَلِيلَ لِلْحَدِيثِ فِي الْحُرْمَةِ وَقَالَ آخَرُونَ يَصِحُّ النَّذْرُ مِنْهُمْ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ يُوسُفُ الْمُقْرِي وَالْفَقِيهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بَامَخْرَمَةَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ لِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ النَّذْرِ أَنَّ مُرَادَهُمْ وَبِقَوْلِهِمْ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُ الْمَكْرُوهِ الْمَكْرُوهُ لِذَاتِهِ بِخِلَافِ الْمَكْرُوهِ لِمَعْنًى خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ بِأَنْ تَكُونَ ذَاتُهُ قُرْبَةً وَإِنَّمَا اقْتَرَنَ بِهَا أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْهَا صَيَّرَهُ مَكْرُوهًا فَهَذَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا صَوْمُ الدَّهْرِ فَقَدْ أَطْلَقَ فِي الرَّوْضَةِ انْعِقَادَ نَذْرِهِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ مَرَّ فِي بَابِ الصَّوْمِ كَرَاهَتُهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ
وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَا خِلَافَ فِي انْعِقَادِ نَذْرِهِ وَلُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ نَذْرِهِ وَإِنْ قُلْنَا بِكَرَاهَتِهِ عَلَى تَوَقُّفٍ فِيهِ وَعِبَارَتُهُ إذَا نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ انْعَقَدَ نَذْرُهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي آخِرِ الصِّيَامِ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِكَرَاهَتِهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ فِي صِحَّتِهِ لِأَنَّ النَّذْرَ تَقَرُّبٌ وَالْمَكْرُوهُ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ وَالْمَذْهَبُ انْعِقَادُهُ. اهـ. فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ وَالْمَذْهَبُ انْعِقَادُهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ التَّوَقُّفَ وَعَلَيْهِ فَقَدْ أَجَابَ الْمُحَقِّقُ الشَّمْسُ الْجَوْجَرِيُّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ عَنْ ذَلِكَ بِكَلَامٍ حَسَنٍ فَقَالَ فَإِنْ قُلْت فَهَلْ لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ وَالشَّرْحِ هُنَا مِنْ إطْلَاقِ الِانْعِقَادِ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ مِنْ الْكَرَاهَةِ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي نُقِلَ وُجِّهَ أَمْ لَا قُلْت يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي وَجْهِ التَّوْفِيقِ أَنَّ مَا ذُكِرَ هُنَا لِأَجْلِ أَنَّ الصَّوْمَ فِي نَفْسِهِ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ فَصَحَّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ وَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلِ مَا ذُكِرَ هُنَا مِنْ الْكَرَاهَةِ لَيْسَ رَاجِعًا إلَى الصَّوْمِ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ بَلْ بِاعْتِبَارِ مَا يُعْرَضُ لَهُ مِنْ خَوْفِ الضَّرَرِ وَالْفَوْتِ فَالْمَكْرُوهُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ التَّفْوِيتُ وَالتَّعَرُّضُ لِلضَّرَرِ لَا نَفْسَ الصَّوْمِ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ أَنَّ الْبَغَوِيَّ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ وَبِانْعِقَادِ النَّذْرِ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْمُطْلَقِ أَنَّ كَلَامَ التَّنْبِيهِ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ لِأَنَّهُ قَالَ لَا يَصِحُّ النَّذْرُ إلَّا فِي قُرْبَةٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَمِثْلُ عِبَارَةِ التَّنْبِيهِ فِي ذَلِكَ عِبَارَةُ الْحَاوِي النَّذْرُ الْتِزَامُ قُرْبَةٍ فَلَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ. اهـ. فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي صِحَّةِ النَّذْرِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَإِنْ أَعْطَى بَعْضَ الْأَوْلَادِ صَدَقَةً وَهِيَ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهَا قُرْبَةٌ وَإِنَّمَا كُرِهَتْ فِي هَذَا الْفَرْدِ الْخَاصِّ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ التَّخْصِيصِ الْمُؤَدِّي إلَى الْعُقُوقِ فَحِينَئِذٍ الصَّدَقَةُ وَالصَّوْمُ قُرْبَتَانِ فِي ذَاتِهِمَا وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُمَا مَا يُصَيِّرهُمَا مَكْرُوهَيْنِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُمَا فَإِذَا قَالُوا بِانْعِقَادِ صَوْمِ الدَّهْرِ وَإِنْ
стр. 1213
قُلْنَا بِكَرَاهَتِهِ فَلْيَقُولُوا بِانْعِقَادِ النَّذْرِ فِي صُورَتِنَا وَلَا نَظَرَ إلَى الْكَرَاهَةِ كَمَا عَلِمْت وَبِمَا تَقَرَّرَ يَنْدَفِعُ مِيلُ الْأَذْرَعِيِّ الْآخِذُ بِقَضِيَّةِ تَوَقُّفِ الرَّافِعِيِّ وَتَعَجُّبُهُ مِنْ جَمْعِ الْبَغَوِيِّ بَيْنَ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ وَانْعِقَادِ النَّذْرِ وَإِنْ تَبِعَهُ غَيْرُهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَطَالُوا فِيهِ وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْح الْعُبَابِ
وَبَيَّنْت رَدَّ مَا وَقَعَ لِلزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا مِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ ثُمَّ هُوَ أَصْرَحُ فِي الْمُرَادِ مِمَّا سَبَقَ تَصْرِيحُهُمْ بِانْعِقَادِ نَذْرِ صَوْمِ الدَّهْرِ مِنْ الْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا وَمِنْ الرَّقِيقِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى حُرْمَةِ الصَّوْمِ عَلَيْهِمَا بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ لِذَاتِ الصَّوْمِ لِمَا عُرِضَ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ فَإِذَا كَانَتْ الْحُرْمَةُ الْعَارِضَةُ لِلْعِبَادَةِ غَيْرَ مَانِعَةٍ مِنْ انْعِقَادِ نَذْرِهَا فَأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ الْعَارِضَةُ لَهَا غَيْرُ مَانِعَةٍ مِنْ انْعِقَادِ نَذْرِهَا فَاتَّضَحَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ انْعِقَادِ نَذْرِ صَوْمِ الدَّهْرِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ انْعِقَادِ نَذْرِ إعْطَاءِ بَعْضِ الْأَوْلَادِ وَأَصْرَحُ مِمَّا قُلْنَاهُ فِي انْعِقَادِ صَوْمِ الدَّهْرِ مَعَ كَرَاهَتِهِ تَصْرِيحُ الشَّيْخَيْنِ بِصِحَّةِ نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مَعَ كَرَاهَتِهِ فَإِنَّهُمَا وَغَيْرَهُمَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ نَسِيَ الْيَوْمَ الْمُعَيَّنَ مِنْ الْأُسْبُوعِ صَامَ الْجُمُعَةَ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ آخِرُ الْأُسْبُوعِ فَإِنْ كَانَ الْيَوْمُ الْمُعَيَّنُ غَيْرَهُ فَهُوَ قَضَاءٌ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُعَيَّنُ فَهُوَ أَدَاءٌ فَقَوْلُهُمْ فَهُوَ أَدَاءٌ صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ نَذْرِهِ وَإِذَا صَحَّ نَذْرُهُ مَعَ كَرَاهَتِهِ لِأَنَّهَا لِمَعْنًى خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الصَّوْمِ وَهُوَ الْإِضْعَافُ عَمَّا فِيهِ مِنْ الْوَظَائِفِ الدِّينِيَّةِ فَكَذَلِكَ يَصِحُّ إعْطَاءُ بَعْضِ الْأَوْلَادِ مَعَ كَرَاهَتِهِ وَإِذَا تَأَمَّلْت مَا ذَكَرْته مِنْ كَلَامِهِمْ فِي هَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ النِّزَاعِ فِي انْعِقَادِ نَذْرِ صَوْمِ الدَّهْرِ إذَا قُلْنَا بِكَرَاهَتِهِ غَفْلَةً عَنْ كَلَامِهِمْ هَذَا أَعْنِي الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي انْعِقَادِ نَذْرِ صَوْمِ الْجُمُعَةِ مَعَ كَرَاهَتِهِ وَكَذَلِكَ ظَهَرَ لَك أَيْضًا أَنَّ مَنْ قَالَ فِي نَذْرِ إعْطَاءِ بَعْضِ الْأَوْلَادِ بِالْبُطْلَانِ غَفَلَ عَمَّا قَالُوهُ فِي صَوْمِ الدَّهْرِ وَصَوْمِ الْجُمُعَةِ وَنَظَرَ إلَى مُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ لَا يَصِحُّ نَذْرُ الْمَكْرُوهِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَلَا تَغْتَرَّ بِغَيْرِهِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَنْذُورِ إعْطَاؤُهُ مِنْ الْأَوْلَادِ صِفَةً تَقْتَضِي تَمَيُّزَهُ كَفَقْرٍ وَصَلَاحٍ وَاشْتِغَالٍ بِعِلْمٍ وَإِلَّا انْعَقَدَ نَذْرُ إعْطَائِهِ اتِّفَاقًا إذْ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ حِينَئِذٍ وَعَلَى مَا رَجَّحْتُهُ فَلَا فَرْقَ إذَا أَرَادَ النَّذْرَ لِجَمِيعِهِمْ بَيْنَ أَنْ يُنْذِرَ لِلْكُلِّ مَعًا أَوْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا لَوْ تَوَاطَآ عَلَى أَنَّهُ إلَّا أَقَرَضَهُ مَالًا مَعْلُومًا نَذَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ صِحَّةِ الْإِقْرَاضِ بِمَالٍ مَعْلُومِ الْقَدْرِ فِي ذِمَّتِهِ فِي عَيْنِ كُلِّ سَنَةٍ مُدَّةَ بَقَاءِ الدَّيْنِ ثُمَّ حَقَّقَا ذَلِكَ هَلْ هَذَا النَّذْرُ صَحِيحٌ أَمْ لَا فَقَدْ رَأَيْت جَوَابًا لِبَعْضِ عُلَمَاءِ زَبِيدٍ بِبُطْلَانِهِ وَلِآخَرَ بِصِحَّتِهِ وَأَطَالَ فِيهِ الْكَلَامَ وَشَرَطَ فِيهِ شُرُوطًا كَوْنَ الدَّيْنِ حَالًّا وَعَجَزَ الْمَدِينُ عَنْهُ بِحَيْثُ لَوْ طُولِبَ بِهِ لَأَدَّى إلَى فَقْرِهِ وَمَسْكَنَتِهِ أَوْ إخْرَاجِهِ مِنْ دَارِهِ أَوْ أَخَذَ ضَيْعَتَهُ الَّتِي مُؤْنَتُهُ مِنْهَا وَأَنْ يُقَيِّدَ النَّذْرَ بِقَوْلِهِ إلَى أَنْ يُوسِرَ وَبَسَطَ فِيهِ كَثِيرًا.
فَمَا التَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ الَّذِي لَا يَعْتَمِدُ فِي الْفُتْيَا عَلَى غَيْرِهِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إذَا تُوَاطَآ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ مَالًا وَيَنْذِرُ كُلَّ سَنَةٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ فَأَقْرَضَهُ ثُمَّ نَذَرَ الْمُقْتَرِضُ لِمُقْرِضِهِ بِدِينَارٍ مَثَلًا كُلَّ سَنَةٍ مَا دَامَ هَذَا الْمَالُ فِي ذِمَّتِهِ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ لِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إنْ أَتَى بِهَذَا النَّذْرِ عَلَى قَصْدِ الْوَفَاءِ بِمَا تَوَاطَآ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْمُوَاطَأَةَ الْمَذْكُورَةَ مَكْرُوهَةٌ فَالْوَفَاءُ بِهَا مَكْرُوهٌ وَالْمَكْرُوهُ لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى كَرَاهَةِ تِلْكَ الْمُوَاطَأَةِ قَوْلُهُمْ لَوْ تَوَاطَأَ الْعَاقِدَانِ عَلَى نَحْوِ الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ ثُمَّ عَقَدَا بِذَلِكَ الْقَصْدِ بِلَا شَرْطٍ كُرِهَ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَبْطَلَهُ وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ أُبْطِلَ إذَا أَضْمَرَهُ كُرِهَ فَكَرَاهَةُ الْعَقْدِ بِهَذَا الْقَصْدِ صَرِيحَةٌ فِي كَرَاهَةِ النَّذْرِ بِذَلِكَ الْقَصْدِ وَحَيْثُ كُرِهَ النَّذْرُ وَالْمَنْذُورُ بِهِ فَلَا يُمْكِنُ الِانْعِقَادُ وَقَدْ بَانَ بِمَا قَرَّرْته كَرَاهَةُ النَّذْرِ وَالْمَنْذُورِ بِهِ إذَا قَصَدَ بِهِ الْوَفَاءَ بِمَا تَوَاطَآ عَلَيْهِ.
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ النَّاذِرُ فَقِيرًا وَالدَّيْنُ حَالًّا وَأَنْ يَكُونَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ مَحْضَ الْقُرْبَةِ وَالتَّصَدُّقِ أَوْ الْإِهْدَاءِ إلَى الْمُقْرِضِ كُلَّ سَنَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ مُوَاطَأَةٍ وَلَا غَيْرِهَا صَحَّ النَّذْرُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ قُرْبَةٌ كَالْمَنْذُورِ بِهِ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ جَزَاءَ شُكْرِ نِعْمَةِ الصَّبْرِ عَلَيْهِ وَلَوْ
стр. 1214
لِإِعْسَارِهِ مَعَ حُلُولِ الدَّيْنِ صَحَّ أَيْضًا أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي آخِرِ الْأَيْمَانِ لَوْ شُفِيَ مَرِيضُهُ فَقَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ لِمَا أَنْعَمَ عَلَيَّ مِنْ شِفَاءِ مَرِيضِي لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِالْمَنْذُورِ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا لَوْ عُلِّقَ بِشِفَائِهِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى أَنَّ هُنَا جَزَاءَ شُكْرِ النِّعْمَةِ فَأَنْزَلَهُ مَنْزِلَةَ الْمُجَازَاةِ الْمُعَلَّقَةِ قَبْلَ الْحُصُولِ وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ مُعْتَمَدٌ. اهـ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ إنَّهُ قِيَاسُ سُجُودِ الشُّكْرِ. اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُهُمْ فِي نَذْرِ الْمُجَازَاةِ هُوَ أَنْ يُعَلِّقَ الْتِزَامَ الْمَالِ عَلَى حُصُولِ نِعْمَةٍ يَرْجُوهَا مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ يَحْذَرُهَا كَنَجَاةٍ مِنْ هَلَكَةٍ وَضَبَطَهُ الصَّيْمَرِيُّ بِأَنْ يُعَلِّقَ الْقُرْبَةَ عَلَى حُصُولِ مَا يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ ﵎ بِهِ وَأَنْ يَسْأَلَهُ إيَّاهُ فَإِذَا حَصَلَ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ. اهـ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ بَعْدَ أَنْ افْتَرَضَ وَلَزِمَ الدَّيْنُ ذِمَّتَهُ إذَا نَذَرَ لِمُقْرِضِهِ كُلَّ سَنَةٍ بِكَذَا انْحَلَّ هَذَا النَّذْرُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَذِرْت لَك عَلَيَّ بِكَذَا كُلَّ سَنَةٍ إنْ صَبَرْت عَلَيَّ فَجَعَلَ هَذَا النَّذْرَ مُجَازَاةً لِصَبْرِهِ عَلَيْهِ وَصَبْرُهُ عَلَيْهِ فِيهِ نِعْمَةٌ لِرِفْقِهِ بِذَلِكَ الْمَالِ وَانْدِفَاعِ نِقْمَةٍ عَنْهُ مِنْ نَحْوِ مُطَالَبَتِهِ وَحَبْسِهِ وَإِضْرَارِهِ فَدَخَلَ حِينَئِذٍ هَذَا النَّذْرُ بِهَذَا الْقَصْدِ فِي كَلَامِهِمْ فَاتَّضَحَ صِحَّتُهُ وَلُزُومُ الْوَفَاءِ بِهِ وَإِنْ أَطْلَقَ النَّاذِرُ نَذْرَهُ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ شَيْئًا فَهُوَ مَحَلُّ التَّرَدُّدِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْمَعْنَى الْمُبْطِلَ وَهُوَ الْحَالَةُ الْأَوْلَى السَّابِقَةُ وَالْمَعْنَى الْمُصَحَّحُ وَهُوَ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي بَعْدَهَا وَاَلَّذِي يُفْهِمُهُ قَوْلُهُمْ السَّابِقُ فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ ثُمَّ عَقَدَا بِذَلِكَ الْقَصْدِ الصِّحَّةَ هُنَا فِي حَالَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ إذْ الصِّيغَةُ بِوَضْعِهَا صَحِيحَةٌ وَإِنَّمَا أَبْطَلَهَا قَصْدُ الْوَفَاءِ بِالْمُوَاطَأَةِ الْمَكْرُوهَةِ وَنَحْوِهِ
فَإِذَا خَلَتْ عَنْ ذَلِكَ الْقَصْدِ الْمُبْطِلِ لَزِمَ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهَا إذْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا حِينَئِذٍ مُبْطِلٌ ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا وَمِمَّا يَدُلُّ لِتَأْثِيرِ الْقَصْدِ فِي صِحَّةِ النَّذْرِ الْمُحْتَمَلَةِ بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ فِي امْرَأَةٍ نَذَرَتْ الْجِهَادَ أَنَّهَا إنْ أَرَادَتْ بِهِ الْقِتَالَ وَمُكَافَحَةَ الْأَبْطَالِ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهَا وَإِنْ قَصَدَتْ بِهِ مُدَاوَاةَ الْجَرْحَى وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمُجَاهِدِينَ انْعَقَدَ نَذْرُهَا فَقَدْ كُنَّ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ يَخْرُجْنَ لِتِلْكَ. اهـ. بَلْ قَدْ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ كَجَمَاعَةٍ بِنَحْوِ ذَلِكَ فَقَالُوا قَدْ تَتَرَدَّدُ الصِّيغَةُ فَتَحْتَمِلُ نَذْرَ التَّبَرُّرِ وَتَحْتَمِلُ نَذْرَ اللَّجَاجِ فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى قَصْدِ الشَّخْصِ وَإِرَادَتِهِ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ فِي نَذْرِ التَّبَرُّرِ يَرْغَبُ فِي السَّبَبِ وَهُوَ شِفَاءُ الْمَرِيضِ مَثَلًا بِالْتِزَامِ الْمُسَبَّبِ وَهُوَ الْقَرَابَةُ الْمُسَمَّاةُ وَفِي نَذْرِ اللَّجَاجِ يَرْغَبُ عَنْ السَّبَبِ لِكَرَاهَتِهِ الْمُلْتَزَمَ. اهـ. وَإِذَا تَأَمَّلْت فَرْقَهُمْ الْمُتَضَمِّنَ لِحَدِّ نَذْرِ التَّبَرُّرِ الْمُتَعَيَّنِ الْوَفَاءُ بِهِ بِمَا ذُكِرَ عَلِمْت أَنَّ النَّذْرَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِنْ أَقْسَامِ نَذْرِ التَّبَرُّرِ إلَّا فِي الْحَالَةِ الْأُولَى وَهِيَ مَا قَصَدَ الْوَفَاءَ بِالْمُوَاطَأَةِ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُقْرِضُ فَقِيرًا أَوْ غَنِيًّا فَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِصِحَّةِ النَّذْرِ لِلْغَنِيِّ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِ قُرْبَةٌ فَجَازَ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ وَفِي فَتَاوَى الْوَلِيِّ أَبِي زُرْعَةَ مَا يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْته فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ نَزَلَ لِآخَرَ عَنْ أَرْضٍ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهَا بِالْإِقْطَاعِ فَالْتَزَمَ الْمَنْزُولُ لَهُ بِالنَّذْرِ الشَّرْعِيِّ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ لَهُ مَنْشُورُ إقْطَاعِهَا بِمُقْتَضَى ذَلِكَ النُّزُولِ دَفَعَ لَهُ كَذَا فَوُجِدَتْ الصِّفَةُ فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا النَّذْرُ فَأَجَابَ بِصِحَّتِهِ وَأَنَّهُ نَذْرُ مُجَازَاةٍ وَلَا يُنَافِيه مَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ وَأَقَرَّاهُ مِنْ أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ قَالَ لِلْمُشْتَرِي إنْ خَرَجَ الْمَبِيعَ مُسْتَحَقًّا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَهَبَ مِنْك مِائَةَ دِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا نَذْرُ لَجَاجٍ إذْ لَيْسَ لِلْبَائِعِ غَرَضٌ فِي أَنْ يُخْرِجَ الْمَبِيعَ مُسْتَحَقًّا وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِزَعْمِهِ وَدَفْعًا لِقَوْلِ قَائِلٍ لَيْسَ هَذَا مِلْكَهُ بِخِلَافِ الْمَنْزُولِ لَهُ فَإِنَّ لَهُ غَرَضًا فِي أَنْ يَصِيرَ الْإِقْطَاعُ لَهُ وَهِيَ نِعْمَةٌ فَيَشْكُرُ اللَّهَ عَلَيْهَا بِمَا يَدْفَعُهُ لِلنَّاذِرِ فَإِنْ قَبِلَ لَمْ يَسْتَنِدْ الْغَزَالِيُّ فِي الْبُطْلَانِ إلَى كَوْنِهِ نَذْرَ لَجَاجٍ
وَإِنَّمَا اسْتَنَدَ إلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ فَنَذْرُ اللَّجَاجِ فِي صُورَتِهِ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ قُلْنَا صُورَةَ الْغَزَالِيِّ صَرَّحَ فِيهَا بِأَنَّ الْمَدْفُوعَ هِبَةٌ وَأَمَّا هَذِهِ فَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَقَةً قَصَدَ بِهَا ثَوَابَ الْآخِرَةِ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهِ الصَّدَقَةَ فَهُوَ مَنْدُوبٌ لِكَوْنِهِ مُكَافَأَةً لِيَدٍ سَبَقَتْ مِنْ النَّازِلِ بِسَبَبِ نُزُولِهِ وَالْمُكَافَأَةُ عَلَى الْإِحْسَانِ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا وَهَذَا مُنْتَفٍ فِي صُورَةِ الْغَزَالِيِّ. اهـ. فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهِ الصَّدَقَةَ فَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَخْ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِيمَا ذَكَرْته مِنْ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَتِنَا فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَبِمَا
стр. 1215
قَرَّرْته يُعْلَمُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ الْبُطْلَانَ فِيهَا وَعَلَى مِنْ قَيَّدَ الصِّحَّةَ فِيهَا بِتِلْكَ الشُّرُوطِ وَيُعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ الْوَجْهَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ الْمُصَرِّحِ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَمَّنْ نَذَرَ لِعَمْرٍو بِمَالٍ وَمُرَادُهُ إلَّا لَمْ يَبِعْ بَكْرٌ دَارِهِ مِنْ عَمْرٍو وَمُرَادُهُ أَنَّ بَكْرًا لَا يَتْرُكُ الْبَيْعَ بَلْ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ مَا حُكْمُ النَّذْرِ وَعَمَّنْ قَالَ لِآخَرَ تَعْلَمُ كَذَا وَكَذَا إنَّ مَعَك حَوْلًا ضَيْعَةً نَفِيسَةً فَقَالَ كَالْمَازِحِ هِيَ نَذْرٌ عَلَيْك مَا الْحُكْمُ وَإِذَا قَالَ أَرَدْت غَيْرَهَا مَا الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ النَّذْرُ لِعَمْرٍو فِي صُورَتِهِ الْمَذْكُورَةِ يَحْتَمِلُ اللَّجَاجَ وَالتَّبَرُّرَ وَقَدْ مَرَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ فِي نَذْرِ التَّبَرُّرِ يَرْغَبُ فِي السَّبَبِ وَهُوَ شِفَاءُ الْمَرِيضِ مَثَلًا بِالْتِزَامِ الْمُسَبَّبِ وَهُوَ الْقُرْبَةُ الْمُسَمَّاةُ وَفِي نَذْرِ اللَّجَاجِ يَرْغَبُ عَنْ السَّبَبِ لِكَرَاهَتِهِ الْمُلْتَزَمَ فَعَدَمُ بَيْعِ بِكْرٍ دَارِهِ مِنْ عَمْرٍو وَإِنْ أَحَبَّهُ النَّاذِرُ وَرَغِبَ فِيهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ لَهُ فِيهِ كَانَ النَّذْرُ تَبَرُّرًا فَيَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَهُ لِعَمْرٍو وَإِنْ كَرِهَهُ النَّاذِرُ أَوْ لَمْ يَرْغَبْ فِيهِ كَانَ نَذْرَ لَجَاجٍ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَ عَمْرًا مَا الْتَزَمَهُ لَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ وَيَنْعَقِدُ النَّذْرُ بِقَوْلِهِ هِيَ نَذْرٌ عَلَيْك وَإِنْ كَانَ مَازِحًا عَلَى أَنَّ الصِّيغَةَ تَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَهُوَ صَحِيحٌ مَعَ الْمَزْحِ أَيْضًا وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَرَدْت غَيْرَهَا لِأَنَّ كَلَامَهُ صَرِيحٌ فِيهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِرَجُلٍ فَنَذَرَ عَلَى آخَرَ بِجَمِيعِ أَمْلَاكِهِ أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ مَا الْحُكْمُ وَإِنْ كَانَ النَّاذِرُ أَوْ الْوَاقِفُ هُوَ الضَّامِنُ هَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَصِيلِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ مَالَهُ وَلَيْسَ لَهُ جِهَةٌ ظَاهِرَةٌ يَرْجُو الْوَفَاءَ مِنْهَا فَنَذَرَ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ ذَلِكَ النَّذْرُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ قَيَّدَا لُزُومَ التَّصَدُّقِ بِكُلِّ الْمَالِ فِي قَوْلِ الْأَصْحَابِ لَوْ نَذَرَ مَالَهُ لِسَبِيلِ اللَّهِ لَزِمَهُ التَّصَدُّقُ بِكُلِّهِ عَلَى الْغُزَاةِ.
فَقَالَا وَمَحَلُّ لُزُومِ التَّصَدُّقِ بِكُلِّ مَالِهِ فِيمَا تَقَرَّرَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً أَوْ لَيْسَ لَهُ مَنْ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتَهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى صَرْفِهِ لَهُ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ لِذَلِكَ لِعَدَمِ تَنَاوُلِهِ لَهُ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِذَلِكَ. اهـ. وَبِهِ عُلِمَ انْعِقَادُ النَّذْرِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِمَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَرْجُ الْوَفَاءَ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ لِدَيْنِهِ كَانَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْوَفَاءِ بِهِ مُتَعَيِّنًا لِلْوَفَاءِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّذْرُ وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ عَدَمِ انْعِقَادِ النَّذْرِ هُنَا وَانْعِقَادِهِ لِبَعْضِ الْأَوْلَادِ وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الْمَنْذُورَ بِهِ هُنَا مُتَعَيِّنُ الصَّرْفِ إلَى الدَّيْنِ أَوْ الْعِيَالِ أَوْ النَّفْسِ إذَا لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْإِضَافَةِ وَحَيْثُ تَعَيَّنَ صَرْفُهُ لِذَلِكَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّذْرُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْقُرْبَةَ الذَّاتِيَّةَ.
وَإِنْ اقْتَرَنَ بِهَا حُرْمَةٌ أَوْ كَرَاهَةٌ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَالتَّصَدُّقُ بِالْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لِمَا ذُكِرَ لَيْسَ قُرْبَةً مُطْلَقًا لَا لِذَاتِهِ وَلَا لِأَمْرٍ عَارِضٍ وَأَمَّا إعْطَاءُ بَعْضِ الْأَوْلَادِ فَهُوَ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الصَّدَقَةِ الْمَنْدُوبَةِ وَالْكَرَاهَةُ فِيهِ إنَّمَا هِيَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ فَلَمْ يَمْنَعْ انْعِقَادَ النَّذْرِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لِأَمْرٍ خَارِجَ قَوْلِهِمْ لَا يُكْرَهُ تَخْصِيصُ بَعْضِ الْأَوْلَادِ لِنَحْوِ فَقْرٍ أَوْ عِلْمٍ وَأَمَّا الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِمَا مَرَّ فَالْحُرْمَةُ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ أَمْرٌ ذَاتِيٌّ لَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُهُ عَنْهُ فَاتَّضَحَ فُرْقَانُ مَا بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَإِنْ قُلْتَ يُمْكِنُ زَوَالُ الْحُرْمَةِ بِرِضَا الدَّائِنِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ قُلْت إذَا وُجِدَ رِضَاهُ خَرَجَتْ الْمَسْأَلَةُ عَنْ فَرْضِهَا الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ وَهُوَ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى صَرْفِ الْمَنْذُورِ بِهِ فِي الدَّيْنِ وَمَعَ الرِّضَا لَا احْتِيَاجَ فَلَمْ تُوجَدْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فَلَا يَرِدُ ذَلِكَ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَبَعْدَ أَنْ تَقَرَّرَ لَك ذَلِكَ فِي النَّذْرِ وَاتَّضَحَ فَلَا يَخْفَى عَلَيْك إلْحَاقُ الْوَقْفِ بِالنَّذْرِ إذْ هُمَا مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا قُرْبَةٌ وَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ فِي مَكْرُوهٍ وَلَا مَحْرَمٍ فَلَوْ كَانَ لِمَدِينٍ أَرْضٌ مُتَعَيِّنَةُ الصَّرْفِ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ الَّذِي لَا يَرْجُو لَهُ الْوَفَاءَ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ غَيْرِهَا فَوَقَفَهَا لَمْ يَنْعَقِدْ وَقْفُهُ ثُمَّ رَأَيْتُ الْأَصْبَحِيَّ أَطْلَقَ فِي فَتَاوِيهِ صِحَّةَ وَقْفِ الْمَدْيُونِ فِي صِحَّتِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْته بِأَنْ يَكُونَ لَهُ جِهَةٌ ظَاهِرَةٌ يَرْجُو الْوَفَاءَ مِنْهَا فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ وَقْفُهُ وَإِنْ كَانَ مَدِينًا وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الضَّمَانِ أَنَّ الدَّيْنَ الْمَضْمُونَ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ كَمَا أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ إذْ حَقِيقَةُ الضَّمَانِ ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ وَإِذَا ثَبَتَ لُزُومُ الدَّيْنِ لَزِمَتْهُ فَيَكُونُ نَذْرُهُ وَوَقْفُهُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ الضَّامِنِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ نَذْرٌ
стр. 1216
وَلَا وَقْفٌ لَهُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ شَخْصٍ نَذَرَ عَلَى آخَرَ بِقِطْعَةٍ مِنْ دَارِهِ ثُمَّ مَنَعَ النَّاذِرُ الْمَنْذُورَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُرُورِ فِي الدَّارِ إلَى الْقِطْعَةِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ ﵎ بِهِ بِقَوْلِهِ الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَحْتَاجُ إلَى مُقَدِّمَةٍ وَهِيَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ بَيْعَ الْإِنْسَانِ لِقِطْعَةٍ مِنْ أَرْضٍ مَحْفُوفَةٍ بِمِلْكِهِ مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ صَحِيحٌ وَلِلْمُشْتَرِي الْمَمَرُّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِعْتُكَهَا بِحُقُوقِهَا لِتَوَقُّفِ النَّفْعِ عَلَيْهَا فَهُوَ كَبَيْعِهَا بِحُقُوقِهَا فَإِنْ شَرَطَ الْمَمَرَّ مِنْ جَانِبٍ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ أَوَنَفَاهُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ لِتَعَذُّرِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ حَالًّا.
وَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ مَمَرٍّ لَهُ بَعْدُ وَشَرَطَ الْبَغَوِيّ عَدَمَ إمْكَانِ تَحْصِيلِهِ وَحَيْثُ اشْتَرَى مَا يَلِي مِلْكَهُ أَوْ الشَّارِعَ مَرَّ فِي أَحَدِهِمَا لَا فِي مِلْكِ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ قَالَ بِحُقُوقِهَا وَمَنْ بَاعَ دَارًا وَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ بَيْتًا مِنْهَا مَرَّ مِنْهَا إلَيْهِ مَا لَمْ يَتَّصِلْ الْبَيْتُ بِمِلْكِهِ أَوْ شَارِعٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فَإِنْ نَفَى الْمَمَرَّ وَلَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُهُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ كَبَيْعِ ذِرَاعٍ مِنْ ثَوْبٍ يَنْقُصُ بِالْقَطْعِ وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ هِبَتُهُ وَمَا لَا فَلَا غَالِبًا فِيهِمَا وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ نَحْوُ حَبَّتَيْ الْحِنْطَةِ فَتَجُوزُ هِبَتُهُمَا وَإِنْ امْتَنَعَ بَيْعُهُمَا ذَكَرَهُ فِي الْمِنْهَاجِ وَاعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ إذْ لَا مَحْذُورَ فِي التَّصْدِيقِ بِتَمْرَةٍ أَوْ بِشِقِّهَا فَكَذَا فِي الْهِبَةِ لَكِنْ قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ إنَّ مَا فِي الْمِنْهَاجِ سَبْقُ قَلَمٍ أَوْ وَهْمٌ لِمَا فِي الرَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ مَا لَا يَتَمَوَّلُ لِحَبَّةِ حِنْطَةٍ أَوْ زَبِيبَةٍ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ. اهـ. وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَلْ الْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَرَادَ بِهِبَتِهِ نَقْلَ الْيَدِ عَنْهُ كَمَا مَالَ إلَيْهِ الْإِمَامُ وَالثَّانِي مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَرَادَ تَمْلِيكَهُ لِتَعَذُّرِ تَمْلِيكِهِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَنَذْرُ قِطْعَةِ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ يُحْتَمَلُ تَخْرِيجُهُ عَلَى بَيْعِهَا فَيَأْتِي فِي نَذْرِهَا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَيْعِهَا فَيَصِحُّ النَّذْرُ بِهَا وَإِنْ احْتَفَتْ بِمِلْكِ النَّاذِرِ مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ وَلِلْمَنْذُورِ لَهُ الْمَمَرُّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ النَّاذِرُ بِحُقُوقِهَا وَيَبْطُلُ إنْ شَرَطَ لَهُ الْمَمَرَّ مِنْ جَانِبٍ مُبْهَمٍ أَوْ نَفَاهُ وَإِذَا نَذَرَ لَهُ بِمَا يَلِي مِلْكَهُ أَوْ الشَّارِعَ مَرَّ فِي أَحَدِهِمَا لَا فِي مِلْكِ النَّاذِرِ إلَّا أَنْ قَالَ بِحُقُوقِهَا وَمَنْ نَذَرَ بِدَارٍ وَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ بَيْتًا مِنْهَا مَرَّ مِنْهُمَا إلَيْهِ مَا لَمْ يَتَّصِلْ الْبَيْتُ بِمِلْكِهِ أَوْ بِشَارِعٍ فَإِنْ نَفَى الْمَمَرَّ وَلَمْ يَكُنْ تَحْصِيلُهُ لَمْ يَصِحَّ النَّذْرُ هَذَا كُلُّهُ مَا يَقْتَضِيهِ قِيَاسُ النَّذْرِ عَلَى الْبَيْعِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا يَقْتَضِي الْمِلْكَ وَإِنْ افْتَرَقَا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ وَيُحْتَمَلُ تَخْرِيجُهُ عَلَى هِبَتِهَا فَيَأْتِي فِي نَذْرِهَا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هِبَةِ مَا لَا يَتَمَوَّلُ فَعَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ يَصِحُّ نَذْرُهَا مُطْلَقًا وَلِلْمَنْذُورِ لَهُ الْمَمَرُّ إلَيْهَا مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِمِلْكِهِ أَوْ بِالشَّارِعِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى الْمُرُورِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَأَمَّا عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ الْحَمْلِ فَلَا يَأْتِي ذَلِكَ إلَّا إنْ أَرَادَ بِالنَّذْرِ بِهَا فِي الصُّورَةِ الَّتِي لَا يُنْتَفَعُ بِهَا فِيهَا بِأَنْ شَرَطَ النَّاذِرُ عَدَمَ الْمَمَرِّ إلَيْهَا مِنْ مِلْكِهِ وَلَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ مَمَرٍّ آخَرَ لَهَا نَقْلُ الْيَدِ عَنْهَا لَا تَمْلِيكُهَا وَأَمَّا عَلَى مَا فِي الرَّافِعِيِّ
وَكَذَا عَلَى مَا بَحَثْنَاهُ إنْ أَرَادَ بِالنَّذْرِ بِهَا فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ تَمْلِيكَهَا فَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِهَا وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ هُوَ الثَّانِي أَعْنِي قِيَاسَ النَّذْرِ عَلَى الْهِبَةِ لَا عَلَى الْبَيْعِ لِأَنَّ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالنَّذْرِ تَجَانُسًا أَعَمَّ وَهُوَ مُطْلَقُ إفَادَةِ الْمِلْكِ وَبَيْنَ النَّذْرِ وَالْهِبَةِ تَجَانُسًا أَخَصَّ وَهُوَ إفَادَةُ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا قُرْبَةً بِذَاتِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّشَابُهَ الْأَخَصَّ أَوْلَى رِعَايَةً مِنْ التَّشَابُهِ الْأَعَمِّ فَكَانَ إلْحَاقُ النَّذْرِ بِالْهِبَةِ أَوْلَى وَأَحَقَّ وَحِينَئِذٍ فَيَصِحُّ نَذْرُ الْقِطْعَةِ الْمَذْكُورَةِ مُطْلَقًا حَتَّى فِي الصُّورَةِ الَّتِي لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا فِيهَا بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْمِنْهَاجِ وَكَذَا عَلَى مَا مَرَّ عَنْ غَيْرِهِ إنْ أَرَادَ نَقْلَ الْيَد لَا التَّمْلِيكَ وَلِلْمَنْذُورِ لَهُ الْمَمَرُّ مِنْ مِلْكِ النَّاذِرِ إلَيْهَا مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِمِلْكِهِ أَوْ بِشَارِعٍ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ نَذَرْت عَلَيْك بِكَذَا صِيغَةٌ صَحِيحَةٌ أَوْ لَا وَكَيْفَ كَيْفِيَّةُ الصِّيغَةِ الَّتِي لَا خِلَافَ فِيهَا لِمَنْ أَرَادَ النَّذْرَ بِمَالٍ عَلَى آخَرَ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ نَذَرْت مِنْ صَرَائِحِ النَّذْرِ لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ مَحَلُّهُ حَيْثُ كَانَ الْمُلْتَزَمُ قُرْبَةً أَوْ أُضِيفَ لِمَا يُتَقَرَّبُ بِهِ كَنَذَرْتُ لِلْفُقَرَاءِ بِخِلَافِ نَذَرْت لِفُلَانٍ بِكَذَا قَالَ فَهَذِهِ مُحْتَمَلَةٌ لِلنَّذْرِ وَغَيْرِهِ فَيَظْهَرُ أَنَّهَا كِنَايَةٌ. اهـ. وَكَلَامُ الْأَنْوَارِ قَدْ يَدُلُّ لِمَا قَالَهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَوْجَهُ أَنَّهَا صَرِيحٌ مُطْلَقًا لِشُهْرَتِهَا
стр. 1217
وَوُرُودِ أَصْلِهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نَذَرْت لَك وَنَذَرْت عَلَيْك بِكَذَا وَالْأَوْلَى لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْذِرَ لِغَيْرِهِ بِمَالٍ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْطِيَك أَوْ أَتَصَدَّقَ عَلَيْك بِهِ أَوْ بِكَذَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا إذَا أَرَادَ الشَّخْصُ أَنْ يَنْذِرَ بِمَالٍ عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ مَشْهَدٍ صَالِحٍ كَيْفَ الصِّيغَةُ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقِفَ قِطْعَةً مِنْ الْأَرْضِ لِيَحْصُلَ مِنْ غَلَّتِهَا زَادٌ وَيَصْرِفُ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ فِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مَشْهَدٍ صَالِحٍ مُعَيَّنٍ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَقِفَهَا لِيَشْتَرِيَ مِنْ غَلَّتِهَا شَمْعًا أَوْ نَحْوَهُ لِيَسْرُجَ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا كَيْفَ كَيْفِيَّةُ الصِّيغَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كَيْفِيَّةُ صِيغَةِ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا لِهَذَا الْمَسْجِدِ أَوْ لِمَصَالِحِهِ أَوْ لِمَصَالِحِ هَذَا الْمَشْهَدِ أَوْ الْمُقِيمِينَ بِهِ أَوْ نَحْوِهِمْ أَوْ أَنْ يَقُولَ وَقَفْت هَذَا عَلَى الْمُحْتَاجِينَ بِمَحَلِّ كَذَا لِيَشْتَرِيَ مِنْ غَلَّتِهِ زَادًا وَيُصْرَفَ إلَيْهِمْ أَوْ وَقَفْت هَذَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غَلَّتِهِ شَمْعًا أَوْ نَحْوَهُ لِيُسْرَجَ فِي مَحَلِّ كَذَا وَمَرَّ أَنَّ صِحَّةَ الْوَقْفِ عَلَى السِّرَاجِ نَحْوُ الشَّمْعِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَنْتَفِعُ بِالْوَقُودِ وَلَمْ يَقْصِدْ التَّقَرُّبَ إلَى مَنْ فِي الْقَبْرِ وَلَا التَّنْوِيرِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ حُكْمِ النَّذْرِ لِلْكَافِرِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَجُوز النَّذْرُ لِلْكَافِرِ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ قُرْبَةٌ كَمَا يَجُوزُ لِلْغَنِيِّ لِذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الشَّخْصِ إذَا نَذَرَ لِوَلَدِهِ شَيْئًا فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ أَمْ لَا أَفْتَى الْفَقِيهُ جَمَالُ الدِّينِ الْوَصِيُّ الْمَشْهُورُ بِالْبَصَّالِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ قَالَ الْأَزْرَقِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ وَالْأَوَّلُ أَقْوَمُ فَفِي الرَّوْضَةِ الصَّدَقَةُ الْمَذْكُورَةُ كَالزَّكَاةِ وَالدَّيْنُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَكَمَا لَا يَرْجِعُ فِيمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ فَمَا الْأَرْجَحُ مِنْ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إنَّ مَأْخَذَ مَنْ أَفْتَى بِالرُّجُوعِ إلْحَاقُ النَّذْرِ فِي الْحُكْمِ بِالصَّدَقَةِ مَسْلُوكًا بِهِ مَسْلَكٌ جَائِزُ الشَّرْعِ وَقَدْ قَالَ فِي الْهِبَةِ مِنْ أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ نَوْعٌ مِنْ الْهِبَةِ وَقَدْ أَطْلَقَ فِي الْحَدِيثِ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ لَكِنْ صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ مَنْعَ الرُّجُوعِ قَالَ لِأَنَّ قَصْدَ الْمُتَصَدِّقِ الثَّوَابَ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ بِهِ فَعَلَى مَا فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ لَا وَجْهَ لِلْإِفْتَاءِ بِالرُّجُوعِ فِي مَسْأَلَةِ النَّذْرِ وَأَمَّا عَلَى مَا فِي الْكَبِيرِ وَالرَّوْضَةِ وَهُوَ الْأَرْجَحُ فَلَهُ وَجْهٌ لَكِنْ أَوْجَهُ مِنْهُ مُفَارَقَةُ النَّذْرِ لِلصَّدَقَةِ مِنْ حَيْثُ الْوُجُوبُ بِالنَّذْرِ فَالرَّاجِحُ مَنَعَ مِنْهُ الرُّجُوعَ فِيهِ حَيْثُ وُجِدَتْ صِيغَةُ نَذْرٍ صَحِيحَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ شَخْصٍ نَذَرَ لِلْآخَرِ بِرُبُعِ مَالِهِ مَثَلًا مُعَلَّقًا بِشَيْءٍ كَقَبْلِ مَرَضِ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ إنْ مَاتَ بِمَرَضٍ وَسَاعَةَ إنَّ مَاتَ فَجْأَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ فَهَلْ يَتَنَاوَلُ النَّذْرُ الْمُعَلَّقُ الْمَذْكُورُ مَا حَدَثَ مِنْ مَالِ النَّاذِرِ وَلَوْ بَعْدَ النَّذْرِ وَقَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ أَوْ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مَا كَانَ مَوْجُودًا حَالَ تَلَفُّظِهِ بِالنَّذْرِ وَهَلْ هُوَ كَالْوَصِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَوْ لَا وَهَلْ لِصَاحِبِ النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ بِصِفَةِ التَّصَرُّفِ فِي شَيْءٍ عَيَّنَهُ لِلنَّذْرِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ أَوْ لَا وَمَا الْمُعْتَمَدُ الْمُفْتَى بِهِ فِي ذَلِكَ فَقَدْ اضْطَرَبَ فِي ذَلِكَ فَتَاوَى الْمُتَأَخِّرِينَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كَلَامُهُمْ إنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَ النَّذْرِ وَقَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ لَا يَتَنَاوَلُهُ النَّذْرُ فَفِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ بِنَخْلَةٍ إنْ شَفَى اللَّهُ تَعَالَى مَرِيضَهُ مَثَلًا لَمْ تَدْخُلْ ثَمَرَتُهَا الْحَادِثَةُ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ الشِّفَاءُ فِي صُورَتِنَا بِخِلَافِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ الشَّرْطِ فَإِنَّهَا تَتْبَعُ الْأَصْلَ قَالَ بَعْضُهُمْ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْجَوَاهِرِ أَنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ الْمَوْجُودَةِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَا تَتْبَعُ الْأَصْلَ تَأَبَّرَ أَوْ لَا وَفِيهِ نَظَرٌ. اهـ. وَمَادَّةُ نَظَرِهِ النَّظَرُ إلَى مَا فِي الْبَيْعِ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْمُؤَبَّرِ وَغَيْرِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْبَيْعَ أَقْوَى مِنْ النَّذْرِ فَاقْتَضَى اسْتِتْبَاعَ غَيْرِ الْمُؤَبَّرِ بِخِلَافِ النَّذْرِ فَإِنَّهُ قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ ضَعِيفٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يُوجَدَ شَرْطُهُ فَيَكُونُ لَغْوًا مِنْ أَصْلِهِ فَلَمْ يَقْتَضِ الِاسْتِتْبَاعَ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ مُطْلَقًا وَهَذَا فَرْقٌ ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مَا يُعْلَمُ مِنْهُ فَرْقٌ آخَرُ وَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ عَلِمْت مِنْهُ مَا ذَكَرْتُهُ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ الْمُتَوَلِّدَةَ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ الْمَنْذُورِ بَعْدَ النَّذْرِ وَقَبْلَ الشَّرْطِ إذَا لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهِ مَا حَدَثَ لَهُ مِنْ مَالٍ لَمْ يَكُنْ حَالَ النَّذْرِ هُوَ وَلَا أَصْلُهُ فَإِنْ قُلْت يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ مَا حَدَثَ مِنْ الْمَالِ
стр. 1218
يَشْمَلُهُ قَوْلُهُ بِرُبُعِ مَالِي فَلْيَدْخُلْ فِيهِ بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي مُسَمَّى النَّخْلَةِ الْمَنْذُورَةِ قُلْت نَفْيُ عَدَمِ دُخُولِهَا مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ بَلْ تَدْخُلُ فِي مُسَمَّاهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَلِذَا قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الشَّجَرَةَ دَخَلَتْ ثَمَرَتُهَا غَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ هُنَا مُطْلَقًا فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ الْمَلْحَظُ فِي عَدَمِ دُخُولِهَا شُمُولَ الِاسْمِ لَهَا أَوْ عَدَمِهِ وَإِنَّمَا الْمَلْحَظُ فِي ذَلِكَ إلْحَاقُهُمْ النَّذْرَ بِالطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ فِي تَقْيِيدِهِ بِالْمَمْلُوكِ وَإِلْغَائِهِ فِي غَيْرِهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ «لَا نَذْرَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ»
فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مَالِهِ الْمَنْذُورِ بِرُبُعِهِ مَا حَدَثَ بَعْدَ النَّذْرِ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ لَمْ يَكُنْ سَبَبَ دُخُولِهِ إلَّا النَّذْرُ وَالنَّذْرُ غَيْرُ صَالِحٍ لَأَنْ يَتَنَاوَلَ غَيْرَ الْمَمْلُوكِ عِنْدَ صِيغَتِهِ فَتَعَذَّرَ دُخُولُ مَا حَدَثَ فِيهِ سَوَاءٌ أَكَانَ تَابِعًا أَوْ مُسْتَقِلًّا وَكَذَا الثَّمَرَةُ الْحَادِثَةُ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الشَّرْطِ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ عِنْدَهُ فَلَمْ يَشْمَلْهَا وَلَمْ تَتْبَعْ أَصْلَهَا فِي ذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ فَاسْتَوَتْ الصُّورَتَانِ أَعْنِي نَذْرَهُ بِرُبُعِ مَالِهِ وَنَذْرَهُ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى الظَّاهِرِ الَّذِي قَرَّرْتُهُ وَبِهِ ظَهَرَتْ أَيْضًا أَوْلَوِيَّةُ عَدَمِ دُخُولِ الْمَالِ الْحَادِثِ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ التَّبَعِيَّةَ فِيهَا لِلشَّجَرَةِ أَقْوَى مِنْهَا فِي الْمَالِ الْحَادِثِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَوْجُودِ حَالَ النَّذْرِ بَلْ عِنْدَهُ التَّحْقِيقُ لَا تَبَعِيَّةَ هُنَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَادِثِ وَالْمَوْجُودِ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُتَوَقِّفِ وُجُودُهُ عَلَى وُجُودِ غَيْرِهِ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الصَّلَاحِ ذَكَرَ مَا يُؤَيِّدُ الْفَرْقَ الَّذِي ذَكَرْته فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ نَذْرِ التَّصَدُّقِ بِثُلُثَيْ مَا يَحْصُلُ مِنْ غَلَّةِ أَرْضٍ وَقَفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ هَلْ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَالَ النَّذْرِ مَالِكًا لِمَا يَتَحَصَّلُ لَهُ مِنْ الْمُغَلِّ قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ فِي التَّتِمَّةِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ خِلَافَ هَذَا وَإِنَّ الْأَظْهَرَ عِنْدَهُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يُعَلِّقَ زَوَالَ مِلْكِهِ عَنْ الْمُغَلِّ بِحُصُولِهِ أَيْ يَصِيرُ صَدَقَةً بِذَلِكَ فَهَذَا وَنَحْوُهُ لَا يَصِحُّ كَمَا ذُكِرَ وَبَيْنَ أَنْ يَلْتَزِمَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حِينَئِذٍ فَيَصِحُّ. اهـ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ صُورَتَيْهِ هَاتَيْنِ أَنَّ الْأُولَى فِيهَا نَذْرُ التَّصَدُّقِ بِمُعَيَّنٍ قَبْلَ مِلْكِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إلَّا الْتِزَامُ التَّصَدُّقُ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ رَأَيْته فِي الرَّوْضَةِ ذَكَرَ مَا يُصَرِّحُ بِهَذَا الْفَرْقِ حَيْثُ قَالَ يُشْتَرَطُ فِي نَذْرِ الْقُرْبِ الْمَالِيَّةُ كَالصَّدَقَةِ أَنْ يَلْتَزِمَهَا فِي الذِّمَّةِ أَوْ يُضِيفَ إلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُهُ فَإِنْ قُلْت فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْوَصِيَّةِ فَإِنَّهَا تَتَنَاوَلُ مَا حَدَثَ وَأَيْضًا فَقَدْ أَلْحَقَ بِهَا فِي صِحَّتِهِ بِالْمَجْهُولِ فَفِي نَفَائِسِ الْأَزْرَقِ النَّذْرُ بِالْمَجْهُولِ كَالْوَصِيَّةِ بِهِ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ قَوِيمٌ فَقَدْ أَفْتَى الْفَقِيهُ أَحْمَدُ بْنُ حَسَنٍ الْحِلِّيُّ بِأَنَّهُ يَصِحُّ النَّذْرُ بِحِمْلِ الْبَهِيمَةِ وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ بِثُلُثَيْ غَلَّةٍ سَتَحْصُلُ لَهُ صَحَّ نَذْرُهُ أَيْ بِتَفْصِيلِهِ السَّابِقِ. اهـ. وَأَفْتَى الْقَاضِي بِمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ لَوْ قَالَ إنْ شَفَى اللَّهُ تَعَالَى مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِخُمُسِ مَا يَحْصُلُ لِي مِنْ الْمُعَشَّرَاتِ فَشُفِيَ لَزِمَهُ التَّصَدُّقُ بِذَلِكَ وَمِمَّا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ أَيْضًا قَوْلُ الْأَصْحَابِ لَهُ نَذْرُ الْهَدِيَّةِ أَوْ الصَّدَقَةِ لَزِمَهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَقَوْلُ الْأَنْوَارِ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ يُعْتِقَ أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا لَزِمَهُ التَّصَدُّقُ بِالْبَاقِي أَوْ إعْتَاقُهُ وَفِي الْكِفَايَةِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ كَمَا ذَكَرْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَبَيَّنْت فِيهِ أَنَّ الْبَغَوِيَّ أَفْتَى بِذَلِكَ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ أَيْضًا إفْتَاءُ الْبُلْقِينِيُّ بِصِحَّةِ النَّذْرِ بِثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ قُلْت الْفَرْقُ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْوَصِيَّةِ فِي تَنَاوُلِهَا مَا حَدَثَ بِخِلَافِهِ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْإِلْزَامَ وَالِالْتِزَامَ فِيهِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَلِهَذَا كَانَتْ عَقْدًا جَائِزًا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا بِخِلَافِ النَّذْرِ وَقَالَ كَثِيرُونَ بِصِحَّتِهَا مِنْ السَّفِيهِ وَبِبُطْلَانِهِ مِنْهُ فَنَاسَبَ كَوْنَ الْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ فِيهِ حَالًّا اعْتِبَارُ وُجُودِ مَا عَلَّقَ النَّذْرَ بِهِ حَالَ النَّذْرِ وَعَدَمِ تَعَدِّيهِ إلَى مَا حَدَثَ بَعْدَهُ لِانْقِضَاءِ الِالْتِزَامِ فِيهِ بِانْقِضَاءِ صِيغَةِ النَّذْرِ
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَلَمَّا أُنِيطَ الِالْتِزَامُ فِيهَا بِالْمَوْتِ لَمْ يَعْتَبِرْ الْمَالَ الْمَوْجُودَ عِنْدَهَا بَلْ عِنْدَ مَا نِيطَتْ بِهِ وَهُوَ الْمَوْتُ وَمِنْ الْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَهُمَا أَيْضًا أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ بِالْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ وَالطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ وَلَا كَذَلِكَ النَّذْرُ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ تَوَسَّعُوا فِيهَا مَا لَمْ يَتَوَسَّعُوا فِيهِ فَإِنْ قُلْت فَمَا بَالُهُ أَلْحَقَ بِهَا فِي صِحَّتِهِ بِالْمَجْهُولِ قُلْت الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا لَا مُعَاوَضَةَ
стр. 1219
فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَحْضُ تَبَرُّعٍ فَسَاوَاهَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَصَحَّ بِالْمَجْهُولِ لِأَنَّ الْجَهْلَ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيمَا فِيهِ مُعَاوَضَةٌ وَنَحْوُهَا حَذَرًا مِنْ الْغَرَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تُسَاوِيهِمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ لِظُهُورِ الْجَاهِ بَيْنَهُمَا فِيهِ تُسَاوِيهِمَا فِي حُكْمٍ آخَرَ غَيْرِهِ سِيَّمَا مَعَ ظُهُورِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا فِيهِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَالْكَلَامُ فِيهَا يَنْبَنِي عَلَى رَفْعِ الْخِلَافِ فِيهَا بَيْنَ الْأَصْحَابِ وَهِيَ مَا لَوْ عَلَّقَ شِفَاءَ مَرِيضِهِ بِعِتْقِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ لَهُ ثُمَّ عَلَّقَهُ أَيْضًا بِقُدُومِ غَائِبِهِ فَالْقَاضِي يَقُولُ كَمَا فَهِمَهُ عَنْهُ. الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ بِعَدَمِ انْعِقَادِ النَّذْرِ الثَّانِي وَيُعْتِقُ عَنْ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الشِّفَاءُ وَإِنْ سَبَقَهُ الْقُدُومُ لِأَنَّهُ بَانَ بِالشِّفَاءِ أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْهُ لِسَبْقِهِ.
وَالْعَبَّادِيُّ يَقُولُ بِانْعِقَادِ النَّذْرِ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ وَيَعْتِقُ بِالسَّابِقِ مِنْهُمَا فَإِنْ وُجِدَا مَعًا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا وَثَمَرَةُ الْإِقْرَاعِ وَإِنْ اتَّحَدَ الزَّمَنُ فِي عِتْقِهِ حِينَئِذٍ بَيَانُ وُقُوعِهِ عَمَّنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَهُ مِنْ أَحَدِ النَّذْرَيْنِ وَإِنْ كُنَّا لَا نُوجِبُ لِلْآخَرِ شَيْئًا كَمَا فِي السَّبْقِ هَذَا مَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ فَتَاوَى الْقَاضِي عَنْ الْعَبَّادِيِّ وَأَقَرَّهُ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الَّذِي فِي فَتَاوَى الْقَاضِي عَنْ الْعَبَّادِيِّ غَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ النَّذْرَ الثَّانِيَ مَوْقُوفٌ فَبِالشِّفَاءِ قَبْلَ الْقُدُومِ أَوْ مَعَهُ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الثَّانِيَ لَمْ يَنْعَقِدْ وَالْعَبْدُ مُسْتَحِقُّ الْعِتْقِ عَنْ الْأَوَّلِ وَإِنْ مَاتَ انْعَقَدَ الثَّانِي وَعَتَقَ الْعَبْدَ عَنْهُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ الْبَغَوِيّ وَجَرَى عَلَيْهِ فِي فَتَاوِيهِ لَكِنْ خَصَّهُ بِمَا إذَا قَالَ إنْ شُفِيَ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ هَذَا ثُمَّ قَالَ إنْ قَدِمَ غَائِبِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَهُ وَشَبَهُهُ بِمَا إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا.
وَقَالَ هَذَا عَنْ كَفَّارَةِ قَتْلٍ إنْ كَانَ عَلَيَّ كَفَّارَةُ قَتْلٍ وَإِلَّا عَنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَعِتْقُهُ عَنْ الْيَمِينِ مَوْقُوفٌ فَإِنْ بَانَ أَنَّهُ كَفَّرَ عَنْ الْقَتْلِ وَقَعَ عَنْ الْيَمِينِ وَإِلَّا فَعَنْ الْقَتْلِ وَقَالَ فِيمَا إذَا أَبْدَلَ فَعَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ بِقَوْلِهِ فَعَبْدِي هَذَا حُرٌّ أَوْ فَعَلَيَّ عِتْقُهُ أَنَّهُمَا حَصَلَا وَلَا عِتْقَ لِلْعَبْدِ عَنْهُ وَإِنْ وَقَعَا مَعًا عَتَقَ وَلِظُهُورِ عَدَمِ الْفَرْقِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بَيْنَ فَعَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ وَعَلَيَّ عِتْقٌ وَعَبْدِي هَذَا حُرٌّ وَإِنْ اقْتَرَفَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الصِّيغَةَ الْأُولَى أَنْ يَقُولَ مِنْ إنْشَاءِ عِتْقٍ بِخِلَافِ نَحْوِ عَبْدِي حُرٌّ قَالَ الْقَمُولِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ الظَّاهِرُ أَنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى أَنْ يَقُولَ إنْ شَفَى اللَّهُ تَعَالَى مَرِيضِي فَعَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَهُ وَإِلَّا فَإِنْ قَدِمَ غَائِبِي فَعَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَهُ وَيَدُلُّ لَهُ التَّشْبِيهُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَحِينَئِذٍ اتَّضَحَ الْوَقْفُ فِي الْأُولَى لِأَنَّ قَوْلَهُ وَإِلَّا إلَخْ ظَاهِرٌ فِي التَّرْتِيبِ مَا بَعْدَ الْأَعْلَى عَدَمُ الشِّفَاءِ.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الشِّفَاءُ نَفَذَ الثَّانِي وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَنْفُذْ وَهَذَا عَيْنُ الْوَقْفِ الَّذِي سَبَقَ بِخِلَافٍ مَعَ إسْقَاطِ إلَّا فَإِنَّهُمَا يَكُونَانِ تَعْلِيقَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجِدَ أَوَّلًا عَمِلَ عَمَلَهُ فَاتَّضَحَ كَلَامُ الْبَغَوِيِّ وَتَفْرِقَتُهُ الْمَذْكُورَةُ وَعَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى شَيْخَهُ الْقَاضِيَ أَطْلَقَ إلْغَاءَ النَّذْرِ الثَّانِي وَالْعَبَّادِيُّ عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ أَطْلَقَ انْعِقَادَهُ وَعَلَى مَا فِي غَيْرِهَا أَطْلَقَ وَقْفَهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْإِطْلَاقَيْنِ بِحَمْلِ كُلٍّ عَلَى حَالِهِ مِمَّا ذُكِرَ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ تَأْوِيلِ كَلَامِهِ بِمَا مَرَّ هَذَا مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْأَصْحَابِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا مَسْأَلَتُنَا.
فَعَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْقَاضِي تَكُونُ التَّصَرُّفَاتُ فِي النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ قَبْلَ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ بِهِ بَاطِلَةً لِأَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَالَ هُنَا بِبُطْلَانِ التَّعْلِيقِ الثَّانِي حَتَّى لَوْ وُجِدَ الْقُدُومُ أَوْ لَا لَمْ يَقَعْ الْعِتْقُ الْمُعَلَّقُ بِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِبُطْلَانِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَنْذُورِ بِبَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِ وَوَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إلَى الْعِتْقِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ فِيمَا إذَا وُجِدَ الْقُدُومُ أَوَّلًا لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ تَعْلِيقَهُ بَاطِلٌ لِوُجُودِهِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَنْذُورِ الْعِتْقَ بِالنَّذْرِ الْأَوَّلِ الْمُعَلَّقِ بِالشِّفَاءِ وَلَوْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الثَّانِي لَزِمَ فِي صُورَةِ تَقَدُّمِ الْقُدُومِ إلْغَاءُ الْأَوَّلِ كَمَا أَنَّا لَوْ قُلْنَا بِصِحَّةِ نَحْوِ الْبَيْعِ لَزِمَ إلْغَاءُ الْعِتْقِ مَثَلًا فَإِذَا لَمْ يَسْمَحْ بِمَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ فِي تَرْتِيبِ الْعِتْقِ عَلَيْهِ أَيْضًا بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّرْتِيبُ عَلَيْهِ نَاجِزًا وَقَطْعِيًّا فِي صُورَةِ تَقَدُّمِ الْقُدُومِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَسْمَحَ بِمَا يُوجِبُ بُطْلَانِ الْمَنْذُورِ لَا إلَى خِلْفٍ بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ الْبَيْعُ وَنَحْوُهُ وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى كَلَامِ الْقَاضِي.
وَأَمَّا عَلَى كَلَامِ الْعَبَّادِيِّ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَيَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِي الْمَنْذُورِ الْمُعَلَّقِ وَإِنْ أَدَّى إلَى بُطْلَانِ النَّذْرِ مَا لَمْ يُلَاحِظْ الْفَرْقَ الْآتِي وَعَلَى كَلَامِ الْبَغَوِيِّ الَّذِي وَافَقَ عَلَيْهِ الْعَبَّادِيُّ عَلَى مَا مَرَّ يَكُونُ التَّصَرُّفُ
стр. 1220
مَوْقُوفًا فَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ بِأَنَّ بُطْلَانَ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ وَإِلَّا فَلَا فَإِنْ قُلْت فَمَا الرَّاجِحُ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَصْحَابِ حَتَّى نَعْرِفَ الرَّاجِحَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ قُلْت الرَّاجِحُ مَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ وَإِنْ اُعْتُرِضَ بِمَا سَبَقَ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ بِمَا يُؤَيِّدُهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ تَالِيَ قُدُومِهِ.
وَإِنْ قَدِمَ عَمْرٌو فَعَلَيَّ صَوْمُ أَوَّلِ خَمِيسٍ بَعْدَ قُدُومِهِ فَقَدِمَا مَعًا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ صَارَ الْخَمِيسُ مِنْ أَوَّلِ نَذْرَيْهِ لِسَبْقِ وُجُوبِهِ وَقَضَى يَوْمًا لِلنَّذْرِ الثَّانِي لَتَعَذُّرِ صَوْمِهِ وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الرَّاجِحَ هُوَ مَا فِي الرَّوْضَةِ عُلِمَ أَنَّ الرَّاجِحَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَلْحَظْ مَا سَنُقَرِّرُهُ مِنْ الْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَهُمَا صِحَّةُ التَّصَرُّفِ وَكَانَ هَذَا مُسْتَنَدَ إفْتَاءِ الشَّيْخِ الْفَتَى بِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ وَتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ.
فَقَالَ حِينَ سُئِلَ عَمَّا لَوْ عَلَّقَ النَّذْرَ عَلَى صِفَةٍ ثُمَّ بَاعَ الْعَيْنَ الْمَنْذُورَ بِهَا قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ هَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ إنَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْإِرْشَادِ فِي الْإِيلَاءِ الْجَزْمُ بِالصِّحَّةِ وَأَنَّهُ أَفْتَى بِهِ مِرَارًا وَكَذَا شَيْخُهُ التَّقِيُّ الْفَتَى وَأَنَّهُ وُجِدَ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي وَالْبَغَوِيِّ خِلَافُهُ ثُمَّ أَطَالَ الْكَلَامَ لَكِنْ بِمَا فِيهِ أَنْظَارٌ شَتَّى لَا تَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ وَلَوْلَا الْإِطَالَةُ لَبَيَّنْتُهَا وَأَفْتَى بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ وَقَاسُوهُ عَلَى الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فَإِنْ قُلْت هَلْ يُمْكِنُ فَرْقٌ بَيْنَ صُورَةِ الْأَصْحَابِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ وَبَيْنَ صُورَةِ السُّؤَالِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ كَلَامُ الْقَائِلِينَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ بِبُطْلَانِ التَّصَرُّفِ وَلَا يَتَخَرَّجُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْأَصْحَابِ قُلْت نَعَمْ.
وَهُوَ أَنَّ صُورَةَ الْأَصْحَابِ إنَّمَا جَرَى فِيهَا هَذَا الْخِلَافُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ الثَّانِيَ لَا يُضَادُّ الْأَوَّلَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ يُوَافِقُهُ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ أَنَّهُ عَتَقَ مِثْلُهُ فَلَمْ يَفُتْ عَلَى الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ شَيْءٌ بِالتَّعْلِيقِ الثَّانِي فَلِذَا صَحَّ وَيُخَالِفُهُ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ أَنَّ الْعِتْقَ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَلِذَا جَرَى فِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ بَسْطُهُ وَأَمَّا صُورَةُ السُّؤَالِ فَالْبَيْعُ وَنَحْوُهُ يُضَادُّ النَّذْرَ وَيُبْطِلُ مَا اسْتَحَقَّهُ الْمَنْذُورُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَ يَنْبَغِي بُطْلَانُهُ وَإِنْ قُلْنَا بِمَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَصْحَابِ مِنْ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ الثَّانِي وَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ وَجَوَازُ التَّصَرُّفِ فِي الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ بِأَنَّ صُورَةَ السُّؤَالِ أَعْنِي النَّذْرَ الْمُعَلَّقَ بِنَحْوِ الشِّفَاءِ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ فِيهِ مُقَابَلَةٌ وَشَوْبُ مُعَاوَضَةٍ لِأَنَّ النَّاذِرَ جَعَلَ الْعِتْقَ مَثَلًا فِي مُقَابَلَةِ الشِّفَاءِ مَثَلًا فَاقْتَضَتْ تِلْكَ الْمُقَابَلَةُ الْعَائِدُ نَفْعُهَا عَلَى النَّاذِرِ الْمُعَلَّقِ غَالِبًا تَأَكُّدَ ثُبُوتِ حَقِّ الْمَنْذُورِ فَلِذَا امْتَنَعَ التَّصَرُّفُ فِيهِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمُكَاتَبَ لِأَنَّ عِتْقَهُ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ مُعَلَّقًا عَلَى صِفَةٍ إلَّا أَنَّ فِيهِ مُعَاوَضَةً وَمُقَابَلَةً فَكَمَا امْتَنَعَ التَّصَرُّفَ فِي الْمُكَاتَبِ نَظَرًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ وَالْمُقَابَلَةِ فَكَذَا يَمْتَنِعُ فِي الْمَنْذُورِ الْمَذْكُورِ نَظَرًا لِتِلْكَ الشَّائِبَةِ الَّتِي فِيهِ بِخِلَافِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ مِنْ غَيْرِ نَذْرٍ وَلَا كِتَابَةٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ ذَلِكَ التَّأَكُّدُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ هُنَا مَحْضُ تَبَرُّعٍ أَيْ مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ فَنَاسَبَ أَنْ لَا يُضَيِّقَ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ بِسَبَبِهِ حَتَّى يُمْنَعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَهَذَا فَرْقٌ وَاضِحٌ كَمَا أَنَّ الْفَرْقَ السَّابِقَ بَيْنَ صُورَتِنَا وَصُورَةِ الْأَصْحَابِ وَاضِحٌ وَبِهِ اتَّضَحَ أَنَّ لِلْقَائِلِينَ بِامْتِنَاعِ التَّصَرُّفِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ وَجْهًا وَجِيهًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَالْقِيَاسُ عَلَى الْمُكَاتَبِ الْمَذْكُورَيْنِ وَإِنَّ تَخْرِيجَ صُورَةِ السُّؤَالِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْأَصْحَابِ السَّابِقَةِ أَوْ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ لَمْ يَتِمَّ لِمَا عَلِمْت مِنْ وُضُوحِ الْفَرْقَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا فِي الْإِسْعَادِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ أَيْ الْإِرْشَادِ وَمَا جُعِلَ نَذْرًا أَوْ أُضْحِيَّةً مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ إلَّا شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَهَذَا الْمَالُ صَدَقَةٌ لِلَّهِ زَالَ مِلْكُهُ بِهَذَا الْقَوْلِ وَامْتَنَعَ تَصَرُّفُهُ فِيمَا عَيَّنَهُ لِلصَّدَقَةِ إذَا حَصَلَ هَذَا الشِّفَاءُ فَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ جَوَازِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي النَّاذِرِ بَعْدَ إيقَاعِ الْإِقَالَةِ إذَا رَدَّ الْبَائِعُ مِثْلَ ثَمَنِهِ أَمْ لَا؟ بَيِّنُوا ذَلِكَ
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ مَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْإِسْعَادِ مِنْ زَوَالِ مِلْكِ الْمَنْذُورِ الْمُعَيَّنِ بِالشِّفَاءِ فَيَمْتَنِعُ تَصَرُّفُ النَّاذِرِ فِيهِ بَعْدَ الشِّفَاءِ صَحِيحٌ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذَا الْمَالِ أَوْ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ تَعَيَّنَ ذَلِكَ لِلصَّدَقَةِ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ لِلَّهِ وَزَوَالُ مِلْكِهِ عَنْهَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ ذَلِكَ.
بِخِلَافِ مَا لَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ وَإِنْ
стр. 1221
تَعَيَّنَ عِتْقُهُ لَكِنْ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ إلَّا بِعِتْقِهِ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لَا يَنْتَقِلُ بَلْ يَنْفَكُّ عَنْ الْمِلْكِ بِالْكُلِّيَّةِ وَفِيمَا مَرَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْمَسَاكِينِ وَلِهَذَا لَوْ أُتْلِفَ وَجَبَ تَحْصِيلُ بَدَلِهِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِتْقِ وَقَدْ تَلِفَ وَمُسْتَحِقُّو مَا ذُكِرَ بَاقُونَ وَلَوْ الْتَزَمَ بِنَذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ التَّصَدُّقَ بِدَرَاهِمَ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ عَيَّنَ عَنْهَا دَرَاهِمَ لَمْ تَتَعَيَّنْ وَأَلْحَقَ بِهَا كُلَّ مَا لَا يَصْلُحُ لِلْأُضْحِيَّةِ وَالْعِتْقِ وَذَلِكَ لِأَنَّ تَعْيِينَ كُلٍّ مِنْ نَحْوِ الدَّرَاهِمِ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ ضَعِيفٌ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ بِخِلَافِ مَا لَوْ الْتَزَمَ أُضْحِيَّةً أَوْ عِتْقًا ثُمَّ عَيَّنَ عَنْ ذَلِكَ شَاةً أَوْ عَبْدًا فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَمَا لَوْ عَيَّنَ ابْتِدَاءً هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا فِي الْإِسْعَادِ وَأَمَّا مَا أَرَادَ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ فَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ إلَخْ فَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ عِبَارَتِهِ مَا الَّذِي أَرَادَهُ بِذَلِكَ فَلْيَتَبَيَّنْ مُرَادَهُ حَتَّى يَعْرِفُ فَيُبَيِّنُ حُكْمَهُ فَإِذَا أَرَادَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ إنْ شُفِيَ مَرِيضُهُ فَشُفِيَ ثُمَّ أَرَادَ التَّقَابُلَ فِيهِ هُوَ وَالْبَائِعُ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ قُلْنَا نَعَمْ تَجُوزُ الْإِقَالَةُ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَدْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِالشِّفَاءِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْمَبِيعَ أَوْ تَلِفَ فَإِنَّهَا تَجُوزُ بَعْدَ تَلَفِهِ وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ رَدُّ عَيْنِ الثَّمَنِ إنْ بَقِيَ وَإِلَّا فَرَدُّ بَدَلِهِ وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ رَدُّ بَدَلٍ وَلَا تُقَاسُ الْإِقَالَةُ عَلَى امْتِنَاعِ التَّصَرُّفِ فِيهِ بَعْدَ الشِّفَاءِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ تَصَرُّفًا فِيهِ بَلْ فِي بَدَلٍ كَمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ بَعْدَ الشِّفَاءِ تَصِحُّ وَفَائِدَتُهَا رُجُوعُ الْبَائِعِ عَلَيْهِ بِبَدَلِهِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ النَّاذِرَ مَا مَرَّ أَرَادَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ الشِّفَاءِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ قُلْنَا هَذَا السُّؤَالُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمُشْتَرِي وَإِنَّمَا يَجْرِي فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ
فَيُقَالُ مَنْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِعَيْنِ مَالٍ إنْ شَفَى اللَّهُ تَعَالَى مَرِيضَهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ الشِّفَاءِ لِأَنَّهُ إلَى الْآنَ لَمْ يَزَلْ مِلْكُهُ أَوْ لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ النَّذْرِ بِعَيْنِهِ وَاَلَّذِي صَرَّحُوا بِهِ هُوَ الثَّانِي حَيْثُ قَالُوا إنْ تَعَلَّقَ النَّذْرُ بِعَيْنِهِ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلْيُبَيِّنْهُ وَعِبَارَتُهُ عَلَى غَلَاقَتِهَا التَّامَّةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَخَيَّلَ مِنْهَا غَيْرُ مَا ذَكَرْتُهُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ نَذَرَ مَتَى اسْتَحَقَّ مَبِيعُك أَوْ اُدُّعِيَ عَلَيْك أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا فَهَلْ يَصِحُّ النَّذْرُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الْمَنْقُولِ الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْته بِمَا فِيهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَعِبَارَتُهُ أَفْتَى الْغَزَالِيُّ بِأَنَّ قَوْلَ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي إنْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحِقًّا فَعَلَى أَنْ أَهَبَك أَلْفًا لَغْوٌ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّتِهِ حَاكِمٌ يَرَاهُ بِمَذْهَبٍ مُعْتَبَرٍ وَأَقَرَّهُ الشَّيْخَانِ لِأَنَّ الْهِبَةَ.
وَإِنْ كَانَتْ قُرْبَةً إلَّا أَنَّهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَالْمُبَاحَةِ وَنُظِرَ فِيهِ بِمَا قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَلَهُ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الِالْتِزَامَ فِي هَذِهِ يَصْدُقُ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ وَهُوَ إنْ وَفَّقَنِي اللَّهُ لِفِعْلِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي نَذْرِ. اللَّجَاجِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يَحْتَمِلُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ عُلِّقَ بِخُرُوجِ الْمَبِيعِ مُسْتَحِقًّا وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَأْتِي ثَمَّ فَتَفْصِيلُ بَعْضِهِمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مِمَّنْ يَقْصِدُ التَّقَرُّبَ بِالْهِبَةِ لَهُ كَالْعَالِمِ وَالصَّالِحِ فَيَلْزَمُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَلَا يُرَدُّ بِمَا تَقَرَّرَ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ.
ثُمَّ قُلْت فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَذْرَعِيَّ قَالَ إنَّ كَلَامَهُمْ نَاطِقٌ بِأَنَّ النَّذْرَ الْمُعَلَّقَ بِالْقُدُومِ نَذْرُ شُكْرِهِ عَلَى نِعْمَةِ الْقُدُومِ فَلَوْ كَانَ قُدُومُ فُلَانٍ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ لِلنَّاذِرِ كَأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ أَمْرَدَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ كَنَذْرِ الْمَعْصِيَةِ وَرَدَّهُ شَيْخُنَا أَيْ زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ سَهْوٌ مُنْشَؤُهُ اشْتِبَاهُ الْمُلْتَزَمِ بِالْمُعَلَّقِ بِهِ وَاَلَّذِي يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ قُرْبَةَ الْمُلْتَزَمِ لَا الْمُعَلَّقِ بِهِ وَالْمُلْتَزَمُ هُنَا الصَّوْمُ وَهُوَ قُرْبَةٌ فَيَصِحُّ نَذْرُهُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُعَلَّقُ بِهِ قُرْبَةً أَمْ لَا. اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ السَّهْوُ كَيْفَ وَكَلَامُهُمْ مُصَرِّحٌ بِمَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ فَقَدْ نَقَلُوا عَنْ الرُّويَانِيِّ وَأَقَرُّوهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ هَلَكَ مَالُ فُلَانٍ أَعْتَقْت عَبْدِي لَمْ يَنْعَقِدْ لِأَنَّهُ حَرَامٌ وَكَمَا إنْ طَلَبَ هَلَاك مَالِ الْغَيْرِ حَرَامٌ كَذَلِكَ طَلَبَ قُدُومَ مَنْ مَرَّ فَالْمَسْأَلَتَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
وَقَدْ ضَبَطَ الصَّيْمَرِيُّ مَا يَكُونُ النَّذْرُ فِي مُقَابَلَتِهِ بِأَنَّهُ مَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِهِ وَفِي كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ مَا يُصَرِّحُ بِأَنَّ كَوْنَ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فِي النَّذْرِ أَمْرًا مُبَاحًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَكْفِي مُطْلَقُ الْمُبَاحِ أَوْ يَخْتَصُّ بِمُبَاحٍ يُقْصَدُ وَيَنْدُرُ حُصُولُهُ فَالْحَاصِل أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ قُرْبَةً
стр. 1222
فَهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَيَتَّحِدَانِ مِنْ حَيْثِيَّةِ انْتِفَاءِ الْمَعْصِيَةِ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ إنَّمَا هُوَ اشْتِرَاطُ انْتِفَاءِ الْمَعْصِيَةِ مِنْ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ لَا اشْتِرَاطُ كَوْنه قُرْبَةً فَالْقَضَاءُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بِالسَّهْوِ هُوَ السَّهْوُ لِمَا تَقَرَّرَ فَاسْتَفِدْهُ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَاعْتَمَدْت أَيْضًا فِي شَرْحِ الْعُبَابِ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ فَإِنِّي لَمَّا نَقَلْتُهُ عَنْهُ فِيهِ وَقُلْتُ وَجْهُ جَعْلِ الْغَزَالِيِّ هَذَا مِنْ الْمُبَاحِ مَعَ أَنَّ الْهِبَةَ قُرْبَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَثِيرُونَ أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ قُرْبَةً إلَّا أَنَّهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْخَاصِّ أَعْنِي تَعْلِيقَهَا وَجَعْلَهَا فِي مُقَابَلَةِ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَتْ قُرْبَةً وَلَا مُحَرَّمَةً فَكَانَتْ مُبَاحَةً وَالْمُلْتَزَمُ بِالنَّذْرِ لَا يَكُونُ إلَّا قُرْبَةً كَمَا مَرَّ وَأَمَّا تَوْجِيهُهُ أَيْضًا بِأَنَّ مُرَادَهُ مَا إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مِمَّنْ لَا يُقْصَدُ بِالْهِبَةِ لَهُ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهُ تَعَالَى كَهِبَةِ الْفَقِيرِ لِلْغَنِيِّ أَوْ بِأَنَّ هَذَا فِيهِ تَعْلِيقٌ لِلنَّذْرِ بِغَيْرِ مَقْصُودٍ وَشَرْطُ النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا عَلَى مَا فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ فَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا الْأَوَّلَ فَلِمَا قَرَّرْته قَبْلَهُ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ إطْلَاقَ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ مَقْصُودًا غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ وَيَأْتِي انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلْتُ) عَمَّنْ نَذَرَ عَلَى آخَرَ بِثَوَابِ طَاعَاتِهِ مَا حُكْمُهُ (فَأَجَبْت) بِقَوْلِي الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ بُطْلَانُ النَّذْرِ بِثَوَابِ طَاعَاتِهِ لِأَنَّ شَرْطَ الْمَنْذُورِ كَوْنُهُ قُرْبَةً غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا يُسَمَّى نَذْرًا بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّ النَّذْرَ لُغَةً الْوَعْدُ بِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ أَوْ الْتِزَامُ مَا لَيْسَ بِلَازِمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا شَرْعًا فَهُوَ الْتِزَامُ قُرْبَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ وَنَذْرُ الثَّوَابِ لَا الْتِزَامَ فِيهِ وَلَا وَعْدَ.
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَعِدُ أَوْ يَلْتَزِمُ بِمَالِهِ أَوْ يُقَدَّرُ عَلَيْهِ وَأَمَّا مَا لَيْسَ لَهُ وَلَا يُقَدَّرُ عَلَيْهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْوَعْدُ بِهِ وَلَا الْتِزَامُهُ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ غَيْرُ مُحَقَّقِ الْحُصُولِ لِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِشُرُوطٍ مِنْهَا الْمَوْتُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَنَّى لِإِنْسَانٍ أَنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِهِ مَعْصُومٌ بَلْ سَبِيلُهُ الْخَشْيَةُ وَمَزِيدُ الْخَوْفِ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي آلَ بِكَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ إلَى مَا أُثِرَ عَنْهُمْ مِنْ اسْتِيلَاءِ سُلْطَانِ الْخَوْفِ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَذَابَ قُوَاهُمْ وَطَهَّرَ سِرَّهُمْ وَنَجَوَاهُمْ.
وَمِنْهَا مُوَافَقَةُ ظَاهِرِ الْأَمْرِ لِبَاطِنِهِ فَقَدْ يَظُنُّ الْإِنْسَانُ صِحَّةَ عِبَادَاتِهِ لِظَنِّهِ اسْتِيفَاءَ شُرُوطِهَا مَعَ أَنَّ بَعْضَهَا قَدْ يَكُونُ مَفْقُودًا فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ كَخَبَثٍ أَوْ تَحَوُّلٍ عَنْ عَيْنِ الْكَعْبَةِ لَا يَعْلَمُهُ وَمَنْ صَلَّى صَلَاةً فَاسِدَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صَحِيحَةٌ فِي ظَنِّهِ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا صَلَاةً وَإِنْ أُثِيبَ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ نَحْوِ ذِكْرٍ وَقُرْآنٍ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالثَّوَابُ لَيْسَ قَابِلًا لِلنَّذْرِ بِهِ بِوَجْهٍ فَكَانَ الْوَجْهُ عَدَمُ صِحَّةِ نَذْرِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ امْرَأَةٍ نَذَرَتْ لِزَوْجِهَا بِجَمِيعِ مَا تَمْلِكُهُ وَهِيَ مَرِيضَةٌ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ تُوُفِّيَتْ بِذَلِكَ الْمَرَضِ أَوْ بِهِ مَعَ غَيْرِهِ أَوْ بِمَرَضٍ آخَرَ مَا حُكْمُ نَذْرِهَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِقَوْلِهِ النَّذْرُ لِلزَّوْجِ بِذَلِكَ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّذْرَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ لِلْأَجْنَبِيِّ يُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْفُورَانِيِّ وَاعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ فِي فَتَاوِيهِ.
فَقَالَ الْعَمَلُ عَلَى أَنَّهُ يُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا يُحْسَبُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لَكَانَ لِلْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ أَنْ يَنْذِرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ فَيَضِيعُ عَلَى الْوَارِثِ حَقُّهُ بِطَرِيقٍ لَا يَقْدِرُ الْوَارِثُ عَلَى نَقْضِهِ فَالْمُعْتَمَدُ الْحِسَابُ مِنْ الثُّلُثِ وَفِي كَلَامِ غَيْرِ الْفُورَانِيِّ مَا يَقْتَضِيهِ وَفِي الْبَحْرِ لِلرُّويَانِيِّ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرَهُ الْفُورَانِيُّ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَجَّةِ الْمَنْذُورَةِ أَهِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَمْ مِنْ الثُّلُثِ أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ بِخُرَاسَانَ قَالَ إنَّ مَحَلَّ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا صَدَرَ النَّذْرُ فِي الصِّحَّةِ أَمَّا إذَا صَدَرَ النَّذْرُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ قَوْلًا وَاحِدًا وَمَا ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ بِخُرَاسَانَ يُشِيرُ لِلْفُورَانِيِّ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ بِمَا قَرَّرْنَاهُ فَقَالَ وَالنَّذْرُ الَّذِي يَصْدُرُ مِنْ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِهِ الْمَخُوفِ مِنْ الثُّلُثِ لَا خِلَافَ فِيهِ وَكَذَا الْكَفَّارَاتُ الَّتِي تَجْرِي أَسْبَابُهَا فِي الْمَرَضِ وَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي الْكَفَّارَةِ فِيهِ وَقْفَةٌ وَقَدْ يُرَجَّحُ أَنَّهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ بِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ بِهِ حِرْمَانُ الْوَارِثِ بِخِلَافِ النَّذْرِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ يُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ
стр. 1223
يَتَصَدَّقَ عَلَى بَعْضِ وَرَثَتِهِ بِشَيْءٍ وَكَانَ النَّذْرُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ لِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ بَلْ لِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ رَدُّهُ وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَزِيدَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ عَلَى بَعْضٍ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ. اهـ. وَأَفْتَى أَيْضًا فِيمَا لَوْ نَذَرَ مَنْ بِهِ مَرَضٌ مَخُوفٌ أَوْ نَحْوُهُ بِصَدَقَةٍ بِأَنَّ ذَلِكَ يُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ وَأَطَالَ فِي بَيَانِهِ وَذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْ الْإِمَامِ وَتُعُقِّبَ قَوْلُهُ السَّابِقُ فِي الْكَفَّارَاتِ بِأَنَّهُ بَعِيدٌ قَالَ وَالْقِيَاسُ أَنَّهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. اهـ. وَبِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَنْقُولَ الْمُعْتَمَدَ بَلْ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ النَّذْرَ فِي الْمَرَضَ يُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ إنْ كَانَ لِلْأَجْنَبِيِّ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ إنْ كَانَ لِوَارِثٍ وَحَيْثُ اتَّصَلَ الْمَوْتُ بِالْمَرَضِ الْوَاقِعِ فِيهِ النَّذْرُ أُضِيفَ الْمَوْتُ إلَى ذَلِكَ الْمَرَضِ وَكَانَ النَّذْرُ أَوْ التَّبَرُّعُ الْوَاقِعُ فِيهِ مَحْسُوبًا مِنْ الثُّلُثِ وَلَا عِبْرَةَ بِاحْتِمَالِ حُدُوثِ مَرَضٍ آخَرَ مَخُوفٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ فَلَا يُرَاعَى وَلَا يُنْظَرُ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ نَوَى أَوْ نَذَرَ أَنْ يُعَمِّرَ مَسْجِدًا مُعَيَّنًا أَوْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ فَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ ذَلِكَ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُعَمِّرَ بِذَلِكَ مَسْجِدًا آخَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَوْ لَا وَهَلْ يُفَرَّقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجْتَمِعُ النَّاسُ فِيهِ غَالِبًا أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِقَوْلِهِ النِّيَّةُ فِي ذَلِكَ لَا يَجِبُ بِهَا شَيْءٌ فَلَهُ الْبِنَاءُ فِي الْمَوْضِعُ الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِهِ مُطْلَقًا وَأَمَّا نَذْرُ بِنَاءِ مَسْجِدٍ فِي مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ يَحِلُّ الْبِنَاءُ فِيهِ فَصَحِيحٌ سَوَاءٌ أَجْتَمَعَ النَّاسُ ثَمَّ غَالِبًا أَمْ نَادِرًا وَخَرَجَ يَحِلُّ بِنَاؤُهُ فِي مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ فَإِنَّهُ حَرَامٌ فَلَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ وَهَلْ يُلْحَقُ بِهِ بِنَاؤُهُ فِي الْمَحَلِّ الْمَكْرُوهِ كَبِنَائِهِ عَلَى قَبْرٍ لَمْ يَنْدَرِسْ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ وَاِتِّخَاذُهُ فِي الْمَحَالِّ الَّتِي تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا وَمِنْهَا الْأَرَاضِي الْمَلْعُونَةُ أَوْ الَّتِي نَزَلَ بِهَا عَذَابٌ هَذَا إنْ بَقِيَ الْمَعْنَى الَّذِي كُرِهَتْ الصَّلَاةُ لِأَجْلِهِ كَالْمَقْبَرَةِ الْمَمْلُوكَةِ بِخِلَافِ اتِّخَاذِ حَمَّامٍ مَسْجِدًا فَإِنَّ الْوَجْهَ زَوَالُ الْكَرَاهَةِ لِزَوَالِ عِلَّتِهَا.
كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ رَدًّا عَلَى ابْنِ الْعِمَادِ أَوْ لَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ بَلْ لَا يَصِحُّ نَذْرُ بِنَائِهِ وَلَوْ فِي الْمَحَلِّ الْمَكْرُوهِ لِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ مَجَالٌ وَكَلَامُهُمْ فِي بَابِ النَّذْرِ صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ نَذْرِ الْمَكْرُوهِ لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ كَصَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَمَا هُنَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ لِذَاتِهِ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ إنَّمَا جَاءَتْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَسْجِدًا وَحِينَئِذٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَذْرُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فِي الْمَحَلِّ الْمَكْرُوهِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ إذَا صَحَّ نَذْرُ بِنَائِهِ فِي مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إبْدَالُهُ بِغَيْرِهِ مُطْلَقًا لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِاخْتِلَافِ الْمَحَالِّ فَقَدْ يَكُونُ الْمَحَلُّ الْمُعَيَّنُ لِلْبِنَاءِ أَحَلَّ أَوْ أَبْعَدَ عَنْ الْمُؤْذِيَاتِ بِمَنْ بِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا ذَكَرْته مِنْ التَّعْيِينِ هُنَا وَعَدَمِهِ فِي مَسَائِلَ كَالِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته أَيْضًا قَوْلُهُمْ لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِدِرْهَمِ فِضَّةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّصَدُّقُ بَدَلُهُ بِدِينَارٍ أَيْ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِاخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ شَخْصٍ نَذَرَ عَلَى نَفْسِهِ نَذْرًا وَكَتَبَهُ بِخَطِّهِ فَقَالَ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ مُسَطِّرُ هَذِهِ الْأَحْرُفِ فَلِأَنَّ أَنِّي نَذَرْت عَلَى نَفْسِي نَذْرَ قُرْبَةٍ وَتَبَرُّرٍ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى عِيَالِ ابْنِ عَمِّي فُلَانٍ مُدَّةَ حَيَاتِهِ الْمَوْجُودِينَ وَالْمُتَجَدِّدَيْنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَ قِطَعِ فِضَّةٍ سُلَيْمَانِيَّةٍ وَهَذَا خَطِّي شَاهِدٌ عَلَيَّ وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَضْمُونِ ذَلِكَ جَمَاعَةً عُدُولًا فَهَلْ يَلْزَمُ هَذَا النَّذْرَ أَوْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ يَلْزَمُ وَلَمْ يُنْفِقْ هَلْ يَصِيرُ دَيْنًا عَلَيْهِ أَوْ لَا.
وَإِذَا قُلْتُمْ يَصِيرُ فَمَنْ الَّذِي يُطَالِبُهُ بِهِ أَهُوَ ذُو الْعِيَالِ أَمْ الْعِيَالُ أَنْفُسُهُمْ وَإِذَا ادَّعَى الْإِنْفَاقَ وَأَنْكَرَ ذُو الْعِيَالِ فَمَنْ الْمُصَدَّقُ أَفْتُوَنَا مَأْجُورِينَ.
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ وَقَدْ كَثُرَ اخْتِلَافُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي نَذَرْت هَلْ هُوَ صَرِيحٌ أَوْ كِتَابَةٌ أَوْ إقْرَارٌ فَقَالَ بِكُلٍّ جَمْعٌ وَانْتَصَرُوا لَهُ وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ صَرِيحٌ مُطْلَقًا وَاشْتِرَاطُ ذِكْرِ اللَّهِ فِي الصَّرَاحَةِ بَعِيدٌ وَحِينَئِذٍ فَالنَّذْرُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ لَازِمٌ وَإِذَا مَضَتْ عَلَيْهِ أَيَّامٌ وَلَمْ يُنْفِقْ فِيهَا صَارَتْ حِصَّةُ الْمَاضِي دَيْنًا عَلَيْهِ وَإِنْ أُعْسِرَ أَخْذًا مِمَّا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ عَلَى فُلَانٍ كُلَّ يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ وَأُعْسِرَ فَإِنَّهُ يَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ حِصَّةُ مَا أُعْسِرَ عَنْهُ عَلَى الْمَنْقُولِ الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي جَامِعِ الْمُخْتَصَرَاتِ فِي الصَّوْمِ وَالْمُطَالِبُ هُوَ الْمَنْذُورُ لَهُ إنْ كَانَ كَامِلًا وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ وَالْمُصَدَّقُ فِي عَدَمِ الْإِنْفَاقِ هُوَ الْمَنْذُورُ لَهُ أَوْ وَلِيُّهُ فَعَلَى النَّاذِرِ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّهُ أَدَّى
стр. 1224
الْمَنْذُورَ بِهِ إلَى الْمَنْذُورِ لَهُ إنْ كَانَ كَامِلًا وَإِلَّا فَإِلَى وَلِيِّهِ وَقَوْلُهُ وَالْمُتَجَدِّدِينَ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ مُبْطِلٌ لِلنَّذْرِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْهِبَةِ وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَقْفِ بِأَنَّ الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ مَوْجُودَةٌ وَإِنَّمَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ الْمَنْفَعَةُ فَيُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ مَنْ سَيُوجَدُ إلَى الْمَنْفَعَةِ بِخِلَافِ النَّذْرِ فَإِنَّهُ إذَا صَحَّ عَلَى الْمَوْجُودِينَ نَفَذَ تَصَرُّفُهُمْ فِي الْعَيْنِ الْمَنْذُورِ بِهَا بِمَا يُزِيلُ الْمِلْكَ فَإِذَا تَصَرَّفُوا فِيهَا بِذَلِكَ لَمْ يُدْرِكْ مَنْ سَيُوجَدُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَصِحُّ النَّذْرُ عَلَى الْمَوْجُودِينَ بِالْقِسْطِ خَاصَّةً لَا عَلَى غَيْرِهِمْ فَعَلَى هَذَا إنْ حَدَثَ لِابْنِ عَمِّهِ عِيَالٌ صَحَّ عَلَى الْمَوْجُودِينَ بِالْقِسْطِ وَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ عِيَالٌ وَأَيِسَ مِنْ حُدُوثِهِمْ صَحَّ النَّذْرُ عَلَى الْمَوْجُودِينَ بِالنِّصْفِ وَبَطَلَ فِي النِّصْفِ إذْ هُوَ بِمَنْزِلَةٍ إذَا أَوْصَى لِأَوْلَادِهِ الْمَوْجُودِينَ وَالْمَعْدُومِينَ الَّذِينَ يُمْكِنُ وُجُودُهُمْ فَإِنَّ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ الصِّحَّةُ فِي النِّصْفِ
وَكَأَنَّ الْمَوْجُودَ شَيْءٌ وَالْمَعْدُومَ شَيْءٌ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ: الْمَعْدُومُ الْمُمْكِنُ وُجُودُهُ خَارِجًا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا ثَابِتٌ وَلَا مَوْجُودٌ لِأَنَّ ذَاكَ اصْطِلَاحٌ لَهُمْ فَرُّوا بِهِ مِنْ ضَلَالَةٍ وَقَعَ فِيهَا غَيْرُهُمْ وَإِلَّا فَمُقْتَضَى اللُّغَةِ إطْلَاقُ الشَّيْءِ عَلَى الْمَعْدُومِ عَلَى أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ قَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِالْمُعْدَمِ الْمُمْكِنِ وُجُودُهُ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَبْحَثِ الْأُصُولِيِّينَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيمَا ذُكِرَ وَفِي هَذِهِ إمْكَانُ حُدُوثِ عِيَالٍ بِوَقْفِ الْمَنْذُورِ وَقْفَ تَبَيُّنٍ ثُمَّ يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَلَا يَشْكُلُ عَلَى مَا مَرَّ قَوْلُهُمْ لَوْ أَوْصَى لِحَمْلِهَا فَأَتَتْ بِحَيٍّ وَمَيِّتٍ فَالْكُلُّ لِلْحَيِّ وَالْمَيِّتُ كَالْمَعْدُومِ لِأَنَّهُ هُنَا لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْمَعْدُومِ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ صَرِيحًا وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ صِحَّةَ النَّذْرِ لَلْمَوْجُودِينَ فِي النِّصْفِ كَالْوَصِيَّةِ بِجَامِعِ أَنَّهَا تَمْلِيكٌ وَلَا يَصِحُّ تَمْلِيكُ الْمَعْدُومِ وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِصِحَّةِ النَّذْرِ وَإِعْطَاءِ الْمَوْجُودِينَ الْكُلَّ وَيُشَارِكُهُمْ مَنْ حَدَثَ كَمَا لَوْ قُسِمَتْ التَّرِكَةُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ ثُمَّ حَدَثَ وَارِثٌ هَذَا حَاصِلُ مَا لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ يُرَجَّحُ الْأَخِيرُ لَا لِمَا نَظَرَ بِهِ قَائِلُهُ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا هُنَا وَالْإِرْثِ فَإِنَّ الْوَارِثَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ لَا يَقُولُ بِنَظِيرِ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا وَإِنَّمَا الَّذِي يُوَجَّهُ بِهِ ذَلِكَ الْقِيَاسُ عَلَى الْوَقْفِ وَالْفَرْقُ السَّابِقُ لَا يُجْدِي عِنْدَ تَأَمُّلِهِ وَقَوْلُهُمْ تَمْلِيكُ الْمَعْدُومِ لَا يَصِحُّ يُحْمَلُ عَلَى تَمْلِيكِهِ اسْتِقْلَالًا إمَّا تَبَعًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَقَدْ يُرَجَّحُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ قِيَاسًا عَلَى الْوَصِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ قَائِلُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَالْوَقْفِ بِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْوَقْفِ الدَّوَامُ عَلَى الْبُطُونِ وَالطَّبَقَاتِ الْمُتَجَدِّدَةِ بَعْدُ إنْ لَمْ تَكُنْ فَلَمْ يَضُرَّ ذِكْرُ الْمَعْدُومِ فِيهِ تَبَعًا لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ يَقْتَضِيه بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ وَالنَّذْرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْقَصْدُ مِنْهُمَا إلَّا تَمْلِيكَ عَيْنِ الْمُوصَى بِهِ وَالْمَنْذُورِ لِمَوْجُودٍ فَإِنْ أَضَافَ إلَيْهِ مَعْدُومًا صَارَ كَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ مَا يَصِحُّ أَحَدُ ذَيْنَك عَلَيْهِ
وَمَا لَا يَصِحُّ وَحِينَئِذٍ فَيَصِحُّ فِي النِّصْفِ عَلَى الرَّأْيِ الثَّالِثِ أَوْ بِالْقِسْطِ تَارَةً وَفِي النِّصْفِ أُخْرَى عَلَى الرَّأْيِ الثَّانِي وَالْقَوْلُ بِبُطْلَانِ النَّذْرِ مِنْ أَصْلِهِ بَعِيدٌ جِدًّا فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَقْرَبَ الْقِيَاسُ عَلَى الْوَصِيَّةِ لَا الْوَقْفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ نَذَرَ لِوَلَدِهِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ كَالْهِبَةِ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ وَفِي إطْلَاقِهِ نَظَرٌ وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ فِي نَذْرِ التَّبَرُّرِ يَرْجِعُ لِأَنَّهُ كَالْهِبَةِ بِخِلَافِ نَذْرِ الْمُجَازَاةِ لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ كَالْمُعَاوَضَةِ لَمْ يَبْعُدْ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ هَلْ يَصِحُّ النَّذْرُ مَعَ التَّأْقِيتِ وَبِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَبِالنَّجَسِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ وَقَعَ التَّأْقِيتُ فِي النَّذْرِ لِلْمَنْفَعَةِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَصِحُّ كَالْوَصِيَّةِ بِهَا بِتَفْصِيلِهَا أَوْ لِلْعَيْنِ فَإِنْ كَانَ بِمُدَّةِ حَيَاةِ الْمَنْذُورِ لَهُ كَنَذَرْتُ لَك بِهَذَا عُمُرَك فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَصِحُّ أَيْضًا قِيَاسًا عَلَى الْهِبَةِ عَلَى صُورَةِ الْعُمْرَى فَيَمْلِكُهَا الْمَنْذُورُ لَهُ وَوَرَثَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَلَا تَعُودُ لِلنَّاذِرِ مُطْلَقًا أَوْ لَا بِمُدَّةِ حَيَاةِ الْمَنْذُورِ لَهُ فَالْأَوْجَهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا عَيْنٌ تُمْلَكُ بِصِيغَةٍ مُدَّةً ثُمَّ تَرْجِعُ إلَى الْمُمَلَّكِ بَعْدَ انْقِضَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ رُجُوعِهِ لَا بِالْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَإِذَا امْتَنَعَتْ الْوَصِيَّةُ بِهَا كَذَلِكَ مَعَ أَنَّهَا أَوْسَعَ مِنْ النَّذْرِ فَالنَّذْرُ أَوْلَى وَأَيْضًا فَالتَّوْقِيتُ بِغَيْرِ عُمُرِ الْمُتَبَرَّعِ عَلَيْهِ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْأَعْيَانِ بَلْ فِي الْمَنَافِعِ وَيَصِحُّ بِمَغْصُوبٍ وَنَجِسٍ يُقْتَنَى كَالْوَصِيَّةِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا
стр. 1225
لَفْظُهُ اتَّفَقَا عَلَى بَيْعِ شَيْءٍ ثُمَّ قَالَ الْمُشْتَرِي إلَّا لَمْ أُوَفِّك الثَّمَنَ فَعَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ نَذْرًا ثُمَّ أَبَى الشِّرَاءَ فَهَلْ تَلْزَمُهُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ لَا تَلْزَمُهُ الْمِائَةُ إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ النَّذْرَ لَمْ يَنْعَقِدْ لِأَنَّهُ نَذَرَ إنْ لَمْ يُوَفِّ الثَّمَنَ وَبِامْتِنَاعِهِ عَنْ الشِّرَاءِ لَمْ يُوجَدْ الثَّمَنُ بَلْ صَارَ غَيْرَ مُمْكِنِ الْوُجُودِ وَبِهِ فَارَقَ قَوْلَهُ فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ إنَّ كَلِمَتَهُ فَعَلَيَّ كَذَا لِأَنَّهُ مُمْكِنُ الْوُجُودِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مُنْعَقِدٌ لِأَنَّ الشِّرَاءَ مُمْكِنٌ وَلَوْ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ وَعَلَيْهِ فَهُوَ نَذْرُ لَجَاجٍ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ مَا الْتَزَمَهُ وَالْكَفَّارَةِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ نَذَرَ لِمُقْرِضِهِ بِكَذَا إلَّا اعْتَاضَ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ فَهَلْ يَنْعَقِدُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَنْعَقِدُ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ اللَّجَاجَ وَالتَّبَرُّرَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي نَظِيرِهِ فَإِنْ كَانَ الِاعْتِيَاضُ مَرْغُوبًا لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّفْقِ فَنَذْرُ تَبَرُّرٍ وَإِلَّا فَلَجَاجٌ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا لَفْظُهُ نَذَرَ لِاثْنَيْنِ مِنْ غَلَّةِ أَرْضِهِ كُلَّ سَنَةٍ بِكَذَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَهَلْ يَنْتَقِلُ نَصِيبُ الْمَيِّتِ لِوَارِثِهِ أَمْ لِصَاحِبِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَنْتَقِلُ لِوَارِثِهِ لِمَا يَأْتِي فِي الْجَوَابِ عَنْ مَسْأَلَةِ مَا إذَا قَالَ لِآخَرَ فِي حَالِ صِحَّتِهِ نَذَرْت لَك إلَخْ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَالْوَقْفِ عَلَى اثْنَيْنِ ثُمَّ عَلَى ثَالِثٍ بِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَقْتَضِي الِانْتِقَالَ لِلْوَارِثِ بِخِلَافِ النَّذْرِ وَأَيْضًا فَثَمَّ شَرْطٌ فِي الِانْتِقَالِ لِمَنْ بَعْدَهُمَا مَوْتُهُمَا فَانْتَقَلَتْ حِصَّةُ الْمَيِّتِ لِصَاحِبِهِ الْمَوْجُودِ عَمَلًا بِشَرْطِ الْوَاقِفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يُمْلَكُ الْمَنْذُورَ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ قَهْرًا فَلَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَهَلْ لِلْمَنْذُورِ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهَلْ يَصِحُّ بِالْمَعْدُومِ كَمَا سَتَحْمِلُهُ هَذِهِ الدَّابَّةُ وَبِالْمَرْهُونِ وَإِذَا نَذَرَ بِدَيْنٍ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ مَنْ يُطَالِبُ النَّاذِرَ أَوْ الْمَنْذُورَ لَهُ وَهَلْ يَبْرَأُ النَّاذِرُ بِمُجَرَّدِ قَبْضِ الْمَنْذُورِ لَهُ.؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ نَذْرَ تَبَرُّرٍ مَلَكَهُ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ أَوْ نَذْرَ مُجَازَاةٍ لَمْ يَمْلِكْهُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا يُمْلَكُ قَهْرًا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الرَّوْضَةِ لَوْ نَذَرَ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَقْبَلْ بَطَلَ وَمُرَادُهُ بِلَمْ يَقْبَلْ أَنَّهُ رَدَّ لَا أَنَّهُ سَكَتَ لِأَنَّ الشَّرْطَ عَدَمُ الرَّدِّ لَا خُصُوصُ الْقَبُولِ لِلْمُسَامَحَةِ فِي النَّذْرِ كَالْوَصِيَّةِ وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ بِالْمَجْهُولِ وَبِغَيْرِ مَا يَمْلِكُهُ إنْ عَلَّقَهُ بِمِلْكِهِ كَإِنْ مَلَكْت هَذَا فَعَلَيَّ عِتْقٌ بِخِلَافِ عَلَيَّ عِتْقُ هَذَا وَهُوَ مِلْكُ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَغْوٌ وَمِثْلُهُ الْوَصِيَّةُ فِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْكِتَابَةِ.
وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ فِي الْوَصَايَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ أَيْ بِأَنْ يَقُولَ إنْ مَلَكْتُ هَذَا فَقَدْ أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ وَلَهُ التَّصَرُّفُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِيمَا قَبِلَهُ أَيْ لَمْ يَرُدَّهُ كَمَا مَرَّ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَعْيَانِ وَالدُّيُونِ إذْ هِبَةُ الدَّيْنِ وَبَيْعُهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ جَائِزَانِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي الرَّوْضَةِ بِشُرُوطِهِ الْمُقَرَّرَةِ فِي مَحَلِّهِ فَكَذَا نَذْرُهُ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ النَّذْرَ يُتَسَامَحُ بِهِ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَيَصِحُّ النَّذْرُ بِالْمَعْدُومِ كَالْوَصِيَّةِ كَمَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ مُعَاصِرِي مَشَايِخِنَا وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ أَوْجَهُ مِنْ قَوْلِ آخَرِينَ لَا يَصِحُّ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْأَوَّلِينَ إنَّهُ وَجَدَ الصِّحَّةَ مُصَرَّحًا بِهَا فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَيَصِحُّ أَيْضًا بِالْمَرْهُونِ لَكِنْ إنْ عَلَّقَهُ بِالْفِكَاكِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ نَعَمْ إنْ كَانَ الْمَنْذُورُ الْعِتْقَ تَأَتَّى، فِيهِ تَفْصِيلُ عِتْقِ الْمَرْهُونِ وَمَتَى حَكَمْنَا بِمِلْكِ الْمَنْذُورِ لَهُ كَانَ هُوَ الْمُطَالَبَ بِهِ سَوَاءٌ الدَّيْنُ وَالْعَيْنُ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ لَا يَتَوَلَّى قَبْضَ الدَّيْنِ إلَّا النَّاذِرُ مُطْلَقًا بَعِيدٌ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا لَفْظُهُ مَا حَاصِلُ أَحْكَامِ النَّذْرِ لِقُبُورِ الْأَوْلِيَاءِ وَلِلْمَسَاجِدِ وَلِلنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَمَا حَاصِلُ مَا يَجِبُ فِي قِسْمَةِ ذَلِكَ النَّذْرِ هَلْ هُوَ عَلَى سُكَّانِ مَشْهَدِ الْمَنْذُورِ لَهُ مَعَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ وَمَنْ سَبَقَ مِنْهُمْ وَأَخَذَ النَّذْرَ يَفُوزُ بِهِ أَوْ يُشَارِكُهُ فِيهِ الْبَاقُونَ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ النَّذْرُ لِلْوَلِيِّ إنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ غَالِبًا التَّصَدُّقُ عَنْهُ لِخُدَّامِ قَبْرِهِ وَأَقَارِبِهِ وَفُقَرَائِهِ فَإِنْ قَصَدَ النَّاذِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَطْلَقَ صَحَّ وَإِنْ قَصَدَ التَّقَرُّبَ لِذَاتِ الْمَيِّتِ كَمَا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُ الْجَهَلَةِ لَمْ يَصِحَّ وَعَلَى هَذَا الْأَخِيرِ يُحْمَلُ إطْلَاقُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَزْرَقِ عَدَمَ صِحَّةِ النَّذْرِ لِلْمَيِّتِ وَفِي الْعَزِيزِ فِي النَّذْرِ لِقَبْرِ جُرْجَانَ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذُكِرَ وَحَذَفَهُ فِي الرَّوْضَةِ لِإِيهَامِهِ صِحَّةَ النَّذْرِ لِلْقَبْرِ مُطْلَقًا لَكِنَّ مُرَادَ الرَّافِعِيِّ كَمَا فِي الْخَادِمِ أَنَّ الْعُرْفَ اقْتَضَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ جِيرَانِ مَشْهَدِهِ أَوْ خَدَمَتِهِ.
وَالنَّذْرُ لِلْمَسْجِدِ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ حُرٌّ يَمْلِكُ وَحِينَئِذٍ يُصْرَفُ لِمَصَالِحِهِ كَالْوَقْفِ عَلَيْهِ
стр. 1226
فَلَا يُعْطِي خَدَمَتُهُ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا إنْ صَرَّحَ النَّاذِرُ بِأَنَّهُ قَصَدَهُمْ وَحَيْثُ صَحَّ النَّذْرُ لِلْقَبْرِ عُمِلَ فِي قِسْمَةِ الْمَنْذُورِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْخُدَّامِ وَالْأَقَارِبِ وَغَيْرِهِمْ بِالْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ فِي ذَلِكَ وَقْتَ النَّذْرِ إنْ عَلِمَهَا النَّاذِرُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الْوَقْفِ مِنْ أَنَّهُ يُعْمَلُ فِيهِ بِالْعَادَةِ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا فِي الْعَادَةِ الْمَوْجُودِ فِيهَا هَذِهِ الشُّرُوطُ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ فَكَذَا نَقُولُ هُنَا الْعَادَةُ الْمَذْكُورَةُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ النَّاذِرِ فَيُعْمَلُ بِجَمِيعِ مَا حَكَمْت بِهِ فَلَوْ اُعْتِيدَ أَنَّ مَنْ خَرَجَ وَسَبَقَ إلَى النَّاذِرِ وَأَخَذَ مِنْهُ فَازَ بِهِ عَمِلَ بِذَلِكَ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ قَالَ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ ﵀ ﵎ بَعْدَ ذِكْرِهِ نَحْوَ مَا قَدَّمْتُهُ وَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَنْ نَذَرَ بِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ قَصَدَ النَّاذِرُ خُدَّامَهُ أَوْ جِيرَانَهُ ﷺ عُمِلَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَصْدُهُ وَاطَّرَدَ الْعُرْفُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حُمِلَ النَّذْرُ عَلَيْهِ. اهـ. وَلَمْ يُقَيِّدْ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمْتُهُ أَنَّ شَرْطَ الْعَمَلِ بِالْعَادَةِ أَنْ يَعْرِفَهَا النَّاذِرُ حِين النَّذْرِ وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ لِمَا عَلِمْتُهُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْوَقْفِ فَإِنْ عُلِمَ مِنْ حَالِ النَّاذِرِ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ تِلْكَ الْعَادَةَ الْمُطَّرِدَةَ فِي وَقْتٍ أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي حَالَةِ الشَّكِّ حَمْلُهُ عَلَى الْعِدَّةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّاذِرَ أَحَاطَ بِهَا وَأَمَّا فِي حَالَةِ الْعِلْمِ بِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِهَا فَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِيهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ يُنْظَرُ لِعُرْفِ أَهْلِ بَلَدِ النَّاذِرِ فِي نَذْرِهِمْ لِلْقُبُورِ فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بَلَدُهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُرْفٌ فِي ذَلِكَ اُعْتُبِرَتْ الْعَادَةُ الَّتِي يَقْصِدُهَا أَغْلَبُ النَّاسِ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَمَّنْ قَالَ لِآخَرَ فِي حَالِ صِحَّتِهِ نَذَرْت لَك بِصَاعٍ مَثَلًا مِنْ أَرْضِي كُلَّ سَنَةٍ مُدَّةَ حَيَاتِك ثُمَّ مَاتَ الْمَنْذُورُ لَهُ فَهَلْ يَبْطُلُ النَّذْرُ أَوْ يُسَلِّمُهُ لِوَرَثَتِهِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ لَا يَبْطُلُ النَّذْرُ بِمَوْتِهِ بَلْ يُسَلِّمُهُ لِوَرَثَتِهِ كُلَّ سَنَةٍ لِأَنَّهُ لَمَّا نَذَرَ لَهُ بِذَلِكَ مِنْ أَرْضِهِ وَصَحَّ النَّذْرُ صَارَ ذَلِكَ حَقًّا لِلْمَنْذُورِ لَهُ مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِ تِلْكَ الْأَرْضِ فَيَنْتَقِلُ لِوَرَثَتِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَبَحَثَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْيَمَنِ أَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ يَعْتَبِرُ الْمَنْذُورُ بِهِ مِنْ الثُّلُثِ فَيَنْفُذُ فِيهِ إنْ خَرَجَ مِنْهُ وَإِلَّا فَبِالْحِصَّةِ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ إذَا عَلَّقَهَا بِالْمَوْتِ أَوْ وَقَعَتْ فِي الْمَرَضِ وَأَمَّا التَّصَرُّفُ فِي الصِّحَّةِ فَهُوَ نَافِذٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. اهـ.
وَفِي هَذَا الرَّدِّ نَظَرٌ بَلْ الْوَصِيَّةُ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ الثُّلُثِ وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الصِّحَّةِ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ فِيهَا إنَّمَا يُوجَدُ بِالْمَوْتِ فَلَا يُقَاسُ مَا نَحْنُ فِيهِ بِهَا وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا لَمَحَهُ ذَلِكَ الْبَاحِثُ أَنَّ النَّاذِرَ عَلَّقَ بِتِلْكَ الْأَرْضِ اسْتِحْقَاقًا فِي صِحَّتِهِ وَاسْتِحْقَاقًا فِي مَرَضِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ فَمَا فِي صِحَّتِهِ أَمْرُهُ وَاضِحٌ وَمَا فِي مَرَضِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ غَايَتُهُ أَنَّهُ كَالْوَصِيَّةِ فِي صِحَّتِهِ وَقَدْ صَرَّحُوا فِيهَا بِأَنَّهَا تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ وَقَعَتْ مُعَلَّقَةً بِالْمَوْتِ ابْتِدَاءً وَقَصْدًا وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ إنَّمَا وَقَعَ التَّعْلِيقُ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ تَبَعًا وَفِي الْأَثْنَاءِ يُغْتَفَرُ فِي التَّابِعِ وَالْوَاقِعِ فِي الْأَثْنَاءِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَقْصُودِ وَالْوَاقِعِ فِي الِابْتِدَاءِ.
(سُئِلَ) ﵀ ﵎ هَلْ يَجُوزُ النَّذْرُ بِدَيْنِ السَّلَمِ أَوْ لَا كَالْحَوَالَةِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ مَشَى جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ عَلَى الْجَوَازِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَقُرْبَةٍ وَلَا مُعَاوَضَةَ بِخِلَافِ نَحْوِ بَيْعِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ يَصِحُّ النَّذْرُ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ أَوْ لِأَحَدِ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِقَوْلِهِ لَا يَصِحُّ النَّذْرُ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ كَالْوَصِيَّةِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِيهِ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا لَفْظُهُ مَا تَقُولُونَ فِيمَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ لَكِنْ يُخَالِفُهُ مَا نَصُّوا عَلَيْهِ فِي الْوَقْفِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ خُصِّصَ الصَّرْفُ بِزَمَنٍ كَالْجُمُعَةِ وَرَمَضَانَ مَثَلًا أَنَّهُ يَتْبَعُ تَخْصِيصَهُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّذْرِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْوَقْفِ وَاضِحٌ وَهُوَ أَنَّ الْغَالِبَ فِي النَّذْرِ أَنَّهُ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ الْوَاجِبِ مِنْ جِنْسِهِ وَهُوَ هُنَا الزَّكَاةُ وَهِيَ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى وَقْتِهَا لَا تَأْخِيرُهَا عَنْهُ عَلَى مَا فَصَّلُوهُ فِيهَا فَأُلْحِقَ النَّذْرُ بِهَا فِي ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ الْمَحْكِيِّ فِي السُّؤَالِ وَأَمَّا الْوَقْفُ
стр. 1227
فَأَحْكَامُهُ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا فَاتُّبِعَ فِيهِ تَعْيِينُ الْوَاقِفِ إذْ لَا مُوجِبَ لِلْخُرُوجِ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يَصِحُّ النَّذْرُ مُؤَقَّتًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَصِحُّ مُؤَقَّتًا فِي الْمَنْفَعَةِ كَالْوَصِيَّةِ لَا فِي الْعَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَوْقِيتُ الْمِلْكِ ثُمَّ عَوْدُهُ نَعَمْ إنْ قَيَّدَهُ بِمُدَّةِ عُمُرِهِ صَحَّ لِأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِيهِ فِي الْحَقِيقَةِ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يَجُوزُ النَّذْرُ لِلْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ عَلَى الْحَالِّ بِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَلِلْأَوْلِيَاءِ وَالصُّلَحَاءِ مُطْلَقًا أَوْ عَلَى تَفْصِيلٍ وَمَا مَصْرَفُهُ وَمَا مُحَصَّلُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي الْوَصِيَّةِ لِقَبْرِ جُرْجَانَ وَهَلْ الْوَقْفُ عَلَى الْحَرَمَيْنِ يُصْرَفُ لِسَاكِنِهِمَا أَوْ لِمَصَالِحِهِمَا وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِعِمَارَةِ دَارٍ بِخِلَافِ الْوَقْفِ فَمَا الْفَرْقُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ وَفِي التَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِكَذَا عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ عَيَّنَهُ وَجَبَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا لَوْ نَذَرَ بَعْثَهُ إلَى الْقَبْرِ الْمَعْرُوفِ بِجُرْجَانَ فَإِنَّ مَا يَجْتَمِعُ بِهِ عَلَى مَا يُحْكَى يُقْسَمُ عَلَى جَمَاعَةٍ مَعْلُومِينَ. اهـ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَسْقَطَ مِنْ الرَّوْضَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ مَعَ الِاحْتِيَاجِ لِلثَّانِيَةِ وَغَرَابَتِهَا. اهـ. وَمُرَادُهُ غَرَابَتُهَا مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ لَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ وَإِلَّا فَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأَئِمَّةُ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الْعَادَةَ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ شَرْطِ الْوَاقِفِ وَمِثْلُهُ النَّاذِرُ فِي وَقْفِهِ صَرِيحًا.
وَالْعَادَةُ هُنَا جَارِيَةٌ بِأَنَّ الْمُجْتَمَعَ يُقْسَمُ عَلَى جَمَاعَةٍ مَعْلُومِينَ فَصَارَ النَّذْرُ لِلْقَبْرِ نَذْرًا لِأُولَئِكَ الْجَمَاعَةِ عَمَلًا بِالْعَادَةِ وَمِنْ ثَمَّ نَقَلَ الْقَمُولِيُّ كَلَامَ الرَّافِعِيِّ وَأَقَرَّهُ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي نَذْرِ الشُّمُوعِ حَيْثُ قَالَ وَأَمَّا النَّذْرُ لِلْمَشَاهِدِ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَى قَبْرِ وَلِيٍّ أَوْ نَحْوِهِ فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْإِيقَادَ عَلَى الْقَبْرِ وَلَوْ مَعَ قَصْدِ التَّنْوِيرِ فَلَا وَإِنْ قَصَدَ بِهِ وَهُوَ الْغَالِبُ مِنْ الْعَامَّةِ تَعْظِيمَ الْبُقْعَةِ أَوْ الْقَبْرِ أَوْ التَّقَرُّبَ إلَى مَنْ دُفِنَ فِيهَا أَوْ نُسِبَتْ إلَيْهِ فَهَذَا نَذْرٌ بَاطِلٌ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لِهَذِهِ الْأَمَاكِنِ خُصُوصِيَّاتٍ لَا تُفْهَمُ وَيَرَوْنَ أَنَّ النَّذْرَ لَهَا مِمَّا يَدْفَعُ الْبَلَاءَ قَالَ وَحُكْمُ الْوَقْفِ كَالنَّذْرِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. اهـ.
وَوَجْهُ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ أَنَّ مِنْ الْوَاضِحِ الْفَرْقَ بَيْنَ نَذْرِ مَا يُوقَدُ وَنَذْرِ غَيْرِهِ فَمَا يُوقَدُ إنْ قَصَدَ بِهِ الْإِيقَادَ عَلَى الْقَبْرِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ التَّنْوِيرِ أَوْ تَعْظِيمِ الْبُقْعَةِ أَوْ التَّقَرُّبِ لِمَنْ فِيهَا بَطَلَ لِفَسَادِ هَذَا الْقَصْدِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ بِهِ مُجَرَّدَ التَّنْوِيرِ وَكَانَ هُنَاكَ مَنْ يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ النُّورِ فَإِنَّ هَذَا قَصْدٌ صَحِيحٌ فَيَلْزَمُ وَأَمَّا نَذْرُ الدَّرَاهِمِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ هَذَا التَّفْصِيلُ جَمِيعُهُ فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَتَأَتَّى فِيهِ أَنَّهُ قَصَدَ بِهَذَا النَّذْرِ التَّقَرُّبَ لِمَنْ فِي الْقَبْرِ بَطَلَ لِأَنَّ الْقُرَبَ إنَّمَا يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إلَى خَلْقِهِ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ هَذَا كُلَّهُ حَيْثُ لَا عُرْفَ مُطَّرِدًا فِي زَمَنِ النَّاذِرِ أَوْ الْوَاقِفِ.
أَمَّا حَيْثُ اطَّرَدَ الْعُرْفُ بِأَنَّ الشُّمُوعَ وَالْأَمْوَالَ الَّتِي تَأْتِي لِهَذَا الْقَبْرِ تُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِ أَوْ مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ أَوْ أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَوْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ وَلَمْ يَقْصِدْ بِالنَّذْرِ التَّقَرُّبَ لِمَنْ فِي الْقَبْرِ فَإِنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ وَلَا يَسَعُ الْأَذْرَعِيَّ وَلَا غَيْرَهُ الْمُخَالَفَةُ فِي ذَلِكَ وَيُصْرَفُ لِمَنْ اُعْتِيدَ صَرْفُهُ لَهُ وَالْأَذْرَعِيُّ إنَّمَا قَالَ فِيمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي قَبْرِ جُرْجَانَ هَذَا كَلَامُ مَضَلَّةٍ لِأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الرَّافِعِيَّ يَقُولُ بِالصِّحَّةِ وَإِنْ قَصَدَ التَّقَرُّبَ لِلْقَبْرِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بَلْ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ النَّاذِرَ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ بَلْ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ فَتَكُونُ الْعَادَةُ الْجَارِيَةُ مُخَصِّصَةً لِهَذَا الْإِطْلَاقِ وَمُفِيدَةٌ لَهُ عَمَلًا بِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ السَّابِقِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الصَّرْفَ إلَى مَنْ اُعْتِيدَ الصَّرْفَ إلَيْهِمْ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي فِي الْمَسْأَلَةِ اعْتِمَادُ التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ مِنْ أَنَّ النَّاذِرَ أَوْ الْوَاقِفَ حَيْثُ عَلِمَ بِعَادَةٍ اطَّرَدَتْ فِي ذَلِكَ الْقَبْرِ الَّذِي نَذَرَ لَهُ أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ صَحَّ وَعَمِلَ فِي الْمَنْذُورِ.
وَالْمَوْقُوفِ بِمَا اطَّرَدَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَحَيْثُ لَا عَادَةَ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَصَالِحُ يَقْصِدُ الصَّرْفَ فِيهَا كَعِمَارَةِ مَسْجِدٍ هُوَ فِيهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَجَبَ الصَّرْفُ لَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَصَالِحُ وَلَا عَادَةٌ أَوْ قَصَدَ التَّقَرُّبَ بِذَلِكَ إلَى صَاحِبِ الْقَبْرِ وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ يَصِحَّ مُطْلَقً. اهـ. ذَا إنْ كَانَ الْمَنْذُورُ أَوْ الْمَوْقُوفُ غَيْرَ شَمْعٍ أَوْ زَيْتٍ وَإِلَّا اُشْتُرِطَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ يَنْتَفِعُ بِإِيقَادِهِ هُنَاكَ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ الْجَوَابُ عَنْ النَّذْرِ لِلْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ وَأَنَّهُ يُصْرَفُ لِمَصَالِحِهَا مَا لَمْ يُقْصَدْ صَرْفُهُ إلَى أُنَاسٍ مُعَيَّنِينَ وَيَكُونُ النَّاذِرُ أَوْ الْوَاقِفُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ يَقْصِدُ صَرْفَهُ
стр. 1228
إلَى أُنَاسٍ مُعَيَّنِينَ وَيَكُونُ النَّاذِرُ أَوْ الْوَاقِفُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْعُرْفِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ الذَّبْحَ بِمِصْرَ مَثَلًا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ عَلَى أَهْلِهَا بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ وَأَبِي إِسْحَاقَ فَإِنْ ذَكَرَ لَفْظَ التَّصَدُّقِ أَوْ نَوَاهُ أَوْ لَفْظَ الْأُضْحِيَّةِ تَعَيَّنَ الذَّبْحُ بِهَا وَتَفْرِقَتُهُ عَلَى فُقَرَائِهَا وَبِأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ مَالًا مُعَيَّنًا لِلْحَرَمِ كَدَرَاهِمَ وَغَيْرِهَا لَزِمَهُ مَا سَمَّى وَيَجِبُ صَرْفُهُ إلَى مَسَاكِينِهَا أَوْ لِغَيْرِ الْحَرَمِ.
فَإِنْ صَرَّحَ بِصَرْفِهِ فِي عِمَارَةِ مَسْجِدٍ هُنَاكَ أَوْ قُرْبَةٍ أُخْرَى أَوْ نَوَى صَرْفَهُ فِيهِ صُرِفَ لِمَسَاكِينِهِ الْمُقِيمِينَ أَوْ الْوَارِدِينَ وَقَدْ أَفْتَى الْوَلِيّ الْعِرَاقِيُّ فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَأَطْلَقَ هَلْ يُصْرَفُ لِمَصَالِحِهِمَا مِنْ الْحُصْرِ وَالْقَنَادِيلِ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ الْمُجَاوِرِينَ بِهَا وَمُلَخَّصُ جَوَابِهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ كَبَقِيَّةِ الصَّرْفِ فِيهِ فَقِيلَ لَا يَصِحُّ فَعَلَيْهِ، الْوَقْفُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ بَاطِلٌ وَالْمُعْتَمَدُ الصِّحَّةُ وَعَلَيْهِ قَالَ الْبَغَوِيّ هُوَ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَقَّ فِي هَذَا الْوَقْفِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الْمُجَاوِرِينَ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَإِنَّمَا يُصْرَفُ ذَلِكَ فِي عِمَارَةِ الْجُدَرَانِ وَالتَّجْصِيصِ الَّذِي فِيهِ إحْكَامٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ آخِرَ كَلَامِهِ.
وَظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ يُصْرَفُ فِي الصُّورَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا إلَى عِمَارَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَإِلَى الْمَكَانِسِ وَنَحْوِهَا وَإِلَى الْفَرَّاشِينَ وَالْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَلَا يَجُوزُ لِفُقَرَائِهِمَا. اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَسْجِدَانِ بِأَنْ عُلِمَ مِنْ الْوَاقِفِ ذَلِكَ أَمَّا لَوْ أَطْلَقَ وَأَرَادَ بِالْحَرَمَيْنِ الْأَعَمَّ مِنْ الْمَسْجِدَيْنِ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الصَّرْفُ إلَى مَسَاكِينِهِمَا الْمُقِيمِينَ وَالْوَارِدِينَ ثُمَّ رَأَيْتُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيَّ ﵁ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَادِمِ فِي بَابِ النَّذْرِ فِي نَذْرِ التَّصَدُّقِ.
وَعِبَارَتُهُ وَقَالَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ إنْ عَيَّنَ قَوْمًا تَعَيَّنُوا وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ فَلَمْ أَرَ لِلْأَصْحَابِ فِيهِ شَيْئًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ يُصْرَفُ إلَى مَنْ تُصْرَفُ إلَيْهِ الزَّكَاةُ سِوَى الْعَامِلِينَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ النَّذْرِ يُحْمَلُ عَلَى الْوَاجِبِ الشَّرْعِيِّ أَوْ عَلَى أَقَلِّ مُمْكِنٍ هَذَا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فَأَمَّا إنْ نَذَرَ لِلْحَرَمِ فَنَصُّ الشَّافِعِيِّ ﵁ عَلَى تَعْيِينِ مَسَاكِينِهِ. اهـ. فَظَهَرَ أَنَّ مَا بَحَثْتُهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مِنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ فَلِلَّهِ أَتَمُّ الْحَمْدِ وَأَكْمَلُهُ عَلَى ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِنْ نِعَمِهِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الثَّالِثِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ أَنَّهَا أَوْسَعُ مِنْهُ بِدَلِيلِ صِحَّتِهَا لِلْحَمْلِ بِشَرْطِهِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْوَقْفَ يَسْتَلْزِمُ الْخُرُوجَ عَنْ الْمِلْكِ حَالًا بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ وَبِدَلِيلِ صِحَّتِهَا لِلْعَبْدِ سَوَاءٌ أَطْلَقَ أَوْ قَصَدَ تَمْلِيكَهُ بِخِلَافِ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ إذَا قَصَدَ تَمْلِيكَهُ بَطَلَ وَجْهُهُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ هُنَا مُنْتَظَرٌ فَقَدْ يُعَلَّقُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي فَيُسْتَحَقُّ أَوْ لَا فَلِمَالِكِهِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ فَإِنَّهُ نَاجِزٌ وَلَيْسَ الْعَبْدُ أَهْلًا لَلْمِلْكِ وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ عَلَى عِمَارَةِ دَارِ زَيْدٍ دُونَ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَوْقُوفَةٍ بِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَيْهَا إذَا صَحَّ يَكُونُ وَقْفًا عَلَى مَالِهَا فَيَكُونُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ غَيْرُهُ وَالْوَقْفُ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّهَا تَقْبَلُ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهَا هَلْ يَتَعَيَّنُ صَرْفُهَا فِيهَا قِيَاسًا عَلَى عَلَفِ الدَّابَّةِ أَوْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ عَلَفَ الدَّابَّةِ يُقْصَدُ التَّقَرُّبُ بِهِ لِأَنَّ ذَاتَهُ قُرْبَةٌ بِخِلَافِ عِمَارَةِ الدَّارِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ فَإِنْ قُلْت فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِمَارَةِ وَعَلَفِ الدَّابَّةِ إذَا قَصَدَهُ قُلْت الْفَرْقُ مَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْعَلَفَ قُرْبَةٌ ذَاتِيَّةٌ فَصَحَّ قَصْدَهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْعِمَارَةِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ غَيْرُهُ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.
(وَسُئِلَ) عَنْ النَّذْرِ لِلْأَوْلِيَاءِ هَلْ يَصِحُّ وَيَجِبُ تَسْلِيمُ الْمَنْذُورِ إلَيْهِمْ إنْ كَانُوا أَحْيَاءً أَوْ لِأَيِّ فَقِيرٍ أَوْ مِسْكِينٍ كَانَ وَإِذَا كَانَ الْوَلِيُّ مَيِّتًا فَهَلْ يُصْرَفُ لِمَنْ فِي ذُرِّيَّتِهِ أَوْ أَقَارِبِهِ أَوْ لِمَنْ يَنْهَجُ مَنْهَجَهُ أَوْ يَجْلِسُ فِي حَلْقَتِهِ أَوْ لِفَقِيرِهِ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ وَمَا حُكْمُ النَّذْرِ بِتَجْصِيصِ قَبْرِهِ أَوْ حَائِطِهِ فَهَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ النَّذْرُ لِلْوَلِيِّ الْحَيِّ صَحِيحٌ وَيَجِبُ صَرْفُهُ إلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ صَرْفُ شَيْءٍ مِنْهُ لِغَيْرِهِ.
وَأَمَّا النَّذْرُ لِوَلِيٍّ مَيِّتٍ فَإِنْ قَصْدَ النَّاذِرُ الْمَيِّتَ بَطَلَ نَذْرُهُ وَإِنْ قَصْدَ قُرْبَةً أُخْرَى كَأَوْلَادِهِ وَخُلَفَائِهِ أَوْ إطْعَامَ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ عِنْدَ قَبْرِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقُرَبِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ الْوَلِيِّ صَحَّ النَّذْرُ وَوَجَبَ
стр. 1229
صَرْفُهُ فِيمَا قَصَدَ النَّاذِرُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا لَمْ يَصِحَّ إلَّا إنْ اطَّرَدَتْ عَادَةُ النَّاسِ فِي زَمَنِ النَّاذِرِ بِأَنَّهُمْ يَنْذِرُونَ لِلْمَيِّتِ وَيُرِيدُونَ جِهَةً مَخْصُوصَةً مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَعَلِمَ النَّاذِرُ بِتِلْكَ الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ فَالظَّاهِرُ تَنْزِيلُ نَذْرِهِ عَلَيْهِ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْوَقْفِ مِنْ أَنَّ الْعَادَةَ الْمُسْتَقِرَّةَ الْمُرَادَةَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ شَرْطِهِ.
وَالنَّذْرُ لِلتَّجْصِيصِ الْمَذْكُورِ بَاطِلٌ نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ فِي قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَبْرُ بِمَحَلٍّ لَا يُؤْمَنُ عَلَى الْمَيِّتِ الَّذِي فِيهِ مِنْ السَّبُعِ أَوْ سَرِقَةِ الْكَفَنِ أَوْ إخْرَاجِ نَحْوِ مُبْتَدَعَةٍ أَوْ كُفَّارٍ لَهُ إلَّا بِالتَّجْصِيصِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ بَلْ يُنْدَبُ وَيَصِحُّ نَذْرُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ كَمَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا نَذَرَ مَدِينٌ لَدَائِنِهِ كُلَّ يَوْمٍ بِكَذَا مَا دَامَ دَيْنُهُ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ رَهَنَهُ بِدَيْنِهِ أَرْضًا وَنَذَرَ لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا مَادَامَ الدَّيْنُ بَاقِيًا بِذِمَّتِهِ هَلْ يَصِحُّ النَّذْرُ وَيَلْزَمُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمِصْرِيِّينَ وَالْيَمَنِيِّينَ بِالصِّحَّةِ وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ لِأَنَّ النَّذْرَ حِينَئِذٍ شَبِيهٌ بِالْمُعَاوَضَةِ أَوْ فِيهِ شَائِبَةُ مُعَاوَضَةٍ وَالنَّذْرُ يُصَانُ عَنْ الْمُعَاوَضَةِ إذْ هُوَ الْتِزَامُ قُرْبَةٍ
وَأَجَابَ بَعْضُ الْأَوَّلِينَ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَى تِلْكَ الْمُشَابَهَةِ مِنْ لَفْظِ النَّاذِرِ بَلْ مِنْ قَصْدِهِ النَّذْرَ بِذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ صَبْرِهِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ شَبِيهٌ بِالْقَرَائِنِ وَالْمُوَاطَأَةِ فِي الْعُقُودِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ عَدَمُ اعْتِبَارِ تِلْكَ الْقَرَائِنِ وَالْمُوَاطَأَةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْبُيُوعِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ وَدَلَالَةِ الْقَرَائِنِ غُلِّبَتْ الْأُولَى فَإِنْ قُلْت صَرَّحُوا بِأَنَّ الْقَصْدَ يُصَيِّرُ الْعَقْدَ مَكْرُوهًا فِي نَحْوِ حِيَلِ الرِّبَا وَنِكَاحِ الْمُحَلِّلِ فَقِيَاسُهُ إنْ قَصَدَ ذَلِكَ بِالنَّذْرِ يَصِيرُ مَكْرُوهًا وَنَذْرُ الْمَكْرُوهِ لَا يَنْعَقِدُ قُلْت إطْلَاقُ أَنَّ النَّذْرَ الْمَكْرُوهَ لَا يَنْعَقِدُ غَيْرُ صَحِيحٍ.
فَقَدْ صَرَّحُوا بِنَذْرِ صَوْمِ الْجُمُعَةِ مَعَ كَرَاهَتِهِ وَأَخَذْت مِنْهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمَكْرُوهَ عَلَى قِسْمَيْنِ مَكْرُوهٌ لِذَاتِهِ وَمَكْرُوهٌ لِعَارِضٍ مَعَ كَوْنِهِ قُرْبَةً وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ بِخِلَافِ الثَّانِي ثُمَّ عَلَى الصِّحَّةِ قَالَ بَعْضُ الْأَوَّلِينَ فِي صُورَةِ الْأَرْضِ إنَّ النَّذْرَ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ النَّاذِرِ بَلْ يَبْقَى لِوَرَثَتِهِ وَيُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ وَقَدْ مَرَّ بَسْطُ نَظِيرِ ذَلِكَ فِي جَوَابٍ قَبْلَ هَذَا وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ بُطْلَانِهِ بِمَوْتِهِ فَإِنَّ تَأْخِيرَ قَضَاءِ الدَّيْنِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَدِينِ حَرَامٌ مَعَ الطَّلَبِ وَمَكْرُوهٌ مَعَ عَدَمِهِ وَكُلٌّ مِنْ الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ قَالَ فَاَلَّذِي نَجْزِمُ بِهِ الْبُطْلَانُ بِمَوْتِ النَّاذِرِ وَكَانَ نَذْرُهُ اشْتَمَلَ عَلَى قُرْبَةٍ وَغَيْرِهَا فَصَحَّ فِي الْقُرْبَةِ وَبَطَلَ فِي غَيْرِهَا قَالَ وَقَدْ رَأَيْت لِبَعْضِ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ. اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ النَّذْرَ وَقَعَ خَالِيًا عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهُ وَإِنَّمَا كُلٌّ مِنْهُمَا شَيْءٌ طَرَأَ بَعْدَ انْعِقَادِ النَّذْرِ وَلُزُومِهِ فَلَا يَبْطُلُ النَّذْرُ فِيهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ تَابِعٌ لَا مَقْصُودٌ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ لَا يَصْبِرُ عَلَى الْإِضَافَةِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِمَا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهِ وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ يُعْرَفُ مَنْ يَصْبِرُ وَمَنْ لَا يَصْبِرُ وَلَوْ نَذَرَ أَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ عَلَى شَخْصٍ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لَا يَصْبِرُ يُقْبَلُ بِيَمِينِهِ أَوْ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ لَا يُقْبَلُ مُطْلَقًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَذْرُ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ الْمَالِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ عِيَالٌ حَرَامٌ فَلَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ وَكَذَا الْمَكْرُوهُ لِذَاتِهِ لَا لِعَارِضٍ كَصَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَيَصِحُّ نَذْرُهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ النَّذْرِ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ.
أَمَّا لَوْ نَذَرَ بِمَا فَضَلَ عَنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ وَعَنْ حَاجَةِ نَفْسِهِ أَوْ كَانَ يَصْبِرُ عَلَى الْإِضَافَةِ فَيَصِحُّ نَذْرُهُ وَالْمُرَادُ بِالْكِفَايَةِ مَا يَكْفِي لِنَفَقَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَكِسْوَةِ فَصْلٍ وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَى نَاذِرٍ أَوْ مُتَصَدِّقٍ فِي عَدَمِ صَبْرِهِ بَلْ يُصَدَّقُ الْمَنْذُورُ لَهُ بِيَمَنِهِ أَخْذًا بِقَاعِدَةِ تَصْدِيقِ مُدَّعِي الصِّحَّةِ غَالِبًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصْبِرُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْهُ فَلَا اطِّلَاعَ لِلْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْإِعْسَارِ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالظَّاهِرِ فَيُمْكِنُ عِلْمُهُ بِخِلَافِ الصَّبْرِ وَعَدَمِهِ فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَلْبِ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ وَبِفَرْضِ أَنَّ لَنَا اطِّلَاعًا عَلَيْهِ بِقَرَائِنِ أَحْوَالِهِ كَالْإِعْسَارِ فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ غَيْرُ مِلْكِهِ أَوْ وَقْفٌ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ أَنَّهُ لَا يَصْبِرُ عَلَى الْإِضَافَةِ عَمِلَ بِذَلِكَ
стр. 1230
وَانْتَزَعَ الْمَالَ مِنْ الْمَنْذُورِ لَهُ خُصُوصًا إذَا ادَّعَى الْجَهْلَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَالُ فَيُقْبَلُ مِنْهُ وَيَعْتَمِدُ الشَّاهِدُ فِي الْإِضَافَةِ قَرَائِنَ الْأَحْوَالِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ صِدِّيقٌ مُلَازِمٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ صَبْرُهُ وَعَدَمُ صَبْرِهِ عَلَى الْمَشَقَّةِ فَيَشْهَدُ حِينَئِذٍ عَلَى مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ عَدَمِ صَبْرِهِ عَلَى الْإِضَافَةِ حَيْثُ عُرِفَ مِنْهُ ذَلِكَ. اهـ. وَكُلُّهُ مَرْدُودٌ بِمَا قَدَّمْته فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.
(وَسُئِلَ) إذَا نَذَرَ شَخْصٌ نَذْرًا لِلنَّبِيِّ ﷺ هَلْ يَمْلِكُهُ ﷺ وَيُرْصَدُ لِمَصَالِحِ حُجْرَتِهِ أَوْ لِمَصَالِحِ مَسْجِدِهِ أَوْ لِأَهْلِهِ فَإِذَا صُرِفَ فَهَلْ يُصْرَفُ لِبَنِي الْحَسَنَيْنِ أَوْ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَوْ لِخُدَّامِ حُجْرَتِهِ أَوْ لِخُدَّامِ مَسْجِدِهِ أَوْ لِسُكَّانِ بَلَدِهِ أَمْ لَا وَإِذَا أَخَذَ نَذْرَهُ أَحَدُ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ جَازَ لَهُ ذَلِكَ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْأَذْرَعِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ مَنْ نَذَرَ شَيْئًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ قَصَدَ صَرْفَهُ فِي قُرْبَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَسْجِدِهِ ﷺ أَوْ بِجِيرَانِهِ أَوَبِغَيْرِهِمَا صَحَّ نَذْرُهُ وَعُمِلَ فِيهِ بِقَصْدِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا فَإِنْ اطَّرَدَ الْعُرْفُ بِصَرْفِ مَا يُنْذَرُ لَهُ ﷺ لِجِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَعَلِمَ النَّاذِرُ بِذَلِكَ الْعُرْفِ وَقْت النَّذْرِ صَحَّ النَّذْرُ أَيْضًا وَوَجَبَ صَرْفُهُ لِتِلْكَ الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ لَمْ يَطَّرِدْ بِشَيْءٍ أَوْ جَهِلَهُ النَّاذِرُ وَلَا قَصْدَ لَهُ كَمَا تَقَرَّرَ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ النَّذْرُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ قُرْبَةً وَلَمْ يُوجَدْ عُرْفٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِ وَإِذَا خَرَجَ النَّذْرُ عَنْ هَذَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ لَفْظُهُ مَوْضُوعًا لِلْقُرْبَةِ كَانَ بَاطِلًا.
(وَسُئِلَ) عَنْ النَّذْرِ لِوَلِيٍّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَالْوَقْفِ عَلَيْهِ هَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّ النَّذْرَ أَوْ الْوَقْفَ لِمَشَاهِدِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ صَحِيحٌ إنْ نَوَى النَّاذِرُ أَوْ الْوَاقِفُ أَهْلَ ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَوْ صَرْفَهُ فِي عِمَارَتِهِ أَوْ مَصَالِحِهِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْقُرَبِ وَكَذَا إنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا وَيُصْرَفُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ مَصَالِحِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إلَى مَنْ دُفِنَ هُنَاكَ أَوْ يُنْسَبُ إلَيْهِ ذَلِكَ الْمَحَلُّ فَإِنَّ النَّذْرَ حِينَئِذٍ لَا يَنْعَقِدُ وَقَدْ ذَكَرَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ فِي نَذْرِ نَحْوِ الشَّمْعِ وَوَقْفِهِ عَلَى ذَلِكَ مَا يُفِيدُ مَا ذَكَرْتُهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَوْ وَقَفَ مَا يَشْتَرِي مِنْ غَلَّتِهِ الْإِسْرَاجَ لِلْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ صَحَّ إنْ كَانَ قَدْ يَدْخُلُهُ وَلَوْ عَلَى نُذُورِ مَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ مُصَلٍّ أَوْ نَائِمٍ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ وَكَذَا إذَا قُصِدَ بِالنَّذْرِ أَوْ الْمَوْقُوفِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمَشَاهِدِ التَّنْوِيرُ عَلَى مَنْ يَسْكُنُ الْبُقْعَةَ أَوْ يَرِدُ إلَيْهَا لِأَنَّ هَذَا نَوْعُ قُرْبَةٍ أَمَّا إذَا قُصِدَ الْإِيقَادُ عَلَى الْقَبْرِ وَلَوْ مَعَ قَصْدِ التَّنْوِيرِ فَلَا يَصِحُّ وَكَذَا إذَا قُصِدَ بِهِ وَهُوَ الْغَالِبِ مِنْ الْعَامَّةِ تَعْظِيمُ الْبُقْعَةِ أَوْ الْقَبْرِ أَوْ التَّقَرُّبِ إلَى صَاحِبِهِ فَلَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لِهَذِهِ الْأَمَاكِنِ خُصُوصِيَّاتٍ وَيَرَوْنَ أَنَّ النَّذْرَ لَهَا مِمَّا يَنْدَفِعُ بِهِ الْبَلَاءُ
[بَابُ الْقَضَاءِ]
(وَسُئِلَ) بَلَدٌ بَادِيَةٌ وَصَاحِبُهَا فِيهِ الْخَيْرُ وَيُحِبُّ إقَامَةُ الشَّرْعِ وَلَيْسَ لَهُ مُعَانِدٌ فَهَلْ إذَا نَصَّبَ عَلَيْهِمْ أَحَدًا يُقِيمُ لَهُمْ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ يَنْفُذُ حُكْمَهُ وَيَتَوَلَّى الْعُقُودَ وَحَلَّهَا أَوْ لَا فَيُزَوِّجُ مَنْ وَلِيُّهَا تَارِكُ الصَّلَاةِ وَيَتَوَلَّى مَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي الْمَنْصُوبِ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامُ؟
(فَأَجَابَ) إذَا كَانَتْ الْبَلَدُ الْمَذْكُورَةُ لَيْسَتْ تَحْتَ وِلَايَةِ السُّلْطَانِ وَلَا أَحَدٍ مِنْ نُوَّابِهِ وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ نَافِذَ الْأَمْرِ فِيهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ يَدٌ وَلَا حُكْمٌ لِأَحَدٍ كَانَتْ جَمِيعُ أُمُورِهَا مُتَعَلِّقَةً بِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الشَّرِيعَةَ الْمُطَهَّرَةَ بِهَا بِأَنْ يُوَلِّيَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا عَدْلًا ذَا مَعْرِفَةٍ وَمُرُوءَةٍ وَعِفَّةٍ وَصِيَانَةٍ وَفِقْهِ نَفْسٍ فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ أَوْ مُعْظَمُهَا فِي رَجُلٍ وَوَلَّاهُ عَلَيْهِمْ الْقَضَاءَ وَالْحُكْمَ بَيْنَهُمْ نَفَذَتْ وِلَايَتُهُ وَجَمِيعُ أَحْكَامِهِ الَّتِي تَنْفُذُ مِنْ الْقَاضِي مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ فَيَسْمَعُ الدَّعْوَى وَيَحْكُمُ وَيُزَوِّجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا أَوْ لَهَا وَلِيٌّ فَاسِقٌ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَيَتَوَلَّى مَالَ الْأَيْتَامِ وَالسُّفَهَاءِ وَيُقِيمُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَحْفَظُهُ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْغِبْطَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَيَفْعَلُ جَمِيعَ مَا تَفْعَلُهُ الْقُضَاةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَنْ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ إلَّا فِي حُدُودِ اللَّهِ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي تَكْمِلَتِهِ يَعْنِي وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ كَمَا إذَا عَلِمَ صِدْقَ الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ يُقْضَى بِشَاهِدَيْنِ وَهُوَ يُفِيدُ الظَّنَّ
следующие страницы →