Полный текст (1 335 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ فَيَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا كَمَا يُصَرِّحُ بِالْأَوَّلِ كَلَامُ النَّوَوِيِّ وَكَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ عَنْ الْقَاضِي وَأَقَرُّوهُ أَنَّهُ يُفَارِقُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَيْ: إنْ خُشِيَ التَّخَلُّف عَنْهُ بِرُكْنَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ فَحِينَئِذٍ الْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِقِرَاءَتِهَا إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ بِهِمَا فَحِينَئِذٍ تَلْزَمُهُ مُفَارَقَته بِالنِّيَّةِ كَمَا مَرَّ هَذَا حَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا قَالَهُ السَّائِلُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوَّلًا كَالْمُشْتَغِلِ بِسُنَّةٍ إلَخْ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُوَافِقِ فَحَيْثُ رَكَعَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَقْرَأْ لَزِمَهُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ كُلِّهَا فَإِنْ فَرَغَ مِنْهَا قَبْلَ قِيَامِ الْإِمَامِ أَوْ جُلُوسِهِ وَإِلَّا وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ. وَأَتَى بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ الْمُنْتَظِرُ السَّكْتَةَ مَسْبُوقًا تَخَلَّفَ لِقِرَاءَةِ قَدْرَ مَا أَدْرَكَ فَإِنْ فَرَغَ مِنْهُ وَأَدْرَكَ الرُّكُوعَ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَإِلَّا اسْتَمَرَّ حَتَّى يَهْوِيَ الْإِمَامُ لِلسُّجُودِ فَحِينَئِذٍ يُفَارِقُهُ كَمَا مَرَّ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِي إنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ مَفْرُوضٌ فِي الْمُوَافِقِ بِدَلِيلِ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ كَبَطِيءِ الْقِرَاءَة أَنَّ الزَّرْكَشِيّ يَقُولُ بِسُقُوطِهَا عَنْ الْمُوَافِقِ وَإِذَا قَالَ بِسُقُوطِهَا عَنْ الْمُوَافِقِ فَالْمَسْبُوقُ أَوْلَى.
(وَسُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ مُدَافَعَةِ الْحَدَثِ إذَا خِيفَ مَعَهَا فَوَاتُ الصَّلَاةِ الْمَسْنُونَةِ كَالرَّوَاتِبِ أَوْ فَوْتُ الْجَمَاعَة مَا الَّذِي يُقَدِّمُهُ وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إذَا رَجَا قَضَاءَهَا أَوْ لَا. وَبَيْنَ مَوْضِعٍ يَقِلُّ فِيهِ الْمَاءُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ مَتَى خَافَ مِنْ الْمُدَافَعَةِ ضَرَرًا شَدِيدًا فَهِيَ عُذْرٌ فِي إخْرَاجِ النَّافِلَةِ بَلْ وَالْفَرِيضَةُ عَنْ وَقْتِهَا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِهَا إلَّا مَا يَسَعُهَا وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ لَكِنَّهُ خَشِيَ مِنْ حَبْسِ نَحْوِ رِيحٍ دَافَعَهُ ضَرَرًا قُدِّمَ تَفْرِيغُ نَفْسِهِ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ خَشْيَةً مِنْ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهُ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ ضَرَرًا فَالْأَوْلَى لَهُ تَفْرِيغُ نَفْسِهِ وَإِنْ خَشِيَ فَوْتَ الْجَمَاعَة خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ مَعَ مُدَافَعَةِ الْحَدَثِ وَإِذَا قُدِّمَ تَفْرِيغُ النَّفْسِ عَلَى الْجَمَاعَة مَعَ كَوْنِهَا فَرْضًا فَأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى النَّافِلَةِ وَإِنْ خَشِيَ خُرُوجَ وَقْتِهَا سَوَاءٌ أَرَجَا قَضَاءَهَا أَمْ لَا سَوَاءٌ أَكَانَ فِي مَوْضِعٍ يَقِلُّ فِيهِ الْمَاءُ أَمْ لَا.
(وَسُئِلَ أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَتِهِ بِمَا صُورَتُهُ. نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الْعُلَمَاء أَنَّ الْأَجْذَمَ وَالْأَبْرَصَ يُمْنَعَانِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَمِنْ الْجُمُعَةِ وَمِنْ اخْتِلَاطِهِمَا بِالنَّاسِ فَهَلْ الْمَنْعُ مِمَّا ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ وَهَلْ يَكُونُ مَا ذُكِرَ عُذْرًا لَهُمَا مُسْقِطًا عَنْهُمَا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِاحْتِيَاجِهِمَا إلَى الْمَسْجِدِ وَالِاخْتِلَاطِ بِالنَّاسِ أَمْ لَا أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَبَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِعَدَمِ تَكَرُّرِهِمَا دُونَ الْجُمُعَةِ وَهَلْ حَجُّ التَّطَوُّعِ كَالْفَرْضِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ قَالَ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاء يَنْبَغِي إذَا عُرِفَ أَحَدٌ بِالْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ أَنَّهُ يُجْتَنَبُ لِيُحْتَرَز مِنْهُ وَيَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ مَنْعُهُ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ وَيَأْمُرُهُ بِلُزُومِ بَيْتِهِ وَيَرْزُقُهُ إنْ كَانَ فَقِيرًا. فَإِنَّ ضَرَرَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ الْمَجْذُومِ الَّذِي مَنَعَهُ عُمَرُ ﵁ وَالْعُلَمَاءُ بَعْدَهُ مِنْ الِاخْتِلَاطِ بِالنَّاسِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ صَحِيحٌ مُتَعَيَّنٌ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافٌ اهـ.
وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ فِي نَحْوِ الْمَجْذُومِ خَشْيَةَ ضَرَرِهِ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْمَنْعُ وَاجِبًا فِيهِ وَفِي الْعَائِنِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ بِالْأَوْلَى حَيْثُ أَوْجَبُوا عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَنْ نَازَعَ فِيهِ عَلَى الْمُحْتَسِبِ الْأَمْرَ بِنَحْوِ صَلَاةِ الْعِيدِ وَمَنْع الْخَوَنَةِ مِنْ مُعَامَلَةِ النِّسَاءِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِح الْعَامَّة وَأَنَّ الْمَدَارَ فِي الْمَنْع عَلَى الِاخْتِلَاطِ بِالنَّاسِ فَلَا مَنْعَ مِنْ دُخُولِ مَسْجِدٍ وَحُضُورِ جُمُعَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ لَا اخْتِلَاطَ فِيهِ بِهِمْ وَحِينَئِذٍ ظَهَرَ عَدَمُ عَدِّ ذَلِكَ عُذْرًا فِي نَدْبٍ أَوْ وُجُوبِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَلَوْ كِفَايَةً لِإِمْكَانِ فِعْلِهِمَا مَعَ عَدَمِ الِاخْتِلَاطِ وَبِفَرْضِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا مَعَ ذَلِكَ يُجَابُ بِأَنَّ وُجُوبَ النُّسُكِ آكَدُ مِنْ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدِّ ذَلِكَ عُذْرًا فِيهَا فَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا اعْتَمَدْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّ خَبَثَ الرِّيحِ عُذْرٌ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ اجْتَمَعُوا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِمَقْبَرَةٍ فَمَرُّوا بِآيَةِ سَجْدَةٍ وَفِيهِمْ كَثِيرٌ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ بَلْ مِنْ أَهْلِهِ. فَلَمْ يَسْجُدُوا ظَنًّا أَنَّ كَرَاهَةَ نَحْوِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ رَفَعَتْ عَنْهُمْ الْخِطَابَ بِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَهَلْ الْأَمْرُ كَمَا ظَنُّوهُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَمَا ظَنُّوهُ فَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاء أَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَنَحْوِهَا مَا لَمْ يُخَفْ خُرُوجُ الْوَقْتِ،
стр. 212
وَإِلَّا وَجَبَتْ فِيهَا إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً وَسُنَّتْ إنْ كَانَتْ سُنَّةً وَحِينَئِذٍ فَالْمُجْتَمِعُونَ عَلَى الْقِرَاءَة إنْ كَانَ فِي عَزْمِهِمْ عَدَمُ الْخُرُوجِ مِنْهَا فَوْرًا سُنَّ لَهُمْ السُّجُودُ وَيَكُونُ خَوْفُ خُرُوجِ وَقْتِ السُّجُودِ بِطُولِ الْفَصْلِ رَافِعًا لِكَرَاهَتِهِ فِي الْمَقْبَرَةِ كَمَا عَلِمْته مِنْ كَلَامِهِمْ وَإِنْ كَانَ فِي عَزْمِهِمْ الْخُرُوجُ مِنْهَا فَوْرًا سُنَّ لَهُمْ تَأْخِيرُ السُّجُودِ إلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا وَكُرِهَ لَهُمْ فِيهَا إذْ لَا عُذْرَ حِينَئِذٍ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ حَدِيثِ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» صَحِيحٌ أَوْ ضَعِيفٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ النَّفْيِ فِي خَبَرِ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ هَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ بِمَعْنَى نَفْيِ الْكَمَالِ أَوْ الْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَصِحُّ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ أَيْ: لَا صَلَاةَ كَامِلَةٌ حِينَئِذٍ إلَّا الْمَكْتُوبَةُ أَوْ لَا تُصَلُّوا إلَّا الْمَكْتُوبَةَ وَمَنْ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ هَذَا دُونَ الْأَوَّلِ فَقَدْ أَبْعَدَ بَلْ وَهِمَ وَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ صَلَاةَ غَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مُنْعَقِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَة تَنْزِيهِيَّةٌ لَا لِذَاتِ الصَّلَاةِ بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهَا وَهُوَ تَفْوِيتُ فَضِيلَةِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَام وَغَيْرِهَا مَعَ الْإِمَامِ. فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ النَّفْيُ لِلْكَمَالِ تُؤْخَذُ الْكَرَاهَة الَّتِي ذَكَرُوهَا مِنْ أَيْنَ قُلْت تُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِنَفْيِ الْكَمَالِ إلَّا ذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ النَّاهِي لِمَنْ أَرَادُوا بَيْعَ دُورِهِمْ لِبُعْدِهَا عَنْ الْمَسْجِدِ مَعَ تَرْغِيبِهِمْ بِأَنَّ لَهُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةٌ وَحَدِيثِ الْأَبْعَدُ فَالْأَبْعَدُ مِنْ الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ أَجْرًا هَلْ يُعَارِضَانِ حَدِيثَ أَحْمَدَ فَضْلُ الدَّارِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْمَسْجِدِ عَلَى الدَّارِ الشَّاسِعَةِ كَفَضْلِ الْغَازِي عَلَى الْقَاعِدِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يُعَارِضَانِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مَفْرُوضٌ فِي حَالَةٍ تَخُصُّهُ فَالْأَوَّلَانِ فِيمَا إذَا اُحْتِيجَ لِلْبُعْدِ لِحِرَاسَةِ الْبَلَدِ. أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَالْأَخِيرُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي سُكْنَى الْبَعِيدِ حَاجَةٌ وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ لَمَّا وَرَدَتْ فِي تَفْضِيلِ مَيَامِنِ الصُّفُوفِ رَغِبَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَعَطَّلُوا مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ قَدْ تَعَطَّلَتْ فَقَالَ مَنْ عَمَّرَ مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ كُتِبَ لَهُ كِفْلَانِ مِنْ الْأَجْرِ فَأَعْطَى أَهْلَ الْمَيْسَرَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ضِعْفَ مَا لِأَهْلِ الْمَيْمَنَةِ مِنْ الْأَجْرِ وَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لَمَّا تَعَطَّلَتْ تِلْكَ الْجِهَةُ فَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ الْأَصْلُ تَفْضِيلُ الْقَرِيبَة مِنْ الْمَسْجِدِ عَلَى الْبَعِيدَةِ مِنْهُ فَلَمَّا ثَبَتَ لَهَا هَذَا الْفَضْلُ رَغِبَ كُلٌّ مِنْ النَّاسِ فِي ذَلِكَ. حَتَّى «أَرَادَ بَنُو سَلَمَةَ أَنْ يُعَرُّوا ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ وَيَقْرُبُوا مِنْ الْمَسْجِدِ فَكَرِهَ ﷺ ذَلِكَ وَأَعْطَاهُمْ ذَلِكَ الْفَضْلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] فَقَالَ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ الْآيَةُ يَا بَنِي سَلَمَةَ دِيَارُكُمْ تَكْتُبُ آثَارَكُمْ» وَمِنْ هَذَا يُؤْخَذُ تَأْيِيدُ مَا كُنْتُ دَائِمًا أَبْحَثُهُ وَأُقْرِرْهُ أَنَّ مَحَلَّ أَفْضَلِيَّةِ أَيْمَنِ الصُّفُوفِ مَا إذَا جَاءَ الْمَأْمُومُ وَرَأَى الصُّفُوفَ قَدْ صُفَّتْ أَوْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى الْمُسَابَقَةِ لِذَلِكَ خُلُوُّ مَيَاسِرِ الصُّفُوفِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَفْضُولًا لِئَلَّا يَرْغَبَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَنْهُ وَيُقَاسُ بِذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَيْضًا. أَنَّ صُفُوفَ الْجِنَازَةِ الثَّلَاثَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ مُتَسَاوِيَة فِي الْفَضْلِ لِئَلَّا يَرْغَبَ النَّاسُ عَنْ غَيْرِ الْأَوَّلِ فَيَفُوتَ عَلَى الْمَيِّتِ فَضِيلَةُ جَعْلِ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ وَلِمَا اسْتَدْرَكْتُهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ مَا ذَكَرَهُ فِيمَنْ جَاءَ أَوَّلًا.
أَمَّا مَنْ جَاءَ وَقَدْ صُفَّتْ الثَّلَاثَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَحَرَّى أَوَّلُهَا لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ السَّابِقَةِ آنِفًا.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ يَكُونُ إمَامًا لَا مَأْمُومًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ أَعْمَى أَصَمُّ لَيْسَ بِإِزَائِهِ أَحَدٌ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِغَيْرِهِ وَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْغَيْرِ بِهِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ قَالَ التَّاجُ فِي أَلْغَازِهِ
وَقَائِلٍ لَا قِصَاصَ فِي الشُّعُورِ بَلَى ... إنَّ الْقِصَاصَ لَفِي شَعْرٍ وَفِي ظُفْرٍ
؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوَّلُ فِي نَحْوِ الْجَائِفَةِ وَغَيْرِ الْمُوضِحَةِ وَالثَّانِي الْقِصَاصُ فِيهِ مِنْ قَصَّ الشَّعْرَ يَقُصُّهُ وَفِي الْحَدِيثِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ عَلَى قِصَاصِ الشَّعْرِ» وَهُوَ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح مُنْتَهَى شَعْرِ الرَّأْسِ حَيْثُ يُؤْخَذُ بِالْمِقَصِّ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَمَّا إذَا لَحِقَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ ثُمَّ خَرَجَ إمَامُهُ مِنْ صَلَاتِهِ بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ لِمُلَاقَاةِ نَجَاسَةٍ لَهُ.
стр. 213
مَثَلًا حِينَئِذٍ هَلْ يَكُونُ الْمُقْتَدِي بِهِ الْمَذْكُورُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ لَا لِعَدَمِ حُسْبَانِ رُكُوعِهِ وَهَلْ يُقَالُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ رُكُوعُهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ وَهَلْ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا لَاقَى النَّجَاسَةَ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ أَوْ آخِرِهَا سَوَاءٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَكُونُ الْمُقْتَدِي مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ حَيْثُ طَرَأَ لِإِمَامِهِ بَعْدَ الرُّكُوعِ مُبْطِلٌ لِصَلَاتِهِ كَحَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَثْنَائِهَا أَمْ آخِرِهَا فَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي سُجُودِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي إدْرَاكِ الْمَأْمُومِ الرَّكْعَةَ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ رُكُوعًا مَحْسُوبًا لِلْإِمَامِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا ذَكَرْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ. ثُمَّ قُلْت وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ حَدَثَهُ بَعْدَ أَنْ لَحِقَهُ الْمَأْمُومُ فِي الرُّكُوعِ وَاطْمَأَنَّ كَذَلِكَ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَيْ: وَهُوَ كَوْنُهُ أَدْرَكَ رُكُوعًا مَحْسُوبًا لِلْإِمَامِ وَقْتَ إدْرَاكِهِ ثُمَّ رَأَيْتُ الْقَاضِيَ الْحُسَيْنَ صَرَّحَ بِمَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ رَاكِعًا فَاقْتَدَى بِهِ ثُمَّ فَارَقَهُ عِنْدَ قِيَامِهِ حُسِبَتْ لَهُ الرَّكْعَةُ اهـ قَالَ غَيْرُهُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّحَمُّل بَقَاؤُهُ مَأْمُومًا بِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ التَّحَمُّل قَدْ وُجِدَ وَهُوَ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ فِي الرُّكُوعِ كَمَا لَوْ بَطَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ صَلَاةُ الْإِمَامِ اهـ.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته اهـ. كَلَامُ شَرْحِ الْعُبَابِ وَذَكَرَ فِيهِ إثْرَ ذَلِكَ كَلَامًا لِابْنِ الْعِمَادِ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ مَعَ مَا قَدَّمْنَا فِي ذَلِكَ وَبَيَّنْتُ مَا فِيهِ بِكَلَامٍ مَبْسُوطٍ أَعْرَضْت عَنْهُ هُنَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّا إذَا قَامَ إمَامُهُ لِخَامِسَةٍ هَلْ الْأَوْلَى انْتِظَاره أَوْ فِرَاقُهُ وَفِيمَا إذَا كَانَ مَسْبُوقًا هَلْ هُوَ كَغَيْرِهِ أَوْ لَا حَتَّى تَجُوزَ مُفَارَقَته؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوْلَى انْتِظَاره وَسَوَاءٌ الْمَسْبُوقُ وَغَيْرُهُ وَعِبَارَةُ شَرْحِي لِلْعُبَابِ لَوْ قَامَ الْإِمَامُ لِزِيَادَةٍ كَخَامِسَةٍ سَهْوًا لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَته وَإِنْ كَانَ شَاكًّا فِي فِعْلِ رَكْعَةٍ أَوْ مَسْبُوقًا عَلِمَ ذَلِكَ أَوْ ظَنَّهُ فَإِنْ تَابَعَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ وَلَا نَظَرَ إلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ عَلِمَ الْحَالَ أَوْ ظَنَّهُ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ مُوَافِقًا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ أَتَمَّ صَلَاتَهُ يَقِينًا أَوْ غَيْرَ مُوَافِقٍ فَهِيَ غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ لِلْإِمَامِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ مُتَابَعَته فِي فِعْلِ السَّهْوِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ كَالْإِسْنَوِيِّ نَقْلًا عَنْ الْمَجْمُوع فِي الْجَنَائِزِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ انْتِظَاره بَلْ يُسَلِّمُ فَإِنَّهُ فِي انْتِظَاره مُقِيمٌ عَلَى مُتَابَعَته فِيمَا يَعْتَقِدُهُ مُخْطِئًا فِيهِ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُ مَا قَالَاهُ وَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ جَمْعٌ فَفِي الْمَجْمُوع نَفْسِهِ لَوْ سَجَدَ إمَامُهُ الْحَنَفِيُّ مَثَلًا لص جَازَ لَهُ مُفَارَقَته وَانْتِظَاره كَمَا لَوْ قَامَ إمَامُهُ إلَى خَامِسَةٍ وَفِيهِ أَيْضًا لَوْ عَلِمَ الْمَسْبُوقُ بِقِيَامِ إمَامِهِ لِخَامِسَةٍ انْتَظَرَهُ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ مَحْسُوبٌ لَهُ وَصَرَّحَ الزَّرْكَشِيُّ كَابْنِ الْعِمَادِ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا تَرَكَ فَرْضًا جَازَ لِلْمَأْمُومِ انْتِظَاره حَتَّى يَأْتِيَ بِالْمُنْتَظِمِ وَيُتَابِعهُ فِيهِ فَإِنَّ الْقُدْوَةَ إنَّمَا تَنْقَطِعُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِفِعْلِ السَّهْوِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجِبَ مُفَارَقَته اهـ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي رَدِّ قَوْلِهِ السَّابِقِ فَإِنَّهُ فِي انْتِظَاره مُقِيمٌ عَلَى مُتَابَعَته إلَخْ وَإِنَّمَا حَرَّمُوا عَلَيْهِ الْمُتَابَعَةَ هُنَا وَأَوْجَبُوهَا عَلَيْهِ فِيمَا إذَا سَجَدَ إمَامُهُ لِلسَّهْوِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ سَبَبَهُ؛ لِأَنَّ قِيَامَهُ لِخَامِسَةٍ لَمْ يُعْهَدْ بِخِلَافِ سُجُودِهِ لِلسَّهْوِ فَإِنَّهُ مَعْهُودٌ لِسَهْوِ إمَامِهِ وَأَمَّا مُتَابَعَتُهُمْ لَهُ ﷺ فِي قِيَامِهِ لِلْخَامِسَةِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فَهُوَ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَتَحَقَّقُوا زِيَادَتَهَا؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ كَانَ زَمَنَ الْوَحْيِ وَإِمْكَانِ الزِّيَادَة وَالنَّقْصِ وَلِهَذَا قَالُوا فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَخَرَجَ بِتَقْيِيدِي الْمَسْبُوقَ بِمَا مَرَّ مَا لَوْ جَهِلَ ذَلِكَ فَتَابَعَهُ فَإِنَّ الرَّكْعَةَ تُحْسَبُ لَهُ لَكِنْ إنْ قَرَأَ فِيهَا الْفَاتِحَةَ كَمَا فِي الْمَجْمُوع؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَحَمَّلُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَقْصُودَ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ مُصَلٍّ وَقْتَ تَرَائِي الْهِلَالِ هَلْ يَنْظُرُ إلَى مَحَلِّ سُجُودِهِ فِي صَلَاتِهِ عَمَلًا بِإِطْلَاقِهِمْ تَحْصِيلَ السُّنَّةِ أَوْ إلَى مَطْلَعِ الْهِلَالِ؛ لِأَنَّ تَرَائِيه فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالْقِيَاسُ عَلَى رُؤْيَةِ الْمُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ إلَيْهَا عِنْدَ مَنْ اخْتَارَهُ قِيَاسُ أَوْلَى إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا؛ لِأَنَّ نَظَرَهَا سُنَّةٌ وَالتَّرَائِي فَرْضُ كِفَايَةٍ حَتَّى لَوْ قِيلَ بِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ نَظَرِ الْمُصَلِّي مَحَلَّ السُّجُودِ وَلَوْ عِنْدَهَا لَمْ يَكُنْ يُعِيدُ الْفَرِيضَة التَّرَائِي أَوْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ تَرَائِي الْهِلَالِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ تَفْرِقَةٌ لَيْسَتْ فِي نَظَرِ الْكَعْبَةِ وَيَزِيدُ الْفَرْقُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَثْنُوا حَالَةَ التَّرَائِي.
стр. 214
فِي عُمُومِ قَوْلِهِمْ يَنْظُرُ إلَى مَحَلِّ السُّجُودِ مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ لَا تَعْزُبُ عَنْهُمْ وَهُوَ الَّذِي يَتَبَادَرُ إلَى رَأْيِ الْفَقِيهِ بَلْ الْمُتَفَقِّهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: النَّظَرُ لِلسَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهٌ إلَّا لِحَاجَةٍ فَإِنْ فُرِضَ احْتِيَاجُهُ لِتَرَائِيِ الْهِلَالِ لِانْحِصَارِهِ فِيهِ مَثَلًا لَمْ يُكْرَهْ وَإِلَّا كُرِهَ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْفَرْضَ عَدَمُ انْحِصَاره فِيهِ فَلَمْ تَعُمّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَلَوْ تَرَكَ هَذَا الْمُسْتَحَبَّ هَلْ يَكُونُ مَكْرُوهًا كَمَا لَوْ سَاوَاهُ فِي الْمَوْقِفِ وَحِينَئِذٍ تَفُوتُهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَة كَمَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا أَمْ لَا تَفُوتُ كَمَا قَالَ بِهِ غَيْرُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ صَفَّ صَفًّا ثَانِيًا قَبْلَ إكْمَالِ الْأَوَّلِ هَلْ يَكُونُ كَذَلِكَ مَكْرُوهًا تَفُوتُ بِهِ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَة؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كُلُّ مَا ذُكِرَ مَكْرُوهٌ مُفَوِّتٌ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَة فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوع السُّنَّةُ أَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَ الْإِمَامِ وَمَنْ خَلْفَهُ مِنْ الرِّجَالِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ تَقْرِيبًا كَمَا بَيْنَ كُلِّ صَفَّيْنِ أَمَّا النِّسَاءُ فَيُسَنُّ لَهُمْ التَّخَلُّف كَثِيرًا وَفِي الْمَجْمُوع اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى اسْتِحْبَاب الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ وَيَمِينِ الْإِمَامِ وَسَدِّ فُرَجِ الصُّفُوفِ وَإِتْمَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ مَا يَلِيه وَهَكَذَا وَلَا يُشْرَعُ فِي صَفٍّ حَتَّى يَتِمّ مَا قَبْلَهُ.
وَفِي شَرْحِي لِلْعُبَابِ كُلُّ مَا قِيلَ بِنَدْبِهِ فِي هَذَا الْبَابِ تُكْرَهُ مُخَالَفَته كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الْمَجْمُوع فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَحْكَامَ الْمَوْقِفِ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا كُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ وَمُخَالَفَتُهُ مَكْرُوهَةٌ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ أَحْكَامٍ أُخَرَ لِلْمَوْقِفِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَوَاقِف الْمَذْكُورَةَ كُلَّهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَإِنْ خَالَفَهَا كُرِهَ اهـ.
وَمِنْ هُنَا قَالَ السُّبْكِيّ تَكَرَّرَ مِنْ النَّوَوِيِّ إطْلَاقُ الْكَرَاهَة عَلَى الْمُخَالَفَةِ فِي جَمِيعِ مَا اُسْتُحِبَّ فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ كَابْنِ الْعِمَادِ وَسَبَقَهُمَا الْأَحْنَفُ عَصْرِيٍّ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُسَاوَاةِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَحْصُلَ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَة كَمَا لَوْ قَارَنَهُ فِي الْأَفْعَال اهـ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمُسَاوَاةِ بِذَلِكَ بَلْ سَائِرُ الْمَكْرُوهَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ كَذَلِكَ لِمَا يَأْتِي مَبْسُوطًا أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مَكْرُوهًا مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَة يَمْنَعُ فَضْلَهَا انْتَهَتْ عِبَارَتُهُ وَحَاصِلُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أَنَّ الْمُقَارَنَةَ أَوْ التَّقَدُّم الْغَيْرَ الْمُبْطِلِ مَكْرُوهٌ مُفَوِّتٌ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَة وَاعْتَرَضَهُ كَثِيرُونَ بِمَا رَدَّهُ آخَرُونَ مِنْهُمْ أَبُو زُرْعَةَ.
قَالَ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا فَاتَتْ الْجَمَاعَة بَلْ فَاتَ فَضْلُهَا فَهِيَ جَمَاعَةٌ صَحِيحَةٌ لَكِنْ لَا ثَوَابَ فِيهَا.
وَفَائِدَةُ صِحَّتِهَا مَعَ انْتِفَاءِ الثَّوَابِ فِيهَا سُقُوطُ الْإِثْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِفَرْضِيَّتِهَا عَيْنًا أَوْ كِفَايَةً وَالْكَرَاهَةُ عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهَا لِقِيَامِ الشِّعَارِ الظَّاهِرِ وَمِنْهُمْ الزَّرْكَشِيُّ قَالَ لِأَنَّ الصِّحَّةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الثَّوَابَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ حُصُولِهَا مَعَ انْتِفَاءِ فَضْلِهَا بِدَلِيلِ مَا لَوْ صَلَّى جَمَاعَةً فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَكَوْنِ الْمُدْرِكِ لَهَا فِي التَّشَهُّد فِي جَمَاعَةٍ قَطْعًا وَمَعَ ذَلِكَ قِيلَ لَا يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُهَا وَالْبَغَوِيُّ إنَّمَا نَفَى فَضْلَهَا وَلَمْ يَقُلْ بَطَلَتْ فَدَلَّ عَلَى بَقَائِهَا حَتَّى يَتَحَمَّلَ عَنْهُ السَّهْوَ وَغَيْرَهُ قَالَ
وَالْعَجَبُ مِنْ أُولَئِكَ الْمَشَايِخ أَيْ: الْمُعْتَرِضِينَ كَيْفَ غَفَلُوا عَنْ هَذَا وَتَتَابَعُوا عَلَى هَذَا الْفَسَادِ. وَأَنَّ فَوَاتَ الْفَضِيلَة يَسْتَلْزِمُ الْخُرُوجَ عَنْ الْمُتَابَعَةِ مَعَ وُضُوحِ عَدَمِ التَّلَازُم بَيْنَهُمَا وَجَزْمُ الْبَارِزِيِّ بِحُصُولِ ثَوَابِهَا أَعْجَبُ؛ لِأَنَّ الْمَكْرُوه لَا ثَوَابَ فِيهِ وَكَيْفَ يُتَخَيَّلُ حُصُولُهُ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ الْمُفَارَقَةَ الْآتِيَةَ تُفَوِّتُ الْفَضِيلَة وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي مُسَاوَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَوْقِفِ فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ.
وَالضَّابِطُ أَنَّهُ حَيْثُ فَعَلَ مَكْرُوهًا مَعَ الْجَمَاعَة أَيْ: بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ حَالَةَ الِانْفِرَادِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَأْمُور بِالْمُوَافَقَةِ وَالْمُتَابَعَةِ فَاتَهُ فَضْلُهَا إذْ الْمَكْرُوه لَا ثَوَابَ فِيهِ اهـ. الْغَرَضُ مِنْ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ مُلَخَّصًا وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ مَنْ كَانَ مَسْبُوقًا. وَسَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ السَّجْدَةَ الْأُولَى وَلَمْ يَسْجُدْ الثَّانِيَة حَتَّى قَامَ الْإِمَامُ هَلْ يَسْجُدُهَا أَوْ يَقُومُ مُوَافِقًا لِلْإِمَامِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ لَمْ يَقُمْ الْمَأْمُوم سَجَدَ الثَّانِيَة.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ الْمَأْمُوم إذَا أَطَالَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَقَامَ فَرَكَعَ الْإِمَامُ هَلْ يَقْرَأُ الْفَاتِحَة وَيُعْذَرُ إلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ أَوْ يُتَابِعُهُ وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ أَوْ يُفَارِقُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا
стр. 215
فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ نَظَرَ لِعُذْرِهِ بِالتَّخَلُّفِ فَقَالَ إنَّهُ كَمَنْ سَهَا فِي السُّجُودِ فَلَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فَإِنَّهُ يَقُومُ وَيَرْكَعُ وَتَسْقُطُ الْفَاتِحَة عَنْهُ قَالَ فَكَذَا هَذَا لَمَّا نُدِبَ لَهُ التَّخَلُّف لِإِكْمَالِ التَّشَهُّد كَانَ مَعْذُورًا فَإِذَا أَكْمَلَهُ وَقَامَ فَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا رَكَعَ مَعَهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْقِرَاءَة وَإِلَّا قَرَأَ بِقَدْرِ مَا لَحِقَ وَرَكَعَ مَعَهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْبَقِيَّة كَالْمَسْبُوقِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُنْدَبُ لَهُ التَّخَلُّف لِإِكْمَالِهِ ثُمَّ يَقُومُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَة فَإِنْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ فَذَاكَ وَإِنْ رَكَعَ الْإِمَامُ وَهُوَ فِيهَا كَمَّلَهَا وَيَسْعَى خَلْفَهُ وَيُغْتَفَرُ لَهُ التَّخَلُّف بِثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِإِدْرَاكِهِ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَة كُلَّهَا مَعَ الْإِمَامِ بِالْقُوَّةِ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ تَخَلُّفُهُ لِإِتْمَامِ التَّشَهُّدِ وَهُوَ غَيْرُ مُقَصِّرٍ بِهِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ لَهُ، وَفَارَقَ الْمَسْبُوقَ إذَا تَخَلَّفَ لِإِتْمَامِ الْفَاتِحَةِ لِكَوْنِهِ اشْتَغَلَ بِافْتِتَاحٍ أَوْ تَعَوُّذٍ وَهَذَانِ الِاثْنَانِ بَعِيدَانِ وَأَوَّلُهُمَا أَغْرَبُ وَأَبْعَدُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ السَّاهِيَ الَّذِي قَاسَ عَلَيْهِ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ بِخِلَافِ الْمُتَخَلِّفِ لِإِتْمَامِ التَّشَهُّد فَإِنَّهُ حَصَلَ مِنْهُ نَوْعُ تَقْصِيرٍ فَلَمْ يَصِحّ لَهُ ذَلِكَ الْقِيَاسُ وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ أَنَّ مَا أَطْلَقَهُ مِنْ نَدْبِ التَّخَلُّف لِإِكْمَالِ التَّشَهُّد إنَّمَا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ إنْ ظَنَّ أَنَّ الْإِمَامَ يُطِيلُ حَتَّى يُكْمِلَ وَيَلْحَقَهُ وَيُدْرِكَ كُلَّ الْفَاتِحَة قَبْلَ رُكُوعِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إذَا ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي الْجَائِي بَعْدَ إحْرَامِ الْإِمَامِ.
فَقَالُوا وَلَا يَشْتَغِلُ الْمَسْبُوق بِسُنَّةٍ بَعْدَ التَّحَرُّم إلَّا إنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يُدْرِكُ الْفَاتِحَة قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ فَإِذَا لَمْ يَسْتَحِبُّوا لَهُ الْإِتْيَانَ بِالِافْتِتَاحِ أَوْ التَّعَوُّذ إلَّا بِالشَّرْطِ الْمَذْكُور مَعَ أَنَّهُ فِي مَحَلِّهِمَا هُوَ وَالْإِمَامُ فَمَنْ فِي التَّشَهُّد يَكُونُ كَذَلِكَ بِالْأَوْلَى لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ بِقِيَامِ الْإِمَامِ عَنْهُ وَمِنْ ثَمَّ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى تَقْصِيرِهِ بِإِكْمَالِ التَّشَهُّد مُطْلَقًا.
وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْمَسْبُوق يَشْتَغِلُ بِمَا ذُكِرَ بِشَرْطِهِ وَالْفَرْقُ مَا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ فَوَاتِ مَحَلِّ التَّشَهُّد هُنَا بِقِيَامِ الْإِمَامِ عَنْهُ بِخِلَافِهِ فِي الْمَسْبُوق وَبِهَذَا يَتَّضِحُ تَقْصِيرُ هَذَا الْمُتَخَلِّفِ لِإِكْمَالِ التَّشَهُّد وَأَمَّا ادِّعَاءُ أَنَّ هَذَا مُوَافِقٌ. وَالْمُوَافِقُ وَإِنْ قَصَّرَ يَتَخَلَّفُ لِإِكْمَالِ الْفَاتِحَة مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَر مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ فَمَمْنُوعٌ كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَسْبُوق هُوَ مَنْ يُدْرِكُ مِنْ قِيَامِ الْإِمَامِ مَا يَسَعُ الْفَاتِحَة وَالْمُتَخَلِّفُ لِلتَّشَهُّدِ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ فَهُوَ مَسْبُوقٌ لَا مُوَافِقٌ وَإِذَا كَانَ مَسْبُوقًا تَعَيَّنَ إلْحَاقُهُ بِالْمَسْبُوقِ إذَا اشْتَغَلَ بِافْتِتَاحٍ أَوْ تَعَوُّذٍ بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ وَإِذَا اتَّضَحَ أَنَّهُ كَالْمَسْبُوقِ تَعَيَّنَ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ مَا قَالُوهُ فِيمَا إذَا اشْتَغَلَ بِافْتِتَاحٍ أَوْ تَعَوُّذٍ فَرَكَعَ الْإِمَامُ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَخَلَّفَ وَقَرَأَ بِقَدْرِ مَا فَاتَهُ مِنْ الْفَاتِحَة وَحِينَئِذٍ فَهَلْ يُعْذَرُ بِالتَّخَلُّفِ بِثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ كَالْمُوَافِقِ لِعُذْرِهِ.
بِوُجُوبِ التَّخَلُّف عَلَيْهِ أَوْ لَا يُعْذَرُ إلَّا بِرُكْنَيْنِ فِيهِ خِلَافٌ وَعَلَى كُلٍّ كَثِيرُونَ وَعَلَى الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ جَمْعٍ مُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَإِنْ فَرَغَ مِمَّا لَزِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَهْوِيَ الْإِمَامُ لِلسُّجُودِ وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ وَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ وَقَدْ آنَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَهْوِيَ فَقَدْ تَعَارَضَ فِي حَقِّهِ وَاجِبَانِ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ بِأَكْثَر مِنْ رُكْنَيْنِ وَالتَّخَلُّفُ لِقِرَاءَةِ قَدْرِ مَا فَوَّتَهُ وَلَا مُخَلِّصَ لَهُ عَنْ هَذَيْنِ الْوَاجِبَيْنِ إلَّا بِنِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ فَيَلْزَمُهُ وَحِينَئِذٍ فَيُكْمِلُ الْفَاتِحَة وَيَمْشِي عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ فَإِنْ
قُلْت كَيْفَ يُنْسَبُ كُلٌّ مِنْ الْمُشْتَغِلِ بِإِكْمَالِ التَّشَهُّد وَبِالِافْتِتَاحِ أَوْ التَّعَوُّذ إلَى تَقْصِيرٍ مَعَ نَدْبِ تَخَلُّفِهِ وَاشْتِغَاله بِذَلِكَ وَوُجُوبِ تَخَلُّفِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِقِرَاءَةِ قَدْرِ مَا فَوَّتَهُ قُلْت النَّدْبُ لَهُ لَا يُنَافِي نِسْبَةً إلَى تَقْصِيرٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نُدِبَ مَشْرُوطًا بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَة أَيْ: فَإِنْ بَانَ أَنَّهُ أَدْرَكَ الْفَاتِحَة بَانَ أَنْ لَا تَقْصِيرَ وَإِلَّا بَانَ أَنَّ ثَمَّ تَقْصِيرًا أَوْجَبَ لَهُ احْتِيَاطًا فَهُوَ تَقْصِيرٌ عَادَ عَلَى عِبَادَتِهِ بِالِاحْتِيَاطِ لَا بِالتَّسَاهُلِ أَوْ الْإِبْطَال وَحِينَئِذٍ فَذَلِكَ التَّقْصِير مُنَاسِبٌ لِلنَّدْبِ لَا أَنَّهُ مُنَافٍ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ فَقَدْ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّا وَإِنْ أَوْجَبْنَا عَلَى الْمَسْبُوق الْمَذْكُور التَّخَلُّف لِقِرَاءَةِ كُلِّ الْفَاتِحَة هُوَ مُقَصِّرٌ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْإِيجَابَ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي نِسْبَتَهُ لِلتَّقْصِيرِ وَزَعْمُ أَنَّ هَذَا مِنْ تَفَرُّدِ الْمُتَوَلِّي مَمْنُوعٌ بَلْ لَوْ سَلِمَ كَانَ كَافِيًا فِي الْحُجَّةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ بِالْأَوْلَى مِنْ أَنَّ وُجُوبَ التَّخَلُّف لِنَقْصِ الْفَاتِحَة لَا يَمْنَعُ مِنْ نِسْبَةِ تَقْصِيرٍ إلَيْهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْمُشْتَغِلَ
стр. 216
بِإِكْمَالِ التَّشَهُّد كَالْمُشْتَغِلِ بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ أَوْ التَّعَوُّذ فِي أَنَّهُ مَسْبُوقٌ وَفِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ لِقِرَاءَةِ قَدْرِ مَا فَوَّتَهُ.
وَفِي أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّفُ إلَّا بِرُكْنَيْنِ وَفِي أَنَّ الرَّكْعَةَ تَفُوتُ بِفَوَاتِ رُكُوعِ الْإِمَامِ وَفِي أَنَّهَا إذَا فَاتَتْهُ لَا يَأْتِي بِهَا وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ وَفِي أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ مَعَهُ الْوَاجِبَانِ السَّابِقَانِ لَزِمَتْهُ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ وَإِذَا تَأَمَّلْت مَا قَرَّرْته عَلِمْت الْجَوَابَ عَنْ جَمْعِ مَا وَقَعَ فِي فَتَاوَى السَّمْهُودِيِّ ﵀ مِمَّا يُؤَيِّدُ الْإِفْتَاء الثَّانِيَ السَّابِقَ فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ تَقَارُنِ رَاءِ تَحَرَّمَ الْمَأْمُوم وَمِيمِ سَلَامِ الْإِمَامِ. فَهَلْ يَنَالُ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَة أَوْ لَا فَيَبْطُلُ اقْتِدَاؤُهُ بَلْ وَصَلَاتُهُ إنْ تَعَمَّدَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَة لِإِطْبَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ شَرْطَ حُصُولِهِ إدْرَاكُ جُزْءٍ مِنْ صَلَاة الْإِمَامِ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَهَذَا لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا كَذَلِكَ وَأَمَّا بُطْلَانُ صَلَاتِهِ بِذَلِكَ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْبِطْ صَلَاتَهُ ابْتِدَاءً بِمَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ بَلْ بِمَنْ هُوَ فِيهَا لَكِنَّهُ لَمْ يَتِمّ لَهُ مَا ظَنَّهُ مِنْ إدْرَاكِ الرَّاءِ قَبْلَ الْمِيمِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ظَنُّ ذَلِكَ بَلْ يَكْفِي تَجْوِيزُهُ فَهُوَ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ مَعْذُورٌ وَمِنْ حَيْثُ عَدَمُ إدْرَاكِ الْجَمَاعَة غَيْرُ مَعْذُورٍ؛ لِأَنَّ مَدَارَ الْأَوَّلِ عَلَى التَّقْصِير وَلَمْ يُوجَد. وَمَدَارُ الثَّانِي عَلَى تَحَقُّقِ إدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَمْ يُوجَدْ فَظَهَرَ افْتِرَاقِهِمَا وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ حِيَازَةِ الْفَضِيلَة وَبُطْلَانِ الِاقْتِدَاءِ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَحْرَمَ وَالْإِمَامُ فِي الْجِلْسَةِ الْأَخِيرَة فَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ فَهَلْ عَلَى الْمَأْمُوم أَنْ يَقْعُدَ ثُمَّ يَقُومَ أَوْ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ عَقِبَ إحْرَامِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقُعُودُ بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ لِانْقِضَاءِ الْمُتَابَعَةِ الْمُوجِبَة لِلْمُوَافَقَةِ فِيمَا لَمْ يُحْسَبْ لَهُ فَيَصِيرُ جُلُوسُهُ زِيَادَةً فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ مُبْطَلَةٌ وَإِذَا أَحْرَمَ وَلَمْ يُسَلِّمْ الْإِمَامُ وَلَمْ يَجْلِسْ عَامِدًا عَالِمًا بَلْ اسْتَمَرَّ قَائِمًا. إلَى أَنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ الْفَاحِشَة نَعَمْ يَظْهَرُ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ هُنَا التَّخَلُّف بِقَدْرِ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَخْذًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ إمَامُهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ تَشَهُّدِهِ فَتَخَلَّفَ وَلَمْ يَقُمْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ زَادَ تَخَلُّفُهُ عَلَى قَدْرِ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ وَإِلَّا فَلَا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعُدُّوا مُخَالَفَةَ الْإِمَامِ بِهَا فِيمَا لَوْ تَرَكَهَا وَفَعَلَهَا الْمَأْمُوم مُخَالِفًا فَاحِشَةً فَكَذَا يُقَالُ بِنَظِيرِهِ هُنَا وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ جَلَسَ بَعْدَ الْهُوِيِّ مِنْ الِاعْتِدَالِ جَلْسَةً يَسِيرَةً لَمْ يَضُرّ مَعَ أَنَّ الْمَوْضِعَ لَيْسَ مَوْضِعَ جُلُوسٍ فَاتَّضَحَ بِذَلِكَ مَا ذَكَرْته وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ. هَلْ تَجُوزُ صَلَاةُ الرَّغَائِب وَالْبَرَاءَةِ جَمَاعَةً أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا صَلَاةُ الرَّغَائِب فَإِنَّهَا كَالصَّلَاةِ الْمَعْرُوفَةِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانُ بِدْعَتَانِ قَبِيحَتَانِ مَذْمُومَتَانِ وَحَدِيثهمَا مَوْضُوعٌ فَيُكْرَهُ فِعْلُهُمَا فُرَادَى وَجَمَاعَةً وَأَمَّا صَلَاةُ الْبَرَاءَة فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا مَا يُنْقَلُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ صَلَاةِ الْمَكْتُوبَاتِ الْخَمْسِ بَعْد آخِرِ جُمُعَةٍ فِي رَمَضَانَ مُعْتَقِدِينَ أَنَّهَا تُكَفِّرُ مَا وَقَعَ فِي جُمْلَةِ السَّنَةِ مِنْ التَّهَاوُن فِي صَلَاتِهَا فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ شَدِيدَةُ التَّحْرِيم يَجِبُ مَنْعُهُمْ مِنْهَا لِأُمُورٍ مِنْهَا أَنَّهُ تَحْرُمُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا وَلَوْ فِي جَمَاعَةٍ وَكَذَا فِي وَقْتِهَا بِلَا جَمَاعَةٍ وَلَا سَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ صَارَ سَبَبًا لِتَهَاوُنِ الْعَامَّةِ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِض لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ فِعْلَهَا عَلَى تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ يُكَفِّرُ عَنْهُمْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّا إذَا رَكَعَ الْمَأْمُوم قَبْلَ الْإِمَامِ عَمْدًا هَلْ يَنْتَظِرُهُ فِيهِ أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِلْمُتَابَعَةِ وَإِذَا كَانَ سَاهِيًا فَهَلْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ سُنَّ لَهُ الْعَوْدُ إلَى الْقِيَامِ وَإِنْ سَهَا تَخَيَّرَ بَيْنَ الْعَوْدِ إلَيْهِ وَانْتِظَاره فِي الرُّكُوعِ وَفَارَقَ مَا لَوْ قَامَ عَنْ التَّشَهُّد الْأَوَّلِ قَبْلَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ إنْ تَعَمَّدَ تَخَيَّرَ بَيْنَ الْبَقَاءِ وَالْعَوْدِ. وَإِنْ سَهَا لَزِمَهُ الْعَوْدُ بِأَنَّ هَذَا أَفْحَشُ فِي الْمُخَالَفَةِ فَلَزِمَ السَّاهِيَ الْعُودُ؛ لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ يُعْتَدُّ بِهِ بِخِلَافِ الْعَامِدِ فَإِنَّهُ انْتَقَلَ عَنْ فَرْضِ الْمُتَابَعَةِ إلَى فَرْضٍ آخَرَ وَهُوَ الْقِيَامُ فَكَانَ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ فَتَخَيَّرَ وَأَمَّا مَنْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَمْ يُخَالِفْهُ مُخَالَفَةً فَاحِشَةً لِقُرْبِ الرُّكُوعِ مِنْ الْقِيَامِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْعَوْدُ مُطْلَقًا وَتَخَيَّرَ عِنْدَ السَّهْوِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ مَعَ عَدَمِ فُحْشِ الْمُخَالَفَةِ وَنُدِبَ لَهُ الْعَوْدُ عِنْدَ التَّعَمُّد؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ فِيهِ وَاجِبَانِ فَرْضُ الْقِيَامِ وَفَرْضُ الْمُتَابَعَةِ فَكَانَ
стр. 217
الْعَوْدُ إلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الْبَقَاءِ فِي الرُّكُوعِ وَلَا كَذَلِكَ فِي التَّشَهُّد وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَمَّا إذَا حَضَرَ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ جَمَاعَةٌ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ إمَامٌ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ الَّذِي صَلَّى أَوْ لَا أَنْ يَؤُمّهُمْ كَذَلِكَ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ وَهَلْ هَذَا الِاسْتِحْبَابُ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ اللَّذَيْنِ صَلَّيَا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْجَوَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا أَنَّ الْمَنْقُول الْمَنْصُوص عَلَيْهِ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْإِعَادَة لَا تَجُوزُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي نَدْبِهَا مَرَّةً بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ سَوَاءٌ أَحَضَرَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ أَمْ لَا. وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْإِمَامُ فِي الْأُولَى هُوَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَة أَمْ لَا حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَة الْأُولَى إمَامًا وَمَأْمُومًا فَقَطْ سُنَّ لَهُمَا بَعْدَ فَرَاغِهِمَا إعَادَتُهَا ثَانِيًا وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْأُولَى هُوَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَة لَكِنْ تَجِبُ نِيَّةُ الْإِمَامَة فِي الْمُعَادَة فِي وَقْتِ الْكَرَاهَة.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مُطْلَقًا وَقَدْ حَرَّرْت ذَلِكَ مَعَ فَوَائِدَ نَفِيسَةٍ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ حَاصِلُ بَعْضِهَا وَتُسَنُّ الْإِعَادَة وَلَوْ فِي صُبْحٍ أَوْ عَصْرٍ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ ﷺ طَلَبَهَا إيمَاءً فِي الصُّبْحِ وَصَرِيحًا فِي الْعَصْرِ وَتُسَنُّ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ إمَامُ الْأُولَى أَكْمَلَ؛ لِأَنَّهُ ﷺ طَلَبَهَا مَعَ كَوْنِهِ الْإِمَامَ فِي الْأُولَى وَلَا نَظَرَ لِوَقْتِ الْكَرَاهَة؛ لِأَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ لَهَا سَبَبٌ وَهُوَ حِيَازَةُ الْجَمَاعَة لِمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا وَرَجَاءُ حِيَازَةِ فَضِيلَةٍ أُخْرَى لِمَنْ صَلَّى جَمَاعَةً وَقَضِيَّته أَنَّ مَحَلَّ نَدْبِ الْإِعَادَة إذَا لَمْ يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِإِمَامِ الْمُعَادَة فَإِنْ كُرِهَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ لَمْ تَجُزْ الْإِعَادَة خَلْفَهُ لِعَدَمِ الْفَضِيلَة حِينَئِذٍ سَوَاءٌ كَانَ مُبْتَدِعًا أَمْ فَاسِقًا أَمْ غَيْرَهُمَا إذْ كُلُّ مَكْرُوهٍ مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَة يَمْنَعُ فَضِيلَتَهَا.
وَمِنْ ثَمَّ بَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ كَالْأَذْرَعِيِّ أَنَّ مَحَلَّ سَنِّ الْإِعَادَة مَعَ جَمَاعَةٍ إذَا كَانُوا فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ تُكْرَهُ إقَامَةُ الْجَمَاعَة فِيهِ ثَانِيًا وَمَحَلَّ نَدْبِهَا مَعَ الْمُنْفَرِدِ إذَا اعْتَقَدَ الْمُنْفَرِدُ إبَاحَتَهَا أَوْ نَدْبَهَا وَإِلَّا امْتَنَعَتْ لِانْتِفَاءِ الْفَرْضِيَّةِ. إذْ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْمُخَالِف مَكْرُوهَةٌ مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَة وَيَلْزَمُ مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ أَعَادَهَا إمَامًا لِأُخْرَى وَقْتَ الْكَرَاهَة نِيَّةُ الْإِمَامَة؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُجَوِّزَ لِلْإِعَادَةِ حِينَئِذٍ حَوْزُ الْفَضِيلَة وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى نِيَّةِ الْإِمَامَة فَمَعَ عَدَمِهَا يَكُونُ نَفْلًا لَا سَبَبَ لَهُ بَلْ لَا يُبْعِدُ وُجُوبَ نِيَّةِ الْإِمَامَة مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْإِعَادَة فِي هَذِهِ حَوْزُ الْفَضِيلَة وَهُوَ مُنْتَفٍ حَيْثُ انْتَفَتْ نِيَّةُ الْإِمَامَة أَمَّا لَوْ أَعَادَ مَعَ مُنْفَرِدٍ أَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا ثُمَّ أَعَادَ مَعَ جَمَاعَةٍ فَلَا يَلْزَمُ نِيَّةُ الْإِمَامَة فِيهِمَا؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ الثَّوَابِ لِلْمُنْفَرِدِ فِي الْأُولَى وَحُصُولُ صُورَةِ الْجَمَاعَة فِي الثَّانِيَة مَطْلُوبٌ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ سَبَبًا مُخْرِجًا لِصَلَاتِهِ الْمُعَادَة عَنْ كَوْنِهَا نَفْلًا لَا سَبَبَ لَهُ أَوْ لَا مُقْتَضَى لِإِعَادَتِهَا ثُمَّ رَأَيْت الْجَلَالَ الْبُلْقِينِيُّ.
قَالَ لَوْ دَخَلَ إلَى مَحَلٍّ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الصُّبْحَ أَوْ الْعَصْرَ وَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ إمَامًا وَيُصَلِّيَ مَعَهُ مَنْ حَضَرَ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ لِصَلَاةٍ لَا سَبَبَ لَهَا فِي وَقْتِ الْكَرَاهَة بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَأْمُومًا اهـ. وَيَتَعَيَّن حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَة لِمَا قَدَّمْته وَالزَّرْكَشِيُّ قَالَ لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا ثُمَّ أَرَادَ إعَادَتَهَا بِجَمَاعَةٍ وَلَمْ يَنْوِ الْإِمَامَة لَمْ يُسْتَحَبّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُعِيدًا مُنْفَرِدًا بِلَا سَبَبٍ وَالْأَذْرَعِيُّ سَبَقَهُ لِذَلِكَ بِزِيَادَةٍ فَقَالَ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا صَلَّى مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ أَرَادَ إعَادَتَهَا مَعَ جَمَاعَةٍ تُقَامُ وَيَكُونُ هَذَا إمَامَهُمْ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ بِهِ الْإِعَادَة عَلَى الرَّاجِحِ إلَّا أَنْ يَنْوِي الْإِمَامَة إذْ لَا تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَة مُنْفَرِدًا بِلَا سَبَبٍ يَقْتَضِيهَا اهـ. وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامَة مُطْلَقًا وَلَوْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَة وَمَشَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْيَمَنِيِّينَ اهـ. حَاصِلُ مَا أَرَدْت نَقْلَهُ مِنْ شَرْحِ الْعُبَابِ لِمَزِيدِ الْفَائِدَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ شُرُوطِ الْإِمَامَة وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا كَانَ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ بَابٌ نَافِذٌ مَفْتُوحٌ عُلْوِيٌّ يَمْنَعُ الْمُرُورَ أَوْ كَانَ بِهِ شُبَّاكٌ يُغْلَقُ عُلْوِيٌّ أَوْ سُفْلِيٌّ يَمْنَعُ الْمُرُورَ أَيْضًا أَوْ كَانَ لَهُ بَابٌ سُفْلِيٌّ مَفْتُوحٌ لَا يَمْنَعُ الْمُرُورَ وَلَا الرُّؤْيَةَ ثُمَّ جُعِلَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ دُونَ الْمُرُورِ أَوْ رُدَّ بَعْضُهُ أَوْ سُتِرَ بَعْضُهُ بِالثَّوْبِ بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ فَهَلْ تَصِحُّ قُدْوَةُ الْمَأْمُوم بِإِمَامِ الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ خَلْفَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا إذَا كَانَ يُعْلَمُ حَالُ الْإِمَامِ أَوْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ أَنَّ الْخَوْخَةَ كَالشِّبَاكِ
стр. 218
فَتَكُونُ مِمَّا يَمْنَعُ الْمُرُورَ لَكِنْ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى خَوْخَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ عَالِيَةٍ فِي الْجِدَارِ لَا يُتَطَرَّقُ مِنْهَا عَادَةً إذْ الْمَدَارُ عَلَى الِاسْتِطْرَاقِ الْعَادِيِّ وَحَيْثُ وُجِدَ صَحَّتْ الْقُدْوَةُ وَإِلَّا فَلَا كَمَا يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَيْضًا إذَا وَقَفَ الْإِمَامُ عَلَى السَّهْلِ وَالْمَأْمُومُ عَلَى الْجَبَلِ فَإِنْ كَانَ الْجَبَلُ يُمْكِنُ صُعُودُهُ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ إذَا كَانَ مَكَانُ الِارْتِقَاءِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي فِيهَا الْإِمَامُ.
وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ كَانَ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّ الْجَبَلَ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ السُّورِ الْمُنَيَّفِ يَقِفُ عَلَيْهِ الْمُقْتَدِي وَالْإِمَامُ عَلَى الْقَرَارِ اهـ. فَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ فِي السُّورِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِسُهُولَةِ الِاسْتِطْرَاقِ لَا بِإِمْكَانِهِ عَلَى بُعْدٍ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْقَمُولِيِّ فِيمَا لَوْ صَلَّى الْإِمَامُ بِصَحْنِ الْمَسْجِدِ وَالْمَأْمُومُ بِسَطْحِ دَارِهِ وَعَلَى الطَّرِيقَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ إمْكَانِ الِاسْتِطْرَاقِ إلَيْهِمَا وَلَا تَكْفِي الْمُشَاهَدَةُ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ وَلَوْ كَانَ الْمُرُورُ مُمْكِنًا لَكِنْ بِانْعِطَافٍ فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ وَإِلَّا لَصَحَّتْ الصَّلَاةُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ يُمْكِنُ فِيهِ التَّوَصُّل إلَيْهِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ بِانْعِطَافٍ وَبِتَسَوُّرِ جِدَارٍ وَنَحْوِهِمَا وَقَدْ صَحَّحُوا بُطْلَانَ الْخَارِجِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْمُسَامِت لِجِدَارِهِ.
وَإِنْ قَرُبَ مِنْهُ لِحَيْلُولَةِ الْجِدَارِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ أَيْ: وَإِنْ أَمْكَنَ رُقِيُّهُ وَالْوُصُولُ مِنْهُ إلَى الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ اسْتِطْرَاقًا عَادِيًّا. فَإِنْ قُلْت يُخَالِفُ مَا ذُكِرَ قَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ لَوْ كَانَا عَلَى سَطْحَيْنِ صَحَّ اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَارِعٌ عَرِيضٌ؛ لِأَنَّهُ كَالنَّهْرِ وَهُوَ لَا يَضُرُّ. قُلْت لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ يُعَدَّانِ مُجْتَمِعِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَغَايُرَ بَيْنَ بِنَائِهِمَا بِخِلَافِ مَنْ فِي بِنَاءِ جِدَارِهِ جِدَارُ الْمَسْجِدِ فَإِنَّ الْبِنَاءَ مُخْتَلِفٌ فَاشْتُرِطَ سُهُولَةُ الِاسْتِطْرَاقِ مِنْ تِلْكَ الْخَلْوَةِ فِي ذَلِكَ الْجِدَارِ وَلَمَّا تَغَايَرَ بِنَاءُ مَنْ بِالسَّطْحِ وَمَنْ بِقَرَارِ الْمَسْجِدِ اُشْتُرِطَ إمْكَانُ الِاسْتِطْرَاقِ كَمَا مَرَّ عَنْ الْقَمُولِيِّ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ لَكِنَّ إطْلَاقَهُ الْبُطْلَانَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ لِلْمَسْجِدِ. إلَّا بِنَحْوِ انْعِطَافٍ وَازْوِرَارٍ أَيْ: مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْإِمَامِ بِحَيْثُ لَا يُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ.
وَنَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ ابْنِ التِّلْمِسَانِيِّ أَنَّ السِّتْرَ الْمُرْخَى كَالْبَابِ الْمَرْدُود؛ لِأَنَّ الْحَيْلُولَةَ بِهِ تَمْنَعُ الِاجْتِمَاعَ بِخِلَافِ حَيْلُولَةِ نَحْوِ الشَّارِعِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ رَجُلٍ إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَة غَيَّرَ بَعْضَ حُرُوفِهَا فَيَقُولُ فِي الْمُسْتَقِيمِ الْمُصْطَقِيمَ هَلْ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ أَمْ لَا إذَا وُجِدَ أَقْرَأُ مِنْهُ؟ .
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَنْ أَبْدَلَ حَرْفًا مِنْ الْفَاتِحَة لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ بِأَنْ كَانَ يُبْدِلُ ذَلِكَ الْحَرْفَ الَّذِي يُبْدِلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ كَيْفِيَّةِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَقُولُ الْمُصَلِّي أُصَلِّي سُنَّةَ الْعِيدِ. وَكَذَا فِي الْوِتْرِ أُصَلِّي صَلَاةَ الْوِتْرِ وَكَذَا الضُّحَى أَصَلَّى صَلَاةَ الضُّحَى وَكَذَا سُنَّةُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَكَيْفَ يَنْوِي صَلَاةَ الْجِنَازَة وَمَا أَحْسَنَ مَا يَقُولُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّ الْأَوْلَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ سُنَّةُ صَلَاةِ الْعِيدِ أَوْ الْوِتْرِ أَوْ الضُّحَى أَوْ الْكُسُوفِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَوْلَى نِيَّةُ الْوِتْرِ ضَعِيفٌ وَيَجِبُ أَنْ يُعَيِّنَ أَنَّ الْعِيدَ الْأَكْبَرُ أَوْ الْأَصْغَرُ وَأَنَّ الْكُسُوفَ لِلشَّمْسِ أَوْ الْقَمَرِ وَكَيْفِيَّةُ صَلَاةِ الْجِنَازَة أُصَلِّي عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ أَوْ عَلَى فُلَانٍ إنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ الْإِمَامُ فَرْضَ كِفَايَةٍ مَأْمُومًا إنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ لَهُ بَيْتٌ مُلَاصِقٌ لِجِدَارِ الْمَسْجِدِ. وَلَهُ بَابٌ يُفْتَحُ وَيُغْلَقُ مِنْ جِهَةِ الْمَسْجِدِ فَإِذَا كَانَ حَالَ الصَّلَاة وَالْقُدْوَة بِإِمَامِ الْمَسْجِدِ فَتَحَ الْبَابَ لَكِنْ فِي مَوْقِفِهِ لَمْ يَرَ الْإِمَامَ وَلَا بَعْضَ الْمَأْمُومِينَ وَإِنَّمَا يَسْمَعُ الْمُبَلِّغَ فَقَطْ بِالتَّكْبِيرِ فَهَلْ يَكُونُ هَذَا التَّبْلِيغ كَافٍ مِنْ الْمُؤَذِّن أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَتَصِحُّ الْقُدْوَةُ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ وَيَكُونُ الْحُكْمُ أَيْضًا إذَا كَانَ الْإِمَامُ بِالْمَسْجِدِ وَالْمَأْمُومُ خَارِجَهُ بِالشَّارِعِ الْمَطْرُوق أَوْ بِالْفَضَاءِ بِشُرُوطِهِ يَكْفِي التَّبْلِيغ مَعَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ لِلْإِمَامِ أَوْ لِبَعْضِ الْمَأْمُومِينَ وَسَوَاءٌ وَقَفَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ أَحَدٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ كَانَ الْمَأْمُوم فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ اُشْتُرِطَ رُؤْيَتُهُ لِلْإِمَامِ أَوْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ كَالْوَاقِفِ بِبَابِ الْمَسْجِدِ وَلَا يَكْفِي هُنَا سَمَاعُ صَوْتِ الْمُبَلِّغِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ مَا حَقِيقَةُ رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَرِيمِهِ وَهَلْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَمِنْ الْمُهِمِّ بَيَانُ حَقِيقَةِ هَذِهِ الرَّحْبَةِ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ صَاحِبِ الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ أَنَّهَا
стр. 219
مَا كَانَ مُضَافًا إلَى الْمَسْجِدِ مُحْجَرًا عَلَيْهِ لِأَجْلِهِ وَأَنَّهَا مِنْهُ وَأَنَّ صَاحِبَ الْبَيَانِ وَغَيْرَهُ نَقَلُوا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ صِحَّةَ الِاعْتِكَافِ فِيهَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَاب عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَوْ صَلَّى فِيهَا مُقْتَدِيًا بِإِمَامِ الْمَسْجِدِ صَحَّ وَإِنْ حَالَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ يَمْنَعُ الِاسْتِطْرَاقَ؛ لِأَنَّهَا مِنْهُ كَمَا مَرَّ قَالَ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي بِبَابِ جَامِعِ دِمَشْقَ الْمُسَمَّى بِبَابِ السَّاعَات رَحْبَةٌ وَخَالَفَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ ذَاهِبًا إلَى أَنَّهَا صَحْنُ الْمَسْجِدِ وَطَالَ النِّزَاعُ بَيْنَهُمَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَتَأَمَّلْت مَا صَنَعَهُ أَبُو عَمْرٍو وَاسْتِدْلَالَهُ فَلَمْ أَرَ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى الْمَقْصُودِ اهـ. وَلَيْسَتْ تُوجَدُ لِكُلِّ مَسْجِدٍ وَصُورَتُهَا أَنْ يَقِفَ الْإِنْسَانُ بُقْعَةً مَحْدُودَةً مَسْجِدًا ثُمَّ يَتْرُكَ مِنْهَا قِطْعَةً أَمَامَ الْبَابِ فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحْبَةٌ وَكَانَ لَهُ حَرِيمٌ أَمَّا لَوْ وَقَفَ دَارًا مَحْفُوفَةً بِالدُّورِ مَسْجِدًا فَهَذَا لَا رَحْبَةَ لَهُ وَلَا حَرِيمَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِجَانِبِهَا مَوَاتٌ فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ لَهُ رَحْبَةٌ وَحَرِيمٌ وَيَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ تَمْيِيزُهَا مِنْهُ فَإِنَّ لَهَا حُكْمَ الْمَسْجِدِ دُونَهُ وَهُوَ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِطَرْحِ الْقِمَامَاتِ وَالزِّبَالَاتِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِالْمُوَسْوِسِ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاكِّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ صَحِيحَةٌ لَكِنْ قَالَ أَبُو الْفُتُوحِ الْعِجْلِيّ فِي نُكَتِ الْوَسِيطِ إنَّهَا خَلْفَهُ مَكْرُوهَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَشُكُّ فِي أَفْعَالِ نَفْسِهِ وَعَلَيْهِ فَالصَّلَاةُ خَلْفَ غَيْرِهِ أَفْضَلُ وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ جَمَاعَةً قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ وَيَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ عَزْلُهُ؛ لِأَنَّ الْوَسْوَسَةَ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَقَدْ عَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ إمَامًا بَصَقَ فِي الْمَسْجِدِ عَنْ الْإِمَامَةِ اهـ.
وَفِي الْوُجُوبِ نَظَرٌ وَالْحَدِيثُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ لَا الْوُجُوبِ عَلَى أَنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّهُ لَا يَجُوزَ عَزْلُهُ حَيْثُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلَمْ يَضُرَّ بِالْمَأْمُومِينَ بِإِبْطَاءٍ أَوْ تَطْوِيلٍ وَفُرِّقَ بَيْنَ الْوَسْوَسَةِ وَالشَّكِّ بِأَنَّهُ يَكُونُ بِعَلَامَةٍ كَتَرْكِ ثِيَابٍ مِنْ عَادَتِهِ مُبَاشَرَةُ النَّجَاسَةِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ عَادَتُهُ التَّسَاهُلُ فِي إزَالَتِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَهُوَ الطَّهَارَةُ قَدْ عَارَضَهُ غَلَبَةُ النَّجَاسَةِ وَالِاحْتِيَاطُ هُنَا مَطْلُوبٌ بِخِلَافِ الْوَسْوَسَةِ فَإِنَّهَا الْحُكْمُ بِالنَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ عَلَامَةٍ بِأَنْ لَمْ يُعَارِضْ الْأَصْلَ شَيْءٌ كَإِرَادَةِ غَسْلِ ثَوْبٍ جَدِيدٍ أَوْ اشْتَرَاهُ احْتِيَاطًا وَذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَالِاحْتِيَاطُ حِينَئِذٍ تَرْكُ هَذَا الِاحْتِيَاطِ وَبِأَنَّ الْمُوَسْوِسَ يُقَدِّرُ مَا لَمْ يَكُنْ كَائِنًا ثُمَّ يَحْكُمُ بِحُصُولِهِ كَأَنْ يَتَوَهَّمَ وُقُوعَ نَجَاسَةٍ بِثَوْبِهِ ثُمَّ يَحْكُمُ بِوُجُودِهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ظَاهِرٍ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي الْفُتُوحِ الْعِجْلِيّ الْوَسْوَسَةُ تَقْدِيرُ مَا لَمْ يَكُنْ إنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ ثُمَّ يَحْكُمُ بِكَوْنِهِ كَائِنًا حَتَّى يَكُونَ الْوَاجِبُ غَسْلَهُ عِنْدَهُ.
وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُوَسْوِسِينَ يُحْرِمُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيُحْرِمُ وَهَكَذَا وَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَ حَرَامَيْنِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ إنْ كَانَتْ قَدْ صَحَّتْ حَرُمَ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَإِنْ قَالَ بِهِ كَثِيرُونَ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ؛ لِأَنَّهُ تَلَبُّسٌ بِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ رَأَى عَلَى نَحْوِ بَدَنِ فَاسِقٍ نَجَاسَةً ثُمَّ رَآهُ يُصَلِّي فَهَلْ لَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ صِحَّةُ صَلَاتِهِ وَإِنْ كَانَ لَوْ أَخْبَرَ بِطَهَارَةِ ثَوْبِهِ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ تَعْرِيفِ الْمَسْبُوقِ بِمَنْ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنًا يَسَعُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ هَلْ ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ أَمْ بِقِرَاءَةٍ مُعْتَدِلَةٍ إذَا كَانَ هُوَ بَطِيءَ الْقِرَاءَة؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَسْبُوقِ وَالْمُوَافِقِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالِ الشَّخْصِ نَفْسِهِ فِي السُّرْعَةِ وَالْبُطْء وَاَلَّذِي رَجَّحْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَبَيَّنْته فِي غَيْرِهِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ إنَّ الْمُوَافِقَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ كَأَنْ كَانَ بَطِيءَ الْقِرَاءَةِ يَتَخَلَّفُ لِإِتْمَامِهَا مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَر مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ وَلَوْ اعْتَبَرُوا قِرَاءَةَ نَفْسِهِ لَكَانَ مَسْبُوقًا وَهُوَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّخَلُّف.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الْمَأْمُومِ إذَا الْتَبَسَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي حَالِ كَوْنِهِ مُوَافِقًا أَوْ مَسْبُوقًا مَاذَا يَفْعَلُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا شَكَّ الْمَأْمُومُ هَلْ هُوَ مُوَافِقٌ أَوْ مَسْبُوقٌ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا مُنْذُ سِنِينَ مَعَ تَطَلُّبِهِ وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي الْآنَ فِيهِ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ تَعَارَضَ مَعَهُ وَاجِبَانِ وَأَصْلَانِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ وَقَضِيَّته وُجُوبُ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ وَعَدَمُ جَوَازِ التَّخَلُّف لِإِتْمَامِهَا كَمَنْ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ مَسْبُوقٌ وَالْأَصْلُ أَيْضًا أَنَّ الْمَأْمُومَ مُخَاطَبٌ بِالْفَاتِحَةِ وَأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ حَتَّى يَتَحَقَّق أَنَّهُ مَسْبُوقٌ
стр. 220
وَقَضِيَّتُهُ وُجُوبُ التَّخَلُّف لِإِكْمَالِ الْفَاتِحَةِ وَعَدَمُ جَوَازِ الْمُتَابَعَةِ وَإِذَا تَعَارَضَ أَصْلَانِ وَوَاجِبَانِ وَلَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا أَوْ كَانَ مُرَجِّحُ أَحَدِهِمَا ضَعِيفًا أَوْ أَمْكَنَ إلْغَاؤُهُمَا وَالْعَمَلُ بِغَيْرِهِمَا وَجَبَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي مَوَاضِع كَثِيرَةٍ وَحِينَئِذٍ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ لِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ وَتَكُونُ مُفَارَقَةً بِعُذْرٍ فَلَا تَفُوتُ عَلَيْهِ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَة وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ جَعَلَ نَفْسَهُ مَسْبُوقًا عَمَلًا بِالْأَصْلِ الْأَوَّلِ فَوَّتَ وُجُوبَ تَكْمِيلِ الْفَاتِحَةِ نَظَرًا لِلْأَصْلِ الثَّانِي أَوْ مُوَافِقًا نَظَرًا لِلْأَصْلِ الثَّانِي فَوَّتَ وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ نَظَرًا لِلْأَصْلِ الْأَوَّلِ وَلَا مَخْرَجَ عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِمَا قُلْنَاهُ. فَإِنْ قُلْت إسْقَاطُ الْفَاتِحَةِ أَوْ بَعْضِهَا عَنْ الْمَسْبُوقِ وَإِدْرَاكُهُ الرَّكْعَةَ رُخْصَةٌ فَلَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ فَلِمَ لَمْ يَجْعَلُوهُ مُوَافِقًا قُلْت وَاغْتِفَارُ تَخَلُّفِ الْمُوَافِقِ بِأَكْثَر مِنْ رُكْنَيْنِ رُخْصَةٌ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِيَقِينٍ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا صُورَتُهُ فَرِّقْ مَنْ يَأْتِي بَيْنَ الشَّكِّ وَالْوَسْوَاسِ؟ فَقَالَ إنَّ مَا يَخْتَصُّ وُقُوعُهُ بِالْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ فَهُوَ وَسْوَاس لَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَمَا يَقَعُ فِي الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ عَلَى السَّوَاءِ فَهُوَ الشَّكُّ وَكُلّ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ مُتَعَاطِي الْعِبَادَةِ أَنَّهُ يَقَعُ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ فَذَلِكَ هُوَ الْوَسْوَاسُ وَلَيْسَ بِسَهْوٍ وَحُكْمُ السَّهْوِ أَنَّهُ يَجِبُ تَدَارُكُهُ وَأَمَّا الْوَسْوَاسُ فَيَجِبُ تَرْكُهُ.
وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِلنَّوَوِيِّ لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِالْوَسْوَاسِ وَالظَّنُّ عِبَارَةٌ عَنْ اعْتِيَادِ شَيْءٍ بِالتَّكْرَارِ وَهُوَ ثَلَاثُ مَرَّات فَمَا فَوْقُ وَالْعِبَادَاتُ عِبَارَةٌ عَنْ امْتِثَالِ الْأَوَامِر وَاجْتِنَابِ النَّوَاهِي وَالْأَوَامِرُ هِيَ الْوَاجِبُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالْمَنَاهِي الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَتَذَكَّرَ مَا مَضَى مِنْ عِبَادَتِهِ وَإِنْ قَرُبَ الْعَهْدُ بِهِ حَتَّى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَذَكَّرَ الْبَسْمَلَةَ بَعْدَ أَنْ صَارَ فِي الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَذَكَّرَ الرُّكُوعَ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ فِي الِاعْتِدَالِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَإِذَا شَرَعَ الْمُصَلِّي فِي الْإِقَامَةِ ذَاكِرًا لِلصَّلَاةِ الَّتِي يُرِيدُ الشُّرُوعَ فِيهَا فَلَا تَعْزُبُ تِلْكَ النِّيَّةُ وَلَا يُمْكِنُ نِسْيَانُهَا إلَّا لِهُجُومِ حَادِثٍ عَظِيمٍ وَمَنْ عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ حِفْظَ أَشْيَاء وَذَكَرَهَا ثُمَّ اعْتَرَاهُ نِسْيَانٌ فِي شَيْءٍ مَخْصُوصٍ فَذَلِكَ هُوَ الْوَسْوَاسُ الَّذِي يَنْبَغِي تَرْكُهُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا يَعْتَادُ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ حِفْظِ أَشْيَاء وَعَدَمِ نِسْيَانِهَا فَذَلِكَ مِثْلُهَا وَمُجَرَّدُ التَّكْبِيرِ كَافٍ فِي انْعِقَادِ الصَّلَاةِ اهـ. مَا أَوْرَدَهُ سَيِّدُنَا الْفَقِيهُ الْعَلَّامَة عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ مُحَرِّمُهُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَرَحِمَهُ مِنْ الضَّابِطِ وَالْمَسْئُولِ مِنْ سَيِّدِي حَفِظَهُ اللَّهُ وَزَادَهُ عِلْمًا وَنُورًا وَتَوْفِيقًا وَكَمَالًا أَنْ يَشْرَحَ جَمِيعَ الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ بِبَسْطٍ وَإِيضَاحٍ وَتَمْثِيلٍ خُصُوصًا عَلَى قَوْلِهِ.
وَكُلُّ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ مُتَعَاطِي الْعِبَادَةِ أَنَّهُ يَقَعُ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ. وَقَوْلِهِ وَالظَّنُّ عِبَارَةٌ إلَخْ وَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّاشِيُّ فِي الْحِلْيَةِ الْجَامِعَةِ لِأَقَاوِيلِ الْعُلَمَاء مَا لَفْظُهُ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ شَكُّهُ فِي ذَلِكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ الشَّكُّ يَعْتَادُهُ وَيَتَكَرَّرُ لَهُ بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ فَإِنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ ظَنٌّ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ اهـ. وَقَوْلِهِ فِي الضَّابِطِ وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَتَذَكَّرَ مَا مَضَى مِنْ عِبَادَتِهِ إلَخْ هَلْ مُرَادُهُ لَا يَجِبُ مَا لَمْ يَعْرِضْ لَهُ الشَّكُّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ أَوْ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ تَرْكُهُ أَوْ مُطْلَقًا حَتَّى لَوْ شَكَّ لَمْ يَبْنِ عَلَى الْأَقَلِّ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ.
وَمَا الْحُكْمُ لَوْ كَانَ الشَّكُّ بِسَبَبِ مُشَوِّشٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنْ لَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ الشَّكُّ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَمَّا الضَّابِطُ الْمَذْكُورُ فَأَكْثَرُهُ لَا يُوَافِقُ كَلَامَ أَئِمَّتِنَا فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَبَيَانُهُ أَنَّ تَخْصِيصَهُ الْوَسْوَاسَ وَالشَّكَّ بِالْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَجْرِي فِي كُلٍّ مِنْ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ الْوَسْوَاسَ بِقَوْلِهِ: وَكُلُّ مَا غَلَبَ إلَخْ فَمَمْنُوعٌ وَكَذَا قَوْلُهُ وَأَمَّا الْوَسْوَاسُ فَيَجِبُ تَرْكُهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَسْوَاسُ إمَّا مَذْمُومٌ وَهُوَ الْعَمَلُ بِكُلِّ مَا طَرَقَ الذِّهْنَ أَوْ يَتَخَيَّلهُ الْوَهْمُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَقَامَ الْأَئِمَّةُ النَّكِيرَ عَلَى فَاعِلِهِ وَأَكْثَرُوا مِنْ ذَمِّهِ وَتَقْبِيحِ طَرِيقِهِ وَذَمِّ مَا هُوَ عَلَيْهِ بَلْ شَبَّهَ بَعْضُهُمْ مَنْ هَذِهِ طَرِيقَتُهُ بِقَوْمٍ مِنْ كُفَّارِ الْهِنْدِ الْمُتَغَالِينَ فِي كُفْرِهِمْ حَتَّى أَنْكَرُوا جَمِيعَ الْحَقَائِق الْمَوْجُودَة الْمُشَاهَدَةِ بِالْحِسِّ وَقَالُوا إنَّهَا كُلَّهَا خَيَالٌ وَبَاطِلٌ وَفَرَّعُوا عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ مِنْ الْقَبَائِح الشَّنِيعَةِ الَّتِي يَبْرَأُ عَنْهَا السَّمْعُ وَلَا يَقُولُ بِهَا عَاقِلٌ مَا إهْمَالُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ.
стр. 221
فَالْمُوَسْوِسُونَ كَهَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ مِنْهُمْ كَمَا شَاهَدْنَاهُ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجْعَلُ يَدَهُ أَوْ بَدَنَهُ دَاخِلَ الْمَاءِ وَلَا يَزَالُ يَغْمِسُهَا الْمَرَّات الْكَثِيرَةَ الَّتِي تَزِيدُ عَلَى الْمِائَةِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ ارْتِفَاعَ حَدَثِهَا بَلْ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ وَلَا يَتَيَقَّنُ رَفْعَ حَدَثٍ كَمَا حَكَى لِي بَعْضُ الثِّقَات أَنَّ مُوَسْوِسَيْنِ أَجْنَبَا فَخَرَجَا إلَى بَحْرِ النِّيلِ لِيَغْتَسِلَا فِيهِ فَوَصَلَا إلَيْهِ بَعْدَ الْفَجْرِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ انْزِلْ انْغَمِسْ فِي الْمَاءِ وَأَنَا أَعُدُّ لَك وَأُخْبِرُك هَلْ عَمَّ الْمَاءُ رَأْسَك أَوْ لَا فَنَزَلَ وَاسْتَمَرَّ يَنْغَمِسُ وَذَلِكَ يَقُولُ لَهُ بَقِيَ عَلَيْك شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ رَأْسِك لَمْ يَعُمّهُ الْمَاءُ فَلَا زَالَ كَذَلِكَ إلَى قُرْبِ الظُّهْرِ فَتَعِبَ وَطَلَعَ مِنْ الْمَاءِ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ رَفْعَ جَنَابَتِهِ ثُمَّ قَالَ لِلْآخَرِ انْزِلْ وَأَنَا أَعُدُّ لَك فَنَزَلَ وَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ الْأَوَّلُ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ كَمَا قَالَ لَهُ وَاسْتَمَرَّ إلَى قُرْبِ الْغُرُوبِ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ أَيْضًا رَفْعَ جَنَابَتِهِ فَطَلَعَ وَرَجَعَا شَاكَّيْنِ فِي بَقَاءِ جَنَابَتِهِمَا وَتَرَكَا صَلَاةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَهَذَا يُشْبِهُ طَرِيقَةَ الْكَفَرَةِ الْمَذْكُورِينَ وَاعْتِقَادَهُمْ بَلْ أَقْبَحُ وَأَفْحَشُ وَقَدْ قَوِيَ الْوَسْوَاسُ عَلَى بَعْضِ مَنْ أَدْرَكْته حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ عِيَالِهِ وَأَوْلَادِهِ فَارًّا عَلَى وَجْهِهِ فِي الْبَرَارِي فَلَمْ يُدْرَ لَهُ الْآنَ مَكَانٌ وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ خَبَرٌ وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ دَاءٌ عُضَالٌ قَلَّ مَنْ يَقَعُ فِي وَرْطَتِهِ وَيَنْجُو مِنْهَا وَالْجُنُونُ دُونَهُ بِكَثِيرٍ فَإِنَّهُ يُنْحِلُ الْبَدَنَ وَيُذْهِبُ الْعَقْلَ بَلْ وَالْإِدْرَاكَ وَالْفَهْمَ وَيَصِيرُ الْمُبْتَلَى بِهِ كَالْبَهِيمَةِ لَا يَهْتَدِي لِخَيْرٍ قَطُّ.
وَلَا تَصِحُّ لَهُ عِبَادَةٌ عَلَى مَذْهَبِ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ لِاسْتِيلَاءِ الشَّيْطَانِ عَلَى فِكْرِهِ وَجَعْلِهِ سُخْرِيَةً وَهُزُءًا يَلْعَبُ بِهِ كَيْفَ أَرَادَ وَقَدْ شَاهَدْت أَيْضًا مَنْ لَهُ فِطْنَةٌ وَذَكَاءٌ وَفَهْمٌ دَقِيقٌ فِي الْعُلُومِ وَجَمَالٌ مُفْرِطٌ اُبْتُلِيَ بِهِ حَتَّى انْتَحَلَ وَتَغَيَّرَتْ صُورَتُهُ الْآدَمِيَّةُ وَتَوَحَّشَ وَاعْتَزَلَ النَّاس جُمْلَة وَلَمْ يَصِرْ لَهُ مَأْوًى إلَّا بُيُوت الْأَخْلِيَةِ وَالْمَاء الَّذِي عِنْدهَا فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَنْكَرَهُ الْأَئِمَّةُ وَبَالَغُوا فِيهِ وَهُوَ حَقِيقٌ بِذَلِكَ وَقَدْ قَالَ فِي الْمَجْمُوع مِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ غَسْلُ الثَّوْبِ الْجَدِيدِ.
وَقَدْ قَالُوا يُكْرَهُ إمَامَةُ الْمُوَسْوِسِ. وَأَمَّا مَحْمُودٌ وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ لِلْعِبَادَةِ بِأَنْ لَا يُوقِعَهَا إلَّا عَلَى وَجْهٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَنْبَغِي الْوَرَعُ فِي الْعِبَادَاتِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ طَرِيقَةَ السَّلَفِ فَقَدْ كَانُوا يَمْشُونَ حُفَاةً وَيُصَلُّونَ مِنْ غَيْرِ غَسْلِ أَرْجُلِهِمْ وَقَدْ أَكَلَ ﷺ فِي أَوَانِي الْمَجُوسِ وَلَبِسَ جُبَّةً مِنْ نَسْجِهِمْ وَأَحْوَالُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ شَهِيرَةٌ لَا تَخْفَى عَلَى الْمُوَفَّقِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَأُحِبُّ أَنْ يُغْسَلَ حَصَى الْجِمَارِ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَحَلَّ كَوْن غَسْلِ الثَّوْبِ الْجَدِيدِ مَذْمُومًا مَا لَمْ يَغْلِبْ احْتِمَالُ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَقَوْلُهُ وَالظَّنُّ إلَخْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا بَلْ الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ الطَّوَافُ الرَّاجِحُ سَوَاءٌ كَانَ الرُّجْحَان نَشَأَ مِنْ التَّكْرَارِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ إلَخْ صَحِيحٌ وَالْكَلَامُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَة فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّفَ التَّذْكِيرِ وَلَا أَنْ يُخْطِرَهُ بِبَالِهِ.
وَأَمَّا إذَا وَقَعَ التَّذَكُّرُ فَوَاضِحٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُبْهَمٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِقَضِيَّتِهِ وَأَمَّا إذَا وَقَعَ التَّرَدُّدُ فَإِنْ زَالَ فَوَاضِحٌ أَيْضًا أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَزُلْ وَكَانَ فِي وَاجِبٍ تَعَيَّنَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِقَضِيَّتِهِ سَوَاءٌ كَانَ وَهْمًا أَيْ: طَرَفًا مَرْجُوحًا أَمْ ظَنًّا أَيْ: طَرَفًا رَاجِحًا أَمْ شَكًّا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ سَوَاءٌ أَنَشَأَ مِنْ سَبَبٍ مُشَوَّشٍ أَمْ لَا وَمَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُوَافِقُ عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ.
وَقَوْلُهُ وَإِذَا شَرَعَ الْمُصَلِّي إلَخْ غَيْرُ صَحِيحٍ كَيْفَ وَقَدْ أَجْمَعَ أَئِمَّتُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ التَّحَرُّم وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمُقَارَنَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوص وَقَدْ تَعْزُبُ النِّيَّةُ لِشِدَّةِ اشْتِغَالِ النَّفْسِ أَوْ تَعَلُّقِهَا بِمَأْلُوفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلِذَا لَمْ يَكْتَفُوا بِوُجُودِهَا عِنْدَ الْمُقَدِّمَاتِ بَلْ اشْتَرَطُوا وُجُودَهَا حَقِيقَةً عِنْدَ أَوَّلِ الْمَقَاصِدِ. وَقَوْلُهُ وَقَدْ عَرَفَ نَفْسَهُ إلَخْ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا تَقَرَّرَ أَوَّلًا عَلَى أَنَّ حَصْرَهُ الْوَسْوَاسَ فِي هَذَا مُخَالِفٌ لِتَعْرِيفِهِ لَهُ بِمَا ذَكَرَهُ وَإِلَّا فَكِلَا الْأَمْرَيْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَكَذَا قَوْلُهُ وَمُجَرَّدُ التَّكْبِيرِ إلَخْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الْقُدْوَةِ بِمَنْ شَكَّ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ لِأَجْلِ قِلَّةِ مُحَافَظَتِهِ عَلَى شَرَائِطِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا هَلْ تَصِحُّ الْقُدْوَةُ بِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّ الْقُدْوَةَ تَصِحُّ بِمَنْ ذُكِرَ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهُ ارْتَكَبَ مُبْطِلًا لِصَلَاتِهِ فِي اعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ
стр. 222
شَخْصٍ رَأَى مُصَلِّيًا جَالِسًا فَظَنَّ أَنَّهُ فِي التَّشَهُّدِ وَأَرَادَ الِاقْتِدَاءَ بِهِ فَأَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ وَجَلَسَ مَعَهُ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ جُلُوسَ ذَلِكَ الْمُصَلِّي بَدَلٌ عَنْ الْقِيَامِ لِعَجْزِهِ عَنْهُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ الْقِيَامُ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ وَقَامَ فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَسْبُوقِ أَوْ حُكْمَ الْمُوَافِقِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْبُوقِ قِيَاسًا عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ مَشَايِخِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الشَّهِيرَة بِطُولِ النِّزَاعِ فِيهَا وَهِيَ أَنْ يَظُنّ عِنْدَ سَمَاعِ التَّكْبِيرِ أَنَّهُ لِلتَّشَهُّدِ فَيَجْلِسُ ثُمَّ يَتَذَكَّرُ عِنْدَ تَكْبِيرِ الرُّكُوعِ. فَأَفْتَى شَيْخُنَا خَاتِمَةُ الْمُتَأَخِّرِينَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا وَالْكَمَالُ الرَّدَّادُ شَارِحُ الْإِرْشَادِ وَصَاحِبُ الْعُبَابِ وَالْكَمَالُ الْقَادِرِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَسْبُوقِ وَأَفْتَى السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ وَالْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ وَالشَّمْسُ الْجَوْجَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّهُ كَالْمُوَافِقِ وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ كَالسَّاهِي عَنْ الْقِرَاءَة حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ وَلَيْسَ كَالسَّاهِي عَنْ الْقُدْوَةِ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَهُ ذِكْرٌ فَغَلَطُهُ إنَّمَا يَلْحَقُ بِالنَّاسِي لِلْقِرَاءَةِ يُرَدُّ بِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَأْمُوم فِي صُورَةِ النِّزَاعِ وَبَيْنَ السَّاهِي عَنْ الْقِرَاءَة فَإِنَّ السَّاهِيَ عَنْهَا أَدْرَكَ مَحَلَّ الْقِرَاءَة بِالْفِعْلِ فَلَزِمَهُ التَّخَلُّف لَهَا وَغَايَةُ عُذْرِهِ أَنَّهُ مَنَعَ الْبُطْلَانَ بِتَخَلُّفِهِ بِخِلَافِ الْمَأْمُوم فِي مَسْأَلَتنَا وَنَظِيرَتهَا فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَحَلَّ الْقِرَاءَة بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ظَنَّ الْإِمَامَ جَالِسًا لِلتَّشَهُّدِ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي ظَنِّهِ الْإِتْيَان بِالْجُلُوسِ فَانْتِقَاله إلَيْهِ كَانْتِقَالِ الْمَزْحُوم لِلْجَرْيِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَكَمَا أَنَّ الْمَزْحُوم بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السُّجُودِ يَكُونُ كَالْمَسْبُوقِ لِعُذْرِهِ بِإِلْزَامِهِ بِالتَّخَلُّفِ الْمُفَوِّت عَلَيْهِ مَحَلَّ الْقِرَاءَة كَذَلِكَ الْمَأْمُوم فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا تَخَلَّفَ لِوَاجِبٍ عَلَيْهِ فِي ظَنِّهِ فَإِذَا فَاتَ بِسَبَبِهِ إدْرَاكُ مَحَلِّ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَة سَقَطَتْ عَنْهُ قِيَاسًا عَلَى الْمَزْحُوم بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا وَجَبَ عَلَيْهِ التَّخَلُّف حَتَّى فَاتَ مَحَلُّ الْقِرَاءَة.
فَإِنْ قُلْت يُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْمَزْحُوم مُطَابِقٌ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَهُنَا إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِظَنِّهِ فَقَطْ عَلَى أَنَّهُ بَانَ خَطَؤُهُ وَالظَّنّ وَحْده لَا عِبْرَة بِهِ فِي الْعِبَادَات وَإِنْ لَمْ يَبِنْ خَطَؤُهُ فَمَا بَالُك وَقَدْ بَانَ خَطَؤُهُ قُلْت مَحَلُّ عَدَمِ اعْتِبَارِ الظَّنِّ إنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ.
وَأَمَّا مَا سَقَطَ بِهِ كَالْفَاتِحَةِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ الظَّنُّ إذَا مَنَعَهُ مِنْ إدْرَاكِ مَحَلِّهِ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْذَار وَمِنْ ثَمَّ اتَّجَهَ الْفَرْقُ بَيْنَ السَّاهِي عَنْ الْقِرَاءَة وَعَنْ الْقُدْوَةِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ أَدْرَكَ مَحَلَّهَا بِالْفِعْلِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ السَّهْوُ بِخِلَافِ الثَّانِي فَكَانَ غَايَةُ الظَّنِّ أَنَّهُ كَالسَّهْوِ. وَأَلْحَقْنَاهُ بِالسَّهْوِ عَنْ الْقُدْوَةِ كَالْقِرَاءَةِ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ مَنْعٌ مِنْ إدْرَاكِ مَحَلِّ الْقِرَاءَة بِالْفِعْلِ عَلَى أَنَّ لَنَا أَنْ نَقُولَ إنَّ كَلَامَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الزَّحْمَةِ شَامِلٌ لِمَنْ ظَنَّ الزَّحْمَةَ فَتَخَلَّفَ ثُمَّ بَانَ أَنْ لَا زَحْمَةَ فَيَجْرِي عَلَى تَرْتِيبِ صَلَاةِ نَفْسِهِ وَإِذَا لَمْ يَقُمْ إلَّا وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ سَقَطَتْ عَنْهُ الْفَاتِحَة أَوْ وَالْإِمَامُ قَرِيبٌ مِنْ الرُّكُوعِ سَقَطَ عَنْهُ بَعْضُهَا وَحِينَئِذٍ فَيَنْدَفِعُ الْقَوْلُ بِإِمْكَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ أَصْلِهِ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ مَنْ نَامَ مُتَمَسِّكًا فِي تَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ فَانْتَبَهَ فَوَجَدَ إمَامَهُ رَاكِعًا تَخَلَّفَ وَجَرَى عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ كَالنَّاسِي لِلْقِرَاءَةِ وَلَا يَتَحَمَّلُ الْإِمَامُ عَنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَسْبُوقًا. وَلَا فِي حُكْمِهِ؛ لِأَنَّ تَخَلُّفَهُ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَبِهِ فَارَقَ مَا مَرَّ فِي مَسْأَلَتنَا وَرُبَّمَا يُنْسَبُ فِيهِ إلَى تَقْصِير وَبِهِ فَارَقَ مَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ السَّاهِي عَنْ الْقُدْوَةِ.
وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّ مَنْ تَخَلَّفَ لِإِكْمَالِ تَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِقِيَامِ إمَامِهِ فَلَمْ يَقُمْ إلَّا وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ أَوْ قَرِيبٌ مِنْ الرُّكُوعِ لَزِمَهُ التَّخَلُّف لِقِرَاءَةِ قَدْرِ مَا فَوَّتَهُ مِنْ الْفَاتِحَة لِتَقْصِيرِهِ بِاشْتِغَالِهِ عَنْ الْوَاجِبِ مِنْ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَة بِالنِّسْبَةِ فَهُوَ أَشَدُّ تَقْصِيرًا مِنْ مَأْمُومٍ اشْتَغَلَ بِافْتِتَاحٍ أَوْ تَعَوُّذٍ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الْإِمَامِ إذَا تَرَكَ الْفَاتِحَة سَهْوًا فِي صَلَاةٍ جَهْرِيَّةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمَأْمُوم بِذَلِكَ فَتَابَعَهُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ نَظِيرَ مَا قَالُوهُ فِيمَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ إمَامٍ بِظَاهِرِ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَة فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَإِنْ بَعُدَ عَنْ الْإِمَامِ بِحَيْثُ لَا يَرَاهَا أَوْ كَانَ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ كَانَ أَعْمَى وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِنِسْبَتِهِ إلَى نَوْعِ تَقْصِيرٍ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ
стр. 223
لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَة نَظِيرَ مَا قَالُوهُ أَيْضًا لَوْ اقْتَدَى الْمَأْمُوم بِالْإِمَامِ فِي رَكْعَةٍ أَصْلِيَّةٍ فَبَانَ الْإِمَامُ سَاهِيًا فِي إتْيَانِهِ بِزَائِدَةٍ قَامَ إلَيْهَا فَقَامَ مَعَهُ جَاهِلًا زِيَادَتَهَا وَأَتَى بِأَرْكَانِهَا كُلِّهَا فَإِنَّهَا تُحْسَبُ لَهُ إذْ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ لِخَفَاءِ الْحَالِ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ أَشْكَلَ الثَّانِي وَإِنْ قُلْتُمْ بِالثَّانِي أَشْكَلَ الْأَوَّلُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَة كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ حَيْثُ قَالُوا لَوْ بَانَ أَنَّ إمَامَهُ تَرَكَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَام وَلَوْ سَهْوًا لَزِمَ الْمَأْمُوم الْإِعَادَة بِخِلَافِ مَا لَوْ بَانَ أَنَّهُ تَرَكَ النِّيَّةَ؛ لِأَنَّ تَرْكَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَام لَا يَخْفَى فَيُنْسَبُ الْمَأْمُوم إلَى تَقْصِيرٍ بِخِلَافِ تَرْكِ النِّيَّةِ فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي مَسْأَلَتنَا فَإِنَّ الْفَاتِحَة وَتَكْبِيرَة الْإِحْرَام عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فَإِذَا أَلْزَمُوهُ بِالْإِعَادَةِ فِي تَرْكِ التَّحَرُّم وَلَوْ سَهْوًا فَكَذَلِكَ نُلْزِمُهُ فِي تَرْكِ الْفَاتِحَة لِاسْتِوَائِهِمَا فِي أَنَّ تَرْكَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يَخْفَى سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ سِرِّيَّةً أَمْ جَهْرِيَّةً إذْ التَّحَرُّم لَا فَرْقَ فِي تَرْكِهِ بَيْنَ السِّرِّيَّة وَالْجَهْرِيَّة لَا يُقَالُ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ تَرْكَ التَّحَرُّم يُوجِبُ عَدَمَ الِانْعِقَادِ بِخِلَافِ تَرْكِ الْقِرَاءَة؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمَلْحَظُ لَسَاوَى النِّيَّةَ. وَقَدْ عَلِمْت الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا تَخْفَى بِخِلَافِهِ فَكَانَ هَذَا هُوَ الْمَلْحَظُ وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ تَرْكَ الْفَاتِحَة كَتَرْكِ التَّحَرُّم.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ نَقْلًا عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالنَّصُّ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ صَلَّى قَاعِدًا لِمَرَضٍ فَزَالَ فِي أَثْنَائِهَا فَلَمْ يَقُمْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ دُونَهُمْ وَإِنْ دَامُوا عَلَى مُتَابَعَته مَا لَمْ يُمْكِنْهُمْ مَعْرِفَةُ قُدْرَتِهِ بِنَحْوِ سُرْعَةِ حَرَكَتِهِ فَحِينَئِذٍ تَلْزَمُهُمْ الْإِعَادَة وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مُبْطِلٍ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاع عَلَيْهِ إذَا طَرَأَ كَنِيَّةِ الْقَطْعِ لَا يُؤَثِّرُ فِي صَلَاةِ الْمَأْمُوم بِخِلَافِ مَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاع عَلَيْهِ وَلَوْ بِوَجْهٍ مَا كَسُرْعَةِ الْحَرَكَةِ الدَّالَّةِ. عَلَى زَوَالِ الْمَرَضِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَة.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاء بِالْأُمِّيِّ وَلَوْ فِي السِّرِّيَّة وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِحَالِهِ أَيْ: لِإِمْكَانِ الِاطِّلَاع عَلَى حَالِهِ عَادَةً بِخِلَافِ نَحْوِ الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ وَقَوْلُهُمْ تَصِحُّ الْقُدْوَةُ بِمَجْهُولِ الْحَالِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِرَاءَةِ مَا لَمْ يُسِرَّ فِي جَهْرِيَّةٍ فَلَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ فَإِنْ اقْتَدَى بِهِ أَعَادَ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْمَجْمُوع إذْ الظَّاهِرُ لَوْ كَانَ قَارِئًا لَجَهَرَ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُهَا فَلَا نَظَرَ لِاحْتِمَالِ نِسْيَانِهِ لِلْجَهْرِ وَقَوْلُ الْبَغَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ وَلَوْ عَجَزَ إمَامُهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ الْقِرَاءَة لِخَرَسٍ فَارَقَهُ وُجُوبًا. بِخِلَافِ عَجْزِهِ عَنْ الْقِيَامِ لِصِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ بِخِلَافِ اقْتِدَاءِ الْقَارِئِ بِالْأَخْرَسِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِحُدُوثِ الْخَرَسِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ أَعَادَ؛ لِأَنَّ حُدُوثَهُ نَادِرٌ بِخِلَافِ حُدُوثِ الْحَدَثِ.
فَإِنْ قُلْت قَدْ يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ لَوْ لَحَنَ إمَامُهُ لَحْنًا مُغَيِّرًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ كَالْمُصَلِّي خَلْفَ جُنُبٍ قُلْت هَذِهِ مَقَالَةٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ تَصْرِيحهمْ بِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْأُمِّيِّ وَلَوْ فِي سِرِّيَّةٍ وَإِنْ جُهِلَ حَالُهُ وَاللَّحْنُ الْمُغَيِّر أَوْلَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْأُمِّيِّ فِي نَفْسهَا صَحِيحَةٌ مُطْلَقًا بِخِلَافِ صَلَاةِ اللَّاحِنِ لَحْنًا يُغَيِّرُ. وَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَنْ اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ فِي رَكْعَةٍ أَصْلِيَّةٍ فَبَانَ إتْيَانُهُ بِزَائِدَةٍ وَلَوْ عَمْدًا عَلَى نِزَاعٍ فِيهِ فَإِنْ قَامَ إلَيْهَا فَقَامَ مَعَهُ وَأَتَى بِأَرْكَانِهَا كُلِّهَا فَيَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بَلْ وَتُحْسَبُ لَهُ الرَّكْعَةُ بِأَنَّهُ لَا قَرِينَةَ هُنَا يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الزِّيَادَة حَالَ وُجُودِهَا؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ ظَنَّهُ فِي أَصْلِيَّةٍ وَلَا يُتَصَوَّرُ هَذَا الظَّنُّ إلَّا مَعَ انْتِفَاءِ الْقَرَائِن الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ قَائِمٌ لِزَائِدَةٍ بِخِلَافِهِ فِيمَا مَرَّ فَإِنْ تَرَكَهُ لِلتَّحَرُّمِ أَوْ لِلْفَاتِحَةِ عَلَيْهِ قَرَائِنُ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى التَّرْكِ حَالَ وُجُودِهَا وَلَمْ يَقُمْ فِي نَفْسِ الْمَأْمُوم مَا يُحِيلُ الْمُبْطِلَ فَكَانَ مُقَصِّرًا فَلَزِمَهُ الْإِعَادَة.
وَأَمَّا هُنَا فَلَا تَقْصِيرَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ. لِمَا قَرَّرْته أَنَّهُ لَا قَرَائِن يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الزِّيَادَة حَالَ وُجُودِهَا سِيَّمَا وَقَدْ قَامَ فِي نَفْسِهِ مَا يُحِلُّ الزِّيَادَة وَهُوَ ظَنُّهُ أَنَّهُ فِي رَكْعَةٍ أَصْلِيَّةٍ وَمَعَ هَذَا الظَّنِّ لَا يُتَصَوَّر وُجُودُ قَرِينَةٍ عَلَى الزِّيَادَة وَإِلَّا لَمْ يَظُنّ أَنَّهُ فِي أَصْلِيَّةٍ فَاتَّضَحَ بِذَلِكَ تَعْلِيلُهُمْ لِصِحَّةِ الْقُدْوَةِ هُنَا بِعَدَمِ التَّقْصِير مِنْهُ لِخَفَاءِ الْحَالِ عَلَيْهِ وَلِعَدَمِ صِحَّتِهَا فِي تَرْكِ التَّحَرُّم بِأَنَّهَا لَا تَخْفَى فَنُسِبَ إلَى تَقْصِيرٍ وَهَذَانِ وَإِنْ تُوُهِّمَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَحَكُّمٌ لَكِنْ عِنْدَ تَأَمُّلِ مَا قَرَّرْته يَظْهَرُ وَجْهُهُمَا وَيَنْدَفِعُ ذَلِكَ التَّوَهُّم فَاسْتَفِدْ ذَلِكَ وَأَمْعِنْ النَّظَرَ فِيهِ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِهِمْ يُرَاعِي الْمَسْبُوق نَظْمَ الْمُسْتَخْلِف فَإِذَا أَتَمَّ الْإِمَامُ الْفَاتِحَة وَخَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَاسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يَقْرَأْ الْفَاتِحَة فَهَلْ عَلَى الْخَلِيفَة الرُّكُوعُ وَيَأْتِي
стр. 224
بَعْدَ سَلَامِهِ بِرَكْعَةٍ أَمْ لَا فَإِذَا قَرَأَ الْفَاتِحَة فَهَلْ تُحْسَبُ لَهُ هَذِهِ أَمْ لَا تُحْسَبُ لِكَوْنِ قِرَاءَتِهِ لَيْسَتْ مَحَلَّ قِرَاءَةِ إمَامِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ يَقْرَأُ الْفَاتِحَة وَتُحْسَبُ لَهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا تَلْزَمُهُ قِرَاءَةُ التَّشَهُّد إذَا جَلَسَ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى بَقَاءِ إمَامِهِ حَقِيقَةً وَهُوَ لَوْ بَقِيَ لَمْ يَجِبْ عَلَى هَذَا الْمَسْبُوق قِرَاءَةُ التَّشَهُّد اهـ فَكَذَا يُقَالُ هُنَا لَوْ بَقِيَ إمَامُهُ قَرَأَ الْفَاتِحَة خَلْفَهُ فَكَذَا إذَا خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ فَيَقْرَؤُهَا فِي مَحَلِّهَا بِفَرْضِ بَقَاءِ الْإِمَامِ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِرِعَايَةِ هَذَا الْفَرْضِ أَعْنِي فَرْضَ بَقَائِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الْمَأْمُوم إذَا كَانَ بَعِيدًا أَوْ بِهِ صَمَمٌ وَقَرَأَ سُورَةً بَعْدَ الْفَاتِحَة وَلَمْ يَرْكَعْ إمَامُهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَأَكْثَرَ أَوْ يَسْكُتَ أَوْ يَقْرَأَ شَيْئًا مِنْ أَوْرَادِهِ وَهَلْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ بِأَنَّ فِي الْمَجْمُوع يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ صُورَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْآتِيَ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مُرَادَهُ الْجَوَازُ الصَّادِقُ بِالنَّدْبِ إذْ الْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ صَرِيحٌ فِيهِ وَمِنْ ثَمَّ حَكَى الْبَيْهَقِيّ عَنْ الرَّبِيعِ قُلْت لِلشَّافِعِيِّ أَيُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَ سُوَرٍ فَقَالَ نَعَمْ وَأَفْعَلُهُ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ لَقَدْ عَرَفْت النَّظَائِرَ. الَّتِي كَانَ ﷺ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ كُلُّ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَأَكْثَرَ إلَى أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَكْرِيرِهِ السُّورَةَ الْوَاحِدَة فَلَوْ كَرَّرَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْصُلُ أَصْلُ سُنَّةِ الْقِرَاءَة وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ «قَرَأَ فِي الصُّبْحِ إذَا زُلْزِلَتْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ جَلَسَ هُوَ وَإِمَامُهُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَقَامَ إمَامُهُ وَهُوَ فِي أَثْنَائِهِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُكْمِلَهُ وَإِذَا كَمَّلَهُ وَقَامَ فَرَكَعَ الْإِمَامُ فِي أَثْنَاءِ فَاتِحَتِهِ فَهَلْ يَكُونُ مَسْبُوقًا فَمَا حُكْمُهُ أَوْ مُوَافِقًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قِيَاسُ كَلَامِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ مَا لَوْ تَرَكَ إمَامَهُ لِلْقُنُوتِ حَيْثُ قَالُوا يُسَنُّ لَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ وَإِنْ أَدْرَكَهُ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَفِي الْمَسْبُوقِ حَيْثُ قَالُوا يُسَنُّ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِالِافْتِتَاحَ إنْ ظَنَّ إدْرَاكَ الْفَاتِحَةِ لَوْ أَكْمَلَهُ وَلَحِقَ الْإِمَامَ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي أَثْنَاءِ فَاتِحَتِهِ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ كَمَسْبُوقٍ اشْتَغَلَ بِنَحْوِ الِافْتِتَاحِ فَرَكَعَ إمَامُهُ فِي أَثْنَاءِ فَاتِحَتِهِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَخَلَّفَ بِقَدْرِ مَا فَوَّتَ فَإِذَا قَرَأَ بِقَدْرِهِ فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ الْإِمَامُ مِنْ الرُّكُوعِ رَكَعَ مَعَهُ وَكَانَ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ وَإِلَّا فَهَلْ يَكُونُ كَالْمُوَافِقِ يَجْرِي عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَر مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ أَوْ يُتَابِعُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَتَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ كَالْبَغَوِيِّ الْأَوَّلُ وَمَشَى عَلَيْهِ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ وَكَلَامُ الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْقِيقِ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْته فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِي لِلرَّوْضِ ثُمَّ رَأَيْته فِي الْخَادِمِ ذَكَرَهُ أَيْضًا فَهُوَ الْأَقْرَبُ لِكَلَامِهِمْ لَكِنْ مَشَى جَمْعٌ مِنْ الْأَصْحَاب مِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ وَتَبِعَهُمْ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ عَلَى الثَّانِي.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا صُورَته مَا ضَابِطُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَهَلْ يَقْطَعُهُ تَخَلُّلُ نَحْوِ مِنْبَرٍ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ إنَّ الْمِنْبَرَ يَقْطَعُ الصَّفَّ الْأَوَّلَ وَغَلَّطَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَبَيَّنَ أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ الْمَمْدُوحَ هُوَ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهُ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا وَسَوَاءٌ تَخَلَّلَهُ مَقْصُورَةٌ وَنَحْوُهَا أَمْ لَا ثُمَّ قَالَ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي تَقْتَضِيه ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ وَصَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ ثُمَّ نَقَلَ فِيهِ قَوْلًا أَنَّهُ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَلَّلَهُ نَحْوُ مَقْصُورَةٍ وَآخَرَ أَنَّهُ الَّذِي سَبَقَ إلَى الْمَسْجِدِ وَإِنْ صَلَّى فِي صَفٍّ مُتَأَخِّرٍ وَغَلَّطَهُمَا وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ مُتَأَخِّرًا أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فُرْجَةٌ كَانَ الْمُقَابِل لَهَا مِنْ الصَّفِّ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ مَثَلًا صَفًّا أَوَّلَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بَعْدَهُ وَهُوَ قَرِيبٌ إنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الذَّهَابُ إلَيْهَا. وَإِلَّا فَوُقُوفُهُ دُونَهَا مَكْرُوهٌ إذْ يُكْرَهُ الْوُقُوفُ فِي صَفٍّ قَبْلَ إكْمَالِ الَّذِي يَلِيهِ
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ يُكْرَهُ اقْتِدَاءُ خُنْثَى بَانَتْ أُنُوثَتُهُ بِامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ بِخُنْثَى بَانَتْ ذُكُورَتُهُ هَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ مُتَّجَهٌ لَكِنْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ فِي الْأَوَّلِ بِمَا إذَا بَانَتْ أُنُوثَتُهُ بِغَيْرِ الْوِلَادَةِ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِلْكَرَاهَةِ حِينَئِذٍ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ
стр. 225
تَصْوِيرِ ابْنِ الْأُسْتَاذِ صِحَّةَ اقْتِدَاءِ الشَّافِعِيِّ بِحَنَفِيٍّ افْتَصَدَ بِمَا إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا هَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ مُتَّجَهٌ وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ حَتَّى فِي اعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ فَكَيْفَ يَرْبِطُ صَلَاتَهُ بِهِ لَكِنَّ مُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ خِلَافُهُ.
(وَسُئِلَ) رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَنْ رَجُلٍ اقْتَدَى بِخُنْثَى مُعْتَقِدًا أَنَّهُ رَجُلٌ ثُمَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ بَانَ أَنَّهُ خُنْثَى ثُمَّ بَانَ رَجُلًا فَهَلْ تَصِحُّ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ اقْتَدَى الْخُنْثَى بِامْرَأَةٍ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا رَجُلٌ ثُمَّ بَانَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَنَّ الْخُنْثَى أُنْثَى حَيْثُ صَحَّحَ الرُّويَانِيُّ الْإِعَادَة؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ وُجُوبِ الْإِعَادَة فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَة وَالْفَرْقُ أَنَّهُ فِي الْأُولَى اعْتَقَدَ مَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَمْ تَجِبْ الْإِعَادَة إذْ الْعِبْرَةُ فِي الْعِبَادَاتِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَظَنِّ الْمُكَلَّف وَهُنَا تَطَابَقَا وَأَمَّا فِي الثَّانِيَة فَقَدْ اعْتَقَدَ غَيْرَ الْوَاقِعِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَأُلْغِيَ هَذَا الِاعْتِقَادُ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا ذُكِرَ وَإِذَا لُغِيَ لَزِمَ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ فَوَجَبَتْ الْإِعَادَة.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ جَرَّ شَخْصًا مِنْ الصَّفِّ لِيُحْرِم مَعَهُ فَهَلْ تَفُوتُهُ سُنَّةُ الصَّفِّ وَهَلْ هُوَ مِنْ الْإِيثَارِ بِالْقُرْبِ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَيْسَ هُوَ مِنْ الْإِيثَارِ بِالْقُرْبِ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِمُطَاوَعَتِهِ لِجَارِّهِ فَلَمْ يَتْرُكْ قُرْبَةً إيثَارًا لِغَيْرِهِ بِهَا بَلْ امْتِثَالًا لِأَمْرِ الشَّارِعِ فَلَا كَرَاهَةَ بَلْ فَضِيلَةُ الصَّفِّ لَمْ تَفُتْهُ وَإِنْ قُلْنَا بِفَوْتِ ثَوَابِ الْجَمَاعَة لِمَنْ تَرَكَهَا بِعُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ ثَمَّ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَرْكِهَا وَإِنَّمَا رُخِّصَ لَهُ فِيهِ بِخِلَافِهِ هُنَا وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَيَنْبَغِي أَنَّ ثَوَابَ مُطَاوَعَتِهِ أَعْلَى مِنْ ثَوَابِ الصَّفِّ؛ لِأَنَّ فِيهَا نَفْعًا مُتَعَدِّيًا بِخِلَافِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الْمُنْفَرِدِ عَنْ الصَّفِّ هَلْ تَفُوتُهُ فَضِيلَةُ الصَّفِّ أَوْ الْجَمَاعَة؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَفُوتُهُ ثَوَابُ الْجَمَاعَة لِقَوْلِهِمْ كُلُّ مَكْرُوهٍ مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَة يَفُوتُ ثَوَابُهَا أَيْ: وَإِنْ وَقَعَتْ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً حَتَّى لَا كَرَاهَةَ وَلَا حُرْمَةَ عَلَى مَنْ فَعَلَهَا مَعَ ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَكْرُوهِ مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَة مَا تَوَقَّفَ وُجُودُهُ عَلَى وُجُودِهَا بِأَنْ لَا يُتَصَوَّرَ وُقُوعُهُ مِمَّنْ يُصَلِّي وَحْدَهُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ صَلَّى صُفُوفٌ وَرَاءَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ مَعَ فُرْجَةٍ فِيهِ تَسَعُ جَمَاعَةً أَوْ وَاحِدًا فَهَلْ يَفُوتُ غَيْرَ مَنْ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَة؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُكْرَهُ عَدَمُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ وَحَيْثُ تَرَكُوا فُرْجَةً فَلَا تَسْوِيَةَ وَهَذَا مَكْرُوهٌ مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَة فَتَفُوتُ فَضِيلَتُهَا وَهَلْ تَفُوتُ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ كُلِّهِمْ مَا عَدَا أَهْلَ الصَّفِّ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ الْمَجِيءُ إلَى تِلْكَ الْفُرْجَةِ أَوْ عَلَى مَنْ يَلِيهَا مِنْ أَهْلِ الصَّفِّ الثَّانِي فَقَطْ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ. وَالْأَقْرَب فَوَاتُهَا عَلَى مَنْ عَلِمَ بِهَا وَأَمْكَنَهُ الْمَجِيءُ إلَيْهَا مِنْ أَهْلِ الصَّفِّ الثَّانِي وَغَيْرِهِمْ لِتَقْصِيرِ الْكُلِّ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ كَلَامُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ خَرْقِ الصُّفُوفِ لِلْفُرْجَةِ وَالْمُرُورِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِمْ وَإِنْ زَادُوا عَلَى ثَلَاثَةٍ خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِصَفَّيْنِ لِتَوَهُّمِهِ أَنَّهُ مِثْلُ التَّخَطِّي فِي الْجُمُعَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا تَقْصِيرَ مِمَّنْ جَلَسَ وَبَيْنَ يَدِهِ فُرْجَةٌ بِخِلَافِ مَنْ صَلَّى كَذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ تَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ دُونَ إمَامِهِ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَنَتَ دُونَهُ مُصَلِّي الظُّهْرَ وَرَاءَهُ أَوْ غَيْرُهُ فَمَا الْفَرْقُ مَعَ أَنَّ التَّخَلُّف لِسُنَّةٍ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُفَرَّقُ بِأَنَّهُ فِي الْأُولَى أَحْدَثَ جُلُوسًا لَمْ يَفْعَلْهُ الْإِمَامُ أَلْبَتَّةَ بِخِلَافِهِ فِي الثَّانِيَة فَإِنَّمَا طَوَّلَ قِيَامًا فَعَلَهُ الْإِمَامُ وَلَمْ يُحْدِثْ قِيَامًا لَمْ يَفْعَلْهُ وَمِنْ ثَمَّ جَلَسَ الْإِمَامُ وَلَوْ لِكَلِمَةٍ مِنْ التَّشَهُّدِ كَانَ لِلْمَأْمُومِ التَّخَلُّف لِإِتْمَامِهِ كَالْقُنُوتِ فَالْمَسْأَلَتَانِ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ مَا ضَابِطُ الْمَسْبُوقِ وَالْمُوَافِقِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي ضَابِطِهِمَا فَقَالَ جَمَاعَةٌ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُوَافِقَ مَنْ أَدْرَكَ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ مَعَ الْإِمَامِ وَالْمَسْبُوقُ بِخِلَافِهِ وَقَالَ آخَرُونَ وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْمُوَافِقَ مَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ وَالْمَسْبُوقُ بِخِلَافِهِ.
وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى الثَّانِي مِنْ أَنَّ مَنْ لَمْ يُحْرِمْ مَعَ الْإِمَامِ مَسْبُوقٌ وَإِنْ أَدْرَكَ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ وَأَضْعَافَهُ وَالْتِزَامُ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَالْمُنَافَاةِ لِكَلَامِهِمْ وَمِنْ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ لَنَا مَسْبُوقٌ فِي غَيْرِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقَدْ صَرَّحُوا بِخِلَافِهِ نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا الثَّانِي بِأَنَّ التَّعْبِير بِالْإِحْرَامِ مَعَ الْإِمَامِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَحِينَئِذٍ فَالْمُوَافِقُ فِي غَيْرِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ مِنْ أَوَّلِهَا فَإِنْ قُلْت هَلْ
стр. 226
يُمْكِنُ رَدُّ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ قُلْت نَعَمْ إنَّمَا عَبَّرُوا بِالْإِحْرَامِ مَعَ الْإِمَامِ وَمِثْلُهُ إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ مِنْ أَوَّلِهَا لِمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ أَدْرَكَ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بَعْدَهُ وَأَدْرَكَ زَمَنًا يَسَعُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ مَثَلًا إذْ لَا يَظُنُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مَسَكَةٍ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُوَافِقٍ جَزْمًا وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهَلْ الْمُرَادُ بِمَا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ مِنْ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ أَوْ الْمَأْمُومِ أَوْ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّمَنِ الْمُعْتَدِلِ؟ احْتِمَالَات لَمْ أَرَهَا وَالْأَخِيرُ مِنْهَا أَقْرَبُ وَأَضْبَطُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ بَطِيئًا وَأَمْكَنَ الْمَأْمُومَ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فَأَكْثَرَ بِالنِّسْبَةِ إلَى قِرَاءَةِ نَفْسِهِ أَوْ الزَّمَنُ الْمُعْتَدِلُ دُونَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَكُونُ مَسْبُوقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ وَلِمَا يَلْزَمُ عَلَى الثَّانِي مِنْ أَنَّ الْبَطِيءَ إذَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِغَيْرِ الْفَاتِحَةِ يَكُونُ دَائِمًا مَسْبُوقًا وَمَفْهُومُ كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ ثُمَّ قَوْلُهُمْ يَسَعُ الْفَاتِحَةَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيمَنْ لَزِمَتْهُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ أَوْ بَدَلِهَا مِنْ قُرْآنٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ وُقُوفٍ بِقَدْرِهَا.
فَلَوْ رَكَعَ الْإِمَامُ فِي فَاتِحَةِ مُوَافِقٍ فَجَرَى عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ فَعِنْدَ وُصُولِهِ لِإِيَّاكَ نَعْبُدُ مَثَلًا قَامَ الْإِمَامُ فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا أَوْ مَسْبُوقًا بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا الْقِيَامِ الثَّانِي اتِّسَاعُهُ لِقِرَاءَةِ مَا بَقِيَ وَعَدَمُهُ لَا لِقِرَاءَةِ جَمِيعِ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بَعْضُهَا لَا كُلُّهَا.
(وَسُئِلَ) عَنْ مَأْمُومٍ تَشَهَّدَ ظَانًّا أَنَّ الْإِمَامَ يَفْعَلُهُ ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْهُ وَقَامَ رَأَى الْإِمَامَ رَاكِعًا فَهَلْ هُوَ حِينَئِذٍ مَسْبُوقٌ أَوْ مُوَافِقٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ فَأَفْتَى جَمْعٌ بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ لَوْ لَمْ يَظُنّ مَا ذُكِرَ فَغَايَةُ ظَنِّهِ أَنْ يَكُونَ دَافِعًا لِلْبُطْلَانِ لَا مُسْقِطًا لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَأَفْتَى آخَرُونَ بِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ وَالْأَقْرَب الثَّانِي وَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَامَ وَجَلَسَ إمَامُهُ لِلِاسْتِرَاحَةِ أَوْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ حُرْمَةُ التَّقَدُّمِ عَلَى إمَامِهِ بِفِعْلٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ لَكِنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ لَا تَجِبُ مُوَافَقَتُهُ فِي نَحْوِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَهَا الْإِمَامُ وَيَتْرُكُهَا الْمَأْمُومُ أَوْ عَكْسُهُ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي إلْحَاقُ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ بِذَلِكَ وَيَشْهَدُ لَهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَائِمِ عَامِدًا وَسَاهِيًا بِالنِّسْبَةِ لِوُجُوبِ الْعَوْدِ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ حَيْثُ تَرَكَ فَرْضَ الْمُتَابَعَةِ إلَى فَرْضٍ آخَرَ وَهُوَ الْقِيَامُ بِخِلَافِ الثَّانِي فَمُقْتَضَى صِحَّةِ الْقَصْدِ عَدَمُ الْحُرْمَةِ فِيهِ عَلَى أَنَّا نَقُولُ لَا تَقَدُّمَ عَلَى الْإِمَامِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ دَخَلَ وَقْتُهُ بِإِتْمَامِ السُّجُودِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ الْمَأْمُومُ فِيهِمَا عَلَى الْإِمَامِ بِرُكْنٍ مُخَالِفٍ لِلرُّكْنِ الَّذِي هُوَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رُكْنٍ بَلْ فِي مُقَدِّمَةِ الرُّكْنِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ الْمَأْمُومُ فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قِيَامِ الْمَأْمُومِ قَبْلَ تَشَهُّدِ الْإِمَامِ وَعَكْسِهِ حَيْثُ حَرُمَ وَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ قُلْت الْفَرْقُ أَنَّهُ فِي صُورَةِ الْعَكْسِ لَا غَرَضَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضًا لِسُنَّةٍ مَعَ فُحْشِ الْمُخَالَفَةِ بِخِلَافِهِ فِي الْأَوَّلِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ شَكَّ هَلْ أَدْرَكَ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ أَوْ لَا فَهَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْبُوقِ أَوْ الْمُوَافِقِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا وَيُحْتَمَلُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الْفَاتِحَةِ عَلَى مَنْ رَكَعَ الْإِمَامُ فِي فَاتِحَتِهِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ خِلَافُهُ وَيُحْتَمَلُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مُسْقِطُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَحَمُّلِ الْإِمَامِ عَنْ الْمَأْمُومِ مَا لَزِمَهُ وَلِأَنَّ إدْرَاكَ الْمَسْبُوقِ الرَّكْعَةَ رُخْصَةٌ أَوْ فِي مَعْنَى الرُّخْصَةِ فَلَا يُنَاطُ مَعَ الشَّكِّ فِي السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لَهُ وَلِأَنَّ التَّخَلُّف عَنْ الْإِمَامِ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ مِنْ تَرْكِ إكْمَالِهَا وَمُتَابَعَة الْإِمَامِ وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ هَاوِيًا هَلْ يَصِحُّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مَتَى أَنْهَى تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَام قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ أَقْرَبَ إلَى أَقَلِّ الرُّكُوعِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا. وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا قَدْ يَقْتَضِي خِلَافَهُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ عَارٍ أَفْقَهَ وَمَسْتُورٍ فَقِيهٍ مَنْ الْمُقَدَّم مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْعَارِيَ مُقَدَّمٌ إذْ لَا نَقْصَ فِيهِ يُعَارِضُ فَضِيلَتَهُ الَّتِي زَادَ بِهَا وَأَيْضًا فَفَضِيلَتُهُ ذَاتِيَّةٌ وَذَاكَ كَمَالُهُ بِالسَّتْرِ عَرَضِيٌّ لَا ذَاتِيٌّ وَيُقَاسُ بِمَا ذُكِرَ كُلُّ مُقَدَّمٍ اخْتَلَّ فِيهِ شَرْطٌ لَا يُوجِبُ الْإِعَادَة كَالتَّيَمُّمِ.
(وَسُئِلَ) ﵁.
стр. 227
عَنْ قَوْلِهِمْ إذَا شَرَعَ فِي الرَّابِعِ وَالْمُوَافِقُ لَمْ يَرْكَعْ وَجَبَ عَلَيْهِ مُتَابَعَته هَلْ يَشْمَلُ الْجُلُوسَ لِلتَّشَهُّدِ وَالْقِيَامَ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَشْمَلُهُمَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي الْمُرَادِ بِالشُّرُوعِ هَلْ هُوَ الْأَخْذُ فِي مُقَدِّمَتِهِ فَحَيْثُ شَرَعَ فِي الْجُلُوسِ أَوْ الْقِيَامِ وَجَبَتْ مُتَابَعَته وَإِنْ كَانَ إلَى الْجُلُوسِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقِيَامِ وَإِلَى السُّجُودِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّشَهُّدِ أَقْرَبَ أَوْ الِانْتِهَاءِ إلَى مَا يُجْزِئُ مِنْ الْجُلُوسِ وَالْقِيَامِ وَإِنْ كَانَ ثَمَّ قَلِيلُ انْحِنَاءٍ. كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَلَكِنَّ الثَّانِي أَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ فَهُوَ الْأَوْجَهُ ثُمَّ هَلْ مُرَادُهُمْ بِجُلُوسِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ؛ لِأَنَّهُ الرُّكْنُ أَوْ مَا يَشْمَلُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى صُورَةِ الرُّكْنِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى كَلَامِهِمْ أَيْضًا فَعَلَيْهِ إذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ لَا تَجِبُ مُتَابَعَته حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ وَيَشْرَعَ فِي الْقِيَامِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَجُوزُ لِلْمُنْفَرِدِ أَنْ يَقْتَدِيَ فِي اعْتِدَاله بِغَيْرِهِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَيُتَابِعهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ وَبِهِ صَرَّحَ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُغْتَفَرُ لَهُ هُنَا تَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ لِأَجْلِ الْمُتَابَعَةِ كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِمَنْ يَرَى جَوَازَ تَطْوِيلِهِ فَيَجُوزُ لَهُ مُتَابَعَته فِيهِ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَظِرَهُ سَاجِدًا وَكَمَا لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمَزْحُومُ مِنْ السُّجُودِ إلَّا فِي سَجْدَةِ الْإِمَامِ الثَّانِيَة. مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَة فَسَجَدَهَا مَعَهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَسْتَمِرّ فِيهَا حَتَّى يُسَلِّمَ الْإِمَامُ فَيَسْجُدَ الْأُخْرَى وَأَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ حَتَّى يُسَلِّمَ ثُمَّ يَسْجُدَ الْأُخْرَى وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ فِي هَذِهِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الشِّقُّ الْأَوَّلُ مَرْدُودٌ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ الْأُخْرَى قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ لِئَلَّا يُؤَدِّي إلَى الْمُخَالَفَةِ وَلَا يُنَافِيه قَوْلُ الرَّافِعِيِّ عَنْ التَّتِمَّةِ وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ السُّجُودِ حَتَّى تَشَهَّدَ الْإِمَامُ سَجَدَ ثُمَّ إنْ فَرَغَ مِنْهُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ حَصَّلَ الْجُمُعَةَ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ وَهُوَ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ وَأَمَّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ أَنَّهُ يُتَابِعُهُ فَلَا يَسْجُدُ بَلْ يَجْلِسُ مَعَهُ بَعْدَ سَلَامِهِ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ إمَامٍ اقْتَدَى بِهِ جَمَاعَةٌ ثُمَّ اقْتَدَى بِإِمَامٍ آخَرِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَكَيْفَ صَحَّ اقْتِدَاءُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى عِلْمِكُمْ فَإِنْ قُلْتُمْ نَوَى الْمُفَارَقَةَ عَنْ الْجَمَاعَة ثُمَّ اقْتَدَى بِالنَّبِيِّ ﷺ كَيْفَ صَحَّ اقْتِدَاءُ الْجَمَاعَة الْمَذْكُورِينَ بِهِ أَوْضِحُوا لَنَا كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِإِمَامٍ آخَرَ سَوَاءٌ نَوَى مُفَارَقَةَ الْمَأْمُومِينَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ لَا تَابِعٌ بِخِلَافِ الْمَأْمُومِ لَيْسَ لَهُ الِاقْتِدَاءُ بِإِمَامٍ آخَرَ إلَّا إنْ نَوَى مُفَارَقَةَ إمَامِهِ الْأَوَّلِ. وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُقْتَدِيًا بِاثْنَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَإِذَا اقْتَدَى الْإِمَامُ بِإِمَامٍ آخَرَ بَطَلَ اقْتِدَاءُ الْأَوَّلِينَ بِهِ فَإِنْ عَلِمُوا فَوْرًا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ مُفَارَقَته فِي الْحَالِ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ إنْ تَابَعُوهُ فِي فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي سَلَامٍ بَعْدَ انْتِظَارٍ كَثِيرٍ وَكَذَا إنْ جَهِلُوا وَاسْتَمَرُّوا عَلَى مُتَابَعَته؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الصَّلَاةِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَهَذَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ.
فَهُوَ كَمَا لَوْ بَانَ إمَامُهُ مِمَّنْ لَا تَصِحُّ الْقُدْوَةُ بِهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ وَإِنْ ظَنَّهُ مِمَّنْ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَإِذَا بَطَلَ اقْتِدَاءُ الْأَوَّلِينَ بِهِ فَلَهُمْ أَنْ يَقْتَدُوا بِمَنْ اقْتَدَى إمَامُهُمْ بِهِ وَلَهُمْ أَنْ يُتِمُّوا مُنْفَرِدِينَ وَهَذَا أَعْنِي جَوَازَ اقْتِدَاءِ الْإِمَامِ بِإِمَامٍ آخَرَ وَبُطْلَانَ الْأَوَّلِينَ بِهِ وَجَوَازَ اقْتِدَائِهِمْ بِمَنْ اقْتَدَى إمَامُهُمْ بِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ «فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ وَتَأَخَّرَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهِ وَنَوَى النَّاسُ مُفَارَقَةَ أَبِي بَكْرٍ وَالِاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ ﷺ » وَأَمَّا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّ النَّاسَ اقْتَدَوْا بِأَبِي بَكْرٍ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُقْتَدِينَ بِهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمْ التَّكْبِيرَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا فَنَتَجَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ كِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مَا قُلْنَاهُ.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ أَنَّهُ ﷺ «صَلَّى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ خَلَفَ أَبِي بَكْرٍ ﵁» فَقَالَ فِيهِ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ إنْ صَحَّ هَذَا كَانَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ كَمَا أَجَابَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَاب وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ نِيَّةِ الْمُنْفَرِدِ الِاقْتِدَاءَ أَثْنَاءَ صَلَاتِهِ بِقَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورَةِ وَبَيَّنُوا ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِمَامَ فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدِ وَبِمَا رَوَاهُ
стр. 228
أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ مِنْ أَنَّهُ ﷺ «أَحْرَمَ فَأَحْرَمَ النَّاسُ خَلْفَهُ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ كَمَا أَنْتُمْ ثُمَّ خَرَجَ وَاغْتَسَلَ وَرَجَعَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ وَتَحَرَّمَ بِهِمْ» .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ أَنْشَئُوا اقْتِدَاءً جَدِيدًا لِانْفِرَادِهِمْ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَلَا يُنَافِيه خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» ؛ لِأَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ إذَا نَوَى شَخْصٌ الِاقْتِدَاءَ بِرَجُلٍ ثُمَّ نَوَاهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا وَهَكَذَا فَهَلْ يَدْخُلُ فِي الْجَمَاعَة بِالْأَوْتَارِ وَيَخْرُجُ بِالْأَشْفَاعِ كَمَا قَالُوهُ فِيمَنْ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ تَكْبِيرَات. وَنَوَى بِكُلٍّ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ قَالُوا: لِأَنَّ نِيَّةَ الثَّانِيَة تَتَضَمَّنُ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَا يَحْصُلُ دُخُولٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ خَارِجًا بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ دَاخِلًا بِهِ فِيهَا فَهَلْ يَأْتِي هَذَا التَّوْجِيهُ فِي مَسْأَلَتِنَا وَأَيْضًا فِي حُصُولِ النِّيَّةِ الثَّانِيَة لَهُ فِي مَسْأَلَتِنَا تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ فِي الْجَمَاعَة قَدْ حَصَلَ بِالنِّيَّةِ الْأُولَى أَوْ ثَمَّ فَرْقٌ بَيْنَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَنِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ فَإِنْ كَانَ فَتَفَضَّلُوا بِهِ جَزَاكُمْ اللَّهُ خَيْرًا؟
فَأَجَابَ بِأَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ تَكْرَارَ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ لَا يَقْتَضِي دُخُولًا فِي الْجَمَاعَة وَلَا خُرُوجًا مِنْهَا. وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا قَالُوهُ فِيمَا لَوْ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ تَكْبِيرَات وَنَوَى بِكُلٍّ الِافْتِتَاحَ بِأَنَّ نِيَّةَ الِافْتِتَاحِ تَقْتَضِي قَطْعَ مَا هُوَ فِيهِ إذْ لَا يَكُونُ افْتِتَاحًا إلَّا إذَا لَمْ يَسْتَقِرّ شَيْءٌ فَمَفْهُومُ الِافْتِتَاحِ يُنَافِي مَا هُوَ فِيهِ فَأَبْطَلَهُ بِخِلَافِ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي بُطْلَانَ الِاقْتِدَاءِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً لِلْأُولَى فَهِيَ تَزِيدُهَا قُوَّةً؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُنَافِيَةٍ لَهَا وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُؤَكِّدَةٍ فَتَكُونَ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ فَيَلْغُو فَهِيَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا تَقْتَضِي الْأُولَى؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْجَمَاعَة تَقْبَلُ التَّأْكِيد، بِخِلَافِ نِيَّةِ الِافْتِتَاحِ فَإِنَّهَا لَا تَقْبَلُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ نِيَّةٍ مِنْ نِيَّات الِافْتِتَاحِ مُنَاقِضَةٌ لِلْأُخْرَى؛ لِأَنَّ وَاحِدَةً تَقْتَضِي الدُّخُولَ وَأُخْرَى تَقْتَضِي الْخُرُوجَ فَتَعَذَّرَ حَمْلُهَا عَلَى التَّأْكِيد فَلِذَا قَالُوا إنَّهُ يَدْخُلُ بِالْأَوْتَارِ وَيَخْرُجُ بِالْأَشْفَاعِ وَأَمَّا نِيَّةُ الْجَمَاعَة فَلَا تُنَاقِضُ الْجَمَاعَة السَّابِقَةِ بَلْ تُوَافِقُهَا فَكَانَتْ مُؤَكِّدَةً لَهَا أَوْ لَغْوًا عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ إذَا قَامَ الْإِمَامُ إلَى خَامِسَةٍ سَهْوًا قِيلَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ انْتِظَاره فَلَوْ انْتَظَرَهُ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ وَسَجَدَ مَعَهُ لِلسَّهْوِ أَيْ: جَاهِلًا فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا قَامَ. الْإِمَامُ لِخَامِسَةٍ يُخَيَّرُ الْمَأْمُومُ بَيْنَ الْمُفَارَقَةِ وَالِانْتِظَارِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوع وَغَيْرِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ وَقَعَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ أَنَّهُ لَا يَنْتَظِرُهُ وَاغْتَرَّ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَعَلَيْهِ فَإِنَّمَا يَضُرُّ الِانْتِظَارُ مِنْ عَامِدٍ عَالِمٍ بِخِلَافِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ غَيْرِ الْمُقَصِّرِ بَلْ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْفُرُوعِ الْخَفِيَّة وَالتَّعَلُّمُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْنَا فِي الْفُرُوعِ الظَّاهِرَة دُونَ الْخَفِيَّة.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّا إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَسَبَقَ الصِّبْيَانُ الرِّجَالَ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ كَانُوا قُعُودًا فِيهِ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الرِّجَالُ فَهَلْ لَهُمْ إخْرَاجُهُمْ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ كَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَوْ لَيْسَ لَهُمْ إخْرَاجُهُمْ وَيَكُونُ الصِّبْيَانُ أَحَقَّ بِهِ لِسَبْقِهِمْ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ كَمَا أَفْتَى بِهِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بِالْمُحَقِّقِ وَفِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ هَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْحَاب فِي مَوْقِفِ الْمَأْمُومِينَ فِيمَا إذَا حَضَرُوا جَمِيعًا.
أَمَّا إذَا حَضَرَ الصِّبْيَانُ أَوَّلًا قَبْلَ الرِّجَالِ فَلَيْسَ لَهُمْ إزَالَتُهُمْ عَنْ مَوْضِعِهِمْ هَلْ الْمُرَادُ بِالْحُضُورِ مَجِيئُهُمْ وَاجْتِمَاعُهُمْ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ مَعًا أَمْ الْمُرَادُ الْحُضُورُ فِي الْمَسْجِدِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الصِّبْيَانَ مَتَى سَبَقُوا الْبَالِغِينَ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ إخْرَاجُهُمْ بِخِلَافِ الْخَنَاثَى وَالنِّسَاءِ كَمَا جَزَمْت بِذَلِكَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَعِبَارَته (وَ) نُدِبَ أَنْ يَقِفَ (ذُكْرَانٌ) وَلَوْ غَيْرَ بَالِغِينَ، أَوْ بَالِغًا وَصَبِيًّا قَصَدَا الِاقْتِدَاءَ بِمُصَلٍّ أَوْ تَأَخَّرَا عَنْهُ أَوْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمَا فِيمَا مَرَّ أَوْ رِجَالٌ قَصَدُوا ذَلِكَ (خَلْفَهُ) صَفًّا (ثُمَّ) إنْ ضَاقَ صَفُّ الرِّجَالِ وَقَفَ (صِبْيَانٌ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَحُكِيَ ضَمُّهُ خَلْفَهُمْ وَإِنْ تَمَيَّزُوا عَنْهُمْ بِعِلْمٍ وَنَحْوِهِ خِلَافًا لِلدَّارِمِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ جِنْسِهِمْ وَلَوْ لَمْ يَضِقْ صَفُّ الرِّجَالِ كُمِّلَ بِالصِّبْيَانِ وَلَوْ حَضَرَ الصِّبْيَانُ أَوَّلًا لَمْ يُنَحَّوْا لِلْبَالِغِينَ (ثُمَّ) يَقِفُ (خَنَاثَى) خَلْفَ صَفِّ الصِّبْيَانِ وَإِنْ لَمْ يَضِقْ صَفُّهُمْ لِاحْتِمَالِ ذُكُورَتِهِمْ وَلَمْ يُكَمَّلْ بِهِمْ لِاحْتِمَالِ أُنُوثَتِهِمْ (ثُمَّ نِسَاءٌ) خَلْفَ الْخَنَاثَى وَإِنْ لَمْ يَضِقْ عَنْهُمْ أَيْضًا وَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْبَالِغَاتِ مِنْهُنَّ
стр. 229
قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ فِي الصِّبْيَانِ انْتَهَتْ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِحُضُورِ الصِّبْيَانِ أَوَّلًا حُضُورَهُمْ فِي مُطْلَقِ الْمَسْجِدِ بَلْ إنَّمَا يُقَدَّمُونَ إنْ حَضَرُوا فِي خُصُوصِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلَوْ قَبْلَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ فَحِينَئِذٍ لَا يُنَحَّوْنَ لِلرِّجَالِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُمْ مِنْ جِنْسِهِمْ بِخِلَافِ مَنْ بَعْدَهُمْ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الْمَأْمُومِ إذَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ زَمَنًا يَسَعُ قِرَاءَةَ آيَات فَكَرَّرَ آيَتَيْنِ لِلشَّكِّ فِي مَخَارِجِ الْحُرُوفِ فَلَمْ يَقْرَأْ إلَّا أَرْبَعًا هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّخَلُّف لِلْآيَتَيْنِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَلْزَمُ الْمَأْمُومَ التَّخَلُّفُ لِقِرَاءَةِ الْآيَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بِإِدْرَاكِهِ زَمَنَهُمَا خُوطِبَ بِقِرَاءَتِهِمَا فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِشَكٍّ وَلَا غَيْرِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ أَحْرَمَ وَفَاتَهُ الرُّكُوعُ وَالْإِمَامُ فِي السُّجُودِ الثَّانِي وَلَمْ يَسْجُدْ مَعَهُ أَوْ هَوَى وَجَلَسَ وَلَمْ يَسْجُدْ أَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ مَا رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ وَقَبْلَ الْقِيَامِ هَلْ يَلْزَمُهُ الْمُوَافَقَةُ فَإِنْ خَالَفَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَلْزَمُ الْمَأْمُومَ الْمُوَافَقَةُ فِيهَا وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ نَعَمْ قَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ لَا يَلْزَمُهُ مُتَابَعَته فِي فِعْلِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَوْ تَرْكِهَا لِعَدَمِ فُحْشِ الْمُخَالَفَةِ أَنَّهُ فِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ أَعْنِي مَا إذَا أَحْرَمَ وَالْإِمَامُ فِي جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَوْ قَائِمٌ مِنْ السُّجُودِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْهُوِيُّ إلَيْهِ لِعَدَمِ فُحْشِ الْمُخَالَفَةِ هُنَا أَيْضًا.
[بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِر]
(وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاته لِمَ رَاعَوْا خِلَافَ الْقَائِلِ بِمَنْعِ الْجَمْعِ فَقَالُوا بِجَوَازِهِ دُونَ نَدْبِهِ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ الْمُخَالِف لَا يُرَاعِي خِلَافَهُ إذَا خَالَفَ سُنَّةً صَحِيحَةً وَهُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ الْجَمْعُ كَثِيرًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَكَى الْغَزَالِيُّ اتِّفَاقَ الْأَصْحَاب عَلَى ذَلِكَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُمْ بِأَنَّ الْجَمْعَ لَمَّا كَانَ فِيهِ إخْلَاءُ أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ عَنْ الصَّلَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ كَانَ بَعِيدًا عَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الشَّرْعِ بِخِلَافِ الْقَصْرِ فَلِذَلِكَ حَمَلُوا مَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنْ تَكَرُّرِ الْجَمْعِ عَلَى الْجَوَازِ فَقَطْ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ ظَاهِرِ السُّنَّةِ وَرَاعَوْا خِلَافَ أَبِي حَنِيفَةَ لِذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ. بَلْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ.
(وَسُئِلَ) ﵁ أَيْضًا عَنْ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ هَلْ يُبَاحُ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَالتَّيَمُّمُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ الْأَصْحَاب لَا يُبَاحُ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلِاضْطِرَارِ؛ لِأَنَّهُ تَخْفِيفٌ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ دَفْعِ الْهَلَاكِ بِالتَّوْبَةِ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ وَمَاتَ كَانَ عَاصِيًا بِتَرْكِهِ التَّوْبَةَ وَبِقَتْلِهِ نَفْسَهُ لَكِنْ نَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَأَقَرَّهُ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ أَكْلِهَا مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ يَنْشَأُ الِاضْطِرَارُ عَنْهُ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَقَامَ لَمْ يُضْطَرّ وَفَرَّقَ الْقَفَّالُ كَمَا فِي الْمَجْمُوع عَنْهُ وَأَقَرَّهُ بَيْنَ الْمُقِيمِ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا وَلَوْ عَاصِيًا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمُسَافِرِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ بِأَنْ أَكَلَهَا فِي السَّفَرِ سَبَبُهُ سَفَرُهُ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ فَكَانَ كَمَا لَوْ جُرِحَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمِ لِذَلِكَ الْجُرْحِ مَعَ أَنَّ الْجَرِيحَ الْحَاضِرَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ أَكْلَهَا إذَا كَانَ سَبَبُهُ الْإِقَامَةَ وَهِيَ مَعْصِيَةٌ كَإِقَامَةِ الْعَبْدِ الْمَأْمُور بِالسَّفَرِ لَا تَجُوزُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ سَبَبُهُ إعْوَازَ الْحَلَالِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْإِقَامَةُ مَعْصِيَةً وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَصْحَاب الْجَوَاز مُطْلَقًا وَلَك أَنْ تَقُولَ لَا شَكَّ أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ رُخْصَةٌ وَقَدْ قَالُوا إنَّ الرُّخْصَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي فَمَتَى كَانَ السَّبَبُ الْمُوقِعُ فِي الِاضْطِرَارِ مَعْصِيَةً كَأَنْ عَصَى بِسَفَرِهِ أَوْ إقَامَتِهِ.
وَكَانَا هُمَا السَّبَبَ فِي الِاضْطِرَارِ بِأَنْ كَانَ لَوْ تَرَكَ السَّفَرَ أَوْ الْإِقَامَةَ زَالَ عَنْهُ الِاضْطِرَارُ امْتَنَعَ الْأَكْلُ مِنْ الْمَيْتَةِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فَلَا يُنَاطُ بِمَعْصِيَةٍ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الْأَصْحَاب جَوَازُ الْأَكْلِ حِينَئِذٍ وَمَتَى كَانَ السَّبَبُ لَيْسَ مُوقِعًا فِيهِ كَأَنْ فَقَدَ الْحَلَالَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ جَازَ الْأَكْلُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْأَكْلِ لَيْسَ هُوَ السَّفَرَ وَلَا الْحَضَرَ فَجَازَ وَإِنْ عَصَى بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ قَالَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْعَاصِي بِإِقَامَتِهِ كَالْمُسَافِرِ إذَا كَانَ الْأَكْلُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الْإِقَامَةِ وَقَوْلُهُمْ تُبَاحُ الْمَيْتَةُ لِلْمُقِيمِ الْعَاصِي بِإِقَامَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ اهـ.
وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْته وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَإِنْ كَانَ لِفَقْدِ الْمَاءِ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ لِلتَّفْصِيلِ السَّابِقِ فِي الْمُضْطَرّ؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ عَصَى بِنَحْوِ السَّفَرِ الَّذِي نَشَأَ الْفَقْدُ عَنْهُ فَيَمْتَنِعُ وَتَارَةً لَا يَجُوز لَكِنْ خَالَفْنَا ذَلِكَ هُنَا نَظَرًا لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ سِوَاهُ فَجَوَّزْنَاهُ
стр. 230
لَهُ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ لِجُرْحٍ أَوْ نَحْوِهِ فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْقَفَّالِ السَّابِقِ أَنَّهُ إنْ عَصَى بِالسَّفَرِ أَوْ الْإِقَامَةِ امْتَنَعَ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ وَالْإِقَامَةَ لَا دَخْلَ لَهُمَا فِي إبَاحَتِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُمَا السَّبَبَ لِنَحْوِ الْجُرْحِ الْمُجَوِّز لِلتَّيَمُّمِ فَإِنْ تُصُوِّرَ ذَلِكَ زَالَ الْإِشْكَال.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّ جَمْعَ التَّقْدِيمِ أَوْ التَّأْخِير قَدْ يَكُونُ أَفْضَلِ وَلَا تَفَاضُلَ بَيْنَ الْجَائِزَيْنِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْجَمْعُ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا لَا مَنْدُوبًا لَكِنَّ التَّفَاضُلَ بَيْنَ نَوْعَيْهِ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُ الْجَمْعِ الْجَائِز حَتَّى يُرَدَّ مَا ذُكِرَ بَلْ مِنْ حَيْثُ مَا اقْتَرَنَ بِأَحَدِهِمَا مِنْ الْكَمَالِ الَّذِي عَادَ عَلَى الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ بِكَمَالٍ خَلَى عَنْهُ الْجَمْعُ الْآخَر.
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فِي جَمْعِ التَّقْدِيم وَجَبَ إعَادَتهمَا؛ لِأَنَّ كُلًّا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرُّكْنَ مِنْهَا وَيُمْنَعُ جَمْعُ التَّقْدِيمِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الثَّانِيَة فَيَطُولَ بِهَا الْفَصْلُ فَوَجَبَ فِعْلُهُمَا فِي وَقْتَيْهِمَا وَامْتَنَعَ جَمْعُ التَّقْدِيمِ أَخْذًا بِالْأَسْوَأِ فِيهِمَا فَهَلْ يَمْتَنِعُ جَمْعُ التَّأْخِيرِ أَيْضًا أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صَرَّحَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ وَوَجْهُهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ خِلَافَهُ أَنَّهُ حَيْثُ أُمِرَ بِإِعَادَتِهِمَا. فَكَأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَفْعَلهُمَا فَيَجُوزُ لَهُ جَمْعُ التَّأْخِيرِ فَإِنْ قُلْت مُقْتَضَى هَذَا جَوَازُ جَمْعِ التَّقْدِيمِ لِمَا ذُكِرَ وَأَيْضًا فَكَمَا رُوعِيَ فَسَادُ الثَّانِيَة حَتَّى امْتَنَعَ جَمْعُ التَّقْدِيمِ يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهُ حَتَّى يَمْتَنِعَ جَمْعُ التَّأْخِيرِ قُلْت إنَّمَا رَاعَيْنَا ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ بِالنِّسْبَةِ لِجَمْعِ التَّقْدِيم؛ لِأَنَّا لَوْ لَمْ نُرَاعِهِ لَوَقَعَتْ الْعَصْرُ فَاسِدَةً عَلَى أَحَدِ التَّقَادِيرِ فَكَانَ الْأَسْوَأُ امْتِنَاعَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا وَأَمَّا الْأُولَى فَصَحِيحَةٌ عَلَى سَائِرِ التَّقَادِيرِ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ هِيَ الْفَاسِدَة فَوَاضِحٌ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَدَاءٌ وَإِنْ كَانَ الْفَاسِد الثَّانِيَة فَقَدْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا وَلَا يَضُرُّ ضَمُّهُ إلَيْهَا صُورَةَ فَرْضٍ آخَرَ احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ فَمَنْ أَطَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا كَأَنَّهُ لَمْ يَلْحَظْ مَا قُلْنَاهُ وَلَمْ يَتَأَمَّلْهُ إذْ بِتَأَمُّلِهِ يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ وَيَظْهَرُ بُطْلَانُ جَمِيعِ مَا أَوْرَدَهُ الْمُعْتَرِضُ وَتَكَثَّرَ أَوْ شَنَّعَ بِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ سَافَرَ وَدَارُهُ خَارِجَ السُّورِ لَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى الدُّخُولِ مِنْ السُّورِ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ إلَى مَقْصِدِهِ فَهَلْ يَكُونُ ابْتِدَاءُ سَفَرِهِ مَاذَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ وَرَاءَ السُّورِ عِمَارَاتٌ وَسَافَرَ مَنْ دَارُهُ خَارِجَهُ وَاحْتَاجَ فِي الذَّهَابِ إلَى مَقْصِدِهِ لِلدُّخُولِ مِنْ السُّورِ ثُمَّ الْخُرُوجِ مِنْهُ ثُمَّ قَطْعِ الْعِمَارَاتِ الَّتِي وَرَاءَهُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ أَنَّهُ لَا يَتَرَخَّص حَتَّى يُجَاوِزَ الْعِمَارَاتِ الَّتِي وَرَاءَ السُّورِ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّورَ لَا عِبْرَةَ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بَلْ جَمِيعِ الْعِمَارَاتِ الَّتِي خَارِجَ السُّورِ بِمَنْزِلَةِ بَلَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَتِهَا وَإِنْ خَرَجَ مِنْ السُّورِ.
(وَسُئِلَ) أَيْضًا ﵁ عَنْ مُسَافِرٍ صَلَّى الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا ثُمَّ أَعَادَهَا جَمَاعَةً فَهَلْ لَهُ جَمْعُ الْعَصْرِ تَقْدِيمًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إذْ الْفَرْضُ هُوَ الْأُولَى فَالْمُعَادَةُ فَاضِلَةٌ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الْمُسَافِر إذَا أَرَادَ الْجَمْعَ تَأْخِيرًا ثُمَّ أَرَادَ دُخُولَ مَقْصِدِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ قَبْلَ فِعْلِ الظُّهْرِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ بِأَنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مَقْصِدِهِ قَبْلَ فِعْلِ الظُّهْرِ كَمَا قَدَّمْته مَبْسُوطًا وَأَشَرْت ثَمَّ إلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَبْسُوطَةٌ أَيْضًا فِي حَاشِيَتِي عَلَى إيضَاحِ النَّوَوِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ هَلْ السَّفَرُ لِلتَّنَزُّهِ كَالسَّفَرِ لِرُؤْيَةِ الْبِلَادِ أَوْ لَا فَمَا الْفَرْقُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ أَنَّ التَّنَزُّهَ قَصْدٌ صَحِيحٌ يُبِيحُ الْقَصْرَ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْبِلَادِ لَكِنْ فَرَضُوا الْكَلَامَ فِي التَّنَزُّهِ فِيمَا لَوْ سَلَكَ أَبْعَدِ الطَّرِيقَيْنِ لِذَلِكَ وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ قَاصِدَ الثَّانِي غَيْرُ جَازِمٍ بِمَقْصِدٍ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّهُ كَالْهَائِمِ بِخِلَافِهِ فِي التَّنَزُّهِ. قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَالْوَجْهُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ التَّنَزُّهَ هُنَا لَيْسَ هُوَ الْحَامِلَ عَلَى السَّفَرِ بَلْ الْحَامِلُ عَلَيْهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَسَفَرِ التِّجَارَةِ وَلَكِنَّهُ سَلَكَ أَبْعَدَ الطَّرِيقَيْنِ لِلتَّنَزُّهِ فِيهِ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْبِلَادِ فَإِنَّهُ الْحَامِلُ عَلَى السَّفَرِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْحَامِلَ عَلَيْهِ كَانَ كَالتَّنَزُّهِ هُنَا وَلَوْ كَانَ التَّنَزُّهُ هُوَ الْحَامِلُ عَلَيْهِ كَانَ كَمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْبِلَادِ فِي تِلْكَ اهـ. وَحَاصِلُ كَلَامِهِ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْوَجْهُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ التَّنَزُّهَ غَرَضٌ صَحِيحٌ يُقْصَدُ فِي الْعَادَةِ لِلتَّدَاوِي وَنَحْوِهِ كَإِزَالَةِ
стр. 231
الْعُفُونَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَاعْتِدَالِ الْمِزَاجِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْبِلَادِ إذَا خَلَا عَنْ ذَلِكَ كَأَنْ قَصَدَ السَّفَرَ لِبَلَدِ كَذَا لِيَنْظُر بِنَاءَهَا مِنْ مَاذَا أَوْ هَلْ هِيَ صَغِيرَةٌ أَوْ كَبِيرَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ بِالْعَبَثِ أَشْبَهُ فَمِنْ ثَمَّ جَازَ لِلْأَوَّلِ الْقَصْرُ لِصِحَّةِ غَرَضِهِ بِخِلَافِ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ لَهُ مَقْصِدٌ مَعْلُومٌ لِفَسَادِ غَرَضِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إتْعَابَ نَفْسِهِ وَدَابَّتِهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ صَلَّى فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ الظُّهْرَ ثُمَّ تَيَقَّنَ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْعَصْرِ تَرْكَ رُكْنٍ مِنْ الْأُولَى هَلْ يَبْطُلَانِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ تَذَكُّرِهِ وَسَلَامِ الْأُولَى بَطَّلْنَا الظُّهْرَ لِتَعَذُّرِ الْبِنَاءِ عَلَيْهَا. وَالْعَصْرَ لِوُقُوعِهَا وَتَحَرُّمُ الْأُولَى بَاقٍ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بَيْنَ التَّذَكُّرِ وَسَلَامِ الْأُولَى لَغَا مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْعَصْرِ وَكَمَّلَ الظُّهْرَ وَإِطْلَاقُ الرُّويَانِيِّ بُطْلَانَهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى الْحَالَةِ الْأُولَى وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ ثُمَّ نَوَى وَهُوَ سَائِرٌ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ الْبَلَدَ الْفُلَانِيَّةَ يُقِيمُ بِهَا أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَهَلْ يَنْقَطِعُ سَفَرُهُ بِوُصُولِهَا أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ انْقِطَاعُ سَفَرِهِ بِوُصُولِهَا مَا لَمْ يَكُنْ عَازِمًا عَلَى فِعْلٍ يُنَاقِضُ نِيَّته الْأُولَى وَلَا أَثَرَ لِنِيَّتِهِ الْأُولَى وَهُوَ سَائِرٌ حَيْثُ كَانَ مُسْتَقِلًّا وَأَمَّا قَوْلُ الْمَجْمُوع شَرْطُ تَأْثِيرِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ أَنْ يَكُونَ حَالَ النِّيَّةِ مَاكِثًا فَهُوَ فِيمَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ الْآنَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ سَائِرًا لَمْ يُعْتَدّ بِهَا؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ يُكَذِّبُهَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَاكِثًا سَوَاء أَصَلُحَ الْمَحَلُّ لِلْإِقَامَةِ أَوْ لَا أَمَّا فِي صُورَتِنَا فَنِيَّتُهُ صَحِيحَةٌ وَلَا فِعْلَ صَدَرَ مِنْهُ يُعَارِضُهَا فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِتَأْثِيرِهَا إذَا وَصَلَ الْمَحَلَّ الَّذِي نَوَى الْإِقَامَةَ بِهِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ أَذَّنَ الظُّهْرُ مَثَلًا وَهُوَ عَلَى مَاءٍ فَهَلْ لَهُ نِيَّةُ تَأْخِيرِهَا إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ وَإِنْ كَانَ يُصَلِّيهِمَا وَيَتَيَمَّمُ بِمَحَلٍّ لَا مَاءَ فِيهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقهمْ فِي بَابِ السَّفَرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُلْحَقَ بِمَنْ مَرَّ بِمَاءٍ فِي الْوَقْتِ وَهَذَا أَقْرَبُ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ عَدَمُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ لَكِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ الْقِيَاسُ وُجُوبُهُ كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَعَلَيْهِ فَيَتَقَيَّد بِمَا فِي قَبُولِهَا مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِهَا فِي الْوَقْتِ وَأَنْ لَا يُمْكِنَ تَحْصِيلُهُ بِغَيْرِهَا وَأَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَيْهِ الْمَالِكُ وَأَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ عَنْ طَلَبِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ إذَا أُكْرِهَ عَلَى سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ مِنْ الْوَاضِحِ أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ عَاصٍ بِسَفَرِهِ فَيَتَعَاطَى سَائِرَ رُخَصِ السَّفَرِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَابِهِ بِشَرْطِهِ الْمُقَرَّر.
ثَمَّ (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ إذَا كَانَ عَلَى رَجُلٍ لِآخَر دَيْنٌ حَالٌّ وَهُوَ مَلِيءٌ بِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ فَهَلْ إذَا تَحَقَّقَ رِضَاهُ بِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ لَمْ يَمْنَعْهُ السَّفَرَ يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَذَاكَ وَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أَكْلِ طَعَامِهِ إذَا تَحَقَّقَ رِضَاهُ مَعَ أَنَّ فِي الْأَكْلِ هَلَاكَ مَالِهِ وَهَلْ فَرْقٌ بَيْنَ كَوْنِ الدَّيْنِ كَثِيرًا أَوْ أَقَلَّ مَا يَتَمَوَّلُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ كَالصَّرِيحِ فِي جَوَازِ السَّفَرِ فَمَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَالُ قَلِيلًا أَمْ كَثِيرًا بِشَرْطِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَتِهِ فَإِنْ تَرَدَّدَ أَوْ جَهِلَ حَالَ الدَّائِنِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ السَّفَرُ وَإِنْ قَصَرَ إلَّا بَعْدَ صَرِيحِ الْإِذْنِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ الْمَدْيُونِ الْمَلِيءِ إذَا سَافَرَ بِغَيْرِ إذْنِ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ نَاسِيًا لِلدَّيْنِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إرْسَالِ دَيْنِهِ إلَّا مِنْ الْبَلَدِ الَّتِي هُوَ قَاصِدُهَا إمَّا لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَكَانَ يَتَعَاطَى رُخَصَ السَّفَرِ مِنْ أَوَّلِ سَفَرِهِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ فِي سَفَرِهِ وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِي مَا قَصَرَهُ أَوْ صَلَّاهُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ كَأَنْ جَمَعَ تَقْدِيمًا أَوْ أَفْطَرَ صَوْمًا وَاجِبًا أَمْ لَا؟ فَإِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُرْسِلَ بِالدَّيْنِ غَيْرَهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ قَبْلَ وُصُولِ الدَّيْنِ إلَى صَاحِبِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ إذَا تَذَكَّرَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ إرْسَالُ الدَّيْنِ لِدَائِنِهِ بِنَفْسِهِ وَلَا بِوَكِيلِهِ لِخَوْفٍ أَوْ نَحْوِهِ فَهُوَ لَيْسَ بِآثِمٍ فَيَتَرَخَّص بِالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ سَفَرُهُ أَوْ يَقْدِرَ عَلَى الْإِرْسَال وَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ الثِّقَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الطَّرِيقِ نَحْوُ خَوْفٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ فَوْرًا وَمَتَى أَخَّرَهُ عَصَى بِسَفَرِهِ إلَى جِهَةِ مَقْصِدِهِ وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الرُّخَصُ مُطْلَقًا.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا.
стр. 232
تَعَارَضَ الْقَصْرُ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ الْمُسَافِر وَالْجَمَاعَةُ بِأَنْ لَمْ يَجِدْهَا إلَّا وَرَاءَ مُتِمٍّ فَمَا الْأَفْضَلُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْجَمَاعَة فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالْقَصْرُ سُنَّةٌ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ السُّنَّةِ وَأَيْضًا فَأَبُو حَنِيفَةَ الْقَائِلُ بِوُجُوبِهِ يُوجِبُ الْإِتْمَامَ عِنْدَ الِاقْتِدَاءَ بِمُتِمٍّ فَانْدَفَعَتْ مُرَاعَاةُ خِلَافِهِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ هَلْ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ الْقَصْرُ وَالْجَمْعُ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ وَالْفِطْرُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الرُّخَصِ الْمُبَاحَة إذَا كَانَ الْغَرِيمُ ظَاهِرًا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِأَنْ كَانَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي الْبَحْرِ وَكَانَ مَنْ وَجَدَهُ مَثَلًا قَتَلَهُ وَأَسَرَهُ وَنَهَبَهُ فَهَلْ يَجُوزُ لِذَلِكَ الْمُسَافِر الْإِقْدَام عَلَى مِثْلِ هَذَا السَّفَرِ.
وَيَجُوزُ لَهُ التَّرَخُّص بِجَمِيعِ الرُّخَصِ الْمُبَاحَة أَمْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ يَجُوزُ وَلَا يَحِلُّ مِثْلُ ذَلِكَ فَهَلْ ارْتِكَابُ مِثْلِ هَذَا مِنْ الْكَبَائِرِ أَمْ لَا وَمَا الْمُعْتَمَدُ عِنْدَكُمْ فِي التَّرْجِيح أَيْضًا وَذَلِكَ فِيمَا إذَا أَقَامَ الرَّجُلُ بِبَلْدَةٍ وَكَانَ بِنِيَّةِ الِارْتِحَالِ كُلَّ وَقْتٍ مِنْهَا فَهَلْ لَهُ الْفِطْرُ كَالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَمْ لَا وَأَيْضًا قَدْ سُئِلَ الْمَمْلُوكُ فِي إقَامَته هَذِهِ فِيمَا إذَا شَرِبَتْ الْأَرْضُ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ مَثَلًا وَكَانَ لَا يَصْلُحُ وَيَحْسُنُ بَذْرُهَا إلَّا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَذَلِكَ اتَّفَقَ فِي الْيَمَنِ فِي السَّنَةِ هَذِهِ وَكَانَ أَهْلُهَا أَيْ: الْأَرْضُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى بَذْرِهَا لِشِدَّةِ الْجُوعِ وَالظَّمَإِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَهَلْ يُبَاحُ لَهُمْ الْفِطْرُ أَوْ لَا. وَهَلْ الْأَرْبَعُ رَكَعَات الَّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا النَّبِيُّ ﷺ هَلْ هِيَ سُنَّةُ الظُّهْرِ أَوْ هِيَ غَيْرُهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ غَلَبَ فِي سَفَرِ الْبَحْرِ أَخْذُ الْفِرِنْجِ وَأَسْرُهُمْ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ حَرُمَ السَّفَرُ فِيهِ وَكَانَ مَعْصِيَةً فَلَا يُبَاحُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ وَالْإِلْقَاءُ بِالنَّفْسِ إلَى الْهَلَاكِ كَبِيرَةٌ بَلْ مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ كَمَا بَيَّنْته فِي كِتَابِي الزَّوَاجِرِ عَنْ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ وَمَنْ كَانَ سَفَرُهُ سَفَرًا يُبِيحُ الرُّخَصَ بِالْفِطْرِ وَالْقَصْرِ وَنَحْوِهِمَا فَأَقَامَ بِبَلَدٍ لِحَاجَةٍ يَتَوَقَّعُ قَضَاءَهَا قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ وَيُفْطِرَ فِي رَمَضَانَ وَيَفْعَلَ سَائِرَ رُخَصِ السَّفَرِ إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَيُبَاحُ الْفِطْرُ لِنَحْوِ الْحَرَّاثِ وَالضَّمَّامِ وَهُوَ مَنْ يَقْطَعُ الزَّرْعَ إذَا يَبِسَ إذَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ فِعْلُهُ لَيْلًا وَلَا تَأْخِيرُهُ إلَى فَرَاغِ رَمَضَانَ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِ وَلَوْ مِنْ الدَّوَابِّ فَقَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبِهِ صَرَّحُوا فِي الْفِطْرِ لِإِنْقَاذِ مَالٍ مُشْرِفٍ عَلَى تَلَفٍ وَهَذَا مِنْهُ.
وَبِفَرْضِ وُقُوعِ خِلَافٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمَانِعِ مِنْ الْفِطْرِ فِيهَا عَلَى مَا أَشَرْت إلَيْهِ وَهُوَ مَا إذَا أَمْكَنَ التَّأْخِيرُ لَيْلًا أَوْ إلَى فَرَاغِ رَمَضَانَ وَإِلَّا فَكَلَامُهُ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ وَالسُّقُوطِ وَسُنَّةُ الزَّوَالِ أَرْبَعٌ وَهِيَ غَيْرُ سُنَّةِ الظُّهْرِ الَّتِي هِيَ أَرْبَعٌ أَيْضًا وَكَانَ ﷺ رُبَّمَا جَمَعَ وَرُبَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِحَسَبِ فَرَاغِهِ ﷺ وَاشْتِغَالِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ جَمَاعَةٍ يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ وَإِمَامُهُمْ قَارِئٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يُحْسِنُهَا فَهَلْ تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ حَيْثُ كَانَ إمَامُهُمْ قَارِئًا أَمْ لَا تَصِحُّ وَأَنَّا رَأَيْنَا فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ كَلَامًا لَمْ يُفْهَمْ الرَّاجِحُ مِنْهُ فَبَيِّنُوا لَنَا مَا هُوَ الرَّاجِحُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ أَرْبَعُونَ أُمِّيًّا فَقَطْ وَاتَّفَقُوا أُمِّيَّةً لَزِمَتْهُمْ الْجُمُعَةُ لِصِحَّةِ اقْتِدَاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ أُمِّيًّا وَبَعْضُهُمْ قَارِئًا فَإِنَّ جُمُعَتَهُمْ لَا تَصِحُّ لِارْتِبَاطِ صَلَاةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَأَشْبَهَ اقْتِدَاءَ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفُوا أُمِّيَّةً وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَعْرِفُ أَوَّلَ الْفَاتِحَةِ وَبَعْضُهُمْ يَعْرِفُ آخِرَهَا فَإِنَّ جُمُعَتَهُمْ لَا تَصِحُّ لِمَا ذَكَرُوا فِي الْبَغَوِيِّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ لَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِيمَا إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ أُمِّيًّا وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا إذَا قَصَّرَ الْأُمِّيُّ فِي التَّعَلُّم وَإِلَّا فَتَصِحُّ الْجُمُعَةُ إذَا كَانَ الْإِمَامُ قَارِئًا قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ جَهِلُوا كُلُّهُمْ الْخُطْبَةَ لَمْ تَجُزْ الْجُمُعَةُ بِخِلَافِ مَا إذَا جَهِلَهَا بَعْضُهُمْ فَإِنَّهَا تُشْرَطُ لِصِحَّتِهَا وَمُرَادُهُ بِجَوَازِهَا فِي الشِّقِّ الثَّانِي مَا يَصْدُقُ بِالْوُجُوبِ فَإِنَّهُ إذَا عَرَفَهَا وَاحِدٌ مِنْ الْأُمِّيِّينَ الْمُسْتَوِينَ لَزِمَتْهُمْ كَمَا مَرَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ وَفَسَّحَ فِي مُدَّتِهِ -
стр. 233
عَمَّا إذَا كَانَ فِي قَرْيَةٍ مَسْجِدٌ ثُمَّ تَعَطَّلَ لِكَوْنِهِ بَعِيدًا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ أَوْ لِكَوْنِ مَا حَوْلَهُ مُتَعَطِّلًا فَأَرَادُوا أَنْ يَعْمَلُوا مَسْجِدًا آخَرَ وَالْمَسْجِدُ الثَّانِي تَحْضُرُهُ الْجَمَاعَة فَهَلْ لَهُمْ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) ﵁ بِأَنَّهُ يَجُوزُ بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ الْكَثِيرَةِ فِي الْبَلَدِ وَلَوْ صَغِيرَةً وَلَا حَجْرَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذَلِكَ نَعَمْ لَا يَجُوزُ تَعْدِيدُ الْجُمُعَةِ فِي بَلَدٍ إلَّا إذَا ضَاقَ مَسْجِدُهَا عَنْ أَهْلِهَا فَلَهُمْ حِينَئِذٍ بِنَاءُ مَسْجِدٍ آخَرَ وَإِقَامَةُ جُمُعَةٍ ثَانِيَةٍ فَهُوَ بِخِلَافِ مَا إذَا وَسِعَهُمْ مَسْجِدُهَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ بِنَاءُ مَسْجِدٍ لِأَجْلِ إقَامَةِ جُمُعَةٍ أُخْرَى فِيهِ لِامْتِنَاعِهَا حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ فِيمَنْ أَدْرَكَ إمَامَ الْجُمُعَةِ فِي الثَّانِيَة. بَعْدَ أَنْ فَارَقَهُ الْقَوْمُ فِيهَا وَقُلْنَا إنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ الْجَمَاعَة فِي الثَّانِيَة فَهَلْ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ بِصَلَاتِهِ لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ فَقَطْ فَيُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الْأُولَى مَعَ أَرْبَعِينَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - بِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ بِمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَةَ الْإِمَامِ الثَّانِيَة وَقَدْ أَطْلَقَ الْأَئِمَّةُ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الثَّانِيَة مَعَ الْإِمَامِ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ وَلَا نَظَرَ لِمُفَارَقَةِ الْمَأْمُومِينَ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعَدَدِ فِيهِمْ بَاقٍ إلَى انْقِضَاءِ الْجُمُعَةِ وَكَأَنَّهُمْ بَاقُونَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا اخْتَلَفَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِي مَسْأَلَةٍ وَلَمْ نَعْلَمْ الرَّاجِحَ فَأَيُّهُمَا نَعْمَلُ بِقَوْلِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْعِبْرَةُ بِمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ وَجَزَاهُ عَنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ خَيْرًا فَإِنَّهُ الْحَبْرُ الْحُجَّةُ الْمُطَّلِعُ الْمُحَرِّرُ بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُعْدَلُ عَمَّا رَجَّحَهُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ كَانَ بِالْخَلَاءِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ يَسْمَعُ الْخَطِيبَ خَارِجًا عَنْ الْمَسْجِدِ هَلْ يُعَدُّ مِنْ الْأَرْبَعِينَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ أَنْ يُعْتَدّ بِسَمَاعِ مَنْ بِالْخَلَاءِ وَنَحْوِهِ فَقَدْ قَالُوا لَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ وَالْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ فَتَنْعَقِدُ بِهِمْ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ بِالْخَلَاءِ وَنَحْوِهِ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَتَنْعَقِدُ بِهِ.
وَكَوْنُهُ حَالَةَ السَّمَاعِ عَلَى هَيْئَةٍ تُنَافِي الصَّلَاةَ لَا أَثَرَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ اشْتِرَاطِ سَمَاعِهِمْ اتِّعَاظُهُمْ بِمَا يَسْمَعُونَ فِي الْجُمْلَةِ وَهَذَا الْمَقْصُودُ حَاصِلٌ بِسَمَاعِ مَنْ بِالْخَلَاءِ وَنَحْوِهِ وَمَنْ عَبَّرَ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ حُضُورُ أَرْبَعِينَ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِهِمْ سَوَاءٌ كَانُوا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ خَارِجَهُ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ إقَامَتِهَا الْمَسْجِدُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَلَوْ أَقَامُوهَا فِي فَضَاءٍ بَيْنَ الْعُمْرَانِ صَحَّتْ.
فَإِنْ قُلْت عَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالسَّمَاعِ وَبَعْضُهُمْ بِالْحُضُورِ وَبَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ إذْ يَجْتَمِعَانِ فِي حَاضِرٍ يَسْمَعُ. وَتَنْفَرِدُ الْأُولَى فِي حَاضِرٍ أَصَمَّ وَالثَّانِيَةُ فِي بَعِيدٍ يَسْمَعُ فَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا قُلْت هَذَا إنَّمَا يَصِحُّ لَوْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ.
أَمَّا إذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُمَا وَاحِدًا وَهُوَ السَّمَاعُ فَلَا عُمُومَ وَلَا خُصُوصَ وَقَوْلُ الشَّاشِيِّ لَا يُشْتَرَطُ السَّمَاعُ حَتَّى لَوْ كَانُوا صُمًّا كَفَى حُضُورُهُمْ شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَإِنْ تَبِعَهُ عَلَيْهِ فِي الْبَيَانِ فَإِنْ قُلْت
قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فِي الْجُمُعَةِ مُبَاهَاةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِحُضُورِهِمْ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ عَلَى صِفَات الْكَمَالِ فَيَخْرُجُ مَنْ بِالْخَلَاءِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِحُضُورِهِ وَلَا سَمَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى صِفَةِ أَهْلِ الْكَمَالِ. قُلْت هَذَا الَّذِي قِيلَ لَا يَصِحُّ وَإِنَّمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حِكْمَةً لِأَصْلِ الِاجْتِمَاعِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَتَخْصِيصه بِخُصُوصِيَّاتٍ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدِ الْمُؤْمِنِينَ وَفِيهِ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ وَفِيهِ خُلِقَ آدَم وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ الَّتِي تَزِيدُ عَلَى الْمِائَةِ وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ ذَلِكَ حِكْمَةٌ لِأَصْلِ الِاجْتِمَاعِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ جَمَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْجُمُعَةُ فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ إنَّ لِلْيَهُودِ يَوْمًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ كُلَّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ وَلِلنَّصَارَى مِثْلُ ذَلِكَ فَهَلُمَّ فَلْنَجْعَلْ لَنَا يَوْمًا نَجْتَمِعُ فِيهِ نَذْكُرُ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى. وَنُصَلِّي وَنَشْكُرُهُ فَجَعَلُوهُ يَوْمَ الْعُرُوبَةِ وَاجْتَمَعُوا إلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فَصَلَّى بِهِمْ يَوْمئِذٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ وَاشْتِرَاطُ حُضُورِهِمْ وَسَمَاعِهِمْ لِأَرْكَانِ الْخُطْبَةِ
стр. 234
فَلَيْسَ أَمْرًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مِقْدَارِ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ فِيهَا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى اشْتِرَاطِ مُطْلَقِ الْعَدَدِ وَالْقَوْلُ بِصِحَّتِهَا مِنْ الْوَاحِدِ لَعَلَّهُ غَلَطٌ وَإِنْ نَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ لِمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوع أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الْجُمُعَةِ وَطَالَ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَوْلًا أَدْنَاهَا يُشْتَرَطُ اثْنَانِ وَأَعْلَاهَا يُشْتَرَطُ ثَمَانُونَ.
وَمَحَلُّ بَسْطِ الِاسْتِدْلَالِ لِمَذْهَبِنَا كُتُبُ أَصْحَابِنَا وَقَدْ وَفَّى بِمَا فِيهَا النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ وَزَادَ عَلَيْهِ فَجَزَاهُ اللَّهُ عَنْ الْمَذْهَبِ وَأَهْلِهِ خَيْرَ الْجَزَاءِ وَأَكْمَلَهُ وَأَتَمَّهُ وَأَعَمَّهُ. ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ صَرَّحَ بِمَا ذَكَرْته مِنْ الِاعْتِدَادِ. بِسَمَاعِ مَنْ بِالْخَلَاءِ وَنَحْوِهِ فَقَالَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فَائِدَةً أَغْرَبَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ وَسَتْرٍ حَالَ الْخُطْبَةِ كَالْخَطِيبِ وَكَلَامُ الْإِمَام يُفْهِمُ جَرَيَانَ الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِيهِمْ قَالَ صَاحِبُ التَّنْجِيزِ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ.
قُلْت كَلَامُ الْجَمَاعَة سَاكِتٌ عَنْهُ وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِمْ مِنْ الْكَمَالِ مَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ أَوْ بِأَنَّ عَدَمَ ذَلِكَ قَدْ يُفْضِي إلَى عَدَمِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَعِلَّةُ تَوْجِيهِهِ مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْإِمَامِ مِنْ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِيهِمْ تُرَدُّ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا كَالْإِمَامِ لِلْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ الْكَمَالِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِمْ إلَّا إنْ كَانَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ دُونَ مَا إذَا كَانَ زَائِدًا عَلَيْهِمْ وَكَوْنُ عَدَمِ ذَلِكَ قَدْ يُفْضِي إلَى عَدَمِ الْمُوَالَاةِ لَا يُؤَثِّرُ كَمَا لَا يَخْفَى فَاتَّضَحَ مَا قَالَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَة غَرِيبَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) - أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ - عَنْ بَلَدٍ تُسَمَّى رَاوَانَ بِهَا ثَلَاثُ قُرًى مَفْصُولَةٍ مُخْتَصَّةٍ كُلُّ قَرْيَةٍ بِاسْمٍ وَصِفَةٍ بَيْنَ كُلِّ قَرْيَةٍ وَقَرْيَةٍ أَقَلُّ مِنْ خَمْسِينَ ذِرَاعًا مَثَلًا فَبَنَوْا مَسْجِدًا لِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي خُطَّةِ أَبْنِيَةِ أَوْطَانِ الْمُجْمِعِينَ فَصَلَّوْا فِيهِ مُدَّةً مَدِيدَةً فَحَصَلَ بَيْنَهُمْ مُقَاتَلَةٌ فَانْفَرَدَتْ قَرْيَةٌ مِنْ الثَّلَاثِ بِجُمُعَةٍ فِي قَرْيَتِهِمْ وَأَهْلُ الْقَرْيَتَيْنِ بَنَوْا مَسْجِدًا ثَانِيًا لِجُمُعَةٍ أُخْرَى وَيَتِمُّ الْعَدَدُ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ فَهَلْ الْجُمُعَتَانِ صَحِيحَتَانِ أَوْ بَاطِلَتَانِ.
فَإِنْ قُلْتُمْ بِالصِّحَّةِ لِلضَّرُورَةِ وَحَصَلَ بَيْنَهُمْ أَمَانٌ فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا لِجُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَبْطُلُ الْأُخْرَى بِوُجُودِ الْأَمَانِ بَيْنَهُمْ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ بِاللُّزُومِ وَامْتَنَعُوا مِنْ الْحُضُورِ لِجُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ فَهَلْ الْجُمُعَتَانِ صَحِيحَتَانِ أَوْ بَاطِلَتَانِ أَوْ إحْدَاهُمَا صَحِيحَةٌ وَالْأُخْرَى بَاطِلَةٌ فَإِذَا لَمْ تُعْلَمْ السَّابِقَةُ مِنْهُمَا فَهَلْ يَلْزَمُ كُلًّا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ إقَامَةُ جُمُعَةٍ وَإِعَادَةُ ظُهْرٍ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ حَيْثُ كَانَتْ الْقُرَى الْمَذْكُورَةُ مُتَمَايِزًا بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَكَانَ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ لَزِمَ أَهْلُ كُلِّ قَرْيَةٍ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي بَلَدِهِمْ وَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا بَلَدَهُمْ مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ جُمُعَةٍ فِيهَا وَيَذْهَبُوا إلَى أُخْرَى فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَثِمُوا إثْمًا شَدِيدًا لَكِنَّ جُمُعَتَهُمْ صَحِيحَةٌ فَلَا يَلْزَمُهُمْ إعَادَةُ الظُّهْرِ وَإِذَا أَقَامَ أَهْلُ كُلِّ قَرْيَةٍ الْجُمُعَةَ فِي بَلَدِهِمْ خَرَجُوا عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ وَصَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ سَوَاءٌ الْمُتَقَدِّمَةُ وَالْمُتَأَخِّرَةُ.
وَإِنَّمَا يَأْتِي التَّفْصِيلُ بَيْنَ عِلْمِ السَّابِقَةِ وَغَيْرِهَا إذَا أُقِيمَتْ جُمُعَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِي بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى التَّعَدُّدِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَ أَبْنِيَةِ الْبَلَدِ مَسْجِدٌ أَوْ فَضَاءٌ يَسَعُ أَهْلَهَا فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لَهُمْ تَعَدُّدُهَا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَحَلٌّ يَسَعُهُمْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ التَّعَدُّدُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَإِنْ زَادَ التَّعَدُّدُ عَلَى الْحَاجَةِ فَالسَّابِقَةُ إذَا عُلِمَتْ هِيَ الصَّحِيحَة وَالْمُعْتَبَرُ فِي السَّبْقِ رَاءُ تَكْبِيرَةِ إحْرَامِ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ السَّابِقَةُ أَوْ عُلِمَتْ ثُمَّ نُسِيَتْ وَجَبَ الظُّهْرُ عَلَى الْجَمِيعِ وَإِنْ عُلِمَ وُقُوعُهُمَا مَعًا أَوْ لَمْ يُعْلَمْ سَبْقٌ وَلَا مَعِيَّةٌ أُعِيدَتْ الْجُمُعَةُ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَيُنْدَبُ لَهُمْ أَنْ يُقِيمُوا الْجُمُعَةَ ثُمَّ الظُّهْرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ عِبَارَةِ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ. وَلَوْ تَرَكَهَا أَهْلُ الْبَلَدِ وَصَلَّوْا الظُّهْرَ لَمْ يَصِحّ مَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ عَنْ خُطْبَتَيْنِ وَرَكْعَتَيْنِ انْتَهَتْ الْمَسْئُولُ مَعْرِفَةُ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْوَقْتِ فَقَدْ لَا يَعْرِفُهُ بَعْضُ الْفُقَهَاء فَضْلًا عَنْ الْعَوَامّ فَهَلْ لَهُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَهَا أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَهَلْ الْمُرَادُ بِالْخُطْبَتَيْنِ الِاقْتِصَار عَلَى لَفْظِ الْأَرْكَان فَقَطْ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ وَعْظٍ يُضَافُ إلَيْهَا لِتُسَمَّى خُطْبَةً؟
(فَأَجَابَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِقَوْلِهِ
стр. 235
لَا يَصِحُّ الظُّهْرُ مِمَّنْ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ إلَّا بِالْيَأْسِ مِنْهَا بِأَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ أَوْ يَضِيقَ الْوَقْتُ عَنْ أَقَلِّ وَاجِبٍ فِي الْخُطْبَتَيْنِ وَالرَّكْعَتَيْنِ وَيَكْفِي فِي الْوَعْظِ اتَّقُوا اللَّهَ وَمَعَ ذَلِكَ تُسَمَّى خُطْبَةً خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ السَّائِلِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ لِمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ أَهْلَ بَلَدِهِ لَا يُقِيمُونَ الْجُمُعَةَ صَلَاةَ الظُّهْرِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ فِي خَادِمِهِ بَعْدَ كَلَامٍ سَاقَهُ عَنْ الْإِمَامِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَخِّرُهَا أَيْ: الْجُمُعَةَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ بِإِخْبَارِهِ أَوْ بِجَرَيَانِ عَادَتِهِ بِذَلِكَ وَأَمْكَنَهُ الذَّهَابُ وَالْعَوْدُ وَإِدْرَاكُهُ الْإِمَامَ قَبْلَ رُكُوعِ الثَّانِيَة
يَعْنِي قَبْلَ الِاعْتِدَالِ مِنْهُ جَازَ لَهُ السَّفَرُ حِينَئِذٍ فَتُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَهُوَ فَرْعٌ نَفِيسٌ اهـ فَإِذَا جُوِّزَ لَهُ السَّفَرُ أَوَّلَ وَقْتِهَا اعْتِمَادًا عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ بِتَأْخِيرِهَا بِإِخْبَارٍ أَوْ عَادَةٍ فَيُدْرِكُهَا مَعَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَتَخَلَّفُ بِأَنْ يُصَلِّيَهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ فَلَا يُدْرِكُهَا فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الظُّهْرُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَوَّلَ الْوَقْتِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِإِخْبَارِ الْإِمَامِ أَوْ بِالْعَادَةِ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَهَا بَلْ الْجَوَازُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ الظُّهْرَ أَوَّلَ الْوَقْتِ لَا تُؤَدِّي إلَى فَوَاتِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ وَإِنْ صَلَّى الظُّهْرَ أَوَّلَهُ ثُمَّ أُقِيمَتْ الْجُمُعَةُ لَزِمَتْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّا إنَّمَا قَنَعْنَا مِنْهُ بِالظُّهْرِ أَوَّلَهُ ظَنًّا أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقَامُ فَإِذَا أُقِيمَتْ الْجُمُعَةُ بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ الظَّنِّ وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا فَلَزِمَهُ إقَامَتُهَا مَعَهُمْ وَأَمَّا السَّفَرَ أَوَّلَ الْوَقْتِ فَقَدْ يُؤَدِّي إلَى فَوَاتِهَا لَوْ قَدَّمُوهَا أَوَّلَهُ فَإِذَا جَوَّزُوا لَهُ السَّفَرَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُفَوِّتُهَا فَلَأَنْ يَجُوزَ لَهُ تَقْدِيمُ الظُّهْرِ الَّذِي لَا يُفَوِّتُهَا بِالْأَوْلَى كَمَا تَقَرَّرَ.
وَمَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ بَحْثًا سَبَقَهُ إلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ فَإِنَّهُ لَمَّا نَقَلَ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِحِلِّ السَّفَرِ الْعِلْمُ بِإِدْرَاكِهَا قَالَ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ وَالْمُتَّجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ اهـ.
وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ مُرَادَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِالْعِلْمِ غَلَبَةُ الظَّنِّ نَظِيرُ مَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِقَوْلِهِمْ يَقْضِي الْقَاضِي بِعِلْمِهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ الْبَيْضَاوِيِّ فَإِنْ ظَنَّ كُلٌّ أَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الْمَيِّتِ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهَا فُعِلَتْ سَقَطَتْ فَتَعْبِيرُ الرَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ بِالْعِلْمِ مُرَادُهُ بِهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ كَمَا بَيَّنَتْهُ عِبَارَةُ الْبَيْضَاوِيِّ الْمَذْكُورَةُ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُهُمْ يَجُوزُ الْأَكْلُ وَغَيْرُهُ مِنْ مَالِ الصَّدِيقِ إنْ عُلِمَ رِضَاهُ ثُمَّ بَيَّنُوا أَنَّ الظَّنَّ هُنَا كَافٍ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يُطْلِقُونَ الْعِلْمَ وَيُرِيدُونَ غَلَبَةَ الظَّنِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ لِلْمُعَلِّمِينَ فِي تَرْكِ التَّعْلِيم يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَثَرٌ؟
(فَأَجَابَ) أَطَالَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ حِكْمَةُ تَرْكِ التَّعْلِيم وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَشْغَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يَوْمُ عِيدِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا وَرَدَ وَيَوْمُ الْعِيدِ لَا يُنَاسِبُهُ أَنْ يُفْعَلَ فِيهِ الْأَشْغَالُ وَأَيْضًا فَالنَّاسُ مَأْمُورُونَ فِيهِ بِالتَّبْكِيرِ إلَى الْمَسْجِدِ مَعَ التَّهَيُّؤِ قَبْلَهُ بِالْغُسْلِ وَالتَّنْظِيفِ بِإِزَالَةِ الْأَوْسَاخِ وَجَمِيعِ مَا يُزَالُ لِلْفِطْرَةِ كَحَلْقِ الرَّأْسِ لِمَنْ اعْتَادَهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ بَقَاءُ الشَّعْرِ فَإِنَّ الْحَلْقَ حِينَئِذٍ سُنَّةٌ وَكَنَتْفِ الْإِبْطِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ وَقَصِّ الْأَظْفَارِ وَالتَّكَحُّلِ وَالتَّطَيُّبِ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ وَأَفْضَلُهُ الْمِسْكُ مَعَ مَاءِ الْوَرْدِ وَلَا أَشُكُّ أَنَّ مَنْ خُوطِبَ بِفِعْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مَعَ التَّبْكِيرِ بَعْدَهَا. لَا يُنَاسِبُهُ شُغْلٌ فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ حِكْمَةُ تَرْكِ سَائِرِ الْأَشْغَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ هَذَا فِيمَا قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَأَمَّا بَعْدَهَا فَالنَّاسُ مُخَاطَبُونَ بِدَوَامِ الْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِدِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لَمْ يَبْقَ مَجَالٌ لِلشُّغْلِ عَلَى أَنَّ النَّاسَ مَأْمُورُونَ بِالِاجْتِهَادِ فِي الدُّعَاءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَى غُرُوبِ شَمْسِهِ لَعَلَّ أَنْ يُصَادِفُوا سَاعَةَ الْإِجَابَةِ فَاتَّضَحَ وَجْهُ تَرْكِ الشُّغْلِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ جَمِيعِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ إذَا كَانَ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَرْبَعُونَ غَالِبُهُمْ أُمِّيُّونَ. وَنَحْوُ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ قُرَّاء فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ أَوْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْوُجُوبِ فَذَاكَ وَإِنْ قُلْتُمْ بِخِلَافِهِ وَسَمِعُوا النِّدَاءَ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ وَكَانَ بَيْنَهُمْ مُقَاتَلَةٌ فَهَلْ هُوَ عُذْرٌ فِي تَرْكِهَا أَوْ لَا وَهَلْ إذَا أَقَامُوهَا فِي بَلْدَتِهِمْ وَصَلَّوْا بَعْدَهَا ظُهْرًا أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ أَوْ التَّرْكُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ أَوْلَى بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُرَادُ بِالْأُمِّيِّ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاء مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ بِأَنْ يُخِلّ بِحَرْفٍ أَوْ تَشْدِيدَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْعَامِّيَّ إذْ هُوَ كَغَيْرِهِ حَتَّى فِي الْجُمُعَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَ إمَامُهَا عَامِّيًّا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ
стр. 236
وَالصَّلَاةَ صَحَّتْ وَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ عُلَمَاءُ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ فِي بَلَدٍ أَرْبَعُونَ أُمِّيًّا فَقَطْ وَاتَّفَقُوا أُمِّيَّةً قَالَ الْبَغَوِيّ فَيَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُمْ الْجُمُعَةُ لِصِحَّةِ اقْتِدَاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ قَالَ فَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْأَرْبَعِينَ أُمِّيًّا وَبَعْضُهُمْ قَارِئًا أَيْ: كَمَا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ لَمْ تَصِحّ الْجُمُعَةُ لِارْتِبَاطِ صَلَاةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَأَشْبَهَ اقْتِدَاءَ قَارِئٍ بِأُمِّيٍّ وَكَذَا إذَا اخْتَلَفُوا أُمِّيَّةً كَأَنْ أَحْسَنَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْفَاتِحَةِ مَا لَا يُحْسِنُهُ الْآخَرُونَ اهـ وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَحَلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ أُمِّيًّا إذَا قَصَّرَ الْأُمِّيُّ فِي التَّعَلُّم وَإِلَّا فَتَصِحُّ الْجُمُعَةُ إذَا كَانَ الْإِمَامُ قَارِئًا.
وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الصُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي السُّؤَالِ فِيهَا تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّ الْأُمِّيِّينَ إنْ قَصَّرُوا أَوْ قَصَّرَ بَعْضُهُمْ فِي التَّعَلُّم لَمْ تَصِحّ الْجُمُعَةُ وَإِلَّا صَحَّتْ فَيَلْزَمُهُمْ إقَامَتُهَا وَإِذَا لَمْ تَصِحّ فَيَلْزَمُ مَنْ قَصَّرَ فِي التَّعَلُّم التَّعَلُّمُ حَتَّى تَصِحّ الْجُمُعَةُ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ جَهِلُوا كُلُّهُمْ الْخُطْبَةَ لَمْ تَجُزْ الْجُمُعَةُ بِخِلَافِ مَا إذَا جَهِلَهَا بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهَا تُشْرَطُ لِصِحَّتِهَا وَمُرَادُهُ بِجَوَازِهَا فِي الشِّقِّ الثَّانِي مَا يَصْدُقُ بِالْوُجُوبِ فَإِنَّهُ إذَا عَرَفَهَا وَاحِدٌ مِنْ الْأُمِّيِّينَ الْمُسْتَوِينَ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ كَمَا مَرَّ عَنْهُ وَحَيْثُ لَمْ تَلْزَمْهُمْ الْجُمُعَةُ وَسَمِعُوا النِّدَاءَ بِشَرْطِهِ مِنْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يَخْشَوْا مِنْ الذَّهَابِ إلَيْهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَلَا مَالِهِمْ لَزِمَهُمْ الذَّهَابُ إلَيْهِمْ وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ مَعَهُمْ وَإِلَّا أَثِمُوا وَإِنْ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَأَمَّا صَلَاةُ الْجُمُعَةِ إذَا فُقِدَ شَرْطُهَا فَلَا تَجُوزُ وَلَا تُجْزِئُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِهِمْ وَلَا يَسْتَخْلِفُ فِي الْجُمُعَةِ إلَّا مُقْتَدِيًا بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ فَهَلْ فِي عِبَارَتهمْ مَا يُفْهِمُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا تَذَكَّرَ حَدَثَهُ قَبْلَ دُخُولِ الصَّلَاةِ لَا يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ أَحَدًا مِنْ الْمَأْمُومِينَ؛ لِأَنَّهُمْ اقْتَدَوْا بِالْإِمَامِ بَعْدَ الْحَدَثِ أَمْ لَا يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَة ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ إنَّ فِي عِبَارَتهمْ مَا يُفْهِمُ جَوَازَ الِاسْتِخْلَافِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَّلُوا امْتِنَاعه بِمَنْ لَمْ يَقْتَدِ بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ بِأَنَّ فِيهِ إنْشَاءَ جُمُعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى أَوْ فِعْلَ الظُّهْرِ قَبْلَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ وَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى هَذَا التَّعْلِيل فِيمَنْ ابْتَدَأَ الدُّخُولَ فِي الْجَمَاعَة بَعْدَ عِلْمِهِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى ابْتِدَائِهِ الْجَمَاعَة حِينَئِذٍ أَحَدُ ذَيْنِك الشَّيْئَيْنِ الْمُمْتَنِعَيْنِ وَأَمَّا مَنْ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ الزَّائِدِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ الْمُحْدِثِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَجُمُعَتُهُ خَلْفَهُ صَحِيحَةٌ إذْ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْمُحْدِثِ صَحِيحَةٌ مُحَصِّلَةٌ لِلْجَمَاعَةِ فِي الْجُمُعَةِ بِشَرْطِهَا وَفِي غَيْرِهَا وَيَتَرَتَّب عَلَيْهَا سَائِرُ أَحْكَامِ الْجَمَاعَة كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
وَإِذَا صَحَّتْ جُمُعَتُهُ فِي صُورَتِنَا قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لَمْ يَلْزَمْ عَلَى اسْتِخْلَافِهِ إنْشَاءُ جُمُعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى وَلَا فِعْلُ الظُّهْرِ قَبْلَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ فَلَا مُقْتَضَى حِينَئِذٍ لِامْتِنَاعِ اسْتِخْلَافِهِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَانِعَ لَهُ هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ ذَيْنِك الْأَمْرَيْنِ وَهُنَا لَا يَلْزَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْته عَنْهُمْ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْمُحْدِثِ صَحِيحَةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا سَائِرُ أَحْكَامِ الْجَمَاعَة بِشَرْطِهَا وَفِي غَيْرِهَا صَرِيحٌ فِي الْجَوَازِ فِي مَسْأَلَتِنَا إذْ مِنْ أَحْكَامِ الْجَمَاعَة جَوَازُ اسْتِخْلَاف أَحَدِ الْمَأْمُومِينَ الَّذِينَ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ وَجَمَاعَتُهُمْ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ مَسْأَلَتِنَا فَتَكُونُ بِهَذَا التَّقْرِير دَاخِلَةً فِي عِبَارَتهمْ. وَوَجْهُهَا ظَاهِرٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْته أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ عَلَى الِاسْتِخْلَافِ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ وَلَا عَلَى تَقَدُّمِهِ بِنَفْسِهِ مَحْذُورٌ فَلَا يَتَّضِحُ لِامْتِنَاعِ ذَلِكَ هُنَا وَجْهٌ حَتَّى يُقَالَ بِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِهِمْ شَرْطُ الْجُمُعَةِ الْجَمَاعَة إلَّا فِي الثَّانِيَة فَيَجُوزُ لِلْمَأْمُومِينَ أَنْ يُتِمّ كُلٌّ جُمُعَتَهُ فُرَادَى فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَة فَإِذَا جَاءَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الرَّكْعَةَ الْأُولَى فَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِإِمَامِ الْجُمُعَةِ أَوْ لَهُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِأَيِّ مَنْ شَاءَ مِنْ الْمَأْمُومِينَ فَإِذَا قُلْتُمْ نَعَمْ فَذَاكَ فَكَيْفَ يُحْرِمُ مَنْ جَاءَ فَإِنْ قُلْتُمْ يُحْرِمُ بِالظُّهْرِ فَكَيْفَ تَصِحُّ ظُهْرُهُ قَبْلَ الْيَأْسِ مِنْ الْجُمُعَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَنْبَنِي عَلَى مُقَدَّمَةٍ وَهِيَ أَنَّ صَاحِبَ الْبَيَانِ نَقَلَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَقَرَّهُ أَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى بِإِمَامِ الْمَسْبُوقِينَ الَّذِي مِنْهُمْ شَخْصٌ لَيْسَ مِنْهُمْ وَصَلَّى مَعَهُمْ رَكْعَةً وَسَلَّمُوا فَلَهُ أَنْ يُتِمّهَا جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ اسْتَفْتَحَ الْجُمُعَةَ فَهُوَ تَابِعٌ لِلْإِمَامِ وَالْإِمَامُ مُسْتَدِيمٌ لَا مُسْتَفْتِحٌ وَاعْتَمَدَ ذَلِكَ جَمْعٌ يَمَنِيُّونَ وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ مِمَّنْ شَرَحَ الْإِرْشَادَ فِيمَا وَقَعَ لِشَيْخِنَا زَكَرِيَّا ﵀ -
стр. 237
فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ لَكِنْ فِي هَذَا التَّنْظِير نَظَرٌ فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْأَصْحَاب امْتِنَاعُ ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ جَزَمْت بِهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا إشْكَالَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ أَنَّ الدَّاخِلَ يَلْزَمُهُ الِاقْتِدَاءَ بِوَاحِدٍ مِنْ الْمَأْمُومِينَ وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً إنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رُكُوعَ الثَّانِيَة؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ صُورَةِ صَاحِبِ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ صَحِيحَةٌ لِكُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ بِلَا نِزَاعٍ بِخِلَافِ أُولَئِكَ فَإِذَا كَانَ الْمُقْتَدِي ثَمَّ مُحَصِّلًا لِلْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِإِمَامِهِ وَإِمَامُهُ مُسْتَدِيمٌ لَا مُسْتَفْتِحٌ فَكَذَا الْمُقْتَدِي بِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِإِمَامِهِ وَإِمَامُهُ مُسْتَدِيمٌ لَا مُسْتَفْتِحٌ.
فَإِنْ قُلْت قِيَاسُ تِلْكَ وُجُوبُ الِاقْتِدَاءِ هُنَا بِالْإِمَامِ قُلْت لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ثَمَّ إنَّمَا وَجَبَ الِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْبَقِيَّةَ مُؤْتَمُّونَ بِهِ فَلَمْ يُمْكِنْ الِاقْتِدَاءُ بِغَيْرِهِ وَأَمَّا هُنَا فَكُلٌّ مِنْهُمْ مُنْفَرِدٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ فَاسْتَوَى الْإِمَامُ مَعَ غَيْرِهِ فَجَازَ لِلدَّاخِلِ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُمْ لَوْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ مُقْتَدِيًا بِهِ فِي الثَّانِيَة أَتَمَّ الْخَلِيفَة ظُهْرًا بِخِلَافِ مَنْ جَاءَ وَاقْتَدَى بِهَذَا الْخَلِيفَة فَإِنَّهُ يُتِمُّ جُمُعَةً وَالْفَرْقُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّ الْخَلِيفَة لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً مَعَ إمَامٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ فَلِهَذَا لَمْ نَجْعَلْهُ مُدْرِكًا لَهَا وَأَمَّا الْمُقْتَدِي بِهِ فَقَدْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ خَلِيفَةِ الْإِمَامِ فَحُكْمُ صَلَاتِهِ حُكْمُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ فَلِهَذَا أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ يَجْرِي عَلَى تَرْتِيبِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَكَأَنَّهُ هُوَ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي اهـ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْمَسْبُوقَ لَوْ اقْتَدَى بِالْخَلِيفَةِ بَعْدَ سَلَامِ الْقَوْمِ وَأَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً أَدْرَكَ بِهَا الْجُمُعَةَ أَيْضًا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ حَالٌّ مَحَلَّ الْإِمَامِ وَإِنْ لَزِمَهُ هُوَ الظُّهْرُ.
وَكَلَامُ الْبَغَوِيِّ فِي التَّهْذِيبِ مُصَرِّحٌ بِذَلِكَ عَنْهُمْ حَيْثُ قَالَ وَعِنْدِي إنَّمَا يُصَلِّي الْمَسْبُوقُ الْجُمُعَةَ إذَا أَدْرَكَ الْخَلِيفَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَأَمَّا إذَا أَدْرَكَهُ فِي الثَّانِيَة فَلَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّهَا قَدْ فَاتَتْ حِينَ تَمَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ اهـ. فَهَذَا اخْتِيَارٌ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ كَلَامِ الْأَصْحَاب فَفِيهِ تَصْرِيحٌ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِأَنَّهُ يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ سَوَاءٌ أَدْرَكَهُ فِي الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْخَلِيفَة أَمْ فِي الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ بَعْدَ سَلَامِ الْقَوْمِ وَكَلَامُ الْقَاضِي السَّابِقُ يُفْهِمُهُ كَمَا عَلِمْت فَإِذَا صَحَّتْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ لِمَسْبُوقٍ أَدْرَكَ الْخَلِيفَة بَعْدَ تَمَامِ صَلَاةِ الْقَوْمِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ يُرَاعَى نَظْمُ صَلَاةِ الْإِمَامِ الَّتِي انْقَضَتْ فَبِالْأَوْلَى أَنْ تَحْصُلَ لَهُ الْجُمُعَةُ فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْقَوْمِ لَمْ تَنْقَضِ وَكُلٌّ مِنْهُمْ مُرَاعٍ لِنَظْمِ صَلَاةِ الْإِمَامِ مَعَ مَا بَيْنَهُمْ مِنْ تَمَامِ الرَّابِطَةِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ.
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانُوا أَرْبَعِينَ فَقَطْ وَبَطَلَتْ صَلَاةُ وَاحِدٍ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ أَيْ: جُمُعَتُهُمْ لِفَقْدِ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ مِنْ أَوَّلِ الْجُمُعَةِ إلَى آخِرهَا وَبِهَذَا يَتَّضِحُ لَك أَنَّهُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ يَقْتَدِي بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِمَا مَرَّ أَوَّلًا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ؛ لِأَنَّا وَإِنْ قُلْنَا ثَمَّ بِامْتِنَاعِ الِاقْتِدَاءِ نَحْنُ قَائِلُونَ بِإِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِمَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيِّ وَيَلْزَمُ مِنْ إدْرَاكِهَا هُنَا إدْرَاكُهَا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ كَمَا تَقَرَّرَ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ بَانَ حَدَثُ الْأَرْبَعِينَ صَحَّتْ لِلْإِمَامِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِي لِلْإِرْشَادِ وَالْعُبَابِ رَادًّا عَلَى مَنْ نَازَعَ فِيهِ وَلِلْمُتَطَهِّرِ أَنْ يَأْتَمّ بِالْإِمَامِ. وَتَحْصُلُ لَهُ الْجُمُعَةُ خَلْفَهُ تَبَعًا لَهُ وَإِنْ فَاتَ الْعَدَدُ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَ فَوَاتِهِ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ فَبَقِيَتْ لَهُ الْجُمُعَةُ.
وَيَلْزَمُ مِنْ بَقَائِهَا لَهُ بَقَاؤُهَا لِمَنْ يَقْتَدِي بِهِ فَإِذَا نَوَاهَا الْمُتَطَهِّرُ وَحَصَلَتْ لَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَفِي صُورَةِ السُّؤَالِ أَوْلَى كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّ هَذَا كَافٍ فِي الدَّلَالَة لِمَا قُلْنَاهُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ وَإِنْ قُلْنَا بِمَا مَرَّ مِنْ اخْتِيَارِ الْبَغَوِيِّ فَنَتَجَ أَنَّا إنْ قُلْنَا بِمَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَمُوَافِقِيهِ أَوْ بِمَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيّ فَوَاضِحٌ وَإِنْ قُلْنَا بِمُقَابِلِهِمَا فَهَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّيْخَانِ. كَافٍ فِي الدَّلَالَة لِمَا قُلْنَاهُ ثُمَّ عَلَى فَرْضِ عَدَمِ إدْرَاكِهَا الْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتَدِي بِأَحَدِهِمْ وَيَنْوِي الظُّهْرَ؛ لِأَنَّ فِيهِ فِعْلَ الظُّهْرِ قَبْلَ الْيَأْسِ مِنْ الْجُمُعَةِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ وَلَا يَأْسَ هُنَا لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ صَلَاةِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعِينَ بُطْلَانُ صَلَاةِ الْكُلِّ أَيْ: جُمُعَتِهِمْ وَبِفَرْضِ أَنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ يُحْتَمَلُ بُطْلَانُ صَلَاةِ الْجَمِيعِ فَتُسْتَأْنَفُ الْجُمُعَة فَلَمْ يَحْصُلْ الْيَأْسُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالسَّلَامِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ اسْتَشْكَلُوا مَا مَرَّ فِي خَلِيفَةِ الثَّانِيَة إذَا لَمْ يُدْرِكْ الْأُولَى بِأَنَّ فِيهِ فِعْلَ الظُّهْرِ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ وَهُوَ
стр. 238
لَا يَجُوزُ وَغَايَةُ مَا تَمَحَّلُوا لَهُ أَنَّهُ عُذِرَ بِتَقْدِيمِ الْإِمَامِ لَهُ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ حُرْمَةُ تَقَدُّمِهِ بِنَفْسِهِ وَعَدَمُ انْعِقَادِ ظُهْرِهِ وَإِطْلَاقُهُمْ يَأْبَاهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّقَدُّمَ مَطْلُوبٌ فِي الْجُمْلَةِ فَهَذَا كُلُّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّا إذَا لَمْ نُجَوِّزْ لِلدَّاخِلِ الْجُمُعَةَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ حَرُمَ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ بِأَحَدِهِمْ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى تَفُوتَ الْجُمُعَةُ وَلَا يُمْكِنُ هُنَا أَنْ يُقَالَ يَقْتَدِي بِأَحَدِهِمْ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ كَمَا قَالُوهُ فِيمَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ ثَمَّ يُمْكِنُ إدْرَاكُهَا بِتَقْدِيرِ تَذَكُّرِ الْإِمَامِ رُكْنًا فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ مَعَهُ وَهُنَا لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فَكَانَتْ نِيَّةُ الْجُمُعَةِ عَبَثًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاته عَمَّا إذَا كَانَ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَرَادُوا إقَامَةَ جُمُعَةٍ وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَعْلَمُ شُرُوطَ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانَهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا فَهَلْ تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ وَيَتِمُّ الْعَدَدُ بِهِمْ أَوْ لَا وَهَلْ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ وَمَعَهُمْ أَوْ تَرْكُهُ أَوْلَى وَهَلْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ أَوْ إثْمٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ أَتَى الْعَامِّيُّ بِالشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ عَلَى وَجْهِهَا الشَّرْعِيّ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الرُّكْنَ مِنْ الشَّرْطِ وَلَا الْفَرْضَ مِنْ السُّنَّةِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ النَّفْلِيَّةَ إذَا عُرِفَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْأَرْبَعِينَ الْمَذْكُورِينَ إذَا كَانُوا كَذَلِكَ تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ. وَيُصَلِّي بِهِمْ وَمَعَهُمْ الْعَالِمُ وَغَيْرُهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا إثْمَ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ بِأَنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَ بَعْضَ الْأَرْكَان أَوْ الشُّرُوطِ أَوْ يَأْتُونَ بِهَا لَا عَلَى وَجْهِهَا الشَّرْعِيّ أَوْ أَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ بِفَرْضِ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ النَّفْلِيَّةَ لَمْ يَصِحّ مِنْهُمْ جُمُعَةٌ وَلَا غَيْرُهَا فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ وَلَا مَعَهُمْ بَلْ يَجِبُ عَلَى مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا يُصَحِّحُونَ بِهِ صَلَاتَهُمْ وَيَلْزَمُهُمْ الْمُبَادَرَةُ بِالتَّعَلُّمِ وَبَذْلِ أُجْرَةٍ لِمَنْ يُعَلِّمُهُمْ وَمَتَى تَرَكُوا ذَلِكَ أَثِمُوا وَفَسَقُوا وَلَزِمَهُمْ قَضَاءُ جَمِيعِ الصَّلَوَات الَّتِي صَلَّوْهَا بَعْدَ إمْكَانِ التَّعَلُّم وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ تَحْرُمُ الصَّلَاةُ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي مَكَّة وَهَلْ الطَّوَافُ وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ كَالصَّلَاةِ وَهَلْ يَحْرُمُ اسْتِدَامَةُ الصَّلَاةِ كَابْتِدَائِهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ تَحْرُمُ الصَّلَاةُ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي مَكَّة كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ لِوُرُودِ النَّصِّ ثَمَّ وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي حُرِّمَتْ الصَّلَاةُ لِأَجْلِهَا هُنَا مِنْ إشْعَارِ الصَّلَاةِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الْخَطِيبِ مَوْجُودَةٌ فِي مَكَّة وَغَيْرِهَا وَعِلَّةُ النَّهْيِ إمَّا غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ أَوْ مَعْقُولَته فَلَا يَصِحُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْجُودَةً هُنَا وَالْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ ثَمَّ فَبَطَلَ الْقِيَاسُ أَيْضًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الطَّوَافَ لَيْسَ كَالصَّلَاةِ. وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ وَالِاسْتِمَاعَ لَا يُنَافِيه بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَالْأَشْعَارُ فِيهَا أَقْوَى وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ يُحْتَمَلُ حُرْمَتُهَا إلْحَاقًا لَهَا بِالصَّلَاةِ كَمَا أَلْحَقُوهَا بِهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ حُرْمَتِهَا أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّهَا فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ وَلَيْسَتْ بِصَلَاةٍ وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا أَلْحَقُوهَا بِهَا ثَمَّ فَهُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا أَضْيَقُ إذْ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ مَا لَهَا سَبَبٌ وَغَيْرِهَا حَتَّى الْفَائِتَة الْفَوْرِيَّةِ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ هُنَا خِلَافًا لِمَنْ اعْتَمَدَ خِلَافَهُ وَظَاهِرُ تَعْبِيرهمْ بِتَحْرِيمِ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ عَدَمُ حُرْمَةِ الِاسْتِدَامَةِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَنَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ. قَالَ وَخَرَجَ بِابْتِدَائِهِ دَوَامُهُ نَعَمْ يَحْرُمُ التَّطْوِيلُ اهـ.
وَإِنَّمَا حُرِّمَ التَّطْوِيلُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي نَحْوِ التَّحِيَّةِ أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً بِأَنْ يُقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ هَلْ يَحْرُمُ أَكْلُ نَحْوِ الْبَصَلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِقَصْدِ إسْقَاطِهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَحْرُمُ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْعِمَادِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَفَارَقَ مَا لَوْ سَافَرَ بِقَصْدِ الْقَصْرِ أَوْ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فِي السَّفَرِ بِشَرْطِهِ وَقَدْ وُجِدَ بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّ إسْقَاطَهُ لِلْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الرُّخَصِ وَإِنْ عَبَّرَ بِهِ جَمَاعَةٌ بَلْ أَكْلُهُ جِنَايَةٌ أَوْجَبَتْ لِفَاعِلِهَا الْبُعْدَ عَنْ الْمَسْجِدِ لِتَأَذِّي الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ بِرِيحِهِ فَالْإِسْقَاطُ لَيْسَ رِفْقًا بِهِ بَلْ بِغَيْرِهِ هَكَذَا فَرَّقَ بِهِ ابْنُ الْعِمَادِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ فِيهِمَا إسْقَاطُ صِفَةٍ أَوْ شَيْءٍ إلَى بَدَلٍ وَهُنَا فِيهِ إسْقَاطٌ لَا إلَى بَدَلٍ بِالْكُلِّيَّةِ أَمَّا الْجَمَاعَة فَوَاضِحٌ وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَلَيْسَ الظُّهْرُ بَدَلًا عَنْهَا بِخِلَافِهِ ثَمَّ وَأَيْضًا فَالْقَصْرُ وَالْفِطْرُ قَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَطْلُوبًا بَلْ
стр. 239
أَفْضَلُ فَلَمْ يَضُرّ قَصْدُهُمَا بِخِلَافِ أَكْلِ نَحْوِ الْبَصَلِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ بَلْ مَكْرُوهٌ فَضُيِّقَ فِيهِ مَا لَمْ يُضَيَّقْ فِي غَيْرِهِ وَأَيْضًا فَذَاكَ فِيهِ قَصْدُ تَرَخُّصٍ لَكِنْ بَعْدَ مُقَاسَاةِ مَشَقَّةِ السَّفَرِ وَشَدَائِدِهِ فَلَمْ يُنْظَرْ لِلْقَصْرِ مَعَ ذَلِكَ الْقَصْدِ وَهُنَا فِيهِ قَصْدُ إسْقَاطِ شَيْءٍ بِلَا مَشَقَّةٍ أَلْبَتَّةَ بَلْ لِغَرَضِ النَّفْسِ الْمَحْضِ فَحَرُمَ وَمِثْلُ أَكْلِ ذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ تَعَاطِي سَائِرِ الْأَسْبَاب الْمُسْقِطَةِ لِلْجُمُعَةِ بِنِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا ضَرُورَةٍ وَحَيْثُ حَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُ مَا ذُكِرَ ثُمَّ أَمْكَنَهُ إزَالَةُ رِيحِهِ وَجَبَتْ خُرُوجًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ.
(وَسُئِلَ) الْمَجْذُومُ وَالْأَبْرَصُ وَذُو الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَة هَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ وَيُمْنَعُ مِنْ شُهُودِهِمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَقَلَ ابْنُ الْعِمَادِ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّ الْأَبْخَرَ وَمَنْ بِهِ صُنَانٌ مُسْتَحْكِمٌ كَمَنْ أَكَلَ نَحْوَ الثُّومِ بَلْ أَفْحَشَ قَالَ وَمَنْ رَائِحَةُ ثِيَابِهِ كَرِيهَةٌ كَذَلِكَ وَعَنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَنْ اُبْتُلِيَ بِجُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ وَهُوَ مِنْ سُكَّانِ الْمَدَارِسِ وَالرِّبَاطَاتِ أُزْعِجَ وَأُخْرِجَ لِحَدِيثِ «فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ» «وَأَتَاهُ ﷺ مَجْذُومٌ لِيُبَايِعَهُ فَقَالَ أَمْسِكْ يَدَك فَقَدْ بَايَعْتُك» وَوَرَدَ أَنَّهُ أَكَلَ مَعَهُ. وَلَعَلَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَيُمْنَعُ مَنْ بِهِ ذَلِكَ مِنْ شُهُودِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَمِنْ الشُّرْبِ مِنْ السِّقَايَاتِ الْمُسَبَّلَةِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ وَحْدَهُ خَلْفَ الصُّفُوفِ وَلِلْغَيْرِ مَنْعُهُ مِنْ الْوُقُوفِ مَعَهُ.
(مَسْأَلَة) هَلْ وَرَدَ قِرَاءَةُ الضُّحَى وَأَلَمْ نَشْرَحْ فِي الْجُمُعَةِ (الْجَوَابُ) لَمْ يُحْفَظْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ وَلَعَلَّ مُسْتَنَدَ مَنْ يَقْرَؤُهُمَا فِيهَا قَوْلُ الْمَرْوَزِيِّ لَا أُحِبُّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى شَيْءٍ كَأَنْ يَقْرَأَ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ بِالْجُمُعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِئَلَّا يَعْتَقِدَ الْعَامَّةُ وُجُوبَهُ وَحَكَوْا عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ كَمَا فِي التَّوَسُّطِ. وَمَا قَالَاهُ مَفْهُومُ كَلَامِ بَقِيَّةِ الْأَصْحَاب خِلَافُهُ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّوَهُّم يَنْتَفِي بِقِرَاءَةِ سَبِّحْ وَهَلْ أَتَاك فِي جُمُعَةٍ وَالْجُمُعَة وَالْمُنَافِقِينَ فِي أُخْرَى.
(مَسْأَلَةٌ) ذَهَبَ مِنْ بَلَدِهِ لِبَلَدٍ أُخْرَى فَصَلَّى مَعَهُمْ الْجُمُعَةَ ثُمَّ رَجَعَ فَرَأَى أَهْلَ بَلَدِهِ لَمْ يُصَلُّوهَا وَالْعَدَدُ لَا يَكْمُلُ إلَّا بِهِ فَهَلْ يُعِيدُهَا مَعَهُمْ وَتَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ (الْجَوَابُ لَا خَفَاءَ أَنَّهُ إذَا أَعَادَهَا جَمَاعَةً تَكُونُ لَهُ نَفْلًا وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتِمُّ بِهِ الْعَدَدُ فَيَمْتَنِعُ فِعْلُ الْجُمُعَةِ إلَّا إذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) قَرْيَةٌ بَعْضُهَا بُيُوتٌ وَبَعْضُهَا خِيَامٌ لَا يَظْعَنُونَ وَبَيْنهمَا شَارِعٌ ضَيِّقٌ وَلَا يَتِمُّ عَدَدُ الْجُمُعَةِ إلَّا بِالْفَرِيقَيْنِ فَهَلْ تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ (الْجَوَابُ) الَّذِي عَبَّرُوا بِهِ أَنَّ أَهْلَ الْخِيَامِ لَوْ لَازَمُوا الصَّحْرَاءَ أَبَدًا فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الصَّحْرَاءُ فِيهِ قَيْدًا فَحِينَئِذٍ تَلْزَمُ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي السُّؤَالِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ فَعَلَيْهِ لَا تَلْزَمُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى هَيْئَةِ الْمُسَافِرِينَ وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ لِكَلَامِهِمْ وَاسْتِدْلَالِهِمْ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ الَّذِينَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ بِالْجُمُعَةِ لِذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَرْيَةٍ بِهَا كَثِيرُونَ يُقِيمُونَ بِهَا الْجُمُعَةَ وَشَعَائِر الْإِسْلَامِ ثُمَّ صَارُوا يَنْتَقِلُونَ صَارُوا إلَى مَزَارِعِهِمْ. حَتَّى خَلَتْ الْقَرْيَةُ وَعَطَّلُوهَا مِنْ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ رَدُّهُمْ إلَى قَرْيَتِهِمْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْرٌ فِي الِانْتِقَالِ الْمَذْكُورِ وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ وَكُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ رَدُّهُمْ إلَى قَرْيَتِهِمْ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَرْيَةٍ لَهَا سُورٌ وَلَا يَكْمُلُ الْعَدَدُ إلَّا بِمَنْ هُوَ دَاخِلُهُ وَخَارِجُهُ فَهَلْ تَلْزَمُ الْكُلَّ وَيَجُوزُ إقَامَتُهَا دَاخِلَ السُّورِ وَخَارِجَهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِر وَكَلَامهمْ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَجُوزُ لَهُمْ إقَامَتُهَا خَارِجَ السُّورِ لِجَوَازِ الْقَصْرِ بِمُجَاوَزَتِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ بُنْيَانٌ لَكِنَّ سُكْنَى بَعْضِهِمْ خَارِجَهُ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ مِنْ الْمُقِيمِينَ الْمُسْتَوْطِنِينَ فَيَتِمُّ الْعَدَدُ بِهِ إذَا أُقِيمَتْ دَاخِلَهُ أَمَّا إذَا كَانَ خَارِجَهُ أَرْبَعُونَ فَأَكْثَرُ وَدَاخِلُهُ كَذَلِكَ فَلِلْخَارِجِينَ عَنْهُ حَيْثُ عَسِرَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَكَان دَاخِلَهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ إقَامَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ لِلدَّاخِلِينَ مَحَلَّ سَفَرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(سُئِلَ) ﵁ بِمَا صُورَتُهُ مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاء ﵃ فِي خَطِيبٍ خَطَبَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَأَتَى بِكُلِّ الْأَرْكَان إلَّا أَنَّهُ صَلَّى عَلَى الْمُضْمَرِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ جَرْيًا عَلَى قَاعِدَةِ الْخُطَبَاءِ كَالْإِمَامِ ابْنِ نَبَاتَةَ وَغَيْرِهِ فَهَلْ تَصِحُّ الْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ أَمْ لَا أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ مُثَابِينَ لَا عَدِمَكُمْ الْمُسْلِمُونَ؟
стр. 240
(فَأَجَابَ) سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا الْإِمَامُ عَلَمُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَام وَمِصْبَاحُ الظَّلَامِ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ ابْنُ الْقَاضِي أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ النَّاشِرِيُّ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَنَفَعَ بِهِمْ وَأَعَادَ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِمْ بِمَا صُورَتُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُوَفِّقِ لِلصَّوَابِ اعْلَمْ أَنَّ الْخُطَبَ قَدْ صَنَّفَ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاء عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَفُحُولِهِمْ مِمَّنْ لَا يَجْهَلُ الْوَاجِبَاتِ كَالْإِمَامِ ابْنِ نَبَاتَةَ وَالْإِمَامِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَلَمْ يَكُنْ فِي أَكْثَرِ خُطَبِهِمْ إلَّا الصَّلَاةَ بِالضَّمِيرِ وَخَطَبُوا بِذَلِكَ. وَخَطَبَ بِهَا غَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاء وَصَلَّى مَعَهُمْ كُلُّ مَوْجُودٍ فِي كُلِّ قُطْرٍ مِنْ الْعُلَمَاء الْمُعْتَبَرِينَ الْعَارِفِينَ بِاَللَّهِ وَبِأَحْكَامِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَزَمَانٍ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاء الْمُعْتَبَرِينَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَلَا قَالَ بِبُطْلَانِ الْخُطْبَةِ وَبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بَعْدَهَا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا لَوَجَبَ عَلَى الْعُلَمَاء إنْكَارُهُ وَالرَّدُّ عَلَى قَائِلِهِ وَفَاعِلِهِ وَلَمْ يَسَعْهُمْ السُّكُوتُ عَلَى ذَلِكَ إذْ هُمْ حُجَّةُ الْأَئِمَّةِ فِي أَرْضِهِ.
وَهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَنُجُومٌ لِلِاهْتِدَاءِ وَأَئِمَّةٌ لِلِاقْتِدَاءِ وَلَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَلَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَلَوْ رَأَوْا الصَّلَاةَ عَلَى الْمَظْهَرِ فِي الْخُطْبَةِ وَاجِبًا لَمَا جَازَ لَهُمْ الْعَمَلُ بِخِلَافِ الْوَاجِبِ وَلَمَا جَازَ لَهُمْ الْمُتَابَعَةِ كَغَيْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ بُرَآءُ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ قِيلَ بِذَلِكَ لَمْ تَصِحّ صَلَاةُ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يَخْطُبُ بِهَذِهِ الْخُطَبِ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ إلَى هَذَا الزَّمَانِ وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا فِي هَذَا الْقَرْنِ بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَالثَّلَاثِينَ بِسَبَبِ سُؤَالٍ أَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ الْعُلَمَاء الْمَالِكِيَّةِ الْمُتَعَلِّقِينَ بِعِلْمِ الْأُصُولِ أَجَابَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ إلَّا عَلَى الْمُظْهَر كَالتَّشَهُّدِ.
وَاحْتَجَّ بِحُجَجٍ كُلُّهَا لَا تَصِحُّ أَنْ تَكُونَ حُجَّةً لَهُ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِ فَلَمَّا وَقَفَ عُلَمَاءُ الْفَنِّ عَلَى ذَلِكَ تَعَلَّقَ أَكْثَرُهُمْ وَعَمِلُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ مِنْهُمْ فِي تَحْقِيقِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَا فِيمَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بَلْ قَلَّدُوا الْمُخَالِف لِمَذْهَبِهِمْ إذْ الْمَالِكِيَّةُ لَا يُوجِبُونَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ وَيَعْتَرِضُونَ عَلَى الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي إيجَابِهِ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ فَكَيْفَ يُقَلِّدُونَهُ فِيمَا يَقْتَضِي الطَّعْنَ فِي مَذْهَبِهِمْ وَالرَّدَّ عَلَى عُلَمَائِهِمْ وَلَمْ يَبْحَثُوا عَنْ حُجَّةِ أَهْلِ مَذْهَبِهِمْ الَّتِي تَقْتَضِي الرَّدَّ عَلَى الْمُخَالِف وَالِانْتِصَارَ لِمَذْهَبِهِمْ وَالذَّبَّ عَنْ الطَّعْنِ فِي عُلَمَائِهِمْ فَلَمَّا سَكَتَ عُلَمَاءُ الْيَمَنِ عَلَى ذَلِكَ وَعَمِلَ أَكْثَرُهُمْ بِمُقْتَضَى الْفَتْوَى الْمَذْكُورَةِ ظَنَّ كَثِيرٌ مِنْ الطَّلَبَةِ وَالْعَوَامّ وُجُوبَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَخْطُبُ بِخُطَبِ الْعُلَمَاء الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَشَاعُوا فِي النَّاسِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ هَذِهِ الصَّلَاةِ ظُهْرًا وَهَذَا جَهْلٌ قَبِيحٌ وَمُنْكَرٌ صَرِيحٌ إذْ فِي ذَلِكَ إنْكَارٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَطَعْنٌ فِي أَقْوَالهمْ وَإِبْطَالُ تَصْدِيقهمْ فَلَمَّا وَرَدَ السُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ أُوجِبَ الْبَحْثُ وَالْفَحْصُ عَمَّا يَكُونُ بِهِ حُجَّةَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَمَا يَكُونُ بِهِ الذَّبُّ عَنْ الطَّعْنِ فِيهِمْ فَأَقُولُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ:
اعْلَمْ أَنَّ الْمُتَعَلِّقِينَ بِالْقَوْلِ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُظْهَر فِي الْخُطَبِ تَعَلَّقُوا بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا الْقِيَاسُ عَلَى التَّشَهُّدِ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْفَتْوَى الْمَذْكُورَةِ.
وَالْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِقَوْلِ الْعُلَمَاء فِي كَلَامِهِمْ عَلَى أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ فَقَالُوا مِنْهَا الْحَمْدُ لِلَّهِ وَيَتَعَيَّن لَفْظُهُ وَمِنْهَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إبْدَالُ لَفْظِ الْحَمْدُ بِغَيْرِهِ مِثْلَ الشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَشْكُرُ اللَّهَ أَوْ أُثْنِي عَلَى اللَّهِ بَدَلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا يَجُوزُ إبْدَالُ لَفْظِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظٍ غَيْرِ لَفْظِ الصَّلَاةِ مِثْلِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ. وَلَا يَجُوزُ اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا وَلَا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِمُحَمَّدٍ أَوْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ أَوْ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ إنْ كَانَ قَدْ مَرَّ لَهُ ذِكْرٌ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بَدَلَ لَفْظِ الصَّلَاةِ أَمَّا تَعَلُّقُهُمْ بِتَعَيُّنِ اللَّفْظِ الْوَارِدِ فِي التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمُظْهَر فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمُظْهَر فِي التَّشَهُّدِ وَرَدَ الْأَمْرُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالصَّلَاةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ «سُؤَالُ السَّائِلِ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَنْ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا
стр. 241
السَّلَامُ عَلَيْك فَقَدْ عَرَفْنَاهُ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْك فِي صَلَاتِنَا؟ قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ»
إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ فَاخْتَصَّ بِالصَّلَاةِ إذْ لَا عُمُومَ وَأَمْرُهُ ﷺ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَنَقَلَهُ عَنْهُ عُلَمَاءُ الْمَذْهَبِ مِنْ غَيْرِ مُعَارَضَةٍ لَهُ فِي ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخُطَبِ فَأَكْثَرُ مَا رُوِيَ فِي الْخُطَبِ الَّتِي هِيَ الْمَنْسُوبَةُ إلَى فُحُولِ الْعُلَمَاء الصَّلَاةُ بِالْمُضْمَرِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاء وَعَمِلَ أَكْثَرُ الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ عَلَى ذَلِكَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالْخُطْبَةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاء اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ آخِرَ التَّشَهُّدِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوبَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ التَّشَهُّدِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَذَكَرُوا أَقَلَّهُ الْمُجْزِئَ مِنْهُ وَكَانَ الصَّلَاةُ عَلَى الظَّاهِر أَوْلَى مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ التَّشَهُّدِ وَلَوْ أَتَى بِالْمُضْمَرِ لَمْ يَصِحّ؛ لِأَنَّهُ عَائِدٌ إلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ قَدْ تَمَّ وَهَذَا كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُهُ بِخِلَافِ الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ وَاحِدٌ فَجَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُضْمَرِ عَائِدًا إلَى الْمُظْهَر قَبْلَهُ فَهَذَا فَرْقٌ بَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ.
فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ أَنَّهُ أَيُّ لَفْظٍ أَتَى بِهِ الْخَطِيبُ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَجْزَأَهُ وَعَلَى هَذَا مَضَى أَهْلُ الْأَعْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ وَهُوَ الْمَوْجُود فِي جَمِيعِ خُطَبِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعُلَمَاء الْمُعْتَبَرِينَ وَلَا إنْكَارٍ وَنَقُولُ إنَّ لَفْظَ الْحَمْدِ يَتَعَيَّنُ وَلَا نَقُولُ إنَّ لِلْحَمْدِ لَفْظًا مُتَعَيَّنًا مِنْ أَلْفَاظِ الْحَمْدِ مَخْصُوصًا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ بَلْ أَيُّ لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَمْدِ أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ سَوَاءٌ كَانَ اسْمًا أَوْ فِعْلًا مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِالتَّعْيِينِ الِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِ لَفْظِ الْحَمْدِ كَالشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ كَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّلًا. وَكَذَلِكَ نَقُولُ لَفْظُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَتَعَيَّنُ.
وَلَا نَقُولُ إنَّ لِلصَّلَاةِ لَفْظًا مُتَعَيَّنًا مِنْ أَلْفَاظِ الصَّلَاةِ مَخْصُوصًا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ بَلْ الْمُرَادُ بِتَعَيُّنِ الصَّلَاةِ الِاحْتِرَازُ عَنْ لَفْظٍ غَيْرِ لَفْظِ الصَّلَاةِ كَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّلًا فَعَلَى هَذَا أَيُّ لَفْظٍ أَتَى بِهِ مِنْ أَلْفَاظِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَجْزَأَهُ سَوَاءٌ كَانَ مُظْهَرًا أَوْ مُضْمَرًا إذَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﷺ عَلَى الْمُضْمَرِ وَلِأَنَّهُ إذَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ بِالْمَظْهَرِ الَّذِي يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُوَ فَكَيْفَ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ بِالْمُضْمَرِ الَّذِي هُوَ أَعْرَفُ الْمَعَارِف وَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ غَيْرُهُ.
وَتَخْصِيصه ﷺ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمُضْمَرِ وَكَوْنِهِ الْأَوْلَى قَوْلُ اللَّهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمٍ ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وَلَمْ يَقُلْ صَلُّوا عَلَى مُحَمَّدٍ وَلَا عَلَى النَّبِيِّ وَكَانَ اتِّبَاعُ الْقُرْآنِ الَّذِي نَزَلَ بِأَفْصَحِ لِسَانٍ وَأَبْلَغِ بَيَانٍ أَوْلَى وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمُضْمَرِ أَوْلَى عِنْدَ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ ﷺ صَلَاةُ الْمُحَدِّثِينَ عَلَيْهِ عِنْدَ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَالْمُسْتَمِعِينَ لِلْحَدِيثِ. وَكَذَلِكَ جَمِيعُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ لَا تَكُونُ صَلَاتُهُمْ جَمِيعُهُمْ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا عَلَى مُضْمَرٍ عَائِدٍ عَلَى مُظْهَرٍ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أَفْصَحُ وَأَوْلَى مَعَ جَوَازِ الْجَمِيعِ اهـ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَأَجَابَ سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا وَقُدْوَتُنَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بُرْهَانُ الدِّينِ أَوْحَدُ الْعُلَمَاء الْعَامِلِينَ وَبَقِيَّةُ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ مُطَيْرٌ مَتَّعَ اللَّهُ بِحَيَاتِهِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ صِحَّةِ الْجَوَابِ وَتَقْرِيره مَنْ يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ وَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ؟
فَأَجَابَ بِمَا صُورَتُهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَنْصَارِ دِينِ اللَّهِ وَبَعْدُ فَقَدْ وَرَدَ سُؤَالٌ عَلَى شَيْخِ شُيُوخِنَا الْإِمَامِ الْعَلَّامَة حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَهْذَلِيِّ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهَا قَوْلُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ أَعْنِي إظْهَارَ الِاسْمِ أَوْ يَكْفِي الْإِتْيَانُ
стр. 242
بِالضَّمِيرِ كَمَا هُوَ وَضْعُ الْخُطَبِ الْمُصَنَّفَات لِلْجُمَعِ وَغَيْرِهَا فَقَالَ: الْجَوَابُ أَنَّهُ إنْ خَطَبَ بِخُطْبَةٍ مُسْتَوْفِيًا طَرَفَيْهَا سَبَقَ فِيهَا ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ أَوَّلًا وَذِكْرُ نَعْتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَفَى الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِالضَّمِيرِ لِعَوْدِهِ عَلَى مُظْهَرٍ وَهُوَ أَبْلَغُ وَأَحْرَى حِينَئِذٍ مِنْ الْإِظْهَار إذْ الْإِظْهَار يُوهِمُ أَنَّهُ غَيْرُهُ بِخِلَافِ الْإِضْمَار فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَوْدِهِ عَلَى الْمَذْكُورِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا قَالُوهُ فِي التَّشَهُّدِ فَإِنَّ الْمُرَجَّح عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ اشْتِرَاطُ الْإِظْهَار اتِّبَاعًا لِلَفْظِ الْحَدِيثِ وَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِالضَّمِيرِ أَيْضًا فِي التَّشَهُّدِ وَهُوَ وَجْهٌ مَشْهُورٌ رَجَّحَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ. وَأَمَّا إذَا خَطَبَ بِخُطْبَةٍ مُخْتَصَرَةٍ لَمْ يَسْبِقْ فِيهَا ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَعَ الْإِظْهَار لِلِاسْمِ وَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْبِرْمَاوِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ اشْتِرَاطِ الْإِظْهَار فَهُوَ وَهْمٌ وَغُلُوٌّ فِي الْجَرْيِ عَلَى الظَّاهِرِ كَعَادَةِ الظَّاهِرِيَّةِ وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ بِمُجَرَّدِ مَفْهُومٍ بَعِيدٍ شَاذٍّ لَوْ قِيلَ بِهِ لَزِمَ مِنْهُ إبْطَالُ مَا لَا يُحْصَى مِنْ الْجُمَعِ فِي أَعْصَارٍ وَقُرُونٍ مَاضِيَةٍ وَمُسْتَقْبَلَةٍ وَذَلِكَ مِنْ الْمَفْهُومَاتِ الْبَوَارِدِ الَّتِي لَا يُرِيدُهَا الْمُصَنِّفُونَ وَيَسْتَرْسِلُ بِهَا فِي التَّعَلُّق بِهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْ جَوَابِهِ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ وَبِكَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى فُحُولَتِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ ﵁ وَأَصْحَابه مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُوَافِقِينَ لَهُ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ التَّابِعِينَ بِالتَّقْلِيدِ بِحُكْمِ الِاعْتِقَادِ الْمَشْهُورِينَ بِالتَّصَانِيفِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ فِيمَا غَبَرَ مِنْ الدُّهُورِ وَالْآحَادِ لَمْ يَشْتَرِطُوا التَّصْرِيحَ بِاسْمِهِ ﷺ ظَاهِرًا بَلْ أَطْلَقُوا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا لَا خَفَاءَ فِيهِ قَالَ فِي التَّفْقِيهِ وَقَدْ تَعَجَّبَ بَعْضُ الْمُتَأَخَّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ كَوْنِ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَوْجَبَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ وَالْخُطْبَةُ الَّتِي نُقِلَتْ عَنْهُ ﷺ لَيْسَ فِيهَا صَلَاةٌ عَلَيْهِ. وَالْآيَةُ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى الصَّلَاةِ تَعَيَّنَ حَمْلُهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِتَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا فَالْمَنْقُولُ الْأَوَّلُ اهـ. إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْأَئِمَّةُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرُوا أَرْكَانَ الْخُطْبَةِ مُجْمَلَةً وَقَالُوا يُشْتَرَطُ لَفْظُ الْحَمْدِ وَلَفْظُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَذَلِكَ شَامِلٌ لِلظَّاهِرِ وَالْمُضْمَر.
وَالْمُرَادُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْخَطِيبَ صَلَّى عَلَيْهِ ﷺ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ صَلُّوا عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ إذْ الْغَرَضُ أَنْ لَا تَخْلُوَ الْخُطْبَةُ مِنْ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِالظَّاهِرِ وَالْمُضْمَر وَمَنْ صَرَّحَ مِنْ الْعُلَمَاء بِاشْتِرَاطِ الْإِتْيَانِ بِالِاسْمِ الشَّرِيفِ ظَاهِرًا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ إذْ يُشْتَرَطُ مَا يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ ذِكْرِهِ فَإِذَا لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ وَقَالَ الْخَطِيبُ ﷺ لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ فَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْإِطْلَاق عَلَى ذَلِكَ نَعَمْ ذَكَرَ الْقَاضِي زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ مَا نَصُّهُ وَلَا يَكْفِي ﷺ نَعَمْ إنْ تَقَدَّمَ اسْمُهُ عَلَى الضَّمِيرِ فَفِيهِ نَظَرٌ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ فِي الصَّلَاةِ وَبِهِ أَفْتَيْت هَذَا لَفْظُهُ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَاَللَّهُمِ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ فَخَرَجَ رَحِمَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَفِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ نَحْوُ ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْهُ ﵀ عَلَى سَبِيلِ الْبَحْثِ وَإِنْ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ تَقْلِيد الْبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَلَفْظُهُ وَهَلْ يَكْفِي ﷺ بِلَفْظٍ بَدَلِ الظَّاهِرِ الْمُتَّجَهِ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ كَمَا لَا يَكْفِي فِي التَّشَهُّدِ اهـ. فَنَقُولُ النَّصُّ فِي الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ وَالْأَدِلَّةُ مُحْتَمِلَةٌ بِطُرُقِهَا التَّأْوِيلَ وَوَجَدْنَا الْإِجْمَاع السُّكُوتِيَّ مِنْ الْعُلَمَاء فِي الْأَمْصَارِ مَعَ تَطَاوُلِ الْأَعْصَارِ عَلَى تَقْرِيرِ الْخَطِيبِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالضَّمِيرِ عِنْدَ سَبْقِ الذِّكْرِ وَقُرْبِهِ فَإِنْ قِيلَ الْإِتْيَانُ بِالظَّاهِرِ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَار يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الِاعْتِنَاءِ قُلْنَا ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِهْجَانِ عِنْدَ فَوْتِ الذِّكْرِ الْمُنَافِي لِلْفَصَاحَةِ الْمَطْلُوبَةِ. فِي الْخُطْبَةِ وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى التَّشَهُّدِ فَقَدْ يَخْتَلِفُ بِأَنَّ الْخُطْبَةَ لَيْسَتْ كَالتَّشَهُّدِ إذْ التَّشَهُّدُ فِي عِبَادَةٍ يُبْطِلُهَا الْكَلَامُ وَلَا كَذَلِكَ الْخُطْبَةُ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ بِخِلَافِهَا.
فَظَهَرَ بِمَا تَقَرَّرَ صِحَّةُ جَوَابِ الْإِمَامِ الْأَهْذَلِيِّ ﵀ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا قَوْلُكُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَنَفَعَ بِعُلُومِكُمْ
стр. 243
فِي هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ هَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ فَيَجُوزُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهَا أَمْ مَهْجُورَةٌ فَتُلْغَى بَيِّنُوا ذَلِكَ لَنَا بَيَانًا شَافِيًا وَسُوقُوا فِيمَا أَوْقَعَ الْإِشْكَالَ وَاللَّبْسَ دَلِيلًا كَافِيًا أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ فَمُرَادُنَا الْإِفَادَةُ لَا التَّعَصُّبُ كَمَا هُوَ لِأَهْلِ الْوَقْتِ عَادَةٌ جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْتَمِعُ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وَأَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ؟
فَأَجَابَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَة ﵁ سِرَاجُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ الْمَقْبُول الْأَسَدِيُّ قَاضِي قُضَاةِ أَبِي عَرِيشٍ بِالْيَمَنِ بِمَا صُورَتُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَعَلَيْهِ نَتَوَكَّلُ وَبِهِ نَسْتَعِينُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْجَوَابُ وَاَللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ أَنَّ الْأَجْوِبَةَ الْمَذْكُورَةَ صَحِيحَةٌ مُنَقَّحَةٌ صَرِيحَةٌ وَأَنَّ جَوَابَ الْفَقِيهِ الْعَلَّامَة الْأَجَلِّ الْبَحْرِ الْحَبْرِ الْفَهَّامَةِ غُرَّةِ وَجْهِ الزَّمَنِ وَأَعْلَمِ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ بُرْهَانِ الدِّينِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ مُطَيْرٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الصِّحَّةِ وَالتَّحْقِيقِ جَامِعٌ لِأَنْوَاعِ التَّحْرِيرِ وَالتَّدْقِيقِ.
وَلَقَدْ أَجَابَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَجَادَ وَأَصَابَ الْغَرَضَ وَأَفَادَ بِجَوَابٍ طَابَقَ مَعْنَى السُّؤَالِ وَجَلَّى بِصُبْحِ فَهْمِهِ لَيْلَ الْإِشْكَال وَدَفَعَ بِيَدِ عِلْمِهِ عَنْ وَجْهِ الْحَقِّ جِلْبَابَ الْبَاطِلِ وَأَزَالَ فَلَا مُخَالَفَةَ فِي تَصْحِيحِ مَقَالَتِهِ وَلَا رَدَّ لِصَرِيحِ عِبَارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي جَوَابِهِ بِمَا لَمْ يُنْسَجْ عَلَى مِنْوَالِهِ، وَلَا جَرَتْ أَقْلَامُ الْفُقَهَاء الْمُعْتَبَرِينَ بِمِثَالِهِ حَيْثُ جَمَعَ جَوَابُهُ بَيْنَ كَلَامِ الْمُوَافِقِ وَالْمُخَالِفِ فَلِلَّهِ دَرُّهُ مِنْ مُحَقِّقٍ عَارِفٍ فَصَدَّرَ الْكَلَامَ بِقَوْلِ الْحُسَيْنِ الْأَهْذَلِيِّ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِ زَكَرِيَّا وَذَيَّلَ فَحَلَّ بِذَلِكَ عُرَى الِالْتِبَاسِ وَأَزَالَ الْإِشْكَالَ وَالْوَسْوَاسَ فَالْحَاصِلُ عِنْدَنَا صِحَّةُ الْأَجْوِبَةِ وَأَمْضَاهَا وَجَوَازُ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا فَلَا مُخَالَفَةَ لِذَلِكَ وَلَا مَزِيدَ عَلَى مَا هُنَالِكَ وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا اتَّفَقَ أَهْلُ عَصْرٍ مِنْ الْفُقَهَاء الْمُجْتَهِدِينَ وَقَالَ بِهِ أَئِمَّةُ الْعُلَمَاء الْعَامِلِينَ إنَّهُ يَصِيرُ حُجَّةً وَإِجْمَاعًا وَعَلَيْهِ التَّعْوِيلُ وَلَا يَسَعُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ الِاجْتِهَادُ فِي إبْطَالِ ذَلِكَ بِحُكْمٍ أَوْ تَفْصِيلٍ كَمَا هُوَ الْمُقَرَّر وَالْمُهَذَّبُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَاب وَأُصُولِ الْمَذْهَبِ.
وَمَا جَزَمَ بِهِ بُرْهَانُ الدِّينِ تَبَعًا لِلنَّاشِرِيِّ وَالْأَهْذَلِيِّ فِي أَثْنَاءِ الْجَوَابِ يُفْصِحُ عَنْ تَحْقِيقِ الْبَحْثِ وَإِصَابَةِ الصَّوَابِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ وَالْمُؤَيِّدُ لِمَا هُنَالِكَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي زَكَرِيَّا ﵀ فِي بَابِ الْقَضَاءِ مِنْ شَرْحِهِ لِلرَّوْضِ مَا لَفْظُهُ فَإِنْ اخْتَلَفَ الْمُفْتِيَانِ جَوَابًا وَصِفَةً وَلَا نَصَّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مَعَ أَحَدِهِمَا قُدِّمَ الْأَعْلَمُ وَكَذَا إذَا اُعْتُقِدَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ أَوْ أَوْرَعَ كَمَا يُقَدَّمُ أَرْجَحُ الدَّلِيلَيْنِ وَأَوْثَقُ الرِّوَايَتَيْنِ وَيُقَدَّمُ الْأَعْلَمُ عَلَى الْأَوْرَعِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْفَتْوَى بِالْعِلْمِ أَشَدُّ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالْوَرَعِ. فَلَوْ كَانَ ثَمَّ نَصٌّ قُدِّمَ مَنْ مَعَهُ النَّصُّ وَكَالنَّصِّ الْإِجْمَاع اهـ. لَفْظُهُ هَهُنَا ثُمَّ ذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ هَذَا بِنَحْوِ وَرَقَةٍ مَا لَفْظُهُ وَلَوْ تَعَارَضَ جَزْمُ مُصَنَّفَيْنِ فَكَتَعَارُضِ الْوَجْهَيْنِ فَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْبَحْثِ كَمَا مَرَّ وَكَذَا يُرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ فَلَوْ جَزَمَ مُصَنِّفَانِ بِشَيْءٍ وَثَالِثٌ مُسَاوٍ لِأَحَدِهِمَا بِخِلَافِهِ رَجَّحْنَاهُمَا عَلَيْهِ اهـ. لَفْظُهُ وَقَدْ اتَّضَحَ ذَلِكَ كُلَّ الِاتِّضَاحِ وَظَهَرَ بُرْهَانُ الْحَقِّ وَلَاحَ.
وَهَذَا مَا تَيَسَّرَ لَنَا مِنْ الْجَوَابِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَ ذَلِكَ وَكَتَبَهُ الْفَقِيرُ إلَى اللَّهِ. الْقَدِيرِ عُمَرُ بْنُ الْمَقْبُولِ بْنِ عُمَرَ الْأَسَدِيُّ عَامَلَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ الْخَفِيِّ وَغَفَرَ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجَابَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَة الْبَحْرُ الْحَبْرُ الْفَهَّامَةُ الْفَقِيهُ الْهَادِي بْنُ حَسَنٍ الصَّيْرَفِيُّ بِمَا صُورَته الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ الْأَجْوِبَةُ صَحِيحَةٌ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهَا وَالْحَالُ مَا ذُكِرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ ذَلِكَ وَكَتَبَهُ الْفَقِيرُ إلَى اللَّهِ الْهَادِي بْنُ حَسَنٍ الصَّيْرَفِيُّ لَطَفَ اللَّهُ بِهِ وَبِوَالِدَيْهِ وَبِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ؟
(فَأَجَابَ) سَيِّدُنَا وَشَيْخُنَا الْعَلَّامَة الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ مَتَّعَ اللَّهُ بِحَيَاتِهِ وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِمَا صُورَتُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدَ مُعْتَرِفٍ بِتَقْصِيرِهِ مُغْتَرِفٍ مِنْ بِحَارِ مَدَدِهِ وَتَيْسِيرِهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ الدِّينَ بَعْدَ خَفَائِهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ كَمَالِ عَلْيَائِهِ مَا دَامَتْ شَرِيعَتُهُ الْغَرَّاءُ مُشَيَّدَةَ الْأَرْكَان بِأَئِمَّةِ التَّحْقِيق وَفُرْسَانِ الْبُرْهَانِ وَبَعْدُ فَقَدْ وَرَدَ عَلَيَّ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ذَوِي الْفَصَاحَةِ وَاللُّسُنِ طَلَبًا لِحَلِّ إشْكَالِهِ وَإِزَالَةِ
стр. 244
غَيْهَبِ جِدَالِهِ فَقَصَدْت إلَى ذَلِكَ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِأَنِّي لَسْت هُنَالِكَ.
وَإِنَّمَا تَرْآبُ التَّطَفُّلِ عَلَى بِسَاطِ الْكَرَمِ أَنْتَجَ مَزِيدَ الْإِنْعَامِ بِجَلَائِلِ النِّعَمِ عَلَى أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الرَّدِّ وَالتَّزْيِيفِ حَقِيقٌ أَنْ يُرْدَف بِالتَّرْصِيفِ بِتَصْنِيفٍ لَكِنَّ الِاشْتِغَالَ بِسُوءِ الْمُقْتَرَفِ هُوَ الْمَانِعُ لِي فِي الرُّقِيِّ إلَى هَذِهِ الْغُرَفِ فَأَسْأَلُ الْمَنَّانَ بِفَضْلِهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْ أَهْلِهِ إنَّهُ جَوَّادٌ كَرِيمٌ رَءُوف رَحِيمٌ فَأَقُولُ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّتِنَا صَرِيحًا وَتَلْوِيحًا أَنَّ الْإِتْيَان بِالضَّمِيرِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ لَا يَكْفِي سَوَاءٌ تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ أَمْ لَا. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْغَزِّيُّ وَابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ الْكَبِيرُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ وَنُكَتِهِ عَلَى التَّنْبِيهِ حَيْثُ نَقَلَهُ وَأَقَرَّهُ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَعِبَارَته أَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ عَلَى رَسُولِهِ وَشُرُوطُهَا شُرُوطُ التَّشَهُّدِ وَأَنْ يَذْكُرَ ﵇ مُظْهَرًا لَا مُضْمَرًا فَفِي الْخُطْبَةِ لَوْ قَرَأَ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ أَوْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ لَمْ يَكْفِ اهـ. فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَكْفِي الْإِتْيَانُ بِالضَّمِيرِ فِي الْخُطْبَةِ وَإِنْ تَقَدَّمَ مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ كَمَا أَفَادَهُ صَرِيحُ قَوْلِهِ فَلَوْ قَرَأَ إلَخْ الشَّامِلِ لِلْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ.
وَجَزْمُهُ بِذَلِكَ مُشْعِرٌ بَلْ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ بَحْثٍ بَلْ مِنْ جُمْلَةِ مَنْقُولِ الْمَذْهَبِ صَرِيحًا أَوْ اقْتِضَاءً وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ قَوْلُ الْخُوَارِزْمِيِّ فِي كَافِيهِ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِنَا أَصْحَابِ الْوُجُوهِ فَرَائِضُ الْخُطْبَةِ خَمْسٌ التَّحْمِيدُ وَأَقَلُّهُ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَقَلُّهَا أَنْ يَقُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ فَذِكْرُهُ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ أَقَلُّ مَا يَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَا يَكْفِي اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ النَّقِيبِ فِي جَامِعِهِ أَخْذًا مِنْ عِبَارَةِ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ الثَّانِي الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مُحَمَّدٍ أَوْ رَسُولِ اللَّهِ اهـ. فَأَفْهَمَ التَّقْسِيم الْمُفِيد لِلْحَصْرِ.
وَالظَّاهِرُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الْإِتْيَانُ بِالضَّمِيرِ وَإِجْزَاءُ نَحْوِ الْمَاحِي وَالْعَاقِبِ وَالْحَاشِر عُلِمَ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ بَلْ قَضِيَّةُ هَذِهِ الْعِبَارَة أَنَّهُ لَا يَكْفِي صَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَلَمَّا كَانَتْ عِبَارَةُ أَكْثَرِهِمْ مُقْتَضِيَةً لِذَلِكَ أَيْضًا وَكَانَ الْمُصَحَّح عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ إجْزَاءَهُ أَبْرَزَ ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي تَوَسُّطِهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ هَلْ تُجْزِي وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ مَا أَجْزَأَ فِي التَّشَهُّدِ يُجْزِئُ هُنَا وَقَالَ فِي قُوَّتِهِ وَكَذَا لَوْ قَالَ وَالصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ النَّبِيِّ أَوْ رَسُولِ اللَّهِ كَفَى وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ مَا كَفَى مِنْهَا فِي التَّشَهُّد يُجْزِئُ هُنَا اهـ. فَأَفْهَمَ صَرِيحُ كَلَامِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْخُطْبَةِ مَقِيسَةٌ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَاب كَمَا يَأْتِي وَأَنَّ بَحْثَهُ الْإِجْزَاء هُنَا قِيَاسًا عَلَى الْإِجْزَاء بِالصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا أَتَى مَعَ الضَّمِيرِ بِلَفْظِ رَسُولٍ لِخِفَّةِ الْإِيهَامِ بَلْ عَدَمِهِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ كَأَنْ قَالَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ قَطْعًا وَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَحَلِّ الْبَحْثِ فِي شَيْءٍ بَلْ هُوَ الْمَنْقُول صَرِيحًا أَوْ اقْتِضَاءً كَمَا قَدَّمْته.
وَلَعَلَّ شَيْخَنَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ إنَّمَا أَتَى فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ بِمَا تَوَهَّمَ مِنْهُ الْمُجِيبُ الثَّانِي أَنَّهُ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ كَلَامَ الْأَنْوَارِ وَلَا غَيْرِهِ مِمَّا ذَكَرْته. وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ عِبَارَتَهُ عِنْدَ التَّحْقِيق لَا تَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ بَحْثٌ بَلْ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَنْ قَالَ بِذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ جَزَمَ بِهِ فِي غَيْرِ شَرْحِ الْبَهْجَةِ كَشَرْحِ الرَّوْضِ وَغَيْرِهِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ وَعَلِمْت أَنَّ عَدَمَ الْإِجْزَاء هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ فَلْتَجُرَّ ذَيْلَ الْمَقَالِ عَلَى ثَرَى حُجَجِ هَؤُلَاءِ الْمُجِيبِينَ وَتَزْيِيفِهَا لِئَلَّا يَغْتَرّ بِهَا ضَعِيفُ الْعَقْلِ لِمَا أَكْثَرُوهُ مِنْ تَنْمِيقِهَا بِمَا لَا يُجْدِي عِنْدَ التَّأَمُّلِ وَاسْتِحْضَارِ الْقَوَاعِد وَالْأُصُولِ فَنَقُولُ احْتِجَاجُ الْمُجِيبِ الْأَوَّلِ بِأَكْثَرِ مَا فِي خُطَبِ ابْنِ نَبَاتَةَ مُزَيَّفٌ فَإِنَّ ابْنَ نَبَاتَةَ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ الَّذِينَ يُحْتَجُّ بِكَلَامِهِمْ.
وَأَمَّا ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَكَانَ مَالِكِيًّا ثُمَّ تَشَفَّعَ فَيُحْتَمَلُ تَصْنِيفُهُ لِمَا نُقِلَ عَنْهُ وَهُوَ مَالِكِيٌّ عَلَى أَنَّهُ تَرَقَّى إلَى أَنْ يَقُولَ بِمَا ظَهَرَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِأَدِلَّةِ مَذْهَبِهِ وَلَا قَوَاعِدِهَا وَقَوْلُهُ وَخَطَبَ بِهَا غَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاء وَصَلَّى مَعَهُ كُلُّ مَوْجُودٍ فِي كُلِّ قُطْرٍ إلَخْ وَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا مَضَى أَهْلُ الْأَعْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ نَحْوِ هَذَا الْعُمُومِ الَّذِي لَا مُسْتَنَدَ لَهُ أَلْبَتَّةَ مَمْنُوعٌ عَلَى أَنَّهُ نَاقَضَ نَفْسَهُ
стр. 245
حَيْثُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ عَلَى عَدَمِ إجْزَاءِ الضَّمِيرِ وَأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا وَقَعَ فِي خُطَبِ الْأَكْثَرِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَخِيرَ مَمْنُوعٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مِصْرَ وَإِقْلِيمَهَا الْمُشْتَمِلِ مِنْ الْعُلَمَاء قَدِيمًا وَحَدِيثًا مَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الْأَقَالِيمِ لَا يُوجَدُ فِيهِ مَنْ يَذْكُرُ فِي خُطْبَتِهِ الضَّمِيرَ إلَّا إنْ كَانَ جَاهِلًا وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ قَلِيلٌ وَرُبَّمَا اسْتَغْنَى عَنْهُ أَهْلُ بَلَدِهِ أَوْ مَحَلَّتِهِ حَتَّى يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ فَسَادُ جَمِيعِ مَا فَرَّعَهُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا يَمُجُّهُ السَّمْعُ وَيَتَنَزَّهُ عَنْهُ سَلِيمُ الطَّبْعِ لَا سِيَّمَا قَوْلَهُ فَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ مَعَ مَا قَدَّمْته عَنْ الْأَئِمَّةِ.
وَقَوْله إنَّ ذَلِكَ إنَّمَا حَدَثَ فِي هَذَا الْقَرْنِ إلَخْ وَمَا رَتَّبَهُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ وَهَذَا جَهْلٌ قَبِيحٌ إلَخْ مِمَّا لَا يَنْبَغِي صُدُورُهُ مِنْ عَالِمٍ إلَّا بَعْدَ إيضَاحِ سَبِيلِهِ وَلَمْ يُوجَدْ وَقَوْلُهُ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَمْرَيْنِ ظَاهِرٌ وَذَلِكَ إلَخْ يُرَدُّ بِمَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ هَذَا الَّذِي زَعَمَهُ بَلْ التَّصْرِيحُ بِهِ أَوْ بِمَا يَدُلّ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْته أَوَّلًا وَقَوْلُهُ أَحَدُهُمَا أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمُظْهَر فِي التَّشَهُّدِ إلَخْ لَا يُجْدِي شَيْئًا؛ لِأَنَّا لَمْ نَقُلْ إنَّ عَدَمَ الْإِجْزَاء فِي الْخُطْبَةِ بِطَرِيقِ أَنَّ النَّصَّ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِشُمُولِهِ كَمَا تَوَهَّمَهُ هَذَا الْمُجِيبُ فَبَنَى عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ أَخْذًا مِنْ احْتِجَاجِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَاب ﵃. عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الْخُطْبَةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى وُجُوبِهَا فِي الصَّلَاةِ وَمِنْ قَوْلِ الْأَذْرَعِيِّ لَا يَبْعُدُ مَجِيءُ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ هُنَا وَنَحْوُ هَذِهِ الْعِبَارَة مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَسَاوِي الْبَابَيْنِ كَثِيرًا فِي كَلَامِهِ وَكَلَامِ غَيْرِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَصَفُّحِهِ وَقَوْلُهُ فَأَكْثَرُ مَا رُوِيَ إلَخْ مَمْنُوعٌ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَرَّرَ.
وَفَرْقُهُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالْخُطْبَةِ بِمَا ذَكَرَهُ فِيهِ مِنْ التَّهَافُتِ وَعَدَمِ الْجَرْيِ عَلَى الْقَوَاعِد مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَة مِنْ الْعُلُومِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَ الضَّمِيرِ الْمَذْكُورِ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَلَا إيهَامٍ أَمْرٌ صِنَاعِيٌّ وَكَوْنُ مَا قَبْلَهُ رُكْنٌ وَهُوَ رُكْنٌ آخَرُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ اعْتِبَارِيٌّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ كَيْفَ يُقَالُ إنَّ التَّشَهُّدَ قَدْ تَمَّ وَإِنَّ هَذَا كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ إلَخْ وَمِمَّا يُبْطِلُ مَا زَعَمَهُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي الْمَجْمُوع عَنْ الرَّافِعِيِّ وَفِي وَجْهٍ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ وَالْكِنَايَةُ تَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ فِي التَّشَهُّدِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ وَهَذَا نَظَرٌ إلَى الْمَعْنَى اهـ فَأَفْهَمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُكْتَفِي بِالضَّمِيرِ إنَّمَا رَاعَى صِحَّةَ الْمَعْنَى وَأَنَّ الْمَانِعَ لَهُ إنَّمَا رَاعَى الِاتِّبَاع لَهُ فَقَطْ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا فَبَطَلَ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ عَلَى أَنَّا
وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ صَحِيحٌ فَلِلْخُطْبَةِ أَرْكَانٌ مُخْتَلِفَةٌ أَيْضًا فَاشْتِمَالُهَا عَلَى تِلْكَ الْأَرْكَان الْمُخْتَلِفَةِ. كَاشْتِمَالِ الصَّلَاةِ عَلَى أَرْكَانِهَا فَيَلْزَمُهُ جَرَيَانُ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ قَوْلُهُ ﷺ رُكْنًا مُسْتَقِلًّا جَارِيًا بَعْدَ تَمَامِ رُكْنِ الْحَمْدِ فَلَا فَارِقَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بِوَجْهٍ وَكَانَ يَنْبَغِي لِهَذَا الْمُجِيبِ أَنْ يُعْرِضَ عَنْ هَذَا وَيَحْتَجَّ بِأَنَّ كَلَامَهُمْ صَرِيحٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّهُمْ اغْتَفَرُوا فِي الْخُطْبَةِ مَا لَمْ يَغْتَفِرُوهُ ثَمَّ حَيْثُ قَالُوا لَا يُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَى أَحْمَدَ بِخِلَافِهِ فِي الْخُطْبَةِ وَلَوْ قَالَ وَالصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ أَجْزَأَ هُنَا لَا هُنَاكَ؛ لِأَنَّ بَابَ الْخُطْبَةِ أَوْسَعُ.
فَإِنْ قُلْت فَهَذَا حِينَئِذٍ يُشْكِلُ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاء فِي الضَّمِيرِ قِيَاسًا عَلَى التَّشَهُّدِ قُلْت لَا يُشْكِلُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ أَحْمَدَ عَلَمٌ وَلَا اشْتِرَاكَ فِيهِ وَضْعًا بَلْ هُوَ فِيهِ عَرَضِيٌّ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ بِخِلَافِ الضَّمِيرِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَعْرَفَ مِنْ الْعَلَمِ مِنْ حَيْثِيَّةٍ أُخْرَى لَكِنَّ رُجُوعَهُ إلَى الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ حَتْمًا غَيْرُ وَضْعِيٍّ لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ إلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ احْتِمَالًا قَرِيبًا جَائِزًا لُغَةً فَكَانَ فِيهِ مِنْ نَوْعِ الْإِيهَامِ مَا لَيْسَ فِي دَلَالَةِ أَحْمَدَ عَلَى مُسَمَّاهُ فَمِنْ ثَمَّ أَجْزَأَ أَحْمَدُ هُنَا دُونَ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْقِيَاسِ فِي فَرْعٍ لِاتِّضَاحِ عِلَّتِهِ الْقِيَاسُ فِي فَرْعٍ آخَرَ لَمْ تَتَّضِحْ تِلْكَ الْعِلَّةُ فِيهِ إيضَاحَهَا فِي ذَاكَ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَوْعُ مُشَابَهَةٍ.
وَبِهَذَا التَّقْرِير يَظْهَرُ لَك انْدِفَاعُ قَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ إذَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ بِالْمَظْهَرِ الَّذِي يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُوَ فَكَيْفَ لَا تَصِحُّ بِالْمُضْمَرِ الَّذِي هُوَ أَعْرَفُ الْمَعَارِف وَلَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ غَيْرُهُ وَيَظْهَرُ لَك أَيْضًا أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْمُضْمَرُ أَعْرَفُ الْمَعَارِف وَتَوَهَّمَ مِنْهُ غَيْرَ الْمُرَادِ وَبَنَى عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ وَقَوْلُهُ بَلْ أَيُّ لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ
стр. 246
الْحَمْدِ أَتَى أَجْزَأَهُ إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى كَلَامٍ لِلْجِيلِيِّ وَغَيْرِهِ وَرَدَّهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ غَرِيبٌ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ.
وَقَوْلُهُ وَلَا نَقُولُ إنَّ لِلْحَمْدِ لَفْظٌ مُتَعَيَّنٌ إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى لُغَةٍ غَيْرِ مَشْهُورَةٍ وَهِيَ إهْمَالٌ.
وَقَوْلُهُ وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ بِالْمُضْمَرِ وَكَوْنِهِ أَوْلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] إلَخْ إنْ أَرَادَ الِاحْتِجَاجَ بِهِ لِلْجَوَازِ الْمُطْلَقِ فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ أَوْ لِلْجَوَازِ فِي الْخُطْبَةِ قِيلَ لَهُ سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْت مُغَرِّبًا شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبٍ وَإِذَنْ قَدْ انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ الْمَعْلُوم مِنْهُ. رَدُّ بَقِيَّةِ الْأَجْوِبَةِ لِمَنْ تَأَمَّلَ ذَلِكَ لَكِنْ مِنْ حَقِّ هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يُزَادَ فِي إيضَاحِهِ وَبَسْطِهِ فَنَقُولُ: قَوْلُ الثَّانِي نَقْلًا عَمَّنْ ذَكَرَهُ وَهُوَ أَبْلَغُ وَأَجْزَلُ إلَخْ إذَا أَرَادَ بِهِ إطْلَاقَ الْأَبْلَغِيَّةِ فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ الظَّاهِرَ قَدْ يُؤْتَى بِهِ بَدَلًا عَنْ الضَّمِيرِ لِزِيَادَةِ التَّقْرِير وَالتَّمْكِينِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] وَقَدْ يُؤْتَى بِهِ لِتَعْظِيمِ الْمُحَدَّثِ عَنْهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩] وَقَدْ يُؤْتَى بِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَا أُسْنِدَ إلَيْهِ هُوَ اللَّائِقُ بِهِ.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى الْآيَةُ الثَّانِيَة أَيْضًا وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] وَلَمْ يَقُلْ وَاسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ يُنْبِئُ عَنْ قَبُولِ شَفَاعَتِهِ وَإِذَا أَرَادَ بِهِ خُصُوصِيَّةَ ذَلِكَ لِبَعْضِ الْأَمْكِنَةِ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ مِنْ الْمَوَاضِع الَّتِي يَكُونُ الْإِتْيَانُ فِيهَا لَفْظًا بِالظَّاهِرِ أَجْزَلَ؛ لِأَنَّ الْبَلَاغَة فِي الْخُطْبَةِ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا وَالْبَلَاغَةُ فِيهِ أَبْلَغُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوَاعِد الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْتهَا تَتَأَتَّى فِيهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْخَطِيبِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ النَّبِيِّ أَوْ الْحَاشِرِ أَوْ الْمَاحِي أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَلَوْ بَعْدَ سَبْقِ ذِكْرِهِ يَدُلُّ عَلَى التَّقْرِير وَالتَّمْكِينِ وَيَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِهِ ﷺ حَيْثُ لَمْ يَكْتَفِ فِي التَّسْوِيَةِ بِمَزِيدِ شَرَفِهِ إلَّا بِاسْمِهِ الظَّاهِرِ دُونَ ضَمِيرٍ يَرْجِعُ لِمَا سَبَقَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ طَلَبِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُهُ أَوْ وَصْفُهُ الشَّرِيفُ مِنْ زِيَادَةِ تَحَلِّيه مِنْ مَحَامِد الْهِبَةِ أَوْ الْإِنْبَاءِ أَوْ الرِّسَالَة عَنْ اللَّهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك أَتَمَّ ظُهُورٍ وَيَتَّضِحُ لَك أَكْمَلَ إيضَاحٍ عِلَّةُ وُجُوبِهِمْ الْإِظْهَار فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَعَدَمِ إجْزَاءِ الضَّمِيرِ إذْ عَوْدُهُ عَلَى الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ هُوَ الْأَصْلُ وَلَا يَتَيَقَّظُ السَّامِعُ عِنْدَ سَمَاعِهِ لِنُكْتَةٍ فِيهَا مَزِيدُ تَشْرِيفٍ لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا عُدِلَ عَنْ الْأَصْلِ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ ذِكْرُ الْمُظْهَرِ فَإِنَّ السَّامِعَ حِينَئِذٍ يَتَنَبَّهُ إلَى نُكْتَةِ الْعُدُولِ فَيَسْتَفِيدُهَا فَفِيهِ مِنْ رِعَايَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى شَرَفِهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ أَمْكَنَ مَا لَا يَخْفَى.
وَقَوْلُهُ وَكَانَ الْقِيَاسُ إلَخْ مَمْنُوعٌ لِإِيضَاحِ الْفَارِقِ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُهُ وَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَخْ هُوَ الْوَاهِمُ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ بَحْثٍ وَقَوْلُهُ وَغُلُوٌّ فِي الْجُمُودِ عَلَى الظَّاهِرِ هُوَ الْجُمُودُ الْمَحْضُ الْمُنْبِئُ عَنْ عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ الَّتِي أَشَرْت إلَيْهَا وَقَوْلُهُ وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ مُجَرَّدُ دَعْوَى كَمَا وَقَعَ لِمَنْ قَبْلَهُ كَمَا قَدَّمْت رَدَّهُ. وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ مِنْ الْمَفْهُومَات الْبَوَارِدِ هُوَ الْبَارِدُ النَّاشِئُ عَنْ بَرْدِ الْقُطْنَةِ وَجُمُودِ الْقَرِيحَةِ وَقَوْلُ الثَّانِي وَكَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى فُحُولَتِهِ مُجَرَّدُ تَقْلِيدٍ مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ وَقَوْلُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ إلَخْ هُوَ مِنْ التَّهْوِيلِ بَلْ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَوَّلُ مِمَّا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَلَا يَقْبَلُهُ إلَّا غَبِيٌّ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْمَآخِذُ وَالْقَوَاعِدِ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ التَّفْقِيه مِنْ التَّعَجُّبِ مِنْ إيجَابِ الشَّافِعِيِّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ مَمْنُوعٌ وَقَدْ بَيَّنَ أَصْحَابُنَا دَلِيلَ ذَلِكَ مِنْ الْقِيَاسِ وَفِعْلِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ شَامِلٌ لِلظَّاهِرِ وَالْمُضْمَر إلَخْ. نَاشِئٌ عَنْ النَّظَرِ لِبَعْضِ كَلَامِهِمْ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ بَاقِيه وَعَنْ مَدَارِكِهِ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] هُوَ نَظِيرُ مَا وَقَعَ لِلْمُجِيبِ الْأَوَّلِ مِمَّا مَرَّ فِيهِ أَنَّهُ لَا مُطَابَقَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدْلُول كَوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِاسْتِدْلَالَاتِ كَمَا لَا يَخْفَى وَقَوْلُهُ إذْ الْغَرَضُ إلَخْ مَمْنُوعٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ الْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَهُمَا وَقَوْلُهُ مَحْمُولٌ إلَخْ لَا دَلِيلَ لِهَذَا الْحَمْلِ بَلْ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَهُّمُ نِزَاعٍ فِي ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ سَبْقِ مَا يَرْجِعُ
стр. 247
إلَيْهِ الضَّمِيرُ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِلنِّزَاعِ حِينَئِذٍ بَلْ هُوَ مُكَابَرَةٌ وَعِنَادٌ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْهُ اخْتَصَرَهَا وَأَجْحَفَ بِمَا قَدْ يُؤَدِّي لِإِيهَامِ هِيَ سَالِمَةٌ عَنْهُ وَقَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ إلَخْ مَمْنُوعٌ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُهُ وَوَجَدْنَا الْإِجْمَاع السُّكُوتِيَّ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ لَهُ كَالْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ كُلَّ الْعُلَمَاء فِي كُلِّ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ اكْتَفُوا بِالضَّمِيرِ وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِهْجَانِ إلَخْ هُوَ الْمُسْتَهْجَنُ لِمُنَافَاتِهِ لِقَوَاعِدِ الْبُلَغَاء الَّتِي أَشَرْت إلَيْهَا فِيمَا مَرَّ وَفَرْقُهُ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالتَّشَهُّدِ بِمَا ذَكَرَهُ لَوْ سَكَتَ عَلَيْهِ لَكَانَ أَوْلَى لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الضَّمِيرَ لَا يُجْزِئُ فِي الْخُطْبَةِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الِاخْتِصَارِ وَحَذْفِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ إذَا لَمْ يَجُزْ فِي الصَّلَاةِ الْمَطْلُوب فِيهَا التَّحَرُّزُ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ مَا أَمْكَنَ فَلَا يُجْزِئُ فِي الْخُطْبَةِ الَّتِي لَا يُطْلَبُ فِيهَا التَّحَرُّزُ الْمَذْكُورُ بِالْأَوْلَى.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُجِيبُ الثَّالِثُ مِنْ اعْتِمَادِ الْأَجْوِبَةِ فَمَمْنُوعٌ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا أَيْضًا فَمَقْبُولٌ وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ إذْ الْإِجْمَاع عَلَى جَوَازِ الضَّمِيرِ بَلْ وَلَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ لِأَنَّ الْمُخَالِف إنَّمَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا وَلَوْ فِي الْفَتْوَى وَلَمْ يُوجَدْ بَلْ وَجَدْنَا مُجْتَهِدِينَ بِهَا مُصِرِّينَ بِالْمَنْعِ.
فَوَجَبَ عَلَيْنَا اتِّبَاعهمْ فِي ذَلِكَ لِعَدَمِ بُلُوغِنَا لِمَا نَالُوهُ مِنْ عَلِيِّ الْمَسَالِك وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ جُمُعَةٍ تُقَامُ فِي بَلْدَةٍ بِشُرُوطِهَا فَقَصَّرَ حَتَّى فَاتَتْهُ ثُمَّ سَمِعَ النِّدَاءَ مِنْ بَلَدٍ أُخْرَى فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْي إلَيْهِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ السَّعْيَ إنَّمَا يَجِبُ بِسَمَاعِ النِّدَاءِ مِنْ بَلَدٍ أُخْرَى عَلَى مَنْ لَا جُمُعَةَ فِي بَلَدِهِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ لِأَنَّ بَلَدَهُ حِينَئِذٍ لَا جُمُعَةَ فِيهَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مُقَصِّرًا وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِإِطْلَاقِهِمْ وَالثَّانِي أَقْرَبُ لِلْمَعْنَى وَكَوْنُ جُمُعَةِ بَلَدِهِ هِيَ الْأَصْلِيَّةُ فِي حَقِّهِ فَإِذَا فَاتَتْ وَجَبَ عَلَيْهِ الظُّهْرُ أَدَاءً لَا قَضَاءً بِأَمْرٍ جَدِيدٍ لَا بَدَلَ عَنْ الْجُمُعَةِ لَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ وَاحِدٍ مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ لَكِنَّ تَعَرُّضَ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِلصِّحَّةِ إذَا خَرَجَ وَصَلَّاهَا مَعَ أَهْلِ الْبَلَدِ الْأُخْرَى دُونَ الْوُجُوبِ قَدْ يُومِئ إلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يُكْرَهُ السَّفَرُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى قَوْلِ الْغَزَالِيِّ فِي الْخُلَاصَةِ مَنْ سَافَرَ لَيْلَتَهَا دَعَا عَلَيْهِ مَلَكَاهُ الْكَرَاهَة. وَهُوَ مُتَّجَهٌ إنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنْ الْجُمُعَةِ قِيَاسًا عَلَى بَيْعِ النِّصَابِ الزَّكَوِيِّ قَبْلَ الْحَوْلِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْحَوْلَ ثَمَّ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ انْعَقَدَ فِي حَقِّهِ بِخِلَافِهِ هُنَا وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ مَدْرَكُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَصْحَاب مَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَة.
(وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاته بِمَا صُورَته تَقَدَّمَ إحْرَامُ أَرْبَعِينَ بِصِفَةِ الْكَمَالِ عَلَى إحْرَامِ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ كَغَيْرِ الْمُسْتَوْطِنِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ذَكَرَ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيُّ أَنَّهُ شَرْطٌ وَتَبِعَهُمَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْمُوَافِقُ لِإِطْلَاقِهِمْ خِلَافُهُ وَمِنْ ثَمَّ ضَعَّفَ مَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مُتَأَخِّرُونَ. وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي التَّأَخُّر خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَلَا تَفُوتُهُ بِذَلِكَ فَضِيلَةُ التَّحَرُّم فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّهُ تَأَخَّرَ لِعُذْرٍ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا صُورَته صَحَّ أَنَّ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْخَطِيبُ إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ فَهَلْ هَذَا فِي كُلِّ خَطِيبٍ أَوْ لَا فَإِنَّ أَوْقَاتَ الْخُطَبِ تَخْتَلِفُ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَدُّدُ سَاعَةِ الْإِجَابَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِي مُنْذُ سِنِينَ حَتَّى رَأَيْت النَّاشِرِيَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ فِي جَمَاعَةٍ غَيْرَهَا فِي حَقِّ آخَرِينَ وَهُوَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ فِي حَقِّ كُلِّ خَطِيبٍ وَسَامِعِيهِ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ كَمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ فَلَا دَخْلَ لِلْعَقْلِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ صِحَّةِ النَّقْلِ فِيهِ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّنْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً وَقْتَ الْخُطْبَةِ هَلْ يُصَلِّيهَا وَيَتْرُكُ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يُصَلِّي الْفَائِتَة الَّتِي تَذَكَّرَهَا وَقْتَ الْخُطْبَةِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ فِي مَسْجِدٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهَا نَحْوَ أَرْبَعمِائَةِ ذِرَاعٍ وَالْحَالُ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ
стр. 248
الْجُمُعَةَ فِيهِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَنَّ بِالْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ مَسْجِدًا لَطِيفًا وَقُدَّامُهُ رِحَابٌ فَهَلْ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ الْمُنْفَصِلُ مُعَدًّا مِنْ حَرِيمِ الْبَلَدِ بِأَنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ كَانَ كَاَلَّذِي بَيْنَ عُمْرَانِهَا فَلِأَهْلِ الْبَلَدِ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي أَحَدِهِمَا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْهَا فَإِنْ جَاوَزَ حَرِيمَهَا كَالْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ حَرِيمَ الْبَلَدِ لَا يَبْلُغُ أَرْبَعمِائَةِ ذِرَاعٍ لَمْ يَجُزْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا ثُمَّ خَرِبَ مَا حَوْلَهُ أَمْ لَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
(وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاته لَوْ اتَّصَلَتْ قَرْيَتَانِ فَهَلْ يَجُوزُ تَعَدُّدُ الْجُمُعَةِ فِيهِمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمْ حَيْثُ عَدُّوهُمَا كَالْقَرْيَةِ الْوَاحِدَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُجَاوَزَةِ عُمْرَانِهِمَا فِي السَّفَرِ امْتَنَعَ تَعَدُّدُهَا وَإِلَّا جَازَ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي تَوْجِيهِ تَعَدُّدِ الْجُمُعَةِ فِي بَغْدَادَ أَنَّهَا كَانَتْ قُرًى ثُمَّ اتَّصَلَتْ وَلَا فَرْقَ حَيْثُ اتَّصَلَتَا الِاتِّصَالَ الَّذِي ذَكَرُوهُ بَيْنَ أَنْ يَتَمَيَّزَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِاسْمٍ أَوْ لَا وَلَا بَيْنَ أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَ بَعْضِ جَوَانِبَهُمَا نَهْرٌ أَوْ لَا.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ ذَكَرُوا أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ الَّذِينَ لَا يُمْكِنُهُمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ بِبَلَدِهِمْ إذَا سَمِعُوا النِّدَاءَ تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ فَإِنْ كَانَتْ فِي وَهْدَةٍ أَوْ قُلَّةِ جَبَلٍ قُدِّرَتْ مُعْتَدِلَةً فَإِنْ سُمِعَتْ لَزِمَتْهُمْ الْجُمُعَةُ وَإِلَّا فَلَا هَلْ يَشْمَلُ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَتْ الْوَهْدَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَجْهِ الْأَرْضِ يَوْمَانِ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَشْمَلُ ذَلِكَ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُمْ أَيْضًا يَجِبُ عَلَى بَعِيدِ الدَّارِ السَّعْيُ قَبْلَ الْوَقْتِ إذْ قَوْلُهُمْ قَبْلَ الْوَقْتِ يَشْمَلُ مَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَقَوْلُهُمْ يَجِبُ السَّعْيُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ إذْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ بَطِيءَ الْمَشْيِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَصِلَ لِبَلَدِ الْجُمُعَةِ إلَّا إنْ سَافَرَ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ مِنْ حِينَئِذٍ. وَلَا يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ انْتَفَتْ عَنْهُ سَائِرُ أَعْذَارِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُمْ سَائِرُ أَعْذَارِ الْجَمَاعَة عُذْرٌ لِلْجُمُعَةِ إلَّا نَحْوَ الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ بِاللَّيْلِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّهُ حَيْثُ سُلِّمَ وُجُوبُ السَّعْيِ لَيْلًا يَنْبَغِي بَلْ يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ الرِّيحُ الْعَاصِفَةُ بِاللَّيْلِ عُذْرًا فِي حَقِّهِ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ تِلْكَ الْقَرْيَةَ الَّتِي تَحْتَ الْأَرْضِ إنْ كَانَتْ فِي سِرْبٍ نَازِلٍ عَلَى الِاسْتِوَاءِ اعْتَبَرْنَاهَا عَلَى رَأْسِهِ أَوْ مَعَ انْحِرَافٍ اعْتَبَرْنَاهَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْمُسَامِتِ لَهَا لَا عَلَى رَأْسِ السِّرْبِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ قَالُوا لَا بُدَّ فِي إقَامَةِ الْجُمُعَةِ أَنْ تَكُونَ فِي مَحَلٍّ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فِيهِ فَهَلْ إذَا أَقَامَهَا مَنْ دُورُهُمْ خَارِجَ السُّورِ وَتَكَمَّلُوا بِوَاحِدٍ مِمَّنْ دَارُهُ دَاخِلَ السُّورِ تَنْعَقِدُ بِهِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِ لِأَنَّهُ فِي مَحَلٍّ يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ فِيهِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَالْمُسَافِرِ إذْ لَيْسَ هُوَ دَارَ إقَامَتِهِ وَلَوْ دَخَلَ مَنْ دَارُهُ خَارِجَ السُّورِ إلَى دَاخِلِهِ انْعَقَدَتْ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ عَلَى مَا أَفْتَيْتُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ السَّفَرَ وَاحْتَاجَ إلَى قَصْرٍ دَاخِلَ السُّورِ لِكَوْنِهِ فِي مَقْصِدِهِ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ السُّورِ ثُمَّ يُجَاوِزَ الْعُمْرَانَ الَّذِي وَرَاءَهُ لِأَنَّ السُّورَ لَا عِبْرَةَ بِهِ فِي حَقِّهِ وَإِنَّمَا الْعُمْرَانُ الَّذِي خَارِجَهُ كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ دَارُ إقَامَتِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا صُورَتُهُ قَبَضَ الْخَطِيبُ حَرْفَ الْمِنْبَرِ الْمُعْوَجِّ وَنَحْوِهِ فَهَلْ تَبْطُلُ خُطْبَتُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ لَمْ يُؤَثِّرْ كَمَا لَوْ جَعَلَهَا عَلَى حَبْلٍ مُتَّصِلٍ بِكَلْبٍ وَإِنْ وَضَعَهَا مَعَ قَبْضٍ فَتَارَةً يَكُونُ صَغِيرًا بِحَيْثُ يَنْجَرُّ بِجَرِّهِ فَتَبْطُلُ خُطْبَتُهُ كَمَا لَوْ قَبَضَ حَبْلًا مُتَّصِلًا بِسَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ فِيهَا نَجَسٌ وَتَارَةً يَكُونُ كَبِيرًا بِحَيْثُ لَا يَنْجَرُّ بِجَرِّهِ فَلَا يُؤَثِّرُ كَالسَّفِينَةِ الْكَبِيرَةِ وَلَا فَرْقَ فِي النَّجَاسَةِ الَّتِي عَلَيْهِ بَيْنَ ذَرْقِ الطُّيُورِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ حَمْلَ مَا فِيهِ ذَرْقُهَا لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ تَبَعًا لِبَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَإِنْ عُفِيَ عَنْ الْوُقُوفِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لَائِحٌ لَكِنْ اعْتَمَدَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْعَفْوَ عَنْهُ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ وَهُوَ حَسَنٌ لَوْ سَاعَدَهُ عَلَيْهِ نَقْلٌ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِمَا صُورَته سَلَّمَ الْإِمَامُ فِي الْوَقْتِ وَالْمَأْمُومُونَ خَارِجَهُ فَهَلْ تَصِحُّ جُمُعَتُهُ أَوْ لَا وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ بَانُوا مُحْدِثِينَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ بَلْ صَرِيحُهُ عَدَمُ صِحَّةِ جُمُعَةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَوْلَى وَعَلَيْهِ فَفَارَقَ وَمَا ذُكِرَ بِأَنَّ صُورَةَ الْجُمُعَةِ
стр. 249
وَقَعَتْ فِي الْوَقْتِ فَصَحَّتْ مِنْ الْإِمَامِ رِعَايَةً لِذَلِكَ وَبِأَنَّ الْمُحْدِثَ قَدْ تَصِحُّ مِنْهُ الصَّلَاةُ كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ خَارِجَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ صِحَّتُهَا وَبِأَنَّ أَمْرَ الْجُمُعَةِ إلَى الْإِمَامِ فَتَأْخِيرُهَا تَقْصِيرٌ مِنْهُ بِخِلَافِ تَبَيُّنِ حَدَثِهِمْ فَإِنَّهُ لَا حِيلَةَ لَهُ فِيهِ وَمُقْتَضَى هَذَا الْأَخِيرِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ بِالتَّأْخِيرِ صَحَّتْ جُمُعَتُهُ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَقَالَ إنَّهُ الْأَوْجَهُ وَفِيهِ وَقْفَةٌ بَلْ الْأَوْجَهُ مَا اقْتَضَاهُ الْفَرْقَانِ الْأَوَّلَانِ مِنْ عَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْهُ مُطْلَقًا لِأَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّارِعِ بِالْوَقْتِ أَكْثَرُ مِنْهُ بِالْعَدَدِ وَلِذَا اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الْعَدَدِ فِي مَسْأَلَةِ الِانْقِضَاضِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي الْوَقْتِ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِمَا صُورَته قَالُوا فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ يُكْرَهُ تَرْكُهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ مَخْصُوصٌ فَمَا سَبَبُ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عَلَّلُوا الْكَرَاهَة بِتَأَكُّدِهِ بِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَة الْحَاثَّةِ عَلَيْهِ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ بِأَنْ وَرَدَتْ فِيهِ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ بِطَلَبِهِ يُكْرَهُ تَرْكُهُ وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ فَيُكْرَهُ تَرْكُهُ أَوْ فِعْلُهُ بِالْأَوْلَى وَيَصِيرُ تَأَكُّدُ طَلَبِهِ أَوْ الِاخْتِلَافُ فِي وُجُوبِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ بِمَنْزِلَةِ النَّهْيِ الْمَخْصُوصِ وَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَا قَرَّرْته هُنَا عَلِمْتَ أَنَّ قَوْلَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يُكْرَهُ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى السُّنَنِ الْمُتَأَكِّدَةِ أَوْ الْمُخْتَلَفِ فِي وُجُوبِهَا كَالسُّورَةِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَإِلَّا فَإِطْلَاقُهُ الْكَرَاهَة لَا يَتَمَشَّى عَلَى اصْطِلَاحِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْمَكْرُوه مِنْ كَوْنِهِ مُغَايِرًا لِخِلَافِ الْأَوْلَى.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِهِمْ يُشْتَرَطُ فِي خَلِيفَةِ الْجُمُعَةِ أَنْ يَكُونَ مُقْتَدِيًا بِالْإِمَامِ قَبْلَ حَدَثِهِ هَلْ يَشْمَلُ الْمُتَنَفِّلَ وَغَيْرَهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا بُدَّ مِنْ اقْتِدَائِهِ بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ وَإِلَّا لَأَدَّى إلَى إنْشَاءِ جُمُعَةٍ بَعْدَ انْعِقَادِ أُخْرَى أَوْ إلَى جَعْلِهَا ظُهْرًا قَبْلَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ وَلَا يُرَدُّ الْمَسْبُوقُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَا مُنْشِئٌ قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ نَعَمْ لَوْ كَانَ غَيْرَ الْمُقْتَدِي لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ نَاوِيًا غَيْرَهَا فَلَا يَخْفَى جَوَازُهُ اهـ وَلِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَالٌ إذْ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ تُنَازِعُ فِيهِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ سَافَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَلَدِهِ قَبْلَ الْفَجْرِ إلَى بَلَدٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا نَحْوَ مِيلٍ بَلْ أَقَلَّ وَنِيَّتُهُ الْعَوْدُ مِنْهَا بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ مَعَ سَمَاعِهِ النِّدَاءَ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِي بَابِ السَّفَرِ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ لِقَوْلِهِمْ لَا يَنْقَطِعُ سَفَرُهُ بِوُصُولِهِ مَقْصِدَهُ إلَّا إنْ نَوَى الْإِقَامَةَ مُطْلَقًا أَوْ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ لِأَنَّهَا إذَا لَزِمَتْ فِي بَلَدٍ أُخْرَى بِسَمَاعِ النِّدَاءِ فَهَذَا أَوْلَى وَقَوْلُهُمْ السَّابِقُ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى انْقِطَاعِ السَّفَرِ الْمُجَوِّزِ لِلْقَصْرِ لَا الْمُسْقِطِ لِلْجُمُعَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَوْ كَانَ لَهُ بِتِلْكَ الْبَلْدَةِ زَوْجَةٌ يَأْتِيهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فَهَلْ يُقَالُ لَا تَلْزَمُهُ أَوْ يُقَالُ تَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ يُسَمَّى مُقِيمًا بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ لِأَنَّهَا وَطَنٌ لَهُ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ الثَّانِي وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ الْعِبْرَةُ فِي الْوَطَنِ إذَا كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ بِكُلٍّ مِنْ بَلَدَيْنِ بِمَا كَثُرَتْ إقَامَتُهُ فِيهِ لِأَنَّ ذَاكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَطَنِ طَنِ الْمُقْتَضِي لِكَوْنِ الْجُمُعَةِ مُنْعَقِدَةً بِهِ وَأَمَّا مُطْلَقُ الْوَطَنِ الَّذِي تَلْزَمُ بِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ التَّاجِرَ وَالْفَقِيهَ إذَا كَانَ عَزَمَ كُلٌّ عَلَى الْعَوْدِ إلَى بَلَدِهِ. وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ بَلَدٍ بِهَا جَامِعَانِ قَدِيمَانِ وَأَحَدُهُمَا أَقْدَمُ وَأَصْغَرُ لَكِنَّهُ لَا يَسَعُ أَهْلَهَا إذَا اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلْجُمُعَةِ فَأَمَرَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ أَهْلَهَا بِعَدَمِ تَعَدُّدِ الْجُمُعَةِ فَخَالَفُوا فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَعْتَقِدُ جَوَازَ التَّعَدُّدِ وَهَلْ بِمُخَالَفَتِهِمْ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ يَحِلُّ لَهُ رِقَابُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ لِتَرْكِهِمْ الصَّلَاةَ وَيُفَسَّقُونَ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ وَهَلْ إذَا انْتَقَلَ أَحَدُ إمَامَيْ الْجَامِعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَهُوَ حَنْبَلِيٌّ إلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَالَ أَنَا عِفْت مَذْهَبَ أَحْمَدَ وَتَرَكْتُهُ يُعَزَّرُ وَيَصِيرُ بِذَلِكَ مَالِكِيًّا وَهَلْ انْتِقَالُهُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ جَائِزٌ وَتَصِحُّ إمَامَتُهُ؟
(فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ مِنْ الْمَعْلُوم الْمُقَرَّر أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا يَجُوزُ تَعَدُّدُهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَعِنْدَ كَثِيرِينَ مِنْ الْعُلَمَاء إلَّا إنْ اُحْتِيجَ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مَحَلٌّ يَسَعُ أَهْلَهَا فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ التَّعَدُّدُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَقَطْ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِإِقَامَتِهَا الْمَسْجِدُ بَلْ مَتَى كَانَ فِي الْبَلَدِ مَحَلٌّ يَسَعُ أَهْلَهَا وَلَوْ غَيْرَ مَسْجِدٍ وَجَبَتْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ وَأَنَّهُ إذَا وَقَعَ تَعَدُّدٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ.
стр. 250
إلَيْهِ كَانَتْ الْجُمُعَةُ الصَّحِيحَةُ هِيَ السَّابِقَةُ وَالْعِبْرَةُ فِي السَّبْقِ بِالتَّحَرُّمِ لَا بِغَيْرِهِ وَأَنَّ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ إذَا أَمَرَ بِمَا لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ وَجَبَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَعَلَى مَنْ خَالَفَهُ التَّعْزِيرُ الشَّدِيدُ الزَّاجِرُ لِأَمْثَالِهِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ أَيْ مَنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِمَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى قَوَانِينِهَا تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ مِنْ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا مَا لَمْ يَتَتَبَّعْ الرُّخَصَ أَوْ يَحْصُلْ تَلْفِيقٌ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِمَّنْ قَلَّدَهُمْ فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَوَاعِدُ عُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ الْمُقَلِّدِينَ لِلشَّافِعِيِّ ﵁ الِاجْتِمَاعُ لِلْجُمُعَةِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَلَدِ حَيْثُ أَمْكَنَ.
وَمَتَى خَالَفُوا ذَلِكَ وَصَلَّوْا صَلَاةً فَاسِدَةً أَثِمُوا وَفَسَقُوا وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ وَعَزَّرَهُمْ الْإِمَامُ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ لَكِنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ إلَّا إنْ تَرَكُوا الْجُمُعَةَ وَإِنْ قَالُوا نُصَلِّي الظُّهْرَ بَدَلَهَا فَيَسْتَتِيبُهُمْ الْإِمَامُ فَإِنْ أَبَوْا قَتَلَهُمْ قَتْلَ تَارِكِ الصَّلَاةِ بِشَرْطِهِ الْمَعْرُوفِ فِي بَابِهِ وَلَا تَحِلُّ أَمْوَالُهُمْ إلَّا إنْ اسْتَحَلُّوا تَرْكَ فَرْضِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ سَوَاءٌ الْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا فَإِنَّهُمْ حِينَئِذٍ يَكُونُونَ مُرْتَدِّينَ فَإِذَا قَتَلَهُمْ بِذَلِكَ كَانَتْ أَمْوَالُهُمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَفِيمَا عَدَا مَا ذُكِرَ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ وَلَا أَمْوَالُهُمْ إلَّا إنْ بَغَوْا عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فَلَهُ قِتَالُهُمْ كَالْبُغَاةِ إنْ وَجَدَ فِيهِمْ شُرُوطَهُمْ الْمُقَرَّرَةَ فِي بَابِهَا.
وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِكَوْنِ الْإِمَامِ مَالِكِيًّا أَوْ غَيْرَهُ بَلْ إذَا عَدَّدَ الْجُمُعَةَ مَنْ يُجَوِّزُ مَذْهَبُهُ التَّعَدُّدَ وَجَبَ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلَدِ أَنْ يُصَلُّوا مَعَ السَّابِقَةِ فَإِنْ لَمْ يُدْرَ سَبْقٌ أَوْ عُلِمَتْ مَعِيَّةٌ أَوْ سَبْقٌ دُونَ السَّابِقِ أَوْ سَبْقٌ وَسَابِقٌ وَنُسِيَتْ عَيْنُهُ أَوْ شُكَّ فِي السَّبْقِ أَوْ الْمَعِيَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ فِيمَا عَدَا الْحَالَةَ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ ثَانِيًا لِعَدَمِ وُقُوعِ جُمُعَةٍ مُجْزِئَةٍ مِنْهُمْ وَفِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ إقَامَتُهَا ظُهْرًا وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالتَّقْلِيدِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ الْعَمَلِ عَلَى مَذْهَبِ إمَامٍ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَمِنْ وُجُودِ الشُّرُوطِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ. وَقَوْلُ الْحَنْبَلِيِّ الْمَذْكُورُ مَا ذُكِرَ عَنْهُ إنْ أَرَادَ تَنْقِيصَ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَوْ تَنْقِيصَ مِقْدَارِهِ أُدِّبَ التَّأْدِيبَ الْبَلِيغَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ عَنْ مَذْهَبِهِ لِمَذْهَبٍ آخَرَ لِقَصْدِ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ فَيُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا وَيُصَدَّقُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ فِي كَوْنِهِ انْتَقَلَ لَا لِقَصْدٍ دُنْيَوِيٍّ وَحَيْثُ صَحَّ تَقْلِيدُهُ لِإِمَامٍ مُجْتَهِدٍ جَازَتْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ مَا لَمْ يَرْتَكِبْ مُبْطِلًا فِي اعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ.
وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ إذَا أَمَرَ بِعَدَمِ تَعَدُّدِ الْجُمُعَةِ فِي بَلَدٍ وَجَبَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِهَا وَإِنْ كَانُوا أَوْ بَعْضُهُمْ مُقَلِّدِينَ لِمَنْ يُجَوِّزُ التَّعَدُّدَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَتَرْكُ التَّعَدُّدِ فَإِنْ خَالَفُوا عَزَّرَهُمْ وَأَثِمُوا وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ. كَمَا مَرَّ وَلَا تَحِلُّ أَمْوَالُهُمْ وَلَا رِقَابُهُمْ إلَّا بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ وَمُجَرَّدُ مُخَالَفَةِ الْوَاجِبَاتِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا أَوْ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا لَا يَقْتَضِي كُفْرًا وَلَا حُرْمَةَ زَوْجَةٍ وَإِنْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ تَحْلِيلُ حَرَامٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مَعْلُومٍ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ كَالزِّنَا أَوْ تَحْرِيمُ حَلَالٍ كَذَلِكَ كَالنِّكَاحِ كَانَ ذَلِكَ التَّحْلِيلُ أَوْ التَّحْرِيمُ هُوَ الْكُفْرُ وَالرِّدَّةُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَيُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَرْيَةٍ لَمْ تُقَمْ فِيهَا الْجُمُعَةُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ وَإِمَامُ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ لَمْ يُحْسِنْ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَغَيْرُهُ يُحْسِنُ قِرَاءَتَهَا فَهَلْ يَكُونُ لِذَلِكَ الْغَيْرِ الَّذِي يُحْسِنُ قِرَاءَتَهَا عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ أَوْ لَا وَإِذَا حَضَرَ ذَلِكَ الشَّخْصُ الَّذِي يُحْسِنُ قِرَاءَتَهَا وَصَلَّى الْجُمُعَةَ مُقْتَدِيًا بِالْإِمَامِ الَّذِي لَمْ يُحْسِنْ قِرَاءَتَهَا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ مَرَّةً ثَانِيَةً أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِمَنْ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ إحْسَانِ الْقِرَاءَةِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ يُبْدِلُ حَرْفًا بِآخَرَ أَوْ يَلْحَنُ لَحْنًا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّا إذَا جَلَسَ الْخَطِيبُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ هَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ فِي جُلُوسِهِ دُعَاءٌ أَوْ قِرَاءَةٌ أَوْ لَا وَهَلْ يُسَنُّ لِلْحَاضِرِينَ. حِينَئِذٍ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِقِرَاءَةٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ صَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَفْعِ الصَّوْتِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: ذُكِرَ فِي الْعُبَابِ أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَقُلْتُ فِي شَرْحِهِ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِنَدْبِهَا بِخُصُوصِهَا فِيهِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ السُّنَّةَ قِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فِيهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ ابْنِ حِبَّانَ كَانَ ﷺ يَقْرَأُ فِي جُلُوسِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ السُّنَّةَ ذَلِكَ فَهِيَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا لِمَزِيدِ ثَوَابِهَا
следующие страницы →