← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مَعَهُ تَعَهُّدَهُ وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْتُهُ أَنَّ الْمَدَارَ فِي النِّسْيَانِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْإِزَالَةِ عَنْ الْقُوَّةِ الْحَافِظَةِ بِحَيْثُ صَارَ لَا يَحْفَظُهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ كَالصِّفَةِ الَّتِي كَانَ يَحْفَظُهُ عَلَيْهَا قَبْلُ. وَنِسْيَانُ الْكِتَابَةِ لَا شَيْءَ فِيهِ وَلَوْ نَسِيَهُ عَنْ الْحِفْظِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ وَلَكِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْرَأَهُ فِي الْمُصْحَفِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ عَنْهُ إثْمُ النِّسْيَانِ لِأَنَّا مُتَعَبَّدُونَ بِحِفْظِهِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ حِفْظَهُ كَذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْأُمَّةِ، وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ كَانُوا لَا يَكْتُبُونَ وَإِنَّمَا يَحْفَظُونَهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْحَدِيثِ الثَّانِي بِأَنَّ نِسْيَانَ مِثْلِ الْآيَةِ أَوْ الْآيَتَيْنِ لَا عَنْ قَصْدٍ لَا يَخْلُو مِنْهُ إلَّا النَّادِرُ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نِسْيَانٌ يُنْسَبُ فِيهِ إلَى تَقْصِيرٍ، وَهَذَا غَفْلَةٌ عَمَّا قَرَّرْتُهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ النِّسْيَانِ وَالْإِسْقَاطِ، فَالنِّسْيَانُ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْته حَرَامٌ بَلْ كَبِيرَةٌ وَلَوْ لِآيَةٍ مِنْهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، بَلْ وَلَوْ لِحَرْفٍ كَمَا جَزَمْت بِهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ مَتَى وَصَلَ بِهِ النِّسْيَانُ وَلَوْ لِلْحَرْفِ إلَى أَنْ صَارَ يَحْتَاجُ فِي تَذَكُّرِهِ إلَى عَمَلٍ وَتَكْرِيرٍ فَهُوَ مُقَصِّرٌ آثِمٌ، وَمَتَى لَمْ يَصِلْ إلَى ذَلِكَ بَلْ يَتَذَكَّرُهُ بِأَدْنَى تَذْكِيرٍ فَلَيْسَ بِمُقَصِّرٍ وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَلَّ مَنْ يَخْلُو عَنْهُ مِنْ حُفَّاظِ الْقُرْآنِ؛ فَسُومِحَ بِهِ وَمَا قَدَّمْته مِنْ حُرْمَةِ النِّسْيَانِ وَإِنْ أَمْكَنَ مَعَهُ الْقِرَاءَةُ مِنْ الْمُصْحَفِ نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ مُحَقِّقِي الْعُلَمَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ يَجُوزُ كِتَابَةُ قُرْآنٍ أَوْ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حِرْزٍ لِكَافِرٍ يَعْتَقِدُ بِهِ حُصُولَ الْخَيْرِ لَهُ؟ وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا يُكْتَبُ تَكْسِيرًا حَرْفِيًّا أَوْ عَدَدِيًّا أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ بِالِاتِّفَاقِ السَّفَرُ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْكُفْرِ سَوَاءٌ كَانَ أَهْلُهَا ذِمِّيِّينَ أَمْ حَرْبِيِّينَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ. (وَمَحَلُّهُ إذَا خِيفَ وُقُوعُهُ بِأَيْدِيهِمْ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِهِ لِلِامْتِهَانِ) وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إنْ أُمِنَ ذَلِكَ كَدُخُولِهِ فِي الْجَيْشِ الظَّاهِرِ عَلَيْهِمْ فَلَا مَنْعَ وَلَا كَرَاهَةَ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِالنَّهْيِ مُطْلَقًا لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَخَشْيَةً مِنْ أَنْ تَنَالَهُ الْأَيْدِي قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ اهـ. قَالَ أَئِمَّتُنَا: وَلَا يَحْرُمُ بِالِاتِّفَاقِ كِتَابَةُ نَحْوِ آيَتَيْنِ ضِمْنَ مُكَاتَبَتِهِمْ لِأَنَّهُ ﷺ كَتَبَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ إلَى هِرَقْلَ؛ وَلِأَنَّهُ لَا امْتِهَانَ فِيهِ اهـ. إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَكِتَابَةُ مَحْضِ الْقُرْآنِ حِرْزًا لِكَافِرٍ مَمْنُوعَةٌ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ لَنَا أَنَّهُ لَا يَمْتَهِنُهُ فَإِذَا اخْتَلَى بِهِ امْتَهَنَهُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ الْأَسْمَاءُ الْمُعَظَّمَةُ، فَإِنْ قُلْت يَجُوزُ إسْمَاعُهُ الْقُرْآنَ وَتَعْلِيمُهُ شَيْئًا مِنْهُ إنْ رُجِيَ إسْلَامُهُ فَهَلْ فَصَّلْت كَذَلِكَ فِي كِتَابَةِ بَعْضِ الْقُرْآنِ حِرْزًا لَهُ قُلْت: مُجَرَّدُ الْإِسْمَاعِ أَوْ التَّعْلِيمِ لَا يَقْبَلُ امْتِهَانًا بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ أَمَّا لَوْ كَتَبَ آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ ضِمْنَ حِرْزٍ، فَقِيَاسُ مَا تَقَرَّرَ جَوَازُهُ؛ لِأَنَّ وُقُوعَهُ ضِمْنَ غَيْرِهِ صَيَّرَهُ تَابِعًا غَيْرَ مُعَرَّضٍ بِذَاتِهِ لِلِامْتِهَانِ، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ الْجَوَازِ هُنَا أَيْضًا لِأَنَّ كِتَابَةَ نَحْوِ الْآيَةِ فِي ضِمْنِ مُكَاتَبَاتِهِمْ يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي وَعْظِهِمْ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا كِتَابَةُ الرُّقَى لَهُمْ فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَيْهَا فَحُرِّمَتْ مُطْلَقًا، ثُمَّ إذَا قُلْنَا بِحُرْمَةِ الْكِتَابَةِ إلَيْهِمْ فَمَحَلُّهَا فِي كِتَابَةٍ لِلَفْظِ الْقُرْآنِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُكَسَّرَةً تَكَسُّرًا حَرْفِيًّا، أَوْ غَيْرَهُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - عَنْ رُقْيَةِ الْكَافِرِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهَا تَتَضَمَّنُ كُفْرًا هَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَعْمِلَ رُقْيَةً سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهَا غَيْرُ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى كُفْرٍ أَوْ مُحَرَّمٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ «أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ رُقَاهُمْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِيهَا حَتَّى أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَعْرِضُوهَا عَلَيْهِ فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ فَقَالَ لَا بَأْسَ» ، وَحَيْثُ كَانَ فِي الرُّقْيَةِ اسْمٌ سُرْيَانِيٌّ مَثَلًا لَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهَا قِرَاءَةً وَلَا كِتَابَةً إلَّا إنْ قَالَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ: إنَّ مَدْلُولَ ذَلِكَ الِاسْمِ مَعْنًى جَائِزٌ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ الْمَجْهُولَةَ الْمَعْنَى قَدْ تَكُونُ دَالَّةً عَلَى كُفْرٍ أَوْ مُحَرَّمٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا فَلِذَلِكَ حَرَّمُوهَا قَبْلَ عِلْمِ مَعْنَاهَا. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا بَانَ عَظْمُ أَجْنَبِيَّةٍ فَهَلْ يُنْقِضُ مَسُّهُ الْوُضُوءَ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي مِلْت إلَيْهِ فِي كُتُبِي الْفِقْهِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُنْقِضُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَظِنَّةً لِلشَّهْوَةِ بِوَجْهٍ فَهُوَ كَالسِّنِّ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهَا يُلْتَذُّ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا، وَهَذَا لَا يُلْتَذُّ بِهِ. وَلَا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّقْضَ إنَّمَا يَكُونُ بِمَا يُلْتَذُّ بِمَسِّهِ دُونَ نَظَرِهِ، وَأَمَّا مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ مَنْ أَنَّهُ يُنْقِضُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِكَلَامِ الْأَنْوَارِ، فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - هَلْ تَحْرُمُ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِالْعَجَمِيَّةِ كَقِرَاءَتِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَضِيَّةُ مَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ التَّحْرِيمُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ:

стр. 37

وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ سَلْمَانَ ﵁ (أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْفُرْسِ سَأَلُوهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فَكَتَبَ لَهُمْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ بِالْفَارِسِيَّةِ، فَأَجَابَ عَنْهُ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ كَتَبَ تَفْسِيرَ الْفَاتِحَةِ لَا حَقِيقَتَهَا اهـ. فَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ كِتَابَتِهَا بِالْعَجَمِيَّةِ فَإِنْ قُلْت: كَلَامُ الْأَصْحَابِ إنَّمَا هُوَ جَوَابٌ عَنْ حُرْمَةِ قِرَاءَتِهَا بِالْعَجَمِيَّةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْكِتَابَةِ بِهَا فَلَا دَلِيلَ لَكُمْ فِيهِ قُلْت: بَلْ هُوَ جَوَابٌ عَنْ الْأَمْرَيْنِ، وَزَعْمُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْعَجَمِيَّةِ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الْكِتَابَةِ بِهَا مَمْنُوعٌ بِإِطْلَاقِهِ، فَقَدْ يُكْتَبُ بِالْعَجَمِيَّةِ وَيُقْرَأُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَعَكْسُهُ، فَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَلَازُمٌ كَانَ الْجَوَابُ عَمَّا فَعَلَهُ سَلْمَانُ ﵁ فِي ذَلِكَ ظَاهِرًا فِيمَا قُلْنَاهُ عَلَى أَنَّ مِمَّا يُصَرَّحُ بِهِ أَيْضًا أَنَّ مَالِكًا ﵁ سُئِلَ هَلْ يُكْتَبُ الْمُصْحَفُ عَلَى مَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ مِنْ الْهِجَاءِ؟ فَقَالَ لَا إلَّا عَلَى الْكَتْبَةِ الْأُولَى أَيْ كَتْبَةِ الْإِمَامِ، وَهُوَ الْمُصْحَفُ الْعُثْمَانِيُّ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ وَنَسَبْتُهُ إلَى مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ الْمَسْئُولُ وَإِلَّا فَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ هُوَ الْحَقُّ إذْ فِيهِ بَقَاءُ الْحَالَةِ الْأُولَى إلَى أَنْ يَتَعَلَّمَهَا الْآخَرُونَ، وَفِي خِلَافِهَا تَجْهِيلُ آخِرِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهُمْ، وَإِذَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ كَمَا تَرَى عَلَى مَنْعِ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ الْيَوْمَ مِنْ مِثْلِ كِتَابَةِ الرِّبَا بِالْأَلْفِ مَعَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلَفْظِ الْهِجَاءِ، فَمَنْعُ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْهِجَاءِ أَوْلَى، وَأَيْضًا فَفِي كِتَابَتِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ تَصَرُّفٌ فِي اللَّفْظِ الْمُعْجِزِ الَّذِي حَصَلَ التَّحَدِّي بِهِ بِمَا لَمْ يَرِدْ بَلْ بِمَا يُوهِمُ عَدَمَ الْإِعْجَازِ، بَلْ الرَّكَاكَةَ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ الْعَجَمِيَّةَ فِيهَا تَقْدِيمُ الْمُضَافِ إلَيْهِ عَلَى الْمُضَافِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُخِلُّ بِالنَّظْمِ وَيُشَوِّشُ الْفَهْمَ. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ التَّرْتِيبَ مِنْ مَنَاطِ الْإِعْجَازِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي حُرْمَةِ تَقْدِيمِ آيَةٍ عَلَى آيَةٍ كِتَابَةً كَمَا يَحْرُمُ ذَلِكَ قِرَاءَةً، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِعَكْسِ السُّوَرِ مَكْرُوهَةٌ وَبِعَكْسِ الْآيَاتِ مُحَرَّمَةٌ وَفَرَّقُوا بِأَنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ عَلَى النَّظْمِ الْمُصْحَفِيِّ مَظْنُونٌ، وَتَرْتِيبُ الْآيَاتِ قَطْعِيٌّ. وَزَعْمُ أَنَّ كِتَابَتَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ فِيهَا سُهُولَةٌ لِلتَّعْلِيمِ كَذِبٌ مُخَالِفٌ لِلْوَاقِعِ وَالْمُشَاهَدَةِ فَلَا يُلْتَفَتُ لِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَلِمَ صِدْقُهُ لَمْ يَكُنْ مُبِيحًا لِإِخْرَاجِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ عَمَّا كُتِبَتْ عَلَيْهِ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهَا السَّلَفُ وَالْخَلَفُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ مُدْخِلِي الْمَيِّتِ قَبْرَهُ إذَا أَصَابَهُمْ شَيْءٌ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ مَعَ رُطُوبَةٍ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ نَبْشُ الْقَبْرِ هَلْ يُنَجِّسُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يُنَجِّسُ إذْ لَا نَجَاسَةَ مَعَ الشَّكِّ، ثُمَّ إنْ قَرُبَ احْتِمَالُ النَّجَاسَةِ فَالْأَوْلَى غَسْلُ ذَلِكَ وَإِلَّا الْأَوْلَى تَرْكُ غَسْلِهِ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. (مِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ غَسْلُ الثَّوْبِ الْجَدِيدِ، أَيْ الَّذِي لَا يَقْرُبُ احْتِمَالُ نَجَاسَتِهِ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَاجِبٌ غَسْلُ حَصَى الْجِمَارِ، أَيْ لِقُرْبِ احْتِمَالِ تَنَجُّسِهَا لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي مِثْلِهَا أَنْ تُصِيبَهُ نَجَاسَةُ الْمَارِّينَ وَنَحْوِهِمْ فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ كَانُوا يَمْشُونَ حُفَاةً فِي الطُّرُقَاتِ وَالطِّينِ وَيُصَلُّونَ مِنْ غَيْرِ غَسْلِ أَرْجُلِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ، إمَّا بَيَانُ الْعَفْوِ عَنْ طِينِ الشَّوَارِعِ وَنَحْوِهِ أَوْ أَنَّ هَذَا الدِّينَ سَهْلٌ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ عَلَيْنَا فِيهِ مِنْ حَرَجٍ خِلَافًا لِقَوْمٍ غَلَبَ الشَّيْطَانُ عَلَى عُقُولِهِمْ فَزَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْوَسْوَسَةَ فِي الطِّهَارَاتِ مِنْ شَعَائِرِ الْمُتَّقِينَ، وَمَا دَرَوْا أَنَّهَا مِنْ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى فَسَادِ الْعَقْلِ وَقِلَّةِ الدِّينِ، نَعَمْ هِيَ شِعَارٌ، أَيْ شِعَارٌ عِنْدَ الشِّيعَةِ الَّذِينَ خَذَلَهُمْ اللَّهُ وَأَرْكَسَهُمْ وَمِنْ خَيْرِ مَا عِنْدَهُ حَرَمَهُمْ وَعَنْهُ طَرَدَهُمْ فَيَلْحَقُ بِهِمْ الْمُوَسْوَسُونَ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْمٍ حُشِرَ مَعَهُمْ وَاَللَّهُ تَعَالَى يُوَفِّقُنَا لِمَرْضَاتِهِ وَيَمُنُّ عَلَيْنَا بِجَزِيلِ هِبَاتِهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَعَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ هَلْ يَتَيَمَّمُ لِلصَّلَاةِ مَعَ وُجُودِ النَّجَاسَةِ أَوْ يُصَلِّي بِغَيْرِ تَيَمُّمٍ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ مَعَ النَّجَاسَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَتَيَمَّمُ مَعَ وُجُودِ النَّجَاسَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَقَوْلُهُمْ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ مِمَّنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ مَحَلُّهُ فِيمَنْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ لَا يَكْفِيه إلَّا لِإِزَالَتِهَا دُونَ الْوُضُوءِ مَثَلًا فَهَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَيَمَّمَ عَنْ الْوُضُوءِ ثُمَّ بَعْدَ التَّيَمُّمِ يَغْسِلُ بِمَا مَعَهُ نَجَاسَةَ بَدَنِهِ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ؛ لِأَنَّهُ؛ لِلْإِبَاحَةِ، وَلَا إبَاحَةَ مَعَ وُجُودِ النَّجَاسَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهَا وَلَا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ تَيَمُّمٍ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلتُّرَابِ فَعَلَيْهِ التَّيَمُّمُ بِهِ ثُمَّ الصَّلَاةُ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ ثُمَّ الْقَضَاءُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ كَلْبٍ مَسَّ دَرَجَةَ بِرْكَةٍ كَبِيرَةٍ وَفِيهَا مَاءٌ كَثِيرٌ فَهَلْ يَنْجُسُ مَا لَاقَاهُ مِنْ

стр. 38

الْمَاءِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَنْجُسُ مُلَاقِي الْكَلْبِ فِي خِلَالِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْمَاءِ مَانِعَةٌ مِنْ وُصُولِ أَثَرِ النَّجَسِ إلَى غَيْرِهِ لِتَضَادِّ مَا بَيْنَهُمَا. (وَسُئِلَ) - أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِهِ - عَمَّنْ تَنَجَّسَ بَاطِنُ عَيْنِهِ هَلْ يَلْزَمُهُ غَسْلُهُ وَإِنْ خَافَ مِنْهُ تَلَفًا أَوْ بُطْءَ بُرْءٍ أَوْ قِلَّةَ ضَوْءٍ؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ: يَلْزَمُهُ غَسْلُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّجَاسَةَ أَفْحَشُ مِنْ الْحَدَثِ لِأَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ وَهِيَ حِسِّيَّةٌ فَشُدِّدَ فِيهَا مَا لَمْ يُشَدَّدْ فِي الْحَدَثِ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ غَسْلِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ حَيْثُ لَمْ يُخْشَ مُبِيحٌ تَيَمَّمَ، وَالْأَصْلِيُّ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَأَعَادَ وُجُوبًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ مُصْحَفٍ لِيَتِيمٍ أَوْ مَوْقُوفٍ بَالَ عَلَيْهِ كَلْبٌ مَثَلًا وَلَمْ يُمْكِنْ تَطْهِيرُهُ إلَّا بِإِزَالَةِ حُرُوفِ كِتَابَتِهِ وَبُطْلَانِ مَالِيَّتِهِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَوْ النَّاظِرِ التَّطْهِيرُ الْمُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ - بِقَوْلِهِ: الَّذِي مِلْت إلَيْهِ الْوُجُوبُ ثُمَّ رَأَيْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَفْتَى بِهِ أَخْذًا بِعُمُومِ قَاعِدَةِ أَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ، وَقِيَاسًا عَلَى إزَالَةِ نَجَاسَةِ بَدَنِ الشَّهِيدِ وَإِنْ أَدَّى إلَى إزَالَةِ دَمِهِ وَأَقُولُ لَا يُحْتَاجُ لِذَلِكَ، بَلْ لِلْأَصْحَابِ فِي النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ كَلَامٌ يَعُمُّ مَسْأَلَتَنَا. وَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ إذَا دَخَلَتْ تَحْتَ عُمُومِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ كَانَتْ مَنْقُولَةً، وَذَلِكَ الْكَلَامُ الشَّامِلُ لِمَسْأَلَتِنَا هُوَ قَوْلُهُمْ يَجِبُ التَّتْرِيبُ وَإِنْ أَدَّى إلَى فَسَادِ نَحْوِ الثَّوْبِ وَإِذْهَابِ مَالِيَّتِهِ. وَهَذَا شَامِلٌ لِمَسْأَلَتِنَا فَيَكُونُونَ مُصَرِّحِينَ فِيهَا بِوُجُوبِ التَّطْهِيرِ وَإِنْ أَدَّى إلَى إزَالَةِ الْكِتَابَةِ وَإِبْطَالِ الْمَالِيَّةِ فَإِنْ قُلْت: صَرَّحُوا بِأَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا تَجِبُ إلَّا فِي صُوَرٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ مِنْهَا فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ النَّجَاسَةَ لَا تَجِبُ إزَالَتُهَا. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُصْحَفَ لَا تَعَبُّدَ عَلَيْهِ، فَبَقَاءُ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ لِهَذَا الْعُذْرِ وَهُوَ بَقَاءُ الْمَالِيَّةِ لِلْيَتِيمِ، وَالِانْتِفَاعُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا قُلْت: هُوَ كَذَلِكَ لَوْلَا مَا عَارَضَ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ بَقَاءَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمُصْحَفِ فِيهِ ازْدِرَاءٌ، وَعَدَمُ الْقِيَامِ بِاحْتِرَامِهِ فَاقْتَضَتْ رِعَايَةُ ذَلِكَ وُجُوبَ تَطْهِيرِهِ وَإِنْ أَدَّى إلَى مَحْوِهِ وَبُطْلَانِ مَالِيَّتِهِ، وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ تَعَارَضَ مَعَنَا حَقُّ آدَمِيٍّ وَهُوَ النَّظَرُ؛ لِبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ تَعْظِيمُ الْمُصْحَفِ وَإِزَالَةُ مَا يُنَافِي تَعْظِيمَهُ، فَتَقْدِيمُنَا هَذَا الثَّانِي عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ مِنْ تَقْدِيمِ حَقِّ الْآدَمِيِّ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْخَطَرَ فِي بَقَاءِ النَّجَاسَةِ هُنَا أَعْظَمُ مِنْ خَطَرِ فَوَاتِ الْمَالِيَّةِ عَلَى أَنَّ فَوَاتَهَا لِأَجْلِ تَعْظِيمِ مَا أُمِرْنَا بِهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُصْحَفِ لَا خَطَرَ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّ قِنَّ الْيَتِيمِ يَجِبُ قَتْلُهُ بِنَحْوِ تَرْكِ الصَّلَاةِ تَقْدِيمًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حَقِّ الْآدَمِيِّ، وَكَذَلِكَ الْقِنُّ الْمَوْقُوفُ فَعَلِمْنَا أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا بَدَلَ لَهَا وَلَا تُسْتَدْرَكُ مَفْسَدَتُهَا تُقَدَّمُ عَلَى حُقُوقِ الْآدَمِيِّ، وَبِهَذَا ظَهَرَ مَا قُلْنَاهُ وَاتَّضَحَ مَا حَرَّرْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ الْخَمْرِ إذَا تَخَلَّلَتْ هَلْ يُقَالُ انْقَلَبَتْ عَيْنُهَا أَمْ لَا؟ كَمَا قَالَ بِكُلٍّ قَائِلٌ. (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ: إنْ أُرِيدَ بِانْقِلَابِهَا مَعَ التَّخَلُّلِ أَنَّ جِسْمَهَا عَادَ بِعَيْنِهِ جِسْمًا آخَرَ هُوَ الْخَلُّ فَهُوَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الْجِسْمَ لَا يَصِيرُ جِسْمًا آخَرَ، كَمَا أَنَّ الْجَوْهَرَ لَا يَصِيرُ جَوْهَرًا آخَرَ، وَكَمَا لَا يَرْجِعُ الْجَوْهَرُ عَرَضًا وَعَكْسُهُ، بَلْ وَلَا الْعَرَضُ عَرَضًا آخَرَ كَالْبَيَاضِ سَوَادًا أَوْ عَكْسِهِ، بَلْ وَلَا الْبَيَاضِ بَيَاضًا آخَرَ فَإِذَا صَارَ ثَوْبٌ أَبْيَضُ أَسْوَدَ لَمْ يَنْقَلِبْ الْبَيَاضُ سَوَادًا، لَكِنْ أَعْدَمَ اللَّهُ الْبَيَاضَ وَأَخْلَفَ مَكَانَهُ سَوَادًا بِقُدْرَتِهِ، وَكَذَا سَائِرُ الصِّفَاتِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ جِسْمَ الْخَمْرِ انْعَدَمَ وَخَلَّفَ الْخَلَّ مَكَانَهُ بِغَيْرِ فَصْلٍ فَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَإِنْ جَازَ فِي الْقُدْرَةِ إذْ لَيْسَ كُلُّ جَائِزٍ فِيهَا وَاقِعًا إلَّا أَنْ يُعْلَمَ بِالْحِسِّ أَوْ بِخَبَرِ الصَّادِقِ أَلَا تَرَى أَنَّ إعْدَامَ الْخَمْرِ وَإِخْلَافَ مَكَانِهِ الْخَلَّ جَائِزٌ فِي الْقُدْرَةِ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ وَجَبَ تَكْذِيبُ مُدَّعِيهِ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَضْرَتِنَا خَلْقًا وَلَا يَخْلُقُ لَنَا إدْرَاكًا لَهُ وَلَوْ ادَّعَاهُ مُدَّعٍ لَمْ نُصَدِّقْهُ، بَلْ لَا نَشُكُّ فِي كَذِبِهِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ جِنْسَ الْخَمْرِ بَعْدَ التَّخَلُّلِ هُوَ الْخَمْرُ بِعَيْنِهِ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَوْ جَازَ الشَّكُّ فِيهِ لَشَكَّ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ إذَا تَغَيَّرَتْ حَالُهُ مِنْ صِحَّةٍ لِمَرَضٍ وَعَكْسِهِ هَلْ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ؟ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ ضَرُورَةً عَاقِلًا أَنْ يَتَوَهَّمَهُ وَكَذَا الْخَمْرُ، وَإِنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ صِفَاتِ الْخَلِّ الْوَارِدَةِ عَلَيْهِ غَيْرَ صِفَاتِ الْخَمْرِ

стр. 39

الْمَوْجُودِ قَبْلَ التَّخَلُّلِ فُقِدَتْ وَأَخْلَفَتْهَا صِفَةُ الْخَلِّ ضَرُورِيٌّ، وَلَا يَشُكُّ فِي هَذَا إلَّا مُعَانِدٌ أَوْ مَخْذُولٌ فَذَاتُ الْخَمْرِ بَاقِيَةٌ وَهُوَ جِسْمُهَا، وَصِفَاتُهَا مَعْدُومَةٌ وَأَخْلَفَتْهَا صِفَاتُ الْخَلِّ وَاسْمُ الْخَمْرِ لَا يُطْلَقُ عَلَى ذَاتِهَا دُونَ صِفَاتِهَا وَلَا عَكْسِهِ بَلْ عَلَى مَجْمُوعِهَا فَإِطْلَاقُ الِانْقِلَابِ عَلَيْهَا إذَا تَخَلَّلَتْ تَجُوزُ فِي الْعِبَارَةِ إذْ هُوَ حَقِيقَةً الِانْتِقَالُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا﴾ [المطففين: ٣١] الْآيَةَ ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧٤] ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . وَفِي حَدِيثِ صَفِيَّةَ «ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْلِبُهَا» وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ حِينَ عَاتَبَهُ عُمَرُ ﵄ لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ إلَى أَنْ طَلَعَ عُمَرُ الْمِنْبَرَ انْقَلَبْت مِنْ السُّوقِ، فَسَمِعْت النِّدَاءَ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَلَبْت الْإِنَاءَ لِأَنَّ مَا فِيهِ انْتَقَلَ مِنْ فَوْقَ إلَى أَسْفَلَ وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الِانْقِلَابَ الِانْتِقَالُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان كَانَ ذَلِكَ مُحَالًا فِي الْأَعْرَاضِ، فَالْمُرَادُ بِانْقَلَبَتْ مِنْ الْخَمْرِ إلَى التَّخَلُّلِ أَنَّ أَعْرَاضَهَا هِيَ الْمُتَبَدِّلَةُ دُونَ جِسْمِهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: مَاءُ الْعِنَبِ يُغَيِّرُهُ اللَّهُ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ فِي الرَّائِحَةِ وَاللَّوْنِ وَالْفِعْلِ وَالطَّعْمِ لَا أَنَّهُ ذَهَبَ مَاءُ الْعِنَبِ، وَحَدَثَ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الشُّبْهَةُ عَلَى مَنْ قَالَ انْتَقَلَتْ عَيْنُهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْخَمْرَ مُحَرَّمَةُ الذَّاتِ نَجِسَتُهَا، وَالْخَلُّ حَلَالُ الذَّاتِ طَاهِرٌ فَظُنَّ اسْتِحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَى الذَّاتِ الْوَاحِدَةِ بِالضِّدِّ مِنْ النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ وَالْحُرْمَةِ، وَالْحِلِّ، وَلَيْسَ كَمَا ظُنَّ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ: هُوَ أَنَّ النَّجِسَ إمَّا لِأَصْلِهِ كَالْبَوْلِ أَوْ لِمَا طَرَأَ عَلَيْهِ كَزَيْتٍ مَاتَتْ بِهِ فَأْرَةٌ، فَالْأَوَّلُ تَسْتَحِيلُ طَهَارَتُهُ بِاسْتِحَالَةِ أَصْلِهِ بِخِلَافِ الثَّانِي الطَّارِئِ عَلَيْهِ مَا هُوَ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي نَجَاسَتِهِ؟ فَإِذَا ارْتَفَعَتْ صَحَّ ارْتِفَاعُ النَّجَاسَةِ عَنْهُ شَرْعًا. وَنَجَاسَةُ الْخَمْرِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ لِأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا قَبْلَ وُجُودِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ فِيهِ، فَإِذَا أُورِدَتْ وَجَبَتْ نَجَاسَتُهَا فَإِذَا زَالَتْ وَجَبَتْ طَهَارَتُهَا إلَّا إذَا كَانَ بِمُصَاحَبَةِ عَيْنٍ عَلَى اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ فِي مَذْهَبِنَا فَجِسْمُ الْخَمْرِ يَطْهُرُ بِزَوَالِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ كَمَا يَطْهُرُ الثَّوْبُ مِنْ النَّجَسِ بِالْمَاءِ فَإِنْ قُلْت: لَا فَرْقَ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْنَ الْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَالزَّيْتِ إذْ الْمَاءُ أَصْلُ الْبَوْلِ فَسَاوَاهُمَا قُلْت: أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُقَرَّرَ أَنَّ الْمَاءَ أَصْلٌ لِكُلِّ مَا فِيهِ بِلَّةٌ مِنْ جَمِيعِ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ فَلَمَّا كَانَ الْمَاءُ مُسْتَهْلَكًا فِي جَمِيعِ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ كَانَ مُلْغًى، وَوَجَبَ اعْتِبَارُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ كَالْعَصِيرِ وَالْبَوْلِ، فَالْبَوْلُ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ لَمَّا أُلْغِيَ أَصْلُهُ، كَمَا أَنَّ الْعَصِيرَ أَصْلٌ لَمَّا أُلْغِيَ أَصْلُهُ عَلَى أَنَّ الْبَوْلَ لَيْسَ عَيْنَ الْمَشْرُوبِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَسَخٌ يَصِلُ لِلْمَثَانَةِ يَجْتَمِعُ مِنْ بِلَّةِ الْجِسْمِ وَرُطُوبَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُشْرَبْ الْمَاءُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَلَدَ يَبُولُ عَقِبَ الْوِلَادَةِ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَ مَاءً وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ الْخَمْرُ أَصْلًا فِي نَفْسِهِ كَالْعَصِيرِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعَصِيرِ لَمْ يُسْتَهْلَكْ بَعْدَ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ بِخِلَافِ الْمَاءِ الَّذِي شُرِبَ أَوْ يُسْقَى بِهِ الْكَرْمُ فَإِنَّهُ اُسْتُهْلِكَ فِي الْجِسْمِ وَالْكَرْمِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ كَلْبٍ لَاقَى دَرَجَةَ بِرْكَةٍ وَفِيهَا مَاءٌ كَثِيرٌ فَهَلْ يَنْجُسُ مَا لَاقَاهُ بَيْنَ الْمَاءِ؟ (فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ: كَثْرَةُ الْمَاءِ مَانِعَةٌ مِنْ النَّجَاسَةِ؛ لِتَعَذُّرِهَا مَعَهَا وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَمْسَكَ كَلْبًا دَاخِلَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ لَمْ تَنْجُسْ يَدُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ - عَنْ الزَّبَادِ هَلْ يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِ الشُّعُورِ وَهَلْ يُعْفَى عَنْهَا؟ وَمَا قَدْرُ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا؟ ، وَعُسْرُ الِاحْتِرَازِ وَوُجُودُ الْخِلَافِ فِي الْهِرَّةِ الْوَحْشِيَّةِ هَلْ يَقْتَضِيَانِ الْعَفْوَ مُطْلَقًا لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ؟ (فَأَجَابَ) - فَسَّحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُدَّتِهِ - بِقَوْلِهِ يَحِلُّ اسْتِعْمَالُ الزَّبَادِ وَيُعْفَى عَنْ شَعْرِهِ الْقَلِيلِ عُرْفًا كَالثِّنْتَيْنِ وَالثَّلَاثِ وَعِبَارَةُ شَرْحِي عَلَى الْعُبَابِ مَعَ مَتْنِهِ فَرْعٌ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ (الزَّبَادُ طَاهِرٌ وَهُوَ لَبَنُ سِنَّوْرٍ بَحْرِيٍّ يُجْلَبُ كَالْمِسْكِ رِيحًا، وَاللَّبَنِ بَيَاضًا يَسْتَعْمِلُهُ أَهْلُ الْبَحْرِ طِيبًا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَأَشَارَ إلَى خِلَافٍ فِيهِ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ لَبَنِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ لَكِنْ تَعَقَّبَهُمَا فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّ الصَّوَابَ طَهَارَتُهُ، وَصِحَّةُ بَيْعِهِ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ جَمِيعَ حَيَوَانِ الْبَحْرِ طَاهِرٌ يَحِلُّ لَحْمُهُ وَلَبَنُهُ أَوْ عَرَقُ سِنَّوْرٍ بَرِّيٍّ كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الَّذِي سَمِعْته مِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ فَعَلَى هَذَا هُوَ طَاهِرٌ بِلَا خِلَافٍ) اهـ. وَقَدْ يُقَالُ لَا مُنَافَاةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَبَنُ الْبَحْرِيِّ كَذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الرِّفْعَةِ قَالَ: وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنَّهُ نَوْعَانِ لَكِنَّ الْغَالِبَ الثَّانِي، وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ الدَّمِيرِيِّ: أَنَّ مَا فِي الْحَاوِي

стр. 40

وَالْبَحْرِ وَهْمٌ وَفِي الْقَامُوسِ: وَالزَّبَادُ الطِّيبُ وَهُوَ رَشْحٌ يَجْتَمِعُ تَحْتَ ذَنَبِهَا عَلَى الْمَخْرَجِ فَتُمْسَكُ الدَّابَّةُ، وَتُمْنَعُ الِاضْطِرَابَ وَيُسْلَتُ ذَلِكَ الْوَسَخُ الْمُجْتَمَعُ هُنَالِكَ بِلِيطَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ اهـ. وَيَتَّجِهُ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ الْعَفْوُ عَنْ يَسِيرِ شَعْرِهِ؛ لِمَا يَأْتِي مِنْ الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ شَعْرِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ وَبِهِ يُخَصُّ عُمُومُ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ: (أَنَّهُ يَغْلِبُ اخْتِلَاطُهُ بِمَا يَتَسَاقَطُ مِنْ شَعْرِهِ فَلْيُحْذَرْ عَمَّا وُجِدَ فِيهِ، فَإِنَّ الْأَصَحَّ نَجَاسَةُ شَعْرِ مَا لَا يُؤْكَلُ، وَمَنْعُ أَكْلِ السِّنَّوْرِ الْبَرِّيِّ) انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ جُرِحَ جَفْنُ عَيْنِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ دَمٌ، وَدَخَلَ عَيْنَهُ هَلْ يَلْزَمُهُ غَسْلُ بَاطِنِهَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ وَكَانَ يَخَافُ مِنْ غَسْلِهَا تَلَفَهَا أَوْ بُطْءَ بُرْئِهَا أَوْ قِلَّةَ ضَوْئِهَا مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - بِقَوْلِهِ: يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ الدَّمِ مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِالدَّمْعِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ غَسْلُ مَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ بَاطِنِ الْعَيْنِ مَا لَمْ يُخْشَ مِنْ غَسْلِهِ مُبِيحٌ تَيَمَّمَ كَحُدُوثِ رَمَدٍ أَوْ بُطْءِ بُرْئِهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ لَحْمِ الْمُذَكَّاةِ يَخْرُجُ مِنْهُ عُرُوقٌ يَخْرُجُ مِنْهَا دَمٌ هَلْ هُوَ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ يُعْفَى عَنْهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ نَجِسٌ وَأَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ طَاهِرٌ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ حُكْمُ الطَّاهِرِ بِاعْتِبَارِ الْعَفْوِ عَنْهُ، وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ زَعَمَ حَقِيقَةَ الطَّهَارَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] لِأَنَّ هَذَا مَسْفُوحٌ وَإِنَّمَا مَنَعَ جَرَيَانَهُ قِلَّتُهُ؛ فَلَمْ يَصِحَّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فِي الْآيَةِ بِالْمَسْفُوحِ وَإِنَّمَا هُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ لِأَنَّهُمَا لَمَّا انْعَقَدَ أُخْرِجَا عَنْ السَّفْحِ فَصَارَا طَاهِرَيْنِ وَحَلَّ أَكْلُهُمَا بِنَصِّ قَوْلِهِ ﷺ «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ.» (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ: فِي جِهَتِنَا تَصْلُحُ الْبُيُوتُ بِالطِّينِ وَكَذَلِكَ كُوَّارَاتُ النَّحْلِ يُعْجَنُ طِينُهَا بِالزِّبْلِ هَلْ يُعْفَى عَنْهُ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذْ لَيْسَ هَذَا مِمَّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ وَزَعَمَ أَنَّ الطِّينَ لَا يُعْجَنُ وَلَا يُلْتَئَمُ إلَّا بِالزِّبْلِ مَمْنُوعٌ، بَلْ دَقِيقُ تِبْنِ نَحْوِ الْفُولِ أَحْسَنُ فِي الْخَلْطِ وَالِالْتِئَامِ مِنْ الزِّبْلِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْآجُرِّ الْمَعْجُونِ طِينُهُ بِالزِّبْلِ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ كَذَلِكَ وَلَقَدْ شَاهَدْنَا كَثِيرًا مَنْ يَعْجِنُونَهُ بِالتِّبْنِ الْمَذْكُورِ فَيَأْتِي أَحْسَنَ مِمَّا عُجِنَ بِالزِّبْلِ، فَالْعَجْنُ بِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ فَضْلًا عَنْ زَعْمِ أَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّا فِي فَتَاوَى الشَّيْخِ زَكَرِيَّا ﵀ وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا صُورَتُهُ إذَا بَالَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَسْتَنْجِ أَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ وَهُوَ حَرَامٌ اهـ. كَلَامُهُ. فَهَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ لَكِنْ فِي الْخَادِمِ نَبَّهَ الصَّيْمَرِيُّ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ عَلَى أَمْرٍ حَسَنٍ، وَهُوَ أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ كُلِّ إنْسَانٍ أَنَّهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ يَسْبِقُ مِنْهُ خُرُوجُ الْمَذْيِ قَبْلَ الْمَنِيِّ لَا سِيَّمَا مَنْ يَحْصُلُ مِنْهُ مُلَاعَبَةٌ، وَإِذَا سَبَقَ الْمَنِيُّ تَنَجَّسَ رَأْسُ الذَّكَرِ وَكَذَا مَنِيُّهُ الْخَارِجُ عَقِبَهُ مُتَنَجِّسٌ؛ فَيَنْبَغِي لَهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى مَنِيِّ الْمَرْأَةِ فَيُنَجِّسُهُ اهـ. وَظَاهِرُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَدَمُ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ خِلَافُ مَا فِي فَتَاوَى الشَّيْخِ الْمَذْكُورِ فَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَمَّا مَا قَالَهُ فِيمَنْ لَمْ يَسْتَنْجِ فَظَاهِرٌ وَإِنَّمَا التَّرَدُّدُ فِيمَا قَالَهُ فِي الْمُسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَقَامَيْنِ: الْأَوَّلُ فِي أَنَّ الذَّكَرَ هَلْ يَتَنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ الْفَرْجِ حِينَئِذٍ أَوْ لَا؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ فَقَدْ قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ مَحَلُّ قَوْلِهِمْ إذَا عَرِقَ مَحَلُّ اسْتِجْمَارِهِ وَلَمْ يُجَاوِزْ صَفْحَتَهُ أَوْ حَشَفَتَهُ عُفِيَ عَنْهُ وَإِنْ تَلَوَّثَ بِهِ غَيْرُهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ نَحْوَ ثَوْبِهِ دُونَ ثَوْبِ غَيْرِهِ اهـ. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ إذَا لَاقَى رُطُوبَةً أُخْرَى، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ. (وَلَمْ أَرَ تَعَرُّضًا لِلْمَرْأَةِ الْمُسْتَجْمِرَةِ بِالْحَجَرِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ فِيمَا ذَكَرُوا، وَأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي فَرْجِهَا بِمُجَاوَزَةِ شُفْرَيْهَا قِيَاسًا عَلَى حَشَفَةِ الذَّكَرِ وَأَنَّ ذَكَرَ مُجَامِعِهَا لَا يُعْفَى عَمَّا يُصِيبُهُ مِنْ رُطُوبَةِ فَرْجِهَا مَا دَامَتْ مُسْتَجْمِرَةً بِالْحَجَرِ، ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيّ أَخَذَ نَحْوَ هَذَا الْأَخِيرِ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ الْعَفْوَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَعْنِي قَوْلَهُمْ: أَوْ تَلَوَّثَ بِهِ غَيْرُهُ لِعُسْرِ تَجَنُّبِهِ، أَيْ وَذَلِكَ لَا يَعْسُرُ تَجَنُّبُهُ، وَسَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ الْعِمَادِ) انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِذَا قُلْنَا بِتَنَجُّسِ الذَّكَرِ فَهَلْ نَقُولُ بِحُرْمَةِ الْوَطْءِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ لَا يَحْرُمُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ؟ وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ اسْتَنْجَى

стр. 41

بِالْحَجَرِ لِعَدَمِ الْمَاءِ جَازَ لَهُ الْوَطْءُ لِلْحَاجَةِ أَوْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لَمْ يَجُزْ لَهُ؛ إذْ لَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ الشَّيْخِ. وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ ﵃ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَوَطَّنَ بَادِيَةً لَا مَاءَ بِهَا وَأَنْ يُجَامِعَ زَوْجَتَهُ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَبِذَلِكَ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: وَصَحَّ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ ﵁ كَانَ يُقِيمُ بِالرَّبْذَةِ، أَيْ وَهِيَ بَادِيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ الْمَدِينَةِ وَيَفْقِدُ الْمَاءَ أَيَّامًا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «التُّرَابُ كَافِيك وَإِنْ لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ» ، وَرَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَغِيبُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، أَيُجَامِعُ أَهْلَهُ؟ قَالَ نَعَمْ» اهـ. حَاصِلُ مَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَهُوَ كَمَا تَرَى صَرِيحٌ فِي جَوَازِ الْوَطْءِ عِنْدَ الِاسْتِجْمَارِ بِالْحَجَرِ لِفَاقِدِ الْمَاءِ، وَيُوَافِقُ ذَلِكَ اتِّفَاقَ أَئِمَّتِنَا عَلَى جِوَازِ وَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ بِلَا كَرَاهَةٍ. وَإِنْ كَانَ الدَّمُ يَجْرِي، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا؛ لِلْخَبَرِ الْحَسَنِ أَنَّ حَمْنَةَ ﵂ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً، وَكَانَ زَوْجُهَا يَطَؤُهَا فَهَذَا تَضَمُّخٌ بِالنَّجَاسَةِ لَكِنَّهُ عُفِيَ عَنْهُ لِلْحَاجَةِ فَإِنْ قُلْت: مَا ذَكَرْته فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، وَحَمَلْت عَلَيْهِ إفْتَاءَ الشَّيْخِ فِيهِ نَظْرٌ، فَفِي الْجَوَاهِرِ يَجُوزُ وَطْءُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ فِي ثُقْبَةٍ انْفَتَحَتْ تَحْتَ مَعِدَتِهَا مَعَ انْفِتَاحِ الْأَصْلِيِّ أَوْ انْسِدَادِهِ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ مَعَ مُبَاشَرَتِهِ لِلنَّجَاسَةِ، وَعَدَمِ تَعَاطِيهِ مُخَفِّفًا لَهَا، فَلْيَجُزْ فِي مَسْأَلَتِنَا دُنُوٌّ مَعَ الْمَاءِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ بِالْحَجَرِ رُخْصَةٌ تُصَيِّرُ الْمَحَلَّ كَالْمَحْكُومِ لَهُ بِالطَّهَارَةِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ قُلْت: هَذَا ظَاهِرٌ لَوْ كَانَ مَا فِي الْجَوَاهِرِ سَالِمًا عَنْ النِّزَاعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ نَازَعَ فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ التَّضَمُّخَ بِالْغَائِطِ أَشَدُّ مِنْهُ بِالدَّمِ، أَيْ فِي وَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ؛ وَلِذَا عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ دُونَ يَسِيرِ الْغَائِطِ، وَلِذَا حُرِّمَ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ اهـ. وَهُوَ نِزَاعٌ مُتَّجَهٌ مُوَافِقٌ لِعُمُومِ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ: لَا يَثْبُتُ لِلْمُنْفَتِحِ الْمَذْكُورِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْفَرْجِ، فَاسْتِثْنَاءُ الْقَمُولِيِّ ذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى وَطْءٍ لَيْسَ فِيهِ تَضَمُّخٌ بِغَائِطٍ بَلْ بِدَمٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ نَظِيرُ وَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَقَوْلُ السَّائِلِ - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - إنَّ كَلَامَ الْخَادِمِ الَّذِي ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ فِي جَوَازِ الْوَطْءِ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ لَيْسَ ظَاهِرُهُ ذَلِكَ وَلَا قَضِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَيَنْبَغِي لَهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ أَيْ عَنْ الْمَنِيِّ فَلْيَغْسِلْ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ نَحْكُمْ بِنَجَاسَتِهِ احْتِيَاطًا؛ رِعَايَةً لِلْغَالِبِ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ سَبْقِ الْمَذْيِ النَّجِسِ لِلْمَنِيِّ الَّذِي يَعْقُبُهُ، فَلَيْسَ فِي هَذَا تَعَرُّضٌ لِوَطْءٍ وَلَا دَلَالَةٌ عَلَى حُكْمِهِ أَصْلًا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الْأَفْيُونِ الَّذِي يُجْلَبُ مِنْ الْهِنْدِ وَالْيَمَنِ، هَلْ يَحْرُمُ أَكْلُهُ أَوْ لَا؛ لِعَدَمِ إسْكَارِهِ وَإِضْرَارِهِ؟ وَفِي السَّمْنِ الَّذِي يَجْلِبُهُ الْكُفَّارُ الْوَثَنِيُّونَ مِنْ الْجَبَلِ فِي الْجِلْدِ الَّذِي لَمْ يُدْبَغْ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ الْمَذْبُوحِ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُمْ يَقُولُونَ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ، هَلْ يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ لِلْمُسْلِمِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَكْلُ الْأَفْيُونِ حَرَامٌ إلَّا لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ وَخَشِيَ الْهَلَاكَ مِنْ فَقْدِهِ فَيُبَاحُ لَهُ لَكِنْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، لَا مُطْلَقًا كَلَحْمِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَكَثِيرُونَ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ الَّذِينَ اُبْتُلُوا بِهِ يَظُنُّونَ أَنَّ مُجَرَّدَ خَشْيَةِ هَلَاكِهِمْ بِفَقْدِهِ يَجُوزُ لَهُمْ تَنَاوُلُهُ كَيْفَ أَرَادُوا وَهَذَا تَخَيُّلٌ فَاسِدٌ زَيَّنَهُ لَهُمْ الشَّيْطَانُ لِيَدُومَ ضَحِكُهُ عَلَيْهِمْ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ. وَإِنَّمَا الْحَقُّ فِي ذَلِكَ مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يَصِيرُ كَلَحْمِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ فَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا حَالَةَ الِاضْطِرَارِ وَلَا يَتَنَاوَلُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إلَّا الْقَدْرَ الْيَسِيرَ جِدًّا الَّذِي يَنْدَفِعُ بِهِ خَشْيَةَ الْمَوْتِ، وَمَنْ أَدَمْنَ ذَلِكَ انْقَطَعَ عَنْهُ سَرِيعًا فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَنْقَطِعُ بِالتَّدْرِيجِ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَى الْمُبْتَلَى بِهِ أَنْ يَتَدَرَّجَ فِي قَطْعِهِ حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ عَظِيمِ إثْمِهِ، وَقَوْلُ السَّائِلِ: لِعَدَمِ إسْكَارِهِ وَإِضْرَارِهِ عَجِيبٌ مِنْهُ فَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِحُرْمَتِهِ وَعَدُّوهُ مِنْ السَّمُومِ الْمُخَدِّرَةِ الْمُسْكِرَةِ. وَهَذَا مُشَاهَدٌ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى ذَوْقٍ أَوْ إحْسَاسٍ اللَّهُمَّ إلَّا عَلَى مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ، وَارْتَبَكَ فِيهِ فَهَذَا لَا عَقْلَ لَهُ وَلَا دِينَ لِأَنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ حَيِّزِ الْآدَمِيِّينَ إلَى حَيِّزِ الْمَمْسُوخِينَ مِنْ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، وَكَمْ شَاهَدْنَا مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ فَمُسِخَ بَدَنُهُ حَتَّى صَارَ لَا يُدْرَكُ مِنْهُ إلَّا خَيَالُهُ، وَمُسِخَ عَقْلُهُ حَتَّى صَارَ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ إلَّا هَدَرُهُ وَخَبَالُهُ، وَالسَّمْنُ الْمَذْكُورُ طَاهِرٌ كَمَا هُوَ بَدِيهِيٌّ مِنْ قَاعِدَةِ أَنَّ مَا غَلَبَتْ النَّجَاسَةُ فِي نَوْعِهِ وَلَمْ تُعْلَمْ فِيهِ بِعَيْنِهِ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَمَا كَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الظَّبْيَةِ إنَّمَا هُوَ لِمَعْنًى انْضَمَّ لِلْمُشَاهَدَةِ لَا يَتَأَتَّى هُنَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَوْ وَلَغَتْ هِرَّةٌ فِي مُتَنَجِّسٍ بِنَجَاسَةٍ كَلْبِيَّةٍ ثُمَّ غَابَتْ بِحَيْثُ يُحْتَمَلُ وُلُوغُهَا فِي مَاءٍ كَثِيرٍ، ثُمَّ وَلَغَتْ فِي إنَاءٍ

стр. 42

فَهَلْ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ سُؤْرِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ كَسَائِرِ أَحْوَالِهَا أَوْ لَا؛ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمُغَلَّظَةِ وَالْمُخَفَّفَةِ؟ وَهَلْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَمَسْأَلَةِ طِينِ الشَّوَارِعِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ فَمِهَا بِغَيْبَتِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَا فِي غَيْرِهَا خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ بَعْضُ الْعِبَارَاتِ، وَكَأَنَّ السَّائِلَ تَوَهَّمَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تِلْكَ الْعِبَارَاتِ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَمَدُ الْمَنْقُولُ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْهِرَّةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تَخْتَلِطُ بِالنَّاسِ وَغَيْرِهَا إذَا أَكَلَتْ نَجَاسَةً، ثُمَّ غَابَتْ وَاحْتُمِلَ فِي الْعَادَةِ وُلُوغُهَا فِيمَا يُطَهِّرُ فَمَهَا بِأَنْ يَكُونَ كَدَرًا بِالنِّسْبَةِ لِلنَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ فَإِذَا غَابَتْ وَاحْتُمِلَ طُهْرُ فَمِهَا كَمَا ذُكِرَ، ثُمَّ عَادَتْ وَوَلَغَتْ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ مَائِعٍ، أَوْ مَسَّتْ بِفَمِهَا ثَوْبًا مَثَلًا فَلَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ مَا لَاقَى فَمُهَا، وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى نَجَاسَتِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا. وَإِنَّمَا لَمْ نَحْكُمْ بِنَجَاسَةِ مَا لَاقَى فَمَهَا مَعَ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ أَعْنِي الْفَمَ عَمَلًا بِالْأَصْلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا مَسَّتْهُ الطَّهَارَةُ، وَالْأَصْلُ فِي فَمِهَا النَّجَاسَةُ، وَلَكِنْ بِغَيْبَتِهَا ضَعُفَ أَصْلُ النَّجَاسَةِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ التَّنْجِيسُ فَبَقِيَ مَا مَسَّتْهُ عَلَى طَهَارَتِهِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ كَطِينِ الشَّوَارِعِ، وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُتَيَقَّنَةً فِيهِمَا؛ لِأَنَّ طِينَ الشَّوَارِعِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ مَعَ تَحَقُّقِ نَجَاسَتِهِ وَعَدَمِ مَا يُعَارِضُهَا لَكِنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يُعْفَى عَمَّا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ مَلْحَظُ الْعَفْو فِيهِ، وَأَمَّا فَمُ الْهِرَّةِ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: نَجِسٌ لَمْ يُنَجِّسْ لِضَعْفِهِ بِاحْتِمَالِ زَوَالِهِ بِالْوُلُوغِ فِي مَاءٍ يُطَهِّرُهُ عِنْدَ الْغَيْبَةِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ النَّجِسُ الَّذِي أَكَلَهُ نَحْوَ الْهِرَّةِ مُغَلَّظًا أَوْ غَيْرَهُ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الْمُغَلَّظِ احْتِمَالُ وُلُوغِهِ فِي مَاءٍ كَدِرٍ بِتُرَابٍ يَكْفِي فِي النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ فَإِذَا اُحْتُمِلَ وُلُوغُهُ فِي ذَلِكَ لَمْ يُنَجِّسْ مَا وَلَغَ فِيهِ، وَلَا مَا مَسَّهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الِاجْتِهَادِ] (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ رَجُلٍ تَحْتَ يَدِهِ غَلَّاتُ أَوْقَافٍ مُتَّحِدَةُ الْمَصَارِفِ أَوْ مُخْتَلِفَتُهَا مِنْ شَخْصٍ أَوْ أَشْخَاصِ، فَوَضَعَ غَلَّاتِهَا فِي مَوَاضِعَ فَالْتُبِسَتْ عَلَيْهِ فَهَلْ يَسُوغُ لَهُ التَّحَرِّي فِيهَا فَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ فَلَوْ تَحَرَّى فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ دَلِيلٌ، هَلْ يَضْمَنُ كَمَا لَوْ نَسِيَ الْوَدِيعَةَ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ فَمَا يَكُونُ حُكْمُ الْغَلَّاتِ الْمُشْتَبِهَةِ، هَلْ يَمْلِكُهَا النَّاظِرُ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفَهُ فِيهَا قَبْلَ الضَّمَانِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَنْ تَحْتَ يَدِهِ الْغَلَّاتُ الْمَذْكُورَةُ يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي فِيهَا إذَا كَانَ نَاظِرًا عَلَيْهَا، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ سِوَاهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي فِي الْأَمْوَالِ الْمُشْتَبِهَةِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ شَرْطٌ لِصِحِّيَّةِ التَّصَرُّفِ وَيُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِالِاجْتِهَادِ لِأَنَّ لِلْعَلَامَةِ فِيهَا مَجَالًا فَشُرِعَ فِيهِ الِاجْتِهَادُ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ بِعَلَامَةٍ تُغَلِّبُ ظَنَّ الْمِلْكِ فِي الْمَأْخُوذِ. وَغَلَبَةُ الظَّنِّ كَافِيَةٌ فِي الْأَمْوَالِ بِدَلِيلِ اعْتِمَادِهِ عَلَى خَطِّ أَبِيهِ الْمَوْثُوقِ بِهِ بِدَيْنٍ وَحَلَّفَهُ عَلَيْهِ، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ الِاجْتِهَادُ فِي الْمَالَيْنِ مَعَ انْتِفَاءِ أَصْلِ الْحِلِّ فِي أَحَدِهِمَا اهـ. وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلنَّاظِرِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ قُلْت: لَا نُسَلِّمُ ظُهُورَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ عَبِّرُوا بِالْمِلْكِ فِي قَوْلِهِمْ، لِأَنَّ الْمِلْكَ، وَقَوْلُهُمْ: يُغَلِّبُ ظَنَّ الْمِلْكِ، وَهَذَا يَقْتَضِي امْتِنَاعَ الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ قُلْت: التَّعْبِيرُ بِالْمِلْكِ، إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ الشَّامِلِ لِمِلْكِ الْعَيْنِ، وَلِلْوِلَايَةِ عَلَيْهَا وَأَمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مِلْكَ الْعَيْنِ فَقَطْ، وَكَلَامُهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَطَ لِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ هُوَ عُمُومُ الْأَوَّلِ لَا خُصُوصُ الثَّانِي. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُمْ: وَغَلَبَةُ الظَّنِّ كَافِيَةٌ فِي الْأَمْوَالِ أَيْ فِي جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهَا فَإِنْ قُلْت: يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّ أَبَا ثَوْرٍ لَمَّا سَأَلَ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ ﵁ عَمَّنْ اشْتَرَى بَيْضَةً مِنْ رَجُلٍ وَبَيْضَةً مِنْ آخَرَ، وَوَضَعَهُمَا فِي كُمِّهِ فَانْكَسَرَتْ إحْدَاهُمَا فَخَرَجَتْ مَذِرَةً فَعَلَى مَنْ يَرُدُّهَا؟ قَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ اُتْرُكْهُ حَتَّى يُدْعَى قَالَ: يَقُولُ: لَا أَدْرِي قَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ أَقُولُ لَهُ انْصَرِفْ حَتَّى تَدْرِيَ فَإِنَّا مُفْتُونَ لَا مُعْلِمُونَ وَهُوَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ اللَّامِ، وَهَذَا كَمَا تَرَى صَرِيحٌ فِي أَنْ لَا يُجْتَهَدَ فِي بَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَرُدَّهَا بِالِاجْتِهَادِ قُلْت: لَا يُنَافِي مَا قَرَّرْتُهُ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُمْنَعْ فِيهِ الِاجْتِهَادُ لِذَاتِهِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ لَمَا فِيهِ مِنْ إلْزَامِ الْغَيْرِ بِالِاجْتِهَادِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ قَالَ: وَمِثْلُهُ لَوْ قَبَضَ مِنْ شَخْصٍ دَرَاهِمَ فَخَلَطَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا نُحَاسًا.

стр. 43

وَيُحْتَمَلُ هُنَا أَنْ يُجْتَهَدَ إنْ كَانَ ثَمَّ أَمَارَةً اهـ. وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ فِي هَذِهِ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الِاجْتِهَادَ؛ لِإِلْزَامِ الْغَيْرِ بِجَعْلِ النُّحَاسِ لَهُ لَمْ يُفِدْهُ اجْتِهَادُهُ ذَلِكَ. وَإِنْ أَرَادَ بِهِ تَمْيِيزَ حَقِّهِ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى يَحِلَّ لَهُ تَنَاوُلُ مَا ظَهَرَ لَهُ بِالِاجْتِهَادِ أَنَّهُ لَهُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْت: هَلْ يَلْحَقُ بِالنَّاظِرِ الْوَلِيُّ مِنْ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ وَقَيِّمِهِ إذَا كَانَ تَحْتَ يَدِهِ أَمْوَالُ لِمَحَاجِيرِهِ وَالْتُبِسَتْ، أَوْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمُلَّاكَ هُنَا يُرْجَى كَمَالُهُمْ وَاجْتِهَادُهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ فَلَا حَاجَةَ إلَى اجْتِهَادِ الْوَلِيِّ بِخِلَافِ مَصَارِفِ الْوَقْفِ إذَا كَانَتْ جِهَاتٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا اجْتِهَادٌ، قُلْت: قَضِيَّةُ تَسْوِيَتِهِمْ فِي بَابِ الْوَقْفِ بَيْنَ النَّاظِرِ وَالْوَلِيِّ فِي مَسَائِلِ إلْحَاقِهِ بِهِ هُنَا فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي، نَعَمْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ إلَّا فِيمَا اُضْطُرَّ إلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَأَمَّا مَا لَا يُضْطَرُّ إلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْهَا فَيُبْقِيه عَلَى اشْتِبَاهِهِ الَّذِي لَا يُضَرُّ بِهِ إلَى كَمَالِ مَالِكِيهِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَجِبُ فِيمَا اُضْطُرَّ إلَى تَنَاوُلِهِ كَشَاةٍ مَيْتَةٍ اُلْتُبِسَتْ بِمَذْبُوحَةٍ وَاضْطُرَّ إلَى الْأَكْلِ، وَيَجُوزُ فِيمَا لَمْ يُضْطَرَّ إلَيْهِ فَكَذَا يُقَالُ بِنَظِيرِ ذَلِكَ فِي النَّاظِرِ وَالْوَلِيِّ فَإِنْ قُلْت: مَا ذُكِرَ فِي النَّاظِرِ إنَّمَا يَتَّجِهُ إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَاتٍ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الِاجْتِهَادُ. أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى مُسْتَحَقِّينَ كَامِلِينَ يُمْكِنُ اجْتِهَادُهُمْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الِاجْتِهَادُ لِلنَّاظِرِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهِ قُلْت: هُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ يَمْلِكُ الْغَلَّةَ فَإِذَا كَانَ كَامِلًا وَاشْتُبِهَتْ غَلَّتُهُ الَّتِي مَلَكَهَا بِغَلَّةِ غَيْرِهِ اجْتَهَدَ هُوَ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ لَا النَّاظِرُ فَإِذَا ظَهَرَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنَّ الْغَلَّةَ الَّتِي صِفَتُهَا كَذَا هِيَ الَّتِي مَلَكَهَا تَوَلَّى النَّاظِرُ حِينَئِذٍ إعْطَاءَهَا إلَيْهِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي: أَنَّ الْوَكِيلَ لَوْ كَانَتْ تَحْتَ يَدِهِ أَمْوَالٌ لِمُوَكِّلِهِ أَوْ لِمُوَكِّلِيهِ وَاشْتَبَهَتْ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا، بَلْ يُبْقِيهَا عَلَى حَالِهَا حَتَّى يَجْتَهِدَ فِيهَا مُلَّاكُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى ذَلِكَ الَّذِي قَدْ يَقَعُ بِسَبَبِهِ نَقْصٌ وَتَنَازُعٌ بَيْنَ الْمُلَّاكِ لَا غَايَةَ لَهُ: فَإِنْ قُلْت: هَذَا أَعْنِي اجْتِهَادَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ إنْ كَانَ مُتَّحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْعَلَامَةِ الْمُمَيِّزَةِ لِمِلْكِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا مُتَعَدِّدِينَ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَلَامَةِ مَا حُكْمُهُ؟ قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يُرْجَعُ إلَى قَوْلِ النَّاظِرِ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ الْآتِي وَقَدْ أُشْكِلَ عَلَى الْوَدِيعِ مُسْتَحِقُّهُ مِنْهُمَا إذْ قَضِيَّتُهُ: أَنَّ الْوَدِيعَ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي التَّعْيِينِ، وَإِذَا رَجَعَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَالنَّاظِرُ أَوْلَى بِهَذَا مِنْهُ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ أَقْوَى، وَمِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ اشْتَبَهَ مَالُهُ بِمَالِ غَيْرِهِ وَاجْتَهَدَ فَظَهَرَ لَهُ أَنَّ أَحَدَ الْمَالَيْنِ بِعَيْنِهِ هُوَ مَالُهُ وَنَازَعَهُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ ذِي الْيَدِ فَإِنْ قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ النَّاظِرُ مُمَيِّزًا لِأَحَدِ الْمَالَيْنِ هُنَا أَوْ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ مَا حُكْمُهُ؟ قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ تُوقَفُ الْأَمْوَالُ الْمُشْتَبِهَةُ حَتَّى يَصْطَلِحَ مُلَّاكُهَا عَلَى شَيْءٍ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُمْ: وَإِنْ اُسْتُوْقِفَ مَالَ إلَى اصْطِلَاحِ الْمُتَنَازِعِينَ فِيهِ كَمَالِ وُقِفَ لِشَخْصَيْنِ عِنْدَ وَدِيعٍ وَقَدْ أُشْكِلَ عَلَى الْوَدِيعِ مُسْتَحِقُّهُ مِنْهُمَا فَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ أَحَدُهُمَا، فَيُعْطِي الْآخَرَ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بَيْعَ لَهُ، وَشَرْطُهُ تَحَقُّقُ الْمِلْكِ فِي الْعِوَضَيْنِ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ عَلَى أَنْ يَتَفَاضَلَا فِيهِ جَازَ لِلضَّرُورَةِ؛ وَلِأَنَّهُ نُزُولٌ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ وَقَوْلُهُمْ: لَوْ مَاتَ عَنْ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ قَبْلَ التَّعْيِينِ وُقِفَ لَهُنَّ مِيرَاثُ الزَّوْجَاتِ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ؛ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِعَيْنِ مُسْتَحِقِّهِ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُنَّ بِحَسَبِ اصْطِلَاحِهِنَّ بِتَسَاوٍ أَوْ تَفَاوُتٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُنَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِنَّ مَحْجُورٌ عَلَيْهَا لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ وَصَالَحَ عَنْهَا وَلِيُّهَا فَيَمْتَنِعُ بِدُونِ حُصُولٍ مِنْ عَدَدِهِنَّ اهـ. فَيَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنْ قَلَّتْ: إنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْوَقْفُ إلَى الصُّلْحِ إذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ يُمْكِنُ اصْطِلَاحُهُمْ فَإِنْ كَانَ نَحْوَ جِهَاتٍ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا ذَلِكَ مَا حُكْمُهُ؟ قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ حِينَئِذٍ أَنَّ النَّاظِرَ يَقْسِمُ تِلْكَ الْأَمْوَالَ بَيْنَ تِلْكَ الْجِهَاتِ عَلَى السَّوَاءِ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِيمَا إذَا انْدَرَسَتْ شُرُوطُ الْوَاقِفِ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ أَوْ جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ قُسِمَتْ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ. فَإِنْ قُلْت: إذَا قُلْت: بِالرُّجُوعِ إلَى قَوْلِ النَّاظِرِ وَادَّعَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مُمَيِّزًا فَهَلْ لِلْمُسْتَحِقِّينَ تَحْلِيفُهُ؟ قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ لَهُمْ تَحْلِيفَهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ إنْ ادَّعَوْهُ عَلَيْهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ قَالَ مَنْ تَحْتَ يَدِهِ عَيْنٌ لِاثْنَيْنِ ادَّعَيَا عَلَيْهِ هِيَ وَدِيعَةٌ عِنْدِي وَلَا أَدْرِي أَهِيَ لَكُمَا أَمْ لِأَحَدِكُمَا أَمْ لِغَيْرِكُمَا حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ إنْ ادَّعَيَاهُ وَتُرِكَتْ فِي يَدِهِ لِمَنْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ بِهَا وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا تَحْلِيفُ

стр. 44

الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدٌ وَلَا اسْتِحْقَاقٌ اهـ وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: فَلَوْ تَحَرَّى فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ دَلِيلٌ وَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ عَلَى السَّوِيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْهَا شَيْءٌ بِالِاشْتِبَاهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ بِالِاشْتِبَاهِ أَوْ تَلِفَ مِنْهَا شَيْءٌ بَعْدَ الِاشْتِبَاهِ فَقِيَاسُ كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ أَنَّهُ يَضْمَنُ النَّقْصَ فِي الْأُولَى، وَالتَّالِفَ فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِبَاهَ نَاشِئٌ عَنْ نِسْيَانِهِ فَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِهِ لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِيهِ فَإِنْ قُلْت: هَلْ هَذَا الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ الضَّمَانُ عَامٌّ سَوَاءٌ أَصَدَّقَهُ الْمُسْتَحِقُّونَ عَلَى أَنَّ سَبَبَ الِاشْتِبَاهِ النِّسْيَانُ أَمْ كَذَّبُوهُ أَوْ خَاصٌّ بِمَا إذَا كَذَّبُوهُ؟ قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ لِي تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ مَا تَلِفَ بِالِاشْتِبَاهِ يَضْمَنُهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِ فِعْلِهِ كَمَا تَقَرَّرَ وَمَا تَلِفَ بِسَبَبِ فِعْلِهِ لَا فَرْقَ فِي الضَّمَانِ بَيْنَ أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمَالِكُ عَلَى أَنَّهُ تَلِفَ بِذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبَهُ وَمَا تَلِفَ بَعْدَ الِاشْتِبَاهِ لَا يَضْمَنُهُ إلَّا إنْ كَذَّبَهُ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي النِّسْيَانِ بِخِلَافِ مَا إذَا صَدَّقُوهُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ الْوَدِيعَةَ فَصَدَّقَ الْوَدِيعُ أَحَدَهُمَا بِعَيْنِهِ فَلِلْآخَرِ تَحْلِيفُهُ وَإِنْ صَدَّقَاهُ فَالْيَدُ لَهُمَا وَالْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ قَالَ هِيَ لِأَحَدِكُمَا وَنَسِيتُهُ فَإِنْ كَذَّبَاهُ فِي النِّسْيَانِ ضَمِنَ كَالْغَاصِبِ لِتَقْصِيرِهِ بِنِسْيَانِهِ. وَإِنْ صَدَّقَاهُ فِيهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ اهـ. وَالْجَامِعُ بَيْنَ هَذِهِ وَمَسْأَلَتِنَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ النِّسْيَانُ فِيهَا سَبَبًا لِلتَّلَفِ وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ لِلْجَهْلِ بِالْمُسْتَحِقِّ فَكَمَا فَصَلُوا فِي هَذِهِ بَيْنَ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ كَذَلِكَ يُفْصَلُ فِي مَسْأَلَتِنَا بَيْنَ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: فَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ فَمَا يَكُونُ حُكْمُ الْغَلَّاتِ الْمُشْتَبِهَةِ. .. إلَخْ. فَجَوَابُهُ قَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْتُهُ سَابِقًا، وَذَلِكَ لِأَنَّا لَا نَضْمَنُهُ إلَّا مَا تَلِفَ بِسَبَبِ الِاشْتِبَاهِ أَوْ مَا تَلِفَ بَعْدَ الِاشْتِبَاهِ. وَأَمَّا مَا بَقِيَ مُشْتَبِهًا فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ عَلَامَةٌ تُمَيِّزُ بَعْضَهُ عَنْ بَعْضٍ يَقْسِمُهُ بَيْنَ الْمُسْتَحَقِّينَ أَوْ يَتْرُكُهُ إلَى أَنْ يَصْطَلِحُوا كَمَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ ضَمَانٌ فِي الْبَاقِي بِلَا نَقْصٍ هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ كَانَ هُنَاكَ مُجَرَّدُ اشْتِبَاهٍ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَاطٍ، أَوْ مَعَ اخْتِلَاطٍ لَا بِفِعْلِ النَّاظِرُ، وَأَمْكَنَ التَّمْيِيزُ أَمَّا إذَا كَانَ مَعَ اخْتِلَاطٍ لَا بِفِعْلِ النَّاظِرِ وَلَمْ يُمْكِنْ التَّمْيِيزُ فَإِنَّهَا تَصِيرُ مُشْتَرَكَةً كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ عَنْ الشَّيْخَيْنِ فِي الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ، أَوْ بِفِعْلِ النَّاظِرِ وَلَمْ يُمْكِنْ التَّمْيِيزُ فَإِنَّ تِلْكَ الْغَلَّاتِ تَصِيرُ كَالْهَالِكَةِ سَوَاءٌ اخْتَلَطَ كُلٌّ مِنْهَا بِمِثْلِهِ أَمْ بِأَجْوَدَ أَمْ بِأَرْدَأَ لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ فَيَمْلِكُهَا النَّاظِرُ وَلَهُ إبْدَالُهَا أَوْ إعْطَاءُ الْمُسْتَحَقِّينَ مِمَّا اخْتَلَطَ بِمِثْلِهِ أَوْ بِأَجْوَدَ لَا بِأَرْدَأَ إلَّا بِرِضَاهُمْ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْأَرْشُ، وَمَا قَرَّرْتُهُ هُنَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ مُخْتَصِرِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهِ فِيمَنْ غَصَبَ مِنْ اثْنَيْنِ زَيْتَيْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا كَدِرْهَمَيْنِ وَخَلَطَهُمَا بِحَيْثُ صَارَا لَا يَتَمَيَّزَانِ فَيَكُونُ الْمَخْلُوطُ كَالْهَالِكِ وَيَمْلِكُهُ الْغَاصِبُ خِلَافًا لِقَوْلِ الْبُلْقِينِيُّ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْهُ وَلَا يَكُونُ كَالْهَالِكِ، نَعَمْ صَرَّحَ جَمْعٌ بِأَنَّهُ وَإِنْ مَلَكَهُ لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ إلَّا بَعْدَ إيفَاءِ صَاحِبِهِ حَقَّهُ. وَصَرَّحَ الشَّيْخَانِ فِي الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ بِأَنَّهُ لَوْ اخْتَلَطَ نَحْوُ زَيْتَيْنِ لِمَالِكَيْنِ بِانْصِبَابٍ وَنَحْوِهِ كَصَبِّ بَهِيمَةٍ أَوْ بِرِضَا مَالِكِيهِمَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا؛ لِعَدَمِ التَّعَدِّي اهـ. فَكَذَا يُقَالُ بِنَظِيرِهِ هُنَا إذَا لَمْ يَتَعَدَّ النَّاظِرُ بِالْخَلْطِ كَمَا مَرَّ وَفِي صُورَةِ الِاخْتِلَاطِ بِغَيْرِ تَعَدٍّ يُجْبَرُ صَاحِبُ الْأَرْدَإِ عَلَى الْأَخْذِ مِنْ عَيْنِ الْمُخْتَلِطِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ عَيْنُ حَقِّهِ وَبَعْضَهُ خَيْرٌ مِنْهُ بِخِلَافِ صَاحِبِ الْأَجْوَدِ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْأَخْذِ وَلَا الْبَدَلِ مِنْ الْمُخْتَلَطِ، بَلْ يُبَاعُ الْمُخْتَلَطُ وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا بِنِسْبَةِ الْقِيمَةِ، وَلَا يَجُوزُ قِسْمَةُ عَيْنِ الْمُتَفَاضِلَيْنِ عَلَى نِسْبَةِ الْقِيمَةِ لِلتَّفَاضُلِ فِي الْكَيْلِ وَنَحْوِهِ. وَيَأْتِي فِي الْخَلْطِ بِغَيْرِ الْجِنْسِ كَالزَّيْتِ بِالشَّيْرَجِ مَا تَقَرَّرَ فِي خَلْطٍ أَوْ اخْتِلَاطٍ نَحْوُ الزَّيْتَيْنِ مِنْ أَنَّهُ يَصِيرُ كَالْهَالِكِ وَمِنْ أَنَّ الْمُتَعَدِّي بِالْخَلْطِ يَمْلِكُهُمَا، وَمِنْ أَنَّهُ يَكُونُ مُشْتَرَكًا فِي صُورَةِ الِاخْتِلَاطِ بِلَا تَعَدٍّ وَهُنَا يَجُوزُ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْمُفَاضَلَةِ فِي الْقِسْمَةِ لِأَنَّ التَّفَاضُلَ جَائِزٌ مَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِبَرَكَاتِهِ - عَنْ شَاةٍ مَذْبُوحَةٍ وُجِدَتْ فِي مَحَلَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِبَلَدِ كُفَّارٍ وَثَنِيَّةٍ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَجُوسِيٌّ وَلَا يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، فَهَلْ يَحِلُّ أَكْلُ تِلْكَ الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ الَّتِي وُجِدَتْ فِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ بِبَلَدٍ فِيهِ مَنْ يَحِلُّ ذِبْحُهُ كَمُسْلِمٍ أَوْ

стр. 45

يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ، وَمَنْ لَا يَحِلُّ ذِبْحُهُ كَمَجُوسِيٍّ أَوْ وَثَنِيٍّ أَوْ مُرْتَدٍّ أَوْ مُتَوَلَّدٍ بَيْنَ مَنْ يَحِلُّ ذِبْحُهُ وَمَنْ لَا يَحِلُّ ذِبْحُهُ، وَرُئِيَ بِتِلْكَ الْبَلَدِ شِيَاهٌ مَذْبُوحَةٌ مَثَلًا وَشُكَّ هَلْ ذَبَحَهَا مَنْ يَحِلُّ ذِبْحُهُ لَمْ تَحِلَّ لِلشَّكِّ فِي الذَّبْحِ الْمُبِيحِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ نَعَمْ بَحَثَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ مَنْ يَحِلُّ ذِبْحُهُ لَوْ كَانَ أَغْلِبَ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ كَأَنْ كَانَ أَكْثَرُهَا مُسْلِمِينَ أَوْ كِتَابِيِّينَ حَلَّتْ تِلْكَ الشِّيَاهُ الْمَذْبُوحَةُ مَثَلًا، وَالْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِالْبَلَدِ دُونَ الْمَحَلَّةِ مِنْهَا حَتَّى لَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ مَحَلَّةٌ كُلُّ أَهْلِهَا مُسْلِمُونَ وَبَقِيَّةُ مَحَالِّهَا كُفَّارٌ أَوْ كُفَّارٌ وَمُسْلِمُونَ، وَمَنْ لَا يَحِلُّ ذِبْحُهُ أَكْثَرُ حُرِّمَتْ تِلْكَ الشَّاةُ وَإِنْ وُجِدَتْ فِي مَحَلَّةٍ مِنْ الْبَلَدِ، وَلَيْسَ بِتِلْكَ الْمَحَلَّةِ كَافِرٌ. لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لَيْسَ بِالْمَحَلَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ بِجَمِيعِ الْبَلَدِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الشَّكِّ فَحَيْثُ شُكَّ فِي ذَابِحِ تِلْكَ الشَّاةِ، وَمَنْ لَا يَحِلُّ ذِبْحُهُ أَكْثَرُ حُرِّمَتْ وَإِلَّا فَلَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ أَرْضٍ بَعْضُهَا صَدَقَةٌ عَلَى جِهَةٍ أَوْ مُعَيَّنٍ، وَبَاقِيهَا مِلْكٌ لِطَائِفَةٍ وَجَهِلَ كَمْ قَدْرُ الصَّدَقَةِ مِنْ الْأَرْضِ، أَيَجُوزُ التَّحَرِّي هُنَا أَوْ لَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ فَتَحَرَّى فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ مَا حُكْمُهُ؟ وَكَذَلِكَ نَخْلَةٌ عَلَى جِهَةٍ أَوْ مُعَيَّنٍ فِي نَخَلَاتٍ مَمْلُوكَةٍ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا صَرَّحُوا بِمَا يَعُمُّ ذَلِكَ وَغَيْرَهُ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَجْوِبَةِ أَسْئِلَةِ الْفَقِيهِ الْإِمَامِ عُثْمَانَ، وَيُوَافِقُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي بَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ لَوْ اخْتَلَطَ حَمَامُهُ بِحَمَامِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَتَمَيَّزَا فَلَهُ أَخْذُ قَدْرِ مِلْكِهِ بِالِاجْتِهَادِ وَالْوَرَعِ لَا يَخْفَى، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَحَرَّى وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ صَدَقَةٌ وَمَا شَكَّ فِيهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ هَذَا إنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْبَعْضِ الصَّدَقَةَ وَالْبَعْضُ الْمِلْكَ مُفْرَزًا عَنْ الْآخَرِ قَبْلَ الِاشْتِبَاهِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْأَرْضِ صَدَقَةً مَشَاعًا وَبَعْضُهَا مِلْكًا مَشَاعًا، وَانْبَهَمَ فَيَجُوزُ الِاجْتِهَادُ أَيْضًا وَلَهُ أَخْذُ مَا ظَنَّهُ حَقَّهُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ: لَوْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ أَوْ دُهْنٌ حَرَامٌ بِدَرَاهِمِهِ أَوْ دُهْنِهِ مَثَلًا فَلَهُ إفْرَازُ غَيْرِ مِلْكِهِ، وَصَرْفُهُ لِجِهَةِ اسْتِحْقَاقِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِي الْبَاقِي وَجَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الشَّرِيكَ لَا يَسْتَقِلُّ بِالْقِسْمَةِ فَلْيَرْفَعْهُ إلَى الْقَاضِي؛ لِيُقَاسِمَهُ عَنْ الْمَالِكِ إذَا تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ أَوْ حُضُورُهُ، فَإِلْحَاقُ الرَّافِعِيِّ لَهُ بِالِاخْتِلَاطِ الْحَمَامَيْنِ كَأَنَّهُ أَرَادَ فِي طَرِيقِ التَّصَرُّفِ اهـ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْأَوْجَهَ بَقَاءُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ حَاضِرًا وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِالْقِسْمَةِ هُنَا عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ؛ لِلضَّرُورَةِ إذْ لَوْ كَلَّفْنَاهُ الرَّفْعَ لِلْقَاضِي احْتَاجَ إلَى إثْبَاتِ مِلْكِهِ وَالِاخْتِلَاطِ مَعَ مَا فِي الرَّفْعِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالْكُلْفَةِ؛ فَلِذَلِكَ سَاغَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِالْقِسْمَةِ فِيمَا ذُكِرَ كَمَا جَازَ لِلدَّائِنِ الظَّفَرُ بِمَالِ مَدِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ وَيَجْرِي نَظِيرُ هَذَا فِي صُورَتِنَا فِيمَا يَظْهَرُ فَلَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِأَخْذِ جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ مَثَلًا بِقَدْرِ حِصَّةِ حَقِّهِ ظَنًّا، وَلَا يَلْزَمُهُ الرَّفْعُ لِلْقَاضِي لِلضَّرُورَةِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ اخْتَلَطَ حَمَامُهُ بِحَمَامَةٍ فَلَهُ أَكْلُهُ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ فِيهِ إلَّا وَاحِدَةً، وَصَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَ ثَمَرُ غَيْرِهِ بِثَمَرِهِ وَحَكَى الرُّويَانِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَاحِدَةً حَتَّى يُصَالِحَ ذَلِكَ الْغَيْرَ أَوْ يُقَاسِمَهُ، وَلِنَاظِرِ الصَّدَقَةِ وَالْمَالِكِ الْقِسْمَةُ بِالرِّضَا إنْ رَأَى النَّاظِرُ الْمَصْلَحَةَ فِي الْقِسْمَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ فِي اخْتِلَاطِ الْحَمَامِ: لِلْمَالِكَيْنِ ذَلِكَ مَعَ الْجَهْلِ لِلضَّرُورَةِ وَإِنَّمَا اشْتَرَطْت فِي النَّاظِرِ مَا ذَكَرْته؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ عَنْ الْغَيْرِ فَلَزِمَ أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ لَهُ إلَّا بِالْمَصْلَحَةِ كَمَا هُوَ شَأْنُ كُلِّ مُتَصَرِّفٍ عَنْ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - بِمَا لَفْظُهُ هَلْ غَلَبَةُ الظَّنِّ تُخَالِفُ مُجَرَّدَ الظَّنِّ إذْ هُوَ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: جَرَى ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى اتِّحَادِهِمَا حَيْثُ قَالَ فِي قَوْلِ الْغَزَالِيِّ فِي الْقَذْفِ: (وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زِنَاهَا) اسْتَعْمَلَ هُوَ وَغَيْرُهُ الظَّنَّ هُنَا فِي مُطْلَقِ التَّرَدُّدِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الرَّاجِحِ مِنْهُ، وَهُوَ اصْطِلَاحُ الْمُتَقَدِّمِينَ إذْ جَعَلَ غَلَبَةَ الظَّنِّ هِيَ الْمُؤَثِّرَةُ، وَلَوْ اسْتَعْمَلَهُ بِحَسَبِ اصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَقْيِيدِهِ بِالْغَلَبَةِ لِأَنَّ أَوَّلَ الدَّرَجَاتِ تَكْفِي فِيهِ إذَا لَا ضَابِطَ بَعْدَهَا وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِي اكْتِفَائِهِ هُنَا بِمُجَرَّدِ الرُّجْحَانِ نَظَرًا، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ خِلَافُهُ، وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى مُجَرَّدِ الرُّجْحَانِ وَكَذَا فَهِمَهُ صَاحِبُ الْإِمَامِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْهُ فَقَالَ: إذَا عَلِمَ زِنَاهَا يَقِينًا أَوْ

стр. 46

غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ قَرِيبًا مِنْ الْعِلْمِ، وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي كُتُبِهِ: (أَوْ ظَنَّهُ ظَنًّا مُؤَكَّدًا) يُشِيرُ لِذَلِكَ، وَاعْتِبَارُهُمْ لِجَوَازِ الْقَذْفِ الطَّرَفَ الْمَذْكُورَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُطْلَقُ الظَّنِّ، بَلْ ظَنٌّ خَاصٌّ غَالِبٌ وَهُوَ يَنْشَأُ عَنْ الطَّرَفِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الرُّجْحَانِ اهـ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ حَسَنٌ بَالِغٌ. (وَسُئِلَ) ﵁ قَوْلُهُمْ فِي بَابِ الْآنِيَةِ: لَوْ تَحَيَّرَ الْأَعْمَى قَلَّدَ بَصِيرًا فَإِنْ فَقَدَ الْبَصِيرَ تَيَمَّمَ الْأَعْمَى، مَا ضَابِطُ الْفَقْدِ هُنَا؟ هَلْ يُضْبَطُ بِمَا قَالُوهُ فِي التَّيَمُّمِ فِي فَقْدِ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؟ وَمَا هُوَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّ الَّذِي يُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَقْدِ فِيهِ وَفِي نَظَائِرِهِ كَالْوَقْتِ وَالْقِبْلَةِ عَدَمُ وُجُودِ مُخْبِرٍ لَهُ حَالَةَ التَّحَيُّرِ فَلَا يُكَلَّفُ طَلَبَهُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَالُوهُ فِي الْمَاءِ بِأَنَّ الْغَالِبَ فِي طَلَبِ الْمَاءِ أَنَّهُ يُحَصِّلُهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَرْقًا بَيْنَ تَوَهُّمِ الْمَاءِ وَتَوَهُّمِ الْبُرْءِ. وَلَيْسَ الْغَالِبُ فِي طَلَبِ الْمُقَلِّدِ تَحْصِيلَهُ بِالْوَصْفِ الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّهُ بِفَرْضِ وُجُودِهِ قَدْ يَتَحَيَّرُ أَيْضًا فَلَمْ يَكُنْ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ حُصُولِ مَقْصُودِهِ بِالطَّلَبِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ وَاكْتُفِيَ فِي تَيَمُّمِهِ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ وُجُودِهِ حَالَةَ التَّحَيُّرِ، نَعَمْ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ إنْسَانًا حِينَئِذٍ سَأَلَهُ وَهَلْ يَجِبُ سُؤَالُهُ احْتِيَاطًا أَوْ لَا يَجِبُ؟ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَحَيَّرُ أَيْضًا كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَيُتَّجَهُ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ حَيْثُ لَا مَشَقَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَمْ يُؤَخِّرْ إلَى أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ، لَعَلَّهُ يَجِدُ مَنْ يُقَلِّدُهُ؟ قُلْت: فِي صَبْرِهِ لِذَلِكَ مَشَقَّةٌ بَلْ وَخَشْيَةُ فَوَاتٍ بِطَرْقِ مَوْتٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلَمْ يُكَلَّفْهُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ بَحْثُ مَنْ بَحَثَ فِي الْبَصِيرِ الْمُتَحَيِّرِ وَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوِهِمَا الصَّبْرَ إلَى ضِيقِ الْوَقْتِ ضَعِيفًا كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ. فَإِنْ قُلْت: الْبُرْءُ فِعْلُ اللَّهِ فَكَيْفَ قِيلَ: بِوُجُوبِ طَلَبِهِ أَوْ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ، أَيْ بَلْ يَنْدُبُهُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، قُلْت: الْمُرَادُ بِطَلَبِ الْبُرْءِ الْكَشْفُ عَنْهُ هَلْ وُجِدَ أَمْ لَا وَهَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ فِعْلَ اللَّهِ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ هُوَ إيجَادُ الْبُرْءِ لَا هُوَ، بَلْ هُوَ أَثَرُهُ، وَكَذَلِكَ وُجُودُ الْمَاءِ فَإِيجَادُهُ فِعْلُ اللَّهِ، وَوُجُودُهُ أَثَرُ فِعْلِهِ فَكَمَا قَالُوا فِيهِ بِالطَّلَبِ إثْبَاتًا وَنَفْيًا، فَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْبُرْءِ. [بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ] (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ كَرَاهَةِ الْبَوْلِ تَحْتَ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ هَلْ تَخْتَصُّ بِمَا إذَا كَانَ الْغَالِبُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَقَعُ عَلَى مَكَانِهَا قَبْلَ الثَّمَرَةِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِأَنَّ الْجَوَابَ عَنْهُ قَدْ ذَكَرْت فِي شَرْحِي لِلْإِرْشَادِ وَمُخْتَصَرِهِ مَا يُصَرِّحُ بِهِ حَيْثُ قُلْت وَيُكْرَهُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ تَحْتَ شَجَرٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُثْمِرَ وَلَوْ مُبَاحًا، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِ الثَّمَرَةِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ التَّلْوِيثِ عِنْدَ الْوُقُوعِ فَتَعَافُهَا الْأَنْفُسُ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَأْتِي تَحْتَهَا مَا يُزِيلُ ذَلِكَ قَبْلَ الثَّمَرَةِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِسْنَوِيُّ بَحْثًا فَقَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ تَحْتَ شَجَرَةٍ تُسْقَى قَبْلَ طُلُوعِ الثَّمَرَةِ اهـ. وَوَجْهُهُ حُصُولُ الْأَمْنِ مِنْ التَّلْوِيثِ حِينَئِذٍ كَمَا تَقَرَّرَ وَيَكْفِي فِي حُصُولِهِ اطِّرَادُ الْعَادَةِ بِذَلِكَ، فَاسْتِبْعَادُ بَعْضِهِمْ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي جِهَةٍ لَا يَحْصُلُ السَّقْيُ مِنْهَا أَوْ بِطَرْقِ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ لِمَوْضِعِ الْبَوْلِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ إذْ الصُّورَةُ أَنَّهُ يَغْلِبُ عَادَةً مَجِيءُ الْمَاءِ إلَى مَحَلِّ الْبَوْلِ فَيُطَهِّرُهُ. وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ لِأَنَّ التَّنْجِيسَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، وَبَحْثُ الرَّافِعِيِّ أَنَّ كَرَاهَةَ الْبَوْلِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجِفُّ وَقَدْ يَخْفَى فَلَا يُحْتَرَزُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْغَائِطِ اهـ. حَاصِلُ مَا ذَكَرْته فِي هَذَا الْمَحَلِّ عَنْ الشَّرْحَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَبِهِ يَتَّضِحُ الْجَوَابُ عَمَّا فِي السُّؤَالِ، ثُمَّ تَعْطِيلُ الرَّافِعِيِّ كَوْنَ كَرَاهَةِ الْبَوْلِ أَشَدَّ بِمَا ذُكِرَ قَدْ يُنَازَعُ فِيهِ وَيُقَالُ: بَلْ كَرَاهَةُ الْغَائِطِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ الْعَافِيَةَ فِيهِ أَشَدُّ أَلَا تَرَى أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النُّفُوسِ لَا تَعَافُ أَكْلَ الَّذِي غُسِلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْبَوْلِ، وَتَكْرَهُ أَكْلَ مَا تَلَوَّثَ بِالْغَائِطِ وَإِنْ غُسِلَ وَأُمْعِنَ فِي غَسْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِمَا صُورَتُهُ قَوْلُهُمْ: إذَا هَبَّتْ رِيحٌ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ أَوْ شِمَالِهَا جَازَ مُحَاذَاتُهَا مُشْكِلٌ، فَإِنَّ مُحَاذَاةَ الْقِبْلَةِ حَرَامٌ، وَمُحَاذَاةَ الرِّيحِ مَكْرُوهَةٌ، وَلَوْ فِي حَالِ هُبُوبِهَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَعِبَارَتُهُ: (يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الرِّيحِ بِالْبَوْلِ فَكَيْفَ جَازَ ارْتِكَابُ الْحَرَامِ لِاجْتِنَابِ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّمَا جَازَ الِاسْتِقْبَالُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَهُ يَعُودُ إلَى ضَرَرٍ يَلْحَقُ الْمُكَلَّفَ، وَهُوَ عَوْدُ الرَّشَاشِ عَلَيْهِ الْمُنَجِّسِ لِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ؛ فَسَقَطَ الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ، وَقَوْلُ الْمَجْمُوعِ: مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ عَوْدُ رَشَاشٍ يُنَجِّسُهُ وَإِلَّا حُرِّمَ

стр. 47

كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ الِاسْتِنْجَاءِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ هَلْ يَحْرُمُ أَوْ لَا؟ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ الْمُدَرِّسِينَ وَفَعَلَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ: الِاسْتِتَارُ أَدَبٌ وَيَحْصُلُ وَلَوْ بِإِرْخَاءِ الذَّيْلِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ لِذَلِكَ لِتَنَجُّسِ مَاءِ الْبُيُوتِ بِمَا تُلْقِيه الْفِئْرَانُ فِي حِيضَانِهَا مَعَ قِلَّةِ مَائِهَا، وَلِأَنَّهُ يَبْعُدُ مِنْ النَّاسِ النَّظَرُ إلَى عَوْرَةِ الْمُسْتَنْجِي كَاشِفًا لِعَوْرَتِهِ بَلْ كُلُّهُمْ يَغُضُّونَ عَنْهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ النَّظَرِ إلَيْهِ فَالْحُرْمَةُ عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْهِ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ اُبْسُطُوهُ مَعَ دَلِيلِهِ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَحْرُمُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي بَابِ جَوَازِ الِاغْتِسَالِ عُرْيَانًا فِي الْخَلْوَةِ، وَعِبَارَتُهُ: (يَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ فِي الْخَلْوَةِ، وَذَلِكَ كَحَالَةِ الِاغْتِسَالِ وَحَالَةِ الْبَوْلِ وَحَالِ مُبَاشَرَةِ الزَّوْجَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا كُلُّهُ جَائِزٌ فِيهِ التَّكَشُّفُ فِي الْخَلْوَةِ، وَأَمَّا بِحَضْرَةِ النَّاسِ فَيَحْرُمُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي كُلِّ ذَلِكَ اهـ. فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ - تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي الْمُدَّعِي، وَأَبْلُغَ رَادٍّ عَلَى مَنْ زَعَمَ إبَاحَةَ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ إطْلَاقُهُمْ تَحْرِيمَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَوُجُوبَ سَتْرِهَا وَلَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْكَشْفَ فِي الْخَلْوَةِ لِحَاجَةٍ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِعْيَارُ الْعُمُومِ، فَنَتَجَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَلَامَهُمْ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَلَا يُقَالُ أَنَّهُ مِنْ تَفَرُّدَاتِهِ، وَأَمَّا عَدُّهُمْ السَّتْرَ مِنْ الْأَدَبِ الْمُسْتَحَبِّ لِقَاضِي الْحَاجَةِ، فَمُرَادُهُمْ بِهِ السَّتْرُ فِي الْخَلْوَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا مَرَّ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ وَالْأَصْحَابِ، فَإِذَا قَضَى الْحَاجَةَ خَالِيًا بِالصَّحْرَاءِ وَنَحْوِهَا سُنَّ لَهُ السَّتْرُ بِشَرْطِهِ مِنْ الِارْتِفَاعِ وَالْقُرْبِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَكْفِي فِيهِ إرْخَاءُ الذَّيْلِ، وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُرَادُهُمْ تَعْلِيلُهُمْ النَّدْبَ بِقَوْلِهِمْ؛ لِئَلَّا يَمُرَّ بِهِ أَحَدٌ فَيَرَى عَوْرَتَهُ. أَمَّا مَنْ بِحَضْرَةِ النَّاسِ فِي نَحْوِ الصَّحْرَاءِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَدَبَانِ الْإِبْعَادِ وَالِاسْتِتَارِ بِجُمْلَتِهِ عَنْ الْأَعْيُنِ وَاِتِّخَاذِ السُّتْرَةِ إذَا صَارَ مُسْتَتِرًا عَنْ الْأَعْيُنِ؛ لِئَلَّا يَمُرَّ بِهِ أَحَدٌ فَيَرَى عَوْرَتَهُ، وَذَلِكَ لِمَا صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِنْ طُرُقٍ «أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ» وَلِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبَ رَمْلٍ - فَلْيَسْتَتِرْ بِهِ» . وَأَدَبُ السَّتْرِ فِي حَقِّ قَاضِي الْحَاجَةِ فِي الْبُنْيَانِ أَنْ يَسْتَتِرَ بِجُمْلَتِهِ فِي بِنَاءٍ مُسَقَّفٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَأَمَّا سَتْرُ الْعَوْرَةِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى حُكْمِهِ مِنْ الْوُجُوبِ وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ فِي الظُّهُورِ بِحَيْثُ لَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ سِوَاهُ؛ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ فِي بَابِ الِاسْتِطَابَةِ؛ اكْتِفَاءً بِإِطْلَاقِهِمْ وُجُوبَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَنَقْلَهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهَا، وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ حُصُولَ الْفَرْضِ مِنْ السَّتْرِ بِإِرْخَاءِ الذَّيْلِ لَا يُنَافِي وُجُوبَهُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ أَدَبًا بَلْ هُوَ مِمَّا يَتَأَدَّى بِهِ وَاجِبُ السَّتْرِ فَلَا يُؤَيِّدُ زَعْمَ مَنْ ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ، وَزَعْمُهُ الِاحْتِيَاجَ لِذَلِكَ بِمَا ذَكَرَ بَاطِلٌ فَإِنَّ الزَّرْكَشِيّ صَرَّحَ بِأَنَّ مَا تُلْقِيه الْفِئْرَانُ فِي حِيَاضِ الْبُيُوتِ الْقَلِيلَةِ الْمَاءِ مِنْ الْغَائِطِ يُعْفَى عَنْهُ، أَيْ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَإِنْ قُلْت هَذَا ظَاهِرٌ إنْ تَحَقَّقَ إلْقَاءُ الْفِئْرَانِ لَهُ. قُلْت: هُوَ الظَّاهِرُ وَلَا نَظَرَ لِاحْتِمَالِ خِلَافِهِ؛ لِبُعْدِ صُدُورِ ذَلِكَ مِنْ عَاقِلٍ، وَزَعْمُهُ أَنَّهُ يَبْعُدُ مِنْ النَّاسِ النَّظَرُ إلَيْهِ زَعْمٌ بَاطِلٌ أَيْضًا فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، نَعَمْ إنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَثِقُ مِنْهُ بِعَدَمِ النَّظَرِ إلَيْهِ - جَازَ التَّكَشُّفُ لِلِاسْتِنْجَاءِ وَنَحْوِهِ بِحَضْرَتِهِ، وَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إلَّا زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَزَعْمُهُ أَنَّهُ إذَا كَشَفَ عَوْرَتَهُ كَانَتْ الْحُرْمَةُ عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْهِ بَاطِلٌ أَيْضًا، بَلْ الْحُرْمَةُ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ فِي الْحَرَامِ وَمُعِينٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُلْت: قَدْ لَا يُوجَدُ فِي حِيضَانِ الْبُيُوتِ مَاءٌ وَيَضِيقُ الْوَقْتُ أَوْ يَخْشَى فَوَاتَ الْجُمُعَةِ لَوْ لَمْ يَسْتَنْجِ إلَّا مَعَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فَهَلْ يُبَاحُ لَهُ حِينَئِذٍ الِاسْتِنْجَاءُ مَعَ كَشْفِهَا لِلضَّرُورَةِ قُلْت: يُحْتَمَلُ الْجَوَازُ حِينَئِذٍ حَيْثُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ مَاءٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ وَلَا حَجَرٌ يُجْزِئُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِلضَّرُورَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى حَالِهِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَيُعِيدُ، فَإِنْ قُلْت: هَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ هَلْ هُمَا فِي الْجَوَازِ أَوْ الْوُجُوبِ؟ قُلْت: يُحْتَمَلُ اخْتِصَاصُهُمَا بِالْجَوَازِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَطْعًا؛ لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِهِ كَشْفَ عَوْرَتِهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ مَشَقَّةٌ وَخَرْمُ مُرُوءَةٍ لَا يُطَاقُ تَحَمُّلُهَا لَا سِيَّمَا إنْ كَانَتْ لَهُ وَجَاهَةٌ أَوْ مَرْتَبَةٌ تَأْبَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ جَرَيَانُهُمَا فِي الْوُجُوبِ أَيْضًا لِأَنَّ هَذَا كَشْفٌ لِضَرُورَةٍ، وَمَعَ الضَّرُورَةِ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ، وَاَلَّذِي يَنْقَدِحُ الْآنَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ لِمَا ذَكَرَتْهُ، وَأَنَّ

стр. 48

الْجَوَازَ مُحْتَمَلٌ. (وَسُئِلَ) ﵁ كَيْفَ قَوْلُهُمْ يُكْرَهُ لِقَاضِي الْحَاجَةِ مُحَاذَاةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَ أَنَّ الْقِبْلَةَ إنَّمَا كَانَتْ صَخْرَتَهُ لَا هُوَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْقِبْلَةَ هِيَ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهَا الصَّخْرَةُ، فَإِطْلَاقُ اسْمِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَيْهَا مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ هَلْ يَجُوزُ غَسْلُ الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ بِمَطْعُومٍ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ «امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَهَا عَلَى حَقِيبَةٍ فَحَاضَتْ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْسِلَ الدَّمَ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ الْحَدِيثُ.» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ الْخَطَّابِيِّ: الْمِلْحُ مَطْعُومٌ فَقِيَاسُهُ جَوَازُ غَسْلِ الثَّوْبِ بِالْعَسَلِ كَثَوْبِ الْإِبْرَيْسَمِ الَّذِي يُفْسِدُهُ الصَّابُونُ، وَبِالْخَلِّ إذَا أَصَابَهُ حِبْرٌ وَنَحْوُهُ، قَالَ: وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا التَّدَلُّكُ بِالنُّخَالَةِ، وَغَسْلُ الْأَيْدِي بِدَقِيقِ الْبَاقِلَّاءِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَهُ قُوَّةُ الْجِلَاءِ، وَحَدَّثُونَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ دَخَلْت الْحَمَّامَ بِمِصْرَ فَرَأَيْت الشَّافِعِيَّ ﵁ يَتَدَلَّكُ بِالنُّخَالَةِ اهـ. فَعُلِمَ بِهِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْمَطْعُومِ فِي إزَالَةِ الْأَوْسَاخِ وَالنَّجَاسَةِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ، وَيُفَارِقُ الِاسْتِنْجَاءَ بِأَنَّهُ أَفْحَشُ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ الْمُزِيلَ هُوَ الْمَاءُ بِوَاسِطَتِهِ فَلَمْ يُبَاشِرْ النَّجَاسَةَ كَمُبَاشَرَتِهِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِكُتُبِ الْمَنْطِقِ وَالْفَلْسَفَةِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؟ وَهَلْ يَحْرُمُ مُطَالَعَةُ هَذَيْنِ وَالِاشْتِغَالِ بِالْأَوَّلَيْنِ أَوْ لَا؟ الْقَصْدُ بَسْطُ ذَلِكَ وَتَحْرِيرُهُ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِجَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَوَّلَيْنِ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ فِي كُتُبِ الْفَلْسَفَةِ وَاضِحٌ، وَأَمَّا فِي كُتُبِ الْمَنْطِقِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِهِ فَشَرْطُهُ كَالْأَوَّلِ أَنْ يَخْلُوَ ذَلِكَ الطِّرْسُ الْمُسْتَنْجَى بِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ اسْمٌ مُعَظَّمٌ كَمَا شَمِلَهُ قَوْلُ الْكِفَايَةِ وَغَيْرُهَا: يَحْرُمُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَا عَلَيْهِ اسْمٌ مُعَظَّمٌ كَاسْمِ اللَّهِ أَوْ اسْمِ رَسُولِهِ ﷺ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ الْمَلَائِكَةِ. وَقَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي كَلَامِ مُتَقَدِّمٍ وَلَا مُتَأَخِّرٍ، بَلْ كُلُّهُمْ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِجَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِذَلِكَ وَهْمٌ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا مَا قَيَّدْنَا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِسَطْرٍ وَنَحْوِهِ فَأَيُّ حَاجَةٍ إلَى التَّقْيِيدِ بِهِ حِينَئِذٍ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِجَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالتَّوْرَاةِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَقَيَّدَهُ مَنْ بَعْدَهُ بِمَا عُلِمَ تَبْدِيلُهُ مِنْهَا وَإِلَّا فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ يَجِبُ تَعْظِيمُهُ، وَوَاضِحٌ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ أَيْضًا بِمَا إذَا خَلَا عَنْ اسْمٍ مُعَظَّمٍ، ثُمَّ فِي تَبْدِيلِهَا أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا كُلَّهَا بُدِّلَتْ، فَلَعَلَّ الْقَاضِيَ اعْتَمَدَ هَذَا؛ فَأَطْلَقَ مَا مَرَّ. ثَانِيهَا: بُدِّلَ أَكْثَرُهَا، وَأَدِلَّتُهُ كَثِيرَةٌ، وَالْأَوَّلُ قِيلَ: مُكَابَرَةً إذْ الْأَخْبَارُ وَالْآيَاتُ كَثِيرَةٌ فِي أَنَّهُ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يُبَدَّلْ. ثَالِثُهَا: بُدِّلَ أَقَلُّهَا وَنَصَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَابِعُهَا: بُدِّلَ مَعْنَاهَا فَقَطْ دُونَ لَفْظِهَا، وَاخْتَارَهُ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِ صَحِيحِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاغْتَرَّ بِهَذَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي حُجَجِهِ وَجَوَّزَ مُطَالَعَتَهَا، وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُمْ حَرَّفُوا وَبَدَّلُوا، وَالِاشْتِغَالُ بِالنَّظَرِ فِيهَا وَبِكِتَابَتِهَا لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ «، وَقَدْ غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ صَحِيفَةً فِيهَا شَيْءٌ مِنْهَا وَقَالَ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا وَمَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِي» ، وَلَوْلَا أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ مَا غَضِبَ مِنْهُ اهـ. لَكِنْ تَعَقَّبَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: إنْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ فَلَا كَلَامَ، وَقَدْ قَيَّدَهُ بِالِاشْتِغَالِ بِكِتَابَتِهَا وَنَظَرِهَا فَإِنْ أَرَادَ مَنْ يَتَشَاغَلُ بِذَلِكَ فَقَطْ فَلَا يَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ؛ لِأَنَّهُ يُفْهِمُ الْجَوَازَ إذَا تَشَاغَلَ بِغَيْرِهِ مَعَهُ، وَإِنْ أَرَادَ مُطْلَقَ التَّشَاغُلِ فَهُوَ مَحَلُّ النَّظَرِ، وَفِي وَصْفِهِ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ بِالْبُطْلَانِ نَظَرٌ أَيْضًا فَإِنَّهُ نُسِبَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالتَّوْرَاةِ وَلِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ الدَّفْعِ بِالصَّدْرِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي قَضِيَّةِ عُمَرَ إذْ قَدْ يَغْضَبُ مِنْ فِعْلِ الْمَكْرُوهِ، وَخِلَافِ الْأَوْلَى مِمَّنْ لَا يَلِيقُ بِهِ كَتَطْوِيلِ مُعَاذٍ الصُّبْحَ بِالْقِرَاءَةِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ كَرَاهَةَ ذَلِكَ لِلتَّنْزِيهِ، وَالْأَوْلَى التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الرَّاسِخِ فِي الْإِيمَانِ فَلَهُ النَّظَرُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِينَ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ نَقْلُ الْأَئِمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ التَّوْرَاةِ وَإِلْزَامُهُمْ الْيَهُودَ بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا يَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْ كِتَابِهِمْ، وَلَوْلَا اعْتِقَادُهُمْ جَوَازَ النَّظَرِ فِيهِ لَمَا فَعَلُوهُ وَتَوَارَدُوا عَلَيْهِ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ وَاضِحٌ فَلَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَإِنْ اعْتَمَدَ السُّبْكِيّ مَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَأَطَالَ فِي الِانْتِصَارِ لَهُ، وَنَقَلَهُ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَالشَّافِعِيُّ

стр. 49

وَأَصْحَابُهُ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ: (وَبَعْضُ النَّاسِ يَعْتَقِدُ أَنَّ نَظَرَهُ فِي ذَلِكَ فَضِيلَةٌ، وَهُوَ عَيْنُ النُّقْصَانِ) وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ احْتِجَاجًا عَلَى وُجُوبِ إعْدَامِهَا: (إذَا دَخَلَتْ تَحْتَ أَيْدِينَا أَنَّهَا جَمَعَتْ شَيْئًا مِنْ كَلَامٍ بَاطِلٍ قَطْعًا، وَقَدْ اخْتَلَطَ بِمَا لَمْ يُبَدَّلْ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ فَوَجَبَ إعْدَامُ الْجَمِيعِ وَلَا يَتَوَقَّفُ فِي هَذَا إلَّا جَاهِلٌ اهـ. فَلْيُحْمَلْ مَا ذَكَرَهُ هُوَ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَلَى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ أَوْ مُتَمَكِّنٍ لَمْ يَقْصِدْ بِالنَّظَرِ فِيهَا مَصْلَحَةً دِينِيَّةً أَمَّا مُتَمَكِّنٌ قَصَدَ ذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ وَيَأْتِي مَا ذُكِرَ فِيهَا فِي الْإِنْجِيلِ، وَأَمَّا الِاشْتِغَالُ بِالْفَلْسَفَةِ وَالْمَنْطِقِ فَقَدْ أَفْتَى بِتَحْرِيمِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَشَنَّعَ عَلَى الْمُشْتَغِلِ بِهِمَا وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَفِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إخْرَاجُ أَهْلِهِمَا مِنْ مَدَارِسِ الْإِسْلَامِ وَسَجْنُهُمْ وَكِفَايَةُ شَرِّهِمْ قَالَ: وَإِنْ زَعَمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِعَقَائِدِهِمْ، فَإِنَّ يُكَذِّبُهُ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالَاتُ الِاصْطِلَاحَاتِ الْمَنْطِقِيَّةِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَمِنْ الْمُنْكَرَاتِ الْمُسْتَشْنَعَةِ، وَلَيْسَ بِهَا افْتِقَارٌ إلَى الْمَنْطِقِ أَصْلًا، وَمَا يَزْعُمُهُ الْمَنْطِقِيُّ لِلْمَنْطِقِ مِنْ الْحَدِّ وَالْبُرْهَانِ فَقَعَاقِعُ قَدْ أَغْنَى اللَّهُ عَنْهَا كُلَّ صَحِيحِ الذِّهْنِ لَا سِيَّمَا مَنْ خَدَمَ نَظَرِيَّاتِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ هَذَا حَاصِلُ شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَلْسَفَةِ صَحِيحٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَمَا ذَكَرْته مِنْ تَحْرِيمِهَا هُوَ الصَّحِيحُ أَوْ الصَّوَابُ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْخُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ، وَنُصُوصُ الشَّافِعِيِّ ﵁ نَاصَّةٌ عَلَى تَقْبِيحِ تَعَاطِيهِ، وَنُقِلَ عَنْهُ التَّعْزِيرُ عَلَى ذَلِكَ اهـ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَنْطِقِ فَمُعَارَضٌ بِقَوْلِ الْغَزَالِيِّ فِي مُقَدِّمَةِ الْمَنْطِقِ فِي أَوَّلِ الْمُسْتَصْفَى: (هَذِهِ مُقَدِّمَةُ الْعُلُومِ كُلِّهَا وَمَنْ لَا يُحِيطُ بِهَا فَلَا ثِقَةَ لَهُ بِمَعْلُومِهِ أَصْلًا) . وَقَوْلُهُ فِي الْمُنْقِذِ مِنْ الضَّلَالِ. (وَأَمَّا الْمَنْطِقِيَّاتُ فَلَا يَتَعَلَّقُ شَيْءٌ مِنْهَا فِي الدِّينِ نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا، بَلْ وَهُوَ نَظَرٌ فِي طُرُقِ الْأَدِلَّةِ وَالْمَقَايِيسِ وَشُرُوطِ مُقَدِّمَةِ الْبُرْهَانِ وَكَيْفِيَّةِ تَرْكِيبِهَا وَشُرُوطِ الْحَدِّ الصَّحِيحِ وَكَيْفِيَّةِ تَرْتِيبِهَا، وَإِنَّ الْعِلْمَ، إمَّا تَصَوُّرٌ وَسَبِيلُ مَعْرِفَتِهِ الْحَدُّ، وَإِمَّا تَصْدِيقٌ وَسَبِيلُ مَعْرِفَتِهِ الْبُرْهَانُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْكَرَ فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا يَتَمَسَّكُ بِهِ الْمُتَكَلِّمُونَ، وَأَهْلُ النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ، وَإِنَّمَا يُفَارِقُونَهُمْ فِي الْعِبَارَاتِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، وَبِزِيَادَةِ الِاسْتِقْصَاءِ فِي التَّفْرِيعَاتِ وَالتَّشْعِيبَاتِ، وَمِثَالُ كَلَامِهِمْ فِيهِ: إذَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ لَزِمَ مِنْهُ أَنَّ بَعْضَ الْحَيَوَانِ إنْسَانٌ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَ أَنَّهُ إنْسَانٌ ثَبَتَ أَنَّهُ حَيَوَانٌ وَيُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمُوجَبَةَ الْكُلِّيَّةَ تَسْتَلْزِمُ مُوجَبَةً جُزْئِيَّةً، وَهَذَا حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ فَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْحَدَ وَيُنْكَرَ؟ عَلَى أَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمُهِمَّاتِ الدِّينِ ثُمَّ مَتَى أُنْكِرَ مِثْلُ هَذَا لَزِمَ مِنْهُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَنْطِقِ سُوءُ الِاعْتِقَادِ فِي عَقْلِ الْمُنْكِرِ بَلْ فِي دِينِهِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّ فِيهِ إبْطَالُ مِثْلِ هَذَا) اهـ. فَتَأَمَّلْهُ تَأَمُّلًا خَالِيًا عَنْ التَّعَصُّبِ تَجِدْهُ ﵀ قَدْ أَوْضَحَ الْمَحَجَّةَ وَأَقَامَ الْحُجَّةَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يُنْكَرُ وَلَا مِمَّا يَجُرُّ إلَى مَا يُنْكَرُ، وَعَلَى أَنَّهُ يَنْفَعُ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ كَأُصُولِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ، وَقَدْ أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ مَا يَنْفَعُ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مُحْتَرَمٌ يَحْرُمُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ، وَيَجِبُ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ كَالطِّبِّ وَالنَّحْوِ وَالْحِسَابِ وَالْعَرُوضِ ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ كَالْإِسْنَوِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَطْرَيْنِ: (إنَّ الْمَنْطِقَ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ فَعَلِمْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الْمَنْطِقُ الَّذِي لَا يَنْفَعُ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ الَّذِي يَعُودُ مِنْهُ ضَرَرٌ عَلَى الدِّينِ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ مَنْطِقِ الْفَلَاسِفَةِ الْأُوَلِ يَبْحَثُونَ فِيهِ عَنْ نَحْوِ مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ ثُمَّ يُدْرِجُونَ فِيهِ الْبَحْثَ عَنْ حَالِ الْمَوْجُودَاتِ وَكَيْفِيَّةِ تَرَاكِيبِهَا وَمَفَاهِيمِهَا وَأَعْرَاضِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُخَالِفُونَ فِيهِ عُلَمَاءَ الْإِسْلَامِ حَتَّى انْتَصَبُوا لَهُمْ، وَرَدُّوا جَمِيعَ مَقَالَاتِهِمْ الْفَظِيعَةِ الشَّنِيعَةِ، فَمِثْلُ هَذَا الْفَنِّ مِنْ الْمَنْطِقِ هُوَ الَّذِي يَحْرُمُ الِاشْتِغَالُ بِهِ. وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِيمَا مَرَّ عَنْهُ: (كِفَايَةُ شَرِّهِمْ) ، وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ زَعَمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِعَقَائِدِهِمْ فَإِنَّ يُكَذِّبُهُ) فَعَلِمْنَا أَنَّ كَلَامَهُ فِي مَنْطِقٍ لَهُ شَرٌّ وَلَهُ أَهْلٌ يَعْتَقِدُونَ خِلَافَ عَقَائِدِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ النَّوْعُ الَّذِي ذَكَرْته لَا غَيْرَ، وَأَمَّا الْمَنْطِقُ الْمُتَعَارَفُ الْآنَ بَيْنَ أَيْدِي أَكَابِرِ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يُنْكَرُ وَلَا شَيْءٌ مِنْ عَقَائِدِ الْمُتَفَلْسِفِينَ، بَلْ هُوَ عِلْمٌ نَظَرِيٌّ يَحْتَاجُ لِمَزِيدِ رِيَاضَةٍ وَتَأَمُّلٍ يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى التَّحَرُّزِ عَنْ الْخَطَإِ فِي الْفِكْرِ مَا أَمْكَنَ فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَلَا أَدْوَنَ مِنْهُ وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّشْنِيعُ عَلَيْهِ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِأَنَّهُمْ جَهِلُوهُ فَعَادَوْهُ كَمَا قِيلَ: (مَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ) وَكَفَى بِهِ نَافِعًا فِي الدِّينِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُرَدَّ شُبْهَةٌ مِنْ شُبَهِ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْفَرْقِ إلَّا بِمُرَاعَاتِهِ

стр. 50

وَمُرَاعَاةِ قَوَاعِدِهِ وَكَفَى الْجَاهِلُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّفَوُّهِ مَعَ الْفَلْسَفِيِّ وَغَيْرِهِ الْعَارِفِ بِهِ بِبِنْتِ شَفَةٍ بَلْ يَصِيرُ نَحْوَ الْفَلْسَفِيِّ يَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ، وَذَلِكَ الْجَاهِلُ بِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْأَكَابِرِ سَاكِتًا لَا يُحِيرُ جَوَابًا وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَرَافِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ وَأَجَادَ حَيْثُ جَعَلَهُ شَرْطًا مِنْ شَرَائِطِ الِاجْتِهَادِ وَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَتَى جَهِلَهُ سُلِبَ عَنْهُ اسْمُ الِاجْتِهَادِ فَقَالَ فِي بَحْثِ شُرُوطُ الِاجْتِهَادِ: (يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ شَرَائِطِ الْحَدِّ وَالْبُرْهَانِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَمَنْ عَرَفَهُمَا اسْتَضَاءَ بِهِمَا؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ هِيَ الَّتِي تَضْبِطُ الْحَقَائِقَ التَّصَوُّرِيَّةَ فَمَنْ عَلِمَ ضَابِطَ شَيْءٍ اسْتَضَاءَ بِهِ، فَأَيُّ مَحَلٍّ وَجَدَهُ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ عَلِمَ أَنَّهُ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ وَمَا لَا فَلَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الْحَقَائِقِ فَحَكِّمُوا الْحُدُودَ، وَالْمُجْتَهِدُ يَحْتَاجُ فِي كُلِّ حُكْمٍ لِذَلِكَ الَّذِي يَجْتَهِدُ فِيهِ إنْ كَانَ حَقِيقَةً بَسِيطَةً - فَلَا يَضْبِطُهَا إلَّا الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَ تَصْدِيقًا بِبَعْضِ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ - فَكُلُّ تَصْدِيقٍ مُفْتَقِرٌ لِتَصَوُّرَيْنِ فَيَحْتَاجُ فِي مَعْرِفَتِهِمَا لِضَابِطِهِمَا، فَهُوَ مُحْتَاجٌ لِلْحَدِّ كَيْفَ اتَّجَهَ فِي اجْتِهَادِهِ، وَشَرَائِطُهُ مَعْلُومَةٌ فِي عِلْمِ الْمَنْطِقِ، وَهُوَ وُجُوبُ الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ، وَأَنْ لَا يُحَدَّ بِالْأَخْفَى وَلَا بِالْمُسَاوِي فِي الْخَفَاءِ، وَلَا بِمَا لَا يُعْرَفُ الْمَحْدُودُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ وَأَنْ لَا يَأْتِيَ بِاللَّفْظِ الْمُجْمَلِ، وَلَا بِالْمَجَازِ الْبَعِيدِ وَأَنْ يُقَدَّمَ الْأَعَمُّ عَلَى الْأَخَصِّ، وَأَمَّا شَرَائِطُ الْبُرْهَانِ فَيَحْتَاجُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّهُ عَلَى الْحُكْمِ قَطْعِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ، وَكُلُّ دَلِيلٍ فَلَهُ شُرُوطٌ مُحَرَّرَةٌ فِي عِلْمِ الْمَنْطِقِ مَنْ أَخَطَأَ شَرْطًا مِنْهَا فَسَدَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَهُوَ يَعْتَقِدُهُ صَحِيحًا، وَتِلْكَ الشُّرُوطُ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ مَوَارِدِ الْأَدِلَّةِ وَضُرُوبِ الْأَشْكَالِ الْقِيَاسِيَّةِ وَبَسَطَ ذَلِكَ عِلْمُ الْمَنْطِقِ، فَيَكُونُ الْمَنْطِقُ شَرْطًا فِي مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ فَلَا يُمْكِنُ حِينَئِذٍ أَنْ يُقَالَ: الِاشْتِغَالُ بِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَوْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ لَمْ يَكُونُوا عَالَمِينَ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ فِي حُصُولِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ لَهُمْ، نَعَمْ هَذِهِ الْعِبَارَاتُ الْخَاصَّةُ وَالِاصْطِلَاحَاتُ الْمُعَيَّنَةُ فِي زَمَانِنَا لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهَا، بَلْ مَعْرِفَةُ مَعَانِيهَا فَقَطْ اهـ. فَتَأَمَّلْ هَذَا الْكَلَامَ الْجَلِيلَ مِنْ هَذَا الْإِمَامِ الْجَلِيلِ - تَجِدْهُ قَدْ أَشْفَى الْعَيَّ وَأَزَالَ الْغَيَّ، وَنَاهِيك بِالسُّبْكِيِّ جَلَالَةً حَيْثُ قَالَ: (يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الِاشْتِغَالِ فِيهِ الِاشْتِغَالُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْفِقْهِ حَتَّى يَتَرَوَّى مِنْهَا وَيَرْسَخَ فِي ذِهْنِهِ الِاعْتِقَادَاتُ الصَّحِيحَةُ، وَيَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ صِحَّةَ الذِّهْنِ بِحَيْثُ لَا تَرُوجُ عِنْدَهُ الشُّبْهَةُ عَلَى الدَّلِيلِ، فَإِذَا وَجَدَ شَيْخًا نَاصِحًا دَيِّنًا حَسَنَ الْعَقِيدَةِ جَازَ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِالْمَنْطِقِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ وَيُعِينُهُ عَلَى الْعُلُومِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الْعُلُومِ، وَأَنْفَعِهَا فِي كُلِّ بَحْثٍ، وَمَنْ قَالَ أَنَّهُ كُفْرٌ أَوْ حَرَامٌ فَهُوَ جَاهِلٌ فَإِنَّهُ عِلْمٌ عَقْلِيٌّ مَحْضٌ كَالْحِسَابِ، غَيْرَ أَنَّ الْحِسَابَ لَا يَجُرُّ إلَى فَسَادٍ وَلَيْسَ مُقَدِّمَةً لِعِلْمٍ آخَرَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ، وَالْمَنْطِقُ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ تُصِبْهُ سَابِقَةٌ صَحِيحَةٌ خُشِيَ عَلَيْهِ التَّزَنْدُقُ أَوْ التَّغَلْغُلُ بِاعْتِقَادٍ فَلْسَفِيٍّ مِنْ حَيْثُ يَشْعُرُ أَوْ لَا يَشْعُرُ، قَالَ: وَفَصْلُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّهُ كَالسَّيْفِ يُجَاهِدُ بِهِ شَخْصٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيَقْطَعُ بِهِ آخَرُ الطَّرِيقَ ا. هـ. بِتَأَمُّلِهِ تَجِدُهُ نَصًّا فِيمَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ الْمَنْطِقَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ: مِنْهُ لَا يُخْشَى عَلَى الْمُشْتَغِل بِهِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَهُ، وَالْقِسْمُ الْآخَرُ: وَهُوَ الْمُدْرَجُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْعَقَائِدِ الْفَلْسَفِيَّةِ لَا يَجُوزُ الْخَوْضُ فِيهِ إلَّا لِمَنْ أَتْقَنَ مَا ذَكَرَهُ وَوَجَدَ شَيْخًا بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ الِاشْتِغَالُ حَتَّى بِهَذَا الْقِسْمِ لِأَنَّهُ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ إذَا وُجِدَتْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْمَيْلُ إلَى مَا فِيهِ مِنْ الشُّبَهِ الْفَاسِدَةِ، وَلَقَدْ اشْتَغَلَ بِهَذَا الْقِسْمِ كَثِيرٌ مِنْ فَحَوْلِ الْإِسْلَامِ حَتَّى أَحْكَمُوهُ وَتَمَكَّنُوا بِهِ مِنْ تَمَامِ الرَّدِّ عَلَى الْفَلَاسِفَةِ وَتَزْيِيفِ مَقَالَاتِهِمْ الْبَاطِلَةِ، وَتَأَمَّلْ تَجْهِيلَهُ لِمَنْ قَالَ: إنَّهُ حَرَامٌ يُعَرِّضُ بِذَلِكَ لِابْنِ الصَّلَاحِ، لَكِنْ إذَا حُمِلَ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ عَلَى مَا قَدَّمْته اتَّجَهَ عَلَى أَنَّهُ بَانَ لَك مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ أَنَّهُ يَجُوزُ الِاشْتِغَالُ بِهَذَا النَّوْعِ أَيْضًا بِشَرْطِهِ السَّابِقِ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَحْرُمُ إخْرَاجُ النَّجِسِ لِلْقِبْلَةِ كَالْقَيْءِ وَالْفَصْدِ؟ أَوْ هُوَ خَاصٌّ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: هُوَ خَاصٌّ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، فَشَرْطُ عَدَمِ السَّاتِرِ الشَّرْعِيِّ فِي غَيْرِ الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَأَمَّا الْفَصْدُ وَالْقَيْءُ وَنَحْوُهُمَا لِلْقِبْلَةِ فَلَا حُرْمَةَ فِيهَا، لِأَنَّ اسْتِقْذَارَهَا لَيْسَ كَاسْتِقْذَارِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَمِنْ ثَمَّ أَبَاحُوا الْفَصْدَ فِي الْمَسْجِدِ فِي إنَاءٍ - إذَا أُمِنَ تَلْوِيثُهُ - وَلَمْ يُبِيحُوا الْبَوْلَ فِيهِ فِي إنَاءٍ - وَإِنْ أُمِنَ تَلْوِيثُهُ - وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ الْبَوْلَ أَقْذَرُ وَلِذَا عُفِيَ عَنْ قَلِيلِ الدَّمِ وَكَثِيرِهِ فِي صُوَرٍ وَلَمْ يُعْفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْبَوْلِ، وَالْغَائِطُ أَوْلَى مِنْهُ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 51

بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ اسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِنْجَاءِ بِحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: «مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» فَهَلْ الْحَدِيثُ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَيْسَ هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا لَفْظُهُ: «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْإِيتَارِ لَا فِي أَصْلِ الِاسْتِنْجَاءِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ لَمْسِ الْمَرْأَةِ وَنَظَرِهَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ كَثَوْبٍ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - بِقَوْلِهِ: لَمْسُ الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ جَوَازُهُ، وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَسٍّ لَا يُحَرِّكُ شَهْوَةً وَلَا يُؤَدِّي لِفِتْنَةٍ قَطْعًا، أَمَّا مَا هُوَ كَذَلِكَ كَمَسِّ الْفَرْجِ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، فَلَا رَيْبَ فِي تَحْرِيمِهِ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (الْمَدَارُ فِي بَابِ النَّقْضِ عَلَى إيقَاعِ الِاسْمِ وَلِذَا نَقَضَ مُجَرَّدُ لَمْسِ الْأَجْنَبِيَّةِ بِلَا قَصْدٍ دُونَ مُعَانَقَتِهَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ رَقِيقٍ، مَعَ أَنَّهُ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْقُبْحِ) اهـ. فَقَوْلُهُ: (لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْقُبْحِ) ظَاهِرٌ فِيمَا ذَكَرْته مِنْ تَحْرِيمِ الْمَسِّ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ وَاضِحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (سُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ: قَوْلُهُمْ: (يُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ يَشْمَلُ مَا لَوْ ابْتَدَأَ بِأَثْنَاءِ سُورَةٍ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَيَانِ) اهـ. فَهَلْ كَذَلِكَ مَا إذَا ابْتَدَأَ بِأَوَّلِ (بَرَاءَةٌ) لِخَبَرِ " كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ " أَمْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُسَنُّ كَمَا فِي تِبْيَانِ النَّوَوِيِّ ﵀ وَغَيْرِهِ: (الْبَسْمَلَةُ وَإِنْ ابْتَدَأَ مِنْ أَثْنَاءِ السُّورَةِ نَعَمْ اخْتَلَفُوا فِي أَثْنَاءِ (بَرَاءَةٌ) فَقَالَ السَّخَاوِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُسَنُّ الْبُدَاءَةَ أَثْنَاءَهَا بِالتَّسْمِيَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَ أَثْنَائِهَا وَأَوَّلِهَا لَكِنْ بِمَا لَا يُجْدِي وَرَدَّ عَلَيْهِ الْجَعْبَرِيُّ مِنْهُمْ وَهُوَ الْأَوْجَهُ إذْ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِتَرْكِ الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَهَا، مِنْ كَوْنِهَا نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ، وَفِيهَا مِنْ التَّسْجِيلِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ بِفَضَائِحِهِمْ الْقَبِيحَةِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهَا مَوْجُودٌ فِي أَثْنَائِهَا، فَمِنْ ثَمَّ لَمْ تُشْرَعْ التَّسْمِيَةُ فِي أَثْنَائِهَا كَمَا فِي أَوَّلِهَا لِمَا تَقَرَّرَ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ اسْتِحْبَابِ التَّكْبِيرِ مِنْ سُورَةِ الضُّحَى إلَى الْآخِرِ هَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ أَوْ عَامٌّ فِيمَنْ ابْتَدَأَ الْقِرَاءَةَ أَوْ مِمَّا قَبْلَهَا وَفِيمَنْ ابْتَدَأَهَا مِمَّا بَعْدَهَا؟ وَكَيْفَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي حَكَاهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الْحَلِيمِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَابْنِ الْجَزَرِيِّ فِي النَّشْرِ عَنْ طَوَائِفَ مِنْ السَّلَفِ وَجَمْعٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ، وَأَطَالَ فِيهِ (أَنَّ مِنْ سُنَنِ الْقِرَاءَةِ التَّكْبِيرُ فِي آخِرِ سُورَةِ الضُّحَى إلَى أَنْ يَخْتِمَ، وَهِيَ قِرَاءَةُ أَهْلِ مَكَّةَ أَخَذَهَا ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْن عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ نَحْوَهُ وَصَحَّحَهُ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁: (إنْ تَرَكْت التَّكْبِيرَ فَقَدْ تَرَكْت سُنَّةً مِنْ سُنَنِ نَبِيِّك يَقْتَضِي تَصْحِيحُهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ) اهـ. إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ التَّكْبِيرَ مُقَيَّدٌ بِقِرَاءَةِ تِلْكَ السُّوَرِ سَوَاءٌ أَقَرَأَ قَبْلَهَا شَيْئًا أَمْ لَا، وَأَنَّهُ لَوْ ابْتَدَأَ مِنْ بَعْضِهَا - كَبَّرَ عَقِبَ مَا يَقْرَؤُهُ مِنْهَا، وَاقْتَضَى إطْلَاقُهُمْ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وَغَيْرِهَا، فَقَوْلُ سُلَيْمٍ الرَّازِيِّ: يُكَبِّرُ الْقَارِئُ بِهَا لَعَلَّهُ؛ لِكَوْنِهِ الرَّاوِيَ لِذَلِكَ كَمَا مَرَّ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ يَحْرُمُ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ وَأَطَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ لَكِنْ بِمَا فِي دَلَالَتِهِ لِمَا أَفْتَى بِهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ. [بَابُ الْوُضُوءِ] (وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُدَّتِهِ - عَنْ وُجُوبِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ حَدَثٍ هَلْ هُوَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إلَخْ أَوْ لَا؟ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الْأُصُولِيَّةَ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ هُوَ مِنْ الْآيَةِ لِأَنَّ مَحَلَّ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا إذَا تَجَرَّدَ الْأَمْرُ عَنْ التَّرَتُّبِ عَلَى شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ تُثْبِتُ عِلِّيَّتَهُمَا لِلْحُكْمِ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ، كَقَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: اسْقِنِي مَاءً، أَمَّا إذَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي التَّكْرَارِ بِوَاسِطَةِ الشَّرْطِ أَوْ الصِّفَةِ؛ لِوُجُوبِ وُجُودِ الْمَعْلُولِ حَيْثُمَا وُجِدَتْ عِلَّتُهُ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] فَإِنَّ الزِّنَا عِلَّةٌ شَرْعِيَّةٌ لِلْحَدِّ، وَالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّ الْحَدَثَ عِنْدَ الْقِيَامِ

стр. 52

إلَى الصَّلَاةِ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ، لِوُجُوبِ الْوُضُوءِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - بِمَا صُورَتُهُ الْفَمُ وَالْأَنْفُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ الظَّاهِرِ أَوْ الْبَاطِنِ، فَإِنْ كَانَا مِنْ الظَّاهِرِ فَلِمَ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُمَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَلَمْ يُفْطِرْ إذَا ابْتَلَعَ رِيقَهُ مِنْهُمَا؟ وَإِنْ كَانَا مِنْ الْبَاطِنِ فَلِمَ يَجِبُ غَسْلُهُمَا إذَا تَنَجَّسَا، وَيُفْطِرُ الصَّائِمُ إذَا تَقَايَأَ وَوَصَلَ الْقَيْءُ إلَيْهِمَا، وَلَمْ يُجَاوِزْهُمَا ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُ شَيْءٌ لِلْجَوْفِ عَمْدًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: هُمَا مِنْ الْبَاطِنِ إلَّا فِي مَسَائِلِ النَّجَاسَةِ بِالنِّسْبَةِ لِوُجُوبِ الْغُسْلِ وَالْإِفْطَارِ وَنَحْوِهِمَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّجَاسَةَ أَغْلَظُ وَأَفْحَشُ فَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ غَسْلُهَا حَيْثُ سَهُلَ وَإِنْ كَانَتْ فِي مَحَلٍّ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ الْبَاطِنِ فَجُعِلَ بِالنِّسْبَةِ لَهَا ظَاهِرًا لِسُهُولَةِ ذَلِكَ مَعَ فُحْشِهَا وَغِلَظِهَا. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا صُورَتُهُ الْحَدَثُ الَّذِي يَنْوِي الْمُتَوَضِّئُ رَفْعَهُ هُوَ الْمَنْعُ مِنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَهَذَا يَرْفَعُهُ التَّيَمُّمُ وَوُضُوءُ الضَّرُورَةِ فَكَيْفَ تَقُولُونَ أَنَّ هَذَيْنِ لَا يَرْفَعَانِ الْحَدَثَ؟ (فَأَجَابَ) الْمُرَادُ بِالْمَنْعِ الَّذِي يَنْوِيه الْمُتَوَضِّئُ السَّلِيمُ مَنْعٌ مُطْلَقٌ مِنْ سَائِرِ الْفُرُوضِ وَالنَّوَافِلِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْحَدَثِ، وَهَذَا لَا يَرْفَعُهُ نَحْوُ التَّيَمُّمِ وَإِنَّمَا يَرْفَعُ مَنْعًا خَاصًّا هُوَ بَعْضُ مَاصَدَقَاتِ الْحَدَثِ فَلَمْ يَحْسُنْ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُمَا يَرْفَعَانِ الْحَدَثَ بَلْ شَيْئًا ماصدقاته فَقَطْ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَوْ وَقَفَ مُتَوَضِّئٌ تَحْتَ مِيزَابٍ وَتَلَقَّى مِنْهُ الْمَاءَ بِكَفَّيْهِ مُجْتَمِعَيْنِ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ اغْتِرَافٍ فَهَلْ يُحْكَمُ عَلَى مَا يَكْفِيه بِالِاسْتِعْمَالِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِعْمَالِ لِرَفْعِ حَدَثِ الْيَدَيْنِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا عُضْوٌ مُسْتَقِلٌّ هُنَا وَحِينَئِذٍ فَلَا، يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ سَاعِدَيْهِ وَلَا أَحَدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا غَسَلَهُمَا بِهِ فَكَأَنَّهُ غَسَلَ كُلًّا بِمَاءِ كَفِّهَا وَمَاءِ كَفِّ الْأُخْرَى، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ سَاعِدِهَا وَإِنْ غَسَلَ بِهِ سَاعِدًا وَاحِدًا فَقَطْ فَقَدْ غَسَلَهَا بِمَائِهَا وَمَاءِ كَفِّ الْأُخْرَى، وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ انْغَمَسَ جُنُبَانِ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ، وَنَوَيَا قَبْلَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ، أَمَّا إذَا نَوَى الِاغْتِرَافَ فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ حَدَثَ الْكَفَّيْنِ، فَلَهُ أَنْ يَغْسِلَ بِهِ سَاعِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا وَكَالْمِيزَابِ فِيمَا ذُكِرَ مَا لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ مِنْ إبْرِيقٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ قُلْت: هَلْ يُتَصَوَّرُ الِاحْتِيَاجُ إلَى نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ فِي الْوُضُوءِ مِنْ نَحْوِ إبْرِيقٍ؟ قُلْت: إنْ كَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ - احْتَاجَ إلَيْهَا كَمَا تَقَرَّرَ، وَإِنْ كَانَ يَأْخُذُهُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ - لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهَا إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِحُصُولِ سُنَّةِ تَثْلِيثِ الْوَجْهِ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ وُجُوبِ نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ بَعْدَ الْغَسْلَةِ الْأُولَى وَإِلَّا ارْتَفَعَ حَدَثُ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِهَا بَعْدَ غَسْلَتِهِ الْأُولَى - ارْتَفَعَ حَدَثُ الْيَدِ فَتَفُوتُ سُنَّةُ التَّثْلِيثِ فِي الْوَجْهِ؛ لِتَعَذُّرِ حُصُولِهِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ حَدَثِ الْكَفِّ، وَكَذَا يُقَالُ بِذَلِكَ لَوْ كَانَ يَغْتَرِفُ مِنْ بَحْرٍ وَعَلَيْهِ فَلْيَغْتَرِفْ بِذَلِكَ وَيُقَالُ لَنَا مُتَوَضِّئٌ مِنْ بَحْرٍ يَحْتَاجُ لِنِيَّةِ الِاغْتِرَافِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّا طَالَ مِنْ شَعْرِ مَنَابِتِ الرَّأْسِ الْمُتَّصِلِ بِالْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ لِأَجَلِ اسْتِيعَابِ الْوَجْهِ هَلْ يَجِبُ غَسْلُهُ عَلَى طُولِهِ إذْ كُلُّ شَعْرٍ وَجَبَ غَسْلُ مَنْبَتِهِ وَجَبَ غَسْلُهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْوَاجِبُ الْقَدْرُ الَّذِي يَتَحَقَّقُ اسْتِيعَابُ الْوَجْهِ بِغَسْلِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ: يَجِبُ غَسْلُ شَيْءٍ مِمَّا حَاذَاهُ، فَإِذَا وَصَلَ الْغَسْلُ إلَى أَدْنَى شَيْءٍ مِنْ مَنَابِتِ جَمِيعِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُتَّصِلِ بِالْوَجْهِ، فَقَدْ تَحَقَّقَ اسْتِيعَابُ الْوَجْهِ بِالْغَسْلِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْ مَا طَالَ مِنْهُ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ مُحْدِثٍ انْغَمَسَ بِنِيَّةِ رَفْعِ حَدَثِهِ هَلْ يَرْتَفِعُ وَإِنْ لَمْ يَمْكُثْ أَوْ كَانَ مَنْكُوسًا؟ وَمَا مَعْنَى قَوْلِ جَامِعُ الْمُخْتَصَرَاتِ: (ثَالِثُهَا وَدُونَهُ وَرَجِّحْ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَاءِ كَثِيرًا؟ (فَأَجَابَهُ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ عَنْ جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَإِنْ لَمْ يَمْكُثْ أَوْ كَانَ مَنْكُوسًا أَوْ الْمَاءُ قَلِيلًا كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الرَّوْضِ، وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِ النَّشَائِيِّ: (ثَالِثُهَا وَدُونَهُ وَرَجِّحْ) أَيْ دُونَ إمْكَانِ حُصُولِ تَرْتِيبِ فِعْلِ الْمُتَوَضِّئِ حُكْمًا إذْ التَّرْتِيبُ قِسْمَانِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا: تَرْتِيبٌ حِسِّيٌّ، وَالثَّانِي: تَرْتِيبٌ حُكْمِيٌّ بِأَنْ يَمْكُثَ بَعْدَ انْغِمَاسِهِ وَنِيَّتِهِ زَمَنًا يُمْكِنُهُ فِيهِ غَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ حِسًّا لَوْ أَرَادَهُ وَالْقِسْمُ الثَّانِي: تَرْتِيبُ انْغِسَالِ الْأَعْضَاءِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى فِعْلِهِ، وَهَذَا هُوَ التَّرْتِيبُ التَّقْدِيرِيُّ وَتَسْمِيَتُهُ تَرْتِيبًا مَجَازٌ. وَقَوْلُهُ: (السَّادِسُ التَّرْتِيبُ) مُرَادٌ بِهِ النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ: (أَوْ إمْكَانُهُ) مُرَادُهُ بِهِ النَّوْعُ الثَّانِي وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ قَوْلُهُ: (وَدُونَهُ) مُرَادُهُ بِهِ الْقِسْمُ الثَّانِي، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَإِمْكَانُ حُصُولِ التَّرْتِيبِ غَيْرُ إمْكَانِ تَقْدِيرِهِ.

стр. 53

وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - بِمَا لَفْظُهُ مَا مُحَصِّلُ الْخِلَافِ فِي مُوجِبِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ؟ وَمَا فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ لِذَلِكَ فَوَائِدَ فَهَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ كُلُّهَا؟ وَاخْتَلَفَ تَعْبِيرُهُمْ فِي حِكَايَةِ الْأَوْجَهِ فِي مُوجِبِ ذَلِكَ فَمَا التَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؟ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ لِلْمُحَصِّلِينَ. (فَأَجَابَ) - شَكَرَ اللَّهُ سَعْيَهُ - بِقَوْلِهِ: الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ بَسْطٍ وَطُولٍ، وَمِنْ ثَمَّ صَنَّفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ. وَحَاصِلُ التَّحْقِيقِ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِي مُوجِبِ الْوُضُوءِ أَوْجُهًا: الْأَوَّلُ: وَعَلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ مُوجِبَهُ الْحَدَثُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا مَا لَمْ يَدْخُلْ الْوَقْتُ وَيَبْقَى مَا يَسَعُهُ، وَيَسَعُ الصَّلَاةَ فَقَطْ، وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ لَوْلَاهُ لَمْ يَجِبْ، وَالدَّوَرَانُ دَلِيلُ الْعِلِّيَّةِ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُوجِبًا مَعَ عَدَمِ الْإِثْمِ بِتَأْخِيرِ الْوُضُوءِ عَنْهُ إجْمَاعًا وَعَدَمِ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي الْعِصْيَانِ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ يَنْعَقِدُ بِهِ كَمَا يُقَالُ: (تَجِبُ الزَّكَاةُ بِحَوَلَانِ الْحَوْلِ) بِمَعْنَى انْعِقَادِ الْوُجُوبِ مَعَ تَوَقُّفِ الِاسْتِقْرَارِ فِيهَا عَلَى التَّمَكُّنِ أَوْ أَنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْوُضُوءِ أَوْ لِوُجُوبِ تَرْكِ نَحْوِ صَلَاةِ النَّفْلِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، فَهُوَ سَبَبُ وُجُوبِ وَاجِبٍ مُخَيَّرٍ قَبْلَ الْوَقْتِ وَمُعَيَّنٍ بَعْدَهُ. فَإِنْ قِيلَ: السَّبَبِيَّةُ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالْجَعْلِ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا قُلْنَا: قَوْلُهُ: ﷺ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» مُقْتَضٍ لِكَوْنِ الْحَدَثِ سَبَبًا إذْ لَا فَارِقَ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَبَنَى الرَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صِحَّةَ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ الْخَبَثُ مُوجِبًا لِلطُّهْرِ كَالْحَدَثِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، لِأَنَّ طَهَارَتَهُ مِنْ بَابِ التُّرُوكِ، وَطَهَارَةَ الْحَدَثِ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ وَالْكَلَامُ فِي الْمُوجِبِ لِهَذِهِ لَا تِلْكَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مُوجِبَهُ دُخُولُ الْوَقْتِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِإِرَادَةِ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ أَيْ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهُمْ عَبَّرَ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَقِّقُ لِلْوُجُوبِ وَبَعْضُهُمْ بِالثَّانِي، وَهُوَ أَوْفَقُ لِدَلِيلِ هَذَا الْوَجْهِ. وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ، وَمَعْنَى كَوْنِ الْإِرَادَةِ أَوْ دُخُولِ الْوَقْتِ مُوجِبًا أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْمُوجِبِ، وَهُوَ الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ إذْ وُجُوبُهَا مُوجِبٌ لِلْوُضُوءِ فَالْمُحَقِّقُ لِهَذَا الْوُجُوبِ هُوَ الْوَقْتُ أَوْ الْإِرَادَةُ فَأَحَدُهُمَا سَبَبٌ لِلسَّبَبِ هَذَا عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ هَذَا الْوَجْهِ بِمَا مَرَّ، وَأَمَّا مَنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِنَفْسِ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ إلَيْهَا مُوجِبٌ بِذَاتِهِ لَا سَبَبٌ لِلْمُوجِبِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ تُسْتَشْكَلُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَأَجَابَ الرَّافِعِيُّ وَتَبِعَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا مَا يَلْزَمُ الْإِتْيَانُ بِهِ وَإِلَّا لَامْتَنَعَ وُضُوءُ الصَّبِيِّ بِهَذِهِ النِّيَّةِ، بَلْ نِيَّةُ الطُّهْرِ الْمَشْرُوطِ لِلصَّلَاةِ. وَشَرْطُ الشَّيْءِ يُسَمَّى فَرْضًا، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّ اعْتِقَادَ كَوْنِ النَّفْلِ فَرْضًا لَا يُبْطِلُهُ لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِي الْجَاهِلِ لَا الْمُعْتَقِدِ لِلنَّفْلِيَّةِ إذَا نَوَى بِالنَّفْلِ مَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ وَلَا يُنَافِيهِ أَيْضًا وُجُوبُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي صَلَاةِ الصَّبِيِّ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْفَرْضُ صُورَةً أَوْ مَا هُوَ فَرْضٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ كَمَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْهُ نَفْلًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْفَرْضِيَّةِ بَلْ لَوْ نَوَاهَا بَطَلَتْ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ نَوَى بِالْأَدَاءِ الْقَضَاءَ وَهُوَ عَكْسُهُ مُرِيدًا لِمَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ عَالِمٌ بِالْحَالِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُوجِبَ الْحَدَثُ مَعَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِشَرْطِ الْآخَرِ، وَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ عَبَّرَ بِكُلٍّ مُعَبِّرُونَ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ جُزْءٍ عِلَّةً أَوْ أَحَدُهُمَا عِلَّةً وَالْآخَرُ شَرْطًا فِيهَا. وَجَعْلُهُ فِي الْمُهِمَّاتِ هَذَيْنِ وَجْهَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ، وَيُعَبَّرُ عَنْ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ هُنَا بِدُخُولِ الْوَقْتِ أَيْضًا، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَفِي مُوجِبِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ هَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ، وَالصَّحِيحُ فِيهِ هُوَ الثَّالِثُ أَيْضًا، وَإِنْ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ بِهِ تَبْيِينُ عِلَّةِ الْحُكْمِ فَمِنْ ذَلِكَ: نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَصِحُّ مُطْلَقًا، وَعَلَى الثَّانِي لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَأْوِيلٍ كَمَا مَرَّ وَمِنْهَا إذَا أَحْدَثَ ثُمَّ دَخَلَ الْوَقْتُ ثُمَّ مَاتَ. وَقُلْنَا: يَعْصِي، فَعَلَى الْأَوَّلِ عِصْيَانُهُ بِتَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ حِينِ الْحَدَثِ، وَعَلَى الثَّانِي مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ كَذَا قِيلَ وَقَدْ مَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ عِصْيَانِهِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَمِنْهَا وَصْفُهُ بِالْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ، فَيُوصَفُ بِهِمَا عَلَى الثَّانِي فَقَطْ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ حِينَئِذٍ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَحْدُودُ الطَّرَفَيْنِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا أَيْ، وَالثَّالِثُ يَكُونُ وَقْتُهُ مَحْدُودَ الطَّرَفَيْنِ، وَفَائِدَةُ اتِّصَافِهِ بِذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ وُجُوبُ التَّعَرُّضِ لَهُ فِي النِّيَّةِ أَوَّلًا قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ وَهَلْ يَلْحَقُ

стр. 54

بِالصَّلَاةِ فِيمَا لَوْ نَوَى بِالْأَدَاءِ الْقَضَاءَ الشَّرْعِيَّ أَوْ عَكْسَهُ عَالِمًا عَامِدًا فَيَبْطُلُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ اتِّصَافَهُ بِذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلِأَنَّهُ بِطَرِيقِ التَّبَعِ لِلصَّلَاةِ لَا الْقَصْدِ وَمِنْهَا: أَنَّ مَاءَ الْغُسْلِ بِالْجِمَاعِ إنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ إذْ هُوَ سَبَبُهُ أَوْ بِالثَّانِي فَلَا، ذَكَرَهُ فِي الْخَادِمِ. وَكَانَ وَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْمُوجِبَ لَيْسَ مِنْ سَبَبِهِ لَكِنَّهُ مَمْنُوعٌ إذْ الْقَائِلُ بِالثَّانِي لَا يَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْ الْأَوَّلِ إذْ هُوَ الْمُوجِبُ حَقِيقَةً، وَإِنْ تَوَقَّفَ إيجَابُهُ عَلَى دُخُولِ الْوَقْتِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَمِنْهَا إذَا صَبَّ الْمَاءَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، ثُمَّ تَيَمَّمَ فَعَلَى كَوْنِ الْمُوجِبِ دُخُولَ الْوَقْتِ يُعِيدُ، وَعَلَى كَوْنِهِ الْقَيَّامَ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا، كَذَا فِي الْخَادِمِ. قِيلَ وَهُوَ وَهْمٌ مُنْشَؤُهُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ الْوَجْهُ الثَّالِثُ إذْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إذَا صَبَّهُ بَعْدَ الْوَقْتِ لَا يُعِيدُ، وَإِنْ أَثِمَ، وَاخْتِلَافُ مَأْخَذِ عَدَمِ الْقَضَاءِ فِي ذَلِكَ لَا يَضُرُّ، وَمُرَادُهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ الْوَجْهُ الثَّانِي، فَلَا وَهْمَ لَكِنْ قَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ يَجِبُ الْقَضَاءُ قَالَ فِي الْخَادِمِ: (وَلَمْ نَرَهُ وَمِنْهَا إذَا تَوَضَّأَ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَأَحْدَثَ فِي أَثْنَائِهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يُثَابُ عَلَى مَا مَضَى ثَوَابَ الْوَاجِبِ وَعَلَى خِلَافِهِ ثَوَابَ نَفْلٍ) وَمِنْهَا: قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: قَدْ يُقَالُ مِنْ فَوَائِدِهِ مَا لَوْ شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ أَرَادَ قَطْعَهُ بِاللَّمْسِ مَثَلًا، وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَطْعُ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ أَمَّا قَطْعُهُ بِمَا لَهُ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِهَا. اهـ. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو زُرْعَةَ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ فِي اللَّمْسِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فَيُسَاوِي غَيْرَهُ، وَبِجَوَازِ الْحَدَثِ بَعْدَهُ وَلَوْ بِلَا غَرَضٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ حَتَّى يَجْرِيَ مَجْرَى غَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، وَابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّهُ صَحِيحٌ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَخَطَأٌ إذْ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْوُضُوءِ سُنَّةٌ وَالْخُرُوجُ مِنْهُ جَائِزٌ قَطْعًا كَالْخُرُوجِ مِنْ النَّافِلَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ اهـ. وَحَاصِلُ كَلَامِهِمَا أَنَّهُ يَجُوزُ قَطْعُهُ بِلَا غَرَضٍ حَتَّى عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَمِنْهَا أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرَ الْفَرْضِ، ثُمَّ طَرَأَ نَحْوُ جُنُونٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُعْتَبَرُ مُضِيُّ قَدْرِ الطَّهَارَةِ لِسَبْقِ مُوجِبِهَا وَعَلَى الْآخَرَيْنِ يُعْتَبَرُ، ذَكَرَهُ فِي الْخَادِمِ وَقَضِيَّتُهُ: أَنَّ الصَّحِيحَ اعْتِبَارُ قَدْرِهَا. وَإِنْ كَانَتْ طَهَارَةَ رَفَاهِيَةٍ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ سُنَّةٌ قَبْلَ الْوَقْتِ فَعَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ يُسْتَثْنَى مِنْ قَاعِدَةِ: أَنَّ الْوَاجِبَ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْلِ، وَمِنْهَا: التَّعْلِيقُ كَإِنْ وَجَبَ عَلَيْكِ وُضُوءٌ أَوْ غُسْلٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَقَعُ بِالْحَدَثِ وَهَذِهِ أَصَحُّ الْفَوَائِدِ لِمَا عَلِمْته، وَلِأَنَّهَا تَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي فِي الْحَيْضِ أَيْضًا هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمُوجِبِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَفَائِدَةِ الْخِلَافِ فِيهِ، وَأَمَّا الْغُسْلُ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فَمُوجِبُهُ كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّمِ كَخُرُوجِ الْبَوْلِ فِي الْوُضُوءِ وَقِيلَ: انْقِطَاعُهُ لِحَدِيثِ «وَإِذَا أَدْبَرَتْ، أَيْ الْحَيْضَةُ فَاغْتَسِلِي» وَقِيلَ: الْخُرُوجُ عِنْدَ الِانْقِطَاعِ كَمَا يُوجِبُ الْوَطْءُ الْعِدَّةَ عِنْدَ الطَّلَاقِ، وَالنِّكَاحُ الْإِرْثَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَلِعَدَمِ صِحَّةِ الْغُسْلِ قَبْلَهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ لَا يَأْتِي فِي الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ لَكِنْ عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ تَقْتَضِي جَرَيَانَهُ فِيهِمَا، وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُهُمْ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْمُتَوَلِّي لِعَدَمِ صِحَّةِ الْوُضُوءِ قَبْلَهُ أَيْضًا، وَاعْتَذَرَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ إنَّمَا لَمْ يُجْرُوهُ، ثَمَّ لِأَنَّ زَمَنَ الْحَدَثِ فِيهِمَا يَقْصُرُ فَلَا يَسَعُ زَمَنَ الطَّهَارَةِ مَعَهُمَا غَالِبًا بِخِلَافِ الْحَيْضِ فَإِنَّ زَمَنَهُ يَطُولُ، وَاسْتُشْكِلَ فِي الْمُهِمَّاتِ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ يُسَلِّمُ عَدَمَ صِحَّةِ الْغُسْلِ إلَّا عِنْدَ الِانْقِطَاعِ. وَأَجَابَ فِي الْخَادِمِ (بِأَنَّ الثَّالِثَ يَشْتَرِطُ مَعَ الِانْقِطَاعِ الْقِيَامَ إلَى الصَّلَاةِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَرُدَّ بِأَنَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ غَايَرَ بَيْنَ الْقَائِلِ بِالْخُرُوجِ وَالْقَائِلِ بِالِانْقِطَاعِ وَالْقَائِلِ بِالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَالْقَائِلِ بِالثَّلَاثَةِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْأَوَّلَ يَشْتَرِطُ الِانْقِطَاعَ لِصِحَّةِ مَا وَجَبَ عِنْدَهُ بِالْخُرُوجِ، وَالثَّانِي الَّذِي قَدَّمْنَاهُ عَنْ أَصْلِ الرَّوْضَةِ يَجْعَلُهُ جُزْءَ عِلَّةٍ أَوْ شَرْطًا لَهَا، وَاَلَّذِي قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمَجْمُوعِ يَجْعَلُهُ هُوَ الْعِلَّةُ فَقَطْ وَالْمُعْتَمَدُ هُنَا أَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ الْخُرُوجُ بِشَرْطِ الِانْقِطَاعِ، وَإِرَادَةِ فِعْلِ نَحْوِ الصَّلَاةِ أَوْ الْخُرُوجِ مَعَهُمَا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ، وَتَصْحِيحُ الْمَجْمُوعِ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُوجِبَ الِانْقِطَاعُ فَقَطْ، وَأَصْلُ الرَّوْضَةِ لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ الْخُرُوجُ مِنْ الِانْقِطَاعِ أَوْ بِشَرْطِهِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَكَتَ عَنْ الْخُرُوجِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ لِلْعِلْمِ مِمَّا قَدَّمَهُ فِي الْوُضُوءِ عَلَى أَنَّهُ قِيلَ: إنَّ تَصْحِيحَ الْمَجْمُوعِ الْمَذْكُورِ

стр. 55

مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ وَإِنَّ الْقَوْلَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِالِانْقِطَاعِ هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَة بِالْخُرُوجِ مَعَ الِانْقِطَاعِ وَبِهِ يُعْلَمُ انْدِفَاعُهُ مَا فِي الْجَوَاهِرِ مِنْ جَعْلِهِ وَجْهًا خَامِسًا فِي الْمَسْأَلَةِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ: (وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخِلَافِ فَائِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ) ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ فَائِدَةً عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ، وَفِي الْخَادِمِ عَنْ صَاحِبِ الْوَافِي (تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَنْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا فَعَلَى الِانْقِطَاعِ لَا غُسْلَ لِأَنَّهَا عَادِمَتُهُ) وَرُدَّ بِأَنَّ عَدَمَ الْغُسْلِ لِعَدَمِ تَسْمِيَةِ الْوَلَدِ مَنِيًّا لَا لِمَا ذُكِرَ، وَفِي جَوَازِ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ فَيَحْرُمُ إنْ أَوْجَبْنَاهُ بِالْخُرُوجِ فَقَطْ وَإِلَّا فَهِيَ اسْتِحَاضَةٌ وَرُدَّ بِأَنَّ التَّحْرِيمَ مُرْتَبِطٌ بِحُصُولِ حَدَثِ الْحَيْضِ، وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِ الْغُسْلِ وَجَبَ أَوْ لَمْ يَجِبْ، وَأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَلَيْهَا مِنْ مُدَّةِ الِاعْتِكَافِ زَمَنٌ فَانْقَضَى قَبْلَ الِانْقِطَاعِ فَيُحْسَبُ عَلَى غَيْرِ الْأَوَّلِ. وَرُدَّ بِأَنَّ الْحَيْضَ مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَيْنِ عَجِيبٌ بَلْ غَلَطٌ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ اغْتِسَالُهَا مِنْ الْجَنَابَةِ عَلَى غَيْرِ الْأَوَّلِ لَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حَدَثَانِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْفَعَ أَحَدَهُمَا مَعَ قِيَامِ الْآخَرِ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا تَعَاطِي عِبَادَةً فَاسِدَةً وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ طُهْرَهَا حَرَامٌ حَتَّى عَلَى غَيْرِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ جِهَةِ الْحُرْمَةِ فَإِنْ قُلْنَا بِالضَّعِيفِ، وَهُوَ حِلُّ الْقِرَاءَةِ لِلْحَائِضِ الَّتِي لَا جَنَابَةَ عَلَيْهَا أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ بِحِلِّ غُسْلِهَا؛ لِهَذَا الْعُذْرِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ. وَفِي الْبَيَانِ يَصِحُّ غُسْلُهَا لِلْإِحْرَامِ عَلَى غَيْرِ الْأَوَّلِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْبَغَوِيَّ مِنْ الْقَائِلِينَ بِالْأَوَّلِ، وَقَدْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِهِ لَهَا، وَأَنَّ لَهَا الْمُطَالَبَةَ بِثَمَنِ مَاءِ غُسْلِ النِّفَاسِ أَوْ الْحَيْضِ عَلَى وَجْهٍ فِي الْحَالِ إنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ وَالْمُطَالَبَةَ بِهِ لَوْ طَلَّقَهَا فِي النِّفَاسِ أَوْ الْحَيْضِ وَقَبْلَ الِانْقِطَاعِ عَلَى الْأَوَّلِ لِوُجُودِ مُوجِبِهِ حَالَ الزَّوْجِيَّةِ، وَلَوْ نَكَحَ نُفَسَاءَ وَلَدَتْ مِنْهُ بِشُبْهَةٍ ثُمَّ طَهُرَتْ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ عَلَى غَيْرِ الْأَوَّلِ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ سَبَبَ النِّفَاسِ لَمْ يَكُنْ مِنْ النِّكَاحِ، فَلَا وُجُوبَ مُطْلَقًا وَلَوْ هَايَأَتْ الْمُبَعَّضَةُ سَيِّدَهَا أَوْ هَايَأَهَا سَيِّدَاهَا، فَنَفِسَتْ فِي نَوْبَةٍ وَطَهُرَتْ فِي أُخْرَى. فَعَلَى الْأَوَّلِ يَجِبُ ثَمَنُ مَاءِ نِفَاسِهَا عَلَى السَّيِّدِ الْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّانِي يَجِبُ عَلَى الثَّانِي وَاَلَّذِي يَظْهَرُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ مُرَكَّبٌ وَقَدْ وُجِدَ عِنْدَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ هَذَا إنْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ زَوْجٍ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا أَوْ مِنْ أَحَدِ السَّيِّدَيْنِ، فَوَاضِحٌ أَنَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا. (وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - بِمَا لَفْظُهُ إذَا قُلْتُمْ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ مَثَلًا عِنْدَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ وَيَسْتَحِبُّهَا إلَى فَرَاغِ الْوُضُوءِ، وَقَدْ قَالُوا إذَا انْغَسَلَ شَيْءٌ مِنْ الْوَجْهِ مَعَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مُقَارِنًا لِنِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ كَفَى فِي حُصُولِ النِّيَّةِ، وَلَمْ تَحْصُلْ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِمَا، فَقَدْ يُقَالُ: كَوْنُهُ مَأْمُورًا بِالنِّيَّةِ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ يُؤَدِّي إلَى كَوْنِهِ مَأْمُورًا مَنْهِيًّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالنِّيَّةِ عِنْدَهُمَا لِيَحْصُلَ لَهُ فَضْلُهُمَا، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ؛ لِلدَّوْرِ أَوْ إلَى تَحَمُّلِ مَشَقَّةٍ كَأَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ بِنَحْوِ أُنْبُوبَةٍ أَوْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِالنِّيَّةِ عِنْدَهُمَا فِي الْجُمْلَةِ فَإِذَا انْغَسَلَ مَعَهُمَا شَيْءٌ مِنْ الْوَجْهِ حُكِمَ بِعَدَمِ حُصُولِهِمَا لِفَوَاتِ مَحَلِّهِمَا. (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَمْرِهِ بِالنِّيَّةِ عِنْدَ التَّسْمِيَةِ وَبِاسْتِصْحَابِهَا ذِكْرًا إلَى آخِرِ الْوُضُوءِ كَوْنُهُ مَأْمُورًا مَنْهِيًّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ فِي السُّؤَالِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِصْحَابِ النِّيَّة عِنْد الْمَضْمَضَةِ مَثَلًا انْغِسَالُ شَيْءٍ مِنْ حُمْرَةِ الشَّفَةِ مَعَهَا لِسُهُولَةِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى الْفَمِ مِنْ غَيْرِ انْغِسَالِ شَيْءٍ مِنْ حُمْرَةِ الشَّفَةِ وَلِإِمْكَانِ إيصَالِهِ إلَى دَاخِلِ الْأَنْفِ مِنْ غَيْرِ انْغِسَالِ شَيْءٍ مِنْ حَدِّ الظَّاهِرِ مِنْ الْوَجْهِ وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ هَذَا الثَّانِي فِيهِ عُسْرٌ لَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ لِمَزِيدِ فَضْلِهِ وَلَا يُقَالُ: أَنَّ فِيهِ حَرَجًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مَنْدُوبٌ فَمَنْ أَرَادَ فَضْلَهُ فَلْيَفْعَلْهُ مَعَ عُسْرِهِ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ إذَا قَصَدَ الْمَضْمَضَةَ دُونَ غَسْلِ الْوَجْهِ أَجْزَأَتْهُ الْمَضْمَضَةُ، وَإِنْ نَوَى عِنْدَهَا وَانْغَسَلَ مَعَهَا شَيْءٌ مِنْ حُمْرَةِ الشَّفَةِ لَكِنْ الْأَوْجَهُ خِلَافُهُ، فَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِخِلَافِهِ، وَقَدْ يُجَابُ أَيْضًا بِحَمْلِ قَوْلِهِمْ: وَيَسْتَصْحِبُهَا إلَى فَرَاغِ الْوُضُوءِ عَلَى مَا عَدَا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فَلَا يَسْتَصْحِبُهَا عِنْدَهُمَا إذَا كَانَ يَنْغَسِلُ مَعَهُمَا شَيْءٌ مِنْ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ تَحْصِيلِهِمَا أَتَمُّ مِنْ مَصْلَحَةِ الِاسْتِصْحَابِ لِأَنَّهُ قِيلَ بِوُجُوبِهِمَا فِي الْوُضُوءِ

стр. 56

وَالِاسْتِصْحَابِ قِيلَ: بِعَدَمِ نَدْبِهِ، وَفَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَ مَا اُخْتُلِفَ فِي مَطْلُوبِيَّتِهِ وَمَا اُتُّفِقَ عَلَى مَطْلُوبِيَّتِهِ وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنُهُمْ أَطْلَقُوا نَدْبَ الِاسْتِصْحَابِ لِأَنَّهُمْ وَكَلُوهُ عَلَى مَا قَرَّرُوهُ قَبْلُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مِمَّا يُصَرِّحُ بِمَا قُلْنَاهُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ فِعْلَهُمَا وَلَمْ يَنْغَسِلْ مَعَهُمَا شَيْءٌ مِنْ الْوَجْهِ اسْتَصْحَبَ النِّيَّةَ عِنْدَهُمَا كَغَيْرِهِمَا وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَنْغَسِلُ مَعَهُمَا شَيْءٌ مِنْ الْوَجْهِ تُرِكَ الِاسْتِصْحَابُ عِنْدَهُمَا مُرَاعَاةً لِمَصْلَحَةِ حُصُولِهِمَا الْآكَدِ مِنْ حُصُولِ الِاسْتِصْحَابِ كَمَا تَقَرَّرَ. (سُئِلَ) - فُسِّحَ فِي مُدَّتِهِ - عَمَّنْ هَجَمَ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَتَوَضَّأَ بِأَحَدِ الْمُشْتَبِهَيْنِ اعْتِمَادًا عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ وَصَلَّى لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ قَطْعًا وَلَا وُضُوءُهُ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فَمَا وَجْهُ الْقَطْعِ مَعَ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي الْوُضُوءِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَدْ يُقَالُ وَجْهُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ أَعْلَى مَا طُلِبَ لَهُ الْوُضُوءُ؛ فَلِذَلِكَ اُحْتِيطَ فِي أَمْرِهَا وَلَمْ يُقَلْ بِإِبَاحَتِهَا بِهَذَا الْوُضُوءِ، وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّتِهِ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ خَلَلٍ فِي شَرْطِهِ الْأَعْظَمِ وَهُوَ احْتِمَالُ النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ عَلَى السَّوَاءِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهِ وَإِبَاحَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ مَثَلًا إبَاحَتُهُ لِلصَّلَاةِ؛ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّهَا لِعِظَمِ خَطَرِهَا لَا يَكْتَفِي فِي إبَاحَتِهَا إلَّا بِوُضُوءٍ بِمَاءٍ مُتَيَقَّنِ الطَّهَارَةِ، أَوْ مَظْنُونِهَا وَلَمْ يُوجَدْ. (وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُدَّتِهِ عَنْ الْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ هَلْ يُنْوَى بِهِ رَفْعُ الْحَدَثِ أَوْ التَّجْدِيدُ، وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ كَلَامٌ فِيهِ حَقِّقُوهُ نَفَعَ اللَّهُ بِكُمْ آمِينَ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَدْ ذَكَرْت الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ مُوَضَّحَةً وَعِبَارَتُهُ (وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ الْوُضُوءُ الْمُجَدَّدُ فَلَا يَكْفِي فِيهِ نِيَّةُ الرَّفْعِ أَوْ الِاسْتِبَاحَةِ عَلَى الْأَوْجَهِ خِلَافًا لِابْنِ الْعِمَادِ، وَلَا يُقَاسُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ عَلَى مَا يَأْتِي فِيهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُشْكِلٌ خَارِجٌ عَنْ الْقَوَاعِدِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ كَذَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ. وَأَوْلَى مِنْهُ أَنْ يُقَالَ: الْأَصْلِيَّةُ لَيْسَ لَهَا إلَّا هَذِهِ النِّيَّةُ فَاعْتُبِرَتْ فِي الْعَادَةِ لِتَحْكِيمِهَا، وَهَذَا الْوُضُوءُ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي هَاتَيْنِ الْكَيْفِيَّتَيْنِ فَلَا حَاجَةَ لِلتَّعَرُّضِ لَهُمَا لِإِمْكَانِ الْمُحَاكَاةِ بِغَيْرِهِمَا وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ فِيمَا لَوْ نَذَرَ التَّجْدِيدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ فَرْضِ الْوُضُوءِ وَنَحْوِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ الِاسْتِبَاحَةِ هُنَا أَيْضًا) انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورَةُ، وَفِيهَا تَحْقِيقٌ لِمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَبَيَانُ الْمُعْتَمَدِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَرَدٌّ لِقَوْلِ ابْنِ الْعِمَادِ: (وَتَخْرِيجُهُ عَلَى الصَّلَاةِ لَيْسَ بِبَعِيدِ لِأَنَّ قَضِيَّةَ التَّجْدِيدِ أَنْ يُعِيدَ الشَّيْءَ بِصِفَتِهِ الْأُولَى وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ تَجْدِيدًا. وَيُرَدُّ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صِفَتِهِ الْأُولَى إلَّا مُطْلَقُ نِيَّةٍ تُجْزِئُ فِي الْأَوَّلِ لَا خُصُوصَ نِيَّةِ الْأَوَّلِ بِعَيْنِهَا إذَا كَانَ لِلنِّيَّةِ فِيهِ كَيْفِيَّاتٌ يَصِحُّ صِدْقُ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّا إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْعَادَةِ لَوَجَبَ عَلَى نَاوِيهَا أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهَا حَقِيقَةَ الْفَرْضِ وَإِلَّا كَانَ مُتَلَاعِبًا بَلْ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا صُورَةَ الْفَرْضِ أَوْ مَا هُوَ فَرْضٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي الْجُمْلَةِ فَعَلِمْنَا أَنَّ صِفَةَ النِّيَّةِ لَيْسَتْ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْإِعَادَةِ فَكَمَا أَنَّهُ هُنَا أَتَى بِنِيَّةٍ مُغَايِرَةٍ لِصِفَةِ نِيَّةِ الْأُولَى مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْضِ فِي الْأُولَى حَقِيقَتُهُ وَفِي الْمُعَادَةِ غَيْرُ حَقِيقَتِهِ، فَكَذَا يُقَالُ بِنَظِيرِهِ فِي الْوُضُوءِ، فَإِذَا نَوَى فِي الْأَوَّلِ نِيَّةَ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ نِيَّةَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ أَرَادَ التَّجْدِيدَ قُلْنَا: يَلْزَمُك نِيَّةٌ بِكَيْفِيَّةٍ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ الْأُخَرِ غَيْرِ هَاتَيْنِ وَلَا يَصِحُّ نِيَّتُك وَاحِدَةً مِنْهُمَا؛ لِعَدَمِ صِدْقِهِمَا إذْ لَا رَفْعَ حِينَئِذٍ وَلَا اسْتِبَاحَةَ فَإِنْ قُلْت يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِمَا قَاصِدًا بِهِمَا الْمُحَاكَاةَ وَالصُّورَةَ قُلْت: إنَّمَا أَتَى بِالْفَرْضِ فِي الْمُعَادَةِ قَاصِدًا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا مَنْدُوحَةَ فِي الْمُحَاكَاةِ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِ، وَهُنَا أَنَّهُ مَنْدُوحَةٌ فِي الْمُحَاكَاةِ عَنْ هَذَيْنِ فَلَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِمَا وَلَا إلَى تَأْوِيلِهِمَا عَلَى أَنَّ شَرْطَ التَّخْرِيجِ عَلَى حُكْمٍ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، أَوْ الْحُكْمُ فِيهِ أَظْهَرُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، وَنِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْمُعَادَةِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلَمْ يَتِمَّ لِابْنِ الْعِمَادِ التَّخْرِيجُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ وَقَفَ أَرْضًا عَلَى مَنْ يَسْتَقِي كُلَّ يَوْمٍ قَدْرًا مَعْلُومًا مِنْ الْمَاءِ لِلتَّطْهِيرِ بِمَسْجِدِ كَذَا هَلْ يَجُوزُ التَّجْدِيدُ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَنْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ كُلِّ غُسْلٍ مَسْنُونٍ أَوْ طَهَارَةٍ مَسْنُونَةٍ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَوْلِي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: (إنَّ الْمَاءَ الْمَوْقُوفَ يَحْرُمُ الزِّيَادَةُ مِنْهُ عَلَى الثَّلَاثِ. وَقَوْلِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ (وَقَيَّدَ الزَّرْكَشِيُّ كَرَاهَةَ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ بِغَيْرِ الْمَاءِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مَنْ يَتَطَهَّرُ أَوْ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ كَمَاءِ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ الَّتِي يُسَاقُ إلَيْهَا

стр. 57

الْمَاءُ وَإِلَّا حُرِّمَتْ بِلَا خِلَافٍ لِتَحْرِيمِ السَّرَفِ وَلِأَنَّهَا غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهَا) اهـ. فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ جَائِزَةٌ فِي الْمَاءِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مَنْ يَتَطَهَّرُ، وَإِذَا جَازَ هَاتَانِ جَازَتْ كُلُّ طَهَارَةٍ مَسْنُونَةٍ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ، وَالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ. وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ مُصَرِّحٌ بِهِ حَيْثُ أَدْرَجُوا فِي الطَّهَارَةِ الطَّهَارَةَ الْمَسْنُونَةَ كَالْوَاجِبَةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُسَمَّى طَهَارَةً لُغَةً وَشَرْعًا، وَقَوْلُ الْوَاقِفِ لِلتَّطْهِيرِ بِمَسْجِدِ كَذَا يَشْمَلُ كُلَّ طَهَارَةٍ وَاجِبَةٍ وَمَنْدُوبَةٍ فَنَزَلَ كَلَامُهُ عَلَيْهِمَا نَعَمْ لَوْ اطَّرَدَتْ عَادَةٌ فِي زَمَنِهِ بِشَيْءٍ وَعَرَفَ تِلْكَ الْعَادَةَ نَزَلَ وَقْفُهُ عَلَيْهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ الْعَادَةَ الْمُطَّرِدَةَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ إذَا عَرَفَهَا تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ شَرْطِهِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ: (وَالرُّبُطُ الَّتِي يُسَاقُ إلَيْهَا الْمَاءُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ نَابِعًا مِنْ الْمَحَلِّ الْمَوْقُوفِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ عَلَى الْمُسْتَقِي مِنْ مَاءٍ مَمْلُوكٍ يُبَاحُ الِاسْتِقَاءُ مِنْهُ أَوْ مُبَاحٌ أَبَاحَهُ الْوَاقِفُ أَوْ غَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ: (لِلتَّطْهِيرِ بِمَسْجِدِ كَذَا) صَرَّحَ فِي الْمَنْعِ مَنْ نَقَلَهُ إلَى غَيْرِ مَسْجِدِ كَذَا، وَإِنْ قَرُبَ مِنْهُ مَا لَمْ يُنْسَبْ إلَيْهِ عُرْفًا لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ أَنَّ الْوَاقِفَ لَا يَقْصِدُ التَّطَهُّرَ بِهِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ فَحَسْبُ؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فَيُشَوِّشُ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِهِ فِيهِ أَوْ فِي مَحَلٍّ مَنْسُوبٍ إلَيْهِ وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا عَادَةَ بِشَرْطِهَا السَّابِقِ وَإِلَّا عُمِلَ بِهَا لِمَا مَرَّ، فَإِنْ اقْتَضَتْ جَوَازَ النَّقْلِ مُطْلَقًا أَوْ لِمَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ جَازَ النَّقْلُ بِحَسَبِهَا، وَلَا عِبْرَةَ بِعَادَةٍ لَمْ تَطَّرِدْ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهَا، وَحَيْثُ جَازَ نَقْلُهُ لِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ، فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهِ لِتِلْكَ الطَّهَارَةِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدَّخِرَهُ لِصَلَاةٍ أُخْرَى أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي نَبَاتِ الْحَرَمِ لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ لِدَوَاءٍ أَوْ عَلَفٍ أَوْ نَحْوِهِمَا إلَّا بَعْدَ وُجُودِ نَحْوِ الْمَرَضِ أَوْ الْحَيَوَانِ عِنْدَهُ لَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ لِضَرُورَةٍ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، فَكَذَلِكَ الْأَخْذُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ إنَّمَا جَازَ لِضَرُورَةِ التَّطَهُّرِ لِلصَّلَاةِ، فَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ قَبْلَ أَنْ تَحِقَّ ضَرُورَتُهُ إلَيْهِ، وَلَوْ جَوَّزْنَا لَهُ أَخْذَ أَكْثَرِ مِنْ كِفَايَةِ طَهَارَتِهِ الَّتِي يُرِيدُهَا بِنِيَّةِ أَنْ يَدَّخِرَهُ إلَى طَهَارَةٍ أُخْرَى، لَكُنَّا قَدْ جَوَّزْنَا لَهُ أَخْذَ هَذَا الزَّائِدِ قَبْلَ أَنْ تُحَقَّقَ ضَرُورَتُهُ إلَيْهِ. فَإِنْ قُلْت: النَّبَاتُ الْحَرَمِيُّ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ مَثَلًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَيَّدَ بِقَدْرِ مَا يَسْتَعْمِلُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ الْمُضْطَرُّ يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّدُ مِنْ الْمَيْتَةِ، قُلْت يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ سَبَبَ جَوَازِهِ الْأَخْذُ لِلْمَرَضِ وَالِاضْطِرَارِ، وَبَعْدَ وُقُوعِهِ الْأَصْلُ دَوَامُهُ فَلَمْ يَتَقَيَّدْ الْأَخْذُ بِشَيْءٍ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ كُلَّ طَهَارَةٍ لَهَا سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ فَلَوْ جَوَّزْنَا لَهُ الْأَخْذَ لِطَهَارَةِ صَلَاةٍ أُخْرَى لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا لَكُنَّا جَوَّزْنَا لَهُ تَقْدِيمَ الْأَخْذِ عَلَى سَبَبِهِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ كَمَا تَقَرَّرَ فَإِنْ قُلْت فِي الْخَادِمِ عَنْ الْعَبَّادِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ نَقْلُ شَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ الْمُسَبَّلِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ كَمَا لَوْ أَبَاحَ لِوَاحِدٍ طَعَامًا لِيَأْكُلَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ حَمْلُ الْحَبَّةِ مِنْهُ، وَلَا صَرْفُهُ لِغَيْرِ الْأَكْلِ ثُمَّ قَالَ: وَفِي هَذَا تَضْيِيقٌ شَدِيدٌ وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَى خِلَافِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَقَضِيَّتُهُ جَوَازُ النَّقْلِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ، قُلْت: لَيْسَ قَضِيَّتُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: بِمَسْجِدِ كَذَا، فَوَجَبَ اتِّبَاعُ تَقْيِيدِهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِهِ. وَشَرْطُهُ حَيْثُ لَمْ يُخَالِفْ الشَّرْعَ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ بِخِلَافِ الْمُسَبَّلِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبَّادِيِّ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ فَأَمْكَنَ الزَّرْكَشِيُّ أَنْ يَقُولَ فِيهِ مَا ذُكِرَ. عَلَى أَنَّ الْأَوْجَهَ كَمَا ذَكَرْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ هُوَ مَا قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ حَالِ الْمُسَبَّلِ تَقْتَضِي أَنَّهُ قَصَدَ رِفْقَ أَهْلِ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ بِمَا سَبَّلَهُ فِيهَا، وَالْقَرَائِنُ لَهَا أَثَرٌ بَيِّنٌ فِي ذَلِكَ فَعَمِلَ بِهَا قِيَاسًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْإِبَاحَةِ، وَعَلَيْهِ فَهَلْ الْمُرَادُ بِالْمَحَلَّةِ فِي كَلَامِهِ الْمَحَلَّةُ الَّتِي هُوَ فِيهَا كَنَقْلِ الزَّكَاةِ أَوْ مَوْضِعُهُ الْمَنْسُوبُ إلَيْهِ عَادَةً بِحَيْثُ يَقْصِدُ الْمُسَبِّلُ أَهْلَهُ بِذَلِكَ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَالثَّانِي أَقْرَبُ فَإِنْ قُلْت: الْقِيَاسُ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَشْمَلُ إلَّا الْوَاجِبَةَ أَخْذًا مِمَّا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَأَقَرُّوهُ مِنْ أَنَّ مَا وُقِفَ لِلتَّكْفِينِ لَا يُعْطَى مِنْهُ الْمَيِّتُ إلَّا ثَوْبٌ سَابِغٌ وَلَا يُعْطَى الْقُطْنَ وَالْحَنُوطَ فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْأَثْوَابِ الْمُسْتَحْسَنَةِ الَّتِي لَا تُعْطَى عَلَى الْأَظْهَرِ الْمَحْفُوظِ فِي نَظِيرِهِ اهـ. قُلْت يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَنَّ لَفْظَ الْوَاقِفِ ثَمَّ وَهُوَ التَّطْهِيرُ يَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ لُغَةً وَشَرْعًا كَمَا مَرَّ فَحُمِلَ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ التَّكْفِينِ فَإِنَّهُ لَا يَشْمَلُ الْقُطْنَ وَالْحَنُوطَ فَلَمْ يَحْصُلْ عَلَيْهِمَا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِيهِ شُمُولٌ لِلزَّائِدِ

стр. 58

عَلَى سَاتِرِ الْعَوْرَةِ أُعْطِيهِ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ: وَيَكُونُ سَابِغًا فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ يُعْطَاهُ، وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّوْبِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ بِأَنَّهُ آكَدُ مِنْهُمَا وَلِهَذَا لَمْ يُلْتَفَتْ لِمَنْعِ الْغُرَمَاءِ لَهُ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُسْتَحَبَّاتِ، وَلَا يُنَافِي قَوْلُنَا وَأَقَرُّوهُ. قَوْلَ ابْنِ الْأُسْتَاذِ إنْ قَيَّدَ الْوَاقِفُ بِالْوَاجِبِ أَوْ الْأَكْمَلِ اُتُّبِعَ، وَإِنْ أَطْلَقَ وَاقْتَضَتْ الْعَادَةُ شَيْئًا نَزَلَ عَلَيْهِ. وَوَجْهُ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الصَّلَاحِ مَفْرُوضٌ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ حَيْثُ لَا نَصَّ مِنْ الْوَاقِفِ، وَلَا مَا هُوَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ نَصِّهِ، وَهُوَ الْعَادَةُ الْمُطَّرِدَةُ فِي زَمَنِهِ، فَحِينَئِذٍ يُعْمَلُ بِمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَأَمَّا مَعَ نَصِّهِ عَلَى الْوَاجِبِ فَقَطْ أَوْ عَلَيْهِمَا أَوْ وُجِدَتْ عَادَةٌ لَهُ بِذَلِكَ فَلَا إشْكَالَ أَنَّ ذَلِكَ يُعْمَلُ بِهِ حَتْمًا فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَ كَلَامَيْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَابْنِ الْأُسْتَاذِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ يَصِحُّ وُضُوءُ مَنْ بِسُفْلِ رِجْلِهِ شَوْكَةٌ، وَإِذَا تَعَذَّرَ إخْرَاجُهَا مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: عِبَارَةُ شَرْحِي لِلْعُبَابِ (قَالَ الزَّرْكَشِيّ هُنَا شَيْءٌ يُغْفَلُ عَنْهُ وَهُوَ أَنْ تَقَعَ شَوْكَةٌ فِي يَدِهِ مَثَلًا، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إنْ ظَهَرَ بَعْضُهَا - وَجَبَ قَلْعُهُ وَغَسْلُ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ فَإِنْ اسْتَتَرَتْ كُلُّهَا صَارَتْ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ فَيَصِحُّ وُضُوءُهُ لَكِنَّهَا تَنَجَّسَتْ بِالدَّمِ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَهَا كَالْوَشْمِ) اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ تَنَجُّسَهَا بِذَلِكَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَفَارَقَتْ مَسْأَلَةَ الْوَشْمِ بِأَنَّ الدَّمَ ظَهَرَ ثَمَّ، وَاخْتَلَطَ بِأَجْنَبِيٍّ بِخِلَافِهِ هُنَا عَلَى أَنَّهُ مَرَّ أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ عُودًا فِي دُبُرِهِ وَغَيَّبَهُ كُلَّهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، فَهَذَا أَوْلَى ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ قَيَّدَ مَا قَالَهُ فِيمَا إذَا ظَهَرَ بَعْضُهَا بِمَا فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَتْ لَوْ نُقِشَتْ بَقِيَ مَحَلُّهَا مَثْقُوبًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَحَلُّ يَلْتَئِمُ عِنْدَ قَلْعِهَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ وُجُودُهَا، وَلَفْظُ الْفَتَاوَى شَوْكَةٌ دَخَلَتْ أُصْبُعَهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُهَا ظَاهِرًا لِأَنَّ مَا حَوَالَيْهِ يَجِبُ غَسْلُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمَا سَتَرَهُ الشَّوْكُ فَهُوَ بَاطِنٌ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ نَقَّبَ عَنْ الشَّوْكِ بَقِيَ نَقْبُهُ حِينَئِذٍ لَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ إنْ كَانَ رَأْسُ الشَّوْكِ خَارِجًا حَتَّى يَنْزِعَهُ اهـ. وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الشِّقِّ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا جَاوَزَتْ الْجِلْدَ إلَى اللَّحْمِ، وَغَاصَتْ فِيهِ لَا يَضُرُّ ظُهُورُ رَأْسِهَا حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا فِي الْبَاطِنِ وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا سَتَرَتْ رَأْسُهَا جُزْءًا مِنْ ظَاهِرِ الْجِلْدِ بِأَنْ بَقِيَ جُزْءٌ مِنْهَا فِيهِ، وَنُظِرَ فِيمَا قَالَهُ آخِرًا بِنَحْوِ مَا ذَكَرْته فَقَالَ: (الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَلْحَقُ بِالْوَشْمِ لِلْعَفْوِ عَنْ مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنْظُرُوا فِي الْوَشْمِ لِذَلِكَ لِظُهُورِهِ بِفِعْلِهِ وَعُدْوَانِهِ، وَلِتَحْرِيمِهِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مَفْقُودٌ فِيمَا إذَا غَاصَ بَعْضُهَا وَقَدْ مَرَّ عَنْ الْبَغَوِيِّ فِيهِ الصِّحَّةُ فَلَا وَجْهَ لِإِلْحَاقِهِ بِالْوَشْمِ) انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَوَابِ السُّؤَالِ مَعَ الزِّيَادَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ انْقَلَبَتْ بَوَاطِنُ أَصَابِعِهِ إلَى ظَهْرِ الْكَفِّ فَهَلْ الْعِبْرَةُ بِمَا سَامَتْ بَطْنَ الْكَفِّ أَوْ بِالْبَاطِنِ وَإِنْ سَامَتْ ظَهْرَ الْيَدِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: بَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يُنْقِضُ بَاطِنُهَا لِأَنَّهُ بِظَهْرِ الْكَفِّ وَلَا ظَاهِرُهَا؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْبَاطِنِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُمْ شَرَطُوا فِي النَّقْضِ بِالزَّائِدَةِ أَنْ تَكُونَ عَلَى السُّنَنِ وَإِنْ تَسَامَتْ فَكَمَا لَا يُنْقِضُ الَّتِي لَيْسَتْ عَلَى السُّنَنِ وَإِنْ سَامَتَتْ وَلَا غَيْرَ الْمُسَامَتَةِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى السُّنَنِ فَكَذَا هَذِهِ فَإِنْ قُلْت: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذِهِ أَصْلِيَّةٌ فَلَا تَحْتَاجُ لِشَرْطٍ وَتِلْكَ زَائِدَةٌ، وَالْأَصْلُ فِيهَا عَدَمُ النَّقْضِ فَاحْتَاجَتْ لِشَرْطٍ قُلْت: لَمَّا خَالَفَتْ هَذِهِ وَضْعَ الْأَصْلِيَّاتِ خَرَجَتْ عَلَى أَنْ تَكُونَ مُتَمَحِّضَةَ الْأَصَالَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَ إلْحَاقُهَا بِالزَّائِدَةِ غَيْرَ بَعِيدٍ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ حَدِيثِ «مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَوْ ضَعِيفٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ لَكِنْ قَضِيَّةُ كَلَامِ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ حَسَنٌ لِأَنَّ مَنْ ضُعِّفَ لِأَجَلِهِ لَمْ يُتَّفَقْ عَلَى ضَعْفِهِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ حَدِيثِ «الْوُضُوءُ نُورٌ عَلَى نُورٍ» مَنْ خَرَّجَهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَالزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ لَمْ نَقِفْ عَلَى مَنْ خَرَّجَهُ: وَاعْتُرِضَا بِأَنَّ رَزِينًا أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ حَدِيثِ «مَنْ قَرَأَ فِي أَثَرِ وُضُوئِهِ إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَ مِنْ الصِّدِّيقِينَ وَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الشُّهَدَاءِ وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا حَشَرَهُ اللَّهُ مَحْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ» مَنْ رَوَاهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ، وَفِي سَنَدِهِ

стр. 59

مَجْهُولٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ الْمُتَوَضِّئِ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ هَلْ تُسَنُّ لَهُ الْإِجَابَةُ حِينَئِذٍ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ أَمَّا حَالُ الْوُضُوءِ فَيُجِيبُ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَضِّئَ إنَّمَا يُسَنُّ لَهُ السُّكُوتُ عَنْ غَيْرِ الذِّكْرِ، وَأَذْكَارُ الْأَعْضَاءِ فِي نَدْبِهَا خِلَافٌ بَلْ الْأَصَحُّ عَدَمُ نَدْبِهَا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَهَا لَا تَخْلُو عَنْ كَذَّابٍ أَوْ مُتَّهَمٍ بِالْكَذِبِ، وَاعْتِرَاضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَيْهِ رَدَدْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَالْعُبَابِ، وَأَمَّا الْإِجَابَةُ فَمَنْدُوبَةٌ اتِّفَاقًا وَلِذَا قَالُوا بِنَدْبِهَا لِلطَّائِفِ مَعَ أَنَّ لَهُ أَذْكَارًا مَطْلُوبَةً اتِّفَاقًا، فَالْمُتَوَضِّئُ أَوْلَى وَأَمَّا بَعْدَ فَرَاغِ الْوُضُوءِ بِأَنْ وَافَقَ فَرَاغُ وُضُوئِهِ فَرَاغَ الْمُؤَذِّنِ، فَيَأْتِي بِذِكْرِ الْوُضُوءِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ مُقَدِّمًا لَهُ عَلَى الذِّكْرِ عَقِبَ الْأَذَانِ لِأَنَّهُ لِلْعِبَادَةِ الَّتِي فَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ يَذْكُرُ الْأَذَانَ قَالَ، وَحَسَنٌ أَنْ يَأْتِيَ بِشَهَادَتَيْ الْوُضُوءِ ثُمَّ بِدُعَاءِ الْأَذَانِ لِتَعَلُّقِهِ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ بِالدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - عَمَّنْ قُطِعَ أَنْفُهُ أَوْ أُنْمُلَتُهُ فَجَعَلَ مَحَلَّهُ بَدَلَهُ مِنْ ذَهَبٍ مَثَلًا فَهَلْ يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ أَوْ إزَالَتُهُ وَهَلْ يَمْسَحُهُ بَدَلًا عَمَّا تَحْتَهُ كَالْجَبِيرَةِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْبَدَلُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ بِلَا خَشْيَةِ مُبِيحِ تَيَمُّمٍ إزَالَتُهُ وَعَوْدُهُ وَجَبَتْ إزَالَتُهُ وَغَسْلُ مَا تَحْتَهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ بُنِيَ عَلَيْهِ اللَّحْمُ أَوْ الْجِلْدُ وَسَتَرَهُ - وَجَبَ غَسْلُهُ وَكَذَا لَوْ بُنِيَ عَلَى بَعْضِهِ فَيَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَهَذَا ظَاهِرٌ أَيْضًا، وَأَمَّا الظَّاهِرُ الَّذِي لَمْ يُبْنَ عَلَيْهِ اللَّحْمُ وَلَا الْجِلْدُ فَهُوَ مَحَلُّ تَرَدُّدِ النَّظَرِ، وَقَدْ ذَكَرُوا فِي الْجِنَايَاتِ فِي السِّنِّ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ ذَهَبٍ أَنَّهُ لَا أَرْشَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ نَفْعُهَا أَكْثَرَ مِنْ نَفْعِ الصَّحِيحَةِ، وَإِنَّمَا فِيهَا حُكُومَةٌ. وَهَذَا نَاطِقٌ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُلْحِقُوهَا بِالسِّنِّ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ بَدَلٌ عَنْهَا وَإِذَا لَمْ يُلْحِقُوهَا بِهَا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مَعَ بِنَائِهَا عَلَى الْمُضَايَقَةِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يُلْحِقُوا الْبَدَلَ فِي مَسْأَلَتِنَا بِالْأَصْلِيِّ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ فَلَا يَجِبُ غَسْلُ مَا لَمْ يَنْبُتْ عَلَيْهِ لَحْمٌ وَلَا جِلْدٌ مِنْ أَنْفِ النَّقْدِ وَلَا أُنْمُلَتِهِ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ وُصِلَ عَظْمُهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ بَلْ هَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ غَسْلَ الطَّاهِرِ مَعْهُودٌ بِخِلَافِ غَسْلِ نَجِسِ الْعَيْنِ وَكَذَا لَوْ وَصَلَهُ بِعَظْمٍ طَاهِرٍ لَكِنْ لَا أَوْلَوِيَّةَ هُنَا بَلْ قَدْ يُدَّعَى عَدَمُ الْمُسَاوَاةِ، لِأَنَّ النَّقْدَ لَا يُشْبِهُ الْعُضْوَ الْمَفْقُودَ بِوَجْهٍ بِخِلَافِ الْعَظْمِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ حَيَوَانٍ فَإِنَّهُ يُشْبِهُ الْعُضْوَ الْمَفْقُودَ، فَإِنْ قُلْت: سَلَّمْنَا عَدَمَ وُجُوبِ غَسْلِ الظَّاهِرِ مِنْ النَّقْدِ الْمَذْكُورِ فَمَا يُصْنَعُ فِيمَا سَتْرُهُ مِنْ مَحَلِّ الْقَطْعِ الَّذِي بَاشَرَهُ الْقَطْعُ فَظَهَرَ بِهِ، وَصَارَ ظَاهِرًا يَجِبُ غَسْلُهُ. قُلْت: إذَا اسْتَحْضَرْت أَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ خُشِيَ مِنْ إزَالَتِهِ مَحْذُورُ التَّيَمُّمِ ظَهَرَ لَك أَنَّ اللَّحْمَ أَوْ الْجِلْدَ بُنِيَ عَلَيْهِ إذْ لَا يُخْشَى ذَلِكَ الْمَحْذُورُ إلَّا حِينَئِذٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَإِذَا بُنِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَجَبَ غَسْلُ مَا اسْتَتَرَ مِنْهُ بِهِ دُونَ مَا عَدَاهُ كَمَا مَرَّ، وَبِفَرْضِ أَنَّهُ لَمْ يُبْنَ عَلَيْهِ شَيْءٌ هُوَ آيِلٌ إلَى الْبِنَاءِ عَلَيْهِ وَيَصِيرُ بَعْضُهُ إنْ لَمْ يَعُمَّهُ نَحْوُ اللَّحْمِ أَوْ كُلُّهُ إنْ عَمَّهُ عُضْوًا مَغْسُولًا، وَبِهَذَا فَارَقَ وُجُوبَ مَسْحِ الْجَبِيرَةِ بَدَلًا عَمَّا أَخَذْته مِنْ أَطْرَافِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ آيِلَةً إلَى الْعُضْوِيَّةِ بَلْ هِيَ بِصَدَدِ الزَّوَالِ فَلَمْ يُنْتَظَرْ فِيهَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَسْحَهَا كَالْخُفِّ رُخْصَةً فَلَا تَجْرِي فِي غَيْرِهِمَا لِامْتِنَاعِ الْقِيَاسِ فِي الرُّخَصِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ وَخَرَجَ بِقَوْلِي: (مَحَلُّ الْقَطْعِ الَّذِي ظَهَرَ بِهِ. .. إلَخْ) بَاطِنُ الْأَنْفِ الْمُسْتَتَرُ بِالْقَصَبَةِ وَالْمَارِنِ، فَهَذَا لَوْ فُرِضَ ظُهُورُهُ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِيهِ وَهُوَ كَوْنُهُ بَاطِنًا، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ بِفَرْضِ ظُهُورِهِ فَمَا سَتَرَهُ مِنْ أَنْفِ النَّقْدِ أَوْلَى إذْ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا يَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْأُنْمُلَةِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا ظَهَرَ يَجِبُ غَسْلُهُ، لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَطْعِ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ لِتَعَذُّرِ ظُهُورِهِ، وَبَاطِنُ الْأَنْفِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِالْبَاطِنِيَّةِ مَعَ تَأَتِّي غَسْلِهِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك الْفَرْقُ بَيْنَ إيجَابِهِمْ غَسْلَ مَا ظَهَرَ بِالْقَطْعِ دُونَ مَا كَانَ مُسْتَتَرًا بِالْقَصَبَةِ وَالْمَارِنِ، وَكَذَا بَاطِنُ الْفَمِ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ أَفْتَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجِبُ مَسْحُهُ كَالْجَبِيرَةِ مَعَ سَتْرِ كُلٍّ لِمَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَقَدْ عَلِمْت فَسَادَ الْقِيَاسِ سِيَّمَا مَعَ ظُهُورِ الْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرْته عَلَى أَنَّهُ تَوَقَّفَ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهَا بَحْثُهُ مِنْ وُجُوبِ الْمَسْحِ كَالْجَبِيرَةِ، ثُمَّ قَالَ: يَنْبَغِي إنْ الْتَحَمَ جَانِبُ الْأَنْفِ وَجَبَ غَسْلُ الْمُلْتَحِمِ، وَكَذَا بَقِيَّةُ أَنْفِ النَّقْدِ تَبَعًا قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ جَبَرَ عَظْمَهُ بِعَظْمٍ طَاهِرٍ فَالْتَحَمَ جَانِبَاهُ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ وُجُوبُ غَسْلِ الْجَمِيعِ وَقِيَاسًا عَلَى انْكِشَاطِ جِلْدَةِ الْعَضُدِ وَالْتِصَاقِهَا بِالسَّاعِدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِ مَا يُحَاذِي الْفَرْضَ مِنْهَا مَعَ مَا تَحْتَهُ إنْ تَجَافَتْ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا كَوْنُ كُلٍّ

стр. 60

مِنْهُمَا لَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ غَسْلُهُ تَبَعًا لَا أَصَالَةً. اهـ. وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا قَدَّمْته فَسَادَ الْقِيَاسِ عَلَى الْجِلْدَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَإِذَا صَارَتْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ نُسِبَتْ إلَيْهِ وَعُدَّتْ مِنْهُ فَوَجَبَ غَسْلُهَا لِذَلِكَ، وَأَمَّا أَنْفُ النَّقْدِ فَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الطَّهَارَةِ بِحَالٍ فَلَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ وَلَا جَامِعُهُ الْمَذْكُورَانِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، وَأَمْعِنْ النَّظَرَ فِيمَا قَرَّرْته لَك فَإِنَّهُ مُهِمٌّ إذْ لَمْ يُصَرِّحُوا فِيهِ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا أَخَذْنَا ذَلِكَ مِنْ فَحَوَى كَلَامِهِمْ وَاَللَّهُ هُوَ الْمُوَفِّقُ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - عَنْ الدَّاخِلِ إلَى بَيْتِهِ وَالْخَارِجِ مِنْهُ مَا الَّذِي يُقَدِّمُ مِنْ رِجْلَيْهِ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَمْ أَرَ فِي خُصُوصِ ذَلِكَ كَلَامًا لِأَصْحَابِنَا وَرَأَيْت لِلْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يُقَدِّمُ يَمِينَهُ فِيهِمَا. وَاَلَّذِي يَجْرِي عَلَى قَوَاعِدِنَا أَنَّهُ يُقَدِّمُ يَمِينَهُ فِي الدُّخُولِ وَيَسَارَهُ فِي الْخُرُوجِ لِأَنَّ مَنْزِلَ الْإِنْسَانِ يَشْرُفُ بِشَرَفِهِ؛ وَلِذَا طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَ لِمَنْزِلِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ وَأَنْ لَا يَتَّخِذَهُ قَبْرًا، أَيْ كَالْقَبْرِ يَهْجُرُهُ عَنْ وُقُوعِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِيهِ فَطَلَبُ الشَّارِعُ ذَلِكَ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى شَرَفِهِ، وَأَيْضًا طَلَبَ الشَّارِعُ مِنْ دَاخِلِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِبَعْضِ الْأَذْكَارِ عِنْدَ دُخُولِهِ وَرَتَّبَ عَلَى بَعْضِهَا أَنَّهُ إذَا قَالَهُ ارْتَحَلَ الشَّيْطَانُ عَنْهُ وَصَارَ مُنَزَّهًا عَنْهُ وَهَذَا فِيهِ تَشْرِيفٌ لَهُ أَيُّ تَشْرِيفٍ. وَإِذَا ثَبَتَ شَرَفُهُ عَلَى مَا يَلِيه بِهَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ الَّتِي ذَكَرْتهَا لَزِمَ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ يَمِينَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ لَهُ وَيَسَارَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ قِيَاسًا لَهُ عَلَى الْمَسْجِدِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ فَإِنْ قُلْت: الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ وَاضِحٌ. قُلْت: لَا نَظَرَ لِخُصُوصِ الْمَسْجِدِيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَدْرَسَةَ وَمُصَلَّى الْعِيدِ وَنَحْوَهُمَا مِنْ مَحَالِّ الْعِبَادَةِ يَجُوزُ الْمُكْثُ فِيهِمَا لِلْجُنُبِ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُمَا شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمَسْجِدِيَّةِ وَمَعَ ذَلِكَ يُقَدِّمُ يَمِينَهُ دُخُولًا وَيَسَارَهُ خُرُوجًا فِيهِمَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِنْ كَلَامِهِمْ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِيهِمَا نَظَرًا إلَى أَنَّهُمَا مَحَلُّ عِبَادَةٍ طُلِبَتْ فِيهِمَا، فَكَذَلِكَ الْمَنْزِلُ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِعِبَادَاتِ مَخْصُوصَةٍ طُلِبَتْ فِيهِ بِخُصُوصِهِ دُونَ غَيْرِهِ فَتَأَمَّلْهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا شَرَفَ فِيهِ هُوَ لَا خِسَّةَ فِيهِ اتِّفَاقًا، وَكُلُّ مَا لَا شَرَفَ فِيهِ وَلَا خِسَّةَ يُبْدَأُ فِيهِ بِالْيَمِينِ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَإِذَا بَدَأَ فِي دُخُولِهِ بِالْيَمِينِ بَدَأَ فِي الْخُرُوج مِنْهُ بِالْيَسَارِ. [بَابُ الْغُسْلِ] (وَسُئِلَ) ﵁ وَمَتَّعَ بِحَيَاتِهِ الْمُسْلِمِينَ - عَنْ رَجُلٍ يَجْمَعُ عِدَّةً مِنْ الْأَطْفَالِ بِأَلْوَاحِهِمْ وَفُرُشِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ لِإِقْرَائِهِمْ الْقُرْآنَ، وَتَارَةً يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ فَيُشَوِّشُونَ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَكَثِيرًا يُلَوِّثُونَ الْمَسْجِدَ بِالْمِيَاهِ فَهَلْ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ بِالْمَسْجِدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَرَامٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُمْنَعُ الْمُعَلِّمُ مِنْ ذَلِكَ وَيُمْنَعُ الْأَطْفَالُ عَنْهُ فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ عُزِّرَ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ إقْرَاءُ الْقُرْآنِ فِي الْمَسْجِدِ قُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] وَهَذَا عَامٌّ فِي إقْرَاءِ الْبَالِغِينَ وَغَيْرِهِمْ بِشَرْطِهِمْ الْآتِي. وَأَمَّا مَا رَآهُ مَالِكٌ ﵁ مِنْ كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الْمُصْحَفِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَّهُ بِدْعَةٌ أَحْدَثَهَا الْحَجَّاجُ وَأَنْ يُقَامُوا إذَا اجْتَمَعُوا لِلْقِرَاءَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ رَأْيٌ انْفَرَدَ بِهِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ هَذَا اسْتِحْسَانٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلْفُ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْمِيرِهَا بِالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، أَيْ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ كَانَ الْمُتَعَلِّمُونَ مُمَيِّزِينَ يُؤْمَنُ مِنْهُمْ تَنْجِيسُ الْمَسْجِدِ وَتَقْذِيرُهُ وَعَدَمُ التَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّينَ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ غَيْرُ مُمَيِّزِينَ لَا يُؤْمَنُ تَنْجِيسُهُمْ أَوْ تَقْذِيرُهُمْ لَهُ حَرُمَ عَلَى الْمُعَلِّمِ إدْخَالُهُمْ وَعَلَى الْحَاكِمِ - وَفَّقَهُ اللَّهُ وَسَدَّدَهُ - زَجْرُهُ وَرَدْعُهُ عَنْ إدْخَالِهِ مِثْلَ هَؤُلَاءِ، وَكَذَلِكَ عَلَيْهِ نَهْيُهُ أَيْضًا عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ لِإِقَامَةِ صَلَاةٍ فِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ أَوَّلًا مِنْ تَمْكِينِهِ مِنْ تَنْجِيسِ الْمَسْجِدِ أَوْ تَقْذِيرِهِ بِمَنْ يَدْخُلُ إلَيْهِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ مِنْ تَمْكِينِهِ مَنْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ إذَا كَانَ ثَمَّ مَنْ يُصَلِّي فَإِذَا أَصَرَّ الْمُعَلِّمُ عَلَى مَا مُنِعَ مِنْهُ، وَرَأَى الْحَاكِمُ أَنَّ نَهْيَهُ وَزَجْرَهُ عَمَّا ذُكِرَ لَا يُفِيدُ جَازَ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ بِالْكُلِّيَّةِ لِعِصْيَانِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَلِعِنَادِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ أَكَلَ نَحْوَ ثُومٍ أَوْ بَصَلٍ

стр. 61

أَوْ كُرَّاثٍ أَوْ فُجْلٍ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ مَعَ كَرَاهَةِ دُخُولِهِ: فَقِيَاسُهُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ مَنْعُ الْمُعَلِّمِ الْمَذْكُورِ إذَا وُجِدَ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَتَوَقَّفُ حُصُولُ السُّنَّةِ فِي نَحْوِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ عَلَى غَسْلِ جَمِيعِ بَدَنِهِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَتَوَقَّفُ حُصُولُ السُّنَّةِ عَلَى غَسْلِ جَمِيعِهِ لَا صِحَّةَ الْغُسْلِ عَلَى ذَلِكَ فَلَوْ غَسَلَ بَعْضَهُ صَحَّ غُسْلُهُ، لَكِنْ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ حَتَّى يُكْمِلَ غَسْلَ الْبَاقِي مِنْهُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ عَلِمَ أَنَّ فِي الْحَمَّامِ مَنْ يَكْشِفُ عَوْرَتَهُ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُهُ وَيَجِبُ الْإِنْكَارُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يَجُوزُ دُخُولُهُ فَإِنْ قَدَرَ أَنْكَرَ، وَإِلَّا كَرِهَ بِقَلْبِهِ وَأُثِيبَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُ عَلَى مَنْ كَشَفَ السَّوْأَتَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ فَاعِلُ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ التَّحْرِيمَ كَذَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَنَقَلَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ وَأَقَرَّهُ، فَإِنْ قُلْت: هَذَا ظَاهِرٌ إنْ اُحْتُمِلَ تَقْلِيدُ الْعَارِي لِلْقَائِلِ بِالْحِلِّ بِخِلَافِ الْعَوَامّ الَّذِينَ لَا يُحْتَمَلُ فِيهِمْ ذَلِكَ. قُلْت: حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ اعْتِقَادُ التَّحْرِيمِ لَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُعْتَقِدٌ الْإِبَاحَةَ أَوْ لَيْسَ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمًا وَلَا إبَاحَةً، وَالْحَالَةُ الْأُولَى وَاضِحَةٌ وَكَذَا الثَّانِيَةُ لِأَنَّ شُبْهَةَ الْخِلَافِ أَسْقَطَتْ وُجُوبَ الْإِنْكَارِ، بَلْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ لَا يُفَسَّقُ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا بَلْ شَاذًّا وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِشُبْهَةِ الْخِلَافِ فِيهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ هَلْ هُمَا سُنَّتَانِ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ حَتَّى لَوْ أَتَى بِهِ مُجَرَّدًا عَنْ الْوُضُوءِ سُنَّ لَهُ الْإِتْيَانُ بِهِمَا، فَإِنْ قُلْتُمْ: لَا فَذَاكَ، وَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ. فَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الِاعْتِدَادِ بِهِمَا أَنْ تُقَارِنَهُمَا نِيَّةُ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ لِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُمَا أَمْ لَا؟ وَعَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ أَوْ عَدَمِهَا، فَهَلْ يَدْخُلَانِ فِي مَضْمَضَةِ الْوُضُوءِ وَاسْتِنْشَاقِهِ سَوَاءٌ قَدَّمَهُ أَوْ وَسَّطَهُ أَوْ أَخَّرَهُ إذْ لَا مَعْنَى لِتَوَالِي مَضْمَضَتَيْنِ وَاسْتِنْشَاقَيْنِ فِي طَهَارَةٍ وَاحِدَةٍ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ كَسُنَّةِ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ مَثَلًا. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: بِأَنَّ الْمَنْقُولَ الْمُعْتَمَدَ فَقَدْ جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُنْدَبُ فِي الْغُسْلِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ ثُمَّ الْوُضُوءُ كَامِلًا بِأَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ سُنَنِهِ، وَمِنْهَا التَّسْمِيَةُ وَمَا بَعْدَهَا كَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَنَّهُ يُكْرَهُ تَرْكُ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ كُلًّا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَيُعِيدُ الثَّلَاثَةَ لَكِنْ نَدْبُ إعَادَةِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ آكَدُ، وَمِنْ ثَمَّ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ عَلَى نَدْبِ إعَادَتِهِمَا وَسَكَتَ عَنْ إعَادَةِ الْوُضُوءِ وَوَجَّهَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي وُجُوبِهِمَا كَانَ فِي زَمَنِهِ ﵁ فَأَحَبَّ الْخُرُوجَ مِنْهُ بِخِلَافِ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَاءَ قَدْ وَصَلَ مَوْضِعَ الْوُضُوءِ دُونَ مَوْضِعِهِمَا فَأَمَرَ بِإِيصَالِهِ إلَى مَحَلِّهِمَا، وَبِهَذَا يُعْلَمُ سُقُوطُ مَا فَهِمَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَنَّ حَاصِلَ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهِ وَيَأْتِي بِهِمَا. وَشَرْطُ الِاعْتِدَادِ بِالثَّلَاثَةِ لِيُثَابَ عَلَيْهَا تَأَخُّرُهَا عَنْ نِيَّةِ نَحْوِ الْجَنَابَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَيُوَجَّهُ نَدْبُ طَلَبِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مُسْتَقِلَّيْنِ مَعَ اشْتِمَالِ الْوُضُوءِ الْمَنْدُوبِ عَلَيْهِمَا بِأَنَّ مَحَلَّهُمَا يَكْثُرُ فِيهِ الْأَذَى وَالْقَذَرُ فَطُلِبَ مَزِيدَ التَّنَظُّفِ فِيهِ بِتَكْرَارِ غَسْلِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ؛ وَلِذَا جَرَى خِلَافٌ فِي وُجُوبِهِمَا وَخِلَافٌ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَجْرِ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَعْضَاءِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ: وَيَجِبُ قَرْنُهَا، أَيْ نِيَّةِ الْجَنَابَةِ بِأَوَّلِ فَرْضٍ وَفِي تَقْدِيمِهَا عَلَى السُّنَنِ وَعُزُوبِهَا مَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ، هَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّهَا عِنْدَ إفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُهُ كَالْوَجْهِ فَكَمَا لَا يَكْفِي اقْتِرَانُ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ بِسُنَّةٍ قَبْلَ الْوَجْهِ كَذَلِكَ، وَلَا يَكْفِي اقْتِرَانُهَا هُنَا بِسُنَّةٍ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ كَغَسْلِ الْكَفَّيْنِ فِيمَا إذَا قَدَّمَ الْوُضُوءَ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ مَعَ سَائِرِ بَدَنِهِ، وَإِنْ غَسَلَهَا بِنِيَّةِ رَفْعِ الْجَنَابَةِ مَثَلًا فَيَكْتَفِي حِينَئِذٍ بِاقْتِرَانِهَا بِغَسْلِ الرَّأْسِ دُونَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَالْكُلُّ مَحَلٌّ لِلْحَدَثِ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ تَحِلُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ فَنَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ أَوْ مُرَادُهُ بِأَوَّلِ فَرْضٍ غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ بَدَنِهِ وَلَوْ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَفِي تَقْدِيمِهَا عَلَى السُّنَنِ وَعُزُوبِهَا مَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ مَتَى نَوَى عِنْد غَسْلِ الْكَفَّيْنِ كَفَى، فَلَا يَبْقَى

стр. 62

لِقَوْلِهِ وَفِي تَقْدِيمِهَا عَلَى السُّنَنِ وَعُزُوبِهَا بِهَا مَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ مَعْنًى إذْ لَمْ يَبْقَ لَنَا سُنَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى غَسْلِ الْكَفَّيْنِ تُقَارِنُ غُسْلًا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الرَّوْضِ كَأَصْلِهِ وَيَجِبُ قَرْنُهَا. .. إلَخْ أَنَّهُ يَجِبُ قَرْنُهَا بِأَوَّلِ مَفْرُوضٍ وَهُوَ أَوَّلُ مَا يُغْسَلُ مِنْ الْبَدَنِ مِنْ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِمَا وَإِنَّمَا وَجَبَ قَرْنُهَا فِي الْوُضُوءِ بِالْوَجْهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ وَلَا يُمْكِنُ خُلُوُّ أَوَّلِ الْوَاجِبَاتِ عَنْهَا فَلَوْ جَوَّزْنَا اقْتِرَانَهَا بِغَسْلِ الْيَدِ لَخَلَا الْوَجْهُ عَنْهَا، وَهُوَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّهُ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ فَأَيُّ جُزْءٍ مِنْ الْبَدَنِ غَسَلَهُ نَاوِيًا مَعَهُ وَقَعَ غُسْلُهُ عَنْ الْجَنَابَةِ، فَأَوَّلُ مَغْسُولٍ هُنَا كَالْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ، فَلَوْ نَوَى بَعْدَ غَسْلِ جُزْءٍ وَجَبَ إعَادَةُ الْمَغْسُولِ، فَوَجَبَ قَرْنُهَا بِالْأَوَّلِ لِيُعْتَدَّ بِهِ لَا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَرْنُهَا بِمَا بَعْدَهُ نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَفِي تَقْدِيمِهَا عَلَى السُّنَنِ. .. إلَخْ أَنَّهُ لَوْ خُلِّيَ عَنْهَا شَيْءٌ مِنْ السُّنَنِ بِأَنْ أَتَى بِهِ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِالنِّيَّةِ لَمْ يُثَبْ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهَا فِي أُولَاهُنَّ كَالسِّوَاكِ لَكِنَّهَا عَزَبَتْ قَبْلَ غَسْلِ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْبَدَنِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا، فَتَجِبُ إعَادَتُهَا عِنْدَ غَسْلِ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْبَدَنِ، فَعُلِمَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ فَنَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ، وَعَنْ قَوْلِهِ: إذْ لَمْ يَبْقَ لَنَا سُنَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى غَسْلِ الْكَفَّيْنِ تُقَارِنُ غُسْلًا. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - بِمَا صُورَتُهُ إذَا أَتَى الْمُغْتَسِلُ بِالْأَكْمَلِ فِي الْغُسْلِ وَقَدَّمَ الْوُضُوءَ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَنْوِي عِنْدَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ نِيَّةَ رَفْعِ الْجَنَابَةِ، وَنِيَّةَ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ إنْ لَمْ تَتَجَرَّدْ جَنَابَتُهُ عَنْهُ أَوْ نِيَّةُ الْغُسْلِ إنْ تَجَرَّدَتْ وَيَسْتَصْحِبُ نِيَّةَ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى فَرَاغِهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَوْ يَكْتَفِي بِنِيَّةِ الْغُسْلِ عَنْ الْجَنَابَةِ أَوْ مَا الْحُكْمُ فِيهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّ جَنَابَتَهُ تَارَةً تَتَجَرَّدُ عَنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ كَأَنْ يَلُوطَ أَوْ يَطَأَ بَهِيمَةً أَوْ يُنْزِلَ بِنَحْوِ ضَمِّ امْرَأَةٍ بِحَائِلٍ، وَحِينَئِذٍ فَيَنْوِي بِالْوُضُوءِ سُنَّةَ الْغُسْلِ، وَتَارَةً لَا تَتَجَرَّدُ وَحِينَئِذٍ فَيَنْوِي بِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَنْدَرِجُ فِي الْغُسْلِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَتَصْرِيحُ ابْنُ الرِّفْعَةِ كَابْنِ خَلَفٍ الطَّبَرِيِّ بِمَا ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ ذَلِكَ مُؤَوَّلٌ، وَلَيْسَتْ النِّيَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقِسْمَيْنِ وَاجِبَةٌ بَلْ مَنْدُوبَةٌ فِي أَوَّلِ كُلٍّ وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِصْحَابُهَا إلَى آخِرِهِ قِيَاسًا عَلَى نَحْوِ الطَّوَافِ فِي الْحَجِّ لِشُمُولِ نِيَّةِ الْغُسْلِ لِلْوُضُوءِ، وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ لَا يُتَصَوَّرُ شُمُولُ نِيَّةِ الْغُسْلِ لِلْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ ارْتَفَعَتْ الْجَنَابَةُ عَنْ الْمَغْسُولِ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَيَكُونُ الْمَأْتِيُّ بِهِ غُسْلًا لَا وُضُوءً غَلَطٌ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْجَنَابَةِ لَا يُنَافِي الْإِتْيَانَ بِصُورَةِ الْوُضُوءِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ حُصُولَ صُورَتِهِ لَا يُنَافِي ارْتِفَاعَ الْجَنَابَةِ فِي أَعْضَائِهِ، فَبَحَثَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَدَمَ ارْتِفَاعِهَا؛ لِأَنَّهُ غَسَلَهَا بِنِيَّةِ السُّنَّةِ يُرَدُّ بِأَنَّ قَصْدَ ذَلِكَ لَا يُنَافِي نِيَّةَ رَفْعِ الْحَدَثِ إذْ هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهَا، وَإِذَا لَمْ تَتَجَرَّدْ جَنَابَتُهُ وَأَخَّرَ الْوُضُوءَ إلَى مَا بَعْدَ الْغُسْلِ فَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ أَنَّهُ يَنُوبُ رَفْعُ الْحَدَثِ هُنَا أَيْضًا، وَلَيْسَ بِتَلَاعُبٍ خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ النَّوَوِيُّ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ ذَلِكَ إنَّمَا هِيَ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ انْدِرَاجِ الْأَصْغَرِ فِي الْأَكْبَرِ، وَالْأَصْغَرُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَرْتَفِعْ عِنْدَ الْقَائِلِ بِذَلِكَ فَشُرِعَتْ نِيَّتُهُ عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِهِ وَلَوْ بَعْدَ الْغُسْلِ لِيَرْتَفِعَ عِنْدَ ذَلِكَ الْقَائِلِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ قَوْلِ الْأَصْحَابِ، وَالْعِبَارَةُ لِلْإِرْشَادِ (وَنُدِبَ لِجُنُبٍ غَسْلُ فَرْجٍ وَوُضُوءٌ لِنَوْمٍ وَوَطْءٍ وَطُعْمٍ هَلْ يَنْوِي الْوُضُوءَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ؟ كَمَا أَنَّهُ يَنْوِي فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ أَسْبَابَهَا إلَّا الْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فَيَنْوِي كُلٌّ مِنْهُمَا رَفْعَ الْجَنَابَةِ؟) فَإِنْ قُلْتُمْ بِهِ فَذَاكَ وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَدْ ذَكَرْت الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ مَعَ نَظَائِرِهَا مِنْ كُلِّ وُضُوءٍ مَسْنُونٍ، وَعِبَارَةُ الشَّرْحِ مَعَ الْمَتْنِ (وَالْمُرَادُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ الَّتِي قُلْنَا يُسَنُّ الْوُضُوءُ فِيهَا الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي نَحْوِ الْغِيبَةِ وَصَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ مُسْتَنِدًا إلَى مَا يَأْتِي عَنْ الشَّاشِيِّ، وَهُوَ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ مَعَ النِّيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ لَا اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ مُجَرَّدُ النَّظَافَةِ خِلَافًا لِلْمُتَوَلِّي وَابْنِ الصَّبَّاغِ، فَقَدْ اسْتَبْعَدَ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ حَمْلَ الثَّانِي اسْتِحْبَابَ الشَّافِعِيِّ الْوُضُوءَ مِنْ الْكَلَامِ الْخَبِيثِ عَلَى غَسْلِ الْفَمِ بِأَنَّ ظَاهِرَ النَّصِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّرْعِيُّ قَالَ: وَالْمَعْنَى يُؤَيِّدُهُ فَإِنَّ غَسْلَ الْفَمِ لَا يُؤَثِّرُ فِيمَا جَرَى وَإِنَّمَا الْقَصْدُ بِهِ التَّكْفِيرُ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالتَّطْهِيرُ مِنْ الذُّنُوبِ) اهـ. نَعَمْ قَالَ الْحَلِيمِيُّ: (الْمُرَادُ بِهِ لِمُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ

стр. 63

اللُّغَوِيِّ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ فِي رِوَايَةٍ) اهـ. وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِخَبَرِ «فَلْيَغْسِلْ فَرْجَهُ» مَكَانَ " فَلْيَتَوَضَّأْ " وَنَقَلَ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُرَادَ بِوُضُوءِ الْجُنُبِ لِلْأَكْلِ غَسْلُ يَدَيْهِ لِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ غَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ» اهـ. وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ الْمُرَادَ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ فِي الْكُلِّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْفِيفِ الْحَدَثِ، وَأَنَّ غَسْلَ الْفَرْجِ فِي الْأَوَّلِ وَالْيَدَيْنِ فِي الثَّانِي يَحْصُلُ بِهِ أَصْلُ السُّنَّةِ لَا كَمَالُهَا) انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ، وَبِمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ وَأَنَّهُ النِّيَّةُ، وَغَسْلُ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ مَعَ التَّرْتِيبِ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَنْوِي بِهِ نِيَّةً مِنْ نِيَّاتِهِ الْمُجْزِئَةِ لَا أَسْبَابَهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا رَفْعُ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ إمَّا لِيُخِفَّ حَدَثَهُ الْأَكْبَرَ فِي صُورَةِ الْجُنُبِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ، وَإِمَّا لِتَحْصُلَ لَهُ حَقِيقَةُ الطَّهَارَةِ، فَيُكَفَّرُ إثْمُهُ فِي نَحْوِ التَّكَلُّمِ بِكَلَامٍ فِيهِ إثْمٌ أَوْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ فِي الصُّوَرِ الَّتِي جَرَى فِيهَا خِلَافٌ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ، أَوْ يَزْدَادُ تَأَهُّلُهُ وَتَعْظِيمُهُ فِي نَحْوِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ وَنَحْوِ الْأَذَانِ وَالذِّكْرِ بِمَا تَقَرَّرَ هُنَا مِنْ هَذِهِ الْفَوَائِدِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ يَنْوِي بِالْوُضُوءِ نَحْوَ رَفْعِ الْحَدَثِ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ نِيَّته فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ أَسْبَابُهَا إلَّا الْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُ الْفَرْقَ اسْتِثْنَاءُ هَذَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِي أَمْرِهِمَا بِالْغُسْلِ رَفْعُ الْجَنَابَةِ الْمُحْتَمَلَةِ؛ فَلِذَلِكَ طُلِبَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا نِيَّةُ رَفْعِهَا، فَكَذَا الْقَصْدُ بِالْوُضُوءِ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ مَا مَرَّ مِنْ تَخْفِيفِ الْحَدَثِ وَمَا بَعْدَهُ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِنِيَّةِ رَفْعِهِ أَوْ نَحْوِهَا فَتَأَمَّلْ هَذَا الْفَرْقَ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ فِيهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا وَقَفَ جُنُبٌ عَلَى سَطْحٍ أَطْرَافُ جُذُوعِهِ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ عَلَى جِدَارٍ بِجَانِبِهِ أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَقْلًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالْجَوَازِ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَاقِفًا فِي الْمَسْجِدِ وَلَا فِيمَا هُوَ مِنْ تَوَابِعِ الْمَسْجِدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالْحُرْمَةِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ وَقَفَ بِجَنَاحٍ بِجِدَارِهِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، وَإِنْ كَانَ كُلُّهُ فِي هَوَاءِ الشَّارِعِ كَمَا يَقْتَضِيه كَلَامُ الْمَجْمُوعِ فِي الِاعْتِكَافِ، وَعَلَى مَا لَوْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْأُخْرَى خَارِجَهُ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا فَإِنَّ الْأَوْجَهَ الْحُرْمَةُ، وَيُجَابُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَسْأَلَتِنَا وَهَاتَيْنِ. أَمَّا الْجَنَاحُ فَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَصْلُهُ جَمِيعُهُ فِي جِدَارِ الْمَسْجِد، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ شَيْءٌ خَارِجٌ عَنْ الْمَسْجِدِ كَانَ يُعَدُّ مِنْ تَوَابِعِ الْمَسْجِدِ نَظَرًا لِأُصُولِهِ وَلَمْ يُنْظَرْ لِخُرُوجِ هَوَائِهِ عَنْ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ فَأَعْرَضَ النَّظَرَ عَنْهُ وَنَظَرَ لِلْمَتْبُوعِ فَقَطْ بِخِلَافِ صُورَةِ السُّؤَالِ فَإِنَّ أُصُولَ السَّطْحِ الْوَاقِفِ عَلَيْهِ لَيْسَتْ مِنْ تَوَابِعِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا فِيهِ وَبَعْضَهَا فِي غَيْرِهِ فَلَمْ تَكُنْ نِسْبَتُهَا لِلْمَسْجِدِ أَوْلَى مِنْ نِسْبَتِهَا لِغَيْرِهِ بَلْ تَعَارَضَا، وَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ. وَأَمَّا الْوُقُوفُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا فَلِأَنَّهُ بَاشَرَ بِبَدَنِهِ أَرْضَ الْمَسْجِدِ مَعَ الِاعْتِمَادِ فَكَانَ كَالْوَاقِفِ كُلُّهُ فِيهِ فَحَرُمَ بِخِلَافِ صُورَةِ السُّؤَالِ، فَإِنَّ الْوَاقِفَ عَلَى السَّطْحِ لَمْ يُبَاشِرْ الْمَسْجِدَ، وَلَا مَا هُوَ مِنْ تَوَابِعِ الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْحُرْمَةِ مُقْتَضٍ حَتَّى تُنَاطَ بِهِ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ حِينَئِذٍ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ الْجَوَازُ لِمَا عَلِمْته مِمَّا تَقَرَّرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا صُورَتُهُ مَا الْحِكْمَةُ فِي قَوْلِ الْحَاوِي: (مَقْرُونًا فِي الْغُسْلِ هُنَا) ، وَتَأْنِيثُهُ فِي الْوُضُوءِ، وَالْجَمِيعُ صِفَةٌ لِلنِّيَّةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَوْلُ الْحَاوِي مَقْرُونَةٌ فِي الْوُضُوءِ وَمَقْرُونًا فِي الْغُسْلِ نَبَّهَ عَلَى فَائِدَةٍ حَسَنَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْفِعْلَ وَمَا تَفَرَّعَ عَنْهُ فِي الْعَمَلِ كَاسْمِ الْمَفْعُولِ هُنَا إذَا أُسْنِدَ إلَى مُؤَنَّثٍ ظَاهِرٍ مَفْصُولٍ مِنْهُ جَازَ تَأْنِيثُ الْعَامِلِ وَتَذْكِيرُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُؤَنَّثُ حَقِيقِيُّ التَّأْنِيثِ فَمَجَازِيُّهُ أَوْلَى؛ لِجَوَازِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ بِلَا فَصْلٍ أَيْضًا لَكِنْ الْأَوْلَى التَّأْنِيثُ، وَمِنْ ثَمَّ بَدَأَ بِهِ الْحَاوِي فِي الْوُضُوءِ، ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي الْغُسْلِ؛ تَنْبِيهًا عَلَى اللُّغَتَيْنِ، وَأَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالْأَفْصَحِ أَوْلَى، وَبِمَا تَقَرَّرَ انْدَفَعَ قَوْلُ السَّائِلِ، وَالْجَمِيعُ صِفَةٌ لِلنِّيَّةِ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ: صَرَّحَ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَنِيُّهُ لِقَصَبَةِ ذَكَرِهِ فَرَبَطَهُ بِخِرْقَةٍ صَحَّ غُسْلُهُ هَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَيْسَ بِمُعْتَمَدٍ بَلْ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ قَطْعًا لِإِطْبَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ هُوَ خُرُوجُ الْمَنِيِّ، وَهَذَا مُخْرِجٌ لِنُزُولِهِ إلَى قَصَبَةِ الذَّكَرِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ وَلَوْ أَحَسَّ مُتَوَضِّئٌ بِبَوْلٍ فِي قَصَبَةِ ذَكَرِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ حِينَئِذٍ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ، وَفِيهِ أَبْلَغُ رَدٍّ أَيْضًا

стр. 64

لِمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَوَّرَ أَوْ لَا، كَمَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا طَلَى بَدَأَ بِعَوْرَتِهِ فَطَلَاهَا وَطَلَى سَائِرَ جَسَدِهِ أَهْلُهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ مُرْسَلَةٍ سَنَدُهَا جَيِّدٌ أَيْضًا «أَنَّهُ أَطْلَى وَوَلِيَ عَانَتَهُ بِيَدِهِ» وَفِي أُخْرَى عِنْدَ الْخَرَائِطِيِّ وَابْنِ سُفْيَانَ وَابْنِ عَسَاكِرَ «أَنَّهُ قِيلَ لِثَوْبَانَ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ تَدْخُلُ الْحَمَّامَ، وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ، وَكَانَ يَتَنَوَّرُ» وَفِي أُخْرَى عِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ وَاثِلَةَ «لَمَّا فَتَحَ ﷺ خَيْبَرَ أَكَلَ مُتَّكِئًا، وَأَطْلَى وَأَصَابَتْهُ الشَّمْسُ وَلَبِسَ الظُّلَّةَ» ، وَكَانَ الْمُرَادُ بِ " أَصَابَتْهُ " الشَّمْسُ أَنَّهَا أَثَّرَتْ فِيهِ لِكِبَرِ سِنِّهِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ تُؤَثِّرُ فِيهِ قَبْلُ، وَمِنْ ثَمَّ أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ لَبِسَ الظُّلَّةَ، أَيْ مَا يُجْعَلُ عَلَى الرَّأْسِ مِمَّا لَهُ ظِلٌّ يَقِي الْوَجْهَ وَالْعُنُقَ وَنَحْوَهُمَا عَنْ الشَّمْسِ. وَفِي أُخْرَى مُرْسَلَةٍ رَوَاهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ «كَانَ إذَا أَطْلَى وَلِيَ عَانَتَهُ بِيَدِهِ» وَفِي أُخْرَى مُرْسَلَةٍ أَيْضًا رَوَاهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ «أَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ خَيْبَرَ أَكَلَ مُتَّكِئًا وَتَنَوَّرَ» وَفِي أُخْرَى مُرْسَلَةٍ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى «أَنَّ رَجُلًا نَوَّرَ رَسُولَ اللَّهِ فَلَمَّا بَلَغَ الْعَانَةَ كَفَّ الرَّجُلُ، وَنَوَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ» وَفِي أُخْرَى سَنَدُهَا ضَعِيفٌ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَنَوَّرُ كُلَّ شَهْرٍ وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ كُلَّ خَمْسَ عَشَرَةَ» قِيلَ: وَفِيهَا فَائِدَةٌ نَفِيسَةٌ وَهِيَ ذِكْرُ التَّوْقِيتِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ بَدَنَهُ ﷺ كَانَ فِي غَايَةِ الِاعْتِدَالِ فَلَا يُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِيمَا صَحَّ أَنَّهُ كَانَ يُوَضِّئُهُ الْمُدُّ وَيُغَسِّلُهُ الصَّاعُ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمَنْ بَدَنُهُ كَبَدَنِهِ ﷺ لُيُونَةً وَاعْتِدَالًا وَإِلَّا زِيدَ وَنَقَصَ بِحَسَبِ التَّفَاوُتِ، فَكَذَا هُنَا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَئِمَّةُ فِي حَلْقِ الْعَانَةِ وَالْإِبْطِ وَالْقَلْمِ وَقَصِّ الشَّارِبِ: (أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَقَيَّدُ بِمُدَّةٍ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَبَدَانِ وَالْمَحَالِّ فَيُعْتَبَرُ وَقْتُ الْحَاجَةِ إلَى إزَالَةِ ذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ) فَتَأَمَّلْهُ وَمَا قِيلَ: أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّنَوُّرُ فِي أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ أَخْذًا مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُرَدُّ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْتَاجُ إلَى نَهْيٍ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الْكَرَاهَةُ الْإِرْشَادِيَّةُ لِمَا صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ آثَرَ الْحَلْقَ عَلَى التَّنَوُّرِ، أَيْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَقَالَ: إنَّ التَّنَوُّرَ يُرِقُّ الْجِلْدَ كَانَ صَحِيحًا، وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ الْحَمَّامِيَّ كَانَ يُنَوِّرُهُ فَإِذَا بَلَغَ حِقْوَهُ قَالَ لَهُ اُخْرُجْ، أَيْ وَتَوَلَّى الْعَوْرَةَ بِنَفْسِهِ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ كَمَا فِي أَوَّلِ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ الْمُقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَطْلِ إلَّا عَانَتَهُ فَقَطْ، وَأَنَّهُ مَكَّنَ الرَّجُلَ مِنْ إطْلَاءِ مَا عَدَاهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْعَوْرَةِ عَلَى أَنَّهُ مُرْسَلٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْقَائِلِ بِأَنَّ الْعَوْرَةَ مَا عَدَا السَّوْأَتَيْنِ وَلَا يُعَارِضُ مَا مَرَّ خَبَرُ «أَنَّهُ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا لَا يَطْلُونَ» ؛ لِأَنَّهُ نَفْيٌ وَمَا مَرَّ إثْبَاتٌ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ هَذَا مُرْسَلٌ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ، وَوَرَدَ رِوَايَتَانِ أُخْرَيَانِ كَذَلِكَ سَنَدُهُمَا مُنْقَطِعٌ، وَأُخْرَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَتَنَوَّرُ فَإِذَا كَبِرَ شَعْرُهُ حَلَقَهُ، وَهِيَ مَوْصُولَةٌ لَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ وَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ ذَلِكَ كَانَ يَتَنَوَّرُ فِي وَقْتٍ وَيَحْلِقُ فِي وَقْتٍ وَجَاءَ فِي رِوَايَاتٍ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَرِهَ التَّنُّورَ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مِنْ النَّعِيمِ فِي رِوَايَةٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ كَثْرَةَ طِلَاءِ النُّورَةِ، وَجَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَا أَطْلَى نَبِيٌّ قَطُّ، وَمَعْنَاهُ مَا مَالَ نَبِيٌّ إلَى هَوًى لِأَنَّهُ مِنْ أَطْلَى الرَّجُلُ إذَا مَالَتْ عُنُقُهُ لِلْمَوْتِ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِلْمَيْلِ عَنْ الْحَقِّ وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أَصْلُهُ مِنْ مَيْلِ الطِّلَاءِ، وَهِيَ الْأَعْنَاقُ وَاحِدَتُهَا طِلَاءَةٌ يُقَالُ: أَطْلَى الرَّجُلُ إطْلَاءً إذَا مَالَتْ عُنُقُهُ إلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ عَدِيٍّ وَالطَّبَرَانِيُّ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ أَوَّلُ مَنْ صُنِعَتْ لَهُ النُّورَةُ وَدَخَلَ الْحَمَّامَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا» وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ " أَنَّ بِلْقِيسَ كَانَتْ شَعْرَاءَ فَاسْتَقْبَحَ سُلَيْمَانُ حَلْقَهُ بِالْمُوسَى لِقُبْحِ أَثَرِهِ فَجَعَلَتْ لَهُ الشَّيَاطِينُ النُّورَةَ مِنْ أَصْدَافٍ " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ قَوْلِ الشَّيْخِ زَكَرِيَّا ﵀ فِي فَتَاوِيهِ: (وَلَا يُسَنُّ الْوُضُوءُ لِلْغُسْلِ الْمَسْنُونِ بَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْوَاجِبِ كَمَا قَيَّدَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ) اهـ كَلَامُهُ.

стр. 65

لَكِنْ ذَكَرَ الْمُزَجَّدُ فِي عُبَابِهِ مَا لَفْظُهُ: (وَصِفَتُهُ يَعْنِي الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فَيُتَوَضَّأُ قَبْلَهُ اهـ. وَغَيْرُ خَافٍ عَلَى سَيِّدِي تَدَافُعُ الْكَلَامَيْنِ فَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَذْكُورٌ فِي شَرْحِي لِلْعُبَابِ وَعِبَارَتُهُ (هَذَا وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْوُضُوءَ إنَّمَا يَكُونُ سُنَّةً فِي الْغُسْلِ الْوَاجِبِ، وَبِهِ صَرَّحَ أَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُ تَبَعًا لِلْمَحَامِلِيِّ، وَقَدْ يَقْتَضِيه قَوْلُ الرَّافِعِيِّ، وَإِنَّمَا بَعْدَ الْوُضُوءِ مِنْ مَنْدُوبَاتِ الْغُسْلِ إذَا كَانَ جُنُبًا غَيْرَ مُحْدِثٍ أَوْ قُلْنَا بِالِانْدِرَاجِ وَإِلَّا فَلَا، وَعَلَى هَذَا يَحْتَاجُ إلَى إفْرَادِهِ بِنِيَّةٍ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَعَلَى الْأَصَحِّ لَا ا. هـ. فَقَوْلُهُ وَإِلَّا يَشْمَلُ غَيْرَ الْجُنُبِ أَصْلًا، وَلَوْ قِيلَ بِنَدْبِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ السُّنَنِ الَّتِي ذَكَرُوهَا هُنَا فِي الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ أَيْضًا لَمْ يَبْعُدْ، بَلْ قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ الْمَذْكُورِ أَنَّ وَجْهَ تَخْصِيصِ الْوَاجِبِ بِالذِّكْرِ الِاكْتِفَاءُ بِنِيَّتِهِ عَنْ نِيَّةِ الْوُضُوءِ بِخِلَافِ نِيَّةِ الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ فَإِنَّهَا لَا تَكْفِي عَنْ نِيَّةِ الْوُضُوءِ فَهُوَ أَعْنِي الْوُضُوءَ إنْ قِيلَ: بِنَدْبِهِ يَكُونُ مَنْدُوبًا عِنْدَ الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ لَا فِيهِ إذْ لَا يُكْتَفَى بِنِيَّتِهِ عَنْهُ ثُمَّ رَأَيْت الْمُصَنِّفَ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ جَزَمَ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ) انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَبِهَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّ مُرَادَ مَنْ قَالَ بِنَدْبِهِ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْغُسْلِ، وَمَنْ قَالَ بِعَدَمِهِ عَدَمُ نَدْبِهِ فِي الْغُسْلِ. فَتَأَمَّلْهُ يَظْهَرُ لَك أَنَّهُ لَا تَدَافُعَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ أَصْلًا وَلِمَا ذَكَرْت فِي شَرْحِ الْعُبَابِ قَوْلُهُ فَيُتَوَضَّأُ قَبْلَهُ قُلْت عَقِبَهُ: نَدْبًا بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْته فِي بَابِ الْغُسْلِ مِنْ نَدْبِ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ وَعَلَيْهِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ النِّيَّةِ اهـ. فَأَشَرْت هُنَا أَيْضًا إلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ. (وَسُئِلَ) ﵁ مَاذَا يَنْوِي الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ إذَا تَوَضَّأَ لِلْوَطْءِ وَالطُّعْمِ هَلْ يَنْوِي سُنَّةَ الْغُسْلِ أَوْ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِهِمْ بِتَقْلِيلِ الْحَدَثِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّهُ لَا يَنْوِي شَيْئًا مِمَّا ذَكَرَهُ السَّائِلُ وَإِنَّمَا يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ. وَعِبَارَةُ شَرْحِي لِلْعُبَابِ (وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ تَخْفِيفُ الْحَدَثِ غَالِبًا وَالتَّنْظِيفُ إذْ الْأَصَحُّ أَنَّ الْوُضُوءَ يُؤَثِّرُ فِي حَدَثِ الْجُنُبِ وَيُزِيلُهُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ خِلَافًا لِقَوْلِ الْإِمَامِ لَا يَرْتَفِعُ شَيْءٌ مِنْ الْحَدَثِ حَتَّى تَكْمُلَ الطَّهَارَةُ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَضَمِيرُ يُزِيلُهُ لِلْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، فَعَلَيْهِ لَا إشْكَالَ وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي قَوْلِ الْقَاضِي وَابْنِ الصَّبَّاغِ: (وُضُوءُ الْجُنُبِ يُزِيلُ الْجَنَابَةَ عَنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَأَطْلَقَ أَوْ يُؤَوَّلُ عَلَى أَنَّهُ يَصْلُحُ لِإِزَالَتِهَا عَنْ غَالِبِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ فِيمَا إذَا ظَنَّ حَدَثَهُ الْأَصْغَرَ فَنَوَاهُ. وَقِيلَ الْحِكْمَةُ لَعَلَّهُ يَنْشَطُ لِلْغُسْلِ ثُمَّ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرُوهُ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ هُوَ مَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا بِهِ فِي خَبَرِ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ هُوَ فِي الْعَوْدِ لِلْوَطْءِ غَسْلُ فَرْجِهِ لِرِوَايَةٍ بِهِ، قِيلَ: وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَيَرُدُّهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءً» فَأُكِّدَ بِالْمَصْدَرِ؛ دَفْعًا لِإِرَادَةِ الْمَجَازِ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ. وَبِتَأَمُّلِ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ وَاسْتِشْكَالِ مَا بَعْدَهُ مَعَ الْجَوَابِ عَنْهُ يَتَّضِحُ انْدِفَاعُ قَوْلِ السَّائِلِ: أَوْ رَفْعُ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ. .. إلَخْ. وَمُرَادُهُمْ بِتَقْلِيلِ الْحَدَثِ تَقْلِيلُهُ بِرَفْعِ الْأَصْغَرِ، فَإِنْ قُلْت: هَذَا ظَاهِرٌ إنْ كَانَ عَلَيْهِ أَصْغَرُ أَمَّا إذَا تَجَرَّدَتْ جَنَابَتُهُ عَنْهُ فَتَبْقَى نِيَّةُ رَفْعِ الْأَكْبَرِ إذْ التَّقْلِيلُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ قُلْت: الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَعَلَيْهِ قَدْ يُحْمَلُ قَوْلُ السَّائِلِ: أَوْ رَفْعُ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ. .. إلَخْ. فَإِنْ قُلْت: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ يَنْوِي بِالْوُضُوءِ هُنَا سُنَّةَ الْوُضُوءِ كَمَا فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ؟ قُلْت: يُمْكِنُ ذَلِكَ لَوْلَا قَوْلُهُمْ: الْقَصْدُ مِنْ هَذَا الْوُضُوءِ تَقْلِيلُ الْحَدَثِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يَنْوِي الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَالْأَكْبَرُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَالْوُضُوءِ وَالْمُقَدِّمَةِ لِلْغُسْلِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ الْقَصْدَ بِهَذَا شَيْئَانِ: الْخُرُوجُ مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَ الِانْدِرَاجَ وَزِيَادَةَ النَّظَافَةِ لِيَكُونَ مُقَدِّمَةً لِلْغُسْلِ فَإِذَا فَاتَ الْأَوَّلُ بَقِيَ الثَّانِي وَكَفَتْ فِيهِ نِيَّةُ السُّنَّةِ، وَأَمَّا ذَاكَ فَالْقَصْدُ بِهِ تَخْفِيفُ الْحَدَثِ فَحَيْثُ أَمْكَنَتْ نِيَّتُهُ لَمْ يَنْوِ غَيْرَهُ وَإِذَا تَعَيَّنَ فِي الْوُضُوءِ الْمَسْنُونِ لِنَحْوِ الْقِرَاءَةِ وَالْمُجَدَّدِ نِيَّةً مِمَّا يُجْزِئُ فِي الْأَصْلِ فَأَوْلَى هَذَا عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ الْمُقَدَّمَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ لِإِجْزَاءِ نِيَّةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ عَنْهُ كَمَا

стр. 66

تَحَقَّقَ فِي مَحَلِّهِ، وَالنِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ لِنَحْوِ الْأَكْلِ وَاجِبَةٌ فَلَا تُقَاسُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، وَحِينَئِذٍ اتَّجَهَ مَا ذَكَرْته وَانْدَفَعَ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الْقِيَاسِ السَّابِقِ فَتَأَمَّلْهُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - عَنْ رَجُلٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فِي صَلَاتِهِ مَا صُورَتُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: هُوَ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قِرَاءَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْفَاتِحَةِ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ الْكَافِرَةِ الْمُمْتَنِعَةِ، هَلْ يَجِبُ عَلَى مُغَسِّلِهَا النِّيَّةُ كَالْمُسْلِمَةِ الْمُمْتَنِعَةِ أَوْ لَا؟ وَيُفَرِّقُ، وَقَدْ نُقِلَ تَرْجِيحُ عَدَمِ الْوُجُوبِ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَعِبَارَةُ التَّكْمِلَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ (أَمَّا إذَا امْتَنَعَتْ فَيُغَسِّلُهَا الزَّوْجُ وَيَسْتَبِيحُهَا، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ نِيَّةٌ لِلضَّرُورَةِ وَقِيلَ: يَنْوِي عَنْهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ كَذَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي مَسْأَلَةِ نِيَّةِ الْكَافِرَةِ مُتَنَاقِضٌ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ وَيُعْتَبَرُ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَحَكَاهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمُتَوَلِّي (نِيَّةُ الْكَافِرَةِ اسْتِبَاحَةُ التَّمَتُّعِ، وَالْأَوْلَى نِيَّتُهَا لِإِيهَامِهِ عَدَمَ اشْتِرَاطِ كَوْنِهَا كِتَابِيَّةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ فِي بَحْثِ الْمُسْتَعْمَلِ وَمَا فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ الْمَجْمُوعِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ نِيَّتِهَا مَحْمُولٌ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا فِي مَوَانِعِ النِّكَاحِ عَلَى الْمُمْتَنِعَةِ الْمُغْتَسِلَةِ بِإِجْبَارِ الْحَلِيلِ، وَنِيَّةِ غَاسِلِ الْمَجْنُونَةِ وَغَاسِلِ الْمُمْتَنِعَةِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِمَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ كَالْمَجْمُوعِ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَغَيْرِهَا. وَفِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي يَنْوِي الزَّوْجُ عَنْهَا كَمَا يَنْوِي عَنْ الْمَجْنُونَةِ اهـ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَجْنُونَةَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا قَصْدٌ مُقَوِّمٌ لِفِعْلِهَا، وَالْكَافِرُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ ذَلِكَ بَلْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ النِّيَّةُ بَلْ تَلْزَمُهُ فِيمَا إذَا ظَاهَرَ، وَأَرَادَ الْإِعْتَاقَ يُرَدُّ بِأَنَّهُمْ لَوْ نَظَرُوا لِذَلِكَ أَوْجَبُوا عَلَى حَلِيلِ الْمُسْلِمَةِ الْمُمْتَنِعَةِ النِّيَّةَ عَلَى أَنَّ الِامْتِنَاعَ صَيَّرَهَا كَالْمَجْنُونَةِ، وَتَصَوُّرُ النِّيَّةِ مِنْهَا إنَّمَا هُوَ بِتَقْدِيرِ زَوَالِ الِامْتِنَاعِ، وَحِينَئِذٍ الْمَجْنُونَةُ كَذَلِكَ تُتَصَوَّرُ النِّيَّةُ مِنْهَا بِتَقْدِيرِ زَوَالِ الْجُنُونِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا انْتَهَتْ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ الْمَدَارِسُ تُسَمَّى مَسَاجِدَ فَتَكُونُ لَهَا تَحِيَّةٌ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْمَدْرَسَةُ غَيْرُ الْمَسْجِدِ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ وَاقِفَهَا جَعَلَهَا مَسْجِدًا، فَتَصِيرُ مَدْرَسَةً وَمَسْجِدًا حِينَئِذٍ فَيَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُهُ مِنْ التَّحِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ وَقَفَهَا مَسْجِدًا فَلَا يَثْبُتُ لَهَا مِنْ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ شَيْءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ] (وَسُئِلَ) ﵀ أَعْرَبَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ الْمِنْهَاجِ: (سَاتِرَ) مَحَلِّ فَرْضِهِ وَمَا بَعْدَهُ أَحْوَالًا مَنْ ضَمِيرِ يَلْبَسُ هَلْ يَصِحُّ وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ: بَعْدَ كَمَالِ طُهْرٍ كَذَلِكَ هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْأَوَّلَ صَحِيحٌ، وَالثَّانِي مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ ظَرْفٌ لِيَلْبَسَ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِلْخُفِّ، فَلَمْ يَصِحَّ جَعْلُهُ حَالًا مِنْ ضَمِيرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ التَّيَمُّمِ] (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ شَخْصٍ تَيَمَّمَ وَعَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ مَعْفُوٌّ عَنْهَا كَأَنْ اسْتَنْجَى بِالْقَلْعِ بِالْحِجَارَةِ مَثَلًا بِشُرُوطِهِ، وَكَانَ التَّيَمُّمُ وَالْقَلْعُ فِي مَكَان الْغَالِبُ فِيهِ عَدَمُ الْمَاءِ فَهَلْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا صَلَّاهُ بِالتَّيَمُّمِ إذَا كَانَ الْمُتَيَمِّمُ إنَّمَا اسْتَنْجَى بِالْقَلْعِ لِأَنَّ شَرْطَ التَّيَمُّمِ طَهَارَةُ الْبَدَنِ. وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ سَوَاءٌ فِي الطَّهَارَةِ مَحَلِّ النَّجْوِ وَغَيْرِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ شَارِحُ الْإِرْشَادِ فِي شَرْحِهِ الْمُسَمَّى بِالْإِمْدَادِ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّصْحِيحِ عَلَى الْإِسْعَادِ، وَكَذَا صَنَعَ فِي كِتَابِهِ الْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ بِشَرْحِ مَسَائِلِ التَّعْلِيمِ، لَكِنْ هَلْ الْمُرَادُ بِذَلِكَ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ فِي مَكَان الْغَالِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ إنَّمَا هِيَ شَرْطٌ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا صَلَّاهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِفَقْدِ الطَّهَارَةِ الْمَشْرُوطَةِ أَوْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءٌ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْقَلْعُ وَالتَّيَمُّمُ بِمَكَانٍ الْغَالِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ أَوْ عَدَمِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمِنْهَاجِ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ حَيْثُ قَالَ: (وَيُعْفَى عَنْ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ) ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِمُتَوَضِّئٍ وَلَا مُتَيَمِّمٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَصَرَّحَ بِذَلِكَ النَّاشِرِيُّ فِي إيضَاحِهِ فَقَالَ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُتَوَضِّئُ وَالْمُتَيَمِّمُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَوَضِّئِ. وَأَمَّا الْمُتَيَمِّمُ فَقَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْحَدَثُ وَالنَّجَسُ؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِقَوْلِهِ: الْمُعْتَمَدُ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّ مَنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حَدَثٌ وَنَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، وَوَجَدَ مَا يَكْفِي أَحَدَهُمَا فَقَطْ تَعَيَّنَ الْمَاءُ لِلنَّجَاسَةِ الَّتِي بِمَحَلِّ النَّجْوِ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ لِلزَّرْكَشِيِّ، وَأَطَالَ فِيهِ بِمَا لَا يَصِحُّ

стр. 67

هَذَا إذَا كَانَ مُسَافِرًا، أَيْ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ فَقْدُ الْمَاءِ أَمَّا الْحَاضِرُ، أَيْ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ فَلَا يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ لِخُبْثِهِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْإِعَادَةِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَالْمُعْتَمَدُ أَيْضًا أَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ غَسْلِهَا عَلَى التَّيَمُّمِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ؛ لِأَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ وَلَا إبَاحَةَ مَعَ الْمَانِعِ فَأَشْبَهَ التَّيَمُّمَ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ هُنَا بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْحَاضِرِ وَإِنْ لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ بِكُلِّ تَقْدِيرٍ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِيمَا مَرَّ لِأَنَّ مُوجِبَ التَّعْيِينِ ثَمَّ عَدِمُ الْإِعَادَةِ، وَهُمَا يَفْتَرِقَانِ فِيهَا وَالْمَلْحَظُ هُنَا أَنَّهُ لَا إبَاحَةَ مَعَ الْمَانِعِ وَهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي ذَلِكَ. وَصَوَّبَ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِي لِإِزَالَةِ الْخَبَثِ فَقَطْ، قَالَ: وَيُتَصَوَّرُ أَيْضًا فِيمَنْ تَيَمَّمَ لِنَحْوِ مَرَضٍ بِحَيْثُ لَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي الْحَدَثِ وَيَجِبُ فِي الْخَبَثِ لِقِلَّتِهِ. اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَصَوَّرَ أَيْضًا فِيمَنْ تَيَمَّمَ لِنَحْوِ مَرَضٍ، وَمَعَهُ مَاءٌ يَكْفِي لِإِزَالَةِ الْخَبَثِ وَبَعْضِ الْحَدَثِ، وَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ جَمْعٍ مُتَقَدِّمِينَ أَنَّ مَحَلَّ بُطْلَانِ تَيَمُّمِ مَنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ يَكْفِيهَا أَمَّا لَوْ عَدِمَ الْمَاءَ فَتَيَمَّمَ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِهَا صَحَّ قَالُوا لِأَنَّا لَوْ لَمْ نُصَحِّحْ تَيَمُّمَهُ لَعَجَزَ عَنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْبَدَنِ لَا تُزَالُ إلَّا بِالْمَاءِ اهـ. إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي مَقَامَيْنِ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَاءٌ صَحَّ تَيَمُّمُهُ مَعَ وُجُودِ النَّجَاسَةِ مُطْلَقًا ثُمَّ إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَتْ مَعْفُوًّا عَنْهَا كَاَلَّتِي بِمَحَلِّ النَّجْوِ بِشُرُوطِهِ، فَإِنْ كَانَ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ فَقْدُ الْمَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ وَإِلَّا لَزِمَتْهُ؛ لِأَنَّ وُجُودَ مَاءٍ بِمَحَلِّ النَّجْوِ حِينَئِذٍ كَعَدَمِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ فَإِنْ غَسَلَ بِهِ النَّجَاسَةَ ثُمَّ تَيَمَّمَ صَحَّ تَيَمُّمُهُ مُطْلَقًا ثُمَّ إنْ كَانَ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ فَلَا إعَادَةَ وَإِلَّا فَالْإِعَادَةُ، وَإِنْ تَيَمَّمَ ثُمَّ غَسَلَ النَّجَاسَةَ بَطَل تَيَمُّمُهُ فَيَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ مُطْلَقًا، فَإِنْ أَعَادَ التَّيَمُّمَ بَعْدَ غَسْلِهَا تَأَتَّى فِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّنْ خَشِيَ مِنْ الْغُسْلِ فِي الْبَحْرِ الْمِلْحِ الْقَمْلَ أَوْ كَثْرَتَهُ، فَهَلْ يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ إنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَارِفٌ ثِقَةٌ، أَوْ اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِهِ أَوْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ كَلَامٍ ذَكَرُوهُ فِي التَّيَمُّمِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ خَافَ زِيَادَةَ الْأَلَمِ أُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي الْقَمْلِ أَلَمًا يُسَاوِي زِيَادَةَ أَلَمِ الْمَرَضِ بَلْ يَزِيدُ، وَقِيَاسًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ اللِّبَاسِ مِنْ أَنَّهُ يُبَاحُ الْحَرِيرُ لِحَكَّةٍ وَقَمْلٍ وَجَرَبٍ، وَالْجَامِعُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّيَمُّمِ وَلُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرَّجُلِ إنَّمَا يَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ، وَعَدُّوا مِنْهَا فِي كُلِّ بَابٍ أَسْبَابًا يَتَّحِدَانِ فِي أَكْثَرِهَا فَلْيَتَّحِدَا فِي الْبَاقِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ بِأَنَّ الضَّرَرَ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ أَخَفُّ وَمِنْ ثَمَّ أُبِيحَ لِلنِّسَاءِ مُطْلَقًا وَبِأَنَّ التَّيَمُّمَ عِبَادَةٌ وَوَسِيلَةٌ إلَى الصَّلَاةِ فَلْيَحْتَطْ لَهَا أَكْثَرَ وَبِأَنَّ الطُّهْرَ بِالْمَاءِ وَاجِبٌ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ السَّبَبُ الْمُسْقِطُ لَهُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ قَوْلُهُمْ فِي التَّيَمُّمِ: لَوْ خَشِيَ التَّأَلُّمَ فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْشَى مَرَضًا لَا يُخْشَى مِنْهُ مَا ذَكَرُوهُ لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّيَمُّمُ، فَعُمُومُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ بِخَشْيَةِ حُدُوثِ الْقَمْلِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ بِالرُّخَصِ وَتَخْفِيفَاتِ الشَّرْعِ أَشْبَهُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ مَعَهُ مَاءٌ لَكِنَّهُ يَخْشَى الْعَطَشَ فِي الْمَآلِ، وَهُنَاكَ عَطْشَانُ فِي الْحَالِ فَهَلْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَذْلُهُ لَهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: ذَكَرَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي الْمُقَدَّمِ مِنْهُمَا وَجْهَيْنِ وَلَمْ أَرَ مَنْ رَجَّحَ مِنْهُمَا شَيْئًا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْعَطْشَانُ فِي الْحَالِ إذَا خَشِيَ مِنْ الْعَطَشِ الْهَلَاكَ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ مُهْجَتِهِ مُحَقَّقٌ بِخِلَافِ الْمَالِكِ فَإِنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَاءٌ فَإِنْ كَانَ بِبَرِّيَّةٍ أَيِسَ فِيهَا مِنْ حُصُولِ مَاءٍ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْهَلَاكُ لَوْ بَذَلَ مَا مَعَهُ فَلِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ مَجَالٌ، وَعَدَمُ وُجُوبِ الْبَذْلِ حِينَئِذٍ أَقْرَبُ وَكَذَا لَوْ خَشِيَ الْعَطْشَانُ مِنْ الْعَطَشِ فِي الْحَالِ إتْلَافَ عُضْوٍ أَوْ حُدُوثَ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، وَخَشِيَ الْمَالِكُ مِنْ الْعَطَشِ فِي الْمَآلِ إتْلَافَ النَّفْسِ، فَلَا يَجِبُ الْبَذْلُ أَيْضًا عَلَى الْأَقْرَبِ فَإِنْ قُلْت: هَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَ غَيْرُ الْوَجْهَيْنِ الْمُطْلَقَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْمَجْمُوعِ قُلْت: لَا يَضُرُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ غَيْرَهُمَا، بَلْ هُوَ تَرْجِيحٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَرْطٍ لَمْ يَذْكُرْهُ النَّوَوِيُّ ﵀ لِعَدَمِ تَعَرُّضِهِ لِلتَّرْجِيحِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ فِي التَّيَمُّمِ، وَبِرَمْلٍ فِيهِ غُبَارٌ هَلْ الْمُرَادُ بِغُبَارِ الرَّمْلِ مَا يَحْصُلُ مِنْ التُّرَابِ لَا مَا خُلِقَ

стр. 68

مِنْ نَفْسِ الرَّمْلِ بِدَلِيلِ مَا قَدْ يُوهِمُ ذَلِكَ مَنْ قَوْلِ الْمَنْهَجِ يَتَيَمَّمُ بِتُرَابٍ وَلَوْ بِرَمْلٍ، أَوْ الْمُرَادُ أَعَمُّ. وَإِنَّمَا عَبَّرَ الْمَنْهَجُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْغُبَارَ الْمَخْلُوقَ مِنْ نَفْسِ الرَّمْلِ يُسَمَّى تُرَابًا وَإِلَّا لَكَانَ قَوْلُ الشَّارِحِ الْمَحَلِّيّ بَعْدَ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ وَكَانَ فِي مَعْنَى التُّرَابِ ضَائِعًا (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَدْ صَرَّحَ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ بِأَنَّ غُبَارَ الرَّمْلِ لَا يُسَمَّى تُرَابًا. وَعِبَارَةُ الْحَاوِي كَالرَّوْضِ وَالْإِرْشَادِ وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ أَنَّهُ يُسَمِّيهِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ شَارِحِي الْإِرْشَادِ: مَثَّلَ بِغُبَارِ الرَّمْلِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ التُّرَابِ أَوْ مِنْ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَنْظِيرًا لِمَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ مِنْ غَيْرِ التُّرَابِ بِالتُّرَابِ، وَقَدْ يُحْمَلُ كَلَامُ أَبِي زُرْعَةَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَمِّيهِ حَقِيقَةً، وَكَلَامُ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ يُسَمِّيهِ مَجَازًا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ عِبَارَةُ شَرْحِ الْإِرْشَادِ الْمَذْكُورَةِ حَيْثُ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا وَأَنْ يَكُونَ تَنْظِيرًا، نَعَمْ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ: الرَّمْلُ ضَرْبَانِ: مَا لَهُ غُبَارٌ، فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ التُّرَابِ. وَمَا لَا غُبَارَ لَهُ فَلَا، لِعَدَمِ الْغُبَارِ لَا لِخُرُوجِهِ عَنْ اسْمِ التُّرَابِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُسَمَّى تُرَابًا حَقِيقَةً إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ مَا ذَكَرَ، وَبِتَأَمُّلِ مَا تَقَرَّرَ اتَّضَحَ كَلَامُ الْمَنْهَجِ مَعَ كَلَامِ الشَّارِحِ الْمُحَقِّقِ أَعْنِي الْجَلَالَ الْمَحَلِّيَّ، وَأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ بِهِ سَوَاءٌ أَقُلْنَا إنَّهُ تُرَابٌ حَقِيقَةً أَمْ مَجَازًا. وَقَوْلُ الْغَزِّيِّ: لَوْ سُحِقَ رَمْلٌ وَصَارَ لَهُ غُبَارٌ صَحَّ التَّيَمُّمُ بِهِ بِخِلَافِ الْحَجَرِ الْمَسْحُوقِ يَرُدُّهُ قَوْلُهُمْ: لَا يَصِحُّ بِالرَّمْلِ النَّاعِمِ لِأَنَّهُ حَصًى مُتَصَاغِرَةٌ جِدًّا كَالْحِجَارَةِ الْمَدْقُوقَةِ فَإِنْ قُلْت: أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْمَدْقُوقِ وَالْغُبَارِ وَإِنْ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ مِنْ الرَّمْلِ قُلْت: الْفَرْقُ أَنَّ الْغُبَارَ لَيْسَ حَصًى مُتَصَاغِرَةً وَلَا قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَنْفَصِلُ عَنْ تِلْكَ الْحَصَى بِوَاسِطَةِ الْتِصَاقِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ أَوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ فَفِيهِ مَعْنَى غُبَارِ التُّرَابِ الْحَقِيقِيِّ بِخِلَافِ الرَّمْلِ الْمَدْقُوقِ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِالدَّقِّ، وَإِنْ بُولِغَ فِيهِ عَنْ كَوْنِهِ حَصًى مُتَصَاغِرَةً جِدًّا، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنَى غُبَارِ التُّرَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - عَنْ الْفَقْدِ الشَّرْعِيِّ، هَلْ يَكُونُ كَالْفَقْدِ الْحِسِّيِّ فِيمَا إذَا حَمَلَ الْمُسَافِرُونَ مَا لَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِي الْحَالِ وَيَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِي الْمَآلِ حَتَّى لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ تَيَمُّمِهِمْ تَقَدُّمُ طَلَبٍ لِلْمَاءِ، أَوْ يُقَالُ شَرْطُ الْفَقْدِ الْحِسِّيِّ أَنْ يَعْلَمَ أَنْ لَا ثَمَّ مَاءٌ، فَمَتَى حَصَلَ لَهُمْ عِلْمٌ بِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ عَلَى حَاجَتِهِمْ لِلشُّرْبِ وَنَحْوِهِ اسْتَوَى الْفِقْدَانِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَقِيَ مَعَهُ تَرَدُّدٌ فِي أَنَّهُ هَلْ يَزِيدُ عَلَى الْحَاجَةِ أَمْ لَا وَمَا الْحُكْمُ فِيهَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ مَعَهُ مَاءٌ وَاحْتَاجَهُ لِعَطَشِ مُحْتَرَمٍ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ كَرُفْقَتِهِ وَلَوْ مَآلًا تَيَمَّمَ وَإِنْ ظَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ فِي الْمَآلِ دَفْعًا لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّرَرِ النَّاجِزِ أَوْ الْمُتَوَقَّعِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: (وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالرَّفِيقِ الْمُخَالِطِ خَاصَّةً بَلْ لَوْ عَلِمَ فِي الْقَافِلَةِ مَنْ يَحْتَاجُهُ لِعَطَشِهِ حَالًا أَوْ مَآلًا لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ وَصَرْفُ الْمَاءِ إلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ) اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ التَّرَدُّدُ لَهُ إنْ أَمْكَنَهُ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّهُ حَيْثُ عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ احْتِيَاجُ أَحَدٍ مِنْ الْقَافِلَةِ إلَيْهِ مَآلًا لَزِمَهُ التَّزَوُّدُ لَهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ الطَّلَبُ إلَّا إذَا تَوَهَّمَ مَاءً فِي حَدِّ الْقُرْبِ أَوْ الْغَوْثِ بِشَرْطِهِ زَائِدًا عَلَى مَا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ أَوْ دَوَابُّهُمْ لِشُرْبِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ طَلَبٌ؛ لِأَنَّهُ عَبَثٌ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ مَعَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ حَالًا أَوْ مَآلًا كَفَقْدِهِ الْحِسِّيِّ، وَأَنَّهُ مَتَى عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى حَاجَتِهِمْ كَانَ كَفَقْدِهِ فَلَا يَجِبُ طَلَبُهُ، بَلْ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مِنْ تُرَابِ أَرْضِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؟ وَمَنْ عَلَيْهِ نَجَسٌ، وَلَمْ يَجِدْ مَاءً هَلْ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي؟ وَإِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ نَجَسٌ وَلَمْ يُوجَدْ مَاءٌ هَلْ يَتَيَمَّمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مِنْ تُرَابِ أَرْضِ الْغَيْرِ الَّذِي لَا يَظُنُّ رِضَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَنَظِيرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَتْرِيبُ الْكِتَابِ مِنْ أَرْضِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَمَنْ عَلَيْهِ نَجَسٌ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ، وَالصَّلَاةُ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ ثُمَّ الْقَضَاءُ، وَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُيَمَّمَ الْمَيِّتُ الَّذِي عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يُوجَدْ مَاءٌ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ الْمُتَيَمِّمِ إذَا فَرَّقَ نِيَّةَ التَّيَمُّمِ عَلَى أَعْضَائِهِ هَلْ تُجْزِئُهُ تِلْكَ النِّيَّةُ مُفَرَّقَةً قِيَاسًا عَلَى تَفْرِيقِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَتَأَتَّى تَفْرِيقُ النِّيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرِهِ: التَّفْرِيقُ فِي الْوُضُوءِ إنَّمَا يَتَأَتَّى عِنْدَ نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ، أَيْ وَالطَّهَارَةِ عَنْهُ لِأَنَّ التَّجَزِّي إنَّمَا

стр. 69

يَظْهَرُ فِي هَاتَيْنِ بِخِلَافِ نَحْوِ نِيَّةِ التَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهَا تَجَزٍّ فَهَذَا صَرِيحٌ وَاضِحٌ فِي أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ تَفْرِيقٌ؛ لِامْتِنَاعِ نِيَّةِ الْحَدَثِ وَالطَّهَارَةِ فِيهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ رَفْعُ حَدَثٍ حَتَّى تُفَرَّقَ فِيهِ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ وَهِيَ لَا تَقْبَلُ التَّفْرِيقَ إذْ لَا تُوجَدُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ التَّيَمُّمِ، وَأَمَّا رَفْعُ الْحَدَثِ فِي الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ يُوجَدُ عَقِبِ فَرَاغِ كُلِّ عُضْوٍ فَجَازَ تَفْرِيقُ نِيَّتِهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مِنْ تُرَابِ أَرْضِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً، وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ هَلْ يَتَيَمَّمُ أَمْ يُصَلِّي بِغَيْرِ تَيَمُّمٍ وَإِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ هَلْ يُيَمَّمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يَتَيَمَّمُ فِي الْأُولَى وُجُوبًا، وَقَوْلُهُمْ: لَا يَتَيَمَّمْ مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ قَبْلَ إزَالَتِهَا فَرَضُوهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ مَاءٌ يُرِيدُ غَسْلَهَا بِهِ وَلَا يُيَمَّمُ الْمَيِّتُ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ عَنْهُ لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ لِلتَّيَمُّمِ عَنْهَا بِخِلَافِ الْحَيِّ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ يَكْفِي مَنْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ وَحَدَثٌ أَصْغَرُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ كَمَا يَكْفِيه غُسْلٌ أَمْ لَا لِضَعْفِ اسْتِبَاحَةِ التَّيَمُّمِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَكْفِيه لَهُمَا تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ وَهَذَا وَاضِحٌ جَلِيٌّ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِيهِ أَنَّ خِلَافَ انْدِرَاجِ الْوُضُوءِ فِي الْغُسْلِ هَلْ يَجْرِي هُنَا بِجَامِعِ أَنَّهُمَا طَهَارَتَانِ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ حَصَّلَهُمَا فِعْلٌ وَاحِدٌ أَوْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ مُخْتَلِفَا الِاسْمِ وَالْحَقِيقَةِ؟ فَجَرَى الْخِلَافُ حِينَئِذٍ فِي الِانْدِرَاجِ لِأَنَّ مَنْ نَظَرَ إلَى ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ يَمْنَعُ الِانْدِرَاجَ، وَمَنْ يَرَى أَنَّ الْغُسْلَ يُحَصِّلُ مَقْصُودَ الْوُضُوءِ وَزِيَادَةً يُجَوِّزُهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ مَبْنَى الطِّهَارَاتِ عَلَى التَّدَاخُلِ وَلِأَنَّ الْمَدَارَ فِيهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ وَلَوْ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ. وَأَمَّا التَّيَمُّمُ الَّذِي عَنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَالتَّيَمُّمُ الَّذِي عَنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ فَحَقِيقَتُهُمَا وَمَعْنَاهُمَا وَصُورَتُهُمَا وَالْمَقْصُودُ مِنْهُمَا وَاحِدٌ فَلَا يُتَخَيَّلُ حِينَئِذٍ مَعَ الِانْدِرَاجِ إذْ لَا وَجْهَ لَهُ هُنَا، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى الْأَمْرِ بِتَيَمُّمَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ حَتَّى يَسْتَبِيحَ مَا تَيَمَّمَ لَهُ مَا يُشْبِهُ الْعَبَثَ لِأَنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ أَوَّلًا لِاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ اسْتَبَاحَهَا بِهِ، فَإِيجَابُ الثَّانِي عَبَثٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الِانْدِرَاجِ هُنَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ تَخَيُّلُهُ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَنَّهُ يَكْفِي نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ أَمَّا عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الِاسْتِبَاحَةِ سَوَاءٌ كَانَ مُحْدِثًا أَمْ جُنُبًا فَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ نَوَى الِاسْتِبَاحَةَ عِنْدَ حَدَثِ الْجَنَابَةِ وَعَلَيْهِ الْأَصْغَرُ أَوْ عَكْسُهُ لَمْ يَضُرَّ اتِّفَاقًا. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِهِ فِي شَرْحِهِ لِلْإِرْشَادِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ قَوْلِهِ لِخُطْبَةٍ: فَلَا يَسْتَبِيحُهُمَا مَعًا إنْ تَيَمَّمَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ وَإِنْ كَانَتْ فَرْضُ كِفَايَةٍ إلَّا أَنَّهُمْ رَاعَوْا الْقَوْلَ بِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْ رَكْعَتَيْنِ اهـ كَلَامُهُ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا قَدْ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، وَكَذَا فِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَفِي بَعْضٍ آخَرَ مِنْهُ مَا لَفْظُهُ: فَإِنْ نَوَى فَرْضًا فَلَهُ نَفْلٌ وَصَلَاةُ جِنَازَةٍ بِخِلَافِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ اهـ. فَهَلْ يُقَالُ تُفَارِقُ الْخُطْبَةُ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ وَإِنْ شَارَكَتْهَا فِي أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ بِانْحِصَارِهَا وَبِامْتِيَازِهَا بِوَقْتٍ وَجَمْعٍ مَخْصُوصَيْنِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ؟ (إلَّا الْجُمُعَةَ وَخُطْبَتَاهَا فَلَا يَسْتَبِيحُهُمَا مَعًا إذَا تَيَمَّمَ لِأَحَدِهِمَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ، وَإِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: قَوْلُ أَصْلِ الرَّوْضَةِ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَصَلَاتِهَا لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أَحَدٌ. وَالصَّوَابُ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ وَجَّهَهُ بِمَا لَا يَصِحُّ وَبَحَثَ غَيْرُهُ أَخْذًا مِنْ أَنَّ فَرَضَ الْكِفَايَةِ كَالنَّفْلِ إنَّهُ إنْ تَيَمَّمَ لِلْخُطْبَةِ لِمَ يَسْتَبِحْ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَلَا يُؤَدِّي بِالتَّيَمُّمِ لَهَا فَرْضَ عَيْنٍ أَوْ عَكْسَهُ اسْتَبَاحَهَا وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ بِأَنَّهُمَا رَاعَيَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُمَا نَائِبَتَانِ عَنْ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا إذْ الضَّعِيفُ قَدْ يُرَاعَى كَمَا لَا يَخْفَى وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْخُطْبَةِ بِانْحِصَارِهَا وَامْتِيَازِهَا بِوَقْتٍ وَجَمْعٍ مَخْصُوصَيْنِ، لِأَنَّ هَذَا لَا يُنْتِجُ إلْحَاقَهَا بِفَرْضِ الْعَيْنِ الْأَصْلِيِّ إلَّا بِتَكَلُّفٍ، وَظَاهِرُ مَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ يَصِحُّ لِغَيْرِ الْخَطِيبِ التَّيَمُّمُ لِلْجُمُعَةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، لَكِنْ أَخَذَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا يَتَيَمَّمُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِ فِعْلِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ، وَقَدْ يُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ تَيَمُّمِ الْمُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ قَبْلَ طُهْرِهِ، وَالتَّيَمُّمُ لِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ قَبْلَ دُخُولِهِ وَلِلسُّنَّةِ الْبَعْدِيَّةِ قَبْلَ فِعْلِ الْفَرْضِ وَعَلَيْهِ، فَهَلْ الْإِمَامُ كَذَلِكَ أَوْ لَا؟ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَحِينَئِذٍ فَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ

стр. 70

لَوْ تَيَمَّمَ لِلْجُمُعَةِ اسْتَبَاحَهُمَا مَمْنُوعٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّيَمُّمَ لِلْجُمُعَةِ لَا يَصِحُّ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَبِذَلِكَ يَقْوَى مَا مَرَّ عَنْ قَضِيَّةِ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ لِأَنَّهُ إنْ تَيَمَّمَ لِلْخُطْبَةِ فَوَاضِحٌ أَوْ لِلْجُمُعَةِ فَلِعَدَمِ دُخُولِ وَقْتِ فِعْلِهَا فَلَا يَسْتَبِيحُ بِهِ شَيْئًا أَوَّلُهُمَا فَهَلْ يُغَلَّبُ الْمُصَحِّحُ أَوْ الْمُبْطِلُ؟ الْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ فِيمَا لَوْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ فُرُوضٍ) انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ، وَبِهَا يَتَّضِحُ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ وَبَيَانُ صِحَّةِ مَا لِلنَّاسِ فِيهَا وَفَسَادِهِ فَتَأَمَّلْهَا. وَقَوْلُهُ أَوْ لَا فَلَا يَسْتَبِيحُهُمَا مَعًا إذَا تَيَمَّمَ لِأَحَدِهِمَا لَا يُنَافِيه تَوَقُّفُ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ لِلْجُمُعَةِ عَلَى انْقِضَاءِ الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ جَرَى عَلَى مَا اقْتَضَاهُ الْإِطْلَاقُ وَالثَّانِي مُبَيِّنٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْإِطْلَاقَ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ عُمُومَهُ فَتَأَمَّلْهُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْعَطْشَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ قَهْرًا بِقِيمَتِهِ مِنْ مَالِكِهِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ بَذْلِهِ بَيْعًا وَغَيْرَهُ هَلْ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ فِي أَخْذِهِ بِالْقِيمَةِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ مِنْ الشَّفِيعِ وَالْمُعِيرِ وَالْمُلْتَقِطِ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِتْلَافِ بِالْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ بِعِوَضٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ أَيْضًا: لَا يُؤْثِرُ الْمَالِكُ عَلَى نَفْسِهِ أَحَدًا عِنْدَ حَاجَتِهِ إلَى الطُّهْرِ لِأَنَّ الْإِيثَارَ إنَّمَا شُرِعَ فِي حَظِّ النَّفْسِ لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْبِ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَلَفِ مُهْجَتِهِ، هَلْ كَذَلِكَ السَّابِقُ فِي الْمِيضَأَةِ لَيْسَ لَهُ إيثَارُ غَيْرِهِ بِتَقْدِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ إيثَارٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْبِ إذْ لِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ أَمْ لَا؟ ذَلِكَ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ دُونَ ضِيقِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْثَرُ بِفَتْحِ الثَّاءِ إذَا كَانَ لَهُ فَضِيلَةُ عِلْمٍ أَوْ صَلَاحٍ فَلَا يَمْتَنِعُ فِيهِ وَيَمْتَنِعُ فِي غَيْرِهِ أَوْ كَانَ الْمُؤْثِرُ بِكَسْرِ الثَّاءِ نَحْوَ صَبِيٍّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي أَخْذِهِ مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ مِنْ نَحْوِ مَاءٍ وَطَعَامٍ وَوِقَايَةِ حَرٍّ وَبَرْدٍ مِنْ مَالِكِهِ الْغَيْرِ الْمُضْطَرِّ إلَيْهِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ بَذْلِهِ وَلَوْ بِعِوَضِ مِثْلِهِ إلَى لَفْظٍ كَمَا أَرْشَدَ إلَيْهِ تَعْبِيرُ بَعْضِهِمْ عَنْ هَذَا الْأَخْذِ بِالْغَصْبِ الْمُقْتَضِي أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ مُجَرَّدُ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ قَهْرًا حَيْثُ لَا خَوْفَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ الْمَالِكُ كَافِرًا كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ كَمَا لَا يَجِبُ دَفْعُ الصَّائِلِ الْمُسْلِمِ، بَلْ أَوْلَى فَإِيجَابُ الْأَخْذِ وَجَعْلُهُ كَدَفْعِ الصَّائِلِ ظَاهِرَانِ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ لَفْظٌ، وَبِهَذَيْنِ فَارَقَ وُجُوبَ اللَّفْظِ فِي الشَّفِيعِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَلِّكٌ حَقَّ الْغَيْرِ اخْتِيَارًا مِنْهُ فَلَزِمَهُ مُقْتَضَى التَّمَلُّكِ مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا كَذَلِكَ الْمُضْطَرُّ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ شَرْعًا عَلَى هَذَا الْإِتْلَافِ فَلَمْ يُنَاسِبْهُ وُجُوبُ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَالْقِيَاسُ فِي مَسْأَلَةِ السَّابِقِ إلَى الْمِيضَأَةِ أَنَّهُ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ أَوْ أَمْكَنَ الْمُؤْثِرُ بِكَسْرِ الثَّاءِ الصَّلَاةَ مَعَ حَقْنِهِ جَازَ لَهُ الْإِيثَارُ إذْ لَيْسَ فِيهِ حِينَئِذٍ تَفْوِيتُ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ مَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ وَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا إلَّا بَعْدَ تَفْرِيغِ نَفْسِهِ فِيمَا سَبَقَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِيثَارُ حِينَئِذٍ بِمَاءِ الطُّهْرِ، بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُؤْثِرَ بِمَاءِ الطُّهْرِ يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ بَعْدَ اسْتِعْمَالِ الْمُؤْثَرِ لَهُ، وَهُنَا لَا يُمْكِنُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِيثَارِ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ فَإِنْ قُلْت مَا أَفْهَمَهُ هَذَا التَّقْرِيرُ مِنْ جَوَازِ الْإِيثَارِ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ، وَإِنْ أَدَّى إلَى لُحُوقِ ضَرَرٍ لِلْمُؤْثِرِ بِالْكَسْرِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ التَّسَبُّبَ فِي إضْرَارِ النَّفْسِ، لَا يَجُوزُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وَقَالَ ﷺ «ابْدَأْ بِنَفْسِك» قُلْت: مَحَلُّ هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَبْرٌ عَلَى تَحَمُّلِ الضَّرَرِ أَمَّا مَنْ لَهُ صَبْرٌ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ رَأَى غَيْرَهُ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْآنَ وَإِلَّا لَحِقَهُ ضَرَرٌ فَيُنْدَبُ لَهُ إيثَارُهُ حِينَئِذٍ بِلَا خِلَافٍ حَيْثُ كَانَ مُسْلِمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضِيلَةُ عِلْمٍ وَلَا صَلَاحٍ أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] نَعَمْ قَالَ الْمُتَوَلِّي؟ (الْأَوْلَى إنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ نَفْعٌ لِلدِّينِ وَلِلْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يُؤْثِرَ غَيْرَهُ) بَلْ وَقَعَ فِي الْإِبَانَةِ وَالْبَحْرِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُؤْثَرَ بِالْفَتْحِ فِي نَظِيرِ مَسْأَلَتِنَا الْقَبُولَ، لَكِنْ نَظَرَ فِيهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَالنَّظَرُ وَاضِحٌ جَلِيٌّ إذَا كَانَ الْمُؤْثَرُ مِمَّنْ يَصْبِرُ أَيْضًا فَالْوَجْهُ خِلَافُهُ بَلْ يَنْبَغِي نَدْبُ عَدَمِ الْقَبُولِ إبْقَاءً لِمُهْجَةِ الْمُؤْثِرِ بِالْكَسْرِ حَيْثُ آثَرَ غَيْرَهُ عَلَيْهَا، أَمَّا إذَا كَانَ الْمُؤْثَرُ بِالْفَتْحِ لَا يَصْبِرُ فَلَا يَبْعُدُ وُجُوبُ الْقَبُولِ أَخْذًا مِنْ تَحْرِيمِهِمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُؤْثِرُ غَيْرَهُ، وَعَلَى هَذَا الْقِسْمِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْإِبَانَةِ وَالْبَحْرِ وَبَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ أَنْ مَحَلَّ جَوَازِ الْإِيثَارِ إذَا ظَنَّ سَلَامَةَ نَفْسِهِ رَدَدْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ جَمِيعِهِ بِأَنَّهُ غَفْلَةٌ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْإِيثَارِ، وَإِنْ خَافَ هَلَاكَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ شَامِلَةٌ لِلْجَمِيعِ وَهُوَ مِنْ شِيَمِ الصَّالِحِينَ اهـ. وَمُرَادُهُ بِالْجَوَازِ

стр. 71

الْجِنْسُ الْأَعَمُّ الصَّادِقُ بِالْمَنْدُوبِ، وَأَشَارَ الْإِمَامُ بِمَا عَلَّلَ بِهِ إلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِيثَارِ بِقُرْبَةٍ حَتَّى يُكْرَهَ أَوْ يَكُونَ خِلَافَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ هُنَا رِعَايَةُ حُظُوظِ النَّفْسِ وَالنَّظَرُ إلَيْهَا فَكَانَ الْخُرُوجُ عَنْهَا بِإِيثَارِ الْغَيْرِ مَعَ الصَّبْرِ غَايَةً فِي الْقُرْبَةِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْإِيثَارِ بِالْقُرْبَةِ بِخِلَافِ نَحْوِ تَقْدِيمِ الْغَيْرِ بِمَوْضِعِهِ فِي صَفٍّ فَاضِلٍ مِنْ غَيْرِ مُقْتَضٍ لِذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ قُلْت فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: (لَا يُقَالُ قَوْلُهُمْ يُسَنُّ لِلْمَجْرُورِ مُسَاعَدَةُ الْجَارِّ لَهُ مِنْ الصَّفِّ يُخَالِفُهُ قَوْلُهُمْ: الْإِيثَارُ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ هَذَا إيثَارًا بِقُرْبَةٍ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ، بَلْ هُوَ تَحْصِيلُ فَضِيلَةٍ لِلْغَيْرِ مَعَ بَقَاءِ فَضِيلَتِهِ؛ لِوُجُودِ خَلَفٍ عَنْهَا هُوَ فَضِيلَةُ الْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى الْمُعَادِلَةُ لِفَضِيلَةِ مَا فَاتَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّفِّ، وَإِنَّمَا الْإِيثَارُ بِالْقُرْبَةِ مِثْلُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الصَّفِّ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِيُدْخِلَ غَيْرَهُ مَوْضِعَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ تَفْوِيتُ فَضِيلَةٍ عَلَى النَّفْسِ لَا إلَى بَذْلٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ تَقْدِيمُ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْهُ بِتِلْكَ الْقُرْبَةِ كَتَقْدِيمِ الْأَقْرَإِ عَلَى الْأَفْقَهِ فِي الْإِمَامَةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَقْرَأُ قَدْ تَقَدَّمَ إلَيْهَا عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ مِنْ امْتِثَالِ أَمْرِ الشَّارِعِ مَا يَجْبُرُ فَضِيلَةَ تَقَدُّمِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ لَزِمَهُ تَيَمُّمَانِ فَأَكْثَرُ لِجِرَاحَاتٍ بِأَعْضَاءٍ هَلْ يَجِبُ تَعْيِينُ مَا وَقَعَ التَّيَمُّمُ لِأَجْلِهِ مِنْ جِرَاحَةِ وَجْهٍ أَوْ يَدٍ أَوْ يَكْفِي الْإِطْلَاقُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْوَجْهُ فِيمَنْ عَلَيْهِ تَيَمُّمَاتٌ لِجِرَاحَاتِ أَعْضَاءٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْيِينُ كُلِّ جِرَاحَةٍ فِي تَيَمُّمٍ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الِاسْتِبَاحَةُ وَمِنْ ثَمَّ كَفَتْ فِي نِيَّةِ التَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ وَلِلْجَنَابَةِ وَلَمْ يَجِبْ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا تَعْيِينُهُمَا بَلْ لَا يُتَصَوَّرُ هُنَا تَعْيِينٌ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ تَيَمُّمٍ يَقْصِدُ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ مَثَلًا، وَحِينَئِذٍ يَتَعَذَّرُ أَنْ يَقْصِدَ تِلْكَ الِاسْتِبَاحَةَ بِطُهْرِ الْيَدِ أَوْ الْوَجْهِ مَثَلًا، وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ مَا حَرَّرْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّ تَفْرِيقَ نِيَّةِ الْوُضُوءِ عَلَى أَعْضَائِهِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ وَالطَّهَارَةِ عَنْهُ لِأَنَّ التَّجَزِّيَ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي هَاتَيْنِ بِخِلَافِ نَحْوِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّجَزِّي فَلَمْ يُمْكِنْ فِيهِ التَّفْرِيقُ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا اتَّضَحَ عَدَمُ تَصَوُّرِ التَّعْيِينِ فِي تِلْكَ التَّيَمُّمَاتِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ وَاضِحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ يَسْتَوِي فِيمَا ذَكَرُوهُ فِي التَّيَمُّمِ فِي الِازْدِحَامِ عَلَى الْبِئْرِ الْمُقِيمُ وَالْمُسَافِرُ أَوْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْمُسَافِرِ كَمَا صَوَّرْته فِي الْعُبَابِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ (مُسَافِرُونَ) خَاصٌّ بِمَسْأَلَةِ الْبِئْرِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ صَنِيعُهُ، وَلَا يُعِيدُ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ فِي الْحَالِ وَجِنْسُ عُذْرِهِ غَيْرُ نَادِرٍ حَتَّى فِي الْأَخِيرَةِ، أَيْ وَهِيَ قَوْلُ الْمَتْنِ (أَوْ مَقَامٌ خِلَافًا لِمَنْ نَازَعَ فِيهِ وَبِهِ فَارَقَ الْعَاجِزَ الَّذِي مَعَهُ مَاءٌ لَا يَجِدُ مَنْ يُوَضِّئُهُ بِهِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُعِيدُ؛ لِنُدْرَةِ عُذْرِهِ. وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ عَدَمُ الْقَضَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ بِأَنَّهُ كَمَنَ كَانَ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ عَدَمَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا فِي الْوَقْتِ صَيَّرَهَا كَالْعَدَمِ. وَإِنَّمَا لَمْ تُؤَثِّرْ الْقُدْرَةُ هُنَا بِعَدِّهِ قِيَاسًا عَلَى الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ وَعَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِيهِ مَعَ غَلَبَةِ ظَنِّ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمَا بِعَدِّهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَنَجَّسَ ثَوْبُهُ، وَكَانَ مَعَهُ مَاءٌ لَوْ اشْتَغَلَ بِغَسْلِهِ بِهِ خَرَجَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ يَجِبُ انْتِظَارُهُ كَمَا مَرَّ لِأَنَّ الْبِئْرَ وَالثَّوْبَ وَالْمَكَانَ هُنَا لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهَا فِي قَبْضَتِهِ، وَالثَّوْبُ ثَمَّ فِي قَبْضَتِهِ فَيَنْتَظِرُ كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ أَوْ يَغْرِفُهُ مِنْ بِئْرٍ، وَلَا مُزَاحِمَ لَهُ وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ وَلَا يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَخَرَجَ بِالْمُسَافِرِينَ فِي الْأُولَى الْمُقِيمُونَ فَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالتَّيَمُّمِ فِي الْوَقْتِ لِمَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا لَزِمَهُ طَلَبُ الْمَاءِ. .. إلَخْ) انْتَهَتْ. وَعِبَارَتُهُ ثَمَّ، وَإِنْ كَانَ فَاقِدُ الْمَاءِ مُقِيمًا لَزِمَهُ طَلَبُ الْمَاءِ إنْ أَمِنَ مَا مَرَّ، وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ بِطَلَبِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ لِنُدْرَةِ فَقْدِهِ ثَمَّ، أَيْ فِي مَحَلِّ الْإِقَامَةِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى تَعْلِيلِ الشَّيْخَيْنِ بِقَوْلِهِمَا؟ (لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْقَضَاءِ، أَيْ لِتَيَمُّمِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَنُدْرَةِ فَقْدِهِ ثُمَّ فَلَا يُرَدُّ جَوَازُ التَّيَمُّمِ لِلْبَرْدِ مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَأَفْهَمَ التَّعْلِيلُ أَنَّ الْحُكْمَ مَنُوطٌ بِمَنْ هُوَ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ وَلَوْ مُسَافِرًا إذْ هُوَ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ كَمَا يَأْتِي مُوَضَّحًا، فَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِالْمُسَافِرِ فِيمَا مَرَّ وَبِالْمُقِيمِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ الْمُقِيمَ يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ إذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ عَدَمَ الْمَاءِ حَوَالَيْهِ فِي حَدِّ الْقُرْبِ هُوَ مَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ، وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ (إذَا تَيَقَّنَ وُجُودَ الْمَاءِ حَوَالَيْهِ فَلَهُ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: إحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ فِي حَدِّ الْقُرْبِ فَيَلْزَمُهُ طَلَبُهُ، الثَّانِيَةُ:

стр. 72

أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا بِحَيْثُ لَوْ سَعَى إلَيْهِ لَفَاتَهُ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَيَتَيَمَّمُ، الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ فَيَزِيدُ عَلَى حَدِّ الْقُرْبِ، وَلَا يَخْرُجُ الْوَقْتُ قَبْلَ وُصُولِهِ فَيَتَيَمَّمُ أَيْضًا هَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ، وَأَمَّا الْمُقِيمُ فَذِمَّتُهُ مَشْغُولَةٌ بِالْقَضَاءِ لَوْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ لَوْ سَعَى إلَى الْمَاءِ) انْتَهَتْ مُلَخَّصَةً. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَا قَضَاءَ عَلَى مَنْ تَيَمَّمَ ثُمَّ ظَهَرَ بِئْرٌ خَفِيَّةٌ بِقُرْبِهِ مَا صُورَتُهَا؟ وَهَلْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قَدِيمَةً، وَالْغَالِبُ وُجُودُ الْمَاءِ فِيهَا أَوْ لَا؟ وَيَكُونُ خَفَاؤُهَا يَجْعَلُهَا كَالْعَدَمِ أَوْ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْحَائِلِ وَالْمَانِعِ كَالسَّبُعِ وَخَوْفِ الْوُقُوعِ لَوْ اسْتَقَى رَاكِبُ السَّفِينَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: صَوَّرَهَا فِي الشَّامِلِ بِأَنْ تَكُونَ بِبِسَاطٍ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا عَلَامَةَ عَلَيْهَا وَحِينَئِذٍ اُتُّجِهَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَدِيمَةِ وَالْحَادِثَةِ، وَمَا الْغَالِبُ وُجُودُ الْمَاءِ فِيهَا وَغَيْرِهَا لِأَنَّ مَلْحَظَ عَدَمِ الْإِعَادَةِ عَدَمُ تَقْصِيرِهِ، وَإِذَا كَانَتْ خَفِيَّةً كَمَا ذَكَرَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ أَلْبَتَّةَ، فَتَكُونُ حِينَئِذٍ كَالْمَعْدُومَةِ كَرَحْلِ الْمَضْلُولِ فِي رِحَالٍ وَقَدْ أَمْعَنَ فِي الطَّلَبِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْغَالِبَ وُجُودُهَا بِالطَّلَبِ فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَقْصِيرٍ فِي الطَّلَبِ فَوَجَبَتْ الْإِعَادَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵁ وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ - عَنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا تَيَمَّمَ وَكَانَ الْمَاءُ بِحَدِّ الْقُرْبِ مِنْهُ وَلَوْ سَعَى إلَيْهِ خَرَجَ الْوَقْتُ تَيَمَّمَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ التَّيَمُّمُ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ أَمْ لَا فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ كَمَا فِي رَاكِبِ السَّفِينَةِ لَوْ خَافَ الْغَرَقَ لَوْ اسْتَقَى مِنْ الْبَحْرِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَذَكَرُوا أَنَّهُ مَتَى تَيَمَّمَ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَمَا الْمُرَادُ بِالْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ؟ أَهُوَ مَوْضِعُ الْغَوْثِ وَمَا حَوْلَهُ مِمَّا هُوَ بَعْدَ الْمَاءِ لَوْ قُدِّرَ وُجُودُهُ تَحْتَ حَوْزَتِهِ بِحَيْثُ يَسْهُلُ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ أَمْ هُوَ مُقَدَّرٌ بِحَدِّ الْقُرْبِ فَمَا دُونِهِ؟ فَإِنْ قُدِّرَ بِحَدِّ الْقُرْبِ وَقَدَّرْنَا وُجُودَهُ، وَكَانَ لَوْ سَعَى إلَيْهِ مِنْ مَحَلِّ الْقُرْبِ خَرَجَ الْوَقْتُ، هَلْ يُقَالُ الْقَضَاءُ حِينَئِذٍ كَمَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا حَقِيقَةً أَمْ لَا يَجِبُ أَوْ يَجِبُ فِي الصُّورَتَيْنِ مَعًا؟ (فَأَجَابَ) - أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ عُلُومِهِ - بِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي مَوَاضِعَ مِنْ بَابِ التَّيَمُّمِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي عَدَمِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ ذَكَرَ أَوَّلَ السُّؤَالِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ أَوْ لَا فَمِنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ قَوْلُهُمْ: وَمَنْ زُوحِمَ عَلَى بِئْرٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْهَا إلَّا وَاحِدٌ، وَقَدْ تَنَاوَبَهَا جَمْعٌ وَعَلِمَ خُرُوجَ الْوَقْتِ وَلَوْ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ قَبْلَ انْتِهَاءِ النَّوْبَةِ إلَيْهِ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ فِي الْحَالِ، وَجِنْسُ عُذْرِهِ غَيْرُ نَادِرٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تُؤَثِّرْ الْقُدْرَةُ بَعْدَ الْوَقْتِ كَمَا فِي الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ وَعَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِيهِ مَعَ غَلَبَةِ ظَنِّ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمَا بَعْدَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَنَجَّسَ ثَوْبُهُ، وَكَانَ مَعَهُ مَاءٌ لَوْ اشْتَغَلَ بِغَسْلِهِ خَرَجَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ يَجِبُ انْتِظَارُهُ؛ لِأَنَّ الْبِئْرَ هُنَا لَيْسَتْ فِي قَبْضَتِهِ، وَالثَّوْبَ ثَمَّ فِي قَبْضَتِهِ فَيَنْتَظِرُ كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ يَتَوَضَّأُ أَوْ يَغْتَرِفُهُ مِنْ بِئْرٍ وَلَا مُزَاحِمَ لَهُ وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ، وَلَا يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ. وَقَوْلُهُمْ: لَوْ ضَلَّ رَحْلُهُ فِي رِحَالٍ، وَفِيهِ الْمَاءُ وَأَمْعَنَ فِي الطَّلَبِ أَوْ أُدْرِجَ الْمَاءُ فِي رَحْلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِبِئْرٍ خَفِيَّةٍ هُنَاكَ أَوْ ضَلَّ عَنْ الْقَافِلَةِ أَوْ الْمَاءِ أَوْ غُصِبَ رَحْلُهُ، وَفِيهِ الْمَاءُ لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ لِمَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، وَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي حَدِّ الْقُرْبِ الَّذِي يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ مِنْهُ أَوْ أَضَلَّهُ فِي رَحْلِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، وَإِنْ أَمْعَنَ فِي الطَّلَبِ لِوُجُودِ الْمَاءِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَنِسْبَتُهُ فِي إهْمَالِهِ حَتَّى نَسِيَهُ أَوْ أَضَلَّهُ إلَى تَقْصِيرٍ. وَقَوْلُهُمْ: يَحْرُمُ الطُّهْرُ بِالْمُسَبَّلِ وَالْمُودَعِ وَالْمَرْهُونِ وَالْمَغْصُوبِ، بَلْ يَجِبُ التَّيَمُّمُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَيَمَّمَ

стр. 73

بِحَضْرَةِ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ بِحَضْرَةِ مَا يَحْتَاجُهُ لِلْعَطَشِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَائِلٌ كَسَبُعٍ، وَكَمَا لَوْ كَانَ بِسَفِينَةٍ، وَخَافَ مِنْ الْبَحْرِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ كَالْعَدَمِ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْفُرُوعِ الَّتِي ذَكَرُوهَا أَنَّ قَوْلَهُمْ: مَنْ تَيَمَّمَ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا غَلَبَ ثَمَّ وُجُودُ الْمَاءِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ مَانِعٌ حِسِّيٌّ أَوْ شَرْعِيٌّ وَمِنْ ثَمَّ قُلْت فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الرَّوْضِ وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ عَدَمُ الْقَضَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ بِأَنَّهُ كَمَنَ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ عَدَمَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا فِي الْوَقْتِ صَيَّرَهَا كَالْعَدَمِ، وَقُلْت فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ الْمُسَبَّلِ فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ؟ (وَلَا قَضَاءَ إذَا تَيَمَّمَ بِحَضْرَةِ الْمَاءِ الْمُسَبَّلِ كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ بِحَضْرَةِ مَاءٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُمْ: إذَا تَيَمَّمَ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ قَضَى مُقَيَّدٌ بِمَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ وَإِلَّا فَهُوَ كَالْعَدَمِ) اهـ. وَالْمُرَادُ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ أَوْ فَقْدُهُ هُوَ مَحَلُّ التَّيَمُّمِ دُونَ مَحَلِّ الصَّلَاةِ كَمَا جَرَيْت عَلَيْهِ فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ قُلْت فِيهِ فِي الْأَعْذَارِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَضَاءِ: (أَوْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ مَاءٍ بِمَحَلٍّ يَنْدُرُ فِيهِ فَقْدُهُ وَلَوْ مُسَافِرًا لِنُدْرَةِ فَقْدِهِ بِخِلَافِهِ بِمَحَلٍّ لَا يَنْدُرُ فِيهِ ذَلِكَ بِأَنْ غَلَبَ فِيهِ أَوْ اسْتَوَى وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ وَلَوْ مُقِيمًا، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي غَلَبَةِ الْفَقْدِ وَعَدَمِهَا بِمَحَلِّ التَّيَمُّمِ دُونَ مَحَلِّ الصَّلَاةِ) اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ: وَلَوْ مَرَّ بِالْمَاءِ فِي الْوَقْتِ وَبَعُدَ عَنْهُ بِحَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ لَمْ يَقْضِ لِفَقْدِهِ لَهُ عِنْدَ التَّيَمُّمِ، وَإِذَا قُلْنَا بِاعْتِبَارِ مَحَلِّ التَّيَمُّمِ، فَالْمُرَادُ بِهِ فِيمَا يَظْهَرُ مَحَلُّ الْغَوْثِ، وَكُلُّ مَحَلِّ نُسِبَ إلَيْهِ مِمَّا يَجِبُ طَلَبُ الْمَاءِ مِنْهُ مَعَ التَّوَهُّمِ، وَذَلِكَ الْمَحَلُّ الْمَنْسُوبُ إلَيْهِ دُونَ حَدِّ الْقُرْبِ لِأَنَّهُمْ قَدَّرُوا الْمَحَلَّ الَّذِي يَجِبُ الطَّلَبُ مِنْهُ مَعَ التَّوَهُّمِ بِغَلْوَةِ سَهْمٍ وَيُسَمَّى حَدَّ الْغَوْثِ، وَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الرُّفْقَةُ اسْتِغَاثَتَهُ مِنْهُ مَعَ اشْتِغَالِهِمْ بِأَشْغَالِهِمْ وَتَفَاوُضِهِمْ فِي أَقْوَالِهِمْ وَيَخْتَلِف ذَلِكَ بِاسْتِوَاءِ الْأَرْضِ وَاخْتِلَافهَا صُعُودًا وَهُبُوطًا، وَهَذَا دُونَ حَدِّ الْقُرْبِ بِكَثِيرٍ؛ لِأَنَّهُمْ حَدُّوهُ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يَقْصِدُهُ الرُّفْقَةُ لِلِاحْتِطَابِ وَالِاحْتِشَاشِ، قَالُوا: وَهَذَا فَوْقَ حَدِّ الْغَوْثِ السَّابِقِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى صَاحِبُ الْغَزَالِيِّ وَلَعَلَّهُ يَقْرُبُ مِنْ نِصْفِ فَرْسَخٍ فَإِنْ قُلْت: قَضِيَّةُ مَا ذَكَرْته فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَدُّ الْقُرْبِ لَا حَدَّ الْغَوْثِ، وَعِبَارَتُهُ (وَلُغِيَ بَيْعُ الْمَاءِ وَهِبَتُهُ فِي الْوَقْتِ بِلَا حَاجَةٍ وَلُغِيَ تَيَمُّمُهُ مَا قَدَرَ عَلَى اسْتِرْجَاعِهِ أَوْ بَعْضِهِ وَالتَّطَهُّرِ بِهِ لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ وَوُجُوبِ اسْتِرْدَادِهِ، وَقَيَّدَ ذَلِكَ فِي الْإِرْشَادِ بِأَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ بِحَدِّ الْقُرْبِ فِيمَا إذَا كَانَ مُسَافِرًا وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ شَارِحُوهُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْهِبَةُ أَوْ نَحْوُهَا مِمَّا يَجِبُ قَبُولُهُ فَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ مَا دَامَ قَادِرًا عَلَى قَبُولِ ذَلِكَ وَالتَّطَهُّرِ بِهِ، وَهُوَ بِحَدِّ الْقُرْبِ إذَا كَانَ مُسَافِرًا قُلْت: لَيْسَ قَضِيَّتُهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ هُنَا إنَّمَا أَلْغَى مَا ذَكَرَ بِالنِّسْبَةِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ وَقَدْ تَعَدَّى بِنَحْوِ بَيْعِهِ مَعَ احْتِيَاجِهِ لَهُ لِلتَّطَهُّرِ بِهِ فَلَزِمَهُ حَيْثُ كَانَ بِمَحَلِّ الْقُرْبِ طَلَبُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ لِتَيَقُّنِهِ بِمَحَلِّ الْقُرْبِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ طَلَبِهِ لَهُ، وَأَمَّا مَسْأَلَتُنَا فَصُورَتُهَا أَنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ فِيهَا مَاءً بِمَحَلِّ غَوْثٍ وَلَا قُرْبٍ وَإِلَّا لَزِمَهُ طَلَبُهُ وَإِنَّمَا الْمَدَارُ فِيهَا عَلَى اعْتِبَارِ الْمَحَلِّ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ غَلَبَةُ وُجُودِهِ فِيهِ أَوْ غَلَبَةُ فَقْدِهِ بِحَيْثُ تَيَمَّمَ بِمَحَلٍّ مِنْ شَأْنِهِ غَلَبَةُ الْفَقْدِ فِيهِ، وَفِيمَا يُنْسَبُ إلَيْهِ إلَى حَدِّ الْغَوْثِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ أَوْ بِمَحَلٍّ مِنْ شَأْنِهِ غَلَبَةُ الْوُجُودِ أَوْ اسْتِوَاءُ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ وَفِيمَا يُنْسَبُ إلَيْهِ مِمَّا ذُكِرَ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ، فَالِاعْتِبَارُ هُنَا لِذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ لُزُومِ الْقَضَاءِ وَعَدَمِهِ، وَالِاعْتِبَارُ فِيمَا مَرَّ بِحَدِّ الْقُرْبِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ لُزُومِ الطَّلَبِ بِشَرْطِ تَيَقُّنِ وُجُودِ الْمَاءِ فِيهِ وَإِلْغَاءِ التَّيَمُّمِ وَغَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ، فَالْمَلْحَظُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مُخْتَلِفٌ كَمَا تَقَرَّرَ فَلَا يُشْكِلُ عَلَيْك إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ -: فَمَا الْمُرَادُ بِالْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ. .. إلَخْ، وَعَنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ قَدَّرَ بِحَدِّ الْقُرْبِ إلَى آخِرِهِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَاضِحٌ جَوَابُهُ مِمَّا مَرَّ، وَأَمَّا الثَّانِي فَكَذَلِكَ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ مُقَدَّرًا بِحَدِّ الْقُرْبِ بِالنِّسْبَةِ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ وَعَدَمِهِ بَلْ بِالنِّسْبَةِ لِوُجُوبِ الطَّلَبِ وَعَدَمِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَقْدِيرَ وُجُودِهِ فِي الْأَوَّلِ بَلْ اعْتِبَارُ الْغَالِبِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ مِنْ غَلَبَةِ الْفَقْدِ أَوْ الْوُجُودِ وَلَا فِي الثَّانِي، بَلْ الْمُرَادُ فِيهِ وُجُودُهُ وَلَوْ وَهْمًا فِي حَدِّ الْغَوْثِ وَحَقِيقَةً فِي حَدِّ الْقُرْبِ مَعَ الْأَمْنِ عَلَى نَحْوِ مَالٍ وَمَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَوْ غَسَلَ الْجُنُبُ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ عَنْ الْجَرِيحِ، ثُمَّ أَحْدَثَ حَدَثًا أَصْغَرَ وَتَوَضَّأَ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ وَبَرِئَ هَلْ يَحِلُّ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْقِرَاءَةُ بِظَهْرِ الْغَيْبِ دُونَ غَسْلِ الْجَرِيحِ؟ (فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - بِأَنَّ الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ حَدَثَ الْمُتَيَمِّمِ لِلْجَنَابَةِ أَوْ الْحَيْضِ يَنْقُضُ طُهْرَهُ الْأَصْغَرَ دُونَ الْأَكْبَرِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ وَيَسْتَمِرُّ تَيَمُّمُهُ عَنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ حَتَّى يَطْرَأَ عَلَيْهِ مَا يُبْطِلُهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ؟ (وَلَا يُعْرَفُ جُنُبٌ تُبَاحُ لَهُ الْقِرَاءَةُ أَوْ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ دُونَ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ إلَّا هَذَا) اهـ. وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ الْمَذْكُورَ إنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَصْغَرَ جَازَ لَهُ

стр. 74

الْقِرَاءَةُ وَالْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ وَإِنْ بَرِئَ لِمَ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبُرْءَ يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ عَنْ الْجَنَابَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ التُّرَابِ الْمُتَنَاثِرِ بَعْدَ إيصَالِهِ مَحَلَّ التَّيَمُّمِ أَنَّ شَرْطَ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْعَزِيزِ وَحَذَفَهُ مِنْ الرَّوْضَةِ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَحِينَئِذٍ فَلَوْ انْفَصَلَ فَبَادَرَ إلَى أَخْذِهِ مِنْ الْهَوَاءِ وَتَيَمَّمَ بِهِ صَحَّ) اهـ. قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ؟ (وَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَعَلَى مُقْتَضَاهُ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْأَخْذِ مِنْ الْهَوَاءِ أَوْ مِنْ الْأَرْضِ، وَهَذَا بَعِيدٌ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُ إذَا انْفَصَلَ عَنْ الْعُضْوِ وَصَارَ فِي الْهَوَاءِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ عَلَى بَاقِي بَدَنِ الْمُتَيَمِّمِ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِاسْتِعْمَالِهِ كَالْمَاءِ الْمُنْفَصِلِ بِلَا فَرْقٍ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَصْحَابِ وَلَيْسَ مُرَادُ الرَّافِعِيِّ مَا تَوَهَّمَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ) اهـ فَهَلْ ذَلِكَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ضَعِيفٌ وَمَا ذَكَرَهُ فِي السُّؤَالِ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ كَلَامٌ سَقِيمٌ أَمَّا أَوَّلًا: فَاَلَّذِي فَهِمَهُ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فَهُوَ الصَّوَابُ فِي الْفَهْمِ، وَأَمَّا ثَانِيًا: فَقَوْلُهُ؟ (وَعَلَى مُقْتَضَاهُ. .. إلَخْ) غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ مُقْتَضَى تَقْيِيدِ الرَّافِعِيِّ بِمَا إذَا انْفَصَلَ بِالْكُلِّيَّةِ وَأَعْرَضَ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا وَصَلَ إلَى الْأَرْضِ وَأَعْرَضَ عَنْهُ امْتَنَعَ الْإِجْزَاءُ بِهِ حَتَّى عِنْدَ الرَّافِعِيِّ. وَأَمَّا ثَالِثًا: فَقَوْلُهُ: (بَلْ الصَّوَابُ. .. إلَخْ) فِيهِ خَلْطُ طَرِيقَةٍ بِطَرِيقَةٍ إذْ هَذَا التَّصْوِيبُ إنَّمَا يَلِيقُ بِطَرِيقَةِ النَّوَوِيِّ لَا بِطَرِيقَةِ الرَّافِعِيِّ. وَأَمَّا رَابِعًا: فَقَوْلُهُ؟ (كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ) غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا عَلِمْت مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ طَرِيقَتِهِمَا. وَأَمَّا خَامِسًا: فَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ مُرَادُ الرَّافِعِيِّ. .. إلَخْ) غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا لِمَا تَقَرَّرَ أَوَّلًا يَتَّضِحُ ذَلِكَ كُلُّهُ مَعَ اسْتِفَادَةِ أُمُورٍ أُخْرَى لَمْ تُذْكَرْ بِسَوْقِ عِبَارَةِ شَرْحِ الْعُبَابِ مَعَ مَتْنِهِ، وَهِيَ وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا بِمُسْتَعْمَلٍ وَهُوَ مَا وَصَلَ لِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ فِي حَالَةِ التَّيَمُّمِ، وَإِنْ تَنَاثَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ عُضْوِهِ أَوْ انْفَصَلَ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ خِلَافًا لِتَقْيِيدِ الرَّافِعِيِّ الْمُتَنَاثِرِ بِمَا إذَا انْفَصَلَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا، وَذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَقَاطِرِ مِنْ الْمَاءِ بِجَامِعِ أَنَّهُ قَدْ تَأَدَّى بِكُلٍّ مِنْهُمَا فَرْضٌ، نَعَمْ قَدْ يُؤَيِّدُ تَقْيِيدَهُ بِذَلِكَ جَوَازُ رَفْعِ الْيَدِ وَوَضْعِهَا الْآتِي إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَفِي تَكْلِيفِهِ الِاحْتِرَازَ عَنْهُ مَشَقَّةٌ وَبِخِلَافِ هَذَا. وَقِيلَ: الْمُتَنَاثِرُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ التُّرَابَ لِكَثَافَتِهِ إذَا عَلِقَتْ مِنْهُ صَفْحَةٌ بِالْمَحَلِّ مَنَعَتْ الْتِصَاقَ غَيْرِهَا بِهِ، وَمَا يَلْتَصِقُ بِهِ لَا يَتَنَاثَرُ بِخِلَافِ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لِرِقَّتِهِ يُلَاقِي جَمِيعَ الْبَدَنِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُلْتَصِقَ وَالْمُتَنَاثِرَ تَرَدَّدَانِ حَالَ الْمَسْحِ مِنْ مَحَلٍّ لِآخَرَ، فَسَقَطَ الْفَرْضُ بِالْجَمِيعِ وَاسْتَشْكَلَ الزَّرْكَشِيُّ كَالْأَذْرَعِيِّ الْخِلَافَ بِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ إذْ تَعْلِيلُ الرَّاجِحِ يَقْتَضِي التَّصْوِيرَ بِأَنَّهُ أَصَابَ الْعُضْوَ، وَتَعْلِيلُ مُقَابِلِهِ يَقْتَضِي عَكْسَهُ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا إذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ اتِّصَالَهُ بِالْعُضْوِ وَلَا عَدَمَهُ، فَالضَّعِيفُ يَنْظُرُ إلَى الْكَثَافَةِ فَيَحْكُمُ بِوَاسِطَتِهَا عَلَى الْمُتَنَاثِرِ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ فَلَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا، وَالرَّاجِحُ يَنْظُرُ إلَى أَنَّ الْمَسْحَ يَقْتَضِي التَّرَدُّدَ وَالِاتِّصَالَ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِعْمَالِ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ، وَإِنَّمَا تَنَاثَرَ بَعْدَ أَنْ لَاقَى مَا لَصِقَ بِهِ كَانَ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ بِاتِّفَاقِ الضَّعِيفِ وَمُقَابِلِهِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ الْمُلْصَقَ بِالْمَحَلِّ مُسْتَعْمَلٌ قَطْعًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخَانِ، لَكِنْ حُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا مَرَّ فِي الْمَاءِ مِنْ أَنَّهُ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ لَا يُحْكَمُ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي الْخَادِمِ: الْمُرَادُ بِالْمُلْتَصِقِ الْمُلْتَصِقُ بِالْعُضْوِ ثُمَّ يَنْفَصِلُ أَمَّا الْمُلْتَصِقُ حَالَ الْتِصَاقِهِ فَكَالْمَاءِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لَيْسَ مُسْتَعْمَلًا إذْ لَهُ إمْرَارُهُ عَلَى مَا لَمْ يَمَسَّهُ عَلَى أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْحُكْمِ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ لِتَعَذُّرِهِ لِذَلِكَ لِلْفَرْضِ وَغَيْرِهِ إلَّا بِالِاتِّصَالِ إذْ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِهِ لِوَاحِدٍ) انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى فَوَائِدَ يَعْرِفُهَا مَنْ تَأَمَّلَهَا حَقَّ التَّأَمُّلِ. (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ نَذَرَ الْوَتْرَ إحْدَى عَشْرَةَ أَوْ الضُّحَى ثَمَانِيَةً فَهَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ الْوَتْرِ أَوْ كُلَّ الضُّحَى بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مَعَ التَّسْلِيمِ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ إذْ يُقَالُ: إنَّهُ لَزِمَهُ بِالنَّذْرِ الْمَذْكُورِ فَرِيضَةٌ لَا فَرَائِضَ، وَمُجَرَّدُ التَّسْلِيمِ لَا تَصِيرُ بِهِ الْفَرِيضَةُ فَرَائِضَ، وَإِنْ دَخَلَهَا التَّعَدُّدُ صُورَةً أَمْ لَا، وَهَلْ فَرْقٌ بَيْنَ الضُّحَى وَالْوَتْرِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَكْرِيرُ التَّيَمُّمِ بِتَكْرِيرِ الْفُصُولِ مِنْ نَحْوِ الْوَتْرِ أَوْ الضُّحَى؛ لِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يُسَمَّى صَلَاةً وَاحِدَةً مَنْذُورَةً وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِذَلِكَ قَوْلُهُمْ إنَّ

стр. 75

تَعَلُّمَ الْجُنُبِ فَرْضًا عَيْنِيًّا كَالْفَاتِحَةِ يَكْفِي فِيهِ تَيَمُّمٌ، فَكَمَا لَمْ يُوجِبُوا هُنَا التَّيَمُّمَ لِكُلِّ آيَةٍ مَعَ انْفِصَالِهَا عَنْ غَيْرِهَا نَظَرًا إلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ بِكَمَالِهَا تُسَمَّى بِالنِّسْبَةِ لِتَعَلُّمِهَا فَرْضًا وَاحِدًا فَكَذَلِكَ الْوَتْرُ الْمَنْذُورُ يُسَمَّى صَلَاةً وَاحِدَةً، وَإِنْ فُصِلَتْ أَجْزَاؤُهُ، وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ؟ (وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِنْ فُرِضَ تَعَيُّنُهَا لِخَوْفِ نِسْيَانٍ فَهَلْ يَسْتَبِيحُ مِنْهَا بِتَيَمُّمِهِ لَهَا مَا نَوَاهُ وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَجْلِسُ أَوْ مَا دَامَ الْمَجْلِسُ مُتَّحِدًا، أَوْ مَا لَمْ يَقْطَعْهَا بِنِيَّةِ الْإِعْرَاضِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَاَلَّذِي يَنْقَدِحُ الثَّالِثُ، وَلَا يُقَالُ إنَّ قِرَاءَةَ كُلِّ آيَةٍ فَرْضٌ فَيَحْتَاجُ إلَى تَيَمُّمٍ آخَرَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا تُطَاقُ) انْتَهَتْ. [بَابُ الْحَيْضِ] (وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَمُتِّعَ بِحَيَاتِهِ فِيمَا إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ فِي بَاطِنِ فَرْجِهَا هَلْ لَهُ حُكْمُ الْحَيْضِ فِي طُرُوِّهِ، وَلَا يُحْكَمُ بِانْقِطَاعِهِ إذَا بَقِيَ بَعْدَ ظُهُورِهِ فِي حَدِّ الْبَاطِنِ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ لِمَا وَقَعَ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ وَمَا حَدُّ الْبَاطِنِ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: الْحُكْمُ لِلظَّاهِرِ، فَأَكْثَرُ النِّسَاءِ أَوْ كُلُّهُنَّ إذَا رَأَيْنَ الدَّمَ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ ثُمَّ فَتَرَ وَبَقِيَ فِي حَدِّ الْبَاطِنِ يَحْكُمْنَ بِأَنَّهُ كُلَّهُ حَيْضٌ، وَرُبَّمَا يُفْتَى بِذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الدَّمَ فَتَرَاتٌ فَتَارَةً يَكُونُ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ وَتَارَةً فِي حَدِّ الْبَاطِنِ بَيِّنُوا ذَلِكَ كُلَّهُ بَيَانًا شَافِيًا يُرْخَى فِيهِ عَنَانُ الْعِبَارَةِ مُسْتَوْفًى فِيهِ لَطَائِفُ الْإِشَارَةِ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ؟ (فَأَجَابَ) ﵁ بِأَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الدَّمَ فِي بَاطِنِ الْفَرْجِ لَهُ حُكْمُ الْحَيْضِ وَعِبَارَتُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا: الْقَوْلَانِ فِي التَّلْفِيقِ (هُمَا فِيمَا إذَا كَانَ النَّقَاءُ زَائِدًا عَلَى الْفَتَرَاتِ الْمُعْتَادَةِ بَيْنَ دَفَعَاتِ الْحَيْضِ، فَأَمَّا الْفَتَرَاتُ فَحَيْضٌ بِلَا خِلَافٍ، ثُمَّ إنَّ الْجُمْهُورَ لَمْ يَضْبِطُوا الْفَرْقَ بَيْنَ حَقِيقَتَيْ الْفَتَرَاتِ وَالنَّقَاءِ، وَهُوَ مِنْ الْمُهِمَّاتِ الَّتِي تَأَكَّدَ الِاعْتِنَاءُ بِهَا، وَيَتَأَكَّدُ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهَا، وَيَقَعُ فِي الْفَتَاوَى كَثِيرًا وَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ وَوَجَدْت ضَبْطَهُ فِي أَشَدِّ مَظَانِّهِ وَأَحْسَنِهَا وَأَكْمَلِهَا وَأَجْوَدِهَا فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا يَكُونُ الْحَيْضُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَصَاحِبُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَصَاحِبُهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ مُصَنِّفُ الْكِتَابِ، أَيْ الْمُهَذَّبِ فِي تَعَالِيقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْفَتْرَةَ هِيَ الْحَالَةُ الَّتِي يَنْقَطِعُ فِيهَا جَرَيَانُ الدَّمِ وَيَبْقَى لَوْنٌ خَفِيفٌ بِحَيْثُ لَوْ أَدْخَلَتْ فِي فَرْجِهَا قُطْنَةً لَخَرَجَ عَلَيْهَا أَثَرُ الدَّمِ مِنْ حُمْرَةٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ فَهِيَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَيْضٌ قَوْلًا وَاحِدًا طَالَ ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ، وَالنَّقَاءُ هُوَ أَنْ يَصِيرَ فَرْجُهَا بِحَيْثُ لَوْ أَدْخَلَتْ الْقُطْنَةَ فِيهِ لَخَرَجَتْ بَيْضَاءَ، فَهَذَا مَا ضَبَطَهُ بِهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَالشُّيُوخُ الثَّلَاثَةُ، وَلَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فِي وُضُوحِهِ وَصِحَّةِ مَعْنَاهُ مِنْ الْوُثُوقِ بِقَائِلِهِ اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْهَا وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِيمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي فِي بَاطِنِ الْفَرْجِ وَهُوَ مَا لَا يَظْهَرُ بِالْجُلُوسِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ حَيْضٌ إذَا وُجِدَ فِي وَقْتِ إمْكَانِهِ وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْخَادِمِ فِي الْكَلَامِ عَلَى رُطُوبَةِ الْفَرْجِ عَنْ بَعْضِهِمْ مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَلَا نَظَرَ لِمَا لَا يُدَلُّ لَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثِيَّةٍ أُخْرَى كَمَا يُعْلَمُ بِتَأَمُّلِهِ، فَإِنْ قُلْت: قَدْ يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: (أَيْضًا النَّجَاسَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ فِي الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الظَّاهِرِ مَعَ بَقَاءِ حُكْمِ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ قُلْت: لَا مُنَافَاةَ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ عَلَى الْبَدَنِ وَمَا اتَّصَلَ بِالنَّجَاسَةِ وَعَدَمِهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي نَجَاسَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ فِي حُكْمِهَا بِأَنْ اتَّصَلَ بِهَا مَا ذُكِرَ. وَأَمَّا الْحُكْمُ بِحَدَثِ الْحَيْضِ وَأَحْكَامِهِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ، فَمَدَارُهُ عَلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِ دَمٍ فِي الْفَرْجِ يُمْكِنُ كَوْنُهُ حَيْضًا بِحَيْثُ إنْ وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ حُكِمَ بِالْحَيْضِ وَحَيْثُ لَا فَلَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّجَاسَةِ وَالْحَيْضِ أَنَّ النَّجَاسَةَ دَائِمَةٌ فِي الْبَاطِنِ فَلَوْ ثَبَتَ لَهَا التَّنَجُّسُ لَتَعَذَّرَ تَطْهِيرُهَا وَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ مَا لَا يَخْفَى، وَأَمَّا الْحَيْضُ فَهُوَ يَطْرَأُ وَيَزُولُ فَحَيْثُ وُجِدَ فِي الْفَرْجِ حَكَمْنَا، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ مَا يَظْهَرُ بِالْجُلُوسِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ إذْ لَا مَشَقَّةَ فِي الْحُكْمِ حِينَئِذٍ بِأَنَّهُ حَيْضٌ، وَتَعْلِيلُهُمْ حُرْمَةَ وَطْءِ الْحَائِضِ بِتَلَوُّثِ الذَّكَرِ بِالدَّمِ ظَاهِرٌ أَيْضًا فِيمَا تَقَرَّرَ مِنْ ثُبُوتِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ لِلدَّمِ الْمَوْجُودِ فِي الْفَرْجِ مُطْلَقًا عَلَى أَنَّ لَك أَنْ تَقُولَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ هُنَا وُجُودُ الدَّمِ إلَّا بِأَنْ يَظْهَرَ عَلَى نَحْوِ قُطْنَةٍ أَوْ أُصْبُعٍ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ اتَّصَلَ بِهِ ظَاهِرٌ فَيَكُونُ كَالنَّجَاسَةِ الْبَاطِنَةِ
следующие страницы →