← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فَذَاكَ وَإِلَّا تَوَلَّى الْحَاكِمُ قِسْمَتَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ أَمَّا إذَا اخْتَلَّ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ فَإِنَّهُ لَا يَبْرَأُ فَقَدْ قَالُوا إذَا فَرَّقَ الْمَالِكُ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبُهُ وَأَمْكَنَهُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ لِكَوْنِهِمْ مَحْصُورَيْنِ وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ أَوْ زَادُوا عَلَيْهَا وَوَفَّى بِهِمْ الْمَالُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَنْحَصِرُوا بِأَنْ لَمْ يَسْهُلْ ضَبْطُهُمْ عَادَةً فَإِنَّ لَهُ الِاقْتِصَارَ عَلَى ثَلَاثَةٍ لَا أَقَلَّ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ. وَإِنْ تَفَاوَتَتْ حَاجَتُهُمْ لَا بَيْنَ آحَادِهِمْ فَلَهُ إعْطَاءُ بَعْضِ آحَادِ الصِّنْفِ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ فَإِنْ أَعْطَى اثْنَيْنِ مِنْ صِنْفٍ دُونَ الثَّالِثِ غَرِمَ لَهُ الْأَقَلَّ الْمَذْكُورَ أَوْ وَاحِدًا فَقَطْ غَرِمَ لِكُلٍّ مِنْ الْآخَرِينَ الْأَقَلَّ الْمَذْكُورَ أَيْضًا أَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ الثَّالِثُ فَيُعْطَى الْكُلُّ لِلِاثْنَيْنِ إنْ احْتَاجَاهُ وَلَا يُنْقَلُ بَاقِي السَّهْمِ إلَى غَيْرِهِمَا فَإِنْ لَمْ يَحْتَاجُوهُ رُدَّ عَلَى الْبَاقِينَ إنْ احْتَاجُوهُ وَإِلَّا نُقِلَ إلَى غَيْرِهِمْ إذْ حِصَّةُ مَنْ فُقِدَ مِنْ الْأَصْنَافِ أَوْ مِنْ آحَادِ الصِّنْفِ بِمَحَلِّ الزَّكَاةِ وَالْفَاضِلُ عَنْ كِفَايَةِ بَعْضِهِمْ لِمَنْ بَقِيَ فَيُرَدُّ نَصِيبُ الصِّنْفِ كَالْفَاضِلِ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ، وَنَصِيبُ الْمَفْقُودِ مِنْ آحَادِ الصِّنْفِ عَلَى بَقِيَّةِ ذَلِكَ الصِّنْفِ وَلَا يُنْقَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِمْ إنْ نَقَصَ نَصِيبُهُمْ مِنْ كِفَايَتِهِمْ أَوْ سَاوَاهُ وَإِلَّا نُقِلَ إلَى ذَلِكَ الصِّنْفِ. أَمَّا لَوْ عَدِمُوا كُلُّهُمْ أَوْ فَضَلَ عَنْهُمْ شَيْءٌ فَإِنَّ الْكُلَّ أَوْ الْفَاضِلَ يُنْقَلُ إلَى جِنْسِ مُسْتَحَقِّيهِ بِأَقْرَبِ بَلَدٍ إلَى بَلَدِ الزَّكَاةِ وَمَتَى كَانَ كُلُّ صِنْفٍ أَوْ بَعْضُ الْأَصْنَافِ مَحْصُورًا فِي ثَلَاثَةٍ فَأَقَلَّ لَا أَكْثَرَ اسْتَحَقُّوهَا فِي الْأُولَى وَمَا يَخُصُّ الْمَحْصُورِينَ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ فَلَا يَضُرُّهُمْ حُدُوثُ غِنًى أَوْ غَيْبَةٍ أَوْ مَوْتٍ لِأَحَدِهِمْ بَلْ حَقُّهُمْ بَاقٍ بِحَالِهِ وَلَا يُشَارِكُهُ قَادِمٌ وَلَا غَائِبٌ عَنْهُمْ وَقْتَ الْوُجُوبِ وَمَتَى زَادُوا عَنْ الثَّلَاثَةِ كَانُوا غَيْرَ مَحْصُورِينَ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَإِنْ كَانُوا مَحْصُورِينَ بِالنِّسْبَةِ لِوُجُوبِ اسْتِيعَابِهِمْ إنْ وَفَّى بِهِمْ الْمَالُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِهِ الْمِلْكُ لِأَنَّ الْمَدَارَ تَمَّ عَلَى السُّهُولَةِ عَادَةً وَهِيَ مَوْجُودَةٌ وَهُنَا عَلَى التَّحْدِيدِ بِالثَّلَاثَةِ لِأَنَّهَا أَقَلُّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ فِي الْآيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ أَهْلِ نَاحِيَةٍ يُزَكُّونَ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَرْعٍ قَبْلَ أَنْ يَكْمُلَ النِّصَابُ عَلَى ظَنِّ كَمَالِهِ مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَرْعٍ يَحْصُلُ إذَا حَصَلَ الْمَطَرُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الظَّنِّ فَهَلْ يَبْرَءُونَ بِهَذَا أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَحْتَاجُ إلَى مُقَدِّمَةٍ وَهِيَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ شَرْطَ جَوَازِ تَعْجِيلِ زَكَاةِ النَّبَاتِ أَنْ يَقَعَ بَعْدَ الصَّلَاحِ وَالِاشْتِدَادِ لَا قَبْلَهُمَا وَلَوْ بَعْدَ الْخُرُوجِ وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ وَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَوْلِ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا زَكَاةُ النَّبَاتِ تَجِبُ بِاشْتِدَادِ الْحَبِّ وَالثِّمَارِ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ بَلْ هُوَ وَقْتُ ثُبُوتِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ وَإِنَّمَا يَجِبُ الْإِخْرَاجُ بَعْدَ تَنْقِيَةِ الْحَبِّ وَتَجْفِيفِ الثِّمَارِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْإِخْرَاجُ بَعْدَ مَصِيرِ الرُّطَبِ تَمْرًا أَوْ الْعِنَبِ زَبِيبًا لَيْسَ تَعْجِيلًا بَلْ وَاجِبٌ حِينَئِذٍ وَلَا يَجُوزُ التَّعْجِيلُ قَبْلَ بُلُوغِ الثَّمَرَةِ بِلَا خِلَافٍ وَفِيمَا بَعْدَهُ أَوْجُهُ الصَّحِيحِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ يَجُوزُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لَا قَبْلَهُ. وَأَمَّا الزَّرْعُ فَالْإِخْرَاجُ عَنْهُ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ وَاجِبٌ وَلَيْسَ تَعْجِيلًا وَلَا يَجُوزُ التَّعْجِيلُ قَبْلَ التَّسَنْبُلِ، وَانْعِقَادِ الْحَبِّ وَبَعْدَهُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ جَوَازُهُ بَعْدَ الِاشْتِدَادِ وَالْإِدْرَاكِ وَمَنْعُهُ قَبْلَهُ انْتَهَتْ مُلَخَّصَةً وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ تَعْجِيلَ زَكَاةِ الْمُعَشَّرِ قَبْلَ الْوُجُوبِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إدْرَاكُ الثَّمَرَةِ وَانْعِقَادُ الْحَبِّ فَإِذَا عَجَّلَهُ قَبْلَهُ قَدَّمَهُ عَلَى سَبَبِهِ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ قَدَّمَ زَكَاةَ الْمَالِ عَلَى النِّصَابِ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَجَّلَهُ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُ نِصَابٍ مِنْهُ وَقَالُوا أَيْضًا لَا يُضَمُّ ثَمَرُ عَامٍ إلَى عَامٍ آخَرَ لِإِتْمَامِ النِّصَابِ وَإِنْ طَلَعَ قَبْلَ جُذَاذِ الْأَوَّلِ وَيُضَمُّ ثَمَرُ عَامٍ وَاحِدٍ وَإِنْ طَلَعَ الثَّانِي بَعْدَ جُذَاذِ الْأَوَّلِ وَاخْتَلَفَ قَدْرُ وَاجِبِهِمَا وَلَا زَرْعَ عَامٍ إلَى زَرْعِ آخَرَ وَيُضَمُّ زَرْعَا عَامٍ كَالذُّرَةِ إنْ وَقَعَ حَصَادُهُمَا فِي سَنَةٍ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا عَرَبِيَّةً وَإِلَّا فَلَا ضَمَّ سَوَاءٌ كَانَ زَرْعُ الثَّانِي بَعْدَ حَصْدِ الْأَوَّلِ وَفِي عَامِهِ أَمْ لَا. وَلَوْ زُرِعَا مَعًا أَوْ عَلَى التَّوَاصُلِ الْمُعْتَادِ فَأَدْرَكَ أَحَدُهُمَا وَالثَّانِي بَقْلٌ ضُمَّ مُطْلَقًا فَلَوْ تَوَاصَلَ بَذْرُ الزَّرْعِ عَادَةً فَهُوَ زَرْعٌ وَاحِدٌ وَإِنْ تَمَادَى شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَاصَلَ ضُمَّ مَا حُصِدَ مِنْهُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا

стр. 317

لَوْ زُرِعَتْ ذُرَةً ثُمَّ حُصِدَتْ وَاسْتَخْلَفَتْ ثُمَّ حُصِدَتْ فَإِنْ اشْتَدَّتْ فِي الْأَوَّلِ وَاسْتُبِينَ بَعْضُ حَبِّهَا فَثَبَتَتْ فِي السَّنَةِ وَأَدْرَكَ فَهَلْ يَصِحُّ مُطْلَقًا أَوْ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ أَيْ وَهُوَ وُقُوعُ الْحَصَادِ فِي سَنَةٍ طَرِيقَانِ أَيْ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي كَمَا فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَإِنْ نَبَتَتْ وَالْتَفَتَ وَغَطَّى بَعْضَهَا بَعْضًا فَلَمَّا حَصَدَ الْمُغَطَّى أَدْرَكَ الْآخَرَ أَوْ كَانَتْ هِنْدِيَّةً فَحَصَدَ سُنْبُلَهَا فَأَخْرَجَ سُوقُهَا سُنْبُلًا آخَرَ ضُمَّ مُطْلَقًا اهـ. فَعُلِمَ مِنْ عِبَارَةِ الْمَجْمُوعِ السَّابِقَةِ وَمَا بَعْدَهَا مَنْعُ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ جِهَتِهِمْ مِنْ تَزْكِيَتِهِمْ مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زُرُوعٍ قَبْلَ أَنْ يَكْمُلَ النِّصَابُ وَإِنْ ظَنُّوا كَمَالَهُ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ آخَرَ يَحْصُلُ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا حَصَلَ الْمَطَرُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ وَسَبَبُ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ أَنَّا لَوْ قُلْنَا إنَّ مَا عَجَّلُوهُ يُجْزِئُ عَنْ الثَّانِي لَكَانَ فِيهِ تَعْجِيلٌ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ الْأَوَّلِ لَكَانَ الْإِجْزَاءُ فِيهِ حِينَئِذٍ مَعَ تَيَقُّنِ النَّقْصِ عَنْ النِّصَابِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِمَا مَرَّ أَنَّ شَرْطَ التَّعْجِيلِ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَهُوَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرِ وَالِاشْتِدَادُ فِي الْحَبِّ أَنْ يَظُنَّ حُصُولَ نِصَابٍ مِنْهُ. فَإِنْ قُلْتَ هَذَا وَاضِحٌ حَيْثُ لَمْ يُضَمَّ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ أَمَّا لَوْ قُلْنَا بِضَمِّهِ إلَيْهِ فِي إكْمَالِ النِّصَابِ فَهُوَ غَيْرُ وَاضِحٍ لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ وَاحِدٍ فَمَا الْمَانِعُ حِينَئِذٍ مِنْ التَّعْجِيلِ قُلْتُ بَلْ هُوَ وَاضِحٌ مُطْلَقًا وَذَلِكَ لِأَنَّ فَائِدَةَ الضَّمِّ أَنَّا نَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ صَارَ مَعَ الثَّانِي كَالثَّمَرِ أَوْ الْحَبِّ الْحَاصِلِ مِنْ شَجَرٍ أَوْ زَرْعٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَجِبَ حِينَئِذٍ زَكَاتُهُمَا وَلَيْسَ مِنْ فَوَائِدِهِ إنْ ظَنَّ حُصُولَ مَا لَوْ حَصَلَ ضُمَّ إلَى الْأَوَّلِ يُصَيِّرُهُ مَعَهُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ حَتَّى يُعْطَى الْأَوَّلُ حُكْمَ النِّصَابِ الْكَامِلِ وَتَخْرُجُ الزَّكَاةُ مِنْهُ لِأَنَّ ظَنَّ حُصُولِ الْمَعْدُومِ لَا يُلْحِقُهُ بِالْمَوْجُودِ حَتَّى يُعْطَى أَحْكَامَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا حَصَلَ الْمَعْدُومُ فَإِنَّهُ بَعْدَ حُصُولِهِ صَارَ مَوْجُودًا فَأُعْطِيَ حُكْمَهُ وَأَيْضًا فَالزَّكَاةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ وَالْجَزْمُ بِهَا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا إنْ انْعَقَدَ السَّبَبُ فِي حَقِّهِ بِأَنْ وُجِدَ أَحَدُ سَبَبَيْ مَالِهِ سَبَبَانِ أَوْ سَبَبُ مَالِهِ سَبَبٌ وَاحِدٌ كَالْمُعَشَّرِ. وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا أَهْلُ الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ جَزْمٌ بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمْ يَنْعَقِدْ لِتَيَقُّنِ النَّقْصِ عَنْ النِّصَابِ كَمَا مَرَّ فَاتَّضَحَ بِذَلِكَ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَةِ لَا يَبْرَءُونَ بِمَا يَفْعَلُونَهُ مِمَّا ذُكِرَ عَنْهُمْ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ حُصُولِ الثَّمَرِ أَوْ الْحَبِّ الثَّانِي زَكَاتُهُ إنْ كَانَ نِصَابًا مُطْلَقًا وَكَذَا إنْ كَانَ دُونَهُ وَوُجِدَ شَرْطُ ضَمِّهِ إلَى الْأَوَّلِ وَحَيْثُ وُجِدَ الضَّمُّ حَسَبَ التَّمْرَانِ أَوْ الْحَبَّانِ وَوَجَبَ إخْرَاجُ زَكَاتِهِمَا مِنْ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَنْ رَجُلٍ عِنْدَهُ أَلْفُ أَشْرَفِيّ بِنِيَّةِ الِاقْتِنَاءِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ زَكَاةُ الْأَلْفِ الْمَذْكُورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَوْ كَانَ رَأْسُ مَالِ التِّجَارَةِ نَقْدًا مَغْشُوشًا كَالسَّوْدَاءِ عِنْدَنَا وَالْكُبَارِ عِنْدَكُمْ وَهُوَ مَثَلًا مِائَةُ أَشْرَفِيّ عِنْدَكُمْ الْأَشْرَفِيُّ اثْنَا عَشَرَ وَمِائَةُ دِينَارٍ سَوْدَاءُ عِنْدَنَا وَهُمَا دُونَ نِصَابٍ فَاشْتَرَى بِذَلِكَ عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ وَقَوَّمَ آخِرَ الْحَوْلِ الْمُشْتَرَى بِالْمِائَةِ الْأَشْرَفِيِّ الْكِبَارِ فَأَتَى مِائَةً وَخَمْسِينَ أَشَرَفِيًّا كَذَلِكَ وَهُوَ دُونَ النِّصَابِ أَيْضًا لَوْ صُفِّيَ مِنْ الْغِشِّ وَلَكِنْ لَوْ قَوَّمَ غِشَّهُ بِانْفِرَادِهِ لَبَلَغَ نِصَابًا وَكَذَا يُقَالُ فِي السَّوْدَاءِ فَهَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ وَالْحَالُ مَا ذُكِرَ أَمْ لَا وَقَدْ ذُكِرَ لِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْمِائَةُ وَالْخَمْسُونَ الْأَشْرَفِيُّ تَأْتِي بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِضَّةٍ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ وَإِنْ كَانَتْ لَوْ صُفِّيَتْ لَنَقَصَتْ هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - نَفَعَنِي اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ - بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَحْتَاجُ إلَى تَحْرِيرِ السُّؤَالِ فَإِنَّهُ فِيهِ إيهَامًا لَكِنْ سَأَذْكُرُ مَا يَتَّضِحُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ أَنَّ النَّظَرَ فِي مَالِ التِّجَارَةِ إلَى بُلُوغِهِ نِصَابًا خَالِصًا آخِرَ الْحَوْلِ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ فِي مَالِهَا وَنَحْوِ رِبْحِهِ وَنِتَاجِهِ وَثَمَرَتِهِ رُبُعُ عُشْرِ قِيمَتِهِ ثُمَّ أَنَّ مَلَكَهُ بِنَقْدٍ وَجَبَ رُبُعُ عُشْرِ الْقِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ ذَلِكَ النَّقْدِ لِأَنَّهُ أَصْلُ مَا فِي يَدِهِ وَإِنْ مَلَكَهُ بِعَرْضٍ أَوْ بِنَحْوِ نِكَاحٍ أَوْ خُلْعٍ وَجَبَ رُبُعُ الْعُشْرِ الْمَذْكُورُ مِنْ عَيْنِ نَقْدِ الْبَلَدِ الْغَالِبِ فَلَوْ اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلَّ قَوَّمَ آخِرَ الْحَوْلِ بِالنَّقْدِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ فَإِنْ سَاوَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا خَالِصًا مِنْ ذَلِكَ النَّقْدِ زَكَاةٌ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ زَكَاةٌ وَإِنْ كَانَ لَوْ قُوِّمَ بِالذَّهَبِ الْغَالِبِ لَبَلَغَ نِصَابًا بِهِ خَالِصًا أَوْ

стр. 318

بِعَرْضِ قِنْيَةٍ مَثَلًا قُوِّمَ بِغَالِبِ نَقْدِ الْمَحَلِّ الَّذِي تَمَّ بِهِ الْحَوْلُ فَإِنْ سَاوَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا مِنْهُ زَكَاةٌ وَإِلَّا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَإِنْ سَاوَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا خَالِصًا مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ. فَإِنْ كَانَ بِالْبَلَدِ نَقْدَانِ عَلَى السَّوَاءِ وَتَمَّ بِأَحَدِهِمَا نِصَابًا خَالِصًا وَجَبَ رُبُعُ الْعُشْرِ مِنْهُ وَإِلَّا بِأَنْ تَمَّ النِّصَابُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا تُخُيِّرَ عَلَى اضْطِرَابٍ فِيهِ وَقِيلَ يَجِبُ الْأَنْفَعُ لِلْمُسْتَحِقِّينَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ بِدُونِ النِّصَابِ مِنْ الْفِضَّةِ الْمَغْشُوشَةِ وَجَبَ أَنْ يُقَوَّمَ آخِرَ الْحَوْلِ بِهَا فَإِنْ سَاوَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا خَالِصًا مِنْهَا وَجَبَتْ زَكَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا وَلَا نَظَرَ لِغِشِّهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ هَلْ لَهُ قِيمَةٌ أَمْ لَا بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى بِذَهَبٍ مَثَلًا فِضَّةً مَغْشُوشَةً بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ فِيهَا فَإِنَّهَا هِيَ وَغِشُّهَا يُقَوَّمَانِ آخِرَ الْحَوْلِ بِذَلِكَ الذَّهَبِ فَإِنْ سَاوَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا خَالِصًا مِنْ ذَلِكَ الذَّهَبِ وَجَبَتْ زَكَاتُهُمَا وَإِلَّا فَلَا فَعُلِمَ أَنَّ التَّقْوِيمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِخَالِصٍ وَأَنَّ الْمُقَوَّمَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَنْزِلَةِ الْعُرُوضِ وَهِيَ تَجِبُ قِيمَتُهَا حَتَّى يُخْرِجَ رُبُعَ عُشْرِ قِيمَتِهَا فَكَذَلِكَ مَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - إذَا كَانَ السُّلْطَانُ يَبْعَثُ أَوَانَ حَصَادِ الزَّرْعِ مَنْ يُقَدِّرُ عَلَيْهِ قَدْرَ الْعُشْرِ ثُمَّ يُسَلِّمُ إلَيْهِ حَبًّا صَافِيًا وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ مُرَادُهُ الزَّكَاةُ أَمْ لَا هَلْ يُجْزِئُ ذَلِكَ عَنْ الزَّكَاةِ؟ (فَأَجَابَ) - مَتَّعَ اللَّهُ بِحَيَاتِهِ - بِقَوْلِهِ إذَا بَعَثَ السُّلْطَانُ مَنْ ذُكِرَ لِمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَنْ الزَّكَاةِ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْبَغَوِيِّ وَعِبَارَتُهُ وَأَمَّا إخْرَاجُ الْمَضْرُوبِ عَلَى الْمَاءِ كَبِلَادِ مَرْوٍ فَكَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فَإِنْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ عَنْهُ فَهُوَ كَأَخْذِهِ الْقِيمَةَ فِي الزَّكَاةِ بِالِاجْتِهَادِ وَفِي سُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ وَجْهَانِ أَيْ وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، سُقُوطُهَا إذَا نَوَى بِهِ الْبَدَلِيَّةَ فَأَفْهَمْ قَوْلُهُ فَإِنْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَحَقَّقَ مِنْ السُّلْطَانِ أَنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ الزَّكَاةِ أَمَّا إذَا عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ عَنْهَا أَوْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ أَيَأْخُذُهُ عَنْ الزَّكَاةِ أَوْ لَا فَلَا يَقَعُ ذَلِكَ عَنْ الزَّكَاةِ. وَقَدْ قَالَ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ عَقِبَ كَلَامِ الْبَغَوِيِّ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ عَنْهُ مَا لَوْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ فِي مُقَابَلَةِ الذَّبِّ عَنْ الرَّعِيَّةِ لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ الْجُنْدِ كَمَا يَعْتَادُ ذَلِكَ وُلَاةُ بِلَادِنَا فَلَا يُجْزِئُ عَنْ الزَّكَاةِ قَطْعًا وَرَأَيْتُ بَعْضَ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ يُفْتِي بِالْإِجْزَاءِ وَيَعْمَلُ بِهِ وَهُوَ خَطَأٌ صَرِيحٌ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعِصْمَةَ وَالْهِدَايَةَ اهـ وَقَالَ فِي فَتَاوِيهِ مَسْأَلَةٌ إذَا أَعْطَى الزُّرَّاعُ وَمَنْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الثِّمَارِ وَالنَّخْلِ وَالْعِنَبِ الْإِمَامَ الْعُشْرَ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ هَلْ يُجْزِئُهُمْ ذَلِكَ عَنْ الزَّكَاةِ أَوْ لَا وَمَا الْعِلَّةُ إذًا فِي ذَلِكَ أَجَابَ لَا يُجْزِئُ أَبَدًا وَلَا يَبْرَأُ مِنْ الزَّكَاةِ بَلْ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِاسْمِ الْخَرَاجِ فِي مُقَابَلَةِ قِيَامِهِ بِسَدِّ الثُّغُورِ حَتَّى يَصْرِفَهُ فِي ذَلِكَ وَفِي قَمْعِ الْقُطَّاعِ وَالْمُتَلَصَّصِينَ عَنْهُمْ وَعَنْ أَمْوَالِهِمْ وَقَدْ أَوْقَعَ جَمْعٌ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ لِلْفُقَهَاءِ وَهُمْ بِاسْمِ الْجَهْلِ أَحَقُّ أَهْلِ الزَّكَوَاتِ وَرَخَّصُوا لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَجُوزُ لِلْمَالِكِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى حَاضِرِي الْحَصَادِ مِنْ الْفُقَرَاءِ مِنْ سَنَابِلِ الزَّرْعِ الزَّكَوِيِّ؟ (فَأَجَابَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - لَا يَجُوزُ لِلْمَالِكِ أَنْ يُسَلِّمَ الْفُقَرَاءَ مِمَّا ذَكَرَ شَيْئًا سَوَاءٌ أَنَوَى بِهِ الزَّكَاةَ أَمْ لَا وَلَوْ بَعْدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ فِي الزَّرْعِ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّنْقِيَةُ وَفِي وُقُوعِ مَا أَعْطَاهُ لَهُ الْمُوَقِّعُ تَفْصِيلٌ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) سَيِّدُنَا الشَّيْخُ الْعَلَامَةُ الْمُشَارُ إلَيْهِ - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - فِي شَخْصٍ جَدَّ تَمْرًا وَصَرَمَ حَبًّا نَحْوَ مِائَةِ وَسْقٍ مَثَلًا وَادَّخَرَهُ لِلنَّفَقَةِ وَلَمْ يُخْرِجْ مِنْهُ حَالَ الْجَدَادِ وَالصَّرَامِ زَكَاةً وَمَلَكَ أَيْضًا نُصُبًا مِنْ النَّقْدَيْنِ نَحْوَ أَلْفِ دِينَارٍ مَثَلًا وَادَّخَرَهُ أَيْضًا بِنِيَّةِ الصَّرْفِ لِلنَّفَقَةِ وَحَالَتْ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ كَثِيرَةٌ وَلَمْ يُخْرِجْ لِذَلِكَ زَكَاةً هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَمْ فِي إحْدَاهُمَا أَمْ لَا يَحْرُمُ لِكَوْنِهِ أَعَدَّهُ لِلصَّرْفِ وَالنَّفَقَةِ اعْتِبَارًا بِنِيَّتِهِ لِلْحَدِيثِ أَوْضِحُوا لَنَا فَإِنَّ غَالِبَ النَّاسِ وَاقِعُونَ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) - مَتَّعْنَا اللَّهُ بِحَيَاتِهِ - أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ عَدَمُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ فِي الْقِسْمَيْنِ وَإِنْ ادَّخَرَهُمَا لِلنَّفَقَةِ وَيَفْسُقُ بِذَلِكَ وَلَيْسَتْ نِيَّةُ النَّفَقَةِ مُؤَثِّرَةً فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ لِأَنَّ مَلْحَظَ وُجُوبِهَا فِي الْحَبِّ وَالْجَدَادِ النُّمُوُّ بِالْفِعْلِ

стр. 319

وَهُوَ حَاصِلٌ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ أَبْقَاهُ لِلنَّفَقَةِ أَمْ لَا وَفِي النَّقْدَيْنِ نُمُوُّهُمَا بِالْفِعْلِ وَالْقُوَّةِ وَهُوَ حَاصِلٌ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ وَمَا بَعْدَهُ فَلَمْ يَكُنْ لِلنِّيَّةِ دَخْلٌ فِي إسْقَاطِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهَا لَا تُعَارِضُ سَبَبَهُ الْمَذْكُورَ وَتَأَمَّلْ مَا قَرَّرْتُهُ تَعْلَمْ أَنَّ التَّمْرَ وَالْحَبَّ إذَا مَضَى عَلَيْهِمَا أَحْوَالٌ وَلَمْ يَنْوِ بِادِّخَارِهِمَا تِجَارَةً بِشَرْطِهَا لَا تَجِبُ زَكَاتُهُمَا إلَّا فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ وَأَمَّا فِيمَا بَعْدَهُ فَلَا تَجِبُ فِيهِمَا زَكَاةٌ بِخِلَافِ النَّقْدَيْنِ فَإِنَّهُ تَجِبُ زَكَاتُهُمَا فِي كُلِّ حَوْلٍ مَضَى عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ أُعِدَّا لِلتِّجَارَةِ بِهِمَا أَمْ لِلنَّفَقَةِ لَمَّا عَلِمْت أَنَّهُمَا صَالِحَانِ لِلنَّمَاءِ فَهُمَا نَامِيَانِ بِالْقُوَّةِ أَوْ الْفِعْلِ فَلِذَلِكَ تَكَرَّرَتْ زَكَاتُهُمَا بِتَكَرُّرِ الْأَحْوَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - وَبَرَكَتِهِ عَنْ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ إذَا اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ بِعَرْضِ قِنْيَةٍ وَنَقْدٍ قُوِّمَ مَا قَابَلَ النَّقْدَ بِهِ وَقُوِّمَ مَا قَابَلَ الْعَرْضَ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ اهـ وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَعْرِفَةَ التَّقْسِيطِ لِكُلٍّ مِنْ النَّقْدِ وَالْعَرْضِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ تَقْوِيمِهِمَا يَوْمَ الشِّرَاءِ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ لِيُعْرَفَ نِسْبَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْآخَرِ مِثَالُهُ اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَغَالِبُ نَقْدِ الْبَلَدِ دَنَانِيرُ وَبِعَبْدِ قِنْيَةٍ فَتُقَوَّمُ الدَّرَاهِمُ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ يَوْمَ الشِّرَاءِ وَيُقَوَّمُ الْعَبْدُ بِهِ فَإِنْ اسْتَوَتْ قِيمَتُهُمَا قُوِّمَ نِصْفُ عَرْضِ مَالِ التِّجَارَةِ آخِرَ حَوْلِهِ بِالدَّرَاهِمِ وَنِصْفُهُ الْآخَرُ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ يَوْمَ التَّقْوِيمِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ وَالدَّرَاهِمِ بِأَنْ سَاوَتْ الدَّرَاهِمُ ثُلُثَ نِصَابٍ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَسَاوَى الْعَبْدُ الثُّلُثَيْنِ قُوِّمَ ثُلُثُ عَرْضِ مَالِ التِّجَارَةِ آخِرَ الْحَوْلِ بِالدَّرَاهِمِ وَثُلُثَاهُ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ يَوْمَ التَّقْوِيمِ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ غَالِبُ نَقْدِ الْبَلَدِ يَوْمَ التَّقْوِيمِ غَيْرَ جِنْسِ الْمُشْتَرَى بِهِ أَمَّا إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّقْوِيمِ وَاخْتِلَافُ صِفَةِ النَّقْدِ كَاخْتِلَافِ جِنْسِهِ فِي رِعَايَةِ التَّقْسِيطِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِلْمَمْلُوكِ فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - بِقَوْلِهِ مَا ذَكَرَ مِنْ تَقْوِيمِ الثَّمَنِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى النَّوْعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ أَيْ مَا يُتَعَامَلُ بِهِ فِيهِ وَلَوْ عَرْضًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ ظَاهِرٌ مَفْهُومٌ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا تَعْبِيرُهُمْ هُنَا بِالْمُقَابِلَةِ إذْ لَا تُعْرَفُ بِالتَّقْوِيمِ فِي كُلٍّ مِنْ ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ وَالتَّقْوِيمُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْغَالِبِ الْمَذْكُورِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَى التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ هُنَا وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ فِي قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَفِيمَا إذَا اشْتَرَى شِقْصًا مَشْفُوعًا وَسَيْفًا بِمِائَةٍ مَثَلًا أَنَّ أَحَدَ طَرَفَيْ الْعَقْدِ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى مَالَيْنِ مُخْتَلِفِينَ وَزَرَعَ مَا فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ أَيْ لِيُعْطِيَ كُلًّا مِنْهُمَا حُكْمَهُ لَا يُعْرَفُ هَذَا التَّوْزِيعُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ إلَّا إذَا قُوِّمَا بِالْغَالِبِ الْمَذْكُورِ وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ فِيمَنْ اشْتَرَى دَارًا فِيهَا صَفَائِحُ فِضَّةٍ بِذَهَبٍ أَوْ بِالْعَكْسِ اشْتَرَطَ قَبْضَ الدَّارِ وَمُقَابِلُ الصَّفَائِحِ مِنْ الثَّمَنِ فِي الْمَجْلِسِ حَذَرًا مِنْ الرِّبَا أَيْ وَلَا تُعْرَفُ تِلْكَ الْمُقَابَلَةُ إلَّا بِالتَّقْوِيمِ بِالْغَالِبِ كَمَا تَقَرَّرَ وَلِظُهُورِ هَذَا إذْ هُوَ مِنْ الْمُقَرَّرَاتِ الْمَعْرُوفَةِ مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِهِمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ اتِّكَالًا عَلَى ذَلِكَ فَظَهَرَ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ مِنْ تَقْوِيمِ النَّوْعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِالْغَالِبِ الْمَذْكُورِ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمْ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى مَسْكَةٍ بِقَوَاعِدِهِمْ وَإِلْمَامٍ بِأَطْرَافِ كَلَامِهِمْ. نَعَمْ يَتَرَدَّدُ نَظَرُ الْفَقِيهِ فِيمَا لَوْ اخْتَلَفَ الْغَالِبُ وَقْتَ الشِّرَاءِ وَآخِرَ الْحَوْلِ فَهَلْ يُعْتَبَرُ الثَّانِي لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ أَوْ الْأَوَّلُ لِأَنَّ هَذَا التَّقْوِيمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّكَاةِ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ بَلْ بِالتَّبَعِ إذْ الْغَرَضُ مِنْهُ مَعْرِفَةُ مَا يَخُصُّ كُلًّا مِنْ الْعَرْضِ وَالنَّقْدِ لِاخْتِلَافِ حُكْمِهِمَا وَأَمَّا أَمْرُ الزَّكَاةِ فَشَيْءٌ مُتَرَقَّبٌ قَدْ يَحْصُلُ وَقَدْ لَا وَلِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ مَجَالٌ وَاَلَّذِي يَنْقَدِحُ الثَّانِي لِمَا أَشَرْت إلَيْهِ آنِفًا أَنَّ اخْتِلَافَ أَحَدِ طَرَفَيْ الْعَقْدِ يَقْتَضِي تَوْزِيعَ طَرَفِهِ الْآخَرِ عَلَيْهِمَا وَأَنَّ ذَلِكَ التَّوْزِيعَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّقْوِيمِ بِالْغَالِبِ فَكَانَ التَّقْوِيمُ بِهِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ فَلَمْ نَعْتَبِرْ فِيهِ غَيْرَ الْغَالِبِ وَقْتَهُ وَعَلَيْهِ فَإِذَا اشْتَرَى بِعَبْدٍ وَدِينَارٍ عَرْضَ تِجَارَةٍ وَغَالِبُ الْمُتَعَامَلِ بِهِ حِينَئِذٍ الْفِضَّةُ مَثَلًا فَقُوِّمَا بِهَا وَكَانَ الْعَبْدُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ جَانِبِهِ وَالدِّينَارُ رُبُعُ جَانِبِهِ ثُمَّ عِنْدَ آخِرِ الْحَوْلِ صَارَ الْغَالِبُ الْحِنْطَةَ وَلَوْ فَرَضَ تَقْوِيمَهُمَا بِهَا الْآنَ لَكَانَ الْعَبْدُ ثُلُثَيْ جَانِبِهِ وَالدِّينَارُ ثُلُثُ جَانِبِهِ اُعْتُبِرَ

стр. 320

الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي لِمَا قَرَّرْتُهُ مِنْ أَنَّ هَذَا التَّوْزِيعَ مِنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ فَكَانَ اعْتِبَارُ وَقْتِهِ مُتَعَيَّنًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ مَا حُكْمُ أَخْذِ الْفَرِيكِ وَهُوَ الْحَبُّ فِي أَوَّلِ اشْتِدَادِهِ مِنْ زَرْعٍ يَجِيءُ مِنْهُ نِصَابٌ؟ (فَأَجَابَ) مَتَّعَ اللَّهُ بِحَيَاتِهِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ الزَّرْعِ الزَّكَوِيِّ بَعْدَ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الزَّكَاةُ بِأَنْ اشْتَدَّ حَبُّهُ لَا يَجُوزُ وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا عُزِّرَ عَلَيْهِ تَعْزِيرًا شَدِيدًا فَإِنْ أَكَلَهُ غَرِمَ مِثْلَ حِصَّةِ مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ لَهُمْ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَالِكُ وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ دِرْهَمِ الْإِسْلَامِ كَمْ قَدْرَهُ مِنْ الْمُحَلَّقَةِ الْكِبَارِ وَكَمْ دِرْهَمَ الْإِسْلَامِ قِيرَاطًا وَكَمْ الْقِيرَاطَ بِالْخَرُّوبَةِ أَوْ الشَّعِيرَةِ وَكَمْ مِثْقَالَ الذَّهَبِ قِيرَاطًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا الْمِثْقَالُ فَهُوَ لَمْ يَخْتَلِفْ لَا جَاهِلِيَّةً وَلَا إسْلَامًا فَهُوَ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةً وَهِيَ شَعِيرَةٌ مُعْتَدِلَةٌ لَمْ تُقَشَّرْ وَقَطَعَ مِنْ طَرَفَيْهَا مَا دَقَّ وَطَالَ وَأَمَّا الدَّرَاهِمُ فَهُوَ مُخْتَلِفٌ جَاهِلِيَّةً وَإِسْلَامًا وَالْمُرَادُ بِهِ حَيْثُ أَطْلَقَ الْإِسْلَامِيَّ وَهُوَ خَمْسُونَ حَبَّةَ شَعِيرٍ مُعْتَدِلَةً وَخُمْسَا حَبَّةٍ كَذَلِكَ فَهُوَ سِتَّةُ دَوَانِيقَ إذْ الدَّانِقُ ثَمَانُ حَبَّاتٍ وَخُمْسَا حَبَّةٍ وَمَتَى زِيدَ عَلَى الدَّرَاهِمِ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ كَانَ مِثْقَالًا وَمَتَى نَقَصَ عَنْ الْمِثْقَالِ ثَلَاثَةَ أَعْشَارِهِ كَانَ دِرْهَمًا فَكُلُّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ وَكُلُّ عَشَرَةِ مَثَاقِيلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَسُبْعَانِ وَأَمَّا الْقِيرَاطُ فَهُوَ فِي مُصْطَلَحِ أَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْحِجَازِ وَنَحْوِهَا جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ ثُلُثُ ثَمَنِهِ وَالْحَبَّةُ ثُلُثُ الْقِيرَاطِ وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ ثَمَنُ تِسْعَةٍ وَالدَّانِقُ هُنَا نِصْفُ الْحَبَّةِ وَسُدُسُ الْقِيرَاطِ فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ مِائَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ نِصْفُ ثَمَنِ تِسْعَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ رَجُلٍ مَعَهُ بَعْضُ كِفَايَةِ عِيَالِهِ مِنْ زَرْعٍ وَلَهُ مَعَهُ أَشْجَارُ عِنَبٍ وَأَرْضٌ وَيَأْخُذُ مِنْ زَكَوَاتِ الْأَمْوَالِ وَيَحْفَظُهُ فِي بَيْتِهِ وَيَأْكُلُهُ وَيَشْتَرِي بِهِ الضِّيَاعَ وَالْمَوَاشِيَ وَغَيْرَهَا هَلْ يَمْلِكُهَا أَيْ الزَّكَوَاتِ مَعَ جَهَالَةِ صَارِفِهَا إلَيْهِ أَمْ تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُعْطِي الْفُقَرَاءَ وَلَا الْمَسَاكِينَ وَلَا ابْنَ السَّبِيلِ شَيْئًا مِنْهَا وَكَذَا زَكَاةُ الْأَبْدَانِ فِي يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ قَاطِعٌ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَإِذَا كَانَ الْقَادِرُ يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ هَذِهِ الزَّكَوَاتِ وَهَلْ تَبْرَأُ ذِمَّةُ مَنْ أَعْطَاهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَتَى كَانَ لِهَذَا الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ مِنْ زَرْعٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ وَكَانَ ذَلِكَ يَفِي بِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ الزَّكَوَاتِ سَوَاءٌ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَالْمَالِ وَسَوَاءٌ أَعْلَمَ الدَّافِعَ إلَيْهِ بِحَالِهِ أَمْ لَا وَلَا يَمْلِكُ مَا أَخَذَهُ وَلَا تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّةُ الدَّافِعِ إلَيْهِ وَيَجِبُ عَلَى حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ مَنْعُهُ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ وَمَنْعُ النَّاسِ مِنْ إعْطَائِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ دَخْلُهُ لَا يَفِي بِخَرْجِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ تَمَامَ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّنْ تَحْتَ يَدِهِ وَدِيعَةٌ أَوْ مَالُ قِرَاضٍ أَوْ ثَمَنُ مَبِيعٍ أَوْ أَمَانَةٌ فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فَهَلْ لَهُ إخْرَاجُ زَكَاةِ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاضِعِ يَدِهِ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ تَعَدِّيًا إخْرَاجُ زَكَاتِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ شَخْصٍ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ قَبْلَ وُجُوبِهَا فَهَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ وَمَا شُرُوطُ التَّعْجِيلِ وَهَلْ يَجُوزُ نَقْلُهَا إلَى بَلَدٍ لِعِلْمِهِ بِاحْتِيَاجِ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلَدِ أَكْثَرَ وَهَلْ يَجُوزُ صَرْفُهَا بِطُولِ السَّنَةِ نَقْدًا وَعُرُوضًا وَتَمْرًا وَخُبْزًا وَيَنْوِي عِنْدَ الْإِخْرَاجِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ بَعْدَ تَمَامِ النِّصَابِ فِي غَيْرِ التِّجَارَةِ وَقَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ عَنْ عَامٍ لَا أَكْثَرَ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ لَا قَبْلَهُ وَتَجُوزُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي التَّمْرِ وَالِاشْتِدَادِ فِي الْحَبِّ لَا قَبْلَهُ وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ زَكَاةِ مَعْدِنٍ وَرِكَازٍ قَبْلَ الْحُصُولِ وَشَرْطُ إجْزَاءِ الْمُعَجَّلِ شَيْئَانِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْقَابِضُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ مُسْتَحِقًّا وَلَا يَضُرُّ غِنَاؤُهُ بِالْمَدْفُوعِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ مُعَجَّلًا كَانَ أَيْضًا أَوْ غَيْرَهُ بِخِلَافِ غِنَائِهِ بِغَيْرِهِ وَحْدَهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ اشْتِرَاطِ اسْتِحْقَاقِهِ آخِرَ الْحَوْلِ مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ شُرَّاحِ الْوَسِيطِ مِنْ أَنَّ الْفَقْرَ الْمُجْتَازَ بِبَلَدِ الزَّكَاةِ إذَا أُخِذَ مِنْ الزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ وَجَاءَ وَقْتُ الْوُجُوبِ وَلَيْسَ

стр. 321

هُوَ بِبَلَدِ الْمَالِ أَنَّ ذَلِكَ الْمُعَجَّلَ لَا يَقَعُ مُجْزِئًا بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ مَنْعِ نَقْلِ الزَّكَاةِ اهـ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ آخِرَ الْحَوْلِ هُمْ فُقَرَاءُ بَلَدِ الْمَالِ الْمَوْجُودُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَعَ مَا اُشْتُرِطَ فِيهِمْ وَلَيْسَ هَذَا بِبَلَدِ الْمَالِ وَقْتَ الْوُجُوبِ وَالْقَبْضُ السَّابِقُ إنَّمَا يَقَعُ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ فَتَاوَى الْحَنَّاطِيِّ وَأَقَرُّوهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا غَابَ الْمِسْكِينُ عِنْدَ الْحَوْلِ وَلَا يَدْرِي مِنْ حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ وَفَقْرِهِ وَغِنَاهُ فَالظَّاهِرُ اسْتِمْرَارُ فَقْرِهِ وَحَيَاتِهِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ نَحْوَهُ فَقَالَ لَوْ شَكَكْنَا هَلْ مَاتَ الْقَابِضُ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَ فِي أَقْرَبِ الْوَجْهَيْنِ وَوَجْهُ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ أَنَّ كَلَامَ شَارِحِ الْوَسِيطِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عَلِمَ عَدَمَ اسْتِحْقَاقِهِ عِنْدَ الْوُجُوبِ لِغِيبَتِهِ الْمُتَيَقَّنَةِ عَنْ بَلَدِ الْمَالِ وَكَلَامُ الْحَنَّاطِيِّ عَلَى غِيبَتِهِ عَنْ مَوْضِعِ الصَّرْفِ وَقْتَ الْوُجُوبِ وَجَهْلِ حَالِهِ مِنْ الْغِنَى وَالْفَقْرِ وَالْغَيْبَةِ عَنْ بَلَدِ الْمَالِ وَقْتَ الْوُجُوبِ فَلَمْ يَدْرِ هَلْ كَانَ حَاضِرًا ثُمَّ إذْ ذَاكَ أَوْ لَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ غَيْبَتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا أَنَّ الْأَصْلَ حَيَاتُهُ وَفَقْرُهُ. الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَالِكُ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ إلَى آخِرِ الْحَوْلِ فَإِنْ مَاتَ أَوْ تَلِفَ الْمَالُ أَوْ نَقَصَ عَنْ النِّصَابِ أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ آخِرِ الْحَوْلِ أَوْ عِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ زَكَاةٌ وَلَا يُحْسَبُ مِنْ زَكَاةِ الْوَارِثِ وَمَتَى وُجِدَتْ الْأَصْنَافُ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ وَاحْتَاجُوا لِرَدِّ الْبَاقِي عَلَيْهِمْ حَرُمَ عَلَى الْمَالِكِ وَالْعَامِلِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي الْأَخْذِ وَالتَّفْرِقَةِ بِخِلَافِ الْإِمَامِ وَالْعَامِلِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي النَّقْلِ أَوْ الْأَخْذِ فَقَطْ نَقْلُ الزَّكَاةِ عَنْهُمْ إلَى بَلَدٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ فُقَرَاؤُهُ أَحْوَجَ وَالْعِبْرَةُ بِمَوْضِعِ الْمَالِ حَالَ الْوُجُوبِ وَبِمَوْضِعِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ لَا الْمُؤَدَّى فَيُصْرَفُ الْعُشْرُ لِمُسْتَحِقِّ بَلَدِ الْأَرْضِ الَّتِي حَصَّلَ مِنْهَا الْمُعَشَّرَ وَزَكَاةُ النَّقْدَيْنِ وَالْمَوَاشِي وَالتِّجَارَةِ إلَى مُسْتَحَقِّي الْبَلَدِ الَّذِي تَمَّ فِيهِ حَوْلُهَا وَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ وَجَبَ أَدَاءُ الزَّكَاةِ عَلَى الْفَوْرِ إنْ تَمَكَّنَّ مِنْهُ وَذَلِكَ بِحُضُورِ الْمَالِ وَالْمُسْتَحِقِّ أَوْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ وَعَدَمِ شَغْلِهِ بِمُهِمٍّ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ فَإِنْ أَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ أَثِمَ وَضَمِنَ وَلَوْ أَخَّرَ لِطَلَبِ الْأَفْضَلِ فَإِنْ وُجِدَ أَهْلُ السَّهْمَانِ وَأَخَّرَ لِيَدْفَعَ إلَى الْإِمَامِ أَوْ لِانْتِظَارٍ قَرِيبٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ انْتِظَارُ قَرِيبٍ وَنَحْوِهِ وَلَوْ تَرَدَّدَ فِي اسْتِحْقَاقِهِمْ فَلَهُ التَّأْخِيرُ. وَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا إخْرَاجُ الْعُرُوضِ وَالْخُبْزِ بَلْ لَا يَجُوزُ إلَّا إخْرَاجُ النَّقْدِ أَوْ التَّمْرِ وَالْحُبُوبِ فِي الْمُعَشَّرَاتِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّا إذَا كَانَ الْمَالُ عُرُوضًا لِلتِّجَارَةِ وَاسْتَمَرَّ مُدَّةً لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْهُ فَهَلْ فِيهِ زَكَاةٌ وَلَوْ تَكَرَّرَ بَيْعُهُ بِعُرُوضٍ وَإِذَا بِيعَ بِالنَّقْدِ وَاسْتَمَرَّ نَقْدًا ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ عُرُوضًا قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَى الْمَالِ تَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ أَمْ لَا وَهَلْ عِنْدَ بَيْعِ الْعُرُوضِ بِالنَّقْدِ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ بِعِدَّةِ السِّنِينَ وَهَلْ يَلْزَمُ فِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ الْبَيْعِ أَوْ بَعْدَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَى النَّقْدِ وَإِذَا كَانَ الْمَالُ غَائِبًا فِيهِ زَكَاةٌ فِي الْبَلَدِ الَّتِي هُوَ فِيهَا أَوْ الَّتِي فِيهَا الْمَالِكُ لِسَنَةٍ أَوْ بِعِدَّةِ السِّنِينَ وَإِذَا كَانَ الْمَالُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ جَمَاعَةٍ حُكْمُهُ حُكْمِ الْغَائِبِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا اسْتَمَرَّتْ عُرُوضُ التِّجَارَةِ فِي يَدِهِ سِنِينَ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ تَكَرَّرَ بَيْعُهَا بِعُرُوضٍ أُخْرَى لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ بِعَدَدِ تِلْكَ السِّنِينَ وَالْمُعْتَبَرُ فِي النِّصَابِ فِي مَالِ التِّجَارَةِ هُوَ آخِرُ الْحَوْلِ إنْ لَمْ يَنِضَّ وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ النَّقْصُ عَنْ النِّصَابِ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ نَضَّ بَعْدَ الْحَوْلِ أَوْ فِيهِ وَهُوَ تَامُّ النِّصَابِ أَوْ نَاقِصُهُ وَلَمْ يَنْقُصْ بِنَقْدٍ يُقَوَّمُ بِهِ بَلْ بِنَقْدٍ آخَرَ أَمَّا إذَا نَضَّ فِي الْحَوْلِ نَاقِصًا عَنْ النِّصَابِ بِمَا يُقَوَّمُ بِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ آخِرُ الْحَوْلِ وَإِنْ تَمَّ فِيهِ النِّصَابُ بَلْ يَبْتَدِئُ الْحَوْلُ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ بِهِ لِلنَّقْصِ الْحِسِّيِّ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَبَيْعُهُ بِالنَّقْدِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ إنْ كَانَ النَّقْدُ الَّذِي بِيعَ بِهِ نَاقِصًا عَنْ النِّصَابِ مِمَّا يُقَوَّمُ بِهِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ الْأَوَّلُ وَابْتُدِئَ الْحَوْلُ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّقْدُ كَذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ مِنْ ابْتِدَاءِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ وَلَا نَظَرَ لِهَذَا الْبَيْعِ سَوَاءٌ كَانَ مُتَكَرِّرًا فِي السَّنَةِ أَمْ لَا فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِ بِالنَّقْدِ شَيْئًا وَبَقِيَ عِنْدَهُ لَا عَلَى نِيَّةِ التِّجَارَةِ فِيهِ زَكَاةٌ زَكَاةُ النُّقُودِ لَا التِّجَارَاتِ وَإِذَا ضُلَّ الْمَالُ أَوْ سُرِقَ أَوْ غُصِبَ أَوْ وَقَعَ فِي بَحْرٍ فَإِنْ قَبَضَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لِجَمِيعِ الْأَعْوَامِ الْمَاضِيَةِ وَالْغَائِبُ إنْ لَمْ يُقَدَّرْ عَلَيْهِ فَكَالْمَغْصُوبِ فَلَا يَلْزَمُهُ

стр. 322

زَكَاتُهُ إلَّا إنْ قُدِّرَ عَلَيْهِ فَإِنْ قُدِّرَ عَلَيْهِ وَجَبَ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنْهُ فِي الْحَالِ فِي بَلَدِ الْمَالِ فَإِنْ أَخْرَجَهَا فِي غَيْرِهِ مَعَ وُجُودِ الْمُسْتَحِقِّينَ بِبَلَدِ الْمَالِ لَمْ يَجُزْ وَالدَّيْنُ إنْ كَانَ مَاشِيَةً أَوْ غَيْرَ لَازِمِ كَمَالِ الْكِتَابَةِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ أَوْ نَقْدًا أَوْ عَرْضًا فَإِنْ كَانَ حَالًّا وَتَيَسَّرَ أَخْذُهُ زَكَّاهُ فِي الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ وَإِنْ تَعَذَّرَ لِإِعْسَارٍ أَوْ مَطْلٍ أَوْ غَيْبَةٍ فَكَمَغْصُوبٍ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُدَّتِهِ عَمَّنْ عَجَّلَ زَكَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْلِ لَمْ يَكُنْ الْفَقِيرُ أَوْ الْمَالِكُ أَوْ مَالُهُ بِالْبَلَدِ الَّتِي عَجَّلَ فِيهَا فَهَلْ يُجْزِئُهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مِنْ الْمُقَرَّرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْلُ الزَّكَاةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُجْزِئُهُ مَا عَجَّلَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي وَغَيْرُهُ فِي الْأُولَى وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ فِي الثَّانِيَةِ وَمَا نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ الْحَنَّاطِيِّ مِمَّا يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ فِي الْأُولَى لَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ نَقْلِ الزَّكَاةِ وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ هُوَ إلَى الْوَهْمِ أَقْرَبُ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ نَحْوِ زَرْعٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَاقْتَسَمَا غَلَّتَهُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَتَنْقِيَتِهِ ثُمَّ أَخَذَ أَحَدُهُمَا نِصَابَهُ فَهَلْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي حِصَّتِهِ أَوْ لَا لِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ التَّصَرُّفُ لِتَصْرِيحِهِمْ بِصِحَّةِ الْقِسْمَةِ وَلَوْ بِخَرْصِ الثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ وَشَرِكَةُ الْمُسْتَحِقِّينَ لَا تَمْنَعُ صِحَّتَهَا وَإِنْ قُلْنَا تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِالْعَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ لِلسَّاعِي التَّسَلُّطُ عَلَى الْمُخْرَجِ وَقَوْلُهُمْ لِلسَّاعِي الْأَخْذُ مِنْ مَالِ مَنْ شَاءَ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ مَحَلَّهُ فِيمَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِمَا صُورَتُهُ حَكَّمَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَدْلَيْنِ يَخْرُصَانِ عَلَيْهِ وَيُضَمِّنَانِهِ وَاجِبَهُ فِي التَّمْرِ الْمُشْتَرَكِ فَهَلْ يَصِحُّ وَيَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ بَعْدَ الْخَرْصِ بِشَرْطِهِ إلَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ سَوَاءٌ أَذِنَ شَرِيكُهُ أَمْ لَا لِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِعَيْنِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ الَّتِي لَمْ تُخْرَصْ وَهِيَ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ عَنْ حِصَّتِهِ الَّتِي خُرِصَتْ. (وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ عَمَّنْ أَرَادَ التَّصَرُّفَ فِي ثَمَرِهِ وَلَا خَارِصَ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُحَكِّمَ عَدْلًا أَوْ عَدْلَيْنِ لِيَخْرُصَا عَلَيْهِ وَيَتَصَرَّفُ فِي الْجَمِيعِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَهُ ذَلِكَ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ خَارِصَيْنِ لِأَنَّهُ تَقْوِيمٌ وَإِنَّمَا يَكْفِي خَارِصٌ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ وَقَوْلُهُ وَحْدَهُ كَافٍ فِي التَّقْوِيمِ فَكَذَلِكَ نَائِبُهُ فَإِذَا ضَمِنَاهُ وَقَبِلَ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ فِي الْكُلِّ وَإِنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّمَرَةِ غَاصِبٌ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْقَبْضِ لِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا بِيَدِ الْغَيْرِ وَمَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ وَقَفَ نَخِيلًا عَلَى مَنْ يُؤَذِّنُ بِمَسْجِدِ كَذَا فَهَلْ عَلَى الْمُؤَذِّنِ زَكَاةٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ كَالْمَوْقُوفِ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنْ أَذَّنَ مُدَّةً يَسْتَحِقُّ بِهَا الْغَلَّةَ وَبَدَا الصَّلَاحُ فِي مِلْكِهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ عِنْدَ الصَّلَاحِ وَلَا مُتَعَيَّنٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ فِيهِ نَظَرٌ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا صُورَتُهُ أَوْدَعَ نِصَابَ نَقْدٍ أَوْ وَكَّلَهُ بِحِفْظِ مَا يَحْصُلُ مِنْ غَلَّتِهِ فَحَصَلَ مِنْهَا نِصَابٌ وَلَمْ يَنُصَّ الْمَالِكُ عَلَى إخْرَاجِهِ لِلزَّكَاةِ فَهَلْ لَهُ إخْرَاجُهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ عَلَى الْمَالِكِ وَقَدْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ بِهِ وَلَا يَلْتَفِتُ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ أَوْ بَيْعِهِ النِّصَابَ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَالِ عَلَى مِلْكِهِ وَبَقَاءُ حَيَاتِهِ وَعَدَمُ إخْرَاجِ الْمَالِكِ مِنْ غَيْرِهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ لِلْحَاكِمِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنْ الْغَائِبِينَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ الْأَدَاءِ أَوْ بَيْعِهِمْ لِلْمَالِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ بَاعَ بَعْضَ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ فَهُوَ كَبَيْعِ كُلِّهِ فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَبْقَ قَدْرُ الزَّكَاةِ فَكَمَا لَوْ بَاعَ الْجَمِيعَ وَإِنْ أَبْقَاهُ إمَّا بِنِيَّةِ صَرْفِهِ إلَيْهَا أَوْ بِغَيْرِهَا فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى قَوْلِ الشَّرِكَةِ فَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَجْهَانِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَقْيَسُهُمَا الْبُطْلَانُ أَيْ فِي قَدْرِ حِصَّةِ الزَّكَاةِ وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِ الشَّرِكَةِ وَفِيهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الزَّكَاةَ شَائِعَةٌ فِي الْجَمِيعِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الشِّيَاهِ بِالْقِسْطِ وَالثَّانِي أَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِحْقَاقِ قَدْرُ الْوَاجِبِ وَيَتَعَيَّنُ بِالْإِخْرَاجِ اهـ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمَا اعْتِمَادُ كَلَامِ ابْنِ الصَّبَّاغِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ

стр. 323

وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الثَّانِي وَأَطَالَ فِيهِ بِمَا لَا يُجْدِي وَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَ مَنْ تَأَمَّلَهُ التَّأَمُّلَ الصَّادِقَ. وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ كَالصَّرِيحِ فِي اعْتِمَادِ كَلَامِ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَمَا تَفَرَّعَ عَلَيْهِ وَكَذَا كَلَامُ السُّبْكِيّ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ بِنِسْبَةِ قِسْطِ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ شَاةٍ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ إبْقَاؤُهُ قَدْرَ الزَّكَاةِ فِي يَدِهِ جَرْيًا عَلَى قَاعِدَةِ الشَّرِكَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا مُشْتَرَكًا وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمُعَشَّرَاتِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ نِسْبَةَ الْعُشْرِ تَقْتَضِي الْإِشَاعَةَ اتِّفَاقًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْزِلَ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ وَيَبِيعَ الْبَاقِيَ أَوْ لَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ قَدْرَ الزَّكَاةِ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِالدَّفْعِ لَا بِالْعَزْلِ وَخُصَّ الْخِلَافُ بِمَا إذَا لَمْ يَقُلْ بِعْتُك تِسْعَةَ أَعْشَارِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ مُشَاعًا وَالْأَصَحُّ قَطْعًا وَيَجْرِي ذَلِكَ فِيمَا لَوْ تَصَرَّفَ الْمَالِكُ قَبْلَ الْخَرْصِ فِي مِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ شَائِعٍ مِنْ الثِّمَارِ سَوَاءٌ بَقِيَ فِي يَدِهِ قَدْرُ الزَّكَاةِ أَمْ لَا فَيَبْطُلُ أَيْضًا وَقَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَهَلْ يَجُوزُ فِي تِسْعَةِ أَعْشَارِهِ وَهُوَ مَا عَدَا قَدْرِ الزَّكَاةِ الْمَذْهَبُ نَعَمْ مَحْمُولٌ عَلَى الصُّورَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي خُصِّصَ بِهَا مَحَلُّ الْخِلَافِ وَإِلَّا تَنَاقَضَ كَلَامُهُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ هَلْ يَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِي التَّمْرِ وَالْعِنَبِ قَبْلَ الْخَرْصِ فِي الْجَمِيعِ أَوْ فِيمَا عَدَا قَدْرِ الزَّكَاةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدِ الْأَوَّلِ وَإِنْ تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ خِلَافَهُ إذْ الشَّرِكَةُ شَائِعَةٌ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ فَكَيْفَ يَحِلُّ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْبَعْضِ وَلَهُمْ فِيهِ حِصَّةٌ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ أَيُّ طَرِيقٍ لِلْوَرَعِ فِيمَنْ اشْتَرَى نِصَابًا زَكَوِيًّا مِمَّنْ لَا يُزَكِّي؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ طَرِيقُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ فِي إخْرَاجِهَا عَنْهُ مِنْ الْمَبِيعِ وَيَتَبَرَّعُ بِمُقَابِلِهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالسَّاعِي فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْقَاضِي بِنَاءً عَلَى شُمُولِ تَوْلِيَتِهِ لِلنَّظَرِ فِي الزَّكَاةِ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ الْهَرَوِيِّ هَذَا إنْ لَمْ يُعْلَمْ مَوْتُ الْمَالِكِ وَإِلَّا اسْتَقَلَّ بِالْإِخْرَاجِ إذْ لِلْأَجْنَبِيِّ أَدَاءُ زَكَاةِ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَارِثِ لَكِنْ بِأَدَائِهِ يَتَبَيَّنُ الْمِلْكُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ إنْ تَحَقَّقَ أَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُخْرِجْهَا لِلْوَرَثَةِ فَيَجِبُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِمْ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ اشْتَرَى نِصَابًا زَكَوِيًّا ثُمَّ تَحَقَّقَ أَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُخْرِجْ زَكَاتَهُ فَهَلْ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِتَمْيِيزِ قَدْرِ الزَّكَاةِ فِي الْمِثْلِيِّ وَصَرْفُهُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ لِلْمَالِكِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ غَيْرِ هَذَا النِّصَابِ نَعَمْ إنْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَةُ الْبَائِعِ جَازَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِذَلِكَ أَخْذًا مِمَّا فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ حَلَالٌ لَهُ بِحَرَامٍ جَازَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِتَمْيِيزِ قَدْرِ نَصِيبِهِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ لَهُ صَرْفُهُ لَلْمُسْتَحِقِّينَ إلَّا بِإِذْنِ السَّاعِي فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْقَاضِي ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ قَالَ وَمَنْ اشْتَرَى طَعَامًا لَمْ يُزَكِّهِ الْبَائِعُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ قَبْلَ تَأْدِيَةِ زَكَاتِهِ ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّ وِلَايَةَ صَرْفِهَا بَاقِيَةٌ لِلْبَائِعِ وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الِاسْتِقْلَالُ بِهَا وَفِي الْمُهِمَّاتِ فِي الشَّرْطِ الْخَامِسِ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيِّ مَا يُوهِمُ اسْتِقْلَالَهُ بِذَلِكَ وَالظَّاهِرُ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ السَّاعِي خِلَافُهُ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُخَلِّصَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ هَذِهِ الْعُهْدَةِ تَفْرِيعًا عَلَى بَقَاءِ تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ جَرَيَانُ الْقِسْمَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَائِعِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ إذْ الْبُطْلَانُ خَاصٌّ بِهِ فَيُسَلِّمُهُ لِلْبَائِعِ أَوْ السَّاعِي وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْبَائِعَ فِي إخْرَاجِهِ فَإِنَّ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُوَكِّلَ فِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ عَنْهُ إمَّا مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالِ الْمُوَكَّلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ اهـ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ بَاعَ النِّصَابَ وَقُلْنَا بِالرَّاجِحِ وَهُوَ بُطْلَانُ الْبَيْعِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ فَقَطْ فَإِذَا رَدَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ قَدْرَ الزَّكَاةِ فَهَلْ يَنْقَطِعُ تَسَلُّطُ السَّاعِي عَلَى مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ مَيَّزَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ لَمْ يَكُنْ لِلسَّاعِي مُطَالَبَتُهُ لِأَنَّ لِلْمَالِكِ أَنْ يُعَيِّنَ قَدْرَ الزَّكَاةِ مِنْ النِّصَابِ فِي وَاحِدَةٍ وَلَيْسَ لِلسَّاعِي طَلَبُ غَيْرِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ تَمْيِيزَهُ أَوْ تَمْيِيزَ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِهِ بِمَثَابَةِ تَعْيِينِهِ فَبِهِ يَنْحَصِرُ حَقُّ السَّاعِي فِيمَا عَيَّنَهُ فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ وَإِنْ مَيَّزَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ فَالتَّمَيُّزُ فَاسِدٌ فَلَا يَنْقَطِعُ بِهِ تَعَلُّقُ حَقِّ السَّاعِي وَإِنْ قَبَضَهُ الْبَائِعُ إذْ رَضَاهُ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ فَاسِدًا لَا يَقْبَلُهُ صَحِيحًا وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا بَحَثَهُ السُّبْكِيّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَجَّرَ أَرْضَهُ لِآخَرَ فَزَرَعَهَا فَالزَّكَاةُ عَلَى الزَّارِعِ فَإِذَا أَخَذَ الْمُؤَجَّرُ أُجْرَتَهُ مِنْ الْمُغِلِّ قَبْلَ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ فَكَمَا لَوْ ابْتَاعَهَا مِنْهُ

стр. 324

فَلِلْفُقَرَاءِ مُطَالَبَتُهُ بِهَا مِمَّا قَبَضَهُ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ لِلسَّاعِي نَزْعَهَا مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي عَلَى كُلِّ قَوْلٍ. قَالَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يَجِبُ إشْهَارُهَا فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يُؤَجِّرُ الْأَرَاضِي يَسْتَوْلِي عَلَى جَمِيعِ الْمُغَلِّ فِي أُجْرَتِهِ أَوْ عَلَى أَكْثَرِهِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الزَّارِعَ لَا يُخْرِجُ شَيْئًا فَلَا يَحِلُّ لَهُ مَا قَبَضَهُ بَلْ يَجِبُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ قَدْرَ الزَّكَاةِ وَمَا بَقِيَ مِنْ الْأُجْرَةِ إنْ أَيْسَرَ الزَّارِعُ طُولِبَ وَإِلَّا بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ وَطَرِيقُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الزَّارِعَ فِي الْإِخْرَاجِ أَوْ يُعْلِمُ الْإِمَامَ لِيَأْخُذَهَا فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ إيصَالُهَا لَلْمُسْتَحِقِّينَ اهـ وَقَوْلُهُ فَلِلْفُقَرَاءِ مُطَالَبَتُهُ بِهَا أَيْ بِقَدْرِ نِسْبَتِهَا فَيُطَالَبُ بِعُشْرِ مَا بِيَدِهِ لِبُطْلَانِ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَأَمَّا أَخْذُ جَمِيعِ الزَّكَاةِ مِمَّا بِيَدِهِ الَّتِي أَوْهَمَتْهُ عِبَارَتُهُ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا لَوْ اُسْتُغْرِقَتْ الْأُجْرَةُ الزَّرْعَ جَمِيعَهُ وَإِلَّا لَمْ يَتَأَتَّ عَلَى قَوْلِ الشَّرِكَةِ الْأَصَحِّ. وَقَوْلُهُ لِمَا سَبَقَ إلَخْ يَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ كُلَّ النِّصَابِ أَوْ بَعْضَهُ وَإِنْ أَبْقَى قَدْرَ الزَّكَاةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَمَّا فِي الْأُولَى فَوَاضِحٌ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِبُطْلَانِ التَّصَرُّفِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ وَإِنْ أَبْقَى بِيَدِهِ قَدْرَهَا. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّنْ بَاعَ النِّصَابَ قَبْلَ الْحَوْلِ فَتَمَّ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ أَوْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي أَوْ مَوْقُوفٌ فَمَا حُكْمُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَمِلْكُ الْمَبِيعِ لَهُ فَتَجِبُ زَكَاتُهُ فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ فَهُوَ كَبَيْعِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي فَلَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ وَكَذَا إنْ قُلْنَا مَوْقُوفٌ مَا لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ فَالزَّكَاةُ عَلَى الْبَائِعِ وَلَوْ لَزِمَ الْبَيْعَ فَامْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ إلَّا مِنْ الْمَبِيعِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يُمْكِنْ أَوْ مُوسِرًا فَإِنْ كَانَ نِصَابَ تِجَارَةٍ فَهَذَا يَجِبُ أَنْ تُؤْخَذُ زَكَاتُهُ مِنْ مَالِ بَائِعِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْنِ وَالزَّكَاةِ بِالْقِيمَةِ وَمَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ أَقْوَى وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَجِبُ الزَّكَاةُ مِنْ عَيْنِهِ فَإِنْ قُلْنَا بِالشَّرِكَةِ أُخِذَتْ مِنْ الْمَبِيعِ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْأَوْجَهُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ لِأَنَّهُ إنْ رَاعَى حَقَّ الْمُشْتَرِي فَمُرَاعَاةُ حَقِّ الْمُسْتَحِقِّينَ أَوْلَى وَلَا نَظَرَ لِتَجَدُّدِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَيْعِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْفَسْخِ عِنْدَ وُجُوبِهَا وَمَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ التِّجَارَةِ مُحْتَمَلٌ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ هَلْ تَجِبُ زَكَاةٌ فِي الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ وَمَا هِيَ وَهَلْ لَوْ أَخَذَ الْإِمَامُ الْخَرَاجَ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ تَسْقُطُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ مَعَ الْخَرَاجِ كَمَا فِي الْبِلَادِ الَّتِي أَخَذْنَاهَا مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ أَوْ أَقَرَّهُمْ الْإِمَامُ عَلَيْهَا بِخَرَاجٍ وَكَذَا الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا فَهِيَ مِلْكُهُمْ فَإِذَا اكْتَرَاهَا شَخْصٌ مِنْهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعُشْرُ مَعَ أُجْرَتِهَا وَلَا يُقَوَّمُ الْخَرَاجُ الْمَأْخُوذُ ظُلْمًا أَوْ نَحْوُهُ مَقَامِ الْعُشْرِ فَإِذَا أَخَذَهُ الْإِمَامُ بِنِيَّةِ ذَلِكَ صَحَّ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ إذْ هُوَ كَأَخْذِ الْقِيمَةِ بِالِاجْتِهَادِ وَهُوَ يَسْقُطُ بِهِ الْعُشْرُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِمَا لَفْظُهُ أَتْلَفَ أَجْنَبِيٌّ النِّصَابَ بَعْدَ الْوُجُوبِ فَهَلْ يَأْخُذُ الْمَالِكُ قَدْرَ قِيمَةِ قَدْرِ الزَّكَاةِ وَيَدْفَعُهُ لَلْمُسْتَحِقِّينَ أَوْ يَشْتَرِي بِهَا شَاةً وَيَدْفَعُهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شِرَاءُ وَاجِبِ الزَّكَاةِ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ وَتَسْلِيمُهُ إلَيْهِمْ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ خِلَافَهُ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الرِّفْعَةِ قَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ مِنْ أَرْبَعِينَ فَأَتْلَفَ الْأَرْبَعِينَ لَزِمَهُ شَاةً وَلَوْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ وَجَبَ لِلْفُقَرَاءِ الْقِيمَةُ وَهُوَ نَصٌّ فِيمَا ذَكَرْته. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِمَا صُورَتُهُ إذَا قُلْنَا تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ تَعَلُّقَ شَرِكَةٍ فَهَلْ تَتَعَلَّقُ بِمَا يَحْدُثُ بَعْدَ الْوُجُوبِ مِنْ لَبَنٍ وَصُوفٍ وَغَيْرِهِمَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيِّ أَنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَعِبَارَةُ الْأَوَّلِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ وَإِنْ قُلْنَا تَجِبُ فِي الْعَيْنِ فَمِلْكُ الْفُقَرَاءِ كَلَا مِلْكٍ فَإِنَّ ثَمَرَةَ الْمِلْكِ ثَابِتَةٌ لِرَبِّ الْمَالِ وَمِلْكُهُمْ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ بِدَلِيلِ أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ إسْقَاطُهُ بِإِخْرَاجِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِهِ وَعِبَارَةُ الثَّانِي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ تَعَلُّقَ شَرِكَةٍ اعْتَذَرُوا عَنْ جَوَازِ الْإِخْرَاجِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ وَعَنْ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْفُقَرَاءِ لِمَا يَحْدُثُ مِنْ النِّتَاجِ وَيَنْفَصِلُ مِنْ الصُّوفِ وَاللَّبَنِ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ الْإِخْرَاجِ بِأَنَّ هَذِهِ الشَّرِكَةَ تَثْبُتُ بِغَيْرِ رِضَا الشَّرِيكَيْنِ وَأَيْضًا فَإِنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ فَأَشْبَهَتْ الْغَنِيمَةَ فِي انْتِفَاءِ مِلْكِ الشَّرِيكِ بِغَيْرِ رِضَاهُ اهـ قِيلَ وَصَرَّحَ بِنَحْوِ ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ

стр. 325

فِي الْمَذْهَبِ بَلْ صَرَّحَ ابْنُ مُفْلِحٍ بِأَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَجُوزُ أَكْلُ الْفَرِيكِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ مَا لَمْ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ مِنْ مَالٍ زَكَوِيٍّ فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَإِنْ أَطَالَ كَثِيرًا فِي الِاسْتِدْلَالِ لِلْجَوَازِ لَهُ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ لِذَلِكَ بِمَا فِي الطَّبَرَانِيِّ الصَّغِيرِ بِرِجَالِ الصَّحِيحِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَتَى بِالْبَاكُورَةِ وَضَعَهَا عَلَى عَيْنِهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ كَمَا أَطْعَمْتَنَا أَوَّلَهُ فَأَطْعِمْنَا آخِرَهُ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهَا لِلْمَوْلُودِ مِنْ أَهْلِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ قَبْلَهَا «ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا» وَيُرَدُّ بِأَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةُ حَالٍ مُحْتَمَلَةٍ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ تَعَدَّى الْمَالِكُ قَبْلَ الْخَرْصِ فَقَطَعَ الثَّمَرَةَ بَعْدَ أَنْ تَعَلَّقَتْ بِهَا الزَّكَاةُ وَكَانَ مِمَّا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ لَوْ لَمْ يَقْطَعْهَا وَأَرَادَ الدَّفْعَ لَلْمُسْتَحِقِّينَ مِمَّا قَطَعَهُ فَهَلْ هُوَ كَقَطْعِهَا لِلْعَطَشِ أَوْ كَإِتْلَافِهَا؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ الثَّانِي فَيُخَرَّجُ عَلَى مَا قَالُوهُ فِي إتْلَافِهِ الثَّمَرَ فَإِذَا قُلْنَا الْوَاجِبُ التَّمْرُ انْقَطَعَ تَعَلُّقُ الشَّرِكَةِ فِي ذَلِكَ الرُّطَبِ وَيَصِحُّ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِيهِ وَكَذَا إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ قِيمَةُ الرُّطَبِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْفَرِيكِ إذَا تَعَدَّى الْمَالِكُ بِقَطْعِهِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ حَيْثُ تَعَدَّى الْمَالِكُ بِالْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ وَنَحْوِهِ ضَمِنَ حِصَّةَ الْمُسْتَحِقِّينَ تَمْرًا وَإِلَّا بِأَنْ اُحْتِيجَ إلَى الْقَطْعِ قَبْلَ أَوَانِ الْجَذَاذِ وَلَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُهُ ضَمِنَهَا رُطَبًا وَإِنْ سَبَقَ خَرْصٌ وَتَضْمِينٌ. (وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ عَنْ أَجْنَبِيٍّ أَتْلَفَ الثِّمَارَ بَعْدَ الْخَرْصِ وَالتَّضْمِينِ فَهَلْ عَلَى الْمَالِكِ الزَّكَاةُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ الدَّارِمِيُّ إنْ حَصَلَتْ لِلْمَالِكِ قِيمَةٌ لَزِمَتْهُ وَإِلَّا فَلَا بَلْ يُطَالِبُ الْغَاصِبَ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْخَرْصِ وَقَبْلَ التَّضْمِينِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَطُولِبَ الْغَاصِب وَقَبْلَ الْخَرْصِ كَبَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ تَضْمِينٍ إذَا كَانَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُدَّتِهِ هَلْ الضَّبْطُ فِي الْخَاتَمِ الْفِضَّةِ بِالْمِثْقَالِ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ أَوْ بِغَيْرِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ رَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّهُ ﷺ «قَالَ لِرَجُلٍ وَجَدَهُ لَابِسَ خَاتَمَ حَدِيدٍ مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ فَطَرَحَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ فَقَالَ مِنْ وَرِقٍ وَلَا تَبْلُغْهُ مِثْقَالًا» . لَكِنْ ضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحَيْ الْمُهَذَّبِ وَمُسْلِمٍ وَمِنْ ثَمَّ أُبِيحَ بِلَا كَرَاهَةٍ لُبْسُ خَاتَمِ حَدِيدٍ وَرَصَاصٍ وَنُحَاسٍ وَكَانَ الْأَوْلَى الضَّبْطُ بِمَا لَا يُعَدُّ إسْرَافًا فِي الْعُرْفِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَصَرَّحَ بِهِ الْخُوَارِزْمِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الْخَلْخَالِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ الرِّفْعَةِ يَنْبَغِي نَقْصُ الْخَاتَمِ عَنْ مِثْقَالٍ لِلْخَبَرِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ عَلَى اعْتِبَارِ الْعُرْفِ لَوْ اخْتَلَفَ أَهْلُهُ كَأَنْ تَعَارَفَ أَهْلُ بَلَدٍ أَوْ صَنْعَةٍ مَثَلًا وَزْنًا وَتَعَارَفَ آخَرُونَ خِلَافَهُ فَهَلْ يُعْتَبَرُ عُرْفُ كُلٍّ فَيُحْكَمُ عَلَى اللَّابِسِ بِالْحُرْمَةِ إنْ تَعَارَفَ أَهْلُ بَلَدِهِ أَوْ صَنْعَتِهِ كِبْرَهُ أَوْ لَا لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مُوجِبُ الْحُرْمَةِ أَوْ يُفَرِّقُ احْتِمَالَاتٍ لَمْ أَرَهَا وَقَدْ يُرَجَّحُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعُرْفِ أَهْلِ الْبَلْدَةِ أَوْ الصَّنْعَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ شَافِعِيٍّ قَلَّدَ الْحَنَفِيَّ فِي مَسْأَلَةٍ فِي الزَّكَاةِ وَهِيَ جَوَازُ إعْطَاءِ الْبِضَاعَةِ عَنْ النَّقْدِ وَجَوَازُ الِاقْتِصَارِ عَلَى صِنْفٍ أَوْ صِنْفَيْنِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْنَافِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا وَفِي أَيِّ كِتَابٍ هُوَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْمُخْتَصَرَاتِ فَضْلًا عَنْ الْمُطَوَّلَاتِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ فَقِيهٍ فِي قَرْيَتَيْنِ وَهُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ فِي إحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ مَزَارِعُ وَبَسَاتِينُ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْ الزَّكَاةِ وَالْعُشْرِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ زَكَاةِ هَاتَيْنِ الْقَرْيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْهُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ لِلْفَقِيهِ الْمَذْكُورِ مِنْ غَلَّةِ مَزَارِعِهِ وَبَسَاتِينِهِ مَا يَكْفِيهِ وَيَكْفِي عِيَالَهُ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ الزَّكَاةِ وَإِنْ قَلَّ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ قَبْلَ ذَلِكَ إلَى مُلَّاكِهِ وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَا يَكْفِيهِ وَيَكْفِي عِيَالَهُ الْمَذْكُورِينَ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ حَقِّ بَقِيَّةِ الْمُسْتَحِقِّينَ الَّذِينَ فِي بَلَدِ الْمَالِ فَإِنَّ الْمَالِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُفَرِّقَ زَكَاتَهُ عَلَى مَنْ فِي بَلَدِهِ مِنْ الْمُسْتَحِقِّينَ فَإِذَا كَانَ فِيهَا فُقَرَاءُ وَمَسَاكِينُ وَأَبْنَاءُ سَبِيلٍ وَهُمْ الْمُسَافِرُونَ أَوْ الْعَازِمُونَ عَلَى السَّفَرِ وَغَارِمُونَ وَهُمْ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ وَلَيْسَ فِيهَا غَيْرُ هَؤُلَاءِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ

стр. 326

لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ صِنْفٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ رُبُعَ زَكَاتِهِ وَيُفَرِّقُ رُبُعَهُ عَلَى كُلِّ صِنْفٍ عَلَى كُلِّ ثَلَاثَةٍ مِنْهُ فَأَكْثَرَ فَإِنْ فَضَلَ مِنْ زَكَاتِهِ عَنْ حَاجَاتِهِمْ نَقَلَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّينَ بِأَقْرَبِ بَلَدٍ إلَيْهِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّا إذَا أَخَذَ الْإِمَامُ مَالَ إنْسَانٍ غَصْبًا أَوْ تَعَدِّيًا فَنَوَى بِهِ الْأَخْذَ مِنْ الزَّكَاةِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي لَا نَقْلَ فِيهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى أَنَّ قَبْضَ الْإِمَامِ الزَّكَاةَ هَلْ هُوَ بِمَحْضِ الْوِلَايَةِ إذْ لَا يُشْتَرَطُ تَوْكِيلُ الْمُسْتَحِقِّينَ أَوْ بِحَالِهِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَكَالَةِ وَلَهُ نَظَرٌ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ دُونَ نَظَرِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَفَوْقَ مَرْتَبَةِ الْوَكِيلِ أَشَارَ إلَيْهِ السُّبْكِيّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَعَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا التَّفْصِيلُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ بِمَا نَوَاهُ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَآحَادِ النَّاسِ وَإِنَّمَا أَجْزَأَ قَبْضُ الْجَائِرِ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِجَوْرِهِ وَعَدَمِ الدَّفْعِ إلَيْهِ يُؤَدِّي لِفِتْنَةٍ وَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ مَا ائْتَمَنَهُ الشَّرْعُ عَلَيْهِ أَثِمَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لِجِهَةِ الزَّكَاةِ وَلَا كَذَلِكَ هَذِهِ الصُّورَةُ، وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ بِجِهَةِ الزَّكَاةِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ الْمُسْتَحِقُّ لِبُلُوغِ الْحَقِّ مَحَلَّهُ وَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَا بُدَّ فِي الْإِجْزَاءِ مِنْ عِلْمِهِ بِجِهَةِ مَا لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْقُطُ الْحَرَجُ عَنْ الْمَالِكِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْمَالِكُ الْحَالَ فَهُوَ مُقَصِّرٌ وَإِنْ عَلِمَ بِنِيَّتِهِ احْتَمَلَ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ أَيْضًا لِأَنَّهُ فِي الْغَصْبِ كَالْآحَادِ وَفِعْلُ الْجَائِزِ إنَّمَا يَصِحُّ إنْ طَابَقَ الشَّرْعَ وَيُحْتَمَلُ الْإِجْزَاءُ وَهُوَ الظَّاهِرُ إذْ قَصْدُ الْإِمَامِ الْمَذْمُومُ شَرْعًا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنْ الْإِجْزَاءِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَخْذِ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ الْعُشُورَ الْمَعْهُودَةَ فِي هَذَا الزَّمَنِ بِاسْمِ الزَّكَاةِ وَنَوَى بِهِ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ الزَّكَاةَ فَهَلْ يُسْقِطُ عَنْهُ بِهِ الْفَرْضَ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَسْقُطُ بِأَخْذِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَرْضُ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ لِأَنَّ الْأَمَامَ الْجَائِرَ كَالْعَادِلِ فِي الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا وَيَقَعُ لِبَعْضِ التُّجَّارِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ كَبِيرُ تَقْوَى وَيَغْلِبُ عَلَيْهِمْ الْبُخْلُ وَالْخِزْيُ أَنَّهُمْ يُكْثِرُونَ الْأَسْئِلَةَ عَمَّا يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ أَعْوَانُ السَّلَاطِينِ مِنْ الْمُكُوسِ هَلْ يَقَعُ عَنْهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ إذَا نَوَوْهَا فَنُجِيبُهُمْ بِمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ الْمُقَرَّرُ وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ بَعْضُ شُرَّاحِ الْإِرْشَادِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُحْسَبُ مِنْ زَكَوَاتِهِمْ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَأْخُذْهُ بِاسْمِ الزَّكَاةِ بَلْ بِاسْمِ الذَّبِّ عَنْهُمْ وَعَنْ أَمْوَالِهِمْ فَهُوَ وَأَعْوَانُهُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ فِي أَمْوَالِ التُّجَّارِ يَسْتَحِقُّ أَخْذَهُ قَهْرًا عَلَيْهِمْ وَلَوْ سَمِعَ هُوَ أَوْ بَعْضُ أَعْوَانِهِ عَنْ بَعْضِ التُّجَّارِ أَنَّهُ يَدْفَعُ لَهُمْ ذَلِكَ بِاسْمِ الزَّكَاةِ لَمَا قَبِلُوا مِنْهُ ذَلِكَ وَأَخَذُوهُ قَهْرًا عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ بَلْ رُبَّمَا أَذُوهُ وَسَبُّوهُ. وَالدَّفْعُ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ الْعَامِّ إنَّمَا يُجْزِئُ عَنْ الزَّكَاةِ حَيْثُ لَمْ يَمْتَنِعْ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ مِنْ أَخْذِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَوْ يَأْخُذُهُ بِقَصْدٍ مُغَايِرٍ لَهُ فَحِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ حُسْبَانُ مَا أَخَذَهُ عَنْ الزَّكَاةِ وَبَقِيَ مَانِعٌ آخَرُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ الدَّفْعَ إلَى السُّلْطَانِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَإِنَّمَا يَقَعُ الدَّفْعُ لِنَائِبِهِ الْعَامِّ أَوْ الْخَاصِّ وَالدَّفْعُ لِلنَّائِبِ الْعَامِّ وَهُوَ الْوَزِيرُ الْأَعْظَمُ أَوْ نَحْوُهُ مُتَعَسِّرٌ أَيْضًا وَإِنَّمَا الْوَاقِعُ وَالْمُتَيَسَّرُ الدَّفْعُ إلَى النَّائِبِ الْخَاصِّ وَهَذَا النَّائِبُ الْخَاصُّ لَا يُوَلُّونَهُ عَلَى أَخْذِ زَكَاةٍ بِوَجْهٍ وَإِنَّمَا يُوَلُّونَهُ عَلَى أَخْذِ الْعُشُورِ وَمُرَادُهُمْ بِهَا الْمُكُوسُ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ أَحْوَالِهِمْ وَعِبَارَاتِهِمْ وَعَادَاتِهِمْ فَمَنْ أَرَادَ الدَّفْعَ إلَيْهِمْ بِاسْمِ الزَّكَاةِ لَمْ يَدْفَعْهَا لِإِمَامٍ وَلَا لِنَائِبِهِ فِيهَا فَكَيْفَ تُجْزِئُ عَنْهُ فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَيُشَاعُ لَهُمْ فَإِنَّ بَعْضَ فَسَقَةِ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالتُّجَّارِ رُبَّمَا حَسِبُوا جَمِيعَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِنْ الْمُكُوسِ مِنْ الزَّكَوَاتِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِمْ وَمَا دَرَوْا أَنَّهُ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجَنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ وَتَقُولُ لَهُمْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ وَأَمْثَالِهِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. (وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ بِمَا لَفْظُهُ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ وَالصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - تُكْرَهُ اسْتِقْلَالًا وَلَا تُكْرَهُ تَبَعًا فَهَلْ قَوْلُ الْإِنْسَانِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَصَلِّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مَثَلًا مِنْ الشِّقِّ الْأَوَّلِ أَوْ مِنْ الشِّقِّ الثَّانِي فَمَا الَّذِي يَظْهَرُ لَكُمْ أَوْ تَفْهَمُونَهُ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ذَكَرْت فِي كِتَابِي فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا يُصَرِّحُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ

стр. 327

الِاسْتِقْلَالِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا السَّلَامَ عَلَى غَائِبٍ بِالصَّلَاةِ فِي الْكَرَاهَةِ فَاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِمَا فِي التَّشَهُّدِ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَهَذَا سَلَامٌ وَقَعَ اسْتِقْلَالًا وَلَمْ يُكْرَهْ فَأَجَبْتُ بِمَنْعٍ أَنَّ هَذَا وَقَعَ اسْتِقْلَالًا وَإِنَّمَا وَقَعَ تَبَعًا لِأَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ بِالِاسْتِقْلَالِ إلَّا مَا وَقَعَ مُنْفَرِدًا غَيْرَ تَابِعٍ لِغَيْرِهِ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُمْ عَلَّلُوا كَرَاهَةَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَقَدْ نُهِينَا عَنْ شِعَارِهِمْ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ شِعَارِهِمْ إنَّمَا هُوَ الِاسْتِقْلَالُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ ثُمَّ لَمَّا نَظَرْت فِي الْجَوَابِ عَمَّا فِي هَذَا السُّؤَالِ تَوَقَّفْتُ فِي أَنَّ ذَلِكَ اسْتِقْلَالٌ مِنْ حَيْثُ تَمْثِيلُهُمْ لِلتَّبَعِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ فَاقْتَضَى ظَاهِرُ هَذَا التَّمْثِيلِ أَنَّهُ مَتَى كَرَّرَ الْعَامِلَ خَرَجَ عَنْ التَّبَعِيَّةِ ثُمَّ رَأَيْت فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ مَا يُصَرِّحُ بِالْأَوَّلِ وَيَمْنَعُ ذَلِكَ التَّوَقُّفَ وَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ ذَلِكَ التَّمْثِيلِ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْحَابَ عَبَّرُوا بِعِبَارَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مُفَسِّرَةٌ لِلْأُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُمْ كَمَا عَبَّرُوا بِالِاسْتِقْلَالِ عَبَّرُوا بِالِابْتِدَاءِ فَقَالُوا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ ابْتِدَاءً. وَعِبَارَةُ النَّوَوِيِّ فِي مَجْمُوعِهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ وَتَابَعَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي إنْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ وَمَا قَالَاهُ خِلَافُ الْمَذْهَبِ وَخِلَافُ مَا قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ابْتِدَاءً فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ الْمُتَوَلَّيْ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ابْتِدَاءً وَمُقْتَضَى عِبَارَتِهِ التَّحْرِيمُ وَالْمَشْهُورُ الْكَرَاهَةُ اهـ الْمَقْصُودُ مِنْ عِبَارَتِهِ. وَعِبَارَةِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي تَعْلِيقِهِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى أَحَدٍ غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا تَجُوزُ عَلَى التَّبَعِيَّةِ انْتَهَتْ فَاسْتَفَدْنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَبَّرَ مِنْ الْأَصْحَابِ بِالِاسْتِقْلَالِ أَرَادَ بِهِ الِابْتِدَاءَ وَاسْتَفَدْنَا مِنْ عِبَارَةِ الْمَجْمُوعِ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ إنَّمَا عَبَّرُوا بِالِابْتِدَاءِ دُونَ الِاسْتِقْلَالِ وَحِينَئِذٍ اتَّضَحَ أَنَّ مَا فِي التَّشَهُّدِ لَيْسَ مِنْ الِاسْتِقْلَالِ كَمَا قَدَّمْتُهُ وَأَنَّ مَا فِي السُّؤَالِ كَذَلِكَ فَيَكُونُ غَيْرَ مَكْرُوهٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مُبْتَدَأً بِهِ وَإِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ وَلَا عِبْرَةَ بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ لِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يُسَمَّى تَابِعًا لِمَا قَبْلَهُ سَوَاءٌ أَكَانَ هُنَاكَ عَاطِفٌ كَمَا فِي السُّؤَالِ أَمْ لَا كَاللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مَثَلًا وَكَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مَثَلًا. وَوَجْهُهُ أَنَّ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ هُوَ مِنْ شِعَارِ الْمُبْتَدِعَةِ الَّذِي نُهِينَا عَنْهُ فَلَمْ يُكْرَهْ غَيْرُ الِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شِعَارِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ وَقَعَ تَابِعًا فِي اللَّفْظِ لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ لَا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ أَكْرَى مُزْرَعًا لِأَحَدٍ عَلَى أَنَّ لَهُ شَيْئًا مَعْلُومًا مِنْ الْغَلَّةِ كُلَّ سَنَةٍ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا أَخَذَ تِلْكَ الْأُجْرَةِ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاتَهَا إذَا بَلَغَتْ نِصَابًا أَوْ لَا وَإِذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا مَاذَا حُكْمُهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَلْزَمُهُ زَكَاةُ الْأُجْرَةِ إذَا كَانَتْ حَبًّا إلَّا إذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ وَوُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُهَا أَوْ نَقْدًا إلَّا إنْ مَضَى عَلَيْهِ حَوْلٌ مِنْ حِينِ مِلْكِهَا وَهِيَ نِصَابٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ ذَكَرَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَلَمْ يَجِدْهَا وَلَا ابْنُ لَبُونٍ فِي مَالِهِ وَلَا بِالثَّمَنِ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ قِيمَتَهَا وَنَبَّهَ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى أَنَّ قَضِيَّةَ ذَلِكَ أَنَّ الِانْتِقَالَ حِينَئِذٍ إلَى بِنْتِ اللَّبُونِ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْقِيمَةَ وَعَلَى أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ فِي سَائِرِ أَسْنَانِ الزَّكَاةِ اهـ فَهَلْ هَذَا الْكَلَامُ صَحِيحٌ أَمْ لَا فَإِنَّهُ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ الصُّعُودُ وَالنُّزُولُ وَفِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِابْنِ شُهْبَةَ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ الْمِنْهَاجِ فَإِنْ عُدِمَ بِنْتُ الْمَخَاضِ فَابْنُ لَبُونٍ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الصُّعُودُ وَالنُّزُولُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَكِنْ رَأَيْتُ بَعْدَ تَسْطِيرِ السُّؤَالِ لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ مَا لَفْظُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ مَا فِي الْمُهِمَّاتِ إذَا تَعَذَّرَ الصُّعُودُ وَالنُّزُولُ مَعَ الْجُبْرَانِ لِتَعَيُّنِ الْقِيمَةِ حِينَئِذٍ طَرِيقًا إلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ صَحِيحٌ وَتَقْيِيدُهُ الْمَنْقُولُ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا صَرَّحْت بِهِمَا فِي شَرْحِ الْعُبَابِ فِي مَحَلَّيْنِ وَعِبَارَتُهُ فِي أَوَّلِهِمَا وَلَوْ فَقَدَ الْوَاجِبَ وَبَدَّلَهُ الْمَذْكُورُ فِي مَالِهِ وَفَقَدَهُ بِالثَّمَنِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْهُ بِالشِّرَاءِ دَفَعَ الْقِيمَةَ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ أَوْ رَجَا حُصُولَ الْوَاجِبِ عَلَى

стр. 328

قُرْبٍ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَذَلِكَ لِضَرُورَةِ الْفَقْدِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَ الْأَدَاءِ لَا غَيْرُ كَمَا يَأْتِي وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدٌ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِ الْمِائَتَيْنِ الْآتِيَةِ وَإِنْ وَجَدَهُ أَيْ الْوَاجِبَ أَوْ بَدَّلَهُ بِالثَّمَنِ فَهَلْ يُطَالَبُ بِتَحْصِيلِ الْوَاجِبِ وَهُوَ بِنْتُ الْمَخَاضِ لِأَنَّهَا الْأَصْلَ فَإِنْ دَفَعَ ابْنَ لَبُونٍ قُبِلَ مِنْهُ أَوْ بِأَحَدِهِمَا بِأَنْ يُخَيَّرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ابْنِ اللَّبُونِ لِأَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي الْإِخْرَاجِ وَجْهَانِ نَقَلَهُمَا الشَّيْخَانِ وَالْمَجْمُوعُ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَمْ يُرَجِّحَاهُمَا وَلَا غَيْرُهُمَا مِنْهُمَا شَيْئًا فِيمَا عَلِمْت. وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي أَنَّا إذَا جَعَلْنَا الشَّاةَ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ أَصْلًا أَجْبَرْنَاهُ عَلَى أَدَائِهَا فَإِنْ أَدَّى الْبَعِيرَ قُبِلَ مِنْهُ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ رَجَّحَ التَّخْيِيرَ وَالْأَذْرَعِيُّ قَالَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَدِّ زَكَاتَك وَوَاجِبَ مَالِكَ إذْ لَوْ خُيِّرَ رُبَّمَا دَفَعَ الْأَدْنَى أَوْ نَصَّ لَهُ عَلَى بِنْتِ الْمَخَاضِ ظَنَّ تَعَيُّنَهَا عَلَيْهِ فَيَتَكَلَّفُهَا اهـ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ التَّعْبِيرُ بِبِنْتِ الْمَخَاضِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَقُولُ بِهِ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ لَا بِالْوَاجِبِ لِأَنَّهُ الَّذِي بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ طُولِبَ بِالْوَاجِبِ وَنَحْوِهِ فَلَا إشْكَالَ وَإِلَّا فَهَلْ يَنُصُّ لَهُ عَلَى بِنْتِ الْمَخَاضِ أَوْ يُخَيَّرُ وَفِيهِ مَا مَرَّ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَهُ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ الصُّعُودُ إلَى فَرْضٍ أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ وَبَدَلُهُ وَيَأْخُذُ الْجُبْرَانَ وَنَظَرَ فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ بِمِلْكِهِ ابْنُ لَبُونٍ إخْرَاجُهُ عَنْ بِنْتِ اللَّبُونِ وَيَأْخُذُ جُبْرَانًا ثُمَّ فَرَّقَ بِأَنَّهُ هُنَا فَاقِدٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِخِلَافِهِ ثُمَّ انْتَهَتْ وَعِبَارَتُهُ فِي ثَانِيهِمَا (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شِقْصٌ لِقِلَّتِهِ أُخِذَ مِنْهُ النَّقْدُ لِلضَّرُورَةِ) هَذَا لَا يُلَائِمُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ النَّقْدِ وَالشِّقْصِ إلَّا بِنَوْعِ تَعَسُّفٍ، وَالْمَجْمُوعُ، وَإِنْ عَبَّرَ بِنَظِيرِ ذَلِكَ لَكِنَّهُ غَايَرَ الْأُسْلُوبَ كَمَا يُعْلَمُ بِتَأَمُّلِ عِبَارَتِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ تَعَيَّنَ النَّقْدُ كَمَا عَبَّرْت بِهِ فِيمَا مَرَّ وَيُحْذَفُ التَّعْلِيلُ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ النَّقْدِ وَلَوْ مَعَ تَيَسُّرِ شِرَاءِ الشِّقْصِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ دَفْعُهُ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْوَاجِبِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ شِرَاءِ جُزْئِهِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْمُشَارَكَةِ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَعْدِلُ إلَى غَيْرِ الْجِنْسِ لِلضَّرُورَةِ كَفَاقِدِ شَاةٍ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ وَكَفَاقِدِ بِنْتِ مَخَاضٍ وَابْنِ لَبُونٍ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الْقِيمَةَ كَمَا مَرَّ عَلَى أَنَّ الْغَرَضَ جُبْرَانُ الْوَاجِبِ كَدَرَاهِمِ الْجُبْرَانِ وَإِلَيْهِ أَشَارُوا بِتَعْبِيرِهِمْ بِالْجَبْرِ. وَنَبَّهَ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى أَنَّ قَضِيَّةَ ذَلِكَ أَنَّ الِانْتِقَالَ عِنْدَ فَقْدِ بِنْتِ الْمَخَاضِ وَابْنِ اللَّبُونِ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إلَى بِنْتِ اللَّبُونِ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْقِيمَةَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي فِي سَائِرِ أَسْنَانِ الزَّكَاةِ أَيْ فَمَتَى فَقَدَ الْفَرْضَ فِي مَالِهِ وَلَمْ يَجِدْهُ بِالثَّمَنِ جَازَ إخْرَاجُ قِيمَتِهِ وَجَازَ لَهُ الصُّعُودُ وَالنُّزُولُ بِالْجُبْرَانِ وَعَدَمِهِ بِشَرْطِهِ وَمِمَّنْ اعْتَمَدَ ذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَخَذُوهُ مِنْ قَضِيَّةِ إطْلَاقِ الشَّيْخَيْنِ إخْرَاجَ الْقِيمَةِ فِي مَسْأَلَةِ فَقْدِ بِنْتِ الْمَخَاضِ وَابْنِ اللَّبُونِ الْمَذْكُورَةِ وَبِذَلِكَ مَعَ مَا مَرَّ عَنْ الْكِفَايَةِ مَعَ تَنْظِيرِ الزَّرْكَشِيّ فِيهِ وَجَوَابُهُ يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ يُحْتَمَلُ أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْهُ الصُّعُودُ وَلَا النُّزُولُ بِالْجُبْرَانِ انْتَهَتْ. وَبِتَأَمُّلِ الْعِبَارَتَيْنِ لَا سِيَّمَا مَا فِي الْأُولَى عَنْ الْكِفَايَةِ وَتَنْظِيرُ الزَّرْكَشِيّ مَعَ جَوَابِهِ عَنْهُ وَمَا فِي الثَّانِيَةِ مِنْ أَنَّهُ قَدْ يَعْدِلُ لِغَيْرِ الْجِنْسِ لِلضَّرُورَةِ اتَّضَحَ لَك صِحَّةُ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَأَنَّهُ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَأَنَّ تَقْيِيدَهُ بِعَدَمِ إمْكَانِ الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمُنَابَذَتِهِ لِمَا مَرَّ عَنْ الْكِفَايَةِ وَلِلْمَعْنَى لِأَنَّ فَقْدَ الْوَاجِبِ خَيَّرَهُ بَيْنَ بَذْلِ الْقِيمَةِ وَالصُّعُودِ وَالنُّزُولِ بِشَرْطِهِ وَقَدْ جَرَيْت عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ أَيْضًا وَعِبَارَتُهُ فِي شَرْحِ (فَإِنْ عَدِمَ بِنْتَ الْمَخَاضِ فَابْنُ لَبُونٍ) وَمَرَّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْهَا وَلَا ابْنَ لَبُونٍ فَرَّقَ قِيمَتَهَا وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ بِمَالِهِ سِنٌّ يُجْزِئُ وَأَمْكَنَ الصُّعُودُ إلَيْهِ مَعَ الْجُبْرَانِ وَإِلَّا وَجَبَتْ عَلَيْهِ عَلَى مَا بَحَثَهُ شَارِحٌ وَأَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ ابْنَ اللَّبُونِ بَدَلٌ وَقَدْ أَلْزَمُوهُ تَحْصِيلَهُ فَكَذَا هُنَا اهـ. وَفِي كُلٍّ مِنْ الْبَحْثِ وَالتَّأْيِيدِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ أَمَّا الْبَحْثُ فَلِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ فِي الْكِفَايَةِ وَجَرَى عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ وَالصُّعُودِ بِشَرْطِهِ كَمَا حَرَّرْتُهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي سَائِرِ أَسْنَانِ الزَّكَاةِ فَإِذَا فَقَدَ الْوَاجِبَ خُيِّرَ الدَّافِعُ بَيْنَ إخْرَاجِ قِيمَتِهِ أَوْ الصُّعُودِ أَوْ النُّزُولِ بِشَرْطِهِ وَأَمَّا التَّأْيِيدُ فَلِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْأَصْلِ فَكَيْفَ يُقَاسُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ حَتَّى يُقَالَ إذَا أُلْزِمَ بِتَحْصِيلِ الْبَدَلِ فَكَيْفَ يُلْزَمُ بِتَحْصِيلِ أَصْلٍ آخَرَ انْتَهَتْ

стр. 329

عِبَارَةُ شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِمَا لَفْظُهُ قَالَ الْأَئِمَّةُ فِي زَكَاةِ النَّقْدَيْنِ لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ مُكَسَّرٍ عَنْ صَحِيحٍ وَيُجْزِئُ عَكْسُهُ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا مَحَلُّ ذَلِكَ فِي النَّقْدِ الْخَالِصِ كَمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْإِطْلَاقُ أَمَّا الْمَغْشُوشُ كَالسَّوْدِ فَيُجْزِئُ الْمُكَسَّرُ عَنْ الصَّحِيحِ وَعَكْسُهُ وَلَوْ رَاجَ أَحَدُهُمَا فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ كَمَا جَرَيْت عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّ مَحَلَّ قَوْلِهِمْ لَا يُجْزِئُ الْمُكَسَّرُ عَنْ الصَّحِيحِ إذَا نَقَصَتْ قِيمَةُ الْمُكَسَّرِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فَإِنْ فُرِضَ اسْتِوَاؤُهُمَا اتَّجَهَ الْإِجْزَاءُ وَيُؤَيِّدُهُ جَعْلُ بَعْضِهِمْ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ هُنَا مَعْلُومًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَا يُجْزِئُ الْأَدْنَى عَنْ الْأَعْلَى فَأَفْهَمَ هَذَا أَنَّ سَبَبَ عَدَمِ إجْزَاءِ الْمُكَسَّرِ نَقْصُ قِيمَتِهِ لَا غَيْرُ وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ اتَّضَحَ فَسَادُ التَّقْيِيدِ بِالنَّقْدِ الْخَالِصِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُكَسَّرَ وَالصَّحِيحَ إذَا كَانَا مَغْشُوشَيْنِ اُشْتُرِطَ أَنْ يَبْلُغَ خَالِصُ الْمَغْشُوشِ مِنْهُمَا نِصَابًا يَقِينًا وَأَنْ يُخْرِجَ عَنْهُمَا خَالِصًا أَوْ مَغْشُوشًا خَالِصُهُ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ يَقِينًا وَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَطَوِّعًا بِالنُّحَاسِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ حَالَةُ الرَّوَاجِ وَحَالَةُ عَدَمِهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فَلَمْ تَبْقَ الْعِلَّةُ فِي عَدَمِ إجْزَاءِ الْمُكَسَّرِ عَنْ الصَّحِيحِ إلَّا مَا ذَكَرْته مِنْ نَقْصِ قِيمَةِ الْمُكَسَّرِ فَإِنْ نَقَصَتْ لَمْ يَجُزْ عَنْ الصَّحِيحِ سَوَاءٌ كَانَا مَغْشُوشَيْنِ أَوْ خَالِصَيْنِ أَمْ أَحَدُهُمَا صَحِيحًا وَالْآخَرُ خَالِصًا، وَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ أَجْزَأَ كَذَلِكَ فَلَا مَدْخَلَ لِلْغِشِّ وَالْخُلُوصِ فِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ فَتَأَمَّلْهُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ إنْسَانٍ وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَهُوَ فِي بَلَدٍ وَالْغَرِيمُ فِي بَلَدٍ آخَرَ هَلْ يَجِبُ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ فِي بَلَدِ الدَّائِنِ أَمْ الْمَدِينِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْعِبْرَةُ فِي هَذَا بِبَلَدِ الْمَدِينِ عَلَى الْأَوْجَهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَتَخَيَّرُ فِي إخْرَاجِهَا بِأَيِّ مَحَلٍّ شَاءَ وَبَيَّنْت مَا فِيهِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَأَعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مِنْ حِصَّةِ الْغَارِمِينَ وَأَخْرَجَهُ فِي غَيْرِ الدَّيْنِ هَلْ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَالِكِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ اكْتَسَبَ مَا يَفِي بِدَيْنِهِ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ صَرْفُ مَا أَخَذَهُ فِيهِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ كَمَا حَرَّرْتُهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْآخِذِ، وَأَمَّا الْمَأْخُوذُ مِنْهُ فَيَبْرَأُ بِقَبْضِ الْغَارِمِ، وَإِنْ لَمْ يَصْرِفْهُ فِي دَيْنِهِ عَلَى احْتِمَالٍ فِيهِ ذَكَرْتُهُ ثَمَّ. [بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ] (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِهِمْ فِي الْفِطْرَةِ أَنَّ الْأَبَ يُقَدَّمُ عَلَى الْأُمِّ عَكْسُ النَّفَقَةِ وَفَرَّقُوا هُنَاكَ بِأَنَّ الْفِطْرَةَ هُنَا لِتَطْهِيرِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ وَتَشْرِيفِهِ وَالْأَبُ أَحَقُّ بِهَذَا قَالُوا وَهَذَا الْفَرْقُ مَنْقُوضٌ بِتَقْدِيمِهِمْ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ عَلَى الْأَبَوَيْنِ وَهُمَا أَشْرَفُ مِنْهُ فَمَا يَكُون تَوْجِيهُ هَذَا الْفَرْقِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنِّي أَجَبْت عَنْ الْإِشْكَالِ الْمَذْكُورِ فِي الشَّرْحِ السَّابِقِ ذِكْرُهُ وَعِبَارَتُهُ ثُمَّ أَبَاهُ وَإِنْ عَلَا وَلَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ثُمَّ أُمُّهُ كَذَلِكَ عَكْسُ النَّفَقَةِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ لِأَنَّهَا لِلْحَاجَةِ وَالْأُمُّ أَحْوَجُ، وَأَمَّا الْفِطْرَةُ فَلِلتَّطْهِيرِ وَالشَّرَفِ وَالْأَبُ أَوْلَى بِهَذَا فَإِنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ وَيَشْرُفُ بِشَرَفِهِ وَمُرَادُهُمْ بِأَنَّهَا كَالنَّفَقَةِ فِي أَصْلِ التَّرْتِيبِ لَا كَيْفِيَّتِهِ اهـ وَأَبْطَلَ الْإِسْنَوِيُّ هَذَا الْفَرْقَ بِالْوَلَدِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ هُنَا عَلَى الْأَبَوَيْنِ وَهُمَا أَشْرَفُ مِنْهُ فَدَلَّ عَلَى اعْتِبَارِهِمْ الْحَاجَةِ فِي الْبَابَيْنِ اهـ وَيُرَدُّ بِأَنَّا لَا نَعْتَبِرُ الشَّرَفَ مُرَجَّحًا إلَّا مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ كَمَا فِي الْأَبِ وَالْأُمِّ إذْ هُوَ فِيهِمَا الْوِلَادَةُ وَهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِيهَا بِخِلَافِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَوٍ مَعَهُمَا فِي ذَلِكَ بَلْ هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ أَحْوَجُ فَلَا نَظَرَ إلَى الشَّرَفِ وَعَدَمِهِ حِينَئِذٍ فَجَزْمُ الْإِسْعَادِ وَغَيْرِهِ بِمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِيهِ نَظَرٌ ثُمَّ رَأَيْت الشَّارِحَ أَيْ الْجَوْجَرِيَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْتُهُ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي الْجَوَابِ عَمَّا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ. نَعَمْ قَدْ يَرُدُّ عَلَى فَرْقِ الْمَجْمُوعِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْأَبَ لِلْأُمِّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأُمِّ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مَنْسُوبًا إلَيْهِ وَلَا يَشْرُفُ بِشَرَفِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي مَوَاضِعَ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْأَبَ لِلْأُمِّ وَالْأُمَّ اتَّحَدَتْ جِهَتُهُمَا وَكُلُّ جِهَةٍ اتَّحَدَتْ ذُكُورُهَا أَشْرَفُ مِنْ إنَاثِهَا فَأَبُو الْأُمِّ أَشْرَفُ مِنْهَا فَقُدِّمَ عَلَيْهَا فَمُطْلَقُ الشَّرَفِ هُنَا هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَدَارُ، وَقَوْلُ الْمَجْمُوعِ فَإِنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ وَيَشْرُفُ بِشَرَفِهِ خَاصٌّ بِالْأَبِ حَقِيقَةً فَفِي فَرْقِهِ قُصُورٌ عَنْ إفَادَةِ وَجْهِ تَقْدِيمِ أَبِي الْأُمِّ

стр. 330

عَلَيْهَا مَعَ كَوْنِهَا أَقْرَبَ مِنْهُ وَأَحْوَجَ وَقَدْ عَلِمْت وَجْهَ تَقْدِيمِهِ مِمَّا قَرَّرْتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ فِي نِيَّةِ زَكَاةِ الْفِطْرِ هَلْ يَكْفِي فِيهَا أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى نَوَيْت هَذِهِ فِطْرَتِي أَوْ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُنِي فِطْرَتُهُ مَثَلًا فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُضِيفَهَا إلَى فَرْضِيَّةٍ أَوْ وُجُوبٍ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَتَّجِهُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ إجْزَاءُ نِيَّةِ هَذِهِ فِطْرَتِي لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَ الْوَاجِبِ الْخَاصِّ فَهِيَ أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ مِنْ هَذِهِ زَكَاتِي لِأَنَّ هَذِهِ إذَا أَجْزَأَتْ مَعَ شُمُولِهَا لِزَكَاةِ الْمَالِ وَالْبَدَنِ فَأَوْلَى أَنْ يُجْزِئُ هَذِهِ فِطْرَتِي لِأَنَّهَا لَا تَشْمَلُ غَيْرَ الْمُخْرَجِ عَنْ الْبَدَنِ عِنْدَ انْقِضَاءِ رَمَضَانَ إذْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ لِذَلِكَ شَرْعًا فَلَا إيهَامَ فِيهَا بِوَجْهٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ هَلْ يَجِبُ فِطْرَةُ الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَجِبُ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لَهُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ قَالُوا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ يُقَدِّمُ أَبَاهُ ثُمَّ أَمَّهُ وَعَكَسُوا فِي النَّفَقَاتِ وَفَرَّقَ فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ لِلْحَاجَةِ وَالْأُمُّ أَحْوَجُ وَالْفِطْرَةُ إنَّمَا وَجَبَتْ لِلتَّطْهِيرِ وَالشَّرَفِ وَالْأَبُ أَوْلَى بِذَلِكَ لِأَنَّ بِشَرَفِهِ يَشْرُفُ الِابْنُ وَنَقَضَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِتَقْدِيمِ الِابْنِ الصَّغِيرِ عَلَى الْأَبِ فَهَلْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ إنَّمَا نَظَرُوا لِذَلِكَ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ دُونَ الِابْنِ الصَّغِيرِ وَالْأَبِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَوَّلَيْنِ مَعَ عَجْزِهِ مُحْتَاجٌ إلَى التَّطْهِيرِ لَكِنَّ احْتِيَاجَ الْأَبِ إلَيْهِ أَشَدُّ لِمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ فَقُدِّمَ عَلَى الْأُمِّ، وَأَمَّا الْوَلَدُ الصَّغِيرُ فَلَمْ يُشَارِكْ الْأَبَ فِي الِاحْتِيَاجِ لِلتَّطْهِيرِ الَّذِي هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأَبُ بَلْ شَارَكَهُ فِي الْعَجْزِ فَقَطْ وَلَكِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ أَكْثَرَ فَقُدِّمَ عَلَى الْأَبِ لِذَلِكَ كَمَا يَدُلُّ لَهُ تَعْلِيلُ الْأَصْحَابِ. (سُئِلَ) ﵁ عَنْ رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا طَعَامٌ مُشْتَرَكٌ وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَمْدَادٍ أَوْ أَكْثَرُ يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ فَنَوَيَاهُ فِطْرَةً وَفَرَّقَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفْرِزَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا يَخُصُّهُ هَلْ يُجْزِئُهُمَا ذَلِكَ فِي الْفِطْرَةِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يُجْزِئُهُمَا ذَلِكَ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي زَكَاةِ الْمَالِ وَالْفِطْرَةِ فِي فُرُوعٍ مِنْهَا مَا لَوْ كَانَ لِثَلَاثَةٍ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ وَفِي قِسْمَةِ الزَّكَوَاتِ فِي جَمْعِ جَمَاعَةٍ لِفِطْرَتِهِمْ وَقِسْمَتِهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ وَفِي الْكَفَّارَةِ فِيمَا لَوْ دَفَعَ السِّتِّينَ صَاعًا مُشَاعًا إلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا وَقَالَ مَلَّكْتُكُمْ هَذَا وَأَطْلَقَ أَوْ قَالَ بِالسَّوِيَّةِ فَقَبِلُوهُ وَفِي الْأُضْحِيَّةِ فِيمَا لَوْ اشْتَرَكَ السَّبْعَةُ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ. فَإِنْ قُلْت صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاكُ اثْنَيْنِ فِي شَاتَيْنِ لِيَقَعَ عَنْ كُلٍّ نِصْفُهَا قُلْت ذَاكَ إنَّمَا خَرَجَ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ لِمَعْنًى هُوَ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ التَّضْحِيَةِ فِدَاءُ النَّفْسِ وَالشَّارِعُ فِي الشَّاةِ لَمْ يَجْعَلْ الْفِدَاءَ إلَّا كَامِلًا فَلَوْ جَازَتْ الشَّرِكَةُ فِيهَا كَمَا ذُكِرَ لَمْ يَقَعْ عَنْ كُلٍّ إلَّا نِصْفٌ مِنْ كُلٍّ فَلَمْ تَقَعْ عَنْهُ شَاةٌ كَامِلَةٌ وَلَا إرَاقَةُ دَمٍ مُسْتَقِلٍّ فَامْتَنَعَ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْمَقْصُودِ مِنْ التَّضْحِيَةِ بِالشَّاةِ بِخِلَافِ التَّضْحِيَةِ بِالْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ كُلَّ سَبْعٍ قَائِمًا مَقَامَ شَاةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا مُشَاعًا فَإِنْ قُلْت الْإِشَاعَةُ ضَرُورِيَّةٌ هُنَا إذْ لَا يُمْكِنُ خِلَافُهَا كَمَا تَقَرَّرَ فَلِذَا جَازَتْ بِخِلَافِهَا فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً قُلْت لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا ضَرُورِيَّةٌ كَيْفَ وَقَصْرُ الْجَوَازِ عَلَى التَّضْحِيَةِ بِالْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ عَنْ وَاحِدٍ فَقَطْ لَا مَحْذُورَ فِيهِ وَلَا نَوْعَ مَشَقَّةٍ. عَلَى أَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ مَعَ تَجْوِيزِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الشَّاةِ فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمَلْحَظَ لَيْسَ هُوَ ضَرُورَةُ الْإِشَاعَةِ بَلْ عَدَمُ مَحْذُورٍ فِي الْإِشَاعَةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَحْذُورٌ هُنَا فَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ. [بَابُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ] (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَى سَائِلٍ مُلِحٍّ فِي سُؤَالِهِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْحَاجَةَ لَمَا أَعْطَاهُ وَكَانَ يَرْجُو خَلَاصَهُ مِنْهُ وَنَوَى عِنْدَ التَّصَدُّقِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى هَلْ يَكُونُ لَهُ ثَوَابٌ أَوْ لَا وَلَوْ تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرٍ لِفَقْرِهِ أَوْ لِقَصْدِهِ إيَّاهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ إحْضَارِ نِيَّةِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى هَلْ يَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي حَرَّرْتُهُ فِي حَاشِيَتِي عَلَى مَنَاسِكِ النَّوَوِيِّ ﵀ الْكُبْرَى عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَأَصْحَابِهِ ﵏ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي مَجْمُوعِهِ لَوْ حَجَّ بِنِيَّةِ الْحَجِّ وَالتِّجَارَةِ كَانَ لَهُ ثَوَابٌ دُونَ ثَوَابِ الْمُتَخَلِّي عَنْ التِّجَارَة أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]

стр. 331

أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافُ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي اجْتِمَاعِ نِيَّةِ الطُّهْرِ وَنَحْوِ التَّبَرُّدِ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَمِلَ طَاعَةً وَشَرَّكَ مَعَهَا مُبَاحًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّشْرِيكُ مُحْبِطًا لِثَوَابِهَا مِنْ أَصْلِهِ بَلْ لَهُ ثَوَابٌ بِقَدْرِ قَصْدِهِ الطَّاعَةَ لَكِنَّهُ دُونَ ثَوَابِ مَنْ لَمْ يُشَرِّكْ، وَقَوْلُهُ ﷺ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ» هُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ يُحْمَلُ لِيُوَافِقَ الْآيَةَ عَلَى مَنْ رَاءَى بِعَمَلِهِ وَالرِّيَاءُ مُحْبِطٌ لِلْعَمَلِ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُفَسِّقٌ لِصَاحِبِهِ يُخْرِجُ الْعَمَلَ عَنْ كَوْنِهِ طَاعَةً وَقُرْبَةً مِنْ أَصْلِهِ لِمُنَافَاتِهِ لَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَمْ يُمْكِنْ مُجَامَعَةُ الثَّوَابِ لَهُ. وَأَمَّا ضَمُّ قَصْدٍ مُبَاحٍ إلَى الْعَمَلِ فَهُوَ لَا يُنَافِيهِ فَأُثِيبَ عَلَى قَصْدِهِ الطَّاعَةَ بِقَدْرِ قَصْدِهِ، وَإِنْ ضَعُفَ لِأَنَّ قَصْدَهُ إيَّاهَا قُرْبَةٌ وَلَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهَا مَا يَقْتَضِي إسْقَاطَهَا فَلَمْ يُحْرَمْ ثَوَابَهَا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَتَى قَصَدَ الْمُتَصَدِّقُ بِإِعْطَائِهِ الْفَقِيرَ وَجْهَ اللَّهِ وَمَنَعَهُ مِنْ الْإِلْحَاحِ الْمُضِرِّ لِلنَّاسِ فَهَذَا لَا شَكَّ فِي ثَوَابِهِ أَتَمُّ الثَّوَابِ وَأَكْمَلُهُ لِأَنَّهُ قَصَدَ طَاعَتَيْنِ وُصُولَ بِرٍّ إلَيْهِ وَمَنْعَهُ مِنْ مَعْصِيَةِ الْإِيذَاءِ أَوْ الْإِضْرَارِ، وَإِنْ قَصَدَ مَعَ الْأَوَّلِ مَنْعَهُ مِنْ الْإِلْحَاحِ الْمُضِرِّ لَهُ بِخُصُوصِهِ كَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ فَكَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْقُرْبَةَ وَالصَّدَقَةَ لَكِنَّ ثَوَابَهُ دُونَ ثَوَابِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ فِي الْأَوَّلِ تَعُودُ مَنْفَعَتُهُ عَلَى الْغَيْرِ وَفِي الثَّانِي عَلَى النَّفْسِ فَرُبَّمَا يَقْصِدُ حَظَّهَا وَالظَّاهِرُ إثَابَتُهُ أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ عَدَمُ الصَّارِفِ لَا نِيَّةُ الْقُرْبَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ السُّبْكِيّ وَالزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَخْذًا مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ ﵀ وَغَيْرِهِ فِي حَدِّ الْأَصْحَابِ الصَّدَقَةَ بِأَنَّهَا تَمْلِيكُ مُحْتَاجٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ لَا نَعْتَبِرُ الْحَاجَةَ قَيْدًا بَلْ كَوْنُهَا لِمُحْتَاجٍ هُوَ أَظْهَرُ أَنْوَاعِهَا الْغَالِبِ مِنْهُ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ. قَالُوا وَتَمْلِيكُ الْمُحْتَاجِ لَا مَعَ اسْتِحْضَارِ الثَّوَابِ صَدَقَةٌ أَيْضًا فَالشَّرْطُ إمَّا الْحَاجَةُ أَوْ قَصْدُ الثَّوَابِ وَتَمْلِيكُ الْغَنِيِّ لَا بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ وَالثَّوَابِ إمَّا هِبَةٌ أَوْ هَدِيَّةٌ [كِتَابُ الصَّوْمِ] ِ (وَسُئِلَ) ﵁ قَالَ فِي طَهَارَةِ الْقُلُوبِ لِعَلَّامِ الْغُيُوبِ: شَهْرُ رَجَبٍ شَهْرُ الْحَرْثِ فَاتَّجِرُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ فِي رَجَب فَإِنَّهُ مَوْسِمُ التِّجَارَةِ وَاعْمُرُوا أَوْقَاتَكُمْ فِيهِ فَهُوَ أَوَانُ الْعِمَارَةِ. رُوِيَ أَنَّهُ مَنْ صَامَ مِنْ رَجَب سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُغْلِقَتْ عَنْهُ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ، وَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا الدُّنْيَا فِيهِ كَمَفْحَصِ الْقَطَاةِ لَا يَدْخُلُهُ إلَّا صَوَّامُ رَجَب وَقَالَ وَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: جَمِيعُ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ تَزُورُ زَمْزَمَ فِي رَجَب تَعْظِيمًا لِهَذَا الشَّهْرِ قَالَ وَقَرَأْت فِي بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى مَنْ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى فِي رَجَبٍ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَتُبْ عَلَيَّ سَبْعِينَ مَرَّةٍ لَمْ تَمَسَّ النَّارُ جِلْدَهُ أَبَدًا ثُمَّ قَالَ بَعْد ذَلِكَ بِأَوْرَاقٍ كَثِيرَةٍ وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ فَاتَهُ وِرْدُهُ فَصَلَّاهُ قَبْلَ الظُّهْرِ فَكَأَنَّمَا صَلَّاهُ فِي وَقْتِهِ» اهـ وَقَدْ وَرَدَ عَلَيْنَا جَوَابُكُمْ الشَّرِيفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ جَوَابٌ شَافٍ وَقَدْ حَصَلَ بِهِ النَّفْعُ لِي وَلِمَنْ سَمِعَهُ لَكِنَّ الْفَقِيهَ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكُمْ فِي السُّؤَالِ يَنْهَى النَّاسَ عَنْ صَوْمِهِ وَيَقُولُ: أَحَادِيثُ صَوْمِ رَجَب مَوْضُوعَةٌ وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ الْحَدِيثُ الْمَوْضُوعُ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَقَدْ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ. اهـ فَالْمَسْئُولُ مِنْكُمْ زَجْرُ هَذَا النَّاهِي حَتَّى يَتْرُكَ النَّهْيَ وَيُفْتِيَ بِالْحَقِّ، وَاذْكُرُوا لَنَا مَا يَحْضُركُمْ مِنْ كَلَام الْأَئِمَّةِ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِأَنِّي قَدَّمْت لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَا فِيهِ كِفَايَة، وَأَمَّا اسْتِمْرَارُ هَذَا الْفَقِيهِ عَلَى نَهْيِ النَّاسِ عَنْ صَوْمِ رَجَب فَهُوَ جَهْلٌ مِنْهُ وَجُزَافٌ عَلَى هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ فَإِنْ لَمْ يَرْجِع عَنْ ذَلِكَ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَى حُكَّامِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ زَجْرُهُ وَتَعْزِيرُهُ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ الْمَانِعَ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ مِنْ الْمُجَازَفَةِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَأَنَّ هَذَا الْجَاهِلَ يَغْتَرُّ بِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ جَهَنَّمَ تُسَعَّرُ مِنْ الْحَوْلِ إلَى الْحَوْلِ لِصَوَّامِ رَجَب وَمَا دَرَى هَذَا الْجَاهِلُ الْمَغْرُورُ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ كَذِبٌ لَا تَحِلُّ رِوَايَتُهُ كَمَا ذَكَرُهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ وَنَاهِيكَ بِهِ حِفْظًا لِلسُّنَّةِ وَجَلَالَةً فِي الْعُلُومِ وَيُوَافِقهُ إفْتَاءُ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ مَنْعِ صَوْمِ رَجَب وَتَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ وَهَلْ يَصِحُّ نَذْرُ صَوْمِ جَمِيعِهِ فَقَالَ فِي جَوَابِهِ نَذْرُ صَوْمِهِ صَحِيحٌ لَازِمٌ يَتَقَرَّبُ إلَى

стр. 332

اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ وَاَلَّذِي نَهَى عَنْ صَوْمِهِ جَاهِلٌ بِمَأْخَذِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَكَيْف يَكُونُ مُنْهَيَا عَنْهُ مَعَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الَّذِينَ دَوَّنُوا الشَّرِيعَةَ لَمْ يَذْكُر أَحَدٌ مِنْهُمْ انْدِرَاجَهُ فِيمَا يُكْرَه صَوْمُهُ بَلْ يَكُونُ صَوْمُهُ قُرْبَةً إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ التَّرْغِيبِ فِي الصَّوْمِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ» ، وَقَوْلُهُ ﷺ «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» ، وَقَوْلُهُ «إنَّ أَفْضَلَ الصِّيَامِ صِيَامُ أَخِي دَاوُد كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» وَكَانَ دَاوُد يَصُومُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَا عَدَا رَجَبًا مِنْ الشُّهُورِ وَمَنْ عَظَّمَ رَجَبًا بِجِهَةٍ غَيْرِ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ يُعَظِّمُونَهُ بِهِ فَلَيْسَ مُقْتَدِيًا بِهِمْ وَلَيْسَ كُلُّ مَا فَعَلُوهُ مَنْهِيًّا عَنْ فِعْلِهِ إلَّا إذَا نَهَتْ الشَّرِيعَةُ عَنْهُ أَوْ دَلَّتْ الْقَوَاعِدُ عَلَى تَرْكِهِ وَلَا يُتْرَكُ الْحَقُّ لِكَوْنِ أَهْلِ الْبَاطِلِ فَعَلُوهُ وَاَلَّذِي يَنْهَى عَنْ صَوْمِهِ جَاهِلٌ مَعْرُوفٌ بِالْجَهْلِ وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِي دِينِهِ إذْ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ إلَّا لِمَنْ اُشْتُهِرَ بِالْمَعْرِفَةِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِمَآخِذِهَا وَاَلَّذِي يُضَاف إلَيْهِ ذَلِكَ بَعِيدٌ عَنْ مَعْرِفَةِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُقَلِّد فِيهِ وَمَنْ قَلَّدَهُ غُرَّ بِدِينِهِ اهـ جَوَابُهُ فَتَأَمَّلْ كَلَامَ هَذَا الْإِمَامِ تَجِدهُ مُطَابِقًا لِهَذَا الْجَاهِل الَّذِي يَنْهَى أَهْلَ نَاحِيَتِكُمْ عَنْ صَوْمِ رَجَب وَمُنْطَبِقًا عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ هَذَا أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُقْصَدُ بِمِثْلِ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ بَعْضَ الْمَنْسُوبِينَ إلَى الْعِلْمِ مِمَّنْ زَلَّ قَلَمُهُ وَطَغَى فَهْمُهُ فَقَصْد هُوَ وَابْنُ الصَّلَاحِ الرَّدَّ عَلَيْهِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَكْفِي فِي فَضْلِ صَوْمِ رَجَب مَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضْلِ مُطْلَقِ الصَّوْمِ وَخُصُوصِهِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَيْ كَحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِمَا عَنْ الْبَاهِلِيِّ «أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتُك عَامَ الْأَوَّلِ قَالَ: فَمَا لِي أَرَى جِسْمَك نَاحِلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَكَلْت طَعَامًا بِالنَّهَارِ مَا أَكَلْته إلَّا بِاللَّيْلِ قَالَ مَنْ أَمَرَك أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَك قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَقْوَى قَالَ صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَصُمْ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ» وَفِي رِوَايَةٍ «صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ وَيَوْمًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ قَالَ زِدْنِي فَإِنَّ لِي قُوَّةً قَالَ صُمْ يَوْمَيْنِ قَالَ زِدْنِي فَإِنَّ لِي قُوَّةً قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَصُمْ مِنْ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنْ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ وَقَالَ بِأُصْبُعِهِ الثَّلَاثِ يَضُمُّهَا ثُمَّ يُرْسِلُهَا» قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالتَّرْكِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ إكْثَارُ الصَّوْمِ كَمَا ذَكَره فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ فَأَمَّا مَنْ لَا يَشُقّ عَلَيْهِ فَصَوْمُ جَمِيعِهَا فَضِيلَةٌ. فَتَأَمَّلْ أَمْرَهُ ﷺ بِصَوْمِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَبِالصَّوْمِ مِنْهَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ تَجِدهُ نَصًّا فِي الْأَمْرِ بِصَوْمِ رَجَب أَوْ بِالصَّوْمِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ بَلْ هُوَ مِنْ أَفْضَلِهَا فَقَوْلُ هَذَا الْجَاهِلِ إنَّ أَحَادِيثَ صَوْمِ رَجَب مَوْضُوعَةٌ إنْ أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى صَوْمِهِ عُمُومًا وَخُصُوصًا فَكِذْبٌ مِنْهُ وَبُهْتَان فَلْيَتُبْ عَنْ ذَلِكَ، وَإِلَّا عُزِّرَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ نَعَمْ. رُوِيَ فِي فَضْلِ صَوْمِهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَوْضُوعَةٌ، وَأَئِمَّتُنَا وَغَيْرُهُمْ لَمْ يُعَوِّلُوا فِي نَدْبِ صَوْمِهِ عَلَيْهَا حَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا عَوَّلُوا عَلَى مَا قَدَّمْته وَغَيْره وَمِنْهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ أَنَسٍ يَرْفَعهُ «أَنَّ فِي الْجَنَّةِ نَهْرًا يُقَالُ لَهُ رَجَبٌ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ، مَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ يَوْمًا سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ» وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ يَرْفَعهُ «مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَجَبٍ كَانَ كَصِيَامِ سَنَةٍ وَمَنْ صَامَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ غُلِّقَتْ عَنْهُ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَمَنْ صَامَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَمَنْ صَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا نَادَى مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ قَدْ غُفِرَ لَك مَا سَلَفَ فَاسْتَأْنِفْ الْعَمَلَ وَقَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُك حَسَنَاتٍ، وَمَنْ زَادَ زَادَهُ اللَّهُ» . ثُمَّ نَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ الْحَاكِمِ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي قِلَابَةَ وَهُوَ مِنْ التَّابِعِينَ فَمِثْلُهُ لَا يَقُولُهُ إلَّا عَنْ بَلَاغٍ عَمَّنْ قَوْلُهُ مِمَّا يَأْتِيه الْوَحْيُ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَصُمْ بَعْدَ رَمَضَانَ إلَّا رَجَبَ وَشَعْبَانَ» ثُمَّ قَالَ إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ اهـ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ وَالْمُرْسَلَ وَالْمُنْقَطِعَ وَالْمُعْضِلَ، وَالْمَوْقُوفَ يُعْمَلُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ إجْمَاعًا وَلَا شَكَّ أَنَّ صَوْمَ رَجَبٍ مِنْ

стр. 333

فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ فَيُكْتَفَى فِيهِ بِالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَنَحْوِهَا وَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلَّا جَاهِلٌ مَغْرُورٌ وَرَوَى الْأَزْدِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ مِنْ حَدِيثِ السُّنَنِ «مَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ شَهْرٍ حَرَامٍ الْخَمِيسَ وَالْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةَ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ» وَلِلْحَلِيمِيِّ فِي صَوْمِ رَجَب كَلَامٌ مُحْتَمَلٌ فَلَا تَغْتَرُّ بِهِ فَإِنَّ الْأَصْحَابَ عَلَى خِلَافِ مَا قَدْ يُوهِمهُ كَلَامُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ مَسْأَلَةٍ سُئِلَ عَنْهَا بَعْضُ الْمُفْتِينَ مِنْ أَكَابِرِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ أَهْلِ بَجِيلَةَ يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَصُومُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَصُومُ بِالِاسْتِفَاضَةِ فَقَطْ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَصُومُ حَتَّى يَرَى الْهِلَالَ بِنَفْسِهِ أَوْ يَسْتَكْمِلَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا. فَمَا يَكُون الْحُكْمُ فِيهِمْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ؟ نَعَمْ إذَا رُئِيَ الْهِلَالُ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَلَمْ يُرَ بِأَرْضِ بَجِيلَةَ فَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ ذَلِكَ الْمُفْتِي بِأَنَّ الَّذِينَ يَصُومُونَ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُمْ لِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ ﵃ يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ أَنْ تَكُونَ عِنْد الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ شَهَادَةٌ فَلَا تَثْبُت فِي حَقِّ عُمُومِ النَّاسِ مَا لَمْ تَتَّصِل بِالْحَاكِمِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ جَلَالُ الدِّينِ الْمَحَلِّيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَلَا بُدّ مِنْ الْوُجُوبِ عَلَى مَنْ لَمْ يَرَهُ مِنْ ثُبُوتِ رُؤْيَتِهِ عِنْد الْقَاضِي اهـ قَالَ الْإِمَامُ شِهَابُ الدِّينِ الْأَذْرَعِيُّ: وَتُعْتَبَرُ الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ بِالِاسْتِزْكَاءِ اهـ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَلَا يَكْتَفِي الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ حَتَّى يَعْرِفَ الْعَدَالَةَ الْبَاطِنَةَ وَفِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرهَا أَنَّ الْقَاضِيَ يَعْسُر عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهَا قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ: وَالْقَاضِي لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْهَا. قَالَ الْإِمَامُ زَيْنُ الدِّينِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْمَدَنِيِّ: وَالْبَحْثُ عَنْ حَالَ الشُّهُودِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ الشَّيْخَانِ، وَإِذَا لَمْ يَعْرِف الْقَاضِي مِنْ الشُّهُودِ عَدَالَةً وَلَا فِسْقًا لَا يَجُوز لَهُ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ إلَّا بَعْد الِاسْتِزْكَاءِ وَالتَّعْدِيل بَلْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ: الشَّهَادَةُ بِالْمَالِ وَغَيْره؛ لِأَنَّ تَزْكِيَةَ الشُّهُودِ إلَى الْحَاكِمِ دُون غَيْرِهِ نَعَمْ إطْلَاقهمْ يَشْمَلُ الْقُرَى وَالْبَوَادِي الَّتِي لَيْسَ فِيهَا قَاضٍ، وَإِطْلَاقُ الْأَئِمَّةِ إذَا شَمَلَ بَعْضَ الْأَحْكَامِ وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ، وَخَالَفَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فَصَرَّحَ بِخِلَافِ مَا شَمَلَهُ إطْلَاقُهُمْ فَالصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ مَا شَمَلَهُ إطْلَاقُهُمْ كَمَا فِي مَوَاضِعِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالْمُهِمَّاتِ وَأَفْتَى بِذَلِكَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ وَالْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ: لَا أَثَرَ لِلشَّهَادَةِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ عِنْد غَيْرِ الْحَاكِمِ الْمَنْصُوبِ لِذَلِكَ وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا حُكْمٌ صَحِيحٌ وَذَلِكَ مَا يَقْتَضِيه نُصُوصُ الْمَذْهَبِ وَمَفَاهِيمه، فَإِنْ كَانَ فِي هَذِهِ الشَّاغِرَةِ عَنْ الْحُكَّامِ مَنْ يُسْمَعُ كَلَامُهُ وَيُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَنُصِّبَ فِي الْبَلَدِ عَارِفًا بِالْأَحْكَامِ فَقِيهًا نَفَذَ حُكْمُهُ، وَسَمَاعُهُ أَدَاءَ الشَّهَادَاتِ بِمَا يَقْتَضِيه الشَّرْعُ الشَّرِيفُ كَمَا ذَكَره فِي الْعَزِيزِ وَالرَّوْضَةِ وَالْأَنْوَارِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَنْ هُوَ كَذَلِكَ يَتَعَيَّن عِنْد أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ تَوْلِيَةُ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى مَنْ وَلَّوْهُ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ وَالْحُكْمُ بِمَا يَقْتَضِيه الشَّرْعُ الشَّرِيفُ فِي ذَلِكَ وَغَيْره اهـ ثُمَّ وَرَدَ هَذَا الْجَوَابُ عَلَى بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فَكَتَبَ تَحْتَهُ هَذَا الْجَوَابَ صَحِيحٌ اهـ. وَقَدْ ذَكَر الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي أَنَّهُ إذَا خَلَا الْبَلَدُ عَنْ قَاضٍ وَخَلَا الْعَصْرُ عَنْ إمَامٍ فَقَلَّدَ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ أَوْ بَعْضُهُمْ بِرِضَا الْبَاقِينَ وَاحِدًا وَأَمْكَنَهُمْ نُصْرَتَهُ عَلَى تَنْفِيذِ أَحْكَامِهِ وَتَقْوِيَةِ يَدِهِ جَازَ تَقْلِيدُهُ وَلَوْ انْتَفَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهُ حَتَّى لَوْ قَلَّدَ بَعْضُهُمْ وَأَنْكَرَ الْبَعْضُ لَمْ يَصِحَّ اهـ كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهُ النَّهَارِيُّ الْيَمَنِيُّ فِي كِفَايَتِهِ عَنْ الرُّويَانِيِّ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ عَلَيْهِ وَقَدْ سُئِلَ الْأَصْبَحِيُّ عَمَّا إذَا عُدِمَ فِي قُطْرٍ ذُو شَوْكَةٍ وَحَاكِمٍ، فَهَلْ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَلّ وَالْعَقْدِ نَصْبُ فَقِيهٍ يَتَعَاطَى الْأَحْكَامَ؟ فَأَجَابَ نَعَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَئِيسٌ يَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَيْهِ، اجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَلّ وَالْعَقْد وَنَصَّبُوا قَاضِيًا صِفَتَهُ صِفَةَ الْقُضَاةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الثَّلَاثَةِ صِفَةُ الْكَمَالِ كَمَا فِي نَصْبِ الْإِمَامِ اهـ. وَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّهَادَةَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ إذَا لَمْ تَكُنْ عِنْد مَنْصُوبٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ كَمَا سَبَقَ بَلْ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَالْجَمَالُ الْيَمَنِيُّ: إذَا

стр. 334

تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ وَلَمْ يَثْبُت عِنْد قَاضٍ فَهُوَ يَوْمُ شَكٍّ، وَأَمَّا الَّذِينَ يَصُومُونَ بِالِاسْتِفَاضَةِ فَلَا يَصِحُّ صَوْمُهُمْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْهِلَالَ لَا يَثْبُت بِالِاسْتِفَاضَةِ بَلْ هُوَ يَوْمُ شَكٍّ فَفِي الْعَزِيزِ وَالرَّوْضَةِ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي الْأَلْسُنِ أَنَّهُ رُئِيَ الْهِلَالُ وَلَمْ يَقُلْ عَدْلٌ أَنَا رَأَيْتُهُ أَوْ قَالَهُ وَلَمْ يَقْبَل الْوَاحِدُ أَوْ قَالَهُ عَدَدٌ مِنْ النِّسَاءِ أَوْ الْعَبِيدِ أَوْ الْفُسَّاقِ فَظُنَّ صِدْقُهُمْ فَهُوَ يَوْمُ شَكٍّ اهـ وَعِبَارَةُ الْوَلِيِّ الْعِرَاقِيِّ إذَا شَهِدَ عَدَدٌ مِنْ الْفُسَّاقِ أَوْ ظُنَّ صِدْقُهُمْ فَهُوَ يَوْمُ شَكٍّ،، وَقَوْلُهُ اثْنَانِ فَأَكْثَر يَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ أَيْ وَهُوَ يَوْمُ شَكٍّ قُلْت صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ رَمَضَانَ حَرَامٌ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ وَالْأَحَادِيثُ دَلِيلٌ لِذَلِكَ. وَنَقَلَ الْإِمَامُ الْأَذْرَعِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَعَدَمَ صِحَّتِهِ عَنْ رَمَضَانَ وَنَقَلَ عَنْ الْقَاضِي ابْنِ كَجٍّ أَنَّ ذَلِكَ مُرَادُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَنَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ احْتِيَاطًا لِرَمَضَانَ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحَيْ الْمِنْهَاجِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ اهـ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَسَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَدْ أَمَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ رَجُلًا صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ أَنْ يُفْطِرَ بَعْد الظُّهْرِ وَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -: مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ ﷺ وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْيَوْمِ الَّذِي يَقُولُ النَّاسُ إنَّهُ مِنْ رَمَضَان فَقَالَ لَا تَصُمْ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: إنِّي لَأَعْجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَصُومُونَ قَبْلَ رَمَضَان إنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا،، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ» فَعَلَى هَذَا لَمَّا ثَبَتَ تَحْرِيمُ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ رَمَضَان بِنَصِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ ﷺ وَإِمَامِ الْمَذْهَبِ تَعَيَّنَ الْأَخْذُ بِهِ وَطَرْحُ مَا عَدَاهُ وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَمَّا إذَا رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ رَجُلٌ أَوْ رِجَالٌ كَثِيرُونَ فِي طَرَفِ بَلْدَةٍ وَلَمْ يَرَهُ بَاقِي الْبِلَادِ دُون مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَصَاحَ عَلَيْهِ مَنْ رَآهُ مِنْهُمْ وَأَهْلُ قَرْيَتِهِمْ ثُمَّ صَاحَ قَرْيَة لِقَرْيَةٍ حَتَّى صَاحَتْ قُرًى كَثِيرَةٌ بَعْضُهَا لِبَعْضِ وَهَذَا الصِّيَاحُ سَالِفٌ لِأَهْلِ هَذِهِ الْبَلْدَةِ وَيَصُومُونَ فِي عُرْفِهِمْ وَعَادَتِهِمْ فَهَلْ يَصِحّ صِيَامُ مَنْ لَمْ يَرَهُ بِسَمَاعِ صِيَاحِهِمْ أَمْ لَا يَصِحّ؟ فَأَجَابَ نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ قَالَ: صِيَاحُ هَذَا لَا يُفِيدُ وَلَوْ كَانَ سَالَفَهُمْ الصِّيَاحُ لِلصِّيَامِ فَلَا يَصِحُّ صِيَامُ مَنْ لَمْ يَرَهُ بِسَمَاعِ صِيَاحِهِمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الَّذِينَ لَا يَصُومُونَ حَتَّى يَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ يَسْتَكْمِلُوا شَعْبَانَ فَهُمْ عَلَى الصَّوَابِ لِمَا سَبَقَ وَلِقَوْلِ الشَّيْخِ الصَّيْرَفِيِّ بِالدِّيَارِ الْمَصْرِيَّةِ إذَا لَمْ يَشْهَدْ الرَّاءُونَ بِالرُّؤْيَةِ عِنْدَ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ وَلَمْ يَثْبُتْ لَمْ يَلْزَمْ مَنْ لَمْ يَرَهُ الْعَمَلُ بِقَوْلِ مَنْ رَآهُ وَلَوْ كَثُرُوا وَلَهُ الْفِطْرُ إلَى اسْتِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى آخِرِ يَوْمِ مِنْهُ وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّال لَهُ اسْتِكْمَالُ رَمَضَانَ الثَّلَاثِينَ إنْ لَمْ يَرَهُ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ وَقَدْ أَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ النَّقْلَ عَنْ الْإِمَامِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ فِيمَا إذَا أَخْبَرَ بِهِ مَنْ يُوَثَّقُ أَيْ وَلَمْ يَثْبُت عِنْد حَاكِمٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَم الْمُخْبَرَ بِفَتْحِ الْبَاء الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْمُخْبِر بِكَسْرِهَا إلَّا إذَا بَنَيْنَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، أَمَّا إذَا بَنَيْنَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ فَلَا يَلْزَمُ الْمُخْبَرَ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْمُخْبِرِ. ثُمَّ نَقَلَ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدَانِ وَمَنْ وَافَقَهُ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْمُخْبِرِ مُطْلَقًا وَلَمْ يُرَجَّحْ شَيْءٌ مِنْهُمَا لَكِنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِهِ فِي النَّقْلِ عَنْ الْإِمَامِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَتَفْرِيعُهُ عَلَى ذَلِكَ وَبِنَاؤُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ أَوْ الشَّهَادَةِ كَمَا ذَكَر تَقْتَضِي تَرْجِيحَ مَا قَالَاهُ أَيْ فِي أَنَّ طَرِيقَهُ الشَّهَادَةُ دُونَ الْإِخْبَار لِقَوْلِهِ ﵊ «فَإِنْ شَهِدَ ذُو عَدْلٍ فَصُومُوا وَافْطِرُوا» فَثَبَتَ أَنَّهَا شَهَادَةٌ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَتَعَلَّقَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ قَالَ وَيَلْزَم مِنْ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ عَدَمُ لُزُومِ الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْمُخْبِرِ حَيْثُ لَمْ يَثْبُت عِنْد حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَره الْأَذْرَعِيُّ فِي التَّوَسُّطِ حَيْثُ قَالَ وَلَا أَحْسَبُ أَحَدًا يُنَازِعُ فِي أَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ أَخْبَرَ رَعِيَّتَهُ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ أَوْ الْإِمَامَ الْعَادِلَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمهُمْ الصَّوْمَ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ عِنْد قَاضٍ آخَر بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ انْتَهَى جَوَابُ الْإِمَامِ الصَّيْرَفِيِّ. وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ

стр. 335

بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ قَوْلَ الرَّائِينَ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْغَيْرِ إلَّا إذَا أَدَّى عِنْد قَاضٍ أَوْ مُحَكَّمٍ مِنْ جِهَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ كُلِّهِمْ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ شِهَابُ الدِّينِ ابْنُ الْعِمَادِ فِي تَوْقِيفِ الْحُكَّامِ لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَان لَمْ يَلْزَم الصَّوْم عَلَى الصَّوْم تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهُ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصّ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ اهـ. فَحِينَئِذٍ الْحَاصِلُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الشُّهُودَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ عِنْد رُؤْيَةِ الْقَاضِي أَوْ الْمَنْصُوبِ أَوْ الْمُحَكَّمِ مِنْ جِهَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ لَا تُقْبَلُ كَشَهَادَةِ بَجِيلَةَ بَعْضُهُمْ عِنْدَ بَعْضٍ، وَإِذَا لَمْ تُقْبَل حُرِّمَ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَان بِشَهَادَتِهِمْ لِمَنْ لَمْ يَرَ الْهِلَالَ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا مَنْ رَآهُ فَنَقَلَ الْإِمَامُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ سُلَيْمٍ الرَّازِيِّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُت لَمْ يُجْزِئْهُ صَوْمُهُ وَمُقْتَضَى كَلَامِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُهُ وَيُجْزِئْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم، وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ إذَا رَأَى الْهِلَالَ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَلَمْ يَرَ بِأَرْضِ بَجِيلَةَ فَمَا يَكُون الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ - فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَطَالِعَ قَدْ تَخْتَلِفُ فَيَلْزَم مِنْ رُؤْيَتِهِ فِي الشَّرْقِيِّ رُؤْيَتُهُ فِي الْغَرْبِيِّ وَلَا يَنْعَكِسُ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّيْلَ يَدْخُلُ فِي الْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الْبِلَادِ الْغَرْبِيَّةِ وَعَلَى ذَلِكَ حَدِيث كُرَيْبٍ فَإِنَّ الشَّامَ غَرْبِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَدِينَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ رُؤْيَتِهِ بِالشَّامِ رُؤْيَتُهُ بِالْمَدِينَةِ كَذَا قَالَ الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الْإِسْنَوِيُّ فَعَلَى هَذَا قَالَ الْقَاضِي بُرْهَانُ الدِّينِ إبْرَاهِيمُ بْنُ ظَهِيرَةَ قَاضِي مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فِي بَعْضِ أَجْوِبَتِهِ بَجِيلَةُ شَرْقِيُّ مَكَّةَ فَيَلْزَمُ مِنْ الرُّؤْيَةِ بِبَجِيلَةَ الرُّؤْيَةُ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَلَا عَكْسَ اهـ قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ وَحَيْثُ قُلْنَا لَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ فَسَارَ شَخْصٌ مِنْ مَوْضِعٍ رُئِيَ فِيهِ إلَى حَيْثُ لَمْ يُرَ وَاسْتَكْمَلَ ثَلَاثِينَ وَلَمْ يُرَ فِي الْبَلَدِ الثَّانِي فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَصُومَ مَعَهُ لِأَنَّ «ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَ كُرَيْبًا بِذَلِكَ حِين قَالَ اسْتَهَلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَقُلْت لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ قَالَ أَنْتَ رَأَيْت الْهِلَالَ قُلْت نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى يُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ فَقُلْت أَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَالنَّاسِ؟ فَقَالَ لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ وَقِيَاسًا عَلَى أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ لِكُلِّ بَلْدَةٍ حُكْمَهَا مِنْ الطَّوَالِعِ وَالْغَوَارِبِ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكِفَايَةِ أَيْضًا. قَالَ الشَّيْخُ الْمُقْرِي فِي التَّمْشِيَةِ: فَإِنَّ الشَّمْسَ قَدْ تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ فَيَفُوتهُمْ الصُّبْحُ وَغَيْرُهُمْ حِينَئِذٍ فِي لَيْلٍ يُمْكِنُهُمْ أَدَاءُ الْعِشَاءِ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ وَقْتُ الصَّوْمَ بِمَطَالِعِ الْفَجْرِ انْتَهَى كَلَامُ التَّمْشِيَةِ قَالَ الْإِمَامُ الْأَذْرَعِيُّ وَحَدِيثُ كُرَيْبٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَذَكَره الْقَفَّالُ وَمَنْ تَبِعَهُ وَاعْتَمَدُوهُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْد أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ حَسَنٌ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَهُوَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ كَبِيرٍ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَقَوْلُ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ اهـ قَالَ الْإِمَامُ الْإِسْنَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: وَلَا شَكَّ أَنَّ مَوْرِدَ النَّصِّ وَهُوَ حَدِيثُ كُرَيْبٍ السَّابِق فِي الشَّامِ وَالْحِجَازِ وَقَدْ وُجِدَ فِيهِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ وَاخْتِلَافُ الْإِقْلِيمِ وَاخْتِلَافُ الْمَطَالِعِ وَاحْتِمَالُ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَاسْتَنَدَ كُلُّ طَائِفَةٍ إلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَأَيَّدَ بِهِ اهـ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ نَجْمِ الدِّينِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَحَيْثُ قُلْنَا لَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ قَالَ الْإِمَامُ الْأَذْرَعِيُّ هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدنَا وَصَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ انْتَهَى جَوَابُ هَذَا الْمُفْتِي. فَهَلْ يَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ جَوَابُكُمْ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) ﵁ وَمَتَّعَ الْمُسْلِمِينَ بِحَيَاتِهِ وَنَفَعَهُمْ بِمَعْلُومَاتِهِ بِقَوْلِهِ أَمَّا مَا ذَكَره الْمُفْتِي الْمَذْكُورُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ فَلَا يَصِحُّ صَوْمُهُمْ لِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ إلَخْ لَا مُطَابِقَةَ فِيهِ بَيْن الْعِلَّةِ وَالْمُعَلَّلِ،؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِعُمُومِ النَّاسِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَخْبَرَهُ مَنْ يَثِق بِهِ بِأَنَّهُ رَآهُ هَلْ يَلْزَمهُ الصَّوْمَ أَوْ لَا وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُمْ هَذَا فِي ثُبُوتِ رَمَضَانَ بِالنِّسْبَةِ لِعُمُومِ النَّاسِ. ثَانِيهَا أَنَّ قَوْلَهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَتُعْتَبَر الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ إلَخْ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَإِنْ

стр. 336

نَازَعَ فِيهِ جَمْعٌ مِنْ أَنَّ الْمَسْتُورَ هُنَا يُقْبَلُ إذَا شَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَلَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ وَهِيَ الَّتِي يُرْجَعُ فِيهَا إلَى قَوْلِ الْمُزَكِّينَ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مَحْضُ شَهَادَةٍ بَلْ فِيهِ شَائِبَةٌ بَلْ شَوَائِبُ مِنْ الرِّوَايَةِ مِنْهَا ثُبُوتُهُ بِوَاحِدِ وَعَدَمُ احْتِيَاجه إلَى دَعْوَى وَعَدَمُ تَصَوُّر الْحُكْمِ بِهِ،؛ لِأَنَّهُ إلْزَامٌ لِمُعَيَّنٍ وَإِنَّمَا يُثْبِتُ الْقَاضِي الشَّهْرَ فَقَطْ وَالثُّبُوتُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَقَبُولُ قَوْلِ الشَّاهِدِ: أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ عَلَى الْمُعْتَمَد عِنْد الرَّافِعِيِّ وَغَيْره. وَثَالِثُهَا أَنَّ قَوْلَهُ نَعَمْ إطْلَاقهمْ إلَخْ لَيْسَ فِي مَحِلّه لِأَنَّ ذَاكَ ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الْقَضَاء وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ رَمَضَان لِمَا ذَكَرُوهُ فِيهِ فِي بَابِهِ مِمَّا ذُكِرَ. رَابِعهَا أَنَّ قَوْلَهُ: وَلِهَذَا قَالَ بَعْض الْمُفْتِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَخْ غَيْرُ صَحِيحٍ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ مَا قَبْلَهُ حَتَّى يَجْعَلَهُ عِلَّةً لَهُ،، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَحِلَّهُ حَيْثُ لَا مُحَكِّمَ أَمَّا إذَا حَكَّمُوا مَنْ يَسْمَع الشَّهَادَةَ بِرَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَمَا ذَكَره الزَّرْكَشِيُّ حَيْثُ قَالَ مَا حَاصِلُهُ وَلَا يَحْكُمُ الْقَاضِي بِكَوْنِ اللَّيْلَةِ مِنْ رَمَضَان؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إلْزَامٌ بِمُعَيَّنٍ وَهُوَ هُنَا غَيْرُ مَقْصُودٍ لِعُمُومِ الْأَمْرِ فِيهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُت الشَّهْرُ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ وَالثُّبُوتُ لَيْسَ بِحُكْمٍ نَعَمْ إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حَقُّ آدَمِي وَدَعَتْ حَاجَةٌ إلَى الْحُكْمِ بِهِ حَكَمَ بِهِ بِشُرُوطِهِ، مُسْتَنِدًا إلَى ذَلِكَ الثُّبُوتِ وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ رَمَضَان يَثْبُتُ بِالتَّحْكِيمِ سِيَّمَا بِمَوْضِعٍ لَا حَاكِمَ فِيهِ حَتَّى إذَا جَاءَ إلَى رَجُلٍ وَحَكَّمَاهُ بِشَرْطِهِ لَزِمَهُمَا وَلَزِمَ النَّاسُ صَوْمَهُ، وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ وَاحِدًا اهـ. نَعَمْ مَا ذَكَره أَعْنِي الزَّرْكَشِيّ مِنْ إلْزَامِ النَّاسِ بِالصَّوْمِ إذَا حَكَمَ بِهِ الْمُحَكَّم مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِتَحْكِيمِهِ إلَّا اثْنَانِ. فِيهِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَلْزَمُ إلَّا مَنْ رَضِيَ بِحُكْمِهِ وَمَا ذَكَره الزَّرْكَشِيُّ أَيْضًا مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ إلْزَامٌ بِمُعَيَّنٍ أَرَادَ بِهِ الْغَالِبَ وَإِلَّا فَقَدْ لَا يَكُون فِيهِ إلْزَامٌ لِذَلِكَ كَمَا بَيَّنَهُ الْعَلَائِيُّ فِي قَوَاعِده عَلَى أَنَّ مَا ذَكَره مِمَّا لَا إلْزَامَ فِيهِ بِمُعَيَّنٍ يُمْكِن أَنْ يُوَجَّه بِأَنَّ فِيهِ إلْزَامًا بِمُعَيَّنٍ فَلَا يَكُونُ التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لَازِمًا كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ لِمَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِيهِ فِي مَحَالِّهِ مَنْ الْقَوَاعِدِ الْمَذْكُورَةِ. وَخَامِسُهَا أَنَّ قَوْلَهُ فَحِينَئِذٍ الْحَاصِلُ إلَخْ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ لَا يَشْهَد لَهُ عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَهُ بِهَذَيْنِ مَعَ أَنَّهُ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورَةِ وَغَيْرِهِمَا يُشْعِر بِانْفِرَادِهِمَا بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَإِذْ قَدْ فَرَغْنَا مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا فِي عِبَارَته مِنْ هَذَا الْقِسْمِ فَلْنَذْكُرْ الْمُعْتَمَد فِيهِ وَهُوَ أَنَّ مَنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ لَزِمَهُ الصَّوْمُ كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ مِنْهُمْ الْبَغَوِيّ وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ وَمَا ذَكَره عَنْ الصَّيْرَفِيِّ ضَعِيفٌ، وَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ غَيْره كَابْنِ الْعِمَادِ وَغَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَم إلَّا إذَا فَرَغْنَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ يُرَدُّ بِمَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَحْضُ شَهَادَةٍ بَلْ فِيهِ شَوَائِبُ مِنْ الرِّوَايَةِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ فَيَكُونُ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ شَوَائِبِ الرِّوَايَةِ كَذَلِكَ فَلَزِمَ الْمُخْبَر بِفَتْحِ الْبَاء إذَا اعْتَقَدَ صِدْقَ الْمُخْبِر الصَّوْمُ احْتِيَاطًا لَهُ بَلْ اللُّزُوم حِينَئِذٍ أَوْلَى مِنْهُ إذَا ثَبَتَ بِوَاحِدٍ عِنْد الْقَاضِي وَوَقَعَتْ الرِّيبَةُ وَالشَّكُّ فِي صِدْقِهِ فِي شَهَادَته فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يَجِب الصَّوْمُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا شَهِدَ بِهِ عِنْد الْقَاضِي وَلَوْ عَلَى مَنْ بَقِيَ عِنْده بَعْد الْحُكْمِ رِيبَةٌ فِي تِلْكَ الشَّهَادَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِلِاحْتِيَاطِ لِلصَّوْمِ فَاللُّزُوم فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ لِلِاحْتِيَاطِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُعْتَقِدٌ الصِّدْقَ وَلَا رِيبَةَ عِنْده فِي وُجُود الْهِلَالِ فَهُوَ كَمَنْ رَأَى الْهِلَالَ، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ الَّذِي عِنْد الرَّائِي أَقْوَى. وَقَوْلُ الصَّيْرَفِيِّ وَلَوْ كَثُرُوا لَيْسَ فِي مَحِلِّهِ كَمَا يَأْتِي مِنْ اللُّزُومِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِر، وَقَوْلُهُ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ وَلَا أَحْسَبُ أَحَدًا يُنَازِع فِي أَنَّ الْحَاكِمَ إلَخْ لَا يُشْهَدُ لَهُ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الدَّارِمِيِّ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مُرَادَ الْأَذْرَعِيِّ اللُّزُومُ عَلَى الْعُمُومِ وَكَلَامُنَا هُنَا فِي خُصُوصِ مَنْ صَدَّقَ الْمُخْبِرَ، وَإِذَا جَوَّزُوا لِلْمُنَجِّمِ وَالْعَارِفِ بِمَنَازِلِ الْقَمَرِ أَنْ يَعْمَلَ بِحِسَابِ نَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُفِيدهُ إلَّا مُجَرَّدُ الظَّنِّ فَلَأَنْ يَجُوزَ بَلْ يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِإِخْبَارِ الثِّقَةِ الْمُعْتَمَدِ لِلِاعْتِقَادِ أَوْ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِالْأُولَى بَلْ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ مَنْ أَخْبَرَهُ فَاسِقٌ وَصَدَّقَهُ أَنَّ لَهُ الصَّوْمَ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ الَّذِي اسْتَفَادَهُ مِنْ تَصْدِيقِ مُخْبِرِهِ يُسَاوِي الظَّنَّ الَّذِي يَسْتَفِيدهُ الْحَاسِبُ مِنْ حِسَابِهِ. وَإِذَا قُلْنَا إنَّ لِهَذَا وَمَنْ

стр. 337

أَلْحَقْنَا بِهِ الصَّوْمَ فَهَلْ يُجْزِئْهُ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمَجْمُوعِ فِي مَوْضِعٍ نَعَمْ وَنَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَصَحَّحَهُ وَصَوَّبَهُ السُّبْكِيّ وَالْإِسْنَوِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَرَدُّوا مَا وَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي مَوْضِعٍ آخَر مِنْ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يُجْزِئْهُ إذَا بَانَ أَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي صَامَهُ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى أَنَّ مَا وَقَعَ فِيهِ لَيْسَ نَصَّا فِي تَصْحِيحِ ذَلِكَ كَمَا بَيَّنْته فِي حَاشِيَةِ الْعُبَابِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْإِجْزَاء فِي نَحْوِ الْحَاسِبِ فَالْإِجْزَاءُ فِي الرَّائِي الَّذِي رُدَّتْ شَهَادَتُهُ بِالْأَوْلَى عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذَا لَا وَجْهَ لَهُ فَإِنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلَى تَعَيُّن الرُّؤْيَةِ وَيَلْزَمُ الْعَمَلُ بِرُؤْيَتِهِ نَفْسِهِ، وَإِنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ فَكَيْف يُسَوَّغُ حِينَئِذٍ أَنْ يُحْكَى فِي الْإِجْزَاء فِي حَقِّهِ خِلَافٌ؛ لِأَنَّ وَجْهَ الْخِلَافِ فِي نَحْوِ الْحَاسِبِ عَدَمُ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي الرَّائِي فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالْإِجْزَاءِ فِي حَقِّهِ وَأَنَّ مَا وَقَعَ فِي قَوْلِ الْمُجِيبِ. وَأَمَّا مَنْ رَآهُ فَنَقَلُ الْإِمَامِ الْأَذْرَعِيِّ إلَخْ فَهُوَ بِالتَّحْرِيفِ وَالْغَلَطِ أَشْبَهُ، وَأَمَّا مَا ذَكَره الْمُفْتِي الْمَذْكُورَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي فَفِي إطْلَاقِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ تَارَةً تَقْوَى حَتَّى تَصِلَ إلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ وَتَارَةً لَا فَإِنْ وَصَلَتْ لِلتَّوَاتُرِ وَجَبَ الصَّوْمُ عَلَى مَنْ تَوَاتَرَ عِنْده الْخَبَرُ بِالرُّؤْيَةِ، بِأَنْ أَخْبَرَهُ بِهَا عَنْ الْمُعَايَنَةِ جَمْعٌ كَثِيرُونَ، لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَإِنْ كَانُوا فَسَقَةً أَوْ نَحْوَهُمْ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ وَلَوْ مِنْ نَحْوِ فُسَّاقٍ، وَإِنْ لَمْ تَصِل لِلتَّوَاتُرِ فَفِيهَا كَلَامٌ ظَاهِرُهُ التَّنَافِي وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرَهُمَا قَالُوا أَوَّلَ بَابِ الصَّوْمِ وَلَوْ أَخْبَرَهُ مَوْثُوقٌ بِهِ بِرُؤْيَتِهِ وَلَمْ يَذْكُرهُ عِنْد الْقَاضِي فَقَطَعَتْ طَائِفَةٌ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا وَطَائِفَةٌ بِوُجُوبِهِ إنْ قُلْنَا هُوَ رِوَايَةٌ. وَقَالُوا فِي الْكَلَامِ عَلَى النِّيَّةِ لَا بُدَّ مِنْ الْجَزْمِ بِهَا فَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ مِنْ شَعْبَان صَوْمَ غَدٍ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ فَكَانَ مِنْهُ لَمْ يَقَع عَنْهُ، وَإِنْ جَزَمَ بِالنِّيَّةِ إلَّا إنْ اعْتَقَدَ كَوْنَهُ مِنْهُ بِقَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ صِبْيَان رُشَدَاءَ أَوْ حِسَابِ مُنَجِّمٍ حَيْثُ يَجُوزُ اهـ وَالْمُرَادُ بِالرُّشْدِ هُنَا الِاخْتِبَارُ بِالصِّدْقِ لَا الْمَعْنَى الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِمْ شَرْطُ الْعَاقِدِ الرُّشْدُ قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَوَقَعَ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا جَمْعُ نَحْوِ الْعَبِيدِ وَلَيْسَ بِمُعْتَبَرِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ وَصَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ وَأَلْحَقَ الْجُرْجَانِيُّ بِمَنْ ذُكِرَ الْفَاسِقَ الَّذِي سَكَنَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ كَجٍّ وَكَذَا الْكَافِرُ لَكِنْ جَزَمَ الدَّارِمِيُّ بِخِلَافِهِ وَقَالُوا فِي يَوْمِ الشَّكِّ الَّذِي يَحْرُمُ صَوْمُهُ: إنَّهُ يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَان إذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ أَوْ شَهِدَ بِهَا صِبْيَانٌ أَوْ عَبِيدٌ أَوْ فَسَقَةٌ اهـ وَالْمُرَادُ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ بِحَيْثُ يَقْرُبُ مِنْ الِاسْتِفَاضَةِ، وَإِنْ لَمْ يُسْمَع مِمَّنْ يُظَنُّ صِدْقُهُ مِنْهُمْ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ كَمَا أَفْهَمهُ كَلَامُ الْمِنْهَاجِ وَأَشَارَ بَعْضُ شَارِحِيهِ إلَى هَذَا الْأَخِيرِ. وَلَا بُدَّ مِنْ الْعَدَدِ هُنَا فِيمَنْ ذُكِرَ بِأَنْ يَكُونَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَانْظُرْ إلَى مَا بَيْن هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الِاخْتِلَافِ، وَقَدْ أَشَارَ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ إلَى الْجَمْعِ بَيْنهَا. مُلَخَّصُهُ أَنَّهُ إنَّمَا اعْتَبَرْنَا الْعَدَدَ هُنَا بِخِلَافِهِ فِيمَا مَرَّ فِي صِحَّةِ النِّيَّةِ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ فِيهِمَا وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ حِينَئِذٍ عَنْ رَمَضَان لِأَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّن كَوْنُهُ مِنْهُ. نَعَمْ مَنْ اعْتَقَدَ صِدْقَ مَنْ قَالَ أَنَّهُ رَآهُ مِمَّنْ ذُكِرَ يَصِحُّ صَوْمُهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ أَوَّلَ الْبَابِ، وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى النِّيَّةِ مِنْ صِحَّةِ نِيَّةِ مُعْتَقِدِ ذَلِكَ وَوُقُوعِ الصَّوْمِ عَنْ رَمَضَان مَحِلُّهُ إذَا تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ إذْ كَلَامُهُمْ فِي صِحَّةِ النِّيَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَان وَكَلَامُهُمْ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَبَيَّن شَيْءٌ فَلَيْسَ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَنْ ذُكِرَ فِي الصَّوْمِ بَلْ فِي النِّيَّةِ فَقَطْ إذَا نَوَى اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِهِمْ ثُمَّ بَانَ كَوْنُ غَدٍ مِنْ رَمَضَان لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ أُخْرَى سَوَاء بَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّن ذَلِكَ بَلْ اسْتَمَرَّ الْحَالُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فَهُوَ يَوْمُ الشَّكِّ. وَأُجِيب عَنْ عَدَمِ التَّنَافِي بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى مِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي يَوْمِ الشَّكِّ فِي عُمُومِ النَّاسِ دُون أَفْرَادِهِمْ فَيَكُونُ شَكَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَمْ يُظَنَّ صِدْقُهُمْ وَهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ دُون أَفْرَادِ مَنْ اعْتَقَدَ صِدْقَهُمْ لِوُثُوقِهِ بِهِمْ وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ ثُمَّ إذَا حَصَلَ بِقَوْلِهِمْ ظَنٌّ وَهُنَا إذَا حَصَلَ بِهِ شَكٌّ وَيَرُدُّهُ تَقْيِيدُ الرَّافِعِيِّ هُنَا بِمَا إذَا ظَنَّ صِدْقَهُمْ، وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ ثَمَّ الِاعْتِقَادَ وَهُنَا

стр. 338

الظَّنُّ وَيَرُدُّهُ أَنْ جَمْعًا عَبَّرُوا بِالظَّنِّ ثُمَّ مَوْضِعِ الِاعْتِقَادِ، وَمِنْهَا وَهُوَ أَجْوَدُهَا وَأَحْسَنُهَا: أَنَّ إخْبَارَ مَنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ إمَّا أَنْ يُفِيدَ مُجَرَّدَ ظَنِّ الصِّدْقِ وَهُوَ مَا هُنَا أَوْ ظَنِّ الْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يُعَارِض ظَنَّهُ مُعَارِضٌ وَهُوَ مَا فِيهِ النِّيَّةُ، أَوْ يَنْضَمُّ إلَى ذَلِكَ تَصْدِيقُهُ بِأَنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا مَرَّ أَوَّل الْبَابِ فَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ مَا أَطْلَقَهُ الْمُفْتِي الْمَذْكُورَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى إطْلَاقِهِ. وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ بَعْض الْمُفْتِينَ فِي صِيَاحِ الْعَرَبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إعْلَامًا بِرَمَضَانَ فَغَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى إطْلَاقِهِ أَيْضًا فَقَدْ ذَكَر الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ رُؤْيَةَ الْقَنَادِيلِ مَوْقُودَةً عَلَى الْمَنَائِرِ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ كَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ؛ لِأَنَّهَا عَلَامَةٌ مُطَّرِدَةٌ فَكَانَتْ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الصِّيَاحَ لَوْ كَانَ عَلَامَةً مُطَّرِدَةً عِنْد أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ عَلَى دُخُولِ رَمَضَان جَازَ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ اعْتِمَادَهُ فِي الصَّوْمِ وَأَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، وَأَمَّا مَا ذَكَره الْمُفْتِي الْمَذْكُورُ فِي جَوَابِ قَوْلِ السَّائِلِ إذَا رُئِيَ الْهِلَال بِمَكَّةَ وَلَمْ يُرَ بِأَرْضِ بَجِيلَةَ فَهُوَ صَحِيحٌ وَالْحَاصِلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِاتِّحَادِ الْمَطَالِعِ وَاخْتِلَافِهَا لَا بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ قَالَ فِي الْأَنْوَارِ وَالْمُرَادُ بِاخْتِلَافِهَا أَنْ تَتَبَاعَد الْبُلْدَان بِحَيْثُ لَوْ رُئِيَ فِي أَحَدِهِمَا لَمْ يُرَ فِي الْآخَرِ غَالِبًا اهـ. قَالَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ التَّبْرِيزِيُّ: وَرُؤْيَةُ الْهِلَالِ فِي بَلَدٍ تُوجِبُ ثُبُوت حُكْمِهَا إلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا؛ لِأَنَّهَا فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا تَخْتَلِف وَقَالَ السُّبْكِيّ وَالْإِسْنَوِيُّ قَدْ تَخْتَلِفُ وَتَكُون رُؤْيَته فِي أَحَدِهِمَا مُسْتَلْزِمَةً لِرُؤْيَتِهِ فِي الْأُخْرَى مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ إذْ اللَّيْلَةُ تَدْخُل فِي الْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ قَبْلَ دُخُولِهَا فِي الْغَرْبِيَّةِ، وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَم عِنْد اخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ مَنْ رُؤْيَتِهِ فِي الشَّرْقِيّ رُؤْيَتُهُ فِي الْغَرْبِيّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَأَمَّا عِنْد اتِّحَادِهِمَا فَيَلْزَم مِنْ رُؤْيَتِهِ فِي أَحَدِهِمَا رُؤْيَتُهُ فِي الْآخَرِ، وَقَدْ أَفْتَى جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَقْتَ الزَّوَالِ أَخَوَانِ أَحَدُهُمَا بِالْمَشْرِقِ وَالْآخَرُ بِالْمَغْرِبِ وَرِثَ الْمَغْرِبِيُّ الْمَشْرِقِيَّ لِتَقَدُّمِ مَوْتِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ لَوْ شَاعَتْ رُؤْيَةُ هِلَالِ رَمَضَانَ بِبَلَدٍ مَثَلًا وَلَمْ يَتَحَقَّق لَنَا رُؤْيَتُهُ أَوْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ مَنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ أَوْ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ وَقُلْتُمْ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ إلَّا عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ فَهَلْ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ - أَصْلَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالْبَلَدِ الَّتِي بَعُدَتْ عَنْ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ نَدْبُ مَنْ يُحَقِّقُ الْخَبَرَ لَهُ لُزُومًا أَوْ نَدْبًا قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ أَمْ بَعُدَتْ أَوْ لَا يَجِب شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَهَلْ يَثْبُت رَمَضَانُ بِالِاسْتِفَاضَةِ أَوْ التَّوَاتُرِ أَوْ لَا؟ وَهَلْ الْإِشَاعَةُ وَالِاسْتِفَاضَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَمْ لَا؟ وَلَوْ بَلَغَ الْخَبَرُ أَهْلَ بَلَدٍ بِأَنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ أَخَذُوا مَالًا لِمُسْلِمٍ وَرَجَوْا اسْتِنْقَاذَهُ مِنْهُمْ فَهَلْ لَهُمْ الْفِطْرُ مِنْ رَمَضَانَ إنْ تَوَقَّفَ اسْتِنْقَاذُهُمْ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُمْ أَيْ الْقُطَّاعَ وَلَا عَلِمُوا عَدَدَهُمْ وَلَا أَيْنَ ذَهَبُوا أَوْ يَخْتَصُّ الْجَوَازُ بِمَنْ رَآهُمْ وَحَقَّقَ الِاسْتِنْفَاذَ مِنْهُمْ بِظَنٍّ مُؤَكَّدٍ وَهَلْ خَوْفُ الْمَشَقَّةِ الَّتِي عِيلَ مَعَهَا الصَّبْرُ تُبِيحُ الْفِطْرَ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ وُجُوبِ مَحْذُورِ التَّيَمُّمِ وَلَوْ وَقَعَ الْبَذْرُ أَوْ الْحَصَادُ أَوْ تَنْقِيَةُ الزَّرْعِ فِي رَمَضَانَ وَلَا يُطَاقُ الصَّوْمُ مَعَهُ فَهَلْ يَجُوزُ الْفِطْرُ لِمَنْ لَحِقَهُ بِذَلِكَ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ كَمَا ذَكَره الْأَذْرَعِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَصَادِ فَإِنْ قُلْتُمْ بِذَلِكَ فَمَا الْمُرَادُ بِالْمَشَقَّةِ فِي كَلَامه هَلْ هِيَ خَشْيَةُ مَحْذُورِ التَّيَمُّمِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَمَا هُوَ وَهَلْ يُشْتَرَطُ لِذَلِكَ خَبَرُ عَارِفٍ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ فَإِنْ قِيلَ بِهِ فَهَلْ يَجْرِي فِي جَمِيعِ مُسَوِّغَاتِ الْفِطْرِ أَوْ يَخْتَصُّ بِبَعْضِهَا؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ أَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ لَا يَلْزَمُهُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ إرْسَالُ مَنْ يُحَقِّقُ الْخَبَرَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ تَحْصِيلَ سَبَبِ الْوُجُوبِ لَا يَجِب وَهَذَا أَعْنِي الْإِرْسَالَ الْمَذْكُورَ تَحْصِيلٌ لِسَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِدُخُولِ رَمَضَان الْمُوجِبُ لِلصَّوْمِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ وُجُوبِ تَحْصِيلِ سَبَبِ الْوُجُوب كَمَا عَلِمْت فَلَا يَجِب ذَلِكَ. عَلَى أَنَّ لَك أَنْ تَقُولَ هَذَا يُعْلَم عَدَمُ وُجُوبِهِ مِنْ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُمْ إنَّمَا نَفَوْا وُجُوبَ تَحْصِيلِ السَّبَبِ الْمُحَقَّقِ الَّذِي إذَا حَصَلَ لَزِمَهُ مِنْهُ الْوُجُوبُ كَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ بِالنِّسْبَةِ لِنَحْوِ الْمُتَمَتِّعِ الْمُعْسِر الْمُرِيدِ لِلصَّوْمِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا السَّبَبُ لَيْسَ مُحَقَّقًا؛ لِأَنَّهُمْ شَاكُّونَ هَلْ صَامَ أَهْلُ بَلَدٍ مُتَّحِدٍ مَعَ بَلَدِهِمْ فِي الْمَطْلَعِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي بَلَدِهِمْ

стр. 339

فَيَلْزَمهُمْ الصَّوْمُ تَبَعًا لَهُمْ أَوْ لَيْسُوا بِصَائِمِينَ أَصْلًا أَوْ صَامُوا بِرُؤْيَةِ بَلَدٍ مُتَّحِدَةٍ مَعَهُمْ فِي الْمَطْلَعِ وَلَيْسَتْ مُتَّحِدَةً مَعَ الْبَلَدِ الْمُرْسَلِ مِنْهَا كَذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ أَنَّهُمْ إذَا أَرْسَلُوا إلَى تِلْكَ الْبَلَد يَلْزَمهُمْ الصَّوْمَ فَلَا يَجِبُ الْإِرْسَالُ هُنَا جَزْمًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسُوا سَبَبًا مُحَقِّقًا لِلْوُجُوبِ بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ سَبَبٌ مُحَقِّقٌ لِلْوُجُوبِ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ تَحْصِيلِهِ. وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَحْصِيلُهُ بِخِلَافِ الْإِرْسَالِ هُنَا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ تَحْصِيلُهُ جَزْمًا لِمَا عَلِمْتَ سَوَاء أَقَرُبَتْ الْمَسَافَةُ أَمْ بَعُدَتْ نَعَمْ لَوْ قِيلَ يُنْدَبُ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا لِأَنَّ فِيهِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ وَهُوَ إذَا لَمْ يَجِب يَكُونُ مَنْدُوبًا وَمِنْ ثَمَّ تَأَكَّدَ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَثِقُ بِهِ لِيَبْحَثَ عَنْ الْأَهِلَّةِ سِيَّمَا رَمَضَان وَشَوَّال وَذَا الْحِجَّة لِتَعَلُّقِهَا بِأُمُورٍ دِينِيَّةٍ يَعُمُّ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهَا دُون غَيْرِهَا عَلَى أَنَّ تَرَائِي الْأَهِلَّةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ كَمَا قِيلَ فَعَلَيْهِ إذَا فُرِضَ أَنَّ النَّاسَ تَرَكُوهُ لَزِمَ الْإِمَامَ أَنْ يَحُثَّهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ، وَقَوْلُ السَّائِل نَفَعَنِي اللَّهُ بِهِ وَهَلْ يَثْبُتُ رَمَضَانُ إلَخْ جَوَابَهُ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ وَاعْتَقَدَ صِدْقَهُ لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَبِهِ يُعْلَم كَمَا ذَكَرْته فِي حَاشِيَةِ الْعُبَابِ أَنَّ مَنْ تَوَاتَرَتْ عِنْده رُؤْيَتُهُ لَزِمَهُ الصَّوْمَ قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ بِالْأَوْلَى اهـ وَالِاسْتِفَاضَةُ كَالتَّوَاتُرِ بِخِلَافِ الْإِشَاعَةِ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ شَاعَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ الْهِلَالَ رُئِيَ وَلَمْ يَشْهَد بِالرُّؤْيَةِ أَحَدٌ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ شَكٍّ حَتَّى يَحْرُمَ صَوْمُهُ وَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ كَالتَّوَاتُرِ قَوْلُ السُّبْكِيّ لَمْ أَرَهُمْ ذَكَرُوا الشَّهَادَةَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَاَلَّذِي أَمِيلُ إلَيْهِ عَدَمُ جَوَازِ ذَلِكَ اهـ؛ لِأَنَّهُ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَحْصُل لِمَنْ بَلَغَتْهُ اعْتِقَادُ صِدْقِ الْمُخْبِرِينَ أَمَّا إذَا اعْتَقَدَ صِدْقَهُمْ فَيَلْزَمهُ الصَّوْمُ كَمَنْ اعْتَقَدَ صِدْقَ ثِقَةٍ أَخْبَرَهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ وَالْإِشَاعَة يُعْلَمُ مِنْ تَعْرِيفَيْ الْمُتَوَاتِرِ وَالْمُسْتَفِيضِ فَالْمُتَوَاتِرُ مَعْنًى أَوْ لَفْظًا هُوَ خَبَرُ جَمْعٍ يَمْتَنِعُ عَادَةً تُوَافِقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَنْ أَمْرٍ مَحْسُوسٍ لَا مَعْقُولٍ كَخَبَرِ الْفَلَاسِفَةِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ فَإِنْ اتَّفَقَ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ لَفْظًا وَمَعْنًى فَلَفْظِيٌّ. وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِيهِمَا مَعَ وُجُودِ مَعْنًى كُلِّيٍّ فَمَعْنَوِيٌّ كَخَبَرِ وَاحِدٍ عَنْ حَاتِم بِأَنَّهُ أَعْطَى دِينَارًا وَآخَرَ بِأَنَّهُ أَعْطَى فَرَسًا وَآخَرَ بِأَنَّهُ أَعْطَى بَعِيرًا وَهَكَذَا فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى مَعْنًى كُلِّيٍّ وَهُوَ الْإِعْطَاءُ وَلَا يَكْفِي فِي عَدَدِ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ الْأَرْبَعَةُ لِاحْتِيَاجِهِمْ لِلتَّزْكِيَةِ فِيمَا لَوْ شَهِدُوا بِالزِّنَا بِخِلَافِ مَا لَوْ زَادُوا عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَصْلُحُ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ وَمَنْ عَيَّنَ لَهُ عَدَدًا كَعَشْرَةٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ عِشْرِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ أَوْ ثَلَثمِائَةِ وَبِضْعَةَ عَشَرَ فَقَدْ تَحَكَّمَ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمْ إسْلَامٌ وَلَا عَدَالَةٌ وَلَا عَدَمُ احْتِوَاءِ بَلَدٍ عَلَيْهِمْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِذَلِكَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ مِنْ خَبَرٍ بِمَضْمُونِهِ كَانَ عَلَامَةً عَلَى اجْتِمَاع شَرَائِطِ التَّوَاتُرِ فِيهِ وَهِيَ كَمَا عُلِمَ مِنْ تَعْرِيفِهِ كَوْنُهُ خَبَرُ جَمْعٍ وَكَوْنُهُمْ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ تُوَافِقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَكَوْنُهُ عَنْ مَحْسُوسٍ ثُمَّ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِالْمُتَوَاتِرِ ضَرُورِيّ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَحْصُلُ مِنْ سَمَاعِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ وَتَوَقُّفُهُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ وَهِيَ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَة لَا يُنَافِي كَوْنَهُ ضَرُورِيًّا وَيُقَابِلُ الْمُتَوَاتِرَ مَظْنُونُ الصِّدْقِ وَمِنْهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَى الْمُتَوَاتِرِ سَوَاءً كَانَ رِوَايَةُ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَر أَفَادَ الْعِلْمَ بِالْقَرَائِنِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُ أَمْ لَا وَمِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْمُسْتَفِيضِ وَهُوَ الشَّائِعُ بَيْن النَّاسِ عَنْ أَصْلٍ بِخِلَافِ الشَّائِعِ لَا عَنْ أَصْلٍ وَقَدْ يُسَمَّى الْمُسْتَفِيضُ مَشْهُورًا فَهُمَا بِمَعْنَى وَقِيلَ الْمَشْهُورُ بِمَعْنَى الْمُتَوَاتِرِ وَقِيلَ قِسْمٌ ثَالِثٌ غَيْرُ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ وَعِنْد الْمُحْدِثِينَ هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ وَأَقَلُّ عَدَدِ الْمُسْتَفِيضِ اثْنَانِ وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ وَقِيلَ مَا زَادَ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَهُوَ قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الْمُحْدِثِينَ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُرِفَ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ وَبَيْنَ خُصُوصِ الِاسْتِفَاضَةِ وَمُطْلَقِ الْإِشَاعَةِ فَالِاسْتِفَاضَةُ أَخَصُّ مِنْ الْإِشَاعَةِ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْفُقَهَاءُ يُشْتَرَط فِي الِاسْتِفَاضَةِ أَنْ يَسْمَعَ الشَّاهِدُ مِنْ جَمْعٍ كَثِيرِينَ يَقَعُ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهُمْ وَيُؤْمَنُ تُوَافِقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَلَا يَكْفِي سَمَاعُهُ مِنْ عَدْلَيْنِ لَمْ يُشْهِدَاهُ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَلَا يُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُمْ وَحُرِّيَّتُهُمْ وَذُكُورَتُهُمْ كَمَا لَا يُشْتَرَط فِي الْمُتَوَاتِرِ

стр. 340

اهـ، وَقَوْلُ السَّائِلِ وَلَوْ بَلَغَ الْخَبَرُ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الْفِطْرُ الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ اسْتِنْقَاذُ الْمَالِ الْمُحْتَرَمِ إلَّا إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ حُصُولُ الِاسْتِنْقَاذ مِنْهُمْ لَوْ أَفْطَرُوا بَلْ عِبَارَةُ الْأَنْوَارِ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّحَقُّقِ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ رَأَى حَيَوَانًا مُحْتَرَمًا أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ وَاحْتَاجَ إلَى الْفِطْرِ لِتَخْلِيصِهِ وَجَبَ الْفِطْرُ وَالْفِدْيَةُ وَلَوْ رَأَى غَيْرَ الْحَيَوَانِ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ وَيَكْفِي الْقَضَاءُ وَلَا فَدِيَةَ اهـ فَتَعْبِيره بِالرُّؤْيَةِ قَدْ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي حِلِّ الْفِطْرِ أَوْ وُجُوبِهِ مِنْ تَحَقُّقِ الِاسْتِنْقَاذ لَكِنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ يَكْفِي فِي ذَلِكَ الظَّنُّ وَأَنَّ تَعْبِيرَهُ بِالرُّؤْيَةِ إنَّمَا هُوَ لِلْغَالِبِ إذْ لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِذَلِكَ وَجَبَ الْفِطْرُ أَوْ جَازَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ الْفِطْرُ فِيمَا ذُكِرَ بِمُجَرَّدِ التَّوَهُّمِ أَوْ الشَّكِّ؛ لِأَنَّ صَوْمَ الْفَرْضِ الَّذِي تَلَبَّسُوا بِهِ مَانِعٌ مُحَقَّقٌ مِنْ الْإِفْطَارِ فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ إلَّا إنْ تَحَقَّقَ الْمُقْتَضِي أَوْ ظُنَّ. وَقَوْلُهُ وَهَلْ خَوْفُ الْمَشَقَّةِ إلَخْ جَوَابَهُ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ لَا يَكْفِي خَوْفُ الْمَشَقَّةِ الْمَذْكُورَةِ حَتَّى يُخْشَى مِنْهَا مُبِيحُ تَيَمُّمٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّوَوِيُّ مَنْ غَلَبَهُ الْجُوعُ أَوْ الْعَطَشُ فَخَافَ الْهَلَاكَ فَلَهُ الْفِطْرُ وَفِي التَّوَسُّطِ فِي قَوْلِ النَّوَوِيِّ ثُمَّ شَرْطُ كَوْنِ الْمَرَضِ مُبِيحًا أَنْ يُجْهِدهُ الصَّوْمُ مَعَهُ فَيَلْحَقهُ ضَرَرٌ يَشُقُّ احْتِمَالُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوهِ الْمَضَارِّ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّ قَوْلَهُ فَيُلْحِقهُ بِالْفَاءِ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحَيْنِ وَيُلْحِقهُ بِالْوَاوِ فَإِنَّهُ يُفْهِمُ اعْتِبَارَ الْأَمْرَيْنِ فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ وَالْمَدَار إنَّمَا هُوَ عَلَى الثَّانِي. وَمِنْ ثَمَّ اعْتَرَضَ الْإِسْنَوِيُّ أَيْضًا كَلَام الرَّافِعِيِّ بِأَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّ الضَّرَرَ الْمَذْكُورَ لَا يُبِيحُ وَحْدُهُ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ كَوْنِ الصَّوْمِ يُجْهِدهُ فَلَوْ وُصِفَ لَهُ دَوَاءٌ إنْ لَمْ يُفْطِر بِهِ وَإِلَّا حَصَلَ لَهُ الضَّرَرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفِطْرُ وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى الْقَوْلُ بِهِ وَقَدْ اُعْتُبِرَ فِي الْمُحَرَّرِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الصَّوَابُ فَإِنْ قُلْت قَضِيَّةُ كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ هَذَا الِاكْتِفَاءُ بِغَلَبَةِ الْجُوعِ، وَإِنْ لَمْ يَخْشَ مِنْهُ مُبِيحَ تَيَمُّمٍ قُلْت قَضِيَّته بَلْ صَرِيحُهُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ إمَّا ضَعِيفٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ كَعِبَارَاتٍ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ تُوَافِقهُ وَمِنْ ثَمَّ قُلْت فِي حَاشِيَةِ الْعُبَابِ أَيْ بِأَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ مَعَهُ أَوْ خَافَ بِسَبَبِهِ نَحْوَ: زِيَادَةِ مَرَضٍ أَوْ بُطْءِ بُرْءٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ، وَحَكَاهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ: أَنْ يُجْهِدهُ الصَّوْمُ مَعَهُ وَيَلْحَقهُ أَوْ فَيَلْحَقهُ ضَرَرٌ يَشُقُّ احْتِمَالُهُ عَلَى مَا ذَكَرنَا مِنْ وُجُوهِ الْمَضَارِّ فِي التَّيَمُّمِ. وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَل قَوْلُهُمْ: الْمُبِيحُ: الضَّرَرُ الظَّاهِرُ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ هُوَ مَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ مَعَ الصَّوْمِ، وَقَوْلُ الْمُهَذَّبِ هُوَ خَوْفُ الزِّيَادَةِ بِالصَّوْمِ أَوْ رَجَاءُ الزَّوَالِ بِفَقْدِهِ، وَقَوْلُ التَّهْذِيبِ هُوَ أَنْ يُجْهِدهُ وَيَلْحَقهُ بِهِ ضَرَرٌ يَشُقُّ احْتِمَالُهُ، وَقَوْلُ غَيْرِهِ رَجَاءَ خِفَّةِ الْمَرَضِ بِالْفِطْرِ أَوْ وُقُوفِهِ وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُحَرَّرِ وَصَوَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ أَنَّهُ مَتَى صَعُبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ بِهِ أَوْ نَالَهُ ضَرَرٌ شَدِيدٌ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ فَكُلُّهَا يَنْبَغِي حَمْلُهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا مُبِيحُ التَّيَمُّمِ اهـ مَا ذَكَرْته فِيهَا وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ لَا مَحِيصَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الْمَاءِ إذَا اشْتَرَطُوا فِيهِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ عُدُولٌ إلَى بَدَلٍ فَأَوْلَى أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ فِي الْعُدُولِ عَنْ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ بَدَلٍ وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ إنَّمَا هُوَ بِأَمْرِ جَدِيدٍ عَلَى أَنَّ الْمَشَقَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي السُّؤَالِ يُخْشَى مِنْهَا غَالِبًا مُبِيحُ تَيَمُّمٍ لِأَنَّهُ إذَا عِيلَ مَعَهَا الصَّبْرُ وَلَمْ تُطْفَأْ حَرَارَتُهَا إلَّا بِالْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ يَتَوَلَّدُ عَنْهَا غَالِبًا مُبِيحُ تَيَمُّمٍ وَبِمَا قَرَّرْته فِي ضَبْطِ الْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ فِي كَلَامِهِمْ بِمَا يُخْشَى مِنْهُ مُبِيحُ التَّيَمُّمِ انْدَفَعَ اسْتِشْكَالُ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي قَوَاعِدِهِ مِنْ الْمُشْكِلِ ضَبْطُ الْمَشَقَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّخْفِيفِ كَالْمَرَضِ فِي الصَّوْمِ فَإِنَّهُ إنْ ضُبِطَ بِالْمَشَقَّةِ فَالْمَشَقَّةُ نَفْسُهَا غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ، وَإِنْ ضُبِطَ بِمَا يُسَاوِي مَشَقَّةَ الْأَسْفَارِ فَذَلِكَ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَكَذَلِكَ مَشَقَّةُ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِكَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَمَنْ ضَبَطَ ذَلِكَ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَأَهْلِ الظَّاهِرِ خَلَصَ مِنْ هَذَا الْإِشْكَالِ اهـ. وَإِذَا انْضَبَطَتْ الْمَشَقَّةُ الشَّدِيدَةُ بِمَا قُلْنَاهُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ فِي التَّيَمُّمِ بِالْأَوْلَى كَمَا عَلِمْت زَالَ الْإِشْكَالُ وَبِذَلِكَ يَزُولُ أَيْضًا اسْتِشْكَالُ بَعْضِهِمْ لِلْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي ضَبَطُوا بِهَا جَوَازَ الْفِطْر لِلشَّيْخِ الْهَرِم وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا فِي حَقِّهِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِد

стр. 341

أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِمْسَاكُ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَيُمْكِنهُ هَذَا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ تَلْحَقَهُ الْمَشَقَّةُ الشَّدِيدَةُ اهـ. وَبِذَلِكَ أَيْضًا يَنْدَفِعُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّمَا تُضْبَطُ الْمَشَقَّةُ فِي ذَلِكَ بِالْمَحْسُوسِ وَمَنْ تَوَقَّفَ حَصَادُهُ لِزَرْعِهِ وَنَحْوِهِ عَلَى فِطْرِهِ وَلَمْ يَتَيَسَّر لَهُ فِعْلُهُ لَيْلًا جَازَ لَهُ الْفِطْرُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ السَّابِقُ نَقْلُهُ عَنْ الْأَنْوَارِ فِي جَوَازِ الْفِطْرِ لِاسْتِنْقَاذِ الْمَالِ الْمُحْتَرَمِ إذَا تَوَقَّفَ عَلَى الْفِطْرِ مِنْ الصَّوْمِ وَالْمُرَادُ بِالتَّوَقُّفِ هُنَا أَنَّهُ مَتَى لَمْ يُفْطِر عَجَزَ عَنْ نَحْوِ حَصَادِهِ وَخَشِيَ عَلَيْهِ التَّلَفَ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط هُنَا خَشْيَةُ مُبِيحِ تَيَمُّمٍ دَائِمًا لِأَنَّهُ لَمْ يُفْطِر لِأَمْرِ قَامَ بِذَاتِهِ وَإِنَّمَا فِطْرُهُ لِاسْتِنْقَاذِ مَالٍ مُحْتَرَمٍ يَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيَاعَ لَوْ لَمْ يُفْطِر بِصَوْمِهِ لَا يَلْحَقهُ بِهِ ضَرَرٌ مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَضْطَرُّ إلَى الْعَمَلِ الْمَذْكُورِ وَلَوْ صَامَ مَعَهُ حَصَلَ لَهُ مُبِيحُ التَّيَمُّمِ مِنْ حَيْثُ انْضِمَامُ الْعَمَلِ إلَى الصَّوْمِ فَجَازَ لَهُ الْفِطْرُ لَا لِخَشْيَةِ الضَّرَرِ فَقَطْ بَلْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَامَ وَلَمْ يَعْمَل فَاتَ الْمَالُ، وَإِنْ صَامَ وَعَمِلَ حَصَلَ لَهُ مُبِيحُ التَّيَمُّمِ. وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ الزَّرْعِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ مُتَبَرِّعًا أَوْ بِأُجْرَةٍ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي الْمُرْضِعَةِ إذَا أَفْطَرَتْ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهَا أَوْ الْوَلَدِ، وَإِذَا أَفْطَرَ لِأَجْلِ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَلَا فَدِيَةَ عَلَيْهِ كَمَا عُلِمَ مِنْ عِبَارَةِ الْأَنْوَارِ السَّابِقَةِ وَحَيْثُ أُنِيطَ الْفِطْرُ بِمُبِيحِ التَّيَمُّمِ يَأْتِي فِيهِ مَا قَالُوهُ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إخْبَارِ عَدْلٍ وَلَوْ عَدْلِ رِوَايَةِ عَارِفٍ بِالطِّبِّ إنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ عَارِفًا بِهِ وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ لِإِخْبَارِ أَحَدٍ، وَمَعْرِفَتُهُ لِخَوْفِ الضَّرَرِ بِهِ بِالتَّجْرِبَةِ كَافِيَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي التَّيَمُّم فَلْتَكْفِ هُنَا قِيَاسًا عَلَيْهِ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي فِي مُسَوِّغَات الْفِطْرِ الَّتِي أَنَاطُوهَا بِمُبِيحِ التَّيَمُّمِ لَا فِي كُلِّ مُسَوِّغٍ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ وَمَتَّعَ بِحَيَاتِهِ فِيمَنْ طَارَتْ ذُبَابَةٌ عَلَى أَنْفِهِ وَهُوَ صَائِمٌ حَتَّى بَلَغَتْ حَدَّ الْبَاطِنِ فَاسْتَنْثَرَهَا عَامِدًا عَالِمًا مُخْتَارًا حَتَّى خَرَجَتْ فَهَلْ يُفْطِرُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّقَيُّؤ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْقَيْءِ، وَغَيْرُهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مَعَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي ظَنِّي الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ لَا مِمَّا خَرَجَ أَفْتَوْنَا أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ وَمَنِّهِ آمِينَ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَتَّجِه عَدَمُ الْفِطْرِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ لَوْ اقْتَلَعَ نُخَامَةً مِنْ بَاطِنِهِ وَلَفَظَهَا لَمْ يُفْطِر عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْحَنَّاطِيُّ وَكَثِيرُونَ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا لَا يُفْطِر؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهَا وَالثَّانِي يُفْطِر كَالْقَيْءِ اهـ فَتَأَمَّلْ تَعْلِيلَهُ عَدَمَ الْفِطْرِ. الْأَصَحُّ بِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَبِمُقَابَلَةِ الضَّعِيفِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْقَيْءِ نَجِدُ الذُّبَابَةَ يَجْرِي فِيهَا هَذَانِ الْوَجْهَانِ بِعِلَّتَيْهِمَا لِمَا هُوَ وَاضِحٌ أَنَّ إخْرَاجَهَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ إبْقَائِهَا فِي الْبَاطِنِ يُوَرِّثُ ضَرَرًا فِي الْغَالِبِ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْإِفْطَارِ مِنْ النُّخَامَةِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا لَيْسَ فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ مَا فِي تَرْكِ الذُّبَابَةِ فَعُلِمَ أَنَّ الْوَجْهَ أَنَّ تَعَمُّدَ إخْرَاجِهَا لَا يُفْطِر وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْمَجْمُوعِ وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابنَا أَيْ عَلَى الْفِطْرِ بِوُصُولِ عَيْنٍ إلَى الْحَلْقِ مَثَلًا وَإِنْ لَمْ تُؤْكَل عَادَةً بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَوْ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا الْوُضُوءُ مِمَّا يَخْرُجُ وَلَيْسَ مِمَّا يَدْخُلُ وَإِنَّمَا الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ اهـ لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي قَوْلِهِ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ لِمَا ذَكَرُوا فِيمَنْ أَصْبَحَ وَقَدْ ابْتَلَعَ طَرْفَ خَيْطٍ لَيْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ مَسْأَلَةِ الذُّبَاب؟ (فَأَجَابَ) بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ حَيْثُ قَالَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ عُمُومُ كَلَامِهِمْ فِي الْقَيْءِ أَنَّهُ يُفْطِر بِتَعَمُّدِ إخْرَاجِهَا بَعْد وُصُولِهَا لِلْجَوْفِ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ وَيُؤَيِّدهُ قَوْلُهُمْ لَوْ أَكَلَ لِغَلَبَةِ الْجُوعِ وَخَشْيَةِ الْهَلَاكِ مِنْهُ أَوْ تَنَاوَلَ مُفْطِرًا لِمَرَضٍ لَا يُطِيقُ مَعَهُ الصَّوْمَ لِخَشْيَتِهِ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ أَفْطَرَ وَقَدْ تَرَدَّدَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ فِيمَا لَوْ تَعَارَضَ وَاجِبَانِ: الْإِمْسَاك وَالْقَيْء فِي حَقِّ مَنْ شَرِبَ خَمْرًا لَيْلًا وَاَلَّذِي رَجَّحْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّهُ يَلْزَمهُ رِعَايَةُ وَاجِبِ الْإِمْسَاك فَلَا يَتَقَيَّأُ وَإِلَّا أَفْطَرَ؛ لِأَنَّ وَاجِبَ الْإِمْسَاكِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَوَاجِبُ التَّقَيُّؤِ عَلَى شَارِبِ الْخَمْرِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَقَاعِدَة تَعَارُضِ الْوَاجِبِينَ أَنَّهُ يُقَدَّم أَقْوَاهُمَا وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ وَاجِبَ الْإِمْسَاكِ هُنَا أَقْوَى فَمِنْ ثَمَّ أَفْطَرَ بِالتَّقَيُّؤِ فَإِذَا أَفْطَرَ بِهِ حِينَئِذٍ مَعَ وُجُوبِهِ فِي الْجُمْلَةِ فَأَوْلَى إخْرَاج الذُّبَابَةِ لِعَدَمِ

стр. 342

وُجُوبِهِ لِذَاتِهِ مُطْلَقًا وَلَا يُنَافِي جَمِيعَ مَا تَقَرَّرَ عَدَمُ الْإِفْطَارِ بِاقْتِلَاعِ النُّخَامَةِ وَلَوْ مِنْ الصَّدْرِ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْحَاجَةَ لِذَلِكَ عَامَّةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ وَغَالِبَةٌ إذْ لَا يَخْلُو أَحَدٌ مِنْ الِاحْتِيَاجِ إلَى مَجِّهَا فِي صَوْمِهِ لِئَلَّا تَضُرَّ بِهِ فَلِذَلِكَ عَفَا عَنْهَا لِعُمُومِ وُقُوعِهَا وَغَلَبَته وَلَمْ يَلْحَق بِهَا مَسْأَلَةُ الذُّبَابَةِ؛ لِأَنَّهَا نَادِرَةٌ جِدًّا وَغَيْرُ عَامَّةٍ فَأَفْطَرَ إخْرَاجهَا. عَلَى أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي النُّخَامَةِ الْفِطْرُ وَمِنْ الْقَوَاعِدِ أَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ الْقِيَاسِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ فَاتَّضَحَ مَا ذَكَرْته مِنْ الْإِفْطَار بِإِخْرَاجِ الذُّبَابَةِ مِنْ الْجَوْفِ، وَإِنْ احْتَاجَ لِذَلِكَ فَإِنْ عَلِمَ مِنْ بَقَائِهَا ضَرَرًا أَخْرَجَهَا، وَإِنْ أَفْطَرَ بِذَلِكَ كَمَا فِي مَرِيضٍ يَضُرّهُ الصَّوْمُ وَقَدْ كَانَ سَبَقَ مِنِّي إفْتَاءٌ بِأَنَّ إخْرَاجَهَا غَيْرُ مُفْطِرٍ وَالْأَوْجَهُ مَا ذَكَرْته الْآن وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَنْ غُبَارِ السِّرْجِين إذَا دَخَلَ فِي أَنْفِ الصَّائِمِ أَوْ فَمِهِ هَلْ يُفْطِر بِبَلْعِ رِيقِهِ أَوْ بِوُصُولِ الْغُبَارِ مَاءً هَلْ يَبْطُلُ الْعَفْوُ وَتَجِبُ إزَالَتُهُ وَمَا الْحُكْم لَوْ انْتَقَلَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ فِي الْفَمِ إلَى يَدِهِ أَوْ نَحْوِهِ. (فَأَجَابَ) ﵁ بِأَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا يُفْطِر بِبَلْعِ رِيقِهِ الْمُخْتَلِطُ بِالْغُبَارِ النَّجِسِ وَأَنَّهُ لَوْ وَصَلَ الْغُبَارُ الْمَذْكُورُ مَاءً لَمْ يُنَجِّس وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ مَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ عُضْوَهُ الْمُبْتَلَّ غُبَارٌ نَجِسٌ لَا يَنْجُسُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَمِثْلُ الْعُضْوِ فِي ذَلِكَ الْمَاءُ وَالثِّيَابُ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ الْأَصْحَابِ لَكِنْ قَيَّدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ بِمَا إذَا لَمْ يَكْثُر ذَلِكَ بِحَيْثُ يُجْمَع مِنْهُ فِي دَفَعَاتٍ مَاءٌ نَجِسٌ اهـ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْغُبَارَ لَا يَنْجُس مَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ الرِّيقِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِذَا لَمْ يَنْجُس بِهِ الرِّيقُ فَلَا فِطْرَ بِابْتِلَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَنَجَّسَ فَمُهُ ثُمَّ صَفَّا رِيقَهُ فَإِنَّهُ يُفْطِر بِابْتِلَاعِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْعَفْوِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَجِّسٌ وَابْتِلَاع الْمُتَنَجِّسِ يُفْطِر، وَإِنْ قِيلَ بِالْعَفْوِ عَنْهُ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ، وَإِذَا انْتَقَلَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ مِنْ بَعْض بَدَنِهِ إلَى بَعْضِهِ الْآخَرِ فَإِنْ كَانَ نَحْوَ دَمٍ أَوْ قَيْحٍ عُفِيَ عَنْ قَلِيلِ الْمُنْتَقِلِ فَقَطْ أَخْذًا مِمَّا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُمْ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِ الْأَجْنَبِيِّ مِنْ نَحْوِ الدَّمِ وَالْقَيْحِ مِنْ غَيْرِ مُغَلَّظٍ شَامِلٌ لِمَا انْفَصَلَ مِنْ بَدَنِهِ ثُمَّ أَصَابَهُ أَيْ فَيُعْفَى عَنْ الَّذِي أَصَابَهُ إنْ كَانَ قَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ بِانْفِصَالِهِ عَنْ بَدَنِهِ صَارَ أَجْنَبِيًّا فَعَوْدُهُ إلَى الْبَدَنِ لَا يُلْحِقُهُ بِمَا لَمْ يَنْفَصِل عَنْهُ حَتَّى يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ إنْ كَانَ دَمٌ نَحْوُ فَصْدٍ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ كَانَ نَحْوُ دُمَّلٍ أَوْ قَيْحِهِ. وَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ تَبَعًا لِلْجُمْهُورِ مِنْ أَنَّ الثَّانِيَ كَدَمِ الْأَجْنَبِيِّ فَلَا يُعْفَى إلَّا عَنْ قَلِيلِهِ يَنْبَغِي حَمْلُهُ كَمَا ذَكَرْته فِي شَرْح الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا إذَا جَاوَزَ مَحِلَّ نَحْوِ الْفَصْدِ وَهُوَ الْمَنْسُوب إلَيْهِ عَادَةً بِأَنْ يَنْدُرَ عِنْد أَهْلِهَا تَلَوُّثُ ذَلِكَ الْمَحِلِّ بِهِ، وَحَمْلُ بَعْضِهِمْ لَهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ رَدَدْته ثَمَّ، وَإِنْ كَانَ أَثَرُ اسْتِنْجَاءٍ عُفِيَ عَنْهُ إنْ لَمْ يَلْقَ رَطْبًا آخَرَ مِنْ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا بَحَثَهُ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ فَيُعْفَى عَنْهُ لِعُسْرِ تَجَنُّبِهِ وَمَحِلُّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُجَاوِز الصَّفْحَةَ أَوْ الْحَشَفَةَ أَمَّا إذَا جَاوَزَ أَحَدَهُمَا فَلَا يُعْفَى عَنْ الْمُجَاوِزِ لِنُدْرَتِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَوْ تَلَوَّثَتْ نَعْلُهُ بِطِينِ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنِ نَجَاسَتُهُ ثُمَّ عَرَقَتْ وَسَالَ الْعَرَقُ مِنْهَا عُفِيَ عَنْهُ أَيْضًا اهـ وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ السَّابِقَةِ قَرِيبًا أَنَّهُ يَضُرُّ سَيَلَانه بِمَحِلٍّ يَنْدُر السَّيَلَانُ إلَيْهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَحِلَّ الْعَفْوِ فِي الدَّمِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَمِثْلُهُ طِينُ الشَّارِعِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ فَلَوْ وَقَعَ الثَّوْبُ الَّذِي بِهِ نَحْوُ دَمٍ فِي مَاءٍ قَلِيل تَنَجَّسَ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي قَالَ وَالْعَفْو جَارٍ وَلَوْ كَانَ الْبَدَنُ رَطْبًا وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جَافًّا فَلَوْ لَبِسَ الثَّوْبَ وَبَدَنُهُ رَطْبٌ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى تَلَوُّثِ بَدَنِهِ وَبِهِ جَزَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيّ تَفَقُّهًا. وَمِنْ عِلَّتِهِ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلرُّطُوبَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ نَحْوِ مَاءِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ كَمَا لَوْ كَانَتْ بِالْعَرَقِ وَلَا نَظَرَ لِقَوْلِ ابْن الْعِمَادِ يُمْكِنُ تَنْشِيفُ الْبَدَنِ قَبْلَ لُبْسِ الثَّوْبِ وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُ الْعَرَقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَعْسُرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ مَا الْحِكْمَةُ فِي كَرَاهَةِ إفْرَادِ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ وَالْأَحَدِ وَفِي قِيَامِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَفِي تَحْرِيمِ صَوْمِ أَيَّامِ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقِ. (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ يُكْرَه إفْرَادُ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ -

стр. 343

«لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ إلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ» وَهَذِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي سَنَدِهَا مَجْهُولٌ لَكِنْ لَهَا شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَاسْتُفِيدَ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي كَرَاهَةُ صَوْمِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ سَوَاء أَكَانَ صَوْمُهُ يُضْعِفُهُ عَنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا وَهُوَ الْأَصَحّ وَقِيلَ إنَّمَا يُكْرَه لِمَنْ أَضْعَفَهُ وَانْتَصَرَ لَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلُوهُ عَنْ النَّصِّ وَقِيلَ لَا يُكْرَه وَقِيلَ يَحْرُمُ وَمِمَّا يَدُلُّ لِلْأَصَحِّ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ الصَّحِيحَةُ الْمُطْلَقَةُ كَحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ صُمْتِ أَمْسِ فَقَالَتْ لَا قَالَ تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا قَالَتْ لَا قَالَ فَأَفْطِرِي» . وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلِمَ مِنْ حَالِهَا الضَّعْفَ فَنَهَاهَا عَنْ الْإِفْرَادِ. فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةُ حَالٍ قَوْلِيَّة يَعُمّهَا الِاحْتِمَالُ فَيُفِيدُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهَا فَلَيْسَ الْإِضْعَافُ فِي حَقِّهَا مَقْصُودًا أَصْلًا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا نَظَرَ إلَيْهِ فِي الْكَرَاهَةِ وَاسْتُفِيدَ مِنْ الْحَدِيثِ الثَّانِي أَعْنِي قَوْلَهُ «فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ» أَنَّ عِلَّةَ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ وَطَعَامٍ فَأَشْبَهَ صَوْمَ الْعِيدَيْنِ فِي مُطْلَقِ النَّهْيِ، وَإِنْ افْتَرَقَا فِي أَنَّ النَّهْيَ فِيهِمَا لِلتَّحْرِيمِ وَهُنَا لِلتَّنْزِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ عِيدًا حَقِيقَةً وَكَوْنُ الْعِلَّةِ ذَلِكَ هُوَ مَا ذَكَره الْحَلِيمِيّ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَقِيلَ الْعِلَّةُ أَنْ لَا يُبَالَغَ فِي تَعْظِيمِهِ كَالْيَهُودِ فِي السَّبْتِ وَقِيلَ لِئَلَّا يُعْتَقَدَ وُجُوبُهُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّ عِلَّةَ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ الْقِيَامِ بِالْوَظَائِفِ الدِّينِيَّةِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهِ أَيْ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَسَوَابِقهَا وَلَوَاحِقهَا وَمِنْ الِاجْتِهَادِ فِي الدُّعَاءِ يَوْمَهُ لِيُصَادِفَ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ فِيهِ. وَمُرَادُهُ أَنَّ الصَّوْمَ مَظِنَّةٌ لِلْإِضْعَافِ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْكَرَاهَةِ بَيْنَ مَنْ يُضْعِفَهُ وَغَيْرِهِ نَظِيرَ صَوْمِ عَرَفَة لِلْحَاجِّ وَمَحِلُّ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ يَوْمًا أَوْ بَعْدَهُ يَوْمًا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ وَلِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِد إضْعَافَ نَفْسِهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَنْ مَقَاصِدِ الْجُمُعَةِ وَإِنَّمَا قَصَدَ الصَّوْمَ لَا غَيْرَ وَمَحِلُّهَا أَيْضًا فِي غَيْرِ الْفَرْضِ فَصَوْمُهُ عَنْ الْفَرْض لَا كَرَاهَةَ فِيهِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَحِلُّهَا أَيْضًا حَيْثُ لَمْ يُوَافِق عَادَةً لَهُ فَمَنْ عَادَتُهُ صَوْمُ يَوْمٍ وَفِطْرُ يَوْمٍ إذَا جَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَبْلَهُ فِطْرٌ وَبَعْدَهُ فِطْرٌ لَا كَرَاهَةَ فِي صَوْمِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَئِذٍ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَام لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومهُ أَحَدُكُمْ» وَقِيَاسًا عَلَى مَا قَالُوهُ فِي صِيَامِ يَوْمِ الشَّكِّ بَلْ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ ثَمَّ لِلتَّحْرِيمِ وَهُنَا لِلتَّنْزِيهِ فَإِذَا مَنَعَ ذَلِكَ الِاعْتِيَادُ الْحُرْمَةَ فَلَأَنْ يَمْنَعَ الْكَرَاهَةَ أَوْلَى. وَنَازَعَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ فِي انْعِقَادِ صَوْمِهِ حَيْثُ كُرِهَ بِأَنَّ قِيَاسَ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ الِانْعِقَادِ هُنَا كَمَا هُنَاكَ وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ ثَمَّ ذَاتِيَّةٌ وَهِيَ يَسْتَحِيلُ مَعَهَا الِانْعِقَادُ وَإِنَّ قُلْنَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلتَّنْزِيهِ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ، وَأَمَّا هُنَا فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الصَّوْمِ وَهُوَ مَا مَرَّ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ فَانْعَقَدَ صَوْمه بَلْ وَيَنْعَقِدُ نَذْرُ صَوْمِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ النَّذْرِ فَالتَّوَقُّفِ فِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ كَلَامِهِمْ ثَمَّ، وَفِي الْأُمِّ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَوَافَقَ يَوْمَ فِطْرٍ أَفْطَرَ وَقَضَى قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى إطْلَاقِ الْجُمْهُورِ كَرَاهَةُ إفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ إذْ لَوْ كَرِهَهُ لَمَا حَكَمَ بِانْعِقَادِ نَذْرِهِ فِيمَا يَظْهَر اهـ وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ الْمُنَافِيَةَ لِلِانْعِقَادِ هِيَ الْكَرَاهَةُ الذَّاتِيَّةَ، وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ الْعَرْضِيَّةُ فِيمَا هُوَ مَطْلُوبٌ لِذَاتِهِ فَلَا تُنَافِي انْعِقَادَ النَّذْرِ. قَالَ النَّوَوِيّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى التَّنْبِيهِ وَلَوْ أَرَادَ اعْتِكَافَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ وَلَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ وَلَا عَزَمَ عَلَى الصَّوْمِ بَعْدَهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَال يُكْرَه لَهُ صَوْمُهُ لِلْإِفْرَادِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَال يُسْتَحَبُّ لِأَجْلِ الِاعْتِكَافِ وَلِيَصِحَّ اعْتِكَافُهُ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ شَرَطَ فِيهِ الصَّوْمَ اهـ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَقَدْ يُقَالُ يُكْرَه تَخْصِيصُهُ بِالِاعْتِكَافِ كَالصَّوْمِ وَقِيَامِ لَيْلَتِهِ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْوَجْهُ عَدَمُ كَرَاهَةِ اعْتِكَافه؛ لِأَنَّهُ لَا إضْعَافَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ بِخِلَافِ صَوْمِهِ وَقِيَامِ لَيْلَتِهِ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ مِنْ احْتِمَالَيْ النَّوَوِيِّ أَوَّلُهُمَا وَمَا عَلَّلَ بِهِ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ لَا يَقْتَضِي مَنْعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. وَيُكْرَهُ أَيْضًا

стр. 344

إفْرَادُ يَوْمِ السَّبْتِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَأَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ أَعْنِي التِّرْمِذِيَّ. وَمَعْنَى النَّهْيِ أَنْ يَخْتَصَّهُ الرَّجُلُ بِالصِّيَامِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ يُعَظِّمُونَهُ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي دَاوُد إنَّ الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ وَمَالِكٍ ﵁ إنَّهُ كِذْبٌ فَمَرْدُودٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ لَيْسَ كَمَا قَالَا وَقَدْ صَحَّحَهُ الْأَئِمَّةُ قَالَ الْحَاكِمُ هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَالصَّوَابُ عَلَى الْجُمْلَةِ كَرَاهَةُ إفْرَادِهِ إذَا لَمْ يُوَافِق عَادَةً لَهُ اهـ وَاعْتَرَضَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ بَلْ مَا صَوَّبَهُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ جَلَّتْ مَرْتَبَةُ مَالِكٍ فَضْلًا عَنْ أَبِي دَاوُد وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَكْثَرُ مَا يَصُومُ مِنْ الْأَيَّامِ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ وَكَانَ يَقُولُ إنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ فَأُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ» ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُمَا لَا إفْرَادَ فِيهِ فَلَا مُشَابَهَةَ فِيهِ لِفِعْلِ الْكُفَّارِ إذْ تَعْظِيمهمَا مَعًا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَانْدَفَعَ اسْتِدْلَالُ الْأَذْرَعِيِّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَه إفْرَادُ أَحَدِهِمَا بِالصَّوْمِ قَالَ الْحَلِيمِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ وَكَانَ الْمَعْنَى فِي كَرَاهَةِ يَوْمِ السَّبْتِ أَنَّ الصَّوْمَ إمْسَاكٌ وَتَخْصِيصَهُ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ الْأَشْغَالِ مَنْ عَوَائِد الْيَهُودِ. وَتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ كَانَ هَذَا النَّهْيُ إنْ صَحَّ أَيْ وَقَدْ صَحَّ كَمَا مَرَّ إنَّمَا هُوَ لِإِفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ تَعْظِيمًا لَهُ فَيَكُونُ فِيهِ تَشْبِيهٌ بِالْيَهُودِ وَقَضِيَّةُ هَذَا الْمَعْنَى كَمَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ كَرَاهَةُ إفْرَادِ الْأَحَدِ أَيْضًا لِأَنَّ النَّصَارَى تُعَظِّمُهُ فَفِي إفْرَادِهِ تَشَبُّهٌ بِهِمْ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ يُونُسَ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ الصَّغِيرِ وَجَزَمَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَرَّ أَنَّهُمَا لَا يُكْرَهُ صَوْمُهُمَا مَعًا لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ لَمْ يُعَظِّمهُ أَحَدٌ مِنْ بَقِيَّةِ الْمِلَلِ وَحَمَلَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ خَبَرَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنْ الْأَيَّامِ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ وَكَانَ يَقُولُ إنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ وَأُحِبُّ أَنْ أُخَالِفهُمْ وَكَذَلِكَ خَبَر التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَلَّ مَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَحْمُولٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصِلَهُ بِيَوْمِ الْخَمِيسِ. وَذَكَر الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إفْرَادُ عِيدٍ مِنْ أَعْيَادِ أَهْلِ الْمِلَلِ بِالصَّوْمِ كَفَصْحِ النَّصَارَى وَفَطِيرِ الْيَهُودِ وَيَوْمِ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَان اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ قِيَاسٌ مَا مَرَّ فِي صَوْمِ السَّبْت وَالْأَحَد الْكَرَاهَة؛ لِأَنَّ فِي صَوْمِهَا تَعْظِيمًا لَهَا وَيُؤَيِّدهُ قَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَإِنَّمَا كُرِهَ إفْرَادُ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ عِيدُنَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَصُومُونَ فِي عِيدِهِمْ فَكُرِهَ التَّشَبُّهُ بِهِمْ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ إنْ صَحَّ مَا ذَكَره عَنْهُمْ أَيْ مِنْ أَنَّهُمْ يَصُومُونَ يَوْمَ عِيدِهِمْ فَالْوَجْهُ كَرَاهَةُ إفْرَادِ أَيَّامِ أَعْيَادِهِمْ بِالصَّوْمِ عَكْسُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ لِمَا فِيهِ مَنْ مُوَافَقَتِهِمْ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْأَوْجُه كَرَاهَةُ صَوْمِهَا، وَإِنْ كَانُوا لَا يَصُومُونَهَا أَلَا تَرَى إلَى كَرَاهَةِ إفْرَادِ السَّبْتِ مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَصُومُونَهُ وَكَذَا الْأَحَدِ لِمَا مَرَّ عَنْ الْحَلِيمِيِّ أَنَّ الصَّوْمَ إمْسَاكٌ وَتَخْصِيصَهُ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ الْأَشْغَالِ مِنْ عَوَائِدِ الْيَهُودِ وَكَذَا فِي بَقِيَّةِ أَعْيَادِهِمْ فَقَالَ بِالْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إمْسَاكٌ وَتَخْصِيصُ هَذِهِ الْأَيَّامِ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ الْأَشْغَالِ مَنْ عَوَائِدِ الْكَفَرَةِ فَكُرِهَ التَّشَبُّه بِهِمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءً كَانُوا يَصُومُونَهَا أَمْ لَا. وَيُكْرَهُ إدَامَةُ قِيَامِ كُلِّ اللَّيْلِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا تَبَعًا لِلْمُهَذَّبِ لِنَهْيِهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْعَيْنِ وَسَائِرِ الْبَدَنِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ وَفَرَّقَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَمِ كَرَاهَةِ صِيَامِ الدَّهْرِ بِأَنَّ ذَاكَ مُضِرٌّ دُون هَذَا وَبِأَنَّ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ يُمْكِنهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بِاللَّيْلِ مَا فَاتَهُ مِنْ أَكْلِ النَّهَارِ وَمُصَلِّي اللَّيْلِ لَا يُمْكِنهُ نَوْمُ النَّهَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ مَصَالِحِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ اهـ وَنَازَعَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي هَذَا الْفَرْقِ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ وَدَعْوَاهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي اسْتِوَاؤُهُمَا يَرُدّهُمَا تَصْرِيحُ الْحَدِيثِ بِأَنَّ قِيَامَ كُلِّ اللَّيْلِ مُضِرٌّ وَلَمْ يُصَرِّح بِنَظِيرِهِ فِي صَوْمِ الدَّهْرِ وَحِكْمَتُهُ مَا مَرَّ وَأَنَّ مَنْ قَامَ كُلَّ اللَّيْلِ لَا يَحْتَاجُ لِنَوْمِ غَالِبِ النَّهَارِ بَلْ يَكْفِيه سَاعَةٌ مِنْهُ يَرُدّهَا أَنَّ الْحِسَّ بِخِلَافِهَا وَأَنَّ مَنْ قَامَهُ كُلَّهُ كَمَنْ هَجَعَ مِنْهُ هَجْعَةً فَلَا يُكْرَهُ لِلْأَوَّلِ قِيَامُهُ كَالثَّانِي يَرُدّهَا الْحِسّ أَيْضًا إذْ نَوْمُ بَعْضِهِ، وَإِنْ قَلَّ يُزِيلُ ضَرَرَهُ بِخِلَافِ سَهَرِ كُلِّهِ وَالْكَلَامُ فِي الْقَوِيِّ الْقَادِرِ الْفَارِغِ عَنْ الشَّوَاغِلِ الْمُتَلَذِّذ بِمُنَاجَاةِ

стр. 345

الْحَبِيبِ الْمُنْعِمِ بِهَا ثُمَّ اُسْتُحْسِنَ قَوْلُ صَاحِبِ الِانْتِصَارِ يُكْرَه قِيَامُ اللَّيْلِ كُلِّهِ لِمَنْ يُضْعِفُهُ ذَلِكَ عَنْ الْفَرَائِضِ، وَقَوْلُ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ قِيَامُ كُلِّهِ فِعْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الرِّفْقِ بِالْأُمَّةِ وَإِنَّمَا يُقَال ذَلِكَ فِيمَنْ يَجِد بِهِ مَشَقَّةً يَخْشَى مِنْهَا مَحْذُورًا وَإِلَّا فَيُسْتَحَبُّ لَهُ لَا سِيَّمَا بِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ وَمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَخَفْ ضَرَرًا لَمْ يُكْرَه لَهُ وَرِفْقه بِنَفْسِهِ أَوْلَى اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ إطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ يَضُرُّ فَلَا فَرْقَ بَيْن مَنْ يَجِد مِنْهُ ضَرَرًا أَوْ لَا؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَجِد مِنْهُ لَا بُدَّ أَنْ يَجِدَهُ وَلَوْ بَعْد مُدَّةٍ فَكَانَ الْمُعْتَمَدُ مَا أَطْلَقَهُ النَّوَوِيُّ وَصَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَقَالَ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ كَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ظَاهِرُهُ التَّقْيِيدُ بِالْإِضْرَارِ وَجَمِيعُ مَا ذُكِرَ يَحْرُم لَهُ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ اهـ فَإِنْ أَرَادَ الْإِضْرَارَ بِالْفِعْلِ فَلَا نُسَلِّم أَنَّ كَلَامَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ مَظِنَّةَ الْإِضْرَارِ فَهُوَ مَا قُلْنَاهُ وَكَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ دَالٌ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالتَّقْيِيدُ بِقِيَامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ ظَاهِرُهُ انْتِفَاءُ الْكَرَاهَةِ لِتَرْكِ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالتَّوَجُّهُ إسْقَاطُ التَّقْيِيدِ وَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمِقْدَارِ الَّذِي يَضُرُّ سَوَاءً كَانَ هُوَ الْجَمِيعُ أَمْ لَا وَكَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يَقْتَضِيه وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ قَرِيبًا مِنْهُ وَسَاقَ مَا مَرَّ عَنْهُ وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ لَيْسَ مِنْ وَقْتِ النَّوْمِ الْمُعْتَادِ وَأَيْضًا فَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ مَا يَنْشَأُ مِنْ الضَّرَرِ بِتَرْكِ النَّوْمِ فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بَيْنهمَا وَلَمْ يَنَمْ فَالْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ لِخُلُوِّ كُلَّ اللَّيْلِ عَنْ النَّوْمِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الضَّرَرِ، وَإِنْ نَامَ فَقَدْ ارْتَكَبَ كَرَاهَةَ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَهِيَ أَشَدُّ اهـ. وَاحْتَرَزُوا بِقَوْلِهِمْ دَائِمًا عَنْ إحْيَاءِ بَعْضِ اللَّيَالِي فَإِنَّهُ لَا يُكْرَه؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُحْيِي لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَيُسَنُّ إحْيَاءُ لَيْلَتَيْ الْعِيدِ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا وَيُكْرَهُ أَيْضًا تَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِالْقِيَامِ أَيْ الصَّلَاة سَوَاءٌ لَيْلَةُ الرَّغَائِبِ وَغَيْرِهَا لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَمَّا مَا فِي الْإِحْيَاءِ مِنْ اسْتِحْبَابِ إحْيَائِهَا فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَامَ اللَّيْلَةَ الَّتِي قَبْلَهَا أَوْ اللَّيْلَةَ الَّتِي بَعْدَهَا كَمَا قَالُوا فِي صَوْمِ يَوْمِهَا كَذَلِكَ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ عِلَّةَ الْكَرَاهَةَ هُنَا أَنَّ قِيَامَهَا يُؤَدِّي إلَى الْإِضْعَافِ فِي يَوْمِهَا عَنْ الْوَظَائِفِ الدِّينِيَّةِ الْمَطْلُوبَةِ فِيهِ فَكَانَ كَصِيَامِ يَوْمِهَا وَمِنْ ثَمَّ لَا يُكْرَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ غَيْرَهَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ تَقْيِيدهمْ الْكَرَاهَةِ بِلَيْلَتِهَا وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمِنْهَاجِ وَلِلْأَذْرَعِيِّ احْتِمَالٌ بِالْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَمَال إلَيْهِ الْغَزِّيُّ فَقَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا نَهَى عَنْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَغَيْرُهَا بِالْمَنْعِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِدْعَةٌ اهـ. وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا قَدَّمْته فِي سَبَبِ الْكَرَاهَةِ أَنَّ غَيْرَهَا لَيْسَ مُسَاوِيًا لَهَا فِي ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أَوْلَى، وَأَمَّا كَوْنُ تَخْصِيصِ غَيْرِهَا بِالْقِيَامِ بِدْعَةٌ فَلَا شَكَّ فِيهِ لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي أَنَّ هَذِهِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ أَوْ مُبَاحَةٌ وَلَا دَلِيلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِمَا عَلِمْت مِنْ مَنْعِ الْقِيَاسِ عَلَى لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَيَحْرُمُ صَوْمُ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَحِكْمَةُ ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ اهـ كَلَامُهُ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ فَقِيهٍ يُحَدِّثُ أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ مُسْتَحَبٌّ وَأَنَّ صَوْمَ رَجَب مُسْتَحَبٌّ وَصَوْمَ بَاقِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَيْضًا مُسْتَحَبٌّ وَأَنَّهُ الْمَشْهُورُ فِي الْكُتُبِ فَحَدَّثَ فَقِيهٌ آخَرُ أَنَّ صَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَرَجَب غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ وَنَهَى النَّاسَ عَنْ صَوْمِهِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ الصَّوْمَ لِأَجْلِ نَهْيِهِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَصُومُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس مِنْ رَجَب وَالنَّاهِي عَنْ الصَّوْمِ مُسْتَدِلٌّ بِمَا ذَكَره الْحَلِيمِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ مِنْ الصَّوْمِ الْمَكْرُوهِ اعْتِيَادُ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ كَالِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَذَكَر عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَوْمِهَا فَقَالَ أَكْرَه أَنْ نُوَقِّت عَلَيْك يَوْمًا تَصُومهُ وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ لَا تَجْعَل عَلَيْك يَوْمًا حَتْمًا وَعَنْ أَنَسٍ إيَّاكَ أَنْ تَكُونَ اثْنَيْنِيًّا أَوْ خَمِيسِيًّا أَوْ رَجَبِيًّا قَالَ وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَصُومُهُمَا ثُمَّ تَرَكَهُ وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّ تَخْصِيصَ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ بِالصَّوْمِ دَائِمًا تَشْبِيهٌ بِرَمَضَانَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَبَّهُ بِهِ مَا لَمْ يُشَبِّهُ اللَّهُ بِهِ اهـ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي التَّوَسُّطِ وَمَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ غَرِيبٌ اهـ فَمَا الصَّحِيحُ عِنْدكُمْ بَيِّنُوهُ لَنَا وَاضِحًا وَابْسِطُوا لَنَا الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ فَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ. (فَأَجَابَ) ﵁ -

стр. 346

بِأَنَّ الصَّوَابَ مَعَ الْقَائِلِ بِاسْتِحْبَابِ صَوْم يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَرَجَب وَبَاقِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَمَنْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ وَنَهَى النَّاسَ عَنْ صَوْمِهِ فَهُوَ مُخْطِئٌ بَلْ وَآثِمٌ؛ لِأَنَّ غَايَةَ أَمْرِهِ أَنَّهُ عَامِّيٌّ وَالْعَامِّيُّ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ وَالْأَخْذُ بِقَضِيَّتِهَا وَقَدْ اتَّفَقَ أَئِمَّتُنَا عَلَى ضَعْفِ مَقَالَةِ الْحَلِيمِيِّ الْمَذْكُورَة فِي السُّؤَالِ بَلْ عَلَى غَرَابَتِهَا وَشُذُوذِهَا وَأَنَّهَا مُنَابِذَةٌ لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ بَسْطِ أَحْوَالِهِ ﷺ فِي صِيَامِهِ وَخُلَاصَته أَنَّ صِيَامَهُ ﷺ فِي السَّنَةِ وَالشَّهْرِ عَلَى أَنْوَاعٍ وَلَمْ يَكُنْ ﷺ يَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا يَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ فَيَشُقُّ عَلَى أُمَّتِهِ وَإِنَّمَا كَانَ يَسْلُكُ الْوَسَطَ وَيَصُومُ حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهُ لَا يَصُومُ وَيَقُومُ حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهُ لَا يَنَامُ وَيَنَامُ حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهُ لَا يَقُومُ. النَّوْعُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ « ﷺ كَانَ يَصُومُ عَاشُورَاءَ» وَهُوَ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ وَفِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ أَنَّهُ تَاسِعُهُ وَكَانَ صِيَامُهُ لَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: أَوَّلُهَا أَنَّهُ كَانَ يَصُومهَا بِمَكَّةَ وَلَا يَأْمُرُ النَّاسَ بِصِيَامِهِ وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَيْ قَبْلَ نُزُولِ الْوَحْيِ مُوَافَقَةً لَهُمْ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ عَاشُورَاءَ» أَيْ وُجُوبَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا أَوْ تَأَكَّدَ طَلَبُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ سُنَّةً وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَصُومهُ إلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْيِين وَقْت الْأَمْرِ بِصَوْمِهِ وَهُوَ أَوَّلُ قُدُومِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِهِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَفِيهَا فُرِضَ رَمَضَانُ فَلَمْ يَقَع الْأَمْرُ بِهِ إلَّا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ بَعْدَ فَرْضِ رَمَضَان فُرِضَ صَوْمُهُ لَهُ أَيْ التَّطَوُّع فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا يَكُونُ نُسِخَ بِذَلِكَ. ثَانِيهَا أَنَّهُ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَرَأَى صَوْمَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَتَعْظِيمِهِمْ لَهُ وَكَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَتَهُمْ فِيمَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ صَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ وَأَكَّدَ الْأَمْرَ بِصِيَامِهِ وَالْحَثَّ عَلَيْهِ حَتَّى كَانُوا يُصَوِّمُونَهُ أَطْفَالَهُمْ وَصِيَامُهُ ﷺ لَهُ بِالْمَدِينَةِ فَلَمْ يَكُنْ اعْتِمَادًا عَلَى مُجَرَّدِ أَخْبَارِ آحَادِهِمْ بَلْ كَانَ بِوَحْيٍ أَوْ تَوَاتُرٍ أَوْ اجْتِهَادٍ وَقِيلَ اسْتِئْلَافًا لَهُمْ لَا اقْتِدَاءً بِهِمْ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمَّا زَالَ الِاسْتِئْلَافُ بِفَتْحِ مَكَّةَ أَحَبَّ مُخَالَفَتَهُمْ فَقَالَ «لَئِنْ بَقَيْتُ إلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْقَابِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ ﷺ » . ثَالِثُهَا أَنَّهُ لَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ صِيَامَ عَاشُورَاء وَقَالَ «إنَّهُ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» رَابِعُهَا أَنَّهُ عَزَمَ فِي آخِرِ عُمَرِهِ عَلَى ضَمِّ التَّاسِعِ إلَيْهِ مُخَالَفَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي صِيَامِهِ كَمَا مَرَّ فَمَرَاتِبُ صَوْمِهِ ثَلَاثَةٌ أَدْنَاهَا صَوْمُهُ وَحْدَهُ ثُمَّ مَعَ التَّاسِعِ ثُمَّ مَعَهُ وَمَعَ الْحَادِيَ عَشَرَ فَهَذَا أَكْمَلُهَا وَصَحَّ أَنَّ صَوْمَ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً وَصَوْمَ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ فَصَوْمُهُ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ عِنْد جَمَاعَةٍ وَلِأَنَّهُ أَفْضَلُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْعَمَلَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي سَائِرِ السَّنَةِ وَقِيلَ إنَّهُ مَنْسُوبٌ لِنَبِيِّنَا وَعَاشُورَاء مَنْسُوبٌ لِمُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - وَوَرَدَ مِنْ طُرُقٍ صَحَّحَ بَعْضَهَا بَعْضُ الْحُفَّاظِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ «مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ السَّنَةَ كُلَّهَا» . النَّوْعُ الثَّانِي أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ. رَوَى الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَصُمْ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَان فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ» وَفِي رِوَايَاتٍ «كَانَ يَصُومهُ إلَّا قَلِيلًا» وَبِهَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُلِّ الْأَكْثَرُ أَوْ كَانَ مَرَّةً يَصُومهُ جَمِيعَهُ وَمَرَّةً يَصُومُ مُعْظَمَهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ وُجُوبُهُ وَحِكْمَةُ إكْثَارِ الصَّوْمِ فِيهِ مَعَ نَصِّهِ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الصِّيَامِ مَا يَقَعُ فِي الْمُحَرَّم فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ الْمُحَرَّمِ» أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَم ذَلِكَ إلَّا آخِرَ عُمْرِهِ فَلَمْ يَتَمَكَّن مِنْ كَثْرَةِ الصَّوْمِ فِي الْمُحَرَّمِ أَوْ اتَّفَقَ لَهُ مِنْ الْأَعْذَارِ كَالسَّفَرِ مَا مَنَعَهُ مِنْ كَثْرَةِ الصَّوْمِ فِيهِ أَوْ كَانَ يَشْتَغِلُ عَنْ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَيَقْضِيهَا فِي شَعْبَانَ كَمَا وَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفٍ بَلْ فِيهَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَقَدْ رُمِيَ بِوَضْعِ الْحَدِيث أَوْ لِيُعَظِّمَ رَمَضَان كَمَا فِي

стр. 347

حَدِيثٍ ضَعِيفٍ أَيْضًا أَوْ لِأَنَّهُ يُغْفَلُ كَمَا فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ أُسَامَةَ قُلْت «يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَك تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ قَالَ ذَلِكَ شَهْرٌ تَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ فَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» فَأَشَارَ ﷺ إلَى أَنَّهُ لَمَّا اكْتَنَفَهُ شَهْرَانِ عَظِيمَانِ الشَّهْرُ الْحَرَامُ وَرَمَضَان اشْتَغَلَ النَّاسُ بِهِمَا فَغَفَلُوا عَنْهُ وَلِذَا ذَهَبَ كَثِيرُونَ إلَى أَنَّ صَوْمَ رَجَب أَفْضَلُ مِنْهُ. وَمِنْ فَوَائِدِ إحْيَاءِ الْوَقْتِ الْمَغْفُولِ عَنْهُ بِالطَّاعَةِ أَنَّهَا فِيهِ إخْفَاءٌ وَإِخْفَاؤُهَا سِيَّمَا بِالصَّوْمِ الَّذِي هُوَ سِرٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ أَوْلَى وَأَنَّهَا فِيهِ أَشَقُّ لِتَأَسِّي النُّفُوسِ بِمَا تُشَاهِدُ مِنْ أَحْوَالِ أَمْثَالِهَا وَلِهَذَا سَهُلَتْ الطَّاعَاتُ عِنْد مَزِيدِ يَقَظَةِ النَّاسِ وَشَقَّتْ عِنْد بُعْدِ ذَلِكَ أَوْ؛ لِأَنَّهُ تُنْسَخُ فِيهِ الْآجَالُ كَمَا فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَائِشَةَ قُلْت «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَكْثَرَ صِيَامِك فِي شَعْبَانَ قَالَ إنَّ هَذَا الشَّهْرَ يُكْتَبُ فِيهِ لِمَلَكِ الْمَوْتِ مَنْ يُقْبَضُ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ لَا يُنْسَخَ اسْمِي إلَّا وَأَنَا صَائِمٌ» وَلِأَنَّهُ يَتَمَرَّنُ بِصَوْمِهِ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ فَلَا يَأْتِي إلَّا وَقَدْ اعْتَادَ الصَّوْمَ وَسَهُلَ عَلَيْهِ فَلَا يَأْتِي رَمَضَانُ إلَّا وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنْ النَّشَاطِ. وَأَمَّا شَهْرُ رَجَب فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتُنَا أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الشُّهُورِ لَكِنَّهَا مَقَالَةٌ ضَعِيفَةٌ بَلْ لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ ﷺ صَامَهُ بَلْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِهِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ وَقْفُهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَحِينَئِذٍ فَلَا شَاهِدَ فِي ذَلِكَ لِكَرَاهَةِ صَوْمِ رَجَب خِلَافًا لِمَا وَرَدَ عَلَيْهِ بَلْ رَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّهُ ﷺ نَدَبَ الصَّوْمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَرَجَبُ أَحَدهَا وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ فِي رَجَبٍ قَالَ نَعَمْ وَيُشَرِّفُهُ قَالَهَا ثَلَاثًا» وَقَدْ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ إنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا لِصُوَّامِ رَجَبٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَبُو قِلَابَةَ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ لَا يَقُولُهُ إلَّا عَنْ بَلَاغٍ فَثَبَتَ نَدْبُ صَوْمِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مَكْرُوهًا وَأَنَّ الْقَوْلَ بِالْكَرَاهَةِ فَاسِدٌ بَلْ غَلَطٌ بَلْ قَدْ عَلِمْت فَضْلَ صَوْمِ شَعْبَانَ وَمَعَ ذَلِكَ صَوْمُ رَجَب أَفْضَلُ مِنْهُ إذْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ أَفْضَلَ الشُّهُورِ بَعْدَ رَمَضَان الْمُحَرَّم ثُمَّ بَقِيَّةُ الْحُرُمِ ثُمَّ شَعْبَان. النَّوْعُ الثَّالِثُ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَصُومُ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ التِّسْعُ الْأَوَّلُ مِنْهَا» رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهَا وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ مُسْلِمٍ مَا رَأَيْته ﷺ صَائِمًا قَطُّ نَفْيٌ وَغَيْرُهُ إثْبَاتٌ فَقُدِّمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا نَفَتْ رُؤْيَةَ نَفْسِهَا وَرَوَى الْبُخَارِيُّ «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي هَذِهِ يَعْنِي الْعَشْرَ الْأُولَى مِنْ ذِي الْحِجَّةِ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْد اللَّهِ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى» قِيلَ وَمِنْهُ يُؤْخَذ أَنَّ هَذَا الْعَشْرُ أَفْضَلُ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ بَعْضهمْ وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِأَيَّامِهِ لِأَنَّ فِيهَا يَوْمَ عَرَفَة الَّذِي لَمْ يُرَ الشَّيْطَانُ أَحْقَرَ وَلَا أَذَلَّ وَلَا أَغْيَظَ مِنْهُ فِيهِ يُكَفَّرُ سَنَتَيْنِ وَفِيهَا يَوْمُ النَّحْرِ وَهُوَ أَعْظَمُ الْأَيَّام حُرْمَةً عِنْد اللَّهِ سَمَّاهُ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلَّيَالِيِ فَلَيَالِي عَشْرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَفَضْلُهَا مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ وَدَلِيلُ هَذَا التَّفْصِيلِ تَعْبِيرُ الْخَبَرِ بِأَيَّامٍ دُون مَا مِنْ عَشْرٍ وَنَحْوِهِ. النَّوْعُ الرَّابِعُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَصُومُ فِي بَعْضِ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ وَالْأَيَّامَ الْبِيضَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ صِيَامَهُ ﷺ فِي الشَّهْرِ عَلَى أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَوَّلَ اثْنَيْنِ ثُمَّ الْخَمِيس ثُمَّ الْخَمِيس الَّذِي بَيْنه رَوَاهُ الْعَسَّالُ. ثَانِيهَا أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ مِنْ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالِاثْنَيْنِ وَمِنْ الشَّهْرِ الْآخَرِ الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِيهِ «أُنْزِلَ عَلَيَّ» رِوَايَةُ مُسْلِمٍ وَقَالَ «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ أُسَامَةَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك تَصُومُ حَتَّى لَا تَكَادَ تُفْطِرُ وَتُفْطِرُ حَتَّى لَا تَكَادَ تَصُومُ إلَّا يَوْمَيْنِ إنْ دَخَلَا فِي صِيَامِك وَإِلَّا صُمْتَهُمَا قَالَ أَيُّ يَوْمَيْنِ قُلْت يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ قَالَ ذَلِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» . وَهَذَا عَرْضٌ خَاصٌّ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ، وَأَمَّا الْعَرْضُ الدَّائِمُ فَهُوَ كُلُّ يَوْمٍ بُكْرَةً

стр. 348

وَعَشِيًّا وَلَا يُعَارِضُ مَا مَرَّ مِنْ صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ صِحَّةَ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ السَّبْتِ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى إفْرَادِهِ. ثَالِثُهَا أَيَّامُ الْبِيضِ ثَالِثُ عَشَرَ وَرَابِعُ عَشَرَ وَخَامِسُ عَشَرَ رَوَى النَّسَائِيّ «كَانَ ﷺ لَا يُفْطِرُ أَيَّامَ الْبِيضِ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ» وَفِي حَدِيثِ مُسْلِم عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ الثَّلَاثَةَ» وَلَعَلَّهُ تَرَكَ تَعْيِينهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِئَلَّا يُظَنُّ وُجُوبُهُ. رَابِعُهَا ثَلَاثَةٌ كَمَا مَرَّ عِنْد مُسْلِم. خَامِسُهَا ثَلَاثَةٌ أَوَّل كُلِّ شَهْرٍ رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ «كَانَ ﷺ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُرَّةَ كُلِّ شَهْرٍ» وَيُسَنُّ أَيْضًا صَوْمُ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ وَتَالِيَيْهِ وَتُسَمَّى الْأَيَّامَ السُّودَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَقَعَ عَنْهَا جَوَابَانِ مُخْتَلِفَانِ صُورَتهَا إذَا أَخْبَرَ الثِّقَةُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَهَلْ يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى مَنْ أَخْبَرَهُ حَيْثُ اعْتَقَدَ صِدْقَهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرهُ عِنْد قَاضٍ أَمْ لَا يَجِب الصَّوْمُ عَلَى الْمُخْبِرِ إلَّا إذَا ذَكَره عِنْد قَاضٍ أَجَابَ الْأَوَّلُ فَقَالَ يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى مَنْ أَخْبَرَهُ الثِّقَةُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرهُ عِنْد قَاضٍ حَيْثُ اعْتَقَدَ صِدْقَهُ كَمَا ذَكَره ابْنُ عَبْدَانَ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْخُوَارِزْمِيُّ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَغَيْرُهُمْ وَأَجَابَ الثَّانِي فَقَالَ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى مَنْ أَخْبَرَهُ الثِّقَةُ إذَا لَمْ يَذْكُرهُ عِنْد قَاضٍ، وَإِنْ اعْتَقَدَ صِدْقَهُ لِأُمُورٍ أَحَدُهَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِب الصَّوْمُ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ لِأَنَّ الصَّحِيحَ الْمَنْصُوصَ الْمُتَّفَق عَلَيْهِ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ شَهَادَةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «فَإِنْ شَهِدَ ذَوَا عَدْلٍ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» فَثَبَتَ أَنَّهُ شَهَادَةٌ بِنَصِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَإِمَامِ الْمَذْهَبِ فَتَعَيَّنَ الْأَخْذُ بِهِ وَإِطْرَاحُ مَا عَدَاهُ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي. الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ الصَّيْرَفِيّ نَائِبُ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ بِمِصْرَ الْمَحْرُوسَةِ أَجَابَ بِأَنَّ الرَّائِينَ إذَا لَمْ يَشْهَدُوا عِنْد حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ وَلَمْ يَثْبُتْ لَمْ يَلْزَم مَنْ لَمْ يَرَهُ الْعَمَلَ بِقَوْلِ مَنْ رَآهُ وَلَوْ كَثُرُوا وَلَهُ الْفِطْرُ إلَى اسْتِكْمَالِ شَعْبَان ثَلَاثِينَ وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى آخِر يَوْمٍ مِنْهُ وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّال لَهُ اسْتِكْمَالُ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ إنْ لَمْ يَرَهُ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ وَقَدْ أَطْلَقَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ ﵀ النَّقْلَ عَنْ الْإِمَامِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ فِيمَا إذَا أَخْبَرَ بِهِ مَنْ يُوثَقُ بِهِ أَيْ وَلَمْ يَثْبُت عِنْد قَاضٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَم الْمُخْبَر بِفَتْحِ الْبَاءِ الْعَمَلَ بِقَوْلِ الْمُخْبِرِ بِكَسْرِهَا إلَّا إذَا بَنَيْنَا عَلَى أَنَّهَا مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَمَّا إذَا بَنَيْنَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْمَذْهَبُ فَلَا يَلْزَم الْمُخْبَرُ الْعَمَلَ بِقَوْلِ الْمُخْبِرِ ثُمَّ نَقَلَ أَيْ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ ابْنِ عَبْدَانِ وَمَنْ وَافَقَهُ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْمُخْبِرِ مُطْلَقًا وَلَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا مِنْهُمَا. لَكِنَّ قَضِيَّةَ تَقْدِيمِهِ النَّقْلُ عَنْ الْإِمَامِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَتَفْرِيعِهِ عَلَى ذَلِكَ وَبِنَائِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ أَوْ الشَّهَادَةِ كَمَا ذَكَر يَقْتَضِي تَرْجِيحُ مَا قَالَاهُ أَيْ فِي أَنَّ طَرِيقَهُ الشَّهَادَةُ دُونَ الْإِخْبَارِ لِقَوْلِهِ ﵊ «فَإِنْ شَهِدَ ذَوَا عَدْلٍ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» فَثَبَتَ أَنَّهَا شَهَادَةٌ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَتَعَلَّقَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَيَلْزَم مِنْ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ شَهَادَةُ عَدْلٍ لُزُومَ الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْمُخْبِرِ حَيْثُ لَمْ يَثْبُت عِنْد حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَره الْإِمَامُ الْأَذْرَعِيُّ فِي التَّوَسُّطِ حَيْثُ قَالَ وَلَا أَحْسَبُ أَحَدًا يُنَازِعُ فِي أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ الْحَاكِمُ رَعِيَّتَهُ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ أَوْ الْإِمَامُ الْعَادِلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمهُمْ الصَّوْمُ إلَّا أَنْ يُشْهَدَ بِهِ عِنْد قَاضٍ آخَر بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ اهـ جَوَاب الصَّيْرَفِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيُؤَيِّدهُ قَوْلُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ ابْنِ نَاصِرٍ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ أَنَّ كَلَامَ النَّاظِمِ أَفْهَم أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَهُ بِالرُّؤْيَةِ مَنْ يُعْتَقَدُ صِدْقُهُ وَلَمْ يَتَّصِل بِالْحَاكِمِ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ اهـ وَقَدْ صَرَّحَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْوُجُوبِ عَلَى مَنْ لَمْ يَرَهُ مِنْ ثُبُوتِ رُؤْيَتِهِ عِنْد الْقَاضِي اهـ وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ إذَا ثَبَتَتْ الشَّهَادَةُ عِنْد الْإِمَامِ لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمْ الصِّيَامُ اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَثْبُت الشَّهَادَةُ عِنْد الْإِمَامِ لَا يَلْزَمُ النَّاسَ الصِّيَامُ وَأَجَابَ بِنَحْوِ جَوَابِ الصَّيْرَفِيِّ أَيْضًا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ حَيْثُ قَالَ لَا أَثَرَ لِلشَّهَادَةِ عِنْد غَيْرِ الْقَاضِي وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حُكْمٌ صَحِيحٌ وَذَلِكَ مَا تَقْتَضِيه نُصُوصُ الْمَذْهَبِ وَمَفَاهِيمه فَإِنْ كَانَ فِي هَذِهِ

стр. 349

الشَّاغِرَةِ عَنْ الْحُكَّامِ مَنْ يُسْمَعُ كَلَامُهُ وَيُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَنُصِّبَ فِي الْبَلَدِ عَارِفًا بِالْأَحْكَامِ فَقِيهًا نَفَذَ حُكْمُهُ وَسَمَاعُهُ أَدَاءَ الشَّهَادَاتِ بِمَا يَقْتَضِيه الشَّرْعُ الشَّرِيفُ كَمَا ذَكَره فِي الْعَزِيزِ وَالرَّوْضَةِ وَالْأَنْوَارِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَنْ هُوَ كَذَلِكَ فَلَا اهـ ثُمَّ سُئِلَ أَيْضًا عَنْ بِلَادٍ لَيْسَ فِيهَا سُلْطَانٌ وَلَا قَاضٍ وَفِيهَا رَجُلٌ يَظُنّ أَنَّهُ يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ الْعِلْمِ فَيَأْتِيه عَدْلٌ وَاحِدٌ يَشْهَدُ عِنْده بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَيَمْتَنِعُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ قَاضٍ فَهَلْ امْتِنَاعُهُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ امْتِنَاعَهُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ سَمَاعَ الشَّهَادَةِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ وَأَمْثَالِهِ وَالْحُكْمُ بِهَا لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ لِكَوْنِهِ غَيْر قَاضٍ لَكِنْ يَتَعَيَّن عَلَى أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ تَوْلِيَةُ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَإِعَانَته فَإِنْ فَعَلُوا وَإِلَّا أَثِمُوا لِإِخْلَالِهِمْ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ وَيَجِبُ تَنْبِيههمْ عَلَى ذَلِكَ وَإِعْلَامُهُمْ وَزَجْرُهُمْ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى مَنْ وَلَّوْهُ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ وَالْحُكْمُ بِمَا يَقْتَضِيه الشَّرْعُ الشَّرِيفُ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم اهـ جَوَابُهُ ثُمَّ أَجَابَ بِنَحْوِ جَوَابِهِمَا أَيْضًا بَعْضُ عُلَمَاءِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فَقَالَ إذَا لَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ شَهْرَ رَمَضَانَ عِنْد نُقْصَانِ شَعْبَان فَلَا يَلْزَمُ الصَّوْمُ وَصَوْمُ الْغَيْرِ لَيْسَ بِحُجَّةِ عَلَى الْغَيْرِ، وَأَمَّا جَوَازُ صَوْمِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَ شَكٍّ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ رَأَى هِلَالَ الْفِطْرِ لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ إلَّا إذَا ادَّعَى عِنْد قَاضٍ أَوْ مُحَكَّمٍ مِنْ جِهَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ كُلِّهِمْ اهـ جَوَابُهُ. وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ الْأَجْوِبَةَ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ابْنُ نَاصِرٍ حَيْثُ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ صِيغَةِ الشَّهَادَةِ وَيَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ قَالَ لَكِنَّ هَذَا حَيْثُ كَانَ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ أَمًّا الْمَكَانُ الَّذِي لَا قَاضِيَ فِيهِ فَيَجِبُ أَنْ يُنَصِّبُوا مُحَكَّمًا يَسْمَعُ الشَّهَادَةَ اهـ وَبِنَحْوِهِ أَجَابَ الشَّرِيفُ السَّمْهُودِيُّ ﵀ وَمُقْتَضَى هَذَا وَمَا سَبَقَ مِنْ الْأَجْوِبَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ إلَّا بِالشَّهَادَةِ عِنْد قَاضٍ أَوْ مُحَكَّمٍ مَنْصُوب وَذَكَر الْإِمَامُ الْعِمَادُ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي تَوْقِيفِ الْحُكَّامِ أَنَّ الْأَصْحَابَ ذَكَرُوا وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ أَخْبَرَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ عَدْلٌ وَاحِدٌ أَوْ عُدُولٌ هَلْ يَجِبُ الصَّوْمُ إنْ قُلْنَا أَنَّهُ رِوَايَةٌ وَجَبَ، وَإِنْ قُلْنَا أَنَّهُ شَهَادَةٌ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْد صَاحِبِ الشَّامِلِ اهـ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَر مِنْ تَوْقِيفِ الْحُكَّامِ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ بِرُؤْيَتِهِ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَلْزَم الصَّوْمُ عَلَى الصَّحِيحِ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهُ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ اهـ فَيُفْرَض الْكَلَامُ فِي أَنَّ طَرِيقَهُ طَرِيقُ الشَّهَادَةِ دُونَ الْإِخْبَارِ لِمَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ ﷺ «فَإِنْ شَهِدَ ذَوَا عَدْلٍ فَصُومُوا» فَثَبَتَ أَنَّهَا شَهَادَةٌ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَتَعَلَّقَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْإِخْبَارِ بِهِ حُكْمَ الشَّهَادَاتِ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ نَاصِرٍ، وَقَوْل النَّاظِمِ: كَمِثْلِ أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ الْغَدِ ... عَنْ فَرِيضَةِ الشَّهْرِ بِجَزْمٍ أَوْ بِظَنٍّ أَنَّ الظَّنَّ إمَّا بِرُؤْيَتِهِ أَوْ ثُبُوتِهِ لَدَى الْقَاضِي اهـ قَالَ الشَّيْخَانِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكَلَامِ عَلَى النِّيَّةِ إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِشَهَادَةٍ أَوْ وَاحِدٌ إذَا جَوَّزْنَاهُ وَجَبَ الصَّوْمُ اهـ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ إلَّا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِذَلِكَ كَمَا سَبَقَ وَيُؤَيِّدهُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ شَرَطْنَا عَدْلَيْنِ فَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ وَيُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَتَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي اهـ. وَأَطْلَقَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ فِي النَّقْلِ عَنْ الْإِمَامِ اشْتِرَاطَ الشَّهَادَةِ بِهِ عِنْد الْقَاضِي وَذَكَره أَيْضًا الْبَارِزِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرهمْ. الْأَمْرُ الرَّابِعُ سَبَقَ أَنَّ الْإِمَامَ وَابْنَ الصَّبَّاغِ ذَكَر أَنَّ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدَانَ وَمَنْ وَافَقَهُ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ قَبُولَ قَوْلِ الْوَاحِدِ بِطَرِيقِ الرِّوَايَةِ اهـ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُمْ فِيمَنْ لَمْ يَبْلُغ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فَيُرَجَّحُ عِنْده ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ الْمَذْهَبِ عَنْ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ الصَّلَاحِ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ عَلَيْهِ أَنَّ حُكْمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ أَنْ لَا يَتَّبِعَ شَيْئًا مِنْ اخْتِيَارَاتهمْ؛ لِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀ دُونَ غَيْرِهِ اهـ وَظَاهِرُهُ أَنَّ مُقَلِّدَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَّبِعَ شَيْئًا مِنْ اخْتِيَارَاتِهِمْ إذَا لَمْ

стр. 350

يَبْلُغ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّبِعَ نَصَّ الشَّافِعِيِّ ﵁ كَمَسْأَلَتِنَا الْمَسْئُول عَنْهَا فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ مُقَلِّدٌ لِلْإِمَامِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلِقِ لَا يَجُوز لِلْمُقَلِّدِ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنْ يَتْرُكَ مَذْهَبَ إمَامِهِ وَيَعْمَل بِمَا قَالَهُ الْمُجْتَهِدُ الْمُقَلِّد كَذَا أَفْتَى بِهِ الْإِمَامُ الْكَازَرُونِيُّ شَيْخُ الْحَرَمِ النَّبَوِيِّ وَهُوَ أَيْضًا نَصٌّ فِي مَسْأَلَتِنَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا لَا يَجُوزُ لِمُفْتٍ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنْ يُفْتِيَ بِمُصَنَّفٍ أَوْ مُصَنَّفِينَ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا لِكَثْرَةِ الِاخْتِلَافِ فِي الْجَزْمِ وَالتَّرْجِيحِ وَقَدْ يَجْزِمُ نَحْوُ عَشَرَةٍ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ بِشَيْءٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْمَنْصُوصِ وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور اهـ وَهَذَا أَيْضًا مِثْلُ مَا سَبَقَ مِنْ اخْتِيَارِ ابْنِ عَبْدَانَ وَمَنْ وَافَقَهُ وَقَالَ الْإِمَامُ الْأَزْرَقِيُّ لَوْ وَجَدَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّرْجِيحِ اخْتِلَافًا لِلْأَصْحَابِ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ اعْتَمَدَ تَصْحِيحَ الْأَكْثَرِ اهـ وَفِي مُقَدِّمَةِ الْمُهِمَّاتِ أَنَّ الرَّافِعِيَّ وَالنَّوَوِيَّ لَمْ يُخَالِفَا نَصَّ الشَّافِعِيِّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ جِدًّا فَأَجَابَاهُ بِمَا وَجَدَاهُ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ إلَّا ذُهُولًا عَنْ النَّصِّ قَالَ وَكَثِيرًا مَا يُخَالِف الْأَصْحَابُ النَّصَّ لَا عَنْ قَصْدٍ وَلَكِنْ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ اهـ. وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ الْأَصْبَحِيُّ، وَإِذَا وُجِدَ لِلشَّافِعِيِّ نَصٌّ وَالتَّصْحِيحُ بِخِلَافِهِ فَالِاعْتِمَادُ عَلَى نَصِّهِ إذْ الْفَتْوَى فِي هَذَا الزَّمَانِ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْأَصَحِّ عَلَى طَرِيقِ التَّقْلِيدِ لَهُ ﵁ وَتَقْلِيدُهُ أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ فَقَدْ كَانَ شُيُوخُ الْمَذْهَبِ لَا يُفْتُونَ إلَّا بِهِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدهمْ بِخِلَافِهِ فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ كَانَ كَثِيرًا مَا يَقُولُ فِي تَعْلِيقِهِ كُنْت أَذْهَبُ إلَى كَذَا وَكَذَا حَتَّى رَأَيْت نَصَّ الشَّافِعِيِّ عَلَى كَذَا وَكَذَا ثُمَّ آخُذُ بِالنَّصِّ وَأَتْرُكُ مَا كُنْت عَلَيْهِ اهـ كَلَامُ الْأَصْبَحِيِّ وَقَالَ الْإِمَامُ الْإِسْنَوِيُّ لَا اعْتِبَار مَعَ نَصِّ صَاحِبِنَا بِمُخَالَفَةِ غَيْرِهِ بَلْ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى النَّصِّ وَلَوْ كَانَ الْمُخَالِفُونَ لَهُ أَكْثَرَ فَإِنْ تَسَاوَوْا رَجَّحْنَا بِنَصِّ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ تَارَةً يَكُونُ بِبَيَانِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ التَّرْجِيحَانِ مِقْدَارًا وَأَعْلَاهَا مَنَارًا وَتَارَةً بِمُوَافَقَةِ الْأَكْثَرِينَ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْأَخْذ بِهِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ ثُمَّ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ كَيْف تُسَوِّغُ الْفَتْوَى بِمَا يُخَالِفُ نَصَّ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَكَلَامَ الْأَكْثَرِينَ وَلَا مُعَوِّلَ عَلَى تَصْحِيحٍ يُخَالِف ذَلِكَ بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ ثُمَّ قَالَ وَلَا شَكَّ أَنَّ صَاحِبَ الْمَذْهَبِ إذَا كَانَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ وَجَبَ عَلَى أَصْحَابِهِ الرُّجُوعُ إلَيْهِ فِيهَا فَإِنَّهُمْ مَعَ الشَّافِعِيِّ كَالشَّافِعِيِّ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مَعَ نُصُوصِ الشَّارِعِ وَلَا يُسَوَّغُ الِاجْتِهَادُ عِنْد الْقُدْرَةِ عَلَى النَّصِّ ثُمَّ قَالَ هُوَ وَالْأَذْرَعِيُّ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي مُخَالَفَةِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ. زَادَ الْأَذْرَعِيُّ وَمَتَى وُجِدَ لِلشَّافِعِيِّ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ طَاحَ مَا خَالَفَهُ. الْأَمْرُ الْخَامِسُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ ﵃ إذَا امْتَنَعُوا مِنْ مُخَالَفَةِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَهُمْ بَلَغُوا دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ فَالِامْتِنَاعُ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغهَا أَوْلَى فَحِينَئِذٍ الْحَاصِل مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ الصَّحِيحَةِ وَالنُّصُوص الصَّرِيحَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ لِمَا سَبَقَ عَنْ ابْنِ عَبْدَانَ وَمَنْ وَافَقَهُ إذَا لَمْ يَذْكُرهُ عِنْد الْقَاضِي لِمُخَالَفَتِهِمْ مَا سَبَقَ مِنْ النُّقُولِ وَالنُّصُوصِ وَلِعَدَمِ جَوَازِ تَقْلِيدِهِمْ فِيهِ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ كَمَا سَبَقَ عَنْ النَّوَوِيِّ نَقْلُهُ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ. الْأَمْر السَّادِسُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُت عِنْد قَاضٍ حَرُمَ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ لِمَنْ لَمْ يَرَ الْهِلَالَ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا مَنْ رَآهُ فَنَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ سُلَيْمٍ الرَّازِيِّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُت لَمْ يُجْزِئْهُ صَوْمُهُ وَمُقْتَضَى كَلَامِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُهُ وَيُجْزِئْهُ اهـ، وَفِي الْحَدِيثِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْتَرِط فِي تَكْلِيفِ كُلِّ وَاحِدٍ بِالصَّوْمِ رُؤْيَةُ نَفْسِهِ بَلْ يَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مَنْ تَثْبُت بِهِ الرُّؤْيَةُ كَذَا قَالَ الْكَبْكَادِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِرُؤْيَةِ مَنْ لَا تَثْبُتُ بِهِ الرُّؤْيَةُ بَلْ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْره إذَا لَمْ يَتَحَدَّث النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ وَلَمْ يَثْبُت عِنْد قَاضٍ فَهُوَ يَوْمُ شَكٍّ قَالَ الشَّيْخَانِ فِي الْعَزِيزِ وَالرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ إذَا وَقَعَ فِي الْأَلْسُنِ أَنَّهُ رُئِيَ وَلَمْ يَقُلْ عَدْلٌ أَنَا رَأَيْته أَوْ قَالَ وَلَمْ يَقْبَل الْوَاحِدُ أَوْ قَالَهُ عَدَدٌ مِنْ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالْفُسَّاقِ وَظُنَّ صِدْقُهُمْ فَهُوَ يَوْمُ شَكٍّ وَعِبَارَةُ الْوَلِيِّ الْعِرَاقِيِّ إذَا شَهِدَ عَدَدٌ مِنْ الْفُسَّاقِ وَظُنَّ صِدْقُهُمْ فَهُوَ يَوْمُ شَكٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. جَوَاب الثَّانِي فَمَا الرَّاجِحُ عِنْدكُمْ مِنْ الْجَوَابَيْنِ أَبْقَاكُمْ اللَّهُ تَعَالَى

стр. 351

لِلْمُسْلِمِينَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ قَدْ رَفَعْتُمْ إلَيَّ مِنْ قَدِيمٍ هَذَا السُّؤَالَ بِعَيْنِهِ وَأَجَبْتُكُمْ عَنْهُ بِجَوَابٍ مَبْسُوطٍ مُسْتَوْفٍ لِرَدِّ جَمِيعِ مَا قَالَهُ الْمُجِيبُ الثَّانِي لَفْظَةً بِلَفْظَةٍ وَعَلَى فَرْضِ أَنَّ بَيْن جَوَابَيْهِ تَخَالُفًا فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ فَالْحُكْمُ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا حَاجَةَ بِنَا إلَى بَسْطِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ثَانِيًا بَلْ نَكْتَفِي بِمَا قَدَّمْنَاهُ وَنُشِيرُ لَكُمْ هُنَا إلَى خُلَاصَةِ الْمُعْتَمَدِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ مَنْ أَخْبَرَهُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ عَدْلٌ مَوْثُوقٌ بِهِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ لَزِمَهُ الصَّوْمُ عَلَى الْمَنْقُولِ الْمُعْتَمَدِ سَوَاء قُلْنَا إنَّ ثُبُوتَ رَمَضَانَ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ أَمْ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى عُمُومِ النَّاسِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِوُجُوبِهِ عَلَى الرَّائِي وَمَنْ أَخْبَرَهُ مَوْثُوقٌ بِهِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ فَلَا يَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ بَلْ يَكْتَفِي بِهِ وَيَجِبُ بِهِ الصَّوْمُ. وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْته يُحْمَلُ اخْتِلَافُ الْأَصْحَابِ فَمَنْ قَالَ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ إلَّا أَنْ تَثْبُت الرُّؤْيَةُ عِنْد الْقَاضِي أَيْ أَوْ الْمُحَكَّمِ فَمُرَادُهُ لَا يَجِبُ عَلَى عُمُومِ النَّاسِ وَمَنْ قَالَ يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى مَنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ مَوْثُوقٌ بِهِ أَرَادَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى خُصُوصِ الْمُخْبَرِ الَّذِي أَخْبَرَهُ مَوْثُوقٌ بِهِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَلَا تَنَاقُضَ كَمَا ظَنَّهُ الْمُجِيب الثَّانِي وَمَنْ اغْتَرَّ بِهِ مِنْ قَائِلِي تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ الَّتِي ذَكَرهَا وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ إنْ تَأَمَّلْته يَظْهَرُ لَك انْدِفَاعُ جَمِيعِ مَا قَالَهُ وَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ نَقَلَ عَنْهُ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ مَا قُلْنَاهُ وَيَظْهَرُ لَك أَيْضًا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْأَكْثَرِينَ وَمَا فَرَّعَهُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا أَطَالَ بِهِ لَيْسَ كُلُّهُ فِي مَحِلِّهِ لِمَا تَقَرَّرَ لَك أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْن الْكَلَامَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَتَكَلَّمُ فِيهَا وَأَنَّ كُلًّا مِنْ الرَّأْيَيْنِ لَهُ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ أَدْخَلَ فِي اللَّيْلِ مِنْ رَمَضَانَ قُطْنَةً فِي إحْلِيلِهِ احْتِيَاطًا لِلْبَوْلِ ثُمَّ نَزَعَهَا بَعْد أَنْ أَصْبَحَ فَهَلْ هَذِهِ كَمَسْأَلَةِ الْخَيْطِ أَوْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِنَزْعِهَا قَالَ وَلَيْسَتْ هَذِهِ كَمَسْأَلَةِ الْخَيْطِ لِأَنَّ إخْرَاجَهُ عَمْدًا اسْتِقَاءَةٌ وَيَتَّضِحُ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا الْإِمْسَاكَ عَنْ مِثْلِهِ دَاخِلًا فِي حَقِيقَةِ الصَّوْمِ كَمَا يَقْتَضِيه تَفْسِيرُهُمْ بِأَنَّهُ الْإِمْسَاكُ عَنْ نَحْوِ الْجِمَاعِ مِنْ إدْخَالِ عَيْنٍ إلَى مَا يُسَمَّى جَوْفًا الثَّانِي أَنَّ الْفِطْرَ بِالِاسْتِقَاءَةِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْد الْأَصْحَابِ فِي التَّعْلِيلِ أَنَّهَا مُفْطِرَةٌ لَعَيْنِهَا كَالْإِنْزَالِ بِالِاسْتِمْنَاءِ وُقُوفًا مَعَ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقِيلَ بِرُجُوعِ شَيْءٍ إلَى الْجَوْفِ، وَإِنْ قَلَّ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ وَالْفَرِيقَانِ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ اسْتِنْبَاطِ مَعْنًى يَعُودُ بِالتَّعْمِيمِ وَهُوَ الْإِلْحَاقُ قِيَاسًا إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الِاسْتِقَاءَةِ كَوْنُهَا خُرُوجُ خَارِجٍ مِنْ جَوْفٍ كَمَا زَعَمَهُ مَنْ أَلْحَقَ إخْرَاجَ الْقُطْنَةِ مِنْ الْإِحْلِيلِ بِالِاسْتِقَاءَةِ قِيَاسًا أَمَّا الْمُعَلِّلُونَ بِالْعَيْنِ فَوُقُوفًا مِنْهُمْ مَعَ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ عَنْهُمْ. وَأَمَّا الْمُعَلَّلُونَ بِالثَّانِي فَتَعْلِيلُهُمْ نَافٍ لِذَلِكَ صَرِيحًا كَمَا لَا يَخْفَى وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ قَبَّلَ امْرَأَةً أَوْ تَلَذَّذَ بِهَا فَأَمْذَى لَمْ يُفْطِر اتِّفَاقًا وَلَمْ يُلْحِقُوهُ بِالِاسْتِمْنَاءِ بِجَامِعِ خُرُوجِ خَارِجٍ مِنْ الذَّكَرِ بِمُبَاشَرَةٍ نَظَرًا إلَى أَنَّ الِاسْتِمْنَاءِ مُفْطِرٌ بِعَيْنِهِ وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ امْرَأَةٌ ظَنَّتْ إيقَاعَ الْحَيْضِ لَيْلًا فَتَحَمَّلَتْ قُطْنَةً وَنَوَتْ الصَّوْمَ ثُمَّ أَخْرَجَتْهَا بَعْد الْفَجْرِ وَلَمْ تَرَ أَثَرًا فَهَلْ يَضُرُّ هَذَا الْإِخْرَاجُ، وَإِذَا أَدْخَلَتْ أُصْبُعَهَا لِبَاطِنِ الْفَرْجِ لِلِاسْتِنْجَاءِ هَلْ يَضُرُّ أَيْضًا؟ أَجَابَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُخَرَّجًا عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ ابْتِلَاعَ النُّخَامَةِ مِنْ الْبَاطِن هَلْ يَلْتَحِقُ بِالْقَيْءِ فِي الْإِفْطَارِ وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَإِدْخَالُ أُصْبُعِهَا إلَى بَاطِنِ الْفَرْجِ مُفْطِرٌ كَمَا فِي مِثْلِهِ مِنْ الْمَعِدَةِ وَوَجْهُ تَرَدُّده وَإِنْ صَحَّحَ مَا يُوَافِق مَا مَرَّ اسْتِلْزَامُ إخْرَاجِ الْقُطْنَةِ مِنْ الْمَرْأَةِ لِإِدْخَالِ أُصْبُعِهَا غَالِبًا، وَتَخْرِيجُهُ عَلَى مَا ذَكَره وَجْهُهُ أَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فَاحْتُمِلَ أَنْ يُقَال إنَّ الْمُنَافِيَ يُغْتَفَرُ فِيهِمَا لِأَجْلِ ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّته عَنْ الْمُمْسِك فِي رَمَضَانَ هَلْ يُكْرَه لَهُ السِّوَاكُ بَعْدَ الزَّوَالِ كَالصَّائِمِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ظَاهِرُ الْخَبَرِ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالصَّائِمِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَضَاءِ يَوْمِ ثَلَاثِينَ شَعْبَان إذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ وَلَيْسَ يَوْمُ شَكٍّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَحَدَّث

стр. 352

النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ هَلْ يَجِبُ قَضَاؤُهُ فَوْرًا كَمَا قِيلَ بِهِ فِي يَوْمِ الشَّكِّ أَمْ لَا يَجِب؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَلْحَظُ وُجُوبِ الْفَوْرِيَّةِ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ تَقْصِيرهمْ بِعَدَمِ الِاعْتِنَاءِ بَتْرَائِي الْهِلَالِ مَعَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ وُجُودِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِوُجُودِ نَحْوِ غَيْمٍ مَانِعٍ لِنُدْرَتِهِ فِي خُصُوصِ لَيْلَةِ رَمَضَانَ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا هُوَ مَلْحَظُ وُجُوبِ الْفَوْرِيَّةِ الَّذِي لَا مَحِيصَ عَنْ اعْتِبَارِهِ فِي إيجَابِهِمْ الْفَوْرِيَّةِ اتَّجَهَ أَنَّ الْمُرَادَ بِيَوْمِ الشَّكِّ هُنَا هُوَ يَوْمُ ثَلَاثِينَ شَعْبَان سَوَاء تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ التَّحَدُّثَ بِذَلِكَ لَا مَدْخَلَ لَهُ هُنَا فِي إيجَابِ الْفَوْرِيَّةِ وَإِنَّمَا مُوجِبُهَا مَا قَرَّرْته وَإِطْلَاقُ يَوْمِ الشَّكِّ عَلَى مَا مَرَّ شَائِعٌ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ اشْتِرَاطُ التَّحَدُّثِ فِي تَسْمِيَتِهِ شَكَّا إنَّمَا يَأْتِي عَلَى الضَّعِيفِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ صَوْمُ مَا بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ أَوْ لِتَكُونَ الْحُرْمَةُ بِسَبَبِ كَوْنِهِ بَعْدَ النِّصْفِ وَكَوْنِهِ بَعْدَ الشَّكِّ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ الصَّائِمِ إذَا دَخَلَ الْمَاءُ فِي أُذُنَيْهِ لِغَسْلِ مَا ظَهَرَ مِنْهُمَا عَنْ جَنَابَةٍ أَوْ لِنَحْوِ جُمُعَة فَسَبَقَهُ الْمَاءُ إلَى بَاطِنِهِمَا فَهَلْ يُفْطِرُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ كَمَا ذَكَره بَعْضُهُمْ، وَإِنْ بَالَغَ لِاسْتِيفَاءِ الْغُسْلِ كَمَا لَوْ سَبَقَ الْمَاءُ مَعَ الْمُبَالَغَةِ لِغَسْلِ نَجَاسَةِ الْفَمِ وَإِنَّمَا أَفْطَرَ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الْمَضْمَضَةِ لِحُصُولِ السُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ وَضْعِ الْمَاءِ فِي الْفَمِ فَالْمُبَالَغَةُ تَقْصِيرٌ وَهُنَا لَا يَحْصُلُ مَطْلُوبُهُ مِنْ غَسْلِ الصِّمَاخِ إلَّا بِالْمُبَالَغَةِ غَالِبًا فَلَا تَقْصِيرَ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ. بِمَا صُورَته رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرَهُ بَعْضُ بُلْدَان مُتَّفِقَةِ الْمَطَالِعِ وَثَبَتَتْ عِنْد قَاضِيهِمْ فَأَرْسَلَ نُوَّابَهُ لِبَقِيَّةِ الْبِلَادِ أَوْ رَأَوْا نَحْوَ الْقَنَادِيلِ الْمَوْقُودَةِ عَلَى الْمَنَابِرِ مِمَّا اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِكَوْنِهِ عَلَامَةً عَلَى دُخُولِ رَمَضَانَ فَهَلْ يَجِبُ الصَّوْمُ أَوْ يَجُوزُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا فِي الْأُولَى فَأَفْتَى شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا وَغَيْره بِالْوُجُوبِ فِيهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَأَفْتَى شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ فِيهَا بِالْجَوَازِ وَخَالَفَهُ الْبُرْهَانُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ وَغَيْرُهُ فَأَفْتَوْا فِيهَا بِالْوُجُوبِ وَقَدْ يُجْمَعُ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى عَلَامَةٍ قَدْ يَتَّفِقُ وُجُودهَا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ وَالثَّانِي عَلَى عَلَامَةٍ اطَّرَدَ وُجُودُهَا فِي أَوَّلِهِ دُونَ غَيْرِهِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِمَا صُورَتُهُ التَّقْطِيرُ فِي بَاطِن الْإِحْلِيلِ مُفْطِرٌ وَهُوَ إمَّا مَخْرَجُ الْبَوْلِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ أَوْ مَجْرَاهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَإِمَّا رَأْسُ الذَّكَرِ كَمَا فِي لُغَاتِ الرَّوْضَةِ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ مَا يَبْدُو مِنْهُ عِنْد تَحْرِيكِ طَرَفه يُفْطِر بِوُصُولِ الْعَيْن إلَيْهِ وَفِيهِ مَشَقَّةٌ سِيَّمَا عَلَى الْمُسْتَجْمِرِ فَإِنَّهُ لَا يَكَاد يُحْتَرَزُ مِنْهُ وَأَيْضًا الْغَالِبُ عِنْد الِاسْتِنْجَاءِ انْفِتَاحه وَوُصُولُ الْمَاءِ إلَيْهِ فَمَا الْحُكْمُ فِيهِ وَهَلْ هُوَ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيّ فِي حَلْقَةِ الدُّبُرِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَوْلَى تَفَاسِيره الْمَذْكُورَةِ مَا فِي الْمَجْمُوعِ فَهُوَ مِنْ الْمَثَانَةِ إلَى رَأْسِهِ وَالْمُفْطِرُ إنَّمَا هُوَ وُصُولُ الْعَيْنِ لِبَاطِنِهِ وَذِكْرُ الْبَاطِنِ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّهُ مَجْرَى الْبَوْلِ يُومِئُ إلَى أَنَّ الْمَجْرَى الْمَذْكُورَ فِي السُّؤَالِ ظَاهِرٌ فَلَا يَضُرّ وُصُولُ شَيْءٍ إلَيْهِ فَهُوَ كَمَا يَبْدُو مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ عِنْد قُعُودِهَا وَكَمَا ذَكَره السُّبْكِيّ فِي حَلْقَةِ الدُّبُرِ عَنْ الْقَاضِي وَمُلَخَّص عِبَارَتِهِ يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ حِفْظُ أُصْبُعِهِ حَالَ الِاسْتِنْجَاء مِنْ مُسَرِّبَتِهِ فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ فِيهِ أَدْنَى شَيْءٍ مِنْ رَأْسِ أُنْمُلَتِهِ بَطُلَ صَوْمُهُ قَالَ السُّبْكِيّ وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ وَصَلَ لِلْمَكَانِ الْمُجَوَّفِ أَمَّا أَوَّل الْمُسَرِّبَةِ الْمُنْطَبِقِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى جَوْفًا فَلَا فِطْرَ بِالْوُصُولِ إلَيْهِ اهـ وَهُوَ بَيَانٌ لِمُرَادِ الْقَاضِي لَا تَضْعِيفٌ لَهُ وَمَا ذَكَره السَّائِلُ أَوْلَى بِأَنْ لَا يُسَمَّى جَوْفًا مِمَّا ذَكَره السُّبْكِيّ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ عَبْدٍ لَزِمَهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ فَأَخَّرَهُ بِلَا عُذْرٍ إلَى مَا بَعْدَ رَمَضَان آخَر فَهَلْ تَلْزَمهُ فِدْيَةٌ وَمَا هِيَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوْجَهُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا فَدِيَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا فِدْيَةٌ مَالِيَّةٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا فَإِنْ عَتَقَ فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ كَالْهَرِمِ إذَا عَجَزَ وَقُلْنَا تَلْزَمهُ وَكَانَ مُعْسِرَا فَأَيْسَر أَوْ لَا وَفَارَقَ الْهَرِمَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّهُ كَانَ مُخَاطَبًا بِالْفِدْيَةِ حَالَ إفْطَارِهِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْأَوْجَه الثَّانِي. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ امْرَأَةٍ صَائِمَةٍ تَبَخَّرَتْ فَدَخَلَ دُخَانُ الْبَخُورِ فَرْجَهَا فَهَلْ تُفْطِرُ سَوَاءً قُلْنَا الْمُنْفَصِلُ عَيْنٌ أَوْ أَثَرٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ فَتَحَ فَاهُ عَمْدًا حَتَّى دَخَلَ الْغُبَارُ لَمْ يُفْطِر وَدُخَانُ الْبَخُورِ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا صُورَته احْتَوَى صَائِمٌ عَلَى مِجْمَرَةٍ وَفَتَحَ فَاهُ قَصْدًا حَتَّى دَخَلَ الدُّخَانُ إلَى جَوْفِهِ فَهَلْ يُفْطِرُ أَوْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَمَا الْفَرْقُ بَيْن هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَة

стр. 353

مَا إذَا فَتَحَ فَاهُ لِغُبَارِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُفْطِرُ هُوَ وُصُولُ الْعَيْنِ بِشَرْطِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَالُوا وَاحْتَرَزْنَا بِهِ عَنْ وُصُولِ الْأَثَرِ كَوُصُولِ الرِّيحِ أَوْ الرَّائِحَةِ بِالشَّمِّ إلَى دِمَاغِهِ وَوُصُولِ الطَّعْمِ بِالذَّوْقِ إلَى حَلْقِهِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِتَغَيُّرٍ بِطَعْمِ الرِّيقِ أَوْ رِيحِهِ بِالْعَلْكِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لِمُجَاوَرَةِ الرِّيقِ لَهُ وَهَذَا كُلَّهُ كَمَا تَرَى كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وُصُولُ الدُّخَانِ، وَإِنْ تَعَمَّدَهُ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَابْنُ النَّقِيبِ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَوْ فَتَحَ فَاهُ لِنَحْوِ غُبَارِ الطَّرِيقِ قَصْدًا لَمْ يُفْطِر وَكَذَا النَّشَائِيُّ فِي الْمُنْتَقَى حَيْثُ قَالَ فَإِنْ تَعَمَّدَ فَتْحَهُ لِلْغُبَارِ فَالْأَصَحُّ فِي التَّهْذِيبِ الْعَفْوُ وَكَلَامُ الشَّيْخَيْنِ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فَمَا وَقَعَ فِي الْعُبَابِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْخَادِمِ ضَعِيفٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ كَمَا بَسَطْته فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى أَنَّ الدُّخَانَ مِنْ أَفْرَادِ الْغُبَارِ فَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ أَجْزَاءٌ مِنْ رَمَادِ الْمُحْتَرِقِ يَتَصَاعَدُ مِنْهُ بِوَاسِطَةِ النَّارِ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى نَجَاسَةٍ دُخَانِ النَّجَاسَةِ وَالْقَائِلُ بِعَدَمِ نَجَاسَتِهِ لَا يَجْعَلُهُ مُنْفَصِلًا مِنْ الْجُرْم وَإِنَّمَا يَقُولُ إنَّهُ شَيْءٌ يُخْلَقُ عِنْد الْتِقَاءِ النَّارِ وَنَحْوِ الْحَطَبِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إمَّا غُبَارٌ أَوْ لَيْسَ بِغُبَارٍ وَكُلُّ مِنْهُمَا لَا يُفْطِرُ، وَأَمَّا أَخْذُ الرِّيمِيِّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُبَخَّرُ إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ بِالْبَخُورِ لَمْ يَضُرَّ أَوْ طَعْمُهُ وَلَوْنُهُ ضَرَّ فَمَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّا إنْ جَعَلْنَاهُ عَيْنًا كَانَ مُجَاوِرًا وَهُوَ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا أَوْ لَيْسَ بِعَيْنٍ كَانَ التَّغَيُّرُ بِهِ تَرَوُّحًا وَهُوَ لَا يَضُرُّ كَذَلِكَ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّا فِي الْخَادِمِ فِيمَنْ ابْتَلَعَ خَيْطًا وَبَقِيَ طَرْفُهُ خَارِجًا ثُمَّ أَصْبَحَ صَائِمًا فَإِنْ نَزَعَهُ أَفْطَرَ، وَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ قَالَ فَطَرِيقه أَنْ يُجْبِرهُ الْحَاكِمُ عَلَى نَزْعِهِ وَلَا يُفْطِرُ لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ قَالَ بَلْ لَوْ قِيلَ لَا يُفْطِر بِالنَّزْعِ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يَبْعُد تَنْزِيلًا لِإِيجَابِ الشَّرْع مَنْزِلَة الْإِكْرَاهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ يَطَأَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا لَا يَحْنَث هَلْ مَا ذَكَره الزَّرْكَشِيُّ آخِرًا صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا ذَكَره مُنَافٍ لِكَلَامِهِمْ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيمَا قَاسَ عَلَيْهِ لِإِمْكَانِ الْفَرْقِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي الْأَيْمَانِ وَالتَّعَالِيقِ عَلَى الْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ حَيْثُ لَا لُغَةَ مُطَّرِدَةٌ فَالْحَالِفُ عَلَى الْوَطْءِ تَشْمَلُ يَمِينُهُ حَالَة الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَهَذَا مُقْتَضَى اللُّغَةِ لَكِنَّ الْعُرْفَ الْمُطَّرِدَ اقْتَضَى خُرُوجَ حَالَةِ الْحَيْضِ مِنْ الْيَمِينِ فَحَيْثُ تُرِك لِأَجْلِهِ لَا يَحْنَثُ عَمَلًا بِذَلِكَ وَلِعُذْرِهِ بِمَنْعِ الشَّارِعِ لَهُ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَتَعَارَضَ فِيهَا وَاجِبَانِ مُرَاعَاةُ الصَّوْمِ وَهِيَ تَقْتَضِي الْبَقَاءَ وَمُرَاعَاةُ الصَّلَاةِ وَهِيَ تَقْتَضِي النَّزْعَ. فَحَيْثُ رَاعَى الصَّلَاةَ فَقَدْ اخْتَارَ إبْطَالَ صَوْمِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمُرَاعَاةِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَبَطَل صَوْمُهُ إذْ لَا مَدْخَلَ لِلْعُرْفِ فِيهِ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا لَوْ طَرَأَ لَهُ مَرَضٌ وَخَافَ مِنْ الْهَلَاكِ لَوْ لَمْ يُفْطِر فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَاطِي الْمُفْطِرِ وَيُفْطِرُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّنْ نَوَى صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَة مَعَ فَرْضٍ أَوْ كَانَ نَحْوُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَنَوَى صَوْمَهُ عَنْ عَرَفَة وَكَوْنه يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَهَلْ تَحْصُل لَهُ سُنَّةُ صَوْمِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَقْتَضِيه كَلَامُهُمْ أَنَّ الْقَصْدَ إشْغَالُ ذَلِكَ الزَّمَانِ بِصَوْمٍ كَمَا أَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّحِيَّةِ إشْغَال الْبُقْعَةِ بِصَلَاةٍ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ نَوَاهُمَا حَصَلَا أَوْ نَوَى أَحَدَهُمَا سَقَطَ طَلَبُ الْآخَرِ وَلَا يَحْصُلُ ثَوَابُهُ وَفَارَقَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَقْصُودُ وَأَيْضًا فَلَيْسَ الْقَصْدُ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَة النَّظَافَةُ فَقَطْ بِدَلِيلِ التَّيَمُّمِ لَهُ فَإِنْ قُلْت مُقْتَضَى حُصُول سُنَّةِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ بِغُسْلِ الْعِيد إذَا اتَّحَدَ يَوْمُهُمَا أَنْ يُقَال بِمِثْلِهِ هُنَا قُلْت نَعَمْ وَقَدْ مَرَّ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ بِحُصُولِ مَا لَمْ يَنْوِ مِنْهُمَا سُقُوطَ الطَّلَبِ بِفِعْلِهِ لَا حُصُولَ ثَوَابِهِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ لَوْ شَهِدَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَان عَبِيدٌ أَوْ نِسَاءٌ أَوْ فَسَقَةٌ وَظَنَّ صِدْقَهُمْ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الشَّكِّ فَيَحْرُم صَوْمُهُ إلَّا لِسَبَبٍ وَهَذَا يُنَافِيه قَوْلُ الْبَغَوِيِّ وَغَيْره لَوْ اعْتَقَدَ صِدْقَ مَنْ قَالَ أَنَّهُ رَآهُ مِمَّنْ ذَكَر صَحَّ صَوْمُهُ بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَيُنَافِيه أَيْضًا مَا قَالُوهُ مِنْ صِحَّة نِيَّةِ مُعْتَقِدِ ذَلِكَ وَوُقُوعُ الصَّوْمِ عَنْ رَمَضَان إذَا تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْهُ فَمَا الْجَمْعُ بَيْن هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ إنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ عَدَم التَّنَافِي وَأَنَّهُ أُجِيب عَمَّا زَعَمَهُ أَيْضًا بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى فِيهَا نَظَرٌ وَأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضَهَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَلَمْ أَرَ شَيْئًا مِنْهَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ

стр. 354

عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي كَوْنِ الْيَوْمِ يَوْمَ شَكٍّ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ شَهِدُوا مِنْ نَحْوِ النِّسَاءِ يُظَنُّ صِدْقَهُمْ أَيْ مِنْ شَأْنِهِمْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى ظَانٍّ بِخُصُوصِهِ فَحَيْثُ كَانُوا كَذَلِكَ صَارَ الْيَوْمُ يَوْمَ شَكٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ النَّاسِ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى كُلِّ فَرْد فَرْد بِالْخُصُوصِ فَمَنْ اعْتَقَدَ الصِّدْقَ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَمَنْ لَا حَرُمَ عَلَيْهِ وَلِأَجْلِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَمْ يَكْتَفِ بِصَبِيٍّ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا فَاسِقٍ وَحْدَهُ بَلْ اشْتَرَطَ الْجَمْعَ مِنْ كُلٍّ لِيَصِيرَ ذَلِكَ آكَد فِي ظَنِّ الصِّدْقِ وَاحْتِيَاطًا لِلتَّحْرِيمِ. ، وَأَمَّا مَا مَرَّ عَنْ الْبَغَوِيِّ فَشَرْطُهُ أَنْ يَقَعَ الظَّنُّ مِنْ ظَانٍّ بِعَيْنِهِ حَتَّى يُخَاطَبَ بِالْوُجُوبِ فَإِذَا أَخْبَرَهُ مَوْثُوقٌ بِهِ مِمَّنْ ذَكَر وَاعْتَقَدَ صِدْقَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُهُ فَإِمَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِمَا ذَكَر وَإِمَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ شَرْطَ الْوُجُوبِ الِاعْتِقَادُ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ وَلِذَا اُكْتُفِيَ فِي الْوُجُوبِ بِوَاحِدٍ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ إطْلَاقُ الْبَغَوِيِّ وَغَيْره لِوُجُودِ الِاعْتِقَادِ الْأَقْوَى وَلَمْ يَكْتَفِ فِي التَّحْرِيمِ إلَّا بِجَمْعٍ لِيَتَقَوَّى بِهِمْ الظَّنُّ الْأَضْعَفُ وَلَا بِدْعَ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمُ يَوْمَ شَكٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعُمُومِ وَيَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَى خُصُوصِ بَعْضِ النَّاسِ يَجِبُ صَوْمُهُ وَلَا يُنَافِي هَذَيْنِ صِحَّةُ نِيَّةِ مُعْتَقِدِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصِّحَّةَ لَا تُنَافِي الْوُجُوبَ وَأَيْضًا فَإِذَا نَوَى بَعْد أَنْ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ مِمَّنْ ذُكِرَ وَظُنَّ صِدْقُهُ صَحَّتْ نِيَّتُهُ ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِنْ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَجِب اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ وَإِلَّا حَرُمَ الْإِمْسَاكُ لِكَوْنِ الْيَوْمِ يَوْمَ شَكٍّ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتَهُ بِمَا لَفْظُهُ يَحْرُم الصَّوْمُ بَعْد نِصْفِ شَعْبَانَ إنْ لَمْ يَعْتَدْهُ أَوْ يَصِلُهُ بِمَا قَبْلَهُ مَا ضَابِطُ الْعَادَةِ هُنَا وَيَوْم الشَّكّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ إنْ لَمْ يَتَخَلَّل فِطْر مِثْل ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي اعْتَادَهُ فَإِذَا اعْتَادَ صَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي أَكْثَرِ أَسَابِيعِهِ جَازَ لَهُ صَوْمُهُ بَعْد النِّصْفِ وَيَوْم الشَّكِّ، وَإِنْ كَانَ أَفْطَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَصْدُق عَلَيْهِ عُرْفًا أَنَّهُ مُعْتَاده، وَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْن عَادَتِهِ وَصَوْمِهِ بَعْد النِّصْفِ فَطَرَهُ، وَأَمَّا إذَا اعْتَادَهُ مَرَّةً قَبْلَ النِّصْفِ ثُمَّ أَفْطَرَهُ مِنْ الْأُسْبُوعِ الَّذِي بَعْدَهُ ثُمَّ دَخَلَ النِّصْفُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ حِينَئِذٍ بَطُلَتْ بِفِطْرِ الْيَوْمِ الثَّانِي بِخِلَافِ مَا إذَا صَامَ الِاثْنَيْنِ الَّذِي قَبْلَ النِّصْفِ ثُمَّ دَخَلَ النِّصْفُ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ يَوْمِ اثْنَيْنِ آخَرَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ الْوَاقِعِ بَعْدَ النِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ اعْتَادَهُ وَلَمْ يَتَخَلَّل مَا يُبْطِلُ الْعَادَةَ فَإِذَا صَامَهُ ثُمَّ أَفْطَرَهُ مِنْ أُسْبُوعٍ ثَانٍ ثُمَّ صَادَفَ الِاثْنَيْنِ الثَّالِثُ يَوْمَ الشَّكِّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوز لَهُ صَوْمُهُ وَلَا يَضُرُّ حِينَئِذٍ تَخَلُّلُ فِطْرِهِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ لَهُ صَوْمُهُ بَعْد النِّصْفِ وَذَلِكَ كَافٍ. هَذَا مَا ظَهَرَ الْآن وَلَعَلَّنَا نَزْدَادُ فِيهِ عِلْمًا أَوْ نَشْهَدُ نَقْلًا. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا صُورَتُهُ عَبَّرَ فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّ الْوِصَالَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَر وَلَا يَتَنَاوَلُ بِاللَّيْلِ مَطْعُومًا عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ نَحْوَ الْجِمَاعِ لَا يَمْنَعُ الْوِصَالَ فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِالْإِمْسَاكِ كَتَارِكِ النِّيَّةِ لَا يَكُونُ امْتِنَاعُهُ لَيْلًا مِنْ تَعَاطِي الْمُفْطِرِ وِصَالًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ يَوْمَيْنِ فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا الْقَضِيَّةُ الْأُولَى فَاعْتَمَدَهَا الْإِسْنَوِيُّ قَالَ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْوِصَالِ لِلضَّعْفِ أَيْ عَنْ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ وَتَرْكِ الْجِمَاعِ وَنَحْوِهِ لَا يَضْعُف بَلْ يَقْوَى لَكِنَّ فِي الْبَحْرِ هُوَ أَنْ يَسْتَدِيمَ جَمِيعَ أَوْصَافِ الصَّائِمِينَ وَذَكَر الْجُرْجَانِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ نَحْوَهُ، وَأَمَّا الْقَضِيَّةُ الثَّانِيَةُ فَلَمْ يَعْتَمِدهَا بَلْ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِصَوْمِ يَوْمَيْنِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَلَك أَنْ تَقُولَ الْعِلَّةُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْوِصَالِ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَا ذُكِرَ مِنْ الضَّعْفِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْهُ لِلزَّجْرِ عَنْ التَّشْبِيهِ بِخُصُوصِيَّاتِهِ ﷺ وَاعْتِقَاد أَنَّ لَهُ مِنْ الْقُوَّةِ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى الطَّعَامِ مَا كَانَ لَهُ ﷺ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ إذْ التَّعْلِيلُ بِالضَّعْفِ الْمَذْكُورِ يُنْتَقَضُ بِأَنْ يَخْرُجَ رِيقُهُ ثُمَّ يَبْتَلِعهُ أَوْ بِأَنْ ابْتَلَعَ حَصَاةً أَوْ سِمْسِمَةً فَإِنَّ الْوِصَالَ يَنْتَفِي بِذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الضَّعْفِ فَالْأَوْجَهُ التَّعْلِيلُ بِمَا ذَكَرْتُهُ وَعَلَيْهِ فَالْوَجْه مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ اسْتِدَامَةُ جَمِيعِ أَوْصَافِ الصَّائِمِينَ. وَتَعْبِيرُ الْمَجْمُوعِ بِالْمَطْعُومِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَالْأَوْجَهُ أَيْضًا أَنَّ نَحْوَ تَارِك النِّيَّة لَا يَكُونُ امْتِنَاعُهُ لَيْلًا مِنْ تَعَاطِي الْمُفْطِر وِصَالًا لِأَنَّهُ لَا تَشْبِيهَ فِيهِ حِينَئِذٍ، وَإِنْ وُجِدَ فِيهِ الضَّعْفُ الْمَذْكُور. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ صَوْمِ كُلِّ شَعْبَانَ أَوْ أَكْثَرَهُ هَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَمْ سُنَّةٌ

стр. 355

لِمَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ صَامَ أَكْثَرَهُ وَالْأَكْثَرِيَّة تَحْصُلُ بِزِيَادَةِ يَوْمٍ عَلَى النِّصْفِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صَوْمُ كُلِّهِ سُنَّةٌ وَكَذَا صَوْمُ أَكْثَرِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُ صَوْمٌ بَعْدَ النِّصْفِ غَيْر مُتَّصِلٍ بِيَوْمِهِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ إذَا لَمْ يَتَّصِل بِيَوْمِ النِّصْفِ وَلَا وَافَقَ عَادَةً لَهُ أَوْ نَحْوِ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ حَرَامٌ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَيَحْصُلُ أَصْلُ الْأَكْثَرِيَّةِ بِزِيَادَةِ صَوْمِ يَوْمٍ عَلَى النِّصْفِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّته عَنْ الصَّائِمِ إذَا بَقِيَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ طَعَامٌ وَعَجَزَ عَنْ تَمْيِيزه وَمَجِّهِ وَجَرَى بِهِ رِيقُهُ إلَى بَاطِنِهِ وَقُلْتُمْ لَا يَبْطُلُ صَوْمُهُ فَهَلْ ذَلِكَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ جَرَى بِهِ نَاسِيًا أَوْ عَالِمًا فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَذَاكَ، وَإِنْ قُلْتُمْ عَدَم الْبُطْلَان مُخْتَصٌّ بِحَالَةِ النِّسْيَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ فَرْقٌ بَيْن قُدْرَتِهِ عَلَى تَمْيِيزِهِ وَعَدَمِهَا إلَّا إذَا قُلْتُمْ إنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى تَمْيِيزه وَمَجِّهِ وَلَمْ يَمُجَّهُ وَجَرَى بِهِ رِيقُهُ إلَى بَاطِنِهِ أَوْ وُضِعَ فِي فِيهِ مَاءٌ عَبَثًا أَوْ لِسُكُونِ الْعَطَشِ فَسَبَقَ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى بَاطِنِهِ أَنَّهُ يُفْطِرُ وَلَوْ كَانَ نَاسِيًا وَهُوَ غَيْر ظَاهِرٌ وَقَدْ يُقَال إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِمْ إنَّ الصَّائِمَ لَا يُفْطِرُ بِالْأَكْلِ وَنَحْوِهِ نَاسِيًا وَأَيْضًا هَلْ الْمُرَادُ تَمْيِيزه مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ أَوْ تَمْيِيز مَا جَرَى مَعَ الرِّيقِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ بَيْن أَسْنَانِ الصَّائِمِ طَعَامٌ جَرَى بِهِ رِيقُهُ وَعَجَزَ عَنْ تَمْيِيزه وَمَجِّهِ لَمْ يُفْطِر بِابْتِلَاعِ رِيقِهِ الْمَخْلُوطِ بِهِ، وَإِنْ تَعَمَّدَ ابْتِلَاعَهُ لِعُذْرِهِ وَلَوْ كَلَّفْنَاهُ عَدَمَ بَلْعِ رِيقِهِ لَشَقَّ فَسُومِحَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَوْ سَبَقَ مَاءٌ إلَى جَوْفِهِ مِنْ غَسْلِ تَبَرُّد أَوْ لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ فِي فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ لَا لِغَرَضٍ أَفْطَرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِذَلِكَ نَعَمْ لَوْ وَضَعَ شَيْئًا فِي فِيهِ عَامِدًا وَابْتَلَعَهُ نَاسِيًا لَمْ يُفْطِر كَمَا فِي الْأَنْوَارِ وَغَيْرِهِ وَالْمُرَادُ تَمْيِيزُ الطَّعَامِ السَّابِقِ مِنْ بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَمَتَى أَمْكَنَهُ تَمْيِيزُهُ مِنْ بَيْنِهَا فَلَمْ يَفْعَلْ وَابْتَلَعَ رِيقَهُ الْمَخْلُوطَ بِهِ أَفْطَرَ وَكَذَا لَوْ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ إلَى فَضَاءِ فَمِهِ فَابْتَلَعَ شَيْئًا مِنْهُ مَعَ رِيقِهِ أَوْ وَحْدَهُ لِتَقْصِيرِهِ وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَقَوْلِهِ وَأَيْضًا هَلْ الْمُرَاد إلَخْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) زَكَّى اللَّه أَعْمَالَهُ فِي الْكِتَابَةِ عَلَى تَصْنِيف لِبَعْضِ أَهْلِ زَبِيدٍ فِي مَسْأَلَةٍ وَقَعَ فِيهَا اخْتِلَافٌ طَوِيلٌ بَيْن مُفْتِيهمْ وَكِتَابَات مُتَعَدِّدَة مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَحَاصِلُهَا أَنَّ مَنْ أَخْبَرَهُ يَوْمَ ثَلَاثِينَ رَمَضَانَ عَدْلَانِ بِالْهِلَالِ وَاعْتَقَدَ صِدْقَهُمَا هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فَقَالَ جَمَاعَةٌ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ سِرًّا وَيُخْفِيه لِئَلَّا يَتَعَرَّضَ لِعُقُوبَتِهِ الْحَاكِمُ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مُؤَلِّف الْكِتَابِ الْمَذْكُور وَشَيْخُهُ وَغَيْرهمَا وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ بِمَا زَعَمَ أَنَّهُ ظَاهِرُ نَصٍّ فِي الْأُمِّ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ وَمِمَّنْ كَتَبَ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ عَلَى التَّأْلِيفِ الْمَذْكُورِ شَيْخُ مُؤَلِّفِهِ وَغَيْرُهُ فَلَمَّا سَأَلَ شَيْخَنَا فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتَهُ فِي ذَلِكَ؟ (أَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَمْدًا لَك اللَّهُمَّ مُشْرِقَ شُمُوسِ الْآرَاءِ السَّدِيدَةِ بِسَمَاءِ الْأَفْكَارِ السَّعِيدَةِ وَمُغْدِقَ أَنْهَارِ الْإِجَادَةِ بِأَنْوَاءِ الْإِفَادَةِ أَنْ نَصَّبْت عَلَى كَوَاهِلِ الْفَضَائِلِ أَعْلَامَ أَهْلِ الْحَقِّ وَرَفَعْت بِأَيْدِي الْمَحَامِدِ أَلْوِيَةَ الثَّنَاءِ عَلَى مَنْ هُوَ بِهِمْ أَلْصَقُ حَمْدًا يَسْتَمْرِئُ أَخْلَاقَ التَّحْقِيقِ بِمَزِيدِهِ وَيَسْتَغْرِقُ أَفْرَاد الْإِبَانَةِ لِعَبِيدِهِ وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى مَنْ أُرْسِلَ بِالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ لِغَوَائِلَ الْعِنَادِ وَالْمَحَجَّةِ السَّاطِعَةِ لِلْعِبَادِ وَالشَّرِيعَةِ الْبَيْضَاءِ وَالشِّرْعَةِ الْغَرَّاءِ دَائِمِينَ أَمَدًا سَرْمَدًا وَعَلَى آلِهِ ذَوِي الْجِدِّ السَّعِيدِ وَالسَّعْدِ الْجَدِيدِ وَصَحْبِهِ ذَوِي الْقَدِّ الْحَمِيدِ وَالْحَمْدِ الْعَدِيدِ مَا قَامَ بِنُصْرَةِ الْحَقِّ لِلَّهِ نَاصِرٌ، وَذَبَّ عَنْهُ أَهْلُ الْعِنَاد بِكُلِّ صَارِمٍ بَاتِرٍ. أَمَّا بَعْد فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ أَنْدِيَةُ التَّحْقِيقِ بِأَعْيَانِ الْأَفَاضِلِ لَمْ تَزَلْ حَافِلَةً وَمَغَانِيهَا بِغَوَانِي الْفَضَائِلِ آهِلَةً كَانَ الرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ خَيْرًا مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ وَالتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ أَهْلِ الصِّدْقِ خَيْرًا مِنْ التَّحَلِّي بِكُلِّ وَصْفٍ زَائِلٍ وَجِدَالٍ لَيْسَ تَحْتَهُ مِنْ طَائِلٍ وَتَفَيْهُقٍ بِمَا لَا يُجْدِي مِنْ التَّلْفِيقَاتِ وَتَمَشْدُقٍ بِمَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْعِبَارَاتِ. فَلِذَلِكَ أَجَبْت مَعَ أَنَّ لِي أَشْغَالًا سِيَّمَا الْآن تَحْجِزنِي عَنْ بُلُوغِ مَغْزَى هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ أَوْضَحُوا الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْمُدْلَهِمَّة أَعْنِي مُؤَلِّفَ هَذَا الْكِتَابِ الْمُعْلَنِ فِيهِ بِالصَّوَابِ مَنْ تَحَقَّقَ بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَنَالَ لَطَائِفَهَا وَتَحَلَّى بِتِيجَانِ الْفُنُونِ الدِّينِيَّةِ وَحَازَ شَرَائِفَهَا وَعَقَدَتْ لَهُ أَلْوِيَةُ التَّحْقِيقِ فَوْقَ الْعُلَا ذَوَائِبَهَا
следующие страницы →