← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نُشُوزًا فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا وَلَا كِسْوَتُهَا وَإِنْ خَرَجَتْ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ كَانَتْ نَاشِزَةً فَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا مُدَّةَ إقَامَتِهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا سَلَّمَتْ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا إلَى الزَّوْجِ وَمَكَّنَتْهُ ثُمَّ ادَّعَى الزَّوْجُ عَدَمَ التَّمْكِينِ مِنْ الْوَطْءِ هَلْ هُوَ كَدَعْوَى النُّشُوزِ فَهُوَ الْمُطَالَبُ بِالْبَيِّنَةِ أَمْ لَا وَقَالُوا فِي بَابِ الْبَيِّنَاتِ لَوْ ادَّعَتْ التَّمْكِينَ فَأَنْكَرَ صَدَقَ بِيَمِينِهِ وَلَعَلَّ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ التَّمْكِينِ أَمَّا بَعْدَ التَّمْكِينِ الْأَوَّلِ فَلَا؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ عَدَمُ التَّمْكِينِ مِنْ الْوَطْءِ وَنَحْوِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَنْوَاعِ النُّشُوزِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا ذَكَرُوهُ فِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لَهُ بِشَخْصِهِ حَيْثُ قَالُوا لَوْ اخْتَلَفَا فِي النُّشُوزِ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَبَقَاءُ التَّمْكِينِ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُمْ وَبَقَاءُ التَّمْكِينِ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي أَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْمُصَدَّقَ فِي دَوَامِ التَّمْكِينِ هِيَ مَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهَا بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ وَقَدْ صَرَّحُوا كَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ بِأَنَّهُ هُوَ الْمُصَدَّقُ فِي عَدَم التَّمْكِينِ ابْتِدَاءً لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ فَهُمْ مُصَرِّحُونَ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ وَبِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَمَا عَلِمْت وَحِينَئِذٍ فَلَا يُحْتَاجُ لِقَوْلِ السَّائِلِ وَلَعَلَّ هَذَا إلَخْ لِأَنَّهُ لَوْ أَمْعَنَ النَّظَرَ وَأَنْعَمَهُ فِي كَلَامِهِمْ لَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْقُول كَمَا تَقَرَّرَ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى بَحْثِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ عَمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى مِنْ أَنَّ الشَّخْص يُخَاصِمُ زَوْجَ بِنْتِهِ فَيَمْنَعُهُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا وَيَحْبِسُهَا عَنْهُ وَلَيْسَ فِي الْبَلَدِ حَاكِمٌ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَالزَّوْجُ عَاجِزٌ عَنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا وَإِسْكَانِهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ خَوْفًا مِنْ أَبِيهَا وَهِيَ مُتَضَرِّرَةٌ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فَهَلْ تَسْتَحِقُّ الْفَسْخَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَإِذَا زَنَتْ امْرَأَةٌ فَعَلِمَ زَوْجُهَا فَهَرَبَتْ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهَا وَاضْطَرَّتْ لِلنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فَهَلْ لَهَا الْفَسْخُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) عَفَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ لَا فَسْخَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الزَّوْجَةِ فِي ذَلِكَ نَادِرٌ جِدًّا وَكَذَا عَدَمُ وُصُولِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ بِسَبَبِ مَا ذَكَرَ وَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ الزَّوْجَ الْمُوسِرَ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاق عَلَى الزَّوْجَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا الْفَسْخُ بِذَلِكَ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهَا تَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ بِالسُّلْطَانِ، أَوْ نَائِبِهِ ثُمَّ قَالُوا فَإِنْ فُرِضَ عَجْزُ السُّلْطَانِ فَهُوَ أَمْرٌ نَادِرٌ وَالْأُمُورُ النَّادِرَةُ تُلْحَقُ بِالْغَالِبِ وَلَا تُفْرَد بِحُكْمٍ يَخُصُّهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عَجْزُهُ عَنْ النَّفَقَةِ، أَوْ الْكِسْوَةِ مَثَلًا لِإِعْسَارِهِ وَثَبَتَ إعْسَارُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَإِنَّهُ يَفْسَخُ عَلَيْهِ بِهِ لِأَنَّ الْإِعْسَارَ أَمْرٌ يَغْلِبُ وُقُوعُهُ فَلَوْ مَنَعْنَا الْفَسْخَ بِهِ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَأَضْرَرْنَا بِحَالِ أَكْثَرِ النِّسَاءِ اللَّاتِي يَقَعُ لِأَزْوَاجِهِنَّ الْإِعْسَارُ. وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ النِّكَاحَ يُحْتَاطُ لِحَلِّهِ مِنْ غَيْرِ رِضَا مَنْ الْعِصْمَةُ بِيَدِهِ وَهُوَ الزَّوْجُ فَلَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ مَزِيدِ ضَرُورَةٍ يَغْلِبُ سَبَبُ وُقُوعِهَا وَلَمَّا نَظَرَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - إلَى ذَلِكَ الِاحْتِيَاطِ بَالَغَ فِيهِ فَمَنَعَ الْفَسْخَ فِي النِّكَاحِ حَتَّى بِالْإِعْسَارِ وَغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ لَهُ أَبَوَانِ مُحْتَاجَانِ إلَّا اكْتَسَبَ لِإِنْفَاقِهِمَا فَاتَهُ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ الْمَرْجُوِّ مِنْهُ تَحْصِيلُهُ لَوْ اشْتَغَلَ بِهِ وَإِنْ اشْتَغَلَ بِهِ ضَاعَا أَوْ صَارَا كَلًّا عَلَى النَّاسِ فَمَنْ يُقَدَّمُ؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ إنْ أُرِيدَ بِالْعِلْمِ الْوَاجِبُ عَلَى الْكِفَايَةِ قُدِّمَ الْكَسْبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ فَوْرِيٌّ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ وُجُوب الْكَسْبِ لَهُمَا وَإِنْ قَدَرَا عَلَى الْكَسْبِ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْكَسْبُ لَهُمَا هُنَا مَعَ قُدْرَتِهِمَا عَلَى الْكَسْبِ وَإِنْ فَاتَهُ الْعِلْمُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ الْفَوْرِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ، أَوْ الْوَاجِبِ عَيْنًا فَوْرًا كَتَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِيهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَيْنِيٌّ فَوْرِيٌّ وَقَدْ تَعَارَضَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ الْأَبَوَيْنِ رِعَايَةً لَحَقِّهِمَا الْمُتَأَكِّدِ وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ التَّعَلُّمِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ تَعَارَضَ شِرَاءُ الْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ لَهَا قُدِّمَ الثَّانِي لِدَوَامِ نَفْعِهِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُ التَّعَلُّمِ لِدَوَامِ نَفْعِهِ وَأَيْضًا فَحَقُّ النَّفْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ كَمَا قَالُوهُ فِي نَظَائِرَ لِذَلِكَ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَصْلُ مُضْطَرًّا وَالْأَقْدَمُ الْكَسْبُ لَهُ لِقَوْلِهِمْ لَوْ تَعَارَضَ نَحْوُ إنْقَاذِ غَرِيقٍ وَإِخْرَاجُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا لَزِمَهُ تَقْدِيمُ الْأَوَّلِ أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُتَدَارَكُ لَوْ فَاتَ وَالصَّلَاة تُتَدَارَكُ

стр. 1157

لَوْ فَاتَتْ وَهَلْ غَيْرُ الْأَصْلِ لَوْ اضْطَرَّ كَذَلِكَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي مَبْحَثِ الِاضْطِرَارِ لَا وَذَلِكَ أَنَّ كَلَامَهُمْ ثَمَّ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ إنْقَاذُ الْمُضْطَرِّ بِالْكَسْبِ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ مَعَهُ طَعَام بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَالِكُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ حَالًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْحَضَانَةِ] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا وَلَهُ مِنْهَا بِنْتٌ سِنُّهَا خَمْسُ سِنِينَ وَزَوَّجَهَا وَالِدُهَا بِشَخْصِ وَأَرَادَ ذَلِكَ الشَّخْصُ أَنْ يَنْزِعَهَا مِنْ وَالِدَتِهَا وَيُنْفِقُ عَلَيْهَا وَيُرَبِّيهَا عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ مَثَلًا أَوْ عِنْدَ مَنْ يَخْتَار فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ وَتَسْقُطُ حَضَانَةُ الْأُمِّ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَا تَسْقُطُ حَضَانَةُ الْأُمِّ بِذَلِكَ لِأَنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا يَكُونُ أَوْلَى بِالْحَضَانَةِ مِنْ جَمِيعِ الْأَقَارِبِ حَيْثُ كَانَ لَهُ بِالزَّوْجَةِ اسْتِمْتَاعٌ بِأَنْ تُطِيقَ الْوَطْءَ وَإِلَّا لَمْ تُسَلَّم لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ هَلْ لَهُ أَنْ يَنْزِعَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ أُمِّهَا وَيُسْكِنَهَا بِقُرْبِهِ وَإِنْ كَانَ بَلَدُهُ شَاسِعًا عَنْ بَلَدِ الْأُمِّ؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ انْتِزَاعُ بِنْتِ عَمِّهِ مِنْ أُمِّهَا الَّتِي لَا حَضَانَةَ لَهَا وَيُسْكِنُهَا عِنْدَهُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخْلُوَ بِهَا بِأَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ زَوْجَتُهُ، أَوْ أَمَتُهُ، أَوْ بَعْضُ مَحَارِمِهِ أَوْ مَحَارِمِهَا سَوَاء أَبَعُدَتْ بَلَده عَنْ بَلَدِ الْأُمِّ أَمْ لَا وَهَذَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ رَشِيدَةٍ، أَوْ كَانَ هُنَاكَ رِيبَةٌ وَإِلَّا سَكَنَتْ حَيْثُ شَاءَتْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ عَمَّنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ رَضِيعٌ وَوَجَدَ لَهُ مُرْضِعَةً مُتَبَرِّعَةً وَطَلَبَتْ الْأُمُّ الْأُجْرَة فَهَلْ يَلْزَمُهُ لَهَا أُجْرَة وَهَلْ لَهُ نَزْعُهُ مِنْهَا غَصْبًا عَلَيْهَا؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ أُجْرَةٍ لَهَا مَعَ وُجُودِ مُرْضِعَةٍ مُتَبَرِّعَةٍ وَإِذَا لَمْ تَرْضَ الْأُمُّ إلَّا بِالْأُجْرَةِ وَتَبَرَّعَتْ غَيْرُهَا وَكَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ إدْرَارِ الْأُمِّ جَازَ لِلْأَبِ نَزْعُ الْوَلَدِ مِنْهَا كُرْهًا وَإِعْطَاؤُهُ لِلْمُتَبَرِّعَةِ. وَسُئِلَ عَنْ الْأُمِّ الْحَاضِنَةِ إذَا طَلَبَتْ أُجْرَةَ الْمَسْكَنِ الَّذِي تَحْضُنُ فِيهِ أَوْلَادَهَا هَلْ يَجِبُ عَلَى الْأَبِ اسْتِئْجَارُ الْمَسْكَنِ أَوْ لَا وَهَلْ تَسْقُطُ حَضَانَتُهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَسْكَنٌ أَمْ لَا وَهَلْ يَدْخُلُ فِي مُؤْنَةِ الْحَضَانَةِ أُجْرَةُ الْمَسْكَنِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْأُمُّ الْحَاضِنَةُ إنْ كَانَتْ فِي عِصْمَةِ الزَّوْجِ الْأَبِ فَالْإِسْكَانُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهَا أُجْرَةُ الْحَضَانَةِ فَتَسْتَأْجِرُ مِنْهَا مَسْكَنًا إنْ شَاءَتْ وَلَا تَسْقُطُ حَضَانَتُهَا بِعَدَمِ مِلْكِهَا، أَوْ نَحْوه لِمَسْكَنٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ إلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ [كِتَابُ الْجِرَاحِ] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ اسْتَأْجَرَ سَفِينَةً مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ لِشَحْنِهَا بِبَنْدَرِ السُّوَيْسِ إلَى بَنْدَرِ جُدَّةَ الْمَعْمُورَةِ وَعَاقَدَ جَمَاعَةً لِلرُّكُوبِ فِيهَا بِمَا مَعَهُمْ مِنْ الْأَحْمَالِ لِكُلٍّ مِنْهُمْ عِدَّةٌ مَعْلُومَةٌ بِوَرَقَةٍ تَخْتَصُّ بِهِ ثُمَّ إنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ الْمُشَارَ إلَيْهِ عَيَّنَ شَخْصًا لِلتَّوَجُّهِ فِي السَّفِينَةِ الْمَذْكُورَةِ لِإِعَانَةِ الْمُسْتَأْجِرِ الْمَذْكُورِ فِي شَحْنِهَا وَعَمَلِ مَصَالِحِهَا وَالذَّبِّ عَنْهَا وَعَنْ رَكْبَتِهَا وَكَتَبَ لَهُ مِثَالًا كَرِيمًا بِذَلِكَ وَمِنْ مَضْمُونِهِ التَّأْكِيدُ فِي شَحْنِهِ جَمِيعُ مَا عَيَّنَ لِلْمُعَاقِدِينَ الْمَذْكُورِينَ مِنْ الْحِمْلِ الْمُعَيَّنِ بِأَوْرَاقِهِمْ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ إنَّ الشَّخْصَ الْمَذْكُورَ خَالَفَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَمْتَثِلْهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَامْتَنَعَ مِنْ شَحْنِهِ جَمِيعَ مَا عَيَّنَ لِلْمُعَاقِدِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي أَوْرَاقِهِمْ وَلَمْ يَشْحَنْ لَهُمْ مِنْهَا إلَّا الْبَعْضَ خَاصَّةً وَالْحَالُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ الْمَذْكُورَ جَعَلَ لِلْمَأْمُورِ الْمَذْكُورِ جَعَالَةً مُعَيَّنَةً لِلتَّكَلُّمِ عَلَيْهِ فِي الشِّحْنَةِ الْمَذْكُورَةِ بِهَذِهِ السَّفِينَةِ عَلَى الْحُكْمِ الْمَأْمُورِ بِهِ الْمُعَيَّنِ أَعْلَاهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ شَحْنِ بَقِيَّةِ حِمْلِ الْمُعَاقِدِينَ الْمَذْكُورِينَ بِطَرِيقِ الِافْتِيَاتِ وَالتَّعَدِّي وَأَشْحَنَ بِالسَّفِينَةِ الْمَذْكُورَةِ حِمْلَهُ حَمَلَ مَنْ اخْتَارَهُ وَبَارَزَ الْمُعَاقِدِينَ الْمَذْكُورِينَ بِالسَّبِّ وَالشَّتْمِ وَضَرَبَ وَاحِدًا مِنْهُمْ كَسَرَ ذِرَاعَهُ وَضَرَبَ غَيْرَهُ أَيْضًا كُلُّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ وَالضَّرَرِ وَالطُّغْيَانِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَلَا مُوجِبٍ وَلَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ وَلَا عُرْفِيٌّ ثُمَّ إنَّ الْمُعَاقِدِينَ الْمَذْكُورِينَ تَلَطَّفُوا بِالْمَأْمُورِ الْمَذْكُورِ وَقَالُوا لَهُ أَنْتَ الْآنَ رَاعٍ وَنَحْنُ رَعِيَّتُك وَقَدْ قَالَ ﷺ «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» فَقَالَ أَنَا لَا أَعْتَبِرُ هَذَا الْكَلَامَ وَلَا أَعْمَلُ بِهِ فَقِيلَ إنَّ هَذَا حَدِيثُ

стр. 1158

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ صَرِيحًا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَأَكْفُرَ فِيكُمْ وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ مَثَلُ الْخِنْزِيرِ الَّذِي اشْتَرَيْتُهُ فَإِنَّهُ عِنْدِي أَشْرَفَ مِنْكُمْ وَمِنْ جَمِيعِ أَهْلِ مِصْرَ عَلَى الْعُمُومِ ثُمَّ إنَّهُ أَخَذَ فِي التَّكَلُّمِ عَلَى سَفِينَةٍ ثَانِيَةٍ غَيْرِ السَّفِينَةِ الْمَذْكُورَةِ وَشَحَنَ بِهَا بِالْيَدِ وَالْقُوَّةِ بَقِيَّةَ حِمْلِ الْمُعَاقِدِينَ الْمَذْكُورِينَ الْمُتَأَخِّرِ شَحْنُهُ بِالْمَرْكَبِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا وَأَرْكَبَهُمْ بِهَا وَأَخَذَ مِنْهُمْ أُجْرَةَ ذَلِكَ كُلُّ ذَلِكَ بِالْجَبْرِ وَالْإِكْرَاهِ وَالتَّغَلُّبِ وَالِافْتِيَاتِ ثُمَّ إنَّ الْمَرْكَبَ الثَّانِيَةَ الْمَذْكُورَةَ سَارَتْ قَلِيلًا وَغَرِقَتْ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا مِنْ الْأَحْمَالِ وَالرِّكَابِ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إلَّا الْقَلِيلُ وَكَانَ هَذَا التَّلَفُ وَالضَّيَاعُ بِمُخَالَفَةِ الْمَأْمُورِ الْمَذْكُورِ وَافْتِيَاتِهِ وَتَعَدِّيهِ إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمَاذَا يَلْزَمُ الْمَأْمُورَ الْمَذْكُورَ وَمُخَالَفَةَ وَلِيِّ الْأَمْرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَالِامْتِنَاعَ مِنْ شَحْنِهِ بَقِيَّةَ حِمْلِ الْمُعَاقِدِينَ الْمَذْكُورِينَ بِالْمَرْكَبِ الْأَوَّلِ الْمَذْكُورِ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي رَدِّ الْجَوَابِ عَنْ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ عَلَى قَائِلِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بِمَا ذَكَرَهُ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي مُقَالَتِهِ إنَّمَا مَثَلُكُمْ مَثَلُ الْخِنْزِيرِ الَّذِي اشْتَرَيْتُهُ وَأَنَّ ذَلِكَ أَشْرَفُ مِنْكُمْ وَمِنْ جَمِيعِ أَهْلِ مِصْرَ عَلَى الْعُمُومِ وَعَمَّا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ السَّبِّ وَالضَّرْبِ وَكَسْرِ ذِرَاعِ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ وَهَلْ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ بَقِيَّةِ الْحِمْلِ الْمَذْكُورِ الَّذِي أَشَحَنَهُ بِالْمَرْكَبِ الثَّانِيَةِ وَتَلِفَ بِغَرَقِهَا وَلَمْ يَصِلْ إلَى مَحَلِّهِ وَقِيمَةُ مَا تَلِفَ بِالْمَرْكَبِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْحِمْلِ الَّذِي أَشَحَنَهُ فِيهَا بِالْقَهْرِ وَالْقُوَّةِ كَرْهًا عَلَى أَصْحَابِهِ أَمْ لَا وَمَاذَا يَلْزَمُهُ أَيْضًا فِيمَنْ غَرِقَ مِنْ الرُّكَّابِ بِالْمَرْكَبِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ إكْرَاهِهِمْ عَلَى الرُّكُوبِ فِيهَا وَهَلْ تَسْقُطُ الْجَعَالَةُ الْمُعَيَّنَةُ لِلْمَأْمُورِ الْمَذْكُورِ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَشْرُوحَةِ أَمْ لَا وَمَاذَا يَلْزَمُهُ أَيْضًا بِمُخَالَفَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ وَمَا حُكْمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ اُبْسُطُوا لَنَا الْجَوَابَ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ اشْتَمَلَ مَا حُكِيَ عَنْ هَذَا الظَّالِمِ الْفَاسِقِ الْمُتَمَرِّدِ عَلَى قَبَائِحَ وَمَثَالِبَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ وَقَصَمَ بِسَيْفِ عَدْلِهِ الطُّغَاةَ وَالْمُلْحِدِينَ أَنْ يُقَابِلَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ ذَلِكَ إنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِمَا يُنَاسِبُهَا مِنْ الْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ الْأَكِيدَةِ الْبَلِيغَةِ الزَّاجِرَةِ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْعَظَائِمِ حَسْبَمَا تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الْغَرَّاءُ وَالْمَحَجَّةُ الْوَاضِحَةُ الْبَيْضَاءُ الَّتِي لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا وَنَهَارُهَا كَلَيْلِهَا فَلَا يَزِيغُ عَنْهَا إلَّا هَالِكٌ وَبَيَانُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ يَسْتَدْعِي الْكَلَامَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِمَّا ذُكِرَ عَنْهُ فَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَلِيُّ الْأَمْرِ مِنْ النَّظَرِ فِيمَا ذُكِرَ بِالْمَصْلَحَةِ وَالرِّفْقِ إلَى الْحَيْفِ وَالْجَوْرِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِيهَا الْعُقُوبَةُ الْعَظِيمَةُ الْمُنَاسَبَةُ لِقَبِيحِ حَالِهِ وَعَظِيمِ جَرَاءَتِهِ حَتَّى عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ بِمُخَالَفَتِهِ لَهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ وَمُبَارِزَتِهِ لِأَوَامِرِهِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ النَّاسِ امْتِثَالُهَا وَالْإِذْعَانُ لَهَا بِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُقُوبَةَ عَلَى هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ تَشْتَدُّ وَتَتَضَاعَفُ بِحَسَبِ مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ حَتَّى يُزْجَرَ النَّاسُ عَنْ الْوُقُوعِ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ الْقَبِيحَةِ وَأَمَّا امْتِنَاعُهُ مِنْ شَحْنِهِ بَقِيَّةَ حِمْلِ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِينَ وَشَحْنِهِ بِمَالِهِ وَمَالِ غَيْرِهِ فَيَلْزَمُهُ فِيهِ أَيْضًا التَّعْزِيرُ الْبَلِيغُ وَأُجْرَةُ مَا شَحَنَهُ فِيهِ فِي مَرْكَبِهِمْ الَّتِي اسْتَحَقُّوا مَنَافِعَهَا وَأَمَّا الْجَعَالَةُ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ التَّكَلُّمِ عَلَى السَّفِينَةِ الْمَذْكُورَةِ بِالْمَصْلَحَةِ فَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْهَا شَيْئًا لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ مِمَّا ذُكِرَ عَنْهُ عَيْنُ الْمَفْسَدَةِ وَالْجَوْرِ الْمُسَوِّدَيْنِ لِوَجْهِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْمُقْتَضَيَيْنِ لِتَعْمِيلِ حُلُولِ سَطَوَاتِ الِانْتِقَامِ بِهِ وَأَمَّا سَبُّهُ وَضَرْبُهُ وَشَتْمُهُ لِمَنْ ذُكِرَ فَيُعَاقَبُ عَلَيْهِ الْعِقَابَ الشَّدِيدَ حَتَّى يَنْزَجِرَ عَنْهُ وَعَنْ أَمْثَالِهِ مِنْ قَبَائِحِهِ وَأَمَّا كَسْرُ ذِرَاعِ مَنْ ذُكِرَ فَيُعَزَّرُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ وَيَلْزَمُهُ فِيهِ الْحُكُومَةُ بَلْ قَطْعُ يَدِهِ، أَوْ الدِّيَةُ أَنْ يَعْرِفُوا شُرُوطَ ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُهُ لَمَّا قِيلَ لَهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَلَى قَائِلِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَنَّهُ لَا يُتَبَّرُ بِهَذَا الْكَلَامِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ فَقَرِينَةُ حَالِهِ قَاضِيَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ السُّخْرِيَةَ وَالِاسْتِهْزَاءَ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ كَافِرًا مُرْتَدًّا مُرَاقَ الدَّمِ مُهْدَرَهُ لَا يُسَاوِي عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى جَنَاحَ بَعُوضَةٍ فَيُضْرَبُ عُنُقَهُ إنْ لَمْ يَتُبْ وَكَذَا إنْ تَابَ عَلَى رَأْيٍ قَالَ بِهِ كَثِيرُونَ وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ لَأَكْفُرَ فِيكُمْ فَإِنْ أَرَادَ تَعْلِيقَ الْكُفْرِ عَلَى عَدَمِ انْتِهَائِهِمْ، أَوْ التَّرَدُّدِ فِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ كُفْرٌ فِي الْحَالِ فَيُضْرَبُ عُنُقُهُ إنْ لَمْ يَتُبْ أَيْضًا وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ مَثَلُ الْخِنْزِيرِ إلَخْ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ عَلَيْهِ التَّعْزِيرَ الْأَكِيدَ الْبَلِيغَ الشَّدِيدَ

стр. 1159

الْمُنَاسِبَ لِمَا فِي هَذَا الْكَلَامِ الصَّادِرِ مِنْهُ مِنْ الْقُبْحِ وَالْفَظَاعَةِ وَالْقَسَاوَةِ وَالْجَلَافَةِ وَمَزِيدِ التَّجَرُّؤِ عَلَى اللَّهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَأَئِمَّةِ دِينِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا شَحْنُهُ بَقِيَّةَ حِمْلِ الْمُسْتَأْجِرِينَ فِي السَّفِينَةِ فَإِنَّهُ يُضَمِّنُهُ الْمِثْلِيَّ مِنْهُ بِمِثْلِهِ وَالْمُتَقَوَّمَ بِقِيمَةِ وَأَمَّا أَخْذُهُ الْأَجْرَ مِمَّنْ أَرْكَبَهُ، أَوْ شَحَنَ مَالَهُ كَرْهًا فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ فَيُعَزَّرُ عَلَيْهِ أَيْضًا وَتُنْزَعُ مِنْهُ تِلْكَ الْأُجْرَةُ وَتُرَدُّ لِأَرْبَابِهَا إذْ لَا أُجْرَةَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ سَلِمُوا هُمْ وَأَحْمَالُهُمْ وَأَمَّا جَبْرُ مَنْ غَرِقَ مِنْ أَهْلِ السَّفِينَةِ الْمَذْكُورَةِ الَّذِينَ أَكْرَهَهُمْ عَلَى الرُّكُوبِ فِيهَا فَإِنْ سَيَّرَهَا بِهِمْ وَقَصَّرَ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَرِقَتْ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا قُتِلَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ إنْ مَاتُوا مَعًا وَإِلَّا فَبِأَوَّلِهِمْ مَوْتًا وَيَلْزَمُهُ دِيَاتُ الْبَاقِينَ، أَوْ بِمَا لَا يُقْتَلُ غَالِبًا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لَكِنَّ الْوَاجِبَ حِينَئِذٍ دِيَاتُهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) هَلْ يُقْتَلُ مَنْ يُصَلِّي بِتَارِكِ الصَّلَاةِ فَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْأَصْلِ وَلِلْمُضْطَرِّ قَتْلُ حَرْبِيٍّ وَمُرْتَدٍّ وَمَنْ لَهُ عَلَيْهِ قِصَاصٌ لِيَأْكُلَهُ وَكَذَا الزَّانِي الْمُحْصَنُ وَالْمُحَارِبُ وَتَارِكُ الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الْإِمَامُ لِأَنَّ قَتْلَهُمْ مُسْتَحَقٌّ وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا إذْنَهُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ تَأَدُّبًا مَعَهُ وَحَالَةُ الضَّرُورَةِ لَيْسَ فِيهَا رِعَايَةُ أَدَبٍ؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَا يُقْتَلُ الْمُصَلِّي بِتَارِكِ الصَّلَاةِ الَّذِي كَانَ تَرْكُهُ سَبَبًا لِإِهْدَارِ دَمِهِ بِأَنْ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْإِهْدَارِ الْمَذْكُورَةُ فِي بَابِ قَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ رَجُلٍ ضَرَبَ حَجَرًا فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَأَزَالَ عَيْنَ آخَرَ مَا الْحُكْمُ فِيهِ؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ مَنْ ضَرَبَ حَجَرًا فَخَرَجَ مِنْهُ قِطْعَةٌ فَأَصَابَتْ عَيْنَ آخَرَ فَأَذْهَبَتْهَا لَزِمَ عَاقِلَتَهُ دِيَتُهَا وَهِيَ خَمْسُونَ بَعِيرًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَنْ الْيَمِينِ إذَا تَعَلَّقَتْ بِالدَّمِ فَهَلْ تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ وَتَكُونُ خَمْسِينَ يَمِينًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَالْأَصْحَابُ فِي الْقَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيَّةِ وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّمُ لَوْثًا أَمْ غَيْرَ لَوْثٍ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ أَنَّ الْمَنْقُولَ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ كَوْنَ الْيَمِينِ تَتَعَدَّدُ خَمْسِينَ لَا يَخْتَصُّ بِاللَّوْثِ بَلْ تَجِبُ الْخَمْسُونَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِلَا لَوْثٍ وَعَلَى مُدَّعٍ لَهُ مَعَهُ شَاهِدٌ وَفِي الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ وَلَوْ فِي غَيْرِ اللَّوْثِ مِنْ الْمُدَّعِي، أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَوْ تَعَدَّدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ الْمُدَّعِي حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِنِسْبَةِ حَقِّهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ لَوْ انْفَرَدَ لَا يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ مَا يُثْبِتُهُ الْوَاحِدُ لَوْ انْفَرَدَ بَلْ يَثْبُتُ بَعْضُ الْأَرْشِ فَيَحْلِفُ بِقَدْرِ الْحِصَّةِ بِخِلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَنْفِي مَا يَنْفِيهِ الْوَاحِدُ لَوْ انْفَرَدَ وَيَمِينُ الْجِرَاحَاتِ وَإِنْ قَلَّتْ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ كَالنَّفْسِ فَيَكُونُ فِيهَا خَمْسُونَ يَمِينًا بِتَفْصِيلِهِ الْمَذْكُورِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ مَرِضَ فَأَرْسَلَ إلَى حَكِيمٍ فَجَاءَ إلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِشَرْبَةٍ فَشَرِبَهَا فَتَعِبَ لَهَا تَعَبًا شَدِيدًا بِحَيْثُ قَارَبَ الْمَوْتَ ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِبَعْضِ شَيْءٍ مِنْ الْعَافِيَةِ ثُمَّ اشْتَدَّ الْمَرَضُ فَقَالَ لِوَرَثَتِهِ مَا أَنَا لَكُمْ بِصَاحِبٍ وَسَبَبُ ذَلِكَ الشَّرْبَةُ الَّتِي أَسْقَانِيهَا فُلَانٌ ثُمَّ مَاتَ فَمَا حُكْمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ عَلَى الطَّبِيبِ الْمَذْكُورِ بِمُجَرَّدِ أَمْرِهِ لِلْمَرِيضِ الْمَذْكُورِ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ الْمَذْكُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْمُسْلِمِينَ سُؤَالًا صُورَتُهُ سُئِلَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ عَمَّا إذَا جَرَحَ بَهِيمَةَ غَيْرِهِ مَثَلًا أَوْ عَبْدَهُ ثُمَّ انْدَمَلَتْ الْجِرَاحَةُ وَبَقِيَ أَثَرُهَا وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْ قِيمَتِهَا شَيْءٌ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ لَا يَجِبُ شَيْءٌ فِي الْبَهِيمَةِ وَالْعَبْدِ وَفِي الْعَبْدِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ أَيْضًا شَيْءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَهَلْ جَوَابُكُمْ كَذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ أَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْمُفْتِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْبَهِيمَةِ وَالْعَبْدِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ وَهُوَ أَنَّ الْبَهِيمَةَ حَيْثُ انْدَمَلَ جُرْحُهَا وَلَا نَقْصَ فِيهَا لَا يَجِبُ عَلَى جَارِحِهَا إلَّا التَّعْزِيرُ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُ الْفُورَانِيِّ الْحَيَوَانُ يُخَالِفُ الْجَمَادَ فِي شَيْءٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُضْمَنُ إلَّا بَعْدَ الِانْدِمَالِ وَالْجَمَادُ يُضْمَنُ فِي الْحَالِ بِمَا نَقَصَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ فَقَالَ لَوْ فَقَأَ إحْدَى عَيْنَيْ حِمَارٍ لَمْ يَجِبْ فِي الْحَالِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْدَمِلَ ثُمَّ يَجِبُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحَ

стр. 1160

الْعَيْنِ وَمَفْقُوءَهَا قَالَ وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ لَا أُدَاوِيهِ حَتَّى يَمُوتَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ أَيْ عَلَى مُدَاوَاتِهِ وَلَوْ قَالَ الْجَانِي مَكِّنِي مِنْ مُدَاوَاتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّمْكِينُ مِنْهُ. وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَإِنْ قَطَعَ مِنْهُ مَا يُقَدَّرُ فِي الْحُرِّ كَالْيَدِ لَزِمَهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ فِي هَذَا الْمِثَالِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَبَرِئَ وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ أَمْ نَقَصَتْ بِقَدْرِ نِصْفِ الْقِيمَةِ أَمْ أَقَلَّ أَمْ أَكْثَرَ وَإِنْ جُرِحَ جُرْحًا لَا مُقَدَّرَ لَهُ فِيهِ مِنْ الْحُرِّ فَبَرِئَ وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ كَأَنْ قَطَعَ مِنْهُ أُصْبُعًا زَائِدَةً فَبَرِئَ وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ فَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ يَلْزَمُهُ مَا نَقَصَ وَيُقَوَّمُ قَبْلَ الْبُرْءِ وَالدَّمُ سَائِلٌ لِلضَّرُورَةِ. وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ لِقَوْلِهِمْ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ أَنَّ أَثَرَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مِنْ ضَعْفٍ، أَوْ شَيْنٍ إذَا بَقِيَ بَعْدَ الْبُرْءِ وَجَبَتْ الْحُكُومَةُ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ جُرْحًا، أَوْ كَسْرًا وَلَمْ يَنْقُصْ بَعْدَ الِانْدِمَالِ شَيْءٌ مِنْ مَنْفَعَةٍ أَوْ جَمَالٍ كَقَلْعِ سِنٍّ، أَوْ أُصْبُعٍ زَائِدَةٍ اعْتَبَرَ أَقْرَبَ نَقْصٍ إلَى الِانْدِمَالِ ثُمَّ مَا قَبْلَهُ وَهَكَذَا إلَى حَالِ سَيَلَانِ الدَّمِ حَتَّى تَنْقُصَ الْقِيمَةُ لِتَأَثُّرِهَا بِالْخَوْفِ وَالْخَطَرِ فَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ بِهِ شَيْءٌ وَلَا حَالَ سَيَلَانِ الدَّمِ فَهَلْ يُعَزَّرُ فَقَطْ، أَوْ يُعَزَّرُ وَيَفْرِضُ الْقَاضِي عَلَيْهِ شَيْئًا بِاجْتِهَادِهِ وَجْهَانِ رَجَّحَ الْبُلْقِينِيُّ الثَّانِيَ وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ غَيْرَ جُرْحٍ وَلَا كَسْرٍ كَإِزَالَةِ الشُّعُورِ وَاللَّطْمَةِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ سِوَى التَّعْزِيرِ فَتَأَمَّلْ هَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ فَإِنَّهُ قَاضٍ بِتَرْجِيحِ كَلَامِ أَبِي إِسْحَاقَ فَعُلِمَ أَنَّ إطْلَاقَ بَعْضِ الْمُفْتِينَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ فِي الْعَبْدِ إطْلَاقٌ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِمَا لَفْظُهُ إذَا قُلْتُمْ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ الْأَبَ وَإِنْ عَلَا وَالِابْنَ وَإِنْ سَفَلَ وَالْقَاتِلَ لَيْسُوا هُمْ مِنْ الْعَاقِلَةِ وَلَا يَحْمِلُونَ مِنْ الدِّيَةِ شَيْئًا وَإِذَا قُلْتُمْ أَيْضًا أَنَّ الدِّيَةَ مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ حِينِ الْقَتْلِ وَأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُجْعَلُ عَلَى الْمُوسِرِ نِصْفُ دِينَارٍ وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبُعٌ وَأَنَّهَا عَلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ وَأَنَّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ الَّتِي فِي بَلَدِ الْجَانِي وَمَنْ كَانَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ فِي إقْلِيمٍ آخَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَإِذَا كَانَ الْقَاتِلُ غَنِيًّا وَالْعَاقِلَةُ فُقَرَاءَ أَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ فُقَرَاءَ فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ أَمْ تَسْقُطُ أَمْ إلَى الْيَسَارِ أَمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَإِذَا كَانَ الْقَرِيبُ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْجَانِي وَالْأَبْعَدُ فِي بَلَدِهِ هَلْ تَسْقُطُ عَنْهُمَا، أَوْ تَلْزَمُهُمَا، أَوْ أَحَدَهُمَا وَإِذَا كَانَ الْقَرِيبُ فِي حَالِ الْجِنَايَةِ فِي إقْلِيمٍ آخَرَ ثُمَّ حَضَرَ بَعْدَهَا إلَى بَلَدِ الْجَانِي هَلْ تَلْزَمُهُ أَمْ لَا تَلْزَمُهُ. وَإِذَا قُلْتُمْ إنَّهَا مِنْ حِينِ الْقَتْلِ وَإِذَا كَانَ الْقَرِيبُ وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً مَثَلًا مُوسِرِينَ أَوْ مُتَوَسِّطِينَ كَيْفَ تَسْقُطُ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؟ وَالْحَالُ أَنَّ الْمُوسِرَ أَلْزَمَتْهُمُوهُ بِنِصْفِ دِينَارٍ وَالْمُتَوَسِّطَ رُبُعِ دِينَارٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيطَ لَا يَفِي فِي مُدَّةِ ثَلَاثِ سِنِينَ بِالدِّيَةِ فَإِذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ وَالدِّيَةُ بَاقِيَةٌ مَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَكَيْفَ تَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ الدَّنَانِيرُ وَالْحَالُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ الْإِبِلُ الْمَعْلُومَاتُ فِي الْخَطَإِ وَهِيَ مِائَةٌ مُخَمَّسَةٌ وَلَيْسَ الْعُدُولُ عَنْهَا إلَّا بِالصُّلْحِ فَإِذَا امْتَنَعَتْ أَصْحَابُ الدَّمِ مِنْ الصُّلْحِ فَكَيْفَ تُوَزَّعُ الْإِبِلُ عَلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً أَوْ أَقَلَّ؟ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ وُضُوحًا شَافِيًا؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ مِنْ اخْتِصَاصِ الضَّرْبِ بِعَاقِلَةِ بَلَدِ الْجَانِي عَلَى الْإِطْلَاقِ لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِهِ هَكَذَا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَا يُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ تَفَاصِيلُ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ أَنَّ الْعَاقِلَةَ إنْ كَانُوا حَاضِرِينَ بِبَلَدِ الْجِنَايَةِ ضُرِبَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ الْمَعْرُوفِ وَإِنْ غَابُوا وَلَهُمْ ثَمَّ مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ وَإِلَّا حَكَمَ الْقَاضِي عَلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ وَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى حَاكِمِ بَلَدِهِمْ لِيَأْخُذَهَا مِنْهُمْ وَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ بِالْقَتْلِ إلَيْهِ لِيَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِهَا وَيَأْخُذَهَا مِنْهُمْ وَإِنْ حَضَرَ بَعْضُهُمْ بِهَا وَغَابَ بَعْضُهُمْ فَإِنْ اسْتَوَى الْجَمِيعُ دَرَجَةً فَهَلْ يُقَدَّمُ مَنْ حَضَرَ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَعَمْ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِقُرْبِ الْمَكَانِ فَهُمْ كَالْمُخْتَصِّينَ بِقُرْبِ الْقَرَابَةِ وَلِأَنَّ النُّصْرَةَ الَّتِي هِيَ مَلْحَظُ التَّحَمُّلِ إنَّمَا هِيَ بِهِمْ وَلِأَنَّ فِي الضَّرْبِ عَلَى الْغَائِبِينَ مَشَقَّةً وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - تُضْرَبُ عَلَى الْكُلِّ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْعُصُوبَةِ وَالْمِيرَاثِ وَعَلَى هَذَا فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ حَضَرُوا جَمِيعًا أَوْ غَابُوا جَمِيعًا فِيمَا مَرَّ وَعَلَى الضَّعِيفِ إذَا لَمْ يَفِ الْحَاضِرُونَ ضُرِبَ عَلَى الْغَائِبِينَ وَيَكْتُبُ الْقَاضِي كَمَا مَرَّ وَعَلَيْهِ أَيْضًا إذَا اخْتَلَفَتْ

стр. 1161

بِلَادُهُمْ قُدِّمَ الْأَقْرَبُ دَارًا فَالْأَقْرَبُ. هَكَذَا أَوْرَدَ الْقَوْلَيْنِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَبَعْضُهُمْ قَطَعَ بِالْقَوْلِ الْأَصَحِّ وَبَعْضُهُمْ حَكَاهُمَا عَلَى مَا مَرَّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا نَظَرَ لِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ فَتُضْرَبُ عَلَى الْأَقَارِبِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ دُورُهُمْ سَوَاءٌ الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ، وَلَا يُقَدَّمُ بِقُرْبِ دَارٍ مُطْلَقًا وَجَمِيعُ التَّفَارِيعِ الَّتِي ذَكَرَهَا السَّائِلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاخْتِصَاصِ لِمَنْ بِبَلَدِ الْجَانِي لَا جَوَابَ لَهَا، وَأَمَّا تَفَارِيعُ الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فَقَدْ أَشَرْنَا إلَيْهَا فَتَأَمَّلْهَا نَعَمْ مِنْ تِلْكَ التَّفَارِيعِ مَا يَتَأَتَّى عَلَى الْمَذْهَبِ فَلْنَذْكُرْ جَوَابَهُ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالضَّرْبِ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَنَّهُ يُضْرَبُ عَلَيْهِمْ الْجَمِيعُ مُطْلَقًا بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ الثُّلُثُ فَيُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ مَعَ رِعَايَةِ أَنَّ الْغَنِيَّ لَا يُزَادُ عَلَى نِصْفٍ وَالْمُتَوَسِّطُ لَا يُزَادُ عَلَى رُبُعٍ فَإِنْ وَفَّى الْأَقْرَبُونَ بِهَا لِكَثْرَتِهِمْ وَإِلَّا ضُرِبَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَهَكَذَا حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَعَلَى عَصَبَةِ الْوَلَاءِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَعَلَى الْجَانِي وَكَذَا يَفْعَلُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالسَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ أَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ لَمْ يُزَادُوا عَلَى الثُّلُثِ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَلَا تُزَادُ السُّنُونَ عَلَى ثَلَاثٍ وَإِنْ كَانَ أَنْقَصَ وُزِّعَ الثُّلُثُ فِي الْأُولَى وَأَدْوَنَ مِنْهُ فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَى الثُّلُثِ الثَّانِي وُزِّعَ عَلَيْهِمْ فِي سَنَةٍ ثَانِيَةٍ وَإِنْ زَادَ شَيْءٌ عَلَى الثُّلُثِ الثَّانِي وُزِّعَ عَلَيْهِمْ فِي سَنَةٍ ثَالِثَةٍ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ عَلَى الْغَنِيِّ أَكْثَرُ مِنْ دِينَارٍ وَنِصْفٍ فِي الثَّلَاثِ مُطْلَقًا وَلَا عَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ دِينَارٍ فِي الثَّلَاثِ مُطْلَقًا ثُمَّ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ إنَّمَا هُوَ نَقْدُ الْبَلَدِ ثُمَّ مَا تَحَصَّلَ مِنْهُ اشْتَرَى بِهِ الْوَاجِبَ مِنْ الْإِبِلِ وَهَكَذَا يَفْعَلُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ أَزَالَ بَكَارَةَ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ ذَكَرِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ غَيْرَ نِصْفِ مَهْرِهَا لِتَفْوِيتِ الْبَكَارَةِ عَلَيْهَا؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِإِزَالَةِ الْبَكَارَةِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهَا لَكِنَّهُ يُعَزَّرُ لِكَوْنِهِ أَذَاهَا بِإِزَالَتِهَا بِغَيْرِ الذَّكَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ عَمَّا إذَا دَاوَى طَبِيبٌ غَيْرَهُ فَهَلْ يَضْمَنُ؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ عَارِفٍ بِالطِّبِّ وَتَوَلَّدَ الْهَلَاكُ مِنْ ذَلِكَ الدَّوَاءِ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ ضَمِنَ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَابْنِ مَاجَهْ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَنْ يُطَبِّبُ وَلَمْ يَعْرِفْ الطِّبَّ فَهُوَ ضَامِنٌ» وَبِذَلِكَ جَزَمَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَغَيْرُهُ بَلْ نَقَلَ ابْنُ سُرَيْجٍ فِيهِ الْإِجْمَاعَ وَإِنْ عَرَفَ الطِّبَّ وَأَخْطَأَ لَمْ يَضْمَنْ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ وَخَصَّهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِمَا إذَا قَالَ دَاوَانِي بِهَذَا أَمَّا إذَا قَالَ دَاوَانِي مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ فَيَضْمَنُ وَاعْتَمَدَ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ فَقَالَ لَا يَضْمَنُ الْعَارِفُ مُطْلَقًا حَيْثُ أَخْطَأَ وَاسْتُدِلَّ لَهُ فِي الْخَادِمِ بِحَدِيثِ الْمَشْجُوجِ الَّذِي أَمَرُوهُ بِالْغُسْلِ فَمَاتَ فَقَالَ ﷺ «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ» وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ ضَمَّنَهُمْ هَذَا كُلَّهُ إذَا بَاشَرَ الطَّبِيبُ الدَّوَاءَ بِنَفْسِهِ كَأَنْ قَالَ لَهُ ابْلَعْ هَذَا فَفِي الْمُمَيِّزِ تَجِبُ الدِّيَةُ وَفِي غَيْرِهِ يَجِبُ الْقَوَدُ بِشُرُوطٍ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُبَاشِرْ كَأَنْ قَالَ تَفْعَلُ كَذَا أَوْ أَعْطَى الدَّوَاءَ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ مَا لَمْ يُخْطِئْ وَيُعَذَّرُ فِي خَطَئِهِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْحَاكِمِ مَنْعُهُ صَوْنًا لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَبْدَانِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) هَلْ فِي الظُّفْرِ حُكُومَةٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا حُكُومَةَ فِيهِ إذَا لَمْ يَفْسُدْ مَنْبَتُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَفْسَدَهُ فَإِنَّهُ تَجِبُ فِيهِ حُكُومَةٌ كَالشَّعْرِ فِيهِمَا. (وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا حَضَرَ نِسَاءٌ وِلَادَةَ ذَكَرٍ فَقَطَعَتْ إحْدَاهُنَّ سُرَّتَهُ مِنْ غَيْرِ رَبْطٍ وَنَهَاهَا الْبَاقِيَاتُ فَمَاتَ بَعْدَ الْقَطْعِ بِقَلِيلٍ فَهَلْ يُقْتَلْنَ مَثَلًا أَوْ هِيَ فَقَطْ؟ ؟ (فَأَجَابَ) ﵀ ﵎ بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ الْقَطْعُ مَعَ عَدَمِ الرَّبْطِ يَقْتُلُ غَالِبًا فَهُوَ عَمْدٌ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ عَلَيْهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ مَنَعَتْ الْبَاقِيَاتِ مِنْ الرَّبْطِ لَوْ أَرَدْنَ فِعْلَهُ أَمَّا إذَا لَمْ يُرِدْنَهُ فَهُنَّ آثِمَاتٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُنَّ جَمِيعًا فَإِذَا تَرَكْنَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْعٍ كَانَ لَهُنَّ دَخْلٌ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّيْخَيْنِ لَوْ فَصَدَ شَخْصًا وَمَنَعَ الْمَفْصُودَ مِنْ الْعَصْبِ لَزِمَهُ الْقَوَدُ قَالَ فَعَلَّقَا وُجُوبَ الْقَوَدِ بِالْمَنْعِ فَكَذَا هُنَا لَا يَلْزَمُهَا

стр. 1162

قَوَدٌ إلَّا إنْ مَنَعَتْهُنَّ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَغَايَةُ الْأَمْرِ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى مَا زَعَمَهُ أَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ وَهُنَّ مُتَسَبِّبَاتٌ وَالْمُبَاشَرَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى أَنَّهُنَّ فِي الْحَقِيقَةِ لَسْنَ مُتَسَبِّبَاتٍ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُنَّ فِعْلٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا صَدَرَ مِنْهُنَّ تَرْكٌ وَهِيَ اسْتَقَلَّتْ بِالْقَطْعِ مَعَ عَدَمِ الرَّبْطِ فَإِذَا كَانَ مُهْلِكًا لَمْ يُبَاشِرْ الْمُهْلِكَ غَيْرُهَا وَإِذَا لَمْ يُبَاشِرْهُ غَيْرُهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا شَرِيكٌ أَصْلًا فَالْوَجْهُ وُجُوبُ الْقَوَدِ عَلَيْهَا إنْ تَعَمَّدَتْ قَتْلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَإِنْ عُفِيَ عَنْهَا عَلَى مَالٍ فَدِيَةُ الْعَمْدِ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ غَالِبًا فَعَلَى عَاقِلَتِهَا دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَفْصُودِ لِأَنَّ تَرْكَهُ الْعَصَبَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ صَيَّرَهُ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ وَقَاطِعًا لِفِعْلِ الْفَاصِدِ لِأَنَّ الْفَصْدَ بِذَاتِهِ لَيْسَ هُوَ الْقَاتِلُ وَإِنَّمَا الْقَاتِلُ تَرْكُ الْعَصْبِ وَلَيْسَ فِي مَسْأَلَتِنَا نَظِيرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ فِيهَا مِنْ الْمَقْطُوعِ مَا يَقْطَعُ فِعْلَ الْقَاطِعِ فَنِيطَ الْهَلَاكُ بِهِ وَنَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا مَا لَوْ فُصِدَ غَيْرُ مُمَيِّزٍ وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ فَتَهَاوَنُوا فِي رَبْطِ مَحَلِّ الْفَصْدِ حَتَّى مَاتَ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْقَوَدَ فِي هَذِهِ عَلَى الْفَاصِدِ وَحْدَهُ دُونَ الْحَاضِرِينَ لِمَا قَرَّرْتُهُ مِنْ أَنَّهُ الْمُبَاشِرُ وَحْدَهُ وَلَا قَاطِعَ لِفِعْلِهِ مِنْ الْمَفْصُودِ وَيَلْزَمُ ذَلِكَ الْبَاحِثَ أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا الْفَاصِدُ وَلَا غَيْرُهُ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ فَالْقِيَاسُ وُجُوبُ الْقَوَدِ عَلَيْهِمَا بَلْ لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ عَلَى الْكُلِّ لَمْ يَبْعُدْ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَطْعِ هُنَا كَالْفَصْدِ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ مُهْلِكٍ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَإِنَّمَا الْمُهْلِكَ تَرْكُ الرَّبْطِ هُنَا وَثَمَّ؛ لِأَنَّ الْبُرْءَ مَوْثُوقٌ بِهِ لَوْ رُبِطَ فِي الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ فَالْهَلَاكُ يُنْسَبُ إلَيْهِنَّ كُلِّهِنَّ فَيَلْزَمُهُنَّ الْقَوَدُ وَإِلَّا فَدِيَةُ الْعَمْدِ مُوَزَّعَةٌ عَلَى رُءُوسِهِنَّ وَأَمَّا لُزُومُ الضَّمَانِ لَهَا دُونَهُنَّ الَّذِي زَعَمَهُ ذَلِكَ الْبَاحِثُ فَبَعِيدٌ جِدًّا وَمِمَّا يُبْعِدُهُ أَنَّهُ نَاقَضَ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُنَّ دَخْلًا فِي الْجِنَايَةِ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهَا وَعَدَمِ دَخْلٍ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ وُجُوبِ شَيْءٍ عَلَيْهِنَّ وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِنَّ وَهُوَ تَحَكُّمٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ عَنْ قَوْلِ التَّاجِ السُّبْكِيّ فِي أَلْغَازِهِ وَمَنْ يَزِدْ جُرْمُهُ يَنْقُصْ مُؤَاخَذَةً ... وَيَفْتَدِي بَعْضَ مَا يَجْنِيهِ كَالْهَدَرِ ؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ جُرْمُهُ إنْ ضَمَّ أَوَّلَهُ فَهُوَ فِيمَنْ فَعَلَ صَغِيرَةً ثُمَّ أَرَادَ كَبِيرَةً ثُمَّ تَرَكَهَا خَوْفًا مِنْ اللَّهِ فَتَرْكُهُ لِلْكَبِيرَةِ بَعْدَ الْعَزْمِ عَلَيْهَا مُكَفِّرٌ لِتِلْكَ الصَّغِيرَةِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا وَإِنْ كَسَرَ فَهُوَ فِي الْمِيزَانِ إنْ وَقَعَ كُلُّهُ فَأُتْلِفَ فَنِصْفُ الضَّمَانِ، أَوْ نِصْفُهُ فَكُلُّ الضَّمَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ] (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ زَوْجَيْنِ مُتَنَاكِحَيْنِ مَثَلًا أَوْ رَجُلَيْنِ مَثَلًا أَوْ جَمَاعَةٍ فِي سَفَرٍ مَثَلًا أَوْ بَيْتٍ وَدَارٍ كَبِيرَةٍ بِهَا سُكَّانٌ أَوْ فِي صَحْنِهَا مَثَلًا أَوْ سِكَّتِهَا النَّافِذَةِ أَوْ غَيْرِ النَّافِذَةِ وَجَدْنَا بَيْنَهُمْ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ قَتِيلًا أَوْ مَيِّتًا يُحْتَمَلُ مَوْتُهُ وَخَنْقُهُ هَلْ يَكُونُ هَذَا لَوْثًا فِي الْجَمِيعِ مَثَلًا أَوْ فِي الْبَعْضِ؟ بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ فَإِذَا قُلْتُمْ بِأَنَّهُ لَوْثٌ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا فَهَلْ يَدَّعِي وَلِيُّهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ، أَوْ السُّكَّانِ الَّذِينَ بِالدَّارِ جَمِيعًا لِاحْتِمَالِ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَقَتْلِهِمْ جَمِيعًا، أَوْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ وَيُقْسِمُ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا إذَا أَنْكَرَ وَتَسْقُطُ الدَّعْوَى عَنْ الْبَاقِينَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى عَلَى الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ لَا لَوْثَ وَلَا دَعْوَى وَلَا قَسَامَةَ عَلَى مَنْ ذُكِرَ، أَوْ لَا فَهَلْ لَهُ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ مَنْ ذُكِرَ أَعْلَاهُ إذَا ظَنَّهُ وَاتَّهَمَهُ وَهَلْ يُقْسِمُ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا إذَا أَنْكَرَ أَوْ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيُبَرَّأُ مِنْ ذَلِكَ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى وَهَلْ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْقَتِيلِ وَبَيْنَ مَنْ عِنْدَهُ عَدَاوَةٌ أَمْ لَا وَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ الْجَمَاعَةِ، أَوْ السُّكَّانِ الْمَذْكُورِينَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ الْقَاتِلُ هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا أَمْ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهَا تَدْفَعُ عَنْهُمَا ضَرَرًا؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَا بُدَّ فِي اللَّوْثِ وَالْقَسَامَةِ مِنْ ظُهُورِ أَثَرٍ كَالْخَنْقِ وَالْعَضِّ وَالْجُرْحِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَثَرٌ فَلَا لَوْثَ وَلَا قَسَامَةَ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ فَجْأَةً وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَعَرُّضِ غَيْرِهِ لَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ قَتِيلٌ لِيَبْحَثَ عَنْ قَاتِلِهِ وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ وَأَطَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي رَدِّهِ وَإِنَّ الْمَذْهَبَ الْمَنْصُورَ. وَقَوْلَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَثْبُتُ اللَّوْثُ وَالْقَسَامَةُ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُعْتَمَدِ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَدَّعِيَ

стр. 1163

عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ مَثَلًا وَعَلَى كُلِّهِمْ لَكِنَّ الْيَمِينَ هُنَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَعَلَى الثَّانِي يَتَأَتَّى هُنَا مَا قَالُوهُ أَنَّ مِنْ اللَّوْثِ أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ فِي مَسْكَنٍ لِعَدُوِّهِ كَحِصْنٍ أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ، أَوْ مَحَلَّةٍ مُنْفَرِدَةٍ عَنْ الْبَلَدِ الْكَبِيرِ وَلَمْ يُسَاكِنْهُمْ غَيْرُهُمْ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَاعْتَرَضَهُمَا جَمْعٌ وَقَالُوا الْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ اعْتِبَارُ أَنْ لَا يُخَالِطَهُمْ غَيْرُهُمْ وَالْمُرَادُ بِالْغَيْرِ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ مَنْ لَمْ تُعْلَمْ صَدَاقَتُهُ لِلْقَتِيلِ وَلَا كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِهِ وَإِلَّا فَاللَّوْثُ مَوْجُودٌ فَلَا يَمْنَعُ الْقَسَامَةَ قَالَ الْعِمْرَانِيُّ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ الْمَكَانَ غَيْرُ أَهْلِهِ لَمْ تُعْتَبَرْ الْعَدَاوَةُ فَيَكُونُ وُجُودُ قَتِيلٍ بَيْنَهُمْ لَوْثًا فِي حَقِّهِمْ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ أَعْدَائِهِ وَلَا تَسْقُطُ الدَّعْوَى عَنْ بَاقِيهِمْ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ مِنْهُمْ بِأَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ مَا لَمْ يُكَذِّبْهُمَا الْوَلِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ تَعْيِينِ الْمَجْرُوحِ لِجَارِحِهِ هَلْ هُوَ لَوْثٌ فِي حَقِّهِ مَثَلًا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) ﵀ ﵎ بِقَوْلِهِ لَيْسَ ذَلِكَ بِلَوْثٍ عِنْدنَا لِضَعْفِ الْقَرِينَةِ فِيهِ فَإِنْ قُلْت يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَصِحُّ (إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِدَيْنٍ، أَوْ عَيْنٍ لِوَارِثٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى حَالَةٍ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيَتُوبُ فِيهَا الْفَاجِرُ فَإِذَا كَانَ وَصَلَ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فَلِمَ لَا يَكُونُ تَعْيِينُهُ لِجَارِحِهِ لَوْثًا؛ لِأَنَّ وُصُولَهُ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ يُؤَكِّدُ ظَنَّ صِدْقِهِ وَمَدَارُ اللَّوْثِ عَلَى مُؤَكِّدِ ظَنٍّ هُنَا الصِّدْقُ قُلْت قَدْ عَارَضَ تِلْكَ الْقَرِينَةَ غَلَبَةُ وُقُوعِ الضَّغَائِنِ بَيْنَ الْمَجْرُوحِ وَالْمُتَّهَمِينَ بِجَرْحِهِ فَكَانَ فِي تَعْيِينِهِ مَا يُؤَكِّدُ عَدَمَ ظَنِّ صِدْقِهِ فَلَمْ يُعْمَلْ بِهِ وَأَمَّا ثَمَّ فَلَا قَرِينَةَ تُنَافِي مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَالُهُ مِنْ الصِّدْقِ فَعَمِلَ بِقَوْلِهِ وَصَحَّحْنَا إقْرَارَهُ إذْ لَا عُذْرَ لِمَنْ أَقَرَّ وَأَيْضًا فَالْحَقُّ هُنَا لَهُ إذْ الدِّيَةُ لَهُ وَإِنَّمَا تَنْتَقِلُ لِوَرَثَتِهِ عَنْهُ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيهِ مُطْلَقًا لِلتُّهْمَةِ وَأَمَّا ثَمَّ فَهُوَ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحَقِّ لِغَيْرِهِ فَلَا تُهْمَةَ فِيهِ فَقُبِلَ مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْبُغَاةِ] (وَسُئِلَ) هَلْ يَجُوزُ حُضُورُ الْمُسْلِمِينَ الْحُرُوبَ الَّتِي تَقَعُ فِيمَا بَيْنَ الْكَفَرَةِ لِلْمُشَاهَدَةِ وَالتَّفَرُّجِ، أَوْ لَا يَجُوزُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَكْثِيرِ جَمْعِهِمْ وَإِعَانَتِهِمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَتَحْسِينِ طَائِفَةٍ وَتَقْبِيحِ أُخْرَى وَوُجُودِ الْخَطَرِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَصِلُ أَسْهُمُهُمْ إلَى النَّاظِرِينَ وَكَانَ مَشَايِخُنَا مِنْ أَهْلِ مَلِيبَارَ يَمْنَعُونَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حُضُورِهِمْ حُرُوبَهُمْ وَهَلْ يَجُوزُ قِتَالُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ الْكُفَّارِ حَتَّى يَقْتُلَ مَثَلًا أَوْ يُقْتَلَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ذَلِكَ، أَوْ لَا وَهَلْ يُؤْجَرُ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَقْتُلَ كَافِرًا، أَوْ يَقْتُلَهُ كَافِرٌ وَهَلْ يُعَامَلُ بِهِ مُعَامَلَةَ الشَّهِيدِ؟ (فَأَجَابَ) ﵀ ﵎ بِقَوْلِهِ إذَا وَقَعَ قِتَالٌ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ لَمْ يَحْرُمْ الْحُضُورُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُهْدَرٌ فَالْقَتْلُ فِيهِمَا وَاقِعٌ فِي مَحَلِّهِ فَلَيْسَ ثَمَّ مَعْصِيَةٌ، أَقَرَّ عَلَيْهَا الْمُتَفَرِّجُ بِحُضُورِهِ. نَعَمْ إنْ خَشِيَ لَا عَلَى نُدُورِ عَوْدِ ضَرَرٍ عَلَيْهِ مِنْ الْحُضُورِ حَرُمَ عَلَيْهِ وَلَعَلَّ مَنْعَ الْمَشَايِخِ الْمَذْكُورِينَ الْحُضُورَ كَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَلِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوا كُلًّا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ وَأَنْ يُقَاتِلُوا أَحَدَهُمَا لَا بِقَصْدِ نُصْرَةِ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى بَلْ بِقَصْدِ إعْلَاءِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَإِلْحَاقِ النِّكَايَةِ فِي أَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهَذَا الْقَصْدِ حَصَلَ لَهُ أَجْرُ الْمُجَاهِدِ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي خَبَرِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَاتَلَ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ بِقَصْدِ ذَلِكَ كَانَ كَذَلِكَ حَتَّى إذَا قُتِلَ فِي الْحَرْبِ أَوْ انْقَضَتْ وَحَرَكَتُهُ حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ، أَوْ لَيْسَ بِهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عُومِلَ مُعَامَلَةَ الشَّهِيدِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ نَعَمْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ مُرِيدُ الْقِتَالِ أَنَّهُ يَبْلُغُ نَوْعَ نِكَايَةٍ فِيهِمْ. أَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَبْرُزَ لِلْقِتَالِ بَادَرَهُ بِالْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ أَدْنَى نِكَايَةٍ فِيهِمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ قِتَالُهُمْ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ أَلْبَتَّةَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ إثْمُ قَاتِلِ نَفْسِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ هَلْ غَيْرُ قُرَشِيٍّ عُدَّ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمْ - عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ فَمَنْ هُوَ وَلِمَنْ يَحْكُمُ؟ ؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ هُوَ أُسَامَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -

стр. 1164

أَمَّرَهُ عَلَى جَيْشٍ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إلَى الشَّامِ وَكَانَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمْ - فِي ذَلِكَ السَّفَرِ يَدْعُونَهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - يَدْعُوهُ بِذَلِكَ وَيَقُولُ لَهُ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْتَ عَلَيَّ أَمِيرٌ. (وَسُئِلَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ عَمَّنْ هُوَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيَسْكُنُ فِي بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ الْحَرْبِيِّينَ وَإِذَا وَصَلَ إلَيْهِمْ مَنْ يَكُونُ لَهُ التَّكَلُّمُ فِي الْبَلَدِ خَرَجُوا إلَيْهِ وَلَاقَوْهُ وَكَثَّرُوا سَوَادَهُ وَرَكِبُوا مَعَهُ وَزَادُوا فِي صُفُوفِهِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الْجَوَازِ فَمَا يَلْزَمُهُمْ بِهَذِهِ الْفِعْلَةِ وَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ إنْ خَشَوْا ضَرَرًا عَلَى نَحْوِ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ مَالِهِمْ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ جَازَ لَهُمْ فِعْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَخْشَوْا شَيْئًا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ شَيْءٌ مِمَّا فِيهِ تَعْظِيمُ الْكَافِرِ فَيُعَزَّرُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ التَّعْزِيرِ الْبَلِيغِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ هَلْ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَ الْحَرْبِيِّ الْمُشْرِكِ وَأَنْ يَقُومَ إلَيْهِ وَأَنْ يُصَافِحَهُ وَأَنْ يَتَخَضَّعَ إلَيْهِ وَكُلُّ ذَلِكَ لِيَنَالَهُ مِنْهُ مَالِيَّةٌ وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الْجَوَازِ فَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَمَاذَا يَلْزَمُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُعَظِّمَ الْكَافِرَ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْظِيمِ سَوَاءٌ الْمَذْكُورَاتُ وَغَيْرُهَا وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ طَمَعًا فِي مَالِ الْكَافِرِ فَهُوَ آثِمٌ جَاهِلٌ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ ﷺ «مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ لِأَجْلِ غِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ» فَإِذَا كَانَ التَّوَاضُعُ لِلْمُسْلِمِ الْغَنِيِّ يُذْهِبُ ثُلُثَيْ الدَّيْنِ فَمَا بَالُك بِالتَّوَاضُعِ لِلْكَافِرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْأَشْرِبَةِ وَالْمُخَدَّرَات] (سُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ فِيهَا بِجَوَابٍ مُخْتَصَرٍ ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ بَعْضَ الْمُفْتِينَ أَفْتَى بِخِلَافِ ذَلِكَ فَصَنَّفَ فِيهَا تَصْنِيفًا سَمَّاهُ تَحْذِيرُ الثِّقَاتِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْقَاتِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْفَتَاوَى بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ وَذَلِكَ الْمُصَنِّفُ أَحْمَدُك اللَّهُمَّ أَنْ مَنَنْتَ عَلَى الْمُصْطَفِينَ مِنْ عِبَادِك بِمُجَانَبَةِ سُبُلِ الشُّبُهَاتِ وَحَبَوْتَهُمْ بِأَنْ يَذُودُوا النَّاسَ عَنْ أَنْ يَحُومُوا حَوْلَ حِمَى الْمُسْكِرَاتِ وَالْمُخَدِّرَات وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَحْدَك لَا شَرِيكَ لَك شَهَادَةً أَنْجُو بِهَا مِنْ قَبِيحِ الْمُخَالَفَاتِ وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُك الَّذِي أَرْسَلْتَهُ مُكَمِّلًا لِسَائِرِ الْحَضَرَاتِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ حُمَاةِ الدِّينِ الْأَوْفَى وَكُمَاةِ فَتْحِ الْأَرْجَاءِ الَّذِينَ نَصَرُوا الْحَقَّ وَأَشَادُوا فَخْرَهُ وَدَمَغُوا الْبَاطِلَ وَأَهْلَهُ وَأَمَاتُوا ذِكْرَهُ مَا عَبَثَتْ بِخَوَامِدِ الْقَرَائِحِ أَرْوَاحَ الْقَبُولِ فَحَرَّكَتْهَا إلَى أَنْ ظَفَرَتْ بِبُلُوغِ الْمَأْمُولِ. (أَمَّا بَعْدُ) فَهَذَا تَأْلِيفٌ شَرِيفٌ وَأُنْمُوذَجٌ لَطِيفٌ سَمَّيْتُهُ: (تَحْذِيرُ الثِّقَاتِ مِنْ أَكْلِ الْكُفْتَةِ وَالْقَاتِ) وَسَبَبُهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَيَّ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَمِنْ مَحْرُوسَتِي صَنْعَاءَ وَزَبِيدٍ أَدَامَ اللَّهُ تَعَالَى لِعُلَمَائِهِمَا غَايَاتِ التَّوْفِيقِ وَالتَّسْدِيدِ كُتُبٌ مُصَنَّفَةٌ وَآرَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ وَطَلَبَ مِنِّي التَّعْرِيضَ عَلَيْهَا وَالتَّقْرِيرَ لِمَا فِيهَا مِنْ حُكْمِ الْقَاتِ تَحْلِيلًا وَتَحْرِيمًا وَتَخْصِيصًا وَتَعْمِيمًا فَتَصَفَّحْتُهَا فَإِذَا هِيَ مُتَّسِعَةُ الْفِجَاجِ قَوِيَّةُ الْحِجَاجِ مُحْكَمَةُ الْإِطْنَابِ سَائِحَةُ الْإِطْنَابِ شَامِخَةُ الذُّرَى رَافِضَةُ الْمِرَى رَافِلَةٌ فِي حُلَلِ الْإِتْقَانِ وَاضِحَةُ الْأَدِلَّةِ وَالْبُرْهَانِ غَيْرُ مُتَبَايِنَةٍ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لِاتِّفَاقِهَا عَلَى الْحُكْمِ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الطَّرِيقِ كَمَا سَيَتَّضِحُ وَبِهِ الصَّدْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَنْشَرِحُ لَكِنَّهُ اخْتِلَافٌ اسْتَنَدَ كُلٌّ مِنْ طَرَفَيْهِ إلَى الْوَاقِعِ فِي التَّجْرِبَةِ وَالِاخْتِبَارِ وَالْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْإِخْبَارِ فَلِذَلِكَ أَظْلَمَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ الْقُلُوبَ وَحُقَّ لَنَا أَنْ نُفَوِّضَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِيهَا إلَى عَلَّامِ الْغُيُوبِ إذْ الْحُجَّةُ إمَّا عَقْلِيَّةٌ مَثَلًا أَوْ نَقْلِيَّةٌ مَثَلًا أَوْ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا وَالْعَقْلِيَّةُ لَا يُعْتَدُّ بِهَا إلَّا إنْ كَانَتْ مُقَدِّمَتُهَا يَقِينِيَّةٌ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تَنْتُجُ إلَّا قَطْعِيًّا حَقًّا وَلَازِمُ الْحَقِّ وَهِيَ مَا يَجْزِمُ بِهَا الْعَقْلُ بِمُجَرَّدِ تَصَوُّرِ طَرَفَيْهَا أَوْ بِوَاسِطَةٍ، أَوْ الْحِسِّ، أَوْ كِلَاهُمَا كَالْمُتَوَاتِرَاتِ وَالتَّجْرِيبِيَّاتِ وَالْحَدْسِيَّاتِ وَالنَّقْلِيَّةِ مَا صَحَّ نَقْلُهُ عَمَّنْ عُرِفَ صِدْقُهُ عَقْلًا وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَأَتَمُّ السَّلَامِ وَيُفِيدُ الْعِلْمَ وَكَذَا الظَّنَّ إنْ صَحِبَهَا تَوَاتُرٌ مَعَ انْتِفَاءِ الِاحْتِمَالَاتِ الْآتِيَةِ وَلَا يُفِيدُ غَيْرَ ذَلِكَ لَا غَيْرُهُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ قَدْ يُفِيدُ الْعِلْمَ وَلَوْ مَعَ عَدَمِ

стр. 1165

التَّوَاتُرِ بِمَعُونَةِ قَرِينَةٍ شُوهِدَتْ، أَوْ تَوَاتَرَتْ تُؤْذِنُ بِنَفْيِ الِاحْتِمَالَاتِ التِّسْعَةِ وَالْمُقَرَّرَةِ فِي مَحَلِّهَا وَهِيَ الْعِلْمُ بِعِصْمَةِ رُوَاةِ الْعَرَبِيَّةِ لُغَةً وَنَحْوًا وَصَرْفًا وَعَدَمِ النَّقْلِ وَعَدَمِ الْمَجَازِ وَعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ وَعَدَمِ الْإِضْمَارِ وَعَدَمِ النَّسْخِ وَعَدَمِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَعَدَمِ الْمُعَارِضِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي لَوْ وُجِدَ لَقُدِّمَ عَلَى النَّقْلِيِّ قَطْعًا فَإِذَا وُجِدَتْ تِلْكَ الْقَرِينَةُ الْمُؤْذِنَةُ بِنَفْيِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ أَوْرَثَتْ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِ الْخَبَرِ النَّقْلِيِّ وَإِلَّا لَمْ تُفِدْ إلَّا الظَّنَّ. وَبِالضَّرُورَةِ الْقَطْعِيَّةِ الْعِلْمُ بِحَقِيقَةِ هَذَا النَّبَاتِ مُتَعَسِّرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى الْعِلْمِ بِهَا إلَّا خَبَرُ الصَّادِقِ وَهُوَ مَا يَئِسَ مِنْهُ إلَى أَنْ يَنْزِلَ عِيسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ أَوْ التَّجْرِبَةُ وَهِيَ مُعْتَذِرَةٌ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَفَاضِلِ الْأَطِبَّاءِ فَإِنِّي لَمَّا سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا النَّبَاتِ قَالَ لِي إنَّهُ يُورِثُ مَضَارًّا مِنْهَا تَصْفِيرُ الْوَجْهِ وَتَقْلِيلُ شَهْوَةِ الطَّعَامِ وَتَفْتِيرُ الْبَاهِ وَإِدَامَةُ نُزُولِ الْوَدْيِ عَقِبَ الْبَوْلِ فَقُلْتُ مَا مُسْتَنَدُكَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَخْبَارُ الْمُسْتَعْمِلِينَ فَقُلْت لَهُ مَا يَكْفِي وَذَكَرْت لَهُ مَا يَأْتِي مِنْ التَّعَارُضِ ثُمَّ قُلْت لَهُ لَا بُدَّ أَنْ تَسْتَنِدَ إلَى حُجَّةٍ لَمْ يَقَعْ فِيهَا تَعَارُضٌ وَلَا نِزَاعٌ وَهِيَ التَّجْرِبَةُ فَقَالَ لَا يُمْكِنُنِي؛ لِأَنَّ التَّجْرِبَةَ تَسْتَدْعِي مِزَاجًا وَزَمَانًا وَمَكَانًا مُعْتَدِلَاتٍ وَعَدَالَةَ الْمُجَرِّبِ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَمَّا يَجِدَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّبَاتِ فَلَا بُدَّ مِنْ عَدَالَتِهِ حَتَّى يُقْبَلَ إخْبَارُهُ. وَذَلِكَ كُلُّهُ مُتَعَذِّرٌ فِي هَذِهِ الْأَقَالِيمِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُعْتَدِلَةٍ وَأَيْضًا فَوُجُودُ عَدْلٍ يُقْدِمُ عَلَى هَذَا النَّبَاتِ الْمَجْهُولِ لِيُجَرِّبَهُ مُسْتَبْعَدٌ فَقُلْت لَهُ فَمَا الَّذِي تَظُنُّهُ فِي هَذَا النَّبَاتِ فَأَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا وَجَلَسَ عِنْدَهُ أَيَّامًا ثُمَّ قَالَ الَّذِي تَحَرَّرَ لِي أَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ اهـ. فَنَتَجَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى الْعِلْمِ بِحَقِيقَتِهِ إلَّا مُجَرَّدُ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ مُتَعَاطِيهِ بِمَا يَجِدُونَهُ مِنْهُ وَلَمْ يَتِمَّ لِمَا عَلِمْت مِمَّا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ وَالِاخْتِلَافِ إذْ الْقَائِلُونَ بِالْحِلِّ نَاقِلُونَ عَنْ عَدَدٍ مُتَوَاتِرٍ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ وَالْقَائِلُونَ بِالْحُرْمَةِ نَاقِلُونَ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ أَنَّ فِيهِ آفَاتٍ وَمَفَاسِدَ مِنْهَا أَنَّهُ مُخَدِّرٌ وَمُغَيِّبٌ، أَوْ مُسْكِرٌ مُطْرِبٌ فَأَحَدُ الْخَبَرَيْنِ كَاذِبٌ قَطْعًا مَعَ رِعَايَةِ الْعُمُومِ سَلْبًا وَإِثْبَاتًا وَلَمَّا رَأَيْت هَذَا التَّعَارُضَ أَرَدْت أَنْ أَكْشِفَ بَعْضَ أَمْرِهِ بِالسُّؤَالِ مِمَّنْ تَعَاطَاهُ فَقَالَ لِي إمَامُ الشَّافِعِيَّةِ بِمَقَامِ خَلِيلِ اللَّهِ إبْرَاهِيمَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ لَمَّا رَحَلَ إلَى زَبِيدٍ وَتَعِزْ مِنْ نَحْوِ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ الْآنَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ ضَرَرًا يُوَجَّهُ لَا فِي رَطْبِهِ وَلَا فِي يَابِسِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ مُدَرِّسِي الشَّافِعِيَّةِ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ أَنَّهُ أَرَادَ فِي بِدَايَةِ أَمْرِهِ التَّجَرُّدَ فَأَرَادَ تَفْتِيرَ الشَّهْوَةِ فَوُصِفَ لَهُ يَابِسُهُ فَأَكَلَ مِنْهُ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ تَخْدِيرًا وَلَا غَيْبَةَ ذِهْنٍ بِوَجْهٍ وَقَالَ بَعْضُ مُدَرِّسِي الْحَنَفِيَّةِ زُرْت بَعْضَ مُتَصَوِّفَةِ الْيَمَنِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْمَكِّيِّ فَأَعْطَانِي قَلِيلًا مِنْهُ وَقَالَ لِي تَبَرَّكْ بِأَكْلِ هَذَا فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ فَأَكَلْت مِنْهُ فَوَجَدْت فِيهِ تَخْدِيرًا فَذَكَرْتُ لَهُ كَلَامَ ذَيْنِكَ فَقَالَ إنَّ عِنْدِي مَعْرِفَةً بِالطِّبِّ وَبَدَنِي مُعْتَدِلُ الْمِزَاجِ وَالطَّبْعِ فَاَلَّذِي أُدْرِكُهُ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ لَا يُدْرِكُهُ غَيْرِي وَقَدْ أَدْرَكْت مِنْهُ التَّخْدِيرَ وَدَوَرَانَ الرَّأْسِ وَلَا أَعُودُ لِأَكْلِهِ أَبَدًا وَكَذَا قَالَ بَعْضُ الْأَشْرَافِ إنَّ فِيهِ غَيْبَةً عَنْ الْحَسَنِ وَأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ فَغَابَ مُدَّةً طَوِيلَةً لَا يَدْرِي السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا الطُّولَ مِنْ الْعَرْضِ وَبَعْضُهُمْ قَالَ إنْ انْضَمَّ لِأَكْلِهِ دُسُومَةٌ لَمْ يُؤَثِّرْ وَإِلَّا أَثَّرَ وَبَعْضُهُمْ قَالَ لَا يُؤَثِّرُ مُطْلَقًا فَعِنْدَ وُقُوعِ هَذَا الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَافِي حَارَ الْفِكْرُ فِيهِ وَأَحْجَمَ الْعَقْلُ عَنْ أَنْ يَجْزِمَ فِيهِ بِتَحْلِيلٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ تَأْثِيرُهُ وَعَدَمُ تَأْثِيرِهِ بِاخْتِلَافِ الطِّبَاعِ بِغَلَبَةِ أَحَدِ الْأَخْلَاطِ وَالطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الْمُتَنَاقِضَةِ مَعَ عَدَالَةِ قَائِلِهَا وَبَعْدَ كَذِبِهِمْ إلَّا بِأَنْ يُفْرَضَ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي بَعْضِ الْأَبَدَانِ دُونَ بَعْضٍ وَإِذَا فُرِضَ صِدْقُ هَذَا الظَّنِّ وَأَنَّ هَذَا النَّبَاتَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ غَلَبَةِ بَعْضِ الْأَخْلَاطِ فَوَرَاءَ ذَلِكَ نَظَرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَا يَخْتَلِفُ كَذَلِكَ هَلْ النَّظَرُ فِيهِ إلَى عَوَارِضِهِ اللَّاحِقَةِ لَهُ فَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ ضَرَّهُ دُونَ مَنْ لَمْ يَضُرَّهُ، أَوْ إلَى ذَاتِهِ فَإِنْ كَانَ مُضِرًّا لِذَاتِهِ حَرُمَ مُطْلَقًا وَإِلَّا لَمْ يَحْرُمْ مُطْلَقًا وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ أَئِمَّتِنَا فِي غَيْرِ هَذَا مِنْ النَّبَاتَاتِ الضَّارَّةِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ هُنَا وَفَارِقُ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِهِ

стр. 1166

إسْكَارُهُ مَعَ نَجَاسَتِهِ فَإِذَا فُرِضَ انْتِفَاءُ إسْكَارِهِ حَرُمَ لِنَجَاسَتِهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا لِهَذَا النَّبَاتِ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ وَلَا أَغْلَبِيٌّ وَمِنْ الضَّرَرِ، أَوْ عَدَمِهِ نُدِيرُ الْأَمْرَ عَلَيْهِ وَنَحْكُمُ بِقِيمَتِهِ وَإِنَّمَا الَّذِي تَحَصَّلْنَا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ وَمَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا وَهُوَ أَنَّهُ يَتَعَذَّر الْجَمْعُ بَيْنَ تِلْكَ الْأَخْبَارِ إذَا قُلْنَا بِاخْتِلَافِهِ بِاخْتِلَافِ الطِّبَاعِ وَلَيْسَ هَذَا أَمْرًا قَطْعِيًّا كَمَا عَلِمْت لِتَطَرُّقِ التُّهَمِ وَالْكَذِبِ إلَى بَعْضِ الْمُخْبِرِينَ عَنْهُ بِضَرَرٍ، أَوْ عَدَمِهِ وَتَوَاتُرُ الْخَبَرِ فِي جَانِبٍ مُعَارِضٍ بِتَوَاتُرِهِ فِي جَانِبٍ آخَرَ بِخِلَافِهِ فَسَقَطَ النَّظَرُ فِيهِ إلَى الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَوَجَبَ النَّظَرُ فِيهِ إلَى أَنَّهُ تَعَارَضَ فِيهِ أَخْبَارٌ ظَنِّيَّةُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِمَا قَدَّمْتُهُ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطِّبَاعِ إذْ الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ الْجَمْعُ لَا يُعْدَلُ إلَى التَّعَارُضِ وَعَلَى فَرْضِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِذَلِكَ لِمَا مَرَّ أَنَّ بَعْضَ الْمُخْبِرِينَ سَلَبَ الضَّرَرَ عَنْ هَذَا النَّبَاتِ سَلْبًا كُلِّيًّا وَبَعْضُهُمْ أَثْبَتَهُ لَهُ إثْبَاتًا كُلِّيًّا فَيَجِبُ الْإِمْعَانُ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُخْبِرِينَ بِدَلَائِلَ وَأَمَارَاتٍ بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِ الْمُسْتَدِلِّ وَتَضَلُّعِهِ مِنْ الْعُلُومِ السَّمْعِيَّةِ وَالنَّظَرِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ حَادِثَةٍ لَمْ يَسْبِقْ فِيهَا كَلَامُ الْمُتَقَدِّمِينَ كَهَذَا النَّبَاتِ فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ فِيهِ كَلَامًا بَعْدَ مَزِيدِ التَّفْتِيشِ وَالتَّنْقِيرِ فِي كُتُبِ الشَّرْعِ وَالطِّبِّ وَاللُّغَةِ لِغَيْرِ أَهْلِ عَصْرِنَا وَمَشَايِخِهِمْ وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ كَمَا سَتَعْلَمُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَبَبَ اخْتِلَافِهِمْ وَمَا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ اخْتِلَافِ الْمُخْبِرِينَ وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ مُضِرٌّ بِالْبَدَنِ، أَوْ الْعَقْلِ حَرَّمَهُ وَمَنْ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُضِرٍّ لَمْ يُحَرِّمْهُ فَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ إنْ تَحَقَّقَ فِيهِ ضَرَرٌ حَرُمَ وَإِلَّا لَمْ يَحْرُمْ فَلَيْسُوا مُخْتَلِفِينَ فِي الْحُكْمِ بَلْ فِي سَبَبِهِ فَرَجَعَ اخْتِلَافُهُمْ إلَى الْوَاقِعِ وَحَيْثُ رَجَعَ الِاخْتِلَافُ إلَى ذَلِكَ خَفَّ الْأَمْرُ وَهَانَ الْخَطْبُ وَعُذِرَ مَنْ قَالَ بِالْحُرْمَةِ لِتَوَهُّمِهِ الضَّرَرَ وَمَنْ قَالَ بِالْحِلِّ لِتَوَهُّمِهِ عَدَمَهُ وَمِمَّا يَزِيدُ فِي الْعُذْرِ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ تَعَسُّرِ التَّجْرِبَةِ فَلَمْ يَبْقَ تَعْوِيلٌ إلَّا عَلَى مُجَرَّدِ أَخْبَارِ مُتَعَاطِيهِ وَقَدْ عَلِمْتُ تَبَايُنَهَا وَتَنَاقُضَهَا وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ تَنَاقُضُ آرَاءِ الْعُلَمَاءِ وَتَبَايُنِهَا فِيهِ لَكِنْ مَعَ مُلَاحَظَةِ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ لَا تَعَارُضَ وَلَا تَبَايُنَ كَمَا سَأُقَرِّرُهُ لَك لَكِنْ بَعْدَ ذِكْرِ حَاصِلِ الْآرَاءِ الْمُتَبَايِنَةِ فِيهِ وَحِجَجِهَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ ذِكْرِ مَا أَخْتَارُهُ فِيهِ وَأَمِيلُ إلَيْهِ فَأَقُولُ عَنْهُ وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَقَالَاتِهِمْ وَحُجَجِهَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ ذِكْرِ مَا نَخْتَارُهُ وَنَمِيلُ إلَيْهِ زِيَادَةً فِي الْإِيضَاحِ وَمُبَالَغَةً فِي النُّصْحِ. فَأَقُولُ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْحِلِّ بِأُمُورٍ مِنْهَا أَنَّ الْإِمَامَ الصَّفِيَّ الْمُزَجَّدَ كَانَ يَقُولُ بِتَحْرِيمِهِ حُكِيَ عَنْهُ ثُمَّ أَنَّهُ اخْتَبَرَهُ بِأَكْلِهِ شَيْئًا مِنْهُ فَلَمَّا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ أَفْتَى بِحِلِّهِ فَقَالَ وَأَمَّا الْقَاتُّ وَالْكُفْتَةُ فَمَا أَظُنُّهُ يُغَيِّرُ الْعَقْلَ وَلَا يَصْدُرُ عَنْ الطَّاعَةِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِهِ نَشَاطٌ وَرَوْحَنَةٌ وَطِيبُ خَاطِرٍ لَا يَنْشَأُ عَنْهُ ضَرَرٌ بَلْ رُبَّمَا كَانَ مَعُونَةً عَلَى زِيَادَةِ الْعَمَلِ فَيَتَّجِهُ أَنَّ حُكْمَهُ وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ طَاعَةً فَتَنَاوُلُهُ طَاعَةٌ، أَوْ مُبَاحًا فَتَنَاوُلُهُ مُبَاحٌ فَإِنَّ لِلْوَسَائِلِ حُكْمَ الْمَقَاصِدِ اهـ. وَكَذَلِكَ أَفْتَى بِحِلِّهِ الْفَقِيهُ الشِّهَابُ الْبَكْرِيُّ الطَّنْبَدَاوِيُّ وَكَانَ يَأْكُلُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ فَقَالَ وَأَمَّا الْقَاتُّ وَالْكُفْتَةُ فَلَيْسَا بِمُغَيِّبَيْنِ لِلْعَقْلِ وَلَا مُخَدِّرَيْنِ لِلْبَدَنِ وَإِنَّمَا فِيهِمَا نَشْأَةٌ وَتَقْوِيَةٌ وَطِيبُ وَقْتٍ فَإِنْ قَصَدَ بِهِمَا التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ فَهُمَا مُسْتَحَبَّانِ لِأَنَّ لِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا وَكَذَلِكَ أَفْتَى بِحِلِّهِ الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ كَبَّنَ الطَّبَرِيُّ وَلَهُ فِي مَدْحِهِ أَبْيَاتٌ وَمِنْهَا أَنَّ الْمُشَاهَدَةَ مِنْ أَحْوَالِ آكِلِيهِ أَنَّهُ يُحْدِثُ لَهُمْ رَوْحَنَةً وَطِيبَ وَقْتٍ وَتَقْوِيَةً عَلَى الْأَعْمَالِ وَلَا يُحْدِثُ لَهُمْ إسْكَارًا وَلَا تَخْبِيلًا وَلَا تَخْدِيرًا. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْحُرْمَةِ بِأُمُورٍ مِنْهَا قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي الْحَرَازِيِّ الشَّافِعِيِّ فِي مُؤَلَّفِهِ فِي تَحْرِيمِ الْقَاتِ كُنْت آكُلُهَا فِي سِنِّ الشَّبَابِ ثُمَّ اعْتَقَدْتُهَا مِنْ الْمُتَشَابِهَاتِ وَقَدْ قَالَ ﷺ «مَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» . ثُمَّ إنِّي رَأَيْت مِنْ أَكْلِهَا الضَّرَرَ فِي بَدَنِي وَدِينِي فَتَرَكْت أَكْلَهَا فَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمْ أَنَّ الْمُضَارَّاتِ مِنْ أَشْهَرِ الْمُحَرَّمَاتِ فَمِنْ ضَرَرِهَا أَنَّ آكِلَهَا يَرْتَاحُ وَيَطْرَبُ وَتَطِيبُ نَفْسُهُ وَيَذْهَبُ حُزْنُهُ ثُمَّ يَعْتَرِيهِ قَدْرَ سَاعَتَيْنِ مِنْ أَكْلِهِ هُمُومٌ مُتَرَاكِمَةٌ وَغُمُومٌ مُتَزَاحِمَةٌ وَسُوءُ أَخْلَاقٍ وَكُنْت فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إذَا قَرَأَ عَلَيَّ أَحَدٌ يَشُقُّ

стр. 1167

عَلَيَّ مُرَاجَعَتُهُ وَأَرَى مُرَاجَعَتَهُ جَبَلًا وَأَرَى لِذَلِكَ مَشَقَّةً عَظِيمَةً وَمَلَلًا وَأَنَّهُ يُذْهِبُ بِشَهْوَةِ الطَّعَامِ وَلَذَّتِهِ وَيَطْرُدُ النَّوْمَ وَنِعْمَتَهُ وَمِنْ ضَرَرِهِ فِي الْبَدَنِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أَكْلِهِ بَعْدَ الْبَوْلِ شَيْءٌ كَالْوَدْيِ وَلَا يَنْقَطِعُ إلَّا بَعْدَ حِينٍ وَطَالَمَا كُنْت أَتَوَضَّأُ فَأُحِسُّ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَأُعِيدُ الْوُضُوءَ وَتَّارَةً أُحِسُّ بِهِ فِي الصَّلَاةِ فَأَقْطَعُهَا أَوْ عَقِبَ الصَّلَاةِ بِحَيْثُ أَتَحَقَّقُ خُرُوجَهُ فِيهَا فَأُعِيدُهَا وَسَأَلْتُ كَثِيرًا مِمَّنْ يَأْكُلُهَا فَذَكَرُوا ذَلِكَ عَنْهَا وَهَذِهِ مُصِيبَةٌ فِي الدِّينِ وَبَلِيَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الْمُقْرِي عَنْ الْعَلَّامَةِ يُوسُفَ بْنِ يُونُسَ الْمُقْرِي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ظَهَرَ الْقَاتُّ فِي زَمَنِ فُقَهَاءَ وَلَا يَجْسُرُونَ عَلَى تَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ وَلَوْ ظَهَرَ فِي زَمَنِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَحَرَّمُوهُ وَدَخَلَ عِرَاقِيٌّ الْيَمَنَ وَكَانَ يُسَمَّى الْفَقِيهُ إبْرَاهِيمُ وَكَانَ يَجْهَرُ بِتَحْرِيمِ الْقَاتِ وَيُنْكِرُ عَلَى آكِلِيهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ إنَّمَا حَرَّمَهُ عَلَى مَا وُصِفَ لَهُ مِنْ أَحْوَالِ مُسْتَعْمِلِيهِ ثُمَّ أَنَّهُ أَكَلَهُ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا لِاخْتِبَارِهِ قَالَ فَجَزَمْت بِتَحْرِيمِهِ لِضَرَرِهِ وَإِسْكَارِهِ وَكَانَ يَقُولُ مَا يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ بِسَبَبِهِ مَنِيٌّ ثُمَّ اجْتَمَعْتُ بِهِ فَقُلْتُ لَهُ نَسْمَعُ عَنْك أَنَّك تُحَرِّمُ الْقَاتَّ قَالَ نَعَمْ فَقُلْت لَهُ وَمَا الدَّلِيلُ فَقَالَ ضَرَرُهُ وَإِسْكَارُهُ فَضَرَرُهُ ظَاهِرٌ وَأَمَّا إسْكَارُهُ فَهَلْ هُوَ مُطْرِبٌ فَقُلْت نَعَمْ فَقَدْ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ فِي الرَّدِّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ فِي إبَاحَتِهِمْ مَا لَمْ يُسْكِرْ مِنْ النَّبِيذِ: النَّبِيذُ حَرَامٌ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرِ بِجَامِعِ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ فَقُلْت لَهُ يَرْوُونَ عَنْك أَنَّك تَقُولُ مَا يَخْرُجُ عَنْهُ مَنْيٌ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَوَاصِّ الْمَنِيِّ فَقَالَ إنَّهُ يَخْرُجُ قَبْلَ اسْتِحْكَامِهِ وَكَانَ عَمِّي أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي وَكَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالطِّبِّ وَغَيْرِهِ يُصَرِّحُ بِتَحْرِيمِهِ وَيَقُولُ إنَّهُ مُسْكِرٌ وَقَدْ رَأَيْت مَنْ أَكْثَرَ مِنْ أَكْلِهِ فَجُنَّ هَذَا كُلُّهُ مُلَخَّصُ كَلَامِ الْحَرَازِيِّ وَهَذَا الرَّجُلُ الْعِرَاقِيُّ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ وَنَقَلَ عَنْهُ حُرْمَةَ الْقَاتِ أَخْبَرَنِي بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ أَنَّهُ جَاءَ إلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَدَرَسَ بِهَا كَثِيرًا وَأَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ وَزَادَ فِي مَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ. وَيُوَافِقُ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ بِحُرْمَةِ الْقَاتِ قَوْلَ الْفَقِيهِ الْعَلَّامَةِ حَمْزَةَ النَّاشِرِيِّ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ نَقْلًا وَإِفْتَاءً كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْجَمَتُهُ الْمَذْكُورَةُ فِي تَارِيخِ خَاتِمَةِ الْحُفَّاظِ وَالْمُحَدِّثِينَ الشَّمْسُ السَّخَاوِيُّ فِي مَنْظُومَتِهِ الْمَشْهُورَةِ وَقَدْ أَخْبَرَنِي مُحَدِّثُ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَرَأَهَا عَلَى مُؤَلِّفِهَا حَمْزَةَ الْمَذْكُورِ وَأَجَازَهُ بِهَا وَلَا تَأْكُلَنَّ الْقَاتَّ رَطْبًا وَيَابِسًا ... فَذَاكَ مُضِرٌّ دَاؤُهُ فِيهِ أَعْضَلَا فَقَدْ قَالَ أَعْلَامٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ ... إنَّ هَذَا حَرَامٌ لِلتَّضَرُّرِ مَأْكَلًا وَهَذَا الْفَقِيهُ إلَخْ وَمِنْهَا أَنَّهُ نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ قَالَ فِي النِّهَايَةِ مَا مَعْنَاهُ إنَّ الْمُفَتِّرَ مَا يَكُونُ مِنْهُ حَرَارَةٌ فِي الْجَسَدِ وَانْكِسَارٌ. وَذَلِكَ مَعْلُومٌ وَمُشَاهَدٌ فِي الْقَاتِ وَمُسْتَعْمِلِيهِ كَسَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ مِنْهَا تَوَهُّمُ نَشَاطٍ، أَوْ تَحَقُّقِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا فَضَلَ مِنْ الِانْتِشَاءِ وَالسُّكْرِ الْحَاصِلِ مِنْ التَّخْدِيرِ لِلْجَسَدِ وَكَذَلِكَ يَحْصُلُ مِنْ الْإِكْثَارِ وَالْإِدْمَانِ عَلَى الْمُسْكِرِ حَتَّى الْخَمْرِ خَدَّرَ يَخْرُجُ إلَى الرَّعْشَةِ وَالْفَالِجِ وَيُبْسِ الدِّمَاغِ وَدَوَامِ التَّغَيُّرِ لِلْعَقْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَضَارِّ لَكِنَّ الْقَاتَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الطَّبْعِ إلَّا مَا هُوَ مَضَرَّةٌ دِينِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّةٌ؛ لِأَنَّ طَبْعَهُ الْيُبْسُ وَالْبَرْدُ فَلَا يَصْحَبُهُ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ غَيْرِهِ وَمِنْ الْمُسْكِرَاتِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الشَّارِعُ؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْمُسْكِرَاتِ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْحَرَارَةِ وَاللِّينِ فَلَا يَظْهَرُ الضَّرَرُ فِيهَا إلَّا مَعَ الْإِدْمَانِ عَلَيْهَا وَهَذَا مُحَصَّلٌ مِنْ الضَّرَرِ فِي الْأَغْلَبِ مَا فِي الْأَفْيُونِ مِنْ مَسْخِ الْخِلْقَةِ وَتَغَيُّرِ الْحَالِ الْمُعْتَدِلَةِ فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ وَهُوَ يَزِيدُ فِي الضَّرَرِ عَلَى الْأَفْيُونِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ يُعْلَمُ قَطُّ وَإِنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ وَفِيهِ كَثْرَةُ يُبْسِ الدِّمَاغِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الطَّبْعِ وَتَقْلِيلُ شَهْوَةِ الْغِذَاءِ وَالْبَاهِ وَيُبْسُ الْأَمْعَاءِ وَالْمَعِدَةِ وَبَرْدُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّ جَمِيعَ الْخِصَالِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي الْحَشِيشَةِ مَوْجُودَةٌ فِي الْقَاتِ مَعَ زِيَادَةِ حُصُولِ الضَّرَرِ فِيمَا بِهِ قِوَامُ الصِّحَّةِ وَصَلَاحُ الْجَسَدِ مِنْ إفْسَادِ شَهْوَةِ الْغِذَاءِ وَالْبَاهِ وَالنَّسْلِ وَزِيَادَةِ التَّهَالُكِ عَلَيْهِ الْمُوجِبِ لِإِتْلَافِ الْمَالِ الْكَثِيرِ وَالْمُوجِبِ لِلسَّرَفِ وَمِنْهَا أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ فِيهِ نَفْعًا فَهُوَ لَا يُقَابِلُ ضَرَرَهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ شَارَكَ كُلَّ الْمُسْكِرَاتِ فِي حَقِيقَةِ الْإِسْكَارِ وَسَبَبِهِ وَمِنْ التَّخْدِيرِ وَإِظْهَارِ الدَّمِ

стр. 1168

وَتَرْقِيقِهِ طَاهِرُ الْبَشَرَةِ مَعَ نَبْذِ الدَّسُوسَةِ مِنْ الدِّمَاغِ وَالْجَسَدِ إلَى الظَّاهِرِ وَلَيْسَ فِيهِ حَرَارَةٌ وَلِينٌ يُبَدِّلَانِ مَا نَبَذَهُ مِنْ الْحَرَارَةِ وَاللِّينِ إلَى ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْخَمْرِ وَالْحَشِيشِ فَلِهَذَا كَثُرَ ضَرَرُهُ هَذَا حَاصِلُ تِلْكَ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ الَّتِي وَرَدَتْ عَلَيْنَا فِي الْقَاتِ وَقَدْ عَلِمْت مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ حُجَجُهُمْ مِنْ التَّنَاقُضِ فِي الْأَخْبَارِ عَنْ أَحْوَالِ آكِلِيهِ وَسَبَبُهُ تَنَاقُضُ أَخْبَارِ مُسْتَعْمِلِيهِ كَمَا قَدَّمْتُهُ أَوَّلَ الْكِتَابِ وَلِمَا مَرَّ عَنْ الطَّنْبَدَاوِيِّ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ وَوَجَدَ فِيهِ غَايَةَ الضَّرَرِ وَإِنَّمَا لَمْ أُعَوِّلُ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْمُزَجَّدِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ لِأَنَّ فِي كَلَامِهِ السَّابِقِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ فَإِنَّهُ قَالَ مَا أَظُنُّهُ يُغَيِّرُ الْعَقْلَ فَتَعْبِيرُهُ بِمَا أَظُنُّهُ قَاضٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ إذْ لَوْ اسْتَعْمَلَهُ لَمْ يُعَبِّرْ بِذَلِكَ بَلْ كَانَ يَجْزِمُ بِأَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ الْعَقْلَ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْوِجْدَانِيَّةَ مِنْ حَيِّزِ الضَّرُورِيَّاتِ وَإِذَا وَقَعَ هَذَا التَّنَاقُضُ فِيهِ فَلَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ فِيهِ بِتَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا الْمُخَلِّصُ فِي ذَلِكَ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطِّبَاعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ تِلْكَ الْأَخْبَارِ الْمُتَنَاقِضَةِ مَعَ عَدَالَةِ قَائِلِهَا إلَّا بِذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ كَمَا مَرَّ وَإِذَا كَانَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا فَمَنْ عَلِمَ مِنْ طَبْعِهِ أَنَّهُ يَضُرُّهُ حَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُ الْمُضِرِّ مِنْهُ وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْت يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي فَإِنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مُصَرِّحَةٌ بِتَحْرِيمِهِ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ فِيهِ خَبَرَانِ أَحَدُهُمَا مُثْبِتٌ لِلضَّرَرِ وَالْآخَرُ نَافٍ لَهُ وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ؛ لِأَنَّ مَعَ الْمُثْبِتِ زِيَادَةُ عِلْمٍ فَكَذَلِكَ الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الضَّرَرِ فَالْمُخْبِرُ بِالْعَدَمِ مُسْتَنِدٌ لِلْأَصْلِ وَالْمُخْبِرُ بِوُجُودِهِ مُخْرِجٌ لَهُ عَنْ الْأَصْلِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْمُسْتَصْحِبَةِ لَهُ وَأَيْضًا فَقَدْ اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ عَلَى أَنَّ فِيهِ نَشَاطًا وَرَوْحَنَةً كَمَا مَرَّ عَنْ الْمُزَجَّدِ وَنَشْأَةً كَمَا مَرَّ عَنْ الطَّنْبَدَاوِيِّ وَطِيبَ وَقْتٍ كَمَا مَرَّ عَنْهُمَا ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ هَذَا النَّشَاطُ الَّذِي فِيهِ يُؤَدِّي إلَى ضَرَرٍ وَالْقَائِلُونَ بِالْحُرْمَةِ قَالُوا يُؤَدِّي إلَيْهِ وَمَا قَالُوهُ أَقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاقِعِ فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ النَّشَاطِ وَالنَّشْأَةِ الذَّاتِيَّيْنِ لِمَطْعُومٍ وَمَشْرُوبٍ دُونَ الْعَارِضِينَ لَهُ بِوَاسِطَةِ إلْفٍ، أَوْ نَحْوِهِ أَنَّهُمَا يُؤَدِّيَانِ إلَى الضَّرَرِ حَالًا، أَوْ مَآلًا فَالْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِلضَّرَرِ مَعَهُ قَرِينَةٌ أَيُّ قَرِينَةٍ فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ فِيهِ نَشْأَةً وَنَشَاطًا احْتَاجَ مَنْ سَلَبَ الضَّرَرَ عَنْهُ إلَى حُجَّةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ وَلَا حُجَّةَ لَهُ إلَّا مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ مُشَاهَدَةِ آكِلِيهِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ عَارَضَهُ أَخْبَارُ غَيْرِهِمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنْ احْتَجَّ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ قُلْنَا عَارَضَك أَيْضًا مَنْ اسْتَعْمَلَهُ وَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ يَحْصُلُ عَنْهُ التَّخْدِيرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الضَّرَرِ فَثَبَتَ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ فِيهِ نَشَاطًا وَنَشْأَةً وَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهِمَا بِقَيْدِهِمَا السَّابِقِ تَوَلَّدَ الضَّرَرُ عَنْهُمَا مَعَ مَا مَرَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْمُثْبِتِ عَلَى النَّافِي فَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ التَّحْرِيمَ وَمُوَضِّحٌ لِأَدِلَّةِ مَنْ قَالَ بِهِ فَلِمَ لَمْ تَقُلْ بِهِ وَمَا الَّذِي أَوْجَبَ لَك الْعُدُولَ عَنْهُ مَعَ ظُهُورِ أَدِلَّتِهِ هَذِهِ الَّتِي قَرَّرْتُهَا وَمُوَافَقَتُهَا لِلْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْفِقْهِيَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ قُلْت مَحَلُّ الْقَاعِدَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ مِنْ تَقْدِيمِ الْمُثْبِتِ وَالْمُخَالِفِ لِلْأَصْلِ مَا إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَعَارِضَيْنِ فَحِينَئِذٍ يُقَدَّمُ الْمُثْبِتُ وَالْمُخَالِفُ لِلْأَصْلِ لِقُوَّتِهِمَا عَلَى مُقَابِلِهِمَا وَأَمَّا مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ بِحَمْلِ كُلٍّ مِنْ الْمُتَعَارِضَيْنِ عَلَى حَالِهِ فَلَا تَقْدِيمَ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ أَحَدِهِمَا يَسْتَدْعِي بُطْلَانَ الْآخَرِ وَالْجَمْعُ يَسْتَدْعِي الْعَمَلَ بِكُلٍّ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَمَلَ بِالدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّ الْإِلْغَاءَ كَالنَّسْخِ وَهُوَ لَا يَعْدِلُ إلَيْهِ مَتَى أَمْكَنَ غَيْرُهُ فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ الْعُدُولَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ تِلْكَ الْأَخْبَارِ وَعَدَمِ إلْغَاءِ بَعْضِهَا لِتَوَفُّرِ عَدَالَتِهِمْ وَعَدَمِ ظُهُورِ تُهْمَتِهِمْ وَأَمَّا النَّشَاطُ وَالنَّشْأَةُ فَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي أَنَّهُمَا وَصْفَانِ ذَاتِيَّانِ لِهَذَا النَّبَاتِ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا عَارِضَانِ لَهُ بِوَاسِطَةِ إلْفٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلَمْ يَسَعْنِي مَعَ ذَلِكَ الْجَزْمُ بِالتَّحْرِيمِ فَإِنْ قَالَ الْمُحَرِّمُونَ ثَبَتَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا وَصْفَانِ ذَاتِيَّانِ لَهُ قُلْنَا إذَا اسْتَنَدْتُمْ فِي ذَلِكَ لِلْأَخْبَارِ فَقَدْ مَرَّ تَنَاقُضُهَا وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا مَعَ فَرْضِ صِدْقِهَا فَلَا يَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ الِاسْتِنَادُ إلَى بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ وَإِنْ قَالُوا اسْتَنَدْنَا إلَى التَّجْرِبَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ قُلْنَا لَكُمْ ذَلِكَ إنْ وُجِدَتْ شُرُوطُ التَّجْرِبَةِ الَّتِي قَالَهَا الْأَطِبَّاءُ مِنْ تَكَرُّرِ ذَلِكَ تَكَرُّرًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يُؤَدِّي عَادَةً إلَى الْقَطْعِ بِإِفَادَتِهِ الْعِلْمَ مَعَ عَدَالَةِ الْمُجَرِّبِ وَاعْتِدَالِ الْمِزَاجِ وَالزَّمَنِ وَالْمَكَانِ وَيَبْعُدُ وُجُودُ

стр. 1169

ذَلِكَ وَتَوَفُّرِهِ كُلِّهِ فِي قُطْرِ الْيَمَنِ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَدِلٍ. وَالْحَاصِلُ إنِّي وَإِنْ لَمْ أَجْزِمْ بِتَحْرِيمِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِمَا عَلِمْت مِمَّا قَرَّرْتُهُ وَوَضَّحْتُهُ وَبَيَّنْتُهُ وَبَرْهَنْت عَلَيْهِ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ لَكِنِّي أَرَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِذِي مُرُوءَةٍ أَوْ دِينٍ، أَوْ وَرَعٍ، أَوْ زُهْدٍ، أَوْ تَطَلُّعٍ إلَى كَمَالٍ مِنْ الْكَمَالَاتِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الشُّبُهَاتِ لِاحْتِمَالِهِ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ عَلَى السَّوَاءِ، أَوْ مَعَ قَرِينَةٍ، أَوْ قَرَائِنَ تَدُلُّ لِأَحَدِهِمَا وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُشْتَبِهٌ أَيَّ اشْتِبَاهٍ فَيَكُونُ مِنْ الشُّبُهَاتِ الَّتِي يَتَأَكَّدُ اجْتِنَابُهَا بِقَوْلِهِ ﷺ «وَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» وَبِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ دَرَجَةَ الْيَقِينِ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ مَخَافَةَ مَا بِهِ بَأْسٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَبِقَوْلِهِ ﷺ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «وَبِقَوْلِهِ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ لَا تَأْكُلْهُ فَلَعَلَّهُ قَتَلَهُ غَيْرُ كَلْبِك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ أَيْضًا فِي كَلْبِهِ الْمُعَلَّمِ «وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّهُ ﷺ «أَرِقَ لَيْلَةً فَقَالَ لَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ أَرِقْت يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَجَلْ وَجَدْتُ تَمْرَةً فَأَكَلْتُهَا فَخَشِيت أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ» وَرَوَى الشَّيْخَانِ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ إذَا أَتَى بِشَيْءٍ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَدَقَةٌ، أَوْ هِبَةٌ سَأَلَ عَنْهُ» وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ مِنْ حَدِيثِ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنْ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ» الْحَدِيثَ وَإِذَا تَقَرَّرَتْ لَك هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَعَلِمْت أَنَّ غَايَةَ أَمْرِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ أَنَّهَا مِنْ الْمُشْتَبِهَاتِ تَعَيَّنَ عَلَيْك إنْ كُنْت مِنْ الثِّقَاتِ وَالْمُتَّقِينَ أَنْ تَجْتَنِبَهَا كُلَّهَا وَأَنْ تَكُفَّ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَاطَى الْمُشْتَبِهَاتِ إلَّا مَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ بِحَقِيقَةِ التَّقْوَى وَلَا تَمَسَّكَ مِنْ الْكَمَالَاتِ بِالنَّصِيبِ الْأَقْوَى وَزَعَمَ أَنَّهَا تُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ إنَّ فَرْضَ صِدْقِهِ غَيْرُ دَافِعٍ لِلْوُقُوعِ فِي وَرْطَةِ الْإِثْمِ عَلَى تَقْدِيرِ صِدْقِ الْمُخْبِرِينَ بِوُجُودِ الضَّرَرِ وَالتَّخْدِيرِ فِيهَا فَلِذَلِكَ لَا أُوَافِقُ مَنْ قَالَ إنَّهَا قَدْ تَكُونُ وَسِيلَةً لِطَاعَةٍ فَتَكُونُ مُسْتَحَبَّةً لِأَنَّ مَحَلَّ إعْطَاءِ الْوَسَائِلِ حُكْمَ الْمَقَاصِدِ إنَّمَا هُوَ فِي وَسَائِلَ تَمَحَّضَتْ لِذَلِكَ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ وَسَائِلَ لِشَيْءٍ آخَرَ وَخَلَتْ عَنْ أَنْ يَقُومَ بِهَا وَصْفٌ يَقْتَضِي تَأَكُّدَ تَجَنُّبِهَا وَأَكْلُ هَذِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَامَ بِهَا مَا يَقْتَضِي التَّجَنُّبَ مِمَّا أَوْضَحْنَاهُ وَقَرَرْنَاهُ فَالصَّوَابُ تَرْكُ أَكْلِهَا دَائِمًا وَلَا حَاجَةَ بِالْمُوَفَّقِ إلَى أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَى طَاعَتِهِ بِمَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِحُرْمَتِهِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ حَمْزَةُ النَّاشِرِيُّ وَغَيْرُهُ كَيْفَ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ كَمَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ تَنْحَصِرْ الْإِعَانَةُ عَلَى الطَّاعَةِ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ بَلْ لَهَا طُرُقٌ أَيْسَرُهَا وَأَوْلَاهَا مَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَدْحِهِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَهُوَ تَقْلِيلُ الْغِذَاءِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ كَمَا فِي خَبَرِ «حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ» وَقَدْ نَقَلَ إمَامُ الْعَارِفِينَ وَالْفُقَهَاءِ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى النَّوَوِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ ﵎ رُوحَهُ إنَّهُ لَمَّا رَأَى الْأَقْسِمَاءَ وَهِيَ مَاءُ الزَّبِيبِ تُبَاعُ فِي الشَّامِ سَأَلَ مَا حِكْمَةُ اصْطِنَاعِ النَّاسِ هَذِهِ فَقِيلَ لَهُ إنَّهَا تَهْضِمُ الْأَكْلَ فَقَالَ وَلِمَ يَشْبَعُ النَّاسُ حَتَّى يَحْتَاجُوا إلَى هَضْمٍ فَانْظُرْ إلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ اللَّطِيفَةِ عَلَى أَنَّ فِي دَعْوَى إنَّهَا تُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ نَظَرًا لِأَنَّ إعَانَتَهَا إنْ كَانَتْ لِكَوْنِهَا تَهْضِمُ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهَا كَثِيفَةٌ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ تُصَفِّرُ اللَّوْنَ وَتُقَلِّلُ شَهْوَةَ الطَّعَامِ وَالْجِمَاعِ وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ لِأَنَّ فِيهَا مَفْسَدَةً وَهَذَا يُسَاعِدُ مَنْ يَقُولُ أَنَّ فِيهَا ضَرَرًا فَدَعْوَى اسْتِحْبَابِهَا مَعَ ذَلِكَ فِيهَا نَظَرٌ أَيَّ نَظَرٍ أَلَا تَرَى إلَى مَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً وَإِنَّ فُلَانَةَ قَالَتْ إنَّهَا أَرْضَعَتْنِي أَنَا وَإِيَّاهَا فَأَمَرَهُ ﷺ بِفِرَاقِهَا» وَقَالَ كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ وَفِيهِ وَفِي غَيْرِهِ أَيْضًا أَنَّهُ «لَمَّا تَنَازَعَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمَا - فِي ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ أَلْحَقَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِزَمْعَةَ لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ثُمَّ لَمَّا رَأَى ﷺ مَا بِهِ مِنْ

стр. 1170

الشَّبَهِ الْبَيِّنِ لِعُتْبَةَ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» فَانْظُرْ إلَى أَمْرِهِ ﷺ بِالْفِرَاقِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَبِالِاحْتِجَابِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَرَعًا وَخَشْيَةً مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ عَلَى تَقْدِيرٍ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ وَإِنْ أَلْغَاهُ الشَّرْعُ وَلَمْ يَعْتَدَّ بِهِ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِيمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ اجْتِنَابُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى لِأَنَّ مَا يَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ فِيهَا أَوْلَى مِمَّا يَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ فِي تَيْنِك لِأَنَّ مَا يَحْتَمِلُهَا فِيهِمَا مُلْغًى شَرْعًا وَمَا يَحْتَمِلُهَا فِي مَسْأَلَتِنَا غَيْرُ مُلْغًى شَرْعًا وَانْظُرْ أَيْضًا إلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفْصِلْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَقَاءُ فِي الْأُولَى وَعَدَمُ الِاحْتِجَابِ فِي الثَّانِيَةِ وَسِيلَةً لِطَاعَةٍ كَعِفَّةِ الزَّوْجِ بِهَا مَعَ عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى غَيْرِهَا وَكَجَبْرِ خَاطِرِ الْوَلَدِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَعَدَمِ تَأَذِّيهِ بِالِاحْتِجَابِ عَنْهُ وَإِنْ لَا وَمِثْلُ هَذَا لَهُ حُكْمُ الْعَامِّ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ قَوْلِيَّةٌ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ نَزَّلَهَا مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ وَلَا يُعَارِضُهُ قَاعِدَتُهُ الْأُخْرَى إنَّهُ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال لِأَنَّ هَذِهِ فِي الْوَقَائِعِ الْفِعْلِيَّةِ وَتِلْكَ فِي الْوَقَائِعِ الْقَوْلِيَّةِ كَمَا قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْوَرَعُ فِي تَرْكِ شَيْءٍ كَانَ الْأَوْلَى وَالْمُتَأَكَّدُ تَرْكُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَكَانَ وَسِيلَةً لِطَاعَةٍ أَمْ لَا وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نُلْحِقَهَا بِالْحَشِيشَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَأْتِي إلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنْ مُنْذُ قُرُونٍ لَمَّا حَدَثَتْ الْحَشِيشَةُ فِي زَمَانِهِمْ بَالَغُوا فِي اخْتِبَارِ أَحْوَالِ آكِلِيهَا حَتَّى اتَّفَقَتْ أَقْوَالُهُمْ عَلَى أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ، أَوْ مُخَدِّرَةٌ وَكَانَ فِي تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ الْعَارِفُونَ بِعِلْمِ الطِّبِّ وَالنَّبَاتَاتِ فَحَكَمُوا فِيهَا بِمَا اقْتَضَتْهُ الْقَوَاعِدُ الطِّبِّيَّةُ وَالتَّجْرِيبِيَّة فَلِذَا سَاغَ لَهُمْ الْجَزْمُ فِيهَا بِالتَّحْرِيمِ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَمْ نَتَحَصَّلْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِتَبَايُنِ الْأَقْوَالِ وَاخْتِلَافِهَا فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَمُسْتَعْمِلُوهَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْأَخْبَار عَنْ حَقِيقَتِهَا وَهَذَا هُوَ مَنْشَأُ الْخِلَافِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِيهَا مَعَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ فِي الْحَقِيقَةِ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ لِأَنَّهُ إنْ ثَبَتَ أَنَّ فِيهَا تَخْدِيرًا، أَوْ إسْكَارًا فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي الْوَاقِعِ فَالْقَائِلُونَ بِالْحِلِّ اعْتَمَدُوا الْمُخْبِرِينَ بِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهَا بِوَجْهٍ وَالْقَائِلُونَ بِالْحُرْمَةِ اعْتَمَدُوا الْمُخْبِرِينَ بِأَنَّ فِيهَا ضَرَرًا وَأَنْتَ إذَا رَاعَيْت الْقَوَاعِدَ لَمْ يَجُزْ لَك أَنْ تَعْتَمِدَ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ وَتُعْرِضَ عَنْ الْآخَرِ إلَّا إذَا ثَبَتَ عِنْدَك مُرَجِّحٌ آخَرُ مِنْ نَحْوِ وُجُوهِ التَّجْرِبَةِ وَشُرُوطِهَا السَّابِقَةِ أَوْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ وَلَمْ نَظْفَرْ بِذَلِكَ فَلِذَا وَجَبَ عَلَيْنَا التَّوَقُّفُ فِي حَقِيقَةِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَأَنْ نَقُولَ مَتَى أَنْ ثَبَتَ أَنَّ فِيهَا وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِ جَوْزَةِ الطِّيبِ، أَوْ الْحَشِيشَةِ الْمَعْرُوفَةِ حُرِّمَتْ وَإِلَّا فَلَا. وَهَذَا يَسْتَدْعِي ذِكْرُ أَوْصَافِهِمَا لِتُقَاسَ بِهِمَا تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَأَقُولُ أَمَّا جَوْزَةُ الطِّيبِ فَقَدْ اسْتَفْتَيْت عَنْهَا قَدِيمًا وَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ وَظَفِرْتُ فِيهَا بِمَا لَمْ يَظْفَرُوا بِهِ فَإِنَّ جَمْعًا مِنْ مَشَايِخِنَا وَغَيْرِهِمْ اخْتَلَفُوا فِيهَا وَكُلٌّ لَمْ يُبْدِ مَا قَالَهُ فِيهَا إلَّا عَلَى جِهَةِ الْبَحْثِ لَا النَّقْلِ وَلَمَّا عُرِضَ عَلَيَّ السُّؤَالُ أَجَبْت فِيهَا بِالنَّقْلِ وَأَيَّدْتُهُ وَتَعَرَّضْت فِيهِ لِلرَّدِّ عَلَى بَعْضِ الْأَكَابِرِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَصُورَةُ السُّؤَالِ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ، أَوْ مُقَلِّدِيهِمْ بِتَحْرِيمِ أَكْلِ جَوْزَةِ الطِّيبِ، أَوْ لَا وَهَلْ يَجُوزُ لِبَعْضِ طَلَبَةِ الْعِلْمِ الْأَخْذُ بِتَحْرِيمِ أَكْلِهَا وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى نَقْلٍ لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَهَلْ يَجِبُ الِانْقِيَادُ وَالِامْتِثَالُ لِفُتْيَاهُ أَمْ لَا فَأَجَبْت بِقَوْلِي الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إنَّهَا مُسْكِرَةٌ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَاعْتَمَدُوهُ وَنَاهِيك بِذَلِكَ بَلْ بَالَغَ ابْنُ الْعِمَادِ فَجَعَلَ الْحَشِيشَةَ مَقِيسَةً عَلَى الْجَوْزَةِ الْمَذْكُورَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا حَكَى عَنْ الْقَرَافِيِّ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ عَصْرِهِ أَنَّهُ فَرَّقَ فِي إنْكَارِهِ الْحَشِيشَةَ بَيْنَ كَوْنِهَا وَرَقًا أَخْضَرَ فَلَا إسْكَارَ فِيهَا بِخِلَافِهَا بَعْدَ التَّحْمِيصِ فَإِنَّهَا تُسْكِرُ. قَالَ وَالصَّوَابُ إنَّهُ لَا فَرْقَ؛ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِجَوْزَةِ الطِّيبِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْعَنْبَرِ وَالْأَفْيُونِ وَالشَّيْكَرَانِ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْبَنْجُ وَهُوَ مِنْ الْمُخَدِّرَاتِ الْمُسْكِرَاتِ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَسْطَلَّانِيِّ فِي تَكْرِيمِ الْمَعِيشَةِ اهـ. فَتَأَمَّلْ تَعْبِيرَهُ وَالصَّوَابُ جَعْلُهُ الْحَشِيشَةَ الَّتِي أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِهَا لِإِسْكَارِهَا وَتَخْدِيرِهَا مَقِيسَةً عَلَى الْجَوْزَةِ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مِرْيَةَ فِي تَحْرِيمِ الْجَوْزَةِ لِإِسْكَارِهَا

стр. 1171

أَوْ تَخْدِيرِهَا وَقَدْ وَافَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى إسْكَارِهَا الْحَنَابِلَةَ بِنَصِّ إمَامِ مُتَأَخِّرِيهِمْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَتَبِعُوهُ عَلَى أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ فَفِي فَتَاوَى الْمَرْغِينَانِيِّ مِنْهُمْ الْمُسْكِرُ مِنْ الْبَنْجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ أَيْ أَنَاثِيِّ الْخَيْلِ حَرَامٌ وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو حَفْصٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ اهـ. وَقَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْجَوْزَةَ كَالْبَنْجِ فَإِذَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ بِإِسْكَارِهِ لَزِمَهُمْ الْقَوْلُ بِإِسْكَارِ الْجَوْزَةِ فَثَبَتَ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا حَرَامٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِالنَّصِّ وَالْحَنَفِيَّةُ بِالِاقْتِضَاءِ أَنَّهَا إمَّا مُسْكِرَةٌ أَوْ مُخَدِّرَةٌ. وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي الْحَشِيشَةِ الْمَقِيسَةِ عَلَى الْجَوْزَةِ عَلَى مَا مَرَّ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ التَّذْكِرَةِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إنَّهَا مُسْكِرَةٌ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَا نَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَنَا وَقَدْ يَدْخُلُ فِي حَدِّهِمْ السَّكْرَانُ بِأَنَّهُ الَّذِي اخْتَلَطَ كَلَامُهُ الْمَنْظُومُ وَانْكَشَفَ سِرُّهُ الْمَكْتُومُ، أَوْ الَّذِي لَا يَعْرِفُ السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا الطُّولَ مِنْ الْعَرْضِ. ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْعِرَاقِيِّ أَنَّهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ فَنَفَى عَنْهَا الْإِسْكَارَ وَأَثْبَتَ لَهَا الْإِفْسَادَ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ وَأَطَالَ فِي تَخْطِئَتِهِ وَتَغْلِيظِهِ وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى إسْكَارِهَا أَيْضًا الْعُلَمَاءُ بِالنَّبَاتِ مِنْ الْأَطِبَّاءِ وَإِلَيْهِمْ الْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَتَبِعَهُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ مُتَأَخِّرِي مَذْهَبِهِ وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ خِلَافُ الْإِطْلَاقَيْنِ الْإِسْكَارِ إطْلَاقِ وَإِطْلَاقِ الْإِفْسَادِ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِسْكَارَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ تَغْطِيَةِ الْعَقْلِ وَهَذَا إطْلَاقٌ أَعَمُّ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ تَغْطِيَةُ الْعَقْلِ مَعَ نَشْأَةٍ وَطَرَبٍ وَهَذَا إطْلَاقٌ أَخَصُّ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْإِسْكَارِ حَيْثُ أُطْلِقَ فَعَلَى الْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ بَيْنَ الْمُسْكِرِ وَالْمُخَدِّرِ عُمُومُ مُطْلَقٍ إذْ كُلُّ مُخَدِّرٍ مُسْكِرٍ وَلَيْسَ كُلُّ مُسْكِرٍ مُخَدِّرًا فَإِطْلَاقُ الْإِسْكَارِ عَلَى الْحَشِيشَةِ وَالْجَوْزَةِ وَنَحْوِهِمَا الْمُرَادُ مِنْهُ التَّخْدِيرُ وَمَنْ نَفَاهُ عَنْ ذَلِكَ أَرَادَ بِهِ مَعْنَاهُ الْأَخَصَّ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ مِنْ شَأْنِ السُّكْرِ بِنَحْوِ الْخَمْرِ أَنَّهُ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ النَّشْأَةُ وَالطَّرَبُ وَالْعَرْبَدَةُ وَالْغَضَبُ وَالْحَمِيَّةُ وَمِنْ شَأْنِ السُّكْرِ بِنَحْوِ الْحَشِيشَةِ وَالْجَوْزَةِ أَنَّهُ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ أَضْدَادُ ذَلِكَ مِنْ تَخْدِيرِ الْبَدَنِ وَفُتُورِهِ وَمِنْ طُولِ السُّكُوتِ وَالنَّوْمِ وَعَدَمِ الْحَمِيَّةِ. وَبِقَوْلِي مِنْ شَأْنٍ فِيهِمَا يُعْلَمُ رَدُّ مَا أَوْرَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَلَى الْقَرَافِيِّ مِنْ أَنَّ بَعْضَ شَرَبَةِ الْخَمْرِ يُوجَدُ فِيهِ مَا ذُكِرَ فِي نَحْوِ الْحَشِيشَةِ وَبَعْضُ أَكَلَةِ نَحْوِ الْحَشِيشَةِ يُوجَدُ فِيهِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْخَمْرِ وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّ مَا نِيطَ بِالْمَظِنَّةِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ خُرُوجُ بَعْضِ الْأَفْرَادِ كَمَا أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ لَمَّا نِيطَ بِمَظِنَّةِ الْمَشَقَّةِ جَازَ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْمَشَقَّةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ فَاتَّضَحَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ مَنْ عَبَّرَ فِي نَحْوِ الْحَشِيشَةِ بِالْإِسْكَارِ وَمَنْ عَبَّرَ بِالتَّخْدِيرِ وَالْإِفْسَادِ وَالْمُرَادُ بِهِ إفْسَادٌ خَاصٌّ هُوَ مَا سَبَقَ. فَانْدَفَعَ بِهِ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ يَشْمَلُ الْجُنُونَ وَالْإِغْمَاءَ لِأَنَّهُمَا مُفْسِدَانِ لِلْعَقْلِ أَيْضًا فَظَهَرَ بِمَا تَقَرَّرَ صِحَّةُ قَوْلِ الْفَقِيهِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ إنَّهَا مُخَدِّرَةٌ وَبُطْلَانُ قَوْلِ مِنْ نَازَعَهُ فِي ذَلِكَ لَكِنْ إنْ كَانَ لِجَهْلِهِ عُذِّرَ وَبَعْدَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْعُلَمَاءِ مَتَى زَعَمَ حِلَّهَا، أَوْ عَدَمَ تَخْدِيرِهَا وَإِسْكَارِهَا يُعَزَّرُ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ الزَّاجِرَ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ بَلْ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَأَقَرَّهُ أَهْلُ مَذْهَبِهِ مَنْ زَعَمَ حِلَّ الْحَشِيشَةِ كَفَرَ فَلْيَحْذَرْ الْإِنْسَانُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ عِنْدَ أَئِمَّةِ هَذَا الْمَذْهَبِ الْمُعَظَّمِ وَعَجِيبٌ مِمَّنْ خَاطَرَ بِاسْتِعْمَالِ الْجَوْزَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِيهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ وَالْإِثْمِ لِأَغْرَاضِهِ الْفَاسِدَةِ عَلَى تِلْكَ الْأَغْرَاضِ الَّتِي يَحْصُلُ جَمِيعُهَا بِغَيْرِهَا. فَقَدْ صَرَّحَ رَئِيسُ الْأَطِبَّاءِ ابْنُ سِينَا فِي قَانُونِهِ بِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهَا وَزْنُهَا وَنِصْفُ وَزْنِهَا مِنْ السُّنْبُلِ فَمَنْ كَانَ يَسْتَعْمِلُ مِنْهَا قَدْرًا مَا ثُمَّ اسْتَعْمَلَ وَزْنَهُ وَنِصْفَ وَزْنِهِ مِنْ السُّنْبُلِ حَصَلَتْ لَهُ جَمِيعُ أَغْرَاضِهِ مَعَ السَّلَامَةِ عَنْ الْإِثْمِ وَالتَّعَرُّضِ لِعِقَابِ اللَّهِ عَلَى أَنَّ فِيهَا بَعْضَ مَضَارَّ بِالرِّئَةِ ذَكَرَهَا بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ وَقَدْ خَلَى السُّنْبُلُ عَنْ تِلْكَ الْمَضَارِّ وَقَدْ حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُهَا وَزَادَ عَلَيْهَا بِالسَّلَامَةِ مِنْ مَضَارِّهَا الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ اهـ. جَوَابِي فِي الْجَوْزَةِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى نَفَائِسَ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْكِتَابِ بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي حُرْمَةِ الْقَاتِ لِأَنَّ النَّاس مُخْتَلِفُونَ فِي تَأْثِيرِ الْجَوْزَةِ أَيْضًا فَبَعْضُ آكِلِيهَا يُثْبِتُ لَهَا تَخْدِيرًا وَبَعْضُهُمْ لَا يُثْبِتُ لَهَا ذَلِكَ فَإِذَا حَرَّمَهَا الْأَئِمَّةُ مَعَ اخْتِلَافِ

стр. 1172

آكِلِيهَا فِي تَأْثِيرِهَا فَلْيُحَرِّمُوا الْقَاتَّ وَلَا نَظَرَ لِلِاخْتِلَافِ فِي تَأْثِيرِهَا لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجَوْزَةَ نَظَرَ فِيهَا وَحَرَّمَهَا مَنْ يُعْتَدُّ بِنَظَرِهِمْ وَبِتَجْرِبَتِهِمْ حَتَّى عَلِمُوا أَنَّ التَّخْدِيرَ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لَهَا فَلِهَذَا حَكَمُوا بِأَنَّهَا مُخَدِّرَةٌ لِذَاتِهَا وَأَعْرَضُوا عَمَّنْ لَمْ يَرَ مِنْهَا تَخْدِيرًا وَلَوْ تَمَّ ذَلِكَ فِي الْقَاتِ لَأَلْحَقْنَاهُ بِهَا لَكِنَّهُ لَمْ يَتِمَّ كَمَا قَدَّمْتُهُ. ثُمَّ هَذَا الْجَوَابُ مُشْتَمِلٌ عَلَى بَيَانِ حُكْمِ الْحَشِيشَةِ وَعَلَى تَنْقِيحِ الْخِلَافِ فِي أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ، أَوْ مُخَدِّرَةٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِإِعَادَتِهِ مَعَ كَلَامِ النَّاسِ فِيهَا عَلَى حِدَّتِهِ لِتَتِمَّ فَائِدَتُهُ وَتَعُمَّ عَائِدَتُهُ فَنَقُولُ ذَكَرَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ أَنَّ الشَّيْطَانَ حِين خَرَجَ مِنْ السَّفِينَةِ سَرَقَ مَعَهُ شَجَرَةَ الْكَرْمِ فَزَرَعَهَا ثُمَّ ذَبَحَ خِنْزِيرًا فَسَقَاهَا بِدَمِهِ ثُمَّ ذَبَحَ كَلْبًا فَسَقَاهَا بِدَمِهِ ثُمَّ ذَبَحَ قِرْدًا فَسَقَاهَا بِدَمِهِ فَحَصَلَتْ لَهَا النَّجَاسَةُ مِنْ دَمِ الْخِنْزِيرِ وَحَصَلَ لِشَارِيهَا الْعَرْبَدَةُ مِنْ دَمِ الْقِرْدِ وَالْحَمِيَّةُ وَالْغَضَبُ مِنْ دَمِ الْكَلْبِ فَمِنْ ثَمَّ تَرَى السَّكْرَانَ تَأْخُذُهُ الْحَمِيَّةُ وَيَغْضَبُ بِخِلَافِ السَّكْرَانِ بِالْبَنْجِ وَالْحَشِيشِ وَالشَّيْكَرَانِ وَجَوْزَةِ الطِّيبِ وَالْأَفْيُونِ. فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُسْكِرَةٌ وَلَا يَحْصُلُ لِلْبَدَنِ مَعَهَا نَشَاطٌ وَلَا عَرْبَدَةٌ بَلْ يُعْتَبَرُ بِهِ تَخْدِيرٌ وَفُتُورٌ فَكُلُّ مُخَدِّرٍ مُسْكِرٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ فَالْخَمْرُ مُسْكِرَةٌ وَلَيْسَتْ مُخَدِّرَةً وَالْبَنْجُ وَنَحْوُهُ مُسْكِرٌ وَمُخَدِّرٌ وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْحَشِيشَةَ وَنَحْوَهَا مُسْكِرٌ النَّوَوِيُّ فِي شَرْح الْمُهَذَّبِ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ التَّذْكِرَةِ فِي الْخِلَافِ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَبَيَّنْت فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا مُخَدِّرَةٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْكَارِ فِي كَلَامِهِمْ مُجَرَّدُ التَّغْطِيَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَيْدِهِ الْمُتَبَادَرِ مِنْهُ وَهُوَ التَّغْطِيَةُ مَعَ نَشَاطٍ وَعَرْبَدَةٍ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ الْبَيْطَارِ أَنَّ الْحَشِيشَ يُسْكِرُ جِدًّا وَهُوَ حُجَّةٌ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ عَلَّامَةَ زَمَنِهِ فِي مَعْرِفَةِ الْأَعْشَابِ وَالنَّبَاتِ يَرْجِعُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ مُحَقِّقُو الْأَطِبَّاءِ. وَقَدْ امْتَحَنَهُ بَعْضُ مُعَاصِرِيهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَجَاءَ إلَى السُّلْطَانِ بِنَبَاتٍ وَقَالَ لَهُ إذَا طَلَعَ إلَيْك فَأَعْطِهِ هَذَا يَشُمُّهُ مِنْ هَذَا الْمَحَلِّ فَتَبَيَّنَ لَك مَعْرِفَتُهُ، أَوْ جَهْلُهُ فَلَمَّا طَلَعَ إلَيْهِ أَعَطَاهُ لَهُ وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَشُمَّهُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ فَشَمَّهُ مِنْهُ فَرَعَفَ لِوَقْتِهِ رُعَافًا شَدِيدًا فَقَلَبَهُ وَشَمَّهُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَسَكَنَ رُعَافُهُ لِوَقْتِهِ ثُمَّ قَالَ لِلسُّلْطَانِ مُرْ مَنْ أَعْطَاهُ لَك يَشُمَّهُ مِنْ الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ فَإِنْ عَرَفَ أَنَّ فِيهِ الْفَائِدَةَ الْأُخْرَى فَهُوَ طَبِيبٌ وَإِلَّا فَهُوَ مُتَشَبِّعٌ بِمَا لَمْ يُعْطَ فَلَمَّا طَلَعَ لِلسُّلْطَانِ أَمَرَهُ بِشَمِّهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَرَعَفَ فَقَالَ لَهُ اقْطَعْهُ فَحَارَ وَكَادَتْ نَفْسُهُ تُفْتَلَتُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْلِبَهُ وَيَشُمَّهُ فَفَعَلَ فَانْقَطَعَ رُعَافُهُ فَمِنْ ثَمَّ زَادَتْ مَكَانَةُ ابْنِ الْبَيْطَارِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَانْقَطَعَتْ أَعْدَاؤُهُ وَحُسَّادُهُ. وَغَلِطَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ فِي شَرْحِهِ لِلْحَاوِي الصَّغِيرِ فِي أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ: أَنَّ الْحَشِيشَةَ نَجِسَةٌ إنْ ثَبُتَ أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ مَعَ أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى مَا مَرَّ فَإِنَّ السُّكْرَ مَعْنَاهُ تَغْطِيَةُ الْعَقْلِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵎ ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥] قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ وَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ الْمُخَدِّرَ لَا يَكُونُ مُسْكِرًا وَهُوَ خَطَأٌ وَهَذَا الْخَطَأُ حَصَلَ أَيْضًا لِلْقَرَافِيِّ فِي الْقَوَاعِدِ الثَّانِي أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهَا نَجِسَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مُسْكِرَةٌ وَهَذَا شَيْءٌ لَا تَحِلُّ حِكَايَتُهُ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِهِ لِفُرُوعِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ نَجِسَةً. وَكَذَلِكَ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ الْقَرَافِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ فِي نَظِيرِ الْحَشِيشِ فَقَالَ تَنْفَرِدُ الْمُسْكِرَاتُ عَنْ الْمُرَقِّدَاتِ وَالْمُفْسِدَاتِ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ الْحَدِّ وَالتَّنْحِيسِ وَتَحْرِيمِ الْقَلِيلِ فَالْمُرَقِّدَاتُ وَالْمُفْسِدَاتُ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا نَجَاسَةَ فَمَنْ صَلَّى بِالْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا وَيَجُوزُ تَنَاوُلُ الْيَسِيرِ مِنْهَا فَمَنْ تَنَاوَلَ حَبَّةً مِنْ الْأَفْيُونِ، أَوْ الْبَنْجِ جَازَ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَدْرًا يَصِلُ إلَى التَّأْثِيرِ فِي الْعَقْلِ وَالْحَوَاسِّ أَمَّا دُونَ ذَلِكَ فَجَائِزٌ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ وَقَعَ بِهَا بَيْنَ الْمُسْكِرَاتِ وَالْآخَرَيْنِ اهـ وَفِي كِتَابِ السِّيَاسَةِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ أَنَّ الْحَدَّ وَاجِبٌ فِي الْحَشِيشَةِ قَالَ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ جَامِدَةً وَلَيْسَتْ شَرَابًا تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي نَجَاسَتِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَقِيلَ نَجِسَةٌ وَهُوَ صَحِيحٌ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ مِنْ حِلِّ تَنَاوُلِ يَسِيرِهَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْمُتَوَلَّيْ فِي جَوَازِ تَنَاوُلِ الْيَسِيرِ مِنْ

стр. 1173

الْحَشِيشِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ التَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِ وَكُلُّ طَاهِرٍ لَا ضَرَرَ فِي أَكْلِهِ يَجُوزُ أَكْلُهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ وَإِقْرَارُهُ يُجَوِّزُ أَكْلَ السُّمِّ لِمَنْ لَا يَضُرُّهُ وَيَجُوزُ بَلْ يَجِبُ أَكْلُهَا عِنْدَ الْإِضْرَارِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا وَفَارَقَتْ الْخَمْرُ بِأَنَّ شُرْبَهَا يَزِيدُ فِي الْعَطَشِ وَأَكْلُ الْحَشِيشَةِ لَا يَزِيدُ فِي الْجُوعِ وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا فِيهَا إنَّهَا تُغَطِّي الْعَقْلَ وَتَغْطِيَتُهُ جَائِزَةٌ لِدَوَاءٍ، أَوْ نَحْوِ قَطْعِ عُضْوٍ مُتَآكِلٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَيَحْرُمُ إطْعَامُهَا لِلْحَيَوَانِ لِأَجْلِ إسْكَارِهِ وَبَيْعُهَا جَائِزٌ قَطْعًا لِأَنَّهَا قَدْ تَنْفَعُ لِبَعْضِ الْأَمْرَاضِ كَمَا يَأْتِي وَمَحَلُّهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا يَتَعَيَّنُ لِلتَّدَاوِي بِهِ وَفِيمَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ مِنْ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَضُرُّ وَمَا عَدَا هَذَيْنِ فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ نَظَرٌ وَقَضِيَّةُ قَوْلِ ابْنِ النَّقِيبِ لَا ضَمَانَ عَلَى مُتْلِفِهَا كَالْخَمْرِ عَدَمُ صِحَّةِ بَيْعِ ذَلِكَ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ. وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْقُطْبِ الْقَسْطَلَّانِيُّ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ أَهْلِ الشَّامِ فِيهَا إنَّهَا حَارَّةٌ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ يَابِسَةٌ فِي الْأُولَى تُصَدِّعُ الرَّأْسِ وَتُظْلِمُ الْبَصَرَ وَتُعَقِّدُ الْبَطْنَ وَتُجَفِّفُ الْمَنِيَّ وَذَكَرَ فِيهَا مَنَافِعَ مِنْ نَحْوِ طَرْدِ الرِّيَاحِ وَتَحْلِيلِ النَّفْخِ وَتَنْقِيَةِ الْأَبْرِئَةِ مِنْ الرَّأْسِ عِنْدَ غَسْلِهِ بِهَا وَالْأَبْرِئَةُ مَرَضٌ يَحْدُثُ بِسَطْحِ الرَّأْسِ وَهُوَ قُشُورٌ بِيضٌ وَالْعِلَّةُ فِي فِعْلِهَا لِذَلِكَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْحَرَارَةِ وَالْيُبْسِ فَإِذًا تَرْجِعُ إلَى كَوْنِهَا دَوَاءً مِنْ جُمْلَةِ الْأَدْوِيَةِ وَتُسْتَعْمَلُ حَيْثُ تُسْتَعْمَلُ الْأَدْوِيَةِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا مِنْ الْأَمْرَاضِ بِمِقْدَارِ مَا يَدْفَعُ الضَّرَرَ قَالَ وَلَا يَسْتَعْمِلُهَا الْأَصِحَّاءُ بِحَيْثُ يَنْشَأُ عَنْ أَكْلِهَا السُّبَاتُ وَالْخَدَرُ وَالْإِسَاءَةُ وَالْهَدَرُ فَإِنَّ مَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ يَتَعَيَّنُ اجْتِنَابُهُ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَضَارِّ الَّتِي هِيَ مَبَادِئُ مَدَاعِي الْهَلَاكِ وَرُبَّمَا نَشَأَ مِنْ تَجْفِيفِ الْمَنِيِّ وَصُدَاعِ الرَّأْسِ وَغَيْرِهِمَا مَفَاسِدُ وَمَضَارُّ تَفْتَقِرُ إلَى عِلَاجٍ قَالَ. وَقَدْ ذَكَرَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَالِقِيُّ الْعَشَّابُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَيْطَارِ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعُ لِقَوِيِّ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ فَقَالَ. وَمِنْ الْقِنَّبِ الْهِنْدِيِّ نَوْعٌ ثَالِثٌ يُقَالُ لَهُ الْقِنَّبُ وَلَمْ أَرَهُ بِغَيْرِ مِصْرَ وَيُزْرَعُ فِي الْبَسَاتِينِ وَيُسَمَّى بِالْحَشِيشَةِ أَيْضًا وَهُوَ مُسْكِرٌ جِدًّا إذَا تَنَاوَلَ مِنْهُ الْإِنْسَانُ يَسِيرًا قَدْرَ دِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ حَتَّى أَنَّ مَنْ أَكَلَ مِنْهُ أَخْرَجَهُ إلَى حَدِّ الرُّعُونَةِ وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ قَوْمٌ فَاخْتَطَفَتْ عُقُولَهُمْ وَأَدَّى بِهِمْ الْحَالُ إلَى الْجُنُونِ وَرُبَّمَا قَتَلَتْ وَمِمَّا يَنْفَعُ فِي مُدَاوَاتِهَا الْقَيْءَ بِسَمْنٍ وَمَاءٍ سُخِّنَ حَتَّى تُنَقَّى الْمَعِدَةُ وَشَرَابُ الْحُمَاضِ لَهُ غَايَةٌ فِي النَّفْعِ قَالَ وَهِيَ كَمَا زَعَمَ مَنْ تَعَاطَاهَا مُدَّةً ثُمَّ انْقَشَعَ عَنْ عَيْنِهِ سَحَابُ الْعَمَى عَنْ الْهُدَى خَبِيثَةُ الطَّعْمِ كَرِيهَةُ الرَّائِحَةِ وَلِأَجْلِ هَذَا يَتَخَيَّلُ بَعْضُ مَنْ يَتَعَاطَاهَا عَلَى تَطْيِيبِهَا بِمَا يُسَوِّغُ تَنَاوُلَهَا مِنْ السِّمْسِمِ الْمَقْشُورِ أَوْ السُّكَّرِ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّ الطَّبِيعَةَ تَكْرَهُهُ لَا مَحَالَةَ كَمَا تَكْرَهُ الْأَدْوِيَةَ. وَإِنْ كَانَتْ تُؤَمِّلُ فِي تَنَاوُلِهَا حُصُولُ الْأَشْفِيَةِ وَأَيْضًا فَالْمَأْكُولُ مُنْحَصِرٌ فِي الْغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ وَلَيْسَتْ بِغِذَاءٍ لِأَنَّهَا لَا تُلَائِمُ الْجَسَدِ فَهِيَ دَوَاءٌ وَالدَّوَاءُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ حَيْثُ تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ فَلَا يَسْتَعْمِلُهُ الصَّحِيحُ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُلَائِمَةٍ لِلطِّبَاعِ بَلْ مُنَافِرَةٌ لِمَا عَلَيْهِ الْمِزَاجُ مِنْ الْأَوْضَاعِ قَالَ وَقَدْ نُقِلَ لَنَا أَنَّ الْبَهَائِمَ لَا تَتَنَاوَلُهَا فَمَا قَدْرُ مَأْكُولٍ تَنْفِرُ الْبَهَائِمُ عَنْ تَنَاوُلِهِ وَهِيَ مِمَّا يُحِيلُ الْأَبْدَانَ وَيُحَلِّلُ قُوَاهَا وَيَحْرِقُ دِمَاءَهَا وَيُجَفِّفُ رُطُوبَتَهَا وَيُصَفِّرُ الْأَلْوَانَ وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا إمَامُ وَقْتِهِ فِي الطِّبّ أَنَّهَا تُوَلِّدُ أَفْكَارًا كَثِيرَةً وَإِنَّهَا تُجَفِّفُ الْمَنِيَّ وَتَجْفِيفُهُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ قِلَّةِ الرُّطُوبَةِ فِي الْأَعْضَاءِ الرَّئِيسَةِ. وَمِمَّا أَنْشَدَ فِيهَا قُلْ لِمَنْ يَأْكُلُ الْحَشِيشَةَ جَهْلًا ... يَا خَسِيسًا قَدْ عِشْت شَرَّ مَعِيشَةٍ دِيَةُ الْعَقْلِ بِدُرَّةٍ فَلِمَاذَا ... يَا سَفِيهًا قَدْ بِعْتهَا بِحَشِيشَةٍ قَالَ وَقَدْ بَلَغَنَا مِنْ جَمْعٍ يَفُوقُ حَدَّ الْحَصْرِ إنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ عَانَاهَا مَاتَ بِهَا فَجْأَةً وَآخَرِينَ اخْتَلَّتْ عُقُولُهُمْ وَابْتُلُوا بِأَمْرَاضٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ الدَّقِّ وَالسُّلِّ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَإِنَّهَا تَسْتُرُ الْعَقْلَ وَتَغْمُرُهُ وَمِمَّا أُنْشِدَ فِيهَا أَيْضًا يَا مَنْ غَدَا أَكْلُ الْحَشِيشِ شِعَارُهُ ... وَعَدَا فَلَاحُ عَوَارِهِ وَخِمَارُهُ أَعْرَضْت عَنْ سُنَنِ الْهُدَى بِزَخَارِفَ ... لَمَّا اعْتَرَضْت لِمَا أُشِيعَ ضِرَارُهُ الْعَقْلُ يَنْهَى أَنْ يَمِيلَ إلَى الْهَوَى ... وَالشَّرْعُ يَأْمُرُ أَنْ تُعَدِّدَ دَارَهْ

стр. 1174

فَمَنْ ارْتَدَى بِرِدَاءِ شَهْوَةِ زَهْرَةٍ ... فِيهَا بَدَا لَلنَّاظِرِينَ عِثَارُهُ وَلِبَعْضِ الْفَسَقَةِ أَبِيَّاتٌ كَثِيرَةٌ فِي مَدْحِهَا حَذَفْتهَا لَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ السَّفَهِ وَالْإِطْرَاءِ وَالْحَثِّ عَلَيْهَا. وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ فَقَالَ لَا تُصْغِيَنَّ لِمَادِحٍ شُرْبَ الْحَشِيشِ ... فَإِنَّهُ فِي الْقَوْلِ غَيْرُ مُسَدَّدِ وَانْهَضْ بِعَزْمَةِ مَاجِدٍ فِي رَدِّهِ ... فِي قَصْدِهِ بِالسَّوْطِ جَنْبًا وَالْيَدِ السُّكْرُ شَرٌّ كَيْفَ كَانَ فَلَا تَمِلْ ... فِي مَدْحِهِ لِمَنْ اعْتَدَى لَمْ يَهْتَدِ مَنْ كَانَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا فَلْيَلْتَزِمْ ... أَنْ لَا يَحِيدَ عَنْ السَّبِيلِ الْأَرْشَدِ وَلَقَدْ تَرَاهُ ضَاحِكًا أَوْ بَاكِيًا ... أَوْ نَاطِقًا بِقَبَائِحَ لَمْ تُشْهَدْ هَيْهَاتَ أَنْ يَأْتِيَ بِفِعْلٍ صَالِحٍ ... مَنْ ضَلَّ عَنْ سُنَنِ الرَّشَادِ الْأَمْجَدِ قَدْ ضَلَّ مَنْ أَفْتَى بِحِلِّ شِرَائِهَا ... فِيمَا عَزَا لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِيهَا الْإِهَانَةُ بِالنِّعَالِ وَبِالْعَصَا ... لِلرَّاعِدِ الْمَهْبُولِ وَالْمُتَعَبِّدِ مَنْ كَفَّ كَفَّ الْهَمُّ عَنْهُ بِكَفِّهَا ... أَمَسَى عَلَى كَفٍّ يَرُوحُ وَيَغْتَدِي مِنْ حَاكِمٍ أَوْ عَالِمٍ أَوْ نَاظِرٍ ... أَوْ نَاصِحٍ فِي فِعْلِهِ مُتَزَهِّدِ مَنْ كَانَ يَطْلُبُ أَنْ يَفُوزَ فَحَقُّهُ ... أَنْ لَا يَجُوزَ عَنْ اهْتِدَاءِ الْمُهْتَدِي وَلْيَطَّرِحْ قَوْلَ الْمُبِيحِ لِأَكْلِهَا ... وَلْيَقْتَرِحْ يَوْمَ السُّرُورِ إلَى غَدِ وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ» قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُفَتِّرُ كُلُّ مَا يُورِثُ الْفُتُورَ وَالْخَدَرَ فِي الْأَطْرَافِ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَشِيشِ بِخُصُوصِهِ فَإِنَّهَا تُسْكِرُ وَتُخَدِّرُ وَتُفَتِّرُ وَلِذَلِكَ يَكْثُرُ النَّوْمُ لِمُتَعَاطِيهَا وَحَكَى الْقَرَافِيُّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِهَا قَالَ وَمَنْ اسْتَحَلَّهَا فَقَدْ كَفَرَ قَالَ وَإِنَّمَا لَمْ تَتَكَلَّمْ فِيهَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمْ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِهِمْ وَإِنَّمَا ظَهَرَتْ فِي آخِرِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ وَأَوَّلِ الْمِائَةِ السَّابِعَةِ حِينَ ظَهَرَتْ دَوْلَةُ التَّتَارِ قَالَ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَطْعِمَةِ وَفِي بَحْرِ الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّبَاتَ الَّذِي يُسْكِرُ وَلَيْسَ فِيهِ شِدَّةٌ يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَلَا حَدَّ عَلَى آكِلِهِ وَلَا نَعْرِفُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا عِنْدَنَا. وَقَالَ فِي بَابِ الشُّرْبِ وَمَا يُزِيلُ الْعَقْلَ مِنْ غَيْرِ الْأَشْرِبَةِ كَالْبَنْجِ لَا حَدَّ فِي تَنَاوُلِهِ لِأَنَّهُ لَا يَلَذُّ وَلَا يَطْرَبُ وَلَا يَدْعُو قَلِيلُهُ إلَى كَثِيرِهِ اهـ. وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ النَّبَاتُ الَّذِي فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ ضَعِيفٌ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ وَلَا يُقَاسُ بِالْخَمْرِ فِي الْحَدِّ لِأَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ فِي الْحُدُودِ الْمُسَاوَاةُ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَا تُشْبِهُ الْخَمْرَ فِي تَعَاطِيهَا لِأَنَّهَا لَا تُورِثُ عَرْبَدَةً وَغَضَبًا وَحَمِيَّةً وَالشَّيْكَرَانُ يُزِيدُهُ شِدَّةً وَعَرْبَدَةً بِالسُّكْرِ بِخِلَافِ أَكْلِ الْمُخَدِّرَاتِ فَإِنَّهُ وَإِنْ زَالَ عَقْلُهُ يَسْكُنُ شَرُّهُ لِفُتُورِ بَدَنِهِ وَتَخْدِيرِهِ وَكَثْرَةِ نَوْمِهِ وَأَيْضًا الْحَشِيشُ وَنَحْوُهَا طَاهِرَةٌ وَالْخَمْرُ نَجِسَةٌ فَنَاسَبَ تَأْكِيدَ الزَّجْرِ عَنْهَا بِإِيجَابِ الْحَدِّ وَأَيْضًا الْخَمْرُ يَحْرُمُ تَعَاطِي قَلِيلِهَا لِلنَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْحَشِيشِ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ أَنْ يَتَعَاطَى مِنْهَا مَا لَا يُسْكِرُ فَبَطَلَ الْقِيَاسُ. وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ عَصْرِهِ أَنَّهَا بَعْدَ التَّحْمِيصِ وَالْغَلْيِ نَجِسَةٌ لِأَنَّهَا تُغَيِّبُ الْعَقْلَ حِينَئِذٍ قَالَ وَسَأَلْت جَمَاعَةً مِمَّنْ يُعَانِيهَا فَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ تُؤَثِّرُ مُطْلَقًا اهـ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ وَالصَّوَابُ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا فِي ذَلِكَ مُلْحَقَةٌ بِجَوْزِ الطِّيبِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْعَنْبَرِ وَالْأَفْيُونِ وَالشَّيْكَرَانِ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْبَنْجُ وَهُوَ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ الْمُخَدِّرَاتِ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ ابْنُ الْقُطْبِ الْقَسْطَلَّانِيُّ اهـ. قَالَ بَعْضُهُمْ وَفِي أَكْلِ الْحَشِيشِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ مَضَرَّةً دِينِيَّةً وَدُنْيَوِيَّةً مِنْهَا أَنَّهَا تُورِثُ الْفِكْرَةَ وَتُجَفِّفُ الرُّطُوبَاتِ وَتُعَرِّضُ الْبَدَنَ لِحُدُوثِ الْأَمْرَاضِ وَتُورِثُ النِّسْيَانَ وَتُصَدِّعُ الرَّأْسَ وَتَقْطَعُ النَّسْلَ وَالْمَنِيَّ وَتُجَفِّفُهُ وَتُورِثُ مَوْتَ الْفَجْأَةِ وَاخْتِلَالَ الْعَقْلِ

стр. 1175

وَفَسَادَهُ وَالدَّقَّ وَالسُّلَّ وَالِاسْتِسْقَاءَ وَفَسَادَ الْفِكْرِ وَإِفْشَاءَ السِّرِّ وَذَهَابَ الْحَيَاءِ وَكَثْرَةَ الْمِرَاءِ وَعَدَمَ الْمُرُوءَةِ وَكَشْفَ الْعَوْرَةِ وَعَدَمَ الْغَيْرَةِ وَإِتْلَافَ الْكَسْبِ وَمُجَالَسَةَ إبْلِيسَ وَتَرْكَ الصَّلَاةِ وَالْوُقُوعَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالْجُذَامَ وَالْبَرَصَ وَتَوَالِي الْأَسْقَامِ وَالرَّعْشَةَ وَنَتْنَ الْفَمِ وَسُقُوطَ شَعْرِ الْأَجْفَانِ وَاحْتِرَاقَ الدَّمِ وَصُفْرَةَ الْأَسْنَانِ وَالْبَخَرَ وَثَقْبَ الْكَبِدِ وَغِشَاءَ الْعَيْنِ وَالْكَسَلَ وَالْفَشَلَ وَتَجْعَلُ الْأَسَدَ كَالْعِجْلِ وَتُعِيدُ الْعَزِيزَ ذَلِيلًا وَالصَّحِيحَ عَلِيلًا إنْ أَكَلَ لَا يَشْبَعُ وَإِنْ أُعْطَى لَا يَقْنَعُ وَإِنْ كُلِّمَ لَا يَسْمَعُ تَجْعَلُ الْفَصِيحَ أَبْكَمَ وَالصَّحِيحَ أَبْلَمَ وَتُذْهِبُ الْفِطْنَةَ وَتُحْدِثُ الْبِطْنَةَ وَتُورِثُ اللَّعْنَةَ وَالْبُعْدَ عَنْ الْجَنَّةِ وَلْنَخْتِمْ هَذَا الْكَلَامَ بِقَاعِدَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّ كُلَّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ وَحُدَّ شَارِبُهُ وَالثَّانِيَةُ كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ نَجِسٍ. وَأَوْرَدَ عَلَيْهَا الْأَفْيُونَ قَبْلَ أَنْ يُجْمَدَ فَإِنَّهُ مُسْكِرٌ مَائِعٌ وَلَيْسَ بِنَجِسٍ قَطْعًا وَلَا يَحْرُمُ يَسِيرُهُ بِقَيْدِهِ السَّابِقِ وَبَيْعُ نَحْوِ الْحَشِيشِ لِأَكْلِهَا وَلَوْ ظَنًّا حَرَامٌ كَبَيْعِ الْعِنَبِ لِعَاصِرِ الْخَمْرِ خِلَافًا لِلشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى حَالِهِ فَلَا نَظَرَ لِتَوَهُّمِ وُقُوعِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ يَحْرُمُ زَرْعُهَا لِاسْتِعْمَالِ مَا لَا يَحْرُمُ مِنْهَا وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِيفَاءِ عَلَى مَنْ شَرِبَ خَمْرًا وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ بِشُرْبِهَا وَسَبَبُ الْوُجُوبِ قِيلَ مَخَافَةُ السُّكْرِ بِهَا وَقِيلَ نَجَاسَتُهَا وَيَرُدُّ الثَّانِيَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ حَرَامًا طَاهِرًا لَزِمَهُ اسْتِقَاءَتُهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ فَالْمُعْتَمَدُ الْعِلَّةُ الْأُولَى وَحِينَئِذٍ فَمَنْ أَكَلَ مِنْ نَحْوِ الْحَشِيشِ الْقَدْرَ الْمُسْكِرَ لَزِمَهُ اسْتِقَاءَتُهُ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُ الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْقِيقُ مَنْ أَكَلَ حَرَامًا طَاهِرًا لَزِمَهُ اسْتِقَاءَتُهُ وَكَأَنَّ عِلَّتَهُ أَنَّ الْحَرَامَ يُورِثُ قَسْوَةَ الْقَلْبِ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ حَرَامٍ النَّارُ أَوْلَى بِهِ» نَسْأَلُ اللَّهَ بِخَاصَّتِهِ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يُبْعِدَنَا عَنْهَا وَعَنْ أَسْبَابِهَا إنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ بِدَوَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَدَدَ مَعْلُومَاتِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ كَمَا يَجِبُ لَهُ وَيَرْضَى تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا دَائِمًا أَبَدًا إلَى يَوْمِ الدِّينِ. [بَابُ التَّعَازِيرِ وَضَمَانِ الْوُلَاةِ] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَ أَوْ لَطَمَ بِنَعْلِهِ مَثَلًا شَرِيفٌ خَسِيسًا أَوْ عَكْسُهُ مَا كَيْفِيَّةُ تَعْزِيرِهِ وَإِذَا رَأَى الْقَاضِي تَعْزِيرَ الْفَاعِلِ بِيَدِ الْمَفْعُولِ بِهِ الْمِثْلَ فَعَلَهُ بِهِ هَلْ يَجُوزُ وَإِذَا قُلْتُمْ لَا وَكَانَتْ الْفِتْنَةُ لَا تَسْكُنُ إلَّا بِذَلِكَ مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمَرْجِعُ فِي التَّعْزِيرِ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِيمَا يَرَاهُ زَاجِرًا لِلْفَاعِلِ بِحَسَبِ جَرَاءَتِهِ وَقُبْحِ مَعْصِيَتِهِ ثُمَّ إنْ كَانَ التَّعْزِيرُ بِنَحْوِ ضَرْبٍ لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُفَوِّضَهُ لِلْمُسْتَحِقِّ لِئَلَّا يَزِيدُ فِي الْإِيلَامِ وَإِنْ كَانَ بِنَحْوِ وَقْعِ عِمَامَةٍ جَازَ لَهُ تَفْوِيضُ ذَلِكَ لِلْمُسْتَحِقِّ إذْ لَا يُخْشَى مِنْهُ مَحْذُورٌ وَهَذَا التَّفْصِيلُ ظَاهِرٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْجِنَايَاتِ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي التَّعْزِيرِ وَلَوْ تَيَقَّنَ الْحَاكِمُ إثَارَةَ فِتْنَةٍ إنْ لَمْ يُفَوِّضْ اسْتِيفَاءَ التَّعْذِيرِ لِلْمُسْتَحِقِّ لَمْ يَبْعُدْ حِينَئِذٍ جَوَازُ تَفْوِيضِهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ إثَارَةِ الْفِتْنَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى خَشْيَةِ الزِّيَادَةِ فِي الْإِيلَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ قَالَ فِي الْعُبَابِ فَائِدَةً صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ لَمَّا لُدَّ فِي مَرَضِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ أَمَرَ بِلَدِّ الْحَاضِرِينَ فَاقْتَضَى جَوَاز التَّعْزِيرِ بِمِثْلِ مَا تَعَدَّى بِهِ اهـ. مَا اللَّدَدُ وَمَنْ لَدَّهُ ﷺ وَمَنْ الْحَاضِرُونَ وَبِمَ اسْتَحَقَّ الْحَاضِرُونَ اللَّدَّ وَكَمْ عَدَدَهُمْ وَهَلْ كَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ﷺ ، أَوْ فِي مَرَضٍ آخَرَ وَهَلْ كَانَ اللَّدَدُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ اعْلَمْ أَنَّهُ ﷺ كَانَ مِنْ شِدَّةِ وَجَعِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ يُغْشَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُفِيقُ وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ مَرَّةً فَظَنَّ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّ وَجَعَهُ ذَاتُ الْجَنْبِ فَلَدُّوهُ فَجَعَلَ يُشِيرُ

стр. 1176

إلَيْهِمْ أَنْ لَا يَلُدُّوهُ فَقَالُوا إنَّمَا أَشَارَ إلَى الْمَنْعِ مِنْ اللَّدِّ لِكَرَاهِيَةِ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ أَيْ إنَّمَا نَهَيْتَنَا عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ دَوَاءٌ وَنَفْسُ الْمَرِيضِ تَكْرَهُهُ فَقَالَ لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إلَّا لَدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَّا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَاللَّدَدُ هُوَ مَا يُجْعَلُ فِي جَانِبِ الْفَمِ مِنْ الدَّوَاءِ فَأَمَّا مَا يُصَبُّ فِي الْحَلْقِ فَيُقَالُ لَهُ الْوَجُورُ فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - إنَّهُمْ أَذَابُوا قِسْطًا بِزَيْتٍ وَلَدُّوهُ بِهِ قِيلَ وَإِنَّمَا كَرِهَ اللَّدَدَ مَعَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَدَاوَى لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي مَرَضِهِ وَمَنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ التَّدَاوِي وَنَظَرَ فِيهِ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُخَيَّرَ ﷺ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَعِنْدِي فِي هَذَا نَظَرٌ لِأَنَّهُ وَقَعَ تَخْيِيرُهُ قَبْلَ هَذَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَهُوَ «أَنَّهُ ﷺ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ ﵎ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ» وَهُوَ يَقُولُ فَدَيْنَاك بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ هُوَ الْمُخَيَّرُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمُنَا بِهِ الْحَدِيثُ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ وَهَذِهِ الْخُطْبَةُ كَانَتْ فِي ابْتِدَاءِ مَرَضِهِ ﷺ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَإِنَّهُ خَرَجَ كَمَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ «وَهُوَ مَعْصُوبُ الرَّأْسِ بِخِرْقَةٍ حَتَّى أَهْوَى إلَى الْمِنْبَرِ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ فَقَالَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَنْظُرُ إلَى الْحَوْضِ مِنْ مَقَامِي هَذَا ثُمَّ قَالَ إنَّ عَبْدًا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا إلَخْ ثُمَّ هَبَطَ عَنْهُ فَمَا رُئِيَ عَلَيْهِ حَتَّى السَّاعَةِ» وَذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ بِسَنَدٍ وَصَلَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ «أَنْعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ» وَكَأَنَّ ذَلِكَ الْمُعْتَرَضَ أَرَادَ التَّخْيِيرَ الْأَخِيرَ فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهَا - كَانَ ﷺ يَقُولُ «إنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَحْيَا أَوْ يُخَيَّرُ فَلَمَّا اشْتَكَى وَحَضَرَهُ الْقَبْضُ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخْذِي غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ شَخَصَ بَصَرَهُ نَحْوَ سَقْفِ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى فَقُلْت إذًا لَا يَخْتَارُنَا» فَعَرَفْت أَنَّهُ حَدِيثُهُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَفَهْمُهَا هَذَا نَظِيرُ فَهْمِ أَبِيهَا السَّابِقِ حِينَ بَكَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَعَلِمَ أَنَّهُ خُيِّرَ مَرَّتَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ التَّنْظِيرُ السَّابِقُ. فَالْأَوْلَى رَدُّ تِلْكَ الْمَقَالَةِ بِأَنَّ سَبَبَ إنْكَارِ التَّدَاوِي أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مُلَائِمٍ لِدَائِهِ؛ لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ بِهِ ذَاتَ الْجَنْبِ فَدَاوَوْهُ بِمَا يُلَائِمُهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ «كَانَتْ تَأْخُذُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَاصِرَةُ فَاشْتَدَّتْ بِهِ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَدَدْنَاهُ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ عَلَيَّ ذَاتَ الْجَنْبِ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ لَهَا عَلَيَّ سُلْطَانًا وَاَللَّهِ لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إلَّا لَدَّ وَلَدَدْنَا وَلَدَّتْ مَيْمُونَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَهِيَ صَائِمَةٌ» وَرَوَى أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّهُ ﷺ مَاتَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ» وَجَمَعَ بَيْنَ هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ بِأَنَّ ذَاتَ الْجَنْبِ تُطْلَقُ عَلَى شَيْئَيْنِ وَرَمٍ حَارٍّ يَعْرِضُ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ وَرِيحٍ يَحْتَقِنُ بَيْنَ الْأَضْلَاعِ فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْفِيُّ هُنَا وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ذَاتُ الْجَنْبِ مِنْ الشَّيْطَانِ وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي أُثْبِتَ هُنَا وَلَيْسَ فِيهِ مَحْذُورٌ كَالْأَوَّلِ وَمِمَّا تَقَرَّرَ عُلِمَ مَعْنَى اللَّدَدِ وَإِنَّ الَّذِينَ لَدُّوهُ هُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ وَلَمْ نَرَ تَعْيِينَ عَدَدِهِمْ وَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَإِنَّهُ كَانَ فِي الْأَدْوِيَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ بِمَ اسْتَحَقَّ الْحَاضِرُونَ اللَّدَّ فَيُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي وَقَوْلُ صَاحِبِ الْعُبَابِ فَاقْتَضَى جَوَازَ التَّعْزِيرِ بِمِثْلِ مَا تَعَدَّى بِهِ هُوَ مَا سَبَقَهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ لَكِنَّ عِبَارَتَهُ وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقِصَاصِ فِيمَا يُصَابُ بِهِ الْإِنْسَانُ اهـ. لَكِنَّهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْجَمِيعَ لَمْ يَتَعَاطَوْا لَدَّهُ ﷺ وَإِنَّمَا الَّذِي تَعَاطَاهُ بَعْضُهُمْ فَكَيْفَ يُقْتَصُّ مِنْ الْجَمِيعِ؟ وَلِأَجْلِ هَذَا الِاعْتِرَاضِ جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّعْزِيرِ دُونَ الْقِصَاصِ لِتَرْكِهِمْ امْتِثَالَ نَهْيِهِ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ وَلَكِنْ رُدَّ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ كَمَا أَشَارُوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ وَالْمُتَأَوَّلِ الْمَعْذُورِ فِي تَأْوِيلِهِ لَا يُعَزَّرُ فَالْوَجْهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ تَأْدِيبَهُمْ لِئَلَّا يَعُودُوا فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ اقْتِصَاصٌ وَلَا انْتِقَامٌ وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْعُبَابِ فَاقْتَضَى إلَخْ

стр. 1177

لَمَّا عَلِمْت أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا وَإِنَّمَا خَشِيَ ﷺ أَنْ يَبْنُوا عَلَى ظَنِّهِمْ ذَلِكَ الْعَوْدَ إلَى مِثْلِ فِعْلِهِمْ الْأَوَّلِ وَظَهَرَ لَهُ أَنَّهُمْ لَا يَنْتَهُونَ بِنَهْيِهِ لِتَأْوِيلِهِمْ الْمَذْكُورِ فَلَمْ يَرُدَّ أَفْعَالَهُمْ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ كَفِعْلِهِمْ وَهُوَ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ إيذَاءٍ لِأَنَّ شُرْبَ الْقِسْطِ بِالزَّيْتِ نَافِعٌ لِلْأَصِحَّاءِ دُونَ الْمَرْضَى بِمَرَضٍ لَا يَكُونُ ذَلِكَ دَوَاءً لَهُ فَهُمْ أَذُوهُ لَكِنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ وَهُوَ ﷺ لَمْ يُؤْذِهِمْ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ عَدَمَ عَوْدِهِمْ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَرَادَ أَنْ لَا يَأْتُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهِمْ حَقُّهُ فَيَقَعُوا فِي خَطِيئَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَدْ عَلِمْت رَدَّهُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْتَكِبُوا خَطِيئَةً فَضْلًا عَنْ كَوْنِهَا عَظِيمَةً لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا الْإِصْلَاحَ وَهُمْ مَعْذُورُونَ فِي ذَلِكَ الظَّنِّ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَنْتَهُوا بِنَهْيِهِ لِأَنَّهُمْ أَوَّلُوهُ بِأَنَّهُ نَاشِئٌ عَنْ كَرَاهِيَةِ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ رَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ الْعَفْوُ وَبِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ اهـ. وَفِيهِ تَسْلِيمٌ لِمَا قَالَهُ فَالْوَجْهُ مَا قُلْتُهُ فِي رَدِّهِ مِنْ مَنْعِ كَوْنِ ذَلِكَ خَطِيئَةً فَضْلًا عَنْ كَوْنِهَا عَظِيمَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - عَمَّا إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ لَعَنَ اللَّهُ وَالِدَيْك فَهَلْ يُعَزَّرُ الْقَائِلُ مَثَلًا أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِاللَّعْنِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ الظَّاهِرِ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُعَزَّرُ لِأَنَّ ذَلِكَ اشْتَهَرَ فِي أَلْفَاظِ الْعَوَامّ بِمَعْنَى اللَّعْنِ وَلَا يَفْهَمُونَ وَلَا يَقْصِدُونَ مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا فِي الْقَذْفِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِتَأْنِيثِ الْمُذَكَّرِ وَعَكْسِهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظُ يَفْهَمُهُ كُلُّ أَحَدٍ وَلَوْ مَعَ تَأْنِيثِ الْمُذَكَّرِ وَعَكْسِهِ فَكَذَا هُنَا الْمُرَادُ مِنْ هَذَا اللَّفْظُ يَفْهَمُهُ كُلُّ أَحَدٍ فَلْيَجِبْ التَّعْزِيرُ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ لَائِقًا وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَعَدِّي اللَّائِقَ وَمِنْ ثَمَّ حَكَى ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهُ لَمَّا وُلِّيَ الْقَضَاءَ الْأَكْبَرَ بِمِصْرَ مَنَعَ نُوَّابَهُ مِنْ الضَّرْبِ بِالدِّرَّةِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِتَعْيِيرِ الشَّخْصِ وَتَعْيِيرِ ذُرِّيَّتِهِ بِذَلِكَ عَلَى الدَّوَامِ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ لَا يَلِيقُ بِهِ الضَّرْبُ بِهَا لَا فِي نَحْوِ السَّفَلَةِ الَّذِينَ لَا يُبَالُونَ بِهَا وَلَا بِمَا هُوَ أَقْبَحُ مِنْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ بِمَا لَفْظُهُ كَثِيرًا مَا يَتَخَاصَمُ اثْنَانِ فَيُعَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِالْفَقْرِ، أَوْ رَعْيِ الْغَنَمِ مَثَلًا فَيَقُولُ الْآخَرُ الْأَنْبِيَاءُ كَانُوا فُقَرَاءَ وَيَرْعَوْنَ الْغَنَمَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ مَأْلُوفٌ فَمَا حُكْمُ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) عَفَا اللَّهُ ﵎ عَنْهُ بِقَوْلِهِ هَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُفْطَمَ عَنْهُ النَّاسُ غَايَةَ الْفَطْمِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَحْذُورَاتٍ لَا يُتَدَارَكُ خَرْقُهَا وَلَا يَرْتَقِعُ فَتْقُهَا وَكَيْفَ وَكَثِيرًا مَا يُوهِمُ ذَلِكَ الْعَامَّةَ إلْحَاقَ نَقْصٍ لَهُ ﷺ بِبَعْضِ صِفَاتِهِ الَّتِي هِيَ مِنْ كَمَالِهِ الْأَعْظَمِ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ ﷺ نَقِيصَةً فِي ذَاتِهِ كَالْأُمِّيَّةِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ عُرْفِ الْعَوَامّ الطَّارِئِ كَالْفَقْرِ وَرَعْيِ الْغَنَمِ فَتَعَيَّنَ الْإِمْسَاكُ عَنْ ذَلِكَ وَتَأَكَّدَ عَلَى الْوُلَاةِ وَالْعُلَمَاءِ مَنْعُ النَّاسِ مِنْ الْإِلْمَامِ بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَسَالِكِ فَإِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَهَالِكِ وَقَدْ بَالَغَ الْحَافِظُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ شَكَرَ اللَّهُ ﵎ سَعْيَهُ. فَأَفْتَى بِوُجُوبِ التَّعْزِيرِ الْبَلِيغِ عَلَى مَنْ عَيَّرَ وَلَدَهُ بِرَعْيِ الْمِعْزَى فَقَالَ مُسْتَدِلًّا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَقْصٍ الْأَنْبِيَاءُ رَعَوْا الْمِعْزَى؛ لِأَنَّ مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُضْرَبَ مَثَلًا لِآحَادِ النَّاسِ وَلَمْ يُبَالِ فِي هَذَا الْإِفْتَاءِ بِاعْتِرَاضِ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ عَلَيْهِ بِأَنَّ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَيْ بَلْ صَرِيحُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ أَكَابِرِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ مَحْذُورًا مِنْ تَنْقِيصٍ، أَوْ نَحْوِهِ وَإِنَّمَا قَصَدَ مُجَرَّدَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لَيْسَتْ بِنَقْصٍ لِأَنَّهُ ﷺ لَا يَتَحَلَّى إلَّا بِمَا هُوَ الْغَايَةُ فِي الْكَمَالِ لَا إثْم عَلَيْهِ وَلَا تَعْزِيرَ وَأَنَّ الْإِثْمَ وَالتَّعْزِيرَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا يُوَافِقُ قَوَاعِدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأُصُولَهُ الَّتِي بَسَطَ الْكَلَامَ فِيهَا صَاحِبُ الشِّفَاءِ حَيْثُ قَالَ أَمَّا مُلَخَّصُهُ الْوَجْهُ الْخَامِسُ أَنْ لَا يَقْصِدَ نَقْصًا وَلَا يَذْكُرُ عَيْبًا وَلَا سَبًّا وَلَكِنَّهُ يَنْزِعُ بِذِكْرِ بَعْضِ أَوْصَافَهُ أَوْ يَسْتَشْهِدُ بِبَعْضِ أَحْوَالِهِ ﵊ الْجَائِزَةِ عَلَيْهِ فِي الدِّينِ عَلَى طَرِيقِ ضَرْبِ الْمَثَلِ وَالْحُجَّةِ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ عَلَى التَّشَبُّهِ بِهِ، أَوْ عِنْدَ هَضْمَةٍ نَالَتْهُ، أَوْ غَضَاضَةٍ لَحِقَتْهُ لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ التَّأَسِّي وَطَرِيقِ التَّحْقِيرِ بَلْ عَلَى قَصْدِ التَّرْفِيعِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَعَدَمِ التَّوْقِيرِ لِنَبِيِّهِ

стр. 1178

- ﷺ أَوْ مَعَ قَصْدِ الْهَزْلِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ. إنْ قِيلَ فِي سُوءٌ، أَوْ كُذِّبْتُ أَيْ بِالتَّشْدِيدِ، أَوْ أَذْنَبْت فَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِلْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، أَوْ قَدْ صَبَرْت كَمَا صَبَرَ أَوْلَوْ الْعَزْمِ وَكَمَا وَقَعَ فِي أَشْعَارِ الْمُتَعَجْرِفِينَ فِي الْقَوْلِ الْمُتَسَاهِلِينَ فِي الْكَلَامِ كَالْمُتَنَبِّي وَالْمَعَرِّيِّ وَابْنِ هَانِئٍ الْأَنْدَلُسِيِّ بَلْ خَرَجَ كَثِيرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ إلَى حَدِّ الِاسْتِخْفَافِ وَالْكُفْرِ وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَهُ وَغَرَضُنَا الْآنَ بَيَانُ مَا سُقْنَا أَمْثِلَتَهُ فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا وَإِنْ لَمْ تَتَضَمَّنْ سَبًّا وَلَا أَضَافَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَقْصًا وَلَا قَصَدَ قَائِلُهَا إزْرَاءً، أَوْ غَضًّا فَمَا وَقَّرَ النُّبُوَّةَ وَلَا عَظَّمَ الرِّسَالَةَ حِين شَبَّهَ مَنْ شَبَّهَ فِي كَرَامَةٍ نَالَهَا، أَوْ مَعَرَّةٍ قَصَدَ الِانْتِفَاءَ عَنْهَا أَوْ ضَرْبَ مَثَلٍ لِتَطْيِيبِ مَجْلِسِهِ أَوْ إغْلَاءً فِي وَصْفٍ لِتَحْسِينِ كَلَامِهِ مِمَّنْ عَظَّمَ اللَّهُ خَطَرَهُ وَشَرَّفَ قَدْرَهُ وَأَلْزَمَ تَوْقِيرَهُ وَبِرَّهُ. وَنَهَى عَنْ جَهْرِ الْقَوْلِ لَهُ وَرَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ فَحَقُّ هَذَا إنْ دُرِئَ عَنْهُ الْقَتْلُ الْأَدَبُ وَالسِّجْنُ وَقُوَّةُ تَعْزِيرِهِ بِحَسَبِ شُنْعَةِ مَقَالِهِ وَمُقْتَضَى قُبْحِ مَا نَطَقَ بِهِ وَمَأْلُوفِ عَادَتِهِ لِمِثْلِهِ، أَوْ قَرِينَةِ كَلَامِهِ، أَوْ نَدَمِهِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْهُ وَلَمْ يَزَلْ الْمُتَقَدِّمُونَ يُنْكِرُونَ مِثْلَ هَذَا مِمَّنْ جَاءَ بِهِ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ عُيِّرَ بِالْفَقْرِ فَقَالَ تُعَيِّرُونِي بِالْفَقْرِ وَقَدْ رَعَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَنَمَ أَرَى أَنْ يُؤَدَّبَ لِأَنَّهُ عَرَّضَ بِذِكْرِهِ ﷺ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَعَنْ سَحْنُونَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ ﷺ عِنْدَ التَّعَجُّبِ إلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِسَابِ تَعْظِيمًا لَهُ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ . وَعَنْ الْفَاسِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ قِيلَ لَهُ اُسْكُتْ فَإِنَّك أُمِّيٌّ فَقَالَ أَلَيْسَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أُمِّيًّا فَكَفَّرَهُ النَّاسُ إطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ خَطَأٌ لَكِنَّهُ مُخْطِئٌ فِي هَذَا الِاسْتِشْهَادِ إذْ الْأُمِّيَّةُ فِيهِ ﷺ آيَةٌ لَهُ وَفِي هَذَا الْقَائِلِ نَقِيصَةٌ وَجَهَالَةٌ لَكِنَّهُ إذَا اسْتَغْفَرَ وَتَابَ تُرِكَ لِأَنَّ مَا طَرِيقُهُ الْأَدَبُ فَطَوَّعَ فَاعِلَهُ بِالنَّدَمِ عَلَيْهِ يُوجِبُ الْكَفَّ عَنْهُ وَعَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ إنَّهُ قَالَ فِيمَنْ نَقَّصَهُ غَيْرُهُ. فَقَالَ إنَّمَا يُرِيدُ نَقْصِي بِذَلِكَ أَنَا بَشَرٌ وَجَمِيعُ الْبَشَرِ يَلْحَقُهُمْ النَّقْصُ، حَتَّى النَّبِيُّ ﷺ ، يُطَالُ سَجْنُهُ وَأَدَبُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ السَّبَّ وَعَنْ غَيْرِهِ إنَّهُ قَالَ يُقْتَلُ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ الشِّفَاءِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا أَفْتَى بِهِ الْجَلَالُ مِنْ وُجُوبِ تَعْزِيرِ ذَلِكَ الْمُسْتَدِلِّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَقَامِ الَّذِي يَخْرُجُ اللَّفْظُ عَنْ مَوْضُوعِهِ إلَى إيهَامِ النَّقْصِ وَنَحْوِهِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ مَقَامُ خِصَامٍ وَتَبَرٍّ مِنْ نَقْصِ نُسِبَ إلَيْهِ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ بِخِلَافِهِ فِي مَقَامِ تَدْرِيسٍ أَوْ إفْتَاءٍ، أَوْ تَأْلِيفٍ، أَوْ تَقْرِيرٍ لِلْعِلْمِ بِحَضْرَةِ أَهْلِهِ فَإِنَّهُ لَا حَرَجَ فِيهِ إذْ لَا إيهَامَ فِيهِ حِينَئِذٍ بِوَجْهٍ وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي مَا حَاصِلُهُ أَيْضًا الْوَجْهُ السَّابِعُ أَنْ يَذْكُرَ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ ﷺ ، أَوْ يُخْتَلَفُ فِي جَوَازِهِ، أَوْ مَا يُمْكِنُ إضَافَتُهُ إلَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الْبَشَرِيَّةِ، أَوْ مَا اُمْتُحِنَ بِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ وَصَبَرَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، أَوْ ابْتِدَاءِ حَالِهِ وَمَا لَقِيَهُ مِنْ بُؤْسِ زَمَنِهِ، أَوْ مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ مُعَانَاةِ عَيْشِهِ ﷺ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الرِّوَايَةِ وَإِفَادَةِ الْعِلْمِ وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ نَقْصٌ وَلَا غَمْصٌ وَلَا إزْرَاءٌ لَا فِي ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَلَا فِي مَقْصَدِ اللَّافِظِ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِيهِ مَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفُهَمَاءِ طَلَبَةِ الدِّينِ وَيَجْنَبُ ذَلِكَ مَنْ عَسَاهُ لَا يَفْهَمُهُ، أَوْ يَخْشَى بِهِ فِتْنَةً اهـ. وَلَمَّا اُعْتُرِضَ عَلَى الْجَلَالِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْقَائِلَ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي عَيْرَةً وَلَا تَعْزِيرًا قَالَ لِلْمُعْتَرِضِ إنْ أَرَدْت مَا وَقَعَ فِي نَحْوِ دَرْسٍ، أَوْ مُذَاكَرَةٍ عُلِمَ فَمُسَلَّمٌ وَلَيْسَ هَذَا صُورَةَ وَاقِعَتِنَا وَإِنْ أَرَدْت عَيْنَ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ الَّتِي هِيَ سِبَابٌ وَخِصَامٌ فِي سُوقٍ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يُطْلِقُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِمَا قَدْ يُوجِبُ سَفْكَ دِمَائِهِمْ فَمَعَاذَ اللَّهِ وَحَاشَا الْمُفْتِينَ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ مَنْ قَالَ التَّعْزِيرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الْأَصْحَابَ لَمْ يَنُصُّوا عَلَيْهَا أَقُولُ لَهُ فَهَلْ نَصَّ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَعْزِيرَ فِيهَا حَتَّى يُقَدَّمَ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَيُنْسَبُ إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ثُمَّ تَنْزِلُ وَأَجَابَ عَمَّنْ قَالَ لَهُ إنَّمَا أَفْتَيْت فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ. فَإِنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَا نَصَّ فِيهَا لِلْأَصْحَابِ فَأَجَابَ فِيهَا بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَرَّرَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَسْأَلَةً لَا نَقْلَ فِيهَا عِنْدَنَا وَأَجَابَ فِيهَا بِمَذْهَبِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ فِي

стр. 1179

قَوَاعِدِنَا مَا يَنْفِيهِ وَسُئِلَ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَا نَقْلَ فِيهَا فَأَجَابَ بِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَدَارِكِ وَذَكَرَ فِي الْخَادِمِ مَسْحَ الْخُفِّ لِلْمُحْرِمِ وَقَالَ لَا نَقْلَ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا وَأَجَابَ بِالْمَنْقُولِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ثُمَّ قَالَ نَصَّ أَئِمَّةُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى التَّعْزِيرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَنُصَّ أَصْحَابُنَا عَلَى خِلَافِهِ وَلَا فِي قَوَاعِدِ مَذْهَبِنَا مَا يَنْفِيهِ فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ وَالْعَمَلُ بِهِ ثُمَّ قَالَ رَعْيُ الْغَنَمِ لَمْ يَكُنْ صِفَةَ نَقْصٍ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ لَكِنْ حَدَثَ الْعُرْفُ بِخِلَافِهِ. وَلَا يُسْتَنْكَرُ ذَلِكَ فَرُبَّ حِرْفَةٍ هِيَ نَقْصٌ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ وَفِي بَلَدٍ دُونَ بَلَدٍ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ كَلَامُ الْفُقَهَاءِ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ وَفِي الْمُرُوءَةِ فِي الشَّهَادَاتِ ثُمَّ قَالَ تَعْرِيضًا بِالْمُعْتَرِضِينَ عَلَيْهِ الْمُمَارَاةُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَالتَّدْلِيسُ وَقَصْدُ الِانْتِقَامِ بِالضَّغَائِنِ الْبَاطِنَةِ لَا يَضُرُّ إلَّا فَاعِلَهُ وَلَا يُصِيبُ الْمُشَنَّعَ عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرِهِ شَيْءٌ وَالْحَقُّ لِلْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ ذَكَرَ السُّبْكِيّ أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ يُخَاصِمُهُ كُلُّ صَالِحٍ لِأَنَّ لِكُلِّ صَالِحٍ فِيهَا حَقًّا حَيْثُ فِيهَا السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَكَذَلِكَ الْمُدَلِّسُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُخَاصِمُهُمْ كُلُّ الْأَنْبِيَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعِدَّتُهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا وَقَدْ قِيلَ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَمَا تَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَرَكْت حَدِيثَهُمْ خُصَمَاءَك عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ لَأَنْ يَكُونُوا خُصَمَائِي أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ خَصْمِي يَقُولُ لِي لِمَ لَمْ تَذُبَّ الْكَذِبَ عَنْ حَدِيثِي؟ وَكَذَلِكَ أَقُولُ لَأَنْ يَكُونَ كُلُّ أَهْلِ الْعَصْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خُصَمَائِي أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يُخَاصِمُنِي نَبِيٌّ وَاحِدٌ فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ هَلْ وَرَدَ أَنَّ ذَوِي الْهَيْئَاتِ لَا يُعَزَّرُونَ وَمَا الْمُرَادُ بِهِمْ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوَاعِدِهِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الصَّغِيرَةَ تُنْقِصُ الْوِلَايَةَ فَقَدْ جَهِلَ وَقَالَ إنَّ الْوَلِيَّ إذَا وَقَعَتْ مِنْهُ الصَّغِيرَةُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْأَئِمَّةِ وَالْحُكَّامِ تَعْزِيرُهُ عَلَيْهَا وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ ذَوِي الْهَيْئَاتِ لَا يُعَزَّرُونَ لِلْحَدِيثِ وَفَسَّرَهُمْ بِأَنَّهُمْ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُونَ بِالشَّرِّ فَيَزِلُّ أَحَدُهُمْ الزَّلَّةَ فَيُتْرَكُ وَفَسَّرَهُمْ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّهُمْ الَّذِينَ إذَا وَقَعَ مِنْهُمْ الذَّنْبُ تَابُوا وَنَدِمُوا اهـ. وَتَفْسِيرُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - أَظْهَرُ وَأَمْتَنُ وَالْحَدِيثُ الْمُشَارُ إلَيْهِ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْهَا «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إلَّا الْحُدُودَ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَمِنْهَا «تَجَاوَزُوا عَنْ زَلَّةِ ذَوِي الْهَيْئَةِ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَمِنْهَا «تَجَافُوا عَنْ عُقُوبَةِ ذَوِي الْمُرُوءَةِ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ﵎» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَمِنْهَا «تَجَافُوا عَنْ ذَنْبِ السَّخِيِّ فَإِنَّ اللَّهُ ﵎ آخِذٌ بِيَدِهِ كُلَّمَا عَثَرَ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْكَبِيرِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ. [بَابُ الرِّدَّةِ] (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَرَضِيَ عَنْهُ هَلْ يَحِلُّ اللَّعِبُ بِالْقِسِيِّ الصِّغَارِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَقْتُلُ صَيْدًا بَلْ أُعِدَّتْ لِلَعِبِ الْكُفَّارِ وَأَكْلُ الْمَوْزِ الْكَثِيرِ الْمَطْبُوخِ بِالسُّكَّرِ وَإِلْبَاسُ الصِّبْيَانِ الثِّيَابَ الْمُلَوَّنَةِ بِالصُّفْرَةِ تَبَعًا لِاعْتِنَاءِ الْكَفَرَةِ بِهَذِهِ فِي بَعْضِ أَعْيَادِهِمْ وَإِعْطَاءِ الْأَثْوَابِ وَالْمَصْرُوفِ لَهُمْ فِيهِ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ تَعَلُّقٌ مِنْ كَوْنِ أَحَدِهِمَا أَجِيرًا لِلْآخَرِ مِنْ قَبِيلِ تَعْظِيمِ النَّيْرُوزِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ الْكَفَرَةَ صَغِيرَهُمْ وَكَبِيرَهُمْ وَضَعِيفَهُمْ وَرَفِيعَهُمْ حَتَّى مُلُوكَهُمْ يَعْتَنُونَ بِهَذِهِ الْقِسِيِّ الصِّغَارِ وَاللَّعِبِ بِهَا وَبِأَكْلِ الْمَوْزِ الْكَثِيرِ الْمَطْبُوخِ بِالسُّكَّرِ اعْتِنَاءً كَثِيرًا وَكَذَا بِإِلْبَاسِ الصِّبْيَانِ الثِّيَابَ الْمُصَفَّرَةَ وَإِعْطَاءَ الْأَثْوَابِ وَالْمَصْرُوفِ لِمَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ وَلَيْسَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عِبَادَةُ صَنَمٍ وَلَا غَيْرِهِ وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْقَمَرُ فِي سَعْدِ الذَّابِحِ فِي بُرْجِ الْأَسَدِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا رَأَوْا أَفْعَالَهُمْ يَفْعَلُونَ مِثْلَهُمْ فَهَلْ يَكْفُرُ، أَوْ يَأْثَمُ الْمُسْلِمُ إذَا عَمِلَ مِثْلَ عَمَلِهِمْ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ تَعْظِيمِ عِيدِهِمْ وَلَا افْتِدَاءٍ بِهِمْ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ لَا كُفْرَ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ لَوْ شَدَّ الزُّنَّارَ عَلَى وَسَطِهِ، أَوْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ قَلَنْسُوَةَ الْمَجُوسِ لَمْ يَكْفُرْ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ اهـ. فَعَدَمُ كُفْرِهِ بِمَا فِي السُّؤَالِ أَوْلَى

стр. 1180

وَهُوَ ظَاهِرٌ بَلْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فِيهِ لَا يَحْرُمُ إذَا قَصَدَ بِهِ التَّشْبِيهَ بِالْكُفَّارِ لَا مِنْ حَيْثُ الْكُفْرُ وَإِلَّا كَانَ كُفْرًا قَطْعًا فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَصْدِ التَّشْبِيهِ بِهِمْ فِي شِعَارِ الْكُفْرِ كَفَرَ قَطْعًا، أَوْ فِي شِعَارِ الْعَبْدِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْكُفْرِ لَمْ يَكْفُرْ وَلَكِنَّهُ يَأْثَمُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّشْبِيهَ بِهِمْ أَصْلًا وَرَأْسًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ أَئِمَّتِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ ذَكَرَ مَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرْتُهُ فَقَالَ وَمِنْ أَقْبَحِ الْبِدَعِ مُوَافَقَةُ الْمُسْلِمِينَ النَّصَارَى فِي أَعْيَادِهِمْ بِالتَّشَبُّهِ بِأَكْلِهِمْ وَالْهَدِيَّةِ لَهُمْ وَقَبُولِ هَدِيَّتِهِمْ فِيهِ وَأَكْثَرُ النَّاسِ اعْتِنَاءً بِذَلِكَ الْمِصْرِيُّونَ وَقَدْ قَالَ ﷺ «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» بَلْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَبِيعَ نَصْرَانِيًّا شَيْئًا مِنْ مَصْلَحَةِ عِيدِهِ لَا لَحْمًا وَلَا أُدْمًا وَلَا ثَوْبًا وَلَا يُعَارُونَ شَيْئًا وَلَوْ دَابَّةً إذْ هُوَ مُعَاوَنَةٌ لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَعَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ مَنْعُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْهَا اهْتِمَامُهُمْ فِي النَّيْرُوزِ بِأَكْلِ الْهَرِيسَةِ وَاسْتِعْمَالِ الْبَخُورِ فِي خَمِيسِ الْعِيدَيْنِ سَبْعَ مَرَّاتٍ زَاعِمِينَ أَنَّهُ يَدْفَعُ الْكَسَلَ وَالْمَرَضَ وَصَبْغِ الْبَيْضِ أَصْفَرَ وَأَحْمَرَ وَبَيْعِهِ وَالْأَدْوِيَةُ فِي السَّبْتِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ سَبْتَ النُّورِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ سَبْتُ الظَّلَّامِ وَيَشْتَرُونَ فِيهِ الشَّبَثَ وَيَقُولُونَ إنَّهُ لِلْبَرَكَةِ وَيَجْمَعُونَ وَرَقَ الشَّجَرِ وَيَلْقُونَهَا لَيْلَةَ السَّبْتِ بِمَاءٍ يَغْتَسِلُونَ بِهِ فِيهِ لِزَوَالِ السِّحْرِ وَيَكْتَحِلُونَ فِيهِ لِزِيَادَةِ نُورِ أَعْيُنِهِمْ وَيَدَّهِنُونَ فِيهِ بِالْكِبْرِيتِ وَالزَّيْتِ وَيَجْلِسُونَ عَرَايَا فِي الشَّمْسِ لِدَفْعِ الْجَرَبِ وَالْحَكَّةِ وَيَطْبُخُونَ طَعَامَ اللَّبَنِ وَيَأْكُلُونَهُ فِي الْحَمَّامِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي اخْتَرَعُوهَا وَيَجِبُ مَنْعُهُمْ مِنْ التَّظَاهُرِ بِأَعْيَادِهِمْ اهـ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ شَخْصٍ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَأَوْصَى بِوَصَايَا لِوُجُوهِ الْخَيْرِ وَأَبْوَابِ الْبِرِّ وَعَيَّنَ وَرَثَتَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ عَقْلِهِ وَوُفُورِ رَأْيِهِ ثُمَّ إنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ كَلَامٌ يُوجِبُ إمَّا الِارْتِدَادُ مَثَلًا أَوْ الِاخْتِلَاطُ وَذَلِكَ بِأَنْ قَالَ لِبَعْضِ الْحَاضِرِينَ أَنْتَ النَّبِيُّ، أَوْ أَنْتَ اللَّهُ فَهَلْ يُجْعَلُ ذَلِكَ اخْتِلَاطًا مِنْهُ فَتُلْغَى بِهِ الْوَصِيَّةُ أَمْ يُجْعَلُ ارْتِدَادًا أَمْ يُحْسَنُ الظَّنُّ بِهِ وَيُؤَوَّلُ كَلَامُهُ وَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا ﵏ ﵎ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِمُحْتَمِلٍ لِلْكُفْرِ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ حَتَّى يُسْتَفْسَرَ وَإِنَّ لِلشَّاهِدِ اعْتِمَادَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرَائِنُ الْقَوِيَّةُ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى تَقْدِيرِ اسْتِفْهَامٍ أَيْ أَأَنْتَ كَذَا حَتَّى يُؤْخَذَ بِقَوْلِك مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ وَلَا تَلَعْثُمٍ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِكُفْرٍ وَلَا بِاخْتِلَاطٍ فَتُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ وَإِنْ لَمْ تَدُلّ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ ظَهَرَ لِلشَّاهِدَيْنِ مِنْ حَالِهِ مَا يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِاخْتِلَاطِهِ فَلَا رِدَّةَ وَلَا وَصِيَّةَ إنْ قَارَنَهَا الِاخْتِلَاطُ أَيْضًا، أَوْ بِعَقْلِهِ حُكِمَ بِرِدَّتِهِ وَبَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ إنْ اسْتَمَرَّ عَلَى ارْتِدَادِهِ إلَى مَوْتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ الصِّيَالِ] (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَمَّا إذَا نَطَحَتْ بَهِيمَةٌ بَهِيمَةً أُخْرَى فَهَلَكَتْ مَثَلًا أَوْ تَلِفَ مِنْهَا عُضْوٌ مَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إذَا نَطَحَتْ بَهِيمَةٌ بَهِيمَةً أُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ النَّاطِحَةُ مَعَ مَالِكِهَا، أَوْ نَحْوِ مُسْتَأْجِرِهَا، أَوْ مُسْتَعِيرِهَا ضَمِنَ فِعْلَهَا مُطْلَقًا لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا رَاكِبًا كَانَ، أَوْ سَائِقًا، أَوْ قَائِدًا وَكَذَا لَوْ كَانَتْ مَعَ غَاصِبٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ ضَمِنَ مَنْ هِيَ تَحْتَ يَدِهِ مَا أَتْلَفَتْهُ لَيْلًا لَا نَهَارًا إنْ تَعَوَّدُوا الْإِرْسَالَ فِيهِ فَقَطْ فَإِنْ تُعَوَّدُوهُ فِيهِمَا فَلَا ضَمَانَ مُطْلَقًا، أَوْ لَمْ يَتَعَوَّدُوهُ فِيهِمَا ضَمِنَ مُطْلَقًا وَإِنْ تَعَوَّدُوهُ لَيْلًا فَقَطْ لَمْ يَضْمَنْ فِيهِ وَضَمِنَ فِي النَّهَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَمَّا إذَا أَمَرَا بِنْتَيْهِمَا الصَّغِيرَتَيْنِ بِرَعْيِ بَقَرَتَيْنِ لَهُمَا فَنَطَحَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَقَتَلَتْهَا فَمَنْ يَضْمَنُهَا وَعَنْ الْعِمْرَانِيِّ وُجُوبُ الضَّمَانِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِاعْتِيَادِ النَّاطِحَةِ لِلنَّطْحِ وَقَيَّدَهُ ابْنُ عُجَيْلٍ بِهِ قَالَ فَفِي الْمَرَّةِ الْأُولَى لَا ضَمَانَ وَتَبِعَهُ بَعْضُهُمْ فَأَفْتَى بِهِ بَلْ شَرَطَ ابْنُ عُجَيْلٍ لِضَمَانِ مَالِكِ النَّاطِحَةِ اعْتِيَادَهَا النَّطْحَ وَعَلِمَ مَالِكُهَا بِهِ مِنْهَا وَعَدَمُ حِفْظِهِ لَهَا وَعَنْ الْعِمْرَانِيِّ أَيْضًا أَنَّ مَحَلَّ الضَّمَانِ إذَا أَمْكَنَ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ دَفَعَهَا وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ يَضْمَنُ وَإِنْ غَلَبَتْهُ لِكَوْنِهَا تَحْتَ يَدِهِ وَهَلْ الضَّمَانُ حَيْثُ وَجَبَ فِي مَالِ الْمَالِكِ، أَوْ الرَّاعِي سَوَاءٌ الْمَالِ وَالْآدَمِيِّ. (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ

стр. 1181

وَبَرَكَتِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ ذَكَرُوا فِيمَا إذَا أَرْكَبَ صَغِيرَيْنِ أَجْنَبِيٌّ وَتَلِفَ بِسَبَبِ رُكُوبِهِمَا شَيْءٌ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُرْكِبُ الْوَلِيَّ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ لِمَصْلَحَتِهِمَا مَعَ ضَبْطِهِمَا لِلْمَرْكُوبِ فَكَمَا لَوْ رَكِبَا بِأَنْفُسِهِمَا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا فَكَذَا يُقَالُ هُنَا إذَا أَمْكَنَ الْوَلِيَّانِ الصَّغِيرَيْنِ مِنْ الرَّعْيِ الَّذِي لَهُمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِكَوْنِهِ بِأُجْرَةٍ أَوْ لِمِلْكِهِمَا نَفْسَهُمَا وَهُمَا مِمَّنْ يُضْبَطُ لِمِثْلِ مَا فِي أَيْدِيهِمَا ضَمِنَتْ رَاعِيَةُ النَّاطِحَةِ الْمَنْطُوحَةَ لِتَمَكُّنِهَا مِنْ رَدِّهَا. وَمِنْ ثَمَّ لَوْ انْفَلَتَتْ مِنْهَا وَعَجَزَتْ عَنْ رَدِّهَا فَأَتْلَفَتْ حِينَئِذٍ شَيْئًا لَمْ تَضْمَنْهُ الرَّاعِيَةُ لِخُرُوجِهَا عَنْ يَدِهَا وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُمْ لَوْ انْفَلَتَتْ الْبَهِيمَةُ فَلَا ضَمَانَ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَكِبَتْ رَأْسَهَا وَعَجَزَ عَنْ ضَبْطِهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مُتْلِفَهَا لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ فَهُوَ الْمُقَصِّرُ بِرُكُوبِ مَا لَا يَضْبُطُهُ وَكَأَنَّ مَنْ اشْتَرَطَ اعْتِيَادَ النَّطْحِ أَخَذَهُ مِمَّا قَالُوهُ فِي الْهِرَّةِ أَنَّهَا إذَا اعْتَادَتْ الْإِتْلَافَ وَجَبَ ضَبْطُهُمَا وَضَمِنَ مُتْلَفَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَعْتَدِ ذَلِكَ لَا ضَمَانَ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْعَادَةَ حِفْظُ الطَّعَامِ عَنْهَا وَلَا دَلِيلَ فِي هَذَا عَلَى أَنَّ الْبَهِيمَةَ كَذَلِكَ فَالْأَوْجَهُ مَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ضَمَانِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي فِي يَدِهِ بَيْنَ الْمُتَعَوِّدَةِ لِلنَّطْحِ وَغَيْرِهَا وَحَيْثُ وَجَبَ ضَمَانٌ فَهُوَ فِي مَالِ الضَّامِنِ إنْ كَانَ الْمُتْلَفُ غَيْرَ آدَمِيٍّ وَإِلَّا فَعَلَى الْعَاقِلَةِ. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ بِمَا صُورَتُهُ ذَكَرَ ابْنُ الْعِمَادِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْهِرِّ فَمَا حَاصِلُهَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ الْحَاصِلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْهِرِّ وَإِنْ أَفْسَدَ عَلَى الْمَنْقُولِ الْمُعْتَمَدِ بَلْ يَجِبُ عَلَى دَافِعِهِ أَنْ يُرَاعِي التَّرْتِيبَ وَالتَّدْرِيجَ فِي الدَّفْعِ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ كَمَا يُرَاعِيهِ دَافِعُ الصَّائِلِ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ﵀ ﵎ يَجُوزُ قَتْلُهُ ابْتِدَاءً إذَا عُرِفَ بِالْإِفْسَادِ قِيَاسًا عَلَى الْفَوَاسِقِ الْخَمْسَةِ نَعَمْ يَجُوزُ قَتْلُهُ عَلَى الْأَوَّلِ الْمُعْتَمَدِ فِي صُورَةٍ وَهِيَ مَا إذَا أَخَذَ شَيْئًا وَهَرَبَ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ فَلَهُ رَمْيُهُ بِنَحْوِ سَهْمٍ لِيَعُوقَهُ عَنْ الْهَرَبِ. وَإِنْ أَدَّى إلَى قَتْلِهِ وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ أُنْثَى حَامِلًا وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ رَمْيُهَا مُطْلَقًا رِعَايَةً لِحَمْلِهَا إذْ هُوَ مُحْتَرَمٌ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ جِنَايَةٌ فَلَا يُهْدَرُ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِ وَأَمَّا تَخْرِيجُ الْبَغَوِيِّ لِذَلِكَ فِي فَتَاوِيهِ عَلَى تَتَرُّسِ الْمُشْتَرَكِينَ بِالْمُسْلِمِينَ فَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ تِلْكَ حَالَةُ ضَرُورَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فَسَادٌ عَامٌّ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا مَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ فَسَادَهُ خَاصٌّ وَالْأُمُورُ الْعَامَّةُ يُغْتَفَرُ لِأَجَلِهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ لِأَجْلِ الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَيُسْتَحَبُّ تَرْبِيَةُ الْهِرِّ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» وَيَصِحُّ بَيْعُ الْهِرِّ الْأَهْلِيِّ وَالنَّهْيُ عَنْ ثَمَنِ الْهِرِّ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَحْشِيِّ وَيَجُوزُ أَكْلُ الْهِرِّ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ وَيُسْتَحَبُّ إكْرَامُهُ وَيَجِبُ عَلَى مَالِكِهِ إطْعَامُهُ إنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِخَشَاشِ الْأَرْضِ وَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ فَإِنْ أَكَلَ نَجَاسَةً فَفِي وَجْهٍ اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ فَعَلَيْهِ لَوْ غَابَ وَاحْتَمَلَ طُهْرُ فَمِهِ بِشُرْبِهِ مِنْ مَاءٍ كَثِيرٍ، أَوْ قَلِيلٍ جَازَ، أَوْ مُكَدَّرٍ بِتُرَابٍ إنْ أَكَلَ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً لَمْ يَنْجُسْ مَا وَلَغَ فِيهِ لَكِنَّ فَمَهُ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِيهِ وَفِيمَا وَلَغَ فِيهِ لِمَا قَرَّرْتُهُ فِي شَرْحَيْ الْإِرْشَادِ وَالْعُبَابِ وَلَوْ صَادَ نَحْوَ حَمَامَةٍ وَجَبَ تَخْلِيصُهُ مِنْهُ لِحُرْمَةِ رُوحِهِ إذْ يَحْرُمُ قَتْلُهُ بِغَيْرِ الذَّبْحِ وَلَوْ صَادَ هِرٌّ مَمْلُوكٌ بِنَفْسِهِ لَمْ يَدْخُلْ مَا صَادَهُ فِي مِلْكِ صَاحِبِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ فَقَبْلَهُ يَمْلِكُهُ مَنْ أَخَذَهُ بِخِلَافِ قَنِّهِ إذَا احْتَطَبَ، أَوْ احْتَشَّ، أَوْ صَادَ لِأَنَّ لَهُ قَصْدًا صَحِيحًا وَيَدُهُ كَيَدِ سَيِّدِهِ فَمَلَكَ مَا صَادَهُ مُطْلَقًا وَلَا يَجُوزُ لِلضَّيْفِ أَنْ يُطْعِمَ الْهِرَّ إلَّا أَنْ أَذِنَ لَهُ الْمَالِكُ، أَوْ ظَنَّ رِضَاهُ أَوْ كَانَ الْهِرُّ مُضْطَرًّا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيرُهُ لَوْ أَكَلَ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الْحِفْظَ وَلَوْ وَجَدَ نَحْوَ لَحْمَةٍ مَعَ هِرٍّ لَمْ يَجُزْ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ إنْ عَلِمَ أَنَّ مَالِكَهَا تَبَرَّعَ بِهَا عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَاعْتِيدَ أَنَّ مِثْلَهَا يُرْمَى لَهُ وَإِلَّا كَدَجَاجَةٍ وَرَغِيفِ سُنَّ أَخَذَهُ مِنْهُ وَيَكُونُ لُقْطَةً فَيَجِبُ تَعْرِيفُهُ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي نَحْوِ الْكَلْبِ وَكُلُّ مَا يُطْعِمُهُ الْإِنْسَانُ لِهِرٍّ أَوْ حَيَوَانٍ آخَرَ يُثَابُ عَلَيْهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ. وَفَسَّرَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵀ ﵎ الْمَحْرُومَ فِي الْآيَةِ بِالْكَلْبِ وَيَجُوزُ حَبْسُ الْهِرِّ وَإِطْعَامُهُ وَلَا نَظَرَ لِمَا فِي الْحَبْسِ مِنْ الْعُقُوبَةِ لِأَنَّهَا يَسِيرَةٌ مُحْتَمَلَةٌ وَكَذَا الطَّائِرُ وَفِي شَرْحِ التَّعْجِيزِ لِابْنِ يُونُسَ إنَّ الْقَفَصَ لِلطَّائِرِ كَالْإِصْطَبْلِ لِلدَّابَّةِ وَدَلِيلُ جَوَازِ حَبْسِهِمَا خَبَرُ الْبُخَارِيِّ

стр. 1182

وَغَيْرِهِ «أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» فَأَفْهَمَ أَنَّهَا لَوْ حَبَسَتْهَا وَأَطْعَمَتْهَا جَازَ وَلَمْ يَدْخُلْ النَّارَ بِسَبَبِهَا وَخَبَرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ «كَانَ إذَا دَخَلَ دَارَ خَادِمِهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - لِزِيَارَةِ أُمِّهِ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهَا - يَقُولُ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» يُمَازِحُهُ عَنْ طَيْرٍ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ وَيَحْبِسُهُ عِنْدَهُ وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَتْلَ الْهِرِّ كَبِيرَةٌ لِلتَّوَعُّدِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ نَعَمْ اخْتَلَفُوا فِي إسْلَامِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ وَاَلَّذِي رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهَا - أَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَةً وَالْخَشَاشُ مُثَلَّثٌ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا يُسْتَتَرُ مِنْ صِغَارِ الْحَيَوَانِ بِالشُّقُوقِ كَالْفَأْرِ. [بَابُ الزِّنَا] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ «الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنْ الزِّنَا» وَقَوْلُهُ: ﷺ «الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنْ ثَلَاثِينَ زَنْوَةً فِي الْإِسْلَامِ» مَعَ أَنَّهَا صَغِيرَةٌ وَالزِّنَا كَبِيرَةٌ وَهَلْ الزِّنَا مِنْ الذُّنُوبِ الَّتِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ فَلَا يَحْتَاجُ فِي التَّوْبَةِ مِنْهُ إلَى اسْتِحْلَالٍ مِنْ أَحَدٍ، أَوْ هُوَ مِنْ الذُّنُوبِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْآدَمِيِّينَ فَيَحْتَاجُ إلَى اسْتِحْلَالٍ مِنْ قَرَابَةِ الْمَزْنِيِّ بِهَا وَمِنْ زَوْجِهَا إنْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً وَمَا ضَابِطُ الذَّنْبِ الْمُتَعَلِّقِ بِاَللَّهِ وَالذَّنْبِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْآدَمِيِّ أَفْتُونَا بِجَوَابٍ وَاضِحٍ مَبْسُوطًا أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ. (فَأَجَابَ) ﵀ ﵎ بِقَوْلِهِ حَدِيثُ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمَا - «إيَّاكُمْ وَالْغِيبَةَ فَإِنَّ الْغِيبَةَ أَشَدُّ مِنْ الزِّنَا» رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِلَفْظِ «الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنْ الزِّنَا» وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى تُبَيِّنُ مَعْنَاهُ وَهِيَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمَا - أَيْضًا «إيَّاكُمْ وَالْغِيبَةَ فَإِنَّ الْغِيبَةَ أَشَدُّ مِنْ الزِّنَا إنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَزْنِي فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَإِنَّ صَاحِبَ الْغِيبَةِ لَا يُغْفَرُ لَهُ حَتَّى يَغْفِرَ لَهُ صَاحِبُهُ» فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ أَشَدِّيَّةَ الْغِيبَةِ عَلَى الزِّنَا لَيْسَتْ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّوْبَةَ الْبَاطِنَةَ الْمُسْتَوْفِيَةَ لِجَمِيعِ شُرُوطِهَا مِنْ النَّدَمِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْصِيَةُ وَالْإِقْلَاعُ وَعَزْمٌ أَنْ لَا يَعُودَ مَعَ عَدَمِ الْغَرْغَرَةِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا مُكَفِّرَةٌ لِإِثْمِ الزِّنَا بِمُجَرَّدِهَا بِخِلَافِ الْغِيبَةِ فَإِنَّ التَّوْبَةَ وَإِنْ وُجِدَتْ فِيهَا هَذِهِ الشُّرُوطُ لَا تُكَفِّرُهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهَا اسْتِحْلَالُ صَاحِبِهَا مَعَ عَفْوِهِ فَكَانَتْ الْغِيبَةُ أَشَدَّ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ لَا مُطْلَقًا كَمَا شَهِدَ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَلَيْسَتْ صَغِيرَةً مُطْلَقًا بَلْ إنْ كَانَتْ فِي نَحْوِ حَمَلَةِ الْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ فَهِيَ كَبِيرَةٌ وَإِلَّا فَهِيَ صَغِيرَةٌ عَلَى نِزَاعٍ طَوِيلٍ فِيهَا. وَقَدْ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا كَبِيرَةٌ مُطْلَقًا وَعُلِمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ الزِّنَا لَا يَحْتَاجُ فِي التَّوْبَةِ مِنْهُ إلَى اسْتِحْلَالٍ وَهُوَ مَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَغَيْرِهِمَا وَصَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ وَسَتَأْتِي عِبَارَتُهُ وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَالَ التَّوْبَةُ الْبَاطِنَةُ الَّتِي بَيْنَ اللَّهِ ﵎ وَبَيْنَ الْعَبْدِ الْمَاحِيَةُ لِلْإِثْمِ تَنْقَسِمُ إلَى تَوْبَةٍ عَنْ ذَنْبٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ وَإِلَى تَوْبَةٍ عَنْ ذَنْبٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ فَالضَّرْبُ الْأَوَّلُ كَمُبَاشَرَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَتَقْبِيلُهَا مِنْ الصَّغَائِرِ وَالزِّنَا وَشُرْبُ الْخَمْرِ مِنْ الْكَبَائِرِ فَتَحْصُلُ التَّوْبَةُ فِيهِ بِالنَّدَمِ عَلَى مَا مَضَى وَالْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهِ وَالْإِقْلَاعِ عَنْهُ فِي الْحَالِ إنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ فِي الْحَالِ اهـ. ثُمَّ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الِاسْتِحْلَالِ فِي الزِّنَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْآدَمِيِّ مُطْلَقًا وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ السَّابِقِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ أَيْ مِنْ الْمَالِ وَنَحْوِهِ وَإِلَّا فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْأَعْرَاضِ وَالْأَنْسَابِ قَالُوا وَلِذَا اُخْتُصَّ بِالرَّجْمِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَعَاصِي وَكَانَتْ عُقُوبَتُهُ أَشَدَّ الْعُقُوبَاتِ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ فِيهِ حَقًّا لِأَقَارِبِ الْمَزْنِيِّ بِهَا وَلِزَوْجِهَا، أَوْ سَيِّدِهَا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ إنَّمَا لَمْ يُفَوَّضْ اسْتِيفَاءُ حَدِّ الزِّنَا لِأَوْلِيَاءِ الْمَزْنِيِّ بِهَا لِأَنَّهُمْ قَدْ لَا يَسْتَوْفُونَهُ خَوْفًا مِنْ الْعَارِ فَعُلِمَ أَنَّ فِيهِ حَقًّا لِآدَمِيٍّ لَكِنَّهُ لَيْسَ

стр. 1183

مِنْ الْحُقُوقِ الْمُقْتَضِيَةِ لِوُجُوبِ الِاسْتِحْلَالِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ زِيَادَةِ الْعَارِ وَالظَّنِّ الْغَالِبِ فَإِنَّ نَحْوَ الزَّوْجِ أَوْ الْقَرِيبِ إذَا ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ يُبَادِرْ إلَى قَتْلِ الزَّانِي، أَوْ الْمَزْنِيِّ بِهَا أَوْ إلَى قَتْلِهِمَا مَعًا فَلَمَّا تَرَتَّبَ عَلَى ذِكْرِهِ هَذَا لَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ بِاشْتِرَاطِهِ وَقَدْ صَرَّحَ بِنَحْوِ ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ فَقَالَ إنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الْعِبَادِ قَدْ تَكُونُ فِي الْمَالِ وَفِي النَّفْسِ وَفِي الْعِرْضِ وَفِي الْحُرُمِ وَفِي الدَّيْنِ فَأَمَّا الْمَالُ فَيَجِبُ رَدُّهُ عِنْدَ الْمُكْنَةِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لِفَقْرِهِ اسْتَحَلَّهُ مِنْهُ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِحْلَالِهِ لِغِيبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ وَأَمْكَنَ التَّصَدُّقَ عَنْهُ فَعَلَ وَإِلَّا فَلْيُكْثِرْ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَيَرْجِعْ إلَى اللَّهِ ﵎ وَيَتَضَرَّعْ إلَيْهِ فِي أَنْ يُرْضِيَهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَّا النَّفْسَ فَيُمَكِّنُهُ أَوْ وَلِيَّهُ مِنْ الْقِصَاصِ فَإِنْ عَجَزَ رَجَعَ إلَى اللَّهِ ﵎ فِي إرْضَائِهِ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَّا الْعِرْضُ فَإِنْ اغْتَبْتَهُ، أَوْ شَتَمْتَهُ، أَوْ بَهَتَّهُ فَحَقُّك أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَك بَيْنَ يَدَيْ مَنْ فَعَلْت ذَلِكَ عِنْدَهُ وَأَنْ تَسْتَحِلَّ مِنْ صَاحِبِهِ إنْ أَمْكَنَك هَذَا إذَا لَمْ تَخْشَ زِيَادَةَ غَيْظٍ وَتَهْيِيجِ فِتْنَةٍ فِي إظْهَارِ ذَلِكَ وَتَجْدِيدِهِ فَإِنْ خَشِيت ذَلِكَ فَالرُّجُوعُ إلَى اللَّهِ لِيُرْضِيَهُ عَنْك وَأَمَّا الْحُرُمُ فَإِنْ خُنْتَهُ فِي أَهْلِهِ، أَوْ وَلَدِهِ أَوْ نَحْوِهِ فَلَا وَجْهَ لِلِاسْتِحْلَالِ وَالْإِظْهَارِ لِأَنَّهُ يُوَلِّدُ فِتْنَةً وَغَيْظًا بَلْ تَتَضَرَّعُ إلَى اللَّهِ لِيُرْضِيَهُ عَنْك وَيَجْعَلَ لَهُ خَيْرًا كَثِيرًا فِي مُقَابَلَتِهِ فَإِنْ أَمِنْت الْفِتْنَةَ وَالْهَيْجَ وَهُوَ نَادِرٌ فَتَسْتَحِلُّ مِنْهُ وَأَمَّا فِي الدِّينِ فَإِنْ كَفَّرْتُهُ أَوْ بَدَّعْتُهُ، أَوْ ضَلَّلْتَهُ فَهُوَ أَصْعَبُ الْأُمُورِ فَتَحْتَاجُ إلَى تَكْذِيبِ نَفْسِك بَيْنَ يَدَيْ مَنْ قُلْت لَهُ ذَلِكَ وَأَنْ تَسْتَحِلَّ مِنْ صَاحِبِك إنْ أَمْكَنَك وَإِلَّا فَالِابْتِهَالُ إلَى اللَّهِ جِدًّا وَالنَّدَمُ عَلَى ذَلِكَ لِيُرْضِيَهُ عَنْك اهـ. وَسَكَتَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ بَلْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إنَّهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالتَّحْقِيقِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَيُشْبِهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ الْإِخْبَارُ أَيْ بِالْحَسَدِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُحَلِّلُهُ وَأَنْ يَتَوَلَّدَ مِنْهُ عَدَاوَةٌ وَحِقْدٌ وَأَذًى لِلْمُخْبِرِ ثُمَّ قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْمَحْسُودِ فَإِنْ كَانَ حَسَنَ الْخُلُقِ بِحَيْثُ يَظُنُّ أَنَّهُ يُحَلِّلُهُ تَعَيَّنَ إخْبَارُهُ لِيَخْرُجَ مِنْ ظُلَامَتِهِ بِيَقِينٍ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ إخْبَارَهُ يَجُرُّ شَرًّا وَعَدَاوَةً حَرُمَ إخْبَارُهُ قَطْعًا وَإِنْ تَرَدَّدَ فَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ عَدَمِ الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ فَإِنَّ النَّفْسَ الزَّكِيَّةَ نَادِرَةٌ وَرُبَّمَا جَرَّ ذَلِكَ حِقْدًا وَشَرًّا وَإِنْ حَلَّلَهُ بِلِسَانِهِ اهـ. فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْحَسَدِ مَعَ سُهُولَتِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ وَعَدَمِ مُبَالَاتِهِمْ بِهِ وَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ ﵀ ﵎ فِيهِ عَدَمَ الْإِخْبَارِ فَقَالَ الْمُخْتَارُ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إخْبَارُ الْمَحْسُودِ بَلْ لَا يُسْتَحَبُّ وَلَوْ قِيلَ يُكْرَهُ لَمْ يَبْعُدْ اهـ. فَمَا بَالُك بِالزِّنَا الْمُسْتَلْزِمِ أَنَّ الزَّوْجَ وَالْقَرِيبَ يَقْتُلُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ التَّوَهُّمِ فَكَيْفَ مَعَ التَّحَقُّقِ وَكُلُّ إثْمٍ لَا ضَرَرَ يَلْحَقُ الْآدَمِيَّ بِسَبَبِهِ هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِاَللَّهِ وَضِدُّهُ هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِالْآدَمِيِّ وَأَمَّا خَبَرُ «الْغِيبَةِ أَشَدُّ مِنْ ثَلَاثِينَ زَنْيَةً فِي الْإِسْلَامِ» فَلَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا فِي كُتِبَ الْحَدِيثِ طَوِيلِهَا وَمُخْتَصَرِهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَقَوْلُ السَّائِلِ زَنْوَةً صَوَابُهُ زَنْيَةٌ كَمَا عَبَّرْت بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَنْ قَوْلِ التَّاجِ السُّبْكِيّ ﵀ ﵎ وَخَمْسَةٌ مِنْ زُنَاةِ النَّاسِ خَامِسُهُمْ ... مَا نَالَهُ بِالزِّنَا شَيْءٌ مِنْ الضَّرَرِ وَالْقَتْلُ وَالرَّجْمُ وَالْجَلْدُ الْأَلِيمُ كَذَا التَّ ... غْرِيبُ وُزِّعَ فِي الْبَاقِينَ فَاعْتَبِرْ ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ صَوَّرَهُ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ قِيلَ إنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ سَأَلَ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ خَمْسَةٍ زَنَوْا بِامْرَأَةٍ فَوَجَبَ عَلَى وَاحِدٍ الْقَتْلُ وَآخَرَ الرَّجْمُ، وَالثَّالِثُ الْجَلْدُ وَالرَّابِعُ نِصْفُهُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْخَامِسِ شَيْءٌ فَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - بِأَنَّ الْأَوَّلَ ذِمِّيٌّ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ فَانْتَقَضَ عَهْدُهُ فَيُقْتَلُ وَالثَّانِي مُحْصَنٌ وَالثَّالِثُ بِكْرٌ وَالرَّابِعُ عَبْدٌ وَالْخَامِسُ مَجْنُونٌ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ رَوَى حَدِيثَ «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ رَوَاهُ كَثِيرُونَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمَا - وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ الْجَارُودِ وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ وَابْنُ لَكِنَّهُ ضَعَّفَهُ

стр. 1184

آخَرُونَ وَاعْتَرَضَ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ إنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي ثُبُوتِهِ أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ لَيْسَ قَدْحًا فِي ثُبُوتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الصَّحِيحَ قَدْ يَكُونُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ. وَقَدْ يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَهَذَا قَدْ يَكُونُ فِيهِ شُذُوذٌ، أَوْ غَرَابَةٌ وَنَحْوُهُمَا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْحَاكِمُ الصَّحِيحُ مِنْ الْحَدِيثِ يَنْقَسِمُ عَشَرَةَ أَقْسَامٍ خَمْسَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَخَمْسَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَهِيَ مُبَيَّنَةٌ فِي مَحَلِّهَا مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَأَى قَوْلَ التِّرْمِذِيِّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي حَدِيثِ «أَنَا دَارُ الْحِكْمَةِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا» هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ فَظَنَّ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، أَوْ مَوْضُوعٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُنْكَرُ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الضَّعِيفِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَمِنْ ثَمَّ اعْتَرَضَ الذَّهَبِيُّ إطْلَاقَ الْخَطِيبِ الْمُنْكَرَ عَلَى الْبَاطِلِ وَوَصَفَ الذَّهَبِيُّ عِدَّةَ أَحَادِيثَ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ حَتَّى الصَّحِيحَيْنِ بِالنَّكَارَةِ لِأَنَّهَا قَدْ تَرْجِعُ إلَى الْفَرْدِيَّةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا ضَعْفُ مَتْنِ الْحَدِيثِ فَضْلًا عَنْ بُطْلَانِهِ وَرَوَى حَدِيثَ السُّؤَالِ عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ وَنُوزِعَ فِيهِ وَأُجِيبُ عَنْهُ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ جَابِرٍ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ «مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوهُ» وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُرْجَمُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ أَحْصَنَ، أَوْ لَمْ يُحْصَنْ» وَصَحَّ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " أَنَّهُ " أَشْرَفَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِأَرْبَعَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَجِبُ الْقَتْلُ إلَّا عَلَى أَرْبَعَةٍ رَجُلٍ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ، أَوْ زَنَى بَعْد إحْصَانِهِ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ وَقَوْلُهُ: أَمَا عَلِمْتُمْ دَلِيل عَلَى اشْتِهَارِ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ السَّرِقَةِ] (وَسُئِلَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِبَرَكَتِهِ عَمَّنْ سَرَقَ آنِيَةً مَوْقُوفَةً لِلشُّرْبِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ مُصْحَفًا مَوْقُوفًا لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ وَهُوَ غَيْرُ قَارِئٍ فَهَلْ يُقْطَعُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ هُوَ كَالْقَنَادِيلِ الَّتِي لِلْوَقُودِ وَنَحْوِهَا وَقَدْ قَالُوا لَا قَطْعَ بِذَلِكَ فَهَذِهِ مَثَلُهَا وَلِابْنِ الْعِمَادِ احْتِمَالَانِ فِي الثَّانِيَةِ أَحَدُهُمَا يُقْطَعُ إنْ لَمْ يَكُنْ قَارِئًا إذْ لَا حَقَّ لَهُ وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ قَدْ يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَقْرَأُ لَهُ فِيهِ أَوْ يَتَعَلَّمُ وَيَقْرَأُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ لِلْأَوَّلِ وَجْهٌ وَجِيهٌ لِأَنَّهُمْ قَالُوا يُقْطَعُ الذِّمِّيُّ بِذَلِكَ وَاحْتِمَالُ تَعَلُّمِ هَذَا كَاحْتِمَالِ إسْلَامِ ذَاكَ لَكِنَّ الْفَرْقَ عَلَى الثَّانِي أَنَّ لِلْمُسْلِمِ فِي حَالِ عَدَمِ قِرَاءَتِهِ حَقًّا بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ حَالَ كُفْرِهِ لَا حَقَّ لَهُ فِي ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ فِيهِ لِإِسْمَاعِ الْحَاضِرِينَ لَمْ يُقْطَعُ قَطْعًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ السِّيَرِ] (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ فِي كُلِّ مَا يَعُمُّ نَفْعُهُ الْبَلَدَ كَعِمَارَةِ مَسَاجِدِهَا وَعِمَارَةِ سُورِهَا وَمُؤْنَةِ الْقَائِمِينَ بِحُصُونِهَا ذَكَرَ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ عَلَى أَهْلِ الْقُدْرَةِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلَدِ فَمَا الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْقُدْرَةِ هَلْ هُمْ كُلُّ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ أَمْ لَهُمْ حَدٌّ غَيْرُ ذَلِكَ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَالِي أَصْلَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَخُصَّ بَعْضَهُمْ بِالْقِيَامِ بِذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ يَخُصَّ الْبَعْضَ فِي وَقْتٍ وَالْبَعْضَ الْآخَرَ فِي وَقْتٍ آخَرَ، أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْزِيعُ بَيْنَهُمْ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ. وَهَلْ التَّوْزِيعُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ أَمْ عَلَى الرُّءُوسِ وَحَيْثُ قِيلَ إنَّهُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْفَقِيرَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَلَوْ كَانَتْ الْأَمْوَالُ عَقَارًا فَهَلْ التَّوْزِيعُ عَلَى قَدْرِ مِسَاحَةِ الْأَرْضِ، أَوْ قِيمَتِهَا وَكَذَا فِي النَّخِيلِ وَنَحْوِهَا هَلْ الِاعْتِبَارُ بِالْقِيمَةِ، أَوْ الْعَدَدِ فَالْمَسْأَلَةُ وَاقِعَةٌ وَإِلَيْكُمْ أَحْكَامُهَا رَاجِعَةٌ؟ (فَأَجَابَ) ﵀ ﵎ بِأَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ هُنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الْقُدْرَةِ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ مَا زَادَ عَلَى الْكِفَايَةِ سَنَةً كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَمِنْهَا أَيْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ. مَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الْمَعَايِشِ وَانْتِظَامِ أُمُورِ النَّاسِ كَدَفْعِ الضَّرَرِ

стр. 1185

عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِزَالَةِ فَاقَتِهِمْ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَإِطْعَامِ الْجَائِعِينَ وَإِغَاثَةِ الْمُسْتَغِيثِينَ فِي النَّائِبَاتِ فَكُلُّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّ أَصْحَابِ الثَّرْوَةِ وَالْمُرُوءَةِ إذَا لَمْ تَفِ الصَّدَقَاتُ الْوَاجِبَةُ بِسَدِّ حَاجَاتِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يُصْرَفُ إلَيْهَا فَلَوْ انْسَدَّتْ الضَّرُورَةُ فَهَلْ يَكْفِي ذَلِكَ أَمْ تُحْجَبُ الزِّيَادَةُ إلَى تَمَامِ الْكِفَايَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ وَجْهَانِ قُلْت قَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِهِ الْغِيَاثِيِّ يَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ الْمُوَاسَاةُ بِمَا زَادَ عَلَى الْكِفَايَةِ سَنَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. فَقَوْلُهُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الْمَعَاشِ وَانْتِظَامِ أُمُورِ النَّاسِ كَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِغَاثَةِ الْمُسْتَغِيثِينَ فِي النَّائِبَاتِ يَشْمَلُ عِمَارَةَ السُّورِ وَنَحْوَهَا مِمَّا يَضْطَرُّ النَّاسُ إلَيْهَا. وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ إلَّا عَلَى الْمُوسِرِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ عِنْدَهُ فَاضِلٌ عَنْ كِفَايَةِ سَنَةٍ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَنْقُولَةٌ فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَالْمُرَادُ بِكِفَايَةِ السَّنَةِ هُنَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ كِفَايَتُهُ وَكِفَايَةُ مُمَوَّنِهِ مَطْعَمًا وَمَلْبَسًا وَمَسْكَنًا وَدَوَاءً وَغَيْرَهُمَا مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَيُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِهِمَا هَذَا أَنَّ الْمُوسِرِينَ لَا يُخَاطَبُونَ بِنَحْوِ عِمَارَةِ السُّورِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ، أَوْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ وَجَارَ النَّاظِرُ فِي أَمْرِهِ فَلَمْ يَصْرِفْهُ فِي مَصَارِفِهِ، أَوْ اُحْتِيجَ لِصَرْفِهِ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ كَسَدِّ ثَغْرٍ يَعْظُمُ ضَرَرُهُ لَوْ تُرِكَ أَوْ حَالَتْ الظُّلْمَةُ دُونَهُ وَالرَّاجِحُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ الْمُطْلَقَيْنِ أَوَّلُهُمَا. وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي عِمَارَةِ السُّورِ إنَّمَا هُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ فَقَطْ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ مَنْ جَعَلَ عِمَارَةَ الْمَسْجِدِ كَعِمَارَةِ السُّورِ فَقَدْ أَبْعَدَ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ إذْ لَا تَتَوَقَّفُ صَلَاةٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَلَا نَظَرَ لِتَوَقُّفِ الِاعْتِكَافِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ نَادِرٌ وَغَيْرُ وَاجِبٍ وَالْوَاجِبُ مِنْهُ بِنَذْرٍ نُذِرَ فَلَا يَصْلُحُ حِينَئِذٍ غَيْرُ الْمَسْجِدِ مِمَّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ حَتَّى يُلْزَمَ الْمُوسِرُونَ بِبِنَائِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِدَفْعِ الضَّرَرِ أَنَّ عِمَارَةَ ذَلِكَ لَا يُخَاطَبُ بِهَا الْمُوسِرُونَ إلَّا إنْ تَحَقَّقَ، أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ عَدَمَ عِمَارَتِهِ يَكُونُ سَبَبًا لِتَلَفِ نَفْسٍ، أَوْ مَالٍ مُحْتَرَمٍ فَإِنْ قُلْت اعْتِبَارُ الْمُوسِرِ هُنَا بِمَنْ زَادَ مَالُهُ عَلَى كِفَايَةِ سَنَةٍ يُنَافِيهِ جَعْلُهُمْ الْمُوسِرَ فِي الْعَاقِلَةِ مَنْ يَمْلِكُ عِشْرِينَ دِينَارًا قُلْت يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَلْحَظَ التَّحَمُّلِ فِي الْعَاقِلَةِ أَنَّ الْقَبَائِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقُومُونَ بِنُصْرَةِ الْجَانِي مِنْهُمْ وَيَمْنَعُونَ أَوْلِيَاءَ الدَّمِ أَخْذَ حَقِّهِمْ فَأَبْدَلَ الشَّرْعُ تِلْكَ النُّصْرَةِ بِبَدَلِ الْمَالِ وَمَلْحَظُ سَدِّ الضَّرُورَةِ هُنَا وِقَايَةُ النَّفْسِ مِنْ التَّلَفِ، أَوْ نَحْوِهِ مِنْ غَيْرِ تَسَبُّبٍ مِنْ الْمُحْتَمَلِ فِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ لَا بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ أَصْلِيٍّ وَلَا عَارِضٍ وَمِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَعُودُ عَلَيْهِ فِي رَحِمِهِ وَقَرَابَاتِهِ فَلِذَلِكَ وُسِّعَ فِي أَمْرِهِ. وَلَمْ يُلْزَم بِذَلِكَ إلَّا حَيْثُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمُوَاسَاةِ وَلَا يَكُونُ مِنْهُمْ إلَّا إذَا زَادَتْ كِفَايَتُهُ عَلَى سَنَةٍ لِأَنَّ كَثِيرِينَ مِنْ أَئِمَّتِنَا حَرَّمُوا عَلَيْهِ الزَّكَاةَ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ التَّحَمُّلِ فِي الْعَاقِلَةِ فَإِنَّ سَبَبَهُ مِنْ الْمُحْتَمَلِ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ مَنْعُ الْجَانِي وَبِعَوْدِ نَفْعٍ عَلَى الْقَرِيبِ بِحِفْظِهِ مِنْ الْقَتْلِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ فَضُويِقَ فِي أَمْرِهِ وَأَلْزَمَ بِهِ غَيْرَ الْغَنِيِّ أَيْضًا وَهُوَ الْمُتَوَسِّطُ الَّذِي يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَوْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ فَإِنْ قُلْت قَدْ يَكُونُ مَعَهُ كِفَايَةُ سَنَةٍ وَيَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ فَهُوَ أَهْلٌ لَأَنْ يُوَاسِيهِ النَّاسُ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ مُوَاسَاةُ غَيْرِهِ قُلْت لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ مَعَهُ نِصَابٌ، أَوْ أَكْثَرُ وَقَامَ بِهِ وَصْفٌ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ سُقُوطُهَا عَنْهُ وَلَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِهِ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ، أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارٍ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعْطَاءُ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ وَالْأَحْكَامُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الِاعْتِبَارَاتِ وَإِنْ اتَّحَدَتْ الذَّوَاتُ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِي بَابِ اللَّقِيطِ أَنَّ الْأَغْنِيَاءَ إنْ أَمْكَنَ اسْتِيعَابُهُمْ قِسْطًا عَلَى رُءُوسِهِمْ فَإِنْ تَعَذَّرَ اسْتِيعَابُهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ قَسَّطَهَا عَلَى مَنْ رَآهُ مِنْهُمْ بِاجْتِهَادِهِ فَإِنْ اسْتَوُوا فِي اجْتِهَادِهِ تَخَيَّرَ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ يُقَسِّطُهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ لِأَنَّهُمْ اسْتَوَوْا كُلُّهُمْ فِي مِلْكٍ فَاضِلٍ عَنْ السَّنَةِ فَكُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّحَمُّلِ. وَحَيْثُ كَانُوا كُلُّهُمْ كَذَلِكَ فَتَخْصِيصُ أَحَدِهِمْ تَرْجِيحٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ فَلَزِمَهُ حَيْثُ أَمْكَنَهُ اسْتِيعَابَهُمْ أَنْ يُوَزِّعَهُ عَلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ رُءُوسِهِمْ دُونَ أَمْوَالِهِمْ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِيعَابَهُمْ فَإِنَّهُ يَجْتَهِدُ فِي التَّخْصِيصِ فَإِنْ اسْتَوَوْا تَخَيَّرَ وَلَا نَظَرَ إلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحَالَةِ الْأُولَى مِنْ اسْتِوَاءِ غُرْمِ صَاحِبِ أَلْفٍ

стр. 1186

وَصَاحِبِ مِائَةِ أَلْفٍ مَثَلًا لِأَنَّا لَا نَعْتَبِرُ قَدْرَ الزِّيَادَةِ عَلَى كِفَايَةِ سَنَةٍ حَتَّى نُوَزِّعَ الْمَغْرُومَ عَلَى نِسْبَتِهِ وَإِنَّمَا نَعْتَبِرُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فَاضِلٌ عَنْ كِفَايَتِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قَدْرِهِ ثُمَّ إذَا خَصَّهُ فِي التَّوْزِيعِ شَيْءٌ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا إذَا كَانَ الْفَاضِلَ فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ مِنْ الْفَاضِلِ وَبَعْضُهُ مِنْ كِفَايَةِ السَّنَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا الْبَعْضُ الَّذِي مِنْ الْفَاضِلِ وَسَقَطَ عَنْهُ مَا هُوَ مِنْ كِفَايَةِ السَّنَةِ وَوُزِّعَ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَوْ خَصَّهُ غُرْمُهُ مِنْ الْفَاضِلِ. فَإِنْ قُلْت إنَّمَا يَتَّجِهُ الْقِيَاسُ عَلَى مَا قَالُوهُ فِي اللَّقِيطِ إذَا كَانَ مُرَادُهُمْ بِالْغِنَى فِيهِ مَا قَالُوهُ فِي بَابِ السِّيَرِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَهُوَ مَنْ مَعَهُ فَاضِلٌ عَنْ كِفَايَةِ سَنَةٍ قُلْت الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ فِي الْبَابَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ مَنْ مَعَهُ مَا ذَكَرَ لِاتِّحَادِ مَلْحَظِهِمَا وَهُوَ سَدُّ الضَّرُورَةِ عَنْ ذَوِيهَا بَلْ مَا فِي اللَّقِيطِ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ مَا فِي السِّيَرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ نَفَقَةَ اللَّقِيطِ إنَّمَا لَزِمَتْ الْأَغْنِيَاءَ لِدَفْعِ ضَرُورَتِهِ فَهُوَ مِنْ إطْعَامِ الْجَائِعِ الْمَذْكُورِ فِي السِّيَرِ لَكِنَّهُمْ فِي اللَّقِيطِ ذَكَرُوا حُكْمَ تَعَدُّدِ الْمُنْفِقِ وَلَمْ يَذْكُرُوهُ فِي السِّيَرِ إحَالَةً عَلَى مَا قَدَّمُوهُ فِي اللَّقِيطِ ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْأَغْنِيَاءِ فِي اللَّقِيطِ مَا يَعُمُّ أَغْنِيَاءَ بَلَدِهِ وَغَيْرَهُمْ وَكَذَا يُقَالُ الْمُرَادُ بِهِمْ فِي السِّيَرِ ذَلِكَ فَمَا فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّهُ عَلَى أَهْلِ الْقُدْرَةِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلَدِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ التَّخْصِيصُ حَتَّى لَوْ اُضْطُرَّ أَهْلُ بَلَدٍ لِعِمَارَةِ سُورِهَا وَلَا غَنِيَّ فِيهِمْ لَمْ يَسْقُطْ الْخِطَابُ بِعِمَارَتِهِ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَغْنِيَاءِ الَّذِينَ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْبَلَدِ بَلْ يُخَاطَبُونَ بِهِ وَكَانَ تَخْصِيصُ أَهْلِ الْبَلَدِ لِأَنَّهُ الْأَيْسَرُ فَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَهُ جَمْعٌ مِنْ أَنَّ تَخْصِيصَهُمْ الِاقْتِرَاضَ وَالْإِنْفَاقَ إلَى اللَّقِيطِ بِأَغْنِيَاءِ بَلَدِهِ لَيْسَ لِلِاخْتِصَاصِ بِهِمْ بَلْ لِأَنَّهُ الْأَيْسَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ هَلْ يُشَمَّتُ الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ إذَا عَطَسَا وَإِنْ لَمْ يَحْمَدَا اللَّهَ ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ لَا يُشَمَّتُ عَاطِسٌ إلَّا إذَا حَمِدَ اللَّهَ وَأَسْمَعَ الْمُشَمِّتَ فَغَيْرُ الْحَامِدِ بِالْكُلِّيَّةِ وَالْحَامِدُ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُهُ مَنْ يُرِيدُ تَشْمِيتَهُ لَا يُسَنُّ تَشْمِيتُهُ سَوَاءٌ كَانَ تَرْكُهُ الْحَمْدَ، أَوْ الْجَهْرَ بِهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَحَاضِنُ الطِّفْلِ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ فِي النَّجَاسَاتِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا وَغَيْرِهَا فَلَا مَزِيَّةَ لِلْحَاضِنِ عَلَى غَيْرِهِ لِسُهُولَةِ اجْتِنَابِهِ لِلنَّجَاسَةِ عِنْدَ تَحَرِّي ذَلِكَ وَعَدَمُ السُّهُولَةِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النِّسَاءِ إنَّمَا هُوَ لِتَسَاهُلِهِنَّ وَعَدَمِ تَحَرِّيهِنَّ لِلطَّهَارَةِ وَالنَّظَافَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلْت) مَا حُكْمُ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ التَّدْرِيسِ وَفِي لَيَالِي رَمَضَانَ بَعْدَ الدُّعَاءِ عَقِبَ الْوِتْرِ وَالتَّرَاوِيحِ وَكَذَلِكَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَمَا الْأَرْحَامُ وَكَيْفَ كَيْفِيَّةُ صِلَتِهِمْ (فَأَجَبْت) بِقَوْلِي الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ صَرَائِحُ السُّنَّةِ وَصَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ حَيْثُ وُجِدَ تَلَاقٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ سُنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُصَافِحَ الْآخَرَ وَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ بِأَنْ ضَمَّهُمَا نَحْوُ مَجْلِسٍ وَلَمْ يَتَفَرَّقَا لَا تُسَنُّ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُصَافَحَةِ الَّتِي تُفْعَلُ عَقِبَ الصَّلَاةِ وَلَوْ يَوْمَ الْعِيدِ، أَوْ الدَّرْسِ أَوْ غَيْرِهِمَا بَلْ مَتَى وُجِدَ مِنْهُمَا تَلَاقٍ وَلَوْ بِحَيْلُولَةِ شَيْءٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِحَيْثُ يَقْطَعُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ سُنَّتْ وَإِلَّا لَمْ تُسَنَّ نَعَمْ التَّهْنِئَةُ بِالْعِيدِ وَالشُّهُورِ سُنَّةٌ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا وَاسْتَدَلَّ لَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَدْبِهَا نَدْبُ الْمُصَافَحَةِ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهَا السَّابِقُ وَالْمُرَادُ بِالْأَرْحَامِ الَّذِينَ يَتَأَكَّدُ بِرُّهُمْ وَتَحْرُمُ قَطِيعَتُهُمْ جَمِيعُ الْأَقَارِبِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، أَوْ الْأُمِّ وَإِنْ بَعُدُوا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي الْأَذْكَارِ يُسْتَحَبُّ اسْتِحْبَابًا مُتَأَكِّدًا زِيَارَةُ الصَّالِحِينَ وَالْإِخْوَانِ وَالْجِيرَانِ وَالْأَصْدِقَاءِ وَالْأَقَارِبِ وَإِكْرَامُهُمْ وَبِرُّهُمْ وَصِلَتُهُمْ وَضَبْطُ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ وَفَرَاغِهِمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ زِيَارَتُهُ لَهُمْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكْرَهُونَهُ وَفِي وَقْتٍ يَرْضَوْنَهُ وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ اهـ. وَبِهِ عُلِمَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ فَكَيْفَ كَيْفِيَّةُ صِلَتِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵀ عَنْ الْغَنَائِمِ الَّتِي لَمْ تُقْسَمْ الْقِسْمَةَ الشَّرْعِيَّةَ كَغَنَائِمِ هَذَا الزَّمَانِ إذَا وَصَلَ مِنْهَا شَيْءٌ إلَى مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْغَنِيمَةِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَثَلًا أَوْ لَا فَيَجِبُ الرَّدُّ إلَى الْأَمِيرِ الظَّالِمِ الَّذِي يَصْرِفُهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَمَا حُكْمُ اللَّهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي مِثْلِهَا وَعَنْ كُفَّارِ مِلِيبَارَ الَّذِينَ يَعْتَادُونَ إعَانَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِجْرَاءَ أَحْكَامِ الدِّينِ بَيْنَهُمْ لِأَنَّ عِمَارَةَ بُلْدَانِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ عَهْدٌ وَلَا قَوْلٌ بَلْ الْمُسْلِمُونَ رَعِيَّتُهُمْ

стр. 1187

وَيَسْكُنُونَ بِلَادَهُمْ وَيُسَلِّمُونَ الْعُشُورَ وَالْغَرَامَاتِ إلَيْهِمْ هَلْ هُمْ حَرْبِيُّونَ، أَوْ لَا وَهَلْ يَجُوزُ أَخْذُ الرِّبَا مِنْ الْحَرْبِيِّينَ وَالْخِيَانَةُ فِي مُبَايَعَتِهِمْ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا لَمْ يَدْفَعْ لَلْمُسْتَحِقِّينَ حُقُوقَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَفِي جَوَازِ أَخْذِ أَحَدِهِمْ شَيْئًا مِنْهُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا يَأْخُذُ مَا يُعْطَى وَهُوَ حِصَّتُهُ وَالْبَاقُونَ مَظْلُومُونَ. قَالَ وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْمَالَ لَيْسَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كَالْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لَهُمْ حَتَّى لَوْ مَاتُوا قَسَمَ بَيْنَ وَرَثَتِهِمْ وَهُنَا لَوْ مَاتَ لَمْ يَسْتَحِقَّ وَارِثُهُ شَيْئًا حَكَاهُ عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَأَقَرَّهُ ثَانِيهَا الْمَنْعُ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ وَلَا يَدْرِي نَصِيبَهُ مِنْهُ قَالَ وَهَذَا غُلُوٌّ لَكِنْ جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي قَوَاعِدِهِ اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَبِمَا قَرَّرَهُ يُعْلَمُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْغَنِيمَةِ وَغَيْرِهَا فَعَلَى الْأَوَّلِ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ إذَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ مِنْ فَيْءٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ كَالْجِزْيَةِ وَالْعُشُورِ وَمَالِ ذِمِّيٍّ مَاتَ بِلَا وَارِثٍ وَمَا فَضَلَ عَنْ وَارِثِهِ غَيْرِ الْمُسْتَغْرِقِ. وَكَذَا خُمْسُ الْغَنِيمَةِ إذَا قَسَمَهَا الْإِمَامُ وَأَعْطَى الْغَانِمِينَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِمْ وَأَبْقَى الْخُمْسَ الْآخَرَ فَإِذَا وَصَلَ مِنْ ذَلِكَ الْخُمْسِ شَيْءٌ لِمَنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ جَازَ لَهُ أَخْذُهُ كَمَا مَرَّ أَمَّا إذَا لَمْ يَقْسِمْ لِلْغَانِمَيْنِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْءٌ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخْذَهُ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ مِنْ أَنَّ الْغَانِمِينَ شُرَكَاءُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَالْمَالُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْخُمْسِ فَهُمْ شُرَكَاءُ لِأَهْلِ الْخُمْسِ وَأَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَبِدَّ مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَذْرَةً إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ، أَوْ شُرَكَائِهِ وَإِنَّمَا جَازَ فِي نَحْوِ الْفَيْءِ مَا مَرَّ لِمَا قَرَّرَهُ الْغَزَالِيُّ مِنْ أَنَّ الشَّرِكَةَ فِي غَيْرِ الْغَنِيمَةِ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لَا تَنْتَقِلُ حِصَّتُهُ لِوَارِثِهِ بِخِلَافِ الْغَانِمِينَ فَإِنَّ شِرْكَتَهُمْ حَقِيقِيَّةٌ إذْ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ تَنْتَقِلُ حِصَّتُهُ لِوَارِثِهِ وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا أَوْ عَادِلًا وَالْكُفَّارُ الْمَذْكُورُونَ حَرْبِيُّونَ وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَجُوزُ مُعَامَلَتُهُمْ بِالرِّبَا وَلَا خِيَانَتُهُمْ فِي كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ وَلَا غَيْرِهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأَئِمَّةُ وَبَسَطُوا الْكَلَامَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ هَلْ يَصِحُّ شِرَاءُ الْمُسْلِمِ أَطْفَالَ الْكُفَّارِ مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ الْكَفَرَةِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) ﵀ بِقَوْلِهِ لَا يُمْكِنُ شِرَاءُ الْوَلَدُ مِنْ أَبِيهِ، أَوْ أُمِّهِ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْبَيْعِ الْمِلْكُ فِي الْمَبِيعِ لِمَنْ وَقَّعَ لَهُ عَقْدَ الْبَيْعِ وَهَذَا مُتَعَذَّرٌ هُنَا لِأَنَّ الْوَالِدَ مَتَى مَلَكَ ابْنَهُ بِأَنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَقَصَدَ تَمَلُّكَهُ بِذَلِكَ عَتَقَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُمْكِنْ اجْتِمَاعُ الْوَالِدِيَّةِ وَالْمِلْكِيَّةِ فَإِنْ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِيلَاءٍ وَقَصَدَ تَمَلُّكَهُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ أَيْضًا لِعَدَمِ الْمِلْكِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْحَرْبِيِّينَ أَمَّا مَنْ بِدَارِنَا بِأَمَانٍ فَلَا يُمْكِنُ تَمَلُّكُ الْوَالِدِ لِابْنِهِ بِقَهْرٍ؛ لِأَنَّ دَارَنَا دَارُ إنْصَافٍ بِخِلَافِ دَارِهِمْ وَلِمَنْ اشْتَرَى حَرْبِيًّا مِنْ أَبِيهِ، أَوْ أُمِّهِ وَأَنَّهُ إذَا صَارَ بِيَدِهِ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ وَيَقْصِدُ تَمَلُّكَهُ فَحِينَئِذٍ يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ لَا بِعَقْدِ الشِّرَاءِ لِعَدَمِ إمْكَانِهِ كَمَا عَلِمْت، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) هَلْ يَلْزَمُ رَدُّ جَوَابِ الْكِتَابِ وَلَوْ بَلَغَ السَّلَامُ فِي كِتَابٍ هَلْ يَلْزَمُ التَّلَفُّظُ بِرَدِّهِ عَلَى الْكَاتِبِ وَالرَّسُولِ وَمَا فَائِدَةُ التَّلَفُّظِ مَعَ غَيْبَةِ الْكَاتِبِ وَالرَّسُولِ اُبْسُطُوا الْجَوَابَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ يُسَنُّ السَّلَامُ عَلَى الْغَائِبِ إمَّا بِرَسُولِهِ وَإِمَّا بِكِتَابِهِ وَيَلْزَمُ الرَّسُولُ إذَا رَضِيَ بِتَحَمُّلِهِ بِالْإِبْلَاغِ وَأَمَّا الْمُرْسَلُ إلَيْهِ فَلَزِمَهُ الرَّدُّ فَوْرًا ثُمَّ إنْ كَانَ السَّلَامُ عَلَيْهِ بِالْإِرْسَالِ لَزِمَهُ الرَّدُّ بِاللَّفْظِ وَإِنْ كَانَ بِالْكِتَابَةِ لَزِمَهُ الرَّدُّ بِهَا، أَوْ بِاللَّفْظِ وَيُنْدَبُ الرَّدُّ عَلَى الرَّسُولِ أَيْضًا وَتَقْدِيمُهُ فَيَقُولُ وَعَلَيْك وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَأَنَّ سَبَبَ عَدَمِ جَعْلِهِمْ قَوْلَهُ وَعَلَيْك السَّلَامُ قَاطِعًا لِفَوْرِيَّةِ الرَّدِّ لِأَنَّهُ غَيْرُ أَجْنَبِيٍّ فَكَمَا اغْتَفَرُوهُ فِي عَدَمِ قَطْعِهِ لِفَوْرِيَّةِ الْقَبُولِ فِي نَحْوِ الْبَيْعِ فَكَذَلِكَ يُغْتَفَرُ الْفَصْلُ بِهِ هُنَا بَلْ نُدِبَ تَقْدِيمُهُ لِأَنَّ الْحَاضِرَ أَوْلَى بِالرِّعَايَةِ مِنْ الْغَائِبِ وَفَائِدَةُ وُجُوبِ الرَّدِّ بِاللَّفْظِ مَعَ غِيبَةِ الْمُسْلِمِ أَنَّ فِي وُجُوبِ الرَّدِّ حَقَّيْنِ حَقًّا لِلَّهِ وَحَقًّا لِلْآدَمِيِّ فَلَوْ فُرِضَ سُقُوطُ حَقِّ الْآدَمِيِّ لِغَيْبَتِهِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ اللَّهِ إذْ لَا مُقْتَضَى لِإِسْقَاطِهِ وَأَيْضًا إذَا وَقَعَ الرَّدُّ فِي حَضْرَةِ الرَّسُولِ بِاللَّفْظِ بَلَّغَهُ لِمُرْسِلِهِ فَهَذِهِ فَائِدَةٌ ظَاهِرَةٌ وَأَمَّا وُجُوبُ

стр. 1188

الرَّدِّ بِالْكِتَابَةِ فَحِكْمَتُهُ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّ الْكِتَابَ إذَا وَصَلَ لِلْمُسْلِمِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الرَّدِّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵀ بِمَا لَفْظُهُ مَا حُكْمُ الْمُصَافَحَةِ وَتَقْبِيلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالرَّأْسِ وَالِانْحِنَاءِ بِالظَّهْرِ وَالْقِيَامِ اُبْسُطُوا الْجَوَابَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُصَافَحَةُ لِلْقَادِمِ سُنَّةٌ وَكَذَا تَقْبِيلُ مَا ذُكِرَ مِنْ نَحْوِ عَالِمٍ وَصَالِحٍ وَشَرِيفِ نَسَبٍ وَالِانْحِنَاءُ بِالظَّهْرِ مَكْرُوهٌ وَالْقِيَامُ لِمَنْ ذُكِرَ سُنَّةٌ هَذَا مَذْهَبُنَا وَوَرَاءَ ذَلِكَ تَذْنِيبَاتٌ لَا بَأْسَ بِالتَّعَرُّضِ لَهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُصَافَحَةُ الْمُعْتَادَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ بِدْعَةٌ إلَّا لِقَادِمٍ لَمْ يَجْتَمِعْ بِمَنْ صَافَحَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ. قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَمَذْهَبُنَا فِي الْمُصَافَحَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْعِزُّ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا أَنَّ «رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْتَقِي مَعَ أَخِيهِ أَفَيَنْحَنِي لَهُ قَالَ لَا قَالَ أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ قَالَ لَا قَالَ أَفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ قَالَ نَعَمْ» وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهَا - «لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ خَرَجَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَعَانَقَهُ» وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ لَكِنْ اتَّفَقُوا كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ مَالِكٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَهُمَا مَنْ هُمَا مِنْ حَدِيثٍ وَغَيْرِهِ. صِحَّتُهُ فَإِنَّ مَالِكًا لَمَّا أَنْكَرَ الْمُعَانَقَةَ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ بِهِ فَأَجَابَهُ مَالِكٌ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِجَعْفَرٍ فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ فَانْقَطَعَ مَالِكٌ وَسَكَتَ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ الْحَقُّ مَعَ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ وَرَوَى شُيُوخُنَا طَرِيقَ الْمُصَافَحَةِ وَصِفَتَهَا وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ كَفَّهُ الْيُمْنَى فِي كَفِّهِ الْيُمْنَى وَيَقْبِضُ كُلَّ أَصَابِعِهِ عَلَى يَدِ صَاحِبِهِ وَأَنْكَرَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - تَقْبِيلَ الْيَدِ وَمَا وَرَدَ فِيهِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ لَمَّا رَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ «الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ سَأَلَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ التِّسْعِ الْآيَاتِ فَأَجَابَهُمْ قَبَّلَا يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا لَكِنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - قَالَ «لَمَّا نَزَلَتْ تَوْبَتِي أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَقَبَّلْت يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ» وَرَوَى أَيْضًا حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ فِي إتْيَانِ الشَّجَرَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ «ائْذَنْ لِي أَنْ أُقَبِّلَ رَأْسَك وَيَدَك وَرِجْلَك» وَفِيهِ «ائْذَنْ لِي فِي السُّجُودِ لَك فَقَالَ لَا يَسْجُدُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ وَلَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا لِعَظِيمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا» وَفِي حَدِيثِ «وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ ﷺ فَمِنْهُمْ مَنْ سَعَى وَمِنْهُمْ مَنْ مَشَى وَمِنْهُمْ مَنْ هَرْوَلَ حَتَّى أَتَوْا إلَيْهِ وَأَخَذُوا بِيَدِهِ فَقَبَّلُوهُ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الطُّرُقِ وَفِي بَعْضِهَا أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَبَّلَ يَدَ الْعَبَّاسِ وَرِجْلَهُ وَيَقُولُ أَيْ عَمِّ ارْضَ عَنِّي قَالَ الْإِمَامُ الْبُرْزُلِيُّ الْمَالِكِيُّ أَرَدْت أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ أَيْ تَقْبِيلَ الْيَدَ مَعَ شَيْخِي فَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَ يَدَهُ فَقُلْت لَهُ لَا تَرْوِ هَذَا الْكِتَابَ حِينَ لَمْ تَعْمَلْ بِهِ فَقَالَ كَرِهَهُ مَالِكٍ فَقُلْت لَهُ مَالِكٌ أَنْكَرَ مَا رُوِيَ فِيهِ وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ فَتَرَكَنِي بَعْدَ ذَلِكَ وَكَذَا كَانَ شَيْخُنَا الْفَقِيهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَشْيَاخِي لَا يُنْكِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَقَصْدِي بِذَلِكَ التَّعْظِيمُ وَالتَّكْرِمَةُ لِأَشْيَاخِي وَلَمَّا تَقَرَّرَ عِنْدِي مِنْ الْأَحَادِيثِ وَعَدَمِ إنْكَارِ ذَلِكَ عَنْ مُعْظَمِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ وَفَعَلْت ذَلِكَ مَعَ بَعْضِ الْكُبَرَاءِ فَقَالَ هُوَ مِنْ بَابِ الْمِدْحَةِ فِي الْوَجْهِ فَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ مِنْ تَعَاظُمِ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ وَإِلَّا كُرِهَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ وَسُئِلَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْقِيَامِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ لِمُسْلِمٍ يُرْجَى خَيْرُهُ أَوْ يُخَافُ شَرُّهُ وَلَا يُفْعَلُ لِكَافِرٍ؛ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِإِهَانَتِهِ وَإِظْهَارِ صَغَارِهِ فَإِنْ خِيفَ مِنْ شَرِّهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ جَازَ لِأَنَّ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ جَائِزٌ لِلْإِكْرَاهِ فَهَذَا أَوْلَى وَلَا يَجُوزُ تَكْرِيمُهُ بِاللَّقَبِ الْحَسَنِ إلَّا لِضَرُورَةٍ، أَوْ حَاجَةٍ مَاسَّةٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُهَانَ الْكَفَرَةُ وَالْفَسَقَةُ زَجْرًا عَنْ كُفْرِهِمْ وَفِسْقِهِمْ وَغَيْرَةً لِلَّهِ قَالَ وَالِانْحِنَاءُ الْبَالِغُ حَدَّ الرُّكُوعِ لَا يَفْعَلُهُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ كَالسُّجُودِ وَلَا بَأْسَ بِمَا نَقَصَ عَنْ حَدِّ الرُّكُوعِ لِمَنْ يُكْرَمُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَإِذَا تَأَذَّى مُسْلِمٌ بِتَرْكِ الْقِيَامِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَامَ لَهُ فَإِنَّ تَأَذِّيهِ بِذَلِكَ مُؤَدٍّ إلَى الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَكَذَلِكَ التَّلْقِيبُ بِمَا لَا بَأْسَ بِهِ مِنْ الْأَلْقَابِ

стр. 1189

وَالْأَصْلُ فِي نَدْبِ الْقِيَامِ لِأَهْلِ الْفَضْلِ «قَوْلُهُ: ﷺ حِين قَدِمَ سَيِّدُ الْأَنْصَارِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ» وَالْخِطَابُ لِلْأَنْصَارِ، أَوْ لِلْكُلِّ وَقَدْ صَنَّفَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جُزْءًا فِيهِ وَذَكَرَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِيهِ وَأَحْكَامَهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ وَقَدْ صَارَ تَرْكُهُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ مُؤَدِّيًا إلَى التَّبَاغُضِ وَالتَّقَاطُعِ وَالتَّحَاسُدِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ لِهَذَا الْمَحْذُورِ وَقَدْ قَالَ ﷺ «لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّهُ » فَهُوَ لَا يُؤْمَرُ بِهِ بِعَيْنِهِ بَلْ لِكَوْنِ تَرْكِهِ صَارَ وَسِيلَةً إلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا لِأَنَّ تَرْكَهُ صَارَ إهَانَةً وَاحْتِقَارًا لِمَنْ اُعْتِيدَ الْقِيَامُ لَهُ، وَلِلَّهِ أَحْكَامٌ تَحْدُثُ عَنْ حُدُوثِ أَسْبَابٍ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ اهـ. وَعَلَى الْقِيَامِ وَمَحَبَّتِهِ لِلتَّعَاظُمِ وَالْكِبْرِ حُمِلَ قَوْلُهُ: ﷺ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِهَدْمِ جَمِيعِ كَنَائِسِ الْيَمَنِ فَهَلْ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ الْيَمَنُ مِمَّا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ وَقَدْ أَلْحَقَ الشَّيْخَانِ هَذَا الْقِسْمَ بِمَا عُلِمَ حُدُوثُهُ فِي الْإِسْلَامِ فِي أَنَّ مَا شَكَّ فِي حُدُوثِهِ، أَوْ قِدَمِهِ فِيهِ مِنْ الْكَنَائِسِ لَا يُهْدَمُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ بِبَرِّيَّةٍ وَأَنَّ الْعِمَارَةَ اتَّصَلَتْ بِهِ لَكِنْ جَرَى ابْنُ الرِّفْعَةِ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي كَنَائِسِ الْقَاهِرَةِ عَلَى مَا يُصَرِّحُ بِهَدْمِ جَمِيعِ كَنَائِسِ عَدَنَ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ فِيهَا لِأَنَّ السُّورَ الْمُحِيطَ بِهَا قَدِيمٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مَحْفُوفٌ بِالْجِبَالِ وَالْبَحْرِ فَلَا يُمْكِنُ أَنَّ كَنَائِسَهَا كَانَتْ بِغَيْرِ عِمَارَةِ الْبَلَدِ وَأَنَّهَا اتَّصَلَتْ بِهَا. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ هَلْ تَتَأَدَّى سُنَّةُ التَّشْمِيتِ فَيَرْحَمُ اللَّهُ سَيِّدِي وَالسَّلَامُ بِالسَّلَامِ عَلَى سَيِّدِي؟ (فَأَجَابَ) ﵀ ﵎ بِقَوْلِهِ لَا تَتَأَدَّى سُنَّتُهُمَا وَفَرْضُ رَدِّ الثَّانِي إلَّا بِنَحْوِ يَرْحَمُك اللَّهُ وَالسَّلَامُ عَلَيْك مِمَّا فِيهِ خِطَابٌ وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْأَدَبِ وَالسُّنَّةِ فَقَالَ رَحِمَك اللَّهُ سَيِّدِي. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَمَّا يُقَالُ مَا لِي إلَّا اللَّهُ وَأَنْتَ هَلْ لَهُ أَصْلٌ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ اسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الْجَلَالَةِ لَكِنَّ الْأَرْجَحَ أَنَّهُ عَلَى الْكَافِ وَاعْتُرِضَ هَذَا الِاسْتِدْلَال أَيْضًا بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ اللَّهِ فَلَا يُقَاسُ بِهِ مَا مِنْ الْمَخْلُوقِ وَمِنْ ثَمَّ كَرِهَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - أَنْ يُقَالَ قَالَ الرَّسُولُ مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] لِأَنَّ لِلَّهِ أَنْ يُخَاطِبَ خَلْقَهُ بِمَا شَاءَ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وَأَقْسَمَ بِكَثِيرٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ إعْلَامًا بِشَرَفِهِمْ وَيُكْرَهُ لَنَا ذَلِكَ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا» إنَّ التَّشْرِيكَ فِي الضَّمِيرِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﷺ وَنَهْيُهُ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ مَا وَرَدَ أَنَّ «رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت قَالَ جَعَلْتنِي لِلَّهِ عِدْلًا مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» . (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَمَّنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَابِضٌ ذَكَرَهُ وَعَوْرَتُهُ مَسْتُورَةٌ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ إنَّ الضَّابِطَ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ عَلَى حَالَةٍ لَا يُخَاطَبُ فِيهَا عُرْفًا لَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ وَلَا شَكَّ أَنَّ قَابِضَ ذَكَرِهِ لِلِاسْتِجْمَارِ كَذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ وَكَذَا قَابِضُهُ لِنَحْوِ الِاسْتِجْمَارِ لِشِدَّةِ انْتِشَارِهِ بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ لِيَنْزِلَ مَنِيٌّ مِنْهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَظْهَرُ وَيَسْتَحْيِ مِنْ التَّكَلُّمِ مَعَهُ بِسَبَبِهِ. (سُئِلَ) عَنْ كَافِرٍ ضَلَّ عَنْ طَرِيقِ صَنَمِهِ فَسَأَلَ مُسْلِمًا عَنْ الطَّرِيقِ إلَيْهِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَدُلَّهُ الطَّرِيقَ إلَيْهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدُلَّهُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَا نُقِرُّ عَابِدِي الْأَصْنَامِ عَلَى عِبَادَتِهَا فَإِرْشَادُهُ لِلطَّرِيقِ إلَيْهِ إعَانَةٌ لَهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ عَظِيمَةٍ فَحَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1190

[بَابُ الْهُدْنَةِ] ٢٤٩ - (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَمَّا إذَا أَسْلَمَ وَاحِدٌ مِنْ كُفَّارِ مِلِيبَارَ فَلَحِقَ بِنَا وَتَبِعَهُ الْمُشْرِكُونَ وَأَلْزَمُونَا رَدَّهُ إلَيْهِمْ لِقُوَّتِهِمْ وَضَعْفِنَا فَهَلْ يَجُوزُ رَدُّهُ إلَيْهِمْ مَعَ أَنَّنَا إذَا لَمْ نَرُدَّهُ إلَيْهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ هِجْرَتِنَا وَطَنِنَا حَتَّى نَسْلَمَ مِنْ شُرُورِهِمْ وَإِذَا ارْتَدَّ مَمْلُوكٌ لَنَا وَلَحِقَ بِهِمْ وَلَا قُدْرَةَ لَنَا عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَهَلْ لَنَا أَخْذُ قِيمَتِهِ مِنْهُمْ وَهَلْ يَصِحُّ شِرَاءُ الْمُرْتَدِّ مِنْهُمْ إلَّا بَاعُوهُ لَنَا. (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ إذَا عَجَزْنَا عَنْ أَنْ نَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ لَمْ نَأْثَمْ بِأَخْذِهِمْ لَهُ وَكَذَا لَوْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُمْ إلَّا بِجَلَائِنَا عَنْ أَوْطَانِنَا فَلَا يَلْزَمُنَا ذَلِكَ بَلْ قَضِيَّةُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا جَوَازُ الرَّدِّ أَيْ تَمْكِينُهُمْ مِنْ أَخْذِهِ مُطْلَقًا حَيْثُ قَالُوا لَوْ جَاءَنَا مِنْهُمْ حُرٌّ بَالِغٌ عَاقِلٌ مُسْلِمٌ وَالرَّدُّ مَشْرُوطٌ عَلَيْنَا لَزِمَنَا إنْ كَانَ لَهُ عَشِيرَةٌ تَحْمِيهِ وَطَلَبَتْهُ عَشِيرَتُهُ وَكَذَا إنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ يَقْهَرُهُمْ وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا وَالرَّدُّ مَشْرُوطٌ مَا إذَا لَمْ يَشْرِطْ فَلَا يَجِبُ الرَّدُّ مُطْلَقًا اهـ. فَأَفْهَمَ قَوْلُهُمْ لَا يَجِبُ الرَّدُّ مُطْلَقًا أَنَّهُ يَجُوزُ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا وَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِيهِ إلَّا أَنَّ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ الْجَوَازِ بِقَيْدِهِ ظَاهِرٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَنَا أَخْذُ قِيمَةِ الْمُرْتَدِّ مِنْهُمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا وَلَا يَمْلِكُونَهُ بِدَفْعِهَا إلَيْنَا وَمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِي الْهُدْنَةِ مِنْ مِلْكِهِمْ لَهُ بِدَفْعِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّعِيفِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْمُرْتَدِّ لِلْكَافِرِ وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُرْتَدِّ لِلْكَافِرِ لِبَقَاءِ عَلَقَةِ الْإِسْلَامِ فِيهِ فَعَلَيْهِ لَا يَمْلِكُونَهُ وَإِنْ دَفَعُوا الْقِيمَةَ إلَيْنَا وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْقِيمَةِ الْمَأْخُوذَةِ لِلْحَيْلُولَةِ فَإِذَا رَدُّوهُ إلَيْنَا رَدَدْنَاهَا إلَيْهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ] (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَنْ رَجُلٍ سُرِقَ لَهُ شَاةٌ فَخَرَجَ فِي طَلَبِهَا فَوَجَدَ السَّارِقَ قَدْ ذَبَحَهَا وَحَنَذَهَا فَاسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ شَاتِهِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِ بَلَدِهِ حَرُمَتْ وَمَا يَلْزَمُ السَّارِقَ بَعْدَ إتْلَافِهَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ شَاتِهِ وَيَلْزَمُ السَّارِقَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا حَيَّةً وَحَنِيذَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا اعْتَدَى رَجُلٌ عَلَى مَاشِيَةِ قَوْمٍ فَقَطَعَ بُطُونَهَا وَبَعْضُهَا قَطَعَ لِسَانَهَا وَبَعْضُهَا قَطَعَ إحْدَى قَوَائِمِهَا أَوْ جَمِيعَ الْقَوَائِم مَثَلًا أَوْ أَخْرَجَ كُرُوشَهَا وَبَقِيَ شَيْءٌ مِنْهَا فِيهِ بَعْضُ حَيَاةٍ فَمَاذَا يَحِلُّ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاشِي الَّتِي هَذَا حَالُهَا وَمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا قُلْتُمْ إنَّ الَّذِي قُطِعَ لِسَانُهَا تَحِلُّ فَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَهَلْ يَحِلُّ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا إذَا كَانَ يُرْجَى لِصَاحِبَةِ اللِّسَانِ الْعَافِيَةُ وَكَذَا الْبَقَرَةُ إذَا قُطِعَ لِسَانُهَا هَلْ يَحِلُّ لَحْمُهَا وَبَيْعُهَا لِمَنْ يَبِيعُ اللَّحْمَ أَمْ لَا فَإِنَّ هَذَا وَاقِعٌ فِي بَلَدِنَا لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ هَذِهِ الْبَلْدَةَ مَا فِيهَا سُلْطَانٌ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إذَا قُطِعَ شَيْءٌ مِنْ الْبَهِيمَةِ سَوَاءٌ لِسَانُهَا وَغَيْرُهُ فَإِنْ أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْتِ بِأَنْ كَانَتْ حَيَّاتُهَا مُسْتَقِرَّةً وَإِنْ قَطَعَ بِمَوْتِهَا بَعْدَ يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ كَانَتْ حَلَالًا إذَا ذُبِحَتْ وَيَحِلُّ بَيْعُهَا وَأَكْلُهَا وَعَلَى الْجَانِي مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا صَحِيحَةً وَمَجْرُوحَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ عَمَّا لَوْ لَقِيَ شَيْئًا مَطْرُوحًا وَشَكَّ أَهُوَ مُعْرَضٌ عَنْهُ فَيَأْخُذَهُ أَمْ لَا فَيَتْرُكَهُ هَلْ يَحِلُّ لَهُ الْأَخْذُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) ﵀ ﵎ بِأَنَّ الَّذِي يُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْقَرَائِنُ الدَّالَّةُ فِي الْعَادَةِ عَلَى أَنَّ مِثْل ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَطْرُوحِ مِمَّا يُعْرَضُ عَنْهُ، أَوْ لَا فَإِنْ اقْتَضَتْ أَنَّهُ مِمَّا يُعْرَضُ عَنْهُ جَازَ أَخْذُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الرَّوْضَةِ وَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ يَمْلِك الْكِسْرَةَ وَالسَّنَابِلَ وَنَحْوَهَا وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ. وَهَذَا ظَاهِرُ حَالِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمْ وَلَمْ يُحْكَ أَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنْ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ اهـ. قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَقَوْلُهُ: الْأَرْجَحُ يَقْتَضِي إثْبَاتَ خِلَافٍ فِي السَّنَابِلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِصَغِيرٍ، أَوْ نَحْوِهِ مِمَّنْ لَا يُعْتَبَرُ إذْنُهُ وَكَذَلِكَ فِي صُورَةِ الْمَاءِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمَاءِ هُوَ قَوْلُهُ: وَأَمَّا الشُّرْبُ مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ كَانَ يَجْرِي عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْتَفِلُ بِهِ مُلَّاكُهُ وَلَا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَحَدًا وَعَادَتُهُ الْمُطَّرِدَةُ. كَذَلِكَ فَهَذَا يُجَوِّزُ الشُّرْبَ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ فِي مِلَاكِهِ فِي الْأَصْلِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ

стр. 1191

مِمَّنْ لَا يُعْتَبَرُ إذْنُهُ وَلَيْسَ هَذَا كَمَا إذَا أَعْرَضَ عَنْ كَسْرِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الَّذِي يَعْتَبِرُ إعْرَاضَهُ وَأَمَّا الْتِقَاطُ السَّنَابِلِ فَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ اهـ. وَكَلَامُهُ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ النَّظَرِ إلَى الْعَادَةِ وَالْعَمَلِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكِسْرَةِ وَالسَّنَابِلِ فِي أَنَّ الْأُولَى لَا بُدَّ فِي الْمُعْرِضِ عَنْهَا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ وَإِنْ اقْتَضَتْ أَنَّهُ مِمَّا لَا يُعْرَضُ عَنْهُ، أَوْ لَمْ تَقْتَضِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ إلَّا عَلَى جِهَةِ الِالْتِقَاطِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَعْرِيفُهُ سَنَةً، أَوْ مَا يَلِيقُ بِهِ وَقَدْ قَالَ الْقَفَّالُ لَوْ وَجَدَ دِرْهَمًا فِي بَيْتِهِ لَا يَدْرِي أَهُوَ لَهُ، أَوْ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَعَلَيْهِ تَعْرِيفُهُ لِمَنْ يَدْخُلُ بَيْتَهُ كَاللُّقَطَةِ أَيْ الْمَوْجُودَةِ فِي غَيْرِ بَيْتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ هَلْ يَجُوزُ إحْرَاقُ الْجَرَادِ حَيًّا لِأَكْلِهِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ يَجُوزُ شَيُّ الْجَرَادِ حَيًّا لِأَكْلِهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ مَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ جَوَازِ قَلْيِهِ حَيًّا وَمُنَازَعَةُ الزَّرْكَشِيّ فِيهِ بِأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى الْحُرْمَةِ رَدَدْتهَا فِي شَرْحِ الْعُبَابِ بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْمَذْهَبُ الْحِلُّ وَبِأَنَّ قَوْلَ الشَّيْخَ أَبِي حَامِدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ بِالْحُرْمَةِ مَبْنِيٌّ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ حُرْمَةَ ابْتِلَاعِ السَّمَكِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَمِنْ ثَمَّ تَبِعَ ابْنَ الرِّفْعَةِ مَعَ تَحْقِيقِهِ وَكَثْرَةِ اطِّلَاعِهِ النَّوَوِيُّ فِيمَا ذَكَرَهُ وَرَدَدْت فِيهِ أَيْضًا اسْتِشْكَالَ الْإِسْنَوِيِّ قَوْلَ الرَّوْضَةِ وَقَلْيُ السَّمَكِ حَيًّا جَائِزٌ كَابْتِلَاعِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِي شَخْصٍ نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ لِإِعْيَائِهَا وَتَرَكَهَا فَأَخَذَهَا غَيْرُهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا فَلِمَنْ هِيَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا إذْ الْإِعْرَاضُ لَا يُؤَثِّرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَلَا رُجُوعَ لِلْمُنْفِقِ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ وَقَالَ أَحْمَدُ إنَّهَا لِلْآخِذِ وَمَالِكٌ لِمَالِكِهَا وَعَلَيْهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ هَلْ يَحِلُّ الِاصْطِيَادُ بِالْبُنْدُقِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ أَفْتَى النَّوَوِيُّ ﵀ ﵎ بِحِلِّهِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ الْحَذْفِ وَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّهُ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَلَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ وَلَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ وَلَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ قَتْلًا يُبِيحُهُ فَخَرَجَ الْبُنْدُقَ لِأَنَّهُ يَقْتُلُهُ قَتْلًا لَا يُبِيحُهُ وَمِنْ ثَمَّ جَزَمَ فِي الذَّخَائِرِ بِتَحْرِيمِهِ ثُمَّ الرَّمْيُ بِهِ وَبِمَا لَا حَدَّ لَهُ كَالدَّبُّوسِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضُ الْحَيَوَانِ لِلْهَلَاكِ وَيُجَابُ بِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ أَنَّ الْبُنْدُقَ يَقْتُلُهُ قَتْلًا مُحَرَّمًا بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُبْطِلَ حَرَكَتَهُ مَعَ بَقَاءِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ فِيهِ فَإِذَا ذَبَحَهُ حِينَئِذٍ حَلَّ فَهُوَ طَرِيقٌ لِإِبْطَالِ امْتِنَاعِهِ لَا لِقَتْلِهِ وَتَقْوِيَتِهِ وَبِهَذَا يَتَّضِحُ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ. (وَسُئِلَ) سُؤَالًا صُورَتُهُ وَرَدَ فِي أَبِي دَاوُد مَا مَعْنَاهُ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمْ اصْطَادَ وَلَدَ حُمْرَةٍ فَجَاءَتْ أُمُّهُ تُعَرِّشُ فَرَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا فَقَالُوا فُلَانٌ فَأَمَرَهُ بِإِطْلَاقِهِ فَمَا الْجَوَابُ عَنْ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - مِنْ تَحْرِيمِ إطْلَاقِ مِلْكِهِ مِنْ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) ﵀ ﵎ بِقَوْلِهِ ذَكَرَ بَعْضُ مُحَقِّقِي مَشَايِخِنَا أَنَّ أَمْرَهُ ﷺ بِإِطْلَاقِهِ مَحْمُولٌ عَلَى خَوْفِ تَلَفِهِ بِسَبَبِ حَبْسِهَا عَنْهُ. (وَسُئِلَ) ﵀ ﵎ عَنْ بَنَادِقِ الْأَرْوَامِ وَالْإِفْرِنْجِ الَّتِي فِيهَا الْبَارُودُ وَالنَّارُ هَلْ يَحِلُّ الِاصْطِيَادُ بِهَا لِأَنَّهَا أَشَدُّ مِنْ الْمُحَدَّدِ؟ وَهَلْ هِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبَنَادِقِ الَّتِي يُصَادُ بِهَا؟ وَهَلْ الْمُرَادُ بِمَا فِي فَتَاوَى الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ ﵀ ﵎ مِنْ حِلِّ الِاصْطِيَادِ بِهَا جَوَازُ الِاصْطِيَادِ بِهَا، أَوْ حِلُّ أَكْلِ مَا صِيدَ بِهَا، أَوْ لَا؟ وَالْحَيَوَانُ إذَا صَارَ إلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ بِجَرْحِ هِرَّةٍ، أَوْ نَحْوِهَا، أَوْ بُنْدُقٍ هَلْ يَحِلُّ أَكْلُهُ بِذَبْحِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَعَ أَنَّهُ يَضْطَرِبُ اضْطِرَابًا شَدِيدًا بَعْدَ الذَّبْحِ وَيَنْفَجِرُ مِنْهُ الدَّمُ، أَوْ لَا يَحِلُّ؟ (فَأَجَابَ) - نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ لَا خِلَافَ فِي حُرْمَةِ الرَّمْيِ إلَى الصَّيْدِ بِالْبُنْدُقِ الَّذِي فِيهِ النَّارُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْبُنْدُقِ الَّذِي مِنْ طِينٍ فَصَاحِبِ الذَّخَائِرِ يَقُولُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضَ الْحَيَوَانِ لِلْهَلَاكِ وَالنَّوَوِيُّ يَقُولُ: يَحِلُّ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى الِاصْطِيَادِ وَهُوَ مُبَاحٌ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ الْحَذْفِ، وَقَالَ إنَّهُ لَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ وَلَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ وَلَكِنْ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ» قَالَ فَمُقْتَضَى الْحَدِيثِ إبَاحَةُ الصَّيْدِ بِالْبُنْدُقِ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّهُ كَرِهَ الرَّمْيَ بِهِ فِي الْقُرَى

стр. 1192

خَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَ مَنْ فِيهَا دُونَ الصَّحْرَاءِ وَمِنْ عِلَّتَيْ صَاحِبِ الذَّخَائِرِ وَالنَّوَوِيِّ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَلَّلَ عَدَمَ الْحِلِّ بِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضَ الصَّيْدِ لِلْهَلَاكِ. وَالثَّانِي عَلَّلَ الْحِلَّ بِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى الِاصْطِيَادِ فَعَلِمْنَا أَنَّ الْأَوَّلَ يَقُولُ بِالْحِلِّ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْبُنْدُقَ لَا يُهْلِكُهُ، وَالثَّانِي يَقُولُ بِالْحُرْمَةِ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْبُنْدُقَ يَقْتُلُهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَبْحِهِ فَلَا تَخَالُفَ بَيْنَهُمَا وَكَانَ هَذَا الَّذِي قَرَّرْتُهُ هُوَ مَلْحَظُ مَا فِي فَتَاوَى الْبُلْقِينِيُّ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَمْيِ الطَّيْرِ بِالْبُنْدُقِ مَا حُكْمُهُ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ أَمَّا الرَّمْيُ بِالْبُنْدُقِ فَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ الضَّرَرِ وَلَا سِيَّمَا فِي الْبُنْيَانِ، وَأَمَّا رَمْيُ الطُّيُورِ بِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا أُمِرَ بِقَتْلِهِ فَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَالنَّهْيُ بَاقٍ وَإِنْ كَانَ مَأْكُولًا يُرْجَى أَنْ يَسْقُطَ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَيُذْبَحُ بِحَيْثُ يَحِلُّ فَهَذَا جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يُرْجَى ذَلِكَ فَالنَّهْيُ بَاقٍ إلَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ ضَرَرٌ اقْتَضَى تَنْفِيرَ ذَلِكَ الطَّيْرِ فَيَجُوزُ. اهـ. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ وَبِهِ يَتَأَيَّدُ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ حَمْلِ كَلَامِ النَّوَوِيِّ أَخْذًا مِنْ عِلَّتِهِ عَلَى مَا إذَا عُلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْبُنْدُقَةَ لَا تُهْلِكُهُ وَإِنَّمَا تُزِيلُ مَنَعَتَهُ حَتَّى يَصِيرَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَالرَّمْيُ بِهِ حِينَئِذٍ حَلَالٌ وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ الْفَوَاسِقِ أَوْ صَالَ عَلَيْهِ مَثَلًا وَلَمْ يَنْدَفِعْ عَنْهُ إلَّا بِذَلِكَ فَيَرْمِيهِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ هَذَا كُلُّهُ فِي الِاصْطِيَادِ بِهَا وَأَمَّا حِلُّ مَا صِيدَ بِهَا فَإِنْ أَدْرَكَهُ وَبِهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَذَبَحَهُ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا وَمَا وَصَلَ إلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ بِسَبَبِ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ حَرَكَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ ذَبْحُهُ مُطْلَقًا وَمَا لَمْ يَصِلْ لِذَلِكَ حَلَّ إنْ تَيَقَّنَ حَالَ الذَّبْحِ أَنَّ بِهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَكَذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ بِالْحَرَكَةِ الشَّدِيدَةِ وَانْفِجَارُ الدَّمِ وَمَتَى شَكَّ فِي اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ حَرُمَ وَإِنْ وَجَدَ انْفِجَارَ الدَّمِ وَغَيْرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ الْأُضْحِيَّةِ] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إتْلَافُ شَيْءٍ مِنْهَا بِغَيْرِ الْأَكْلِ وَالِانْتِفَاعِ لَهُ وَلِمَنْ أَذِنَ لَهُ إنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا فَلَوْ أَتْلَفَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بَدَلُهُ يَصْرِفُهُ مَصْرِفَهَا وَأَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِذَلِكَ وَيَكْفِيهِ نِيَّتُهُ لِلْبَدَلِ وَيَكُونُ بِقِيمَتِهِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ يَشْتَرِي بِهِ مِثْلَهُ أَوْ مِثْلَيْهِ إنْ كَانَ " نَبَّا " وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ إتْلَافَهُ كَأَنْ تَطَيَّرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ وَدَكِهَا أَوْ عَثَرَ بِإِنَائِهِ فَانْقَلَبَ وَكَذَا قَدْ يُتَخَيَّلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إطْعَامُ هِرَّةٍ أَوْ غَيْرِ آدَمِيٍّ مِنْهُ. وَفِي كُلِّ مَا ذُكِرَ حَرَجٌ وَخِلَافٌ لِلْعَادَةِ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ فِيهِ سَعَةٌ فَلْيَتَفَضَّلْ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ بِذِكْرِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا فَلَوْ مَاتَ فَوَرَثَتُهُ مَوْضِعُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَهُمْ الْأَكْلُ وَالِانْتِفَاعُ وَالْإِهْدَاءُ كَهُوَ قَالَ السُّبْكِيّ وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهَا بِالذَّبْحِ وَلَا تُورَثُ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِوَارِثِهِ وِلَايَةُ الْقِسْمَةِ مِثْلَهُ وَلَا تَقُلْ فِيهَا بِخُصُوصِهَا. اهـ. وَلَا يَشْكُلُ ذَلِكَ بِمَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ إذَا ضَحَّيْت الْأُضْحِيَّةَ عَنْ الْمَيِّتِ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ حِينَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْأَكْلِ مِمَّا ضُحِّيَ عَنْهُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ حَتَّى يَقُومَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ. وَيَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ كَهُوَ كَمَا قَالُوهُ فِيمَا ضَحَّى بِهِ فِي حَيَاتِهِ فَلَوْ كَانَ وَرَثَتُهُ أَوْ بَعْضُهُمْ صِغَارًا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَجُوزُ إطْعَامُهُمْ مِنْهَا بِالْقِسْطِ لِئَلَّا يَضِيعَ وَاسْمُ الْقِسْمَةِ عَلَيْهَا بِمَعْنَى اسْتِحْقَاقِ كُلٍّ مِنْهُمْ شَيْئًا يَخْتَصُّ بِهِ مَمْنُوعٌ فِيمَا يَظْهَرُ وَإِنْ قُلْنَا بِبَقَاءِ الْمِلْكِ فِي أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ لِلتَّعَلُّقِ اللَّازِمِ بِهِ الْمَانِعِ مِنْ نَقْلِ الْمِلْكِ أَبَدًا كَالْمَرْهُونِ بِلَا وَلِيٍّ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهَا الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ فِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ أَجِدْهُ مَنْصُوصًا مَعَ كَثْرَةِ التَّفْتِيشِ عَنْهُ وَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ كَمَا يَرْمِي إلَيْهِ كَلَامُ بَعْضِهِمْ فِي غُضُونِ الْمَسَائِلِ لِتَعَيُّنِهَا لِذَلِكَ وَكَوْنُهُ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي شُرِعَتْ التَّضْحِيَةُ لَأَجْلِهِ. وَإِنَّمَا جَوَّزَ الْأَكْلَ تَرْخِيصًا كَمَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ فِي مَنْعِ النَّبِيِّ ﷺ أَوَّلًا مِنْ ادِّخَارِهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهَا فِي عَصْرِهِ ﷺ وَإِنْ كَانَ نُسِخَ لِزَوَالِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ بِهِ إنَّ الصَّدَقَةَ هِيَ الْأَصْلُ فِيهَا فَإِنْ قُلْنَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْهَا فَالظَّاهِرُ جَوَازُ أَكْلِهِ مِنْهَا حَالًا إنْ كَانَ فَقِيرًا كَغَيْرِهِ وَلَا نَقُولُ هُنَا يَمْتَنِعُ لِأَنَّهُ يَتَّحِدُ فِيهِ قَبْضُهُ وَإِقْبَاضُهُ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمَالِكِ

стр. 1193

وَالْمَالِكُ لَهُ الِاسْتِبْدَادُ بِذَلِكَ نَعَمْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِادِّخَارُ لِيَنْتَفِعَ بِنَفْسِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا إذْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا بِتَرْكِ مَا يَرَاهُ صَلَاحًا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِمْ وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي فِي الْحَالِ. وَإِذَا كَانُوا جَمَاعَةً أَوْ اثْنَيْنِ مَيَّزَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ قَبْل أَنْ رَآهُ وَإِنْ اتَّفَقَتْ حَاجَتُهُمْ وَضَافَ الشَّيْءُ وُزِّعَ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ تَشْبِيهًا بِالْغَانِمِينَ فِي طَعَامِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ وُصُولِهِمْ أَوْطَانِهِمْ فَيَكُونُ كُلٌّ مُخْتَصًّا بِمَا مُيِّزَ لَهُ لَا مِلْكًا وَيَتَعَيَّنُ التَّصَدُّقُ إذَا كَانَ الصَّغِيرُ ضَعِيفًا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأْكُلَ اللَّحْمَ وَخَشِيَ تَغَيُّرَهُ إذْ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ وَلَهُ نَظِيرٌ مِنْ الشَّرْعِ هَذَا مَا تَقَرَّرَ لِي بَعْدَ النَّظَرِ وَالْبَحْثِ وَإِنْ كَانَ نُقِلَ بِخِلَافِهِ فَسَمْعًا وَطَاعَةً وَهُوَ أَوْلَى فَلْيُنْظَرْ فِيهِ وَإِذَا ضَحَّى الْوَلِيُّ عَنْ صَغِيرٍ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ قَالَ شَيْخُنَا عَبْدُ اللَّهِ أَبُو فَضْلٍ الظَّاهِرُ مَنْعُ أَكْلِهِ مِنْهَا لِأَنَّهُ يَقْدِرُ أَنَّهُ مَلَكَهَا فِي ضِمْنِ التَّضْحِيَةِ قَبْلَهَا أَقُولُ وَمَا قَدَّرَهُ مُمْكِنٌ ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ جَدًّا يَتَوَلَّى طَرَفَيْ التَّمْلِيكِ وَفِي غَيْرِهِ نَظَرٌ وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ أَئِمَّةِ الْيَمَنِ بِجَوَازِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ تَقْدِيرِ انْتِقَالِ مِلْكٍ إلَيْهِ. قَالَ شَيْخُنَا وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْعَقِيقَةِ عَنْهُ لِأَنَّ الْأَبَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا لِنَفْسِهِ أَقُولُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الضَّحِيَّةُ مِثْلَهَا وَيَتَصَرَّفُ الْأَبُ فِيهَا كَضَحِيَّةِ نَفْسِهِ وَإِمَّا أَنْ يُمْنَعَ مِنْهَا غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَتَصِحُّ مِنْهُمَا بِتَقْدِيرِ انْتِقَالِ الْمِلْكِ ثُمَّ يَتَضَيَّقُ الْأَمْرُ فِيهَا بِأَنْ يُطْعِمَ مِنْهَا الصَّبِيَّ فَقَطْ وَيَكُونُ فِي التَّصَدُّقِ بِشَيْءٍ مِنْهَا مَا سَبَقَ فِي لَحْمِ الضَّحِيَّةِ الْمُخَلَّفِ عَنْ الْمَيِّتِ وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ ظُلْمَةٌ أَزَالَهَا اللَّهُ وَسَائِرَ الظُّلُمَاتِ بِنُورِ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ وَالْهِدَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَالْمَسْئُولُ مِمَّنْ وَقَفَ عَلَى هَذَا مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَنَفَعَ بِهِمْ إمْعَانُ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ وَبَيَانُ مَا ظَهَرَ لَهُ فِيهِ بِنَقْلٍ أَوْ بَحْثٍ بِإِيضَاحٍ بَيِّنٍ لَا أَخَلَا اللَّهُ مِنْهُمْ آمِينَ. (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ أَمَّا الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِبَرَكَتِهِ وَعُلُومِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ إتْلَافُ شَيْءٍ مِنْهَا إلَخْ ظَاهِرٌ وَقَدْ صَرَّحُوا بِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَلَوْ أَتْلَفَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ إلَخْ مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ أَتْلَفَ الْقَدْرَ الَّذِي يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ فَذَلِكَ لَيْسَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ بَلْ صَرَّحُوا بِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُتْلِفَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا بَلْ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ بِتَقْصِيرِهِ ضَمِنَهُ أَيْضًا لِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ يَدُ أَمَانَةٍ وَهَذَا حُكْمُهَا وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ أَتْلَفَ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ ذَبْحُهَا وَتَصَدَّقَ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ وَأَتْلَفَ مَا عَدَاهُ قَبْلَ التَّصَدُّقِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَيْسَ الضَّمَانُ حِينَئِذٍ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ. وَإِنَّمَا مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ بَلْ صَرِيحُهُ عَدَمُ الضَّمَانِ إذْ لَوْ ضَمِنَهُ لَضَمِنَهُ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ صَارَ مُسْتَحِقًّا لِأَكْلِ الْجَمِيعِ وَإِنْ نُدِبَ لَهُ التَّصَدُّقُ بِهِ فَلَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ ضَمَانِ مَا أَتْلَفَهُ لَضَمِنَهُ لِنَفْسِهِ وَضَمَانُ الْإِنْسَانِ مُتْلَفَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَا يَئُولُ إلَى نَفْسِهِ مُمْتَنِعٌ ظَاهِرُ الِامْتِنَاعِ وَالِاسْتِحَالَةِ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ وَهُوَ بِالتَّضْحِيَةِ قَدْ زَالَ مِلْكُهُ وَإِنْ زَالَ بَقِيَ لَهُ اسْتِحْقَاقُ الْأَكْلِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ شَيْءٌ لِغَيْرِهِ فَانْحَصَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فِيهِ وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ يَضْمَنُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا انْحَصَرَ اسْتِحْقَاقُهُ لَهُ فَالِاسْتِحَالَةُ بَاقِيَةٌ. فَإِنْ قُلْت كَلَامُهُمْ فِي إتْلَافِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لِلْوَقْفِ الَّذِي عَلَيْهِ يُنَافِي ذَلِكَ قُلْت لَا يُنَافِيهِ لِظُهُورِ فُرْقَانِ مَا بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ ثَمَّ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بَلْ مَنْ بَعْدَهُ يَسْتَحِقُّهُ أَيْضًا فَضَمِنَهُ لِأَجْلِ غَيْرِهِ وَهُنَا لَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ اسْتِحْقَاقٌ فِيهِ بِوَجْهٍ فَلَمْ يَضْمَنْهُ وَأَيْضًا فَالْوَقْفُ فِيهِ نَاظِرُهُ إمَّا عَامٌّ أَوْ خَاصٌّ يُطَالِبُ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ بِالْبَدَلِ وَهُنَا لَا مَطَالِبَ وَأَيْضًا فَالْقَصْدُ بِالْوَقْفِ الدَّوَامُ فَلَوْ لَمْ يَضْمَنْ لَنَا فِي مَقْصُودَهُ وَالْقَصْدُ مِنْ التَّضْحِيَةِ إرَاقَةُ الدَّمِ مَعَ إرْفَاقِ الْمَسَاكِينِ بِأَدْنَى جُزْءٍ مِنْهَا غَيْرِ تَافِهٍ وَقَدْ حَصَلَ هَذَا الْمَقْصُودُ فَلَا وَجْهَ لِلضَّمَانِ عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِنَا كَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْقَاصِّ وَالْإِصْطَخْرِيِّ وَابْنِ الْوَكِيلِ قَالُوا إنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ الْجَمِيعِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقَاصِّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ - لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّضْحِيَةِ أَتَمَّ. اهـ. وَالتَّقَرُّبُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ فَحَسْبُ وَأَمَّا الضَّحِيَّةُ بَعْدَ الذَّبْحِ فَكَسَائِرِ الذَّبَائِحِ غَيْرِهَا وَعَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ مُطْلَقًا وَكَذَا يُقَالُ فِي جِلْدِهَا وَنَحْوِهِ مِمَّا لَهُ الِانْتِفَاعُ بِعَيْنِهِ مَا دَامَتْ بَاقِيَةً دُونَ نَحْوِ بَيْعِهِ هَذَا حُكْمُ الْإِتْلَافِ مِنْ

стр. 1194

حَيْثُ الضَّمَانُ وَعَدَمُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ لَا مَحِيدَ عَنْهُ فَيَتَعَيَّنُ اعْتِمَادُهُ لِأَنَّ قَوَاعِدَهُمْ تُصَرِّحُ بِهِ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْإِثْمِ فَإِنْ تَعَمَّدَ أَثِمَ لَا مِنْ حَيْثُ التَّضْحِيَةُ بَلْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا إضَاعَةَ مَالٍ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لَمْ يَأْثَمْ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَكَذَا قَدْ يَتَخَيَّلُ إلَخْ. فَهُوَ إنَّمَا يَتَّجِهُ فِي الْغَنِيِّ الَّذِي أُهْدِيَ إلَيْهِ دُونَ نَفْسِهِ وَدُونَ الْفَقِيرِ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ لَا تَمْلِيكِهِمْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرِهِمَا خِلَافًا لِابْنِ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ كَمَا يَأْتِي فَلَا يَجُوزُ تَمْلِيكُ الْأَغْنِيَاءِ شَيْئًا مِنْ الْأُضْحِيَّةِ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ بَلْ بِالْأَكْلِ وَلِذَا جَازَ إطْعَامُهُمْ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا وَكَذَا الْإِهْدَاءُ إلَيْهِمْ كَمَا يَأْتِي وَاسْتَثْنَى الْبُلْقِينِيُّ مِنْ ذَلِكَ ضَحِيَّةَ الْإِمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ فَيَمْلِكُ الْأَغْنِيَاءُ مَا يُعْطِيهِمْ مِنْهَا بِخِلَافِ الْفُقَرَاءِ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُمْ فَيَجُوزُ إطْعَامُهُمْ وَتَمْلِيكُهُمْ حَتَّى مِنْ الزَّائِدِ عَلَى مَا يَجِبُ تَمْلِيكُهُ نِيئًا وَيَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ أَمَّا الْأَغْنِيَاءُ فِيمَا يُهْدَى إلَيْهِمْ فَلَا يَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِغَيْرِ الْأَكْلِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ يَجُوزُ إطْعَامُهُمْ كَمَا يُطْعِمُ الضَّيْفَ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْقَمُولِيِّ نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ مَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ مِنْ أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ لَا يَجُوزُ لَهُ إتْلَافُهُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا أَنْ يَمْلِكَهُ الْأَغْنِيَاءُ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ وَلَهُمْ الْأَكْلُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ. وَنَظَرَ فِيهِ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِهِمْ جَوَازُ الْإِهْدَاءِ إلَى الْأَغْنِيَاءِ فِي الْهِبَةِ الْمُفِيدَةِ لِلْمِلْكِ الْمُمَكِّنَةِ مِنْ التَّصَرُّفِ لَا الْإِطْعَامِ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى هَدِيَّةً وَيُرَدُّ وَإِنْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، وَغَيْرُهُ أَنَّ مَا قَالَهُ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ الَّذِينَ ذَكَرُوا الْإِهْدَاءَ بِأَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُ أَكْلِهِمْ مِنْهَا وَإِنَّمَا جَازَ لَهُمْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُوَسِّعَ لَهُمْ فِي غَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ وَظَاهِرُ التَّشْبِيهِ بِالضَّيْفِ أَنَّهُ لَيْسَ لِغَنِيٍّ أُهْدِيَ لَهُ شَيْءٌ مِنْهَا إهْدَاؤُهُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُحْمَلُ الْإِهْدَاءُ إلَيْهِمْ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَا الْمِلْكِ فَلِلْمُهْدِي اسْتِرْجَاعُهُ وَلَوْ بَعْدَ الْوُصُولِ لِلْمُهْدَى إلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْأَذْرَعِيِّ قَضِيَّةُ التَّشْبِيهِ بِالضَّيْفِ أَنَّ الْمُهْدَى إلَيْهِ لَا يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ الْأَكْلِ مِنْ صَدَقَةٍ وَنَحْوِهَا وَفِي مَنْعِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْإِيثَارِ بِهِ بُعْدٌ بِخِلَافِ مَنْعِهِ مِنْ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ كَالْمُضَحِّي يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَيْ الْبَيْعُ دُونَ الصَّدَقَةِ وَإِطْعَامِ الْغَيْرِ فَيُرَدُّ بِأَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ كَالْمُضَحِّي لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّفْرِقَةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِجَوَازِ التَّصَدُّقِ وَإِطْعَامِ الْغَيْرِ بِخِلَافِ الْمُهْدَى إلَيْهِ. اهـ. مَا فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا ذَكَرْتُهُ أَمَّا الْفَقِيرُ فَوَاضِحٌ لِمَا عُلِمَ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ فَأَوْلَى إطْعَامُ نَحْوِ الْهِرَّةِ وَأَمَّا الْمُضَحِّي فَلَمَّا عَلِمَ أَيْضًا أَنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ بِالْأَكْلِ وَالصَّدَقَةِ وَإِطْعَامِ الْغَيْرِ وَإِطْعَامِ نَحْوِ الْهِرَّةِ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْغَنِيُّ الْمُهْدَى إلَيْهِ فَلِمَا عُلِمَ أَنَّهُ إبَاحَةٌ لَهُ وَأَنَّهُ كَالضَّيْفِ وَقَدْ صَرَّحُوا فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ وَلَا إطْعَامُ نَحْوِ الْهِرَّةِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ فِي الْمُضَحِّي قَوْلُهُمْ يَجُوزُ لَهُ شُرْبُ مَا فَضَلَ مِنْ لَبَنِ الْمَنْذُورَةِ عَنْ رِيِّ وَلَدِهَا وَأَنْ يَسْبِقَهُ غَيْرُهُ أَيْ وَلَوْ وَلَدَ دَابَّةٍ أُخْرَى فَكَمَا جَازَ لَهُ سَقْيُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ إطْعَامُ نَحْوِ الْهِرَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا إلَى قَوْلِهِ اهـ ظَاهِرٌ. وَمِنْ ثَمَّ قُلْت فِي شَرْحِ الْعُبَابِ فَرْعٌ مَاتَ الْمُضَحِّي وَعِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ وَإِهْدَاؤُهُ لَمْ يُورَثْ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ لَكِنْ لِوَارِثِهِ وِلَايَةُ الْقِسْمَةِ وَالتَّفْرِقَةِ وَالْإِهْدَاءِ وَالْأَكْلِ كَمَا كَانَ لَهُ ذَكَرَهُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ. اهـ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ بِمَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَتَعْلِيلِهِ دَفَعَ الْإِشْكَالَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ حِينَ مَوْتِهِ إلَخْ فَتَخَيُّلُ الْأَشْكَالِ بِذَلِكَ بَعِيدٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ سَوْقِ كَلَامِ الْقَفَّالِ وَعِبَارَةِ شَرْحِ الْعُبَابِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ أَيْ جَوَازُ الْأَكْلِ لِلْمُضَحِّي إذَا ضَحَّى عَنْ نَفْسِهِ فَلَوْ ضَحَّى عَنْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ كَمَيِّتٍ أَوْصَى بِذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ الْأَكْلُ مِنْهُ وَبِهِ صَرَّحَ الْقَفَّالُ فِي الْمَيِّتِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ وَقَعَتْ عَنْهُ أَيْ الْمَيِّتِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَيْ الْمُضَحِّي الْأَكْلُ مِنْهَا إلَّا بِإِذْنِهِ أَيْ الْمَيِّتِ. وَقَدْ تَعَذَّرَ فَيَجِبُ التَّصَدُّقُ عَنْهُ بِجَمِيعِهَا وَاعْتَمَدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ وَعِبَارَةُ الْمَطْلَبِ هَلْ يَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي جَوَازِ الْأَكْلِ وَالْإِهْدَاءِ نَظَرًا إلَى أَنَّهَا

стр. 1195

تَطَوُّعٌ أَوْ نَقُولُ قَدْ صَارَتْ وَاجِبَةَ الذَّبْحِ بَعْد الْمَوْتِ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَنْذُورَةِ أَوْ يَتَعَيَّنُ صَرْفُ الْجَمِيعِ لِلْفُقَرَاءِ لِأَنَّهَا حُسِبَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ الثُّلُثِ مَحَلُّ نَظَرٍ وَالْأَقْرَبُ الْأَخِيرُ انْتَهَتْ وَفِيهِ بَسْطٌ مُهِمٌّ ذَكَرْتُهُ فِي حَاشِيَةِ الْإِيضَاحِ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَبِهَا يُعْلَمُ ظُهُورُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُضَحِّي إذَا مَاتَ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ الْمُضَحَّى عَنْهُ فَإِنَّ الْأَوَّلَ كَانَتْ لَهُ وِلَايَةُ التَّفْرِقَةِ وَالْأَكْلِ وَالْإِهْدَاءِ فَثَبَتَ كُلُّ ذَلِكَ لِوَارِثِهِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَلَمْ يَثْبُتْ لِوَارِثِهِ شَيْءٌ مِنْهُ لِمَا ذُكِرَ. وَلِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ حُسِبَتْ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْ الثُّلُثِ أَيْ إذَا أَوْصَى بِهَا فَصَارَتْ جَمِيعُهَا مُسْتَحِقَّةً لَهُمْ وَوَرَثَةُ الْمَيِّتِ الْمُوصَى لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ ثُلُثِهِ الْمُوصِي بِهِ وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ لِئَلَّا يَتَّحِدَ الْقَابِضُ وَالْمُقْبَضُ وَأَمَّا الْأَغْنِيَاءُ فَلِأَنَّ الْوَصَايَا إنَّمَا تَنْصَرِفُ إلَى الْفُقَرَاءِ غَالِبًا فَلَمْ يَجُزْ صَرْفُ شَيْءٍ إلَيْهِمْ أَيْضًا وَأَمَّا قَوْلُهُ فَلَوْ كَانَ وَرَثَتُهُ أَوْ بَعْضُهُمْ صِغَارًا إلَخْ فَإِنْ أَرَادَ بِهِمْ وَرَثَةَ الْمَيِّتِ الْمُضَحَّى عَنْهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا عَلِمْتَ أَنَّ وَارِثَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا لِوُجُوبِ صَرْفِ جَمِيعِهَا لِلْفُقَرَاءِ كَمَا عَلِمْتَهُ مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ الرِّفْعَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَوْلُهُ فِي حِكَايَةِ كَلَامِ الْقَفَّالِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَقُلْهُ الْقَفَّالُ كَذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّمَا عَلَّلَ عَدَمَ جَوَازِ أَكْلِ الْمُضَحِّي وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ بِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ وَقَعَتْ عَنْ الْمَيِّتِ فَلَا يَحِلُّ الْأَكْلُ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ فَيَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهَا عَنْهُ وَقَوْلُهُ بِالْقِسْطِ لِئَلَّا يَضِيعَ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ إذْ التَّقْسِيطُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَخَشْيَةُ الضَّيَاعِ لَيْسَتْ هِيَ الْمُبِيحَةُ لِلْأَكْلِ لِمَا يَأْتِي وَقَوْلُهُ مَمْنُوعٌ فِيمَا يَظْهَرُ ظَاهِرٌ لَكِنْ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ لِلتَّعَلُّقِ اللَّازِمِ إلَخْ مَمْنُوعٌ إذْ التَّعَلُّقُ اللَّازِمُ لَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّيْنَ وَالْحُقُوقَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ لَا يَمْنَعُ انْتِقَالُهَا لِلْوَرَثَةِ وَإِنْ حُجِرَ عَلَيْهِمْ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا حَتَّى لَوْ قَضَوْا الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِهَا بِأَنَّهَا عَلَى مِلْكِهِمْ وَلَوْ بِيعَتْ فِيهِ كَانَتْ زَوَائِدُهَا مِنْ حِين الْمَوْتِ إلَى وَقْتِ الْبَيْعِ مِلْكًا لَهُمْ. وَقَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ إلَخْ هُوَ كَذَلِكَ لَا لِمَا ذَكَرَهُ فَحَسْبُ بَلْ لِمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ وَصَرَّحُوا بِهِ مِنْ زَوَالِ مِلْكِ الْمُضَحَّى عَنْهَا وَعَدَمِ إرْثِهَا عَنْهُ وَإِنَّ الثَّابِتَ لِلْوَارِثِ إنَّمَا هُوَ وِلَايَةُ التَّفْرِقَةِ وَجَوَازُ الْأَكْلِ فَالْمُورَثُ لَيْسَ إلَّا الْوِلَايَةُ وَالْجَوَازُ الْمَذْكُورَانِ فَقَطْ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ فَأَمَّا الْوِلَايَةُ فَيَخْلُفُ الْوَارِثَ الْمَحْجُورَ فِيهَا وَلِيَّهُ لِعَدَمِ تَأَهُّلِهِ لَهَا وَأَمَّا جَوَازُ الْأَكْلِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِيهِ غَيْرُهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ لَهُ بِمَعْنَى أَنَّ لِلْوَارِثِ أَنْ يُطْعِمَهُ مِنْهَا لَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِذَا خَلَفَهُ وَلِيُّهُ فِي وِلَايَةِ التَّفْرِقَةِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ إطْعَامه وَحْدَهُ فَلَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ وَأَنْ يُطْعِمَ غَيْرَهُ. فَعُلِمَ بِمَا قَرَّرْته أَنَّ جَوَازَ إطْعَام الْوَلِيِّ غَيْرَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ مِنْهُ. اهـ. وَصَرِيحُ كَلَامِهِمْ وَلَا نَظَرَ لِلتَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلْمَنْعِ إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ حِلَّ أَكْلِ الْمُضَحَّى مِنْهَا رُخْصَةٌ إذْ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدُّهَا الْمُقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ بَلْ هُوَ ثَابِتٌ قَبْلَ النَّسْخِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفُ وَأَتَمُّ. اهـ. مَا مُتَوَارِدَاتٌ عَلَى جَوَازِ الِادِّخَارِ مِنْهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ فَأَمَّا حِلُّهُ قَبْلَ ثَلَاثٍ وَحَلَّ الْأَكْلُ مُطْلَقًا فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ نَسْخٌ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْهُ وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّدَقَةَ هِيَ الْأَصْلُ فِيهَا لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا نُسِخَ امْتَنَعَ النَّظَرُ إلَيْهِ مُطْلَقًا فَلَا يُعْمَلُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ وَلَا بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ وَأَيْضًا فَالْمَنْظُورُ إلَيْهِ فِيهَا بِطَرِيقِ الذَّاتِ إنَّمَا هُوَ إرَاقَةُ الدَّمِ لِأَنَّهُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي وُجُوبِهَا كَمَا مَرَّ وَعَلَى الْوُجُوبِ فَهِيَ بِجُزْءٍ غَيْرِ تَافِهٍ فَهَذِهِ كُلُّهَا صَرَائِحُ فِي مَنْعِ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَأَمَّا التَّعْلِيلُ الصَّحِيحُ وَالْمَأْخَذُ الظَّاهِرُ فَهُوَ مَا ذَكَرْته وَاسْتَنْبَطْتُهُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَحَرَّرْته فَلَا مَسَاغَ فِي الْعُدُولِ عَنْهُ وَقَوْلُهُ فَالظَّاهِرُ جَوَازُ أَكْلِهِ إلَخْ إنَّمَا يَتَّجِهُ عَلَى مَا قَالَهُ جَمْعٌ فِيمَنْ أَوْصَى إلَى إنْسَانٍ بِتَفْرِقَةِ ثُلُثِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ نَفْسَهُ وَانْتَصَرَ لَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِاتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبَضِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ هُنَا أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا لِاتِّحَادِهِمَا وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ نَائِبَ الْمَالِك لِأَنَّ الْوَصِيَّ أَيْضًا نَائِبُ الْمَالِكِ. وَقَدْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ نِيَابَتَهُ عَنْهُ تُقَوِّي ذَلِكَ الِاتِّحَادَ الْمَمْنُوعَ فَإِنْ قُلْت فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا قُلْت يَفْرُقُ بِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ
следующие страницы →