Полный текст (1 335 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الْحَمْدِ أَتَى أَجْزَأَهُ إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى كَلَامٍ لِلْجِيلِيِّ وَغَيْرِهِ وَرَدَّهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ غَرِيبٌ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ.
وَقَوْلُهُ وَلَا نَقُولُ إنَّ لِلْحَمْدِ لَفْظٌ مُتَعَيَّنٌ إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى لُغَةٍ غَيْرِ مَشْهُورَةٍ وَهِيَ إهْمَالٌ.
وَقَوْلُهُ وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ بِالْمُضْمَرِ وَكَوْنِهِ أَوْلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] إلَخْ إنْ أَرَادَ الِاحْتِجَاجَ بِهِ لِلْجَوَازِ الْمُطْلَقِ فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ أَوْ لِلْجَوَازِ فِي الْخُطْبَةِ قِيلَ لَهُ سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْت مُغَرِّبًا شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبٍ وَإِذَنْ قَدْ انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ الْمَعْلُوم مِنْهُ. رَدُّ بَقِيَّةِ الْأَجْوِبَةِ لِمَنْ تَأَمَّلَ ذَلِكَ لَكِنْ مِنْ حَقِّ هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يُزَادَ فِي إيضَاحِهِ وَبَسْطِهِ فَنَقُولُ: قَوْلُ الثَّانِي نَقْلًا عَمَّنْ ذَكَرَهُ وَهُوَ أَبْلَغُ وَأَجْزَلُ إلَخْ إذَا أَرَادَ بِهِ إطْلَاقَ الْأَبْلَغِيَّةِ فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ الظَّاهِرَ قَدْ يُؤْتَى بِهِ بَدَلًا عَنْ الضَّمِيرِ لِزِيَادَةِ التَّقْرِير وَالتَّمْكِينِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] وَقَدْ يُؤْتَى بِهِ لِتَعْظِيمِ الْمُحَدَّثِ عَنْهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩] وَقَدْ يُؤْتَى بِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَا أُسْنِدَ إلَيْهِ هُوَ اللَّائِقُ بِهِ.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى الْآيَةُ الثَّانِيَة أَيْضًا وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] وَلَمْ يَقُلْ وَاسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ يُنْبِئُ عَنْ قَبُولِ شَفَاعَتِهِ وَإِذَا أَرَادَ بِهِ خُصُوصِيَّةَ ذَلِكَ لِبَعْضِ الْأَمْكِنَةِ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ مِنْ الْمَوَاضِع الَّتِي يَكُونُ الْإِتْيَانُ فِيهَا لَفْظًا بِالظَّاهِرِ أَجْزَلَ؛ لِأَنَّ الْبَلَاغَة فِي الْخُطْبَةِ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا وَالْبَلَاغَةُ فِيهِ أَبْلَغُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوَاعِد الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْتهَا تَتَأَتَّى فِيهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْخَطِيبِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ النَّبِيِّ أَوْ الْحَاشِرِ أَوْ الْمَاحِي أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَلَوْ بَعْدَ سَبْقِ ذِكْرِهِ يَدُلُّ عَلَى التَّقْرِير وَالتَّمْكِينِ وَيَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِهِ ﷺ حَيْثُ لَمْ يَكْتَفِ فِي التَّسْوِيَةِ بِمَزِيدِ شَرَفِهِ إلَّا بِاسْمِهِ الظَّاهِرِ دُونَ ضَمِيرٍ يَرْجِعُ لِمَا سَبَقَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ طَلَبِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُهُ أَوْ وَصْفُهُ الشَّرِيفُ مِنْ زِيَادَةِ تَحَلِّيه مِنْ مَحَامِد الْهِبَةِ أَوْ الْإِنْبَاءِ أَوْ الرِّسَالَة عَنْ اللَّهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك أَتَمَّ ظُهُورٍ وَيَتَّضِحُ لَك أَكْمَلَ إيضَاحٍ عِلَّةُ وُجُوبِهِمْ الْإِظْهَار فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَعَدَمِ إجْزَاءِ الضَّمِيرِ إذْ عَوْدُهُ عَلَى الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ هُوَ الْأَصْلُ وَلَا يَتَيَقَّظُ السَّامِعُ عِنْدَ سَمَاعِهِ لِنُكْتَةٍ فِيهَا مَزِيدُ تَشْرِيفٍ لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا عُدِلَ عَنْ الْأَصْلِ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ ذِكْرُ الْمُظْهَرِ فَإِنَّ السَّامِعَ حِينَئِذٍ يَتَنَبَّهُ إلَى نُكْتَةِ الْعُدُولِ فَيَسْتَفِيدُهَا فَفِيهِ مِنْ رِعَايَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى شَرَفِهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ أَمْكَنَ مَا لَا يَخْفَى.
وَقَوْلُهُ وَكَانَ الْقِيَاسُ إلَخْ مَمْنُوعٌ لِإِيضَاحِ الْفَارِقِ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُهُ وَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَخْ هُوَ الْوَاهِمُ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ بَحْثٍ وَقَوْلُهُ وَغُلُوٌّ فِي الْجُمُودِ عَلَى الظَّاهِرِ هُوَ الْجُمُودُ الْمَحْضُ الْمُنْبِئُ عَنْ عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ الَّتِي أَشَرْت إلَيْهَا وَقَوْلُهُ وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ مُجَرَّدُ دَعْوَى كَمَا وَقَعَ لِمَنْ قَبْلَهُ كَمَا قَدَّمْت رَدَّهُ. وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ مِنْ الْمَفْهُومَات الْبَوَارِدِ هُوَ الْبَارِدُ النَّاشِئُ عَنْ بَرْدِ الْقُطْنَةِ وَجُمُودِ الْقَرِيحَةِ وَقَوْلُ الثَّانِي وَكَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى فُحُولَتِهِ مُجَرَّدُ تَقْلِيدٍ مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ وَقَوْلُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ إلَخْ هُوَ مِنْ التَّهْوِيلِ بَلْ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَوَّلُ مِمَّا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَلَا يَقْبَلُهُ إلَّا غَبِيٌّ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْمَآخِذُ وَالْقَوَاعِدِ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ التَّفْقِيه مِنْ التَّعَجُّبِ مِنْ إيجَابِ الشَّافِعِيِّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ مَمْنُوعٌ وَقَدْ بَيَّنَ أَصْحَابُنَا دَلِيلَ ذَلِكَ مِنْ الْقِيَاسِ وَفِعْلِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ شَامِلٌ لِلظَّاهِرِ وَالْمُضْمَر إلَخْ. نَاشِئٌ عَنْ النَّظَرِ لِبَعْضِ كَلَامِهِمْ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ بَاقِيه وَعَنْ مَدَارِكِهِ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] هُوَ نَظِيرُ مَا وَقَعَ لِلْمُجِيبِ الْأَوَّلِ مِمَّا مَرَّ فِيهِ أَنَّهُ لَا مُطَابَقَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدْلُول كَوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِاسْتِدْلَالَاتِ كَمَا لَا يَخْفَى وَقَوْلُهُ إذْ الْغَرَضُ إلَخْ مَمْنُوعٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ الْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَهُمَا وَقَوْلُهُ مَحْمُولٌ إلَخْ لَا دَلِيلَ لِهَذَا الْحَمْلِ بَلْ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَهُّمُ نِزَاعٍ فِي ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ سَبْقِ مَا يَرْجِعُ
стр. 247
إلَيْهِ الضَّمِيرُ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِلنِّزَاعِ حِينَئِذٍ بَلْ هُوَ مُكَابَرَةٌ وَعِنَادٌ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْهُ اخْتَصَرَهَا وَأَجْحَفَ بِمَا قَدْ يُؤَدِّي لِإِيهَامِ هِيَ سَالِمَةٌ عَنْهُ وَقَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ إلَخْ مَمْنُوعٌ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُهُ وَوَجَدْنَا الْإِجْمَاع السُّكُوتِيَّ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ لَهُ كَالْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ كُلَّ الْعُلَمَاء فِي كُلِّ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ اكْتَفُوا بِالضَّمِيرِ وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِهْجَانِ إلَخْ هُوَ الْمُسْتَهْجَنُ لِمُنَافَاتِهِ لِقَوَاعِدِ الْبُلَغَاء الَّتِي أَشَرْت إلَيْهَا فِيمَا مَرَّ وَفَرْقُهُ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالتَّشَهُّدِ بِمَا ذَكَرَهُ لَوْ سَكَتَ عَلَيْهِ لَكَانَ أَوْلَى لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الضَّمِيرَ لَا يُجْزِئُ فِي الْخُطْبَةِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الِاخْتِصَارِ وَحَذْفِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ إذَا لَمْ يَجُزْ فِي الصَّلَاةِ الْمَطْلُوب فِيهَا التَّحَرُّزُ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ مَا أَمْكَنَ فَلَا يُجْزِئُ فِي الْخُطْبَةِ الَّتِي لَا يُطْلَبُ فِيهَا التَّحَرُّزُ الْمَذْكُورُ بِالْأَوْلَى.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُجِيبُ الثَّالِثُ مِنْ اعْتِمَادِ الْأَجْوِبَةِ فَمَمْنُوعٌ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا أَيْضًا فَمَقْبُولٌ وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ إذْ الْإِجْمَاع عَلَى جَوَازِ الضَّمِيرِ بَلْ وَلَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ لِأَنَّ الْمُخَالِف إنَّمَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا وَلَوْ فِي الْفَتْوَى وَلَمْ يُوجَدْ بَلْ وَجَدْنَا مُجْتَهِدِينَ بِهَا مُصِرِّينَ بِالْمَنْعِ.
فَوَجَبَ عَلَيْنَا اتِّبَاعهمْ فِي ذَلِكَ لِعَدَمِ بُلُوغِنَا لِمَا نَالُوهُ مِنْ عَلِيِّ الْمَسَالِك وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ جُمُعَةٍ تُقَامُ فِي بَلْدَةٍ بِشُرُوطِهَا فَقَصَّرَ حَتَّى فَاتَتْهُ ثُمَّ سَمِعَ النِّدَاءَ مِنْ بَلَدٍ أُخْرَى فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْي إلَيْهِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ السَّعْيَ إنَّمَا يَجِبُ بِسَمَاعِ النِّدَاءِ مِنْ بَلَدٍ أُخْرَى عَلَى مَنْ لَا جُمُعَةَ فِي بَلَدِهِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ لِأَنَّ بَلَدَهُ حِينَئِذٍ لَا جُمُعَةَ فِيهَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مُقَصِّرًا وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِإِطْلَاقِهِمْ وَالثَّانِي أَقْرَبُ لِلْمَعْنَى وَكَوْنُ جُمُعَةِ بَلَدِهِ هِيَ الْأَصْلِيَّةُ فِي حَقِّهِ فَإِذَا فَاتَتْ وَجَبَ عَلَيْهِ الظُّهْرُ أَدَاءً لَا قَضَاءً بِأَمْرٍ جَدِيدٍ لَا بَدَلَ عَنْ الْجُمُعَةِ لَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ وَاحِدٍ مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ لَكِنَّ تَعَرُّضَ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِلصِّحَّةِ إذَا خَرَجَ وَصَلَّاهَا مَعَ أَهْلِ الْبَلَدِ الْأُخْرَى دُونَ الْوُجُوبِ قَدْ يُومِئ إلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يُكْرَهُ السَّفَرُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى قَوْلِ الْغَزَالِيِّ فِي الْخُلَاصَةِ مَنْ سَافَرَ لَيْلَتَهَا دَعَا عَلَيْهِ مَلَكَاهُ الْكَرَاهَة. وَهُوَ مُتَّجَهٌ إنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنْ الْجُمُعَةِ قِيَاسًا عَلَى بَيْعِ النِّصَابِ الزَّكَوِيِّ قَبْلَ الْحَوْلِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْحَوْلَ ثَمَّ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ انْعَقَدَ فِي حَقِّهِ بِخِلَافِهِ هُنَا وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ مَدْرَكُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَصْحَاب مَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَة.
(وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاته بِمَا صُورَته تَقَدَّمَ إحْرَامُ أَرْبَعِينَ بِصِفَةِ الْكَمَالِ عَلَى إحْرَامِ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ كَغَيْرِ الْمُسْتَوْطِنِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ذَكَرَ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيُّ أَنَّهُ شَرْطٌ وَتَبِعَهُمَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْمُوَافِقُ لِإِطْلَاقِهِمْ خِلَافُهُ وَمِنْ ثَمَّ ضَعَّفَ مَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مُتَأَخِّرُونَ. وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي التَّأَخُّر خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَلَا تَفُوتُهُ بِذَلِكَ فَضِيلَةُ التَّحَرُّم فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّهُ تَأَخَّرَ لِعُذْرٍ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا صُورَته صَحَّ أَنَّ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْخَطِيبُ إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ فَهَلْ هَذَا فِي كُلِّ خَطِيبٍ أَوْ لَا فَإِنَّ أَوْقَاتَ الْخُطَبِ تَخْتَلِفُ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَدُّدُ سَاعَةِ الْإِجَابَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِي مُنْذُ سِنِينَ حَتَّى رَأَيْت النَّاشِرِيَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ فِي جَمَاعَةٍ غَيْرَهَا فِي حَقِّ آخَرِينَ وَهُوَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ فِي حَقِّ كُلِّ خَطِيبٍ وَسَامِعِيهِ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ كَمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ فَلَا دَخْلَ لِلْعَقْلِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ صِحَّةِ النَّقْلِ فِيهِ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّنْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً وَقْتَ الْخُطْبَةِ هَلْ يُصَلِّيهَا وَيَتْرُكُ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يُصَلِّي الْفَائِتَة الَّتِي تَذَكَّرَهَا وَقْتَ الْخُطْبَةِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ فِي مَسْجِدٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهَا نَحْوَ أَرْبَعمِائَةِ ذِرَاعٍ وَالْحَالُ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ
стр. 248
الْجُمُعَةَ فِيهِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَنَّ بِالْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ مَسْجِدًا لَطِيفًا وَقُدَّامُهُ رِحَابٌ فَهَلْ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ الْمُنْفَصِلُ مُعَدًّا مِنْ حَرِيمِ الْبَلَدِ بِأَنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ كَانَ كَاَلَّذِي بَيْنَ عُمْرَانِهَا فَلِأَهْلِ الْبَلَدِ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي أَحَدِهِمَا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْهَا فَإِنْ جَاوَزَ حَرِيمَهَا كَالْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ حَرِيمَ الْبَلَدِ لَا يَبْلُغُ أَرْبَعمِائَةِ ذِرَاعٍ لَمْ يَجُزْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا ثُمَّ خَرِبَ مَا حَوْلَهُ أَمْ لَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
(وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاته لَوْ اتَّصَلَتْ قَرْيَتَانِ فَهَلْ يَجُوزُ تَعَدُّدُ الْجُمُعَةِ فِيهِمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمْ حَيْثُ عَدُّوهُمَا كَالْقَرْيَةِ الْوَاحِدَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُجَاوَزَةِ عُمْرَانِهِمَا فِي السَّفَرِ امْتَنَعَ تَعَدُّدُهَا وَإِلَّا جَازَ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي تَوْجِيهِ تَعَدُّدِ الْجُمُعَةِ فِي بَغْدَادَ أَنَّهَا كَانَتْ قُرًى ثُمَّ اتَّصَلَتْ وَلَا فَرْقَ حَيْثُ اتَّصَلَتَا الِاتِّصَالَ الَّذِي ذَكَرُوهُ بَيْنَ أَنْ يَتَمَيَّزَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِاسْمٍ أَوْ لَا وَلَا بَيْنَ أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَ بَعْضِ جَوَانِبَهُمَا نَهْرٌ أَوْ لَا.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ ذَكَرُوا أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ الَّذِينَ لَا يُمْكِنُهُمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ بِبَلَدِهِمْ إذَا سَمِعُوا النِّدَاءَ تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ فَإِنْ كَانَتْ فِي وَهْدَةٍ أَوْ قُلَّةِ جَبَلٍ قُدِّرَتْ مُعْتَدِلَةً فَإِنْ سُمِعَتْ لَزِمَتْهُمْ الْجُمُعَةُ وَإِلَّا فَلَا هَلْ يَشْمَلُ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَتْ الْوَهْدَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَجْهِ الْأَرْضِ يَوْمَانِ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَشْمَلُ ذَلِكَ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُمْ أَيْضًا يَجِبُ عَلَى بَعِيدِ الدَّارِ السَّعْيُ قَبْلَ الْوَقْتِ إذْ قَوْلُهُمْ قَبْلَ الْوَقْتِ يَشْمَلُ مَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَقَوْلُهُمْ يَجِبُ السَّعْيُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ إذْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ بَطِيءَ الْمَشْيِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَصِلَ لِبَلَدِ الْجُمُعَةِ إلَّا إنْ سَافَرَ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ مِنْ حِينَئِذٍ. وَلَا يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ انْتَفَتْ عَنْهُ سَائِرُ أَعْذَارِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُمْ سَائِرُ أَعْذَارِ الْجَمَاعَة عُذْرٌ لِلْجُمُعَةِ إلَّا نَحْوَ الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ بِاللَّيْلِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّهُ حَيْثُ سُلِّمَ وُجُوبُ السَّعْيِ لَيْلًا يَنْبَغِي بَلْ يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ الرِّيحُ الْعَاصِفَةُ بِاللَّيْلِ عُذْرًا فِي حَقِّهِ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ تِلْكَ الْقَرْيَةَ الَّتِي تَحْتَ الْأَرْضِ إنْ كَانَتْ فِي سِرْبٍ نَازِلٍ عَلَى الِاسْتِوَاءِ اعْتَبَرْنَاهَا عَلَى رَأْسِهِ أَوْ مَعَ انْحِرَافٍ اعْتَبَرْنَاهَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْمُسَامِتِ لَهَا لَا عَلَى رَأْسِ السِّرْبِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ قَالُوا لَا بُدَّ فِي إقَامَةِ الْجُمُعَةِ أَنْ تَكُونَ فِي مَحَلٍّ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فِيهِ فَهَلْ إذَا أَقَامَهَا مَنْ دُورُهُمْ خَارِجَ السُّورِ وَتَكَمَّلُوا بِوَاحِدٍ مِمَّنْ دَارُهُ دَاخِلَ السُّورِ تَنْعَقِدُ بِهِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِ لِأَنَّهُ فِي مَحَلٍّ يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ فِيهِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَالْمُسَافِرِ إذْ لَيْسَ هُوَ دَارَ إقَامَتِهِ وَلَوْ دَخَلَ مَنْ دَارُهُ خَارِجَ السُّورِ إلَى دَاخِلِهِ انْعَقَدَتْ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ عَلَى مَا أَفْتَيْتُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ السَّفَرَ وَاحْتَاجَ إلَى قَصْرٍ دَاخِلَ السُّورِ لِكَوْنِهِ فِي مَقْصِدِهِ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ السُّورِ ثُمَّ يُجَاوِزَ الْعُمْرَانَ الَّذِي وَرَاءَهُ لِأَنَّ السُّورَ لَا عِبْرَةَ بِهِ فِي حَقِّهِ وَإِنَّمَا الْعُمْرَانُ الَّذِي خَارِجَهُ كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ دَارُ إقَامَتِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا صُورَتُهُ قَبَضَ الْخَطِيبُ حَرْفَ الْمِنْبَرِ الْمُعْوَجِّ وَنَحْوِهِ فَهَلْ تَبْطُلُ خُطْبَتُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ لَمْ يُؤَثِّرْ كَمَا لَوْ جَعَلَهَا عَلَى حَبْلٍ مُتَّصِلٍ بِكَلْبٍ وَإِنْ وَضَعَهَا مَعَ قَبْضٍ فَتَارَةً يَكُونُ صَغِيرًا بِحَيْثُ يَنْجَرُّ بِجَرِّهِ فَتَبْطُلُ خُطْبَتُهُ كَمَا لَوْ قَبَضَ حَبْلًا مُتَّصِلًا بِسَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ فِيهَا نَجَسٌ وَتَارَةً يَكُونُ كَبِيرًا بِحَيْثُ لَا يَنْجَرُّ بِجَرِّهِ فَلَا يُؤَثِّرُ كَالسَّفِينَةِ الْكَبِيرَةِ وَلَا فَرْقَ فِي النَّجَاسَةِ الَّتِي عَلَيْهِ بَيْنَ ذَرْقِ الطُّيُورِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ حَمْلَ مَا فِيهِ ذَرْقُهَا لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ تَبَعًا لِبَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَإِنْ عُفِيَ عَنْ الْوُقُوفِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لَائِحٌ لَكِنْ اعْتَمَدَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْعَفْوَ عَنْهُ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ وَهُوَ حَسَنٌ لَوْ سَاعَدَهُ عَلَيْهِ نَقْلٌ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِمَا صُورَته سَلَّمَ الْإِمَامُ فِي الْوَقْتِ وَالْمَأْمُومُونَ خَارِجَهُ فَهَلْ تَصِحُّ جُمُعَتُهُ أَوْ لَا وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ بَانُوا مُحْدِثِينَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ بَلْ صَرِيحُهُ عَدَمُ صِحَّةِ جُمُعَةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَوْلَى وَعَلَيْهِ فَفَارَقَ وَمَا ذُكِرَ بِأَنَّ صُورَةَ الْجُمُعَةِ
стр. 249
وَقَعَتْ فِي الْوَقْتِ فَصَحَّتْ مِنْ الْإِمَامِ رِعَايَةً لِذَلِكَ وَبِأَنَّ الْمُحْدِثَ قَدْ تَصِحُّ مِنْهُ الصَّلَاةُ كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ خَارِجَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ صِحَّتُهَا وَبِأَنَّ أَمْرَ الْجُمُعَةِ إلَى الْإِمَامِ فَتَأْخِيرُهَا تَقْصِيرٌ مِنْهُ بِخِلَافِ تَبَيُّنِ حَدَثِهِمْ فَإِنَّهُ لَا حِيلَةَ لَهُ فِيهِ وَمُقْتَضَى هَذَا الْأَخِيرِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ بِالتَّأْخِيرِ صَحَّتْ جُمُعَتُهُ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَقَالَ إنَّهُ الْأَوْجَهُ وَفِيهِ وَقْفَةٌ بَلْ الْأَوْجَهُ مَا اقْتَضَاهُ الْفَرْقَانِ الْأَوَّلَانِ مِنْ عَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْهُ مُطْلَقًا لِأَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّارِعِ بِالْوَقْتِ أَكْثَرُ مِنْهُ بِالْعَدَدِ وَلِذَا اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الْعَدَدِ فِي مَسْأَلَةِ الِانْقِضَاضِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي الْوَقْتِ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِمَا صُورَته قَالُوا فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ يُكْرَهُ تَرْكُهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ مَخْصُوصٌ فَمَا سَبَبُ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عَلَّلُوا الْكَرَاهَة بِتَأَكُّدِهِ بِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَة الْحَاثَّةِ عَلَيْهِ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ بِأَنْ وَرَدَتْ فِيهِ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ بِطَلَبِهِ يُكْرَهُ تَرْكُهُ وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ فَيُكْرَهُ تَرْكُهُ أَوْ فِعْلُهُ بِالْأَوْلَى وَيَصِيرُ تَأَكُّدُ طَلَبِهِ أَوْ الِاخْتِلَافُ فِي وُجُوبِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ بِمَنْزِلَةِ النَّهْيِ الْمَخْصُوصِ وَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَا قَرَّرْته هُنَا عَلِمْتَ أَنَّ قَوْلَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يُكْرَهُ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى السُّنَنِ الْمُتَأَكِّدَةِ أَوْ الْمُخْتَلَفِ فِي وُجُوبِهَا كَالسُّورَةِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَإِلَّا فَإِطْلَاقُهُ الْكَرَاهَة لَا يَتَمَشَّى عَلَى اصْطِلَاحِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْمَكْرُوه مِنْ كَوْنِهِ مُغَايِرًا لِخِلَافِ الْأَوْلَى.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِهِمْ يُشْتَرَطُ فِي خَلِيفَةِ الْجُمُعَةِ أَنْ يَكُونَ مُقْتَدِيًا بِالْإِمَامِ قَبْلَ حَدَثِهِ هَلْ يَشْمَلُ الْمُتَنَفِّلَ وَغَيْرَهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا بُدَّ مِنْ اقْتِدَائِهِ بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ وَإِلَّا لَأَدَّى إلَى إنْشَاءِ جُمُعَةٍ بَعْدَ انْعِقَادِ أُخْرَى أَوْ إلَى جَعْلِهَا ظُهْرًا قَبْلَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ وَلَا يُرَدُّ الْمَسْبُوقُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَا مُنْشِئٌ قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ نَعَمْ لَوْ كَانَ غَيْرَ الْمُقْتَدِي لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ نَاوِيًا غَيْرَهَا فَلَا يَخْفَى جَوَازُهُ اهـ وَلِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَالٌ إذْ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ تُنَازِعُ فِيهِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ سَافَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَلَدِهِ قَبْلَ الْفَجْرِ إلَى بَلَدٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا نَحْوَ مِيلٍ بَلْ أَقَلَّ وَنِيَّتُهُ الْعَوْدُ مِنْهَا بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ مَعَ سَمَاعِهِ النِّدَاءَ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِي بَابِ السَّفَرِ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ لِقَوْلِهِمْ لَا يَنْقَطِعُ سَفَرُهُ بِوُصُولِهِ مَقْصِدَهُ إلَّا إنْ نَوَى الْإِقَامَةَ مُطْلَقًا أَوْ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ لِأَنَّهَا إذَا لَزِمَتْ فِي بَلَدٍ أُخْرَى بِسَمَاعِ النِّدَاءِ فَهَذَا أَوْلَى وَقَوْلُهُمْ السَّابِقُ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى انْقِطَاعِ السَّفَرِ الْمُجَوِّزِ لِلْقَصْرِ لَا الْمُسْقِطِ لِلْجُمُعَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَوْ كَانَ لَهُ بِتِلْكَ الْبَلْدَةِ زَوْجَةٌ يَأْتِيهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فَهَلْ يُقَالُ لَا تَلْزَمُهُ أَوْ يُقَالُ تَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ يُسَمَّى مُقِيمًا بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ لِأَنَّهَا وَطَنٌ لَهُ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ الثَّانِي وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ الْعِبْرَةُ فِي الْوَطَنِ إذَا كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ بِكُلٍّ مِنْ بَلَدَيْنِ بِمَا كَثُرَتْ إقَامَتُهُ فِيهِ لِأَنَّ ذَاكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَطَنِ طَنِ الْمُقْتَضِي لِكَوْنِ الْجُمُعَةِ مُنْعَقِدَةً بِهِ وَأَمَّا مُطْلَقُ الْوَطَنِ الَّذِي تَلْزَمُ بِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ التَّاجِرَ وَالْفَقِيهَ إذَا كَانَ عَزَمَ كُلٌّ عَلَى الْعَوْدِ إلَى بَلَدِهِ. وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ بَلَدٍ بِهَا جَامِعَانِ قَدِيمَانِ وَأَحَدُهُمَا أَقْدَمُ وَأَصْغَرُ لَكِنَّهُ لَا يَسَعُ أَهْلَهَا إذَا اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلْجُمُعَةِ فَأَمَرَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ أَهْلَهَا بِعَدَمِ تَعَدُّدِ الْجُمُعَةِ فَخَالَفُوا فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَعْتَقِدُ جَوَازَ التَّعَدُّدِ وَهَلْ بِمُخَالَفَتِهِمْ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ يَحِلُّ لَهُ رِقَابُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ لِتَرْكِهِمْ الصَّلَاةَ وَيُفَسَّقُونَ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ وَهَلْ إذَا انْتَقَلَ أَحَدُ إمَامَيْ الْجَامِعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَهُوَ حَنْبَلِيٌّ إلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَالَ أَنَا عِفْت مَذْهَبَ أَحْمَدَ وَتَرَكْتُهُ يُعَزَّرُ وَيَصِيرُ بِذَلِكَ مَالِكِيًّا وَهَلْ انْتِقَالُهُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ جَائِزٌ وَتَصِحُّ إمَامَتُهُ؟
(فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ مِنْ الْمَعْلُوم الْمُقَرَّر أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا يَجُوزُ تَعَدُّدُهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَعِنْدَ كَثِيرِينَ مِنْ الْعُلَمَاء إلَّا إنْ اُحْتِيجَ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مَحَلٌّ يَسَعُ أَهْلَهَا فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ التَّعَدُّدُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَقَطْ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِإِقَامَتِهَا الْمَسْجِدُ بَلْ مَتَى كَانَ فِي الْبَلَدِ مَحَلٌّ يَسَعُ أَهْلَهَا وَلَوْ غَيْرَ مَسْجِدٍ وَجَبَتْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ وَأَنَّهُ إذَا وَقَعَ تَعَدُّدٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ.
стр. 250
إلَيْهِ كَانَتْ الْجُمُعَةُ الصَّحِيحَةُ هِيَ السَّابِقَةُ وَالْعِبْرَةُ فِي السَّبْقِ بِالتَّحَرُّمِ لَا بِغَيْرِهِ وَأَنَّ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ إذَا أَمَرَ بِمَا لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ وَجَبَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَعَلَى مَنْ خَالَفَهُ التَّعْزِيرُ الشَّدِيدُ الزَّاجِرُ لِأَمْثَالِهِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ أَيْ مَنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِمَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى قَوَانِينِهَا تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ مِنْ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا مَا لَمْ يَتَتَبَّعْ الرُّخَصَ أَوْ يَحْصُلْ تَلْفِيقٌ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِمَّنْ قَلَّدَهُمْ فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَوَاعِدُ عُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ الْمُقَلِّدِينَ لِلشَّافِعِيِّ ﵁ الِاجْتِمَاعُ لِلْجُمُعَةِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَلَدِ حَيْثُ أَمْكَنَ.
وَمَتَى خَالَفُوا ذَلِكَ وَصَلَّوْا صَلَاةً فَاسِدَةً أَثِمُوا وَفَسَقُوا وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ وَعَزَّرَهُمْ الْإِمَامُ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ لَكِنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ إلَّا إنْ تَرَكُوا الْجُمُعَةَ وَإِنْ قَالُوا نُصَلِّي الظُّهْرَ بَدَلَهَا فَيَسْتَتِيبُهُمْ الْإِمَامُ فَإِنْ أَبَوْا قَتَلَهُمْ قَتْلَ تَارِكِ الصَّلَاةِ بِشَرْطِهِ الْمَعْرُوفِ فِي بَابِهِ وَلَا تَحِلُّ أَمْوَالُهُمْ إلَّا إنْ اسْتَحَلُّوا تَرْكَ فَرْضِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ سَوَاءٌ الْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا فَإِنَّهُمْ حِينَئِذٍ يَكُونُونَ مُرْتَدِّينَ فَإِذَا قَتَلَهُمْ بِذَلِكَ كَانَتْ أَمْوَالُهُمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَفِيمَا عَدَا مَا ذُكِرَ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ وَلَا أَمْوَالُهُمْ إلَّا إنْ بَغَوْا عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فَلَهُ قِتَالُهُمْ كَالْبُغَاةِ إنْ وَجَدَ فِيهِمْ شُرُوطَهُمْ الْمُقَرَّرَةَ فِي بَابِهَا.
وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِكَوْنِ الْإِمَامِ مَالِكِيًّا أَوْ غَيْرَهُ بَلْ إذَا عَدَّدَ الْجُمُعَةَ مَنْ يُجَوِّزُ مَذْهَبُهُ التَّعَدُّدَ وَجَبَ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلَدِ أَنْ يُصَلُّوا مَعَ السَّابِقَةِ فَإِنْ لَمْ يُدْرَ سَبْقٌ أَوْ عُلِمَتْ مَعِيَّةٌ أَوْ سَبْقٌ دُونَ السَّابِقِ أَوْ سَبْقٌ وَسَابِقٌ وَنُسِيَتْ عَيْنُهُ أَوْ شُكَّ فِي السَّبْقِ أَوْ الْمَعِيَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ فِيمَا عَدَا الْحَالَةَ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ ثَانِيًا لِعَدَمِ وُقُوعِ جُمُعَةٍ مُجْزِئَةٍ مِنْهُمْ وَفِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ إقَامَتُهَا ظُهْرًا وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالتَّقْلِيدِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ الْعَمَلِ عَلَى مَذْهَبِ إمَامٍ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَمِنْ وُجُودِ الشُّرُوطِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ. وَقَوْلُ الْحَنْبَلِيِّ الْمَذْكُورُ مَا ذُكِرَ عَنْهُ إنْ أَرَادَ تَنْقِيصَ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَوْ تَنْقِيصَ مِقْدَارِهِ أُدِّبَ التَّأْدِيبَ الْبَلِيغَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ عَنْ مَذْهَبِهِ لِمَذْهَبٍ آخَرَ لِقَصْدِ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ فَيُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا وَيُصَدَّقُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ فِي كَوْنِهِ انْتَقَلَ لَا لِقَصْدٍ دُنْيَوِيٍّ وَحَيْثُ صَحَّ تَقْلِيدُهُ لِإِمَامٍ مُجْتَهِدٍ جَازَتْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ مَا لَمْ يَرْتَكِبْ مُبْطِلًا فِي اعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ.
وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ إذَا أَمَرَ بِعَدَمِ تَعَدُّدِ الْجُمُعَةِ فِي بَلَدٍ وَجَبَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِهَا وَإِنْ كَانُوا أَوْ بَعْضُهُمْ مُقَلِّدِينَ لِمَنْ يُجَوِّزُ التَّعَدُّدَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَتَرْكُ التَّعَدُّدِ فَإِنْ خَالَفُوا عَزَّرَهُمْ وَأَثِمُوا وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ. كَمَا مَرَّ وَلَا تَحِلُّ أَمْوَالُهُمْ وَلَا رِقَابُهُمْ إلَّا بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ وَمُجَرَّدُ مُخَالَفَةِ الْوَاجِبَاتِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا أَوْ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا لَا يَقْتَضِي كُفْرًا وَلَا حُرْمَةَ زَوْجَةٍ وَإِنْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ تَحْلِيلُ حَرَامٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مَعْلُومٍ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ كَالزِّنَا أَوْ تَحْرِيمُ حَلَالٍ كَذَلِكَ كَالنِّكَاحِ كَانَ ذَلِكَ التَّحْلِيلُ أَوْ التَّحْرِيمُ هُوَ الْكُفْرُ وَالرِّدَّةُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَيُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَرْيَةٍ لَمْ تُقَمْ فِيهَا الْجُمُعَةُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ وَإِمَامُ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ لَمْ يُحْسِنْ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَغَيْرُهُ يُحْسِنُ قِرَاءَتَهَا فَهَلْ يَكُونُ لِذَلِكَ الْغَيْرِ الَّذِي يُحْسِنُ قِرَاءَتَهَا عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ أَوْ لَا وَإِذَا حَضَرَ ذَلِكَ الشَّخْصُ الَّذِي يُحْسِنُ قِرَاءَتَهَا وَصَلَّى الْجُمُعَةَ مُقْتَدِيًا بِالْإِمَامِ الَّذِي لَمْ يُحْسِنْ قِرَاءَتَهَا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ مَرَّةً ثَانِيَةً أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِمَنْ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ إحْسَانِ الْقِرَاءَةِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ يُبْدِلُ حَرْفًا بِآخَرَ أَوْ يَلْحَنُ لَحْنًا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّا إذَا جَلَسَ الْخَطِيبُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ هَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ فِي جُلُوسِهِ دُعَاءٌ أَوْ قِرَاءَةٌ أَوْ لَا وَهَلْ يُسَنُّ لِلْحَاضِرِينَ. حِينَئِذٍ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِقِرَاءَةٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ صَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَفْعِ الصَّوْتِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: ذُكِرَ فِي الْعُبَابِ أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَقُلْتُ فِي شَرْحِهِ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِنَدْبِهَا بِخُصُوصِهَا فِيهِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ السُّنَّةَ قِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فِيهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ ابْنِ حِبَّانَ كَانَ ﷺ يَقْرَأُ فِي جُلُوسِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ السُّنَّةَ ذَلِكَ فَهِيَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا لِمَزِيدِ ثَوَابِهَا
стр. 251
وَفَضَائِلِهَا وَخُصُوصِيَّاتِهَا قَالَ الْقَاضِي وَالدُّعَاءُ فِي هَذِهِ الْجِلْسَةِ مُسْتَجَابٌ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَيُؤْخَذُ مِمَّا ذُكِرَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّ السُّنَّةَ لِلْحَاضِرِينَ الِاشْتِغَالُ وَقْتَ هَذِهِ الْجِلْسَةِ بِالدُّعَاءِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ مُسْتَجَابٌ حِينَئِذٍ وَإِذَا اشْتَغَلُوا بِالدُّعَاءِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ سِرًّا لِمَا فِي الْجَهْرِ مِنْ التَّشْوِيشِ عَلَى بَعْضِهِمْ وَلِأَنَّ الْإِسْرَارَ هُوَ الْأَفْضَلُ فِي الدُّعَاءِ إلَّا لِعَارِضٍ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّا إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ فَأَدْرَكَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ مِنْ الْمَعْذُورِينَ أَوْ مَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَهَلْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَهُمْ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا تَجُوزُ الْإِعَادَةُ فِيمَا ذُكِرَ. كَمَا جَزَمْتُ بِهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَعِبَارَتُهُ وَدَخَلَ فِي الْمَكْتُوبَةِ فَتُسَنُّ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ إعَادَتُهَا عِنْدَ جَوَازِ التَّعَدُّدِ أَوْ سَفَرِهِ لِبَلَدٍ آخَرَ وَرَآهُمْ يُصَلُّونَهَا وَلَوْ صَلَّى مَعْذُورٌ الظُّهْرَ ثُمَّ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ أَوْ مَعْذُورِينَ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ سُنَّتْ لَهُ الْإِعَادَةُ فِيهِمَا وَلَا يَجُوزُ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ ظُهْرًا وَكَذَا عَكْسُهُ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِ انْتَهَتْ وَوَجْهُ الْمَنْعِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ أَنَّ الْإِعَادَةَ إنَّمَا نُدِبَتْ لِتَحْصِيلِ كَمَالٍ فِي فَرِيضَةِ الْوَقْتِ يَقِينًا إنْ صَلَّى الْأُولَى مُنْفَرِدًا أَوْ ظَنًّا أَوْ رَجَاءً إنْ صَلَّاهَا جَمَاعَةً وَلَوْ بِجَمَاعَةٍ أَكْمَلَ ظَاهِرًا وَمَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ كَانَتْ هِيَ فَرْضُ وَقْتِهِ فَإِعَادَتُهُ الظُّهْرَ لَا تَرْجِعُ بِكَمَالٍ عَلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي هِيَ فَرْضُ وَقْتِهِ أَصْلًا فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي إعَادَةِ الظُّهْرِ كَمَالٌ يَرْجِعُ لِفَرْضِ الْوَقْتِ امْتَنَعَتْ إعَادَةُ الظُّهْرِ لِأَنَّهَا عَبَثٌ وَالْعِبَادَةُ يُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى مَحَلِّ وُرُودِهَا أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ الْخَطِيبِ إذَا اقْتَصَرَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْأَرْكَانِ بِأَنْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ اتَّقُوا اللَّهَ وَقَرَأَ آيَةً وَفِي الثَّانِيَةِ أَتَى بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَيَرْحَمْكُمْ اللَّهُ هَلْ يُجْزِئُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إذَا اقْتَصَرَ عَلَى أَرْكَانِ الْخُطْبَتَيْنِ وَأَتَى بِشُرُوطِهِمَا أَجْزَأَهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ جَلِيٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِعُلُومِهِ مَا الْحِكْمَةُ فِي سَنِّ غُسْلِ غَاسِلِ الْمَيِّتِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِي مُمَاسَّةِ الْمَيِّتِ تَقْذِيرًا لِلْبَدَنِ فَطُلِبَ مِنْهُ إزَالَةُ ذَلِكَ الْقَذَرِ بِغَسْلِ جَمِيعِ بَدَنِهِ وَأَيْضًا فَذَلِكَ الْقَذَرُ مِمَّا يَجُرُّ لِلْبَدَنِ فُتُورًا فَطُلِبَ إنْعَاشُهُ بِالْمَاءِ كَمَا أَنَّ الْحَمَّامَ لَمَّا كَانَ يَجُرُّ فُتُورًا لِلْبَدَنِ فَطُلِبَ الْغُسْلُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ لِيُحَصِّلَ ذَلِكَ الْإِنْعَاشَ وَيَزُولَ ذَلِكَ الْفُتُورُ فَتُقْبِلُ النَّفْسُ حِينَئِذٍ عَلَى عِبَادَتِهَا وَنَحْوِهَا بِأَعْظَمِ قَابِلِيَّةٍ وَأَتَمِّ تَوَجُّهٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ إذَا رَقَى الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ هَلْ يَلْتَفِتُ لِاسْتِقْبَالِهِمْ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّهُ يَلْتَفِتُ يَمِينًا أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ وَكَذَا وُقُوفُهُ كَمَا يُفْهِمُهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ بِجَانِبِ الْمِنْبَرِ الْأَيْمَنِ إنْ وَسِعَ فَإِذَا آثَرَ الْجَانِبَ الْأَيْمَنَ بِالْجُلُوسِ أَوْ الْوُقُوفِ فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْثِرَ جِهَةَ الْيَمِينِ بِأَنْ يَجْعَلَ الِالْتِفَاتَ مِنْهَا عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَأَيْتُ الْأَصْبَحِيَّ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ إذَا رَقَى الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ هَلْ يَلْتَفِتُ عَلَى يَمِينِهِ إلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ أَمْ عَلَى شِمَالِهِ إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ أَجَابَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَالِانْصِرَافِ مِنْ الصَّلَاةِ وَفِيهِ كَلَامٌ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ اهـ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرْتُهُ لِأَنَّ الِانْصِرَافَ مِنْ الصَّلَاةِ. يَكُونُ إلَى الْيَمِينِ حَيْثُ لَا حَاجَةَ فِي جِهَةٍ أُخْرَى وَلَوْ قَاسَهُ بِالْتِفَاتِ الْإِمَامِ إلَى الْمَأْمُومِينَ بَعْدَ السَّلَامِ إلَى فَرَاغِ الدُّعَاءِ لَكَانَ أَقْرَبَ فِي الْقِيَاسِ وَهَذَا الِالْتِفَاتُ يَكُونُ إلَى الْيَمِينِ أَيْضًا فَيَتَأَيَّدُ بِهِ مَا ذَكَرْتُهُ أَيْضًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ بَعْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ بِدْعَةٌ وَهَلْ الْأَوْلَى رَفْعُهُمَا فِي زَمَنِنَا هَذَا وَقَدْ اسْتَوْلَى عَلَيْنَا الْفِرِنْجُ الْمَلْعُونُونَ وَقَدْ مَنَعَ مِنْ رَفْعِهِمَا بَعْضُ فُقَهَاءِ بِلَادِنَا مُتَمَسِّكًا بِأَنَّهُ ﷺ رَفَعَهُمَا لِلِاسْتِسْقَاءِ لَا غَيْرُ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: رَفْعُ الْيَدَيْنِ سُنَّةٌ. فِي كُلِّ دُعَاءٍ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَرْفَعْهُمَا إلَّا فِي دُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ فَقَدْ سَهَا سَهْوًا بَيِّنًا وَغَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا.
وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ مَعَ شَرْحِي لَهُ (يُسَنُّ لِلدَّاعِي خَارِجَ الصَّلَاةِ رَفْعُ يَدَيْهِ الطَّاهِرَتَيْنِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ صَحِيحَةٍ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ مِنْهَا الِاسْتِسْقَاءُ وَغَيْرُهُ كَمَا بَيَّنَهَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَقَالَ مَنْ ادَّعَى حَصْرَهَا فَهُوَ.
стр. 252
غَالِطٌ غَلَطًا فَاحِشًا. اهـ. وَهَذِهِ لِكَوْنِهَا مُثْبَتَةً مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَتِهِمَا كَانَ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الدُّعَاءِ إلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَاسْتَحَبَّ الْخَطَّابِيُّ كَشْفَهُمَا فِي سَائِرِ الْأَدْعِيَةِ وَيُكْرَهُ لِلْخَطِيبِ رَفْعُهُمَا فِي حَالِ الْخُطْبَةِ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثٍ فِي مُسْلِمٍ صَرِيحٍ فِيهِ رِعَايَةُ الرَّفْعِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطَيْهِ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثًا لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد الْمَسْأَلَةُ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْك حَذْوَ مَنْكِبَيْك وَنَحْوِهِمَا. وَالِاسْتِغْفَارُ أَنْ تُشِيرَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ. وَالِابْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْك جَمِيعًا وَهُوَ يَدُلُّ لِلْأَوَّلِ.
وَيَنْبَغِي حَمْلُ الثَّانِي أَيْ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ عَلَى مَا إذَا اشْتَدَّ الْأَمْرُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُسْلِمٍ «مِنْ رَفْعِهِ ﷺ يَدَيْهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ» . اهـ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْحِ الْعُبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ هَلْ يَجُوزُ لِلْحَاضِرِينَ وَالْمُؤَذِّنِينَ إذَا سَمِعُوا اسْمَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ أَحَدٍ مِنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ جَهْرًا وَيَدْعُوا لَهُمْ بِالرِّضْوَانِ وَيُؤَمِّنُوا جَهْرًا إذَا دَعَا بَعْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَتَيْنِ أَمْ لَا أَوْ يُسْتَحَبُّ التَّرَضِّي فِي هَذَا الزَّمَانِ لِظُهُورِ الرَّافِضَةِ وَانْتِشَارِهِمْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَمَّا حُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ بَلْ هُوَ سُنَّةٌ وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ. وَشَرْحِي لَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَا يُكْرَهُ أَيْضًا رَفْعُ الصَّوْتِ بِلَا مُبَالَغَةٍ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إذَا قَرَأَ الْخَطِيبُ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الْآيَةَ وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ ذَلِكَ عَنْ الْأَصْحَابِ فَقَالَ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَالتَّشْمِيتِ لِأَنَّ كُلًّا سَنَةٌ فَقَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الِاسْتِمَاعَ ضَعِيفٌ بَلْ صَوَّبَ الزَّرْكَشِيُّ خِلَافَهُ عَلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي فَضَجَّ النَّاسُ أَنَّ هَذَا رَفْعٌ بِمُبَالَغَةٍ وَحِينَئِذٍ فَالْكَرَاهَةُ وَاضِحَةٌ كَمَا يَأْتِي فَلَمْ يُخَالِفْ غَيْرَهُ وَقَوْلُ الْكَافِي: لَا يُصَلِّي لِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ اتِّفَاقًا وَفِي الْإِنْصَاتِ خِلَافٌ يُرَدُّ بِمَنْعِ الِاتِّفَاقِ كَيْفَ؟
وَقَدْ قَالَ أَئِمَّةٌ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ ﷺ كُلَّمَا ذُكِرَ اسْمُهُ وَفِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ مَا يَدُلُّ لَهُمْ كَمَا ذَكَرْتُهُ فِي تَأْلِيفٍ لِي مَبْسُوطٍ فِي أَحْكَامِهَا وَفَضَائِلِهَا وَيُقَاسُ بِذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُؤَذِّنُونَ مِنْ رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ عِنْدَ تَصْلِيَتِهِ بِجَامِعِ طَلَبِ الصَّلَاةِ عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ ﷺ كَمَا يُطْلَبُ عِنْدَ الْأَمْرِ بِهَا فِي ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْجَوَاهِرِ فِي الْحَجِّ مِنْ أَنَّهُ يُسَنُّ لِكُلِّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ﷺ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِهَا لَكِنْ لَا يُبَالِغُ فِي الرَّفْعِ مُبَالَغَةً فَاحِشَةً وَقَوْلُهُ: لَكِنْ، يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ تَأْيِيدًا لِكَرَاهَةِ مَا يَفْعَلُهُ الْمُؤَذِّنُونَ لَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ التَّعْمِيمَ. وَقَوْلُ شَيْخِنَا: الْأَوْلَى تَرْكُ مَا يَفْعَلُونَهُ لِمَنْعِهِ الِاسْتِمَاعَ الْمَطْلُوبَ.
وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ مَطْلُوبًا فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْأَوْلَى فِعْلُهُ كَالتَّشْمِيتِ وَلَا نُسَلِّمُ مَا عَلَّلَ بِهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ حَيْثُ لَا مُبَالَغَةَ فِي الرَّفْعِ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِمَاعَ وَخَرَجَ بِلَا مُبَالَغَةٍ الرَّفْعُ بِالْمُبَالَغَةِ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَأَمَّا حُكْمُ التَّرَضِّي عَنْ الصَّحَابَةِ فِي الْخُطْبَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ سَوَاءٌ أَذَكَرَ أَفَاضِلَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ الْآنَ أَمْ أَجْمَلَهُمْ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَلَا يَدْعُو فِي الْخُطْبَةِ لِأَحَدٍ بِعَيْنِهِ. فَإِنْ فَعَلَ كَرِهْتُهُ فَيُحْمَلُ عَلَى ذِكْرِ مَنْ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ كَالدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ مَعَ الْمُجَازَفَةِ فِي وَصْفِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُجَازِفْ لِأَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ ﵁ دَعَا فِي خُطْبَتِهِ لِعُمَرَ ﵁ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ الْبُدَاءَةُ بِعُمَرَ قَبْلَ الْبُدَاءَةِ بِأَبِي بَكْرٍ وَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ فَقَالَ لِلْمُنْكِرِ: أَنْتَ أَذْكَى مِنْهُ وَأَرْشَدُ. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عَبْدَك وَخَلِيفَتَك عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ يُنْدَبُ لِلْخَطِيبِ الدُّعَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ وَوُلَاتِهِمْ بِالصَّلَاحِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالْقِيَامِ بِالْعَدْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلِجُيُوشِ الْإِسْلَامِ. اهـ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: ﵁ لَوْ عَلِمْتُ لِي دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً لَخَصَصْتُ بِهَا السُّلْطَانَ فَإِنَّ خَيْرَهُ عَامٌّ وَخَيْرَ غَيْرِهِ خَاصٌّ. وَأَمَّا التَّأْمِينُ عَلَى ذَلِكَ جَهْرًا فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمَاعَ وَيُشَوِّشُ عَلَى الْحَاضِرِينَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا حَاجَةٍ إلَيْهِ. وَأَمَّا مَا أَطْبَقَ
стр. 253
النَّاسُ عَلَيْهِ مِنْ التَّأْمِينِ جَهْرًا سِيَّمَا مَعَ الْمُبَالَغَةِ فَهُوَ مِنْ الْبِدَعِ الْقَبِيحَةِ الْمَذْمُومَةِ فَيَنْبَغِي تَرْكُهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَمَّا إذَا رَقَى الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ هَلْ يَلْتَفِتُ لِإِسْمَاعِهِمْ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْيَمِينَ أَوْلَى.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَنْ الْحِكْمَةِ فِي سَنِّ غُسْلِ غَاسِلِ الْمَيِّتِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مِنْ شَأْنِ الْمَيِّتِ أَنْ يَكُونَ بِهِ قَذَرٌ وَمِنْ شَأْنِ مَاسِّهِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ نَوْعُ تَقَذُّرٍ مِنْهُ فَسُنَّ غُسْلُ غَاسِلِهِ لِإِزَالَةِ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ بَلْدَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَلِلنَّصَارَى الْحَرْبِيِّينَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا وَقَدْ تَوَافَقَتْ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُمْ أَنَّ الْوَاصِلَ مِنْهُمْ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَكَذَلِكَ النَّصَارَى وَافَقُوهُمْ أَنَّ الطَّالِعَ إلَى بِلَادِهِمْ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَالنَّصَارَى لَا يَدْفَعُونَ لِلْمُسْلِمِينَ مَالًا وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ الْبَلَدَ وَكَانَ مَعَهُ مَا يَسْتَحِقُّ الْعُشُورَ أُخِذَ مِنْهُ عَلَى قَاعِدَةِ الْبَلَدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى ثُمَّ يُقْسَمُ مَا يُجْمَعُ النِّصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ وَالنِّصْفُ لِلنَّصَارَى ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمِينَ يُقِيمُونَ الْجُمُعَةَ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَهَلْ الْجُمُعَةُ صَحِيحَةٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْجُمُعَةُ صَحِيحَةٌ إذَا وُجِدَتْ شُرُوطُهَا وَإِنْ كَانَ الْمُقِيمُونَ لَهَا فُسَّاقًا إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي مُقِيمِهَا الْعَدَالَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّا إذَا سَلَّمَ إمَامُ الْجُمُعَةِ بِالْقَوْمِ وَخَلْفَهُ مَسْبُوقُونَ فَقَامُوا لِإِكْمَالِ صَلَاتِهِمْ فَهَلْ يَتَخَيَّلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ نَاوِيًا الْجُمُعَةَ وَتَحْصُلُ لَهُ لِأَنَّ شَرْطَ الْجُمُعَةِ الْجَمَاعَةُ وَوُقُوعُهَا مِنْ أَرْبَعِينَ وَقَدْ وُجِدَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَدْ ذَكَرْت فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ مَا يُفْهِمُ جَوَازَ الِاقْتِدَاءِ بِمَسْبُوقٍ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ. إذَا قَامَ لِيَأْتِيَ بِهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَتَحْصُلُ لَهُ الْجُمُعَةُ وَعِبَارَتُهُ قَالَ أَيْ الْجَمَّالُ بْنُ كَبَّنَ حَتَّى لَوْ اقْتَدَى بِإِمَامِ الْمَسْبُوقِينَ الَّذِي مِنْهُمْ شَخْصٌ لَيْسَ مِنْهُمْ وَصَلَّى مَعَهُمْ رَكْعَةً وَسَلَّمُوا فَلَهُ أَنْ يُتِمَّهَا جُمُعَةً لِأَنَّهُ وَإِنْ اسْتَفْتَحَ الْجُمُعَةَ فَهُوَ تَابِعٌ لِلْإِمَامِ وَالْإِمَامُ مُسْتَدِيمٌ لَهَا لَا مُسْتَفْتِحٌ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَقَرَّهُ وَكَذَلِكَ الرِّيمِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلتَّنْبِيهِ انْتَهَتْ فَأَفْهَمَ تَعْلِيلُهُمْ الْمَذْكُورُ إدْرَاكَ الْجُمُعَةِ فِي صُورَتِنَا لِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ فِي صُورَتِهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَسْبُوقِينَ إذَا قَامُوا لِيُكْمِلُوا الْجُمُعَةَ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَقْتَدُوا بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ.
فَإِذَا اقْتَدَوْا بِهِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَجَازَ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ وَيُدْرِكَ الْجُمُعَةَ لِمَا عَلَّلُوا بِهِ مِنْ أَنَّ هَذَا الْمُقْتَدِيَ وَإِنْ اسْتَفْتَحَ الْجُمُعَةَ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْإِمَامِ وَالْإِمَامُ مُسْتَدِيمٌ لَهَا لَا مُسْتَفْتِحٌ فَلَأَنْ يَجُوزَ فِي مَسْأَلَتِنَا بِالْمُسَاوَاةِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِالْأَوْلَى لِأَنَّ اقْتِدَاءَ مَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ مَعَ الْإِمَامِ بِمَسْبُوقٍ قَامَ لِيُكْمِلَ مَوْجُودٌ فِيهِ مَا عَلَّلُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ تَابِعٌ لِلْإِمَامِ الْغَيْرِ الْمُسْتَفْتِحِ مَعَ زِيَادَةِ أَنَّ مَا فِي صُورَتِهِمْ فِيهِ إنْشَاءُ صُورَةِ جُمُعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى، وَلَا كَذَلِكَ فِي صُورَتِنَا فَإِنَّ الْمَسْبُوقَ لَمَّا قَامَ لِيَأْتِيَ بِمَا عَلَيْهِ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ قَطْعًا وَإِنَّمَا التَّرَدُّدُ فِي أَنَّهُ إذَا اقْتَدَى بِهِ يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ أَوْ لَا وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا قَرَّرْتُهُ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ بِعَيْنِ مَا ذَكَرُوهُ مَعَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا الْمُرَجِّحَةِ لِإِدْرَاكِهَا فِي صُورَتِنَا بِالْأَوْلَى لِأَنَّ صُورَتَهُمْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَصْلِ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ فِيهَا وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَاب امْتِنَاعُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إنْشَاءِ صُورَةِ جُمُعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى وَمَعَ ذَلِكَ يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ فَلْيُدْرِكْهَا فِي صُورَتِنَا الَّتِي لَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ فِيهَا بِالْأَوْلَى فَإِنْ قُلْت الْقَائِلُونَ بِإِدْرَاكِهَا فِي تِلْكَ الصُّورَةِ إنَّمَا فَرَّعُوا ذَلِكَ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ.
أَمَّا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ فَضْلًا عَنْ إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ فَلَا دَلِيلَ فِيمَا قَالُوهُ عَلَى مَا قَدَّمْته قُلْتُ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْمَانِعِينَ لِلِاقْتِدَاءِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ عَلَّلُوهُ بِمَا لَا يَأْتِي فِي صُورَتِنَا وَهُوَ إنْشَاءُ جُمُعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمَسْبُوقِينَ لَمَّا أَدْرَكُوا الْجُمُعَةَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ بَعْدَ سَلَامِهِ أَنْشَئُوا بِاقْتِدَائِهِمْ بِبَعْضِهِمْ قُدْوَةً أُخْرَى فِي الْجُمُعَةِ كَانُوا مُنْشَئِينَ لِصُورَةِ جُمُعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى وَأَمَّا فِي صُورَتِنَا فَالْمُؤْتَمُّ الْمَسْبُوقُ لَمْ يُدْرِكْ جُمُعَةً وَلَا اقْتَدَى قَبْلُ بِإِمَامِ الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَكُنْ فِي اقْتِدَائِهِ بِمَسْبُوقٍ قَامَ لِلتَّكْمِيلِ إنْشَاءُ جُمُعَةٍ لَا مَعْنًى وَلَا صُورَةً وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهِ إنْشَاءٌ رَبْطُ صَلَاتِهِ بِصَلَاةِ ذَلِكَ الْمَسْبُوقِ التَّابِعِ لِلْإِمَامِ الْمُدْرِكِ لِلْجُمُعَةِ.
стр. 254
وَهَذَا الرَّبْطُ يُصَيِّرُهُ تَابِعًا لِلْإِمَامِ وَمُنَزَّلًا مَنْزِلَةَ مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً لِأَنَّ تَابِعَ التَّابِعِ تَابِعٌ وَحِينَئِذٍ اتَّضَحَ إدْرَاكُهُ لِلْجُمُعَةِ.
وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِمَا اخْتَارَهُ ابْنُ كَبَّنَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ مِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ التَّبَعِيَّةَ لِلْإِمَامِ تَقْتَضِي الْحُكْمَ بِإِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ التَّابِعُ رَكْعَةً فِي جَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَوْ بَانَ حَدَثُ الْأَرْبَعِينَ صَحَّتْ الْجُمُعَةُ لِلْإِمَامِ وَكَذَا لِمَنْ يَقْتَدِي بِهِ تَبَعًا لَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَإِذَا صَحَّتْ لِتَابِعِهِ فِي هَذِهِ فَأَوْلَى فِي مَسْأَلَتِنَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعِمِائَةِ بِدَرْسِنَا فِي رَمَضَانَ أَثْنَاءَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ إلَيْهَا أُخْرَى» .
فَقُلْت يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُمُومِ أَنَّ مَنْ جَاءَ فَوَجَدَ إمَامَ الْجُمُعَةِ سَلَّمَ وَوَجَدَ مَسْبُوقًا أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً فَاقْتَدَى بِهِ فِيهَا أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ بِنَصِّ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِأَنَّ الْمُقْتَدِي بِهَذَا الْمَسْبُوقِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ فَطَارَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَاسْتَشْكَلَهَا الْفُضَلَاءُ وَكَأَنَّهَا لَمْ تَطْرُقْ أَسْمَاعَهُمْ إلَّا حِينَئِذٍ فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهَا وَصَمَّمَ غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إلَّا لِقَضَاءِ عَقْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَعَ لَمَّا رَأَى بَعْضَ مَا مَرَّ وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا فَرَّعْتُهُ عَلَى الْإِدْرَاكِ. الَّذِي أَفْتَيْتُ بِهِ أَنَّ هَذَا الْمُقْتَدِيَ لَوْ قَامَ لِيَأْتِيَ بِالرَّكْعَةِ الْبَاقِيَةِ عَلَيْهِ فَاقْتَدَى بِهِ آخَرُ أَدْرَكَ وَلَوْ اقْتَدَى بِهَذَا آخَرُ أَدْرَكَ وَلَوْ اقْتَدَى بِهَذَا آخَرُ أَدْرَكَهَا أَيْضًا وَهَكَذَا وَوَقَعَ الْمَيْلُ إلَى الْقَوْلِ بِالْإِدْرَاكِ لِأَنَّ الْكُلَّ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ فَكَأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَدْرَكُوهُ فِي رَكْعَتِهِ الثَّانِيَةِ وَلَا نَظَرَ لِوُقُوعِ صَلَاتِهِمْ مَعَ انْتِفَاءِ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ بَقَاؤُهُ إلَى السَّلَامِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ التَّابِعِ كَمَا تَقَرَّرَ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا شَنَّعَ بِهِ بَعْضُ الطَّلَبَةِ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَامَ جَمَاعَةٌ مَسْبُوقُونَ لِلتَّكْمِيلِ فَاقْتُدِيَ بِكُلِّ وَاحِدٍ أَدْرَكَ كُلٌّ الْجُمُعَةَ.
وَفِي هَذَا تَعَدُّدٌ لِلْجُمُعَةِ إلَى غَايَةٍ وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِهِمْ وَوَجْهُ انْدِفَاعِهِ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ اقْتِدَاءَ كُلٍّ مِنْ الْجَائِينَ بِكُلٍّ مِنْ الْمَسْبُوقِينَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ اقْتِدَائِهِمْ كُلِّهِمْ بِالْإِمَامِ فِي رَكْعَتِهِ الثَّانِيَةِ كَمَا تَقَرَّرَ فَإِنْ قُلْت هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُمْ كُلَّهُمْ الِاقْتِدَاءُ بِمَسْبُوقٍ وَاحِدٍ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ تَعَدُّدُ الِاقْتِدَاءِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعَدُّدَ صُورَةِ الْجَمَاعَةِ مَعَ إمْكَانِ عَدَمِهِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْكُلَّ تَبَعٌ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْإِمَامِ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَعَدُّدٌ أَصْلًا كَمَا مَرَّ.
(وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ وَبَرَكَاتِ عُلُومِهِ عَنْ رَجُلَيْنِ أَحْرَمَا بِالْجُمُعَةِ مَعَ إمَامِهَا الْأَوَّلُ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ وَالثَّانِي أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ فَقَطْ. ثُمَّ انْتَصَبَ الْإِمَامُ قَائِمًا وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ قَامَ سَاهِيًا أَوْ مُتَدَارِكًا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُمَا الْقِيَامُ مَعَهُ، الْأَوَّلُ لِيُصَلِّيَ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، وَالثَّانِي لِيُدْرِكَ مَعَهُ رَكْعَةً فَيُدْرِكُ الْجُمُعَةَ أَمْ لَا يَجُوزُ لَهُمَا الْقِيَامُ لِلْجَهْلِ بِحَالِ الْإِمَامِ وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الْجَوَازِ فَمَا صُورَةُ الْعِلْمِ الَّتِي يَقُومَانِ مَعَهُ لِيُدْرِكَ كُلٌّ مَعَهُ مَا ذُكِرَ كَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ وَمَا صُورَةُ الْعِلْمِ الَّتِي يَقُومُ فِيهَا الثَّانِي وَيَمْتَنِعُ الْأَوَّلُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْقِيَامُ مَعَهُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مُتَابَعَتُهُ فِي فِعْلِ السَّهْوِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ بِقَوْلِهِمْ وَلَوْ قَامَ الْإِمَامُ لِزِيَادَةٍ كَخَامِسَةٍ سَهْوًا. لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَتُهُ وَإِنْ كَانَ شَاكًّا فِي فِعْلِ رَكْعَةٍ أَوْ مَسْبُوقًا عَلِمَ ذَلِكَ أَوْ ظَنَّهُ وَلَا نَظَرَ إلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ عَلِمَ الْحَالَ أَوْ ظَنَّهُ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ مُوَافِقًا انْتَظَرَهُ لِأَنَّهُ أَتَمَّ صَلَاتَهُ يَقِينًا أَوْ غَيْرَ مُوَافِقٍ فَكَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الرَّكْعَةَ غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ لِلْإِمَامِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ مُتَابَعَتُهُ فِي فِعْلِ السَّهْوِ، وَصُورَةُ الْعِلْمِ فِيمَا ذُكِرَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَتَتِمُّ بِالثَّانِيَةِ وَيَبْقَى عَلَيْهِ رَكْعَةٌ فَإِذَا قَامَ وَقَامَ مَعَهُ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَصْلِيَّةٌ لَا زَائِدَةٌ.
وَقَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ فَلْنَذْكُرْ عِبَارَتَهُ مَعَ طُولِهَا. لِمَا فِيهَا مِنْ الْفَوَائِدِ وَلَفْظُهَا مَعَ الْمَتْنِ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ أَوْ شَكَّ هَلْ أَدْرَكَ رُكُوعَهَا الْمُجْزِئَ أَوْ لَا لَمْ يُدْرِكْ الْجُمُعَةَ لِمَا مَرَّ سَوَاءٌ أَعَلِمَ بِالْحَالِ أَمْ لَا فَيُتِمُّهَا ظُهْرًا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي مَسْأَلَةِ الشَّكِّ لَكِنْ يُحْرِمُ بِهَا أَيْ الْجُمُعَةِ حَتْمًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ فَقَوْلُ الْأَنْوَارِ جَوَازًا.
وَقَوْلُ غَيْرِهِ نَدْبًا ضَعِيفٌ إذْ يَلْغُو عَقْدُ الظُّهْرِ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ كَمَا سَيَأْتِي لِمَا أَنَّ الْيَأْسَ مِنْهَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِسَلَامِ الْإِمَامِ إذْ قَدْ
стр. 255
يَتَذَكَّرُ إمَامُهُ تَرْكَ رُكْنٍ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ فَيُدْرِكُ الْجُمُعَةَ لَكِنَّ تَذَكُّرَهُ ذَلِكَ لَيْسَ بِكَافٍ وَحْدَهُ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ عِلْمِ الْمَأْمُومِ بِتَرْكِهِ لِلرُّكْنِ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ مُتَابَعَتُهُ إذَا قَامَ لِيَأْتِيَ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مُتَابَعَتُهُ لِقَوْلِهِمْ لَوْ بَقِيَ عَلَيْهِ رَكْعَةٌ فَقَامَ الْإِمَامُ إلَى خَامِسَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَتُهُ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ تَذَكَّرَ تَرْكَ رُكْنٍ وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ لَوْ صَلَّى الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا نَاسِيًا فَأَدْرَكَهُ مَسْبُوقٌ فِي الثَّالِثَةِ لَمْ يُدْرِكْ الْجُمُعَةَ قَطْعًا لِأَنَّ الثَّالِثَةَ غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ لِلْإِمَامِ فَإِنْ عَلِمَ الْإِمَامُ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً سَاهِيًا فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى.
انْجَبَرَتْ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ وَصَارَتْ الثَّالِثَةُ ثَانِيَةً وَحُسِبَتْ لِلْمَسْبُوقِ وَأَدْرَكَ بِهَا الْجُمُعَةَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَحَلَّهَا لَمْ يُدْرِكْ الْجُمُعَةَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا مِنْ الثَّانِيَةِ فَتَتِمُّ بِسَجْدَةٍ مِنْ الثَّالِثَةِ وَيَلْغُو بَاقِيهَا. اهـ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي رَكْعَةٍ غَيْرِ مَحْسُوبَةٍ لِلْإِمَامِ لِحَدَثِهِ أَوْ سَهْوِهِ بِزِيَادَتِهَا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ مَرَّ فِي الْجَمَاعَةِ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ بِقِرَاءَتِهَا فَإِنْ عَلِمَ بِزِيَادَتِهَا أَوْ بِحَدَثِهِ لَمْ تُحْسَبْ لَهُ بَلْ لَا تَنْعَقِدُ وَإِلَّا حُسِبَتْ عَنْ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا كَالصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُحْدِثِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَانَ إمَامُهُ كَافِرًا أَوْ امْرَأَةً لِأَنَّهُمَا لَيْسَا أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ بِحَالٍ وَقَوْلُ الْقَمُولِيِّ لَوْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ بِكَمَالِهَا.
صَحَّتْ عَلَى الِانْفِرَادِ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ وَقَوْلِ غَيْرِهِ إنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْمُحْدِثِ جَمَاعَةٌ حَتَّى فِي الْجُمُعَةِ إذَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ أَمَّا إذَا أَدْرَكَ رُكُوعَهَا فَقَطْ فَلَا تُحْسَبُ لَهُ مُطْلَقًا انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَبِتَأَمُّلِ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ وَمَا قَبْلَهُ يُعْلَمُ اتِّضَاحُ مَا ذَكَرْته فِي صُورَةِ الْعِلْمِ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مُدْرِكِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَمُدْرِكِ التَّشَهُّدِ وَحْدَهُ فِي أَنَّ مَنْ عَلِمَ قِيَامَ الْإِمَامِ لِأَصْلِيَّةٍ تَابَعَهُ وَمَنْ لَا لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَتُهُ وَإِنَّ مَنْ تَابَعَهُ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا أَوْ أَدْرَكَهُ فِي رَكْعَةٍ زَائِدَةٍ فَإِنْ أَدْرَكَ الْفَاتِحَةَ بِكَمَالِهَا حُسِبَتْ لَهُ الرَّكْعَةُ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا. وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهَا بِكَمَالِهَا لَمْ تُحْسَبْ لَهُ الرَّكْعَةُ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ شَرْطَ تَحَمُّلِ الْإِمَامِ لِلْفَاتِحَةِ أَوْ بَعْضِهَا أَنْ يَكُونَ فِي رَكْعَةٍ مَحْسُوبَةٍ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّا اتَّفَقَ لِأَهْلِ قَرْيَةِ بُرُومَ أَنَّهُمْ مِنْ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ يَقُومُونَ فِي بُرُومَ غَالِبَ سَنَتِهِمْ.
وَذَلِكَ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ السَّنَةِ ثُمَّ فِي بَاقِي السَّنَةِ يَنْتَقِلُونَ مِنْهَا إلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى تُسَمَّى الْهَجْلَةَ فَيُقِيمُونَ بِهَا بَاقِيَ السَّنَةِ خَوْفًا مِنْ مَحْذُورِ الْإِفْرِنْجِ وَقْتَ تَوَهُّمِ خُرُوجِهِمْ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ فَاسْتَمَرَّ حَالُهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مُدَّةً مَدِيدَةً يَزِيدُ قَدْرُهَا عَلَى عِشْرِينَ سَنَةً بِحَيْثُ إنَّهُمْ قَدْ بَنَوْا بِالْقَرْيَةِ. الْمُسَمَّاةِ بِالْهَجْلَةِ دُورًا وَاِتَّخَذُوهَا لَهُمْ وَطَنًا فِي بَعْضِ السَّنَةِ فَنَشَأَ مِنْ ذَلِكَ سُؤَالٌ وَهُوَ أَنَّ الْجُمُعَةَ هَلْ تَجِبُ عَلَى أَهْلِ قَرْيَةِ بُرُومَ فِي كِلَا قَرْيَتَيْهَا بُرُومَ وَالْهَجْلَةِ أَيْ فَفِي مُدَّةِ إقَامَتِهِمْ فِي بُرُومَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إقَامَتُهَا فِيهَا وَفِي مُدَّةِ إقَامَتِهِمْ بِالْهَجْلَةِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إقَامَتُهَا بِهَا كَذَلِكَ، أَمْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إقَامَتُهَا فِيهِمَا كَذَلِكَ مَعًا لِعَدَمِ وُجُودِ الِاسْتِيطَانِ فِي إحْدَاهُمَا أَمْ تَقُولُونَ إنَّمَا تَجِبُ إقَامَتُهَا عَلَيْهِمْ فِي بُرُومَ فَقَطْ فِي أَيَّامِ إقَامَتِهِمْ بِهَا لِأَنَّهَا مَحَلُّ الِاسْتِيطَانِ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَغْلَبِ وَالِانْتِقَالُ الْعَارِضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْهَا إلَى الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ انْتَقَلَ لِحَاجَةٍ. فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي سُقُوطِهَا عَنْهُمْ مُدَّةَ إقَامَتِهِمْ بِهَا الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ.
فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ تَجِبُ إقَامَتُهَا عَلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ إقَامَتِهِمْ فِي بُرُومَ وَتَنْعَقِدُ جُمُعَةً لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ كَوْنُهَا مَحَلَّ الِاسْتِيطَانِ قُلْنَا فَمَا الْحُكْمُ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ فِي مُدَّةِ أَيَّامِ إقَامَتِهِمْ بِالْهَجْلَةِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ هَلْ تَقُولُونَ بِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِمْ فِي بُرُومَ وَإِنْ صَارَتْ خَلِيَّةً مِنْ الْمُقِيمِينَ بِهَا كَمَا أَنَّ ذَلِكَ صِفَتُهَا الْآنَ وَتُوجِبُونَ عَلَيْهِمْ إنْشَاءَ سَفَرٍ إلَى بُرُومَ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ لِأَجْلِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِهَا كَمَا رَأَيْتَ أَهْلَ قَرْيَةِ بُرُومَ قَدْ اعْتَادُوا ذَلِكَ فَنَجِدُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ يُنْشِئُونَ سَفَرًا إلَى قَرْيَةِ بُرُومَ وَيُقِيمُونَ الْجُمُعَةَ بِهَا عَلَى هَيْئَتِهَا اعْتِقَادًا مِنْهُمْ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَتَنْعَقِدُ لَهُمْ جُمُعَةً وَلَمْ يَرَوْا بِذَلِكَ بَأْسًا وَمَضَتْ لَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ سُنُونَ كَثِيرَةٌ يَزِيدُ قَدْرُهَا فَوْقَ مَا قَدَّرْنَاهُ أَوَّلًا ثُمَّ الْآنَ هُمْ بَاقُونَ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِمْرَارِ مَا بَقِيَ تَخَوُّفُهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَجُمْلَةُ الْحَالِ فِي هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ أَهْلَ قَرْيَةِ بُرُومَ لَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُمْ مُنْذُ بَدَأَ ظُهُورُ الْإِفْرِنْجِ فِي نَوَاحِي.
стр. 256
بِلَادِ الْهِنْدِ وَتَعَوَّدُوا الْخُرُوجَ مِنْهَا إلَى أَرْضِ الْعَرَبِ إلَى الْآنَ ثُمَّ هُمْ الْآنَ عَلَى ذَلِكَ الْعَزْمِ لَا يَزَالُ دَأْبُهُمْ يَنْتَقِلُونَ فِي بَعْضِ السَّنَةِ مَا زَالُوا يَتَوَهَّمُونَ خُرُوجَهُمْ وَلَا شَكَّ أَنَّ انْقِطَاعَ هَذَا التَّخَوُّفِ لَا يَكُونُ إلَّا بِانْقِطَاعِ شَوْكَةِ الْحَرْبِيِّينَ مِنْ أَرْضِ بِلَادِ الْهِنْدِ وَذَلِكَ إمَّا بِزَوَالِ دَوْلَتِهِمْ وَذَهَابِهَا رَأْسًا أَوْ اسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَمِيعِ سَوَاحِلِهِمْ الَّذِينَ يُنْشِئُونَ تَجَاهِيزَهُمْ مِنْهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ زَوَالَ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ وَحِينَئِذٍ فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ أَهْلِ قَرْيَةِ بُرُومَ حَالَ إقَامَتِهِمْ بِهَا وَحَالَ انْتِقَالِهِمْ عَنْهَا أَقْرَبُ مِنْ الْقَوْلِ بِانْعِقَادِهَا فِي حَقِّهِمْ فِيهَا فِي الْحَالَيْنِ أَمْ يُقَالُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِهِ
وَمَا قَوْلُكُمْ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْأَنْوَارِ وَشَرْطُ الْكَفِّ عَنْ اعْتِيَادِ النُّزُولِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَالرِّحْلَةِ فِي وَقْتٍ آخَرَ فَلَوْ كَانُوا يَنْزِلُونَ فِي مَوْضِعٍ صَيْفًا وَيَرْتَحِلُونَ شِتَاءً وَبِالْعَكْسِ كَالْأَكْرَادِ وَالْأَتْرَاكِ فَلَيْسُوا بِمُتَوَطِّنِينَ هَلْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ لِمَنْ ذَكَرْنَا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْأَنْوَارِ غَيْرُ الْمَذْكُورِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ فَلَا يُسْتَدَلُّ لِذَلِكَ بِهِ وَإِنَّمَا مَأْخَذُ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ أَهْلِ بُرُومَ مُدَّةَ إقَامَتِهِمْ بِهَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَالتَّوَطُّنُ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ فِي بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ إلَّا لِحَاجَةٍ كَتِجَارَةٍ وَزِيَارَةٍ وَعِيَادَةٍ وَخَوْفِ غَارَةٍ وَنَحْوِهَا. قُلْنَا قَدْ عُلِمَ مِنْ حَالِ أَهْلِ قَرْيَةِ بُرُومَ أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَعْتَادُونَ النُّزُولَ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ مِنْ السَّنَةِ إلَى الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَذَلِكَ الْوَقْتُ هُوَ وَقْتُ التَّخَوُّفِ مِنْ الْإِفْرِنْجِ وَقْتُ إقْبَالِ مَجِيءِ الْأَذْيَبِ وَأَنَّ نِيَّتَهُمْ النُّزُولُ إلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى الدَّوَامِ مَا بَقِيَ مَعَهُمْ تَخَوُّفٌ مِنْهُمْ سَوَاءٌ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْحَالِ مُسْتَشْعِرِينَ خُرُوجَهُمْ أَمْ لَا فَبَيَّنُوا لَنَا ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْتُمْ: إنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ لَهُمْ فِي الْقَرْيَتَيْنِ أَوْ تَنْعَقِدُ فِي بُرُومَ فَقَطْ حَالَ إقَامَتِهِمْ بِهَا فَقَطْ.
قُلْنَا فَإِنْ قُلْتُمْ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ حَالَ إقَامَتِهِمْ بِالْهَجْلَةِ وَوُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ حَالَ إقَامَتِهِمْ بِبُرُومِ فَقَطْ قُلْنَا فَهَلْ تَقُولُونَ بِجَوَازِ إقَامَتِهَا فِي بُرُومَ حَيْثُ كَانَتْ خَلِيَّةً كَمَا مَرَّ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ أَوْ بِاسْتِحْبَابِ إقَامَتِهَا إنْ قُلْتُمْ بِالْجَوَازِ وَمَا الْحُكْمُ فِي الَّذِينَ لَهُمْ مَالٌ مِنْ نَخْلٍ أَوْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ الِانْتِقَالُ لِأَجْلِ الْخَرِيفِ كُلَّ سَنَةٍ وَكَانُوا يُقِيمُونَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَنْتَقِلُونَ إلَيْهِ الشَّهْرَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ فَالْفَرْضُ أَنَّ لَهُمْ ثَمَّ دُورًا وَضِيَاعًا وَكَانَ ذَلِكَ دَأْبَهُمْ دَوَامًا مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَأَكْثَرَ فَهَلْ يُقَالُ إنَّ الْجُمُعَةَ تَنْعَقِدُ بِهِمْ فِي الْبَلَدِ الَّتِي إقَامَتِهِمْ بِهَا أَكْثَرُ.
كَمَا فِي بُرُومَ فِي حَقِّ بَعْضِ أَهْلِهَا أَمْ يُقَالُ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ وَكَذَلِكَ الشَّخْصُ إذَا كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ فِي بَلَدَيْنِ وَلَهُ مَالَانِ فِيهِمَا أَوْ مَالٌ فِي أَحَدِهِمَا فَقَطْ وَإِقَامَتُهُ فِي الْبَلْدَتَيْنِ غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ بَلْ تَارَةً يُقِيمُ بِإِحْدَاهُمَا أَكْثَرَ وَتَارَةً بِالْعَكْسِ.
وَتَارَةً يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ أَوْ قَدْ تَنْضَبِطُ إقَامَتُهُ بِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ وَمَضَى لَهُ عَلَى هَذَا الْحَالِ نَحْوُ خَمْسِينَ سَنَةً فَمَا الْمُعْتَمَدُ عِنْدَكُمْ فِي انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِهِ فِيهِمَا وَوُجُوبِهَا عَلَيْهِ فَقَدْ رَأَيْت فِي ذَلِكَ أَجْوِبَةً مُضْطَرِبَةً فَحَقِّقُوا لَنَا الْمُعْتَمَدَ عِنْدَكُمْ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - بِقَوْلِهِ: عِبَارَةُ شَرْحِي عَلَى الْمِنْهَاجِ وَمَنْ لَهُ مَسْكَنَانِ. يَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي فِي ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي الْأَنْوَارِ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا بِمَحَلٍّ شِتَاءً وَبِآخَرَ صَيْفًا لَمْ يَكُونُوا مُتَوَطِّنِينَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ مَحَلَّ هَذَا فِيمَنْ لَمْ يَتَوَطَّنُوا مَحَلَّيْنِ مُعَيَّنَيْنِ يَنْتَقِلُونَ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ وَلَا يَتَجَاوَزُونَهُمَا إلَى غَيْرِهِمَا بِخِلَافِ مَنْ تَوَطَّنُوا مَحَلَّيْنِ كَذَلِكَ لَكِنْ اخْتَلَفَ حَالُهُمْ فِي إقَامَتِهِمْ فِيهِمَا فَإِنَّ التَّوَطُّنَ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا يُنَاطُ بِمَا يُنَاطُ بِهِ التَّوَطُّنُ فِي حَاضِرِي الْحَرَمِ وَأَفْتَى الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ فِي أَهْلِ بَلَدٍ يُفَارِقُونَهَا فِي الصَّيْفِ إلَى مَضَايِعِهِمْ بِأَنَّهُمْ إنْ سَافَرُوا عَنْهَا وَلَوْ سَفَرًا قَصِيرًا لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِمْ.
وَإِنْ خَرَجُوا عَنْ الْمَسَاكِنِ وَتَرَكُوا بِهَا أَمْوَالَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا ظَعْنًا لِأَنَّهُ السَّفَرُ فَتَلْزَمُهُمْ وَلَوْ فِيمَا خَرَجُوا إلَيْهِ إنْ عُدَّ مِنْ الْخُطَّةِ وَإِلَّا لَزِمَتْهُمْ فِيهَا وَمَا قَالَهُ فِي خُرُوجِهِمْ عَنْ الْمَسَاكِنِ ظَاهِرٌ إلَّا قَوْلَهُ وَتَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ فَلَيْسَ بِقَيْدٍ وَمَا قَالَهُ فِي سَفَرِهِمْ إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ فِي مَضَايِعِهِمْ فَوَاضِحٌ نَعَمْ تَلْزَمُهُمْ إنْ أُقِيمَتْ فِيهَا جُمُعَةٌ مُعْتَبَرَةٌ أَوْ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ فِي بَلَدِهِمْ لَوْ عَادُوا إلَيْهَا فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ خُرُوجَهُمْ عَنْهَا لِحَاجَةٍ لَا يَمْنَعُ اسْتِيطَانَهُمْ بِهَا إذَا
стр. 257
عَادُوا إلَيْهَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ الْمَتْنُ وَإِنَّمَا تَسْقُطُ عَنْهُمْ الْجُمُعَةُ نَعَمْ إنْ سَمِعُوا النِّدَاءَ وَلَمْ يَخْشَوْا عَلَى أَمْوَالِهِمْ لَوْ ذَهَبُوا لِلْجُمُعَةِ لَزِمَتْهُمْ مُطْلَقًا وَانْعَقَدَتْ بِهِمْ فِي بَلَدِهِمْ وَلَوْ أَكْرَهَ الْإِمَامُ أَهْلَ بَلَدٍ عَلَى سُكْنَى غَيْرِهَا فَامْتَثَلُوا لَكِنَّهُمْ عَازِمُونَ عَلَى الرُّجُوعِ لِبَلَدِهِمْ مَتَى زَالَ الْإِكْرَاهُ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِمْ فِي الثَّانِيَةِ بَلْ فِي الْأُولَى لَوْ عَادُوا إلَيْهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَمِنْهَا عُلِمَ أَنَّ وَطَنَ الْمَذْكُورِينَ إنَّمَا هُوَ بُرُومَ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُمْ أَجْرَوْا فِيمَنْ لَهُ مَسْكَنَانِ تَفْصِيلَ حَاضِرِي الْحَرَمِ وَقَدْ قَالُوا هُنَاكَ لَوْ كَانَ لَهُ وَطَنَانِ اُعْتُبِرَ مَا إقَامَتُهُ بِهِ أَكْثَرُ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ أَنَّ إقَامَتَهُمْ بِبُرُومِ أَكْثَرُ فَلْتَكُنْ هِيَ وَطَنَهُمْ بِنَصِّ كَلَامِهِمْ الْمَذْكُورِ دُونَ الْهَجْلَةِ وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ بُرُومَ هِيَ وَطَنُهُمْ لَا غَيْرُ فَإِذَا خَرَجُوا عَنْهَا لِحَاجَةِ الْخَوْفِ الْمَذْكُورِ جَازَ لَهُمْ ذَلِكَ ثُمَّ إنْ كَانَ بِالْهَجْلَةِ أَرْبَعُونَ مُتَوَطِّنُونَ غَيْرُ أَهْلِ بُرُومَ لَزِمَتْهُمْ الْجُمُعَةُ وَلَزِمَ أَهْلَ بُرُومَ صَلَاتُهَا مَعَهُمْ وَلَا يُحْسَبُونَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْهَجْلَةِ أَرْبَعُونَ كَذَلِكَ فَإِنْ سَمِعُوا النِّدَاءَ مِنْ بَلَدٍ فِيهَا جُمُعَةٌ مُعْتَبَرَةٌ لَزِمَتْهُمْ فِيهَا وَإِلَّا صَلَّى الْكُلُّ الظُّهْرَ.
وَأَمَّا رُجُوعُ أَهْلِ بُرُومَ إلَيْهَا فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فَلَا يَلْزَمُهُمْ إلَّا إنْ زَالَ الْخَوْفُ الَّذِي فَارَقُوا بَلَدَهُمْ لِأَجْلِهِ وَقَرُبُوا مِنْهَا. بِحَيْثُ لَوْ خَرَجُوا مِنْ الْهَجْلَةِ إلَيْهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَمْكَنَهُمْ إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ فِيهَا كَمَا مِلْت إلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَعِبَارَتُهُ بَعْدَ مَا مَرَّ: وَلَوْ خَرَجَ أَهْلُ الْبَلَدِ كُلُّهُمْ لِحَاجَةٍ كَالصَّيْفِ وَأَمْكَنَهُمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ بِوَطَنِهِمْ فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ السَّعْيُ إلَيْهَا مِنْ حِينِ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعَطِّلُوهَا مِنْ الْجُمُعَةِ كَمَا مَرَّ أَوْ يُنْظَرَ فِي مَحَلِّهِمْ فَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ أَهْلُهُ النِّدَاءَ مِنْ بَلَدِهِمْ لَزِمَهُمْ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ فِي حُكْمِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ وَإِلَّا فَلَا مَحَلَّ نَظَرٍ وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ. انْتَهَتْ. وَعُلِمَ مِنْ الْعِبَارَةِ السَّابِقَةِ حُكْمُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ فِي بَعْضِ السَّنَةِ إلَى مَضَايِعِهِمْ وَحُكْمُ مَنْ لَهُ مَسْكَنَانِ بِبَلَدَيْنِ. وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّا نَعْتَبِرُ مَا إقَامَتُهُ بِهِ أَكْثَرُ فَهُوَ وَطَنُهُ دُونَ الْآخَرِ فَإِنْ اسْتَوَتْ إقَامَتُهُ بِهِمَا اُعْتُبِرَ مَا فِيهِ أَهْلُهُ أَيْ زَوْجَتُهُ أَوْ سُرِّيَّتُهُ وَمَحَاجِيرُ أَوْلَادِهِ دُونَ نَحْوِ آبَائِهِ وَإِخْوَتِهِ فَإِنْ كَانَ لَهُ بِكُلٍّ أَهْلٌ اُعْتُبِرَ مَا إقَامَةُ أَهْلِهِ بِهِ دَائِمًا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ بِكُلٍّ مَالٌ اُعْتُبِرَ مَا فِيهِ مَالُهُ دَائِمًا أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ كَانَ أَهْلُهُ بِبَلَدٍ وَمَالُهُ بِبَلَدٍ اُعْتُبِرَ مَا فِيهِ أَهْلُهُ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي كُلِّ ذَلِكَ انْعَقَدَتْ بِهِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا بَيَّنْت ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَنْ أَهْلِ بَلْدَةٍ تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ إذَا تَفَرَّقُوا وَسَكَنُوا فِي الْبَوَادِي. عَلَى نَحْوِ فَرْسَخٍ أَوْ فَرْسَخَيْنِ مِنْ بَلْدَتِهِمْ وَيَجْتَمِعُونَ إلَيْهَا لِلْجُمُعَةِ مَعَ أَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَيْهَا فَهَلْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ فِي بَلْدَتِهِمْ الْأَصْلِيَّةِ إذَا لَمْ يَكْمُلْ الْعَدَدُ إلَّا بِهِمْ أَمْ لَا وَالْحَالُ أَنَّهُمْ لَا يَجِيئُونَ إلَيْهَا إلَّا لِحَاجَةٍ أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ فِيمَا ذُكِرَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْجَلَالِ الْبُلْقِينِيُّ سُئِلْت عَنْ بَلْدَةٍ لَا يُقِيمُ أَهْلُهَا بِهَا فِي الصَّيْفِ وَإِنَّمَا يَخْرُجُونَ إلَى مَصَايِفَ لَهُمْ هَلْ تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الظَّعْنَ هُوَ السَّفَرُ فَإِنْ كَانُوا يُسَافِرُونَ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ يُطْلَقُ عَلَى ذَلِكَ اسْمُ سَفَرٍ وَلَوْ قَصِيرًا فَلَيْسُوا مُتَوَطِّنِينَ. فَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ عَنْ الْمَسَاكِنِ فَقَطْ وَيَتْرُكُونَ بِهَا أَمْوَالَهُمْ وَأَمْتِعَتَهُمْ فَلَيْسَ هَذَا بِظَعْنٍ فَتَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ فَإِنْ كَانَ الْفَضَاءُ الَّذِي خَرَجُوا إلَيْهِ مَعْدُودًا مِنْ خُطَّةِ الْبَلَدِ صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا وَيَلْزَمُهُمْ فِعْلُهَا فِي خُطَّةِ الْبَلَدِ. اهـ. فَافْهَمْ مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرْته فِي صُورَةِ السُّؤَالِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّ مَنْ ذَكَرَهُمْ لَا يُفَارِقُونَ بَلَدَهُمْ إلَّا أَيَّامَ الصَّيْفِ فَقَطْ عَلَى نِيَّةِ الرُّجُوعِ وَالتَّوَطُّنِ فِيهَا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِمْ أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا يُسَافِرُونَ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ. بِحَيْثُ يُطْلَقُ عَلَى ذَلِكَ اسْمُ سَفَرٍ وَلَوْ قَصِيرًا فَلَيْسُوا بِمُتَوَطِّنِينَ فَإِذَا ذُكِرَ هَذَا فِي هَؤُلَاءِ فَهُوَ فِيمَا فِي السُّؤَالِ أَوْلَى لِأَنَّ بُعْدَهُمْ عَنْ الْبَلَدِ نَحْوَ فَرْسَخٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِ عُرْفًا أَنَّهُ سَفَرٌ.
وَيُطْلَقُ عَلَى سَاكِنِيهِ أَنَّهُمْ غَيْرُ مَنْسُوبِينَ لِذَلِكَ الْبَلَدِ مِنْ حَيْثُ الْإِقَامَةُ وَإِنْ نُسِبُوا إلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْإِضَافَةُ إذْ الْمُتَغَرِّبُ عَنْ مَكَّةَ مَثَلًا وَإِنْ فَحُشَ بُعْدُهُ عَنْهَا وَطَالَتْ غَيْبَتُهُ يُقَالُ لَهُ مَكِّيٌّ إضَافَةً لَهُ إلَى أَصْلِ مَسْكَنِهِ وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا بِمَحَلِّ غَيْرِهِ فَهُوَ مَكِّيٌّ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَلَيْسَ مَكِّيًّا الْآنَ مِنْ
стр. 258
حَيْثُ السُّكْنَى وَالْإِقَامَةُ وَالْعِبْرَةُ هُنَا إنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى وَظَاهِرُ قَوْلِ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ: وَالْحَالُ أَنَّهُمْ لَا يَجِيئُونَ إلَيْهَا إلَخْ.
أَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ سُكْنَاهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَلَكِنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ إلَيْهَا لِحَاجَةٍ أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ فَإِنْ كَانَ حَالُهُمْ كَذَلِكَ فَهُمْ غَيْرُ مُتَوَطِّنِينَ بِذَلِكَ الْبَلَدِ قَطْعًا لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ سُكْنَاهُ بِنِيَّتِهِمْ عَدَمَ الْعَوْدِ إلَيْهِ إلَّا لِحَاجَةٍ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ وَإِنَّمَا التَّرَدُّدُ فِيمَنْ يُفَارِقُونَ الْبَلَدَ فِي بَعْضِ فُصُولِ السَّنَةِ لِرَبِيعٍ أَوْ صَيْفٍ مَعَ عَزْمِهِمْ عَلَى الْعَوْدِ عِنْدَ انْقِضَاءِ غَرَضِهِمْ وَحُكْمُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْجَلَالُ أَنَّهُمْ إنْ بَعُدُوا عَنْهَا بِحَيْثُ يُسَمَّى سَفَرًا وَانْقَطَعَتْ نِسْبَتُهُمْ إلَيْهَا فِي السُّكْنَى فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ صَارُوا غَيْرَ مُتَوَطِّنِينَ بِهَا فَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ وَإِلَّا فَهُمْ بَاقُونَ عَلَى تَوَطُّنِهِمْ ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّوَطُّنِ وَعَدَمِهِ حَتَّى يُحْسَبُوا مِنْ الْأَرْبَعِينَ أَوْ لَا وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلُّزُومِ فَإِنْ سَمِعُوا النِّدَاءَ بِشُرُوطِهِ لَزِمَهُمْ الْحُضُورُ لِمَحَلِّهِ وَإِلَّا فَلَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ يَلْزَمُ الْمَحْبُوسِينَ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي الْحَبْسِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْقِيَاسُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ إذَا وُجِدَتْ شُرُوطُ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَشُرُوطُ صِحَّتِهَا وَلَمْ يُخْشَ مِنْ إقَامَتِهَا فِي الْحَبْسِ فِتْنَةٌ لَكِنْ أَفْتَى غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُمْ مُطْلَقًا وَقَدْ بَالَغَ السُّبْكِيّ فَقَالَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ إقَامَتُهَا وَإِنْ جَازَ تَعَدُّدُهَا وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا وَإِنْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ فِي فَتَاوِيهِ وَالِاسْتِدْلَالِ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِأَنَّ الْحُبُوسَ لَمْ تَزَلْ مَشْحُونَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَقَامَهَا فِي الْحَبْسِ يُمْكِنُ الْخَدْشُ فِيهِ بِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ وُجِدَ فِي حَبْسٍ أَرْبَعُونَ شَافِعِيًّا مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِفِعْلِهِمْ وَلَمْ يُقِيمُوهَا مَعَ تَوَفُّرِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الشُّرُوطِ وَعَدَمِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فَمَنْ أَثْبَتَ هَذَا اتَّضَحَ لَهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَمَنْ لَمْ يُثْبِتْهُ يَلْزَمْهُ أَنْ يَقُولَ بِالْوُجُوبِ. فَإِنَّهُ الَّذِي يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ أَصْحَابِنَا.
وَلَقَدْ كَانَ الْبُوَيْطِيُّ وَهُوَ فِي قُيُودِهِ فِي الْحَبْسِ يَغْتَسِلُ وَيَلْبَسُ نَظِيفَ ثِيَابِهِ وَيَأْتِي إلَى بَابِ السِّجْنِ فَيُشَاوِرُ السَّجَّانَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَيَمْنَعُهُ فَيَرْجِعُ وَيَقُولُ الْآنَ سَقَطَتْ الْجُمُعَةُ عَنِّي فَتَأَمَّلْ مُحَافَظَةَ هَذَا الْإِمَامِ الَّذِي هُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَلِذَا اسْتَخْلَفَهُ فِي حَلَقَتِهِ وَأَخْبَرَهُ بِهَذِهِ الْمِحْنَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ بِقَوْلِهِ لَهُ: سَتَمُوتُ فِي قُيُودِك عَلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ تَجِدُهُ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُ إقَامَتُهَا فِي الْحَبْسِ لَفَعَلَهَا فِيهِ فَإِنْ قُلْت إنْ أَقَامُوهَا قَبْلَ جُمُعَةِ الْبَلَدِ أَفْسَدُوهَا عَلَى أَهْلِهَا أَوْ بَعْدَهَا لَمْ تَنْعَقِدْ لَهُمْ. قُلْت مَمْنُوعٌ فِيهِمَا بَلْ عُذْرُ الْحَبْسِ لَا يَبْعُدُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعَدُّدُ فَيَفْعَلُونَهَا مَتَى شَاءُوا قَبْلُ أَوْ بَعْدُ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ.
(وَسُئِلَ) - أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ - عَنْ بَيْتٍ وَاحِدٍ فِيهِ أَرْبَعُونَ مُتَوَطِّنُونَ بِصِفَةِ مَنْ تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ إقَامَتُهَا أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَفْتَى جَمْعٌ يَمَنِيُّونَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ: الشَّرْطُ أَنْ تُقَامَ بَيْنَ الْأَبْنِيَةِ وَلَا أَبْنِيَةَ هُنَا وَقِيَاسًا عَلَى أَهْلِ الْخِيَامِ، وَأَفْتَى آخَرُونَ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ وَهَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ وَلَا دَلِيلَ لِلْأَوَّلَيْنِ فِي تَعْبِيرِ الْأَصْحَابِ بِالْأَبْنِيَةِ لِأَنَّهُ لِلْغَالِبِ وَلَا فِي الْقِيَاسِ عَلَى أَهْلِ الْخِيَامِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ أَرْبَابِهَا النُّجْعَةَ وَعَدَمَ تَوَطُّنِ مَحَلٍّ وَاحِدٍ بِخِلَافِ أَهْلِ الْبِنَاءِ الْوَاحِدِ فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِمْ تَوَطُّنَ بِنَائِهِمْ وَعَدَمَ النُّقْلَةِ مِنْهُ وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَهْلَ الْبِنَاءِ الْوَاحِدِ أَوْلَى بِعَدَمِ الْوُجُوبِ مِنْ أَهْلِ الْخِيَامِ غَلَطٌ وَاضِحٌ إذْ لَا مُسَاوَاةَ بِوَجْهٍ فَضْلًا عَنْ الْأَوْلَوِيَّةِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ تَصِحُّ الْجُمُعَةُ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ وَالْمُحْدِثِ هَلْ يُشْتَرَطُ سَمَاعُهُمَا لِلْخُطْبَةِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْأَوَّلِ سَمَاعُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى صِحَّةِ الْجُمُعَةِ لَهُمْ خَلْفَهُ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ خِلَافُهُ وَيُفَارِقُ الْخَلِيفَةُ إذَا شَرَطْنَا سَمَاعَهُ بِأَنَّهُ يَبْنِي صَلَاتَهُ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ. وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ سَمَاعِهِ صَحَّتْ خَلْفَهُمَا إذَا زَادَا عَلَى الْأَرْبَعِينَ لِوُجُودِ صُورَةِ الْجَمَاعَةِ لَا حَقِيقَتِهَا فَلَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ السَّمَاعِ وَجْهٌ.
- (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ «مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ تَوَاضُعًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الْإِيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا» مَا مَعْنَاهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ:
стр. 259
مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ أَئِمَّتُنَا أَنَّهُ يُسَنُّ تَرْكُ التَّرَفُّعِ فِي اللِّبَاسِ الْمُبَاحِ بِأَنْ لَا يَلْبَسَ أَرْفَعَ الْجِنْسِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ لُبْسُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ شَهْوَةِ النَّفْسِ وَتَرَفُّعِهَا بِهِ عَلَى غَيْرِهَا وَقَدْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَإِنَّمَا السُّنَّةُ لُبْسُ أَوْسَطِ الْجِنْسِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ لُبْسُهُ بَلْ قَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ لُبْسُ الْخَشِنِ لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ لِخَبَرِ النَّسَائِيّ «إذَا أَعْطَاك اللَّهُ مَالًا فَكَثِّرْ أَثَرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْك وَكَرَامَتِهِ» وَلِأَنَّ الْخَشِنَ ثَوْبُ الشُّهْرَةِ كَالرَّفِيعِ أَمَّا لُبْسُ الْخَشِنِ وَالْمُزْرِي مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّفِيعِ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ كَهَضْمِ النَّفْسِ وَاقْتِدَائِهَا بِزُهَّادِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِينَ لَبِسُوا الشِّمَالَ وَالْخَشِنَ فَهُوَ مَحْبُوبٌ. كَمَا أَنَّ لُبْسَ الرَّفِيعِ لِلْعُلَمَاءِ مَحْبُوبٌ بِقَصْدِ امْتِثَالِ أَوَامِرِهِمْ وَإِشَارَاتِهِمْ وَإِجْلَالِ الْعِلْمِ وَإِيقَاعِ هَيْبَتِهِ فِي قُلُوبِ الْعَامَّةِ لِيَتَلَقَّى عَنْهُمْ مَا بَرَزَ مِنْهُمْ مِنْ الْأَوَامِر وَالنَّوَاهِي وَالزَّوَاجِرِ وَالتَّغْلِيظَاتِ وَقَدْ لَبِسَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ زِيَّ الزُّهَّادِ بِمَكَّةَ لَمَّا حَجَّ فَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ وَنَهَى عَنْ مُنْكَرٍ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ.
فَقِيلَ لَهُ: لَسْت مِنْ أَهْلِ الْإِنْكَارِ وَإِنَّمَا يُنْكِرُ الْعُلَمَاءُ فَلَبِسَ الثِّيَابَ النَّفِيسَةَ كَالطَّيْلَسَانِ وَذَوَاتِ الْأَكْمَامِ الْوَسِيعَةِ وَنَحْوِهَا فَامْتُثِلَ أَمْرُهُ وَخُضِعَ لِقَوْلِهِ فَعُلِمَ أَنَّ مَصْلَحَةَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْهَضْمِ الَّذِي لَا يُمْتَثَلُ مَعَهُ أَمْرٌ فَرَجَعَ إلَى لُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ عَمَلًا بِأَرْجَحِ الْمَصْلَحَتَيْنِ.
(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ اقْتَصَرَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْأَرْكَانِ بِأَنْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، اتَّقُوا اللَّهَ وَقَرَأَ آيَةً وَفِي الثَّانِيَةِ أَتَى بِالثَّلَاثَةِ وَبِيَرْحَمُكُمْ اللَّهُ هَلْ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ حَتَّى فِي صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّا إذَا قَرَأَ الْخَطِيبُ آيَةً فِي الْخُطْبَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِهَا وَلَا قَصْدِ غَيْرِهَا مِنْ الْأَرْكَانِ كَأَنْ يَقْرَأَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الْآيَةَ أَوْ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] الْآيَةَ وَنَحْوَهُمَا مِنْ الْآيَاتِ فِي أَثْنَاءِ الْوَعْظِ أَوْ غَيْرِهِ هَلْ يُجْزِئُ عَنْ الْآيَةِ أَوْ لَا؟ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهَا شَيْئًا وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْخَطِيبِ أَنْ يَكُونَ مُتَذَكِّرًا لِفَرْضِهَا حِينَ الْقِرَاءَةِ أَمْ لَا.
وَإِذَا تَرَكَ الْخَطِيبُ الْآيَةَ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى وَجَلَسَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا قَامَ تَذَكَّرَ وَقَرَأَ الْآيَةَ مُوَافَقَةً لِعَادَتِهِ ثُمَّ جَلَسَ لِلْفَصْلِ فَهَلْ يَقْطَعُ الْجُلُوسَ الْأَوَّلَ مُوَالَاةٌ الْخُطْبَةِ الْأُولَى أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْخُطْبَةِ وَلَا نِيَّةُ فَرْضِيَّتِهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ وَجَزَمَ بِهِ أَيْضًا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي فَتَاوِيهِ.
وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهَا أَذْكَارٌ وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ وَقِرَاءَةٌ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ لِأَنَّهُ مُمْتَازٌ بِصُورَتِهِ مُنْصَرِفٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِحَقِيقَتِهِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ تَصْرِفُهُ إلَيْهِ وَهَذَا أَوْجَهُ مِمَّا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ الْقَاضِي مِنْ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ وَإِنْ جَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ كَالْأَذْرَعِيِّ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَكَلَامُ الرَّوْضَةِ مُشِيرٌ إلَى ضَعْفِ كَلَامِ الْقَاضِي بَلْ الْقَاضِي نَفْسُهُ إنَّمَا فَرَّعَهُ كَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ عَنْهُ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ انْتَهَتْ وَبِهَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْآيَةِ فِي الْخُطْبَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِي وُقُوعِ الِاعْتِدَادِ بِهَا عَنْهَا نِيَّةُ كَوْنِهَا مِنْهَا. بَلْ يَكْفِي الْإِتْيَانُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا لِانْصِرَافِهَا إلَيْهَا بِلَا نِيَّةٍ كَمَا تَقَرَّرَ نَعَمْ الشَّرْطُ عَدَمُ الصَّارِفِ بِأَنْ لَا يَقْصِدَ غَيْرَ الْخُطْبَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَفِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَيْضًا وَالتَّاسِعُ أَنْ يَعْلَمَ الْخَطِيبُ وَاجِبَهَا أَيْ الْخُطْبَةِ كَمَا فِي الْأَنْوَارِ وَلَيْسَ كَلَامُهُ بِظَاهِرٍ بَلْ الَّذِي يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ الشَّرْطَ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ النَّفْلِيَّةَ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ فِيهَا وَاجِبَاتٍ وَأَتَى بِهَا وَلَمْ يَقْصِدْ بِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا أَنَّهُ نَفْلٌ صَحَّتْ عَلَى قِيَاسِ الصَّلَاةِ بِالْأَوْلَى. اهـ. وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْخَطِيبِ أَنْ يَكُونَ مُتَذَكِّرًا لِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ حِينَ قِرَاءَتِهِ الْآيَةَ بَلْ الشَّرْطُ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهَا النَّفْلِيَّةَ وَفِيهِ أَيْضًا بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ: الْخَامِسُ أَيْ مِنْ الْأَرْكَانِ قِرَاءَةُ آيَةٍ مُفْهِمَةٍ فِي إحْدَى الْخُطْبَتَيْنِ وَتُجْزِئُ كَمَا فِي الْأُمِّ وَغَيْرِهَا قَبْلَهُمَا وَبَعْدَهُمَا وَبَيْنَهُمَا لِأَنَّهَا إمَّا فِي الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ وَالثَّابِتُ الْقِرَاءَةُ فِي الْخُطْبَةِ دُونَ تَعْيِينٍ نَعَمْ تُسَنُّ فِي الْأُولَى كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ. اهـ. وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ قِرَاءَةَ الْخَطِيبِ لِلْآيَةِ فِيمَا ذَكَرَ آخِرَ السُّؤَالِ وَقَعَتْ فِي مَحَلِّهَا لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الثَّانِيَةَ مَحَلٌّ لَهَا كَالْأُولَى وَأَنَّهُ مُخْطِئٌ بِالْجُلُوسِ الثَّانِي فَلَا يَضُرُّ إنْ كَانَ جَاهِلًا وَقَصُرَ الْفَصْلُ وَإِلَّا ضَرَّ
стр. 260
وَلَزِمَهُ. إعَادَةُ الْخُطْبَةِ وَأَنَّ جُلُوسَهُ الْأَوَّلَ وَقَعَ فِي مَحَلِّهِ أَيْضًا لِأَنَّ قِرَاءَتَهَا فِي الْأُولَى سُنَّةٌ لَا وَاجِبَةٌ كَمَا تَقَرَّرَ.
(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ خَطِيبٍ يَتْرُكُ لُبْسَ الطَّيْلَسَانِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ هَلْ زَعْمُهُ صَوَابٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَيْسَ مَا زَعَمَهُ بِصَوَابٍ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَلِلْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ ﵀ مُؤَلَّفٌ مُسْتَقِلٌّ فِي سُنِّيَّةِ لُبْسِ الطَّيْلَسَانِ جَمَعَ فِيهِ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ وَبَيَّنَ مَا فِيهَا وَالرَّدَّ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ فَشَكَرَ اللَّهُ سَعْيَهُ. وَلَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْحَسَنِ الْبَكْرِيُّ - سَقَى اللَّهُ ثَرَاهُ - يُدِيمُ لُبْسَهُ أَوَّلَ أَمْرِهِ فِي دُرُوسِهِ وَغَيْرِهَا فَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ مَنْ لَهُ اعْتِيَادٌ مَا بِالْحَدِيثِ فَبَالَغَ الشَّيْخُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الرِّوَايَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نَدْبِ لُبْسِهِ ثُمَّ قَالَ لِلْمُنْكِرِ أَمَا تُنْكِرُ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ صِفَةِ كَذَا وَكَذَا وَبَيَّنَ لَهُ أُمُورًا مُجْمَعًا عَلَى ذَمِّهَا فَكَانَ ذَلِكَ مَانِعًا لِلنَّاسِ مِنْ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّهُمْ لَمَّا أَنْكَرُوا عَلَى الْجَلَالِ فِي إدَامَةِ لُبْسِهِ فِي سَائِرِ الْمَوَاكِبِ وَغَيْرِهَا صَنَّفَ فِيهِ فَأَجَادَ وَأَفَادَ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَرْحَمُنَا وَإِيَّاهُمَا وَسَائِرَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ.
[بَابُ اللِّبَاسِ]
(وَسُئِلَ) ﵁ وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ - عَنْ فَتْخَةِ الْفِضَّةِ الْمُسَمَّاةِ عِنْدَنَا بِالْحَلْقَةِ هَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ لُبْسُهَا أَمْ لَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حِينَئِذٍ دَاخِلَةً فِي مُسَمَّى الْخَاتَمِ لُغَةً كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي الْعُمْدَةِ قَالَ وَلَمْ يُجَوِّزُوا لِلرَّجُلِ لُبْسَ شَيْءٍ مِنْ حُلِيِّ الْفِضَّةِ إلَّا الْخَاتَمَ وَلَيْسَتْ هَذِهِ خَاتَمًا كَمَا تَقَدَّمَ. اهـ كَلَامُهُ بِمَعْنَاهُ لَكِنْ فِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ أَنَّ الْحَلْقَةَ خَاتَمٌ بِلَا فَصٍّ فَسَمَّاهَا خَاتَمًا فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ أَفِيدُونَا مَتَّعَ اللَّهُ بِكُمْ الْمُسْلِمِينَ؟
(فَأَجَابَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - بِقَوْلِهِ: الَّذِي يُتَّجَهُ جَوَازُ الْحَلْقَةِ الْمَذْكُورَةِ. فَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي جَوَازِ لُبْسِ الْخَاتَمِ بَلْ نَدْبُهُ لِلرَّجُلِ بَيْنَ مَا لَهُ فَصٌّ وَمَا لَا فَصَّ لَهُ فَأَفْهَمَ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِمَّا لَهُ فَصٌّ وَمَا لَا فَصَّ لَهُ يُسَمَّى عِنْدَهُمْ خَاتَمًا وَإِنْ كَانَ الْخَاتَمُ لُغَةً لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى مَا لَهُ فَصٌّ فَقَدْ قَالَ فِي الصِّحَاحِ وَالْفَتْخَةُ بِالتَّحْرِيكِ حَلْقَةٌ مِنْ فِضَّةٍ لَا فَصَّ فِيهَا فَإِذَا كَانَ فِيهَا فَصٌّ فَهِيَ الْخَاتَمُ. اهـ. فَأَفْهَمَ أَنَّ الْحَلْقَةَ غَيْرُ الْخَاتَمِ لُغَةً فَعُلِمَ بِمَا تَقَرَّرَ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَاللُّغَوِيِّينَ أَنَّ الْخَاتَمَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْفَصُّ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ كَلَامُهُمْ صَرِيحًا فِيمَا ذَكَرْته مِنْ جَوَازِ الْحَلْقَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَزَعْمُ ابْنِ الْمُلَقِّنِ مَا ذُكِرَ عَنْهُ فِي السُّؤَالِ يَرُدُّهُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ عَدَمَ دُخُولِهَا فِي مُسَمَّى الْخَاتَمِ لُغَةً لَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ صَرَّحُوا بِحِلِّ مَا لَا فَصَّ لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى خَاتَمًا لُغَةً فَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِالْخَاتَمِ فِي كَلَامِهِمْ الْخَاتَمَ فِي اللُّغَةِ بَلْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ فَانْدَفَعَ نَظَرُهُ بِلَمْ يُسَمَّ خَاتَمًا لُغَةً وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَمَّا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يُسَمُّونَهُ خَاتَمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَصٌّ وَاللُّغَوِيِّينَ يَخُصُّونَ اسْمَ الْخَاتَمِ بِمَا لَهُ فَصٌّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا لَا فَصَّ لَهُ اسْمُ الْخَاتَمِ أَيْضًا كَمَا يَدُلُّ لَهُ كَلَامُ ابْنِ الْأَثِيرِ الْمَذْكُورُ فِي السُّؤَالِ.
فَإِنْ قُلْت يَنْبَغِي تَحْرِيمُهَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ كَوْنُهَا مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ وَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ التَّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ حَرَامٌ وَعَكْسُهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُتَشَبِّهَات مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» قُلْت إنَّمَا يَحْرُمُ التَّشَبُّهُ بِهِنَّ بِلُبْسِ زِيِّهِنَّ الْمُخْتَصِّ بِهِنَّ اللَّازِمِ فِي حَقِّهِنَّ كَلُبْسِ السِّوَارِ وَالْخَلْخَالِ وَنَحْوِهِمَا بِخِلَافِ لُبْسِ الْخَاتَمِ بِلَا فَصٍّ وَهُوَ الْحَلْقَةُ الْمَذْكُورَةُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شِعَارِهِنَّ الْمُخْتَصِّ بِهِنَّ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الْأُمِّ: وَلَا أَكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسَ اللُّؤْلُؤِ إلَّا لِلْأَدَبِ فَإِنَّهُ مِنْ زِيِّ النِّسَاءِ لَا لِلتَّحْرِيمِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ رَدًّا عَلَى الرَّافِعِيِّ الْفَاهِمُ مِنْ هَذَا النَّصِّ تَبَعًا لِلشَّاشِيِّ أَنَّ التَّشَبُّهَ بِهِنَّ مَكْرُوهٌ فَقَطْ وَلَيْسَ كَمَا قَالَاهُ بَلْ الصَّوَابُ الْحُرْمَةُ وَأَمَّا نَصُّهُ فِي الْأُمِّ فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِهَذَا لِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ زِيِّ النِّسَاءِ لَا أَنَّهُ زِيٌّ لَهُنَّ مُخْتَصٌّ بِهِنَّ لَازِمٌ فِي حَقِّهِنَّ. اهـ. وَكَذَلِكَ نَقُولُ: الْحَلْقَةُ الْمَذْكُورَةِ إنْ سُلِّمَ أَنَّهَا زِيٌّ لَهُنَّ أَيْ مِنْ جِنْسِ زِيِّهِنَّ لَا أَنَّهَا بِهِنَّ لَازِمَةٌ فِي حَقِّهِنَّ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ
стр. 261
«أَنَّ فَصَّ خَاتَمِهِ ﷺ كَانَ حَبَشِيًّا» .
قَالَ النَّوَوِيُّ نَقْلًا عَنْ الْعُلَمَاءِ يَعْنِي كَانَ حَجَرًا حَبَشِيًّا أَيْ فَصًّا مِنْ جَزْعٍ أَوْ عَقِيقٍ فَإِنَّ مَعْدِنَهُمَا بِالْحَبَشَةِ وَالْيَمَنِ. اهـ. وَلَا يُنَافِيهِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي قَبْلَهَا بِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ لَهُ خَاتَمَانِ مِنْ فِضَّةٍ أَحَدُهُمَا فَصُّهُ مِنْهُ وَالْآخَرُ فَصُّهُ حَبَشِيٌّ أَيْ جَزْعٌ أَوْ عَقِيقٌ وَوَرَدَ فِي التَّخَتُّمِ بِالْعَقِيقِ أَحَادِيثُ مِنْهَا أَنَّهُ يَنْفِي الْفَقْرَ وَأَنَّهُ مُبَارَكٌ وَأَنَّ مَنْ تَخَتَّمَ بِهِ لَمْ يَزَلْ يَرَ خَيْرًا وَكُلُّهَا لَمْ يَثْبُتْ مِنْهَا شَيْءٌ كَمَا قَالَهُ الْحُفَّاظُ وَوَرَدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ «أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْيَاقُوتِ الْأَصْفَرِ يَمْنَعُ الطَّاعُونَ» وَبِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْفَصَّ تَارَةً يَكُونُ مِنْ الْخَاتَمِ. وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ مَعَ قَوْلِهِمْ السَّابِقِ يَجُوزُ لُبْسُ الْخَاتَمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَصٌّ يَظْهَرُ مَا مَرَّ مِنْ جَوَازِ لُبْسِ الْحَلْقَةِ الْمَذْكُورَةِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ شَيْءٌ يُلْبَسُ فِي الْإِصْبَعِ مِنْ الْفِضَّةِ وَلُبْسُ فَصِّهِ مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ يُسَمَّى خَاتَمًا وَهُوَ غَيْرُ الْحَلْقَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ وَاضِحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَا ذَكَرْته مِنْ حِلِّ الْحَلْقَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ وَالْغَزَالِيَّ فِي الْفَتَاوَى شَذَّا فَقَالَا: لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ التَّحَلِّي بِغَيْرِ الْخَاتَمِ مِنْ حُلِيِّ الْفِضَّةِ كَالسِّوَارِ وَالدُّمْلُجِ وَالطَّوْقِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْفِضَّةِ إلَّا تَحْرِيمُ الْأَوَانِي وَتَحْرِيمُ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ. اهـ. وَمَا قَالَاهُ ضَعِيفٌ جِدًّا فَإِنَّ هَذَا مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ حِبَّانَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ رَآهُ لَابِسًا خَاتَمًا مِنْ شَبَهٍ مَا لِي أَجِدُ مِنْك رِيحَ الْأَصْنَامِ فَطَرَحَهُ ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ مَا لِي أَرَى عَلَيْك حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ قَالَ اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ لَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا» هَلْ الْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَمَا حُكْمُ الْخَاتَمِ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْحَدِيثُ حَسَنٌ صَحِيحٌ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَكَأَنَّهُ تَعَقَّبَ بِذَلِكَ قَوْلَ النَّوَوِيِّ إنَّهُ ضَعِيفٌ وَالشَّبَهُ بِمُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ صِنْفٌ مِنْ النُّحَاسِ كَلَوْنِ الذَّهَبِ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ فِي كَرَاهَتِهِ وَلَيْسَ فِي سِيَاقِهِ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي خَاتَمِ الْحَدِيدِ وَجَوَازُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ لَا نِزَاعَ فِيهِ وَاشْتِرَاطُ الْوَزْنِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَصَوَّبَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُخَالِفُهُ لَكِنَّ الْأَوْجَهَ ضَبْطُهُ بِمَا لَا يُعَدُّ إسْرَافًا فِي الْعُرْفِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَصَرَّحَ بِهِ الْخُوَارِزْمِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الْخَلْخَالِ.
(وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - هَلْ يَجُوزُ التَّفَرُّجُ عَلَى الزِّينَةِ إذَا أَمَرَ بِهَا نُوَّابُ السُّلْطَانِ لِفَتْحِ بِلَادٍ حَصَلَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ أَوْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ تَزْيِينَ الْجُدْرَانِ بِالْحَرِيرِ مُنْكَرٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَحْرُمُ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ قَالَ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُعْمَلُ لَأَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا وَهُوَ الْعِلَّةُ الْغَائِيَّةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْهَا فَفِي تَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَيْهَا حَمْلٌ عَلَى تَرْكِهَا وَنَقَلَهُ عَنْهُ السُّبْكِيّ وَارْتَضَاهُ بَلْ وَأَخَذَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ فَتَحَ بَابًا فِي جِدَارِ مَسْجِدٍ وَقُلْنَا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ سَوَاءٌ أَكَانَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ أَمْ لَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ مِنْهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَتَبُهُ عَرِيضَةً أَمْ لَا فَإِنْ قُلْت مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ ظَاهِرٌ إنْ لَمْ يَكُونُوا مُكْرَهِينَ عَلَى الزِّينَةِ بِخُصُوصِ الْحَرِيرِ وَإِلَّا كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ الْآنَ فَلَا يَنْبَغِي حِينَئِذٍ حُرْمَةُ النَّظَرِ إلَيْهَا لِجَوَازِهَا قُلْت هَذَا مُحْتَمَلٌ إنْ وُجِدَتْ شُرُوطُ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْحَرِيرِ بِخُصُوصِهِ وَلَمْ يُكْتَفَ بِغَيْرِهِ.
وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ الْحُرْمَةُ وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْحَرِيرِ بِخُصُوصِهِ وَلَمْ يُكْتَفَ بِغَيْرِهِ وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ الْحُرْمَةُ وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْمُحَرَّمِ إنَّمَا يُبِيحُهُ لِلْمُكْرَهِ لَا لِغَيْرِهِ فَأَصْحَابُ الدَّكَاكِينِ وَإِنْ أُبِيحَ لَهُمْ الزِّينَةُ بِالْحَرِيرِ وَالْجُلُوسُ تَحْتَهُ لِأَجْلِ الْإِكْرَاهِ لَا يُبَاحُ لِغَيْرِهِمْ النَّظَرُ إلَى ذَلِكَ لِلتَّفَرُّجِ عَلَيْهِ وَلَا الْمُرُورِ فِي الْأَسْوَاق الْمُزَيَّنَةِ بِذَلِكَ بِلَا حَاجَةٍ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إغْرَاءَ الْعَوَامّ وَإِيهَامَهُمْ أَنَّهَا حَلَالٌ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ فَفِي تَوَاطُؤِ النَّاسِ عَلَى عَدَمِ التَّفَرُّجِ عَلَيْهَا حَمْلٌ لِنُوَّابِ الْإِمَامِ عَلَى عَدَمِ الْإِكْرَاهِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ كَمَا لَا يَخْفَى وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى تَرْكِ الْمُحَرَّمِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
(وَسُئِلَ) - أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ - هَلْ يَحْرُمُ لُبْسُ اللُّؤْلُؤِ عَلَى الرِّجَالِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَلَفْظُهُ لَا أَكْرَهُ لُبْسَ اللُّؤْلُؤِ إلَّا لِلْأَدَبِ فَإِنَّهُ.
стр. 262
مِنْ زِيِّ النِّسَاءِ لَا لِلتَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِ لُبْسِهِ.
(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ قَوْلِ الْمَحَامِلِيِّ فِي الْمُقْنِعِ لُبْسُ الثِّيَابِ الْمَصْبُوغَةِ مِنْ تَرْكِ الْمُرُوءَةِ هَلْ هُوَ وَإِطْلَاقُهُ مُعْتَمَدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ إنْ لَمْ يَلِقْ بِهِ ذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا صَوَّرْته مَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ ﵁ وَغَيْرُهُ مِنْ حُرْمَةِ كَوْنِ وَثِيقَةِ الصَّدَاقِ حَرِيرًا إنْ أُرِيدَ كِتَابَةُ الرِّجَالِ فِيهِ فَهُوَ كَخِيَاطَةِ الْحَرِيرِ وَهُوَ جَائِزٌ لِلرِّجَالِ أَوْ اتِّخَاذُ النِّسَاءِ لَهُ فَاِتِّخَاذُ الْمَرْأَةِ لِلْحَرِيرِ وَافْتِرَاشُهَا لَهُ جَائِزٌ فَمَا وَجْهُ الْحُرْمَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: ﵁ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلُ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَالْخِيَاطَةِ. لِأَنَّ الثَّوْبَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ لُبْسُهُ إلَّا بِهَا بِخِلَافِ كَوْنِ الْمَكْتُوبِ فِيهِ حَرِيرًا فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ أَصْلًا وَأَيْضًا فَالْكِتَابَةُ فِي شَيْءٍ اسْتِعْمَالٌ لَهُ عُرْفًا بِخِلَافِ خِيَاطَتِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَجُوزُ عَمَلُ عَصَائِبِ النِّسَاءِ مِنْ الْوَرَقِ الْبَيَاضِ وَيَجُوزُ دَوْسُهُ وَالِاسْتِنْجَاءُ بِهِ أَوْ لَا لِتَعْظِيمِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ خُلِقَ لَأَنْ يُكْتَبَ فِيهِ نَحْوُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَكِتَابَةُ غَيْرِهَا فِيهِ لَمْ يُخْلَقْ لَهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السُّبْكِيّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ جَوَازُ عَمَلِ الْعَصَائِبِ مِنْهُ قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ لَهُنَّ رُءُوسٌ كَأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا نَحْنُ فِيهِ. وَهَذَا مِنْ الزِّينَةِ الْمُبَاحَةِ وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الْقَمُولِيِّ وَأَقَرَّهُ جَوَازُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْوَرَقِ الْكَاغَدِ إنْ كَانَ خَشِنًا مُزِيلًا وَصَرَّحَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَنَقَلُوهُ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الدَّوْسِ بِالْأَوْلَى وَرُدَّ مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ مِمَّا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ وَمِنْ حُرْمَةِ دَوْسِهِ وَلَوْ سَلَّمْنَا خَلْقَهُ لِذَلِكَ فَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا لَمْ يُخْلَقْ لَهُ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ حَيْثُ قَالَ: إنَّهُ يَقْتَضِيهِ لَا يُقَالُ الْوَرَقُ فِيهِ النَّشَاءُ وَهُوَ مَطْعُومٌ لِأَنَّا نَقُولُ الْكَلَامُ فِي وَرَقٍ لَا نَشَاءَ فِيهِ عَلَى أَنَّ النَّشَاءَ مُسْتَهْلَكٌ فَلَا أَثَرَ لِوُجُودِهِ.
(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ وَرَقَةٍ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى. هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ فِيهَا فِضَّةٌ وَنَحْوُهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَقَلَ السُّبْكِيّ عَنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ وَأَنَّ الْقُرْآنَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يُقْصَدَ بِهِ الدِّرَاسَةَ أَوْ لَا وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى كُلُّ اسْمٍ مُعَظَّمٍ.
(وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - بِمَا لَفْظُهُ: شُكَّ فِي تَسَاوِي الْحَرِيرِ وَغَلَبَتِهِ فَهَلْ يَجُوزُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَجُوزُ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالُوهُ فِي الضَّبَّةِ وَقَوْلُ الْأَنْوَارِ يَحْرُمُ، ضَعِيفٌ عَلَى أَنَّ نُسَخَهُ مُخْتَلِفَةٌ.
(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ نَصَبَ ثَوْبَ حَرِيرٍ وَجَلَسَ تَحْتَهُ بِحَيْثُ يُسَامِتُ رَأْسُهُ بَعْضَ الثَّوْبِ الْمَنْصُوبِ. وَيَصِيرُ تَحْتَهُ كَمَا اعْتَادَهُ أَهْلُ مِصْرَ فِي نَصْبِ الْبَشَّاخِينَ وَالنَّوَامِيسِ عِنْدَ دَعْوَتِهِمْ النَّاسَ إلَى وَلِيمَةٍ وَنَحْوِهَا فَهَلْ يَحِلُّ الْجُلُوسُ تَحْتَ مَا ذُكِرَ أَوْ لَا وَهَلْ يَجُوزُ نَصْبُ مَا ذُكِرَ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي يَظْهَرُ حُرْمَةُ الْجُلُوسِ تَحْتَ مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ عُرْفًا وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ نَحْوِ الْبُشْخَانَةِ إنَّمَا هُوَ بِالْجُلُوسِ دَاخِلَهَا فَقَدْ غَفَلَ عَنْ أَنَّ لَهَا فِي الْعَادَةِ اسْتِعْمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا مَعَ الْعِيَالِ وَهُوَ بِمَا ذُكِرَ وَالثَّانِي اسْتِعْمَالُ الْمَدْعُوِّينَ وَتَزَيُّنُهُمْ بِهَا وَلَيْسَ هُوَ إلَّا بِجُلُوسِهِمْ تَحْتَهَا وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ فَإِنْ قُلْت يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجُلُوسُ الْمَذْكُورُ مُبَاحًا لِأَنَّا شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ اسْتِعْمَالًا أَوْ غَيْرَهُ فَلَا يَحْرُمُ بِالشَّكِّ قُلْت الْعُرْفُ قَاضٍ بِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ بِلَا شَكٍّ وَعَلَى تَسْلِيمِ مَا ذُكِرَ فَالْأَصْلُ فِي الْحَرِيرِ الْحُرْمَةُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْوَجْهُ الْمُجَوِّزُ لِاسْتِعْمَالِهِ وَهُوَ هُنَا أَنْ يُجْمِعَ أَهْلُ الْعُرْفِ عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ لَيْسَ اسْتِعْمَالًا وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَكَانَ الْبَقَاءُ مَعَ الْأَصْلِ أَوْلَى وَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَصْلِ جَوَازُ لُبْسِ الثَّوْبِ الْمَشْكُوكِ فِي كَوْنِ أَكْثَرِهِ حَرِيرًا أَوْ كَتَّانًا مَثَلًا خِلَافًا لِمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَنْوَارِ وَقِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الضَّبَّةِ لِأَنَّا نَقُولُ الْأَصْلُ فِي الْمُخْتَلَطِ عَدَمُ زِيَادَةِ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.
وَجَوَازُ اسْتِعْمَالِهِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ الْأَكْثَرَ هُوَ الْحَرِيرُ. وَلَمْ يُعْلَمْ فَغَلَّبْنَا هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ السَّابِقِ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُهُ فِي صَرْفِ الْحَرِيرِ فَلَا تُرَدُّ مَسْأَلَةُ الْمُخْتَلَطِ أَصْلًا وَأَمَّا نَصْبُ مَا ذُكِرَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَزْيِينِ الْجُدْرَانِ بِالْحَرَائِرِ الَّذِي قَالُوا بِحُرْمَتِهِ إنْ قَصَدَتْ الْمَرْأَةُ بِنَصْبِهَا أَنَّهَا تَسْتَعْمِلُهَا وَحْدَهَا فَإِنْ قَصَدَتْ بِهِ جُلُوسَ الرِّجَالِ تَحْتَهَا أَوْ زِينَةَ الْجِدَارِ أَوْ الْبَيْتِ أَوْ اسْتِعْمَالَهَا بِجُلُوسِهَا هِيَ وَزَوْجُهَا فِيهَا حَرُمَ نَصْبُهَا.
стр. 263
وَكَانَ ذَلِكَ مُنْكَرًا مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ فِي الْوَلِيمَةِ.
(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ الْأَفْضَلُ لُبْسُ الْخَاتَمِ فِي الْيَمِينِ أَوْ الْيَسَارِ وَمَا حُكْمُ نَقْشِهِ بِالذِّكْرِ أَوْ غَيْرِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ إيثَارُ الْيَمِينِ وَفِي أُخْرَى إيثَارُ الْيَسَارِ وَقَدْ بَيَّنْتُهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَنَا لُبْسُهُ فِي الْيَمِينِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» أَيْ مِمَّا هُوَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي التَّخَتُّمِ تَكْرِيمًا - أَيُّ تَكْرِيمٍ - فَيَكُونُ فِي الْيَمِينِ وَاعْتَرَضَ بَعْضُ النَّاسِ قَوْلَ مَالِكٍ ﵁ يُكْرَهُ فِي الْيَمِينِ. وَيَكُونُ فِي الْيَسَارِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْخَاتَمِ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الْخَوَاتِيمِ فِيهَا نَقْشُ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ وَهُوَ اعْتِرَاضٌ وَاهٍ لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ سَهْلٍ مِنْ أَنْ يَقْلَعَهُ مِنْ يَسَارِهِ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ حَتَّى فِي الْخَلَاءِ وَيَجْعَلَهُ فِي فَمِهِ، وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِي كَرَاهِيَةِ جَعْلِهِ فِي الْيَمِينِ أَنَّهُ عِنْدَهُ لَيْسَ مِنْ التَّكْرِيمِ وَإِنَّمَا يُجْعَلُ فِي الْيَدِ لِلْخَتْمِ بِهِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ لَا يَقْبَلُونَ إلَّا كِتَابًا مَطْبُوعًا فَاتَّخَذَ ﵊ خَاتَمًا وَنَقَشَ عَلَيْهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» فَإِذَا كَانَ مَوْضُوعًا فِي الْيَدِ فَيَتَنَاوَلُ لِلْخَتْمِ بِهِ فَالتَّنَاوُلُ إنَّمَا يُسَنُّ بِالْيَمِينِ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بِالْيَسَارِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُتَّجَهُ أَنْ لَوْ كَانَتْ سُنَّةُ لُبْسِهِ مُتَقَيِّدَةً بِالْخَتْمِ بِهِ أَمَّا إذَا لَمْ تَتَقَيَّدْ بِذَلِكَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا جَاءَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَهُ خَاتَمَانِ خَاتَمٌ يَخْتِمُ بِهِ وَخَاتَمٌ يَلْبَسُهُ دَائِمًا» فَلَا يُتَّجَهُ ذَلِكَ الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ الْتَزَمَ مَا فِي الِاعْتِرَاضِ فَقَالَ: إنْ كَانَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ فَالْأَحْسَنُ إزَالَتُهُ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ وَإِلَّا فَالْأَمْرُ وَاسِعٌ وَرَأَيْت بَعْضَهُمْ ذَكَرَ مَا أَجَبْت بِهِ عَنْ احْتِجَاجِ مَالِكٍ فَقَالَ: الْخَاتَمُ زِينَةٌ مُرَخَّصٌ فِيهَا أَصْلُهَا الْحَاجَةُ لِأَنَّهُ ﷺ إنَّمَا اتَّخَذَهُ لِطَبْعِ الْكُتُبِ حِينَ قِيلَ لَهُ إنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ إلَّا الْكِتَابَ الْمَطْبُوعِ. وَلَكِنْ رُخِّصَ فِيهِ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ مَعَ أَنَّهُ يُثْقِلُهَا وَيَشْغَلُ الْبَالَ وَافْتَرَقَتْ الصَّحَابَةُ ﵃ إلَى قِسْمَيْنِ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي الْيَمِينِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي الْيَسَارِ وَبَالَغَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْبَاجِيُّ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ فَقَالَ: الثَّانِي هُوَ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَكَرِهَ التَّخَتُّمَ فِي الْيَمِينِ قَالَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَ الْخَاتَمَ فِي يَمِينِهِ لِلْحَاجَةِ يَتَذَكَّرَهَا أَوْ يَرْبِطَ خَيْطًا فِي أُصْبُعِهِ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْخَاتَمِ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ يَلْبَسُهُ فِي الشِّمَالِ وَيَسْتَنْجِي بِهِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا أَرَادَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ» وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. اهـ.
وَفِيهِ مَا فِيهِ وَخَبَرُ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ عَشْرِ خِصَالٍ وَمِنْهَا وَعَنْ التَّخَتُّمِ إلَّا لِذِي سُلْطَانٍ» قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَفِي الْمُوَطَّإِ أَنَّهُ أَفْتَى بِجَوَازِ لُبْسِ الْخَاتَمِ أَيْ مُطْلَقًا وَقَالَ لِمَنْ أَفْتَاهُ أَخْبِرْ النَّاسَ أَنِّي أُفْتِيك بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَرَادَ مَالِكٌ بِذَلِكَ الْإِنْكَارَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ فِي إنْكَارِهِمْ لَهُ إلَّا لِذِي سُلْطَانٍ وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ أَلْبَسُهُ عَلَى الْجَنَابَةِ وَأَدْخُلُ بِهِ الْخَلَاءَ وَأَكْتُبُ فِيهِ ذِكْرَ اللَّهِ.
وَأَجَازَ الْحَسَنُ نَقْشَ الْآيَةِ فِيهِ وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَكُونَ فِي الْخَاتَمِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا وَزْنُهُ دِرْهَمَانِ وَفَصُّهُ مِنْهُ وَنُقِشَ عَلَيْهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَنَهَى أَنْ يَنْقُشَ أَحَدٌ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي يَدِهِ حَتَّى مَاتَ» وَنَقَشَ مَالِكٌ فِي خَاتَمِهِ: حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَلَبِسَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَكَرَّمَ وَجْهَهُ خَاتَمَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ﵁ ثُمَّ سَقَطَ مِنْ غُلَامِهِ مُعَيْقِيبٍ أَوْ مِنْهُ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ مِنْ خِلَافَتِهِ فِي بِئْرِ أَرِيسَ عِنْدَ قُبَاءَ فَالْتُمِسَ فَلَمْ يُوجَدْ وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ فَتْحِ بَابِ الْفِتْنَةِ الَّتِي مَا زَالَتْ تَطْمُو إلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ ﵁ ثُمَّ تَزَايَدَتْ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ، وَلَمَّا سَقَطَ مِنْ عُثْمَانَ اتَّخَذَ بَدَلَهُ مَنْ وَرِقٍ وَنَقَشَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَيْضًا قِيلَ: وَذَكَرَتْ الْهَوَاتِفُ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ أَمَنَةً لِلصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَمِنْ حِينِ سُقُوطِهِ دَخَلَ بَيْنَهُمْ مَا دَخَلَ مِنْ الْخِلَافِ وَالْفِتَنِ وَتَغْيِيرِ الْقُلُوبِ وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ثُمَّ نَبَذَهُ» فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ لِبَيَانِ تَحْرِيمِ الذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لِلنِّسَاءِ وَرُوِيَ فِي كَرَاهَتِهِ لَهُنَّ مَا لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ.
стр. 264
وَتَمْوِيهُهُ بِالذَّهَبِ حَرَامٌ عِنْدَنَا مُطْلَقًا ثُمَّ إنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حَرُمَتْ اسْتِدَامَتُهُ وَحَرُمَ لُبْسُهُ وَإِلَّا فَلَا هَذَا مَذْهَبُنَا وَكَرِهَ فِي الْعُتْبِيَّةِ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ فِي خَاتَمِهِ مِنْ الْفِضَّةِ قَدْرَ الْحَبَّةِ مِنْ الذَّهَبِ لِئَلَّا يَصْدَأَ أَوْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ الْحَدِيدَ يُكْرَهُ التَّخَتُّمُ بِهِ وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِلرِّجَالِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيّ وَقَدْ جَاءَ «أَنَّهُ ﷺ رَأَى رَجُلًا وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ شَبَهٍ أَيْ: نُحَاسٍ فَقَالَ لَهُ: إنِّي لَأَجِدُ مِنْهُ رِيحَ الْأَصْنَامِ وَقَالَ لِآخَرَ: مَا لِي أَرَى عَلَيْك حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ» لَكِنْ اسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الصَّدَاقِ «اتَّخِذْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ.» وَجَاءَ «عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَكَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَخَتَّمَ فِي هَذِهِ وَهَذِهِ يَعْنِي الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ»
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّخَتُّمَ فِي الْإِصْبَعَيْنِ وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّة فَقَالَ: إنَّمَا الْمَعْنَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَا يَتَشَبَّهُ الرَّجُلُ بِالنِّسَاءِ فِي التَّخَتُّمِ فِي الْأَصَابِعِ كُلِّهَا قِيلَ: وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنَّهُ يُجْعَلُ فِي الْخِنْصِرِ وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ وَزْنَهُ دِرْهَمَانِ مِنْ فِضَّةٍ وَأَنَّ فَصَّهُ مِنْهُ وَأَنَّهُ جَعَلَهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ. اهـ. وَالْأَخِيرَانِ مُسْلِمَانِ وَالْأَوَّلُ فِيهِ نَظَرٌ فَفِي الْحَدِيثِ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ مِثْقَالًا.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ: مَا حُكْمُ لُبْسِ زِيِّ الصُّلَحَاءِ وَالْعُلَمَاءِ لَهُمْ. أَوْ لِغَيْرِهِمْ وَمَا الْعَمَلُ الَّذِي يَسُدُّ خَوْفَ الرِّيَاءِ وَكَيْفَ حَالُ سَنَدِهِمْ فِي لُبْسِ الْخِرْقَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَنْ تَزَيَّا زِيَّ صَالِحٍ أَوْ عَالِمٍ فَإِنْ قَوِيَ يَقِينُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَخْشَ عَلَى نَفْسِهِ رِيَاءً وَنَحْوَهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ، وَإِنْ خَشِيَ تَرَكَهُ وَإِنْ كَانَ صَالِحًا أَوْ عَالِمًا ذَكَرَهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ: وَالْعَمَلُ إمَّا أَنْ يُشْرَعَ فِيهِ السِّرُّ وَالْخَفَاءُ كَقِيَامِ اللَّيْلِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فَهَذَا لَا يُظْهِرُهُ وَإِلَّا خَالَفَ السُّنَّةَ وَتَعَرَّضَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَإِمَّا أَنْ يُشْرَعَ فِيهِ الْجَهْرُ كَالْأَذَانِ وَتَشْيِيعِ الْجَنَائِزِ وَالْجِهَادِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْوِلَايَاتِ الشَّرْعِيَّةِ كَالْإِمَامَةِ. فَهَذَا لَا يُتْرَكُ خَوْفَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ بَلْ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ فِي دَفْعِهِمَا وَعَلَى هَذَا دَرَجَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، وَإِمَّا أَنْ يُخَيِّرَ الشَّرْعُ فِيهِ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالسِّرِّ كَالصَّدَقَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] الْآيَةَ فَهَذَا إخْفَاؤُهُ خَيْرٌ مِنْ إظْهَارِهِ لِلْأَمْنِ مِنْ الرِّيَاءِ نَعَمْ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فَإِظْهَارُهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ أَفْضَلُ إذَا قَوِيَ عَلَى حِفْظِ نَفْسِهِ مِنْ شَوَائِبِ الْفِتْنَةِ وَالرِّيَاءِ لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ فِي التَّوْسِعَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَمَثُوبَةِ الْأَغْنِيَاءِ وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا. اهـ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ كَرِهُوا الْإِفْرَاطَ فِي بَذَاذَةِ اللِّبَاسِ وَعُلُوِّهِ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: الْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ مَا لَا يُشْهِرُك عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَلَا يُحَقِّرُك عِنْدَ السُّفَهَاءِ. وَأَغْرَاضُ السَّلَفِ مُتَفَاوِتَةٌ فِي إيثَارِ الرَّفِيعِ وَالْخَسِيسِ فَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵃ يَلْبَسُ الْخَزَّ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ يَلْبَسُ الصُّوفَ وَلَا يُنْكِرُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَكَانَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ لَا يَلْبَسُونَ الْخَزَّ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ الزُّهْدِ وَدَاعٍ إلَى الزَّهْوِ فَفِي الْمُوَطَّإِ كَانَ عُمَرُ ﵁ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَلْبَسُ ثَوْبًا قَدْ رَقَّعَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِرِقَاعٍ ثَلَاثٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ قَالَ الْبَاجِيُّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَقَّعَهُ مَرَّةً وَتَخَرَّقَ ثُمَّ رَقَّعَهُ بَعْدُ مَرَّةً أُخْرَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي بَيْتِهِ وَيَلْبَسَ غَيْرَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ يَكُونَ لَيْسَ مِثْلُ ذَلِكَ فَاشِيًا بَيْنَ أَبْنَاءِ الزَّمَانِ فَلَا يُشْتَهَرُ بِهِ مَنْ لَبِسَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَخَذَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ اُشْتُهِرَ بِالتَّقَدُّمِ فِي الدِّينِ وَشُهِدَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَالَهُ لَمْ يَتَّسِعْ لِأَكْثَرَ وَكَانَ يُحِبُّ التَّقْلِيلَ مِنْ الْأَخْذِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَكَانَ فِي هَذِهِ بَعْدَ الْوِلَايَةِ أَقْوَى مِنْهُ قَبْلَهَا وَكَذَا كَانَ بَعْضُ ذُرِّيَّتِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَبِسَ أَبُو بَكْرٍ الْكِسَاءَ حَتَّى عُرِفَ بِهِ وَقَالَتْ غَطَفَانُ فِي الرِّدَّةِ مَا كُنَّا نُتَابِعُ صَاحِبَ الْكِسَاءِ وَكَانَ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْخُشُونَةِ فِي لِبَاسِهِ وَمَطْعَمِهِ كَانَ قَمِيصُهُ إلَى نِصْفِ سَاقِهِ وَكُمَّاهُ إلَى طَرَفِ يَدِهِ.
وَقَالَ هُوَ أَجْمَعُ لِلْقَلْبِ وَأَبْعَدُ مِنْ الْكِبْرِ وَأَحْرَى أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ الْمُؤْمِنُ وَكَانَ سَلْمَانُ وَأَبُو ذَرٍّ ﵄ فِي غَايَةٍ مِنْ الزُّهْدِ وَالرِّضَا بِالْيَسِيرِ وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ أَبَاهُ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَعَلَيْهِ إزَارٌ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً بَعْضُهَا مِنْ أَدَمٍ وَكَتَبَ إلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ لِيَكُنْ طَعَامُكُمْ وَلِبَاسُكُمْ خَشِنًا خَلَقًا قِيلَ: وَمِنْ
стр. 265
هَذِهِ الْآثَارِ أَخَذَ الْمُتَصَوِّفَةُ لِبَاسَ الْخِرْقَةِ وَالتَّزَيِّي وَقَدْ رَوَاهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالشَّيْخِ يُوسُفَ الْعَجَمِيِّ الْمَدْفُونِ بِقَرَافَةِ مِصْرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَذَكَرَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ سَنَدَهُ فِي الْخِرْقَةِ وَالْمُرَقَّعَةِ إلَى أُوَيْسٍ عَنْ عُمَرَ ﵄ وَإِلَى الْحَسَنِ عَنْ عَلِيٍّ ﵄ وَإِلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ فَلِمَنْ ثَبَتَتْ عَقِيدَتُهُ فِيهِمْ وَقَوِيَ يَقِينُهُ وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ آثَارُ بَاطِنِهِ أَنْ يَلْبَسَ زِيَّهُمْ وَهُوَ الْخِرْقَةُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ تَزَيَّا بِزِيِّ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ وَمَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمِ فَهُوَ مِنْهُمْ» وَذَكَرَ غَيْرُ سَيِّدِي يُوسُفَ الْعَجَمِيِّ مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ فِي طَرِيقِ السَّائِرِينَ إلَى اللَّهِ أَنَّهُ إذَا صَحَّ لِلْمُرِيدِ مَقَامُ التَّوْبَةِ وَالْوَرَعِ وَشَرَعَ فِي مَقَامِ الزُّهْدِ فَقَدْ آنَ لَهُ لُبْسُ الْخِرْقَةِ إنْ رَغِبَ فِيهَا فَلْيُرَاعِ مَا يَلْزَمُهُ فِي لُبْسِهَا لَكِنْ قَدْ ارْتَفَعَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَانْحَلَّ النِّظَامُ وَوَقَعَ الرِّضَا مِنْ جِهَةِ الِاتِّبَاعِ بِالْأَوْفَقِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَتْبُوعِينَ بِالِابْتِدَاعِ وَمِنْ ذَلِكَ يَنْتَشِرُ الْفَسَادُ وَيَظْهَرُ الْعِنَادُ فَلَابِسُ الْمُرَقَّعَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَدَّبَ نَفْسَهُ بِالْآدَابِ وَرَاضَهَا بِالْمُجَاهَدَاتِ وَالْمُكَابَدَاتِ وَتَحَمَّلَ الْمَشَاقَّ وَتَجَرَّعَ الْمَرَارَاتِ وَجَاوَزَ الْمَقَامَاتِ وَاقْتَدَى بِالْمَشَايِخِ أَهْلِ الِاتِّبَاعِ وَالِاقْتِدَاءِ وَصَحِبَ رِجَالَ الصِّدْقِ وَعَرَفَ أَحْكَامَ الدِّينِ وَحُدُودَ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَحَرَامٌ عَلَيْهِ التَّعَرُّضُ لِلْمَشْيَخَةِ وَالْإِرَادَةِ. اهـ.
قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ صَدَقَ الشَّيْخُ فِيمَا ذَكَرَ لِأَنَّهُ لَا يَلْبَسُ الْخِرْقَةَ وَالْمُرَقَّعَةَ وَزِيَّ الصَّالِحِينَ الْيَوْمَ إلَّا كُلُّ مُدَّعٍ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ حِلْيَةِ الْقَوْمِ إلَّا الْقِشْرَةَ خَاصَّةً خَلِيٌّ مِنْ الْمَعْنَى لَا تَرَى إلَّا دَعَاوَى بَاطِلَةً وَأُصُولًا وَاهِيَةً وَاتِّبَاعَ الْآثَارِ بِالظَّوَاهِرِ خَاصَّةً لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْقَوْمِ وَرُبَّمَا لَبِسَهَا بَعْضُ الْعَوَامّ يُلْبِسُونَ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهَا وَلَيْسُوا كَذَلِكَ وَرُبَّمَا لَبِسَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ لُصُوصٍ وَنَحْوِهِمْ وَهَذَا لَهُ مَنْدُوحَةٌ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ مَنْ يَتَوَصَّلُ لِتَحْصِيلِ الدُّنْيَا بِطَرِيقَةِ الصَّلَاحِ أَشَرُّ مِنْ الظَّلَمَةِ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصُّوفِيَّةُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ صُوفِيَّةُ الْحَقَائِقِ وَحَالُهُمْ تَرْكُ الْكَدَرِ وَامْتِلَاءُ الْفِكَرِ وَاسْتِوَاءُ الْحَجَرِ وَالْمَدَرِ قِيلَ: هُوَ كَمَالُ الْمَعَانِي وَتَرْكُ الدَّعَاوَى وَهَؤُلَاءِ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالْعُلَمَاءُ الْعَارِفُونَ. وَصُوفِيَّةُ الْأَرْزَاقِ وَهُمْ الَّذِينَ وُقِفَتْ عَلَيْهِمْ الْخَوَانِكُ وَالرُّبَطُ وَشَرْطُهُمْ الْعَدَالَةُ وَالتَّأَدُّبُ بِآدَابِ أَهْلِ الطَّرِيقِ وَهِيَ الْآدَابُ الشَّرْعِيَّةُ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ وَأَنْ لَا يَتَمَسَّكُوا بِفُضُولِ الدُّنْيَا مِنْ التِّجَارَاتِ وَنَحْوِهَا. وَصُوفِيَّةُ الرُّسُومِ وَهُمْ الْمُقْتَصِرُونَ عَلَى لُبْسِ زِيِّ الْقَوْمِ فَلَيْسَ لَهُمْ هِمَّةٌ إلَّا فِي تَحْصِيلِهِ وَآدَابٌ وَضْعِيَّةٌ يَتَعَارَفُونَهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ. وَمَنْزِلَةُ هَؤُلَاءِ مِنْ الصُّوفِيَّةِ مَنْزِلَةُ مَنْ يَلْبَسُ ثِيَابَ الْعُلَمَاءِ أَوْ الْمُجَاهِدِينَ مُتَشَبِّهًا بِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ شَيْئًا مِنْ الْعِلْمِ أَوْ الْجِهَادِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ أَشَارَ إلَيْهِمْ - سَيِّدِي أَبُو مَدْيَنَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - بِقَوْلِهِ: وَاعْلَمْ بِأَنَّ طَرِيقَ الْقَوْمِ دَارِسَةٌ وَحَالُ مَنْ يَدَّعِيهَا الْيَوْمَ كَيْفَ تَرَى.
وَسُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنْ سَنَدِهِ فِي الْخِرْقَةِ فَقَالَ: أَمَّا لُبْسُ الْقَلَنْسُوَةِ أَوْ الْعِمَامَةِ أَوْ الثَّوْبِ فَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ اسْتَحْسَنَهُ بِمَنْزِلَةِ خِلَعِ الْمُلُوكِ وَلَمْ يَرَهُ آخَرُونَ إذْ لَمْ يَرِدْ أَنَّهُ ﷺ كُسِيَ ثَوْبًا قَالَ: وَقَدْ كُنْت لَبِسْت خِرْقَةَ التَّصَوُّفِ مِنْ طُرُقِ جَمَاعَةٍ أَبْيَنُهَا طَرِيقُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْقَادِرِ. وَهِيَ أَجَلُّ الطُّرُقِ الْمَشْهُورَةِ وَلَبِسَهَا مِنْ طَرِيقِ الشَّيْخِ الْعَارِفِ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ السُّهْرَوَرْدِيِّ وَمِنْ طَرِيقِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الرِّفَاعِيِّ وَالشَّيْخِ أَبِي الْبَيَانِ الدِّمَشْقِيِّ وَأَخَذْت سُلُوكَ الطَّرِيقِ عَنْ الشَّيْخِ عَدِيِّ بْنِ مُسَافِرٍ وَأَبِي مَدْيَنَ الْمَغْرِبِيِّ وَأَخَذْنَا عَنْ الشُّيُوخِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَالْفُضَيْلِ وَالدَّارَانِيِّ وَمَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ وَأَمَّا نَفْسُ لُبْسِ الْخِرْقَةِ فَاسْتَحْسَنَهُ جَمْعٌ مِنْ الشُّيُوخِ وَأَسْنَدُوهُ مِنْ طَرِيقٍ مَشْهُورَةٍ وَقَدْ يَحْصُلُ بِهَا مَنْفَعَةٌ وَاتِّصَالٌ وَانْضِمَامٌ إلَى أَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ. اهـ. وَيَقَعُ لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ أَنْ يَقْنَعَ مِنْ أَتْبَاعِهِ بِأَدْنَى عَمَلٍ لَعَلَّهُ يَنْجَرُّ إذَا تَشَبَّهَ بِالْقَوْمِ إلَى طَرِيقَتِهِمْ وَهَذَا قَصْدٌ حَسَنٌ رَأَيْنَا بَعْضَ مَشَايِخِنَا يَفْعَلُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لُبْسُ الْخِرْقَةِ حَيْثُ لَمْ يُعَارِضْهُ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ احْتِيَاجُهُ إلَى أَصْلٍ مِنْ الْأَثَرِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ لِيُخْرِجَهُ مِنْ الْبِدْعَةِ أَوْ مِنْ مَقَاطِعِ الِاجْتِهَادِ، وَالرَّأْيُ الثَّانِي سَلَامَتُهُ مِنْ
стр. 266
اخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ وَالْمَيْلِ عَنْ السُّنَّةِ.
الثَّالِثُ اتِّصَالُ سَنَدِهَا وَهُوَ مُتَّصِلٌ إلَى أُوَيْسٍ عَنْ عُمَرَ ﵄ وَإِلَى الْحَسَنِ عَنْ عَلِيٍّ ﵄ وَهَذَا أَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَشْهَرُ طُرُقِهِ طَرِيقُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ وَهُوَ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي السَّعَادَاتِ الْحَرَمِيِّ عَنْ أَبِي الْفَرَجِ الطَّرَسُوسِيِّ عَنْ أَبِي الْفَضْلِ التَّمِيمِيِّ وَهُوَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشِّبْلِيِّ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْجُنَيْدِ عَنْ خَالِهِ السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ عَنْ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ عَنْ دَاوُد الطَّائِيِّ عَنْ حَبِيبٍ الْعَجَمِيِّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ إلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ السَّنَدَ إلَى مَعْرُوفٍ مُتَّصِلٌ وَمِنْ بَعْدِهِ مُنْقَطِعٌ إذْ لَا يُعْرَفُ لَهُ صُحْبَةٌ لِدَاوُدَ الطَّائِيِّ وَلَا لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا وَإِنَّمَا تُعْرَفُ صُحْبَتُهُ لِبَكْرِ بْنِ حُبَيْشٍ وَعَنْهُ يَرْوِي أَحَادِيثَ الزُّهْدِ وَمَا يَرْوِيهِ غَيْرُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْخَطَأُ فِيهِ كَبِيرٌ وَإِنْ كَانُوا ذَوِي فِعْلٍ وَصَلَاحٍ وَمِنْ ثَمَّ نَفَرَ مَالِكٌ عَنْ الْأَخْذِ عَنْهُمْ وَصُحْبَةُ دَاوُد لِحَبِيبِ الْعَجَمِيِّ فِيهَا نَظَرٌ وَأَمَّا اجْتِمَاعُ الْحَسَنِ بِعَلِيٍّ فَبَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الشَّأْنِ وَمَا يُرْوَى أَنَّهُ سَأَلَهُ مَا صَلَاحُ الدِّينِ قَالَ الْوَرَعُ وَمَا فَسَادُهُ قَالَ الطَّمَعُ. كَذِبٌ مَوْضُوعٌ وَإِسْنَادُ أُوَيْسٍ أَكْثَرُ انْقِطَاعًا وَإِسْنَادُ جَابِرٍ أَشَدُّ انْقِطَاعًا مِنْ الْكُلِّ. لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ رَوَوْهَا أَعْلَامٌ كُلُّهُمْ لَقِيَ أَشْيَاخًا غَيْرَ هَؤُلَاءِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى التَّوَاصِي عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمَالِكَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الِانْقِطَاعِ بِأَنَّهُمْ حَفِظُوا وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ.
وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ الصَّحِيحِ قَبُولُهَا وَبِأَنَّ نَفْيَ صُحْبَةِ مَعْرُوفٍ لِدَاوُدَ شَهَادَةُ نَفْيٍ فَالْمُثْبَتُ أَوْلَى وَبِأَنَّ نَفْيَ لَقِيِّ الْحَسَنِ لِعَلِيٍّ ﵄ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ لِإِمْكَانِ اجْتِمَاعِهِ بِهِ فَإِنَّهُ كَانَ بِالْكُوفَةِ وَالْحَسَنُ بِالْبَصْرَةِ وَبَعِيدٌ أَنْ يَسْمَعَ بِعَلِيٍّ قَرِيبًا مِنْهُ وَلَا يَجْتَمِعُ بِهِ. وَلَا يَجْتَمِعُ بِهِ وَمِثْلُ هَذَا الْإِمْكَانِ كَافٍ فِي الِاتِّصَالِ عِنْدَ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ وَبِأَنَّ الْمُنْقَطِعَ بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الْفَضَائِلِ وَهَذَا مِثْلُهَا لِأَنَّ الْمَدَارَ فِيهِ عَلَى الزُّهْدِ وَالْفَضِيلَةِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ اسْتِعْمَالِ الرَّجُلِ الْمُكْحُلَةَ الْمُغَشَّاةَ بِالْحَرِيرِ أَوْ الْمُطَرَّزَةَ بِالْقَصَبِ هَلْ يَحْرُمُ مُطْلَقًا أَوْ فِيهِ تَفْصِيلٌ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: الظَّاهِرُ فِي هَذَا تَفْصِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَمْسَكَهَا وَاكْتَحَلَ مِنْهَا أَثِمَ لِأَنَّ هَذَا اسْتِعْمَالٌ لَهَا وَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا بِالْمِرْوَدِ. مَنْ يَحِلُّ لَهُ اسْتِعْمَالُهَا كَامْرَأَةٍ وَأَعْطَتْهُ لَهُ لَمْ يَحْرُمْ وَإِنْ أَمَرَ بِعَمَلِهَا لَهُ بِخُصُوصِهِ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَوْلَى بِالْحِلِّ مِنْ نَحْوِ كِيسِ الْمُصْحَفِ الَّذِي صَرَّحَ بِحِلِّهِ الْفُورَانِيُّ وَمِنْ كِيسِ الدَّرَاهِمِ أَوْ غِطَاءِ الْعِمَامَةِ وَالْكُوزِ الَّذِي بَحَثَ حِلَّهُ الْإِسْنَوِيُّ وَاعْتَرَضَهُ الزَّرْكَشِيُّ بِمَا رَدَدْته عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ فَإِنْ قُلْت ظَاهِرُ هَذَا وَتَجْوِيزُ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ خَيْطُ الْمِسْبَحَةِ تَجْوِيزُ غِشَاءِ الْمُكْحُلَةِ وَاسْتِعْمَالِهَا مُطْلَقًا فَمَا الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلتَّفْصِيلِ السَّابِقِ فِيهَا دُونَ هَذِهِ النَّظَائِر؟
قُلْت الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ وَأَفْهَمَهُ كَلَامُهُمْ أَنَّ شَرْطَ اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ. الْمُحَرَّمِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِبَدَنِهِ فَخَرَجَ كِيسُ الْمُصْحَفِ وَالدَّرَاهِمِ وَغِطَاءُ الْعِمَامَةِ وَالْكُوزُ وَدَخَلَتْ الْمُكْحُلَةُ إذَا تَكَحَّلَ مِنْهَا بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْحَرِيرَ الَّذِي عَلَيْهَا حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَحَّلَهُ غَيْرُهُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَيْطِ السُّبْحَةِ وَلُقْيَةِ الدَّوَاةِ بِأَنَّهُمَا مَسْتُورَانِ فَلَا خُيَلَاءَ فِيهِمَا غَالِبَةٌ بِخِلَافِ الْمُكْحُلَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ فَرْقٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ غَيْرَ الْحَرِيرِ يَسْرُعُ تَقَطُّعُهُ مِنْ الْمِسْبَحَةِ وَالدَّوَاةِ بِخِلَافِ الْحَرِيرِ فَاحْتِيجَ إلَيْهِ كَالسِّجَافِ فَلَا زِينَةَ وَلَا خُيَلَاءَ بِخِلَافِ غِشَاءِ الْمُكْحُلَةِ فَإِنَّهُ لِمَحْضِ الزِّينَةِ وَالْخُيَلَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فِيهِ. إلَى خُصُوصِ الْحَرِيرِ أَلْبَتَّةَ وَهُوَ فَرْقٌ ظَاهِرٌ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ.
(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ لَبِسَ عِمَامَةً صَفْرَاءَ» ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ «جَعْفَرٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَوْبَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ بِزَعْفَرَانٍ رِدَاءً وَعِمَامَةً» وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ «كَانَ ﷺ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالزَّعْفَرَانِ قَمِيصَهُ وَرِدَاءَهُ وَعِمَامَتَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ كُلَّهَا بِالزَّعْفَرَانِ حَتَّى الْعِمَامَةَ» وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ أَصْفَرُ وَرِدَاءٌ أَصْفَرُ وَعِمَامَةٌ صَفْرَاءُ» وَالطَّبَرَانِيُّ «كَانَ أَحَبُّ الصِّبْغِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 267
الصُّفْرَةَ» .
(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ الْعِمَامَةُ الْكَبِيرَةُ وَاَلَّتِي بِلَا عَذْبَةٍ وَتَحْنِيكٍ مَكْرُوهَةٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ كَبَّرَهَا لِعُذْرِ بَرْدٍ وَنَحْوِهِ أَوْ لِكَوْنِ كِبَرِهَا مِنْ شِعَارِ عُلَمَاءِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ وَهُوَ مِنْهُمْ وَلَا يُعْرَفُ وَيُقْتَدَى بِقَوْلِهِ: وَيُمْتَثَلُ أَمْرُهُ إلَّا إنْ كَانَ عَلَيْهِ شِعَارُهُمْ فَلَا كَرَاهَةَ فِي كِبَرِهَا بَلْ هُوَ حِينَئِذٍ بِقَصْدِ الْعُذْرِ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ لِأَنَّ التَّوَقِّي عَنْ الْآفَاتِ وَالْمَهَالِكِ مَنْدُوبٌ بَلْ وَاجِبٌ إنْ انْحَصَرَ ذَلِكَ التَّوَقِّي فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَلِأَنَّ اتِّخَاذَ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ لِمَنْ هُوَ مِنْهُمْ وَتَوَقَّفَتْ مَعْرِفَةُ كَوْنِهِ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِنَشْرِ الْعِلْمِ وَهِدَايَةِ الضَّالِّينَ وَإِرْشَادِ الْمُسْتَرْشِدِينَ فَإِذَا تَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَى شِعَارِهِمْ تَعَيَّنَ لُبْسُهُ بِذَلِكَ الْقَصْدِ الْحَسَنِ وَكَذَا يُقَالُ فِي لُبْسِ الطَّيْلَسَانِ وَالثِّيَابِ الْوَاسِعَةِ الْأَكْمَامِ إذَا عُرِفَتْ مِنْ شِعَارِهِمْ وَتَوَقَّفَتْ الْهِدَايَةُ وَالِامْتِثَالُ لِلْأَوَامِرِ عَلَيْهَا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ سُلْطَانُ الْعُلَمَاءِ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ﵀ كُنْت فِي الْمَطَافِ وَلَيْسَ عَلَيَّ شِعَارُ الْعُلَمَاءِ فَأَمَرْت فَلَمْ يُمْتَثَلْ لِي فَذَهَبْت وَلَبِسْت شِعَارَهُمْ فَأَمَرْت فَامْتُثِلَ لِي وَوَقَعَ ذَلِكَ لِبَعْضِ مَشَايِخِنَا فِي الْحَجِّ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ لُبْسُ ثِيَابِ السَّفَرِ فَأَمَرَ فَقِيلَ لَهُ مَا بَقِيَ عَلَى النَّاسِ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ إلَّا الْحَمَّالُونَ قَالَ فَلَمَّا تَحَلَّلْت وَلَبِسْت ثِيَابَ الْعُلَمَاءِ أَمَرْت فَامْتُثِلَ لِي فَوْرًا فَمَنْ لَبِسَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِهَذَا الْقَصْدِ الصَّالِحِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَلَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ.
وَالْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلَا نَظَرَ لِمَا قِيلَ: مَنْ صَدَقَ فِي أَمْرِهِ اُمْتُثِلَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مَنْ كَانَ لِأَنَّ ذَلِكَ إنْ وَقَعَ فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَ صَلَاحِ الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ وَأَمَّا عِنْدَ فَسَادِهِمَا وَاغْتِرَارِ النَّاسِ بِالصُّوَرِ وَمَا وَقَرَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ مِنْ تَعْظِيمِهَا وَتَعْظِيمِ أَهْلِهَا دُونَ غَيْرِهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي صَارَ الِامْتِثَالُ وَالِاهْتِدَاءُ بِالْعَالِمِ مُتَوَقِّفًا عَلَيْهَا. وَهَذَا مِمَّا لَا مَسَاغَ لِإِنْكَارِهِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ جَمِيعُ مَا أَطْلَقَهُ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ فِي إنْكَارِهِ لِذَلِكَ وَفِيهِ عَنْ الْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ أَنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ بِهِ وَكَذَا الْعِمَامَةُ وَالْعَذَبَةُ وَأَنَّ الرِّدَاءَ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفًا وَنَحْوَهَا وَالْعِمَامَةُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَنَحْوُهَا يُخْرِجُونَ مِنْهَا التَّلْحِيَةَ وَالْعَذَبَةَ وَالْبَاقِي عِمَامَةٌ وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرِ «أَنَّ رِدَاءَهُ ﷺ كَانَ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَنِصْفًا» .
وَعَنْ الطُّرْطُوشِيِّ أَنَّهُ قَالَ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ يَحْيَى الصُّولِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ بِالتَّلَحِّي وَنَهَى عَنْ الِاقْتِعَاطِ» قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ قَعَطَ الرَّجُلُ عِمَامَتَهُ يَقْعَطُهَا اقْتِعَاطًا أَدَارَهَا عَلَى رَأْسِهِ. وَلَمْ يَتَلَحَّ بِهَا وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ وَالْمُقْعَطَةُ الْعِمَامَةُ وَأَخَذَ مَالِكٌ ﵁ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ فِعْلِ السَّلَفِ لَهُ كَرَاهَةَ تَرْكِ التَّحْنِيكِ بِأَنْ لَا يَدْخُلَ تَحْتَ ذَقَنِهِ شَيْءٌ مِنْهَا وَبَالَغَ الطُّرْطُوشِيُّ فَعَدَّ تَرْكَهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ الَّتِي شَاعَتْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ رَأَى مَنْ اعْتَمَّ وَلَمْ يَتَحَنَّك فَقَالَ تِلْكَ عِمَامَةُ الشَّيْطَانِ وَعَمَائِمُ قَوْمِ لُوطٍ وَأَصْحَابِ الْمُؤْتَفِكَاتِ وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّهَا مِنْ عَمَلِ الْقِبْطِ وَأَنْكَرَهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ قَصِيرَةً لَا تَبْلُغُ وَهَذَا كُلُّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى مَنْ خَالَفَ مَالِكًا فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا صَحَّ مَا ذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَا أَنَّ هَذَا شِعَارُ الْقِبْطِ وَالْكَرَاهَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مُسْتَنَدٍ وَلَا يُقْنَعُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ مَا ذُكِرَ كَمَا يُعْرَفُ مِنْ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ وَبِتَسْلِيمِ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَحْتَنِكُونَ وَأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ لِمُدَّعِي ذَلِكَ أَنْ يُثْبِتَهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ فَمُخَالَفَتُهُ لَا تَكُونُ مَكْرُوهَةً هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّحْنِيكِ.
وَأَمَّا الْعَذَبَةُ فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ فِعْلُهَا وَصَحَّ عَنْهُ تَرْكُهَا فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهَا حَرَجٌ وَإِذَا فَعَلَهَا فَإِنْ شَاءَ أَسْدَلَهَا أَمَامَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ لِأَنَّهُ جَاءَ عَنْهُ ﷺ كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ التَّحْنِيكِ وَالْعَذَبَةِ. بِأَنَّ اللُّبْسَ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي كَيْفِيَّاتِهِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَرِدَ مَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَلَمْ يَصِحَّ فِي تَرْكِ التَّلْحِيَةِ وَالْعَذَبَةِ شَيْءٌ يُحْتَجُّ بِهِ لِلْكَرَاهَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَانْدَفَعَ تَعَجُّبُ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ اللُّبْسُ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ مُطْلَقًا إذْ الْغَرَضُ مِنْهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالسُّنَّةُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِذَلِكَ.
стр. 268
لِأَجْلِ الِامْتِثَالِ ثُمَّ الْعِمَامَةُ عَلَى صِفَتِهَا فِي السُّنَّةِ وَالرِّدَاءُ فِي الصَّلَاةِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ دُونَ أَنْ يُغَطَّى بِهِ رَأْسُهُ.
وَكَذَلِكَ الْمَطْلُوبُ الْخُرُوجُ لِلْجُمَعِ بِثِيَابٍ غَيْرِ ثِيَابِ مِهْنَتِهِ فَأَيْنَ الْمُبَاحُ الْمُطْلَقُ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ مُبَاحٌ فَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَدُخُولُ الْبَيْتِ كُلٌّ مِنْهَا مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ وَمَعَ ذَلِكَ لَهَا سُنَنٌ كَثِيرَةٌ فَلُبْسُ الْعِمَامَةِ وَإِنْ أُبِيحَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سُنَنٍ كَتَنَاوُلِهَا بِالْيَمِينِ وَقَوْلِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] ، وَالذِّكْرِ الْوَارِدِ إنْ كَانَ مَا لُبِسَ جَدِيدًا وَامْتِثَالُ السُّنَّةِ فِي لُبْسِ التَّعْمِيمِ مِنْ فِعْلِ التَّحْنِيكِ وَالْعَذَبَةِ وَتَصْغِيرهَا. اهـ. مُلَخَّصًا. وَكُلُّهُ مُنْدَفِعٌ بِقَوْلِي مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي كَيْفِيَّاتِهِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَرِدَ مَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ. . . إلَخْ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ وَاضِحٌ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْغَزَالِيِّ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لَهُ أَنَّ السُّنَّةَ فِي التَّسَرْوُلِ أَنْ يَكُونَ قَاعِدًا.
وَفِي التَّعْمِيمِ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا. اهـ. ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ الدَّخَلِ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا تَمَسُّكَ فِيهِ لِمَا قَدَّمْته فِيمَا مَرَّ أَوَّلَ هَذَا الْجَوَابِ فَقَالَ مَا حَاصِلُهُ: وَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْوَقْتِ مِنْ اسْتِبَاحَةِ مَا يَلْبَسُونَهُ مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ أَنَّ ذَلِكَ بِفَتْوَاهُ فَإِنْ كَانَ اسْتِنَادُهُمْ فِي ذَلِكَ لِفَتْوَاهُ فَهُوَ غَلَطٌ مَحْضٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ. هَلْ فِي لُبْسِ هَذِهِ الثِّيَابِ الْمُوسَعَةِ الْأَرْدَانِ أَيْ أُصُولِ الْأَكْمَامِ وَالْعَمَائِمِ الْمُكَبَّرَةِ بَأْسٌ أَوْ بِدْعَةٌ تَسْتَعْقِبُ تَوْبِيخًا فِي الْقِيَامَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَحْسِينِ الْخِيَاطَةِ وَالزِّيقِ وَالتَّضْرِيبِ مُضِرٌّ بِأَهْلِ الْوَرَعِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْأَوْلَى بِالْإِنْسَانِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الِاقْتِصَادِ فِي اللِّبَاسِ، وَإِفْرَاطُ تَوْسِيعِ الْأَكْمَامِ بِدْعَةٌ وَسَرَفٌ وَتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ وَلَا تُجَاوِزُ الثِّيَابُ الْأَعْقَابَ فَمَا زَادَ عَلَى الْأَعْقَابِ فَفِي النَّارِ وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ لِيُعْرَفُوا بِذَلِكَ فَيُسْأَلُوا فَإِنِّي كُنْت مُحْرِمًا فَأَنْكَرْت عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُحْرِمِينَ لَا يَعْرِفُونَنِي مَا أَخَلُّوا بِهِ مِنْ آدَابِ الْمَطَافِ فَلَمْ يَقْبَلُوا فَلَمَّا لَبِسْتُ ثِيَابَ الْفُقَهَاءِ وَأَنْكَرْتُ عَلَى الطَّائِفِينَ مَا أَخَلُّوا بِهِ مِنْ آدَابِ الطَّوَافِ سَمِعُوا وَأَطَاعُوا، فَإِذَا لَبِسَ شِعَارَ الْفُقَهَاءِ لِهَذَا الْغَرَضِ كَانَ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ لِأَنَّهُ سَبَبٌ إلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْمُبَالَغَةُ فِي تَحْسِينِ الْخِيَاطَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمِنْ فِعْلِ أَهْلِ الرُّعُونَةِ وَالِالْتِفَاتِ إلَى الْأَغْرَاضِ الْخَسِيسَةِ الَّتِي لَا تَلِيقُ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. اهـ جَوَابُهُ وَلَا شَيْءَ فِيهِ يُبِيحُ مَا ذَكَرُوهُ لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ كَلَامَهُ بِأَنَّ هَذَا سَرَفٌ وَبِدْعَةٌ وَتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ ثُمَّ بَعْدَ هَذَا التَّأْسِيس قَالَ وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ. مِنْ أَهْلِ الدِّينِ فَقَيَّدَ الْعَالِمَ بِكَوْنِهِ ذَا دِينٍ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يُسَامِحُ نَفْسَهُ فِي ارْتِكَابِ مَكْرُوهٍ وَلَا فِي تَرْكِ مَنْدُوبٍ فَكَيْفَ بِالْمُحَرَّمِ وَلَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ وَالسَّرَفَ مُحَرَّمَانِ فَكَيْفَ يُقْتَدَى بِعَالَمٍ وَقَعَ فِي مُحَرَّمَاتٍ ثَلَاثٍ: الْبِدْعَةُ وَالسَّرَفُ وَإِضَاعَةُ الْمَالِ، فَالْحَاصِلُ مِنْ أَحْوَالِنَا أَنَّا لَبِسْنَا تِلْكَ الثِّيَابَ وَتَعَلَّقْنَا بِقَوْلِهِ: وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَرَأَيْنَا بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ الْيَوْمَ لِلْعِلْمِ وَالدِّينِ يَلْبَسُ تِلْكَ الثِّيَابَ فَقُلْنَا هَذِهِ هِيَ تِلْكَ الثِّيَابُ جَهْلًا مِنَّا بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْهُمْ وَبِصِفَتِهِمْ وَكَيْفَ يَتَعَلَّقُونَ بِفَتْوَاهُ وَهُوَ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ وَيَتَصَدَّقُ بِعِمَامَتِهِ فِي الطَّرِيقِ؟ وَقَوْلُهُ فِي تَحْسِينِ نَحْوِ الْخِيَاطَةِ مَا مَرَّ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ لَا خَطَرَ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ يُبْطِلُ مَا تُوُهِّمَ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ يُبِيحُ أَوْ يَسْتَحِبُّ الْمُحَرَّمَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ فَاتَّضَحَ بُطْلَانُ مَا نَسَبُوهُ لِهَذَا الْإِمَامِ. اهـ. حَاصِلُ كَلَامِهِ وَإِذَا تَأَمَّلْته التَّأَمُّلَ الصَّادِقَ وَجَدْت عَلَيْهِ مُؤَاخَذَاتٍ كَثِيرَةً فَإِنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ مَرْدُودٌ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ فَتَحَفَّظَ أَوَّلًا بِذِكْرِ الْبِدْعَةِ وَالسَّرَفِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ ثُمَّ تَحَفَّظَ قَوْلَهُ ثَانِيًا الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ. . . إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ لَا تَحَفُّظَ إلَّا لَوْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا وَثَانِيًا مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الثَّانِي مُسْتَثْنًى مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ قَدْ حَكَمَ أَوَّلًا بِأَنَّ فِي ذَلِكَ التَّوْسِيعِ تِلْكَ الْمَحْذُورَاتِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَقَالَ: وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ. . . إلَخْ فَبَيَّنَ أَنَّ لُبْسَ مَا فِيهِ ذَلِكَ التَّوْسِيعُ بِقَصْدِ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ لَا بِدْعَةَ فِيهِ وَلَا سَرَفَ وَلَا إضَاعَةَ لِمَالٍ بَلْ فِيهِ الْأَجْرُ وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّ شِعَارَ الْعُلَمَاءِ فِي كَلَامِهِ إنْ كَانَ عَلَى السُّنَّةِ فَلَا يُحْتَاجُ لِقَوْلِهِ: وَلَا بَأْسَ. . . إلَخْ وَلَا إلَى بَيَانِ انْتِفَاءِ
стр. 269
ذَلِكَ الْبَأْسِ بِمَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ ثُمَّ قَبُولُهُ عِنْدَ لُبْسِ ذَلِكَ الشِّعَارِ وَلَا إلَى أَنَّ فِيهِ أَجْرًا لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، فَعُلِمَ قَطْعًا مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا الشِّعَارَ لَيْسَ عَلَى قَانُونِ السُّنَّةِ وَأَنَّهُ فِي أَصْلِهِ مَذْمُومٌ إلَّا إذَا لُبِسَ بِذَلِكَ الْقَصْدِ الصَّالِحِ فَحِينَئِذٍ لَا ذَمَّ فِيهِ بَلْ فِيهِ الْأَجْرُ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا بَطَلَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ تَحَفَّظَ أَوَّلًا وَثَانِيًا بِمَا ذُكِرَ وَقَوْلُهُ فَقَيَّدَ الْعَالِمَ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ لَا يُنَافِي لُبْسَهُ شِعَارَ أَهْلِ الدُّنْيَا بِقَصْدِ صَالِحٍ أُخْرَوِيٍّ وَهُوَ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابُ النَّهْيِ.
وَمِنْ ثَمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا وَقَعَ لَهُ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يُؤْثِرُ التَّقَشُّفَ فِي لِبَاسِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ بِبَلَدِهِ مِصْرَ لَمْ يَحْتَجْ لِلُبْسِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ فِيهَا مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ نَافِذُ الْكَلِمَةِ حَتَّى عَلَى الْمُلُوكِ لِأَنَّهُمْ فِي أَسْرِهِ وَتَحْتَ حُكْمِهِ فَلَمَّا جَاءَ إلَى مَكَّةَ لَمْ يُعْرَفْ بِهَا كَمَا هُوَ بِبَلَدِهِ فَأَمَرَ وَهُوَ بِتِلْكَ الثِّيَابِ فَلَمْ يُؤْبَهْ لَهُ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ حِينَئِذٍ مِنْ لُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ فَلَبِسَهُ حِينَئِذٍ لِتَنْفِيذِ أَمْرِهِ فَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَمْ يُنْقِصْهُ لُبْسُ ذَلِكَ اللِّبَاسِ الْخَارِجِ عَنْ السُّنَّةِ فِي أَصْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ لِشَهْوَةِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا لَبِسَهُ لِقَصْدٍ صَالِحٍ فَأُجِرَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ. فَصَحَّ الِاسْتِدْلَالِ بِكَلَامِهِ هَذَا عَلَى مَا تَقَرَّرَ أَوَّلًا أَنَّ اللِّبَاسَ الْخَارِجَ عَنْ السُّنَّةِ إذَا لُبِسَ بِقَصْدِ صَالِحٍ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ فِي أَنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ. . . إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ إنْ أَرَدْت إضَاعَةَ الْمَالِ فِيمَا لَا غَرَضَ لِعَاقِلٍ كَرَمْيِهِ فِي بَحْرٍ فَمُسَلَّمٌ لَك ذِكْرُ الْإِجْمَاعِ الَّذِي ادَّعَيْتُهُ وَلَكِنْ لَا حُجَّةَ لَك فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ كَلَامُك فِيهِ وَإِنْ أَرَدْت أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِك أَنَّهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَهَذَا تَجَاسُرٌ مِنْك عَلَى دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مَعَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ التَّوْسِيعَ وَالتَّطْوِيلَ الَّذِي لَيْسَ بِقَصْدِ الْكِبْرِ مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ بِخِلَافِهِ مَعَ قَصْدِ الْكِبْرِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ لَا لِلتَّوْسِيعِ وَالتَّطْوِيلِ. بَلْ لِقَصْدِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الْكِبْرُ وَمَنْ عَلَّلَ ذَلِكَ بِالسَّرَفِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ كَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مُرَادُهُ أَنَّ فِي ذَلِكَ شَبَهًا مَا بِإِضَاعَةِ الْمَالِ لِأَنَّ مَا يُصْرَفُ فِي زِيَادَةِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ.
وَأَمَّا حَقِيقَةُ إضَاعَةِ الْمَالِ فَلَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ أَغْرَاضًا لِلْعُقَلَاءِ مِنْهَا أَنَّ التَّوْسِيعَ لَا يُسْرِعُ التَّقَطُّعُ لَهُ وَأَنَّهُ إذَا خَلِقَ الثَّوْبُ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُرَقِّعُ فِي بَاقِيهِ وَأَنَّهُ رُبَّمَا يَضَعُ فِي كُمِّهِ مَا يَعْرِضُ لَهُ حَمْلُهُ وَلَا يَجِدُ لَهُ إنَاءً وَالْأَغْرَاضُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فَأَيُّ إضَاعَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ فَكَيْفَ يُقْتَدَى بِعَالِمٍ وَقَعَ فِي مُحَرَّمَاتٍ ثَلَاثٍ. . . إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ إطْلَاقُك تَحْرِيمَ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا قَدْ يَحْرُمُ وَقَدْ لَا يَحْرُمُ بِاتِّفَاقٍ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِك أَمَّا لِلْبِدْعَةِ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا السَّرَفُ وَإِضَاعَةُ الْمَالِ فَالْكَلَامُ فِي سَرَفٍ وَإِضَاعَةِ مَالٍ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَكَيْفَ بِهَذِهِ الْإِطْلَاقَاتِ الْمُوهِمَةِ وَقَوْلُهُ: وَكَيْفَ يَتَعَلَّقُونَ بِفَتْوَاهُ. . . إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ قَدْ بَيَّنَّا السَّبَبَ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُ كَانَ فِي بَلَدِهِ مَشْهُورًا لَا يَحْتَاجُ إلَى لُبْسُ شَيْءٍ فَلَمْ يَلْبَسْهُ ثُمَّ لَمَّا رَحَلَ لِمَا لَا يُعْرَفُ فِيهِ لُبْسُ شِعَارِ أَهْلِ الدُّنْيَا بِقَصْدِ صَالِحٍ جَمِيلٍ عَمَلًا بِقَضِيَّةِ الْكَمَالِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ حَالٍ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ وَالْأَكْمَلُ فِي إبْلَاغِ الْحَقِّ وَتَنْفِيذِهِ وَقَوْلُهُ: يُبْطِلُ مَا تُوُهِّمَ عَنْهُ. . . إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ شَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ.
إذْ تَحْسِينُ نَحْوِ الْخِيَاطَةِ لَمْ يُعْهَدْ شِعَارًا لِلْعُلَمَاءِ فَقَالَ فِيهِ الْعِزُّ مَا قَالَ إذْ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَالِحٌ غَالِبًا بِخِلَافِ لُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ لِلْقَصْدِ الصَّالِحِ وَقَوْلُهُ فَاتَّضَحَ بُطْلَانُ مَا نَسَبُوهُ لِهَذَا الْإِمَامِ يُقَالُ عَلَيْهِ لَمْ يَتَّضِحْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اتَّضَحَ بُطْلَانُ مَا رَدَدْت عَلَيْهِمْ بِهِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ قِيَامُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُعْرَفُ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ فَلَمَّا حَدَثَ تَطَابَقَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَصَارَ تَرْكُهُ لِإِنْسَانٍ قَطِيعَةً يَتَوَلَّدُ عَلَيْهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا لَا يَخْفَى اسْتَحَبَّهُ أَئِمَّتُنَا بَلْ أَوْجَبُوهُ لِذَلِكَ وَالْكَلَامُ فِي قِيَامِ لُبْسِ الْعَالِمِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يُسَنُّ الْقِيَامُ لَهُمْ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ خَيْطِ الْقَصَبِ الْمُسَمَّى بِالْكَرْكَرِ هَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْكَوَافِي وَالْقَمِيصِ أَوْ لَا مَعَ أَنَّ أَهْلَ مِلِيبَارَ مُطْبِقُونَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي ذَلِكَ وَالْحَالُ أَنَّهُ تُخْرَجُ مِنْهُ الْفِضَّةُ إذَا سُبِكَ وَلَوْنُهُ يُشْبِهُ لَوْنَ الذَّهَبِ فَمَا حُكْمُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ اسْتِعْمَالُهُ فِي خِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَلَا غَيْرِهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
стр. 270
سَوَاءٌ أَكَانَ فِضَّةً خَالِصًا أَمْ مَطْلِيَّةً بِذَهَبٍ لِأَنَّهُ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِنَّ فَمَنْ فَعَلَهُ مِنْ الرِّجَالِ صَارَ مُتَشَبِّهًا بِهِنَّ مَلْعُونًا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْهُ «لَعْنُ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» .
[بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الرُّجُوعِ مِنْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ هَلْ فِيهِ قُرْبَةٌ وَثَوَابٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: ذَهَبَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا قُرْبَةَ فِي ذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِي الرُّجُوعِ مِنْ الْجِنَازَةِ وَغَيْرِهَا وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ: ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاك ذَلِكَ كُلَّهُ وَكَانَ قَدْ قِيلَ لَهُ لَوْ اتَّخَذْت دَابَّةً تَحْمِلُك فِي الظَّلْمَاءِ وَتَقِيك حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَقَالَ أُبَيّ: أُحِبُّ أَنْ يُكْتَبَ لِي أَجْرُ مَمْشَايَ وَرُجُوعِي فَقَالَ لَهُ ﷺ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاك ذَلِكَ كُلَّهُ» وَمِنْ قَوْلِهِ: كُلَّهُ يُؤْخَذُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ الْمُرَادُ أَعْطَاك مَجْمُوعَ ذَلِكَ كُلِّهِ. أَيْ أَجْرَ الْمَشْيِ فَقَطْ مَعَ أَنَّهُ تَأْوِيلٌ وَحَمْلٌ بَلَا دَلِيلٍ عَلَيْهِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِرَدِّهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ «قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَك ذَلِكَ كُلَّهُ» لَا يُقَالُ إنَّمَا كُتِبَ لِأُبَيٍّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْصِدُ بِرُجُوعِهِ صَلَاةَ الرَّاتِبَةِ فِي بَيْتِهِ لِأَنَّا نَقُولُ الْحَدِيثُ يَشْمَلُ مَا بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَلَا رَاتِبَةَ بَعْدَهُمَا وَأَيْضًا فَلَمْ يُرَتِّبْ ذَلِكَ عَلَى قَصْدٍ بَلْ عَلَى الْمَشْيِ فِي الرُّجُوعِ مِنْهَا، وَالْإِضْمَارُ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ وَإِنَّمَا كُتِبَ لَهُ أَجْرُ ذَلِكَ لِأَنَّ مُتَعَلَّقَاتِ الْعِبَادَاتِ بَاقِيَةٌ بِدَلِيلِ نَدْبِ الرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الذَّهَابِ وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ الرُّكُوبُ فِي الرُّجُوعِ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الذَّهَابِ لِانْقِضَاءِ الْعِبَادَةِ فَسُومِحَ فِيهِ مَا لَمْ يُسَامَحْ فِي الذَّهَابِ.
(وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ سُؤَالًا صُورَتُهُ: ثَبَتَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَذْهَبُ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ مِنْ طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ فِي أُخْرَى» فَمَا حِكْمَتُهُ وَهَلْ كُلُّ عِبَادَةٍ كَذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: حِكْمَةُ ذَلِكَ كَوْنُ الذَّهَابِ فِي الْأَطْوَلِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ وَقِيلَ: كَانَ يَتَصَدَّقُ فِي الْأُولَى فَلَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ فَيَرْجِعُ فِي أُخْرَى لِئَلَّا يَسْأَلَهُ سَائِلٌ فَيَرُدَّهُ وَقِيلَ: لِيَشْرُفَ أَهْلُ الطَّرِيقَيْنِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَقِيلَ: لِيَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ وَقِيلَ: لِيُفْتِيَ أَهْلَ الطَّرِيقَيْنِ وَقِيلَ: لِيَغِيظَ الْمُنَافِقِينَ بِإِظْهَارِ الشِّعَارِ وَقِيلَ: لِيَحْذَرَ كَيْدَهُمْ وَقِيلَ: لِلتَّفَاؤُلِ بِتَغْيِيرِ الْحَالِ إلَى الْمَغْفِرَةِ وَالرِّضَا وَقِيلَ: لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ. قَالَ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ: إنْ لَمْ يُعْلَمْ الْحَامِلُ لَهُ ﷺ عَلَى الْمُخَالَفَةِ سُنَّتْ لَنَا بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ عُلِمَ وَوُجِدَ مَا خَالَفَ لِأَجْلِهِ فِي إنْسَانٍ سُنَّتْ لَهُ أَيْضًا وَإِلَّا فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا تُسَنُّ أَيْضًا. وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي حِكْمَتِهِ هُوَ الْأَوَّلُ
وَقَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ الرُّجُوعُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ غَلَّطُوهُمْ فِيهِ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ إنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ لَك ذَلِكَ كُلَّهُ. وَهَذَا الْحُكْمُ مُطَّرِدٌ فِي كُلِّ قُرْبَةٍ مَشَى إلَيْهَا قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: إلَّا الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ نُدِبَتْ الْمُبَادَرَةُ إلَيْهَا وَالْمَشْيُ إلَيْهَا مِنْ الطَّرِيقِ الْأَقْصَرِ وَكَذَا إذَا خُشِيَ فَوْتُ الْجَمَاعَةِ. اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ سَنَّ الذَّهَابِ فِي الْقَصِيرَةِ لَا يَنْفِي سَنَّ الرُّجُوعِ فِي الطَّوِيلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْقَاعِدَةِ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ كَوْنِ الذَّهَابِ يَكُونُ فِي الْأَطْوَلِ لَا مِنْ نَدْبِ الذَّهَابِ فِي طَرِيقٍ وَالرُّجُوعِ فِي أُخْرَى فَإِنَّ أَصْلَ السُّنَّةِ يَحْصُلُ وَإِنْ ذَهَبَ فِي الْقَصِيرَةِ وَرَجَعَ فِي الطَّوِيلَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ هَلْ يَخْرُجُ غُسْلُ الْعِيدِ بِالزَّوَالِ كَصَلَاتِهِ وَهَلْ يُسَنُّ وَلَوْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ إنَّ الْغُسْلَ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ وَقْتُهُ بِالزَّوَالِ وَأَنَّهُ يُسَنُّ فِعْلُهُ وَلَوْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ كَمْ أَيَّامُ عِيدِ الْفِطْرِ هَلْ هِيَ أَرْبَعَةٌ كَأَيَّامِ عِيدِ الْأَضْحَى؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَضِيَّةُ تَعْلِيلِ الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ وُجُوبُ الصَّاعِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِأَنَّ النَّاسَ يَمْتَنِعُونَ غَالِبًا عَنْ الْكَسْبِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ وَثَلَاثَةٍ بَعْدَهُ وَلَا يَجِدُ الْفَقِيرُ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ فِيهَا لِأَنَّهَا أَيَّامُ سُرُورٍ وَرَاحَةٍ عَقِبَ الصَّوْمِ وَالصَّاعُ مَعَ مَا يُضَمُّ إلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ يَجِيءُ نَحْوَ ثَمَانِيَةِ أَرْطَالِ خُبْزٍ أَنَّ الَّذِي تَتَابَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ بَطَالَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ كَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ سُؤَالًا.
стр. 271
صُورَتُهُ هَلْ صَائِمُ الدَّهْرِ يَأْكُلُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَيُمْسِكُ فِي الْأَضْحَى؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: عَلَّلَ الْأَصْحَابُ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا تَقْتَضِي ذَلِكَ وَالْأُخْرَى تَقْتَضِي الْأَكْلَ فِي عِيدِ الْأَضْحَى قَبْلَ الصَّلَاةِ أَيْضًا وَالْمُتَّجِهُ الْأَوَّلُ وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ رِعَايَةً لِلْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ.
(وَسُئِلَ) ﵁ مَا مَعْنَى قَدْ تَصْلَى لَنَا الْعِيدَانُ فِي صَفَرٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: تَصْلَى بِمَعْنَى الِانْحِنَاءِ وَالتَّقْوِيمِ وَالتَّلْيِينِ مِنْ صَلَيْت الْعُودَ عَلَى النَّارِ وَالْعِيدَانُ جَمْعُ عُودٍ وَهُوَ آلَةُ اللَّهْوِ الْمَشْهُورَةُ. وَالصَّفَرُ صَفِيرُ الْقَصَبِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ الْفَارِسِيَّةِ لِلسَّيِّدِ نُورِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ الْأَبَجِيِّ ﵀ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ الثَّامِنِ مِنْ شَوَّالٍ عِيدًا وَلَا اعْتِقَادُهُ عِيدًا وَلَا إظْهَارُ شَيْءٍ مِنْ شِعَارِ الْعِيدِ فِيهِ فَهَلْ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ أَوْ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ مَا يُؤَيِّدُهُ وَهَلْ اتِّخَاذُ الطَّعَامِ الْكَثِيرِ فِيهِ كَمَا فِي الْعِيدِ إظْهَارٌ لِشِعَارِ الْعِيدِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَمْ أَرَ لِهَذَا السَّيِّدِ سَلَفًا فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ. وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ بِصَحِيحٍ إلَّا فِي اعْتِقَادِ أَنَّهُ عِيدٌ وَضَعَهُ الشَّارِعُ كَمَا وَضَعَ عِيدَيْ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فَتَحْرِيمُ اعْتِقَادِ ذَلِكَ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ وَأَمَّا مُجَرَّدُ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ عِيدًا أَوْ إظْهَارُ شِعَارِ الْعِيدِ فِيهِ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ نَعَمْ يَنْبَغِي أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَخِلَافُ الْأَوْلَى يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ حَمْلًا لِلْجَوَازِ عَلَى مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ فَلَعَلَّ السَّيِّدَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِلَّا كَانَ مُخَالِفًا لِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ بِلَا مُسْتَنَدٍ.
[بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ]
(وَسُئِلَ فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ هَلْ يُكْرَهُ حَمْلُ السِّلَاحِ فِي الصَّلَاةِ لِغَيْرِ خَوْفٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ لَا خِلَافَ فِي كَرَاهَةِ حَمْلِهِ حِينَئِذٍ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ: صَلَّوْا الْجُمُعَةَ فِي الْخَوْفِ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْجُمُعَةِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَضِيَّةُ جَرَيَانِ خِلَافِ الِانْفِضَاضِ هُنَا فِيمَا إذَا نَقَصَتْ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَرْبَعِينَ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَرْبَعِينَ ثُمَّ نَقَصُوا. وَأَنَّهُمْ لَوْ أَحْرَمُوا وَهُمْ دُونَ أَرْبَعِينَ لَمْ تَنْعَقِدْ، لَكِنَّ صَرِيحَ كَلَامِ مُخْتَصَرِ الْكِفَايَةِ وَقَضِيَّةَ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَبَعْضِ مُخْتَصَرَاتِهَا خِلَافُهُ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُ الرَّوْضِ وَغَيْرِهِ الْأَوَّلَ لِتَعْلِيلِهِمْ عَدَمَ ضَرَرِ النَّقْصِ عَنْ الْأَرْبَعِينَ بِسَبْقِ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يَقُولُوا بِسَبْقِ انْعِقَادِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجُمُعَةَ سَبَقَ انْعِقَادُهَا وَإِنْ كَانَتْ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ دُونَ أَرْبَعِينَ ابْتِدَاءً فَجَازَ لَهُمْ الْإِحْرَامُ بِهَا مَعَ نَقْصِهِمْ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْفِرْقَةِ الْأُولَى ثُمَّ رَأَيْت كَلَامَ الْكَمَالِ الدَّمِيرِيِّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ. مُوَافِقًا لِمَا ذَكَرْته بِخِلَافِ كَلَامِ الْجَوْجَرِيِّ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ أُخِذَ مَدَاسُهُ أَوْ نَحْوُهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ تَبَعُهُ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: صَرِيحُ قَوْلِهِمْ تَجُوزُ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ لِلْخَائِفِ عَلَى مَالِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ أَوْ نَحْوِهِمَا جَوَازَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا بُطْلَانَ، لَكِنْ قَيَّدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ بِضِيقِ الْوَقْتِ فَلْيُقَيَّدْ بِهِ مَا فِي السُّؤَالِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا خَافَ الْمُسَافِرُ فَوْتَ الرُّفْقَةِ إنْ وَقَفَ لِلصَّلَاةِ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ فَهَلْ يُصَلِّي صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ. كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِلضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِفَوَاتِ الرُّفْقَةِ فَهِيَ كَالْهَزِيمَةِ الْمُبَاحَةِ وَلَيْسَتْ كَمُحْرِمٍ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ لِأَنَّ تِلْكَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ حَاصِلٌ يُخَافُ فَوْتُهُ وَهُنَا يُخَافُ فَوْتُ حَاصِلٍ وَهُوَ الرُّفْقَةُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ: رَأَيْت مَعْزُوًّا لِبَعْضِ أَئِمَّةِ الْيَمَنِ مَا لَفْظُهُ: الْمُدَوَّرُ الْفِضَّةُ الَّذِي يَلْبَسُهُ الرِّجَالُ مَعَ الْخَاتِمِ أَوْ دُونَهُ وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي حَدِيثِ بِلَالٍ بِالْفَتْخَةِ الَّذِي يَظْهَرُ تَحْرِيمُ لُبْسِهِ عَلَى الرِّجَالِ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْخَاتَمِ إذْ الْخَاتَمُ مَا لَهُ فَصٌّ أَشَارَ لِذَلِكَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ. انْتَهَى كَلَامُهُ لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يَجُوزُ الْخَاتَمُ بِفَصٍّ وَبِلَا فَصٍّ وَيَجْعَلُ الْفَصَّ مِنْ بَاطِنِ كَفِّهِ أَوْ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنُهَا أَفْضَلُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ هَذِهِ عِبَارَتُهُ. اهـ. فَصَرَّحَ كَمَا نَرَى بِتَسْمِيَتِهِ خَاتَمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ فَصٌّ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي أَفْتَيْت بِهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَجَرَيْت عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ جَوَازُ لُبْسِ الْحَلْقَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلِأَنَّهَا تُسَمَّى خَاتَمًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
стр. 272
وَغَيْرِهِ وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ غَفْلَةً عَنْ قَوْلِ أَئِمَّتِنَا بِجَوَازِ لُبْسِ الْخَاتَمِ بِفَصٍّ وَبِدُونِهِ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْعِبَارَةَ أَعْنِي حَصْرَ الْخَاتَمِ فِيمَا لَهُ فَصٌّ لَوْ صَحَّتْ عَمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ كَانَتْ مُؤَوَّلَةً فَإِنَّ ذَلِكَ حَصْرٌ إضَافِيٌّ بِاعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ أَوْ الْأَشْهَرِ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ مَا لَيْسَ لَهُ فَصٌّ فَاسْتِدْلَالُ مَنْ ذَكَرَ فِي السُّؤَالِ بِهَا عَلَى التَّحْرِيمِ تَسَاهُلٌ فَاحِشٌ وَغَلَطٌ قَبِيحٌ وَكَيْفَ يَسْتَجِيزُ ذُو دِيَانَةٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَى تَحْرِيمٍ بِمُجَرَّدِ إشَارَةِ عِبَارَةٍ لِمَا لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيم كَمَا تَقَرَّرَ؟ فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ وَاحْذَرْ الْوُقُوعَ فِي مِثْلِهِ وَفَّقَنَا اللَّهُ لِلصَّوَابِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ فَإِنْ قُلْت هَذِهِ الْحَلْقَةُ مِنْ شِعَارِ النِّسَاءِ فَلُبْسُ الرِّجَالِ لَهَا تَشَبُّهٌ بِهِنَّ فَيَحْرُمُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ قُلْت زَعْمُ أَنَّ لُبْسَهَا مِنْ شِعَارِهِنَّ الْمُخْتَصِّ بِهِنَّ مَمْنُوعٌ وَوُجُودُهُ فِيهِنَّ فَقَطْ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ لَا نَظَرَ إلَيْهِ كَمَا حَرَّرْت هَذَا الْمَبْحَثَ أَعْنِي التَّشَبُّهَ بِهِنَّ وَمَا ضَابِطُهُ فِي كِتَابِي الْمُسَمَّى شَنُّ الْغَارَةِ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ مَعَرَّةَ تَقَوُّلِهِ فِي الْخَنَا وَعَوَارِهِ تَقَبَّلَهُ اللَّهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ.
[بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ]
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الْكُسُوفِ هَلْ يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِ الْقَمَرَيْنِ أَوْ لَا كَمَا رَأَيْته فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ بِتَصَوُّرِهِ فَمَا عَلَامَتُهُ وَهَلْ تُشْرَعُ لَهُ صَلَاةٌ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ فُحُولِ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ وَهَلْ وَقَعَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) ﵁ وَفَسَّحَ فِي مُدَّتِهِ بِأَنَّ مَا نَقَلْتُمُوهُ عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ مَا عَدَا كُسُوفِ النَّيِّرَيْنِ مَا لَوْ انْكَسَفَتْ النُّجُومُ فَالْقِيَاسُ عَلَى كُسُوفِ الْقَمَرِ وَأَوْلَى لِأَنَّهَا أَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ وَبِهَا الِاهْتِدَاءُ. اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ قِيَاسُهَا عَلَى الْقَمَرِ أَنَّهُ يُصَلِّي لَهَا صَلَاةَ الْكُسُوفِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى رُكُوعَيْنِ فِي جَمَاعَةٍ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَنَصُّ الْأُمِّ الْمُوَافِقِ لِكَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَالْأَصْحَابِ يَرُدُّ مَا زَعَمَهُ وَلَفْظُهُ: وَلَا آمُرُ بِصَلَاةِ جَمَاعَةٍ فِي زَلْزَلَةٍ وَلَا ظُلْمَةٍ وَلَا لِصَوَاعِقَ وَلَا رِيحٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَآمُرُ بِالصَّلَاةِ مُنْفَرِدِينَ كَمَا تُصَلَّى سَائِرُ الصَّلَوَاتِ. اهـ. فَانْظُرْ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الشَّامِلِ لِانْكِسَافِ النُّجُومِ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فَقَالَ: وَلَا يُصَلِّي عَلَى هَيْئَةِ الْخُسُوفِ قَوْلًا وَاحِدًا. اهـ. وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ لَا يُصَارُ لِتَغْيِيرِ الصَّلَاةِ إلَّا بِتَوْقِيفٍ وَلَمْ يَرِدْ إلَّا فِي النَّيِّرَيْنِ. وَلَيْسَ غَيْرُهُمَا فِي مَعْنَاهُمَا وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ وَأَوْلَى شَهَادَةُ الْقِبْلَةِ وَبِهَا الِاهْتِدَاءُ يُرَدُّ بِأَنْ لَا مُسَاوَاةَ فَضْلًا عَنْ الْأَوْلَوِيَّةِ لِأَنَّ النَّيِّرَيْنِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْبَاهِرَةِ وَلَهُمَا مِنْ الظُّهُورِ فِي الْعَالَمِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمَا مِنْ النُّجُومِ.
فَإِذَا وَقَعَ بِهِمَا تَغَيُّرٌ كَانَ ذَلِكَ آيَةً مُخَوِّفَةً سَائِرَ أَهْلِ هَذَا الْعَالَمِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ فَشُرِّعَتَا لَهُمَا صَلَاةٌ مَخْصُوصَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لِتُنَاسِبَ تَمَيُّزِهِمَا عَنْ سَائِرِ الْكَوَاكِبِ فَكَيْفَ بَعْدَ هَذَا التَّقْرِيرِ يُقَالُ إنَّ النُّجُومَ أَوْلَى بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ مِنْ الْقَمَرِ وَمِمَّا يَدُلُّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مَنْ كَرِهَ اسْتِقْبَالَ الْقَمَرَيْنِ. لَمْ يَقُلْ بِكَرَاهَةِ اسْتِقْبَالِ بَقِيَّةِ النُّجُومِ وَفَرَّقَ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْته فَاتَّضَحَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا وَأَنَّ الَّذِي يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ إنَّ انْكِسَافَ النُّجُومِ بِمَنْزِلَةِ الزَّلَازِلِ وَنَحْوِهَا فَيَأْتِي فِيهَا حُكْمُهَا مِنْ الصَّلَاةِ فُرَادَى عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ حَذَرًا مِنْ الْغَفْلَةِ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ الْعَظِيمَةِ ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ كَالْبَغَوِيِّ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ سُنَّةٌ بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ فَتَجُوزُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ.
وَقَالَ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ نَافِلَةٌ مُطْلَقَةٌ فَلَا تَحِلُّ الْوَقْتَ الْمَكْرُوهَ وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ لَمْ يُرِدْ الشَّيْخَانِ إضَافَةَ الصَّلَاةِ لِتِلْكَ الْآيَاتِ وَكَوْنَهَا سُنَّةً لَهَا حَتَّى تَكُونَ ذَاتَ سَبَبٍ بَلْ الْمُرَادُ اسْتِحْبَابُ الِاشْتِغَالِ بِالصَّلَاةِ حِينَئِذٍ رُجُوعًا إلَى اللَّهِ وَاجْتِنَابًا لِلْغَفْلَةِ عِنْدَ تَذْكِيرِهِ وَتَخْوِيفِهِ بِآيَاتِهِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَسَاقَ عِبَارَاتٍ قَدْ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، الَّذِي يُتَّجَهُ تَرْجِيحُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ مِنْ أَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُرَادَهُمَا مَا ذُكِرَ لِأَنَّ نَدْبَ الصَّلَاةِ عِنْدَ حُدُوثِ تِلْكَ الْآيَاتِ فِيهِ تَقْيِيدُهَا بِذَلِكَ السَّبَبِ فَيَصْدُقُ عَلَيْهَا حَدُّ الصَّلَاةِ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ، فَمَنْ ادَّعَى خُرُوجَ هَذِهِ عَنْ ذَوَاتِ السَّبَبِ مَعَ صِدْقِ تَعْرِيفِهَا فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ وَتِلْكَ الْعِبَارَاتُ الْمَسُوقَةُ كَمَا تَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ تَحْتَمِلُ مَا قُلْنَاهُ، فَلَا
стр. 273
شَاهِدَ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَاهِدٌ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى حَدِّهِمْ لِذَوَاتِ السَّبَبِ وَهُوَ يَصْدُقُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ فَكَانَتْ ذَاتَ سَبَبٍ فَتَحِلُّ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ ثُمَّ مَا تَقَرَّرَ فِي انْكِسَافِ النُّجُومِ إنَّمَا هُوَ عَلَى فَرْضِ وُقُوعِهِ وَإِلَّا فَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ أَهْلُ الْهَيْئَةِ وَإِلَيْهِمْ الْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ أَنَّ غَالِبَ النُّجُومِ لَا تَنْكَسِفُ لَكِنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِمْ السَّيْفُ الْآمِدِيُّ إشْكَالًا عَلَى طَرِيقَتِهِمْ.
وَقَالَ لَا جَوَابَ لَهُمْ عَنْهُ وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ سَبَبَ خُسُوفِ الْقَمَرِ أَنَّ جِرْمَ الشَّمْسِ أَكْبَرُ مِنْ كُرَةِ الْأَرْضِ بِأَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ مَرَّةً وَأَنَّ الشَّمْسَ إذَا انْحَطَّتْ لِلْغُرُوبِ امْتَدَّ لِلْأَرْضِ ظِلٌّ عَلَى شَكْلٍ مَخْرُوطٍ صَنَوْبَرِيٍّ ضَرُورَةَ أَنَّ الشَّمْسَ أَكْبَرُ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا يَزَالُ مَخْرُوطُ الْأَرْضِ يَمْتَدُّ وَيَسْتَدِقُّ إلَى أَنْ تَنْحَطَّ وَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ عُطَارِدًا إذَا اتَّفَقَ حُضُورُ الْقَمَرِ فِي ذَلِكَ الظِّلِّ مِنْ غَيْرِ تَنَافٍ وَلَا تَأْثِيرٍ بِحَيْثُ يَحْجُبُ نُورَ الشَّمْسِ فَهُوَ خُسُوفُهُ وَعَلَى حَسَبِ تَرْكِهِ فِي مَخْرُوطِ الظِّلِّ يَكُونُ زِيَادَةُ الْخُسُوفِ وَنَقْصُهُ ثُمَّ لَا يَزَالُ الْقَمَرُ فِي السَّيْرِ وَالظِّلُّ فِي الْمَيْلِ إلَى حَالَةِ الِانْجِلَاءِ وَالْعَوْدِ إلَى مُقَابَلَةِ الشَّمْسِ مِنْ غَيْرِ حَاجِبٍ وَزَعَمُوا أَنَّ الْكَوَاكِبَ الثَّابِتَةَ فِي تِلْكَ الْبُرُوجِ أَيْضًا يُكْتَسَبُ نُورُهَا مِنْ نُورِ الشَّمْسِ كَاكْتِسَابِ نُورِ الْقَمَرِ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لِمَ لَا تَنْكَسِفُ تِلْكَ الْكَوَاكِبُ بِحَيْلُولَةِ مَخْرُوطِ ظِلِّ الْأَرْضِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الشَّمْسِ قَالُوا: لِأَنَّ الظِّلَّ يَنْمَحِقُ دُونَ الْوُصُولِ إلَيْهَا فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: وَلِمَ قُلْتُمْ بِانْمِحَاقِ مَخْرُوطِ الظِّلِّ دُونَهَا قَالُوا لِأَنَّهَا تَنْكَسِفُ وَهُوَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ.
قَالَ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ لَهُمْ عَنْهُ جَوَابٌ بَلْ لَوْ قِيلَ لَهُمْ الْكَوَاكِبُ الثَّابِتَةُ فِي فَلَكِ الْبُرُوجِ وَكَذَلِكَ زُحَلُ وَالْمُشْتَرِي وَالْمِرِّيخُ مُضِيئَةٌ بِأَنْفُسِهَا فَلِذَلِكَ لَمْ تَنْكَسِفْ بِمَخْرُوطِ الظِّلِّ مَعَ وُصُولِهِ إلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَنْهُ جَوَابٌ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ إنَّهُ بِسَبَبِ سَتْرِ الْقَمَرِ لَهَا عِنْدَ الْمُقَارَنَةِ وَلِهَذَا لَا يُعْهَدُ كُسُوفُهَا فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْمُقَارَنَةِ وَالِاجْتِمَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ لَهُمْ كَمَا أَنَّ الْقَمَرَ قَدْ يُقَارِنُ الشَّمْسَ الْمُقَارَنَةَ الْعَمِيمَةَ كَذَلِكَ الزُّهْرَةُ وَعُطَارِدُ فَمَا لَهُمَا لَا يَحْجُبَانِ الشَّمْسَ عَنْ أَبْصَارِنَا فِي وَقْتِ الْمُقَارَنَةِ وَالِاجْتِمَاع كَمَا فِي الْقَمَرِ لَمْ يَجِدُوا إلَى الْفَرْقِ سَبِيلًا. اهـ. وَاعْتَرَضَ أَيْضًا ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ قَوْلَهُمْ إنَّ سَبَبَ كُسُوفِ الشَّمْسِ سَتْرُ الْقَمَرِ لَهَا بِأَنَّ الشَّمْسَ عِنْدَهُمْ أَضْعَافُ الْقَمَرِ فِي الْجِرْمِ فَكَيْفَ يَسْتُرُ الْجِرْمُ الصَّغِيرُ الْجِرْمَ الْكَبِيرَ إذَا قَابَلَهُ. اهـ. وَجَوَابُهُ أَنَّهُ كُلَّمَا زَادَ الْبُعْدُ اتَّسَعَ الْجِرْمُ الصَّغِيرُ لِلْمُقَابَلَةِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي مُحَاذَاةِ النَّاسِ الْقِبْلَةَ مَعَ قِلَّةِ عَرْضِ سَمْتِهَا وَبُعْدِ عَرْضِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، قِيَاسًا عَلَى النَّارِ الْمَرْئِيَّةِ مِنْ بُعْدٍ وَعَلَى عَرْضِ الْمَرْمَاةِ وَالشَّمْسِ فِي الْفَلَكِ الرَّابِعِ وَالْقَمَرِ فِي الْفَلَكِ الْأَوَّلِ فَلِبُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا حَجَبَهَا عِنْدَ تَمَامِ الْمُقَابَلَةِ أَوْ بَعْضَهَا عِنْدَ عَدَمِ تَمَامِهَا وَإِنْ كَانَ جِرْمُهُ صَغِيرًا بِالنِّسْبَةِ لَهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّا إنْ قُلْنَا إنَّ الْكَوَاكِبَ غَيْرَ الثَّابِتَةِ نُورُهَا مُكْتَسَبٌ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْهَيْئَةِ فَهُمْ قَائِلُونَ مَعَ ذَلِكَ بِأَنَّهَا لَا تَنْكَسِفُ وَإِنْ لَزِمَهُمْ مَا مَرَّ عَنْ الْآمِدِيِّ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْهُ بِأَنْ يُقَالَ مَلْحَظُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ انْكِسَافِ الْكَوَاكِبِ الِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ وَالْوُجُودُ وَسَبَبُهُ انْمِحَاقُ مَخْرُوطِ الظِّلِّ دُونَهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الِانْمِحَاقِ عَدَمُ وُقُوعِ الِانْكِسَافِ لَهَا فِي الْخَارِجِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ الدَّوْرُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْآمِدِيُّ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ قُلْنَا بِمَا قَالَهُ الْآمِدِيُّ مِنْ أَنَّ الْكَوَاكِبَ مُضِيئَةٌ بِنَفْسِهَا وَلَيْسَتْ مُكْتَسِبَةً مِنْ الشَّمْسِ فَعَدَمُ انْكِسَافِهَا وَاضِحٌ حِينَئِذٍ لِأَنَّ الْمُقَرَّبَ مَا قَالُوهُ مِنْ اسْتِمْدَادِهَا مِنْ الشَّمْسِ لِأَنَّ الْقَمَرَ الَّذِي هُوَ أَضْوَأُ مِنْهَا وَأَجْلَى إذَا كَانَ نُورُهُ إنَّمَا هُوَ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ عِنْدَ أَهْلِ الْهَيْئَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُمْ كَثِيرُونَ فَكَذَلِكَ تِلْكَ الْكَوَاكِبُ نُورُهَا مِنْ نُورِ الشَّمْسِ لَا تَحْقِيقًا بَلْ ظَنًّا بِوَاسِطَةِ تَسْلِيمِ أَنَّ نُورَ الْقَمَرِ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ وَيَبْعُدُ أَنَّ نُورَهُ مِنْ نُورِهَا وَنُورُ الْكَوَاكِبِ لَيْسَ مِنْ نُورِهَا وَالْبَحْثُ فِي كُلِّ ذَلِكَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ يُرْجَعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَلَا جَدْوَى لَهُ عِنْدَ التَّحْقِيق وَإِنَّمَا الْمَدَارُ عَلَى أَنَّهُ إنْ تَصَوَّرَ انْكِسَافَ الْكَوَاكِبِ صَلَّى لَهَا صَلَاةً، نَحْوُ
стр. 274
الزَّلَازِلِ لَا صَلَاةِ الْكُسُوفِ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ لِمَا مَرَّ لَك مَبْسُوطًا.
(وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ مَا حَقِيقَةُ كُسُوفِ الْقَمَرَيْنِ وَمَا حَقِيقَةُ هَذَا الَّذِي يَسْتُرُ الْقَمَرَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ الشَّهْرِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى يَكْمُلَ ثُمَّ يَنْجَلِي أَوَّلَ الشَّهْرِ وَمَا الْحِكْمَةُ فِي زِيَادَةِ رُكُوعٍ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ خَاصَّةً؟
(فَأَجَابَ) أَمَدَّنَا اللَّهُ مِنْ مَدَدِهِ بِقَوْلِهِ: أَمَّا حَقِيقَةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاخْتِلَافِ الْقَمَرِ زِيَادَةً وَنَقْصًا وَغَيْرَهُمَا فَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ أَهْلُ الْهَيْئَةِ وَإِلَيْهِمْ الْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ قَالُوا: وَمِمَّا يَعْرِضُ لِلْقَمَرِ مَا يَعْرِضُ لَهُ بِالْقِيَاسِ إلَى الشَّمْسِ. وَهُوَ الْمَحَاقُ وَالزِّيَادَةُ وَالْكَمَالُ وَالنُّقْصَانُ وَكَسْفُهُ الشَّمْسَ وَالْخُسُوفُ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ جِرْمَ الْقَمَرِ كَثِيفٌ كَمَدٍ مُظْلِمٍ لَا نُورَ لَهُ بِذَاتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ صَقِيلٌ يَسْتَضِيءُ بِضِيَاءِ الشَّمْسِ كَالْمِرْآةِ الْمَصْقُولَةِ إذَا حُوذِيَ بِهَا الشَّمْسُ فَيَكُونُ النِّصْفُ مِنْ الْقَمَرِ الْمُوَاجِهِ لِلشَّمْسِ مُضِيئًا أَبَدًا بِضَوْءِ الشَّمْسِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ مُظْلِمًا مِنْهُ عَلَى حَالِهِ لِعَدَمِ وُصُولِ الضَّوْءِ مِنْ الشَّمْسِ إلَيْهِ فَعِنْدَ اجْتِمَاعِ الْقَمَرِ مَعَ الشَّمْسِ يَكُونُ الْقَمَرُ مُتَسَاوِيًا بَيْنَ الشَّمْسِ لِأَنَّ فَلَكَهَا فَوْقَ فَلَكِهِ إذْ هِيَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَهُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَكُونُ نِصْفُهُ الْمُظْلِمُ مُوَاجِهًا لَهُ وَنِصْفُهُ الْمُضِيءُ مَسْتُورًا عَنَّا بِالنِّصْفِ الْمُظْلِمِ فَلَا نَرَى شَيْئًا مِنْ ضَوْئِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَحَاقُ.
فَإِذَا بَعُدَ الْقَمَرُ عَنْ الشَّمْسِ مِقْدَارًا قَرِيبًا مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى اخْتِلَافِ أَوْضَاعِ الْمَسَاكِنِ وَعُرُوضِ الْقَمَرِ وَكَثْرَةِ الْبُخَارِ وَحِدَّةِ الْإِبْصَارِ مَالَ نِصْفُهُ الْمُضِيءُ إلَيْنَا شَيْئًا يَسِيرًا فَيُرَى مِنْهُ وَهُوَ الْهِلَالُ، ثُمَّ كُلَّمَا ازْدَادَ بُعْدُهُ عَنْ الشَّمْسِ ازْدَادَ مَيْلُ الْمُضِيءِ إلَيْنَا فَإِذَا قَرُبَ الْبُعْدُ مِنْ رُبُعِ الدَّوْرِ يَرَى الْقَمَرَ كَنِصْفِ دَائِرَةٍ وَهَكَذَا يَزِيدُ الْمَيْلُ فَيُرَى شَكْلًا إهْلِيجِيًّا حَتَّى إذَا قَابَلَ الْقَمَرُ الشَّمْسَ وَصَارَ الْبُعْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَ الدَّوْرِ صِرْنَا نَحْنُ بَيْنَ الْقَمَرِ وَالشَّمْسِ وَصَارَ مَا يُوَاجِهُ الشَّمْسَ مِنْ الْقَمَرِ يُوَاجِهُنَا. فَيُرَى الْقَمَرُ كَدَائِرَةٍ تَامَّةٍ وَهُوَ الْكَمَالُ وَيُسَمَّى الْقَمَرُ حِينَئِذٍ بَدْرًا فَإِذَا انْحَرَفَ عَنْ مُقَابَلَةِ الشَّمْسِ مَالَ إلَيْنَا شَيْءٌ مِنْ نِصْفِهِ الْمُظْلِمِ وَاسْتَتَرَ عَنَّا شَيْءٌ مِنْ نِصْفِهِ الْمُضِيءِ فَيَظْهَرُ فِي صَفْحَةِ الْقَمَرِ ثُلْمَةٌ ثُمَّ يَأْخُذُ الظَّلَامُ فِي الزِّيَادَةِ وَالضِّيَاءُ فِي النُّقْصَانِ فَيُرَى الْقَمَرُ عَلَى شَكْلٍ إهْلِيجِيٍّ ثُمَّ كَنِصْفِ دَائِرَةٍ ثُمَّ عَلَى شَكْلِ الْهِلَالِ فِي جَانِبِ الْمَشْرِقِ حَتَّى يَنْمَحِقَ وَيَسْتَتِرَ عَنَّا نِصْفُهُ الْمُضِيءُ بِالْكُلِّيَّةِ وَيَكُونُ الْقَمَرُ مُظْلِمًا لَا يَسْتَضِيءُ إلَّا وَجْهُهُ الْمُقَابِلُ لِلشَّمْسِ وَإِذَا كَانَ الْقَمَرُ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى طَرِيقَةِ الشَّمْسِ أَيْ عَلَى مَدَارِهَا أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ. وَذَلِكَ عِنْدَ عُقْدَتَيْ الرَّأْسِ وَالذَّنَبِ إذْ لَا عَرْضَ لِلْقَمَرِ هُنَاكَ فَيَكُونُ عَلَى مِنْطَقَةِ الْبُرُوجِ الَّتِي هِيَ مَدَارُ الشَّمْسِ حَالَ الْقَمَرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّمْسِ فَيَسْتَتِرُ عَنَّا ضَوْءُهَا وَهُوَ كُسُوفُ الشَّمْسِ وَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ عُرُوضِ الْبُلْدَانِ شِمَالًا وَجَنُوبًا وَقِلَّةِ الْعُرُوضِ وَكَثْرَتِهَا وَالضَّابِطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْقَمَرُ بِحَيْثُ تَنْقَطِعُ الْخُطُوطُ الشُّعَاعِيَّةُ الْخَارِجَةُ عَنْ الْأَبْصَارِ إلَى الشَّمْسِ إمَّا جَمِيعُهَا أَوْ بَعْضُهَا فَيَسْتَتِرُ عَنَّا ضَوْءُهَا إمَّا بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ الْكُسُوفُ التَّامُّ أَوْ لَا بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ الْكُسُوفُ الْغَيْرُ التَّامِّ وَهُوَ السَّوَادُ الَّذِي يَظْهَرُ لِلْحِسِّ فِي وَجْهِ الشَّمْسِ حَالَةَ الْكُسُوفِ وَهُوَ لَوْنُ جِرْمِ الْقَمَرِ. وَلِكَوْنِ كُسُوفِ الشَّمْسِ إنَّمَا هُوَ لِحَيْلُولَةِ الْقَمَرِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّمْسِ وَذَلِكَ السَّوَادُ الْمُشَاهَدُ إنَّمَا هُوَ لَوْنُ الْقَمَرِ يَبْتَدِئُ سَوَادُ الشَّمْسِ فِي الْكُسُوفِ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ ثُمَّ إذَا أَخَذَ الْقَمَرُ يَمُرُّ بِالشَّمْسِ لِكَوْنِهِ أَسْرَعَ مِنْهَا يَبْتَدِئُ الْجَلَاءُ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ لِلُحُوقِ الْقَمَرِ إيَّاهَا مِنْ الْمَغْرِبِ وَإِذَا كَانَ الْقَمَرُ كَذَلِكَ عَلَى طَرِيقَةِ الشَّمْسِ أَيْ عَلَى أَحَدِ الْعُقْدَتَيْنِ أَوْ حَوَالَيْهَا بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا وَكَسْرٍ عِنْدَ الِاسْتِقْبَالِ حَالَ الْأَرْضُ بَيْنَ الْقَمَرِ وَالشَّمْسِ وَوَقَعَ ظِلُّهَا عَلَى الْقَمَرِ فَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ فَيَبْقَى عَلَى ظَلَامِهِ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ خُسُوفُ الْقَمَرِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْأَرْضَ كَثِيفَةٌ مَانِعَةٌ نُفُوذَ الضَّوْءِ فِيهَا وَحَيْثُ كَانَتْ أَصْغَرَ مِنْ الشَّمْسِ يَسْتَضِيءُ بِضَوْئِهَا أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهَا وَيَقَعُ لَهَا ظِلٌّ فِي مُقَابَلَةِ الشَّمْسِ مَخْرُوطُ الشَّكْلِ يَسْتَدِقُّ شَيْئًا فَشَيْئًا وَيَنْتَفِي فِي أَفْلَاكِ الزُّهْرَةِ فَلِلظِّلِّ عِنْدَ فَلَكِ الْقَمَرِ غِلَظٌ مَا فَإِذَا قَطَعَ هُنَاكَ سَطْحٌ مُسْتَوٍ مُوَازٍ
стр. 275
لِقَاعِدَةِ مَخْرُوطِ الظِّلِّ حَصَلَ دَائِرَةٌ مَرْكَزُهَا فِي سَطْحِ الْبُرُوجِ وَفِي جُزْءٍ مِنْهَا يُقَابِلُ جُزْءَ الشَّمْسِ وَذَلِكَ الْمَرْكَزُ يَتَحَرَّكُ بِمِقْدَارِ حَرَكَةِ الشَّمْسِ فَإِنْ كَانَ الْقَمَرُ فِي الِاسْتِقْبَالِ عَدِيمَ الْعَرْضِ وَقَعَ فِي دَائِرَةِ الظِّلِّ وَانْخَسَفَ كُلُّهُ وَإِنْ كَانَ ذَا عَرْضٍ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إلَى صَفْحَتِهِ شَيْءٌ مِنْ دَائِرَةِ الظِّلِّ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خُسُوفٌ أَصْلًا وَإِنْ كَانَ عَرْضُهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ انْخَسَفَ مِنْهُ مَا وَقَعَ فِي دَائِرَةِ الظِّلِّ وَابْتِدَاءُ خُسُوفِ الْقَمَرِ وَانْجِلَاؤُهُ مِنْ الْمَشْرِقِ عَكْسُ الْكُسُوفِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَمَرَ يَلْحَقُ ظِلَّ الْأَرْضِ لِكَوْنِهِ أَسْرَعَ مِنْ الظِّلِّ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ فَيَصِلُ طَرَفُهُ الشَّرْقِيُّ أَوَائِلَ الظِّلِّ فَيَأْخُذُ ذَلِكَ الطَّرَفُ فِي السَّوَادِ أَوَّلًا. وَيَكُونُ الْقَمَرُ يَلْحَقُ الظِّلَّ مِنْ الْمَغْرِبِ يَكُونُ مُرُورُ طَرَفِهِ الشَّرْقِيِّ بِالظِّلِّ أَوَّلًا فَكَمَا أَنَّ طَرَفَهُ الشَّرْقِيَّ يَصِلُ أَوَّلًا إلَى الظِّلِّ كَذَلِكَ هَذَا الطَّرَفُ يُجَاوِزُهُ أَوَّلًا فَيَبْتَدِئُ مِنْهُ الِانْجِلَاءُ كَمَا ابْتَدَأَ مِنْهُ الِانْخِسَافُ فَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ خُسُوفَ الْقَمَرِ أَمْرٌ عَارِضٌ لَهُ يَتَحَقَّقُ فِي ذَاتِهِ لَا بِالْقِيَاسِ إلَى الْإِبْصَارِ وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا فِي أَوَاسِطِ الشَّهْرِ وَأَنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ إنَّمَا هُوَ أَمْرٌ بِحَسَبِ الرُّؤْيَةِ لَيْسَ فِي ذَاتِ الشَّمْسِ تَغَيُّرٌ أَصْلًا وَأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي أَوَاخِرِ الشَّهْرِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي زِيَادَةِ الرُّكُوعِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ هِيَ أَنَّ الْكُسُوفَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْبَاهِرَةِ يُخَوِّفُ بِهَا عَبِيدَهُ، كَمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ فَنَاسَبَ زِيَادَةُ الرُّكُوعِ فِيهِ لِأَنَّهُ مِمَّا تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ دُونَ غَيْرِهَا إذْ هُوَ مِنْ خَصَائِصِهَا عَلَى مَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ لِمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ «عَنْ عَلِيٍّ أَوَّلُ صَلَاةٍ رَكَعْنَا فِيهِ الْعَصْرُ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا هَذَا قَالَ: بِهَذَا أُمِرْت» قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ الظُّهْرَ وَصَلَّى قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قِيَامَ اللَّيْلِ، فَكَوْنُ الصَّلَاةِ السَّابِقَةِ بِلَا رُكُوعٍ قَرِينَةً لِخُلُوِّ صَلَاةِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ مِنْهُ. اهـ.
وَفِيهِ مَا فِيهِ وَقَالَ جَمْعٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] إنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ خَاصٌّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَإِنَّهُ لَا رُكُوعَ فِي صَلَاةِ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلِذَا أَمَرَهُمْ بِالرُّكُوعِ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . اهـ. وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّكُوعِ هُنَا مُطْلَقُ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ فِيهِ ذِكْرُ الْأَعَمِّ الَّذِي هُوَ الصَّلَاةُ بَعْدَ الْأَخَصِّ الَّذِي هُوَ السُّجُودُ وَأَفْرَدَ السُّجُودَ بِالذِّكْرِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْقُرْبِ الَّذِي لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ أَفْضَلُ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ عَلَى قَوْلٍ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْقُنُوتِ إقَامَةُ الطَّاعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩] وَبِالسُّجُودِ الصَّلَاةُ لِقَوْلِهِ ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] وَبِالرُّكُوعِ الْخُضُوعُ. فَإِذَا قُلْنَا بِمَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَنَّ الرُّكُوعَ خَاصٌّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ نَاسَبَ حِينَئِذٍ زِيَادَتُهُ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهَا لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ لِطَلَبِ رِضَاهُ تَعَالَى وَحَذَرًا مِنْ خَوْفِ سَطْوَتِهِ وَعِقَابِهِ وَكَانَ الرُّكُوعُ فِيهِ مِنْ الْخُضُوعِ الْمُنَاسِبِ لِذَلِكَ التَّخْوِيفِ وَفِيهِ مِنْ الِامْتِنَانِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ نَاسَبَ حِينَئِذٍ زِيَادَتُهُ تَوَسُّلًا بِأَخَصِّ نِعَمِهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ الصَّلَاةُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِأَخَصِّ النِّعَمِ لَهُ وَقْعٌ وَمَزِيدُ دَفْعٍ لِلْفِتَنِ وَالْمِحَنِ، هَذَا إنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهَا فَحِكْمَةُ زِيَادَتِهِ أَنَّهُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ كَالْوَسِيلَةِ لِلسُّجُودِ. لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ خُضُوعٌ لَكِنَّهُ فِي السُّجُودِ أَعْظَمُ وَكَانَ كَالْمَقْصِدِ، وَالرُّكُوعُ كَالْوَسِيلَةِ لَهُ وَلِهَذَا فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِالِاعْتِدَالِ حَتَّى تَتَمَيَّزَ الْوَسِيلَةُ عَنْ الْمَقْصِدِ وَإِذَا كَانَ الرُّكُوعُ كَالْوَسِيلَةِ فَنَاسَبَ اخْتِصَاصُهُ بِالزِّيَادَةِ إعْلَامًا أَمَا بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْإِكْثَارُ مِنْ الْوَسَائِلِ لِيَتَوَصَّلَ بِهَا إلَى الْمَقَاصِدِ وَمِنْ ثَمَّ سُنَّ الْإِكْثَارُ مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ وَسَائِلِ الْخَيْرِ لِلْوُصُولِ إلَى الْمَقَاصِدِ وَهِيَ دَفْعُ اللَّهِ لِهَذِهِ الْآيَةِ الْمَخُوفَةِ لِعِبَادِهِ. وَأَيْضًا فَالرُّكُوعُ أَشَقُّ مِنْ السُّجُودِ وَكَانَ فِي تَكْرِيرِهِ الْإِعْلَامُ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْإِكْثَارُ مِنْ الطَّاعَاتِ وَإِلْزَامُ النَّفْسِ بِمَا يَشُقُّ عَلَيْهَا مِنْ فِعْلِهَا لِمَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَوْ بِمَشَاقَّ كَثِيرَةٍ مِنْ الْخَيْرَاتِ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ اتِّفَاقُ أَئِمَّتِنَا عَلَى أَنَّ الْأَكْمَلَ
стр. 276
الْمُبَالَغَةُ فِي تَطْوِيلِ الرُّكُوعِ وَاخْتِلَافُهُمْ فِي السُّجُودِ هَلْ يَطُولُ أَوْ لَا وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ إلَّا إشَارَةً لِمَا ذَكَرْتُهُ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ هُوَ وَقْتُ التَّوَسُّلِ إلَى اللَّهِ بِتَكْلِيفِ النَّفْسِ سَائِرَ الْمَشَقَّاتِ الَّتِي لَهَا عَلَيْهَا نَوْعُ قُدْرَةٍ لَعَلَّ أَنْ يَنْكَشِفَ عَنْ النَّاسِ مَا حَلَّ بِهِمْ هَذَا وَلَمْ يَتَكَرَّرْ الرُّكُوعُ وَحْدَهُ بَلْ تَكَرَّرَتْ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَالِاعْتِدَالُ أَيْضًا فَحِكْمَةُ تَكْرِيرِ الِاعْتِدَالِ أَنَّهُ تَابِعٌ لِأَنَّهُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَزِمَهُمْ مِنْ تَكْرِيرِ الرُّكُوعِ تَكْرِيرُهُ فَتَكْرِيرُهُ تَبَعٌ لِتَكْرِيرِ الرُّكُوعِ. وَأَمَّا تَكْرِيرُ الْفَاتِحَةِ فَلِاشْتِمَالِهَا عَلَى الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِجَامِعِ صِفَاتِهِ الْكُلِّيَّةِ وَعَلَى اللَّجَاءَةِ إلَيْهِ تَعَالَى فِي سَائِرِ الْأُمُورِ فَنَاسَبَ تَكْرِيرُ ذَلِكَ لِيَكُونَ سَبَبًا لِرَفْعِ مَا حَلَّ بِالنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ الْإِزْعَاجِ وَالتَّخْوِيفِ الْعَظِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَأَعَادَ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ مَا حَقِيقَةُ زَلْزَلَةِ الْأَرْضِ الْمَعْهُودَةِ الْمُسَمَّاةُ بِالرَّاجِفَةِ؟
(فَأَجَابَ) ﵁ وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ: أَمَّا حَقِيقَةُ الزَّلْزَلَةِ فَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْعُقُوبَاتِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ ق مُحِيطٌ بِالْعَالَمِ وَعُرُوقُهُ إلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الْأَرْضُ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أَمَرَ ذَلِكَ الْجَبَلَ فَحَرَّكَ الْعِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ الْقَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُهَا وَيُحَرِّكُهَا فَمِنْ ثَمَّ تُحَرَّكُ الْقَرْيَةُ دُونَ الْقَرْيَةِ وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْهُ قَالَ: جَبَلُ ق مُحِيطٌ بِالدُّنْيَا وَقَدْ أَنْبَتَ اللَّهُ مِنْهُ الْجِبَالَ وَشَبَّكَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ بِعُرُوقِهِ كَالشَّجَرَةِ كَالْأَوْتَادِ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُزَلْزِلَ أَرْضًا أَوْحَى إلَى ق فَحَرَّكَ الْعِرْقَ
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ لَمَّا بَلَغَ الْجَبَلَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ق نَادَاهُ مَلَكٌ فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مَا هَذَا الْجَبَلُ قَالَ هَذَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ ق وَهُوَ أُمُّ الْجِبَالِ وَالْجِبَالُ كُلُّهَا مِنْ عُرُوقِهِ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً حَرَّكَ مِنْهُ عِرْقًا وَقَدْ يُعَارِضُ هَذِهِ الْآثَارَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُخَوِّفَ عِبَادَهُ أَبْدَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ آثَارِ قُدْرَتِهِ لِلْأَرْضِ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَزَلْزَلَتْ وَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ عَرْضَ كُلِّ أَرْضٍ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ. وَأَنَّ بَيْنَ كُلِّ أَرْضَيْنِ ذَلِكَ وَالْأَرْضُ السَّابِعَةُ فَوْقَ الثَّرَى وَاسْمُهَا تُخُومٌ وَأَنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ فِيهَا ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّ الثَّرَى فَوْقَ الصَّخْرَةِ وَالصَّخْرَةُ عَلَى الثَّوْرِ وَالثَّوْرُ لَهُ قَرْنَانِ وَلَهُ ثَلَاثُ قَوَائِمَ يَبْتَلِعُ مَاءَ الْأَرْضِ كُلِّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالثَّوْرُ عَلَى الْحُوتِ وَذَنَبُ الْحُوتِ عِنْدَ رَأْسِهِ مُسْتَدِيرٌ تَحْتَ الْأَرْضِ السُّفْلَى وَطَرَفَاهُ مُنْعَقِدَانِ تَحْتَ الْعَرْشِ.
«وَأُخْبِرْت أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى مَاءِ الْحُوتُ قَالَ عَلَى مَاءٍ أَسْوَدَ وَمَا أَخَذَ مِنْهُ إلَّا كَمَا أَخَذَ حُوتٌ مِنْ حِيتَانِكُمْ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الْبِحَارِ» . وَحَدِيثُ «أَنَّ إبْلِيسَ تَغَلْغَلَ إلَى الْحُوتِ فَعَظَّمَ لَهُ نَفْسَهُ وَقَالَ لَيْسَ خَلْقٌ بِأَعْظَمَ مِنْك غِنًى وَلَا أَقْوَى فَوَجَدَ الْحُوتُ فِي نَفْسِهِ فَتَحَرَّكَ فَمِنْهُ تَكُونُ الزَّلْزَلَةُ إذَا تَحَرَّكَ فَبَعَثَ اللَّهُ حُوتًا صَغِيرًا فَأَسْكَنَهُ فِي أُذُنِهِ فَإِذَا ذَهَبَ يَتَحَرَّكُ تَحَرَّكَ الَّذِي فِي أُذُنِهِ فَيَسْكُنُ» وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ فِي ذَلِكَ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِإِمْكَانِ الْجَمْعِ فَنَقُولُ يُحْتَمَلُ أَنَّ تَحَرُّكَ عِرْقٍ مِنْ جَبَلِ ق وَظُهُورَ بَعْضِ آثَارِ الْقُدْرَةِ لِلْأَرْضِ وَتَحَرُّكَ الْحُوتِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَنْشَأُ عِنْدَ الزَّلْزَلَةِ، فَتَارَةً يَكُونُ عَنْ الْأَوَّلِ وَأُخْرَى عَنْ الثَّانِي وَأُخْرَى عَنْ الثَّالِثِ. وَهَذَا الْجَمْعُ مُتَعَيَّنٌ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ جَمِيعِ الْآثَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَا وَرَدَ عَنْ الصَّحَابِيِّ مِمَّا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
وَاَلَّذِي مَرَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَذَلِكَ فَيَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَعَلَى هَذَا فَالْجَوَابُ عَمَّا مَرَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِمَّا ظَاهِرُهُ التَّنَافِي فَمِنْ بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْهُ أَنَّ السَّبَبَ تَحَرُّكُ ق وَفِي بَعْضِهَا عَنْهُ أَنَّهُ التَّجَلِّي أَنَّ كُلًّا سَبَبٌ نَظِيرُ مَا مَرَّ إنْ صَحَّا وَإِلَّا فَمَا صَحَّ مِنْهُمَا وَبِهَذِهِ الْآثَارِ كُلِّهَا رُدَّ عَلَى الْحُكَمَاءِ فِي قَوْلِهِمْ إنَّ الزَّلَازِلَ إنَّمَا تَكُونُ عَنْ كَثْرَةِ الْأَبْخِرَةِ عَنْ تَأْثِيرِ الشَّمْسِ وَاجْتِمَاعِهَا تَحْتَ الْأَرْضِ بِحَيْثُ لَا يُقَاوِمُهَا بُرُودَةٌ حَتَّى يَصِيرَ مَاءً وَلَا يَتَحَلَّلُ بِأَدْنَى حَرَارَةٍ لِكَثْرَتِهَا وَيَكُونُ وَجْهُ الْأَرْضِ صُلْبًا بِحَيْثُ لَا تَنْفُذُ الْبُخَارَاتُ مِنْهَا وَإِذَا صَعِدَتْ وَلَمْ تَجِدْ مَنْفَذًا اهْتَزَّتْ مِنْهَا الْأَرْضُ وَاطَّرَبَتْ كَمَا يَطَّرِبُ بَدَنُ الْمَحْمُومِ.
стр. 277
لِمَا يَثُورُ فِي بَاطِنِهِ مِنْ بُخَارَاتِ الْحَرَارَةِ وَرُبَّمَا يُشَقُّ ظَاهِرُ الْأَرْضِ وَيَخْرُجُ مِنْ الشَّقِّ تِلْكَ الْمَوَادُّ الْمُحْتَبَسَةِ. اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ هُوَ لَا يُنَافِي مَا مَرَّ وَيَكُونُ احْتِبَاسُ تِلْكَ الْأَبْخِرَةِ عَلَامَةً عَلَى تَحَرُّكِ " ق " أَوْ الْحُوتِ وَالْمُشَاهَدَةُ قَاضِيَةٌ بِذَلِكَ الِاشْتِقَاقِ وَخُرُوجِ تِلْكَ الْمَوَادِّ كَمَا حَكَاهُ الْمُؤَرِّخُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الزَّلَازِلِ الْوَاقِعَةِ فِيمَا مَضَى فَهُوَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ لِكَلَامِهِمْ وَجْهًا وَمِنْ الْقَوَاعِدِ أَنَّ كَلَامَهُمْ حَيْثُ لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا يُرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يُخَالِفُ الْأُصُولَ لَا بِدَعَ فِي الْقَوْلِ بِهِ وَهَذَا مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. إذْ مَا قَالُوهُ هُنَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِمَا عَلِمْت أَنَّ تِلْكَ الْآثَارَ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهَا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا قَالُوهُ
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا اُتُّخِذَ الْفَيْءُ دُوَلًا وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا وَتُعُلِّمَ الْعِلْمُ لِغَيْرِ الدِّينِ وَأَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَعَقَّ أُمَّهُ وَأَدْنَى صَدِيقَهُ وَأَقْصَى أَبَاهُ وَظَهَرَتْ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِدُهُمْ وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ وَظَهَرَتْ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا. فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ وَزَلْزَلَةً وَخَسْفًا وَمَسْخًا وَقَذْفًا وَآيَاتٍ تَتَابَعُ كَنِظَامِ لَآلِئَ قُطِعَ سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ» وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا فَشَا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَمْسَةٌ يَحِلُّ بِهَا خَمْسٌ إذَا أُكِلَ الرِّبَا كَانَتْ الزَّلْزَلَةُ وَالْخَسْفُ وَصَحَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ جَعَلَ اللَّهُ عَذَابَ أُمَّتِي فِي الدُّنْيَا الْقَتْلَ وَالزَّلَازِلَ وَالْفِتَنَ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا حَدِيثَ «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي خَسْفٌ وَرَجْفٌ وَقِرَدَةٌ وَخَنَازِيرُ» وَأَخْرَجَ ابْنُ السَّكَنِ حَدِيثَ «يَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجْفَةٌ يَهْلِكُ فِيهَا زُهَاءَ عَشَرَةِ آلَافٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، يَجْعَلُهَا اللَّهُ عِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَعَذَابًا عَلَى الْكَافِرِينَ» وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا بِلَفْظِ «يَهْلِكُ فِيهَا عَشَرَةُ آلَافٍ عِشْرُونَ أَلْفًا ثَلَاثُونَ أَلْفًا» وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «خَرَابُ مِصْرَ مِنْ جَفَافِ النِّيلِ وَخَرَابُ الْحَبَشَةِ مِنْ الرَّجْفَةِ» وَأَخْرَجَ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: " إنَّمَا تُزَلْزَلُ الْأَرْضُ إذَا عُمِلَ فِيهَا بِالْمَعَاصِي فَتُرْعِدُ فَزَعًا مِنْ الرَّبِّ ﷻ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهَا " وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا مَرَّ فِي سَبَبِ الزَّلْزَلَةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ]
(وَسُئِلَ) ﵁ مَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ بِسَعْدِ الْمَنَازِلِ وَبِحُسْنِهَا وَمَا يَكُونُ جَوَابُ مَنْ يُسْأَلُ عَنْ يَوْمِ كَذَا يَصْلُحُ لِنَقْلَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَنْ أَضَافَ التَّأْثِيرَ إلَى الْمَنَازِلِ أَوْ الْكَوَاكِبِ أَوْ الْبُرُوجِ أَوْ الْأَيَّامِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إنَّ اللَّهَ أَجْرَى عَادَتَهُ الْإِلَهِيَّةِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الْأَمْرِ عِنْدَ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ بَلْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ نَحْوَ الْمَنْزِلِ أَوْ الْكَوْكَبِ مُؤَثِّرٌ بِنَفْسِهِ كَفَرَ وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ فِيمَنْ يَقُولُ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا فَعُلِمَ أَنَّ مَنْ سُئِلَ عَنْ يَوْمٍ يَصْلُحُ لِنَحْوِ نَقْلَةٍ. يَنْبَغِي أَنْ لَا يُجِيبَ بِشَيْءٍ مِنْ حَيْثُ الْيَوْمُ بَلْ يَأْمُرُ بِالِاسْتِخَارَةِ وَالْفِعْلِ بَعْدَهَا إنْ انْشَرَحَ لَهُ الصَّدْرُ لِأَنَّ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ وَخِلَافُ الْمَأْلُوفِ مِنْ الْجَهَلَةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِمَا لَا يَحِلُّ مِنْ عِلْمِ الرَّمْلِ وَأَمْثَالِهِ هُوَ الْبِدْعَةُ الْقَبِيحَةُ الْمُحَرَّمَةُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ هَلْ بَيْنَ مَنْ عَبَّرَ فِي نَدْبِ الْبُرُوزِ لِأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ أَوْ الْعَامِ فَرْقٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَإِنْ أَمْكَنَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السُّهَيْلِيُّ فِي رَوْضِهِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ صَوْمِ الِاسْتِسْقَاءِ يَجِبُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ فَهَلْ يَعُمُّ الْمُسَافِرَ وَغَيْرَهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي يُتَّجَهُ وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ بَعْضِهِمْ خِلَافَهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَغَيْرِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِالصَّوْمِ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُمْ تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ مَا لَمْ يُخَالِفْ حُكْمَ الشَّرْعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِمُخَالَفَةِ حُكْمِ الشَّرْعِ أَنْ يَأْمُرَ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ يَنْهَى عَنْ وَاجِبٍ فَشَمِلَ ذَلِكَ الْمَكْرُوهَ فَإِذَا أَمَرَ بِهِ وَجَبَ فِعْلُهُ إذْ لَا مُخَالَفَةَ حِينَئِذٍ ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَصِيرُ وَاجِبَةً إذْ أَمَرَ بِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ يَتَحَقَّقُ الْوُجُوبُ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّدَقَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَإِنْ عَيَّنَ فِي أَمْرِهِ
стр. 278
قَدْرًا فَهَلْ يَجِبُ فَلَا يَجُوزُ النَّقْصُ عَنْهُ أَوَّلًا كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ الْمَأْمُورُ لِأَنَّ تَعْيِينَ ذَلِكَ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ تَعَنُّتًا لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالصَّدَقَةِ حَاصِلٌ بِخُرُوجِ أَقَلِّ مَا يُجْزِئُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ: إذَا صِيمَ لِلِاسْتِسْقَاءِ بَعْدَ مُضِيِّ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ شَعْبَانَ فَسُقُوا قَبْلَ الْخُرُوجِ فَخَرَجُوا لِلْوَعْظِ وَالدُّعَاءِ وَالشُّكْرِ وَالْخُطْبَةِ فَهَلْ هَذَا الْخُرُوجُ مَعَ تَلَبُّسِهِمْ بِالصَّوْمِ يُسْتَحَبُّ لِأَنَّهُ تَابِعٌ أَمْ لَا لِحُرْمَةِ الصَّوْمِ وَزَوَالِ السَّبَبِ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ لِذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ حَتَّى لَوْ سُقُوا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ حَالَ الصَّوْمِ لَا يَخْرُجُونَ فِيمَا عَدَا الرَّابِعَ وَالسَّابِقُ لِفَهْمِ الْفَقِيرِ أَنَّهُمْ إذَا سُقُوا قَبْلَ إكْمَالِ الصَّوْمِ اسْتِحْبَابُ الْخُرُوجِ لِمَا ذُكِرَ إنْ كَانَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ لِذَلِكَ بَاقِيًا وَإِلَّا فَمِنْ الْغَدِ ثُمَّ وَقَعَ فِي النَّفْسِ أَيْضًا أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَيَسُّرِ الِاجْتِمَاعِ وَعَدَمِهِ فَإِنَّهُ أَوْلَى فَمَا الَّذِي تُعْطِيهِ الشَّرِيعَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ شَيَّدَ اللَّهُ أَرْكَانَهَا الْغَرَّاءَ بِكُمْ وَلَا زِلْتُمْ فِي نِعَمٍ يُؤْذِنُ الْحَمْدُ بِازْدِيَادِهَا وَحَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوبِ التَّبْيِيتِ فِي صَوْمِ الِاسْتِسْقَاءِ بِأَمْرِ الْإِمَامِ فَاتَّفَقَ تَرْكُهُ مِنْ شَخْصٍ هَلْ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ عَدَمُ صِحَّةِ نِيَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ أَوَّلَ النَّهَارِ أَوْ يَصِحُّ وَيَكُونُ آثِمًا بِتَرْكِ التَّبْيِيتِ فَقَطْ.
؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ لَا تَتَقَيَّدُ بِيَوْمٍ وَلَا وَقْتٍ وَأَنَّ وَقْتَهَا الْمُخْتَارَ كَوَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ وَأَنَّهُمْ إذَا سُقُوا قَبْلَ الِاسْتِسْقَاءِ وَبَعْدَ تَهْيِئَتِهِمْ لِصَلَاتِهِ بِالصَّوْمِ وَنَحْوِهِ خَرَجُوا لِلشُّكْرِ بِالصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَغَيْرِهِمَا وَلَا يَتَكَرَّرُ هَذَا الْخُرُوجُ هُنَا خِلَافًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ عِبَارَةِ الْإِرْشَادِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فَإِذَا أَصَابُوا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ فَسُقُوا سُنَّ لَهُمْ الْخُرُوجُ فِي بَقِيَّتِهِ إنْ كَانَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ بَاقِيًا وَسَهُلَ اجْتِمَاعُهُمْ وَإِلَّا فَمِنْ الْغَدِ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالُوهُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ إذَا شَهِدُوا بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ وَحَيْثُ خَرَجُوا فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ أَوْ الْغَدِ مَا يُسَنُّ لَهُمْ الْخُرُوجُ فِي يَوْمٍ آخَرَ وَالسُّنَّةُ إذَا خَرَجُوا أَنْ يَكُونُوا صَائِمِينَ مَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ الْإِمَامُ بِالصَّوْمِ وَإِلَّا كَانَ وَاجِبًا وَكَذَا إذَا أَمَرَهُمْ بِصَوْمِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ الِاسْتِسْقَاءِ وَصَوْمِ يَوْمِ الْخُرُوجِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ وَاجِبًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ مُنَازِعُونَ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ التَّبْيِيتُ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الصَّوْمِ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ.
وَمِنْهُ يُؤْخَذُ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَيْضًا أَنَّ الصَّوْمَ صَارَ وَاجِبًا لِذَاتِهِ لَا لِحَيْثِيَّةِ إظْهَارِ مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ لَا اطِّلَاعَ لَهُ عَلَى النِّيَّةِ. وَقَدْ أَوْجَبُوهَا فَمَنْ تَرَكَ التَّبْيِيتَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَا يَصِحُّ مِنْهُ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمٍ مَكَانَهُ كَمَا يُفِيدُهُ عُمُومُ كَلَامِهِمْ وَحَيْثُ وَجَبَ الصَّوْمُ هُنَا أَوْ سُنَّ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِهِ بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ وَقَبْلَهُ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ فِيهِ هُوَ تَعَاطِي صَوْمٍ لَا سَبَبَ لَهُ وَهَذَا لَهُ سَبَبٌ مُتَقَدِّمٌ مُقَارِنٌ فَهُوَ كَإِبَاحَةِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ قَوْلِ الْأَصْحَابِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَاللَّفْظُ لِلْإِرْشَادِ وَإِنْ سُقُوا قَبْلَهُ صَلَّوْا شُكْرًا وَيَتَكَرَّرُ بِتَأَخُّرِهِ هَلْ الْمُرَادُ أَنْ يُؤْتَى بِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا بِجَمِيعِ سَابِقِهَا وَلَاحِقِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ فِي الْإِسْعَادِ فَيَخْرُجُونَ مِنْ الْغَدِ صَائِمِينَ وَلَا يَسْتَأْنِفُونَ صَوْمَ الثَّلَاثِ إلَخْ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي التَّخْصِيصِ وَالتَّفْصِيلِ وَلَوْ اتَّفَقَ احْتِيَاجُ النَّاسِ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ شَعْبَانَ فَمَا حُكْمُ الصِّيَامِ ابْتِدَاءً وَتَكْرَارًا أَثَابَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَصَرِيحُ لَفْظِهِ فَيُتَحَرَّمُ بِهَا شُكْرًا لَا اسْتِسْقَاءً؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: عِبَارَةُ شَرْحِي عَلَى الْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ سُقُوا قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ الِاسْتِسْقَاءِ وَبَعْدَ تَهْيِئَتِهِمْ لِصَلَاتِهِ بِالصَّوْمِ وَنَحْوِهِ خَرَجُوا لِلْوَعْظِ وَالدُّعَاءِ وَالشُّكْرِ وَصَلَّوْا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى وَطَلَبًا لِلْمَزِيدِ قَالَ تَعَالَى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وَخَطَبَ بِهِمْ وَقَوْلُهُ: شُكْرًا مِنْ زِيَادَتِي وَإِذَا فَعَلُوا مَا مَرَّ فَلَمْ يُسْقَوْا تَكَرَّرَ بِتَأَخُّرِهِ أَيْ بِسَبَبِ تَأَخُّرِ الْغَيْثِ جَمِيعُ مَا مَرَّ مِنْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَكَذَا خُطْبَتُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ وَكَذَا الصَّوْمُ عَلَى مَا يَأْتِي، فَإِذَا لَمْ يُسْقَوْا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ كَرَّرُوا ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَهَكَذَا إلَى أَنْ يُسْقَوْا فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ عِبَادَهُ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ كَمَا فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ وَالْمَرَّةُ الْأُولَى آكَدُ.
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ مَرَّةً عَلَى تَوَقُّفِ كُلِّ خُرُوجٍ عَلَى صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَهُ وَمَرَّةً أُخْرَى عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ.
стр. 279
وَلَا خِلَافَ لِأَنَّهُمَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْجُمْهُورِ مُنَزَّلَانِ عَلَى حَالَيْنِ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا اقْتَضَى الْحَالُ التَّأْخِيرَ كَانْقِطَاعِ مَصَالِحِهِمْ وَالثَّانِي عَلَى خِلَافِهِ وَقِيلَ: الْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ وَالثَّانِي عَلَى الْجَوَازِ وَحَيْثُ عَادُوا مِنْ الْغَدِ أَوْ بَعْدَهُ نُدِبَ أَنْ يَكُونُوا صَائِمِينَ فِيهِ انْتَهَتْ وَذَكَرْت فِي شَرْحِ الْعُبَابِ نَحْوَ ذَلِكَ حَيْثُ قُلْت قَوْلُهُ: كَرَّرُوا. . . إلَخْ يَشْمَلُ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ وَقَوْلُهُ وَالْخُطْبَةُ هُوَ مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ.
وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ وَإِنَّمَا لَمْ يُكَرِّرُوا صَلَاةَ الْكُسُوفَيْنِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ هُنَا أَشَدُّ. قَوْلُهُ: ثُمَّ إنَّ انْقَطَعَتْ مَصَالِحُهُمْ. . . إلَخْ أَشَارَ بِهِ إلَى مَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْجُمْهُورِ مِنْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ مَرَّةً عَلَى تَوَقُّفِ الْخُرُوجِ عَلَى صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَهُ وَمَرَّةً عَلَى عَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى ذَلِكَ فَنُزِّلَ عَلَى حَالَيْنِ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا اقْتَضَى الْحَالُ التَّأْخِيرَ وَالثَّانِي عَلَى خِلَافِهِ فَجَزْمُ الرَّوْضِ وَغَيْرِهِ بِعَدَمِ التَّوَقُّفِ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ضَعِيفٌ وَقِيلَ: لَا خِلَافَ بَلْ الْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ وَالثَّانِي عَلَى الْجَوَازِ وَحَيْثُ عَادُوا مِنْ الْغَدِ أَوْ بَعْدَهُ نُدِبَ أَنْ يَكُونُوا فِيهِ صَائِمِينَ. اهـ. وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِفَوَائِدِهِ هَلْ الْمُرَادُ إلَخْ وَعَنْ قَوْلِهِ صَرِيحُ لَفْظِهِ. . . إلَخْ أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَاضِحٌ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ قَوْلَهُ شُكْرًا مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ أَيْ لِأَجْلِ الشُّكْرِ فَهُوَ عِلَّةٌ لِنَدْبِ الصَّلَاةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّعْلِيلِ بِشَيْءٍ مِنْ الِانْحِصَارِ فِيهِ.
وَمِنْ ثَمَّ قُلْت عَقِبَهُ وَطَلَبًا لِلْمَزِيدِ وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الشُّكْرِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْقَصْدَ الْأَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ الشُّكْرُ عَلَى النِّعَمِ السَّابِقَةِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ النِّعَمَ اللَّاحِقَةَ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْآيَةُ فَنِيَّةُ الشُّكْرِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِنِيَّةِ الِاسْتِسْقَاءِ إنْ تَنَزَّلْنَا وَقُلْنَا بِالِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا فَلَا يُقَالُ صَرِيحُ لَفْظِهِ أَنَّهُ يَتَحَرَّمُ بِهَا شُكْرًا لَا اسْتِسْقَاءً بَلْ صَرِيحُ لَفْظِهِ يَفْعَلُهَا لِأَجْلِ الشُّكْرِ فَإِذَا تَحَرَّمَ بِهَا جَازَ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى نِيَّتِهِ. وَجَازَ لَهُ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا طَلَبَ الْمَزِيدِ وَإِذَا اتَّفَقَ الِاسْتِسْقَاءُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ شَعْبَانَ جَازَ الصَّوْمُ ابْتِدَاءً وَتَكَرُّرًا لِأَنَّهُ بِسَبَبٍ سِيَّمَا إنْ أَمَرَ بِهِ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ وَاجِبًا فَإِنْ قُلْت هَلْ يُقَالُ هُنَا بِنَظِيرِ مَا قَالُوهُ فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ السَّبَبِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُقَارِنِ وَالْمُتَأَخِّرِ قُلْت نَعَمْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قِيَاسُهُمْ الْحُرْمَةَ بِتَفْصِيلِهَا يَوْمَ الشَّكِّ وَنَحْوِهِ عَلَى حُرْمَةِ الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْمُقَدَّمِ وَغَيْرِهِ بِالصَّلَاةِ لَا الْوَقْتِ وَمَنْ قَسَّمَ الْمُقَارِنَ بِنَاءً عَلَى مُقَابِلِهِ ثَمَّ، وَكُلٌّ مِنْ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُقَارِنِ يُجَوِّزُ الصَّلَاةَ فَكَذَا الصَّوْمُ.
стр. 280
[بَابُ الْجَنَائِزِ]
(وَسُئِلَ) ﵁ وَأَفَاضَ عَلَيْنَا مِنْ مَدَدِهِ مَا قَوْلُكُمْ فِيمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الْوَالِدُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُؤَخَّرُ تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ الْكَافُورِ زَمَنًا لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ الْمَيِّتُ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ وَقَعَ عِنْدِي فِي ذَلِكَ شَيْءٌ بِمَسْأَلَةِ نَقْلِ الْمَيِّتِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ وَبِعُلُومِهِ بِأَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُ الْمَيِّتِ تَأْخِيرًا يَسِيرًا لَا يُخْشَى مِنْهُ تَغَيُّرٌ بِوَجْهٍ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ الْكَافُورِ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي بَابِ الْجَنَائِزِ نَاطِقٌ بِأَنَّ الْأَوْلَى فِعْلُ الْأَفْضَلِ بِهِ وَإِنْ أَدَّى رِعَايَةُ ذَلِكَ الْأَفْضَلِ إلَى تَأْخِيرٍ أَلَا تَرَى أَنَّ أَقَلَّ الْغُسْلِ يَحْصُلُ بِإِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا الْأَوْلَى رِعَايَةُ أَكْمَلِ الْغُسْلِ مَعَ أَنَّ الْأَكْمَلَ الَّذِي ذَكَرُوهُ يَسْتَدْعِي زَمَنًا طَوِيلًا وَلَمْ يَنْظُرُوا لِذَلِكَ وَكَذَلِكَ قَالُوا الْأَوْلَى إفْرَادُ كُلِّ مَيِّتٍ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى جَمْعِ الْمَوْتَى فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَكَذَلِكَ قَالُوا نَخْتَارُ نَقْلَ الْمَيِّتِ إلَى نَحْوِ مَكَّةَ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ قَبْلَهُ وَلَمْ يُرَاعُوا طُولَ زَمَنِ تَأْخِيرِ دَفْنِهِ لِتِلْكَ الْمَصْلَحَةِ الْعَائِدَةِ عَلَيْهِ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي كَلَامِهِمْ عَلَى أَنَّ لَنَا قَوْلًا أَوْ وَجْهًا قَوَّاهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْكَافُورَ وَاجِبٌ وَحِينَئِذٍ فَيَتَأَكَّدُ رِعَايَةُ تَحْصِيلِهِ وَإِنْ أَدَّى إلَى تَأْخِيرٍ كَمَا مَرَّ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) كَيْفَ تُوضَعُ يَدُ الْمَيِّتِ فِي اللَّحْدِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَمْ أَرَ فِي أُمَّتِنَا كَلَامًا فِي كَيْفِيَّةِ وَضْعِ يَدَيْ الْمَيِّتِ فِي اللَّحْدِ وَظَاهِرُ سُكُوتِهِمْ عَنْهُ أَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِي وَضْعِهِمَا وَلَا يُقَاسُ بِنَاءً عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِفِعْلِ الصَّحَابِيِّ عَلَى مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَنَّ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءَ ﵂ لَمَّا اُحْتُضِرَتْ اسْتَقْبَلَتْ الْقِبْلَةَ وَتَوَسَّدَتْ يَمِينَهَا لِأَنَّ تَوَسُّدَ الْيَمِينِ ثَمَّ لَا يُعَارِضُهُ سُنَّةٌ أُخْرَى وَتَوَسُّدَهَا هُنَا يُعَارِضُهُ أَنَّ السُّنَّةَ هُنَا فِي الْخَدِّ الْأَيْمَنِ أَنْ يُفْضَى بِهِ إلَى الْأَرْضِ فَلَوْ قُلْنَا بِنَدْبِ تَوَسُّدِ الْيَمِينِ لَفَاتَتْ تِلْكَ السُّنَّةُ وَحِينَئِذٍ فَالْأَسْهَلُ فِي كَيْفِيَّةِ وَضْعِهِمَا أَنْ تَكُونَ الْيُمْنَى بِحِذَاءِ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَالْيُسْرَى عَلَى جَانِبِهِ الْأَيْسَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ بَعْدَ صَبِّ التُّرَابِ أَوْ قَبْلَهُ وَإِذَا مَاتَ طِفْلٌ بَعْدَ مَوْتِ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا كَيْفَ الدُّعَاءُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؟
(فَأَجَابَ) ﵁ -
стр. 281
بِقَوْلِهِ لَا يُسَنُّ التَّلْقِينُ قَبْلَ إهَالَةِ التُّرَابِ بَلْ بَعْدَهُ كَمَا اعْتَمَدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَجَزَمْتُ بِهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَإِنْ اخْتَارَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهُ يَكُونُ قَبْلَ الْإِهَالَةِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَسَوَاءٌ فِيمَا قَالُوهُ فِي الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الطِّفْلِ مَاتَ فِي حَيَاةِ أَبَوَيْهِ أَمْ لَا لَكِنْ خَالَفَهُ الزَّرْكَشِيُّ فَقَالَ إنْ كَانَ أَبَوَاهُ مَيِّتَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَتَى بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَالدَّمِيرِيُّ فَقَالَ إنْ كَانَ أَبَوَاهُ مَيِّتَيْنِ لَمْ يَدْعُ لَهُمَا.
وَاَلَّذِي قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَوْجَهُ كَمَا ذَكَرْتُهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ فَحِينَئِذٍ يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطًا لِأَبَوَيْهِ وَسَلَفًا وَذُخْرًا وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ كُلُّهَا لَائِقَةٌ بِالْمَيِّتِ وَالْحَيِّ فَلْيَأْتِ بِهَا سَوَاءٌ كَانَا حَيَّيْنِ أَوْ مَيِّتَيْنِ أَمَّا السَّلَفُ وَالذُّخْرُ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا الْفَرَطُ فَهُوَ السَّابِقُ الْمُهَيِّئُ لِمَصَالِحِهِمَا فِي الْآخِرَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ السَّبْقَ بِالْمَوْتِ بَلْ السَّبْقَ بِتَهْيِئَةِ الْمَصَالِحِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَيِّتَ يَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَسْبِقُهُ إلَى الْجَنَّةِ أَوْ الْمَوْقِفِ لِيُهَيِّئَ لَهُ الْمَصَالِحَ وَوَلَدُهُ الطِّفْلُ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا الْعِظَةُ فَتَخْتَصُّ بِالْحَيِّ فَيَقُولُ وَعِظَةً لِلْحَيِّ مِنْ أَبَوَيْهِ فَإِنْ مَاتَا حَذَفَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَكَذَلِكَ الِاعْتِبَارُ وَالشَّفِيعُ عَامٌّ لِلْحَيِّ وَالْمَيِّتِ فَيَأْتِي بِهِ فِيهِمَا وَتَثْقِيلُ الْمَوَازِينِ كَذَلِكَ بِخِلَافِ أَفْرِغْ الصَّبْرَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَأْتِي بِالْأَلْفَاظِ كُلِّهَا سَوَاءٌ كَانَا حَيَّيْنِ أَمْ مَيِّتَيْنِ إلَّا قَوْلَهُ عِظَةً وَاعْتِبَارًا وَأَفْرِغْ الصَّبْرَ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَا إلَّا إذَا كَانَا حَيَّيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَإِنْ كَانَا حَيَّيْنِ فَوَاضِحٌ أَوْ أَحَدُهُمَا فَقَطْ ذَكَرَهُ فَقَالَ وَعِظَةً وَاعْتِبَارًا لِلْحَيِّ مِنْهُمَا وَأَفْرِغْ الصَّبْرَ عَلَى قَلْبِ الْحَيِّ مِنْهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ الرُّوحُ جِسْمٌ لَطِيفٌ وَهُوَ بَاقٍ لَا يَفْنَى عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَقَالَ فِي الْأَضْوَاءِ الْبَهِجَةِ فِي إبْرَازِ دَقَائِقِ الْمُنْفَرِجَةِ حَقِيقَةُ الرُّوحِ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَنُمْسِكَ وَلَا نُعَبِّرُ عَنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مَوْجُودٍ كَمَا قَالَ الْجُنَيْدُ وَذَكَرَ أَنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَمَا الرَّاجِحُ الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْفَرِجَةِ هُوَ طَرِيقَةُ الْمُحْتَاطِينَ كَالْجُنَيْدِ وَعَلَيْهِ كَثِيرُونَ مِنْ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ كَالثَّعْلَبِيِّ وَابْنِ عَطِيَّةَ وَعَلَيْهِ حَمَلُوا قَوْله تَعَالَى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] وَلَمْ يُبَيِّنْهُ لَهُمْ وَمَشَى فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَلَى مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَنَّهَا جِسْمٌ لَطِيفٌ مُشْتَبِكٌ بِالْبَدَنِ اشْتِبَاكَ الْمَاءِ بِالْعُودِ الْأَخْضَرِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهُ عَرَضٌ وَأَنَّهُ هُوَ الْحَيَاةُ الَّتِي صَارَ الْبَدَنُ بِوُجُودِهَا حَيًّا وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الصُّوفِيَّةِ تَبَعًا لِلْفَلَاسِفَةِ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ وَلَا عَرَضٍ بَلْ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ وَلَهُ تَعَلُّقٌ خَاصٌّ بِالْبَدَنِ لِلتَّدْبِيرِ وَالتَّحْرِيكِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْبَدَنِ وَلَا خَارِجٍ عَنْهُ قَالَ السُّهْرَوَرْدِيُّ وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ الْأَخْبَارُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّهُ جِسْمٌ لِمَا وَرَدَ عَنْهُ مِنْ الْهُبُوطِ وَالْعُرُوجِ وَالتَّرَدُّدِ فِي الْبَرْزَخِ وَالْعَرَضُ لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَيْهَا مُتَأَخِّرُو الصُّوفِيَّةِ فَنُقِلَ الْإِمْسَاكُ عَنْهُمْ الْمُرَادُ بِهِمْ مُتَقَدِّمُوهُمْ وَأَجَابَ الْخَائِضُونَ فِيهَا عَنْ الْآيَةِ بِأَنَّ سَبَبَهَا أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا أَرَادُوا سُؤَالَهُ ﷺ عَنْهَا قَالُوا إنْ أَجَابَ عَنْهَا فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ وَإِنْ لَمْ يُجِبْ فَهُوَ صَادِقٌ فَلَمْ يُجِبْ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ تَأْكِيدًا لِمُعْجِزَتِهِ وَتَصْدِيقًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ وَصْفِهِ فِي كُتُبِهِمْ لَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْكَلَامُ فِيهِ وَأَيْضًا فَسُؤَالُهُمْ كَانَ تَعْجِيزًا وَتَغْلِيطًا لِأَنَّ الرُّوحَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ لِرُوحِ الْإِنْسَانِ وَجِبْرِيلَ وَمَلَكٍ آخَرَ يُقَالُ لَهُ الرُّوحُ وَصِنْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْقُرْآنِ وَعِيسَى فَقَصَدُوا أَنَّهُمْ إذَا أَجَابَهُمْ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ قَالُوا لَيْسَ هَذَا فَجَاءَ الْجَوَابُ شَامِلًا لِكُلٍّ مِمَّنْ ذُكِرَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ صَحَّ أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوهُ عَنْهَا بِمَكَّةَ وَصَحَّ مَا يُصَرِّحُ بِأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْهَا بِالْمَدِينَةِ أَيْضًا وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ السُّؤَالَ تَكَرَّرَ وَكَذَلِكَ النُّزُولُ تَكَرَّرَ وَإِنَّمَا سَكَتَ ﷺ فِي مَرَّةِ الْمَدِينَةِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ نَزَلَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِمَكَّةَ لِتَوَقُّعِ مَزِيدِ بَيَانٍ فَلَمْ يُبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْآيَةُ مَرَّةً ثَانِيَةً وَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالرُّوحِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَالرَّاجِحُ كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَالْفَخْرُ الرَّازِيّ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ رُوحِ الْإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْحَيَاةِ وَأَنَّ الْجَوَابَ وَقَعَ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ وَبَيَانُهُ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ الرُّوحِ يَحْتَمِلُ عَنْ مَاهِيَّتِهِ وَهَلْ هِيَ مُتَحَيِّزَةٌ
стр. 282
أَمْ لَا وَهَلْ هِيَ حَالَّةٌ فِي مُتَحَيِّزٍ أَمْ لَا وَهَلْ هِيَ قَدِيمَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ وَهَلْ تَبْقَى بَعْدَ انْفِصَالِهَا مِنْ الْجَسَدِ أَوْ تَفْنَى وَمَا حَقِيقَةُ تَعْذِيبِهَا وَتَنْعِيمِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهَا وَلَيْسَ فِي السُّؤَالِ مَا يُخَصِّصُ أَحَدَ هَذِهِ الْمَعَانِي إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ مَاهِيَّتِهَا وَهَلْ هِيَ قَدِيمَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ.
وَالْجَوَابُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا شَيْءٌ مَوْجُودٌ مُغَايِرٌ لِلطَّبَائِعِ وَلِأَخْلَاطِهَا وَلِتَرْكِيبِهَا فَهِيَ بَسِيطَةٌ مُجَرَّدَةٌ وَلَا تَحْدُثُ إلَّا بِمُحْدِثٍ هُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْ﴾ [يس: ٨٢] فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي الْجَوَابِ هِيَ مَوْجُودَةٌ مُحْدَثَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ وَتَكْوِينِهِ وَلَهَا تَأْثِيرٌ فِي إفَادَةِ الْحَيَاةِ لِلْجَسَدِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّتِهَا الْمَخْصُوصَةِ نَفْيُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ فِي الْآيَةِ الْفِعْلُ نَحْوُ ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أَوْ فِعْلُهُ فَيَكُونُ الْجَوَابُ أَنَّهَا حَادِثَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ الرُّوحِ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ بِدَلِيلِ هَذَا الْخَبَرِ وَالْحِكْمَةُ فِي إبْهَامِهِ اخْتِبَارُ الْخَلْقِ لِيُعَرِّفَهُمْ عَجْزَهُمْ عَنْ عِلْمِ مَا لَا يُدْرِكُونَهُ حَتَّى يَضْطَرَّهُمْ إلَى رَدِّ الْعِلْمِ إلَيْهِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ إظْهَارُ عَجْزِ الْمَرْءِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ نَفْسِهِ مَعَ الْقَطْعِ بِوُجُودِهِ كَانَ عَجْزُهُ عَنْ إدْرَاكِ حَقِيقَةِ الْحَقِّ أَوْلَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُطْلِعْ نَبِيَّهُ عَلَى حَقِيقَتِهَا بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَعَهُ وَلَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يُطْلِعَهُمْ وَقَدْ قَالُوا فِي عِلْمِ السَّاعَةِ نَحْوَ هَذَا وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ أُطْلِعَ عَلَيْهَا وَأُمِرَ بِكَتْمِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ مَاتَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِقَرْيَةٍ فَدُفِنَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ ثُمَّ خَرَجَ رِجْلٌ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ مِنْهَا إلَى أُخْرَى فَصَلَّى فِيهَا عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَرْيَتِهِ فَهَلْ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ أَمْ لَا وَإِذَا كَانَ يَشْتَغِلُ بِالصَّلَاةِ عَلَى أَمْوَاتِ أَهْلِ قَرْيَتِهِ عَنْ حَوَائِجِهِ لِكَوْنِ أَهْلِ قَرْيَتِهِ لَا يُبَالُونَ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ بَلْ وَلَا بِتَرْكِ الْفَرْضِ الْمُعَيَّنِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فِي مَنْزِلِهِ صَلَاةَ غَائِبٍ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ فِي فُرُوعِ ابْنِ الْقَطَّانِ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ جَائِزَةٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَا تُسْقِطُ الْفَرْضَ وَإِنَّمَا نَتَكَلَّمُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ هَذَا لَفْظُهُ وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ لَا تُسْقِطُ الْفَرْضَ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِ مُطْلَقًا لَكِنْ تَعَقَّبَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَالَ وَلَك أَنْ تَقُولَ الْمُخَاطَبُ بِفُرُوضِ الْكِفَايَةِ جَمِيعُ الْأُمَّةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ الْفَرْضُ بِذَلِكَ اهـ.
وَجَرَى عَلَى هَذَا الزَّرْكَشِيُّ أَيْضًا فَقَالَ وَالْأَقْرَبُ سُقُوطُ الْفَرْضِ عَنْهُمْ أَيْ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِ لِحُصُولِ الْفَرْضِ اهـ.
وَكَذَلِكَ جَرَى عَلَيْهِ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ فَقَالَ وَالْأَوْجَهُ حَمْلُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَهْلُ مَوْضِعِهِ بِصَلَاةِ الْغَيْبَةِ فَإِنْ عَلِمُوا سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُمْ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ بَعْضٌ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْبَاقِينَ اهـ وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ سُقُوطُ الصَّلَاةِ عَنْ أَهْلِ الْبَلَدِ بِصَلَاةِ الْغَائِبِ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ لَكِنْ إثْمُهُمْ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ إلَى أَنْ صَلَّى عَنْهُ لَا مُسْقِطَ لَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ أَوَّلًا فَإِذَا تَبَاطَئُوا عَنْهُ أَثِمُوا بِهَذَا التَّبَاطُؤِ وَإِنْ قَامَ بِالْفَرْضِ غَيْرُهُمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى غَائِبٍ فِي الْبَلَدِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ لَهُ حَوَائِجُ تَشْغَلُهُ أَمْ لَا قَالُوا لِتَيَسُّرِ الْحُضُورِ قَالَ فِي الْخَادِمِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمَعْذُورَ لِمَرَضٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ حَبْسٍ لَهُ الصَّلَاةُ وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ يَتَّجِهُ الْجَوَازُ لَا سِيَّمَا إذَا اتَّسَعَتْ خُطَّةُ الْبَلَدِ حَتَّى صَارَ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهَا مَسَافَةَ قَصْرٍ اهـ وَأَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ شَيْخِهِ الْأَذْرَعِيِّ لَكِنْ تَعَقَّبَ ذَلِكَ شَيْخُهُ بِأَنَّ الْأَقْرَبَ إلَى كَلَامِهِمْ الْمَنْعُ وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ وَإِطْلَاقُهُمْ صَرِيحٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ اهـ.
وَهُوَ كَمَا قَالُوهُ فَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ لَا تَجُوزُ عَلَى مَنْ فِي الْبَلَدِ لِلِاتِّبَاعِ وَلِتَيَسُّرِ الْحُضُورِ كَبُرَتْ الْبَلَدُ أَمْ صَغُرَتْ وَشَبَّهُوهُ بِالْقَضَاءِ عَلَى مَنْ بِالْبَلَدِ لِإِمْكَانِ حُضُورِهِ اهـ وَإِذَا كَانَ كَلَامُهُمْ صَرِيحًا فِي الْمَنْعِ حَتَّى لِنَحْوِ الْمَرِيضِ وَالْمَحْبُوسِ فَمَا بَالُكَ بِمَنْ يَشْتَغِلُ بِالصَّلَاةِ عَنْ حَوَائِجِهِ عَلَى أَنَّا لَوْ قُلْنَا بِمَا بَحَثَهُ جَمْعٌ مِنْ الْجَوَازِ لِنَحْوِ الْمَرِيضِ وَالْمَحْبُوسِ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّا لَا نَقُولُ لِلْمُشْتَغِلِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ مَانِعَ أُولَئِكَ اضْطِرَارِيٌّ وَمَانِعَ هَذَا اخْتِيَارِيٌّ وَلِأَنَّ الْمَشَقَّةَ هُنَا لَيْسَتْ كَالْمَشَقَّةِ ثَمَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِ الْإِرْشَادِ وَلَا يُنَحَّى سَابِقٌ لِأَوْلَى إلَّا لِذُكُورَةٍ فَلَوْ كَانَ الْأَوْلَى نَبِيًّا كَعِيسَى ﵇ فَهَلْ
стр. 283
يُنَحَّى السَّابِقُ لَهُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ هُنَا أَنَّهُ لَا يُنَحَّى السَّابِقُ لِلْمَسْبُوقِ وَلَوْ نَبِيًّا لَكِنَّهُمْ صَرَّحُوا فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مَالِكُ طَعَامٍ اُضْطُرَّ إلَيْهِ بَذْلُهُ لِنَبِيٍّ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّ بَقَاءَ نَفْسِ النَّبِيِّ أَوْلَى مِنْ بَقَاءِ نَفْسِ غَيْرِهِ فَيُحْتَمَلُ قِيَاسُ ذَلِكَ بِهَذَا فَيَتَقَدَّمُ النَّبِيُّ عَلَى غَيْرِهِ مُطْلَقًا وَيَحْتَمِلُ الْفَرْقَ بِأَنَّ فَوَاتَ نَفْسِ النَّبِيِّ لَا خَلَفَ لَهُ فَفِيهِ مَفْسَدَةٌ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكَهَا لَوْ قُدِّمَ الْمَالِكُ عَلَيْهِ وَأَمَّا تَقَدُّمُ السَّابِقِ فَلَا مَفْسَدَةَ فِيهِ وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنَّهُ أُوثِرَ بِفَضِيلَةٍ اسْتَحَقَّهَا بِسَبْقِهِ وَهِيَ الْقُرْبُ مِنْ الْإِمَامِ وَهَذِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا إلَّا غَيْرُ النَّبِيِّ وَأَمَّا النَّبِيُّ فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهَا إذْ لَا يَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ إلَّا مُجَرَّدُ قُرْبٍ مِنْ الْإِمَامِ وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِعَلِيٍّ مَقَامِهِ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ أَمْرٍ فَلَمْ يُفَوَّتْ عَلَى السَّابِقِ لِأَنَّهُ يَتَشَرَّفُ بِهِ دُونَ النَّبِيِّ الْمَسْبُوقِ كَمَا تَقَرَّرَ وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ لِأَقْوَامٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَوَضَعُوا تَرِكَتَهُ فِي حَاصِلٍ وَخَتَمَ الْقَاضِي عَلَيْهَا فَجَاءَ وَلَدُهُ فَقَالَ لَهُمْ مَكِّنُونِي مِنْ التَّرِكَةِ وَلَا تَعْرِفُوا الْمَالَ إلَّا مِنِّي وَأُوفِيكُمْ جَمِيعَ الدُّيُونِ إلَى الزَّمَنِ الْفُلَانِيِّ فَمَكَّنُوهُ مِنْ ذَلِكَ وَكَتَبُوا عَلَيْهِ الدُّيُونَ فِي ذِمَّتِهِ عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى التَّرِكَةِ فَتَصَرَّفَ فِيهَا فَأَعْطَاهُمْ لَا عَلَى نِسْبَةِ دُيُونِهِمْ ثُمَّ هَرَبَ وَبَقِيَتْ لَهُمْ فَضَلَاتٌ مِنْ دُيُونِهِمْ وَمِنْ الدَّيَّانِينَ شَخْصٌ كَانَ غَائِبًا حِينَ الْمَوْتِ وَتَمْكِينِ الْوَلَدِ مِنْ التَّرِكَةِ وَمُوَافَقَتِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرُوا وَإِعْطَائِهِ لَهُمْ مَا ذَكَرَ أَيْضًا فَهَلْ يَسْرِي جَمِيعُ مَا فَعَلُوهُ عَلَى هَذَا الْغَائِبِ وَيُحْرَمُ مِنْ أَخْذِ مَا يَخُصُّ دَيْنَهُ مِنْ التَّرِكَةِ أَوْ أَنَّ كُلَّ مَا فَعَلُوهُ بَاطِلٌ بِالنِّسْبَةِ لِحِصَّتِهِ فَيَرْجِعُ بِقَدْرِهَا عَلَى مَنْ خَصَّهُ شَيْءٌ مِنْ التَّرِكَةِ مِنْ الْغُرَمَاءِ أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ أَنَّ وَارِثَ الْمَيِّتِ إذَا سَأَلَ غُرَمَاءَهُ أَنْ يَحْتَالُوا عَلَيْهِ لِيَصِيرَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ وَتَبْرَأَ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ جَازَ وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الْأُمِّ إنْ كَانَ الدَّيْنُ يُسْتَأْخَرُ سَأَلَ أَيْ وَلِيُّهُ غُرَمَاءَهُ أَنْ يُحَلِّلُوهُ وَيَحْتَالُوا بِهِ عَلَيْهِ وَأَرْضَاهُمْ مِنْهُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ انْتَهَتْ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ تَرَاضِيهِمْ عَلَى مَصِيرِهِ فِي ذِمَّةِ الْوَلِيِّ يَبْرَأُ الْمَيِّتُ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى قَوَاعِدِ الْحَوَالَةِ وَالضَّمَانِ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَالْأَصْحَابَ رَأَوْا هَذِهِ الْحَوَالَةَ جَائِزَةً مُبْرِئَةً لِلْمَيِّتِ فِي الْحَالِ لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ اهـ وَهُوَ جَوَابٌ حَسَنٌ وَاضِحٌ وَمِنْ ثَمَّ اعْتَمَدَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَفِي الْخَادِمِ أَنَّ كَلَامَهُمْ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ مُبْرِئَةٌ لِلذِّمَّةِ ثُمَّ رَدَّ عَلَى مَنْ نَازَعَ فِيهِ بِأَنَّهُ اُغْتُفِرَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمَيِّتِ أَيْ كَمَا مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْوَارِثَ الْمَذْكُورَ لَمَّا سَأَلَهُمْ فِي أَنْ يُمَكِّنُوهُ مِنْ التَّرِكَةِ وَأَنْ لَا يَعْرِفُوا الْمَالَ إلَّا مِنْهُ فَأَجَابُوهُ إلَى ذَلِكَ وَرَضُوا بِذِمَّتِهِ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ فِي الْحَالِ وَصَارَتْ دُيُونُهُمْ مُتَعَلِّقَةً بِذِمَّةِ الْوَارِثِ وَيَلْزَمُ مِنْ بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ مِنْ دُيُونِهِمْ انْفِكَاكُ التَّرِكَةِ عَنْ كَوْنِهَا مَرْهُونَةً بِدُيُونِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي بَابِ الرَّهْنِ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَقَّ لِلْغُرَمَاءِ الرَّاضِينَ بِذِمَّةِ الْوَارِثِ فِي شَيْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ بَلْ جَمِيعُهَا بَاقٍ عَلَى رَهْنِيَّتِهِ بِدَيْنِ الْغَائِبِ فَيَرْجِعُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا بِهِ حَتَّى يُسْتَوْفَى جَمِيعُ دَيْنِهِ إنْ كَانَ مُسَاوِيًا لَهَا أَوْ نَاقِصًا عَنْهَا وَلَا حَقَّ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى يُسْتَوْفَى جَمِيعُ دَيْنِهِ فَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرْضَوْا بِذِمَّةِ الْوَارِثِ فَالتَّرِكَةُ مَرْهُونَةٌ بِحُقُوقِهِمْ وَحَقِّ الْغَائِبِ فَإِذَا اقْتَسَمُوهَا فِي غَيْبَتِهِ رَجَعَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ فَيُشَارِكُهُ بِالْحِصَّةِ فِيمَا أَخَذَهُ إنْ بَقِيَ وَإِلَّا فَفِي بَدَلِهِ وَإِنْ أَعْسَرَ بَعْضُهُمْ جُعِلَ كَأَنَّهُ مَعْدُومٌ وَشَارَكَ غَيْرَهُ ثُمَّ إذَا أَيْسَرَ هَذَا الْمُعْسِرُ طَالَبَهُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِالْحِصَّةِ وَلَوْ انْتَقَلَتْ أَعْيَانُ التَّرِكَةِ مِنْهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ رَجَعَ عَلَى مَنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ بِالْحِصَّةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا بِنِسْبَةِ دَيْنِهِ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ فِي حِصَّتِهِ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْأَعْيَانِ بَاطِلٌ وَهُمْ لِوَضْعِ يَدِهِمْ عَلَيْهَا بِغَيْرِ حَقٍّ غَاصِبُونَ أَوْ كَالْغَاصِبِينَ لَهَا فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى مَنْ تَرَتَّبَتْ يَدُهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى إذَا لَمْ يَسْتَحِقُّوا شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ وَوَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَلْزَمُ الزَّوْجَ تَكْفِينُ زَوْجَتِهِ
стр. 284
بِجَدِيدٍ كَالْكِسْوَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ وَاعْتَمَدَهُ غَيْرُهُ وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَجُوزُ بِاللَّبِيسِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ كَبَّنَ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ الْأَوَّلُ لِاعْتِبَارِهِمْ ذَلِكَ بِحَالِ الْحَيَاةِ وَلَيْسَ الْمَلْحَظُ هُنَا كَالْكَفَّارَةِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِيهَا بِمَا يُسَمَّى كِسْوَةً وَهُنَا بِمَا كَانَتْ تَسْتَحِقُّهُ حَالَ الْحَيَاةِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ تَجْهِيزِهَا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً وَعَدَمِ وُجُوبِهَا إذَا كَانَتْ نَاشِزَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(سُئِلْت) فِي التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ مَنْ كَتَبَ هَذَا الدُّعَاءَ وَجَعَلَهُ بَيْنَ صَدْرِ الْمَيِّتِ وَكَفَنِهِ فِي رُقْعَةٍ لَمْ يَنَلْهُ عَذَابُ الْقَبْرِ وَلَا يَرَى مُنْكَرًا وَنَكِيرًا وَهُوَ هَذَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا يُكْتَبُ مِنْ التَّسْبِيحِ الَّذِي قِيلَ فِيهِ إنَّهُ مَشْهُورُ الْفَضْلِ وَالْبَرَكَةِ مَنْ كَتَبَهُ وَجَعَلَهُ بَيْنَ صَدْرِ الْمَيِّتِ وَكَفَنِهِ لَا يَنَالُهُ عَذَابُ الْقَبْرِ وَلَا يَنَالُهُ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ وَلَهُ شَرْحٌ عَظِيمٌ وَهُوَ دُعَاءُ الْأُنْسِ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ بِالْجَلَالِ مُوَحَّدٌ وَبِالتَّوْحِيدِ مَعْرُوفٌ وَبِالْمَعَارِفِ مَوْصُوفٌ وَبِالصِّفَةِ عَلَى لِسَانِ كُلِّ قَائِلٍ رَبٌّ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِلْعَالَمِ قَاهِرٌ وَبِالْقَهْرِ لِلْعَالَمِ جَبَّارٌ وَبِالْجَبَرُوتِ عَلِيمٌ حَلِيمٌ وَبِالْحِلْمِ وَالْعِلْمِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ سُبْحَانَهُ كَمَا يَقُولُونَ وَسُبْحَانَهُ كَمَا هُمْ يَقُولُونَ تَسْبِيحًا تَخْشَعُ لَهُ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ عَلَيْهِمَا وَيَحْمَدُنِي مَنْ حَوْلَ عَرْشِي اسْمِي اللَّهُ وَأَنَا أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ.
وَقَالَ ابْنُ عُجَيْلٍ إذَا كُتِبَ هَذَا الدُّعَاءُ وَجُعِلَ مَعَ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَهُ وَهُوَ هَذَا اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالَمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ إنِّي أَعْهَدُ إلَيْك فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَحْدَك لَا شَرِيكَ لَك وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ وَأَنَّك إنْ تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي تُقَرِّبْنِي مِنْ الشَّرِّ وَتُبَاعِدْنِي مِنْ الْخَيْرِ وَإِنِّي لَا أَثِقُ إلَّا بِرَحْمَتِك فَاجْعَلْهُ لِي عِنْدَك عَهْدًا تُؤْتِنِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَقَالَ أَيْضًا مَنْ كَتَبَ هَذَا الدُّعَاءَ فِي كَفَنِ الْمَيِّتِ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ الْعَذَابَ إلَى يَوْمِ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَهُوَ هَذَا اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك يَا عَالَمَ السِّرِّ يَا عَظِيمَ الْخَطَرِ يَا خَالِقَ الْبَشَرِ يَا مُوقِعَ الظَّفَرِ يَا مَعْرُوفَ الْأَثَرِ يَا ذَا الطَّوْلِ وَالْمَنِّ يَا كَاشِفَ الضُّرِّ وَالْمِحَنِ يَا إلَهَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فَرِّجْ عَنِّي هُمُومِي وَاكْشِفْ عَنِّي غُمُومِي وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَسَلِّمْ اهـ مَا قَالَهُ ابْنُ عُجَيْلٍ فَهَلْ مَا نَقَلَهُ صَحِيحٌ مُعْتَمَدٌ وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يُكْتَبَ وَيُحْفَظَ عَنْ الصَّدِيدِ وَأَنْ لَا يُحْفَظَ عَنْهُ.
(فَأَجَبْت) بِقَوْلِي لَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ وَلَا مُعْتَمَدٍ فَقَدْ أَفْتَى الْإِمَامُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ كِتَابَةُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى الْكَفَنِ صِيَانَةً لَهُ عَنْ صَدِيدِ الْمَوْتَى وَمِثْلُ ذَلِكَ الْكِتَابُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ كِتَابَ الْعُهْدَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ وَأَقَرَّ ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَى ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَعْنَى جِدًّا فَإِنَّ الْقُرْآنَ وَكُلَّ اسْمٍ مُعَظَّمٍ كَاسْمِ اللَّهِ أَوْ اسْمِ نَبِيٍّ لَهُ يَجِبُ احْتِرَامُهُ وَتَوْقِيرُهُ وَتَعْظِيمُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ كِتَابَتَهُ وَجَعْلَهُ فِي كَفَنِ الْمَيِّتِ فِيهِ غَايَةُ الْإِهَانَةِ لَهُ إذْ لَا إهَانَةَ كَالْإِهَانَةِ بِالتَّنْجِيسِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مَا فِي كَفَنِ الْمَيِّتِ لَا بُدَّ وَأَنْ يُصِيبَهُ بَعْضُ دَمِهِ أَوْ صَدِيدِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ الَّتِي بِجَوْفِهِ فَكَانَ تَحْرِيمُ وَضْعِ مَا كُتِبَ فِيهِ اسْمٌ مُعَظَّمٌ فِي كَفَنِ الْمَيِّتِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ فِيهِ.
وَأَمَّا مَا فِي التِّرْمِذِيِّ فَيَتَوَقَّفُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى صِحَّةِ سَنَدِهِ بَلْ لَوْ فُرِضَ صِحَّةُ سَنَدِهِ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ نَصُّوا عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَاهُ فَيَكُونُ إعْرَاضُهُمْ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ لِعِلَّةٍ فِيهِ كَيْفَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْمَعْلُومَةِ الَّتِي لَا نِزَاعَ فِيهَا وَهِيَ أَنَّ تَنْجِيسَ اسْمِ اللَّهِ وَنَحْوِهِ فِيهِ إهَانَةٌ لَهُ وَإِهَانَتُهُ مُحَرَّمَةٌ فَيَكُونُ السَّبَبُ إلَى ذَلِكَ مُحَرَّمًا نَعَمْ إنْ فُرِضَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَكْتُوبَ جُعِلَ فِي مَحِلٍّ مِنْ الْقَبْرِ بِحَيْثُ أُمِنَ عَلَيْهِ يَقِينًا أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِنْ الصَّدِيدِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَبْعُدْ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ حِينَئِذٍ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ السَّابِقَةِ عَلَى أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُجْدِي شَيْئًا لِأَنَّ الشَّرْطَ كَمَا ذُكِرَ عَنْ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ أَنْ يُوضَعَ فِي كَفَنِ الْمَيِّتِ فَوَضْعُهُ خَارِجَ الْكَفَنِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ وُضِعَ فِي الْكَفَنِ كَانَ فِيهِ تَسَبُّبٌ إلَى تَنْجِيسِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ تَقَرَّرَ وَبَانَ وَظَهَرَ حُرْمَةُ ذَلِكَ وَإِنْ وُضِعَ خَارِجَ الْكَفَنِ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا لِأَنَّ ذَلِكَ الثَّوَابَ الَّذِي قِيلَ فِيهِ مَشْرُوطٌ بِوَضْعِهِ فِي الْكَفَنِ فَالصَّوَابُ عَدَمُ كِتَابَةِ ذَلِكَ وَعَدَمُ
стр. 285
وَضْعِهِ فِي الْقَبْرِ مُطْلَقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ عَمَّا يُذْبَحُ مِنْ النَّعَمِ وَيُحْمَلُ مَعَ مِلْحٍ خَلْفَ الْمَيِّتِ إلَى الْمَقْبَرَةِ وَيُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْحَفَّارِينَ فَقَطْ وَعَمَّا يُعْمَلُ يَوْمَ ثَالِثِ مَوْتِهِ مِنْ تَهْيِئَةِ أَكْلٍ وَإِطْعَامِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَعَمَّا يُعْمَلُ يَوْمَ السَّابِعِ كَذَلِكَ وَعَمَّا يُعْمَلُ يَوْمَ تَمَامِ الشَّهْرِ مِنْ الْكَعْكِ وَيُدَارُ بِهِ عَلَى بُيُوتِ النِّسَاءِ اللَّاتِي حَضَرْنَ الْجِنَازَةَ وَلَمْ يَقْصِدُوا بِذَلِكَ إلَّا مُقْتَضَى عَادَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ حَتَّى إنَّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ صَارَ مَمْقُوتًا عِنْدَهُمْ خَسِيسًا لَا يَعْبَئُونَ بِهِ وَهَلْ إذَا قَصَدُوا بِذَلِكَ الْعَادَةَ وَالتَّصَدُّقَ فِي غَيْرِ الْأَخِيرَةِ أَوْ مُجَرَّدَ الْعَادَةِ مَاذَا يَكُونُ الْحُكْمُ جَوَازٌ وَغَيْرُهُ وَهَلْ يُوَزَّعُ مَا صُرِفَ عَلَى أَنْصِبَاءِ الْوَرَثَةِ عِنْدَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَعَنْ الْمَبِيتِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ إلَى مُضِيِّ شَهْرٍ مِنْ مَوْتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ كَالْفَرْضِ مَا حُكْمُهُ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ جَمِيعُ مَا يُفْعَلُ مِمَّا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ لَكِنْ لَا حُرْمَةَ فِيهِ إلَّا إنْ فُعِلَ شَيْءٌ مِنْهُ لِنَحْوِ نَائِحَةٍ أَوْ رِثَاءٍ وَمَنْ قَصَدَ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنْهُ دَفْعَ أَلْسِنَةِ الْجُهَّالِ وَخَوْضِهِمْ فِي عِرْضِهِ بِسَبَبِ التَّرْكِ يُرْجَى أَنْ يُكْتَبَ لَهُ ثَوَابُ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ أَمْرِهِ ﷺ مَنْ أَحْدَثَ فِي الصَّلَاةِ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَعَلَّلُوهُ بِصَوْنِ عِرْضِهِ عَنْ خَوْضِ النَّاسِ فِيهِ لَوْ انْصَرَفَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ التَّرِكَةِ حَيْثُ كَانَ فِيهَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِ مُطْلَقًا أَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ رُشَدَاءَ لَكِنْ لَمْ يَرْضَ بَعْضُهُمْ بَلْ مَنْ فَعَلَهُ مِنْ مَالِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَمَنْ فَعَلَهُ مِنْ التَّرِكَةِ غَرِمَ حِصَّةَ غَيْرِهِ الَّذِي لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ إذْنًا صَحِيحًا وَإِذَا كَانَ فِي الْمَبِيتِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ تَسْلِيَةٌ لَهُمْ أَوْ جَبْرٌ لِخَوَاطِرِهِمْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ لِأَنَّهُ مِنْ الصِّلَاتِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي رَغَّبَ الشَّارِعُ فِيهَا وَالْكَلَامُ فِي مَبِيتٍ لَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ مَكْرُوهٌ وَلَا مُحَرَّمٌ وَإِلَّا أُعْطِيَ حُكْمَ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إذْ لِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُدَّتِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ فِي الْجَنَائِزِ يُجْعَلُ قَلِيلُ كَافُورٍ لِأَنَّهُ يَشُدُّ الْبَدَنَ وَقَالُوا يُجْعَلُ عَلَى مَنَافِذِ بَدَنِهِ قُطْنٌ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الْهَوَامُّ مَا الْحِكْمَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَجَمِيعُ بَدَنِ الْمَيِّتِ وَأَجْزَائِهِ صَائِرَةٌ إلَى الْبِلَى؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَنَّ الْبَدَنَ يُنَعَّمُ بِأَنْوَاعِ النَّعِيمِ كَالرُّوحِ وَحَيْثُمَا بَقِيَ اتَّصَلَ بِهِ النَّعِيمُ وَبِاتِّصَالِ النَّعِيمِ بِهِ يَزِيدُ سُرُورُ الرُّوحِ وَانْبِسَاطُهَا فَإِنَّ الْبَدَنَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَايَةُ الِارْتِبَاطِ وَالْمُنَاسَبَةِ فَجَمِيعُ مَا يَحْصُلُ لَهُ يَحْصُلُ لَهَا وَعَكْسُهُ فَلِذَلِكَ حَافَظُوا عَلَى طَلَبِ إبْقَائِهِ لِيَزْدَادَ بِذَلِكَ نَعِيمُهُ فِي الْبَرْزَخِ وَالنَّعِيمُ فِيهِ مَقْصُودٌ أَيُّ مَقْصُودٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا كَانَ قَبْرُ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى الْقَبْرِ قُبَّةٌ وَأَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَكُونَ قَبْرُهُ بِجَنْبِهِ فَضَاقَ الْمَوْضِعُ إلَّا بِنَقْضِ شَيْءٍ قَلِيلٍ مِنْ الْقُبَّةِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ نَقْضُهُ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَذَاكَ وَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَمَعَ عِلْمِكُمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ قَالَ رَأَيْت الْوُلَاةَ بِمَكَّةَ يَأْمُرُونَ بِهَدْمِ مَا بُنِيَ مِنْهَا وَلَمْ أَرَ الْفُقَهَاءَ يَعِيبُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَتْ تِلْكَ الْقُبَّةُ مَبْنِيَّةً فِي مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ وَهِيَ الَّتِي اعْتَادَ أَهْلُ الْبَلَدِ الدَّفْنَ فِيهَا فَهِيَ مُسْتَحِقَّةُ الْهَدْمِ فَلِكُلِّ أَحَدٍ هَدْمُهَا وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ذَلِكَ الْقَبْرِ وَحْدَهُ وَلَمْ تَكُنْ فِي مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ هَدْمُهَا لِمِثْلِ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ مِنْ الدَّفْنِ بِجَانِبِ الْقَبْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الْمَيِّتِ هَلْ يُسْأَلُ فِي قَبْرِهِ جَالِسًا أَوْ رَاقِدًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ يُسْأَلُ قَاعِدًا وَكَذَا فِي ابْنِ مَاجَهْ وَفِيهِ أَنَّ الصَّالِحَ يَجْلِسُ غَيْرَ فَزِعٍ وَالسَّيِّئُ يَجْلِسُ فَزِعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ إذَا سُئِلَ الْمَيِّتُ هَلْ تَلْبَسُ رُوحُهُ الْجُثَّةَ كَمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ تُعَادُ إلَيْهِ رُوحُهُ ثُمَّ يُسْأَلُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ أَيْنَ تَكُونُ الرُّوحُ مُقِيمَةً بَعْدَ السُّؤَالِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ذَكَرَ ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - تَكُونُ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَيُؤَيِّدُهُ اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ فِي أَجْوَافِ طُيُورٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ فِي رِيَاضِ
следующие страницы →