← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

لِلْمُسْلِمِينَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ قَدْ رَفَعْتُمْ إلَيَّ مِنْ قَدِيمٍ هَذَا السُّؤَالَ بِعَيْنِهِ وَأَجَبْتُكُمْ عَنْهُ بِجَوَابٍ مَبْسُوطٍ مُسْتَوْفٍ لِرَدِّ جَمِيعِ مَا قَالَهُ الْمُجِيبُ الثَّانِي لَفْظَةً بِلَفْظَةٍ وَعَلَى فَرْضِ أَنَّ بَيْن جَوَابَيْهِ تَخَالُفًا فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ فَالْحُكْمُ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا حَاجَةَ بِنَا إلَى بَسْطِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ثَانِيًا بَلْ نَكْتَفِي بِمَا قَدَّمْنَاهُ وَنُشِيرُ لَكُمْ هُنَا إلَى خُلَاصَةِ الْمُعْتَمَدِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ مَنْ أَخْبَرَهُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ عَدْلٌ مَوْثُوقٌ بِهِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ لَزِمَهُ الصَّوْمُ عَلَى الْمَنْقُولِ الْمُعْتَمَدِ سَوَاء قُلْنَا إنَّ ثُبُوتَ رَمَضَانَ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ أَمْ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى عُمُومِ النَّاسِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِوُجُوبِهِ عَلَى الرَّائِي وَمَنْ أَخْبَرَهُ مَوْثُوقٌ بِهِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ فَلَا يَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ بَلْ يَكْتَفِي بِهِ وَيَجِبُ بِهِ الصَّوْمُ. وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْته يُحْمَلُ اخْتِلَافُ الْأَصْحَابِ فَمَنْ قَالَ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ إلَّا أَنْ تَثْبُت الرُّؤْيَةُ عِنْد الْقَاضِي أَيْ أَوْ الْمُحَكَّمِ فَمُرَادُهُ لَا يَجِبُ عَلَى عُمُومِ النَّاسِ وَمَنْ قَالَ يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى مَنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ مَوْثُوقٌ بِهِ أَرَادَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى خُصُوصِ الْمُخْبَرِ الَّذِي أَخْبَرَهُ مَوْثُوقٌ بِهِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَلَا تَنَاقُضَ كَمَا ظَنَّهُ الْمُجِيب الثَّانِي وَمَنْ اغْتَرَّ بِهِ مِنْ قَائِلِي تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ الَّتِي ذَكَرهَا وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ إنْ تَأَمَّلْته يَظْهَرُ لَك انْدِفَاعُ جَمِيعِ مَا قَالَهُ وَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ نَقَلَ عَنْهُ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ مَا قُلْنَاهُ وَيَظْهَرُ لَك أَيْضًا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْأَكْثَرِينَ وَمَا فَرَّعَهُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا أَطَالَ بِهِ لَيْسَ كُلُّهُ فِي مَحِلِّهِ لِمَا تَقَرَّرَ لَك أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْن الْكَلَامَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَتَكَلَّمُ فِيهَا وَأَنَّ كُلًّا مِنْ الرَّأْيَيْنِ لَهُ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ أَدْخَلَ فِي اللَّيْلِ مِنْ رَمَضَانَ قُطْنَةً فِي إحْلِيلِهِ احْتِيَاطًا لِلْبَوْلِ ثُمَّ نَزَعَهَا بَعْد أَنْ أَصْبَحَ فَهَلْ هَذِهِ كَمَسْأَلَةِ الْخَيْطِ أَوْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِنَزْعِهَا قَالَ وَلَيْسَتْ هَذِهِ كَمَسْأَلَةِ الْخَيْطِ لِأَنَّ إخْرَاجَهُ عَمْدًا اسْتِقَاءَةٌ وَيَتَّضِحُ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا الْإِمْسَاكَ عَنْ مِثْلِهِ دَاخِلًا فِي حَقِيقَةِ الصَّوْمِ كَمَا يَقْتَضِيه تَفْسِيرُهُمْ بِأَنَّهُ الْإِمْسَاكُ عَنْ نَحْوِ الْجِمَاعِ مِنْ إدْخَالِ عَيْنٍ إلَى مَا يُسَمَّى جَوْفًا الثَّانِي أَنَّ الْفِطْرَ بِالِاسْتِقَاءَةِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْد الْأَصْحَابِ فِي التَّعْلِيلِ أَنَّهَا مُفْطِرَةٌ لَعَيْنِهَا كَالْإِنْزَالِ بِالِاسْتِمْنَاءِ وُقُوفًا مَعَ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقِيلَ بِرُجُوعِ شَيْءٍ إلَى الْجَوْفِ، وَإِنْ قَلَّ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ وَالْفَرِيقَانِ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ اسْتِنْبَاطِ مَعْنًى يَعُودُ بِالتَّعْمِيمِ وَهُوَ الْإِلْحَاقُ قِيَاسًا إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الِاسْتِقَاءَةِ كَوْنُهَا خُرُوجُ خَارِجٍ مِنْ جَوْفٍ كَمَا زَعَمَهُ مَنْ أَلْحَقَ إخْرَاجَ الْقُطْنَةِ مِنْ الْإِحْلِيلِ بِالِاسْتِقَاءَةِ قِيَاسًا أَمَّا الْمُعَلِّلُونَ بِالْعَيْنِ فَوُقُوفًا مِنْهُمْ مَعَ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ عَنْهُمْ. وَأَمَّا الْمُعَلَّلُونَ بِالثَّانِي فَتَعْلِيلُهُمْ نَافٍ لِذَلِكَ صَرِيحًا كَمَا لَا يَخْفَى وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ قَبَّلَ امْرَأَةً أَوْ تَلَذَّذَ بِهَا فَأَمْذَى لَمْ يُفْطِر اتِّفَاقًا وَلَمْ يُلْحِقُوهُ بِالِاسْتِمْنَاءِ بِجَامِعِ خُرُوجِ خَارِجٍ مِنْ الذَّكَرِ بِمُبَاشَرَةٍ نَظَرًا إلَى أَنَّ الِاسْتِمْنَاءِ مُفْطِرٌ بِعَيْنِهِ وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ امْرَأَةٌ ظَنَّتْ إيقَاعَ الْحَيْضِ لَيْلًا فَتَحَمَّلَتْ قُطْنَةً وَنَوَتْ الصَّوْمَ ثُمَّ أَخْرَجَتْهَا بَعْد الْفَجْرِ وَلَمْ تَرَ أَثَرًا فَهَلْ يَضُرُّ هَذَا الْإِخْرَاجُ، وَإِذَا أَدْخَلَتْ أُصْبُعَهَا لِبَاطِنِ الْفَرْجِ لِلِاسْتِنْجَاءِ هَلْ يَضُرُّ أَيْضًا؟ أَجَابَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُخَرَّجًا عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ ابْتِلَاعَ النُّخَامَةِ مِنْ الْبَاطِن هَلْ يَلْتَحِقُ بِالْقَيْءِ فِي الْإِفْطَارِ وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَإِدْخَالُ أُصْبُعِهَا إلَى بَاطِنِ الْفَرْجِ مُفْطِرٌ كَمَا فِي مِثْلِهِ مِنْ الْمَعِدَةِ وَوَجْهُ تَرَدُّده وَإِنْ صَحَّحَ مَا يُوَافِق مَا مَرَّ اسْتِلْزَامُ إخْرَاجِ الْقُطْنَةِ مِنْ الْمَرْأَةِ لِإِدْخَالِ أُصْبُعِهَا غَالِبًا، وَتَخْرِيجُهُ عَلَى مَا ذَكَره وَجْهُهُ أَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فَاحْتُمِلَ أَنْ يُقَال إنَّ الْمُنَافِيَ يُغْتَفَرُ فِيهِمَا لِأَجْلِ ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّته عَنْ الْمُمْسِك فِي رَمَضَانَ هَلْ يُكْرَه لَهُ السِّوَاكُ بَعْدَ الزَّوَالِ كَالصَّائِمِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ظَاهِرُ الْخَبَرِ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالصَّائِمِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَضَاءِ يَوْمِ ثَلَاثِينَ شَعْبَان إذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ وَلَيْسَ يَوْمُ شَكٍّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَحَدَّث

стр. 352

النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ هَلْ يَجِبُ قَضَاؤُهُ فَوْرًا كَمَا قِيلَ بِهِ فِي يَوْمِ الشَّكِّ أَمْ لَا يَجِب؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَلْحَظُ وُجُوبِ الْفَوْرِيَّةِ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ تَقْصِيرهمْ بِعَدَمِ الِاعْتِنَاءِ بَتْرَائِي الْهِلَالِ مَعَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ وُجُودِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِوُجُودِ نَحْوِ غَيْمٍ مَانِعٍ لِنُدْرَتِهِ فِي خُصُوصِ لَيْلَةِ رَمَضَانَ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا هُوَ مَلْحَظُ وُجُوبِ الْفَوْرِيَّةِ الَّذِي لَا مَحِيصَ عَنْ اعْتِبَارِهِ فِي إيجَابِهِمْ الْفَوْرِيَّةِ اتَّجَهَ أَنَّ الْمُرَادَ بِيَوْمِ الشَّكِّ هُنَا هُوَ يَوْمُ ثَلَاثِينَ شَعْبَان سَوَاء تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ التَّحَدُّثَ بِذَلِكَ لَا مَدْخَلَ لَهُ هُنَا فِي إيجَابِ الْفَوْرِيَّةِ وَإِنَّمَا مُوجِبُهَا مَا قَرَّرْته وَإِطْلَاقُ يَوْمِ الشَّكِّ عَلَى مَا مَرَّ شَائِعٌ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ اشْتِرَاطُ التَّحَدُّثِ فِي تَسْمِيَتِهِ شَكَّا إنَّمَا يَأْتِي عَلَى الضَّعِيفِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ صَوْمُ مَا بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ أَوْ لِتَكُونَ الْحُرْمَةُ بِسَبَبِ كَوْنِهِ بَعْدَ النِّصْفِ وَكَوْنِهِ بَعْدَ الشَّكِّ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ الصَّائِمِ إذَا دَخَلَ الْمَاءُ فِي أُذُنَيْهِ لِغَسْلِ مَا ظَهَرَ مِنْهُمَا عَنْ جَنَابَةٍ أَوْ لِنَحْوِ جُمُعَة فَسَبَقَهُ الْمَاءُ إلَى بَاطِنِهِمَا فَهَلْ يُفْطِرُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ كَمَا ذَكَره بَعْضُهُمْ، وَإِنْ بَالَغَ لِاسْتِيفَاءِ الْغُسْلِ كَمَا لَوْ سَبَقَ الْمَاءُ مَعَ الْمُبَالَغَةِ لِغَسْلِ نَجَاسَةِ الْفَمِ وَإِنَّمَا أَفْطَرَ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الْمَضْمَضَةِ لِحُصُولِ السُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ وَضْعِ الْمَاءِ فِي الْفَمِ فَالْمُبَالَغَةُ تَقْصِيرٌ وَهُنَا لَا يَحْصُلُ مَطْلُوبُهُ مِنْ غَسْلِ الصِّمَاخِ إلَّا بِالْمُبَالَغَةِ غَالِبًا فَلَا تَقْصِيرَ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ. بِمَا صُورَته رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرَهُ بَعْضُ بُلْدَان مُتَّفِقَةِ الْمَطَالِعِ وَثَبَتَتْ عِنْد قَاضِيهِمْ فَأَرْسَلَ نُوَّابَهُ لِبَقِيَّةِ الْبِلَادِ أَوْ رَأَوْا نَحْوَ الْقَنَادِيلِ الْمَوْقُودَةِ عَلَى الْمَنَابِرِ مِمَّا اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِكَوْنِهِ عَلَامَةً عَلَى دُخُولِ رَمَضَانَ فَهَلْ يَجِبُ الصَّوْمُ أَوْ يَجُوزُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا فِي الْأُولَى فَأَفْتَى شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا وَغَيْره بِالْوُجُوبِ فِيهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَأَفْتَى شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ فِيهَا بِالْجَوَازِ وَخَالَفَهُ الْبُرْهَانُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ وَغَيْرُهُ فَأَفْتَوْا فِيهَا بِالْوُجُوبِ وَقَدْ يُجْمَعُ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى عَلَامَةٍ قَدْ يَتَّفِقُ وُجُودهَا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ وَالثَّانِي عَلَى عَلَامَةٍ اطَّرَدَ وُجُودُهَا فِي أَوَّلِهِ دُونَ غَيْرِهِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِمَا صُورَتُهُ التَّقْطِيرُ فِي بَاطِن الْإِحْلِيلِ مُفْطِرٌ وَهُوَ إمَّا مَخْرَجُ الْبَوْلِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ أَوْ مَجْرَاهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَإِمَّا رَأْسُ الذَّكَرِ كَمَا فِي لُغَاتِ الرَّوْضَةِ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ مَا يَبْدُو مِنْهُ عِنْد تَحْرِيكِ طَرَفه يُفْطِر بِوُصُولِ الْعَيْن إلَيْهِ وَفِيهِ مَشَقَّةٌ سِيَّمَا عَلَى الْمُسْتَجْمِرِ فَإِنَّهُ لَا يَكَاد يُحْتَرَزُ مِنْهُ وَأَيْضًا الْغَالِبُ عِنْد الِاسْتِنْجَاءِ انْفِتَاحه وَوُصُولُ الْمَاءِ إلَيْهِ فَمَا الْحُكْمُ فِيهِ وَهَلْ هُوَ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيّ فِي حَلْقَةِ الدُّبُرِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَوْلَى تَفَاسِيره الْمَذْكُورَةِ مَا فِي الْمَجْمُوعِ فَهُوَ مِنْ الْمَثَانَةِ إلَى رَأْسِهِ وَالْمُفْطِرُ إنَّمَا هُوَ وُصُولُ الْعَيْنِ لِبَاطِنِهِ وَذِكْرُ الْبَاطِنِ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّهُ مَجْرَى الْبَوْلِ يُومِئُ إلَى أَنَّ الْمَجْرَى الْمَذْكُورَ فِي السُّؤَالِ ظَاهِرٌ فَلَا يَضُرّ وُصُولُ شَيْءٍ إلَيْهِ فَهُوَ كَمَا يَبْدُو مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ عِنْد قُعُودِهَا وَكَمَا ذَكَره السُّبْكِيّ فِي حَلْقَةِ الدُّبُرِ عَنْ الْقَاضِي وَمُلَخَّص عِبَارَتِهِ يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ حِفْظُ أُصْبُعِهِ حَالَ الِاسْتِنْجَاء مِنْ مُسَرِّبَتِهِ فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ فِيهِ أَدْنَى شَيْءٍ مِنْ رَأْسِ أُنْمُلَتِهِ بَطُلَ صَوْمُهُ قَالَ السُّبْكِيّ وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ وَصَلَ لِلْمَكَانِ الْمُجَوَّفِ أَمَّا أَوَّل الْمُسَرِّبَةِ الْمُنْطَبِقِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى جَوْفًا فَلَا فِطْرَ بِالْوُصُولِ إلَيْهِ اهـ وَهُوَ بَيَانٌ لِمُرَادِ الْقَاضِي لَا تَضْعِيفٌ لَهُ وَمَا ذَكَره السَّائِلُ أَوْلَى بِأَنْ لَا يُسَمَّى جَوْفًا مِمَّا ذَكَره السُّبْكِيّ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ عَبْدٍ لَزِمَهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ فَأَخَّرَهُ بِلَا عُذْرٍ إلَى مَا بَعْدَ رَمَضَان آخَر فَهَلْ تَلْزَمهُ فِدْيَةٌ وَمَا هِيَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوْجَهُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا فَدِيَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا فِدْيَةٌ مَالِيَّةٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا فَإِنْ عَتَقَ فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ كَالْهَرِمِ إذَا عَجَزَ وَقُلْنَا تَلْزَمهُ وَكَانَ مُعْسِرَا فَأَيْسَر أَوْ لَا وَفَارَقَ الْهَرِمَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّهُ كَانَ مُخَاطَبًا بِالْفِدْيَةِ حَالَ إفْطَارِهِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْأَوْجَه الثَّانِي. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ امْرَأَةٍ صَائِمَةٍ تَبَخَّرَتْ فَدَخَلَ دُخَانُ الْبَخُورِ فَرْجَهَا فَهَلْ تُفْطِرُ سَوَاءً قُلْنَا الْمُنْفَصِلُ عَيْنٌ أَوْ أَثَرٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ فَتَحَ فَاهُ عَمْدًا حَتَّى دَخَلَ الْغُبَارُ لَمْ يُفْطِر وَدُخَانُ الْبَخُورِ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا صُورَته احْتَوَى صَائِمٌ عَلَى مِجْمَرَةٍ وَفَتَحَ فَاهُ قَصْدًا حَتَّى دَخَلَ الدُّخَانُ إلَى جَوْفِهِ فَهَلْ يُفْطِرُ أَوْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَمَا الْفَرْقُ بَيْن هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَة

стр. 353

مَا إذَا فَتَحَ فَاهُ لِغُبَارِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُفْطِرُ هُوَ وُصُولُ الْعَيْنِ بِشَرْطِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَالُوا وَاحْتَرَزْنَا بِهِ عَنْ وُصُولِ الْأَثَرِ كَوُصُولِ الرِّيحِ أَوْ الرَّائِحَةِ بِالشَّمِّ إلَى دِمَاغِهِ وَوُصُولِ الطَّعْمِ بِالذَّوْقِ إلَى حَلْقِهِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِتَغَيُّرٍ بِطَعْمِ الرِّيقِ أَوْ رِيحِهِ بِالْعَلْكِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لِمُجَاوَرَةِ الرِّيقِ لَهُ وَهَذَا كُلَّهُ كَمَا تَرَى كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وُصُولُ الدُّخَانِ، وَإِنْ تَعَمَّدَهُ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَابْنُ النَّقِيبِ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَوْ فَتَحَ فَاهُ لِنَحْوِ غُبَارِ الطَّرِيقِ قَصْدًا لَمْ يُفْطِر وَكَذَا النَّشَائِيُّ فِي الْمُنْتَقَى حَيْثُ قَالَ فَإِنْ تَعَمَّدَ فَتْحَهُ لِلْغُبَارِ فَالْأَصَحُّ فِي التَّهْذِيبِ الْعَفْوُ وَكَلَامُ الشَّيْخَيْنِ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فَمَا وَقَعَ فِي الْعُبَابِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْخَادِمِ ضَعِيفٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ كَمَا بَسَطْته فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى أَنَّ الدُّخَانَ مِنْ أَفْرَادِ الْغُبَارِ فَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ أَجْزَاءٌ مِنْ رَمَادِ الْمُحْتَرِقِ يَتَصَاعَدُ مِنْهُ بِوَاسِطَةِ النَّارِ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى نَجَاسَةٍ دُخَانِ النَّجَاسَةِ وَالْقَائِلُ بِعَدَمِ نَجَاسَتِهِ لَا يَجْعَلُهُ مُنْفَصِلًا مِنْ الْجُرْم وَإِنَّمَا يَقُولُ إنَّهُ شَيْءٌ يُخْلَقُ عِنْد الْتِقَاءِ النَّارِ وَنَحْوِ الْحَطَبِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إمَّا غُبَارٌ أَوْ لَيْسَ بِغُبَارٍ وَكُلُّ مِنْهُمَا لَا يُفْطِرُ، وَأَمَّا أَخْذُ الرِّيمِيِّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُبَخَّرُ إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ بِالْبَخُورِ لَمْ يَضُرَّ أَوْ طَعْمُهُ وَلَوْنُهُ ضَرَّ فَمَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّا إنْ جَعَلْنَاهُ عَيْنًا كَانَ مُجَاوِرًا وَهُوَ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا أَوْ لَيْسَ بِعَيْنٍ كَانَ التَّغَيُّرُ بِهِ تَرَوُّحًا وَهُوَ لَا يَضُرُّ كَذَلِكَ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّا فِي الْخَادِمِ فِيمَنْ ابْتَلَعَ خَيْطًا وَبَقِيَ طَرْفُهُ خَارِجًا ثُمَّ أَصْبَحَ صَائِمًا فَإِنْ نَزَعَهُ أَفْطَرَ، وَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ قَالَ فَطَرِيقه أَنْ يُجْبِرهُ الْحَاكِمُ عَلَى نَزْعِهِ وَلَا يُفْطِرُ لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ قَالَ بَلْ لَوْ قِيلَ لَا يُفْطِر بِالنَّزْعِ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يَبْعُد تَنْزِيلًا لِإِيجَابِ الشَّرْع مَنْزِلَة الْإِكْرَاهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ يَطَأَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا لَا يَحْنَث هَلْ مَا ذَكَره الزَّرْكَشِيُّ آخِرًا صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا ذَكَره مُنَافٍ لِكَلَامِهِمْ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيمَا قَاسَ عَلَيْهِ لِإِمْكَانِ الْفَرْقِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي الْأَيْمَانِ وَالتَّعَالِيقِ عَلَى الْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ حَيْثُ لَا لُغَةَ مُطَّرِدَةٌ فَالْحَالِفُ عَلَى الْوَطْءِ تَشْمَلُ يَمِينُهُ حَالَة الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَهَذَا مُقْتَضَى اللُّغَةِ لَكِنَّ الْعُرْفَ الْمُطَّرِدَ اقْتَضَى خُرُوجَ حَالَةِ الْحَيْضِ مِنْ الْيَمِينِ فَحَيْثُ تُرِك لِأَجْلِهِ لَا يَحْنَثُ عَمَلًا بِذَلِكَ وَلِعُذْرِهِ بِمَنْعِ الشَّارِعِ لَهُ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَتَعَارَضَ فِيهَا وَاجِبَانِ مُرَاعَاةُ الصَّوْمِ وَهِيَ تَقْتَضِي الْبَقَاءَ وَمُرَاعَاةُ الصَّلَاةِ وَهِيَ تَقْتَضِي النَّزْعَ. فَحَيْثُ رَاعَى الصَّلَاةَ فَقَدْ اخْتَارَ إبْطَالَ صَوْمِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمُرَاعَاةِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَبَطَل صَوْمُهُ إذْ لَا مَدْخَلَ لِلْعُرْفِ فِيهِ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا لَوْ طَرَأَ لَهُ مَرَضٌ وَخَافَ مِنْ الْهَلَاكِ لَوْ لَمْ يُفْطِر فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَاطِي الْمُفْطِرِ وَيُفْطِرُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّنْ نَوَى صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَة مَعَ فَرْضٍ أَوْ كَانَ نَحْوُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَنَوَى صَوْمَهُ عَنْ عَرَفَة وَكَوْنه يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَهَلْ تَحْصُل لَهُ سُنَّةُ صَوْمِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَقْتَضِيه كَلَامُهُمْ أَنَّ الْقَصْدَ إشْغَالُ ذَلِكَ الزَّمَانِ بِصَوْمٍ كَمَا أَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّحِيَّةِ إشْغَال الْبُقْعَةِ بِصَلَاةٍ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ نَوَاهُمَا حَصَلَا أَوْ نَوَى أَحَدَهُمَا سَقَطَ طَلَبُ الْآخَرِ وَلَا يَحْصُلُ ثَوَابُهُ وَفَارَقَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَقْصُودُ وَأَيْضًا فَلَيْسَ الْقَصْدُ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَة النَّظَافَةُ فَقَطْ بِدَلِيلِ التَّيَمُّمِ لَهُ فَإِنْ قُلْت مُقْتَضَى حُصُول سُنَّةِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ بِغُسْلِ الْعِيد إذَا اتَّحَدَ يَوْمُهُمَا أَنْ يُقَال بِمِثْلِهِ هُنَا قُلْت نَعَمْ وَقَدْ مَرَّ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ بِحُصُولِ مَا لَمْ يَنْوِ مِنْهُمَا سُقُوطَ الطَّلَبِ بِفِعْلِهِ لَا حُصُولَ ثَوَابِهِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ لَوْ شَهِدَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَان عَبِيدٌ أَوْ نِسَاءٌ أَوْ فَسَقَةٌ وَظَنَّ صِدْقَهُمْ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الشَّكِّ فَيَحْرُم صَوْمُهُ إلَّا لِسَبَبٍ وَهَذَا يُنَافِيه قَوْلُ الْبَغَوِيِّ وَغَيْره لَوْ اعْتَقَدَ صِدْقَ مَنْ قَالَ أَنَّهُ رَآهُ مِمَّنْ ذَكَر صَحَّ صَوْمُهُ بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَيُنَافِيه أَيْضًا مَا قَالُوهُ مِنْ صِحَّة نِيَّةِ مُعْتَقِدِ ذَلِكَ وَوُقُوعُ الصَّوْمِ عَنْ رَمَضَان إذَا تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْهُ فَمَا الْجَمْعُ بَيْن هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ إنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ عَدَم التَّنَافِي وَأَنَّهُ أُجِيب عَمَّا زَعَمَهُ أَيْضًا بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى فِيهَا نَظَرٌ وَأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضَهَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَلَمْ أَرَ شَيْئًا مِنْهَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ

стр. 354

عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي كَوْنِ الْيَوْمِ يَوْمَ شَكٍّ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ شَهِدُوا مِنْ نَحْوِ النِّسَاءِ يُظَنُّ صِدْقَهُمْ أَيْ مِنْ شَأْنِهِمْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى ظَانٍّ بِخُصُوصِهِ فَحَيْثُ كَانُوا كَذَلِكَ صَارَ الْيَوْمُ يَوْمَ شَكٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ النَّاسِ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى كُلِّ فَرْد فَرْد بِالْخُصُوصِ فَمَنْ اعْتَقَدَ الصِّدْقَ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَمَنْ لَا حَرُمَ عَلَيْهِ وَلِأَجْلِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَمْ يَكْتَفِ بِصَبِيٍّ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا فَاسِقٍ وَحْدَهُ بَلْ اشْتَرَطَ الْجَمْعَ مِنْ كُلٍّ لِيَصِيرَ ذَلِكَ آكَد فِي ظَنِّ الصِّدْقِ وَاحْتِيَاطًا لِلتَّحْرِيمِ. ، وَأَمَّا مَا مَرَّ عَنْ الْبَغَوِيِّ فَشَرْطُهُ أَنْ يَقَعَ الظَّنُّ مِنْ ظَانٍّ بِعَيْنِهِ حَتَّى يُخَاطَبَ بِالْوُجُوبِ فَإِذَا أَخْبَرَهُ مَوْثُوقٌ بِهِ مِمَّنْ ذَكَر وَاعْتَقَدَ صِدْقَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُهُ فَإِمَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِمَا ذَكَر وَإِمَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ شَرْطَ الْوُجُوبِ الِاعْتِقَادُ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ وَلِذَا اُكْتُفِيَ فِي الْوُجُوبِ بِوَاحِدٍ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ إطْلَاقُ الْبَغَوِيِّ وَغَيْره لِوُجُودِ الِاعْتِقَادِ الْأَقْوَى وَلَمْ يَكْتَفِ فِي التَّحْرِيمِ إلَّا بِجَمْعٍ لِيَتَقَوَّى بِهِمْ الظَّنُّ الْأَضْعَفُ وَلَا بِدْعَ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمُ يَوْمَ شَكٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعُمُومِ وَيَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَى خُصُوصِ بَعْضِ النَّاسِ يَجِبُ صَوْمُهُ وَلَا يُنَافِي هَذَيْنِ صِحَّةُ نِيَّةِ مُعْتَقِدِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصِّحَّةَ لَا تُنَافِي الْوُجُوبَ وَأَيْضًا فَإِذَا نَوَى بَعْد أَنْ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ مِمَّنْ ذُكِرَ وَظُنَّ صِدْقُهُ صَحَّتْ نِيَّتُهُ ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِنْ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَجِب اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ وَإِلَّا حَرُمَ الْإِمْسَاكُ لِكَوْنِ الْيَوْمِ يَوْمَ شَكٍّ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتَهُ بِمَا لَفْظُهُ يَحْرُم الصَّوْمُ بَعْد نِصْفِ شَعْبَانَ إنْ لَمْ يَعْتَدْهُ أَوْ يَصِلُهُ بِمَا قَبْلَهُ مَا ضَابِطُ الْعَادَةِ هُنَا وَيَوْم الشَّكّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ إنْ لَمْ يَتَخَلَّل فِطْر مِثْل ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي اعْتَادَهُ فَإِذَا اعْتَادَ صَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي أَكْثَرِ أَسَابِيعِهِ جَازَ لَهُ صَوْمُهُ بَعْد النِّصْفِ وَيَوْم الشَّكِّ، وَإِنْ كَانَ أَفْطَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَصْدُق عَلَيْهِ عُرْفًا أَنَّهُ مُعْتَاده، وَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْن عَادَتِهِ وَصَوْمِهِ بَعْد النِّصْفِ فَطَرَهُ، وَأَمَّا إذَا اعْتَادَهُ مَرَّةً قَبْلَ النِّصْفِ ثُمَّ أَفْطَرَهُ مِنْ الْأُسْبُوعِ الَّذِي بَعْدَهُ ثُمَّ دَخَلَ النِّصْفُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ حِينَئِذٍ بَطُلَتْ بِفِطْرِ الْيَوْمِ الثَّانِي بِخِلَافِ مَا إذَا صَامَ الِاثْنَيْنِ الَّذِي قَبْلَ النِّصْفِ ثُمَّ دَخَلَ النِّصْفُ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ يَوْمِ اثْنَيْنِ آخَرَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ الْوَاقِعِ بَعْدَ النِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ اعْتَادَهُ وَلَمْ يَتَخَلَّل مَا يُبْطِلُ الْعَادَةَ فَإِذَا صَامَهُ ثُمَّ أَفْطَرَهُ مِنْ أُسْبُوعٍ ثَانٍ ثُمَّ صَادَفَ الِاثْنَيْنِ الثَّالِثُ يَوْمَ الشَّكِّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوز لَهُ صَوْمُهُ وَلَا يَضُرُّ حِينَئِذٍ تَخَلُّلُ فِطْرِهِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ لَهُ صَوْمُهُ بَعْد النِّصْفِ وَذَلِكَ كَافٍ. هَذَا مَا ظَهَرَ الْآن وَلَعَلَّنَا نَزْدَادُ فِيهِ عِلْمًا أَوْ نَشْهَدُ نَقْلًا. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا صُورَتُهُ عَبَّرَ فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّ الْوِصَالَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَر وَلَا يَتَنَاوَلُ بِاللَّيْلِ مَطْعُومًا عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ نَحْوَ الْجِمَاعِ لَا يَمْنَعُ الْوِصَالَ فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِالْإِمْسَاكِ كَتَارِكِ النِّيَّةِ لَا يَكُونُ امْتِنَاعُهُ لَيْلًا مِنْ تَعَاطِي الْمُفْطِرِ وِصَالًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ يَوْمَيْنِ فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا الْقَضِيَّةُ الْأُولَى فَاعْتَمَدَهَا الْإِسْنَوِيُّ قَالَ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْوِصَالِ لِلضَّعْفِ أَيْ عَنْ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ وَتَرْكِ الْجِمَاعِ وَنَحْوِهِ لَا يَضْعُف بَلْ يَقْوَى لَكِنَّ فِي الْبَحْرِ هُوَ أَنْ يَسْتَدِيمَ جَمِيعَ أَوْصَافِ الصَّائِمِينَ وَذَكَر الْجُرْجَانِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ نَحْوَهُ، وَأَمَّا الْقَضِيَّةُ الثَّانِيَةُ فَلَمْ يَعْتَمِدهَا بَلْ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِصَوْمِ يَوْمَيْنِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَلَك أَنْ تَقُولَ الْعِلَّةُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْوِصَالِ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَا ذُكِرَ مِنْ الضَّعْفِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْهُ لِلزَّجْرِ عَنْ التَّشْبِيهِ بِخُصُوصِيَّاتِهِ ﷺ وَاعْتِقَاد أَنَّ لَهُ مِنْ الْقُوَّةِ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى الطَّعَامِ مَا كَانَ لَهُ ﷺ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ إذْ التَّعْلِيلُ بِالضَّعْفِ الْمَذْكُورِ يُنْتَقَضُ بِأَنْ يَخْرُجَ رِيقُهُ ثُمَّ يَبْتَلِعهُ أَوْ بِأَنْ ابْتَلَعَ حَصَاةً أَوْ سِمْسِمَةً فَإِنَّ الْوِصَالَ يَنْتَفِي بِذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الضَّعْفِ فَالْأَوْجَهُ التَّعْلِيلُ بِمَا ذَكَرْتُهُ وَعَلَيْهِ فَالْوَجْه مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ اسْتِدَامَةُ جَمِيعِ أَوْصَافِ الصَّائِمِينَ. وَتَعْبِيرُ الْمَجْمُوعِ بِالْمَطْعُومِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَالْأَوْجَهُ أَيْضًا أَنَّ نَحْوَ تَارِك النِّيَّة لَا يَكُونُ امْتِنَاعُهُ لَيْلًا مِنْ تَعَاطِي الْمُفْطِر وِصَالًا لِأَنَّهُ لَا تَشْبِيهَ فِيهِ حِينَئِذٍ، وَإِنْ وُجِدَ فِيهِ الضَّعْفُ الْمَذْكُور. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ صَوْمِ كُلِّ شَعْبَانَ أَوْ أَكْثَرَهُ هَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَمْ سُنَّةٌ

стр. 355

لِمَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ صَامَ أَكْثَرَهُ وَالْأَكْثَرِيَّة تَحْصُلُ بِزِيَادَةِ يَوْمٍ عَلَى النِّصْفِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صَوْمُ كُلِّهِ سُنَّةٌ وَكَذَا صَوْمُ أَكْثَرِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُ صَوْمٌ بَعْدَ النِّصْفِ غَيْر مُتَّصِلٍ بِيَوْمِهِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ إذَا لَمْ يَتَّصِل بِيَوْمِ النِّصْفِ وَلَا وَافَقَ عَادَةً لَهُ أَوْ نَحْوِ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ حَرَامٌ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَيَحْصُلُ أَصْلُ الْأَكْثَرِيَّةِ بِزِيَادَةِ صَوْمِ يَوْمٍ عَلَى النِّصْفِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّته عَنْ الصَّائِمِ إذَا بَقِيَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ طَعَامٌ وَعَجَزَ عَنْ تَمْيِيزه وَمَجِّهِ وَجَرَى بِهِ رِيقُهُ إلَى بَاطِنِهِ وَقُلْتُمْ لَا يَبْطُلُ صَوْمُهُ فَهَلْ ذَلِكَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ جَرَى بِهِ نَاسِيًا أَوْ عَالِمًا فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَذَاكَ، وَإِنْ قُلْتُمْ عَدَم الْبُطْلَان مُخْتَصٌّ بِحَالَةِ النِّسْيَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ فَرْقٌ بَيْن قُدْرَتِهِ عَلَى تَمْيِيزِهِ وَعَدَمِهَا إلَّا إذَا قُلْتُمْ إنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى تَمْيِيزه وَمَجِّهِ وَلَمْ يَمُجَّهُ وَجَرَى بِهِ رِيقُهُ إلَى بَاطِنِهِ أَوْ وُضِعَ فِي فِيهِ مَاءٌ عَبَثًا أَوْ لِسُكُونِ الْعَطَشِ فَسَبَقَ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى بَاطِنِهِ أَنَّهُ يُفْطِرُ وَلَوْ كَانَ نَاسِيًا وَهُوَ غَيْر ظَاهِرٌ وَقَدْ يُقَال إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِمْ إنَّ الصَّائِمَ لَا يُفْطِرُ بِالْأَكْلِ وَنَحْوِهِ نَاسِيًا وَأَيْضًا هَلْ الْمُرَادُ تَمْيِيزه مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ أَوْ تَمْيِيز مَا جَرَى مَعَ الرِّيقِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ بَيْن أَسْنَانِ الصَّائِمِ طَعَامٌ جَرَى بِهِ رِيقُهُ وَعَجَزَ عَنْ تَمْيِيزه وَمَجِّهِ لَمْ يُفْطِر بِابْتِلَاعِ رِيقِهِ الْمَخْلُوطِ بِهِ، وَإِنْ تَعَمَّدَ ابْتِلَاعَهُ لِعُذْرِهِ وَلَوْ كَلَّفْنَاهُ عَدَمَ بَلْعِ رِيقِهِ لَشَقَّ فَسُومِحَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَوْ سَبَقَ مَاءٌ إلَى جَوْفِهِ مِنْ غَسْلِ تَبَرُّد أَوْ لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ فِي فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ لَا لِغَرَضٍ أَفْطَرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِذَلِكَ نَعَمْ لَوْ وَضَعَ شَيْئًا فِي فِيهِ عَامِدًا وَابْتَلَعَهُ نَاسِيًا لَمْ يُفْطِر كَمَا فِي الْأَنْوَارِ وَغَيْرِهِ وَالْمُرَادُ تَمْيِيزُ الطَّعَامِ السَّابِقِ مِنْ بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَمَتَى أَمْكَنَهُ تَمْيِيزُهُ مِنْ بَيْنِهَا فَلَمْ يَفْعَلْ وَابْتَلَعَ رِيقَهُ الْمَخْلُوطَ بِهِ أَفْطَرَ وَكَذَا لَوْ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ إلَى فَضَاءِ فَمِهِ فَابْتَلَعَ شَيْئًا مِنْهُ مَعَ رِيقِهِ أَوْ وَحْدَهُ لِتَقْصِيرِهِ وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَقَوْلِهِ وَأَيْضًا هَلْ الْمُرَاد إلَخْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) زَكَّى اللَّه أَعْمَالَهُ فِي الْكِتَابَةِ عَلَى تَصْنِيف لِبَعْضِ أَهْلِ زَبِيدٍ فِي مَسْأَلَةٍ وَقَعَ فِيهَا اخْتِلَافٌ طَوِيلٌ بَيْن مُفْتِيهمْ وَكِتَابَات مُتَعَدِّدَة مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَحَاصِلُهَا أَنَّ مَنْ أَخْبَرَهُ يَوْمَ ثَلَاثِينَ رَمَضَانَ عَدْلَانِ بِالْهِلَالِ وَاعْتَقَدَ صِدْقَهُمَا هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فَقَالَ جَمَاعَةٌ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ سِرًّا وَيُخْفِيه لِئَلَّا يَتَعَرَّضَ لِعُقُوبَتِهِ الْحَاكِمُ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مُؤَلِّف الْكِتَابِ الْمَذْكُور وَشَيْخُهُ وَغَيْرهمَا وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ بِمَا زَعَمَ أَنَّهُ ظَاهِرُ نَصٍّ فِي الْأُمِّ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ وَمِمَّنْ كَتَبَ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ عَلَى التَّأْلِيفِ الْمَذْكُورِ شَيْخُ مُؤَلِّفِهِ وَغَيْرُهُ فَلَمَّا سَأَلَ شَيْخَنَا فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتَهُ فِي ذَلِكَ؟ (أَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَمْدًا لَك اللَّهُمَّ مُشْرِقَ شُمُوسِ الْآرَاءِ السَّدِيدَةِ بِسَمَاءِ الْأَفْكَارِ السَّعِيدَةِ وَمُغْدِقَ أَنْهَارِ الْإِجَادَةِ بِأَنْوَاءِ الْإِفَادَةِ أَنْ نَصَّبْت عَلَى كَوَاهِلِ الْفَضَائِلِ أَعْلَامَ أَهْلِ الْحَقِّ وَرَفَعْت بِأَيْدِي الْمَحَامِدِ أَلْوِيَةَ الثَّنَاءِ عَلَى مَنْ هُوَ بِهِمْ أَلْصَقُ حَمْدًا يَسْتَمْرِئُ أَخْلَاقَ التَّحْقِيقِ بِمَزِيدِهِ وَيَسْتَغْرِقُ أَفْرَاد الْإِبَانَةِ لِعَبِيدِهِ وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى مَنْ أُرْسِلَ بِالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ لِغَوَائِلَ الْعِنَادِ وَالْمَحَجَّةِ السَّاطِعَةِ لِلْعِبَادِ وَالشَّرِيعَةِ الْبَيْضَاءِ وَالشِّرْعَةِ الْغَرَّاءِ دَائِمِينَ أَمَدًا سَرْمَدًا وَعَلَى آلِهِ ذَوِي الْجِدِّ السَّعِيدِ وَالسَّعْدِ الْجَدِيدِ وَصَحْبِهِ ذَوِي الْقَدِّ الْحَمِيدِ وَالْحَمْدِ الْعَدِيدِ مَا قَامَ بِنُصْرَةِ الْحَقِّ لِلَّهِ نَاصِرٌ، وَذَبَّ عَنْهُ أَهْلُ الْعِنَاد بِكُلِّ صَارِمٍ بَاتِرٍ. أَمَّا بَعْد فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ أَنْدِيَةُ التَّحْقِيقِ بِأَعْيَانِ الْأَفَاضِلِ لَمْ تَزَلْ حَافِلَةً وَمَغَانِيهَا بِغَوَانِي الْفَضَائِلِ آهِلَةً كَانَ الرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ خَيْرًا مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ وَالتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ أَهْلِ الصِّدْقِ خَيْرًا مِنْ التَّحَلِّي بِكُلِّ وَصْفٍ زَائِلٍ وَجِدَالٍ لَيْسَ تَحْتَهُ مِنْ طَائِلٍ وَتَفَيْهُقٍ بِمَا لَا يُجْدِي مِنْ التَّلْفِيقَاتِ وَتَمَشْدُقٍ بِمَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْعِبَارَاتِ. فَلِذَلِكَ أَجَبْت مَعَ أَنَّ لِي أَشْغَالًا سِيَّمَا الْآن تَحْجِزنِي عَنْ بُلُوغِ مَغْزَى هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ أَوْضَحُوا الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْمُدْلَهِمَّة أَعْنِي مُؤَلِّفَ هَذَا الْكِتَابِ الْمُعْلَنِ فِيهِ بِالصَّوَابِ مَنْ تَحَقَّقَ بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَنَالَ لَطَائِفَهَا وَتَحَلَّى بِتِيجَانِ الْفُنُونِ الدِّينِيَّةِ وَحَازَ شَرَائِفَهَا وَعَقَدَتْ لَهُ أَلْوِيَةُ التَّحْقِيقِ فَوْقَ الْعُلَا ذَوَائِبَهَا

стр. 356

وَرَفَعَتْ لَهُ مَنَازِلُ الصِّدْقِ فِي سَمَاءِ الْقُرْبِ كَوَاكِبَهَا وَشَيْخُهُ الْمَذْكُور وَاضِحُ الْحُجَّةِ وَالسُّنَنِ وَبَالِغُ الْغَايَةِ الَّتِي لَا تَرْتَقِي فِي هَذَا الزَّمَنِ كَيْفَ وَقَدْ انْكَشَفَتْ لَهُ عُلُومُ الْمُجْتَهِدِينَ حَتَّى أَوْضَحَهَا أَبْلَغَ إيضَاحٍ وَأَحْسَن تَبْيِينٍ حِين اطَّلَعَ عَلَى خَفَايَا مَكَامِنِ مَكْنُونَاتِهَا وَشَاهَدَ مَجَارِيَ الْأَفْكَارِ فِي تَصَارِيفِ إيجَادَاتِهَا وَاخْتَرَعَ الْأَحْكَامَ مِنْ مَعَادِنِهَا وَأَظْهَرَ التَّحْقِيقَات الْكَثِيرَة مِنْ مَكَامِنِهَا، قَدْ ضَرَبَ مَعَ الْأَقْدَمِينَ بِسَهْمٍ وَافِرٍ وَالْغَيْرُ يَضْرِبُ فِي حَدِيدٍ بَارِدٍ وَهُوَ مِنْ بَعْدِهِمَا بَلَّغَهُ اللَّهُ شَأْوَهُمَا وَفَهْمًا يَقْصِرُ عَنْ إدْرَاكِ مَدَاهُمْ وَبُعْدِ مَغْزَاهُمْ إنْ أَظْهَرَ الْحَقَّ الَّذِي أُمِرْنَا بِإِظْهَارِهِ، وَإِنْ أَخْذَلَ الْبَاطِلَ الَّذِي أُمِرْنَا بِخِذْلَانِهِ وَسَدِّ وَعِرِ مِضْمَارِهِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦] الْآيَة وَتَذْكِيرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] . فَمِنْ ثَمَّ نَظَرْتُ فِي هَذَا التَّأْلِيفِ الْبَدِيعِ الْكَامِلِ الْمَنِيعِ حَتَّى عَلِمْت أَنَّ مُؤَلِّفَهُ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا وَأَذْهَبَ بِهِ وَعَنْهُ ضَيْرًا أَظْهَر فِي مَخْضِهِ زُبْدَة مِنْ قُوَاهُ وَاحْتَاطَ مِنْ ضَبْطِ مَعَاقِده مُحَكِّمًا فِيهَا إيرَادَ مَا عَنْ نَشْرِهِ طَوَاهُ طَالِبًا نَشْرَ ذَلِكَ الطَّيِّ مُتَحَدِّيًا بِهِ مَنْ سِوَاهُ مُحْتَذِيًا عَوَالِي الْهِمَمِ لِاسْتِفْتَاحِ مَا اسْتَغْلَقَهُ فِي صَرِيحِهِ وَفَحْوَاهُ مَعَ إفَادَةِ لَطَائِفَ تَلُوحُ مِنْ ذُرَى ذَوِي التَّحْقِيقِ وَإِشَادَة أَبْحَاث لَا تَصْدُرُ إلَّا عَنْ خُلَفَاءِ التَّوْفِيقِ وَأَنَّ مَا ذَكَره فِيهِ أَشْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ لَا يَخْفَى إلَّا عَلَى بَعِيدِ الْحِسِّ عَدِيمِ الْإِبْصَارِ مَعَ مَا مَنَحَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ إيضَاحِ الْحَقِّ بِدَلَائِلِهِ الَّتِي لَا يَقْرَعُ هَضْبَتَهَا قَارِعٌ وَلَا يَقْرَعُ بَابَهَا قَارِعٌ إلَّا مَنْ يَنْحُو نَحْوَهُ فِي الصَّوَابِ وَتَجْرِي رَخَاءُ رِيحِهِ فِيهِ حَيْثُ أَصَابَ جَاءَ بِهَا مُسْتَفْتِحًا إفَادَتهَا حَتَّى كَأَنَّهَا صَدَقَةٌ قَدَّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُ خَالِيَةً عَنْ شَوْبِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ كَمَا أَشْعَرَ بِهِ فَحْوَاهُ فَاسْتَجِلَّهَا أَوَانَ كَشْفِ الْقِنَاعِ عَنْ صَبَاحَةِ وَجْهِهَا، تَجِدْ فِي نَفْسِك إنْ أَنْصَفْتَ مِنْهَا الْخُضُوعَ لِمُلْقِيهَا وَالْفَضْلَ لِزَارِعِ التَّحْقِيقِ فِيهَا فَحَذَارِ مِنْ تَلَقِّي اللَّوَاحِظِ غُرَّةً فَالسِّحْرُ بَيْنَ جُفُونِهِ مَكْنُونٌ. هَذَا وَلَمَّا اسْتَفْتَيْت عَمَّا فِي هَذَا الْمُؤَلَّفِ بَادَرْتُ بِالْجَوَابِ بِمَا فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُحِيطَ فِكْرِي وَنَظَرِي بِقَوَادِمِهِ وَخَوَافِيه وَظَنَنْت أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إلَّا خَامِدُ الرَّوِيَّةِ مُقْتَصِرٌ عَلَى الظَّوَاهِرِ لَيْسَ لَهُ تَصْرِيحُ نَظَرٍ فِي الْمَنَازِلِ الْخَفِيَّةِ ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الْمُفْتِينَ خَالَفَ فِي ذَلِكَ فَأَمْعَنْتُ النَّظَرَ فِيمَا هُنَالِكَ، فَلَمْ يَسْمَح إلَّا بِمَا صَمَّمَ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَنْ الْقَوَاعِد مُحَوَّلًا ثُمَّ نَظَرْت فِي هَذَا التَّأْلِيفِ فَرَأَيْتُهُ جَاءَ بِالْحَقِّ الصُّرَاحِ وَبِالْجِدِّ الْخَالِي عَنْ الْمِزَاحِ فَشَكَرْت إلَى اللَّهِ صُنْعَ مُنَمِّقِهِ وَصِدْقَ مُحَقِّقه فَلَا عَدِمَ الْمُسْلِمُونَ أَمْثَالَهُ وَلَا زَالَتْ الْفُضَلَاء يَتَفَيَّئُونَ ظِلَالَهُ وَلَوْلَا شُغْلُ الْبَالِ لَأَطَلْت فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمَقَالَ لَكِنْ سَيَمُنُّ اللَّهُ إنْ شَاءَ بِالتَّوْفِيقِ إلَى ذَلِكَ وَإِزَالَةِ وَعْرِ هَذِهِ الْمَسَالِكِ وَدَفْعِ مَا أَوْرَدَ عَلَيْهَا مِنْ شُبَهٍ إذَا تُؤُمِّلَتْ كَانَتْ كَالْهَبَاءِ الْمَنْثُورِ وَمِنْ تَطْوِيلَاتٍ لَا تَرُوجُ إلَّا عَلَى غَمْرٍ مَغْمُورٍ ثُمَّ رَأَيْت مَا يُصَرِّح بِذَلِكَ غَيْر مَا مَرَّ فِي هَذَا التَّصْنِيفِ وَهُوَ مَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي فِي الْمُنَجِّمِ يَجْرِي فِي صَوْمِهِ وَفِطْرِهِ وَقَضِيَّةِ تَنْجِيمِهِ. وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِذَلِكَ دُون غَيْرِهِ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ بَعْضُ مُخْتَصِرِي الرَّوْضَةِ بِذَلِكَ فَقَالَ مَا لَفْظُهُ: وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَيْ الْمُنَجِّمِ أَوْ مَنْ عَرَفَ مَنَازِلَ الْقَمَرِ تَقْلِيدُهُ فِي صَوْمٍ أَوْ فِطْرٍ وَهَلْ يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَعْمَلَا بِهِ؟ وَجْهَانِ قُلْت الْأَصَحُّ نَعَمْ وَلَكِنْ لَا يُجْزِئهُمَا أَيْ الصَّوْمُ عَنْ الْغَرَضِ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ اهـ، وَإِذَا جَازَ الْفِطْرُ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ صَالِحًا لَأَنْ يَكُونَ حُجَّةً شَرْعًا وَلَوْ ذُكِرَ لِلْحَاكِمِ لَمْ يَلْتَفِت إلَيْهِ فَلَأَنْ يَجُوزَ بِإِخْبَارِ عَدْلَيْنِ بَلْ أَوْ عَدْلٍ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً شَرْعًا فِي ذَلِكَ أَوْ نَظِيرِهِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ وَابْنُهُ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ وَالْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ فُحُولِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ جَوَازِ الْفِطْرِ آخِرَ النَّهَارِ بِإِخْبَارِ عَدْلٍ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنهُ الْيَقِين مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فَلْيَجُزْ هُنَا بِالْأَوْلَى وَتَحَصَّلَ فَرْقٌ بَيْنهمَا لَا يُجْدِي: وَمِنْ أَهَمِّهَا الْفَرْقُ بِأَنَّهُمْ سَامَحُوا فِي آخِر النَّهَارِ مَا لَمْ يُسَامِحُوا بِهِ آخِرَ رَمَضَانَ بِدَلِيلِ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ ثَمَّ لَا هُنَا وَيُرَدُّ بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ إنَّمَا جَازَ ثَمَّ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ بَلْ عَلَامَاتٌ، وَأَمَّا آخِرُ رَمَضَانَ فَلَا عَلَامَةَ لَهُ فَامْتِنَاعُهُ لَيْسَ

стр. 357

لِكَوْنِهِ آخِرَ رَمَضَانَ بَلْ لِفَقْدِ الْعَلَامَةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الِاجْتِهَادِ عَلَى أَنَّهُ مَرَّ فِي الْمُنَجِّمِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ الْعَمَلَ بِاجْتِهَادِهِ آخِرَ رَمَضَانَ أَيْضًا ثُمَّ رَأَيْت مَا يُصَرِّحُ بِمَا ذُكِرَ وَهُوَ مَا أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ الْمُحَقِّقُ الشَّمْسُ الْجَوْجَرِيُّ شَارِحُ الْإِرْشَادِ وَكَاشِفُ الْقِنَاعِ عَنْ مُخَبَّآتِهِ بِمَا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَوْ رَأَوْا يَوْمَ ثَلَاثِينَ رَمَضَانَ عِنْد الْفَجْرِ قَنَادِيلَ بَلَدٍ أُخْرَى أَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الْفِطْرُ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ إذَا كَثُرْت الْقَنَادِيلُ الَّتِي تُوقَدُ يَوْمَ الْعِيدِ وَحَصَلَ بِرُؤْيَتِهَا الْعِلْمُ وَجَبَ الْفِطْرُ ثُمَّ إنَّمَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ إذَا كَثُرْت كَثْرَةً لَا يُحْتَمَلُ مَعَهَا النِّسْيَانُ بِوَجْهٍ، وَالْأَحْوَطُ أَنْ لَا يُفْطِرُوا حَتَّى يُرْسِلُوا مَنْ يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ الْبَلَدِ الَّتِي بِهَا الْقَنَادِيلُ وَكَلَامُهُ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْعِلْمِ غَلَبَةُ الظَّنِّ فَتَأَمَّلَهُ. وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ قَاضِي عَجْلُونٍ فَقَالَ وَالْقَنَادِيلُ الْمَذْكُورَةُ عَلَامَةٌ مُغَلَّبَةٌ عَلَى الظَّنِّ فَيُعْتَمَدُ فِي الْفِطْرِ عَلَيْهَا إذَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِيقَادِهَا يَوْمَ فَجْرِ شَوَّال فَيَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْم يَوْمَ عِيدٍ فِي حَقِّ مَنْ رَآهَا اهـ، وَأَمَّا إفْتَاءُ شَيْخِنَا خَاتِمَةُ الْمُتَأَخِّرِينَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيُّ سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ صَيِّبَ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ بِأَنَّهَا لَا تُعْتَمَدُ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ تُفِدْ أَوْ لَمْ تَطَّرِدْ بِهَا الْعَادَةُ لِأَنَّهُ لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حِينَئِذٍ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَوْمُ عِيدٍ وَمِنْ ثَمَّ خَالَفَ إطْلَاقَهُ أَجَلُّ جَمَاعَتِهِ مُحَقِّقُ أَهْلِ عَصْرِهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ مِصْرِهِ شَيْخُنَا شِهَابُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ الْأَنْصَارِيُّ مَتَّعَ اللَّهُ بِحَيَاتِهِ الْمُسْلِمِينَ فَأَفْتَى بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْرَحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ جَمِيعِ مَا هُنَالِكَ لَمَّا سُئِلَ عَمَّا لَوْ رَأَوْا عَلَامَةً مُعْتَادَةً لِرَمَضَانَ أَوْ شَوَّال كَرُؤْيَةِ نَارٍ أَوْ سَمَاعِ طَبْلٍ وَحَصَلَ بِهِ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ؟ وَإِذَا أُرْسِلَ مَنْ ثَبَتَتْ عِنْده الرُّؤْيَةُ إلَى بَلَدٍ مُوَافِق مَطْلَعهَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ أَيْضًا؟ فَأَجَابَ بِمَا لَفْظُهُ مَنْ حَصَلَ لَهُ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ بِدُخُولِ رَمَضَانَ مِنْ الْعَلَامَاتِ الْمُعْتَادَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَمَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ بِدُخُولِ شَوَّال مِنْ الْعَلَامَاتِ الْمَذْكُورَة لَزِمَهُ الْفِطْرُ عَمَلًا بِاعْتِقَادِهِ الْجَازِمِ مِنْهَا، وَإِذَا أُرْسِلَ نُوَّابُ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ إلَى أَهْلِ بَلَدٍ مُوَافِقٍ لَهُ فِي الْمَطْلَعِ مَا تَثْبُت بِهِ الرُّؤْيَةُ عِنْد حُكَّامِ الْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الصَّوْمُ لِرَمَضَانَ وَالْفِطْرُ لِشَوَّالِ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُت بِهِ الرُّؤْيَةُ عِنْد أَحَدٍ مِنْهُمْ فَمَنْ اعْتَقَدَ صِدْقَ الْمُخْبِرِ بِذَلِكَ لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ وَمَنْ لَا فَلَا اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ كَلَامُهُ الْأَخِيرُ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي مَسْأَلَتِنَا وَمَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَمَل فِي مَسْأَلَتِنَا بِخَبَرِ الْعَدْلِ فَضْلًا عَنْ الْعَدْلَيْنِ إذَا اُعْتُقِدَ صِدْقُهُ. وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ مُرَادَ شَيْخِنَا زَكَرِيَّا مَا قَدَّمْنَاهُ إفْتَاؤُهُ هُوَ وَأَئِمَّةُ عَصْرِهِ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الصَّوْمُ أَوْ الْفِطْرُ عِنْد الْحَاكِمِ لَمْ يَلْزَمهُ الصَّوْمُ وَلَمْ يَجِب الْفِطْرُ لِمَنْ شَكَّ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ لِتَهَوُّرِ الْقَاضِي أَوْ لِمَعْرِفَتِهِ لِمَا يَقْدَحُ فِي الشُّهُودِ فَإِذَا أَدَارُوا الْحُكْمَ هُنَا عَلَى مَا فِي ظَنِّهِ وَلَمْ يَنْظُرُوا لِحُكْمِ الْحَاكِمِ بَلْ جَعَلُوهُ لَغْوًا فَقِيَاسُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَنْ لَا يُنْظَرَ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَأَنَّ الْمَدَارَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ بِأَدْنَى نَظَرٍ وَتَأَمُّلٍ وَلَكِنَّ الْهِدَايَةَ بِيَدِ اللَّهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ صَوْمِ الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُحَرَّمِ هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ كَالتِّسْعِ الْأَوَّلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ لَا؟ وَطَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْهِنْدِ لَا يَتْرُكُونَ صَوْمَهَا وَلَا يُوَاظِبُونَ عَلَى صَوْمٍ مِثْل مُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى صَوْمِهَا. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نِعْمَ مَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ صَوْمَ الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُحَرَّمِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بَلْ صَوْمُ الشَّهْرِ كُلِّهِ سُنَّةٌ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ فَمِنْ ذَلِكَ خَبَرُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُحَرَّمَ وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ قِيَامُ اللَّيْلِ» وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَفْضَلَ مَا تَتَطَوَّعُ بِهِ مِنْ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ الْمُحَرَّمِ، وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ شَهْرٍ تَطَوَّعَ بِصَوْمِهِ كُلِّهِ لَا مُطْلَقًا فَإِنَّ صَوْمَ تِسْعِ ذِي الْحِجَّة أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ عَشْرِ الْمُحَرَّم وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ مَقَالٌ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِشَهْرٍ أَصُومُهُ بَعْد شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَالَ ﷺ إنْ كُنْت صَائِمًا شَهْرًا بَعْدَ رَمَضَانَ فَصُمْ الْمُحَرَّمَ فَإِنَّهُ شَهْرُ اللَّهِ وَفِيهِ يَوْمٌ تَابَ اللَّهُ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ وَيَتُوبُ عَلَى آخَرِينَ» وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ «أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ -

стр. 358

أَيُّ الْأَشْهُرِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: شَهْرُ اللَّهِ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُحَرَّمَ» وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أَفْضَلُهَا بَعْد رَمَضَانَ لِمَا مَرَّ وَقَدْ أَخَذَ بِقَضِيَّتِهِ جَمَاعَةٌ كَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِ فَقَالُوا إنَّ الْمُحَرَّمَ أَفْضَلُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَجَاءَ أَنَّ السَّلَفَ ﵃ كَانُوا يُعَظِّمُونَ ثَلَاثَ عَشَرَاتٍ: عَشْرُ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ، وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ الْأَوَّلِ، وَعَشْرُ الْمُحَرَّمِ الْأَوَّلِ وَرُوِيَ هَذَا حَدِيثًا. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ صَوْمِ مُنْتَصَفِ شَعْبَان هَلْ يُسْتَحَبُّ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» أَوْ لَا يُسْتَحَبُّ وَهَلْ هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ أَوْ لَا؟ وَإِنْ قُلْتُمْ بِاسْتِحْبَابِهِ فَلِمَ لَمْ يَذْكُرهُ الْفُقَهَاءُ؟ وَمَا الْمُرَادُ بِقِيَامِ لَيْلِهَا أَهُوَ صَلَاةُ الْبَرَاءَةِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ صَلَاةَ الرَّغَائِب وَهِيَ ثِنْتَا عَشْرَةَ رَكْعَة بَيْن الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ أَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْ شَهْرِ رَجَب وَصَلَاةُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ مِائَةَ رَكْعَةٍ بِدْعَتَانِ قَبِيحَتَانِ مَذْمُومَتَانِ وَلَا يُغْتَرُّ بِذِكْرِهِمَا فِي كِتَابِ قُوتِ الْقُلُوبِ وَفِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ وَلَا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِيهِمَا فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ وَلَا بِبَعْضِ مَنْ اُشْتُبِهَ عَلَيْهِ حُكْمُهُمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ فَصَنَّفَ وَرَقَاتٍ فِي اسْتِحْبَابِهِمَا فَإِنَّهُ غَالِطٌ فِي ذَلِكَ وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كِتَابًا نَفِيسًا فِي إبْطَالِهِمَا فَأَحْسَنَ فِيهِ وَأَجَادَ اهـ وَأَطَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا فِي فَتَاوِيهِ فِي ذَمِّهِمَا وَتَقْبِيحِهِمَا، وَإِنْكَارِهِمَا وَاخْتَلَفَتْ فَتَاوَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِيهِمَا، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: هُمَا وَإِنْ كَانَا بِدْعَتَيْنِ لَا يُمْنَعُ مِنْهُمَا لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ الْأَمْرِ الْوَارِد بِمُطْلَقِ الصَّلَاةِ وَرَدَّهُ السُّبْكِيّ بِأَنَّ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ إلَّا مُطْلَقُ طَلَبِ الصَّلَاةِ وَأَنَّهَا خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ شَيْءٌ بِخُصُوصِهِ فَمَتَى خَصَّ شَيْئًا مِنْهُ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَان أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ دَخَلَ فِي قِسْمِ الْبِدْعَةِ وَإِنَّمَا الْمَطْلُوبُ مِنْهُ عُمُومُهُ فَيَفْعَلْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُمُومِ لَا لِكَوْنِهِ مَطْلُوبًا بِالْخُصُوصِ اهـ. وَحِينَئِذٍ فَالْمَنْعُ مِنْهُمَا جَمَاعَةً أَوْ انْفِرَادًا خِلَافًا لِمَنْ وُهِمَ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ إزَالَةً لِمَا وَقَعَ فِي أَذْهَانِ الْعَامَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَعَبِّدِينَ مِنْ تَأَكُّدِ سَنِّهِمَا وَأَنَّهُمَا مَطْلُوبَتَانِ بِخُصُوصِهِمَا مَعَ مَا يُقْتَرَنُ بِذَلِكَ مِنْ الْقَبَائِحِ الْكَثِيرَةِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ صَلَاةِ لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ. وَأَمَّا صَوْمُ يَوْمِهَا فَهُوَ سُنَّةٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَيَّامِ الْبِيضِ لَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَنْ ابْنِ مَاجَهْ ضَعِيفٌ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: وَجَاءَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَحَادِيثُ مُتَعَدِّدَةٌ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا فَضَعَّفَهَا الْأَكْثَرُونَ وَصَحَّحَ ابْنُ مَاجَهْ بَعْضَهَا وَخَرَّجَهُ فِي صَحِيحِهِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ: «فَقَدْت النَّبِيَّ ﷺ فَخَرَجْت فَإِذَا هُوَ بِالْبَقِيعِ رَافِعٌ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ أَكُنْتِ تَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ظَنَنْت أَنَّك أَتَيْتَ بَعْضَ نِسَائِكَ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ ﵎ يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ» خَرَّجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ لَكِنْ ذَكَر التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ضَعَّفَهُ وَفِي حَدِيثٍ لِابْنِ مَاجَهْ «إنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ إلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» وَفِي حَدِيثٍ عِنْد أَحْمَدَ وَخَرَّجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ «إنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ إلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِعِبَادِهِ إلَّا اثْنَيْنِ مُشَاحِنٍ أَوْ قَاتِلِ نَفْسٍ» وَبَقِيَتْ أَحَادِيثُ أُخَر كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِهَذِهِ اللَّيْلَةِ فَضْلًا وَأَنَّهُ يَقَعُ فِيهَا مَغْفِرَةٌ مَخْصُوصَةٌ وَاسْتِجَابَةٌ مَخْصُوصَةٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إنَّ الدُّعَاءَ يُسْتَجَابُ فِيهَا وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الصَّلَاةِ الْمَخْصُوصَةِ لَيْلَتهَا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهَا بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ مَذْمُومَةٌ يُمْنَعُ مِنْهَا فَاعِلُهَا، وَإِنْ جَاءَ أَنَّ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ كَمَكْحُولٍ وَخَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ وَلُقْمَانَ وَغَيْرِهِمْ يُعَظِّمُونَهَا وَيَجْتَهِدُونَ فِيهَا بِالْعِبَادَةِ، وَعَنْهُمْ أَخَذَ النَّاسُ مَا ابْتَدَعُوهُ فِيهَا وَلَمْ يَسْتَنِدُوا فِي ذَلِكَ لِدَلِيلٍ صَحِيحٍ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ أَنَّهُمْ إنَّمَا اسْتَنَدُوا بِآثَارٍ إسْرَائِيلِيَّةٍ وَمِنْ ثَمَّ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَكْثَرُ عُلَمَاء الْحِجَازِ كَعَطَاءٍ وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَفُقَهَاء الْمَدِينَة وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا وَذَلِكَ كُلُّهُ بِدْعَةٌ إذْ لَمْ يَثْبُت فِيهَا شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 359

وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا صُورَته إذَا عَمَّ هِلَالُ شَعْبَانَ فَأَكْمَلْنَا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ فَجَاءَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَحِلٍّ بَعِيدٍ مُخْتَلِفٌ مَطْلَعُهُ مَعَ مَطْلَعِ الْبَلْدَةِ الَّتِي غُمَّ فِيهَا هِلَالُ شَعْبَانَ وَشَهِدُوا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ فَأَثْبَت حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ الْهِلَالَ بِشَهَادَتِهِمْ فَهَلْ يُلْزَمُ الشَّافِعِيُّ بِقَضَاءِ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَهُ عَلَى ظَنٍّ مِنْهُ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ الثُّبُوتَ الْوَاقِعَ لَدَى الْحَاكِمِ الْحَنَفِيِّ رَافِعٌ لِلْخِلَافِ وَيُفْطِرُ يَوْمَ ثَلَاثِينَ رَمَضَان لَوْ لَمْ يَرَ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ لِإِكْمَالِ الْعِدَّةِ بِمُقْتَضَى الثُّبُوتِ الْمَذْكُورِ أَوْ لَا يُلْزَمُ بِقَضَاءِ الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي نَحْوِ ذَلِكَ بِعَقِيدَتِهِ وَاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بِمَحِلٍّ مُخْتَلِفٍ مَطْلَعُهُ مَعَ مَطْلَعِ الْبَلَدِ الَّتِي غُمَّ فِيهَا الْهِلَالُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ يَوْمِ ثَلَاثِينَ رَمَضَانَ لَوْ لَمْ يَرَ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ وَمَا الْحُكْم فِيمَا لَوْ ثَبَتَ الْهِلَالُ لَدَى حَاكِمٍ يَرَى ثُبُوتَهُ بِمَا لَمْ يَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَبُولِ عَبِيدٍ وَامْرَأَةٍ فَهَلْ يَلْزَم الشَّافِعِيَّ الْعَمَلُ بِمَا ثَبَتَ لَدَيْهِ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ عَقِيدَتِهِ أَوْ لَا يَلْزَمهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ خِلَافَهُ؟ بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ بِمَا فِيهِ بَسْطٌ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حُكْمُ الْحَنَفِيِّ فِي ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ فَيُدَارُ الْأَمْرُ عَلَيْهِ وَيَجِبُ عَلَى النَّاسِ الْعَمَلُ بِقَضِيَّتِهِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ كَلَامُ أَئِمَّتنَا فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا قَوْلُ الْمَجْمُوعِ وَمَحِلُّ الْخِلَافِ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ مَا لَمْ يَحْكُم بِشَهَادَتِهِ حَاكِمٌ يَرَاهُ وَإِلَّا وَجَبَ الصَّوْمُ وَلَمْ يُنْقَض الْحُكْمُ إجْمَاعًا اهـ فَإِيجَاب الصَّوْمِ هُنَا عَلَى الْعُمُومِ، وَعَدَمُ نَقْضِ الْحُكْمِ بِالْإِجْمَاعِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ كَذَلِكَ حَتَّى يَجِب عَلَى الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ الْعَمَلُ بِقَضِيَّتِهِ صَوْمًا وَفِطْرًا وَقَضَاءً. وَمِنْهَا قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي الدَّمِ وَالسُّبْكِيِّ لَا يَكْفِي قَوْلُ الشَّاهِدِ: أَشْهَدُ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اعْتَمَدَ الْحِسَابَ أَوْ كَانَ حَنْبَلِيًّا يَرَى إيجَابَ الصَّوْمِ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الْغَيْمِ قَالَ فِي الْخَادِمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْتَقِدُ دُخُولَهُ بِسَبَبٍ لَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْمَشْهُودُ عِنْدَهُ بِأَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْ حِسَابِ مَنَازِلِ الْقَمَرِ أَوْ يَكُونَ حَنْبَلِيًّا يَرَى إيجَابَ الصَّوْمِ لَيْلَةَ الْغَيْم أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ اهـ فَأَفْهَمْ قَوْلُهُمْ لَا يُوَافِقهُ عَلَيْهِ الْمَشْهُودُ عِنْده أَنَّهُ لَوْ وَافَقَهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ قَضِيَّةَ مَذْهَبِهِ اعْتَدَّ بِالشَّهَادَةِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى الْحِسَابِ أَوْ الْغَيْمِ وَبِالْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مَذْهَبِنَا وَحِينَئِذٍ يُسْتَفَاد مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَةِ الْحَاكِمِ مُطْلَقًا فَمَتَى أَثْبَتَ الْهِلَالَ حَاكِمٌ يَرَاهُ وَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ بِأَنْ لَمْ يُخَالِف نَصَّا صَرِيحًا لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ اُعْتُدَّ بِحُكْمِهِ وَوَجَبَ عَلَى كَافَّةِ مَنْ فِي حُكْمِهِ الْعَمَلُ بِقَضِيَّةِ حُكْمِهِ وَمِنْهَا مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الدَّارِمِيِّ وَاعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ أَنَّ رَمَضَانَ يَثْبُت أَيْضًا أَيْ عَلَى الْكَافَّةِ بِعِلْمِ الْقَاضِي. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْعِلْمِ مَنَعَهُ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ وَمَعَ ذَلِكَ يَلْزَمُ مُقَلِّدِيهِ الْعَمَل بِحُكْمِ الْقَاضِي بِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ صَرِيحُ كَلَامهمْ هُنَا وَكَلَامُ الْمَجْمُوعِ السَّابِقِ وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ لَا عِبْرَةَ بِرِيبَةٍ تَبْقَى بَعْد حُكْمِ الْحَاكِمِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَنْ جَهِلَ حَالَ الشَّاهِد أَمَّا الْعَالِمُ بِفِسْقِهِ وَكَذِبِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمهُ الصَّوْمُ إذَا لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْجَزْمُ بِالنِّيَّةِ بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ. اهـ فَأَفْهَمْ أَنَّا حَيْثُ لَمْ نَعْلَم اسْتِنَادَ الْحَاكِمِ إلَى بَاطِلٍ فِي اعْتِقَادِهِ لَزِمَنَا الْجَرْي عَلَى مُقْتَضَى حُكْمِهِ، وَإِنْ بَقِيَتْ عِنْدنَا رِيبَةٌ فِيهِ لِحُصُولِ الظَّنِّ بِالِاسْتِنَادِ إلَى الْحُكْمِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمْنَاهُ اسْتَنَدَ فِيهِ إلَى بَاطِلٍ عِنْده فَإِنَّهُ لَغْوٌ مِنْهُ فَلَا ظَنَّ فَلَمْ يَجُزْ الصَّوْمُ حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ قَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ» ، وَقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ «مَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إلَّا قَلِيلًا» وَفِي رِوَايَةٍ «بَلْ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ» فَقَدْ صَرَّحَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِصِيَامِهِ كُلِّهِ أَوْ أَكْثَرِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ فَمَا مَعْنَاهَا وَكَيْف الْجَمْعُ بَيْنهَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» وَمِنْ ثَمَّ أَخَذَ مِنْهُ أَئِمَّتُنَا تَحْرِيمَ صَوْمِ مَا بَعْدَ نِصْفِهِ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُعْلَمُ جَوَابُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْته فِي كِتَابِي إتْحَافُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ

стр. 360

بِخُصُوصِيَّاتِ الصِّيَامِ وَحَاصِلُ عِبَارَتِهِ وَمِنْهَا صَوْمُ شَهْرِ شَعْبَانَ «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إلَّا شَهْرَ رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي أُخْرَى لَهُمَا: «لَمْ يَكُنْ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ» وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ «كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ إلَّا قَلِيلًا» وَلِلتِّرْمِذِيِّ «كَانَ يَصُومُهُ إلَّا قَلِيلًا بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ» وَلِأَبِي دَاوُد «كَانَ أَحَبُّ الشُّهُورِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَصُومَهُ شَعْبَانَ ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ» وَلِلنَّسَائِيِّ «كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ أَوْ عَامَّةَ شَعْبَانَ» وَلَهُ أَيْضًا «كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إلَّا قَلِيلًا» وَلَهُ أَيْضًا «كَانَ أَحَبُّ الشُّهُورِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَصُومَ شَعْبَانَ كَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ» وَلَهُ أَيْضًا «كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ» . وَالْمُرَادُ بِكُلِّهِ مُعْظَمُهُ فَقَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إذَا صَامَ أَكْثَر الشَّهْرِ أَنْ يَقُولَ صَامَهُ كُلَّهُ وَيُقَال قَامَ فُلَانٌ لَيْلَتَهُ أَجْمَع وَلَعَلَّهُ قَدْ تَعَشَّى وَاشْتَغَلَ بِبَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَكَأَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِذَلِكَ اهـ وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ لِضَرُورَةِ الْجَمْعِ بِهِ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ، وَإِنْ شَنَّعَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: إنَّ كُلًّا تَأْتِي بِمَعْنَى الْأَكْثَر وَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ إتْيَانُ كُلٍّ بِمَعْنَى الْأَكْثَرِ مَجَازٌ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ اهـ وَعَلَيْهِ فَقَرِينَةُ الْمَجَازِ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَا عَلِمْتُهُ أَيْ النَّبِيَّ ﷺ صَامَ شَهْرًا كُلَّهُ إلَّا رَمَضَانَ» وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا صَحِيحَةٍ أَيْضًا «مَا رَأَيْتُهُ صَامَ شَهْرًا كَامِلًا مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ إلَّا رَمَضَانَ» وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِجَمْعٍ آخَر حَسَنٍ أَيْضًا وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ تَارَةً يَصُومُهُ كُلَّهُ وَتَارَةً يَصُومُ أَكْثَرَهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ وُجُوبُ كُلِّهِ. وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَيْنِ الْجَمْعَيْنِ ابْنُ الْمُنِيرِ بِقَوْلِهِ: يُحْمَلُ قَوْلُهَا " كُلَّ " عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالْمُرَادُ الْأَكْثَرُ أَوْ قَوْلُهَا الثَّانِي مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْأَوَّلِ فَأَخْبَرَتْ عَنْ أَوَّل أَمْرِهِ بِأَنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَكْثَرَهُ ثُمَّ عَنْ آخِر أَمْرِهِ بِأَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ اهـ نَعَمْ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ تَارَةً هَذَا وَتَارَةً هَذَا أَوْلَى إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَةِ إكْثَارِهِ ﷺ مِنْ صَوْمِ شَعْبَانَ مَعَ أَنَّ صَوْمَ الْمُحَرَّمِ أَفْضَلُ مِنْهُ فَقِيلَ كَانَ يَشْتَغِلُ عَنْ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ أَيَّامِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ بِسَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَقْضِيهَا فِي شَعْبَانَ لِخَبَرٍ فِيهِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ بَلْ قِيلَ مَوْضُوعٌ وَاسْتَشْكَلَ بِمَا فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا لَمْ تَعْلَمْهُ أَفْطَرَ شَهْرًا كُلَّهُ حَتَّى تُوُفِّيَ وَلَا إشْكَالَ فَإِنَّهُ يَصْدُق بِأَنْ يَصُومَ مِنْ بَعْضِ الشُّهُورِ دُون ثَلَاثَةٍ فَمَا بَقِيَ يَقْضِيه فِي شَعْبَانَ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ ﷺ كَانَ دِيمَةً وَكَانَ إذَا فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ نَوَافِلِهِ قَضَاهُ كَمَا فِي سُنَنِ الصَّلَاةِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ فَكَذَا كَانَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ شَعْبَانُ وَعَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ صَوْمِ تَطَوُّعٍ قَضَاهُ فِيهِ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَقْضِي مَعَهُ أَيَّامَ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّهَا فِيمَا عَدَاهُ مُشْتَغِلَةٌ بِهِ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَصُومُ وَزَوْجُهَا حَاضِرٌ إلَّا بِإِذْنِهِ سَوَاءً فِي ذَلِكَ النَّفَلُ وَالْفَرْضُ الْمُوَسَّعُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ أَفْطَرَهُ لِعُذْرٍ وَقِيلَ كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِرَمَضَانَ لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ بِهِ لَكِنَّهُ غَرِيبٌ وَيُعَارِضهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ «أَفْضَلُ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ الْمُحَرَّمِ» وَلَعَلَّ عَدَمَ صَوْمِهِ لِأَكْثَرِهِ أَوْ كُلِّهِ كَشَعْبَانَ أَنَّهُ كَانَ يُعْرَضُ لَهُ فِيهِ أَعْذَارٌ تَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ شَعْبَانَ أَوْ أَنَّ النَّاسَ يَغْفُلُونَ عَنْ شَعْبَانَ كَمَا يَأْتِي وَلِذَلِكَ قَالَ أَئِمَّتُنَا: صَوْمُ الْمُحَرَّمِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ بَعْدَ رَمَضَانَ وَالْأَوْلَى فِي حِكْمَةِ ذَلِكَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ عَنْ أُسَامَةَ قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ قَالَ ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» وَبَقِيَ لَهُ حِكْمَةٌ أُخْرَى وَكَلَامٌ مَبْسُوطُ فِيهَا وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا بَسَطْتُهُ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ. ثُمَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَا تُنَافِي الْحَدِيثَ الْمُحَرِّمَ لِصَوْمِ مَا بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ؛ لِأَنَّ مَحِلَّ الْحُرْمَةِ فِيمَنْ صَامَ بَعْد النِّصْفِ وَلَمْ يَصِلْهُ، وَمَحِلُّ الْجَوَازِ بَلْ النَّدْبِ فِيمَنْ صَامَ قَبْلَ النِّصْفِ وَتَرَك بَعْدَ النِّصْفِ أَوْ اسْتَمَرَّ، لَكِنْ وَصَلَ صَوْمَهُ بِصَوْمِ يَوْمِ النِّصْفِ أَوْ لَمْ يَصِلْهُ وَصَامَ لِنَحْوِ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ وِرْدٍ وَالْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ»

стр. 361

صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ وَاسْتَشْكَلَ السُّبْكِيّ تَعْلِيلَ حُرْمَةِ صَوْمِ مَا بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَان بِالضَّعْفِ بِأَنَّهُ يَلْزَمهُ تَحْرِيمَ صَوْمِ شَعْبَانَ كُلَّهُ لِأَنَّ الضَّعْفَ يَكُونُ بِهِ أَكْثَرُ، وَأَجَبْتُ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ صِيَامَ الشَّهْرِ جَمِيعِهِ أَوْ أَكْثَرِهِ يُوَرِّثُ قُوَّةً عَلَى رَمَضَانَ لِأَنَّ الصَّوْمَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ مَأْلُوفًا لِلنَّفْسِ وَخَلْقًا لَهَا فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهَا تَعَاطِيهِ وَهَذَا مِنْ بَعْضِ حِكَمِ صَوْمِهِ ﷺ شَعْبَانَ كُلَّهُ أَوْ أَكْثَرَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ هِلَالِ رَمَضَانَ هَلْ يَثْبُتُ بِمَسْتُورِ الْعَدَالَةِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ جَمْعٌ أَنَّهُ يَكْفِي الْمَسْتُور وَهُوَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي النِّكَاحِ مَنْ لَا يُعْرَفُ لَهُ مُفَسِّقٌ مَعَ صَلَاحِ ظَاهِرِهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ إذَا شَرَطْنَا التَّعْيِينَ فِي الصَّوْمِ الرَّاتِبِ كَرَوَاتِبِ الصَّلَاةِ وَوَقَعَ الْخَطَأُ فِي التَّعْيِينِ كَأَنْ صَامَ تَاسُوعَاء بِالتَّعْيِينِ فَبَانَ بِثُبُوتِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ عَاشُورَاء أَوْ صَامَ ثَامِن ذِي الْحِجَّةِ فَبَانَ أَنَّهُ التَّاسِعُ فَهَلْ يَقُومُ مَا صَامَهُ بِالتَّعْيِينِ عَنْ عَاشُورَاءَ أَوْ عَنْ تَاسِعِ الْحِجَّةِ وَهَلْ الْمُعْتَمَدُ وُجُوبُ التَّعْيِين فِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عِبَارَتِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَقَضِيَّة قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَكْفِي فِي نَفْلِ الصَّوْمِ مُطْلَقُ نِيَّتِهِ أَنَّ النَّفَلَ الَّذِي لَهُ سَبَبٌ كَصَوْمِ الِاسْتِسْقَاءِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَقَّت كَصَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَعَرَفَة لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُ أَيْ تَعْيِين نِيَّتِهِ فِي الصَّوْمِ لَكِنْ بَحَثَ فِي الْمُهِمَّاتِ فِي الْأَوَّلِ وَفِي الْمَجْمُوعِ فِي الثَّانِي أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ تَعْيِينه كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَأُجِيبَ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الصَّوْمَ فِي الْأَيَّامِ الْمُتَأَكَّدِ صَوْمُهَا مُنْصَرِفٌ إلَيْهَا بَلْ لَوْ نَوَى بِهِ غَيْرَهَا حَصَلَتْ أَيْضًا كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وُجُودُ صَوْمٍ فِيهَا وَمِنْ ثَمَّ أَفْتَى الْبَارِزِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ صَامَ فِيهِ قَضَاءً أَوْ نَحْوَهُ حَصَلَا نَوَاهُ مَعَهُ أَمْ لَا، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا لَوْ اتَّفَقَ فِي يَوْمٍ رَاتِبَانِ كَعَرَفَة يَوْمَ الْخَمِيسِ. وَفِي الْمَجْمُوعِ لَوْ نَوَى قَبْلَ الزَّوَالِ قَضَاءً أَوْ نَذْرًا فَإِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ لَمْ يَنْعَقِدْ لَهُ صَوْمٌ أَصْلًا وَإِلَّا انْبَنَى انْعِقَادُهُ نَفْلًا عَلَى نِيَّةِ الظُّهْرِ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَقَعُ نَفْلًا مِنْ الْجَاهِلِ فَقَطْ. انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَبِهَا يُعْلَمُ أَنَّ التَّعْيِينَ فِي رَاتِبِ الصَّوْمِ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّتِهِ مِنْ حَيْثُ وُقُوعُ مُطْلَقِ الصَّوْمِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْقَصْدَ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْدُوبِ صَوْمُهَا وُجُودُ صَوْمٍ فِيهَا وَإِحْيَاؤُهَا بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ الْفَاضِلَةِ فَهُوَ نَظِيرُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِد،؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا تَعْظِيمُ الْمَسْجِدِ بِإِشْغَالِهِ بِالصَّلَاةِ وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْكَمَالِ وَوُقُوعِ الصَّوْمِ الْمَخْصُوصِ كَمَا أَنَّ التَّعْيِينَ فِي التَّحِيَّةِ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِكَمَالِهَا لَا لِصِحَّتِهَا فَحِينَئِذٍ مَنْ نَوَى فِي نَحْوِ يَوْمِ عَرَفَةَ أَوْ عَاشُورَاءَ أَوْ الِاثْنَيْنِ مَثَلًا صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ أَوْ عَاشُورَاء أَوْ الِاثْنَيْنِ حَصَلَ لَهُ كَمَالُ الصَّوْمِ وَالْفَضِيلَةِ وَكَذَا إنْ نَوَى ذَلِكَ وَالْقَضَاءُ مَثَلًا بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى نِيَّةِ غَيْرِهَا كَالْقَضَاءِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مَا نَوَاهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الطَّلَبُ بِالنِّسْبَةِ لِخُصُوصِ الصَّوْمِ الْمَطْلُوبِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ نَظِيرَ مَا قَرَّرْتُهُ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ. وَعَلَى أَحَدِ شِقَّيْ هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَحَيْثُ عَيَّنَ فِي نِيَّةِ صَوْمِ النَّفْلِ شَيْئًا وَأَخْطَأَ فِيهِ سَوَاءً شَرَطْنَا التَّعْيِينَ فَإِنْ عُذِرَ فِي خَطَئِهِ كَمَا فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي السُّؤَالِ صَحَّ الصَّوْمُ وَوَقَعَ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا لِتَعَذُّرِ وُقُوعِ مَا نَوَاهُ مِنْ تَاسُوعَاء يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَمِنْ ثَامِنِ الْحِجَّة فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ مِنْهَا وَكَانَ قَضِيَّةُ ذَلِكَ بُطْلَانَ النِّيَّةِ مِنْ أَصْلِهَا لَكِنْ لَمَّا عُذِرَ فِي غَلَطِهِ اقْتَضَى عُذْرُهُ بُطْلَانَ خُصُوصِ صَوْمِهِ الْمُعَيَّنِ، لَا عُمُومَ صَوْمِهِ نَظِيرَ مَا ذَكَرُوهُ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ أَوْ سُنَّتِهِ مَثَلًا قَبْلَ الْوَقْتِ ظَانًّا دُخُولِهِ وَهُوَ لَمْ يَدْخُل فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَيَبْطُلُ خُصُوصُ الْمُعَيَّنِ وَتَقَعُ الصَّلَاةُ لَهُ نَافِلَةً مُطْلَقَةً حَتَّى يُثَابَ عَلَيْهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى تَاسُوعَاء يَوْمَ عَاشُورَاء مَثَلًا مُتَعَمِّدًا فَإِنَّ نِيَّتَهُ بَاطِلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا لِتَلَاعُبِهِ كَنِيَّةِ الظُّهْرِ أَوْ سُنَّتِهِ قَبْلَ الْوَقْتِ عَالِمًا بِذَلِكَ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ نَوَى فِي اللَّيْلِ صَوْمَ الْقَضَاءِ وَبَعْد الْفَجْرِ التَّطَوُّعَ فَهَلْ يَحْصُلُ بِذَلِكَ التَّطَوُّعُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ ظَنَّ حَالَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ عَلَيْهِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ لَهُ بِفَرْضِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ وَكَذَا

стр. 362

لَوْ شَكَّ وَنَوَاهُ احْتِيَاطًا نَظِيرَ مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي وُضُوءِ الِاحْتِيَاطِ مِنْ صِحَّتِهِ بِفَرْضِ أَنَّ عَلَيْهِ حَدَثًا مَا لَمْ يَتَبَيَّن الْحَالَ فَإِنْ لَمْ يَظُنَّ أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا شَكَّ فِيهِ فَنِيَّةُ الْقَضَاءِ بَاطِلَةٌ فَإِذَا نَوَى بَعْدَ الْفَجْرِ التَّطَوُّعَ مَعَ عِلْمِهِ بِبُطْلَانِ نِيَّتِهِ الْأُولَى صَحَّ لَهُ التَّطَوُّعُ، وَأَمَّا نِيَّتُهُ التَّطَوُّع بَعْد نِيَّةِ الْقَضَاءِ وَظَنُّهُ صِحَّتِهَا فَهُوَ كَالتَّلَاعُبِ مِنْهُ فَلَا يَصِحَّ لَهُ التَّطَوُّعُ، وَإِنْ بَانَ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِفَسَادِ نِيَّتِهِ التَّطَوُّعَ وَعَدَمِ جَزْمِهِ بِهَا وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ نَوَى آخِرَ شَعْبَانَ صَوْمَ غَدٍ عَنْ رَمَضَانَ وَلَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ عَنْ رَمَضَانَ لِعَدَمِ اعْتِمَادِهَا عَلَى ظَنِّ دُخُولِهِ وَبَانَ أَنَّ الْيَوْمَ مِنْ شَعْبَانَ وَقَعَ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا وَلَا يُعَارِضُ مَا مَرَّ؛ لِأَنَّهُ هُنَا عَازِمٌ عَلَى صَوْمِ الْغَدِ جَازِمٌ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُتَرَدِّدٌ فِي أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ لَا فَلَمْ يَقَع عَنْ رَمَضَانَ لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِخُصُوصِهِ وَوَقَعَ عَنْ النَّفْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَافِيَ لِلنَّفْلِ حَالَ النِّيَّةِ فَتَأَمَّلْهُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَنْ حَدِيثٍ أَنَّ أَيَّامَ الْبِيضِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَسَلَّمَ لَمَّا هَبَطَ مِنْ الْجَنَّةِ اسْوَدَّ جِلْدُهُ فَأُمِرَ بِصِيَامِهَا فَفِي الْيَوْم الْأَوَّلِ ابْيَضَّ ثُلْثُ جِلْدِهِ وَفِي الثَّانِي ثُلْثُهُ وَفِي الثَّالِث بَقِيَّتُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَإِنْ خَرَّجَهُ جَمَاعَةٌ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ أَكَلَ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ عَمْدًا وَلَمْ يُفْطِر كَيْف صُورَته؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ النَّهَارُ اسْمٌ لِفَرْخِ الْقَطَا وَوَلَد الْحُبَارَى كَمَا أَنَّ اللَّيْلَ وَلَدُ الْكَرَوَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ صَامَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ أَفْطَرَ ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّهُ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ وَأَنَّ الشَّهْرَ ثَلَاثُونَ. فَهَلْ يَلْزَمهُ قَضَاءُ الْيَوْمِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا ثَبَتَ أَنَّ أَهْلَ بَلَدِهِ أَوْ الْبَلَدِ الْقَرِيبَةِ مِنْهُ مَطْلَعًا رَأَوْا الْهِلَالَ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ شَعْبَان لَزِمَهُ قَضَاءُ يَوْمٍ عَلَى الْفَوْرِ، وَكَذَا لَوْ أَفْطَرَ يَوْمَ ثَلَاثِينَ رَمَضَانَ بِالنِّسْبَةِ لِرُؤْيَةِ أَهْلِ بَلَدِهِ وَمَنْ قَرُبَ مَطْلَعُهُمْ مِنْ مَطْلَعِهِمْ فَيَلْزَمهُ قَضَاءُ يَوْمٍ لَكِنْ لَا فَوْرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا صُورَته مَا تَقُولُونَ فِيمَا رَجَّحُوهُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ هَلْ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الثُّبُوتِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ الْعَامُّ بِهِ،، وَأَمَّا الْحُكْمُ بِالْجَوَازِ وَالصِّحَّةِ فِي حَقِّ الْآحَادِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ وَلَا الظَّاهِرَةُ كَمَا أَجَابَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّهُ يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى مَنْ أَخْبَرَهُ فَاسِقٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَاعْتَقَدَ صِدْقَهُ هَلْ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحُكْمِ بِالْجَوَازِ وَالصِّحَّةِ فِي حَقِّ الْآحَادِ كَمَا تَقَدَّمَ، أَمْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجِبُ وَلَا يُجْزِئُ إلَّا إنْ ثَبَتَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ عَدْلِ شَهَادَةٍ أَوْ حُكْمِ حَاكِمٍ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: الصَّوَابُ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَدَالَةِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلثُّبُوتِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ الْعَامُّ، أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَاصِّ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إلَّا اعْتِقَادُ الصِّدْقِ أَوْ ظَنُّهُ عَلَى مَا يَأْتِي فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ مِنْهُ وَيُجْزِئُهُ سَوَاءً حُكِمَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ أَمْ لَا وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ لَكِنَّ لَهُ أَيْ كُلٍّ مِنْهُمَا أَيْ الْمُنَجِّمِ وَالْحَاسِبِ اعْتِمَادَهُ أَيْ اعْتِمَادَ مَعْرِفَةِ نَفْسِهِ كَالصَّلَاةِ، وَنَقْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ عَنْ الْجُمْهُورِ خِلَافَ ذَلِكَ ضَعِيفٌ وَيُجْزِئُهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَكَذَا فِي الْمَجْمُوعِ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا إذَا اُعْتُقِدَ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ بِقَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ أَجْزَأَهُ فَإِنَّهُ قَالَ: ثُمَّ إنَّ اسْتِنَادَ الِاعْتِقَادِ إلَى الْحِسَابِ حَيْثُ جَوَّزْنَاهُ كَذَلِكَ وَنَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ وَصَوَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا كَالسُّبْكِيِّ لَكِنْ صُحِّحَ فِي الْمَجْمُوعِ هُنَا أَنَّ لَهُ أَيْ الْحَاسِب ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ كَذَا قِيلَ. وَكَلَامُ الْمَجْمُوعِ لَيْسَ نَصَّا فِي تَصْحِيحِ ذَلِكَ، إنَّمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ فَإِنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَعْتَرِضهُ لِمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى النِّيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ كَمَا مَرَّ عَنْهُ (وَمَنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِرُؤْيَتِهِ) ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرهُ عِنْدَ الْقَاضِي (وَظُنَّ صِدْقُهُ) عِبَارَة غَيْرِهِ وَاعْتُقِدَ صِدْقُهُ وَبَيْنَهُمَا تَغَايُر وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ وَيُؤَيِّدُ الثَّانِيَ تَعْبِيرُ الْبَغَوِيِّ هُنَا بِقَوْلِهِ: وَلَوْ عَقَدَ بِقَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ وَنَوَى فَإِنْ سَمِعَ مِنْ ثِقَةٍ إلَخْ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ هُنَا مِنْ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي الظَّنُّ وَلَا غَلَبَته (لَزِمَهُ صِيَامُهُ) كَمَا قَطَعَ

стр. 363

بِهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عَبْدَانِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَأَقَرَّهُمْ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَوَاتَرَتْ عِنْده رُؤْيَةُ رَمَضَانَ أَوْ شَوَّالَ وَلَوْ مِنْ نَحْوِ فَسَقَةٍ أَوْ كُفَّارٍ لَزِمَهُ الصَّوْمَ فِي الْأُولَى قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ التَّوَاتُرَ يُفِيدُ الْيَقِينَ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْبَيِّنَةِ وَالْفِطْرِ فِي الثَّانِيَةِ وَخَرَجَ بِالثِّقَةِ مَا لَوْ أَخْبَرَهُ غَيْرُ الثِّقَةِ وَاعْتَقَدَ صِدْقَهُ فَلَا يَلْزَمهُ بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ قَرِيبًا بَلْ ظَاهِرُ قَوْلِ جَمْع لَوْ أَخْبَرَهُ مَنْ يَعْتَقِدُ صِدْقَهُ لَزِمَهُ الصَّوْمُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي اللُّزُومِ عِنْد اعْتِقَادِ الصِّدْقِ بَيْنَ الثِّقَةِ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي كَلَامِ ابْنِ الصَّبَّاغِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْجَوَازِ دُونَ الْوُجُوبِ وَسَيَأْتِي صِحَّةُ الِاعْتِمَادِ فِي النِّيَّةِ عَلَى قَوْلِ فَاسِقٍ سَكَنَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ. وَاسْتُفِيدَ مِنْهَا أَنَّهُ حَيْثُ لَزِمَهُ الصَّوْمُ لِاعْتِقَادِهِ الصِّدْقَ وَكَوْنِ الْمُخْبِرِ ثِقَةً وَلَا نِزَاعَ فِيهِ وَحَيْثُ جَازَ لَهُ لِاعْتِقَادِهِ الصِّدْقَ وَكَوْنِ الْمُخْبِرِ غَيْرَ ثِقَةٍ يَأْتِي فِي الْإِجْزَاء مَا تَقَرَّرَ مِنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ يَقُولُ بِاللُّزُومِ فِي هَذِهِ أَيْضًا يَقُولُ بِالْإِجْزَاءِ، ثُمَّ مَا تَقَرَّرَ هُنَا يُنَافِيه كَلَامُهُمْ فِي مَبْحَثِ النِّيَّةِ وَمَبْحَثِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ وَجَمَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ بِوُجُوهٍ سَبْعَةٍ ذَكَرْتُهَا مَعَ بَيَانِ مَا فِي كُلٍّ مِنْهَا مِنْ نَقْدٍ وَرَدَ فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَتَرَكْت سَوْقَهَا هُنَا لِطُولِهَا، وَحَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا فِي السُّؤَالِ مِنْهَا مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُنَا فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ عَنْ رَمَضَانَ أَيْ مَعَ أَنَّهُ مُعْتَمِدٌ فِيهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَظُنَّ صِدْقُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّن كَوْنَهُ مِنْهُ. نَعَمْ مَنْ اعْتَقَدَ لَيْلًا صِدْقَ مَنْ قَالَ أَنَّهُ رَآهُ مِمَّنْ ذَكَر يَصِحُّ مِنْهُ صَوْمُهُ بَلْ يَلْزَمُهُ كَمَا مَرَّ أَوَّلَ الْبَابِ وَتَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى النِّيَّةِ صِحَّةُ نِيَّةِ مُعْتَقِدِ ذَلِكَ، وَوُقُوعُ الصَّوْمِ عَنْ رَمَضَانَ إذَا تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْهُ قِيلَ فَلَا تَنَافِي بَيْنَ مَا ذُكِرَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ أَيْ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ وَحَاصِلُهُ حَمْلُ كَلَامِهِمْ فِي صِحَّةِ النِّيَّةِ عَلَى مَنْ ذَكَر عَلَى مَا إذَا تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ وَهُنَا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَبَيَّن شَيْءٌ فَلَيْسَ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَنْ ذَكَر أَيْ مِنْ نَحْوِ الصِّبْيَانِ فِي الصَّوْمِ بَلْ فِي النِّيَّةِ فَقَطْ فَإِذَا نَوَى اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِهِمْ ثُمَّ بَانَ كَوْنُ غَدٍ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَحْتَجْ لَيْلًا إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ أُخْرَى وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ الشَّهْرُ وَإِنَّمَا ذَكَرُوهُ فِيمَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي النِّيَّةِ، وَحِينَئِذٍ فَيَعْتَمِدُ فِي تَصْحِيحِ النِّيَّةِ عَلَى إخْبَارِ مَنْ يَثِقُ بِهِ ثُمَّ إنْ اسْتَمَرَّ الْحَال عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ يَوْمُ شَكٍّ فَيَحْرُمُ صَوْمُهُ وَلَا يُجْزِئُهُ، وَإِنْ بَانَ مِنْ رَمَضَانَ وَإِلَّا بِأَنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَصَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَدَّدَ نِيَّةً؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَمَّا اسْتَنَدَتْ إلَى إخْبَارِ مَنْ يُوثَقُ بِهِ صَحَّتْ وَوَقَعَتْ مَوْقِعَهَا وَنَازَعَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا الْجَوَابِ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ اهـ. الْغَرَضُ مِمَّا فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَنْ حَدِّ بَاطِنِ الْأُذُنِ الَّذِي يُفْطِرُ الصَّائِمُ بِوُصُولِ الْعَيْن إلَيْهِ أَهُوَ مَا لَا يُرَى وَمَا يُرَى فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَمْ أَرَ أَحَدًا حَدَّدَهُ بِشَيْءٍ لَكِنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي نَظِيرِهِ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ حَدُّهُ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ وَغَيْرَهُ نَقَلُوا عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ مَتَى دَخَلَ أَدْنَى شَيْءٍ مِنْ أُصْبُعِهِ فِي مَسْرَبَتِهِ أَفْطَرَ قَالَ السُّبْكِيّ وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا وَصَلَ إلَى الْمَكَانِ الْمُجَوَّفِ، وَأَمَّا أَوَّلُ الْمَسْرَبَةِ الْمُنْطَبِقُ فَلَا يُسَمَّى جَوْفًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُفْطِرَ بِالْوُصُولِ إلَيْهِ اهـ وَجُزِمَ بِهِ فِي الْخَادِمِ وَجَرَيْتُ عَلَى نَظِيرِ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ فَقُلْت عَقِبَ قَوْلِهِ وَبَاطِنُ أُذُنِهِ وَيَنْبَغِي حَدُّهُ بِمَا يَأْتِي فِي الْمُسَرِّبَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْمُجَوَّفِ دُون أَوَّلِ الْمُنْطَبِقِ اهـ. وَيُقَاسُ بِذَلِكَ بَاطِنُ الذَّكَرِ أَيْضًا وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ بَاطِنِ الْحَشَفَةِ وَالْحَلَمَةِ وَعِبَارَةُ الْكِفَايَةِ وَالْجَوَاهِرِ: يُفْطِرُ بِإِدْخَالِ مَيْلٍ إلَى بَاطِنِ حَشَفَتِهِ. فَإِنْ قُلْتَ يَنْبَغِي ضَبْطُ بَاطِنِ الْأُذُنِ بِمَا ضَبَطُوا بِهِ بَاطِنَ الْفَرْجِ وَهُوَ مَا لَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَحَيْثُ جَاوَزَ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَهُوَ أَوَّلُ الْمُنْطَبِقِ أَفْطَرَ. نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِي بَاطِنِ الْفَرْجِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي نَظَرَ إلَيْهِ السَّائِلُ فِي الضَّبْطِ بِالرُّؤْيَةِ وَعَدَمِهِ. قُلْت فَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ مَا يُجَاوِزُ الْمُنْطَبِقَ مِنْ الشَّفْرَيْنِ بَاطِنٌ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ يَظْهَرُ عِنْد الْجُلُوسِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ أَلْحَقُوهُ بِالظَّاهِرِ وَلَمْ يَحْكُمُوا بِالْفِطْرِ

стр. 364

إلَّا عِنْد مُجَاوَزَةِ هَذَا الظَّاهِرِ فَلَا ضَابِطَ هُنَا غَيْرُهُ، وَأَمَّا الْأُذُنُ فَمَا قَبْلَ الْمُنْطَبِقِ ظَاهِرٌ حِسًّا وَقِيَاسًا كَمَا قَبْلَ الْمَسْرُبَةِ، فَنَاسَبَ أَنْ يُلْحَقَ بِهَا فِي أَنَّ مَا جَاوَزَ أَوَّلَ الْمُنْطَبِقِ إلَى الْمُجَوَّفِ جَوْفٌ وَمَا لَا فَلَا فَتَأَمَّلْهُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ حَدِيث «إنَّ فِي الْجَنَّةِ نَهْرًا يُقَالُ لَهُ رَجَبٌ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَجَبٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ» وَحَدِيثِ «مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ الْخَمِيسَ وَالْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ كُتِبَ لَهُ عِبَادَةُ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ» وَحَدِيثِ «مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَجَبٍ كَانَ كَصِيَامِ شَهْرٍ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُغْلِقَتْ عَنْهُ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ السَّبْعَةُ وَمَنْ صَامَ مِنْهُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُهُ حَسَنَاتٍ» هَلْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً بَلْ ضَعِيفَةٌ فَتَجُوز رِوَايَتُهَا وَالْعَمَلُ بِهَا فِي الْفَضَائِلِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْأَوَّلِ لَيْسَ فِي إسْنَادِهِ مَنْ يُنْظَرُ فِي حَالِهِ سِوَى مَنْصُورٍ الْأَسَدِيِّ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ لَكِنْ لَمْ أَرَ فِيهِ تَعْدِيلًا وَقَدْ ذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ وَضَعَّفَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ فِي الثَّانِي لَهُ طُرُقٌ بِلَفْظِ عِبَادَةُ سِتِّينَ سَنَةٍ وَهُوَ أَشْبَهُ وَمَخْرَجه أَحْسَنُ وَإِسْنَادُهُ أَشَدُّ مِنْ الضَّعِيفِ قَرِيبٌ مِنْ الْحَسَنِ وَالثَّالِثُ لَهُ طُرُقٌ وَشَوَاهِدُ ضَعِيفَةٌ يُرْتَقَى بِهَا عَنْ كَوْنِهِ مَوْضُوعًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ عَيَّدَ فِي قَرْيَةٍ ثُمَّ وَصَلَ لِقَرْيَةٍ أُخْرَى قَرِيبَةٍ وَأَخْبَرَ أَهْلَهَا بِذَلِكَ فَهَلْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ أَوْ يُوَقَّف إلَى إخْبَارِ مَنْ يَحْصُلُ بِهِ التَّوَاتُرُ أَوْ مَنْ تَحْصُلُ بِهِ الشَّهَادَةُ وَلَوْ صَامَ فِي قَرْيَةٍ فَوَصَلَ لِقَرْيَةٍ أُخْرَى فَهَلْ يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ بِخَبَرِ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ لَا حَتَّى تَحْصُلَ الشَّهَادَةُ؟ وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي عَيَّدَ أَوْ صَامَ فِيهِ مِنْ الْمُدُنِ وَالْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، وَإِذَا أَرْسَلَ قَاضِي بَلَدٍ رُقْعَةً إلَى قَاضِي بَلَدٍ بِثُبُوتِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ عِنْدَهُ فَهَلْ يَجُوزُ الصَّوْمُ اعْتِمَادًا عَلَى الرُّقْعَةِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ مَعَهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ وَقَعَ مِنْ مُنْذُ سِنِينَ فِي زَبِيدٍ - حَرَسهَا اللَّهُ تَعَالَى - الْإِفْطَارُ مِنْ رَمَضَانَ بِإِخْبَارِ عَدْلٍ فَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُهَا هَلْ هُوَ جَائِزٌ بَلْ وَاجِبٌ أَوْ هُوَ حَرَامٌ وَطَالَ اخْتِلَافُهُمْ وَكَثُرَتْ فَتَاوِيهِمْ وَتَصَانِيفُهُمْ فِيهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا حَتَّى أَرْسَلُوا يَسْتَفْتُونَ مِنَّا عَنْ ذَلِكَ بِمَكَّةَ وَكَانَ مُجَاوِرًا إذْ ذَاكَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْبَكْرِيُّ ﵁ وَأَرْضَاهُ وَجَعَلَ جَنَّاتِ الْمَعَارِفِ مُتَقَلَّبَهُ وَمَثْوَاهُ فَاخْتَلَفَ جَوَابِي وَجَوَابُهُ وَلَمَّا عُرِضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَالَ لَازَالَ الْمَشَايِخُ وَتَلَامِذَتُهُمْ يَخْتَلِفُونَ وَلَا عَتَبَ فِي ذَلِكَ أَلَا تَرَى إلَى مَا وَقَعَ لِلْإِسْنَوِيِّ مَعَ تَلَامِذَتِهِ وَالْبُلْقِينِيِّ مَعَ تَلَامِذَتِهِ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ بَسَطْتُ حَاصِلَ مَا أَجَبْتُ بِهِ فِي شَرْحِي الْكَبِيرِ عَلَى الْإِرْشَادِ وَحَاصِلُ عِبَارَتِهِ وَبَحْثِ الْأَذْرَعِيِّ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِالْعَلَامَةِ الظَّاهِرَةِ الدَّالَّةِ كَرُؤْيَةِ أَهْلِ الْقُرَى الْقَرِيبَةِ مِنْ الْبَلَدِ الْكَبِيرِ الْقَنَادِيلَ الْمُعَلَّقَةَ لَيْلَةَ أَوَّلِ رَمَضَانَ بِالْمَنَائِرِ كَمَا هُوَ الْعَادَة وَاعْتَمَدَهُ مَنْ بَعْدَهُ وَقِيَاسُهُ الِاكْتِفَاءُ بِرُؤْيَةِ قَنَادِيلِ الْمَقْبَرَةِ فَجْرَ يَوْمِ الْعِيدِ ثُمَّ رَأَيْتُ الشَّارِحَ أَيْ الشَّمْسَ الْجَوْجَرِيَّ وَابْنَ قَاضِي عَجْلُونٍ أَفْتَيَا بِذَلِكَ وَقَيَّدَهُ الشَّارِحُ بِمَا إذَا كَثُرَتْ الْقَنَادِيلُ كَثْرَةً لَا يُحْتَمَلُ مَعَهَا النِّسْيَانُ بِوَجْهٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَشَيْخُنَا زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ أَفْتَى بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ بِذَلِكَ. قَالَ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ رَمَضَانَ وَشَغْلَ الذِّمَّةِ بِالصَّوْمِ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهُ شَرْعًا اهـ وَيَتَعَيَّن حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَحْصُل لِلرَّائِي بِذَلِكَ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ وَإِلَّا فَالْوَجْهُ وُجُوبُ الْفِطْرِ وَمِنْ ثَمَّ خَالَفَ الشَّيْخُ بَعْضَ أَكَابِرَ أَصْحَابِهِ فَأَفْتَى بِأَنَّ مَنْ حَصَلَ لَهُ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ بِدُخُولِ رَمَضَانَ مِنْ الْعَلَامَاتِ الْمُعْتَادَةِ لِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَمَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ بِدُخُولِ شَوَّال مِنْ الْعَلَامَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَزِمَهُ الْفِطْرُ عَمَلًا بِالِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ فِيهِمَا اهـ. وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أَنَّ إخْبَارَ الْعَدْلِ الْمُوجِبِ لِلِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ بِدُخُولِ شَوَّال يُوجِبُ الْفِطْرَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَوْلُ الرُّويَانِيِّ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ فِي الْفِطْرِ آخِرَ النَّهَارِ عَلَى إخْبَارِ الْعَدْلِ ضَعِيفٌ وَلَا يُفَرَّقُ بِأَنَّ آخِرَ النَّهَارِ يَجُوزُ الْفِطْرُ فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ آخِرَ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يُمْكِنُ فِي الْأَوَّلِ دُون الثَّانِي إذْ مِنْ شَرْطِهِ الْعَلَامَةُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي ذَاكَ لَا هَذَا وَحَيْثُ قُلْنَا بِجَوَازِ الْفِطْرِ أَوْ وُجُوبِهِ وَلَمْ يَثْبُت عِنْد الْحَاكِمِ

стр. 365

وَجَبَ إخْفَاؤُهُ لِئَلَّا يَتَعَرَّضَ لِمَخَافَتِهِ وَعُقُوبَتِهِ ثُمَّ رَأَيْت النَّوَوِيَّ ﵀ وَغَيْرَهُ ذَكَرُوا عَنْ الْقَفَّالِ وَاعْتَمَدُوهُ: أَنَّ لِزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ إذَا أَخْبَرَهَا عَدْلٌ بِمَوْتِهِ أَنْ تَتَزَوَّجَ فِيمَا بَيْنهَا وَبَيْن اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا تَقَرَّرَ مِنْ جَوَازِ الْفِطْرِ لِمَنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِدُخُولِ شَوَّال بَلْ هَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَاكَ حَقٌّ آدَمِيٌّ وَيَتَعَلَّقُ بِالْأَبْضَاعِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَزِيدِ احْتِيَاطٍ، وَقَاطِع لِلْعِصْمَةِ الَّتِي الْأَصْلُ بَقَاؤُهَا وَمَعَ ذَلِكَ أَثَر خَبَرِ الْعَدْلِ فِيهِ فَمَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى وَلَا نَظَرَ لِمَا تُوُهِّمَ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا أَثَرٌ ثُمَّ لِئَلَّا يَطُول ضَرَرُهَا وَانْتِظَارُهَا؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ قَدْ يَعْسُرُ إثْبَاتُهُ لِأَنَّ إطْلَاقَهُمْ تَأْثِيرِهِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ نَظَرِهِمْ لِخُصُوصِ ذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا مِنْ شَأْنِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، أَمَّا فِي الْمَوْتِ فَوَاضِحٌ إذْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ يَعْسُرُ إثْبَاتُهُ، وَأَمَّا التَّضَرُّرُ فِيمَا ذُكِرَ فَلَمْ يُعَوِّلُوا عَلَيْهِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ كَمَا فِي انْقِطَاع الدَّمِ لِعَارِضٍ، وَالْغِيبَةِ مَعَ جَهْل يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا حِينَئِذٍ الْفَسْخُ مَعَ تَضَرُّرِهَا بِمَا لَا يُطَاق. وَلَا نَظَرَ أَيْضًا لِاتِّهَامِ الرَّائِي فِي إخْبَارِهِ بِذَلِكَ لِجَرِّهِ جَوَازَهُ الْفِطْرَ لِنَفْسِهِ،؛ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَذَا الْجَرِّ إنْ سَلِمَ وَإِلَّا فَلَا جَرَّ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِنَفْسِهِ يَلْزَمُهُ الْفِطْرُ سَوَاءً قُلْنَا يُعْمَلُ بِخَبَرِهِ أَمْ لَا فَلَا تُهْمَةَ أَصْلًا فَإِفْتَاءُ بَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ بِإِطْلَاقِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ نَظَرًا لِذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا تَقَرَّرَ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْتُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا مِنْ أَنَّ لِلْحَاسِبِ وَالْمُنَجِّمِ الْعَمَلُ بِحِسَابِهِمَا فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فَإِذَا جَازَ لَهُمَا الْعَمَلُ بِهِ فِي الْفِطْرِ فَلَأَنْ يَجُوزَ بَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِإِخْبَارِ الْعَدْلِ لِمَا مَرَّ بِالْأَوْلَى وَتَخْصِيصُ بَعْضِهِمْ جَوَازُ الْعَمَلِ لَهُمَا بِالصَّوْمِ يَرُدُّهُ عِبَارَةُ الشَّيْخَيْنِ كَمَا يُعْلَمُ بِنَظَرِهَا وَتَصْرِيحُ الْأَصْحَابِ كَالشَّافِعِيِّ ﵁ بِأَنَّ شَوَّالًا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ لَا الرِّوَايَةِ، مَفْرُوضٌ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِهِمْ فِي ثُبُوتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِعُمُومِ النَّاسِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْإِرْشَادِ. وَبِهَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمَدَارَ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ بِالنِّسْبَةِ لِسَائِرِ النَّاسِ عَلَى الْعُمُومِ بِالثُّبُوتِ عِنْد الْحَاكِمِ وَهُوَ بِعَدْلٍ فِي الصَّوْمِ وَبِعَدْلَيْنِ فِي الْفِطْرِ أَوْ بِعَدَدِ التَّوَاتُرِ وَبِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى الرُّؤْيَةِ أَوْ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ بِإِخْبَارِ عَدْلٍ أَوْ فَاسِقٍ وَقَعَ فِي الْقَلْبِ صِدْقُهُ أَوْ بِقَرِينَةٍ لَا تَتَخَلَّفُ عَادَةً كَالْقَنَادِيلِ السَّابِقِ ذِكْرُهَا وَكَرُقْعَةِ الْقَاضِي الْمَذْكُورَة آخِرَ السُّؤَالِ إذَا اسْتَحَالَ عَادَةً تَزْوِيرُهَا أَوْ نَحْوِهِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ عَلَيْهِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَ وَصَامَ عَنْهَا خَمْسَةً وَأَفْطَرَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مُتَعَدِّيًا هَلْ يَتَضَيَّقُ صَوْمُ الْخَمْسَةِ كُلِّهَا أَوْ يَوْمٍ وَاحِدٍ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ السَّائِلِ مِمَّا ذَكَره أَنَّهُ شَرَعَ فِي الْقَضَاءِ فَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شُرُوعِهِ فِيهِ أَفْطَرَ ثُمَّ فِي ثَانِي يَوْمٍ أَفْطَرَ أَيْضًا وَهَكَذَا وَحِينَئِذٍ فَالْوَجْهُ أَنَّهُ إنْ نَوَى بِكُلِّ يَوْمٍ شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ أَنَّهُ عَنْ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ مِمَّا عَلَيْهِ لَزِمَهُ الْفَوْرُ فِي الْخَمْسَةِ،؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا وَقَعَ قَضَاءً مُسْتَقِلًّا عَنْ يَوْمٍ مُغَايِرٍ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ نَوَى أَنَّ الثَّانِيَ قَضَاءٌ عَنْ الْأَوَّلِ الَّذِي أَفْسَدَهُ وَهَكَذَا لَمْ يَلْزَمهُ الْفَوْرُ إلَّا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ لَوْ تَكَرَّرَ إفْسَادُهُ لِلْقَضَاءِ الْمُتَعَدِّد لَمْ يَلْزَمهُ إلَّا قَضَاءٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِيمَنْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ وَأَطْلَقَ قَضَاءً وَاحِدً أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ أَوَّلِ مَقْضِيَّةٍ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمهُ الْفَوْرُ إلَّا فِي قَضَاءٍ وَاحِدٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ شَرَعَ فِيهِ وَأَفْسَدَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ كَوْنِهِ قَضَاءً عَنْ يَوْمٍ مَخْصُوصٍ لَا يَنْصَرِفُ إلَّا لِلْأَوَّلِ فَهُوَ لَمْ يَتَكَرَّر مِنْهُ فَسَادٌ لِأَقْضِيَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ بَلْ لِقَضَاءٍ وَاحِدٍ. (وَسُئِلَ) ﵁ مَا مَعْنَى حَدِيثِ الْبَيْهَقِيّ «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَهُ» ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمَشْهُورُ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ أَنَّ أَجْرَ مُضَافٌ لِمَنْ الْمَوْصُولَةِ، وَأَمَّا تَنْوِينُهُ وَجَعْلُ مَنْ جَارَّةً فَقَدْ أَفْسَدَهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ بِأَنَّهَا إمَّا بَعْضِيَّة وَالضَّمِيرُ لِلصَّائِمِ وَهُوَ مُنَافٍ لِلْأَخْبَارِ الْآتِيَة أَنَّ الْمُفْطِرَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ لَا بَعْضِهِ أَوْ الضَّمِير لِلتَّفْطِيرِ الْمَفْهُومِ مِنْ فَطَّرَ فَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ، وَإِمَّا سَبَبِيَّة وَالضَّمِيرُ لِلصَّائِمِ وَوَجْهُ فَسَادِهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُؤْجَرُ بِسَبَبِ عَمَلِ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا يُؤْجَرُ بِسَبَبِ عَمَلِ نَفْسِهِ أَوْ لِلْمُفَطِّرِ لَمْ يَصِحَّ اعْتِلَاقُ مَا بَعْده بِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُهُ «مِنْ غَيْرِ

стр. 366

أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ» اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ وَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنَّهَا لِلْبَعْضِيَّةِ وَالضَّمِيرُ لِلصَّائِمِ وَالْمُمَاثَلَة مِنْ حَيْثُ أَصْلُ الثَّوَابِ دُون الْمُضَاعَفَةِ لِئَلَّا يَلْزَم تَسَاوِي الصَّائِمِ وَمُفَطِّرِهِ فِي فَوَائِدِ الصَّوْمِ وَثَوَابِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ، أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالضَّمِيرُ لِلتَّفْطِيرِ وَالتَّقْدِير كَانَ لَهُ أَجْرٌ مِنْ أَجْلِ تَفْطِيرِهِ لَهُ أَوْ لِلصَّائِمِ، وَالتَّقْدِيرُ كَانَ لَهُ أَجْرٌ مِنْ أَجْلِ وُجُودِ عَمَلٍ لِلصَّائِمِ وَهُوَ صَوْمُهُ الَّذِي يُثَابُ عَلَيْهِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ هِيَ أَنَّ الصَّائِمَ لَوْ لَمْ يَحْصُل لَهُ ثَوَابٌ عَلَى صَوْمِهِ لِارْتِكَابِهِ فِيهِ مَا يُبْطِلُ الثَّوَابَ كَالْغِيبَةِ وَقَوْلِ الزُّورِ كَمَا صَحَّ فِي الْخَبَرِ لَمْ يَحْصُل لَلْمُفَطِّرِ ثَوَابٌ كَمَا اقْتَضَاهُ مَا يَأْتِي فِي الْأَحَادِيثِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، فَحَيْثُ لَا أَجْرَ لَهُ لَا ثَوَابَ لِمُفَطِّرِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ عَمَلِهِ لَوْ فُرِضَ لَهُ أَجْرٌ فَيُؤْجَرُ الْمُفْطِرُ وَإِنْ لَمْ يُؤْجَرْ الصَّائِمُ ثُمَّ إذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ فِي ضَبْطِ الْحَدِيثِ فَمَعْنَاهُ كَانَ لَهُ أَجْرٌ مِنْ عَمَلِ الصَّوْمِ أَيْ مِثْلُ أَجْرِهِ لِلْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِذَلِكَ وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا تَأْيِيد لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرْته؛ لِأَنَّ عُدُولَهُ عَنْ قَوْلِهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ أَيْ الصَّائِمِ الَّذِي فَطَرَ إلَى مَنْ عَمَلُهُ الْأَعَمُّ مِنْهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَائِدَةٍ هِيَ حُصُولُ ثَوَابٍ مِثْل أَجْرِ الصَّوْمِ لِلْمُفَطِّرِ سَوَاءٌ كَانَ لِلصَّائِمِ الَّذِي فَطَّرَهُ ثَوَابٌ أَمْ لَا وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى كَانَ لِلْمُفَطِّرِ أَجْرٌ مِنْ عَمَلِ التَّفْطِيرِ مُقْتَدِيًا بِهِ فِي ذَلِكَ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ قَدْ يُفْتَرَضُ رَمَضَانُ وَسَطَ جُمَادَى؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ جُمَادَى عِنْد الْعَرَبِ الشِّتَاء كُلّه. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَنْ صَوْمِ ثَالِثِ عَشَرَ الْحِجَّةِ لِمَنْ يَعْتَادُ صَوْمَ أَيَّامِ الْبِيضِ هَلْ يَسْقُطُ بِفَقْدِ يَوْمِهِ أَوْ يَصُومُ السَّادِسَ عَشَرَ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَهَلْ هُوَ احْتِيَاطٌ أَوْ قَضَاءٌ أَوْ نِيَابَةٌ وَكَيْف يَقُوم عَنْهُ إذَا فَاتَ مَحِلُّهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَصُومُ السَّادِسَ عَشَرَ عِوَضًا عَنْ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي شَهْرِ الْحِجَّةِ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَتَبِعُوهُ قَالُوا لِأَنَّ صَوْمَ ثَالِثَ عَشَرَ حَرَامٌ فَكَانَ السَّادِسَ عَشَرَ عِوَضًا عَنْهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْبِيضِ فَاتَ بِعُذْرٍ فَشُرِعَ تَدَارُكه تَوْسِعَةً فِي حُصُولِ ثَوَابِهِ لِتَأَكُّدِ صَوْمِهَا بَلْ قِيلَ إنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً أَوَّلَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُهَا بِصَوْمِ رَمَضَانَ وَبَقِيَ نَدْبُهَا مُتَأَكَّدًا وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الْكَمَالِ وَإِلَّا فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِصَوْمِ ثَلَاثَةٍ مِنْ الشَّهْرِ غَيْرهَا وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُهَا» صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ فَحِينَئِذٍ انْدَفَعَ اسْتِبْعَادُ السَّائِلِ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَكَيْف إلَخْ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ إذَا قُلْنَا إنَّ الْقُرْبَ وَالْبُعْدَ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ وَاتِّحَادِهَا هَلْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَظْهَرَ تَفَاوُتٌ بَيْنَ أَهْلِ الْبُلْدَان الشَّرْقِيَّةِ وَالْغَرْبِيَّةِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَآخِرِهِ وَلَمْ يَشْتَهِر مِنْ أَهْلِ الْبُلْدَان الثَّانِيَةِ إلَّا الِاتِّفَاقُ مَا السَّبَبُ فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ كَوْنُ الِاخْتِلَافِ لَا يَظْهَرُ فِي الرُّبْعِ الْمَعْمُورِ بِكَثِيرٍ أَوْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ فَلِأَيِّ شَيْءٍ الِاخْتِلَافُ بَيْن الْأَئِمَّةِ فِي تَرْجِيحِ اخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ وَاتِّحَادِهَا وَمَسَافَةِ الْقَصْرِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَلْزَم مِنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ السُّبْكِيّ وَالْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ الْمَطَالِعَ إذَا اخْتَلَفَتْ فَقَدْ يَلْزَمُ مِنْ رُؤْيَتِهِ فِي بَلَدٍ رُؤْيَتُهُ فِي الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ إذْ اللَّيْلُ يَدْخُلُ فِي الْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الْغَرْبِيَّةِ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَم عِنْد اخْتِلَافِهَا مِنْ رُؤْيَتِهِ فِي الشَّرْقِيِّ رُؤْيَتِهِ فِي الْغَرْبِيِّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَأَمَّا عِنْد اتِّحَادِهَا فَيَلْزَمُ مِنْ رُؤْيَتِهِ فِي أَحَدِهِمَا رُؤْيَته فِي الْآخَرِ وَمِنْ ثَمَّ أَفْتَى جَمْعٌ بِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَخَوَانِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَقْتَ زَوَالِهِ وَأَحَدُهُمَا بِالْمَشْرِقِ وَالْآخَر بِالْمَغْرِبِ وَرِثَ الْمَغْرِبِيُّ الْمَشْرِقِيَّ لِتَقَدُّمِ مَوْتِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْأَوْقَاتِ لَزِمَ مِثْلُهُ فِي الْأَهِلَّةِ وَأَيْضًا فَالْهِلَالُ قَدْ يَكُونُ فِي الشَّرْقِ قَرِيبُ الشَّمْسِ فَيَسْتُرهُ شُعَاعُهَا فَإِذَا تَأَخَّرَ غُرُوبُهَا فِي الْمَغْرِبِ بَعُدَ عَنْهَا فَيُرَى، وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُنْتَشِرٌ يَجْمَعهُ سِتَّةُ آرَاءٍ: أَحَدُهَا إذَا رُئِيَ بِبَلَدٍ لَزِمَ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَنْ عَلِمَ بِرُؤْيَتِهِ بِمَحِلٍّ قَبْلَ رُؤْيَةِ مَحِلِّهِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ أَيْ وَيَنْبَغِي نَدْبُهُ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ. ثَانِيهَا يَلْزَمُ أَهْلَ إقْلِيمِ بَلَدٍ الرُّؤْيَةُ. ثَالِثهَا مَنْ وَافَقَهُمْ فِي الْمَطْلَعِ. رَابِعُهَا يَلْزَمُ كُلَّ بَلَدٍ لَا يُتَصَوَّرُ خَفَاؤُهُ عَنْهُمْ بِلَا عَارِضٍ. خَامِسُهَا يَلْزَم مَنْ عَلَى

стр. 367

دُون مَسَافَةِ الْقَصْرِ. سَادِسُهَا يَلْزَمُ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ فَقَطْ. وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالْأَوَّلِ الْمَنْقُولِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ الْأَرْضَ مُسَطَّحَةٌ مَبْسُوطَةٌ فَعَدَمُ الرُّؤْيَةِ فِي الْبَعِيدِ لِعَارِضٍ لَا لِعَدَمِ الْهِلَالِ وَرُدَّ بِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْبِلَادَ مُخْتَلِفَةُ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَقَدْ يَحْصُلَانِ فِي مَحِلٍّ دُونَ آخَر فَنِيطَ كُلُّ مَحِلٍّ بِرُؤْيَةِ أَهِلَّةٍ كَمَا عُلِّقَ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا بِالْمَطَالِعِ وَلَا يَضُرّ مَا يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الرُّجُوعِ لِقَوْلِ الْحَاسِبِ وَالْمُنَجِّمِ لِأَنَّهُ فِي أَمْرٍ تَابِعٍ خَاصٍّ وَالتَّوَابِعُ وَالْأُمُورُ الْخَاصَّة يُغْتَفَرُ فِيهِمَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأُصُولِ وَالْأُمُورِ الْعَامَّةِ قَالَ فِي الْأَنْوَارِ وَالْمُرَادُ بِاخْتِلَافِهَا أَنْ يَتَبَاعَدَ الْبَلَدَانِ بِحَيْثُ لَوْ رُئِيَ فِي أَحَدِهِمَا لَمْ يُرَ فِي الْآخَر غَالِبًا اهـ. وَفِيهِ شَيْءٌ بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ قَالَ التَّاجُ التَّبْرِيزِيُّ وَرُؤْيَتُهُ فِي بَلَدٍ تُوجِبُ ثُبُوتَ حُكْمِهَا إلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا لِأَنَّهَا فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ لَا تَخْتَلِفُ قَالَ أَبُو شُكَيْل: وَعَدَنُ وَزَبِيدٌ وَمَا وَالَاهُمَا مِنْ بِرّ عَجَم مُتَّحِدَةُ الْمَطَالِعِ وَعَدَنُ وَصَنْعَاءُ وَمَا وَالَاهُمَا مِنْ الْجِبَالِ وَتَعِزُّ مُخْتَلِفَةٌ اهـ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ نَوَى احْتِيَاطًا فِي اللَّيْلِ الصَّوْمَ عَنْ قَضَاءِ رَمَضَان إنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ وَإِلَّا فَعَنْ الْفِدْيَةِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ فَهَلْ يَكُونُ عَنْ الْفِدْيَةِ أَوْ لَا، وَإِذَا كَانَ عَلَيْهَا قَضَاءٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَهَلْ يَحْصُلُ الْقَضَاءَ مَعَ هَذَا التَّرَدُّدِ وَعَدَم الْجَزْمِ أَوْ لَا وَهَلْ الْأَفْضَلُ لِلْمُتَطَوِّعِ بِالصِّيَامِ أَنْ يَنْوِيَ الْقَضَاءَ احْتِيَاطًا أَوْ التَّطَوُّعَ فَإِذَا نَوَى الْقَضَاءَ فَهَلْ يَحْصُلُ التَّطَوُّعُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ أَمْ لَا، وَإِذَا نَوَى بِصَوْمِ الْقَضَاءِ فِي الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس مَثَلًا فَهَلْ تَحْصُلُ لَهُ السُّنَّةُ أَيْضًا أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ذَكَر النَّوَوِيُّ ﵀ فِي مَجْمُوعِهِ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ صَوْمًا وَجَهِلَ سَبَبَهُ مِنْ كَوْنِهِ قَضَاءً عَنْ رَمَضَانَ أَوْ نَذْرًا أَوْ كَفَّارَةً كَفَاهُ أَنْ يَنْوِي الصَّوْمَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ لِلضَّرُورَةِ كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ لَا يَعْرِفُ عَيْنَهَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْخَمْسَ وَتُجْزِئهُ عَمَّا عَلَيْهِ وَيُعْذَرُ فِي عَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ لِلضَّرُورَةِ وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمهُ هُنَا صَوْم ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَنْوِي يَوْمًا عَنْ الْقَضَاءِ وَيَوْمًا عَنْ النَّذْرِ وَيَوْمًا عَنْ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ هُنَا لَمْ تَشْتَغِل بِالثَّلَاثِ وَالْأَصْلُ بَعْد الْإِتْيَانِ بِصَوْمِ يَوْمٍ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ عَمَّا زَادَ بِخِلَافِهِ فِيمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ فَإِنَّ ذِمَّتَهُ اشْتَغَلَتْ بِجَمِيعِهِنَّ يَقِينًا، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ كُلٍّ مِنْهَا أَشَارَ إلَيْهِ السُّبْكِيّ وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ هُنَا أَنَّ ذِمَّتَهُ اُشْتُغِلَتْ بِصَوْمِ الثَّلَاثِ وَأَتَى بِاثْنَيْنِ مِنْهَا وَنَسِيَ الثَّالِثَ لَزِمَهُ الثَّلَاثَةَ وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفُوا ثَمَّ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ كَمَا هُنَا؛ لِأَنَّ مَا هُنَا أَوْسَعُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ هُنَا نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ وَلَا مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ لِلصَّوْمِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِنِيَّةِ تَرْكِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ نَعَمْ لَوْ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةً وَاجِبَةً وَلَمْ يَدْرِ هَلْ هِيَ مَكْتُوبَةٌ أَوْ مَنْذُورَةٌ كَفَاهُ نِيَّةَ صَلَاةٍ وَاجِبَةٍ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الصَّوْمِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ صَوْمًا وَاجِبًا وَشَكَّ هَلْ هُوَ قَضَاءٌ أَوْ كَفَّارَةٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ الْوَاجِبَ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنهُ لِلضَّرُورَةِ، وَإِذَا جَازَ لَهُ هَذَا الْإِبْهَامُ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ الْقَضَاءَ إنْ كَانَ وَإِلَّا فَالْكَفَّارَةُ وَلَا يَضُرُّ هَذَا التَّرَدُّدُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ الضَّرُورَةِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الزَّكَاةِ لَوْ نَوَى زَكَاةَ مَالِهِ الْغَائِب إنْ كَانَ بَاقِيًا وَإِلَّا فَعَنْ الْحَاضِرِ صَحَّ وَوَقَعَتْ عَنْ الْحَاضِرِ إنْ بَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا. قَالُوا وَلَا نَظَرَ لِلتَّرَدُّدِ فِي عَيْنِ الْمَالِ بَعْد الْجَزْمِ بِكَوْنِهِ زَكَاةَ مَالِهِ وَهَذَا بِعَيْنِهِ يَأْتِي فِي مَسْأَلَتِنَا فَيُقَال أَوَّلًا لَا نَظَرَ لِلتَّرَدُّدِ فِي عَيْنِ الصَّوْمِ وَبَعْدَ الْجَزْمِ بِكَوْنِ أَحَدِهِمَا وَاجِبًا عَلَيْهِ وَثَانِيًا لَوْ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ وَإِنَّمَا الشَّكُّ فِي الْقَضَاءِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ السُّؤَالِ إنْ بَانَ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَقَعَ عَنْهُ وَإِلَّا وَقَعَ عَنْ الْفِدْيَةِ فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْن هَذَا وَمَا لَوْ نَوَى الْوُضُوءَ لِلتِّلَاوَةِ إنْ صَحَّ الْوُضُوءُ لَهَا وَإِلَّا فَلِلصَّلَاةِ فَإِنَّ الْأَوْجَهَ عَدَمُ صِحَّةِ هَذِهِ النِّيَّةِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَبَيْن هَذَا، وَقَوْلِهِمْ لَوْ نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ إنْ دَخَلَ وَإِلَّا فَالْفَائِتُ لَمْ يَصِحَّ قُلْتُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ وَبَيْنَهُ أَنَّهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ تَرَدَّدَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَحْتَاجُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِنِيَّةٍ بِخِلَافِهِ فِي صُورَةِ الْوُضُوءِ فَإِنَّ التِّلَاوَةَ لَا تَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ بَلْ لَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ لَهَا فَاشْتَمَلَ أَحَدُ جُزْأَيْ نِيَّتِهِ عَلَى نِيَّةٍ بَاطِلَةٍ فَلَغَتْ مِنْ أَصْلِهَا عَلَى أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ هُنَا لِلتَّرَدُّدِ بِوَجْهٍ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا

стр. 368

كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا الثَّانِي فَالْفَرْقُ فِيهِ بِذَلِكَ أَيْضًا أَعْنِي عَدَمَ الضَّرُورَةِ وَبِأَنَّ الصَّلَاةَ يُحْتَاطُ لَهَا مَا لَا يُحْتَاطُ لِغَيْرِهَا. وَمِمَّا هُوَ صَرِيحٌ أَيْ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرَتْهُ مِنْ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ قَوْلُ الْمَجْمُوعِ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَأَقَرَّهُ لَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَنَوَى رَفْعَهُ إنْ كَانَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَالْوُضُوءُ الْمُجَدَّدُ صَحَّ وُضُوءُهُ، وَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا لِاسْتِنَادِهِ لِأَصْلِ بَقَاءِ الْحَدَثِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ وُضُوءَ احْتِيَاطٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَرَدِّدًا عِنْدَهُ لِمَنْعِ الصَّلَاةِ بِدُونِهِ، وَقَوْله وَإِلَّا فَتَجْدِيدُ تَصْرِيحٌ بِالْوَاقِعِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا حَدَثَ وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْن هَذَا وَمَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَجْمُوعِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ الرُّويَانِيِّ وَبِتَأَمُّلِ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَسْأَلَةَ الصَّوْمِ أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا ضَرُورَةً حَقِيقِيَّةً وَهُنَا لَا ضَرُورَةَ لِأَنَّهُ يُمْكِنهُ أَنْ يُحْدِثَ فَيَرْتَفِعَ التَّرَدُّدُ فَإِذَا جَازَتْ نِيَّتُهُ تِلْكَ مَعَ إمْكَانِ دَفْعِهِ التَّرَدُّدَ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ نَظِيرُهَا فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنهُ دَفْعُ التَّرَدُّدِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ يَعْلَم أَنَّ عَلَيْهِ أَحَدَ الصَّوْمَيْنِ وَلَا يُعْلَم عَيْنُهُ، وَإِذَا نَوَى ذَلِكَ تَأَدَّى بِهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْقَضَاءِ أَوْ الْكَفَّارَةِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْوُضُوءِ هَذِهِ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءً مَثَلًا فَنَوَاهُ إنْ كَانَ، وَإِلَّا فَتَطَوُّعٌ صَحَّتْ نِيَّتُهُ أَيْضًا وَحَصَلَ لَهُ الْقَضَاءُ بِتَقْدِيرِ وُجُودِهِ بَلْ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ عَلَيْهِ وَإِلَّا حَصَلَ لَهُ التَّطَوُّعُ كَمَا يَحْصُل لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْوُضُوءِ وُضُوءُ التَّجْدِيدِ بِفَرْضِ أَنْ لَا حَدَثَ عَلَيْهِ بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ ثَمَّ وَاجِبٌ وَلَمْ يُؤَثِّر فِيهِ ذَلِكَ التَّرَدُّدُ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يُؤَثِّر فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ لِلِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْأَفْضَلَ لِمُرِيدِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ أَنْ يَنْوِيَ الْوَاجِبَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَالتَّطَوُّع، لِيَحْصُلَ لَهُ مَا عَلَيْهِ إنْ كَانَ فَاتَ قُلْت يُنَافِي ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُ الْمَجْمُوعِ لَوْ قَالَ أَصُومُ عَنْ الْقَضَاءِ أَوْ تَطَوُّعًا لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْقَضَاءِ قَطْعًا وَيَصِحُّ نَفْلًا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ اهـ. قُلْت لَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ بِوَجْهٍ لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ فِيمَنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ بِيَقِينِ فَلَا مُوجِبَ لِاغْتِفَارِ التَّرَدُّدِ فِيهِ بِخِلَافِ مَا قَدَّمْنَاهُ. فَإِنْ قُلْت لَوْ قَالَ آخِر شَعْبَانَ وَقَدْ ظَنَّ دُخُولَ رَمَضَانَ بِخَبَرِ نَحْوِ فَاسِقٍ نَوَيْتُ صَوْمَ غَدٍ عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْهُ وَإِلَّا فَتَطَوَّعَ فَبَانَ مِنْهُ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْهُ. قُلْت عَدَمُ الْإِجْزَاءِ هُوَ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَمَدُ الشَّيْخَيْنِ فَقَدْ أَطَالَ كَثِيرُونَ مِنْ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي رَدِّهِ كَمَا بَيَّنْتُهُ لَكِنْ مَعَ جَوَابِهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَعَلَى كَلَامِهِمَا فَهُوَ لَا يُنَافِي مَا قَدَّمْتُهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ بِهِ إلَى هَذَا التَّرَدُّدِ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ نَوَيْتُ صَوْمَ غَدٍ أَجْزَأَهُ كَمَا بَيَّنْتُهُ ثَمَّ أَيْضًا مَعَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى التَّرَدُّد فَاغْتُفِرَ لَهُ لِلضَّرُورَةِ وَالْمُعْتَمَد كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّ مَنْ نَوَى صَوْمَ الْقَضَاءِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مَثَلًا فَإِنْ نَوَى سُنَّةَ صَوْمِ الِاثْنَيْنِ مَعَ ذَلِكَ حَصَلَا وَأُثِيبَ عَلَيْهِمَا وَإِلَّا لَمْ يُثَبْ عَلَى الثَّانِي لَكِنْ يَسْقُطُ طَلَبُهُ كَمَا لَوْ طَلَبه كَمَا لَوْ نَوَى فَرْضَ الظُّهْرِ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ بِجَامِعٍ أَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ شَغْلُ الْبُقْعَةِ بِصَلَاةٍ وَهُنَا شَغْلُ هَذَا الزَّمَنِ بِصَوْمٍ. [كِتَابُ الِاعْتِكَافِ] (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ لَوْ تُصُوِّرَ أَنَّ شَخْصًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقِفَ عَلَى أُصْبُعِهِ فَاعْتَكَفَ وَاقِفًا عَلَى أُصْبُعِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ فَقَطْ فَهَلْ يَصِحُّ اعْتِكَافُهُ أَوْ لَا إذَا قُلْتُمْ بِصِحَّتِهِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ جَسَدِهِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يَكْفِي كَوْنُ بَعْضِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَبَعْضِهِ خَارِجَهُ، وَإِذَا قُلْتُمْ يَكْفِي كَوْنُ بَعْضِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ الَّذِي فِي الْمَسْجِدِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضِهِ الَّذِي هُوَ خَارِجُهُ أَوْ يَكْفِي وَلَوْ كَانَ الْخَارِجُ أَكْثَرَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ تُصُوِّرَ اعْتِمَادُ الْبَدَنِ عَلَى جُزْءٍ مِنْهُ، وَإِنْ صَغُرَ جِدًّا وَكَانَ ذَلِكَ الْجُزْءُ فِي الْمَسْجِدِ صَحَّ الِاعْتِكَافُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ وَالْأَيْمَانِ وَمُحَرِّمَاتِ الْإِحْرَامِ وَذِكْرُهُمْ الرِّجْل وَالْيَدَ إنَّمَا هُوَ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَلَا فَرْقَ حَيْثُ اعْتَمَدَ عَلَى مَا ذُكِرَ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ أَكْثَرُ بَدَنِهِ عَنْ الْمَسْجِدِ أَوْ لَا. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ نَحْوِ الْجُنُبِ لِحُرْمَةِ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَيْهِ وَأَوْرَدَ عَلَى ذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْح الرَّوْضِ مَا لَوْ اعْتَكَفَ فِي مَسْجِدٍ وُقِفَ عَلَى غَيْرِهِ دُونَهُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لَبْثُهُ فِيهِ مَعَ صِحَّةِ اعْتِكَافه فِيهِ كَالتَّيَمُّمِ بِتُرَابٍ

стр. 369

مَغْصُوبٍ ثُمَّ قَالَ وَقِسْ عَلَى هَذَا مَا يُشْبِهُهُ فَمَا الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ حُرْمَةَ مُكْثِ نَحْوِ الْجُنُبِ إنَّمَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَسْجِدًا الْمُشْتَرَطُ فِي الِاعْتِكَافِ فَلَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُهُ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ حُرْمَةِ الْمُكْثِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَوْرَدْت فَإِنَّهَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ كَوْنُهُ لَيْسَ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ لَا لِأَجَلِ كَوْنِهِ مَسْجِدًا وَنَظِير ذَلِكَ عَدَمُ إجْزَاءِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي لَبِسَهُ الْمُحْرِمُ بِخِلَافِ الْخُفِّ الَّذِي مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ حَرَامٌ مِنْ حَيْثُ اللُّبْسُ الَّذِي لَا يَتَحَقَّقُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ إلَّا بِهِ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّ حُرْمَتَهُ لِلِاسْتِعْمَالِ الْأَعَمِّ لِحُصُولِهِ بِاللُّبْسِ وَغَيْرِهِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِيمَا وُقِفَ جُزْؤُهُ شَائِعًا مَسْجِدًا وَيَحْرُمُ الْمُكْثُ فِيهِ عَلَى الْجُنُبِ مَثَلًا وَإِذَا دَخَلَهُ مُتَطَهِّرٌ سُنَّ لَهُ صَلَاةُ التَّحِيَّةِ فَمَا الْفَرْقُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ يُفَرَّقُ بَعْدَ تَسْلِيمِ سَنِّ التَّحِيَّةِ لَهُ وَهُوَ الْمُتَّجَهُ بِأَنَّ الْمَدَارَ فِي حُرْمَةِ مُكْثِ الْجُنُبِ عَلَى مُمَاسَّتِهِ لِجُزْءٍ مِنْ الْمَسْجِدِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِحُرْمَتِهِ حِينَئِذٍ وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ فَحَرَّمُوا الْمُكْثَ فِيمَا ذُكِرَ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ خِلَافًا لِلْبَارِزِيِّ وَفِي صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ عَلَى خُلُوصِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَلَمْ يَصِحَّ. وَأَيْضًا فَاخْتِصَاصُ الِاعْتِكَافِ بِالْمَسْجِدِ إنَّمَا هُوَ لِمَزِيدِ تَعْظِيمِهِ وَحَيْثُ صَحَّ مَعَ مُمَاسَّةِ غَيْرِهِ كَانَ فِيهِ إخْلَالٌ بِذَلِكَ التَّعْظِيمِ فَرُوعِيَ الْإِخْلَالُ بِالْحُرْمَةِ ثَمَّ وَالْإِخْلَالُ بِالتَّعْظِيمِ هُنَا. وَيُفَرَّقُ بَيْنَ عَدَمِ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ وَنَدْبِ التَّحِيَّةِ لِدَاخِلِهِ بِأَنَّهُ قَدْ مَاسَّ جُزْءًا مِنْ الْمَسْجِدِ فَيُسَنُّ لَهُ تَحِيَّةُ ذَلِكَ الْجُزْءِ الَّذِي مَاسَّهُ مُبَالَغَةً فِي تَعْظِيمِهِ، وَإِشَارَةً إلَى أَنَّ مُمَاسَّةَ غَيْرِهِ لَا تُؤَثِّرُ فِيمَا طُلِبَ لَهُ مِنْ مَزِيدِ التَّعْظِيمِ. وَلَوْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ لَكَانَ مُعْتَكِفًا فِي جُزْءٍ غَيْرِ مَسْجِدٍ وَفِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِالتَّعْظِيمِ مَا مَرَّ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيمَا إذَا صَلَّى التَّحِيَّةَ أَنَّهُ صَلَّاهَا لِجُزْءٍ غَيْرِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ أَمْرٌ حِسِّيٌّ فَلَا يُمْكِنُ تَخْصِيصُهُ بِالْمَسْجِدِ مَعَ مُمَاسَّةِ بَدَنِهِ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ تَخْصِيصُهَا بِالْجُزْءِ الَّذِي هُوَ مَسْجِدٌ دُونَ غَيْرِهِ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته فِيمَا مَرَّ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ الْمُعْتَكِفُ إحْدَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا ضُرَّ عَلَى الْأَوْجَهِ، وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ. (وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ بِمَا لَفْظُهُ رَأَيْت فِي بَعْضِ التَّعَالِيقِ مَنْسُوبًا لِلْإِمَامِ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ قَالَ لَوْ وَقَفَ جِذْعًا لِلِاعْتِكَافِ حُرِّمَ الْمُكْثُ عَلَيْهِ وَكَذَا السَّجَّادَةُ اهـ كَلَامُهُ هَلْ قَوْلُهُ صَحِيحٌ مُؤَيَّدٌ بِكَلَامِهِمْ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا نُقِلَ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ كَلَامٌ مُظْلِمٌ إذْ لَمْ يُبَيَّنْ كَيْفِيَّةَ وَقْفِ الْجِذْعِ لِلِاعْتِكَافِ وَلَا مَحَلَّ ذَلِكَ الْجِذْعِ، وَقَوْلُ الْمُعَلِّقِ وَكَذَا السَّجَّادَةُ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْبُلْقِينِيُّ وَكُلُّ ذَلِكَ تَأْبَاهُ جَلَالَةُ الْبُلْقِينِيُّ وَإِنَّمَا مَسْأَلَةُ السَّجَّادَةِ كَانَتْ نُقِلَتْ عَنْ شَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا ﵀ أَنَّهُ وَقَفَ سَجَّادَتَهُ مَسْجِدًا فَكَانَ يَنْوِي الِاعْتِكَافَ عَلَيْهَا فِي سَفَرِهِ لِلْحَجِّ تَقْلِيدًا لِوَجْهٍ ضَعِيفٍ يَرَى صِحَّةَ وَقْفِ الْمَنْقُولِ مَسْجِدًا. هَذَا مَا نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ وَقَدْ تَتَبَّعْنَاهُ فَلَمْ نَرَهُ صَحَّ عَنْهُ أَصْلًا وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُلْقَى بَيْنَ بَعْضِ الطَّلَبَةِ لِاسْتِغْرَابِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْمَذْهَبِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا فِي التَّعَالِيقِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ حَالُ كَاتِبِهَا أَوْ يُعْلَمُ حَالُهُ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالْعِلْمِ أَوْ الْعَدَالَةِ وَكَمْ مِنْ تَعَالِيقَ يَقَعُ فِيهَا غَرَائِبُ يَرَاهَا بَعْضُ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْقَوَاعِدَ فَيَزِلَّ بِهَا قَدَمُهُ وَيَطْغَى بِنَقْلِهَا قَلَمُهُ نَعَمْ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ بَنَى فِي مِلْكِهِ مَسْطَبَةً أَوْ أَثْبَتَ فِيهِ خَشَبًا جَازَ لَهُ وَقْفُهُ مَسْجِدًا عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِأَنَّهُ الْآنَ مُثْبِتٌ فَهُوَ فِي حُكْمِ وَقْفِ الْعُلْوِ دُونَ السُّفْلِ مَسْجِدًا وَهُوَ صَحِيحٌ. [كِتَابُ الْحَجِّ] (وَسُئِلَ) ﵁ وَمَتَّعَ بِحَيَاتِهِ عَنْ شَخْصٍ جُوعِلَ عَلَى أَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ عَنْ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ بِكَذَا فَأَخْبَرَ الْجَعِيلُ بِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ عَنْ الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ الَّذِي جُوعِلَ لِأَجَلِهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ وَقَفَ عَنْهُ بِعَرَفَةَ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ بِحُضُورِهِ فِي عَرَفَةَ فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ فِي مَسْأَلَةِ الْجِعَالَةِ دُونَ الْإِجَارَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَكَابِرِ فُقَهَاءِ الْيَمَنَ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِعَالَةِ دُونَ الْإِجَارَةِ فَارِقًا بَيْنَ الْإِجَارَةِ وَالْجِعَالَةِ بِفُرُوقٍ أَمْ يَجِبُ

стр. 370

الْإِشْهَادُ فِيهِمَا فَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ فَذَاكَ، وَإِنْ قُلْتُمْ بِوُجُوبِهِ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا فَهَلْ يَكْفِيه الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَضَرَ فِي أَرْضِ عَرَفَةَ فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ أَنَّ وُقُوفَهُ عَلَى فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ بَلْ إذَا أَخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ وُقُوفَهُ كَانَ عَنْ فُلَانٍ الْمَذْكُورِ يُقْبَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَاكَ لَا يُعْلَمُ مِنْهُ أَوْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ الْإِشْهَادُ حَالَةَ الْوُقُوفِ مَثَلًا أَنَّ وُقُوفَهُ مَثَلًا كَانَ عَنْ فُلَانٍ وَلَمْ يَفْعَلْ وَكَذَا سَائِرُ أَرْكَانِ الْحَجِّ غَيْرَ النِّيَّةِ. وَهَلْ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ يَأْتِي فِي الْعُمْرَةِ؟ (فَأَجَابَ ﵁) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي حَاشِيَةِ الْإِيضَاحِ أَنَّهُ يُقْبَلُ بِلَا يَمِينٍ قَوْلُ الْأَجِيرِ حَجَجْت مَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْوُقُوفِ بِبَغْدَادَ مَثَلًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهُ آخَرُ إنْ حَجَجْت عَنْ أَبِي فَلَكَ كَذَا فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ دَعْوَاهُ الْحَجَّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَيَكُونُ حَلِفُ الْمُنْكِرِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. كَذَا ذَكَرَهُ الزَّبِيلِيُّ وَمُرَادُهُ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا تِلْكَ الْمَوَاقِفَ فِي السَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَا أَنَّهُ حَجَّ عَنْ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْجِعَالَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي بَابِهَا لَوْ اخْتَلَفَا بَعْدَ فَرَاغِ الْعَمَلِ فِي الرَّدِّ فَقَالَ الْعَامِلُ رَدَدْته وَقَالَ الْمَالِكُ جَاءَ بِنَفْسِهِ صُدِّقَ الْمَالِكُ اهـ فَأَفْهَمْ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ دَعْوَى الْعَامِلِ أَنَّهُ أَتَى بِالْعَمَلِ الْمُجَاعَلِ عَلَيْهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ أَنَّهُ أَتَى بِهِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِجَارَةِ بِأَنَّ الْأَجِيرَ مَلَكَ الْأُجْرَةَ بِالْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ فَإِذَا ادَّعَى مُسْتَأْجَرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْعَمَلِ كَانَ مُدَّعِيًا عَلَيْهِ خِيَانَةً وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا فَصُدِّقَ الْأَجِيرُ فِي نَفِيهَا بِيَمِينِهِ غَالِبًا، وَأَمَّا الْعَامِلُ فِي الْجِعَالَةِ فَلَمْ يَمْلِكْ الْجَعْلَ بَلْ وَلَا يَثْبُتُ لَهُ فِيهِ شَائِبَةُ حَقٍّ إلَّا بَعْدَ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ كَرَدِّ الْآبِقِ فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ رَدَّ كَانَ مُدَّعِيًا عَلَى الْمَالِكِ بِمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ سَبَبَهُ فَصَدَقَ الْمَالِكُ فِي نَفْيِ دَعْوَاهُ بِيَمِينِهِ عَلَى قِيَاسِ سَائِرِ الدَّعَاوَى الَّتِي هَذَا شَأْنُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ فِيمَنْ أَوْصَى بِحَجَّةٍ وَزِيَارَةٍ بِالْقَدَمِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِهِمَا النَّائِبُ بِنَفْسِهِ فَجَاعَلَهُ الْوَصِيُّ كَذَلِكَ فَحَجَّ وَلَمْ يَزُرْ بَلْ اسْتَنَابَ مَنْ يَزُورُ عَنْ الْوَصِيِّ لِعُذْرٍ أَوْ دُونِهِ هَلْ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْمُوصَى بِهِ أَوْ قِسْطَ الْحَجِّ فَقَطْ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا بِنَحْوِ مَرَضٍ حَالَ الْجِعَالَةِ فَيَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْمُسَمَّى وَبَيْنَ أَنْ يَطْرَأَ الْعُذْرُ فَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا قِسْطَ الْحَجِّ كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْوَكَالَةِ فَلَوْ أَذِنَ لَهُ الْوَصِيُّ فِي الِاسْتِنَابَةِ فِي الزِّيَارَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا وَعَلَيْهِ هَلْ يَغْرَمُ أَمْ لَا وَمَا تَقُولُونَ فِيمَا يُسَمَّى بِالْمُلْزَمَةِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُوصِيَ الشَّخْصُ بِقَدْرٍ قَلِيلٍ لِمَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ مَنْ يَعْتَنِي بِالْمَسِيرِ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنْ بَلَدِ الْمُوصِي هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ أَوْ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ قَدْ يَقُولُ لِشَخْصٍ يَعْتَنِي بِالْحَجِّ إذَا خَرَجْت حَاجًّا أَوْ اسْتَنَبْتَ بِمَنْ يَحُجُّ عَنْ الْمُوصِي الْمَذْكُورِ فَلَكَ كَذَا أَوْ يَقُولُ لَك فِي تَرِكَتِهِ كَذَا أَوْ يَقُولُ عِنْدِي أَوْ عَلَيَّ أَوْ يُطْلِقُ هَلْ يَصِحُّ وَيَلْزَمُ الْمُوصِيَ دَفْعُ الْمُسَمَّى مِنْ التَّرِكَةِ أَوْ يَلْزَمُ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ أَوْ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا أَصْلًا أَوْ يَسْتَحِقُّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ دُونَ بَعْضٍ عَلَى أَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ الْمُشَاهَدِ أَنَّ أَرْبَابَ الْمُلَازِمِ أَيْ السَّائِرِينَ بِهَا يَسْتَنِيبُونَ هُنَاكَ مَنْ لَا يَقُومُ بِوَاجِبِهَا بِقَدْرٍ قَلِيلٍ مِنْ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ قَلِيلٌ وَيَأْخُذُونَ الْبَاقِيَ لِأَنْفُسِهِمْ هَلْ يَحِلُّ لَهُمْ مَا أَخَذُوهُ أَمْ هُوَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ يَفْسُقُ مُتَعَاطِيهِ مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ وَهَلْ يَأْثَمُ الْوَصِيُّ بِذَلِكَ أَيْضًا وَيَنْعَزِلُ أَمْ لَا؟ وَلَوْ عَاقَدَ بَيْنَهُمَا فَقِيهٌ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ هَلْ يَأْثَمُ وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَيُقَدَّمُ غُرْمُهُ عَلَى الْوَصِيِّ وَالْمُوصِي أَمْ لَا وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الِاسْتِنَابَةِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالزِّيَارَةِ أَنْ يَكُونَ النَّائِبُ عَدْلًا كَمَا نُقِلَ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ أَمْ لَا كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اُبْسُطُوا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِأَنَّ الْمُوصِي مَتَى شَرَطَ فِي وَصِيَّتِهِ صَرِيحًا أَنَّ مَنْ يَحُجُّ أَوْ يَزُورُ عَنْهُ يَأْتِي بِنَفْسِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ لُزُومًا بِأَنْ قَالَ بِالْقَدَمِ وَعَرَّفَهُ وَالْمُطَّرِدُ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ عَنْ إلْزَامِ النَّائِبِ بِأَنْ يَأْتِي بِذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَجَبَ عَلَى الْوَصِيِّ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَحُجُّ وَيَزُورُ عَنْهُ إجَارَةَ عَيْنٍ أَوْ أَنْ يُجَاعِلَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ عَدَمَ الِاسْتِنَابَةِ فِيهِ الْعَامِلُ فِي الْجِعَالَةِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُحَصِّلُ الْعَمَلَ لَكِنْ لَا مُطْلَقًا بَلْ فِيمَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَوْ

стр. 371

لَا يَلِيق بِهِ مَا لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ فِيهِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَا يُقَالُ هَذَا شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِلْعَقْدِ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ مُخَالِفًا لَهُ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَقْتَضِي جَوَازَ التَّوْكِيلِ بِقَيْدِهِ الْمَذْكُورِ إلَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا عِنْدَ النَّصِّ عَلَى أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَقْتَضِي جَوَازَ التَّوْكِيلِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَعْيَانِ الْعَامِلِينَ فَحَيْثُ شَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَتَوَلَّى الْعَمَلَ بِنَفْسِهِ اتَّبَعَ شَرْطَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ إلَّا إنْ عَجَزَ أَوْ لَمْ يَلِقْ بِهِ مَا وُكِّلَ فِيهِ فَهُوَ كَالْعَامِلِ وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْمُوَكِّلُ أَنْ يَتَوَلَّى مَا وُكِّلَ فِيهِ بِنَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ التَّوْكِيلُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي الْوَكَالَةِ فَقِيَاسُهُ أَنَّ الْعَامِلَ كَذَلِكَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَتَى اُسْتُؤْجِرَتْ عَيْنُ إنْسَانٍ أَوْ جُوعِلَ عَلَى عَيْنٍ وَشَرَطَ عَلَيْهِ عَدَمَ الِاسْتِنَابَةِ مُطْلَقًا فَاسْتَنَابَ مَنْ يَزُورُ عَنْ الْمُوصِي لَمْ يَسْتَحِقَّ هُوَ وَلَا نَائِبُهُ شَيْئًا فِي مُقَابِلِ الزِّيَارَةِ وَإِنَّمَا الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْحَاجُّ قِسْطُ الْحَجَّةِ فَقَطْ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ اسْتَنَابَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ مَعْذُورًا حَالَ الْجِعَالَةِ أَمْ لَا وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ قِسْطَ الْحَجَّةِ مُطْلَقًا لِوُقُوعِهَا لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ إجْزَاءً وَثَوَابًا فَهُوَ نَظِيرُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ فِي مَسْأَلَةِ الصَّبِيِّ يَمُوتُ فِي أَثْنَاءِ التَّعْلِيمِ. وَمِنْ ثَمَّ اعْتَمَدَ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ قَوْلَ ابْنِ الصَّبَّاغِ لَوْ جَاعَلَهُ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ فَخَاطَ نِصْفَهُ ثُمَّ سَلَّمَهُ لِلْمَالِكِ فَاحْتَرَقَ فِي يَدِهِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْمَشْرُوطِ فَقَوْلُهُمْ لَا يَسْتَحِقُّ عَامِلُ الْجِعَالَةَ الْجَعْلَ بِالْفَرَاغِ أَوْ وُقُوعُ الْعَمَلِ مُسْلِمًا لَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ لِوُقُوعِ الْعَمَلِ فِيهِ مُسْلِمًا فِي الْبَعْضِ فَاسْتَحَقَّ بِقِسْطِهِ وَلَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ وُقُوعَهُ جَمِيعِهِ بِدَلِيلِ مَسْأَلَتَيْ الصَّبِيِّ وَالثَّوْبِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَإِنَّمَا احْتَرَزُوا بِذَلِكَ عَنْ اخْتِلَالٍ يَقَعُ فِي الْأَثْنَاءِ يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الْعَمَلِ مِنْ أَصْلِهِ مُسَلَّمًا وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الِاسْتِنَابَةِ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهَا كَانَ لَغْوًا وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الزِّيَارَةَ وَقَعَتْ لِلْمُبَاشِرِ وَلَمْ تَقَعْ لِلْمُوصِي وَلَا لِلْمُوصَى وَمَنْ لَا يَقَعُ الْعَمَلُ مُسَلَّمًا لَهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الْجِعَالَةِ هَذَا إنْ كَانَ الْأَجِيرُ أَوْ الْعَامِلُ عَالِمًا بِفَسَادِ الْإِجَارَةِ أَوْ الْجِعَالَةِ وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ لَهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ عَلَى الْوَصِيِّ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ إذَا لَمْ نُجَوِّزْ الِاسْتِئْجَارَ لِلتَّطَوُّعِ وَقَعَ عَنْ الْأَجِيرِ وَلَمْ يُسْتَحَقّ الْمُسَمَّى بَلْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ السُّبْكِيّ بِهَذَا قَوْلَ الشَّيْخَيْنِ فِيمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَنْ مَعْضُوبٍ فَبَرِئَ لَا أُجْرَةَ لَهُ وَوَقَعَ الْحَجُّ لَهُ لَا لِلْمَعْضُوبِ. وَأَجَبْت فِي حَاشِيَةِ الْعُبَابِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا تَقْصِيرَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَعْضُوبِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَالْبُرْءُ لَمْ يَحْصُلْ بِاخْتِيَارِهِ فَاقْتَضَى عُذْرُهُ عَدَمَ وُجُوبِ شَيْءٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَغْرِيرٌ لِلْأَجِيرِ بِخِلَافِ الْمُسْتَأْجِرِ فِي قَوْلِهِمْ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ لِلِاسْتِئْجَارِ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إنْ عَلِمَ امْتِنَاعَهُ لِلتَّطَوُّعِ فَلَمْ يُعَارِضْ تَغْرِيرَهُ لِلْأَجِيرِ شَيْءٌ فَوَجَبَ عَلَيْهِ مُقَابِلُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ مَنَافِعِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَمَحَلُّ اسْتِحْقَاقِ الْأَجِيرِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فِي قَوْلِهِمْ الْمَذْكُورِ مَا إذَا جَهِلَ الْأَجِيرُ الْحَالَ وَظَنَّ الصِّحَّةَ اهـ وَبِهِ يُعْلَمُ التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْته فِي الْوَصِيِّ وَلَوْ جَاعَلَ الْوَصِيُّ مَنْ يَحُجُّ وَيَزُور وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ صِحَّةُ الْجِعَالَة، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْرِطَ عَلَى الْعَامِلِ الْإِتْيَانَ بِذَلِكَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ إيجَابَ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الْمُجَاعَلَةِ مِنْهُ عَلَيْهِ بَلْ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُرَاعَاةً لِغَرَضِ الْمُوصِي وَاحْتِيَاطًا فِي أَمْرِ الْعَامِلِ حَتَّى لَا يُوَكَّلَ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَشْرِطْ الْمُوصِي عَلَى مَنْ يَحُجُّ وَيَزُورُ عَنْهُ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَإِنْ اسْتَنَابَ مَنْ جَاعَلَهُ الْوَصِيُّ مَنْ يَزُورُ عَنْ الْمَيِّتِ لِعَجْزِهِ عَنْ الزِّيَارَةِ بِنَفْسِهِ اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الزِّيَارَةِ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ عَاجِزًا عِنْدَ الْجِعَالَةِ أَمْ طَرَأَ عَجْزُهُ بَعْدَهَا وَسَوَاءٌ أَعَمِلَ النَّائِبُ لَهُ تَبَرُّعًا أَمْ بِعِوَضٍ. وَأَمَّا إذَا اسْتَنَابَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الزِّيَارَةِ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ قِسْطِهَا مُطْلَقًا، وَإِذَا أَوْصَى الشَّخْصُ لِمَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَعَيَّنَ أُجْرَةً قَلِيلَةً فَإِنْ وُجِدَ أَجِيرٌ يَرْضَى لَزِمَ الْوَصِيَّ اسْتِئْجَارُهُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ يَرْضَى بِهَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَرَجَعَ الْمَالُ الْمُعَيَّنُ لِلْوَرَثَةِ هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُوصِي حَجَّةُ فَرْضٍ وَإِلَّا لَزِمَ الْوَرَثَةَ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا عَيْنُهُ وَالِاسْتِئْجَارُ عَنْهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ ثُمَّ إذَا وُجِدَ مَنْ يَرْضَى بِمَا عَيَّنَهُ وَاسْتَأْجَرَهُ الْوَصِيُّ بِهِ فَإِنْ قَالَ وَلَك فِي

стр. 372

تَرِكَتِهِ كَذَا أَوْ وَلَك كَذَا أَوْ أَطْلَقَ وَنَحْوَ ذَلِكَ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ بِذَلِكَ الْمُعَيَّنِ وَلَا شَيْءَ حِينَئِذٍ عَلَى الْوَصِيِّ، وَإِنْ قَالَ وَلَك عَلَيَّ كَذَا أَوْ عِنْدِي كَذَا فَإِنَّهَا تَصِحُّ إنْ كَانَ الْحَجُّ عَلَى الْمَيِّتِ فَرْضًا وَيَلْزَمُ الْوَصِيَّ مِنْ مَالِهِ مَا عَيَّنَهُ وَيَقَعُ الْحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ وَيَعُودُ مَا عَيَّنَهُ لِلْوَرَثَةِ نَعَمْ لَوْ قَالَ فِي صُورَةٍ وَلَك عِنْدِي كَذَا إنَّمَا أَرَدْت مُعَيَّنَ الْمُوصَى وَعَبَّرْت بِعِنْدِي لِأَنَّهُ تَحْتَ يَدَيَّ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَصْدُقُ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ فِي عَلَيَّ عَلَى احْتِمَالِ لِي وَعَلَيْهِ يُفَرَّقُ بِأَنَّ شُمُولَ عِنْدِي لِلْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهَا أَظْهَرُ مِنْ شُمُولِ عَلَيَّ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُهُ إلَّا بِتَأْوِيلٍ كَعَلَيَّ حِفْظُهَا بِخِلَافِ عِنْدِي فَإِنَّهَا تَشْمَلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ حَتَّى فِي عَلَيَّ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لَأَنْ يُرِيدَ بِهِ عَلَيَّ دَفْعُهُ مِنْ التَّرِكَةِ لِأَجْلِ كَوْنِي وَصِيًّا عَلَيْهَا وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ وَيَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ أَنْ لَا يَسْتَأْجِرَ أَوْ يُجَاعِلَ إلَّا عَدْلًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّف عَنْ الْغَيْرِ وَكُلُّ مُتَصَرِّفٍ عَنْ الْغَيْرِ يَلْزَمُهُ الِاحْتِيَاطُ وَغَيْرُ الثِّقَةِ لَا يُوثَقُ مِنْهُ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ، وَإِنْ شُوهِدَ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى النِّيَّةِ وَهِيَ أَمْرٌ قَلْبِيٌّ لَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَيْهَا. وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ أَوْ جُوعِلَ لِأَدَاءِ فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ كَنَفْلِ حَجٍّ أَوْصَى بِهِ أَوْ زِيَارَةٍ أَوْصَى بِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فِي الْأَصْلِ إلَّا أَنَّهُ بِالْوَصِيَّةِ صَارَ وَاجِبَ الْأَدَاءِ وَمَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ بِفِعْلِ الْفَاسِقِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ أَمِينٍ وَمُشَاهَدَةُ أَفْعَالِهِ لَا تَمْنَعُ خِيَانَتَهُ لِارْتِبَاطِهَا بِالنِّيَّةِ وَلَا مَطْلَعَ لِأَحَدٍ عَلَيْهَا كَمَا تَقَرَّرَ لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَدَالَةِ هُنَا الْعَدَالَةُ الظَّاهِرَةُ دُونَ الْبَاطِنَةِ نَعَمْ إنْ عَيَّنَ الْمُوصَى الْحَاجَّ عَنْهُ وَكَانَ فَاسِقًا فَإِنْ كَانَ مَعَ عِلْمِهِ بِفِسْقِهِ فَلَا كَلَامَ أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِئْجَارُهُ وَيَصِحُّ حَجُّهُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ جَهْلِهِ بِحَالِهِ أَوْ شَكَكْنَا هَلْ عَلِمَ فِسْقَهُ أَوْ لَا اُحْتُمِلَ أَنْ يُقَالَ يُسْتَأْجَرُ أَيْضًا نَظَرًا لِلتَّعْيِينِ وَيُحْتَمَل أَنْ يُقَالَ لَا يَسْتَأْجِرُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الِاحْتِيَاطِ وَمَا كَانَ مُخَالِفًا لِلِاحْتِيَاطِ فِي أَمْرِ الْمَيِّتِ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ إلَّا إنْ نَصَّ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ صَرِيحًا لِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ مَجَال، وَأَمَّا أَرْبَابُ الْمُلَازِمِ الْمَذْكُورُونَ فِي السُّؤَالِ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِمْ الْمُسْتَأْجِرُونَ كَانَ فِيهِمْ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّ الْوَصِيَّ إنْ اسْتَأْجَرَ بَعْضَهُمْ إجَارَةً عَيَّنَ كَأَنْ قَالَ لَهُ اسْتَأْجَرْتُك وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ اسْتَأْجَرْتُك عَيْنَك لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مُطْلَقًا فَإِنْ اسْتَنَابَ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ قَامَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ وَلِنَائِبِهِ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ إنْ اسْتَأْجَرَهُ عَنْ مَيِّتٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ مَجَّانًا وَعَلَى مُسْتَنِيبِهِ رَدُّ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِنَفْسِهِ قَالَهُ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ وَإِنْ اسْتَأْجَرَ إجَارَةَ ذِمَّةٍ جَازَ لِلْأَجِيرِ أَنْ يَسْتَنِيبَ وَلَوْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ دُونَ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ هُوَ بِهِ. وَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ أَكْلُ الزَّائِدِ نَعَمْ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَسْتَأْجِرَ إلَّا عَدْلًا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِمْ أَنَّهُمْ وُكَلَاءُ الْأَوْصِيَاءِ فِي الِاسْتِئْجَارِ لَزِمَهُمْ أَنْ يَسْتَأْجِرُوا بِجَمِيعِ الْمَالِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِمْ وَأَنْ لَا يَسْتَأْجِرُوا إلَّا عَدْلًا وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ وَمَتَى أَخَذُوا مِنْهُ شَيْئًا فَسَقُوا وَكَانُوا مِنْ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَوَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ - أَصْلَحَهُ اللَّهُ - إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَنْ يُعَزِّرَهُمْ عَلَيْهِ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ الشَّدِيدَ الزَّاجِرَ لَهُمْ وَلِأَمْثَالِهِمْ عَنْ هَذِهِ الْقَبَائِحِ الشَّنِيعَةِ وَأَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ تَعَاطِي ذَلِكَ وَحَيْثُ عَلِمَ الْوَصِيُّ بِأَحْوَالِهِمْ هَذِهِ الْقَبِيحَةِ وَوَكَّلَهُمْ أَوْ اسْتَأْجَرَهُمْ مَعَ ذَلِكَ فَسَقَ أَيْضًا وَانْعَزَلَ وَعُزِّرَ أَيْضًا التَّعْزِيرَ الشَّدِيد وَكَذَلِكَ الْفَقِيهُ الْعَاقِدُ بَيْنَهُمَا إذَا عَلِمَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَعَانَهُمْ عَلَى الْمُنْكَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ عَمَّا إذَا حَجَّ الصَّبِيُّ مَعَ أَحَدِ الْأَوْلِيَاءِ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ أَوْ الْأُمِّ وَأَوْقَفَهُ الْمَوَاقِفَ وَمَا قَدَرَ عَلَى تَحْصِيلِهِ مِنْ الْعِبَادَةِ هَلْ يَسْقُطُ أَمْ لَا بُدَّ إذَا بَلَغَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْحَجِّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَتَى لَمْ يَبْلُغْ الصَّبِيُّ قَبْلَ مُفَارَقَةِ مَوْقِفِ عَرَفَةَ لَمْ يُجْزِهِ حَجُّهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ إنْ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الِاسْتِطَاعَةِ وَاَللَّهِ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَوْ أَوْصَى آفَاقِيّ بِحَجَّةٍ هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَنْهُ غَيْرَ آفَاقِيّ كَحَاضِرٍ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِأَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِر عَنْ الْآفَاقِيِّ غَيْرُ الْآفَاقِيِّ وَعَكْسُهُ ثُمَّ

стр. 373

رَأَيْتنِي ذَكَرْت فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى مَسْأَلَةَ أَوْصَى لِمَنْ يَزُورُ عَنْهُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِكَذَا فَهَلْ يَجُوزُ تَفْوِيضُ ذَلِكَ لِبَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وَهَلْ مِثْلُهُ مَنْ أَوْصَى بِحَجٍّ وَهُوَ آفَاقِيٌّ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ الْجَوَابُ نَعَمْ يَجُوزُ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ لَكِنْ أَطَالَ غَيْرُهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِامْتِنَاعِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِغَرَضِ الْمُوصِي وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا اطَّرَدَ عُرْفُ بَلَدِ الْمُوصِي بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ لِمَنْ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ أَنَّ الْحَمَامَ الْحَرَمِيَّ هَلْ يَجُوزُ تَطْيِيرُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إذَا عُرِفَ تَنْجِيسُهَا لَهُ بِالذَّرْقِ أَمْ لَا يَجُوزُ وَهَلْ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ بَابِ حِفْظِ الْمَسْجِدِ مِنْ النَّجَاسَةِ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ لَا لِأَنَّ الْحَمَامَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحَمَامَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَكِنَّ صِيَانَةَ الْمَسْجِدِ عَنْ النَّجَاسَةِ وَاجِبٌ وَالْوَاجِبُ يُسْعَى إلَى فِعْلِهِ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَ وَهَلْ يَشْهَدُ لِذَلِكَ وُجُوبُ مَنْعِ الصَّبِيَّانِ وَالْبَهَائِمِ إذَا خِيفَ تَنْجِيسُهُمْ مِنْ الْمَسْجِدِ أَمْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ أَنَّ ذَرْقَهُ غَيْرُ مُنَجِّس لَهُ فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنَجِّسٍ لَكِنَّهُ مُقَذِّرٌ لَهُ وَالْقَذَرُ يَجِبُ صَوْنُ الْمَسْجِدِ عَنْهُ أَوْ يُقَالُ يَجُوزُ الدَّفْعُ مِنْ جِهَةِ دَفْعِ الصَّائِلِ مِنْ الْحَيَوَانِ فَإِنَّ الْحَمَامَ صَائِلٌ بِالتَّنْجِيسِ وَهَلْ هَذَا يُعَدُّ صَائِلًا فَإِذَا قُلْتُمْ بِذَلِكَ جَازَ التَّطْيِيرُ؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَنْفِيرُ الْحَمَامِ الْمَذْكُورِ لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ تَنْفِيرِ صَيْدِ مَكَّةَ أَيْ كُلِّ الْحَرَمِ وَالْحَمَامُ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ وَكَلَامُ أَصْحَابِنَا صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ أَطْلَقُوا حُرْمَةَ ذَلِكَ وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِالْمَسْجِدِ وَلَا غَيْرِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي حُرْمَةِ ذَلِكَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ ذَرْقَهُ فِي أَرْضِ الْمَسْجِدِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى تَنْفِيرِهِ، وَكَوْنُ صِيَانَةِ الْمَسْجِدِ عَنْ النَّجَاسَةِ وَاجِبَةٌ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ أَوْ مَنْ هُوَ مِنْ جِنْسِهِ كَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ وَالسَّكْرَانِ وَمَا هُوَ تَحْتَ يَدِ الْمُكَلَّفِ كَالْبَهِيمَةِ وَالْحَمَام لَيْسَ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَلَمْ يَجِبْ تَنْفِيرُهُ مِنْ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ بَلْ يَحْرُمُ تَنْفِيرُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْهُ مَعَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ كَمَا تَقَرَّرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ مُجَاوِرٍ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ مَثَلًا وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَلَكِنَّهُ مُتَرَجٍّ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ أَوْ يُجَاعِلُهُ لِلْحَجِّ فَلَمَّا تَقَارَبَتْ عَلَيْهِ أَيَّامُ الْحَجِّ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ نَوَى الْإِحْرَامَ مُطْلَقًا وَشَرَطَ التَّحَلُّلَ بِكُلِّ عُذْرٍ يَعْرِضُ لَهُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْعُذْرُ دِينِيًّا أَوْ دُنْيَوِيًّا أَوْ نَوَى الْإِحْرَامَ بِشَرْطِ التَّحَلُّلِ إنْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ أَوْ قَبْلَ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ فَهَلْ يَصِحُّ الشَّرْطُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كُلِّهَا أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا وَيَتَحَلَّلُ عِنْدَ وُجُودِهِ أَمْ لَا فَإِنَّ كَلَامَهُمْ فِي الْحَجِّ رُبَّمَا يُفْهِمُ الصِّحَّةَ حَيْثُ قَالُوا وَلَا يَتَحَلَّلُ الْمُحْرِمُ لِمَرَضٍ وَفَقْدِ نَفَقَةٍ وَإِضْلَالِ طَرِيقٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ إلَّا إذَا شَرَطَهُ فَلَهُ التَّحَلُّلُ بِذَلِكَ وَكَلَامُهُمْ يُشِيرُ إلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَعْذَارِ كُلِّهَا حَيْثُ قَالُوا إنَّ لَهُ التَّحَلُّلَ بِذَلِكَ كَمَا أَنَّ لَهُ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّوْمِ الْمَنْذُورِ فِيمَا لَوْ نَذَرَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ بِعُذْرٍ وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ لَوْ شَرَطَ الْخُرُوجَ لِشُغْلٍ وَنَحْوِهِ كَجُوعٍ وَتَضْيِيقٍ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ نَذَرَهُمَا أَوْ قَالَ فِي نَذْرِ الصَّدَقَةِ ذَلِكَ كَمَا فِي الْإِحْرَامِ الْمَشْرُوطِ أَوْ لَا يَصِحُّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْتُمْ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فَهَلْ لَهُ سَبِيلٌ إلَى مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ مَعَ إرَادَتِهِ النُّسُكَ بِلَا تَحْرِيمٍ أَمْ لَا فَلَوْ نَوَى الْإِحْرَامَ مُطْلَقًا فَلَمَّا وَجَدَ مَنْ يُجَاعِلُهُ عَلَى حَجِّهِ قَدَّمَ الْحَجَّ هَذِهِ السَّنَةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ لِمَنْ جَعَلَ لَهُ كَذَا هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قِيلَ بِالصِّحَّةِ فَهَلْ لَهُ صَرْفُ إحْرَامِهِ الْمُطْلَقِ إلَى مَا شَاءَ مِنْ أَوْجُهِ النُّسُكِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ قَوْلُ الْإِرْشَادِ كَغَيْرِهِ إنَّهُ يَنْصَرِفُ إحْرَامُ الْأَجِيرِ وَالْمُتَطَوِّعِ إلَى حَجٍّ نَذَرَهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا نَذَرَ الْحَجَّ لِنَفْسِهِ أَمْ هُوَ مُطْلَقٌ وَهَلْ قَوْلُهُمْ إنَّهُ يَحْرُمُ مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ عَلَى مُرِيدِ النُّسُكِ هَلْ ذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَهُ فِي سَنَتِهِ الَّتِي قَدِمَ فِيهَا أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْرُمُ مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ عَلَى مُرِيدِ الدُّخُولِ بِنُسُكٍ فَلَوْ دَخَلَ بِلَا نُسُكٍ فَلَا تَحْرِيمَ كَمَا ذَكَرُوهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى لُزُومِ الدَّمِ الَّذِي هُوَ فَرْعُ التَّحْرِيمِ؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَصِحُّ الْإِحْرَامُ الْمُطْلَقُ أَوْ الْمُعَيَّنُ وَإِنْ اقْتَرَنَ بِشَرْطِ التَّحَلُّلِ مِنْهُ وَيَصِحُّ أَيْضًا

стр. 374

اشْتِرَاطُ مُرِيدِهِ وَقْتَ الدُّخُولِ فِيهِ التَّحَلُّلَ مِنْهُ بِكُلِّ مَا يَطْرَأُ لَهُ مِنْ عُذْرٍ مُبَاحٍ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ فِي بَابِ الْحَجِّ وَصَرَّحَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ وَكَلَامُهُمْ فِي الِاعْتِكَافِ صَرِيحٌ فِيهِ وَمِنْ الْعُذْرِ الْمُبَاحِ وُجُودُ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ثُمَّ إنْ شَرَطَهُ بِلَا هَدْيٍ كَانَ تَحَلُّلُهُ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ، وَإِنْ شَرَطَهُ بِهَدْيٍ لَزِمَهُ وَلَا سَبِيلَ إلَى مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ حَيْثُ كَانَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ وَلَمْ يَنْوِ الْعُودَ إلَيْهِ أَوْ إلَى مِثْلِ مَسَافَتِهِ. نَعَمْ شَرْطُ التَّحْرِيمِ أَنْ يَقْصِدَ الْإِحْرَامَ بِالنُّسُكِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَلَوْ قَصَدَ مَكَّةَ لَا لِلنُّسُكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَلْ فِي السَّنَةِ بَعْدَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ شَرْطُ لُزُومِ الدَّمِ أَنْ يُحْرِمَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَلَوْ أَحْرَمَ فِي سَنَةٍ أُخْرَى فَلَا دَمَ لِأَنَّ إحْرَامَ هَذِهِ السَّنَةِ لَا يَصْلُحُ لِإِحْرَامِ غَيْرِهَا اهـ وَالتَّحْرِيمُ وَالدَّمُ مُتَلَازِمَانِ غَالِبًا فَإِذَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا فَالْأَصْلُ انْتِفَاءُ الْآخَرِ إلَّا لِدَلِيلٍ وَأَيْضًا فَعَدَمُ صَلَاحِيَةِ إحْرَامِ سَنَةٍ لِإِحْرَامِ غَيْرِهَا صَيَّرَهُ كَقَاصِدِ مَكَّةَ لِغَيْرِ نُسُكٍ وَمَنْ قَصَدَهَا لِغَيْرِ نُسُكٍ لَا إثْمَ عَلَيْهِ كَمَا لَا دَمَ عَلَيْهِ لِمَا تَقَرَّرَ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَعْنِي تَعْلِيلَهُمْ بِأَنَّ إحْرَامَ هَذِهِ السَّنَةِ لَا يَصْلُحُ لِإِحْرَامِ غَيْرِهَا أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِهِ فِي سَنَةٍ هُوَ الَّذِي لَا يَصْلُحُ لِإِحْرَامِ غَيْرِهَا بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ فَإِنَّ الْإِحْرَامَ بِهَا فِي سَنَةٍ يَصْلُحُ لِإِحْرَامِ غَيْرِهَا لِاسْتِوَاءِ الْأَزْمَانِ فِيهَا فَمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ لِلْعُمْرَةِ وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ الدَّمُ إنْ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ أَوْ إلَى مِثْلِ مَسَافَتِهِ وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ شَخْصٌ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ ثُمَّ نَذَرَ حَجًّا قَبْلَ الْوُقُوفِ انْصَرَفَ الْحَجُّ إلَى النَّذْرِ لِتَقَدُّمِ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْلِ وَأَنَّهُ. لَوْ أَحْرَمَ أَجِيرٌ عَنْ مُسْتَأْجِرِهِ بِحَجِّ فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ ثُمَّ نَذَرَ حَجًّا قَبْلَ الْوُقُوفِ انْصَرَفَ الْحَجُّ إلَى النَّذْرِ أَيْضًا لِتَقَدُّمِ فَرْضِ الشَّخْصِ عَلَى غَيْرِهِ اهـ وَقَضِيَّةُ الْعِلَّةِ الْأُولَى أَنَّ النَّذْرَ الْمَذْكُورَ فِي السُّؤَالِ إذَا وُجِدَتْ شُرُوطُ صِحَّتِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَابِهِ يَصِحُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَيَقَعُ الْحَجُّ لِمَنْ جُعِلَ لَهُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْ نَذَرَهُ لِلْغَيْرِ وَصَحَّحْنَاهُ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَقَدْ صَرَّحُوا لِمَا عَلِمْت بِأَنَّ الْوَاجِبَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّطَوُّعِ وَقَضِيَّةُ الْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ النَّذْرَ الْمَذْكُورَ لَغْوٌ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ عَنْ الْغَيْرِ إنَّمَا انْصَرَفَ إلَى الْأَجِيرِ لِتَقَدُّمِ فَرْضِ الشَّخْصِ عَلَى فَرْضِ غَيْرِهِ فَإِذَا نَوَى الْحَجَّ لِنَفْسِهِ ثُمَّ نَذَرَهُ لِلْغَيْرِ لَا يَنْصَرِفُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَنْصَرِفُ عَنْ الْجِهَةِ الْمَنْوِيَّةِ إلَّا لِأَقْوَى مِنْهَا كَمَا أَفْهَمَهُ تَعْلِيلُهُمْ الِانْصِرَافَ فِي الْأَوَّلِ بِتَقَدُّمِ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْلِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِتَقَدُّمِ فَرْضِ الشَّخْصِ عَلَى فَرْضِ غَيْرِهِ فَلَمْ يَقُولُوا بِانْصِرَافِهِ إلَّا لِجِهَةٍ أَقْوَى مِنْ الْجِهَةِ الْمَنْوِيَّةِ بِخِلَافِ مَنْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ أَرَادَ صَرْفَهُ عَنْهُ بِنَذْرِهِ لِغَيْرِهِ فَإِنَّ وُقُوعَهُ لِلْغَيْرِ جِهَةٌ أَضْعَفُ مِنْ وُقُوعِهِ لِنَفْسِهِ فَلَا يَنْصَرِفُ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ النَّذْرِ بَلْ يَكُونُ لَغْوًا؛ لِأَنَّهُ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ وُقُوعُ الْإِحْرَامِ لِنَفْسِهِ وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ بِذَلِكَ أَنْ يَلْتَزِمَ الْعِلَّةَ الْأُولَى لَا تَقْتَضِي صِحَّةَ النَّذْرِ الْمَذْكُورِ وَوَجْهُهُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ وَقَعَ لَغْوًا لِمُعَارِضَتِهِ لِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَإِذَا وَقَعَ لَغْوًا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ وَاجِبٌ عَلَيْهِ حَتَّى يُقْدِمَ عَلَى التَّطَوُّعِ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ هَذَا أَعْنِي عَدَمَ صِحَّةِ هَذَا النَّذْرِ هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ الْآنَ مِمَّا تَقَرَّرَ وَلَعَلَّنَا نَزْدَادُ فِي الْمَسْأَلَةِ عِلْمًا أَوْ نَظْفَرُ فِيهَا بِنَقْلٍ بِخُصُوصِهَا يُزِيلُ التَّوَقُّفَ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ رَجُلٍ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَجُّ ثُمَّ افْتَقَرَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأُهْبَةِ أَوْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَلَا أَوْلَادٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ وَجَاءَ لَهُ أَوْلَادٌ هَلْ يُكَلَّفُ عَلَى الْحَجِّ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِطَاعَةِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْحَجَّ ثُمَّ افْتَقَرَ اسْتَقَرَّ الْوُجُوبُ فِي ذِمَّتِهِ فَيَلْزَمُهُ الْحَجُّ وَلَوْ مَاشِيًا إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ نَعَمْ إنْ كَانَ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ إلَّا إنْ وَجَدَ مَا يَكْفِيهِمْ ذَهَابُهُ وَإِيَابُهُ وَكَذَلِكَ لَا بُدَّ أَنْ يَجِدَ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ ذَهَابًا وَإِيَابًا أَيْضًا لَكِنْ فِي الْإِحْيَاءِ لَوْ اسْتَطَاعَ الْحَجَّ ثُمَّ أَخَّرَهُ حَتَّى أَفْلَسَ لَزِمَهُ كَسْبُ مُؤْنَتِهِ أَوْ سُؤَالُهَا مِنْ زَكَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ لِيَحُجَّ وَإِلَّا مَاتَ عَاصِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ أَجِيرُ الْحَجِّ وَالزِّيَارَةِ هَلْ لَهُ أَجْرٌ فِيهِمَا كَغَيْرِ الْأَجِيرِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِلْحَجِّ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى نَحْوِ الْحَجِّ الْأُجْرَةَ وَلَوْلَاهَا

стр. 375

لَمْ يَحُجَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوَابٌ وَإِلَّا لَهُ الثَّوَابُ بِقَدْرِ بَاعِثِ الْآخِرَةِ وَأَصْلُ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْغَزَالِيِّ وَالْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَشْهُورَةِ وَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ الْحَجِّ فِي أَنَّ مَنْ حَجَّ تَاجِرًا نَقَصَ ثَوَابُهُ وَكَانَ لَهُ ثَوَابٌ دُونَ ثَوَابِ الْحَاجِّ مُتَخَلِّيًا عَنْ التِّجَارَةِ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته أَوَّلًا مِنْ التَّفْصِيلِ وَفِي ذَلِكَ مَزِيدٌ بَسَطْته فِي حَاشِيَةِ مَنَاسِكِ النَّوَوِيِّ الْكُبْرَى بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فِي التَّحْقِيقِ مَعَ أَنِّي لَمْ أَرَ مَنْ سَبَقَنِي إلَيْهِ. وَوَرَدَ مَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ تَطَوُّعًا كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ زِيَادَةً عَلَى وَاجِبِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ الْغَالِبُ أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ مِنْ الْعَمَلِ الْقَاصِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ فِي شَخْصٍ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ الشَّرْعِيَّ وَهُوَ فِي حَالِ مُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ مُرِيدٌ لِلْحَجِّ وَكَانَتْ مُجَاوَزَتُهُ لِلْمِيقَاتِ مَعَ إرَادَتِهِ الْحَجَّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ لِلْمُجَاوَزَةِ؛ لِأَنَّهُ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِمَا أَرَادَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي هَذَا الْوَقْتِ صَارَ عُمْرَةً وَفَاتَهُ تَحْصِيلُ فَضِيلَةِ تَقْدِيمِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ أَمْرِهِ بِالْإِحْرَامِ إلْزَامُهُ بِنُسُكٍ لَمْ يُرِدْهُ وَيَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ مَحَلَّ قَوْلِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الشَّخْصَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْإِطْلَاقِ مَا إذَا حَاذَى الْمِيقَاتَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَإِلَّا فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِفْرَادُ إلَّا إذَا جَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَإِنْ قُلْتُمْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ فَذَاكَ، وَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَلْزَمُهُ فَلَوْ أَنَّهُ حَالَ مُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلْحَجِّ كَانَ مُرِيدًا لِلْعُمْرَةِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا إلَّا بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِالْحَجِّ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ بِهَذِهِ الْإِرَادَةِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الدَّمَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ إذَا جَاوَزَ وَهُوَ مُرِيدٌ لِلنُّسُكِ فِي حَالَةِ الْمُجَاوَزَةِ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ؟ (فَأَجَابَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ بَلْ صَرِيحُهُ كَمَا يَأْتِي لُزُومُ الدَّمِ إنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الدَّارِمِيِّ فِي كَافِرٍ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ ثُمَّ أَسْلَمَ إنْ كَانَ حِينَ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ أَرَادَ حَجَّ تِلْكَ السَّنَةِ ثُمَّ حَجَّ بَعْدَهَا فَلَا دَمَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ تَارِكَ مِيقَاتٍ حَجَّ مِنْ سَنَتِهِ، وَإِنْ كَانَ حَالَ مُرُورِهِ نَوَى حَجَّ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ حَجَّ فِيهَا فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ وَجْهَانِ قَالَ فِيهِ أَيْضًا وَلَوْ مَرَّ مُسْلِمٌ بِالْمِيقَاتِ مُرِيدًا لِلْحَجِّ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَفَعَلَهُ مِنْ مَكَّةَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ الْوَجْهَانِ كَالْكَافِرِ اهـ وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ فِي الْكَافِرِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرُورِ الْمُشَبَّهَةِ بِمَسْأَلَةِ الْكَافِرِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ لَوْ جَاوَزَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ غَيْرَ مُحْرِمٍ ثُمَّ لَمْ يُحْرِمْ أَصْلًا لَمْ يَلْزَمْهُ لِأَنَّ لُزُومَهُ إنَّمَا هُوَ لِنَقْصِ النُّسُكِ لَا بَدَلٌ مِنْهُ فَأَفْهَمَ قَوْلُهُمْ وَلَمْ يُحْرِمْ أَصْلًا أَنَّهُ مَتَى أَحْرَمَ بِمَا نَوَاهُ وَلَوْ فِي سَنَةٍ ثَانِيَةٍ لَزِمَهُ دَمٌ وَيُفْهِمُ ذَلِكَ أَيْضًا تَعْلِيلُهُمْ الْمَذْكُورُ لِأَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ السَّنَةِ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ نَقَصَ نُسُكُهُ إذَا كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُحْرِم مِنْ مِيقَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ آفَاقِيٌّ فَاتَّضَحَ أَنَّ أَرْجَحَ الْوَجْهَيْنِ لُزُومُ الدَّمِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَجْمُوعِ الْمَذْكُورَةِ، وَصُورَةُ السُّؤَالِ مِثْلُهَا بِلَا رَيْبٍ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَجْمُوعِ نَوَاهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ نَوَاهُ فِي سَنَتِهِ، فَإِذَا لَزِمَهُ فِي تِلْكَ مَعَ سَبْقِ النِّيَّةِ بِسَنَتَيْنِ فَلَأَنْ يَلْزَمَهُ مَعَ سَبْقِ النِّيَّةِ بِدُونِ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى بَلْ صُورَةُ السُّؤَالِ غَيْرُ مَسْأَلَةِ الْمَجْمُوعِ إذْ ذَكَرَ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ لِلتَّمْثِيلِ لَا لِلتَّقْيِيدِ فَالْمَدَار عَلَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَتَى بِهِ مِنْ مَكَّةَ الَّذِي كَانَ قَاصِدُهُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ وَحِينَئِذٍ مَكَّةُ لَيْسَتْ مِيقَاتَهُ فَإِذَا لَمْ يُحْرِمْ بِهِ وَلَا بِمَا لَمْ يَخْلُفْهُ وَهُوَ الْعُمْرَةُ مِنْ الْمِيقَاتِ كَانَ فِي نُسُكِهِ نَقْصٌ أَيُّ نَقْصٍ فَلَزِمَهُ دَمٌ جَبْرًا لَهُ فَإِنْ قُلْت قَدْ يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ جَاوَزَ مُرِيدًا لِلْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِهِ فِي سَنَةٍ أُخْرَى لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَأَقَرَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْقَاضِي وَالْبَغَوِيُّ وَأَقَرَّهُمَا فِي الْكِفَايَةِ الْمُتَوَلِّي وَالْخُوَارِزْمِيِّ وَأَقَرَّهُمَا فِي الْمُهِمَّاتِ قَالَ وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي حَجِّ الصَّبِيِّ مَا يَدُلُّ لَهُ؛ لِأَنَّ إحْرَامَ هَذِهِ السَّنَةِ لَا يَصْلُحُ لِإِحْرَامِ غَيْرِهَا وَبِهِ فَارَقَ الْعُمْرَةَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ فِيهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَأَقَّت بِوَقْتٍ. قُلْت لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَجْمُوعِ وَإِجْرَائِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّهُ هُنَا لَمَّا نَوَى عِنْدَ الْمِيقَاتِ الْحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ فِيهَا بَلْ حَجَّ فِيمَا بَعْدَهَا كَانَ حَجُّهُ فِيمَا بَعْدَهَا غَيْرَ مَا نَوَاهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ إحْرَامَ سَنَةٍ لَا يَصْلُحُ لِإِحْرَامِ مَا بَعْدَهَا إذَا أَتَى بِغَيْرِ مَا نَوَاهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ

стр. 376

وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَأَتَى بِمَا نَوَاهُ فِي سَنَتِهِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَجْمُوعِ نَوَاهُ فِي سَنَةٍ وَأَتَى بِهِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ مِيقَاتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ النَّقْصُ فِيهِ فَجَبْرُهُ بِالدَّمِ وُجُوبًا كَمَا مَرَّ، وَقَوْلُ السَّائِلِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِمَا أَرَادَهُ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِهِ مِنْ حَيْثُ رِعَايَةُ حُرْمَةِ الْمِيقَاتِ وَهُوَ الْعُمْرَةُ أَوْ بِعَيْنِهِ بِأَنْ يَخْرُجَ عِنْدَ إرَادَةِ الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ إلَى مِيقَاتِهِ وَيُحْرِمُ مِنْهُ. فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ مُقَصِّرًا وَمُدْخِلًا لِلنَّقْصِ عَلَى نُسُكِهِ فَلَزِمَهُ دَمٌ وَبِهَذَا انْدَفَعَ قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ أَمْرِهِ بِالْإِحْرَامِ إلْزَامُهُ بِنُسُكٍ لَمْ يُرِدْهُ، وَقَوْلُهُ وَفَاتَهُ إلَخْ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ عَلَى الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ لَا يَمْنَعُ فَوَاتَ فَضِيلَةِ الْإِحْرَامِ إذَا أَتَى بِعُمْرَةِ أُخْرَى بَعْدَ حَجّه بَلْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أَفْضَلُ صُوَرِ الْإِفْرَادِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ قَوْلُ السَّائِلِ وَيَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَحَلَّ قَوْلِ الْأَصْحَابِ إلَخْ وَوَجْهُ انْدِفَاعِ مَا تَقَرَّرَ أَنْ تُقَدَّمَ الْعُمْرَةُ عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يَمْنَعُ الْإِفْرَادَ، وَقَوْلُهُ فَلَوْ أَنَّهُ حَالَ مُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا كَمَا عُلِمَ بِالْأُولَى مِنْ الصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَلَا نَظَرَ لِنِيَّةِ تَأْخِيرِ الْعُمْرَةِ عَنْ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ لَوْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ أَصْلًا إدْخَالُ النَّقْصِ عَلَى حَجِّهِ كَمَا مَرَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِهِمْ وَأَهْمَلَ بَعْضُهُمْ شَرْطًا خَامِسًا لِلْحَجِّ وَهُوَ سَعَةُ الْوَقْتِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ السَّيْرِ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الْوَقْتِ هَلْ هُوَ مُدَّةُ السَّنَةِ بِأَنْ يَبْقَى مِنْهَا قَدْرُ مَا يَصِلُ بِهِ إلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فَيُشْكِلُ عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ فَوْقَ سَنَةٍ أَوْ فَوْقَ السَّنَةِ فَالْوَقْتُ وَاسِعٌ بَيِّنُوا لَنَا حَقِيقَةَ ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَبْقَى مِنْ الزَّمَانِ عِنْدَ وُجُودِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ السَّيْرُ بِأَنْ لَا يَحْتَاجَ أَنْ يَقْطَعَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ مَرْحَلَةٍ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الزَّمَانِ وَلَا يَخْفَى الْإِشْكَالُ السَّابِقُ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ أَنَّهُ يُعْتَبَر فِي لُزُومِ الْحَجِّ لَهُ لَا فِي اسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَمَكَّنَ بِأَنْ يَجِدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَقَدْ بَقِيَ زَمَنٌ يَسَعُ الْوُصُولَ فِيهِ إلَى مَكَّةَ بِالسَّيْرِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا بِحَيْثُ لَا يَقْطَعُ فِي يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ مَرْحَلَة. فَلَوْ كَانَ بَيْنَ بَلَدِهِ وَمَكَّةَ سَنَةٌ مَثَلًا اُشْتُرِطَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى نَحْوِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ تِلْكَ السَّنَة جَمِيعهَا فَمَتَى مَضَتْ لَهُ سَنَةِ بِأَنْ يَمْضِيَ مَا يُمْكِنُ ذَهَابُ الْحُجَّاجِ فِيهِ وَرُجُوعُهُمْ إلَى بَلَدِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَا مَرَّ بِأَنَّ لُزُومَ الْحَجِّ لَهُ فَإِذَا مَاتَ أَوْ افْتَقَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْحَجُّ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّهُ اسْتَطَاعَهُ وَتَرَكَهُ وَمَتَى مَرِضَ أَوْ افْتَقَرَ قَبْلَ وُصُولِهِمْ لِمَكَّةَ أَوْ بَعْدَ وُصُولِهِمْ وَقَبْلَ الْحَجِّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ حَجٌّ وَكَذَا لَوْ افْتَقَرَ بَعْدَ حَجِّهِمْ وَقَبْلَ وُصُولِهِمْ لِبَلَدِهِ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ مُدَّةٌ يُمْكِنُ فِيهَا الذَّهَابُ إلَى مَكَّةَ بِالسَّيْرِ الْمُعْتَادِ وَإِدْرَاكُ الْحَجِّ فِيهَا وَوُصُولُهُ إلَى بَلَدِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَقْرِ دُونَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ بَانَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ الرُّجُوعِ فَإِذَا مَاتَ بَعْدَ إمْكَانِ حَجِّ النَّاسِ وَقَبْلَ رُجُوعِهِمْ بَانَ أَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ وَمَعَ هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا إشْكَالَ فِيمَا ذَكَرُوهُ فَإِنَّا لَا نَعْتَبِرُ سَنَةً وَلَا دُونَهَا وَلَا أَكْثَرَ مِنْهَا دَائِمًا وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ الَّتِي يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ فِيهَا إلَى مَكَّةَ وَالرُّجُوعُ مِنْهَا بِالسَّيْرِ الْمُعْتَادِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ حَتَّى لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ مَثَلًا اُعْتُبِرَتْ قُدْرَتُهُ تِلْكَ الْأَرْبَعَةَ مَعَ الْعَوْدِ أَيْضًا فِي غَيْرِ الْمَوْتِ أَوْ سَنَتَانِ اُعْتُبِرَتْ قُدْرَتُهُ مُدَّتَهُمَا مَعَ الْعَوْد كَمَا ذُكِرَ. وَلَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ نَحْوُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فِي الْوَقْتِ فَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ شَهْرَانِ مَثَلًا لَوْ اسْتَطَاعَ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْوُجُوبِ عَلَيْهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِطَاعَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَتَّى لَوْ اسْتَطَاعَ الشَّهْرَ مِنْ قَبْلِ أَشْهُرِهِ ثُمَّ افْتَقَرَ قَبْلَ أَشْهُرِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِتِلْكَ الِاسْتِطَاعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ فِي امْرَأَةٍ حَاضَتْ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَكَانَتْ تَتَضَرَّرُ بِانْتِظَارِ انْقِطَاعِهِ لِتَطُوفَ مَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَنْ حَاضَتْ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَتَضَرَّرَتْ بِانْقِطَاعِهَا جَازَ لَهَا السَّفَرُ وَيَبْقَى لَهَا الطَّوَافُ فِي ذِمَّتِهَا مَا لَمْ تُقَلِّدْ أَبَا حَنِيفَةَ، وَإِذَا لَمْ تُقَلِّدْهُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى إحْرَامِهَا فَلَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ قُرْبَانُهَا إلَّا إذَا وَصَلَتْ إلَى مَسَافَةٍ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهَا الرُّجُوعُ مِنْهَا إلَى مَكَّةَ فَلَهَا حِينَئِذٍ التَّحَلُّلُ كَتَحَلُّلِ الْمُحْصَرِ وَتُقَصِّرُ وَتَذْبَحُ بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ وَيَحِلُّ وَطْؤُهَا حِينَئِذٍ وَلِلْيَافِعِيِّ

стр. 377

- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُنَا اعْتِرَاضٌ شَنِيعٌ عَلَى الْبَارِزِيِّ ادَّعَى فِيهِ أَنَّ الْبَارِزِيَّ خَالَفَ فِي تَجْوِيزِ السَّفَرِ بِلَا طَوَافٍ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَقَدْ رَدَدْت عَلَيْهِ اعْتِرَاضَهُ هَذَا فِي حَاشِيَةِ الْإِيضَاحِ وَبَسَطْت فِيهَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَسْطًا شَافِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ هَلْ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ كَالْإِسْلَامِ؟ (فَأَجَابَ) الْحَجُّ الْمَبْرُورُ يُكَفِّرُ مَا عَدَا تَبِعَاتِ الْآدَمِيِّينَ كَمَا حَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ وَالْحَدِيثُ الْمُقْتَضِي لِتَكْفِيرِ التَّبِعَاتِ أَيْضًا ضَعِيفٌ فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ بِقَضِيَّتِهِ وَهْمٌ وَتَكْفِيرُ ذَلِكَ لَا يُنَافِي وُجُوبَ التَّوْبَةِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ التَّكْفِيرَ مِنْ الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي لَا تَظْهَرُ فَائِدَتُهَا إلَّا فِي الْآخِرَةِ بِخِلَافِ التَّوْبَةِ فَإِنَّهَا مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تَظْهَرُ فَائِدَتُهَا فِي الدُّنْيَا كَرَفْعِ الْفِسْقِ وَنَحْوِهِ فَهَذَا لَا دَخْلَ لِلْحَجِّ وَغَيْرِهِ فِيهِ بَلْ لَا يُفِيدُ فِيهِ إلَّا التَّوْبَةُ بِشُرُوطِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) أَدَامَ اللَّهَ النَّفْعَ بِعُلُومِهِ كَيْفَ صِيغَتَا الْإِجَارَةِ وَالْجِعَالَةِ الْمُخْتَصَرَتَانِ الْمُعْتَبَرَتَانِ لِتَحْصِيلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالزِّيَارَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صِيغَةُ الْأُولَى اسْتَأْجَرْت ذِمَّتَك أَوْ عَيْنَك بِكَذَا لِتَحُجَّ وَتَعْتَمِرَ إفْرَادًا مَثَلًا وَتَدْعُوَ تُجَاهَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ مَيِّتِي أَوْ عَنِّي فِي الْمَعْضُوبُ وَصِيغَةُ الثَّانِيَةِ حُجَّ وَاعْتَمِرْ وَادْعُ تُجَاهَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَيِّتِي أَوْ لِي وَلَكَ كَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ شَخْصٌ أَوْصَى بِحَجَّةٍ عَلَى يَدِ إنْسَانٍ ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ جَاعَلَ الْوَصِيُّ شَخْصًا عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ أَحْرَمَ وَلَدُ الْمَيِّتِ مَثَلًا عَنْ وَالِدِهِ قَبْلَ إحْرَامِ الْجَعِيلِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَصِيِّ طَمَعًا فِي الْمَعْلُومِ هَلْ يَسْتَحِقُّهُ بِالْوَصِيَّةِ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِمَنْ حَجَّ عَنْهُ بِكَذَا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَوَقَعَ عَنْ الْمَيِّتِ وَلِأَنَّ الْوَصِيَّ مُقَصِّرٌ بِتَأْخِيرِ الْجِعَالَةِ وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُبَادِرْ لِأَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ تُضَيِّقُ عَلَيْهِ الْحَجِّ وَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْجَعِيلُ شَيْئًا لِأَنَّ لِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ فَيُعْطَى أُجْرَةَ مَسِيرِهِ أَمْ لَا كَسَائِرِ الْجِعَالَاتِ فَإِنْ قُلْتُمْ يُعْطَى هَلْ يَكُونُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ أَوْ مِنْ مَالِ الْوَصِيِّ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَ الْجَعِيلَ فِي مَشَقَّةِ السَّفَرِ وَالْإِحْرَامِ كَالْوَلِيِّ إذَا أَذِنَ لِلصَّبِيِّ فِي الْإِحْرَامِ وَأَتَى بِشَيْءٍ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ الْفِدْيَةَ؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ يَقَعُ حَجُّ الْوَلَدِ عَنْ وَالِدِهِ تَبَرُّعًا فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا فِي مُقَابَلَتِهِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ نَظِيرَ الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا السَّائِلُ؛ لِأَنَّهُ ثَمَّ أَوْصَى لِمَنْ حَجَّ عَنْهُ فَيَشْمَلُ الْوَارِثَ وَغَيْرَهُ وَهُنَا قَيَّدَ بِمَنْ يَحُجُّ عَلَى يَدِ فُلَانٍ وَلَمْ يَحُجَّ الْوَلَدُ عَلَى يَدِهِ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ الشَّرْطُ الَّذِي ذَكَرَهُ فَكَانَ حَجُّهُ تَطَوُّعًا مَحْضًا وَلَمْ يُنْظَرْ لِطَمَعِهِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى ظَنٍّ بَانَ خَطَؤُهُ وَهُوَ لَا عِبْرَةَ بِهِ سَوَاءً أَفُرِضَ مِنْ الْوَصِيِّ تَقْصِيرٌ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ تَقْصِيرَهُ إنْ لَمْ يَقْتَضِ انْعِزَالَهُ فَظَاهِرٌ وَإِلَّا قَامَ الْوَصِيُّ مَقَامَهُ لَا الْوَارِثُ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ الْجَعِيلَ لَا أُجْرَةَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ إحْرَامِ الْوَلَدِ عَلَى إحْرَامِهِ يُوجِبُ وُقُوعَ إحْرَامِهِ لِنَفْسِهِ فَيَكُونَ مَا لَقِيَهُ مِنْ الْمَشَاقِّ فِي مُقَابَلَةِ الثَّوَابِ الْحَاصِلِ لَهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ بَرِئَ الْمَعْضُوبُ بَعْدَ حَجِّ الْأَجِيرِ عَنْهُ يَقَعُ الْحَجُّ لِلْأَجِيرِ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْضُوبَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْ فِعْلِهِ فَائِدَةُ ثَوَابٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ حُضُورِ الْمَعْضُوبِ مَعَ أَجِيرِهِ عَرَفَةَ فَإِنَّ الْحَجَّ فِي هَذِهِ، وَإِنْ وَقَعَ لِلْأَجِيرِ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَهُ لِلْأُجْرَةِ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ هُنَا وَقَعَتْ صَحِيحَةً ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلَكِنْ لَمَّا تَكَلَّفَ الْمَعْضُوبُ وَحَضَرَ تَعَيَّنَ وُقُوعُ فِعْلِهِ بِنَفْسِهِ دُونَ فِعْلِ غَيْرِهِ عَنْهُ فَالْوُقُوعُ عَنْهُ لِحُضُورِهِ وَلُزُومِ الْأُجْرَةِ لَهُ لِتَقْصِيرِهِ بِالْحُضُورِ مَعَ بَذْلِ الْأَجِيرِ مَنَافِعَهُ فِي إجَارَةٍ صَحِيحَةٍ بِخِلَافِهِ فِي تَيْنِكَ الصُّورَتَيْنِ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ فِيهِمَا صَحِيحَةٌ ظَاهِرًا فَقَطْ لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِهَا مِنْ أَصْلِهَا بِالْبُرْءِ وَبِالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْأَجِيرُ شَيْئًا فِي مُقَابَلَةِ فِعْلِهِ فَإِنْ قُلْت يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُمْ إذَا لَمْ يُجَوَّزْ الِاسْتِئْجَارُ لِلتَّطَوُّعِ وَقَعَ الْحَجُّ عَنْ الْأَجِيرِ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُسَمَّى بَلْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ قُلْت لَا يُنَافِيه؛ لِأَنَّهُ فِي تِينك لَا تَقْصِيرَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ظَاهِرًا وَالْبُرْءُ وَحَجُّ الْوَلَدِ لَمْ يَحْصُلْ بِاخْتِيَارِهِ فَاقْتَضَى عُذْرُهُ عَدَمَ وُجُوبِ شَيْءٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَعْزِيرٌ لِلْأَجِيرِ. بِخِلَافِ الْمُسْتَأْجَرِ لِلنَّفْلِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ لِلِاسْتِئْجَارِ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إنْ عُلِمَ امْتِنَاعُهُ لِلنَّفْلِ فَلَمْ يُعَارِضْ تَغْرِيرَهُ شَيْءٌ

стр. 378

فَلَزِمَهُ مُقَابِلَةُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ مَنَافِعِ الْأَجِيرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لَا فِي التَّرِكَةِ كَمَا قَالَهُ الْقَمُولِيُّ نَعَمْ لَوْ قَصَّرَ الْأَجِيرُ بِأَنْ عُلِمَ امْتِنَاعُهُ الِاسْتِئْجَارَ لِلتَّطَوُّعِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ حِينَئِذٍ لَمْ يَغْرُرْهُ وَلَمَا نَظَرَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ إلَى مَا ذَكَرْته مِنْ الْإِشْكَالِ صَوَّبَا أَنَّ الْأَجِيرَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مُطْلَقًا وَغَفَلَا عَمَّا قَرَرْته مِنْ الْجَوَابِ وَالْفَرْقِ بِمَا ذَكَرْته بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظَائِرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ فِي رَجُلٍ حَجَّ عَنْ امْرَأَةٍ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَأَحْرَمَ عَنْهَا مِنْ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ وَدَخَلَ إلَى مَكَّةَ وَطَافَ طَوَافَ الْقُدُومِ ثُمَّ حَصَلَ لَهُ مَرَضٌ وَوَقَفَ بِجَبَلِ عَرَفَاتٍ وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ نَزَلَ إلَى مِنَى وَرَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَحَلَقَ رَأْسَهُ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ طَوَافِهِ لِلْحَجِّ وَالسَّعْيِ فَمَا حُكْمُ اللَّهِ فِي حَجِّهِ الَّذِي حَجَّهُ عَنْ الْمَرْأَةِ الْمَيِّتَةِ هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَوْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ أَنَّهُ صَحِيحٌ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ قُلْتُمْ إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا يَسْقُطُ الْحَجُّ عَنْ الْمَرْأَةِ الْمَيِّتَةِ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ كُلَّهَا أَوْ يَسْتَحِقُّ مِنْهَا شَيْئًا وَتَرْجِعُ وَرَثَةُ الْمَيِّتَةِ عَلَى تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأُجْرَةِ؟ (فَأَجَابَ) الْحَجُّ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمَرْأَةِ وَلَكِنْ لَهَا ثَوَابُ مَا فَعَلَهُ الْأَجِيرُ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ مَا يَخُصُّ الْمَفْعُولَ مِنْ الْمُسَمَّى لَوْ سَقَطَ وَيُعْتَبَرُ مِنْ ابْتِدَاءِ السَّيْرِ ثُمَّ إنْ كَانَ الْأَجِيرُ أَجِيرَ عَيْنٍ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ فَيَسْتَنِيبُ عَنْهَا الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهَا مِنْ تَرِكَتِهَا أَوْ أَجِيرَ ذِمَّةٍ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْحَجُّ الْكَامِلُ عَنْهَا فِي عَامِ مَوْتِهَا تَخَيَّرَ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ بَيْنَ بَقَاءِ الْإِجَارَةِ فَإِذَا حَجَّ الْأَجِيرُ عَنْهَا فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ اسْتَحَقَّ بَقِيَّةَ الْمُسَمَّى وَبَيْنَ فَسْخِهَا وَإِعْطَائِهِ مَا خَصَّهُ بِالتَّوْزِيعِ السَّابِقِ وَيَسْتَأْجِرُ وَارِثُهَا أَوْ وَصِيُّهَا مَنْ يَحُجُّ عَنْهَا السَّنَةَ الْآتِيَةَ مِنْ تَرِكَتِهَا وَمِنْهَا مَا بَقِيَ مِنْ مُسَمَّى الْإِجَارَةِ الْأُولَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵁ أَوْصَى بِأَنْ يُسْتَأْجَرَ عَنْهُ مَنْ يَحُجُّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَهَلْ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَسْتَأْجِر بِغَيْرِ إذْنِ الْوَارِثِ؟ (فَأَجَابَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَتَبْطُلُ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَلِلْوَارِثِ قَضَاؤُهُ مِنْ مَالِهِ نَعَمْ وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ قَضَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ الْوَارِثِ نَعَمْ إنْ عَيَّنَ الْمُوصِي عَيْنًا لِلِاسْتِئْجَارِ بِهَا لَمْ يَحْتَجْ لِإِذْنِ الْوَارِثِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ إبْدَالَهَا مِنْ مَالِهِ لَمْ يُمْكِنْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَهِيَ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا الْحَلْقَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِبَعْضِ الرَّأْسِ فَالْحَنَفِيَّةُ جَوَّزُوا الرُّبْعَ وَالشَّافِعِيَّةُ جَوَّزُوا الِاكْتِفَاءَ بِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَسْحِ وَالْحَالُ أَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ الْفَارِقِ لِعَدَمِ اتِّحَادِ الْفِعْلَيْنِ وَعَدَمِ الْقَرِينَةِ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ الْكُلِّ هُنَا بِخِلَافِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَيْثُ تَدُلُّ الْبَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ مَسْحَ الْكُلِّ كَمَا بَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فِي مَحَلِّهِ فَكَيْفَ يُرَادُ الْبَعْضُ قِيَاسًا عَلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ هُنَا مِنْ إرَادَةِ حَلْقِ الْكُلِّ كَمَا هُوَ حَقُّ الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى حَلَقْت رَأْسِي أَيْ حَلَقْت شَعْرَ رَأْسِي وَحَقِيقَتُهُ إزَالَةُ شَعْرِ كُلِّ الرَّأْسِ. وَإِرَادَةُ الْبَعْضِ هُنَا مَجَازٌ حَيْثُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالُ أَزَالَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ أَزَالَ شَعْرَ رُبْعَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ وَهَذَا مِنْ عَلَامَاتِ الْمَجَازِ وَالْآيَةُ الْمُسْتَدَلُّ بِهَا ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] أَفْتُونَا جَزَاكُمْ اللَّهُ خَيْرًا وَلَقَدْ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَلْقَ الْجَمِيعِ لَيْسَ بِلَازِمٍ حَيْثُ قَالَ ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] يَعْنِي بَعْضُكُمْ مُحَلِّقِينَ وَبَعْضُكُمْ مُقَصِّرِينَ فَجَوَازُ التَّقْصِيرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إزَالَةَ شَعْرِ الْكُلِّ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ إذْ التَّقْصِيرُ لَيْسَ إزَالَةَ الْكُلِّ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ إزَالَةُ الْجَمِيعِ فَصَارَ كَآيَةِ الْمَسْحِ حَيْثُ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ وَهِيَ الْبَاءُ تَدُلُّ عَلَى عَدَم إرَادَةِ مَسْحِ الْجَمِيعِ فَظَهَرَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَيْسَتْ بِمُرَادَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فَأَرَادَ الْحَنَفِيَّةُ الرُّبْعَ إذْ قَدْ يَكُونُ الرُّبْعُ قَائِمًا مَقَامَ الْكُلِّ كَمَا ذَكَرُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ. وَمِنْهَا فِي بَابِ الْجَنَابَةِ فَإِنَّ حَلْقَ الرُّبْعِ يَقُومَ مَقَامَ الْكُلِّ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْآيَةِ اسْمٌ لِلْكُلِّ فَلَا بُدَّ مِنْ إرَادَةِ أَمْرٍ يَقُومُ مَقَامَهُ وَكَذَلِكَ النِّصْفُ وَأَكْثَرُ مِنْهُ لَكِنَّ الِاحْتِيَاطَ اقْتَضَى اعْتِبَارَ الرُّبْعِ وَلِهَذَا أَرَادُوا فِي بَابِ الْمَسْحِ الرُّبْعَ حَيْثُ نَظَرُوا إلَى نَفْسِ الْمَحِلِّ وَهُوَ الرَّأْسُ أَوْ أَرَادُوا مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ حَيْثُ نَظَرُوا إلَى أَنَّ

стр. 379

الْمَحِلَّ هُنَا شَبِيه بِالْآلَةِ وَأَكْثَرُ آلَةِ الْمَسْحِ ثَلَاثُ أَصَابِعَ فَيَصِحُّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ الْكُلِّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَسْحِ وَلَا يَخْفَى هَذَا عَلَى الْمُتَفَطِّنِ الْمُتَأَمِّلِ وَأَرَادَ الشَّافِعِيَّةُ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ لَا أَقَلَّ مِنْهَا إذْ أَقَلُّ مِنْهَا غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ وَلِهَذَا لَمْ يُثْبِتُوا عَلَيْهِ الْجِنَايَةَ. وَوَجْه إرَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ حَلَقَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ مِنْهُ فَإِزَالَةُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ جُزْءٌ مِنْ إزَالَةِ الْمَحَلِّ وَكَذَلِكَ إزَالَةُ الرُّبْعِ أَوْ الْخُمُسِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَكِنَّهُمْ أَخَذُوا احْتِيَاطًا أَيْضًا مَا هُوَ أَقَلُّ مَرْتَبَةً فِي مَرَاتِبِ الِاحْتِمَالَاتِ فَيَصِحُّ إسْنَادُ إزَالَةِ شَعْرِ الرَّأْسِ إذَا أَزَالَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ لِأَنَّ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ الْأُولَى فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ جَعَلَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ وَهُوَ الْمَجَازُ فِي النِّسْبَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ جَعَلَهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ فِي الطَّرَفِ لَكِنْ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ هُنَا أَوْلَى لِأَنَّ الْمَجَازَ فِي الطَّرَفِ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ حَتَّى إنَّ بَعْضَ أَرْبَابِ الْعَرَبِيَّةِ اسْتَنْكَرَ الْمَجَازَ الْعَقْلِيَّ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (فَأَجَابَ) ﵁ وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِمَا صُورَتُهُ أَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَسْحِ فَمَمْنُوعٌ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ بِوُجُوهٍ وَكَذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ أَقَلَّ الْوَاجِبِ فِي الْحَلْقِ عِنْدَنَا ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا بُدَّ مِنْ مَسْحِ الْجَمِيعِ وَأَمَّا أَحْمَدُ فَالْوَاجِبُ فِي الْمَسْحِ عِنْدَهُ الْجَمِيعُ وَفِي الْحَلْقِ الْأَكْثَرُ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَمَشَى فِي الْبَابَيْنِ عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ وَلِخَفَاءِ ذَلِكَ خَالَفَهُ صَاحِبُهُ الْإِمَامُ أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ لَا بُدَّ فِي الْحَلْقِ مِنْ النِّصْفِ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ ﷺ حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِتَأْخُذُوا عَنِّي جَمِيعَ مَنَاسِكِكُمْ قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى حَالِقًا بِدُونِ أَكْثَرِهِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَالْمُرَادُ شَعْرُ رُءُوسِكُمْ وَالشَّعْرُ اسْمُ جِنْسٍ أَقَلُّهُ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى حَلْقًا يُقَالُ حَلَقَ رَأْسَهُ وَرُبْعَهُ وَثَلَاثَ شَعَرَاتٍ مِنْهُ فَجَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يُسَمَّى حَلْقُ شَعْرٍ. وَأَمَّا حَلْقُ النَّبِيِّ ﷺ جَمِيعَ رَأْسِهِ فَقَدْ أَجْمَعنَا عَلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَا يُسَمَّى حَلْقًا بِدُونِ أَكْثَرِهِ فَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ إنَّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ إنْكَارٌ لِلْحِسِّ وَاللُّغَةِ وَالْعُرْفِ اهـ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالرُّبْعِ هُنَا لَمْ يَظْهَرْ دَلِيلُهُ وَلَعَلَّهُ قِيَاسُ مَا هُنَا عَلَى مَا هُنَاكَ لِأَنَّ الْمَلْحَظَ فِي الْبَابَيْنِ مُتَّحِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُوجِبُ عَلَى مَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَيْهِ وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالرَّأْسِ فَإِذَا فَقَدَ الشَّعْرَ انْتَقَلَ الْوُجُوبُ إلَى نَفْسِ الرَّأْسِ كَالْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ وَبِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهَا فَوَجَبَ التَّشْبِيهُ فِي أَفْعَالِهَا كَالصَّوْمِ فِيمَا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ فِي أَثْنَاءِ يَوْمِ الشَّكِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ فَرْضٌ تَعَلَّقَ بِجُزْءٍ مِنْ الْآدَمِيِّ فَسَقَطَ بِفَوَاتِ الْجُزْءِ كَالْيَدِ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّ غَسْلَهَا يَسْقُطُ بِقَطْعِهَا لَا يُقَالُ الْفَرْضُ هُنَاكَ مُتَعَلِّقٌ بِالْيَدِ وَقَدْ سَقَطَتْ وَهُنَا مُتَعَلِّقٌ بِالرَّأْسِ وَهُوَ بَاقٍ لِأَنَّا نَقُولُ بَلْ الْفَرْضُ هُنَا مُتَعَلِّقٌ بِالشَّعْرِ فَقَطْ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ عَلَى بَعْضِ رَأْسِهِ شَعْرٌ دُونَ بَعْضِ لَزِمَهُ الْحَلْقُ فِي الشَّعْرِ وَلَا يَكْفِيه الِاقْتِصَارُ عَلَى إمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى مَا لَا شَعْرَ عَلَيْهِ وَلَوْ تَعَلَّقَ الْفَرْضُ بِهِ لَأَجْزَأَ وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِ مَا هُنَا عَلَى الْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْفَرْضَ هُنَاكَ تَعَلَّقَ بِالرَّأْسِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَهُنَا تَعَلَّقَ بِالشَّعْرِ بِدَلِيلِ مَا مَرَّ مِنْ الْآيَةِ الْأُخْرَى وَمَا بَعْدَهَا الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِنَا لِأَنَّا نَقُولُ إلَخْ وَالثَّانِي أَنَّهُ إذَا مَسَحَ بَشَرَةَ الرَّأْسِ يُسَمَّى مَاسِحًا فَيَلْزَمُهُ وَإِذَا أَمَرَّ الْمُوسَى لَا يَكُونُ حَالِقًا وَالْجَوَابُ عَلَى الْقِيَاسِ عَلَى الصَّوْمِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِمْسَاكِ جَمِيعِ النَّهَارِ فَبَقِيَّةُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ وَهُنَا إنَّمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِإِزَالَةِ الشَّعْرِ وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْهُ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ فَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ بَيْنَ الْبَابَيْنِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ آيَةَ الْمَسْحِ إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِالْبَشَرَةِ أَصَالَةً لِأَنَّهَا حَقِيقَةُ الرَّأْسِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ التَّعَلُّقِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بِأَنَّهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْبَشَرَةِ وَيُعَضِّدُهُ الْإِجْمَاعُ مِنَّا وَمِنْهُمْ عَلَى وُجُوبِ التَّعْمِيمِ فِي التَّيَمُّمِ مَعَ اسْتِوَاءِ آيَتِهِ وَآيَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي لَفْظِ الْفِعْلِ

стр. 380

وَالْجَارِ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ «تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ» وَهَذَانِ دَالَّانِ صَرِيحًا عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِمَسْحِ الْبَعْضِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعُذْرِ فَلَا يَجُوزُ ادِّعَاءُ احْتِمَالِهِ وَلِأَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ لَمْ يَقُلْ بِخُصُوصِ النَّاصِيَةِ الَّتِي هِيَ مَا بَيْنَ النَّزْعَتَيْنِ وَالِاكْتِفَاءُ يَمْنَعُ وُجُوبَ الِاسْتِيعَابِ الَّذِي قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَوُجُوبُ الرُّبْعِ الَّذِي قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ دُونَ رُبْعِ الرَّأْسِ بَلْ قِيلَ دُونَ نِصْفِ رُبْعِهِ وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ الْبَاءَ الدَّاخِلَةَ فِي حَيِّزِ فِعْلٍ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَمَا هُنَا تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ أَيْ حَتَّى تُفِيدَ مَعْنًى لَا يُسْتَفَادُ مَعَ عَدَمِهَا وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْإِتْيَانُ بِهَا لَغْوًا لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا وَالْمَعْنَى الْمُسْتَفَادُ مَعَهَا مُسْتَفَادٌ مَعَ عَدَمِهَا فَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنًى لَا يُوجَدُ مَعَ حَذْفِهَا. وَهُوَ مَا قُلْنَاهُ وَأَمَّا الْبَاءُ الدَّاخِلَةُ فِي حَيِّزٍ قَاصِرٍ فَإِنَّهَا تَكُونُ لِمُجَرَّدِ التَّعْدِيَةِ وَالْإِلْصَاقِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٩] وَإِنَّمَا وَجَبَ التَّعْمِيمُ فِي التَّيَمُّمِ مَعَ اسْتِوَاءِ آيَتَيْهِمَا كَمَا تَقَرَّرَ لِثُبُوتِهِ بِالسُّنَّةِ وَلِجَرَيَانِهِ عَلَى حُكْمِ مُبَدِّلِهِ وَلَمْ يَجِبْ فِي الْحَلْقِ لِلْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُفْسِدْهُ وَأَمَّا آيَةُ الْحَلْقِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِالْبَشَرَةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ إمْرَارَ الْمُوسَى عَلَيْهَا لَا يُسَمَّى حَلْقًا فَوَجَبَ إضْمَارُ شَعْرٍ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ لَا الْمَجَازِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ النَّقْلِ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الِاشْتِرَاكِ لَكِنَّ الْمَجَازَ وَالنَّقْلَ وَالْإِضْمَارَ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَالْإِضْمَارِ وَالْمَجَازِ سِيَّانِ لِاحْتِيَاجِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى قَرِينَةٍ وَالْإِضْمَارُ وَالْمَجَازُ أَوْلَى مِنْ النَّقْلِ لِسَلَامَتِهِمَا مِنْ نَسْخِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَنَعُودُ حِينَئِذٍ إلَى الْكَلَامِ عَلَى مَا فِي السُّؤَالِ وَإِنْ كَانَ قَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ الْجَوَابُ عَمَّا فِيهِ فَنَقُولُ أَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ وَالْحَالُ إلَخْ فَمَمْنُوعٌ بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا قِيَاسَ عِنْدَنَا. وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ بِخِلَافِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَتَوَجَّهُ أَبَدًا وَإِنْ سَلِمَتْ صِحَّتُهُ فَالْإِشْكَالُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ لَا عَلَى غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ هُنَا مِنْ إرَادَةِ حَلْقِ الْكُلِّ إلَخْ مَمْنُوعٌ أَيْضًا لِمَا مَرَّ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّعْمِيمُ هُنَا وَقَوْلُهُ وَحَقِيقَتُهُ إزَالَةُ شَعْرِ كُلِّ الرَّأْسِ إلَخْ قَدْ مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلُّغَةِ وَالْعُرْفِ وَقَوْلُهُ وَلَقَدْ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ لَيْسَ هَذَا الْإِشْكَالُ بِصَحِيحٍ كَمَا تَقَرَّرَ حَتَّى يَحْتَاجَ لِلْجَوَابِ عَنْهُ وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَالْقَرِينَةُ الْمَذْكُورَةُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّعْمِيمِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقَرِينَةَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْإِجْمَاعِ قَابِلَةٌ لِلْمَنْعِ بِأَنْ يُقَالَ لَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ الْحَلْقَ يُجْزِئُهُ حَلْقُ الْبَعْضِ وَلَا يُقَاسُ عَلَى التَّقْصِيرِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا الْقَرِينَةُ الصَّحِيحَةُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ هُنَاكَ شَعْرًا مُضْمَرًا وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ أَقَلُّهُ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ. وَقَوْلُهُ إذْ قَدْ يَكُونُ الرُّبْعُ قَائِمًا مَقَامَ الْكُلِّ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ إنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْكُلِّ عِنْدَ الْمُخَالِفِ أَيْضًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ أَوْ عِنْدَكُمْ فَإِنْ كَانَ لِشَيْءٍ اسْتَحْسَنْتُمُوهُ كَمَا هُنَا فَالْقِيَاسُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرَ الِاسْتِحْسَانِ فَبَيِّنُوهُ حَتَّى نَتَكَلَّمَ فِيهِ وَقَوْلُهُ الِاحْتِيَاطُ اقْتَضَى الرُّبْعَ مَمْنُوعٌ بَلْ إنْ أُرِيدَ الِاسْتِنَادُ لِمُجَرَّدِ الِاحْتِيَاطِ فَهُوَ مَعَ أَحْمَدَ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ حَلْقِ الْأَكْثَرِ أَوْ مَعَ أَبِي يُوسُفَ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ حَلْقِ النِّصْفِ وَأَمَّا الرُّبْعُ فَلَا احْتِيَاطَ فِيهِ يَصْلُحُ مُرَجِّحًا لَهُ عَلَى النِّصْفِ وَالْأَكْثَرِ وَقَوْلُهُ وَلِهَذَا أَرَادُوا فِي بَابِ الْمَسْحِ الرَّابِعِ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ لَا احْتِيَاطَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا وَإِنَّمَا الِاحْتِيَاطُ مَعَ الْقَائِلِ بِمَسْحِ الْكُلِّ فَنَتَجَ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِتَخْصِيصِ الرُّبْعِ بِالِاعْتِبَارِ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْبَابَيْنِ وَإِذَا لَمْ يَصْلُح سَبَبًا لِذَلِكَ فَأُولَى أَنْ لَا يَصْلُحَ سَبَبًا لِاعْتِبَارِ ثَلَاثِ أَصَابِعِ الْمَذْكُورِ بِقَوْلِ السَّائِلِ أَوْ أَرَادُوا إلَخْ الْمَعْطُوفَ عَلَى أَرَادُوا الْأَوَّلَ الْمُعَلَّلَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي قَوْلِهِ وَلِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ عَلَيْهِ إنْ نَظَرَ لِلْمَحِلِّ اُعْتُبِرَ الرُّبْعُ أَوْ إلَى الْآلَةِ اُعْتُبِرَ ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ وَكُلُّ مُحْتَمَلٍ فَمَا الْمُرَجِّحُ الرَّاجِحُ مِنْ اعْتِبَارِ الرُّبْعِ غَيْرَ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِيهِ أَكْثَرِ أَوْ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ اسْتِحْسَانًا فِي أَحْكَامٍ أُخْرَى عِنْدَكُمْ. وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ لَا يَكُونُ مُرَجَّحًا لِمَا تَقَرَّرَ قَرِيبًا عَلَى أَنَّ فِي تَشْبِيهِ الْمَحَلَّ بِالْآلَةِ حَتَّى تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ مِنْ اعْتِبَارِ الِاعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُخَصَّصٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ السَّائِلِ أَنَّ نَظِيرَ هَذِهِ

стр. 381

الْمَقَالَةِ فِي الْمَسْحِ يَأْتِي فِي الْحَلْقِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَهُوَ إنْ صَحَّ مَنْقُولًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ غَيْرُ جَلِيِّ الْمَعْنَى لِمَا هُوَ وَاضِحٌ أَنَّ عِلَّةَ مَسْحِ مِقْدَارِ ثَلَاثِ أَصَابِعَ لَا يَأْتِي فِي حَلْقِ مِقْدَارِهَا وَقَوْلُهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ قِيَاسًا إلَخْ وَقَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى عَلَى هَذَا إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ قَدْ بَانَ أَنَّهُ خَفِيٌّ غَيْرُ صَحِيحٍ وَقَوْلُهُ وَلِهَذَا لَمْ يُثْبِتُوا عَلَيْهِ الْجِنَايَةَ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ فِي إزَالَةِ دُونَ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَغَيْرُ صَحِيحٍ أَوْ لَا كَفَّارَةَ فَكَذَلِكَ لِأَنَّ فِي الْوَاحِدَةِ كَفَّارَةٌ عِنْدَهُمْ وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ كَفَّارَةُ الثَّلَاثِ وَمَا دُونَهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ لِمَعْنًى مُنَاسِبٍ لِمَا فِي الْحَلْقِ لِأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ إزَالَةَ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ التَّحَلُّلُ. وَاتَّفَقُوا أَيْضًا أَنَّ إزَالَةَ مَا دُونَهَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ فَالْمَلْحَظُ فِي الْمَحَلَّيْنِ مُخْتَلِفٌ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ صَرِيحُ كَلَامِ السَّائِلِ وَقَوْلُهُ وَوَجْهُ إرَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى إلَخْ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مَعَ مَا قَدَّمْته فِي تَوْجِيهِ اكْتِفَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ بَلْ هَذَا التَّوْجِيهُ لَا يَرْضَاهُ الشَّافِعِيَّةُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَسُّفِ الْخَارِجِ عَنْ قَوَانِينِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَقَوْلُهُ فَالْحَاصِلُ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا الْحَاصِلُ مَبْنِيٌّ عَلَى غَيْرِ أَسَاسٍ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ هَدْمِ جَمِيعِ مَا قَبْلَهُ الْمَبْنِيِّ هُوَ عَلَيْهِ ثُمَّ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَجَازَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا وَأَنَّ الثَّانِيَ أَكْثَرُ يُقَالُ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ أَوْلَى هُنَا مِنْ الْأَوَّلِ إلَّا لَوْ كَانَ التَّجَوُّزُ فِيهِ خَاصًّا بِالرُّبْعِ أَوْ بِالثَّلَاثِ أَصَابِعَ وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّجَوُّزِ أَمَّا إذَا كَانَ غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِذَلِكَ فَلَا يَكُونُ أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ بَلْ الْأَوَّلُ أَوْلَى مِنْهُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ إضْمَارِ شَعْرٍ أَوْ التَّجَوُّزِ عَنْهُ بِالرَّأْسِ الِاكْتِفَاءُ بِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ لَا يَصْدُقُ عَلَى أَقَلَّ مِنْهَا اتِّفَاقًا وَإِنْ صَدَقَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا فَهِيَ مُتَيَقَّنَةٌ وَغَيْرُهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ. وَأَمَّا الْمَجَازُ الثَّانِي فَيَصْدُقُ عَلَى الرُّبْعِ وَأَقَلَّ مِنْهُ وَأَكْثَرَ مِنْهُ اتِّفَاقًا فَلَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِالرُّبْعِ مِنْ حَيْثُ هَذَا الْمَجَازِ فَلَا أَوْلَوِيَّةَ فِيهِ عَلَى الْأَوَّلِ بَلْ الْأَوَّلُ أَوْلَى مِنْهُ هُنَا لِمَا تَقَرَّرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ اهـ. مَا أَجَابَ بِهِ شَيْخُنَا فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ وَأَدَامَ النَّفْعَ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ ثُمَّ رَأَيْت السَّائِلَ لَمَّا اطَّلَعَ عَلَى الْجَوَابِ كَتَبَ وَرَقَةً أُخْرَى صُورَةُ مَا فِيهَا أَمَّا قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ شَعْر رُءُوسِكُمْ وَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ أَوْ الْحَذْفِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الْإِضْمَارُ أَوْ الْحَذْفُ لَا يَكُونُ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِإِسْنَادِ الْفِعْلِ أَوْ شِبْهِهِ إلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ مَعْنًى مُحَصَّلٍ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] قَالَ أَحْمَدُ بْنُ فَارِسٍ إذَا أَسْنَدْت لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ فَهَهُنَا إضْمَارٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٩] أَيْ فِي زُمْرَةِ الصَّالِحِينَ. وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ حَلَقْت رَأْسِي يَصِحُّ وَيُفِيدُ مِنْ غَيْرِ التَّقْدِيرِ بَلْ التَّقْدِيرُ فِيهِ قَبِيحٌ لِأَنَّ مَعْنَى الْحَلْقِ إزَالَةُ الشَّعْرِ لَا الْإِزَالَةُ الْمُطْلَقَةُ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ حَلَقْت الدَّنَسَ مِنْ بَدَنِي فَلَا يُقَالُ فِي صَحِيحِ الْكَلَامِ حَلَقْت شَعْرَ رَأْسِيِّ وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ فِي كَلَامِ الْفُصَحَاءِ وَلَوْ وَقَعَ لَكَانَ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ التَّجْرِيدِ فَإِذَا تَعَلَّقَ هَذَا الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ إلَى مَحِلِّهِ لَا بُدَّ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِجَمِيعِ الْمَحِلِّ كَمَا قَالُوا فِي آيَةِ الْمَسْحِ لَوْ لَمْ تَكُنِ الْبَاءُ مَوْجُودَةٌ لَكَانَ الْوَاجِبُ مَسْحَ الْكُلِّ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ تَعَلَّقَ بِمَحَلِّهِ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ هُنَا يُنَافِي مَا أَوْجَبُوهُ لِأَنَّ الشَّعْرَ اسْمُ جِنْسٍ كَمَا قَالَ بِهِ الْقَائِلُ فَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ حَتَّى عَلَى نِصْفِ شَعْرَةٍ أَوْ أَقَلَّ كَمَا أَنَّ الْمَاءَ يُطْلَقُ عَلَى قَطْرَةٍ أَوْ قَطْرَتَيْنِ. وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ جَمْعٌ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَأَيْضًا الْعُرْفُ يُنَافِيهِ فَإِنَّ إطْلَاقَ الشَّعْرِ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ سَوَاءٌ فَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ حَلْق شَعْرَةٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا أَخْذًا بِالْأَقَلِّ الْمُتَيَقَّنِ فَلَا يَثْبُتُ فِي وُجُوبِ حَلْقِ الثَّلَاثِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى حَلْقًا يُقَالُ حَلَقَ رَأْسَهُ وَرُبُعَهُ وَثَلَاثَ شَعَرَاتٍ هَذَا الْكَلَامُ لَا يَنْفَعُهُ إذْ الْخَصْمُ يَقُولُ لَا يُقَالُ بِحَلْقِ الرُّبْعِ وَحَلْقِ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مِنْهُ وَالْحَقُّ أَنَّ اسْتِعْمَالَ حَلْقِ الرَّأْسِ فِي حَلْقِ الرُّبْعِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي أَنَّ إسْنَادَ حَلْقٍ لَا يَجُوزُ إلَى الرُّبْعِ وَثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مِنْهُ كَانَتْ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ بِمَنْزِلَةِ بَدَلِ الْبَعْضِ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً أَلَا تَرَى أَنَّك إذَا قُلْت حَلَقَ رَأْسَهُ حَلَقَ رُبْعَهُ أَوْ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ مِنْهُ كَانَتْ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ بِمَنْزِلَةِ الْبَعْضِ مِنْ قَبِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] الْآيَةَ. وَلَوْ كَانَ فِي الثَّانِي

стр. 382

وَالثَّالِثِ حَقِيقَةً لَكَانَتْ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ بِمَنْزِلَةِ بَدَلِ الْكُلِّ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَأَيْضًا صِحَّةُ قَوْلِهِ يُقَالُ حَلَقَ رَأْسَهُ وَرُبْعَهُ وَثَلَاثَ شَعَرَاتٍ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْإِضْمَارِ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ التَّقْدِيرُ حَلَقْت شَعْرَ رَأْسِهِ وَشَعْرَ رُبْعِهِ وَشَعْرَ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مِنْهُ وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَا يُسَمَّى حَلْقًا بِدُونِ أَكْثَرِهِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ إنْكَارٌ لِلْحِسِّ وَاللُّغَةِ وَالْعُرْفُ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ لَا يُسَمَّى حَلْقًا أَيْ حَلْقَ الرَّأْسِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى حَلْقًا أَصْلًا كَمَا عَرَفْت. وَأَمَّا قَوْلُهُ فَالْوَاجِبُ فِي الْحَلْقِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ يَأْبَى عَنْهُ كَتَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَفُقَهَاؤُهَا وَاَلَّذِي هُوَ مَشْهُورٌ وَمَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَهُمْ حَلْقُ الْكُلِّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا يَتِمُّ نُسُكُ الْحَلْق إلَّا بِجَمِيعِ الرَّأْسِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ اُقْتُصِرَ عَلَى الْبَعْضِ فَكَالْعَدِمِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَإِذَا قَصَّرَ الرَّجُلُ فَلْيَأْخُذْ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِ رَأْسِهِ وَكَذَا فِي حَقِّ الصَّبِيَّانِ وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ إلَّا التَّقْصِيرُ وَلْتَأْخُذْ مِنْ جَمِيعِ قُرُونِهَا وَلَا يَجْزِيهِمَا أَنْ يُقَصِّرَا بَعْضًا وَيُبْقِيَا بَعْضًا وَكَذَا عِنْدَ أَحْمَدَ فَإِنَّ الصَّحِيحَ الْمَعْمُولَ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ حَلْقُ الْكُلِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ الْمُعْتَبَرَةِ فَمِنْ أَيْنَ يَتَأَتَّى الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ كَوْنِ حَلْقِ الْكُلِّ مُرَادًا مِنْ الْآيَةِ عَلَى أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا اتِّفَاقَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَا يَحْصُلُ الْإِجْمَاعُ أَيْضًا وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ إجْمَاعًا عَدِمَ احْتِيَاجَ تَبْيِينِ الْقَرِينَةِ فِي إرَادَتِهِمْ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ الْآيَةِ مَعَ كَوْنِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهَا مَمْنُوعٌ إذْ عَلَى الْفَقِيهِ بَحْثُ مَعْرِفَةِ مَأْخَذِ مَسَائِلِهِمْ وَطُرُقِ اسْتِنْبَاطِهِمْ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَإِلَّا يَكُنْ مَحْضَ التَّقْلِيدِ وَلَا يُسَمَّى فَقِيهًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ بِأَنْ يُقَاسَ لَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ حَلْقَ الْكُلِّ يُجَزِّئهُ حَلْقُ الْبَعْضِ وَلَا يُقَاسُ عَلَى التَّقْصِيرِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ مِمَّا لَا يَحْصُلُ لَهُ لِأَنَّ النُّسُكَ وَاحِدٌ وَالْمَحَلَّ وَاحِدٌ وَلَا مَعْنَى بِأَنْ يَقُولُ حَلْقُ الْكُلِّ وَاجِبٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَعْضِ وَحَلْقُ الْبَعْضِ وَاجِبٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضٍ آخَرَ وَالتَّقْصِيرُ وَاجِبٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضٍ آخَرَ بَلْ الْوَاجِبُ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ كُلًّا أَوْ بَعْضًا عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَوَّلًا أَنْ يَحْلِقَ الْكُلَّ ثُمَّ اكْتَفَى بِالْبَعْضِ يَجُوزُ عِنْدَ مَنْ ذَهَبَ إلَى وُجُوبِ الْبَعْضِ وَكَذَا إذَا أَرَادَ أَوَّلًا الْحَلْقَ ثُمَّ قَصَّرَ يُجَزِّئهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَسْحِ فَمَمْنُوعٌ فَفِيهِ أَنَّ الْمَنْعَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى النَّاقِلِ وَهُوَ نَاقِلٌ مِنْ كَلَامِهِمْ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ تَصْحِيحُ النَّقْلِ وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ تَوَجُّهِ الْمَنْعِ هَذَا الْمَنْعُ لَا يَضُرُّ إذْ الْإِشْكَالُ بَاقٍ لِأَنَّ نَظِيرَهُ عَلَى أَنَّ إرَادَةَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ خِلَافُ الظَّاهِرِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَاتُ بَعْضِهِمْ أَوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ فَالْقِيَاسُ لَا يَصِحُّ كَمَا ذَكَرَهُ وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ لِعَدَمِ ظُهُورِهِ. وَأَمَّا الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَسْحِ فَهُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَحَلِّهِ فِي كُتُبِ كُلٌّ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَلَا يَحْتَمِلهُ الْمَقَامُ وَأَمَّا تَجْوِيزُ النَّقْلِ وَالِاشْتِرَاكُ فِي الْآيَةِ فَلَا مَعْنَى لَهُ أَمَّا الِاشْتِرَاكُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا النَّقْلُ فَلِأَنَّ النَّقْلَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَلْقٍ أَوْ الرَّأْسِ وَالْأَوَّلُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ لَا يَكُونُ إلَّا اسْمًا وَحَلَقَ هُنَا لَمْ يُنْقَلْ مِنْ الْفِعْلِيَّةِ إلَى الِاسْمِيَّةِ وَكَذَا الثَّانِي لَا يَصِحُّ لِأَنَّ النَّقْلَ وَضْعٌ ثَانٍ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الرَّأْسَ مَوْضُوعٌ لِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مِنْهُ مِمَّا لَا قَائِلَ بِهِ هَذَا حَالُ أُصُولِ مُقَدِّمَاتِهِ وَفُرُوعُهَا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ فَالْحَقُّ وَالْإِنْصَافُ أَنَّ سُؤَالَ السَّائِلِ مُوَجَّهٌ لَا مُخَلِّصَ مِنْهُ لِهَذِهِ الْمُقَدَّمَاتِ وَلَيْسَ الْمُخَلِّصُ مِنْهُ إلَّا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُجِيبُ وَأَمَّا وَجْهُ إرَادَةِ الْحَنَفِيَّةِ الرُّبْعَ فَلِأَنَّ الْمَلْحَظَ فِي الْبَابَيْنِ عِنْدَهُمْ مُتَّحِدٌ كَمَالِكٍ. وَبَيَانُهُ أَنَّهُ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ تَعَلَّقَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ بِمَحَلِّهِ وَالْمَحَلُّ وَاحِدٌ وَهُوَ الرَّأْسُ وَلِهَذَا يُوجِبَانِ إمْرَارَ الْمُوسَى عَلَى الرَّأْسِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّعْرِ كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ فِي الْأَوَّلِ الْكُلُّ كَذَلِكَ الْمُرَادُ مِنْ الثَّانِي وَكَمَا أَنَّ الْمُرَاد عِنْد أَبِي حَنِيفَة ﵀ فِي الْأَوَّل الرُّبْع كَذَلِكَ فِي الثَّانِي وَكَذَا عِنْد أَحْمَدَ فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ أَنَّهُ يَجِب حَلْقُ الْكُلِّ وَهُوَ صَحِيحٌ وَالْأَكْثَر لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْكُلِّ كَمَا فِي الْمَسْحِ فَإِنَّ عِنْدَهُ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا الصَّحِيحُ مَسْحُ الْكُلِّ وَرُوِيَ عَنْهُ

стр. 383

الِاكْتِفَاءُ بِالْأَكْثَرِ وَوَجْهُ إرَادَةِ الرُّبْعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا ذَكَرُوا أَنَّهُ لَمَّا صَارَتْ الْبَاءُ فِي صِلَةِ الْمَسْحِ مَانِعَةٌ عَنْ إرَادَةِ الْكُلِّ بِالْأَكْثَرِ كَمَا بُيِّنَ فِي مَحَلِّهِ صَارَتْ الْآيَةُ مُجْمَلَةً فَجَعَلُوهَا مُبَيَّنَةً بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَهُوَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ» وَعَلَى إمَّا لِتَأْكِيدِ الِاسْتِيعَابِ أَوْ زَائِدَةٌ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ نَاصِيَتَهُ» عَلَى مَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَفِعْلُ الْمَسْحِ إذَا تَعَلَّقَ بِالْمَحَلِّ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ كَمَا بُيِّنَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ثُمَّ قَدْ بُيِّنَ فِي عِلْمِ الْحِكْمَةِ أَنَّ الرَّأْسَ مُرَكَّب مِنْ أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ النَّاصِيَةِ وَالْفَوْدَيْنِ وَالْعَقِبِ فَالنَّاصِيَةُ وَإِنْ اُحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ هِيَ صُغْرَى بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ أَجْزَائِهِ لَكِنْ قَدَّرُوهَا تَخْمِينًا بِالرُّبْعِ لِلِاحْتِيَاطِ خَوْفَ التَّنْقِيصِ مِنْ الْأَصْلِ وَمِثْلُ هَذَا الِاعْتِبَارِ تَخْمِينًا أَوْ تَقْرِيبًا شَائِعٌ فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِ الْمُجِيبِ لَمْ يُثْبِتُوا عَلَيْهِ الْجِنَايَةَ فَمُرَادُهُ مِنْ الْجِنَايَةِ الدَّمُ وَهُوَ الْعُرْفُ فِي الْمَنَاسِكِ وَدُونَ الدَّمِ يُسَمُّونَهُ صَدَقَةً وَإِيرَادُهَا فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ لِطَلَبِ الِاخْتِصَارِ وَالْعِلْمِ عِنْدَ اللَّهِ وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْهِدَايَةَ وَالتَّوْفِيقَ فَلَمَّا رُفِعَتْ الْوَرَقَةُ الْمَكْتُوبُ فِيهَا ذَلِكَ لِشَيْخِنَا فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ كَتَبَ عَلَيْهَا جَوَابًا صُورَتُهُ اعْلَمْ أَنَّ مُنْشَأَ هَذِهِ الرُّدُودِ وَالْإِشْكَالَاتِ عَدَمُ صِدْقِ التَّأَمُّلِ مَعَ الِاتِّكَالِ عَلَى مَا يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ كَمَا سَتَعْلَمُهُ مِمَّا سَامَرَهُ. وَبَيَانُ ذَلِكَ مَعَ بَعْضِ الْبَسْطِ فِيهِ لِمَا أَنَّ الْمَقَامَ مُحْوِجٌ إلَى ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الْإِضْمَارَ وَالْحَذْفُ لَا يَكُونُ إلَخْ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ فَإِنَّ نُصُوصَ الْأَئِمَّةِ قَاضِيَةٌ بِرَدِّهِ سِيَّمَا نَصُّ إمَامِهِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ لِأَنَّهُ آثَرَ الْإِضْمَارَ عَلَى النَّقْلِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَقَالَ أَيْ أَخْذَهُ وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ مَثَلًا فَإِذَا أُسْقِطَ صَحَّ الْبَيْعُ وَارْتَفَعَ الْإِثْمُ وَعَكَسَ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَغَيْرُهُ ذَلِكَ فَآثَرُوا النَّقْلَ عَلَى الْإِضْمَارِ فَقَالُوا نَقْلُ الرِّبَا شَرْعًا إلَى الْعَقْدِ فَهُوَ فَاسِدٌ وَإِنْ أُسْقِطَتْ الزِّيَادَةُ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ مَثَلًا وَالْإِثْمُ فِيهَا بَاقٍ فَانْظُرْ كَوْنَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَضْمَرَ مَعَ صِحَّةِ الْمَعْنَى بَلْ ظُهُورِهِ مَعَ عَدَمِ الْإِضْمَارِ وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ أَيْضًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] أَنَّ فِيهِ إضْمَارًا أَيْ طَعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَهُوَ سِتُّونَ مُدًّا فَيَجُوز إعْطَاؤُهُ الْمِسْكِينَ الْوَاحِدَ سِتِّينَ مُدًّا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ الْآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا فَلَا يَجُوزُ إعْطَاؤُهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِأَنَّ الْآيَةَ ظَاهِرَةٌ فِيهِ وَمِنْ ثَمَّ اُعْتُرِضَ الْقَوْلُ بِالْإِضْمَارِ بِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ مَا لَمْ يُذْكَرْ مِنْ الْمُضَافِ الْمُضْمَرِ وَأُلْغِيَ فِيهِ مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ الظَّاهِرَةِ قَصَدَهُ بِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَبَرَكَتِهِمْ أَيْضًا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ ﵃ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فَقَدَّرَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مُضْمَرًا أَيْ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ لِأَنَّ بِهَا يَحْصُلُ الِانْكِفَافُ عَنْ الْقَتْلِ فَيَكُونُ الْخِطَابُ عَامًّا وَلَمْ يُقَدِّرْ ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا فِي الْقِصَاصِ نَفْسِهِ حَيَاةٌ لِوَرَثَةِ الْقَتِيلِ الْمُقْتَصِّينَ بِدَفْعِ شَرِّ الْقَاتِلِ الَّذِي صَارَ عَدُوًّا لَهُمْ فَيَكُونَ مُخْتَصًّا بِهِمْ فَتَأَمَّلْ صَنِيعَ الْأَئِمَّةِ وَتَصَرُّفَهُمْ فِي النُّصُوصِ بِالْإِضْمَارِ تَارَةً وَعَدَمِهِ أُخْرَى مَعَ صِحَّةِ الْمَعْنَى بَلْ ظُهُورُهُ مَعَ عَدَمِ الْإِضْمَارِ فَازْدَدْ بِذَلِكَ تَعَجُّبًا مِمَّا ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ وَمِنْ فِرَارِهِ عَنْ نُصُوصِ الْأَئِمَّةِ هَذِهِ وَأَمْثَالِهَا إلَى النَّقْلِ عَمَّنْ لَا يُجْدِيهِ النَّقْلُ عَنْهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ إذْ أَهْلُهُ الْمُجْتَهِدُونَ وَمَنْ دَانَاهُمْ. فَإِنْ قُلْت إنَّمَا سَلَكَ الْإِضْمَارَ مَنْ ذَكَرَ لِأَنَّهُ لَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ظَهَرَ لَهُ وَلَمْ يَصِحَّ اللَّفْظُ لِمُقْتَضَى مَا ظَهَرَ لَهُ إلَّا بِالْإِضْمَارِ كَانَ الْإِضْمَارُ مُتَعَيِّنًا وَلَمْ يَصِحَّ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ بِدُونِهِ فَهُوَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُسْتَشْكِلُ فَلَا يَرِدُ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورُ عَلَيْهِ نَقْضًا قُلْت بَلْ هُوَ وَارِدٌ عَلَيْهِ نَقْضًا وَرَدًّا لِأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْإِضْمَارِ إذَا كَانَ بِاعْتِبَارِ مَا ظَهَرَ مِنْ الدَّلِيلِ الْمُتَوَقِّفِ هُوَ عَلَيْهِ كَانَ مَا سَلَكْنَاهُ فِي الْآيَةِ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَامَ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ فَأَضْمَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا فِي الْآيَةِ وَلَا يُقَالُ مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَكْفِي لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا السُّؤَالُ لَا يَتَوَجَّهُ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْإِضْمَارِ يُفَوَّضُ إلَى رَأْي الْمُجْتَهِدِ سَوَاءٌ أَظَهَرَ دَلِيلُهُ أَمْ لَا كَمَا مَرَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ -

стр. 384

فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي أَضْمَرْنَا فِيهَا لَيْسَتْ مِمَّا يَصِحُّ الْمَعْنَى فِيهِ مَعَ عَدَمِ الْإِضْمَارِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ أَحَاطَ بِكَلَامِ اللُّغَوِيِّينَ الْمُصَرِّحِ بِأَنَّ الْحَلْقَ إذَا أُطْلِقَ لُغَةً يَكُونُ لِمُطْلَقِ الْإِزَالَةِ خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ الْمُسْتَشْكِلُ وَقَوْلُهُ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ حَلَقْتُ الدَّنَسَ عَنْ ثَوْبِي يُقَالُ عَلَيْهِ إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عُرْفًا فَمُسَلَّمٌ وَلَا يُجْدِيهِ هُنَا أَوْ لُغَةٌ فَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَالنُّصُوصُ إنَّمَا تُحْمَلُ عَلَى عُرْفِ الشَّارِعِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى اللُّغَةِ فَإِنْ تَعَذَّرَتْ فَعَلَى الْعُرْفِ الْعَامِّ فَالْخَاصِّ كَمَا فِي الْأَيْمَانِ وَالْإِحْيَاءِ، وَالْحِرْزُ فِي السَّرِقَةِ وَالْقَبْضُ فِي الْمَبِيعِ مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ ضَابِطٌ لُغَةً وَلَا شَرْعًا وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْحَلْقُ لَا يَصِحُّ تَسَلُّطُهُ عَلَى الرَّأْسِ الْمُرَادِ بِهِ الْبَشَرَةُ فَوَجَبَ تَقْدِيرُ مَا يُتِمُّ الْمَعْنَى الْمُرَادُ بِهِ وَهُوَ شَعْرٌ وَحِينَئِذٍ انْدَفَعَ قَوْلُهُ إنْ حَلَقْت رَأْسِي يُفِيدُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ وَقَوْلُهُ بَلْ التَّقْدِيرُ فِيهِ قَبِيحٌ وَمِنْ أَيْنَ لَهُ هَذَا الِاسْتِقْبَاحُ مَعَ تَعْلِيلِهِ لَهُ بِمَا لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ بَلْ هُوَ مَحْضُ ادِّعَاءٍ سِيَّمَا مَعَ مَنْ يُنَازِعُهُ فِيهِ وَيَقُولُ لَهُ مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا مَعَ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ إنْ حَلَقَ هُنَا لَا يَصِحُّ تَسَلُّطُهُ عَلَى مَفْعُولِهِ أَيْ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ الْمُرَادُ بِهِ الْبَشَرَةُ إلَّا بِإِضْمَارٍ فَهَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ مَا زَعَمَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ مَعْنَى الْحَلْقِ إلَى قَوْلِهِ بِاعْتِبَارِ التَّحْدِيدِ. إمَّا يَدْفَعُ قَوْلَهُ لَمْ يَقَعْ فِي كَلَامِ الْفُصَحَاءِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الصِّحَاحِ الْمُبَيِّنِ لِلْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ وَقَوْلُهُ وَلَوْ وَقَعَ لَكَانَ مَجَازًا يَرُدُّهُ أَنَّهُ وَقَعَ كَمَا تَقَرَّرَ وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ لَا يُقَالُ أَيْضًا وَقَعَ حَلْقُ رَأْسِهِ فَمَا الرَّاجِحُ لِأَنَّا نَقُولُ حَلَقَ شَعْرَهُ لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ وَلَا فِي احْتِيَاجِهِ لِتَقْدِيرٍ بِخِلَافِ حَلْق رَأْسِهِ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّقْدِيرِ وَقَوْلُهُ كَمَا قَالُوهُ فِي آيَةِ الْمَسْحِ إلَخْ قَدْ تَقَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ بُطْلَانُ قِيَاسِ مَا هُنَا عَلَى الْمَسْحِ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْمَسْحِ ثُمَّ بِالرَّأْسِ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ إجْمَاعًا سَوَاءٌ أُرِيدَ بِهِ الْبَشَرَةَ أَوْ الشَّعْرَ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ الْمُسْتَشْكِلُ وَهُنَا لَا يَصِحُّ تَعَلُّقُ الْحَلْقِ بِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَشَرَةُ إلَّا بِتَقْدِيرٍ وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّقْدِيرِ فَذَلِكَ الْمُقَدَّرُ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ. فَإِنْ قُلْت بَلْ يَقْتَضِيه لِأَنَّهُ مُضَافٌ فَيَعُمُّ قُلْت مِنْ أَيْنَ لَك أَنَّا إذَا أَضْمَرْنَاهُ يَكُونُ مُضَافًا بَلْ يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ نَكِرَةً مَقْطُوعَةً عَنْ الْإِضَافَةِ أَيْ شَعْرٌ مَنْ رُءُوسِكُمْ وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ هُنَا يُنَافِي مَا أَوْجَبُوهُ لِأَنَّ الشَّعْرَ اسْمُ جِنْسٍ إلَخْ فَفِيهِ تَلْبِيسٌ وَتَمْوِيهٌ وَغَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ إمَّا جَمْعِيٌّ أَوْ إفْرَادِيٌّ فَالْأَوَّلُ كَشَعْرٍ وَتَمُرُّ فِي حُكْمِ الْجَمْعِ وَالثَّانِي كَمَاءٍ وَعَسَلٍ فِي حُكْمٍ الْمُفْرَدِ وَحِينَئِذٍ فَانْظُرْ إلَى مَا فِي غُضُونِ كَلَامِهِ هَذَا مِنْ الْإِيهَامِ وَالتَّمْوِيهِ سِيَّمَا قَوْلُهُ وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ جَمْعٌ إلَخْ فَإِنَّا لَمْ نَقُلْ إنَّهُ جَمْعٌ عَلَى أَنَّ اللُّغَوِيِّينَ قَائِلُونَ بِأَنَّهُ جَمْعٌ وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ مَا عَلَيْهِ النُّحَاةُ وَالصَّرْفِيُّونَ وَهُوَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ أَيْ جَمْعِيٌّ وَاسْمُ الْجِنْسِ الْجَمْعِيُّ فِي حُكْمِ الْجَمْعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِمْ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ عَدَدَ التُّرَابِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ إفْرَادِيٍّ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ لِأَنَّهُ سُمِعَ تُرَابَةٌ وَقَعَ ثَلَاثٌ وَحِينَئِذٍ بَطَلَ قَوْلُهُ فَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ حَلْقُ شَعْرَة إلَخْ عَلَى أَنَّ لَنَا احْتِمَالًا بَعِيدًا بَلْ شَاذًّا لَا يُعَدُّ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّهُ يُجْزِئُ حَلْقُ شَعْرَةٍ تَخْرِيجًا مِنْ لُزُومِ الْفِدْيَةِ بِحَلْقِهَا لَا لِمَا ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ لِأَنَّ مَدَارِكَ الْمُجْتَهِدِينَ تَنْبُو عَنْهُ وَغَلِطَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا وَغَيْرُهُ ابْنُ الْقَاصِّ وَغَيْرُهُ تَخْرِيجَ الْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ عَلَى الْحَلْقِ هُنَا فَأَوْجَبُوا مَسْحَ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ قِيَاسًا عَلَى لُزُومِ حَلْقِهَا. وَرَدَّ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمْ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْحَلْقِ الشَّعْرُ وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ مُحَلِّقِينَ شَعْرَ رُءُوسِكُمْ وَالشَّعْرُ أَقَلُّهُ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ فِي الْحَلْقِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَنُوطٍ بِالشَّعْرِ وَيَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى تَضْعِيفِ هَذَا التَّخْرِيجِ وَتَزْيِيفِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ هَذَا الْكَلَامُ لَا يَنْفَعُهُ إذْ الْخَصْمُ يَقُولُ إلَخْ فَجَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَ الْخَصْمِ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي لَا يَنْفَعُهُ لِأَنَّهُ وَإِنْ سَلَّمَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ الْحَلْقُ الرُّبْعُ وَحَلَقَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ لِأَنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ الْمُرَادَ بِهِ الْبَشَرَةُ غَيْرُ مُرَادٍ لِاسْتِحَالَتِهِ بِدُونِ الْمُضْمَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَيَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِهِ بُطْلَانُ إرَادَةِ الْكُلِّ الَّذِي

стр. 385

زَعَمَهُ هَذَا الْخَصْمُ وَبُطْلَانُ قَوْلِهِ. وَالْحَقُّ أَنَّ اسْتِعْمَالَ حَلْقِ الرَّأْسِ فِي حَلْقِ الرُّبْعِ إلَخْ إذْ لَا مَجَازَ فِي ذَلِكَ بَلْ إسْنَادُهُ إلَى الشَّعْرِ حَقِيقَةٌ وَكَذَا إلَى ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مِنْهُ أَوْ الْأَكْثَرِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُسْأَلُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ سَبَبُ التَّحْدِيدِ بِالثَّلَاثِ وَبِالرُّبْعِ. فَأَمَّا الثَّلَاثُ فَقَدْ وَجَّهْنَاهُ فِيمَا مَرَّ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فَهِيَ الْمُتَيَقَّنَةُ وَمَا عَدَاهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِيجَابِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَأَمَّا الرُّبْعُ فَلَمْ يُبْدِ الْمُسْتَشْكِلُ عَنْ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ مَعْنَى يُعْتَدُّ بِهِ كَمَا يَأْتِي وَقَوْلُهُ أَلَا تَرَى إلَخْ مُجَرَّدُ دَعْوَى بِلَا مُسْتَنَدٍ إلَيْهِ بَلْ كَلَامُهُمْ صَرِيحٌ فِي بُطْلَانِهَا وَمَنْ ذَا الَّذِي صَرَّحَ بِالتَّلَازُمِ بَيْنَ كَوْنِ التَّابِعِ بَدَلَ بَعْضٍ وَكَوْنِهِ مَجَازًا الْمُصَرَّحُ بِهِ كَلَامُ الْمُسْتَشْكِلِ هَذَا مِمَّا لَا قَائِلَ بِهِ فَعَلَى مَنْ ادَّعَاهُ بَيَانُهُ وَلَا تَظْفَرُ بِهِ وَمِمَّا يُبْطِلُهُ تَمْثِيلُهُمْ لِبَدَلِ الْبَعْضِ بِأَكَلْتُ الرَّغِيفَ أَكَلْت ثُلُثَهُ فَهَلْ هَذَا الثَّانِي مَجَازٌ بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ عُكِسَ لَرُبَّمَا اسْتَقَامَ كَلَامُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْفَعْهُ هُنَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ فِي الْبَدَلِ هُوَ الثَّانِي وَتَأَمَّلْ مَا فِي قَوْلِنَا الْأَصْلِيِّ مِنْ الْجَوَابِ عَلَى الْإِيرَادِ الطَّوِيلِ الْمُقَرَّرِ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفَنِّ فَفِي الْمِثَالِ السَّابِقِ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ أَصَالَةُ الْإِسْنَادِ إلَى الثُّلُثِ فَهُوَ إلَى الرَّغِيفِ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُهُ كَمَا بَيَّنَهُ ذِكْرُ الْبَدَلِ فَمَعَ هَذَا الَّذِي هُوَ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى عَلَى فَاضِلٍ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ فِي بَدَلِ الْبَعْضِ مُجَازَانِ الْأَوَّلُ حَقِيقَةٌ. ثُمَّ رَأَيْتُ الرَّضِيَّ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَقَالَ وَالْفَائِدَةُ فِي بَدَلِ الْبَعْضِ وَالِاشْتِمَالِ الْبَيَانُ بَعْدَ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْسِيرُ بَعْدَ الْإِبْهَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّأْثِيرِ فِي النَّفْسِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ تَحَقَّقَ بِالثَّانِي بَعْدَ التَّجَوُّزِ وَالْمُسَامَحَةُ فِي الْأَوَّلِ تَقُولُ أَكَلْت الرَّغِيفَ ثُلُثَهُ فَتَقْصِدُ بِالرَّغِيفِ ثُلُثَ الرَّغِيفِ ثُمَّ تُبَيِّنُ ذَلِكَ بِقَوْلِك ثُلُثَهُ اهـ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَبِهِ يُعْلَمُ صِحَّةُ مَا قُلْنَاهُ دُونَ غَيْرِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَأَيْضًا صِحَّةُ قَوْلِهِ يُقَالُ حَلَقَ رَأْسَهُ وَرُبْعَهُ وَثَلَاثَ شَعَرَاتٍ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْإِضْمَارِ إلَخْ فَغَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى عِلَّتِهِ الَّتِي ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ إذْ لَوْ كَانَ كَذَا لَكَانَ التَّقْدِيرُ إلَخْ. وَهَذَا التَّلَازُمُ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا يُقَالُ حَلَقَ رَأْسَهُ وَرُبْعَهُ وَثَلَاثَ شَعَرَاتٍ مِنْهُ أَيْ أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ شَائِعٌ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثِ وَإِنْ كَانَ اثْنَانِ مِنْهَا يَحْتَاجَانِ إلَى إضْمَارٍ بِخِلَافِ الثَّالِثِ وَظَنَّ الْمُسْتَشْكِلُ أَنَّ الْإِضْمَارَ فِي الثَّالِثِ أَيْضًا فَأَفْسَدَهُ بِقَوْلِهِ وَشَعْرُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مِنْهُ وَمَا دَرَى أَنَّ الْإِضْمَارَ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ إلَّا إذَا عَلِقَ بِالْبَشَرَةِ الَّتِي هِيَ الرَّأْسُ أَوْ بِبَعْضِ الْبَشَرَةِ. وَأَمَّا إذَا عَلِقَ بِالشَّعْرِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى إضْمَارٍ كَمَا صَرَّحْنَا بِهِ فِيمَا سَبَقَ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَسُوغُ لِفَاضِلٍ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ صِحَّةَ قَوْلِنَا يُقَالُ حَلَقَ رَأْسَهُ وَرُبْعَهُ وَثَلَاثَ شَعَرَاتٍ مِنْهُ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ التَّقْدِيرَ حَلَقَ شَعْرَ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مِنْهُ هَذَا تَمْوِيهٌ عَظِيمٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ عَقِبَ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْمَجْمُوعِ لَيْسَ مِمَّا يَنْبَغِي بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ إلَخْ فَغَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا وَإِنْ سَلَّمَ لَهُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ لَا يُسَمَّى حَلْقًا أَيْ حَلْقَ الرَّأْسِ لِمَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ أَيْ لِخَفَاءِ الْأَوَّلِ وَظُهُورِ الثَّانِي عَلَى أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ هَذَا مُرَادُهُ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يُسَمَّى حَلْقًا بِدُونِ أَكْثَرِهِ مُنْدَفِعٌ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا نَفْيَ التَّسْمِيَةِ حَقِيقَةً فَهَذَا لَا يُسَمَّى حَلْقُ الرَّأْسِ بِدُونِ أَكْثَرِهِ وَلَا بِدُونِ أَقَلِّهِ فَقَوْلُهُمْ بِدُونِ أَكْثَرِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِإِيهَامِهِ أَنَّهُ يَسُمَّاهُ بِدُونِ أَقَلِّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَإِنْ أَرَادُوا نَفْيَ التَّسْمِيَةِ مَجَازًا فَبُطْلَانُهُ ظَاهِرٌ فَاتَّضَحَ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ لَا يَدْفَعُ كَلَامَ النَّوَوِيِّ وَأَنَّ هَذَا الْمُسْتَشْكِلَ لَوْ سُكِتَ عَنْهُ لَكَانَ أَوْلَى بِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ يَأْبَى عَنْهُ كُتُبُ الْمَالِكِيَّةِ إلَخْ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُعَبَّرَ بِقَوْلِهِ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَهُوَ الثِّقَةُ الْعَدْلُ الْأَمِينُ فِيمَا يَنْقُلُهُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ مَذْهَبِهِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنْ صَحَّ مَا ذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ نَفْسِهِمَا تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ أَجْمَعْنَا وَمَا بَعْدَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إجْمَاعُ الْأَكْثَرِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَإِجْمَاعُ الْأَكْثَرِ قَدْ يَكُونُ قَرِينَةً وَقَدْ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْخَصْمِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ لِمَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الْخَطَأَ إلَى الْقَلِيلِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْكَثِيرِ وَأُوضِحَ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْقَوْلَ عِنْدَهُمْ بِوُجُوبِ التَّعْمِيمِ لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ وَإِنَّمَا اسْتَنَدُوا فِي ذَلِكَ إلَى فِعْلِهِ ﷺ -

стр. 386

الْمُؤَيَّدِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَأَمَّا الْآيَةُ فَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى وُجُوبِ التَّعْمِيمِ إلَّا إنْ نَظَرُوا لِمَا أَبْدَاهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا مِنْ أَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ لَكِنْ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ عَدَمُ احْتِيَاجِ تَبْيِينِ الْقَرِينَةِ إلَخْ فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ وَهِيَ عَدَمُ دَلَالَتِهَا عَلَى إرَادَةِ الْكُلِّ وَالرُّبْعِ وَظُهُورُهَا فِي إرَادَةِ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ لِمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْ أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ فَهِيَ الْمُتَيَقَّنَةُ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَمْ يُوجِبْهُ فَأَيُّ قَرِينَةٍ يُطْلَبُ بَيَانُهَا مَعَ ذِكْرِنَا هَذَا هُنَا مُخْتَصَرًا وَفِيمَا مَرَّ مَبْسُوطًا وَقَوْلُهُ مِمَّا لَا يَحْصُلُ لَهُ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ هُوَ كَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ فَهْمِك لَهُ وَإِحَاطَتِك بِهِ وَرُبَّمَا أُشِيرَ إلَيْهِ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي الْآيَةِ أَنَّ قِسْمًا يَحْلِقُ وَقِسْمًا يُقَصِّرُ فَأَيُّ دَلِيلٍ فِي الْآيَةِ مِنْ حَيْثُ لَفْظِهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ الْحَلْقَ الْأَفْضَلَ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ بَعْدَ إرَادَتِهِ لَهُ وَعَزْمِهِ عَلَيْهِ إلَى التَّقْصِيرِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنَّ جَوَازَ التَّقْصِيرِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ بِالْحَلْقِ لِمَنْ أَرَادَهُ لِأَنَّهُ يَحْتَاطُ فِي الْفَاضِلِ مَا لَا يَحْتَاطُ فِي الْمَفْضُولِ وَلِأَنَّ الْحَلْقَ يُشْبِهُ الْعَزِيمَةَ وَالتَّقْصِيرَ يُشْبِهُ الرُّخْصَةَ وَقِيَاسُ تِلْكَ عَلَى هَذِهِ مَمْنُوعٌ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَجِدْ إيضَاحَ رَدِّ جَوَابِ الْبَعْضِ الَّذِي ذَكَرْته مُنْتَصِرًا لَهُ بِمَا لَا يَنْصُرُهُ وَقَوْلُهُ فَفِيهِ أَنَّ الْمَنْعَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى النَّاقِلِ يُقَالُ عَلَيْهِ بَلْ إذَا أَسْنَدَ حُكْمًا إلَى كُتُبِ قَوْمٍ وَلَيْسَ فِيهَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالسَّهْوِ أَوْ التَّسَاهُلِ فِي النَّقْلِ وَمَذْهَبُنَا لَمْ يَجْرِ فِيهِ قَوْلٌ بِأَنَّ الْبَابَيْنِ عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ وَقَوْلُهُ إذْ الْإِشْكَالُ بَاقٍ إلَخْ مَمْنُوعٌ لِأَنَّا وَإِنْ نَظَرْنَا إلَى الْآيَةِ لَا إشْكَالَ فِيهَا بِوَجْهٍ بَعْدَ مَا قَرَّرْنَاهُ بِدَلَائِلِهِ السَّابِقَةِ مِنْ أَنَّ فِيهَا إضْمَارًا وَأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ وَأَنَّ أَقَلَّهُ ثَلَاثٌ فَظَاهِرُهَا لَا يُنَافِي مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ وَإِنَّمَا يُنَافِي مَا ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ مِنْ التَّقْدِيرِ بِالرُّبْعِ فَإِشْكَالُكُمْ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْنَا بَلْ عَلَيْكُمْ لَكِنْ لَا مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا بَلْ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَهِيَ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالرُّبْعِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ لِأَنَّ الشَّعْرَ الْمُضْمَرَ يَشْمَلُ الثَّلَاثَ وَأَكْثَرَ فَقَصْرُهُ عَلَى الْأَكْثَرِ مِنْ الثَّلَاثِ وَقَصْرُ الْأَكْثَرِ مِنْهَا عَلَى الرُّبْعِ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ. وَالْقِيَاسُ عَلَى الْجِنَايَةِ فِي الْحَجِّ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالرُّبْعِ فِي الْأَصْلِ مُنَازَعٌ فِيهِ أَيْضًا إذْ لَمْ يَذْكُرُوا دَلِيلَهُ فِيمَا عَلِمْت فَكَيْفَ يَتَأَتَّى الْقِيَاسُ عَلَى أَصْلٍ مُنَازَعٍ فِيهِ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ الْمُعْتَرِضُ وَالْمُسْتَدِلُّ وَلَا ظَهَرَ دَلِيلُهُ وَقَوْلُهُ إنَّ تَجْوِيزَ النَّقْلِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي الْآيَةِ لَا مَعْنَى لَهُ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَغَفْلَةٍ عَنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ أَوْ عَنْ فَهْمِهِ عَلَى وَجْهِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا مِنْ تَعَارُضِ التَّخْصِيصِ وَالِاشْتِرَاكِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْ مَا وَطِئُوهُ لِأَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ فَيَحْرُمُ عَلَى الشَّخْصِ مَزْنِيَّةُ أَبِيهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْ مَا عَقَدُوا عَلَيْهِ فَلَا يَحْرُمُ قَالُوا وَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ الِاشْتِرَاكُ لِمَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ حَتَّى إنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ لِغَيْرِهِ كَمَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيَّ أَيْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ نَحْو حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَاشْتِرَاطُ الْوَطْءِ فِي هَذِهِ عُلِمَ مِنْ السُّنَّةِ وَيَلْزَمُ الثَّانِيَ التَّخْصِيصُ حَيْثُ قَالَ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا أَبُوهُ فَاسِدًا كَالصَّحِيحِ وَقِيلَ لَا فَانْظُرْ إلَى إلْزَامِ الْأَوَّلِ بِالِاشْتِرَاكِ مَعَ أَنَّهُ قَائِلُ أَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ لَكِنْ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْعَقْدِ صَارَ كَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ حَتَّى عِنْدَ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ فَأُلْزِمَ بِالِاشْتِرَاكِ لِذَلِكَ. وَمِنْ تَعَارُضِ الْإِضْمَارِ وَالِاشْتِرَاكِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَيْ أَهْلَهَا وَقِيلَ الْقَرْيَةُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَهْلِ كَالْأَبْنِيَةِ الْمُجْتَمِعَةِ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا وَمِنْ تَعَارُضِ الْمَجَازِ وَالنَّقْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أَيْ الْعِبَادَةَ الْمَخْصُوصَةَ فَقِيلَ هِيَ مَجَازٌ فِيهَا عَنْ الدُّعَاءِ بِخَيْرٍ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ وَقِيلَ نُقِلَ شَرْعًا إلَيْهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَجِدْهُ مُؤَيِّدًا لِمَا ذَكَرْته مِنْ احْتِمَالِ الِاشْتِرَاكِ وَالنَّقْلِ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي احْتِمَالِهِمَا تَحَقُّقُهُمَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ إذَا احْتَمَلَ لَفْظٌ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي بَعْضٍ أَنْ يَكُونَ فِي آخَرَ حَقِيقَةً وَمَجَازًا أَوْ حَقِيقَةً وَمَنْقُولًا فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ أَوْ الْمَنْقُولِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ الْمُؤَدِّي إلَى الِاشْتِرَاكِ فَالْأَوَّلُ كَالنِّكَاحِ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ وَقِيلَ الْعَكْسُ وَقِيلَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَهُوَ حَقِيقَةٌ

стр. 387

فِي أَحَدِهِمَا مُحَصِّلٌ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي الْآخَرِ. وَالثَّانِي كَالزَّكَاةِ حَقِيقَةٌ فِي النَّمَاءِ أَيْ الزِّيَادَةِ مُحْتَمَلٌ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَالِ لَأَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً أَيْضًا أَيْ لُغَوِيَّةً وَمَنْقُولًا شَرْعًا فَكَذَلِكَ نَقُولُ الرَّأْسُ حَقِيقَةٌ فِي الْبَشَرَةِ مُحْتَمَلٌ فِي الشَّعْرِ لَأَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً أَيْضًا أَيْ لُغَوِيَّةً أَوْ مَنْقُولًا شَرْعِيًّا فَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ مَا مَرَّ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقَرْيَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَبْنِيَةِ الْمُجْتَمِعَةِ يَظْهَرُ لَك مَا زَعَمَهُ هَذَا الْمُسْتَشْكِلُ سِيَّمَا قَوْلُهُ لِأَنَّ النَّقْلَ وَضْعٌ ثَانٍ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الرَّأْسُ مَوْضُوعٌ لِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مِنْهُ مِمَّا لَا قَائِلَ بِهِ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي زَعَمَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ مِنْ أَنَّ ادِّعَاءَ النَّقْلِ أَوْ الِاشْتِرَاكِ يَسْتَلْزِمُ تَحَقُّقَ وَضْعِهِمْ لِذَلِكَ الْمُحْتَمَلِ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي حَقِيقَةً أَوْ مَنْقُولًا وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا كَمَا عَلِمْته وَقَوْلُهُ هَذَا حَالُ أُصُولِ مُقَدِّمَاتِهِ وَفُرُوعِهَا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ يُقَالُ عَلَيْهِ قَدْ بَانَ أَنَّ كُلَّ مُقَدِّمَةٍ مِنْهَا وَأَنَّ الِاعْتِرَاضَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا مَبْنِيٌّ إمَّا عَلَى عَدَمِ الْإِحَاطَةِ بِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ أَوْ عَلَى الْوَهْمِ فِي فَهْمِهِ وَإِمَّا عَلَى مُجَرَّدِ الدَّعْوَى كَمَا بَانَ ذَلِكَ وَاتَّضَحَ. وَقَوْلُهُ فَالْحَقُّ وَالْإِنْصَافُ إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا زَعَمَهُ وَقَدْ بَانَ وَاتَّضَحَ بُطْلَانُ الْإِشْكَالِ وَالْجَوَابِ مَعًا فِيمَا سَبَقَ وَفِي هَذَا الثَّانِي أَيْضًا وَأَمَّا قَوْلُهُ وَجْهُ إرَادَةِ الْحَنَفِيَّةِ الرُّبْعُ إلَخْ فَيُقَالُ عَلَيْهِ لَمْ يَأْتِ فِيهِ بِطَائِلٍ يَنْفَعُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَالْمَسْحُ عَلَى النَّاصِيَةِ لَا يَشْهَدُ لَهُ سَوَاءٌ أَجُعِلَتْ عَلَى مُؤَكِّدَةً لِلِاسْتِيعَابِ أَوْ زَائِدَةً لِأَنَّ النَّاصِيَةَ لُغَةً وَشَرْعًا مَا بَيْنَ النَّزْعَتَيْنِ وَهُوَ دُونَ نِصْفِ الرُّبْعِ بِكَثِيرٍ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى الِاحْتِيَاطُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَقَوْلُهُ وَفِعْلُ الْمَسْحِ إذَا عَلِقَ بِالْمَحَلِّ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ لَا مُنَازَعَةَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا الْمُنَازَعَةُ فِي أَنَّ اسْتِيعَابَ النَّاصِيَةِ يَقْتَضِي التَّحْدِيدَ بِالرُّبْعِ وَهِيَ دُونَ نِصْفِهِ بِكَثِيرٍ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِكَلَامِ الْحُكَمَاءِ فَغَيْرُ نَافِعٍ لَهُ بَلْ هُوَ اخْتِرَاعُ طَرِيقَةٍ لَمْ تُؤْلَفْ قَبْلَهُ وَالْحَامِلُ عَلَيْهِ حُبُّ التَّكَثُّرِ وَالتَّشَيُّعِ وَقَدْ قَالَ ﷺ «الْمُتَشَيِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» وَعَجِيبٌ ظَنُّهُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِكَلَامِ الْحُكَمَاءِ يَنْفَعُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ وَغَفْلَتُهُ عَنْ أَنَّهُمْ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِمْ سِيَّمَا فِي الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةِ وَلَوْ تُرِكَ ذِكْرُ مَا قَالُوهُ لَكَانَ أَوْلَى بِهَذَا وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ فَلِلَّهِ تَعَالَى أَتَمُّ الْحَمْدِ وَأَكْمَلُهُ عَلَى أَنْ أَبْقَى فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْمُؤْذِنَةِ حَوَادِثُهَا بِتَغَيُّرِ الْعَالَمِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْدِيَةٍ لِلْفَضْلِ لَمْ تَزَلْ بِالْعُلَمَاءِ عَامِرَةٌ وَرِيَاضُ التَّحْقِيقِ يَانِعَةٌ أَشْجَارُهَا مُثْمِرَةٌ أَجِلَّاءٌ يَتَحَادَثُونَ أَزِمَّةَ الْأَدِلَّةِ وَيَتَجَاوَزُونَ فِي الْبَحْثِ الْأَقْيِسَةِ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ مَعَ إبْدَاءِ كُلِّ مَا عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ كَدَرٍ بَيْنَهُمْ وَإِنْ سَلَّ كُلٌّ مِنْهُمْ حَدَّهُ لِمَا أَنَّهَا سُيُوفٌ لَا تُسَلّ إلَّا فِي الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا بِحَسَبِ مَا رَأَى كُلٌّ مِنْهُمْ وَاسْتَظْهَرَ وَهِيَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مُؤْتَلِفَةٌ جَحَدَ ذَلِكَ مَنْ جَحَدَهُ وَعَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ أَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ الْجَوَادَ أَنْ يَمْنَحَنَا رِضَاهُ فِي دَارَيْ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (سُئِلَ) عَمَّنْ مَاتَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْحَجِّ عَلَيْهِ فَحَجَّ عَنْهُ آخَرُ مُتَطَوِّعًا وَلَمْ يَنْوِ بِحَجِّهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بَلْ نَوَى بِهِ التَّنَفُّلَ عَنْ الْمَيِّتِ ظَنًّا مِنْهُ جَوَازَ ذَلِكَ فَهَلْ يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَيِّتِ؟ (فَأَجَابَ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِوُقُوعِ الْحَجِّ لِلْمُبَاشِرِ دُونَ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالُ بِوُقُوعِهِ لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ نِيَّةَ النَّفْلِ عَنْهُ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يُوصِهِ بِهِ بَاطِلَةٌ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا وَيَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ نِيَّتِهِ عَنْ الْغَيْرِ وُقُوعُ الْحَجِّ لِنَفْسِهِ فَإِنْ قُلْت الْقِيَاسُ وُقُوعُهُ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ كَمَا أَنَّ مَنْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ النَّفَلَ وَعَلَيْهِ فَرْضٌ تَبْطُلُ نِيَّتُهُ وَيَقَعُ حَجُّهُ عَنْ الْفَرْضِ قُلْت هَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا وَلَهُ وَجْهٌ إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ مُمْكِنٌ بَلْ ظَاهِرٌ فَإِنَّ بُطْلَانَ النِّيَّةِ حَيْثُ وُجِدَ وَالْإِنْسَانُ حَاجٌّ عَنْ نَفْسِهِ لَا يُمْكِنُ صَرْفُ الْحَجِّ حِينَئِذٍ لِغَيْرِهِ فَإِنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ الْغَيْرَ وَكَانَ الْقِيَاسُ مَعَ بُطْلَانِ النِّيَّةِ أَنْ لَا يَقَعَ الْحَجُّ عَنْ أَحَدٍ كَمَا فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَجِّ فَرْقٌ وَاضِحٌ هُوَ مَا فِيهِ مِنْ شِدَّةِ التَّعَلُّقِ وَاللُّزُومِ جَعَلُوهُ وَاقِعًا عَمَّا فِي الذِّمَّةِ مُسَارَعَةً لِبَرَاءَتِهَا فَلَمْ يَكُنْ فَسَادُ النِّيَّةِ مُوجِبًا لِإِلْغَائِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنَّمَا كَانَ مُلْغِيًا لِخُصُوصِ النَّفْلِ فَحَسْبُ. وَيَلْزَمُ مِنْ إلْغَاءِ ذَلِكَ وَحْدَهُ الْوُقُوعُ عَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الذِّمَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ وَأَمَّا الْحَجُّ عَنْ الْغَيْرِ فَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَإِذَا فَسَدَتْ

стр. 388

النِّيَّةُ فِيهِ لَزِمَ وُقُوعُهُ لِلْأَصْلِ وَهُوَ الْوُقُوعُ عَنْ الْمُبَاشِرِ دُونَ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْمُتَعَرِّضَةَ لَهُ قَدْ فَسَدَتْ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ لَهُ شَيْءٌ بِدُونِ نِيَّةٍ وَشَاهِدُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَجِيرَ لِلْحَجِّ مَثَلًا لَوْ نَوَاهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَعَ الْعُمْرَةِ لِنَفْسِهِ انْصَرَفَا جَمِيعًا لِلْأَجِيرِ وَلَمْ يَقَعْ لِلْمُسْتَأْجِرِ مِنْهُمَا شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمَّا ضَمَّ الْحَجَّ لِلْعُمْرَةِ صَارَ نَاوِيًا مَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ لَهُ وَحَيْثُ نَوَى مَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ لَهُ انْقَلَبَ لِلْأَجِيرِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ نَوَى أَجِيرٌ الْحَجَّ قِرَانًا فَقَطْ لِلْمُسْتَأْجِرِ الَّذِي لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ وَلِنَفْسِهِ أَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لِمُسْتَأْجِرِهِ وَلِنَفْسِهِ فَيَقَعُ لِنَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَا يَقَعُ لِلْمُسْتَأْجِرِ شَيْءٌ لِأَنَّ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ لَهُ وَالنُّسُكَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ فَلَزِمَ الْوُقُوعُ لِلْأَجِيرِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ كَمَا تَقَرَّرَ فَإِنْ قُلْت يُنَافِي مَا ذَكَرْته فِي صُورَةِ السُّؤَالِ قَوْلُهُمْ لَوْ اسْتَأْجَرَ مَعْضُوبٌ لِنَذْرِهِ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَنَوَى الْأَجِيرُ النَّذْرَ وَقَعَ لِفَرْضِ الْإِسْلَامِ قُلْت أَجِيرُ الْمَعْضُوبِ نَائِبٌ عَنْهُ فَنَزَلَ مَنْزِلَتَهُ وَأَمَّا الْمُبَاشِرُ فِي صُورَةِ السُّؤْلِ فَلَيْسَ نَائِبًا عَنْ الْمَيِّتِ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَطَوِّعٌ عَنْهُ وَقَدْ نَوَى مَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ لَهُ هُنَا بِوَجْهٍ فَإِنْ حَجَّ النَّفَلَ عَنْ الْمَيِّتِ الَّذِي عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا وَكَذَا لَا يَصِحُّ عَمَّنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ إلَّا إنْ أَوْصَى بِهِ فَلَمَّا تَعَذَّرَ وُقُوعُ الْمَنْوِيِّ هُنَا عَنْ الْمَيِّتِ لَزِمَ وُقُوعُهُ لِلْمُتَطَوِّعِ وَلَمَّا لَمْ يَتَعَذَّرْ وُقُوعُ النَّذْرِ عَنْ الْمَعْضُوبِ مَعَ كَوْنِ الْحَاجِّ نَائِبُهُ وَقَعَ عَمَّا عَلَى الْمَعْضُوبِ وَهُوَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَأَيْضًا فَالنَّذْرُ مِنْ جِنْسِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ مَانِعَةً لِوُقُوعِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَأْجَرَهُ لِلنَّذْرِ كَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِلْوَاجِبِ الَّذِي عَلَيْهِ الصَّادِقِ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالنُّذُورُ وَحَجَّةُ الْإِسْلَامِ مُقَدَّمَةٌ فَلَغَتْ نِيَّةَ النَّذْرِ وَوَقَعَ مَا أَتَى بِهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَحَجَّةُ التَّطَوُّعِ فَمُتَبَايِنَتَانِ فَإِذَا نَوَى النَّفَلَ بَطَلَ وَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُخَلِّفَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لِتَعَذُّرِ وُقُوعِهِ لِلْمَيِّتِ فَوَقَعَ لِلْمُبَاشَرِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْحَجَّ شَدِيدُ التَّشَبُّثِ وَاللُّزُومِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَفْسُدْ بِفَسَادِ نِيَّتِهِ مَعَ تَطَلُّعِ الشَّارِعِ إلَى إسْقَاطِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ الْغَيْرِ مَا أَمْكَنَ فَمِنْ ثَمَّ لَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ خُصُوصِ نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ بُطْلَانَ عُمُومِ النِّيَّةِ عَنْ الْغَيْرِ فَلَزِمَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ الْوُقُوعُ عَنْ الْغَيْرِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إلَى ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ أَبَاحَ التَّبَرُّعَ بِهِ مَعَ انْتِفَاءِ الْإِذْنِ وَالْقَرَابَةِ إلْحَاقًا لَهُ بِالدُّيُونِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ فِي أَنَّ الْخَطَأَ فِي طَرِيقِ أَدَاءِ الدُّيُونِ لَا يَمْنَعُ إبْرَاءَهَا لِذِمَّةِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ فَكَذَلِكَ الْخَطَأُ هُنَا. وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِيمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِحَجٍّ فَقَرَنَ وَنَحْوِهِ بِأَنَّ الْمُلْغَى هُنَا نِيَّةُ النُّسُكِ فَقَطْ دُونَ ذَاتِهِ وَهُنَاكَ جُزْؤُهُ لِأَنَّا إذَا أَوْقَعْنَاهُ عَنْ الْغَيْرِ يَلْزَمنَا إمَّا إبْطَالُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ الَّتِي ضَمَّهَا إلَى الْحَجِّ مِنْ أَصْلِهَا وَهَذَا مُتَعَذَّرٌ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالنُّسُكِ فِي الْوَقْتِ الْقَابِلِ لَهُ لَا يَقْبَلُ الْإِلْغَاءَ وَأَمَّا وُقُوعُهَا لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ تَبَرُّعًا مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ أَيْضًا فَلَزِمَ وُقُوعُهُمَا لِلْمُبَاشِرِ وَأُلْغِيَ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ حِينَئِذٍ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِمَّا قَرَّرَتْهُ وَأَمَّا هُنَا فَلَا يَلْزَمُ عَلَى إلْغَاءِ خُصُوصِ النَّفْلِيَّةِ وَصِحَّةُ عُمُومِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ إلَّا إبْطَالُ صِفَةٍ لِلنُّسُكِ دُونَ أَصْلِهِ وَهَذَا لَا مَحْذُورَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَكَّلَ فَقِيهًا بِإِجَارَةِ النُّسُكَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ بَاشَرَهُمَا هَلْ يَكْفِي عِلْمُهُ لَهُمَا بِالْمُطَالَعَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَكَيْفَ الْحِيلَةُ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْوَكِيلِ مَعَ عَدَمِ كَوْنِهِ طَرِيقًا لِلْمُطَالَبَةِ بِالْأُجْرَةِ وَإِذَا قُرِئَ عَلَى الْمُوَكَّلِ أَعْمَالُ النُّسُكَيْنِ أَعْنِي الْوَاجِبَاتِ وَشَيْئًا مِنْ السُّنَنِ لِيَعْقِدَ لِنَفْسِهِ فَعَقَدَ مَا الْحُكْمُ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الْبَحْثُ عَمَّنْ مَاتَ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ وَلَمْ يَحُجَّ عَنْهُ وَإِلْزَامُ وَرَثَتِهِ بِالْإِحْجَاجِ عَنْهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَوْ كَانَ وَهُوَ غَائِبٌ هَلْ الْقَاضِي يَتَوَلَّى ذَلِكَ وَهَلْ يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ تَقْلِيلِ الْأُجْرَةِ مَا أَمْكَنَ وَإِذَا بَادَرَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ فَأَجَّرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ أَوْ كَانَ حَائِزًا وَلَمْ يُرَاجِعْ الْقَاضِي مَا حُكْمُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الشَّرْطُ عِلْمُ الْمُبَاشِرِ لِعَقْدِ الْإِجَارَةِ بِأَعْمَالِهَا فَيَكْفِي عِلْمُ الْوَكِيلِ بِذَلِكَ وَإِنْ جَهِلَهُ الْمُوَكَّلُ وَطَرِيقُ خَلَاصِ الْوَكِيلِ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِالْأُجْرَةِ أَنْ يَعْقِدَ بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي يَدِ مُوَكِّلِهِ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ إذَا بَانَتْ مُسْتَحِقَّةٌ لَا يَكُونُ الْوَكِيلُ طَرِيقًا فِي ضَمَانِهَا وَإِذَا بَيَّنَ لِلْمُوَكَّلِ أَعْمَالَ النُّسُكِ وَاجِبَاتِهِ وَمَسْنُونَاتِهِ وَتَصَوَّرَهَا ثُمَّ عَقَدَ وَهُوَ مُتَصَوِّرٌ لَهَا جَازَ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي بَحْثٌ عَمَّا ذُكِرَ وَلَا إلْزَامٌ بِهِ فَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا لَوْ امْتَنَعَ

стр. 389

الْمَعْضُوبُ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ أَوْ الْإِذْنِ لِلْمُطِيعِ لَمْ يَقُمْ الْقَاضِي مَقَامَهُ فِي الْإِذْنِ وَلَا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَإِنْ وَجَبَ الِاسْتِئْجَارُ وَالِاسْتِنَابَةُ فَوْرًا وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ عُضِبَ مُطْلَقًا فِي الِاسْتِنَابَةِ وَبَعْدَ يَسَارِهِ فِي الِاسْتِئْجَارِ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ. وَذَلِكَ لِأَنَّ مَبْنَى الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي وَلِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْغَيْرِ فِيهِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ يَلْزَمُهُ بِالْإِنَابَةِ فَنَظَرَ فِيهِ بَلْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ إنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِهِ وَالْمُدْرَكُ فِي الِاسْتِنَابَةِ وَالِاسْتِئْجَارُ وَاحِدٌ اهـ نَعَمْ قَدْ يُجَابُ عَنْ الْمَجْمُوعِ بِأَنَّ مَعْنَى لُزُومِهِ بِهَا أَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِهَا مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ لَا مِنْ بَابِ إلْزَامِهِ بِذَلِكَ وَالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِهِ حَتَّى يُبَاعَ فِيهِ مَالُهُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْبَيَانِ فَإِنْ اسْتَأْذَنَ الْمُطِيعُ الْمُطَاعَ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ وَانْدَفَعَ أَيْضًا بِمَا قَرَّرْته قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَا يَظْهَرُ فَرْقِ بَيْنَ إلْزَامِهِ وَأَمْرِهِ وَوَجْهُ انْدِفَاعِهِ أَنَّ إلْزَامَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا فِيهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَجَّ لَا حَقَّ فِيهِ لِلْغَيْرِ فَلَمْ يَتَأَتَّ إلْزَامُهُ بِهِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ فِيهَا حَقْلٌ لِلْغَيْرِ فَتَأَتَّى إلْزَامُهُ بِهَا. وَأَمَّا أَمْرُهُ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْأَمْرُ بِهِ مِنْ الْحَاكِمِ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا فِيهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ فَكَانَ الْحَجُّ قَابِلًا لِأَمْرِهِ لَا لِإِلْزَامِهِ فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَلِلْقَاضِي أَنْ يَتَوَلَّى الْإِحْجَاجَ عَنْ مَيِّتٍ بِلَا وَارِثٍ بَلْ عَلَيْهِ ذَلِكَ إنْ خَلَّفَ تَرِكَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَعَنْ مَيِّتٍ عَنْ وَارِثٍ غَائِبٍ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَقَلَّ وَلِلْوَارِثِ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ التَّرِكَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي. (وَسُئِلَ) فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّا لَوْ وَجَبَ عَلَى رَجُلٍ الْحَجُّ فَهَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ ثُمَّ أَنَّ وَارِثَهُ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَكَانَتْ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْأَجِيرُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَوْ الْمُسَمَّى فَإِنْ قُلْتُمْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَهَلْ تَكُونُ مِنْ تَرِكَةِ الْهَالِكِ أَوْ تَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ لِمَا أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ إجَارَةً فَاسِدَةً؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَمْ أَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَقْلًا وَإِنَّمَا رَأَيْت لِلْقَمُولِيِّ وَالْأَذْرَعِيِّ كَلَامًا يُؤَيِّدُ مَا سَأَذْكُرُهُ وَكَذَلِكَ كَلَامُهُمْ فِي وَكِيلِ الْمَرْأَةِ فِي الْخُلْعِ إذَا خَالَفَ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا وَالْجَامِعِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْمُسْتَأْجَرِ هُنَا وَالْوَكِيلِ ثَمَّ إيقَاعُ الْعَقْدِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ لِجَوَازِ اسْتِبْدَادِ الْأَجْنَبِيِّ بِالْخُلْعِ وَالْحَجِّ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ عَنْ الْغَيْرِ. وَحَاصِلُ مَا يُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَجِيرَ إنْ ظَنَّ فَسَادَ الْإِجَارَةِ وَأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا أُجْرَةَ لَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُتَبَرِّعٌ عَنْ الْمَيِّتِ إذْ لَمْ يَدْخُلْ طَامِعًا فِي شَيْءٍ وَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ فَإِنْ ظَنَّ الْوَارِثُ الْفَسَادَ لَزِمَتْهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ مَعَ ظَنِّ الْفَسَادِ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُسْتَأْجَرًا مِنْ التَّرِكَةِ فَتَجِبُ الْأُجْرَةُ فِي مَالِهِ لَا مِنْ التَّرِكَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دُيُونٌ أَخَذَتْ التَّرِكَةُ جَمِيعَهَا فِيهَا وَإِنْ جُهِلَ الْفَسَادُ وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ مِنْ التَّرِكَةِ مَا لَمْ يَسْتَأْجِرْ مِنْ مَالِهِ أَوْ يُطْلِقْ بِأَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِمَالِهِ وَلَا لِلتَّرِكَةِ لِعُذْرِهِ حِينَئِذٍ فَلَا يُنَاسِبُهُ التَّغْرِيمُ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ أَوْ أَطْلَقَ لِأَنَّ فَسَادَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي إضَافَةَ آثَارِهِ إلَى مُبَاشِرِهِ إلَّا لِمَانِعٍ هَذَا مَا يَظْهَرُ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ عَنْ شَخْصٍ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِمِائَةٍ مَثَلًا وَجَعَلَ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَجَاعَلَ الْوَصِيُّ شَخْصًا مُعَيَّنًا أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَحُجَّ عَنْ ذَلِكَ الْمَيِّتِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ ثُمَّ أَذِنَ لِآخَرَ أَوْ جَاعِله كَذَلِكَ فَهَلْ يَنْزِلُ الْإِذْنُ لِلثَّانِي أَوْ الْمُجَاعَلَةُ لَهُ مَنْزِلَةَ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِذْنِ لِلْأَوَّلِ عَلِمَ الْأَوَّلُ أَوْ جَهِلَ فَلَوْ جَهِلَ وَعَمِلَ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ الْبُلْقِينِيُّ أَوْ لَا يَسْتَحِقُّ فِي صُورَةِ الْجَهْلِ شَيْئًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَعَلَيْهِ جَرَى فِي الْعُبَابِ كَالرَّوْضِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا جَاعَلَ الْوَصِيُّ آخَرَ لِيَحُجَّ عَنْ الْمُوصِي بِمَا عَيَّنَهُ جَعَالَةً صَحِيحَةً فَعِنْدِي تَرَدُّدٌ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ فَسْخُ تِلْكَ الْجَعَالَةِ لِإِطْلَاقِهِمْ جَوَازَهَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ لَا يَجُوزُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَأَقَرُّوهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ الْوَرَثَةُ مَنْ يَحُجُّ عَنْ مُورِثِهِمْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ الْوَاجِبَةِ وَلَمْ يَكُنْ أَوْصَى بِهَا ثُمَّ تَقَايَلُوا مَعَ الْأَجِيرِ لَمْ تَصِحَّ الْإِقَالَةُ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ لِمُوَرِّثِهِمْ اهـ أَيْ فَالْحَقُّ فِيهِ عِنْدَ الْإِقَالَةِ لِمُورِثِهِمْ لَا لَهُمْ وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ أَوْصَى بِهَا لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ لِيُفْهَمَ خِلَافُهُ بِالْأَوْلَى فَتَأَمَّلْهُ وَلَعَلَّ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي مَسْأَلَتِنَا أَقْرَبُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ. هَذَا فَإِنْ رَضَا الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْإِجَارَةِ بِالْإِقَالَةِ

стр. 390

يَصِيرُهَا جَائِزَةً كَالْجَعَالَةِ فَإِذَا امْتَنَعَتْ الْإِقَالَةُ فِي مَسْأَلَةِ ابْن الصَّلَاحِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْعَقْدَ لِلْمُورِثِ لَا لِلْوَرَثَةِ وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ خَلِيفَةَ الْمُورِثِ فَكَذَا يَنْبَغِي مَنْعُ الْفَسْخِ فِي مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّ الْعَقْدَ لِلْمُوصِي لَا لِلْوَصِيِّ وَأَيْضًا فَالْوَصِيُّ بِمُجَاعَلَةِ غَيْرِهِ جَعَالَةً صَحِيحَةً قَدْ فَعَلَ مَا فُوِّضَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ بِلَا مُوجِبٍ هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّجِهُ لِي الْآنَ فَعَلَيْهِ إذْنُهُ أَوْ مُجَاعَلَتُهُ لِلثَّانِي فَاسِدٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَيَقَعُ حَجُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَقَوْلُهُ لِلثَّانِي مَا ذُكِرَ غَيْرُ فَسْخٍ لِلْأَوَّلِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ قَالَ لِوَاحِدِ رُدَّ عَبْدِي وَلَك كَذَا ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ لِثَانٍ ثُمَّ لِثَالِثٍ فَرَدُّوهُ وَقَصَدَ كُلٌّ نَفْسَهُ فَلِكُلٍّ مِنْهُمْ ثُلُثُ مَا شُرِطَ لَهُ سَوَاءٌ اتَّفَقَ مَا سَمَّاهُ لِكُلٍّ أَمْ لَا. فَهَذَا صَرِيحٌ فِي بَقَاءِ الْأَوَّلِ عَلَى صِحَّتِهِ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ لِلثَّانِي ذَلِكَ وَفِي صِحَّةِ الثَّانِي أَيْضًا مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ لِلثَّالِثِ ذَلِكَ فَيَكُونُ صَرِيحًا فِي مَسْأَلَتِنَا أَنَّ قَوْلَهُ لِلثَّانِي جَاعَلْتُكَ أَوْ حُجَّ عَنْ فُلَانٍ بِكَذَا غَيْرُ فَسْخٍ لِلْأَوَّلِ وَيَلْزَمُ مَعَ بَقَاءِ الْأَوَّلِ عَلَى صِحَّتِهِ بُطْلَانُ الثَّانِي لِأَنَّ الْوَصِيَّ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ إلَّا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَأَيْضًا فَتَوْزِيعُ الْعَمَلِ هُنَا غَيْرُ مُمْكِنٍ بِخِلَافِهِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَلَامِهِمْ فِي الْجَعَالَةِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْجُعْلِ هُوَ الْأَوَّلُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ وَأَنَّ الثَّانِي لَا شَيْءَ لَهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ وَإِذَا تَنَزَّلْنَا وَفَرَضْنَا أَنَّ الْوَصِيَّ صَرَّحَ بِفَسْخِ الْأَوَّلِ وَقُلْنَا بِجَوَازِ الْفَسْخِ لَهُ وَنُفُوذِهِ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ أَنَّ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ إذَا جَهِلَ عَلَيْهِ الْمُسَمَّى مِنْ مَالِهِ لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِتَوْرِيطِهِ لَهُ فِي الْعَمَلِ مَعَ عَدَمِ إعْلَامِهِ لَهُ بِالْفَسْخِ وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ لِلْعَامِلِ فَالثَّوَابُ لَهُ لِأَنَّ تَقْصِيرَ الْوَصِيِّ أَلْغَى النَّظَرَ إلَى ذَلِكَ كَمَا فِي نَظَائِرَ لِذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ أَحَاطَ بِأَطْرَافِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ نَوَى بِطَوَافِهِ النَّفَلَ مُلَازَمَةَ غَرِيمٍ لَهُ هَلْ لَهُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ فِي طَوَافِ الْفَرْضِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ إذَا صَرَفَ طَوَافَهُ النَّفَلَ أَوْ الْفَرْضَ إلَى مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ أَوْ نَحْوِهِ بَطَلَ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ فَقْدُ الصَّارِفِ نَعَمْ إنْ كَانَ ذَاكِرًا لِنِيَّةِ الطَّوَافِ وَلَمْ يَقْصِدْ صَرْفَهُ بَلْ شَرَّكَ مَعَ النِّيَّةِ غَيْرَهَا لَمْ يُؤَثِّرْ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ هَلْ يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُ الْحَجِّ فَاسِدًا فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا ثُمَّ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا عَلَى الْمَذْهَبِ. (وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا صُورَتُهُ قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ لَوْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ قَرَنَ لَزِمَهُ دَمَانِ وَخَالَفَهُ السُّبْكِيّ فَمَا الْمُعْتَمَدُ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ كَرَّرَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ تَكَرَّرَ الدَّمُ فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ مَعَ بَسْطِ مَا فِيهِ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَأَمَّا مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ فَمَبْنِيٌّ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ وَبَيَّنْته فِي حَاشِيَتِي عَلَى إيضَاحِ النَّوَوِيِّ وَبَيَّنْت فِيهَا أَيْضًا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ تَكَرُّرِ الدَّمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِمَا حَاصِلُهُ مَعَ إيضَاحِ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْقَارِنِ كَوْنُهُ رَبِحَ مِيقَاتًا إذْ لَوْ أَحْرَمَ بِكُلِّ نُسُكٍ عَلَى حِدَتِهِ لَاحْتَاجَ إلَى الْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتِهِ وَهُوَ مِيقَاتُ بَلَدِهِ وَالْخُرُوجِ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ أَوْ الْعِلَّةِ تَرَفُّهُهُ بِكَوْنِ الْعَمَلَيْنِ صَارَا عَمَلًا وَاحِدًا وَالْعِلَّةُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ كَوْنُهُ رَبِحَ مِيقَاتًا أَيْضًا أَوْ تَرَفَّهَ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فِيمَا بَيْنَ النُّسُكَيْنِ وَكُلٌّ مِنْ الْعِلَّتَيْنِ مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَةِ الْبَغَوِيِّ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ صَارَ مُتَمَتِّعًا الْآنَ فَلَزِمَهُ الدَّمُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ. وَحِينَ أَحْرَمَ بِالنُّسُكَيْنِ مَعًا لَزِمَهُ دَمٌ آخَرُ لِأَنَّهُ رَبِحَ مِيقَاتَ الْعُمْرَةِ الَّتِي قَرَنَهَا بِالْحَجِّ وَتَرَفَّهَ بِانْدِرَاجِ عَمَلِهَا فِي عَمَلِ الْحَجِّ فَوَجَبَ الدَّمَانِ وَلَمْ يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَر لِاخْتِلَافِ الْمُوجِبِ كَمَا عَرَفْته مِمَّا تَقَرَّرَ وَأَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ لَمَّا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ لَزِمَهُ الدَّمُ أَيْ دَخَلَ سَبَبُ لُزُومِهِ إذْ لَا يُتِمُّ لُزُومُهُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَعِلَّةُ لُزُومِهِ مَا مَرَّ مِنْ كَوْنِهِ رَبِحَ مِيقَاتَ الْحَجِّ أَوْ تَرَفَّهَ بِالْمُحَرَّمَاتِ فِيمَا بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَعُمْرَتِهِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَهَكَذَا لَمْ تَكُنْ سَبَبًا فِي رِبْحِ مِيقَاتِ الْحَجِّ وَلَا فِي تَرَفُّهِهِ فَأَيُّ مُوجِبٍ لِلدَّمِ فِيهَا وَمَا أَظُنُّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ بِالتَّكَرُّرِ إلَّا وَهِمَ كَمَا تَبَيَّنَ لَك مِمَّا قَرَّرْته. (وَسُئِلَ) فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ الْجَاعِلِ وَالْمَجْعُولِ لَهُ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْحَجِّ فَمَنْ الْمُصَدَّقُ مِنْهُمَا
следующие страницы →