← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

هَذَا التَّصَرُّفُ الدَّوَامَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَالشَّارِعُ كَذَلِكَ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الدَّكَّةَ الْمَذْكُورَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لَأَرْبَابِهَا فَلَهُمْ أَنْ يَضَعُوا عَلَيْهَا عَشَّةً ثُمَّ إنْ خَرَجَتْ تِلْكَ الْعَشَّةُ فِي هَوَاءِ الشَّارِعِ اُشْتُرِطَ عَدَمُ ضَرَرهَا لِلْمَارَّةِ. قَالَ الشَّيْخَانِ وَيُرْجَعُ فِي مَعْرِفَةِ الضَّرَرِ وَعَدَمِهِ إلَى حَالِ الطَّرِيقِ ثُمَّ قَالَ وَالْأَصْلُ فِي الشَّوَارِعِ الْإِبَاحَةُ وَجَوَازُ الِانْتِفَاعِ إلَّا فِيمَا يَقْدَحُ فِي مَقْصُودِهَا وَهُوَ الِاسْتِطْرَاقُ ثُمَّ الْمُرَادُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ بِضَرَرِ الْمَارَّةِ الضَّرَرُ الَّذِي لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً بِخِلَافِ الْيَسِيرِ الَّذِي يُحْتَمَلُ عَادَةً فَإِنَّهُ لَا مَنْعَ مِنْهُ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ خَشْيَةِ الْمُصَادَمَةِ عِنْدَ الْعُدُول عَنْ جَادَّة الطَّرِيق لَيْسَ مِنْ الضَّرَرِ الْمُنَافِي لِلِاسْتِطْرَاقِ فَلَا يُنْظَرُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ تِلْكَ الْعَشَّةُ فِي هَوَاءِ الشَّارِع بِأَنْ كَانَتْ فِي هَوَاءِ الدَّكَّةِ فَلَا مَنْعَ مِنْهَا وَإِنْ أَضَرَّتْ بِالْمَارَّةِ لِمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْته عَنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّ أَرْبَابَ الدَّكَّةِ يَسْتَحِقُّونَ التَّصَرُّفَ فِيهَا حَتَّى بِهَدْمِ جِدَارِهِمْ وَإِدْخَالهَا فِي دَارِهِمْ إذْ هَوَاؤُهَا مُسْتَحَقٌّ لَهُمْ وَلَيْسَ هَوَاء شَارِع فَلَمْ يُرَاعَ حِينَئِذٍ ضَرَرُ الْمَارَّةِ بِهِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ رِعَايَتِهِ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ كَانَ الْبَارِزُ فِي هَوَاءِ الشَّارِعِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ هَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالْجُمْهُورُ أَنَّ إحْدَاثَ الدَّكَّةِ بِالشَّارِعِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ تَضُرَّ بِأَنْ كَانَتْ فِي مُنْعَطَفٍ. أَمَّا عَلَى مُقَابَلَةِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ وَمُتَأَخِّرُونَ وَانْتَصَرَ لَهُ السُّبْكِيّ مِنْ جَوَازِ إحْدَاثهَا حَيْثُ لَا ضَرَرَ فَوَاضِحٌ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِيهَا إلَّا إنْ أَثْبَتَ ضَرَرهَا الَّذِي مَرَّ ضَبْطُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم (وَسُئِلَ) عَمَّنْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ عَجَزَ عَنْ تَحْصِيلهَا وَأَرَادَ أَنْ يُعَوِّضَ دَائِنَهُ فَمِنْ الْخِيَرَةُ إلَيْهِ مِنْهُمَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضهمْ بِأَنَّ الْخِيَرَةَ فِيمَا يُعْتَاضُ بِهِ إلَى الدَّائِنِ لَا الْمَدِينِ قَالَ وَوَقَعَ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ مَا يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ وَلَيْسَ مُرَادًا. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ لَهُ زَبِيرٌ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ فَأَظَلَّتْ زَرْعَ غَيْرِهِ وَأَفْسَدَتْهُ بِظِلِّهَا فَهَلْ يَضْمَن وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِإِزَالَتِهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِضَمَانِهِ مُطْلَقًا وَقَاسَهُ عَلَى التَّالِف بِالْمِيزَابِ وَقَالَ إذَا وُجِدَ الضَّمَانُ فِيمَا لَمْ يَصِلْ لِمِلْكِهِ وَهُوَ الْمِيزَاب فَأَوْلَى فِيمَا انْتَشَرَ وَوَصَلَ إلَى مِلْكِهِ وَلَا فَرْقَ فِي الضَّمَانِ بَيْنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالسَّبَبِ. اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَيُفَرَّقُ بَيْنه وَبَيْن الْمِيزَاب بِأَنَّ الْمِيزَابَ تَصَرَّفَ وَاضِعُهُ فِي هَوَاءِ الطَّرِيقِ بِإِخْرَاجِهِ إلَيْهِ فَاشْتَرَطْنَا لِجَوَازِ تَصَرُّفِهِ فِي ذَلِكَ الْهَوَاء سَلَامَةَ الْعَاقِبَةِ فَحَيْثُ لَا سَلَامَةَ ضَمِنَ وَأَمَّا غَارِسُ الشَّجَرَة فَقَدْ تَصَرَّفَ فِي مَحْض مِلْكِهِ وَهَوَائِهِ فَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُقَالَ إنَّ تَصَرُّفَهُ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَة فَإِذَا جَاوَزَتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ مِلْكَهُ وَخَرَجَتْ إلَى غَيْرِهِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَضْمَنَ بِهِ إلَّا إنْ طُولِبَ بِإِزَالَتِهِ فَامْتَنَعَ لِتَعَدِّيهِ حِينَئِذٍ فَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ اعْتِمَادُهُ فَاحْفَظْهُ وَلَا تُغَيِّر بِغَيْرِهِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظه طَلَبَ صَاحِبُ الْأَعْلَى أَنْ يَتَمَلَّكَ السَّقْفَ الَّذِي أَحَدَثَهُ الْأَسْفَلُ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ وَهَلْ لَهُ إحْدَاث عُلُوٍّ ثَالِثٍ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ امْتَنَعَ مِنْ بِنَاء سَقْفِ نَفْسِهِ كَمَا كَانَ لَمْ يَتَمَلَّك لِتَقْصِيرِهِ وَإِنْ أَحْدَثَ الْأَسْفَلُ السَّقْفَ قَبْلَ امْتِنَاع الْأَعْلَى الْمَالِكِ لِلسَّقْفِ مِنْ الْإِعَادَة فَلِلْأَعْلَى هَدْمُهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِيمَا لَوْ بَنَى الْأَعْلَى قَبْلَ امْتِنَاع الْأَسْفَل فَإِنَّهُمْ قَالُوا لِلْأَسْفَلِ هَدْمُهُ مَا لَمْ يَبْنِ الْأَعْلَى وَلِلْأَعْلَى حِينَئِذٍ طَلَبُ تَمَلُّكِ السَّقْفِ بِالْقِيمَةِ كَمَا ذَكَرُوا نَظِيرَهُ فِي تَمَلُّكِ صَاحِب السُّفْلِ بِالْقِيمَةِ حَيْثُ بَنَى الْأَعْلَى الْأَسْفَل وَالْعُلْو وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَحْدَثَ بِنَاءً فِي مِلْكِ الْآخَرِ قَبْلَ امْتِنَاعِهِ وَلَمَّا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ قَالَ لَا يُقَالُ إنَّ السَّقْفَ الَّذِي أَحْدَثَهُ صَاحِبُ السُّفْل أَحْدَثَهُ فِي مِلْكِهِ إذْ الْجُدْرَانُ لَهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَكَّنَ صَاحِب الْعُلُوِّ مِنْ التَّمَلُّكِ وَالْهَدْمِ بِخِلَافِهِ فِي تِلْكَ. فَإِنَّ صَاحِبَ الْعُلُوِّ أَحْدَثَهُ فِي مِلْكِ صَاحِبِ السُّفْلِ فَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا لَهُ التَّمَلُّكُ وَالْهَدْمُ فَافْتَرَقَا؛ لِأَنَّا نَقُول هُوَ مَوْجُود فِيمَا يَمْلِك صَاحِبُ الْعُلُوِّ الِانْتِفَاعَ بِهِ فَكَأَنَّ صَاحِبَ السُّفْلِ أَحْدَثَهُ فِي مِلْكِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ فَلِذَا قُلْنَا لَهُ التَّمَلُّكُ وَالْهَدْمُ وَلَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ مَنْزِلًا ثَالِثًا فَوْقَ عُلُوِّهِ كَمَا نَقَلَهُ السُّبْكِيّ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الصُّلْحِ وَجَزَمَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ فِي قُوتِهِ فِي الْقِسْمَةِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ أَرَادَ نَقْلَ الطَّرِيقِ عَنْ مَوْضِعِهَا إلَى قَرِيبٍ مِنْهُ فَهَلْ يَجُوزُ مُطْلَقًا أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَحْرُمُ نَقْلُ الطَّرِيقِ الْعَامَّةِ عَنْ مَحَلِّهَا بَلْ هُوَ كَبِيرَةٌ كَمَا بَيَّنْته فِي كِتَابِي الزَّوَاجِر عَنْ

стр. 632

اقْتِرَافِ الْكَبَائِر لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَلْعُونٌ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ» وَأَمَّا الْخَاصَّةُ كَأَنْ اسْتَأْجَرَ جَمْعٌ مَحْصُورُونَ الْمُرُور فِي أَرْضٍ فَلَهُمْ بِتَوَافُقِ الْمُؤَجِّرِ نَقْلُهُ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ. [بَابُ الْحَوَالَةِ] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِغَائِبِ فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ الْمَدِينَ أَبْرَأَهُ وَأَنِّي قَضَيْت الدُّيُونَ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ خُصُومَةٍ مَا الْمُفْتَى بِهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْل الْقَفَّالِ وَابْنِ الصَّلَاحِ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا الْقَفَّالُ فَلَمْ أَرَ لَهُ حِيلَةً فِي هَذِهِ الصُّورَة وَإِنَّمَا الَّذِي رَأَيْته حِيلَةً لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي فَتَاوِيهِ فِي نَظِير ذَلِكَ لَكِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الضَّعِيفِ أَنَّ غَرِيمَ الْغَرِيمِ غَرِيمٌ وَأَحْسَنُ مَا فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ أَنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ أَنْ يَدَّعِيَ إنْسَانٌ أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ أَحَالَهُ بِهِ فَيَعْتَرِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ لِرَبِّهِ وَبِالْحَوَالَةِ وَيَدَّعِي أَنَّهُ أَبْرَأهُ مِنْهُ أَوْ أَقْبَضَهُ فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى بِذَلِكَ وَالْبَيِّنَةُ وَإِنْ كَانَ رَبُّ الدَّيْنِ حَاضِرًا بِالْبَلَدِ. اهـ. وَأَقَرَّهُ الْقَمُولِيُّ وَغَيْرُهُ كَشَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ لَكِنْ تَعَقَّبَهُ الْأَذْرَعِيُّ فَقَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي دَفْعِ الْمُحْتَالِ وَأَمَّا إثْبَاتُ الْبَرَاءَةِ مِنْ دَيْنِ الْمُحِيلِ فَلَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِهِ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا تَكْفِي إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ فِي وَجْهِ الْمُحْتَالِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا فِي وَجْهِ الْمُحِيلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ نَذَرَ عَدَمَ الْمُطَالَبَةِ لِفُلَانٍ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ وَإِذَا قُلْتُمْ نَعَمْ فَهَلْ تَصِحُّ حَوَالَتُهُ بِهِ أَوْ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ وَيَبْطُلُ بِالْحَوَالَةِ النَّذْرُ وَلِلْمُحْتَالِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ اللُّزُومُ لَكِنْ هَلْ يَصِيرُ الدَّيْنُ بِالنَّذْرِ الْمَذْكُورِ مُؤَجَّلًا أَوْ حَالًّا امْتَنَعَتْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ لِمَانِعِ الْأَوْجَهِ كَمَا رَجَّحَهُ جَمْعُ مُتَأَخِّرُونَ الثَّانِي فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ صَحَّتْ الْحَوَالَةُ بِهِ وَعَلَيْهِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ الْآخَرُ مُؤَجَّلًا لَا حَالًّا وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي انْعَكَسَ الْحُكْمُ وَإِذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ عَلَى الثَّانِي فَهَلْ يَمْتَنِعُ عَلَى الْمُحْتَالِ الْمُطَالَبَةُ حَالًّا كَالْمُحِيلِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ مَنْ الْتَزَمَ قُرْبَة لَا يَلْزَم سَرَيَانُهَا فِي حَقِّ غَيْره وَالْمُحِيلُ هُوَ الْمُلْتَزِمُ عَدَمَ الْمُطَالَبَةِ بِالنَّذْرِ فَاخْتَصَّ بِهِ كُلُّ مُحْتَمَلٍ. لَكِنَّ مَا رَجَّحَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَنَّ النَّاذِرَ لَوْ مَاتَ كَانَ لِوَارِثِهِ الْمُطَالَبَةُ حَالًا؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ وَهُمْ لَمْ يَنْذِرُوا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوْجَهَ هُنَا الثَّانِي وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُهُمْ وَعَلَى مُقَابِلِهِ فَلِلْمُحْتَالِ الْخِيَارُ إنْ جَهِلَ الْحَالَ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْمُطَالَبَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ فَإِنْ قُلْت يَلْزَمُ مِنْ هَذَا عَدَمُ صِحَّةِ الْحَوَالَة حَيْثُ قُلْنَا بِهَذَا الْمُقَابِل؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ وَأَحَدُهُمَا مَعِيبٌ قُلْت هُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ الدَّيْنُ فِي نَفْسِهِ لَا عَيْبَ فِيهِ فَالتَّسَاوِي حَاصِل فِي ذَاتِ الدَّيْنَيْنِ وَتَوَابِعهمَا اللَّازِمَة وَامْتِنَاع الْمُطَالَبَةِ لِلْأَمْرِ الْعَارِضِ وَإِنْ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْعَيْب لَا يَقْتَضِي إلْحَاقَهُ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِنْ قُلْت الْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ حَتَّى عَلَى الثَّانِي مِنْ وَجْهٍ آخَر وَهُوَ عَجْزُ الْمُحِيلِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ بِسَبَبِ نَذْرِهِ وَالشَّرْطُ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ قُلْنَا الشَّرْطُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ قُدْرَةُ الْآخِذِ لَا الْمُعْطِي أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ فِي الْبَيْعِ قُدْرَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى التَّسَلُّمِ وَإِنْ عَجَزَ الْبَائِعُ عَنْ التَّسْلِيمِ خِلَافًا لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ فَيَصِحُّ بَيْعُ الْمَغْصُوبِ الْقَادِرِ عَلَى انْتِزَاعِهِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ الْبَائِعُ وَهَذَا جَارٍ فِي كُلِّ عِوَضٍ كَالْأُجْرَةِ وَعِوَضِ الْبُضْعِ صَدَاقًا وَبَدَلِ خَلْعٍ وَعِتْقٍ عَلَى عِوَضٍ فَتَلَخَّصَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إلَّا قُدْرَةُ الْمُحْتَالِ عَلَى تَسَلُّمِهِ لَا قُدْرَةُ الْمُحِيلِ عَلَى تَسْلِيمِهِ (وَسُئِلَ) هَلْ تَجْرِي الْإِقَالَةُ فِي الْحَوَالَة؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ أَوَائِلَ التَّفْلِيسِ بِعَدَمِ جَوَازِهَا وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ عَجِيبٌ فَقَالَ إنَّهُ كَشَفَ كُتُبًا كَثِيرَةً فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا بَيْعٌ وَأَنَّ الْخُوَارِزْمِيَّ صَرَّحَ بِالْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَبِتَصْحِيحِ الْجَوَازِ وَقَيَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِدُونِ إذْنِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِدُونِ إذْنِهِ صَحَّ وَجْهًا وَاحِدًا. اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَيَرُدُّ تَعْلِيلَ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهَا بَيْعٌ لَكِنَّ التَّحْقِيقَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ فِيهَا بِأَنَّهَا بَيْعٌ وَلَا بِأَنَّهَا اسْتِيفَاءٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ فُرُوعِهَا يَقْتَضِي الْأَوَّلَ وَبَعْضَهَا يَقْتَضِي الثَّانِيَ لَكِنَّ فُرُوعَ الْأَوَّلِ أَكْثَرُ فَمِنْ ثَمَّ اُشْتُهِرَ أَنَّهَا بَيْعٌ

стр. 633

لَا اسْتِيفَاءٌ وَنَظِير ذَلِكَ الْخِلَافُ فِي الْإِبْرَاءِ هَلْ هُوَ إسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ وَفِي الرَّجْعَةِ هَلْ هِيَ ابْتِدَاءُ نِكَاحٍ أَوْ اسْتِدَامَتُهُ وَفِي النَّذْرِ هَلْ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ أَوْ جَائِزِهِ. (وَسُئِلَ) هَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ قَبُولُ الْحَوَالَةِ بِمَالِ مُوَلِّيهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ بَحَثَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ الْجَوَازِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِخِلَافِ الْحَوَالَةِ عَلَى الطِّفْلِ فَتَجُوزُ وَيُطَالَبُ الْوَلِيُّ بِالتَّسْلِيمِ وَذَكَرَ الْمَرْعَشِيُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَحَدِ طِفْلَيْنِ عَلَى أَخِيهِ مَالٌ فَأَحَالَهُ الْأَبُ بِمَا لَهُ عَلَى أَخِيهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى ابْنٍ آخَرَ لَهُ صَغِيرٍ جَازَ. (وَسُئِلَ) وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْغَنِيِّ أَدَاءُ الدَّيْنِ فَوْرًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ إنْ خَافَ فَوْتَ أَدَائِهِ إلَى الْمُسْتَحَقِّ إمَّا بِمَوْتِهِ أَوْ بِمَرَضِهِ أَوْ بِذَهَابِ مَالِهِ أَوْ خَافَ مَوْتَ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ طَالَبَهُ رَبُّ الدَّيْن أَوْ عَلِمَ حَاجَته إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ ذَكَرَ ذَلِكَ الْبَارِزِيُّ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَحَالَ بِدَيْنٍ لَهُ بِهِ رَهْنٌ أَوْ كَفِيلٌ فَهَلْ يَنْتَقِلُ الدَّيْنُ إلَى الْمُحْتَالِ مَعَ وَصْفِ الْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِصِفَةِ الْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ كَصِفَةِ الْأَجَلِ وَالْحُلُولِ وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الرَّاهِنِ أَوْ الْكَفِيلِ كَمَا يَنْتَقِلُ الدَّيْنُ إلَى وَرَثَةِ الدَّائِنِ بِصِفَةِ الرَّهْنِ وَالْكَفِيل مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ رِضَاهُمَا وَفَارَقَ هَذَا مَا لَوْ أَحَالَ الْمَدْيُونُ دَائِنَهُ بِدَيْنٍ لَهُ بِهِ رَهْنٌ أَوْ كَفِيلٌ فَقَبِلَ فَإِنَّهُمَا يَنْفَكَّانِ لِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ اللَّازِم مِنْهَا بَرَاءَةُ كَفِيلِهِ وَانْفِكَاكُ رَهْنِهِ هَذَا مَا أَفْتَى بِهِ الْبَارِزِيُّ وَبَيَّنَ فِي الْقُوتِ مَا فِيهِ مِنْ اعْتِرَاضٍ وَغَيْرِهِ فَلْيُنْظَرْ مِنْهُ. (وَسُئِلَ) هَلْ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِالزَّكَاةِ وَعَلَيْهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ تَجُوزُ الْحَوَالَةُ بِهَا كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ نَقْلًا عَنْ الْمُتَوَلِّي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءٌ وَقَيَّدَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِمَا إذَا تَلِفَ النِّصَابُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ لِيَصِيرَ دَيْنًا وَقَالَ غَيْرُهُ بَلْ هُوَ مَعَ بَقَائِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ لَا تَخْلُو عَنْهَا عَلَى أَنَّ مَا نَظَرَ فِيهِ السُّبْكِيّ نَظَرَ فِيهِ وَغَيْره وَتَجُوزُ عَلَيْهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي أَيْضًا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ إنْ انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ وَتَعَيَّنُوا وَإِلَّا فَالْوَجْهُ الْبُطْلَانُ مُطْلَقًا وَهُوَ ظَاهِرٌ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَحَالَ بِهِ دَائِنه وَقَبِلَ الْحَوَالَةَ ثُمَّ طَالَبَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ وَقَالَ لَيْسَ لِمُحِيلِك عَلَيَّ دَيْنٌ فَرَجَعَ لِلْمُحِيلِ فَقَالَ أَنْتَ قَبِلْت الْحَوَالَة فَلَا مُطَالَبَة لَك عَلَيَّ فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَيْسَ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ لِلْحَوَالَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِالدَّيْنِ مُتَضَمِّنٌ لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ فَيُؤَاخَذُ بِذَلِكَ لَوْ أَنْكَرَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ وَهَلْ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُحِيلِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بَرَاءَتَهُ فِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي مَطْلَبِهِ قَالَ غَيْرُهُ وَأَوْجَهُ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ لَهُ تَحْلِيفَهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ شَخْصٍ أُحِيلَ عَلَيْهِ بِحَبٍّ لِشَخْصٍ فَدَفَعَ لَهُ الْبَعْضَ وَبَاعَهُ مَا بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ بِثَمَنٍ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ ذَلِكَ فَهَلْ يَصِحُّ بَيْعُ مَا فِي ذِمَّتِهِ وَيَلْزَمُ الثَّمَنُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِالْحَبِّ إلَّا إذَا كَانَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ حَبٌّ مُوَافِقٌ لِمَا عَلَى الْمُحِيلِ مِنْ الْحَبِّ جِنْسًا وَنَوْعًا وَقَدْرًا وَصِفَةً وَحُلُولًا وَأَجَلًا فَإِذَا وُجِدْت هَذِهِ الشُّرُوطُ صَحَّتْ الْحَوَالَةُ وَانْتَقَلَ حَقّ الْمُحْتَالِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْهَا فَالْحَوَالَة بَاطِلَةٌ وَلَا شَيْءَ لِلْمُحْتَالِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ ثُمَّ إذَا صَحَّتْ الْحَوَالَة لَمْ يَصِحَّ اسْتِبْدَال الْمُحْتَال عَنْ الْحَبِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الِاسْتِبْدَالِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُسْتَبْدَلَ عَنْهُ رِبَوِيًّا بِيعَ بِجِنْسِهِ وَالْحَوَالَة بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ فَالْمُسْتَبْدَلُ عَنْهُ رِبَوِيٌّ بِيعَ بِجِنْسِهِ فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ الْمَذْكُورُ فِي السُّؤَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الضَّمَانِ] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ قِنٍّ مَمْلُوكٍ يَعْمَلُ صَنْعَةً فَجَاءَ لَهُ شَخْصٌ دَفَعَ لَهُ سِلْعَةً لِيَصْنَعهَا لَهُ فَأَخَذَهَا وَأَتْلَفَهَا فَجَاءَ إلَيْهِ وَأَلْزَمَهُ بِقِيمَتِهَا مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعِ سَيِّدِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ حُجَّةً بِقِيمَتِهَا فَجَاءَ شَخْصٌ آخَرُ فَضَمَّنَهُ فِيمَا لَزِمَهُ مِنْ الْقِيمَةِ فَهَلْ يَلْزَمُ الْعَبْدَ مَا الْتَزَمَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَهَلْ يَصِحُّ الضَّمَانُ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُفْتِينَ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَفْتَى بِعَدَمِ صِحَّتِهِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) التَّنَاقُضُ الصَّادِرُ مِنْ الْمُفْتِي الْمَذْكُورِ كَأَنَّهُ نَشَأَ مِنْ إغْفَالِهِ النَّظَرَ إلَى أَنَّ هَذَا الْمَالَ أَعْنِي قِيمَةَ الْعَيْنِ الْمُتْلَفَةِ هَلْ يَلْزَم الْعَبْدَ

стр. 634

أَوْ لَا فَتَوَهَّمَ أَوَّلًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فَأَفْتَى بِعَدَمِ صِحَّةِ ضَمَانِهِ ثُمَّ تَوَهَّمَ ثَانِيًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فَأَفْتَى بِصِحَّةِ ضَمَانِهِ وَصِحَّةِ ضَمَانِ الْأَجْنَبِيِّ لِلْعَبْدِ فِي دُيُونِ الْمُعَامَلَةِ أَيْ مَثَلًا مَذْكُور فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا. وَمَا وَقَعَ لِلْمُفْتِي الْمَذْكُورِ تَخْلِيطٌ نَشَأَ مِنْ عَدَمِ التَّأَمُّلِ وَالْجَوَابُ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ فِي إتْلَافِ الْوَدِيعَةِ فَإِنَّهُ مِنْ تَفَرُّدِهِ وَقَدْ رَدَّهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَكَابِرِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَإِنْ انْتَصَرَ لَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا لَا يُجْدِي أَنَّ السَّيِّدَ هُنَا إنْ كَانَ أَذِنَ لِقِنِّهِ فِي أَخْذِ السِّلَعِ لِيَصْنَعَهَا لِأَرْبَابِهَا كَانَ الضَّمَانُ عَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ بِإِبْقَائِهَا مُسَلَّطٌ لَهُ عَلَى الْإِتْلَافِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِرَقَبَةِ الْقِنِّ دُونَ ذِمَّتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ فَيُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِ قِيمَةِ مَا أَتْلَفَهُ وَفِي كُلٍّ مِنْ الصُّورَتَيْنِ لَا يَصِحُّ ضَمَانُ الضَّامِنِ الْمَذْكُورِ لِلْعَبْدِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَضْمَنَ عَنْهُ بَلْ الْمَلْزُومُ بِذَلِكَ هُوَ السَّيِّدُ فِيهِمَا إلَّا أَنَّ الْقِيمَةَ تَتَعَلَّقُ فِي الْأُولَى بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ فَإِنْ وَقَّتَ بِهَا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِ الْقِيمَةِ غَيْرُ مَا سَاوَتْهُ الرَّقَبَةُ وَإِذَا كَانَ السَّيِّدُ هُوَ الْمُلْزَمُ بِذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ فَالْعَبْدُ غَيْرُ مُلْزَمٍ أَمَّا فِي الْأُولَى فَوَاضِحٌ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهُ مَحَلُّ الْحَقِّ الْمُسْتَوْفَى مِنْهُ فَهُوَ كَعَيْنٍ تَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ يُسْتَوْفَى مِنْهَا فَلَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهَا فِي الصُّورَتَيْنِ لِمَا قَرَّرْته فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ وَقَعَ فِيهِ خَبْطٌ وَتَخْلِيطٌ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي السُّؤَال وَالْجَوَاب، وَاَللَّه أَعْلَم. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَا إذَا أَبْرَأَ الْأَصِيلُ عَلَى ظَنِّ انْتِقَالِ الدَّيْنِ عَنْ ذِمَّتِهِ إلَى ذِمَّةِ الضَّمِينِ هَلْ يَبْرَأُ الْأَصِيلُ وَالضَّامِنُ مَعًا أَمْ أَحَدُهُمَا اُبْسُطُوا الْجَوَابَ مَعَ بَيَانِ الْمُعْتَمَدِ فِي ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْيَمَنِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ صَرَائِحُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَبْرَأُ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ ذَلِكَ قَوْل الرُّويَانِيِّ فِي الْبَحْرِ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ أَبْرَأْتُك مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَالَ الْأَصْحَابُ تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ فِي الْحُكْمِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنِّي لَمْ أَعْلَمْ ذَلِكَ. وَهَلْ يَبْرَأُ فِي الْبَاطِنِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَجْهَانِ الْمَذْهَبُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ الدَّيْنُ فَهُوَ مَجْهُولٌ. اهـ. وَنَقَلَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَاعْتَمَدُوهُ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ لَوْ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ غَرِيمِهِ وَكَانَ الْوَفَاءُ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَابِضُ أَنَّهُ حَرَامٌ ثُمَّ ابْرَأْهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ إنْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ اسْتِيفَاءٍ لَمْ يَصِحَّ وَيَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ سَقَطَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِيمَا لَوْ أَطْلَقَ وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ لِأَنَّهُ لَا اسْتِيفَاءَ فَلَا يَسْقُطُ. اهـ. وَنَظِيرُ مَسْأَلَتنَا مَا لَوْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَة إسْقَاطٍ وَقَدْ عُلِمَتْ صِحَّة الْبَرَاءَةِ وَسُقُوطُ الدَّيْنِ حِينَئِذٍ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتنَا وَلَا يُحْمَلُ الْإِطْلَاقُ فِيهَا عَلَى الِاسْتِيفَاءِ فِيهَا بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ النَّوَوِيِّ فَإِنَّ فِيهَا اسْتِيفَاءً فَحُمِلَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ وَاعْتَمَدَهُ وَقَالَ إنَّهُ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ وَهُوَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ الصَّدَاقِ مِنْ الرَّشِيدَةِ يَنْبَغِي نُفُوذُهَا وَإِنْ كَانَتْ إنَّمَا أَبْرَأَتْهُ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ صِفَةً لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فَبَانَ عَدَمُ وُقُوعِهِ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْأَصْبَحِيِّ فِي فَتَاوِيهِ رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَخْتَلِعَ امْرَأَتَهُ فَحَضَرَ آخَرُ وَقَالَ اخْلَعْهَا إلَى ذِمَّةِ أُمِّهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا فَخَلَعَهَا الزَّوْجُ إلَى ذِمَّةِ أُمِّهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ بَرِئْت ذِمَّتُهُ مِنْ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ الْعَامَّةِ لَا يَعْرِفُ الْفِقْهَ ثُمَّ قَالَ الْوَاسِطَةُ تَبَارَأْ أَنْتَ وَصِهْرَتك فَأَبْرَأَهَا الزَّوْجُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ الْمَهْرِ فَهَلْ تَصِحُّ بَرَاءَتُهُ لِلصِّهْرَةِ مِمَّا ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهَا لَهُ مِنْ عِوَضِ الْخُلْعِ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْ مِثْله الَّذِي بِذِمَّتِهِ لِلزَّوْجَةِ أَمْ لَا الْجَوَابُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بَلْ يُحْكَمُ بِصِحَّةِ الْإِبْرَاءِ فِي الظَّاهِرِ إنْ كَانَ قَدْ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. اهـ. وَهَذَا كَالنَّصِّ فِي مَسْأَلَتنَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ الْمُبَرِّئِ دَعْوَاهُ أَنَّهُ ظَنَّ انْتِقَالَ الدَّيْنِ مِنْ الْأَصِيلِ إلَى ذِمَّةِ الضَّامِنِ إنْ كَانَ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ نَشَأَ بَيْنَهُمْ وَشَهِدَتْ قَرَائِنُ أَحْوَالِهِ بِأَنْ يَجْهَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَلَا يَبْعُدُ حِينَئِذٍ بُطْلَانُ الْبَرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا مَعْنَاهَا الشَّرْعِيَّ إلَّا أَنَّ كَلَامَهُمْ كَالصَّرِيحِ فِي خِلَافِ ذَلِكَ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا بِمَا فِي ظَنّ الْمُكَلَّفِ

стр. 635

وَلَمْ يَخُصُّوا ذَلِكَ بِمَنْ عَذَرَ بِذَلِكَ الظَّنِّ وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ بَيْعُ وَعِتْقُ وَتَزْوِيجُ وَإِبْرَاءُ مَنْ ظَنَّ أَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ ثُمَّ بَانَ أَنَّ لَهُ وِلَايَةً وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَنْ عُذِرَ فِي ظَنِّهِ أَوْ لَا فَتَقْيِيدُ الْأَصْبَحِيِّ بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ قَدْ نَشَأ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا فَرْق فَتَنْفُذُ الْبَرَاءَةُ مُطْلَقًا نَشَأَ بَيْن الْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا ثُمَّ رَأَيْت الْفَقِيهَ الصَّالِحَ عَبْدَ اللَّهِ أَبَا مَخْرَمَةَ أَفْتَى بِمَا أَفْتَيْت فَقَالَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ يَبْرَأ الْمَضْمُون عَنْهُ وَالضَّامِنُ عَنْ الدَّيْنِ الْمَذْكُورِ فَلَا عِبْرَة بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ فَإِنْ قُلْت يُنَافِي مَا ذَكَرْته عَنْ أَبِي مَخْرَمَةَ قَوْلَ الْأَنْوَار لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا فِي الذِّمَّةِ وَقَضَى ثَمَنَهُ مِنْ حَرَامٍ فَإِنْ سَلَّمَهُ الْبَائِع قَبْل قَبْضِ الثَّمَن بِطِيبِ قَلْبِهِ وَأَكَلَهُ الْمُشْتَرِي قَبْل أَدَاءِ الثَّمَنِ حَلَّ مِنْ الْحَرَامِ أَوْ لَمْ يُؤَدِّ أَصْلًا وَالثَّمَنُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنْ أَدَّاهُ مِنْ الْحَرَامِ وَأَبْرَأهُ الْبَائِعُ مَعَ الْعِلْم بِحُرْمَتِهِ بَرِئَ وَلَكِنْ أَثِمَ بِرَوَاحِهِ وَإِنْ أَبْرَأهُ بِظَنِّ الْحِلِّ لَمْ يَبْرَأ. اهـ. وَوَجْهُ الْمُنَافَاة أَنَّ الظَّنَّ هُنَا أَثَرٌ فَلِمَ لَا أَثَرَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ قُلْت لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْأَنْوَار يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ عَنْ النَّوَوِيِّ فِي عَيْنِ مَسْأَلَته وَهُوَ أَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ اسْتِيفَاءٍ أَوْ أَطْلَقَ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ فَإِنَّ الْبَرَاءَةَ تَصِحُّ حِينَئِذٍ وَهَذِهِ هِيَ نَظِيرُ مَسْأَلَتنَا؛ لِأَنَّهُ لَا اسْتِيفَاءَ فِيهَا حَتَّى يُقْصَدَ أَوْ يَنْزِلَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْإِبْرَاءِ عَلَيْهَا عَلَى بَرَاءَةِ الْإِسْقَاطِ وَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِصِحَّتِهِ مَعَ ظَنِّ الْحِلِّ فَقِيَاسُهُ صِحَّتُهُ فِي مَسْأَلَتنَا وَلَوْ مَعَ ظَنِّ انْتِقَالِ الدَّيْنِ إلَى ذِمَّةِ الضَّامِنِ فَإِنْ قُلْت سَلَّمْنَا عَدَمَ الْمُنَافَاةِ فِيمَا ذَكَرَ لَكِنْ يُنَافِيهِ مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْأَصْحَابُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ صَالَحَهُ عَلَى إنْكَارٍ ثُمَّ قَالَ أَبْرَأْتُك مِنْ الْحَقِّ أَوْ بَرِئْت مِنْهُ لَمْ يَبْرَأْ وَرَدُّوا عَلَى مَنْ قَالَ إذَا صَرَّحَ بِالْإِبْرَاءِ بَعْدَ الصُّلْحِ سَقَطَ حَقُّهُ وَقَوْلُ الذَّخَائِرِ إنَّ الشَّاشِيَّ حَكَى هَذَا عَنْ الْمَذْهَبِ وَلَمْ يَحْكِ سِوَاهُ غَلَطٌ وَإِنَّمَا حَكَاهُ الشَّاشِيُّ مَقَالَة وَأَفْسَدَهَا وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إنْ ظَنَّ صِحَّةَ الْمُصَالَحَةِ فَإِنْ عَلِمَ فَسَادَهَا ثُمَّ أَبْرَأَهُ نَفَذَ الْإِبْرَاءُ لَا مَحَالَةَ وَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ إطْلَاقَ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ وَقُلْنَا لَا يَفْتَقِرُ الْإِبْرَاءُ إلَى الْقَبُولِ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِهِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ تَجْرِ مُصَالَحَةٌ قُلْت لَا يُنَافِي شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ السُّبْكِيّ ﵀ صَوَّرَ مَسْأَلَةَ الصُّلْحِ بِمَا إذَا صَالَحَ مَعَ الْإِنْكَارِ مِنْ أَلْفٍ عَلَى خَمْسمِائَةِ وَأَبْرَأَهُ مِنْ الْبَاقِي فَحِينَئِذٍ لَا يَبْرَأُ وَيَلْزَمُهُ ظَاهِرًا رَدُّ مَا قَبَضَ حَتَّى لَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِالْأَلْفِ أَخَذَهَا جَمِيعَهَا وَعَلَّلَ ذَلِكَ نَقْلًا عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ الْإِبْرَاءَ كَانَ مَقْرُونًا بِمِلْكِ مَا صَالَحَ بِهِ فَلَمَّا لَزِمَهُ رَدُّهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ بَطَلَ إبْرَاؤُهُ لِعَدَمِ صِفَاتِهِ كَمَنْ بَاعَ عَبْدًا بَيْعًا فَاسِدًا فَأَذِنَ لِمُشْتَرِيهِ فِي عِتْقِهِ فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِهِ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ كَانَ لِمِلْكِ الْعِوَضِ فَلَمَّا لَمْ يَمْلِكهُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِد لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ لِلْإِذْنِ. اهـ. كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ وَوَافَقَهُ حَتَّى عَلَى مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَبِهِ يَتَّجِهُ عَدَمُ الْمُنَافَاةِ الَّتِي ذَكَرْتهَا؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاء هُنَا وَقَعَ عِوَض مُعَاوَضَة لِاقْتِرَانِهِ بِمِلْكِ مَا صَالَحَ بِهِ وَيَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ بُطْلَانُهُ فِي الْآخَرِ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَتنَا فَإِنَّ الْإِبْرَاءَ فِيهَا لَمْ يَقَعْ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ حَتَّى إذَا فَسَدَ فَسَدَ الْإِبْرَاءُ فَمِنْ ثَمَّ صَحَّ مُطْلَقًا كَمَا قَدَّمْته وَمِمَّا يُزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا قَوْلُ السُّبْكِيّ أَيْضًا وَمَا ذُكِرَ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ لَا شَكَّ فِيهِ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ صَالَحْتُك مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ كَمَا سَبَقَ أَطْلَقَهَا أَوْ عَيَّنَهَا وَيُعَلَّلُ عَدَمُ حُصُولِ الْبَرَاءَةِ وَإِنْ انْكَشَفَ الْحَالُ بَعْدَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ بِأَنَّ الْبَرَاءَةَ هُنَا إنَّمَا كَانَتْ فِي ضِمْنِ الصُّلْحِ فَإِذَا فَسَدَ الصُّلْحُ فَسَدَتْ أَمَّا لَوْ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ أَبْرَأْتُك مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى فَالْإِبْرَاء هُنَا وُجِدَ مُسْتَقِلًّا لَكِنَّهُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ هُنَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ أَيْضًا وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ بَعْدَ الصُّلْح أَبْرَأْتُك فَإِنْ اعْتَقَدَ صِحَّةَ الصُّلْح لَمْ يَبْرَأْ كَمَا لَوْ قَالَ لِمُكَاتَبِهِ بَعْدَ قَبْضِ النُّجُومِ أَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ يُرَدُّ لِلرِّقِّ وَإِنْ اعْتَقَدَ فَسَادَهُ بَرِئَ لَكِنْ إنَّمَا يَأْتِي مَا قَالَهُ عَلَى قَوْلِ شَيْخِهِ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيَّ وَغَيْرهمَا فِي الرَّهْن وَنَظَائِرِهِ عَلَى ظَنِّ الْوُجُوبِ بِالْفَسَادِ وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُصَنِّفُ يَعْنِي النَّوَوِيَّ الصِّحَّةُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقِيَاسُهُ أَنْ

стр. 636

يَكُونَ الْأَصَحُّ هَذَا كَذَلِكَ أَيْ فَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ وَقَوْلُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابَةِ أَنْتَ حُرٌّ مُحْتَمِلٌ لِلْإِقْرَارِ وَالْقَرِينَةُ الظَّاهِرَةُ صَارِفَةٌ إلَيْهِ فَلَمْ يَقَعْ بِهِ عِتْقٌ بِخِلَافِ أَبْرَأْتُك فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْإِنْشَاءِ فَوَقَعَتْ بِهِ الْبَرَاءَةُ. اهـ. وَبِتَأَمُّلِهِ يَزِيدُ إيضَاحُ مَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ مَسْأَلَةَ الصُّلْحِ لَا تُنَافِي مَا ذَكَرْته؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الْإِبْرَاءِ مُطْلَقًا وَهُوَ مَا اعْتَمَدَهُ السُّبْكِيّ فَوَاضِحٌ مُوَافِقٌ لِمَا قُلْنَاهُ أَوْ بِفَسَادِهِ وَهُوَ مَا اعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَأَطَالَ فِيهِ فَلِكَوْنِهِ وَقَعَ عِوَضًا فِي مُقَابَلَةِ مِلْكِ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ فَإِذَا فَسَدَ أَحَدُهُمَا فَسَدَ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ شَأْنُ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَا لَوْ قَالَ أَبْرِئْ فُلَانًا مِنْ دَيْنِك أَوْ أَبْرِئِي فُلَانًا مِنْ مَهْرِك وَهُوَ فِي أَرْضِي الْفُلَانِيَّة أَوْ أَنَا بِهِ ضَمِينٌ فَأَبْرَأَ أَوْ أَبْرَأْت فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا الِالْتِزَامُ وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ حَيٍّ وَفِي الْمَسْأَلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَيِّتِ كَلَامٌ جَمَعْته فِي تَعْلِيقَةٍ مِنْ فَتَاوَى الْمُتَأَخِّرِينَ أَوْضِحُوا ذَلِكَ بِنَقْلِ مَا هُنَالِكَ وَابْسُطُوا وَاذْكُرُوا الْحَاصِلَ الْمُرَادَ آخِرَ الْكَلَامِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ يَجُوزُ بَذْلُ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِبْرَاءِ حَيْثُ قَالَ لِآخَرَ إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَقَدْ أَبْرَأْتُك عَنْ دَيْنِي عَلَيْك صَحَّ وَإِذَا رَدَّ يَبْرَأُ وَإِنْ قُلْنَا الْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ فَهُوَ إسْقَاطٌ يَجُوزُ بَذْلُ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَتِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَنَافِعَ بَدَنِهِ اهـ. قَالَ السُّبْكِيّ وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرِهِ أَنَّ تَعْلِيقَ الْإِبْرَاءِ لَا يَصِحُّ. اهـ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَمَنْ قَالَ لِدَائِنٍ أَبْرِئْ فُلَانًا مِنْ دَيْنِك بِهَذِهِ الْعَيْنِ فَقَالَ أَبْرَأْته بِهَا بَرِئَ وَمَلَكَهَا الدَّائِنُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَبْرِئْهُ وَأَنَا بِهِ ضَمِينٌ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ ضَمَانٌ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيل وَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى الْمَشْهُودِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْمَدِينِ الْحَيِّ وَأَمَّا الْمَدِينُ الْمَيِّتُ فَهُوَ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى أَعْنِي بَذْلَ الْعَيْنِ فِي مُقَابَلَةِ إبْرَائِهِ كَالْحَيِّ بَلْ أَوْلَى فَيَصِحُّ الْبَذْلُ وَيَبْرَأُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَاذِلُ وَارِثًا أَوْ أَجْنَبِيًّا وَأَمَّا فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ وَالضَّمَانُ وَيُغْتَفَرُ حِينَئِذٍ كَوْنُهُ ضَمَانًا بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ تَعْجِيلًا وَتَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَالْحَيِّ فِي ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ الضَّمَانُ وَكَذَا لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ إنْ جُعِلَ فِي مُقَابَلَةِ صِحَّةِ الضَّمَانِ وَإِلَّا صَحَّ الْإِبْرَاءُ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ الضَّمَانُ فَإِنْ قُلْت مَا الَّذِي يَتَرَجَّحُ مِنْ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ قُلْت الْكَلَامُ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْهُمَا يَحْتَاجُ لِمُقَدِّمَةٍ لَا بَأْسَ بِذِكْرِهَا وَإِنْ أَدَّتْ إلَى طُولٍ وَهِيَ أَنَّ الْأَصْحَابَ قَالُوا يَنْبَغِي أَنْ يُبَادَرَ إلَى قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ إنْ تَيَسَّرَ فِي الْحَالِ أَيْ بِأَنْ يَكُونَ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُ الدَّيْنِ وَهُوَ حَاضِرٌ قَالَ فِي الْأُمِّ وَإِنْ كَانَ يَتَأَخَّرُ أَيْ قَضَاءُ دَيْنِ الْمَيِّتِ سَأَلَ غُرَمَاءَهُ أَنْ يُحَلِّلُوهُ وَيَحْتَالُوا بِهِ عَلَيْهِ. اهـ. وَجَرَى عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَعِبَارَةُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ يَتَوَصَّلُ إلَى أَنْ يُحِيلَ غُرَمَاءَ الْمَيِّتِ عَلَى مَنْ لِلْمَيِّتِ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهِيَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ فَلَيْسَتْ قَيْدًا ثُمَّ كَلَامهمْ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَة مُبَرِّئَةٌ لِلذِّمَّةِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ فَقَالَ ظَاهِر كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ الْبَرَاءَةُ بِتَحَمُّلِ الْوَلِيِّ وَفِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ تَرَاضِيهِمْ عَلَى مَصِيرِهِ فِي ذِمَّةِ الْوَلِيِّ يَبْرَأُ الْمَيِّتُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَوَالَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بِرِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ وَإِنْ كَانَ ضَمَانًا فَكَيْفَ يَبْرَأُ الْمَضْمُون عَنْهُ ثُمَّ يُطَالَبُ الضَّامِنُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ لَمَّا ضَمِنَ الْمَالَ عَنْ الْمَيِّتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ الْآن بَرَدَتْ جِلْدَتُهُ حِين وَفَّاهُ لَا حِينَ ضَمِنَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَالْأَصْحَابَ رَأَوْا هَذِهِ الْحَوَالَة جَائِزَةً مُبَرِّئَةً لِلْمَيِّتِ فِي الْحَالِ لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ. اهـ. وَتَبِعَهُ فِي الْخَادِمِ فَقَالَ كَلَامُهُمْ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ مُبَرِّئَةٌ لِلذِّمَّةِ وَنَازَعَ فِيهِ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَة تَفْتَقِرُ إلَى مُحِيلٍ وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ اُغْتُفِرَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمَيِّتِ كَمَا فَعَلَ أَبُو قَتَادَةَ لَمَّا امْتَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَدْيُونَ حَتَّى قَالَ عَلَيَّ دَيْنُهُ وَاسْتَفَدْنَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى احْتِيَالِ الْوَلِيِّ بَلْ الْأَجْنَبِيِّ كَذَلِكَ. اهـ. وَتَوَقَّفَ فِيهِ النَّشَائِيُّ أَيْضًا فِي جَامِعِهِ وَلَا تَوَقُّفَ لِمَا مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ ثُمَّ قَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَكَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي تَحَمُّلِ الْوَلِيِّ الْمُقْتَضِي لِانْتِقَالِ الدَّيْنِ إلَيْهِ وَبَرَاءَةِ الْمَيِّتِ بِهِ لِلْمَصْلَحَةِ بَيْنَ أَنْ يُرَادَ بِالْحَوَالَةِ أَنْ يُحِيلَ الْوَلِيُّ

стр. 637

عَنْ الْمَيِّتِ فِي إيجَابِهَا وَاحْتُمِلَتْ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ وَمِنْ غَيْرِ رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ لِلْمَصْلَحَةِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ إنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ نَقْدًا قُضِيَ الدَّيْنُ مِنْهَا أَوْ غَيْرَ نَقْدٍ سَأَلَ الْوَلِيُّ غُرَمَاءَ الْمَيِّتِ أَنْ يَحْتَالُوا عَلَيْهِ لِيَصِيرَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ وَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ وَلَا بَيْنَ أَنْ يُرَادَ بِهَا تَحَمُّلُ الْوَلِيِّ الدَّيْنَ عَنْ الْمَيِّتِ بِرِضَا الْغَرِيمِ فَيَحْصُلُ انْتِقَالُهُ لِذِمَّتِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَنَّ الْمَيِّتَ خَلَّفَ تَرِكَةً أَوْ لَا نَظَرًا لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ يُشْبِهُ الضَّمَانَ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا بِصِحَّتِهِ عَلَى الضَّعِيفِ فَظَاهِرٌ وَحِينَئِذٍ الْأَجْنَبِيُّ كَالْوَلِيِّ لِمَا صَحَّ فِي قِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ لَمَّا ضَمِنَ الدِّينَارَيْنِ عَنْ جَابِرٍ فَقَالَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ هُمَا عَلَيْك وَالْمَيِّتُ مِنْهُمَا بَرِيءٌ فَقَالَ نَعَمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا بِبُطْلَانِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَهَذَا مُسْتَثْنًى لِلْمُصْلِحَةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ بَرَاءَتَهُ مِنْ رُجُوعِ أَبِي قَتَادَةَ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ. اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَحَمُّلَ الْوَلِيِّ بِقِسْمَيْهِ الْمَذْكُورَيْنِ مُغْتَفَرٌ لِمَصْلَحَةِ بَرَاءَةِ الْمَيِّتِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ إطْلَاقُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ اللَّذَيْنِ أَبْدَيْتهمَا أَوَّلُهُمَا فَحِينَئِذٍ يُفَارِقُ الْمَيِّتُ الْحَيَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ احْتِيَاجِ الْمَيِّتِ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ أَكْثَرَ فَاغْتُفِرَ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْحَيِّ ثُمَّ رَأَيْت الرِّيمِيَّ ذَكَرَ فِي تَفْقِيهِهِ مَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته بَلْ يُصَرِّحُ بِهِ حَيْثُ قَالَ وَصُورَةُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ الْحَوَالَةِ أَنْ يَقُولَ لِرَبِّ الدَّيْنِ أَسْقِطْ حَقَّكَ عَنْ الْمَيِّتِ وَعَلَيَّ عِوَضُهُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ رَبُّ الدَّيْنِ بَرِئَ الْمَيِّتُ وَلَزِمَ الْمُلْتَزِمَ مَا الْتَزَمَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدْعَاءُ إتْلَافِ مَالِهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ ثُمَّ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِكَلَامِ صَاحِبِ الْبَيَانِ حَاصِلُهُ أَنَّ الْحَوَالَة عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ تُسَمَّى حَوَالَة حَقِيقَةً عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَضَمَانًا بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْأَصْبَحِيِّ فِي فَتَاوِيهِ ذَكَرَ فِي الْبَيَانِ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ وَلِيُّ الْمَيِّتِ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ أَوْ يَحْتَالَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يَلْتَزِمَ لِغَرِيمِ الْمَيِّتِ دَيْنَهُ فِي ذِمَّتِهِ بِمُعَاوَضَةٍ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ. اهـ. فَقَوْلُهُ أَنْ يَلْتَزِمَ إلَخْ ظَاهِرٌ فِيمَا ذَكَرْته مِنْ صِحَّةِ الضَّمَانِ عَنْ الْمَيِّتِ بِشَرْطِ بَرَاءَتِهِ وَتَنْظِيرُ بَعْضِهِمْ فِيهِ لَيْسَ بِوَاضِحٍ وَمِمَّا يَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْبُخَارِيَّ تَرْجَمَ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ بِبَابِ الْحَوَالَةِ ثُمَّ بِبَابِ الْكَفَالَةِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَالثَّانِي هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَقَالَ غَيْرُهُ إنَّمَا تَرْجَمَ بِالْحَوَالَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ الْحَدِيثَ وَهُوَ فِي الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ وَالضَّمَانَ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مُتَقَارِبَانِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُمَا يَنْتَظِمَانِ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِيهِ نَقْلُ ذِمَّةِ رَجُلٍ إلَى ذِمَّةِ آخَرَ وَالضَّمَانُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَقْلُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ إلَى ذِمَّةِ الضَّامِنِ فَصَارَ كَالْحَوَالَةِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ. اهـ. وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِمَا قَدَّمْته مِنْ اسْتِوَاءِ الضَّمَانِ وَالْحَوَالَة فِي حَقِّ الْمَيِّتِ وَأَنَّهُمَا إنَّمَا اُغْتُفِرَ فِيهِمَا عَدَمُ وُجُودِ شُرُوطِهِمَا لِمَصْلَحَةِ بَرَاءَةِ الْمَيِّتِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْحَدِيثِ إنَّ الضَّمَانَ عَنْ الْمَيِّتِ يُبْرِئُهُ إذَا كَانَ مَعْلُومًا سَوَاءٌ خَلَّفَ الْمَيِّتُ وَفَاءً أَمْ لَا وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِارْتِهَانِ ذِمَّتِهِ بِالدَّيْنِ فَلَوْ لَمْ يُبْرِئْ ضَمَانَ أَبِي قَتَادَةَ لَمَا صَلَّى عَلَيْهِ وَالْعِلَّةُ الْمَانِعَةُ قَائِمَةٌ. اهـ. لَا يُقَالُ الْحَدِيثُ إنَّمَا هُوَ حُجَّةٌ لِلْوَجْهِ الْمَرْجُوحِ الْقَائِلِ بِصِحَّةِ الضَّمَانِ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ لِلْمُعْتَمَدِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ يَصِحُّ الضَّمَانُ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَوْ بِشَرْطِ بَرَاءَتِهِ وَلَا يَضُرُّ هَذَا الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَيَاتُ الْعَقْد إذْ يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الضَّمَانِ بَرَاءَتُهُ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ كَمَا مَرَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ فِي التَّحَمُّلِ الصَّادِقِ بِالضَّمَانِ وَالْحَوَالَة وَاغْتَفَرُوا ذَلِكَ هُنَا تَعْجِيلًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ وَرِعَايَةً لِمَصْلَحَتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَجُ لِذَلِكَ مِنْ الْحَيِّ لِانْقِطَاعِ سَعْيِهِ فَاغْتَفَرُوا فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْحَيِّ (تَتِمَّةٌ) قَالَ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ فِي حَوَاشِي الرَّوْضَةِ بَعْدَ إيرَادِهِ مَا مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ اغْتَفَرُوا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِحَاجَةِ الْمَيِّتِ وَمَصْلَحَتِهِ كَوْنَ الْوَلِيِّ مُحِيلًا وَمُحَالًا عَلَيْهِ مَعَ فَرَاغِ ذِمَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَاكْتَفَوْا بِرِضَاهُ مَعَ رَبِّ الدَّيْنِ بِذَلِكَ فَلِرَبِّ الدَّيْنِ مُطَالَبَتِهِ بِدَيْنِهِ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ وَإِنْ تَلْفِت التَّرِكَةُ وَهَلْ يَنْقَطِعُ تَعَلُّقُهُ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ وَالْمُتَّجَهُ دَوَامُهُ؛ لِأَنَّ تَسْوِيغَ ذَلِكَ

стр. 638

لِمَصْلَحَةِ الْمَيِّتِ وَالتَّعْلِيقِ بِالْعَيْنِ مِنْ مَصْلَحَتِهِ وَكَأَنَّ الْوَلِيَّ اسْتَدَامَ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِهَا عَنْ جِهَتِهِ فَهُوَ كَتَجَدُّدِ رَهْنِهَا مِنْ جِهَتِهَا بَعْدَ انْتِقَالِ الدَّيْنِ إلَى ذِمَّتِهِ سِيَّمَا إذَا تَعَرَّضَ رَبُّ الدَّيْنِ لِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ عَلَى الْوَلِيِّ لِيَكُونَ بَاعِثًا عَلَى تَعْجِيلِ الْقَضَاءِ. اهـ. وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ وَالِاتِّجَاهُ فِي دَوَامِ التَّعَلُّقِ وَادِّعَاءِ مَصْلَحَةِ الْمَيِّت فِيهِ مَمْنُوع فَلْيَتَأَمَّلْ. اهـ وَالتَّعَقُّب أَوْجَه؛ لِأَنَّ رِضَا الدَّائِن بِذِمَّةِ الْوَلِيّ فِيهِ فَكٌّ مِنْهُ لِلتَّرِكَةِ عَنْ الرَّهْنِيَّةِ فَكَيْف مَعَ تَعَلُّقِ حَقّه بِذِمَّةِ الْوَلِيّ وَانْتِقَاله مِنْ ذِمَّة الْمَيِّت وَفَرَاغهَا مِنْهُ تَبْقَى التَّرِكَة مَرْهُونَة بِدَيْنٍ لَيْسَ عَلَى الْمَيِّت مِنْهُ شَيْءٌ وَدَعْوَى أَنَّ مَصْلَحَةَ الْمَيِّتِ تَقْتَضِي التَّعَلُّقَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ ذِمَّتَهُ بَرِئْت مِنْ الدَّيْنِ بِكُلِّ وَجْه فَلَا يَعُود عَلَيْهِ مَنْفَعَة بِتَعَلُّقِ الدَّيْن بِالتَّرِكَةِ وَعَدَم تَعَلُّقِهِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ بَعْد أَنْ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّة الْوَلِيّ وَفَرَغَتْ ذِمَّة الْمَيِّت مِنْهُ صَارَ لَا يُمْكِنُ عَوْدُهُ لِذِمَّتِهِ سَوَاء أَدَّاهُ الْوَلِيّ أَمْ لَمْ يُؤَدِّهِ نَعَمْ إنْ تَعَرَّضَ الدَّائِن لِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ عَلَى الْوَلِيّ اُحْتُمِلَ أَنْ يُقَالَ بِصِحَّةِ الشَّرْطِ وَالْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ وَأَنْ يُقَالَ بِبُطْلَانِهِ وَعَلَيْهِ فَهَلْ يَبْطُلُ أَصْلُ التَّحَمُّل لِاقْتِرَانِهِ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ أَوْ لَا كُلٌّ مُحْتَمَل وَالْأَوَّلُ أَعْنِي صِحَّةَ الشَّرْطِ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ غَيْرُ بَعِيدٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لِلْمَيِّتِ إذْ الْفَرْضُ أَنَّ الدَّائِنَ لَمْ يَرْضَ بِتَحَمُّلِ الْوَلِيِّ إلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ فَلَوْ لَمْ نُصَحِّحْهُ لَبَقِيَ التَّعْلِيقُ بِذِمَّةِ الْمَيِّتِ مُسْتَمِرًّا، وَاَللَّه أَعْلَم (وَسُئِلَ) هَلْ يَصِحُّ الضَّمَان لِغَائِبٍ عَلَى غَائِبٍ وَهُوَ عَارِفٌ لِلْمَضْمُونِ عَنْهُ وَالْمَضْمُونَ لَهُ وَبِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَصِحُّ الضَّمَانُ الْمَذْكُورُ فَقَدْ قَالُوا شَرْطُ الضَّامِنِ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ وَشَرْطُ الْمَضْمُونِ لَهُ مَعْرِفَةُ عَيْنِهِ فَلَا يَكْفِي مَعْرِفَةُ وَكِيلِهِ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ وَلَا رِضَاهُ بَلْ يَلْزَمُهُ أَدَاءُ ضَامِنٍ وَالْمُؤَدَّى بِإِذْنِ الْغَرِيمِ وَلَا يُشْتَرَط رِضَا الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَلَا قَبُولُهُ وَلَا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ فَيَصِحُّ الضَّمَانُ عَنْ الْمُعْسِرِ وَالرَّقِيقِ وَالْمَجْهُولِ وَالْمُنْكَرِ وَشَرْطُ الْمَالِ الْمَضْمُونِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا ثَابِتًا لَازِمًا أَوْ أَصْلُهُ اللُّزُومُ مَعْلُومَ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، وَاَللَّه أَعْلَم (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي رَجُلٍ يَعْلَمُ دَيْنَ مُورَثِهِ الَّذِي عَلَى زَيْدٍ وَلَا يَعْلَمُ كَمْ نَصِيبُهُ مِنْهُ فَأَبْرَأَ زَيْدًا مِنْهُ مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) إذَا عَلِمَ دَيْنَ مُورَثِهِ الَّذِي عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ يَعْلَمْ كَمْ نَصِيبُهُ فَأَبْرَأَ مِنْ الْجَمِيعِ الْمَعْلُومِ لَهُ صَحَّ الْإِبْرَاءُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ نَقْلًا عَنْ نَصِّ الْبُوَيْطِيِّ وَغَيْرِهِ يُسْتَثْنَى مِنْ الْإِبْرَاءِ بِالْمَجْهُولِ مَا إذَا ذَكَرَ غَايَةً يَعْلَم أَنَّ حَقَّهُ دُونَهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ حَقِّهِ فَكَمَا صَحَّ هُنَا مَعَ جَهْلِهِ بِقَدْرِ دَيْنِهِ فَكَذَلِكَ يَصِحُّ فِي مَسْأَلَتنَا؛ لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْ قَدْرٍ مَعْلُومٍ يَعْلَمُ أَنَّ حَقَّهُ دُونَهُ بَلْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَاخِلَةٌ فِي كَلَامِهِمْ ذَاكَ؛ لِأَنَّ مِنْ صُوَرِهِ أَنْ يُبْرِئَهُ مِنْ مِائَةٍ وَهُوَ يَتَحَقَّقُ أَنَّ دَيْنَهُ دُونَهَا لَكِنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهُ وَصُورَتُهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَالَ مُورَثِهِ وَلَا يَعْلَمُ كَمْ لَهُ مِنْهَا فَإِذَا صَحَّ الْإِبْرَاءُ فِي تِلْكَ صَحَّ فِي هَذِهِ فَالصُّورَتَانِ دَاخِلَتَانِ تَحْتَ كَلَامِهِمْ الَّذِي ذَكَرْته وَكَذَا تَحْتَ قَوْلِ الْأَنْوَار وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُبْرِئ مِنْ مَجْهُولٍ فَالطَّرِيقُ أَنْ يَذْكُرَ عَدَدًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ الدَّيْنُ عَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ حَقَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ مَثَلًا أَوْ أَلْفٍ فَيَقُولُ أَبْرَأْتُك مِنْ مِائَةٍ أَوْ أَلْفٍ ثُمَّ رَأَيْت الْأَصْبَحِيَّ أَفْتَى بِمَا ذَكَرْته، وَاَللَّه أَعْلَم. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَحَالَهُ ثُمَّ قَضَاهُ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ؟ (فَأَجَابَ) إذَا أَحَالَ دَائِنُهُ عَلَى مَدِينِهِ انْتَقَلَ الدَّيْنُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَإِذَا قَضَى الْمُحِيلُ الْمُحْتَالَ ذَلِكَ الدَّيْنَ الَّذِي أَحَالَهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ فِي الْأَدَاءَ عَنْهُ كَانَ الْمُحِيلُ حِينَئِذٍ مُتَبَرِّعًا بِالْأَدَاءِ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى أَحَدٍ نَعَمْ قِيَاسُ كَلَامِهِمْ فِي الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ أَنَّهُ لَوْ أَدَّى إلَيْهِ ظَانًّا أَنَّ ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ لَهُ إلَى الْآن وَإِنَّ الْحَقَّ لَمْ يَنْتَقِلْ لِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ انْتَقَلَ إلَيْهَا مَعَ بَقَائِهِ فِي ذِمَّتِهِ أَيْضًا كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ مُقْتَضِيًا لِرُجُوعِهِ عَلَى مَنْ أَدَّى إلَيْهِ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَنَى الْإِعْطَاءَ لَهُ عَلَى ظَنٍّ بَانَ خَطَؤُهُ وَلَا يُقَالُ لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي نَحْو الْعِبَادَات وَحَيْثُ لَا عُذْر وَإِلَّا فَقَدْ يُعَوِّلُونَ عَلَى الظَّنِّ وَإِنْ بَانَ خَطَؤُهُ إذَا عُذِرَ الظَّانُّ بِقِيَامِ قَرِينَةٍ تَقْتَضِي مَا ظَنَّهُ وَالْقَرِينَةُ هُنَا قَوِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ ذِمَّتَهُ كَانَتْ مَشْغُولَةً بِالدَّيْنِ وَكَوْنُهُ يَنْتَقِلُ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ بِالْحَوَالَةِ أَمْرٌ يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْعَوَامّ فَمَنْ ظَنَّ خِلَافَهُ مَعْذُورٌ بِلَا شَكٍّ، وَاَللَّه أَعْلَم. (وَسُئِلَ) هَلْ

стр. 639

يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ بَيْعُ مَالِ الْيَتِيمِ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ إذَا خَشِيَ عَلَيْهِ التَّلَفَ؟ (فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فَقَدْ أَفْتَى الْقَفَّالُ عَنْ ضَيْعَةِ خَرَابٍ يُطْلَبُ مَالُهَا عَنْ الصَّبِيّ وَيَسْتَأْصِلُ مَالَهُ فَقَالَ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَوْ بِدِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ وَقَضِيَّته أَنَّ لَهُ بَيْعُ كُلِّ مَا خِيفَ غَصْبُهُ أَوْ هَلَاكُهُ بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ وَيُؤَيِّدُهُ إفْتَاءُ الْغَزَالِيِّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ نَقْصُ الصَّغِيرَةِ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لِلْمَصْلَحَةِ وَأَخَذَ مِنْهُ ابْن عُجَيْلٍ مَسْأَلَتنَا وَمَثَّلَهُ بِمَا لَوْ أَبَقَ عَبْدُ الْمَحْجُورِ الْمُكْتَسِبِ مَالًا وَتَعَذَّرَ اسْتِرْدَادُهُ وَمَا مَعَهُ فَبَاعَهُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِ الْكَسْبِ مِنْهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَشَرَطَ أَنْ يَرُدَّ لَهُ الْكَسْبَ جَازَ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِ هَذَا وَعْدًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ نَظِيرُ قَوْلِهِمْ لَوْ زَادَ رَاغِبٌ وَقَدْ بَاعَ الْوَكِيلُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَإِنْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاؤُهُ عَلَى الزِّيَادَةِ وَيُؤَيِّدُهُ تَجْوِيزُهُمْ تَعْيِيبَ مَالِ الْيَتِيمِ إذَا خِيفَ أَخْذُ ظَالِمٍ لَهُ كَقَضِيَّةِ السَّفِينَةِ مَعَ الْخَضِرِ وَمِنْ ثَمَّ أَفْتَى الْأَزْرَقِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ سُرِقَ أَحْسَنُهُمَا وَلَمْ يَرُدَّهُ اللِّصُّ إلَّا بِأَخْذِ الْأَدْوَنِ جَازَ إعْطَاؤُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم. (وَسُئِلَ) فِي شَخْصٍ قَيِّمٍ عَلَى مَحْجُورٍ بَالِغٍ دَفَعَ إلَيْهِ مَبْلَغًا لِيَتَّجِرَ فِيهِ وَيَخْتَبِرَ بِهِ فَأَتْلَفَهُ فَهَلْ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ بِغَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي وَتَلِفَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ يُحْسَبُ عَلَى الْمَحْجُورِ أَوْ لَا وَهَلْ إذَا اسْتَدَانَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ دَيْنًا وَلَمْ يَحْكُمْ بِدَفْعِهِ حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ لِرَبِّ الدَّيْنِ وَوَفَّى الْقَيِّمُ عَنْهُ ذَلِكَ يُحْسَبُ عَلَى الْمَحْجُورِ أَوْ لَا وَمَا حُكْمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ أَفْتَوْنَا مَأْجُورِينَ؟ (فَأَجَابَ) إذَا دَفَعَ الْوَلِيُّ الْمَالَ إلَى مَحْجُورِهِ قُبَيْلَ الْبُلُوغِ لِلْمُمَاكَسَةِ الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِهَا اخْتِبَارُهُ فَتَلِفَ فِي يَدِ الْمَحْجُورِ لَمْ يَضْمَنْهُ الْوَلِيُّ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ فَإِذَا دَفَعَهُ لَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ كَذَلِكَ ضَمِنَ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ الِاخْتِبَارَ وَقْتُهُ قُبَيْلَ الْبُلُوغِ وَأَمَّا اسْتِدَانَةُ الْمَحْجُورِ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ رَشِيدٍ مُطْلَقًا أَوْ مِنْ رَشِيدٍ وَتَلِفَ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِرَدِّهِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْهُ يَضْمَنُهُ الْمَحْجُورُ فَإِذَا أَدَّاهُ وَلِيُّهُ عَنْهُ مِنْ مَالِ الْمَحْجُورِ لَمْ يَضْمَنْهُ الْوَلِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَدَاءُ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ رَشِيدٍ وَتَلِفَ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِرَدِّهِ لَا يَضْمَنُهُ الْمَحْجُورُ فَإِذَا أَدَّاهُ الْوَلِيُّ حِينَئِذٍ ضَمِنَهُ وَقَوْلُنَا لَمْ يَضْمَنْهُ الْمَحْجُورُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْأُمِّ فِي بَابِ الْحَجْرِ وَالْإِقْرَارِ أَنَّ الْمَحْجُورَ يَضْمَنُهُ بَعْدَ انْفِكَاك الْحَجْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَم. (وَسُئِلْتُ) عَمَّا لَوْ قِيلَ لِامْرَأَةٍ أَبْرِئِي فُلَانًا مِنْ مَهْرِك وَهُوَ فِي أَرْضِي الْفُلَانِيَّةِ وَفِي الضَّمَانِ وَالرَّهْن مِنْ الْقُوتِ مَا يَنْبَغِي مُرَاجَعَته فِي ذَلِكَ (فَأَجَبْت) الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ صِحَّةُ الْبَرَاءَةِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِأَنَّهَا إذَا أَبْرَأَتْهُ لَمْ يَبْقَ لَهَا شَيْءٌ حَتَّى تَتَعَلَّقَ بِأَرْضِهِ مَثَلًا فَلَيْسَ مِنْ بَابِ ضَمَانِ الدَّيْنِ فِي رَقَبَةِ عَيْنٍ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ هُنَاكَ مَوْجُودٌ ثَابِتٌ عِنْدَ الضَّمَانِ فَصَحَّ تَعَلُّقُهُ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ أَمْوَالِ الضَّامِنِ وَأَمَّا هُنَا فَإِنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهَا لِتَعَلُّقِ الْمَهْرِ بِأَرْضِهِ مَثَلًا إبْرَاءَهَا مِنْهُ وَبِالْإِبْرَاءِ مِنْهُ لَمْ يَبْقَ لَهَا شَيْءٌ حَتَّى تَتَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ فَاتَّضَحَ أَنَّ هَذَا لَغْوٌ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ وَإِحَالَةُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَبِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ عَلَى مَا فِي الْقُوتِ إنْ كَانَتْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كَلَامَهُ يُؤْخَذُ مِنْ عُمُومِهِ ذَلِكَ فَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْقُوتِ بِذَلِكَ. وَإِنْ كَانَتْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهِ بِخُصُوصِهَا فَالْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ بِحَسَبِ النُّسْخَةِ الَّتِي عِنْدِي فَإِنِّي فَتَّشْت فِيهَا بَابَيْ الضَّمَانِ وَالرَّهْنِ فَلَمْ أَرَ لِخُصُوصِ مَسْأَلَة السُّؤَال ذِكْرًا فِيهِ أَصْلًا فَإِمَّا أَنَّ السَّائِلَ أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّل أَوْ أَنَّ فِي نُسْخَتِهِ زِيَادَةٌ فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلْيَنْظُرْ مَا قُلْته مَعَ مَا فِي نُسْخَتِهِ فَإِنْ وَافَقَهُ فَلِلَّهِ أَتَمُّ الْحَمْدِ وَأَكْمَلَهُ وَإِنْ خَالَفَهُ فَلْيُرْسِلْ إلَيَّ بِالْعِبَارَةِ حَتَّى أَنْظُر فِيهَا وَفِي الرَّوْضَة عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ مَا يَقْرَبُ مِنْ مَسْأَلَتنَا وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْ عَبْدَك مِنْ زَيْدٍ بِأَلْفٍ عَلَيَّ لَمْ يَصِحَّ الْتِزَامُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ وَلَا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ فَلَوْ بَاعَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ لِاشْتِرَاطِ الثَّمَنِ عَلَى غَيْرِ مَالِكِ الْمَبِيعِ نَعَمْ إنْ تَوَلَّى الْآمِرُ الْعَقْدَ صَحَّ لَكِنْ إنْ تَوَلَّاهُ بِوِلَايَةٍ أَوْ وَكَّلَهُ وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْمُشْتَرِي وَإِلَّا وَقَعَ لَهُ وَلَزِمَهُ الثَّمَن فِيهِمَا وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي الْأُولَى وَإِنْ قَالَ بِعْهُ مِنْهُ بِأَلْفٍ وَأَنَا أَدْفَعُهُ لَك فَهُوَ وَعْدٌ لَا يَلْزَمُ فَلَوْ بَاعَهُ صَحَّ وَلَا يَلْزَمُ الْآمِرَ شَيْءٌ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ، وَاَللَّه أَعْلَم. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلْ يُسْتَثْنَى مِنْ قَاعِدَة أَنَّ الْحَالَّ

стр. 640

لَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ التَّأْجِيلُ بَعْدَ لُزُومِهِ حَالًّا شَيْءٌ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ اسْتَثْنَى الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا إذَا قَالَ الدَّائِنُ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أُطَالِبَ الْمَدِينَ بِهِ إلَّا بَعْد شَهْرٍ مَثَلًا لَزِمَ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ اعْتِمَادُهُ الثَّانِيَةَ إذَا أَوْصَى أَنْ لَا يُطَالَبَ بِهِ إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ فَإِنَّهُ تَنْفَدُ وَصِيَّتُهُ وَزَادَ ابْنُ الرِّفْعَةِ ثَالِثَةً وَهُوَ مَا لَوْ بَاعَ بِثَمَنٍ حَالٍّ ثُمَّ أَلْحَقَ الْأَجَلَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَالزَّرْكَشِيُّ رَابِعَةً وَهِيَ إذَا ثَبَتَ الْإِفْلَاسُ عَلَى الْمَدِينِ فَلَمْ يُطَالِبهُ حَتَّى أَيْسَر وَارْتَفَعَ الْحَجْرُ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَعُودُ مُؤَجَّلًا ذَكَرَهَا الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ وَخَامِسَةً وَهِيَ مَا إذَا أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي شَيْءٍ وَأَطْلَقَ الْعَقْدَ حَالًّا. وَلَنَا خِلَافٌ هَلْ السَّلَمُ أَصْلُهُ الْحُلُولُ أَوْ التَّأْجِيلُ إنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَأَجَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ صَارَ مُؤَجِّلًا وَالْكَلَام عَلَى ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ وَمَزِيد بَسْطٍ فَنَقُول أَمَّا مَسْأَلَةُ النَّذْرِ فَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِده مُسْتَشْكِلًا لَهَا إنْ كَانَتْ الصُّورَة فِي مُعْسِرٍ فَإِنْظَارُهُ وَاجِب وَالْوَاجِب لَا يَصِحُّ نَذْره وَإِنْ كَانَتْ فِي مُوسِرٍ مُؤَدٍّ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ أَخْذه مِنْهُ وَاجِبٌ وَلَا يَصِحُّ إبْطَالُ الْوَاجِب بِالنَّذْرِ وَيُؤَيِّدهُ قَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ إنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مَيِّتًا فَلَا أَثَرَ لِنَذْرِ تَأْخِيرِ الْمُطَالَبَة؛ لِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ وَاجِبَةٌ فَلَا يُؤَثِّرُ النَّذْرُ حَتَّى وَلَوْ رَضِيَ رَبُّ الدَّيْنِ وَالْوَارِث بِذَلِكَ وَيُجَاب بِأَنَّهُ قَدْ يُتَصَوَّرُ كَوْنُ الْإِنْظَارِ مَنْدُوبًا لَا وَاجِبًا فَيَصِحُّ نَذْرُهُ وَيَصِير وَاجِبًا بِالنَّذْرِ وَذَلِكَ فِي مُوسِر بِغَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ لَوْ طَالَبَهُ بِالْوَفَاءِ وَجَبَ عَلَيْهِ بَيْعُ أَمْتِعَتِهِ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ فَوَاتُ رِبْحٍ يُؤَمِّلُهُ فِيهَا فَإِذَا عَلِمَ الدَّائِنُ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِ نَدَبَ لَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنْ يُنْظِرَهُ إلَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَا يُؤَمِّلُهُ فِي أَمْتِعَتِهِ مِنْ الرِّبْحِ فَإِذَا نَذَرَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَدَمَ مُطَالَبَتِهِ إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ لَزِمَ النَّذْرُ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ قُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ فَهَذَا هُوَ مَحْمَلُ كَلَامِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا مَسْأَلَة الْمُعْسِرِ وَالْمُوسِرِ بِجِنْسِ الدَّيْنِ الْبَاذِل لَهُ وَالْمَيِّت فَمَعْلُومٌ مِنْ كَلَامهمْ فِي بَاب النَّذْرِ عَدَمُ صِحَّة النَّذْرِ فِيهَا فَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً مِنْهَا مُرَادَة لِلْمُتَوَلِّيَّ فَاتَّضَحَ بِذَلِكَ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ التَّحْقِيقَ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَرَجَّحَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ لَا اسْتِثْنَاءَ بَلْ الْحُلُولُ مُسْتَمِرٌّ وَلَكِنْ مُنِعَ الطَّلَبُ لِعَارِضٍ كَالْإِعْسَارِ لِلْعِلْمِ بِحَالِهِ أَوْ لِقِيَمِ الرِّقّ فِيمَا يَتْبَعُ بِهِ الْعَبْد إذَا عَتَقَ وَقَوْل الْمُتَوَلِّي لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أُطَالِبَهُ إلَّا بَعْد شَهْر لَزِمَ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِلُزُومِ الْأَجَلِ بَلْ كَلَامٌ مُحْتَمَلٌ لَأَنْ يُرِيدَ لُزُومَ الْأَجَلِ أَوْ لُزُومَ النَّذْرِ وَإِطْبَاقهمْ عَلَى أَنَّ الْحَالَّ لَا يُؤَجَّلُ يُومِئُ إلَى أَنَّ مُرَادَهُ الثَّانِي وَيَكُونُ سَمَّاهُ تَأْجِيلًا مَجَازًا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ عَلَاقَةِ مَنْعِ الْمُطَالَبَةِ وَفَاءً بِالنَّذْرِ وَلَا بِدْعَ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًّا وَتَمْتَنِعَ الْمُطَالَبَةُ بِهِ لِعَارِضٍ كَالْمُعْسِرِ فَإِنَّهُ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ الْحَالِّ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُ تَأْجِيلٌ وَإِنَّمَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يُطَالِبُ مَعَ أَنَّ مَسْأَلَته هِيَ الْأَصْلُ فِي الْكَلَام عَلَى تَأْخِير الْحَالِّ وَحُلُول الْمُؤَجَّلِ عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوف فِي بَابِهِ فَإِنْ قُلْت هَلْ يَظْهَرُ لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ مُؤَجَّلٌ أَوْ حَالٌّ امْتَنَعَ طَلَبُهُ لِعَارِضٍ أَثَرٌ. قُلْت: نَعَمْ يَظْهَر لِذَلِكَ أَثَرٌ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا إذَا عَجَّلَهُ الْمَدْيُونُ قَبْلَ الْمُدَّةِ لِغَرَضِ الْبَرَاءَة هَلْ يُجْبَرُ رَبُّ الدَّيْن جَزْمًا عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْإِبْرَاءِ أَوْ الْقَبُولِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ لَا سِيَّمَا أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّة لَمْ تَقَعْ بِرِضَا الْمَدْيُونِ أَوْ لَا يُجْبَرُ؛ لِأَنَّهُ مُؤَجَّلٌ وَمِنْهَا الْحِنْثُ إذَا حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ وَقُلْنَا بِالتَّفْصِيلِ بَيْن الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الزَّكَاة وَتَحْرِيرُهَا أَنَّ النَّذْرَ إمَّا أَنْ يَكُون بَعْد تَمَام الْحَوْل فَلَا إشْكَال فِي إخْرَاجِ الزَّكَاة غَيْرَ أَنَّهُ هَلْ يُسْتَثْنَى ذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْ وُجُوب الْإِنْظَار فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لِغَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيح وَهُوَ أَنَّ الْفُقَرَاءَ شُرَكَاءُ رَبّ الْمَالِ أَوْ يَجِبُ الْإِنْظَار فِيهِ وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِكَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى تَمَامِ نَذْرِهِ لِجَوَازِ الْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا قُلْنَا بِهِ فِيمَا إذَا رَهَنَ مَالًا زَكَوِيًّا وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ قَالَ بَلْ مَسْأَلَتنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ سَابِق عَلَى الْوُجُوبِ بِخِلَافِ النَّذْرِ وَأَمَّا أَنْ يَكُون قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ احْتِمَالٌ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَصَرُّفٌ مِنْهُ قَبْل تَعَلُّقِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ وَقِيَاسُ مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وُجُوبُ الْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْره عِنْد الْقُدْرَةِ وَمِنْهُ عِنْد عَدَمِهَا وَمِنْهَا مَا لَوْ مَاتَ النَّاذِرُ فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّأْجِيلِ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ الْمُطَالَبَةُ وَإِنْ قُلْنَا بِبَقَائِهِ عَلَى صِفَةِ الْحُلُولِ فَهَلْ

стр. 641

لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ حَالٌّ وَالنَّاذِرَ مَاتَ وَهُمْ لَمْ يَنْذِرُوا أَمْ عَلَيْهِمْ الْإِمْهَال؛ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ كَذَلِكَ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ. وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْأَوَّلُ هَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ إنْ كَانَتْ الصُّورَةُ مَا مَرَّ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَهِيَ مَا لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَطْلُبُهُ إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ فَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ مَا لِي عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ يَصِيرُ مُؤَجَّلًا إلَى شَهْرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهَلْ يَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ مِنْ كَوْنِهِ مُسْتَمِرًّا عَلَى الْحُلُولِ وَيَكُونُ الْتِزَامُ التَّأْجِيلِ مَعْنَاهُ الْتِزَامُ عَدَمِ الْمُطَالَبَةِ أَوْ يُقَالُ هُنَا إنَّهُ تَأْجِيل لِلنَّصِّ عَلَى الْتِزَامِ التَّأْجِيل بِخُصُوصِهِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْوَصِيَّةِ فَفِيهَا مَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ النَّذْرِ حَرْفًا بِحَرْفٍ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَنْفِيذهَا بِتَأْخِيرِ الطَّلَب تَأْجِيلُ الدَّيْنِ بَلْ هُوَ بَاقٍ بِصِفَةِ الْحُلُولِ وَلَكِنَّ تَنْفِيذَهَا مَنَعَ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِهِ عَلَى حُكْمِ الْحُلُولِ كَالْمُعْسِرِ إذَا ثَبَتَ إعْسَارُهُ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ وَالرَّوْضَةِ لَوْ أَوْصَى مَنْ لَهُ دَيْنٌ حَالٌّ بِإِمْهَالِهِ مُدَّةً فَعَلَى وَرَثَتِهِ إمْهَالُهُ وَلَمْ يَقُولَا إنَّ الدَّيْنَ تَأَجَّلَ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ ابْنِ الرِّفْعَةِ الَّتِي زَادَهَا وَادَّعَى أَنَّهَا أَوْلَى مَمْنُوعَة كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا وَقَعَ بِهِ الْعَقْدُ أَوْ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مَعَ اعْتِبَارِ اللَّوَاحِقِ فِي مَجْلِسِ التَّخَايُرِ وَالرَّاجِحُ الثَّانِي إذْ اللَّاحِقُ فِي الْمَجْلِسِ كَالْوَاقِعِ فِي طَلَب الْعَقْدِ وَحِينَئِذٍ فَالثَّمَنُ إنَّمَا هُوَ مُؤَجَّلٌ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فَكَأَنَّهُ إنَّمَا عَقَدَ بِهِ بِصِفَتِهِ لَا أَنَّهُ كَانَ حَالًّا ثُمَّ تَأَجَّلَ؛ لِأَنَّ الثَّمَن كَمَا يُرَاعَى فِي مِقْدَارِهِ تُرَاعَى صِفَته وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِي نَحْو عَقَدِ التَّوْلِيَةِ هَلْ يَدْخُل الْمُلْحَقُ فِي زَمَن الْخِيَارِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَدْخُلُ وَدَعْوَى ابْن الرِّفْعَةِ التَّأْجِيلَ بَعْدَ الْحُلُولِ لَا تَتِمُّ إلَّا إذَا ثَبَتَ تَعَلُّقُهُ بِذِمَّتِهِ وَكَوْنُهُ مَمْلُوكًا وَذَلِكَ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا مَلَك الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَالْبَائِعُ الثَّمَنَ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ وَمَا دَامَ زَمَنُ الْخِيَارِ لَهُمَا بَاقِيًا فَالِانْتِقَالُ غَيْرُ وَاقِعٍ لِأَنَّ الْخِيَارَ إذَا كَانَ لِلْبَائِعِ فَمَلَكَ الْمَبِيع لَهُ أَوْ لِلْمُشْتَرِي فَمِلْكه لَهُ أَوْ لَهُمَا فَمَوْقُوفٌ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ خِيَارُ الشَّرْطِ وَالْمَجْلِسِ لَكِنَّ صُورَةَ ابْنِ الرِّفْعَةِ إنَّمَا تَتَأَتَّى إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ إلْحَاقَ الْأَجَلِ وَنَحْوِهِ إنَّمَا يَصِحُّ حَيْثُ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا وَإِلَّا فَمَتَى لَزِمَ مِنْ جِهَةِ أَحَدِهِمَا أَوْ انْفَسَخَ لَمْ يُمْكِنْ الْإِلْحَاقُ فَمُرَادُ ابْنِ الرِّفْعَةِ بِقَوْلِهِ ثُمَّ أُلْحِقَ الْأَجَلُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ مَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا وَلَمْ يَلْزَمْ الْعَقْدُ وَلَوْ مِنْ جِهَةِ أَحَدِهِمَا وَلَا انْفَسَخَ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْقَفَّالِ وَهِيَ أَنَّ الْمُفْلِسَ إذَا ثَبَتَ إفْلَاسُهُ حَلَّ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَذَلِكَ وَجْهٌ أَوْ قَوْلُ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ بَاقٍ بِأَجَلِهِ بَلْ بَقِيَّةُ كَلَامِ الْقَفَّالِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ آثَارَ الْأَجَلِ بَاقِيَةٌ لَمْ تَنْقَطِعْ قَطْعًا حَقِيقِيًّا لِعَوْدِهِ مُؤَجَّلًا كَمَا كَانَ إذَا أَيْسَر وَلَمْ يُطَالِبْهُ حَتَّى انْفَكَّ الْحَجَرُ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ السَّلَمِ فَقَدْ عُلِمَ جَوَابَهَا مِنْ مَسْأَلَةِ ابْنِ الرِّفْعَةِ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُل زَوَّجَ ابْنَهُ عَلَى صَدَاقٍ ضَمِنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَمَاتَ الِابْنُ عَنْ تَرِكَةٍ تَفِي بِهِ فَأَرَادَ وَارِثُهُ أَخْذَ الصَّدَاقِ مِنْ الْأَبِ الضَّامِنِ وَتَبْقَى التَّرِكَةُ مِيرَاثًا لِضَمَانِهِ بِلَا إذْنٍ فَهَلْ يُجَابُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى التَّاجُ الْفَزَارِيّ وَالْبُرْهَانُ الْمَرَاغِيُّ بِأَنَّ لِلضَّامِنِ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْأَدَاءِ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّيْنَ مِنْ التَّرِكَةِ قَالَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ تَعَلَّقَ بِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِالْمَوْتِ وَإِذَا تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِالذِّمَّةِ وَالْعَيْنِ كَانَ لِمَنْ الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْأَدَاءِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْ الْعَيْنِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِهِ رَهْنٌ لَا يُلْزَمُ بِأَدَاءٍ إذَا أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ الرَّهْنِ وَأَيْضًا فَالدَّيْنُ لَا يَنْفَكُّ بِالضَّمَانِ مِنْ ذِمَّةِ الْأَصِيل فَإِذَا مَاتَ تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ وَلَا مِيرَاثَ إلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ فَلَوْ جَازَ إلْزَامُ الضَّامِنِ بِالْأَدَاءِ وَأَنْ تَبْقَى التَّرِكَةُ لِلْوَارِثِ لَقُدِّمَ الْإِرْثُ عَلَى الدَّيْنِ قَالَ ثُمَّ وَجَدْت فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ لِشَيْخِنَا الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنْ مَاتَ الْأَصِيلُ فَأَرَادَ الْكَفِيلُ إلْزَامَ رَبِّ الدَّيْنِ بِقَبْضِهِ مِنْ التَّرِكَةِ أَوْ أَنْ يُبْرِئَهُ مِنْ الضَّمَانِ فَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ وَفِي النِّهَايَةِ وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِتَمَامِ هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ الْأَجَلَ إذَا ثَبَتَ مَقْصُودًا فِي حَقِّ الضَّامِنِ وَلَوْ مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ وَحَكَمْنَا بِحُلُولِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ فَكَانَتْ تَرِكَتُهُ عِنْدَهُ وَافِيَةً فَلَوْ قَالَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ لَسْت أَطْلُبُ حَقِّي مِنْ التَّرِكَةِ فَهَلْ لِلضَّامِنِ أَنْ يَقُولَ إمَّا أَنْ تَأْخُذَ حَقَّك مِنْهَا نَاجِزًا أَوْ تُبْرِئَنِي فَعَلَى وَجْهَيْنِ أَظْهَرهُمَا فِي النَّقْلِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَالثَّانِي لَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْقِيَاسِ اهـ. وَمَا أَفْتَى بِهِ مِمَّا ذُكِرَ ظَاهِرٌ إنْ

стр. 642

كَانَ الطَّالِبُ لِذَلِكَ هُوَ وَارِثُ الِابْن غَيْر الزَّوْجَة فَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ لَهُ هُوَ الزَّوْجَةُ الَّتِي هِيَ الْمَضْمُونُ لَهُ فَالْأَوْجَه أَنَّ لَهَا أَنْ تُطَالِبَ الْأَبَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ الرُّجُوعِ عَلَى التَّرِكَةِ وَعَلَى الضَّامِنِ فَإِذَا اخْتَارَتْ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ كَانَ لَهَا ذَلِكَ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ وَكَلَام النِّهَايَةِ وَمُخْتَصَرهَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ نَافَاهُ ظَاهِر مَا ذَكَرَهُ الْفَزَارِيّ. (وَسُئِلَ) هَلْ يُشْتَرَطُ إقْرَارُ الْمَضْمُون عَنْهُ بِالدَّيْنِ حَتَّى لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ الدَّيْنِ وَاعْتَرَفَ بِهِ إنْسَانٌ ثُمَّ ضَمِنَهُ يَصِحُّ وَيَلْزَمُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْكِفَايَة أَنَّ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ فَيَصِحُّ وَيَلْزَمهُ. (وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا لَفْظُهُ فِي الْمَدِينَة الشَّرِيفَة عَلَى سَاكِنهَا أَفْضَل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفِي مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْ آخَرَ دَرَاهِمَ ثُمَّ يُرْهِنهُ بِهَا رَهْنًا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَلَا يَتِمُّ تَوَثُّقُهُ فَيَتَوَلَّى طَامِعه عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي لَهُ بِضَامِنٍ يَضْمَنُ لَهُ صِحَّةَ الرَّهْن فَيُقْرِضهُ ثُمَّ يَرْهَنُ عِنْدَهُ الرَّهْنَ ثُمَّ يَقُولُ آخَر ضَمِنْت لَك صِحَّةَ الرَّهْنِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ لَكِنَّهُمَا يُضْمِرَانِ أَنَّهُ مَتَى خَرَجَ الرَّهْنُ مُسْتَحَقًّا صَارَ الضَّامِنُ الْمَذْكُور ضَامِنًا لِذَلِكَ الدَّيْن الْمَرْهُونِ بِسَبَبِهِ أَوْ لِمِثْلِ هَذَا الرَّهْنِ لِيَأْتِيَ بِهِ إلَى الْمُقْرِض لِيُبْقِيَ تَوَثُّقَهُ فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا الضَّمَانُ وَإِذَا خَرَجَ مُسْتَحَقًّا يَكُونُ ضَامِنًا لِلدَّيْنِ أَوْ لِمِثْلِ الرَّهْنِ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُحْتَمَلُ تَخْرِيجُهُ عَلَى مَا قَرَّرُوهُ مِنْ صِحَّةِ ضَمَانِ دَرْكِ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ بِجَامِعِ الْحَاجَةِ إلَيْهِمَا فِي مُعَامَلَةِ مَنْ لَا يُعْرَفُ حَاله وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ عَدَم تَخْرِيجِهِ عَلَيْهِ إمَّا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْقَاعِدَةِ كَمَا قَرَّرُوهُ فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهِ كَمَا وَقَعَ لِلْفُقَهَاءِ نَظِيرُهُ فِي مَسَائِل خَرَجَتْ عَنْ الْأَصْلِ فَلَا يَقِيسُونَ عَلَيْهَا وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي خَرَجَتْ لِأَجْلِهِ هَذَا إنْ سُلِّمَ أَنَّ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ جَامِعًا وَقَدْ يُقَالُ لَا جَامِعَ بَيْنهمَا أَصْلًا فَلَا تُقَاسُ مَسْأَلَةُ الرَّهْنِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِ الْقِيَاس لِوُجُودِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا. وَهُوَ أَنَّ فِي تَصْحِيحِ الضَّمَانِ الْمَذْكُورِ فِي مَسْأَلَة الْبَيْعِ الْأَمْنُ مِنْ ضَيَاعِ الْمُقَابِلِ مِنْ كُلِّ الْمَبِيع أَوْ الثَّمَنِ أَوْ مَا نَقَصَ فَفِيهِ مَصْلَحَةٌ تَعُود عَلَى نَفْسِ الْعَقْدِ الْمُشْتَمِل عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْنِ غَائِلَةِ مَنْ لَا يُدْرَى حَاله وَأَمَّا فِي مَسْأَلَة الرَّهْنِ فَلَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ تَعُود عَلَى نَفْس عَقْدِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ تَابِعٌ وَبِخُرُوجِ الْمَرْهُون مُسْتَحَقًّا لَا يُمْكِنُ إلْزَامُ الضَّامِن بِمِثْلِهِ بَلْ يَكُونُ ضَامِنًا لِدَيْنِ الْقَرْضِ فَالْمَنْفَعَةُ لَمْ تَعُدْ إلَّا عَلَيْهِ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمَضْمُونِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُقَابِلٍ لَهُ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ فَعَوْدُ الْمَصْلَحَةِ إلَيْهِ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ لِثُبُوتِهِ وَرِضَا الْمُقْرِضِ بِذِمَّتِهِ قَبْلَ الضَّمَانِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ لَمْ يُشْتَرَطْ الرَّهْنُ فِي عَقْدِ الْقَرْضِ وَإِلَّا فَاشْتِرَاطُهُ كَافٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ خُرُوجِ الْمَرْهُونِ مُسْتَحَقًّا يُطَالِبهُ بِرَهْنِ غَيْرِهِ وَأَيْضًا فَهُوَ فِي دَيْنِ الْقَرْضِ مُتَمَكِّنٌ مِنْ التَّوَثُّقِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ بِأَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ الْإِتْيَانَ بِمَنْ يَكْفُلهُ فَلَا ضَرُورَةَ لَهُ إلَى ضَمَانِ دَرْكِ الرَّهْنِ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَة الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ اشْتِرَاطُ الْكَفِيلِ وَالرَّهْنِ إلَّا عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ مِنْ الْمُعَيَّنِ فَإِذَا خَافَ آخِذُهُ مِنْ خُرُوجِهِ مُسْتَحَقًّا أَوْ نَاقِصًا كَانَ مُضْطَرًّا إلَى وُجُودِ مَنْ يَضْمَنُ لَهُ دَرْكُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ عِنْدَهُ لِعَدَمِ تَأَتِّي الضَّمَان الْأَصْلِيّ فِيهِ فَاغْتُفِرَ لَهُ اشْتِرَاطُ ضَمَانِ دَرْكِهِ لِلضَّرُورَةِ. فَهِيَ مُحَقَّقَةٌ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ فَجَازَ فِيهِ ضَمَانُ الدَّرْكِ الْمُخَالِف لِلْأَصْلِ وَالْقَاعِدَةُ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ بَلْ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ فَلَمْ تَجْرِ فِيهَا. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ ضَمِنَ دَيْنًا مُعَيَّنًا وَرَهَنَ بِهِ مِلْكَهُ ثُمَّ إنَّ الدَّائِنَ أَبْرَأَهُ مِنْ الضَّمَانِ فَهَلْ يَنْفَكُّ الرَّهْنُ أَيْضًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَ فِكْرِهِ فِيهَا مُدَّةً أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ الرَّهْنُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ الْتَزَمَ هَذَا الدَّيْنَ بِطَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا تَعَلُّقُهُ بِعَيْنِ الرَّهْنِ وَالْآخَرُ جَعْلُهُ فِي ذِمَّتِهِ وَأَحَدُهُمَا مُنْفَكٌّ عَنْ الْآخَرِ فَالْإِبْرَاءُ عَنْ الضَّمَانِ لَا يَكُونُ فَسْخًا لِلرَّهْنِ وَقَالَ غَيْرُهُ هُمَا مُتَعَلِّقَانِ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ فَإِسْقَاطُ أَحَدِهِمَا إسْقَاطٌ لِلْآخَرِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ لَا عَنْ خُصُوصِيَّةِ الضَّمَانِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ أَنْتَ فِي حِلٍّ فِي نَصِيبِي هَلْ هُوَ صَرِيحٌ أَمْ كِنَايَةَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ صَرِيحٌ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ أَلْفَاظُ الْإِبْرَاءِ تِسْعَةٌ عَفَوْت وَأَبْرَأْت وَأَسْقَطْت وَحَطَطْت

стр. 643

وَتَرَكْت وَوَهَبْت وَأَحْلَلْت وَوَضَعْت وَمَلَّكْت. (وَسُئِلَ) عَنْ إبْرَاءِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ظَانًّا تَحَوُّلَ الْحَقِّ عَنْهُ بِالضَّمَانِ فَهَلْ يَبْرَأُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَبْرَأُ هُوَ وَالضَّامِنُ وَلَا عِبْرَةَ بِظَنٍّ بَانَ خَطَؤُهُ وَنَظِيرُهُ إذَا طَلَّقَ رَجْعِيًّا ثُمَّ ثَانِيَةً فِي الْعِدَّةِ ظَنًّا أَنَّهُ قَدْ بَانَتْ مِنْهُ الْأُولَى فَإِنَّ الثَّانِيَةَ تَقَعُ أَيْضًا. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ طَالَبَ مَدِينَهُ فَقَالَ لَهُ آخَرُ اُتْرُكْهُ وَاَلَّذِي لَك عَلَيْهِ عِنْدِي أَوْ قَالَ أَبْرِئْهُ وَلَك عِنْدِي كَذَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ مَا ذَكَرَهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَلْزَمُ الْقَائِلَ بِذَلِكَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ عِنْدِي لِلظَّرْفِيَّةِ وَلَا إشْعَارَ لَهَا بِاشْتِغَالِ الذِّمَّةِ بِذَلِكَ فَإِنْ قَالَ عَلَيَّ أَوْ فِي ذِمَّتِي كَانَ ضَمَانًا لَكِنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ فَلَا يَصِحُّ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْأَصْحَابِ رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمَيِّت عَنْ الدَّيْنِ بِتَحَمُّلِ الْوَلِيّ وَاسْتَشْكَلَهُ وَصَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الشَّامِلِ بِأَنْ يَقُولَ الْوَارِثُ لِلدَّائِنِ أَبْرِئْ مُوَرِّثِي أَوْ أَسْقِطْ حَقَّك عَنْهُ وَعَلَيَّ عِوَضُهُ فَإِذَا أَبْرَأَهُ بَرِئَ وَلُزُومُ الْوَارِثِ مَا الْتَزَمَهُ وَبَعْضُهُمْ فِي شَرْحِهِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِذَلِكَ أَيْضًا. وَقَالَ إنَّهُ اسْتِدْعَاءُ إتْلَافِ مَالٍ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مُشْكِلٌ بِقَوْلِهِمْ فِي بَابِ الضَّمَانِ أَنَّ التَّحَمُّل وَغَيْرَهُ مِنْ أَلْفَاظِ الضَّمَانِ لَا يَحْصُلُ بِهِ بَرَاءَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَإِذَا بَرِئَ الضَّامِنُ وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ إذَا لَمْ يُمْكِنُ الْمُبَادَرَةُ إلَى قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَحْتَالَ الْوَلِيُّ حَتَّى يُسْقِطَهُ عَنْ الْمَيِّتِ وَيَصِيرَ فِي ذِمَّتِهِ فَمَا صُورَةُ ذَلِكَ وَمَا الْمُرَادُ بِالْوَلِيِّ وَعَلَى الْأَوَّلِ إذَا تَحَمَّلَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ يَخْتَصُّ بِهِ أَوْ لَا أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ قَاصِرٌ أَوْ لَا وَإِذَا قَالَ الْوَارِثُ أَوْ غَيْرُهُ ضَمِنْت دَيْنَك عَلَى فُلَانٍ فَأَبْرِئْهُ أَوْ أَبْرِئْهُ وَأَنَا ضَمِينُك بِمَا عَلَيْهِ فَهَلْ يَبْرَأ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا ذُكِرَ عَنْ الْمَجْمُوعِ وَتَصْوِيرُهُ بِمَا ذَكَرَ صَحِيحٌ مُعْتَمَدٌ وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا فِي الضَّمَانِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَةِ الضَّمَانِ الْمَشْهُورِ الْمُفْتَقِرِ إلَى أَصِيلٍ بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ اسْتِدْعَاءِ إتْلَافِ مَالٍ بِعِوَضٍ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَهُوَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ مِمَّا نَفْسُهُ مُعَلَّقَةٌ بِهِ كَمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ فَالْمُسَارَعَةُ إلَى فِكَاكِهَا مِنْ الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ الْمَطْلُوبَةِ فَهُوَ كَمَا ذَكَرُوا فِي أَطْلِقْ هَذَا الْأَسِيرَ أَوْ اُعْفُ عَمَّنْ لَك عَلَيْهِ قَوَدٌ أَوْ أَطْعِمْ هَذَا الْجَائِعَ وَلَك عَلَيَّ كَذَا أَوْ أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَعَلِيَّ ضَمَانُهُ. وَمَا ذُكِرَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ هُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَحُمِلَ عَلَى التَّصْوِير السَّابِق وَيُؤَيِّدهُ حِكَايَةُ الْمَرَاغِيِّ لَهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاج وَالْمُرَادُ بِالْوَلِيِّ هُنَا الْوَارِثُ وَهُوَ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ وَإِلَّا فَالْأَجْنَبِيُّ كَذَلِكَ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ وَإِذَا الْتَزَمَ ذَلِكَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ اخْتَصَّ بِهِ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْبَقِيَّةِ إلَّا إنْ أَذِنُوا لَهُ وَلَا عِبْرَةَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ إذْ لَا مَصْلَحَةَ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَإِذَا الْتَزَمَ ذَلِكَ أَجْنَبِيٌّ أَوْ وَصِيٌّ فَلَا رُجُوعَ لَهُ إلَّا إنْ أَذِنَ لَهُ الْوَارِثُ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ أَوْ أَطْلَقَ عَلَى الْأَوْجَهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجْرِي فِي غَيْرِ دَيْنِ الْمَيِّتِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْبَغَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ لَوْ قَالَ اقْضِ دَيْنِي عَلَى أَنْ تَرْجِعَ عَلِيَّ أَوْ دَيْنَ فُلَانٍ عَلَى أَنْ تَرْجِعَ عَلَيَّ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْقَائِلُ ضَامِنًا عَنْ فُلَان. اهـ وَظَاهِرٌ أَنَّ اسْتِدْعَاءَ إبْرَاءِ الْغَيْرِ كَاسْتِدْعَاءِ الْأَدَاءِ عَنْهُ وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ الْبَغَوِيّ مَا عَلِمْت وَالْأَوْجَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ. قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ النَّقْلُ أَنَّ الْبَرَاءَةَ لَا تَصِحُّ فَإِنَّهُ لَمْ يُبْرِئْهُ بَرَاءَةَ تَبَرُّعٍ وَإِنَّمَا أَبْرَأَهُ عَلَى أَنْ يُتِمَّ لَهُ مَا جَرَى وَلَمْ يُتِمَّ لِفَسَادِ الضَّمَانِ فَفِي الْمُهِمَّاتِ أَوَائِلَ الْبَابِ الثَّالِثِ مِنْ أَبْوَابِ الْبَيْعِ عَنْ النَّصِّ أَنَّ الصُّلْحَ إذَا فَسَدَ لِكَوْنِهِ جَرَى عَلَى الْإِنْكَارِ فَهُمَا عَلَى أَصْلِ حَقِّهِمَا وَيَصِيرُ الْمُدَّعِي عَلَى دَعْوَاهُ وَإِنْ قَالَ أَبْرَأْتُك مِمَّا ادَّعَيْت عَلَيْك أَوْ مِنْ بَدَلِهِ مِنْ قَبِيلِ أَنَّهُ إنَّمَا أَبَرَأَهُ عَلَى أَنْ يُتِمَّ لَهُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ. اهـ. وَعَلَى مَا اقْتَضَاهُ هَذَا النَّصُّ جَرَى فِي الْأَنْوَارِ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ. اهـ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا قَالَ إلَّا رَدَدْت عَبْدِي فَقَدْ أَبْرَأْتُك عَنْ الدَّيْنِ فَهَلْ يَصِحُّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمَنْقُولُ عَنْ التَّتِمَّةِ الصِّحَّةُ وَإِذَا أَبْرَأَهُ بَرِئَ؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا الْإِبْرَاءُ تَمْلِيكٌ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ وَهَذَا الثَّوْبُ لَك أَوْ إسْقَاطٌ فَهُوَ إسْقَاطٌ يَجُوزُ بَذْلُ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَتِهِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلْ إذَا كَانَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ حَالٌّ فَصَارَ يُعْطِيه فِي كُلِّ

стр. 644

وَقْتٍ شَيْئًا عَلَى سَبِيلِ أَنَّهُ مِنْ دَيْنِهِ وَالْآخَرُ يَظُنُّ أَنَّهُ هَدِيَّةٌ فَيُرْسِلُ إلَيْهِ طَعَامًا يُسَاوِي ثَمَنَ ذَلِكَ فَهَلْ يَقَعُ ذَلِكَ عَنْ الدَّيْنِ أَوْ يَصِيرُ مُقَابِلًا لَهُ وَذِمَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مُعَلَّقَةٌ لِلْآخَرِ إلَى أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا مُقَاصَّةٌ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْعِبْرَةُ فِيهَا بِنِيَّةِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا أَدَّاهُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ وَإِنْ ظَنَّ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَنَّهُ إنَّمَا يَدْفَعُ لَهُ ذَلِكَ هَدِيَّةً وَمَا يُرْسِلهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ عَلَى جِهَةِ مُكَافَأَتِهِ بِمَا ظَنَّهُ هَدِيَّةً مِنْهُ فَهُوَ تَبَرُّعٌ لَا رُجُوعَ لَهُ بِهِ عَلَيْهِ فَعُلِمَ أَنَّ ذِمَّةَ الْمَدِينِ تَبْرَأُ مِمَّا دَفَعَهُ بِنِيَّةِ الدَّيْنِ وَأَنَّهَا لَا تَشْتَغِلُ بِشَيْءٍ مِمَّا أَرْسَلَهُ لَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا كَانَ عَلَى شَخْصٍ دَيْنٌ لِآخَرَ وَلَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا مُقَاصَّةٌ فَهَلْ تَكُونُ ذِمَّتُهُمَا مُعَلَّقَةً وَإِنْ تَعَذَّرَتْ الْمُقَاصَّةُ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ طَوِيلَةٌ ذَاتُ مَفَاوِزَ أَمْ تَبْرَأُ ذِمَّتهمَا لِلتَّعَذُّرِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا كَانَ الدَّيْنَانِ الْمَذْكُورَانِ فِيهَا نَقْدَيْنِ وَاتَّفَقَا جِنْسًا وَحُلُولًا وَصِفَةً سَقَطَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بِلَا رِضًا بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْجِنْسِ أَوْ الصِّفَةِ كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ أَوْ الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ أَوْ فِي قَدْرِ الْأَجَلِ وَإِنْ كَانَا غَيْرَ نَقْدَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا نَقْدًا وَالْآخَرُ عَرْضًا فَلَا تَقَاصَّ وَإِنْ تَرَاضَيَا وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذُكِرَ بَيْنَ أَنْ تَطُولَ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا أَوْ تَقْصُرَ. (وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا صَالَحَ الضَّامِنُ عَنْ الدَّيْنِ بِشَيْءٍ رَجَعَ بِالْأَقَلِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ عَيْنًا بِالدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالدَّيْنِ مَا الْفَرْقُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْفَرْقُ أَنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ يُشْعِرُ بِقَنَاعَةِ الْمُسْتَحِقِّ بِالْقَلِيلِ عَنْ الْكَثِيرِ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَالْمُتَوَلِّي بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِتَفَاوُتِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ فِي الْقِيمَةِ فَعَمِلْنَا فِي كُلٍّ بِمَا هُوَ الْأَغْلَبُ فِيهِ وَهَذَا فَرْقٌ صَحِيحٌ وَإِنْ سَوَّى الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ كَالسُّبْكِيِّ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَقَالُوا وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ. (وَسُئِلَ) هَلْ يُبْطِلُ ضَمَانَ الْمَرِيضِ وَارِثُهُ مُطْلَقًا أَمْ فِيهِ تَفْصِيلُ الْأَجْنَبِيِّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ أَنَّ الضَّمَانَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ إنْ كَانَ بِحَيْثُ يَثْبُتُ الرُّجُوعُ بِأَنْ أَذِنَ الْأَصِيلُ لِلضَّامِنِ فِي الضَّمَانِ وَالْأَدَاءِ أَوْ فِي الضَّمَانِ فَقَطْ أَوْ فِي الْأَدَاءِ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ وَوَجَدَ الضَّامِنُ مَرْجِعًا فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْوَارِثِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ رُجُوعُ وَلَا وَجَدَ مَرْجِعًا فَإِنْ كَانَ الضَّمَانُ عَنْ وَارِثٍ فَهُوَ وَصِيَّةٌ لَهُ وَإِنْ كَانَ عَنْ أَجْنَبِيٍّ فَمِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ وَأَجَازَ الْوَارِث نَفَذَ وَإِلَّا بَطَل فِي الزَّائِد فَقَطْ وَمَا ذَكَر عَنْ الْأَنْوَارِ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ وَهُوَ بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ ادَّانَ مَبْلَغًا وَضَمِنَهُ جَمَاعَةٌ فَهَلْ يَكُونُ كُلٌّ ضَامِنًا لِلْجَمِيعِ أَوْ بِالْقِسْطِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ قَالُوا مَعًا ضَمِنَّاهُ فَكُلٌّ بِالْقِسْطِ وَإِنْ قَالَ كُلٌّ عَلَى حِدَةِ فَكُلٌّ ضَامِنٌ لِلْجَمِيعِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَأَنَا وَالْجَمَاعَةُ ضَامِنُونَ أَوْ أَنَا ضَامِنٌ وَالْجَمَاعَةُ ضَامِنُونَ فَإِنَّهُ فِي الْأُولَى يَضْمَنُ بِالْقِسْطِ وَفِي الثَّانِيَةِ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْته يُحْمَلُ مَا مَالَ إلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ضَامِنًا إلَّا بِالْقِسْطِ وَمَا صَحَّحَهُ السُّبْكِيّ تَبَعًا لِلْمُتَوَلِّي مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لِلْجَمِيعِ. (وَسُئِلَ) عَنْ تَعْيِين ضَمَانِ الدَّرْكِ فِي مِلْكٍ مُعَيَّنٍ يَصِحُّ تَبَعًا أَمْ لَا وَضَمَانُ أَرْشِ الْعَيْبِ الَّذِي يَخَافُ مِنْ حُصُولِهِ يَصِحُّ وَيَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الدَّرْكِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ضَمَانُ الدَّرْكِ هُوَ ضَمَانُ الثَّمَنِ لِلْمُشْتَرِي إنْ خَرَجَ الْمَبِيعُ الْمُعَيَّنُ مُسْتَحَقًّا مَثَلًا أَوْ أُخِذَ بِشُفْعَةٍ أَوْ ضَمَانِ الْمَبِيعِ لِلْبَائِعِ إنْ خَرَجَ الثَّمَنُ الْمُعَيَّنُ مُسْتَحَقًّا مَثَلًا أَوْ أُخِذَ بِشُفْعَةٍ سَابِقَةٍ عَلَى الْبَيْعِ بِبَيْعٍ آخَرَ أَوْ ضَمَانِ دَرْكِ رَدَاءَةِ جِنْسِ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ أَوْ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الذِّمَّةِ وَشَكَّ الْمُسْتَحِقُّ عِنْدَ الْقَبْضِ هَلْ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ أَرْدَأُ. وَكَذَا لَوْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا فِي الْعِوَضِ صِفَةٍ وَخَشِيَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الصِّفَةُ غَيْرَهَا أَوْ ضَمَان دَرْكِ نَقْصِ صَنْجَةٍ وُزِنَ بِهَا الثَّمَنُ أَوْ الْمَبِيعُ وَمِثْلهَا الْكَيْلُ وَالذِّرَاعُ أَوْ ضَمَانُ دَرْكِ عَيْبِ يَظْهَرُ فِي الْمَبِيع بِأَنْ يَرُدَّ الثَّمَنَ إذَا رَدَّ الْمَبِيعَ أَوْ فِي الثَّمَنِ بِأَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ إذَا رَدَّ الثَّمَنَ بِالْعَيْبِ أَوْ ضَمَانِ دَرْكِ فَسَادٍ يَظْهَرُ فِي الْعَقْدِ بِسَبَبِ غَيْرِ الِاسْتِحْقَاقِ كَتَخَلُّفِ شَرْطِ مُعْتَبَرٍ فِي الْبَيْعِ أَوْ اقْتِرَانِ مُفْسِدٍ بِهِ فَيَصِحُّ الضَّمَانُ

стр. 645

فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ لِلْحَاجَةِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ ضَمَانَ الدَّرْكِ لَا يَجْرِي فِي غَيْرِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ لَا اسْتِقْلَالًا وَلَا تَبَعًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَرَى فِيمَا مَرَّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ لِضَرُورَةٍ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَأَنَّهُ أَعْنِي ضَمَانَ الدَّرْكِ إنَّمَا يَدْخُلُ فِي صُوَرِ الْعَيْبِ فِيمَا ذَكَرْته وَهُوَ صِحَّةُ ضَمَانِ دَرْكِ عَيْبٍ يَظْهَرُ فِي الْمَبِيعِ بِأَنْ يَرُدَّ الثَّمَنَ إذَا رَدَّ الْمَبِيعَ بِالْعَيْبِ أَوْ يَظْهَرُ فِي الثَّمَنِ بِأَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ إذَا رَدَّ الثَّمَنَ بِالْعَيْبِ وَأَمَّا ضَمَانُ دَرْكِ أَرْشِ عَيْبٍ يَجِبُ فِي الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ لَعَيْنِهِمَا بِأَنْ يَقُولَ لِلْمُشْتَرِي ضَمِنْت لَك دَرْكَ ضَمَانِ مَا يَجِبُ لَك عَلَى الْبَائِعِ مِنْ عَيْبٍ قَدِيمٍ إنْ وَجَدْته وَسَقَطَ رَدُّك لِحُدُوثِ عَيْبٍ عِنْدَك أَوْ لِلْبَائِعِ نَظِيرُ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي مَوَاضِعَ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ ضَمَانَ الدَّرْكِ إنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا مَرَّ بَعْدَ قَبْضِ ثَمَنٍ إنْ كَانَ التَّدَارُكَ بِهِ أَوْ مَبِيع إنْ كَانَ التَّدَارُكُ بِهِ قَالُوا؛ لِأَنَّ ضَامِنَ الدَّرْكِ إنَّمَا يَضْمَنُ مَا دَخَلَ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي وَلَزِمَهُ رَدُّهُ عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ نَحْوِهِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ. اهـ. فَكَذَا الْأَرْشُ الْمَذْكُورُ لَمْ يُوجَدْ مُوجِبُهُ حَالَ الْعَقْدِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ضَمَانِهِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ ضَمَانُ الدَّرْكِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ قَالُوا وَلَوْ ضَمِنَ لِمُشْتَرِي أَرْضٍ لِغَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ عُهْدَةَ ثَمَنِهِمَا وَأَرْشَ نَقْصِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ لَوْ قُلِعَا بِاسْتِحْقَاقٍ صَحَّ ضَمَانُ عُهْدَة الثَّمَنِ دُونَ الْأَرْشِ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عِنْدَ ضَمَانِهِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ ضَمِنَهُ فَقَطْ قَبْلَ الْقَلْعِ وَلَوْ بَعْدَ ظُهُورِ الِاسْتِحْقَاقِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إنْ عَلِمَ قَدْرَهُ. اهـ. فَكَذَا يُقَالُ فِي ضَمَانِ أَرْشِ عَيْبٍ مُطَّلَعٍ عَلَيْهِ فِي الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ إنْ كَانَ بَعْدَ ظُهُورِهِ وَعَلِمَ قَدْرَهُ صَحَّ ضَمَانُهُ وَلَا يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الدَّرْكِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ ضَمَانَ الدَّرْكِ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ عُهْدَةَ الثَّمَنِ لِلْمُشْتَرِي فَبَانَ فَسَادُ الْعَقْدِ بِشَرْطٍ أَوْ غَيْرِهِ مَا عَدَا الِاسْتِحْقَاق أَوْ فَسَخَ الْعَقْدَ بِعَيْبٍ أَوْ وَجَبَ بِهِ أَرْشٌ لِحُدُوثِ مَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِهِ كَحُدُوثِ كَحُدُوثِ عَيْبٍ عِنْدَهُ أَوْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ بَعْدَهُ بِخِيَارٍ أَوْ تَقَايُلٍ لَمْ يُطَالَبْ بِالثَّمَنِ أَوْ الْأَرْشِ ضَامِنُ الْعُهْدَةِ بَلْ الْبَائِعُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ ضَمَانِهَا إنَّمَا هُوَ الرُّجُوعُ عَلَى الضَّامِنِ بِسَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَفِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَوْ ضَمِنَ عُهْدَة فَسَادِ الْبَيْعِ بِغَيْرِ الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ عُهْدَةَ الْعَيْبِ أَوْ التَّلَفِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ صَحَّ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلَا يَنْدَرِجُ ذَلِكَ تَحْتَ ضَمَانِ الْعُهْدَةِ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ ضَمَانِهَا إنَّمَا هُوَ الرُّجُوعُ بِسَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ. اهـ. وَمَعْنَى ضَمَانِ عُهْدَةِ الْعَيْبِ فِيمَا ذُكِرَ كَمَا يُعْلَمُ بِتَأَمُّلِ كَلَامِهِمْ الْمَذْكُورِ مَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّهُ يَرُدُّ الثَّمَنَ إذَا رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ أَوْ يَرُدُّ الْمَبِيعَ إذَا رَدَّ الثَّمَن بِالْعَيْبِ وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِضَمَانِ عُهْدَةِ الْعَيْبِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا فَلَا تَعَرُّضَ فِيهَا لِصُورَةِ السُّؤَالِ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ أَصْلًا خِلَافًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْهَا بِبَادِئِ الرَّأْيِ وَإِنَّمَا اقْتَضَى كَلَامُهُمْ فِي مَوْضِعِ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ وَفِي مَوَاضِع عَدَمَهَا وَهُوَ الَّذِي يَتَّجِهُ كَمَا قَدَّمْته ثُمَّ رَأَيْت الْمَسْأَلَة مَنْصُوصَةً بِعَيْنِهَا لِأَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ الصِّحَّةَ وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ عَدَمَهَا. وَعِبَارَةُ الْجَوَاهِرِ لَوْ قَالَ ضَمِنْتُ لَك أَرْشَ مَا يَظْهَر مِنْ عَيْبٍ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَوْرَدَهُ سُلَيْمٌ وَثَانِيهمَا لَا يَصِحُّ وَصَحَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَجَزَمَ بِهِ الطَّبَرِيُّ وَلِتَأَخُّرِ هَذَيْنِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَاسْتِدْرَاكهمَا عَلَيْهِ كَانَ مَا قَالَاهُ أَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ وَهُوَ الَّذِي رَجَّحْته فِيمَا مَرَّ وَيُوَجَّهُ أَيْضًا بِأَنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي ضَمَانِ الدَّرْكِ هُوَ الْأَصْلُ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إذْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ عِنْدَ الْعَقْدِ بِخِلَافِ نَحْو الْفَسَادِ أَوْ نَقْصِ الصَّنْجَةِ فَإِنَّهُ مَوْجُودٌ عِنْدَ الْعَقْدِ وَيُخْشَى مَعَهُ مِنْ فَوَاتِ عَيْنِ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ فَمَسَّتْ الْحَاجَة إلَى ضَمَان دَرْكِ عَيْنِهِمَا وَأَمَّا الْعَيْبُ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ظُهُورِهِ وَعَدَمِ صِحَّةِ ضَمَانِ دَرْكِهِ فَوَاتُ عَيْنٍ أَصْلًا لَا بَعْضًا وَلَا كُلًّا وَإِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَوَاتُ وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ الثَّمَنِ أَوْ الْمَبِيعِ مَعَ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الْفَوَاتِ هُوَ تَعَاطِيهِ الرَّدَّ بِاخْتِيَارِهِ. وَمَعَ صِحَّةِ الْبَيْعِ فِي جَمِيعِ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ لَوْ لَمْ يُرَدَّ فَلَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ

стр. 646

إلَى ضَمَانِ أَرْشِ ذَلِكَ الْعَيْبِ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا قُلْته أَوَّلًا تَخْرِيجًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ الْمَنْقُولُ عَلَى أَحَدِ ذَيْنك الْوَجْهَيْنِ الَّذِي هُوَ أَوْلَاهُمَا بِالِاعْتِمَادِ لِتَأَخُّرِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالطَّبَرِيِّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ الْمُصَحِّحِ لِمُقَابِلِهِ وَاطِّلَاعِهِمَا عَلَى تَصْحِيحِهِ مَعَ عَدَمِ الِالْتِفَاتِ إلَيْهِ عَلَى أَنَّ الطَّبَرِيَّ لَمْ يَعْتَدَّ بِذَلِكَ الْوَجْهِ الْمُقَابِلِ الْقَائِلِ بِالصِّحَّةِ حَيْثُ جَزَمَ بِعَدَمِهَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْقَائِلِينَ بِهَا وَقَدْ سَبَقَ الْقَمُولِيَّ إلَى حِكَايَةِ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي عَيْنِ صُورَةِ السُّؤَالِ شَيْخُهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَنُقِلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فِيهَا الصِّحَّةَ وَيَرْجِعُ بِالْأَرْشِ عَلَى الضَّامِنِ وَأَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ وَجْهًا وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الضَّمَانَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَصِحُّ قَالَ وَفِيهِ وَجْهٌ. اهـ. فَأَشْعَرَ قَوْلُهُ أَعْنِي ابْنَ الرِّفْعَةِ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ حَكَى عَدَمَ الصِّحَّةِ وَقَوْلُهُ وَفِيهِ وَجْهٌ بِأَنَّ مَقَالَةَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَجْهٌ ضَعِيفٌ فِي الْمَذْهَبِ وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ صِحَّةِ ضَمَانِ أَرْشِ الْعَيْبِ وَهُوَ مَا قَدَّمْته وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. (وَسُئِلَ) عَنْ مَظْلُومٍ أَذِنَ لِآخَرِ فِي دَفْعِ مَظْلِمَةٍ عَنْهُ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ كَمَا قَالُوهُ فِي الْأَسِيرِ إذَا قَالَ لِآخَرَ افْدِنِي بِكَذَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ الرُّجُوعَ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ قَالَ مَنْ ضَمِنَ لِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ فَضَمِنَ لَهُ الْأَلْفَ شَخْصَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ شَخْصَيْنِ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا فَهَلْ يَصِحُّ الضَّمَان وَيَقَع الطَّلَاق بَائِنًا أَمْ لَا وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَضَمِنَ لَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو الْأَلْفَ مَعًا فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِذَلِكَ بَائِنًا وَلَهُ مُطَالَبَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْأَلْفِ أَوْ لَا يُطَالِبُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِخَمْسِمِائَةٍ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُرَادُ بِالضَّمَانِ هُنَا حَيْثُ أُطْلِقَ الِالْتِزَامُ فَمَتَى الْتَزَمَ لَهُ بِالْأَلْفِ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا فَإِنْ الْتَزَمَ كُلٌّ مِنْ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِالْأَلْفِ مَعًا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ فِي مُطَالَبَةِ أَيٍّ مِنْهُمَا أَوْ مِنْهُمْ بِهِ أَوْ مُرَتَّبًا وَقَعَ بِالْأَوَّلِ فَيُطَالَبُ بِالْأَلْفِ وَحْدَهُ فَإِنْ الْتَزَمَ كُلٌّ بِبَعْضِ الْأَلْفِ وَقَعَ الطَّلَاقُ عِنْدَ تَمَامِ الْتِزَامِ الْأَلْف. وَيُطَالَبُ كُلٌّ بِمَا الْتَزَمَهُ إلَّا الْأَخِيرَ فَإِنَّهُ إذَا الْتَزَمَ مَا يُوَفِّي الْأَلْفَ وَزِيَادَةً لَا يُطَالَبُ إلَّا بِتَتِمَّةِ الْأَلْفِ لَا غَيْرُ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَفْظ مَنْ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ وَالزَّائِدَ عَلَيْهِ وَلَفْظُ الضَّمَانِ الْمُرَادُ بِهِ الِالْتِزَامُ أَوْ الْمُنْصَرِفُ إلَيْهِ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي مُقَابَلَتِهِ وَحَيْثُ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي مُقَابَلَة مَالٍ رَاجِعٍ إلَى الزَّوْجِ فَهُوَ بَائِنٌ وَلَفْظُ الْأَلْفِ مَعَ رِعَايَةِ مَنْ يَشْمَلُ وُجُودَ الْتِزَامِهِ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ كَمَا تَقَرَّرَ كَمَا أَنَّهُ أَرَادَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي مُقَابَلَةِ التَّلَفُّظ بِالضَّمَانِ لَا الْتِزَامَهُ فَتَلَفَّظَ بِهِ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَيْضًا لَكِنَّهُ رَجْعِيٌّ لَا بَائِن. (وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا صَرَّحَ الْمَالِكُ بِإِبْرَاءِ الْغَاصِبِ عَنْ ضَمَانِ الْغَصْبِ وَالْمَغْصُوبُ بَاقٍ فِي يَده صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يَبْرَأُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا صَارَتْ الْوَدِيعَة مَضْمُونَة عَلَى الْمُودَع فَأَبْرَأَهُ الْمَالِكُ وَصَحَّحَ أَنَّهُ يَعُودُ أَمِينًا فَهَلْ ذَلِكَ تَنَاقُضٌ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ أَوْ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَرْقٌ وَمَا الرَّاجِح فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ وَقَوْلُ السَّائِلُ إنَّ النَّوَوِيَّ صَحَّحَ أَنَّهُ يَبْرَأُ لَيْسَ بِصَحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَحِّحْ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ نَفْسه. وَإِنَّمَا الَّذِي وَقَعَ لَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَة أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ تَصْحِيحَ الرَّافِعِيِّ عَدَمَ الْبَرَاءَةِ زَادَ أَنَّ غَيْرَ الرَّافِعِيِّ كَالْبَغَوِيِّ صَحَّحَ الْبَرَاءَةَ وَهِيَ ظَاهِرُ النَّصِّ فِي الشَّامِلِ وَالْمُهَذَّبِ أَيْ وَصَرَّحَ بِهَا الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ الْمُعْتَمَدُ مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ مُخْتَصِرُو الرَّوْضَة وَالْمُتَكَلِّمُونَ عَلَيْهَا وَغَيْرُهُمْ وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ إلَى وَجْهِ ضَعْفِ مَا فِيهَا وَهُوَ أَنَّ مَا ذُكِرَ عَنْ هَؤُلَاءِ مِنْ الْبَرَاءَةِ إنَّمَا هُوَ وَجْهٌ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ عَمَّا لَمْ يَجِبْ وَوَجَدَ سَبَبَ وُجُوبِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ فَكَذَا هُنَا وَيُفَرَّق بَيْنَ هَذَا وَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ فِي الْوَدِيعَةِ مِنْ أَنَّهَا إذَا صَارَتْ مَضْمُونَةً بِانْتِفَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَحْدَث لَهُ الْمَالِكُ اسْتِئْمَانًا أَوْ إبْرَاءً أَوْ إيدَاعًا أَوْ إذْنًا فِي حِفْظِهَا فَإِنَّهُ يَبْرَأُ بِأَنَّ الْإِيدَاعَ لَا يُجَامِعُ الضَّمَانَ لِتَأَصُّلِ الْأَمَانَةِ فِيهِ فَبِالْخِيَانَةِ فِيهَا صَارَتْ غَيْرَ وَدِيعَةٍ وَمِنْ ثَمَّ لَزِمَهُ رَدّهَا فَوْرًا فَإِذَا أَحْدَثَ لَهُ الْمَالِكُ مَا ذُكِرَ صَارَ ذَلِكَ اسْتِيدَاعًا جَدِيدًا وَيَلْزَمُهُ ارْتِفَاعُ حُكْمِ الْأَوَّلِ وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ الضَّمَانِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الضَّمَانَ لَا يُجَامِعُ الْإِيدَاعَ أَصْلًا وَأَمَّا الْغَصْبُ فَهُوَ بَاقٍ لَا يَرْتَفِعُ بِالْإِبْرَاءِ وَإِنَّمَا الْمُرْتَفِعُ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ

стр. 647

بِصِحَّةِ الْإِبْرَاءِ حُكْمه مِنْ الضَّمَانِ فَقَطْ سَوَاءٌ أَقُلْنَا بِصِحَّةِ الْإِبْرَاءِ أَمْ لَا فَتَمَحَّضَ الْإِبْرَاءُ فِيهِ إلَى أَنَّهُ أَبْرَأَ عَمَّا لَمْ يَجِبْ وَوُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ صِحَّتِهِ. (وَسُئِلَ) عَنْ تَضْمِينِ وَكِيلِ الْمَالِكِ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ مِنْ الزَّكَاةِ هَلْ يَقُولُ ضَمِنْت مُوَكِّلَك أَوْ جَعَلْتُهُ ضَامِنًا الرُّطَبَ بِكَذَا كَمَا فِي نَظِيرِهِ فِيمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالضَّمَانِ حَيْثُ قَالُوا صِيغَتُهُ أَنْ يَقُولَ جَعَلْتُ مُوَكِّلِي ضَامِنًا لَك بِكَذَا أَمْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ وَمَا هُوَ وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ فِي الْجِعَالَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُجَاعِلَ لِمُوَكِّلِهِ شَخْصًا هَلْ يَقُولُ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَى فُلَانٍ كَذَا أَمْ لَا فَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِمَا لَفْظُهُ إنَّ الْوَكِيلَ بِالْتِزَامِ الْجُعْلِ فِي الْجَعَالَةِ كَوَكِيلِ الزَّوْجَةِ بِالْتِزَامِ عِوَضِ الْخُلْعِ فَلَهُ التَّصْرِيحُ بِإِضَافَةِ الْمَالُ إلَى الْمُوَكِّلِ وَبِالْوِكَالَةِ مَعًا وَبِأَحَدِهِمَا فَقَطْ كَأَنْ يَقُولَ إنْ رَدَدْت عَبْدَ زَيْدٍ أَوْ حَجَجْت عَنْهُ فَلَكَ فِي ذِمَّتِهِ كَذَا وَذَلِكَ بِوَكَالَتِهِ أَوْ وِصَايَته إلَيَّ وَلَا يَقُولُ فَعَلَيَّ كَذَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِقْلَالٌ بِالْتِزَامِ الْمَالِ وَتَلْغُو نِيَّتُهُ إنْ نَوَى ذَلِكَ فَهَلْ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا ذُكِرَ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ أَمَّا ضَمِنْت مُوَكِّلَك فَلِخُلُوِّهِ عَنْ الْخِطَابِ فَهُوَ كَبَعْثِ مُوَكِّلِك وَهُوَ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ انْتِظَامِ الصِّيغَةِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْوَكِيلِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بِعْتُك لِمُوَكِّلِك فَكَذَا هُنَا لَا بُدَّ مِنْ ضَمِنْتُك لِمُوَكِّلِك وَأَمَّا جَعَلْته ضَامِنًا فَلِأَنَّهُ لَيْسَ وَكِيله حَتَّى يَجْعَلَهُ ضَامِنًا وَبِهَذَا فَارَقَ قَوْلَ وَكِيلِ الضَّمَانِ جَعَلْتُ مُوَكِّلِي ضَامِنًا وَكَيْفَ تُقَاسُ تِلْكَ عَلَى هَذِهِ فَتَعَيَّنَتْ الصِّيغَةُ الْأُولَى وَنَحْوِهَا وَمَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي وَكِيلِ الْجِعَالَةِ غَيْرُ بَعِيدٍ. [بَاب الشَّرِكَةِ] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي مَالٍ بِالسَّوِيَّةِ وَعَقَدَا عَلَيْهِ عَقْدَ شَرِكَة وَتَسَلَّمَ الْمَالَ أَحَدهمَا وَتَبَرَّعَ بِعَمَلِهِ لِصَاحِبِهِ وَتَبَرَّعَ الثَّانِي لِلْمُتَبَرِّعِ الْمَذْكُورِ بِمُؤْنَتِهِ مِنْ أَصْلِ الشَّرِكَةِ وَرِبْحِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيِّنَ قَدْرًا مَعْلُومًا فَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الْمُتَبَرِّعِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَهَلْ لِلْمُتَبَرِّعِ الْأَوَّلِ الرُّجُوعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَهَلْ لِلثَّانِي مُطَالَبَتُهُ بِالْمُؤْنَةِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ جَعَلَا الْمُؤْنَةَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ وَجَبَ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ وَإِنْ لَمْ يَجْعَلَاهَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَفِي الْحَالَيْنِ التَّبَرُّعُ بِالْمُؤْنَةِ غَيْر صَحِيحٍ فَلِلشَّرِيكِ الرُّجُوعُ بِحِصَّتِهِ مِنْهَا مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ أَعْلَم. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سُؤَالًا صُورَتُهُ سُئِلَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ عَنْ كِتَابِ مُشْتَرَكٍ لِجَمَاعَةٍ وَفِيهِمْ مَحْجُور عَلَيْهِ فَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ مُطَالَعَةُ الْكِتَابِ بِإِذْنِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ مِنْ غَيْرِ إجَازَةٍ حَيْثُ لَا ضَرَرَ فَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَجُوزُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا نُقِلَ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ بِإِذْنِ الشُّرَكَاءِ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ مُطَالَعَةُ الْكِتَابِ الْمُشْتَرَكِ بِشَرْطِ سَلَامَتِهِ وَالْخَوْفِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَرَضَةِ وَالتُّرَابِ وَالْغُبَارِ وَخَوْفِ الْفَسَادِ وَلَا يَجُوزُ لِأَجْنَبِيٍّ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْكِتَابِ إلَّا بِإِذْنِهِمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. جَوَابُهُ فَهَلْ جَوَابُكُمْ كَذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ لِشَرِيكٍ وَلَا لِغَيْرِهِ الْمُطَالَعَةُ فِي الْمُشْتَرَكِ إلَّا بِإِذْنِ جَمِيعِ الشُّرَكَاءِ الْكَامِلِينَ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ قَاصِرٌ لَمْ يَجُزْ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَأْذَنَ لِأَحَدٍ فِي الْمُطَالَعَةِ فِيهِ إلَّا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ بِشَرْطِ الْمَصْلَحَةِ فَإِنْ كَانَ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ كَشَرِيكٍ أَوْ وَدِيعٍ وَخَشِيَ عَلَيْهِ مِنْ التَّلَفِ إنْ لَمْ يَتَعَهَّدْهُ بِالنَّفْضِ وَغَيْرِهِ لَزِمَهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمُطَالَعَةُ فِيهِ لِأَجَلِ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَا ذُكِرَ عَنْ هَذَا الْمُفْتِي وَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ يَجِبُ عَلَى الْوَدِيعِ لُبْسُ نَحْوِ الصُّوف وَالْجُوخِ وَلَيْسَ كَمَا فَهِمَهُ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَإِنَّ الْعَتَّ فِي الثِّيَابِ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا إنْ عَبِقَتْ فِيهِ رَائِحَةُ الْآدَمِيِّ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَازَ اللُّبْسُ بَلْ وَجَبَ بِخِلَافِ الْأَرَضَةِ هُنَا فَإِنَّهَا تَنْدَفِعُ مِنْ الْكُتُبِ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيبِ وَالنَّفْضِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْمُطَالَعَةِ فَلَمْ تَجُزْ نَعَمْ إنْ فُرِضَ أَنَّهُ نَظَرَ فِيهَا حَالَ النَّفْضِ وَلَمْ يَمْضِ زَمَنٌ لِأَجْلِ الْمُطَالَعَةِ لَمْ يَبْعُدْ الْقَوْلُ بِحِلِّ ذَلِكَ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ اطَّرَدَتْ بِأَنَّ الشُّرَكَاءَ إذَا سَامَحُوا بَعْضَهُمْ بِسُكْنَى الْمُشْتَرَكِ سَامَحُوهُ فِي أَنْ يَأْذَنَ لِمَنْ أَرَادَ فِي الدُّخُولِ إلَيْهِ وَلَا كَذَلِكَ فِي الْكُتُبِ إذْ كَثِيرًا مَا يَسْمَحُ الشَّخْصُ لِوَاحِدٍ وَيَضِنُّ بِهِ عَنْ أَشْخَاصٍ وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ الْجُوَيْنِيُّ قَوْلُ الْفَتَاوَى عَنْ

стр. 648

الْأَصْحَابِ يَجُوزُ الْمُرُورُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ إذَا لَمْ يَصِرْ بِذَلِكَ طَرِيقًا لِلنَّاسِ قَالَ فِي الْأَنْوَارِ وَلَوْ مَنَعَهُ الْمَالِكُ مِنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الِامْتِنَاعُ. اهـ. فَعُلِمَ بِهَذَا صِحَّةُ مَا قَالَهُ الْجُوَيْنِيُّ بِالْأَوْلَى. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ أُتِيَ بِآخَرَ جَاهِلٍ بِالْبَضَائِعِ وَالْأَثْمَانِ لِمَنْزِلِهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِ أَصْنَافًا مِنْ بِضَاعَتِهِ قَوَّمَهَا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ بِحَسَبِ اخْتِيَارِهِ وَوَزَنَ بَعْضَهَا فَتَاهَ بَعْضهَا وَجَعَلَهَا ضِمْنَ خَيْش وَمَعَ ذَلِكَ الرَّجُلِ دَارِهِمْ قَدْرُ قِيمَتِهَا فَبَاعَهُ نِصْفَهَا بِنِصْفِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمَيِّزَهَا ثُمَّ عَقَدَا شَرِكَةً عَلَيْهَا وَعَلَى الدَّرَاهِمِ وَأَذِنَ لَهُ فِي السَّفَرِ بِهِمَا وَالشِّرَاءِ بِهِمَا مَا أَحَبّ فَسَافَرَ ثُمَّ بَاعَهَا فَنَقَصَتْ عَنْ تَقْوِيمِهِ فَهَلْ الْخَسَارَةُ عَلَيْهِمَا وَهَلْ الْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرِكَةُ كَذَلِكَ أَوْ لَا وَهَلْ يَلْزَمُ الْمُتَصَرِّفَ مِثْلُهَا أَوْ قِيمَتُهَا أَوْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي مَبِيعِهَا؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَيَرْجِعُ بِمَا صَرَفَهُ عَلَيْهَا وَحَلَّفَهُ أَنَّهُ لَمْ يَخُنْهُ فِي وَزْنِهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا لَمْ يَرَ الْمُشْتَرِي تِلْكَ الْأَصْنَافَ الرُّؤْيَةَ الْمُمَيِّزَةَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ غَيْره فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ. وَكَذَا عَقْدُ الشَّرِكَةِ فَالدَّرَاهِمُ كُلُّهَا عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا وَالْأَصْنَافُ كُلُّهَا عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا لَكِنْ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي قَدْ وَقَعَ فِي نِصْفِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ فَيَلْزَمُهُ فِي الْمِثْلِيِّ مِنْهَا الْمِثْلُ وَفِي الْمُتَقَوِّمِ أَقْصَى قِيمَةٍ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ إلَى التَّلَفِ وَفِي نِصْفِهَا الْآخَرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ وَكِيلٌ فِيهِ فَلَا يَلْزَمهُ إلَّا مَا بَاعَ بِهِ إنْ كَانَ ثَمَنُ الْمِثْلِ فِي الْمَحَلِّ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ الْخَسَارَةِ فِي هَذَا النِّصْفِ شَيْءٌ وَمَا صَرَفَهُ عَلَى النِّصْفِ الْأَوَّل لَا يَرْجِعُ بِهِ وَمَا صَرَفَهُ عَلَى النِّصْفِ الثَّانِي بِالْإِذْنِ يَرْجِعُ بِهِ وَلَوْ تَنَازَعَا فِي قَدْر وَزْنهَا صُدِّقَ الْقَابِض بِيَمِينِهِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَضَعْ يَدَهُ إلَّا عَلَى الْقَدْرِ الْفُلَانِيِّ مِنْهَا وَعَلَى الْمُقْبِضِ الْبَيِّنَةَ، وَاَللَّه أَعْلَمُ. [بَابُ الْوَكَالَةِ] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ تَأَمُّلِ مَضْمُونِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ التَّوْكِيلِ وَالْإِذْنِ مِنْ الْمُوَكِّلَةِ لِوَكِيلِهَا الشَّرْعِيِّ وَهَلْ هِيَ وَكَالَةٌ مِنْ الْمُوَكِّلَةِ عَنْهَا وَعَنْ وَلَدِهَا كَافَّة هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَنْ الْمُوَكِّلَةِ وَعَنْ وَلَدهَا أَمْ هِيَ مُقْتَصِرَةٌ عَلَى التَّوْكِيلِ مِنْ الْمُوَكِّلَةِ فَقَطْ غَيْر دَاخِلٍ فِيهَا وَلَا فِي مَعَانِيهَا التَّوْكِيلُ عَنْ الْوَلَدِ وَبَيَّنُوا أَنَّ الْمُوَثِّقَ قَالَ فِي الْوَثِيقَةِ وَكَّلَتْ فُلَانَةَ الْفُلَانِيَّةَ فِي جَمِيعِ تَعَلُّقَاتِهَا وَجِهَادَتِهَا وَإِيجَارِ مَا تَرَى فِي إيجَارِهِ مِنْ كَامِلِ الْعَقَارِ وَمَشَاعِهِ الْكَائِنِ بِكَذَا وَكَذَا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَمَا فَوْقَهَا وَفِي قَبْضِ الْأُجْرَةِ وَغَيْرِهَا وَفِي الدَّعْوَى بِحُقُوقِ الْمُوَكِّلَةِ لَدَى السَّادَةِ الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ وَكَالَةً صَحِيحَةً شَرْعِيَّةً مُطْلَقَةً فِي ذَلِكَ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ أَقَامَتْهَا فِي ذَلِكَ مَقَامَ نَفْسِهَا وَرَضِيت بِقَوْلِهَا وَفِعْلِهَا وَأَذِنْت لَهَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ نَفْسِهَا وَعَنْ مَحْجُورِهَا وَلَدِهَا فُلَانٍ الْمَشْمُولِ بِحَجْرِهَا بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ وَالِدِهِ الْمَذْكُورِ إذْنًا شَرْعِيًّا وَإِذَا اتَّصَلَ بِقَاضِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ هَذَا الْإِيصَاءُ أَوْ بِثُبُوتِ الْوَصِيِّ الَّذِي أَثْبَتَهُ تَصِحُّ ذِي الْوَكِيلَةُ عَنْ هَذَا الْمَحْجُورِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الْمَذْكُورَةُ أَنَّ ذَلِكَ وَكَالَةً عَنْهَا وَعَنْ مَحْجُورِهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَأَذِنْت لَهَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ جَمِيعِ تَعَلُّقَاتِهَا وَجِهَاتِهَا وَهَذَا يَشْمَلُ مِلْكَهَا وَمَا لَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْوَصِيَّةِ أَوْ غَيْرِهِ فَصَحَّ رُجُوعُ قَوْلِهَا عَنْ نَفْسِهَا وَعَنْ مَحْجُورِهَا إلَى جَمِيعِ مَا قَبْلَهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ مِلْكِهَا وَمِلْكِ مَحْجُورِهَا فَلِلْوَكِيلِ حِينَئِذٍ الدَّعْوَى عَنْ هَذَا الْمَحْجُورِ لَكِنْ إنْ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْوَكَالَةِ عَنْ وَلِيِّ الْمَحْجُورِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ قَالَ أَنْتَ وَكِيلٌ بِبَيْعِ كَذَا وَتَجِيئُنِي بِالثَّمَنِ هَذَا الْيَوْمَ وَإِنْ لَمْ تَجِئْنِي بِهِ فَلَسْت بِوَكِيلٍ فَبَاعَ الْوَكِيلُ وَلَمْ يَأْتِهِ بِالثَّمَنِ لَكِنَّهُ قَبَضَهُ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ لَفْظُ الْمُوَكِّلِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ تَجِئْنِي بِهِ فَلَسْت بِوَكِيلٍ إنْ لَمْ تَجِئْنِي بِهِ الْيَوْمَ فَلَسْت بِوَكِيلٍ فِيهِ وَلَا فِيمَا بَعْدَهُ فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ مُرَادُهُ أَوْ جُهِلَ حَاله عَمِلْنَا بِقَضِيَّتِهِ اتِّبَاعًا لِمُرَادِهِ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلِمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ لَفْظِهِ فِي الثَّانِي وَتِلْكَ الْقَضِيَّةُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِئْهُ بِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ مَعْزُولًا فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ فَبَيْعُهُ الْمَذْكُورُ إنْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَمْ يَجِئْهُ بِالثَّمَنِ كَانَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ حِينَئِذٍ مُوَقَّتَةٌ بِزَمَنٍ وَمُعَلَّقٍ

стр. 649

عَزْلُهَا بِشَرْطٍ وَحُكْمُهَا مَا ذُكِرَ وَحَيْثُ صَحَّ بَيْعُهُ فَلَمْ يَقْبِضْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَبَضَهُ وَالْبَيْعُ فَاسِدٌ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ أَوْ وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَيْهِ إنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي قَبْضِهِ وَإِلَّا ضَمِنَهُ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ وَكَّلَ شَخْصًا مُعَيَّنًا فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ وَكَّلَ كُلَّ مُسْلِمٍ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ فِي تَعَاطِي ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ الْمَذْكُورِ فَهَلْ يَسُوغُ تَوْكِيلُ الثَّانِي أَمْ لَا لِجَهَالَتِهِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ أَمْ لَا أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ مُرَتَّبًا وَأَزِيلُوا اللَّبْسَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَفَسَّحَ فِي مُدَّتِكُمْ بِبَلَدِهِ الْحَرَامِ وَبَلَّغَكُمْ جَمِيعَ الْمَرَامِ بِجَاهِ مُحَمَّدٍ ﵊؟ (فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَوْكِيلُ الثَّانِي الْمَجْهُولِ صَحِيحٌ أَيْ إنْ أَرَادَ بِعِنْدَ التَّعَذُّرِ أَنَّهُ شَرْطٌ لِلتَّصَرُّفِ وَفَاسِدٌ إنْ أَرَادَ بِهِ تَعْلِيقَ الْوَكَالَةِ وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إذَا وُجِدَ شَرْطُهُ أَوْ مَا عَلَّقَهُ بِهِ وَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِهِ كَمَا بَحَثَهُ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ قَالَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ اهـ. وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ نَظِيرُهُ الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي الْمُوَكَّلِ فِيهِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّا وَإِنْ قُلْنَا بِهَذَا فِي الْوَكِيلِ لَا نَقُولُ بِنَظِيرِهِ فِي الْوَصِيِّ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّهُ يُحْتَاطُ فِيهِ بِالْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا مَا لَا يُحْتَاطُ بِهِ فِي الْوَكِيلِ فَاغْتُفِرَ الْجَهْلُ هُنَا تَبَعًا وَلَمْ يُغْتَفَرْ ثَمَّ مُطْلَقًا وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ صِحَّةَ الْوِصَايَةِ مَعَ التَّعْلِيقِ وَالشَّرْط بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ وَإِنْ نَفَذَ التَّصَرُّفُ فِيهَا؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْوِصَايَةِ عَلَى التَّعْلِيقِ إذْ هِيَ تَعْلِيق تَصَرُّفٍ بِالْمَوْتِ فَلَمْ يَكُنْ التَّعْلِيقُ مُنَافِيًا لَهَا بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ فَإِنَّ وَضْعَهَا عَلَى التَّنْجِيزِ فَنَافَاهَا كُلٌّ مِنْ التَّعْلِيقِ وَالشَّرْطِ، وَاَللَّه أَعْلَم. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ وَكَّلَ آخَرَ فِي بَيْعِ مَا هُوَ مُرْسِلٌ صُحْبَتَهُ مِنْ الْبَضَائِعِ مِنْ أَصْنَافِ التِّجَارَةِ وَمِنْ فَتْحٍ حَاصِلٍ لَهُ آخَر فِي بَلَدٍ آخَر مَعْلُومَةٍ وَفِي قَبْضِ مَا فِيهِ وَبَيْعِهِ مِنْ الْبَضَائِعِ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ الْأَصْنَافِ وَإِرْسَالِ مَا يَرَاهُ مِنْ الْبَعْضِ بَحْرًا وَبَرًّا إلَى بَلَدِ الْمُوَكِّلِ فَتَصَرَّفَ فِي بَعْضِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَجَهَّزَ لَهُ فِي تَجْهِيزِهِ صُحْبَة مَنْ أَذِنَ الْمُوَكِّلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرْسَلُ مِنْ الصِّنْفِ الْمَذْكُورِ صُحْبَته فِي مَرْكَبٍ عَيَّنَهُ فَجَهَّزَ الْوَكِيلُ الصِّنْفَ الْمَذْكُورَ وَأَكْرَى عَلَيْهِ بَرًّا وَبَحْرًا وَسَلَّمَ جَمِيع الْكَرْي عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ نَحْوُ ثَلَاثِينَ حِمْلًا ثُمَّ بَعْدَ تَسَلُّمِ الْجَمَّالَةِ الْحِمْلَ الْمَذْكُورَ وَالْكَرْي عَنْهُ وَخَرَجُوا خَارِجَ الْبَلَدِ الْمَذْكُورِ وَرَدَ كِتَابٌ مِنْ الْمُوَكِّل الْمَذْكُورِ بَعْدَ إخْرَاج الصِّنْفِ الْمَذْكُورِ إلَى الْوَكِيلِ بِعَدَمِ تَسْلِيمِ الْجَمَّالَةِ لِلْحِمْلِ الْمَذْكُورِ وَالْكَرْي وَالْحَالُ أَنْ لَا قُدْرَةَ لِلْوَكِيلِ عَلَى رَدِّهِ لِتَعَذُّرِهِ وَعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ هَرَبَتْ الْجَمَّالَةُ خَشْيَةً مِنْ خُرُوجِ الْعِمَارَةِ الْخَنْكَارِيَّةِ وَالْعَسَاكِرِ السُّلْطَانِيَّةِ وَتَضْيِيقُهُمْ الدُّرُوبَ وَالطُّرُقَ وَعَسُرَ رَدُّ الْجَمَّالَةِ وَالْحِمْلِ إلَى الْبَلَدِ وَرَدُّ مَا أَخَذُوهُ وَقَبَضُوهُ مِنْ الْكَرْي لِذَلِكَ. وَفَوَاتُهُ عَلَيْهِ وَيَحْتَاجُ فِي رَدِّهِ إلَى مَصْرِفٍ كَبِيرٍ لِعَوْدِهِ مِنْ خَارِجِ الْبَلَدِ بَعْدَ تَحْصِيلِ الْجَمَّالَةِ وَخَلَاصِ الْكَرْي مِنْهُمْ وَالْحِمْل وَحَمْلِهِ وَتَدْخِيلِهِ إلَى مَالٍ كَثِيرٍ فَرَأَى إبْقَاءَهُ عَلَى الْإِرْسَالِ وَرَأَى ذَلِكَ رِفْقًا بِمَالِ الْمُوَكِّلِ مِنْ تَكَرُّرِ الْكُلَفِ وَالْمَصْرُوفِ عَلَيْهِ وَتَعَذُّره عَلَيْهِ وَعَجْزه عَنْ ذَلِكَ فَوَصَلَ الْحِمْلُ الْمَذْكُورُ إلَى الْمَرْكَبِ الْمَذْكُورِ الْإِرْسَال فِيهِ مُعَيَّنًا كَمَا أَذِنَ فِي ذَلِكَ فَجَرَى عَلَيْهِ الْغَرَقُ فَمَا حُكْمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ هَلْ الْأَعْذَارُ الْمَذْكُورَةُ أَعْلَاهُ مَقْبُولَةٌ مِنْ الْوَكِيلِ الْمَذْكُورِ وَتَبْرَأُ عُهْدَتُهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِعَجْزِهِ وَتَعَذُّرِهِ عَلَيْهِ وَهَلْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ أَوْ حَلِفُهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِذَا أَقَامَ الْمُوَكِّلُ الْمَذْكُورُ بَيِّنَةً تُنَافِي بَيِّنَةَ الْوَكِيلِ أَوْ حَلَفَ يُعْمَلُ بِبَيِّنَةِ الْمُوَكِّلِ أَوْ بَيِّنَةِ الْوَكِيلِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ إذَا عَجَزَ الْوَكِيلُ عَنْ تَخْلِيصِ الْأَحْمَالِ الْمَذْكُورَةِ مِمَّنْ أَعْطَاهَا لَهُمْ بِأَنْ امْتَنَعُوا مِنْ إعْطَائِهَا لَهُ لِشَوْكَتِهِمْ أَوْ هَرَبِهِمْ وَثَبَتَ عَجْزُهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِحَلِفِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يَضْمَنْ مَا غَرِقَ مِنْهَا وَلَا عِبْرَةُ بِوُصُولِ الْكِتَابِ إلَيْهِ حِينَئِذٍ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَخْلِيصِهَا مِنْهُمْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْحُكَّامِ فَتَرَكَ لَمَّا رَأَى فِي ذَلِكَ الْحَظَّ لِلْمُوَكِّلِ بِتَرْكِ مَا يُصْرَفُ عَلَى رَدِّهَا إلَى مَحَلِّهَا فَإِنْ ثَبَتَ أَوْ صَدَّقَ الْوَكِيلُ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَهُ خَطُّ الْمُوَكِّلِ أَوْ أَمَرَ بِهِ وَصَدَّقَهُ الْوَكِيلُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِكِتَابَتِهِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَلْفَاظُهُ أَوْ حَلَفَ الْمُوَكِّلُ عَلَى ذَلِكَ ضَمِنَ الْوَكِيلُ مَا أَرْسَلَهُ لِتَقْصِيرِهِ بِالْأَرْسَالِ حِينَئِذٍ وَلَا عِبْرَةَ بِكَوْنِهِ قَصَدَ بِعَدَمِ الرَّدِّ الرِّفْقَ بِمَالِ الْمُوَكِّل وَأَمَّا إذَا لَمْ يَثْبُتْ وَلَا صُدِّقَ الْوَكِيلُ عَلَى أَنَّ

стр. 650

ذَلِكَ الْكِتَابَ بِخَطِّ الْمُوَكِّلِ وَلَا بِأَمْرِهِ أَوْ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِكِتَابَتِهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ حِينَئِذٍ وَإِذَا أَقَامَ الْوَكِيلُ بَيِّنَةً بِالْعَجْزِ عَنْ الْأَرْسَالِ وَأَقَامَ الْمُوَكِّلُ بَيِّنَةً بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْإِرْسَالِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْوَكِيلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ عَنْ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْإِرْسَال وَبَيِّنَةُ الْمُوَكِّلِ مُسْتَصْحِبَةٌ لِأَصْلِ الْقُدْرَةِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْوَكِيلِ هُمَا مُتَعَارِضَتَانِ فَيُصَدَّقُ الْوَكِيلُ بِيَمِينِهِ، وَاَللَّه أَعْلَم (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ وَكَّلْتُك تَقْبِضُ لِي جَمِيعَ أَمْلَاكِي بِبَلَدِ فُلَانٍ وَهُوَ نَاءٍ عَنْهُ وَأَمْلَاكُهُ عَقَارٌ وَمَنْقُولٌ وَبَعْضُ الْمَنْقُولِ مَا يُسَاوِي أُجْرَةَ النَّقْلِ لَوْ نُقِلَ إلَيْهِ فَهَلْ لَهُ بَيْعُ الْعَقَارِ وَمَا يَشُقُّ نَقْلُهُ ثُمَّ يُنْقَلُ ثَمَنُهُ أَمْ لَا فَمَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) لَيْسَ لِلْوَكِيلِ الْبَيْعُ فِيمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ خُصُوصًا وَلَا عُمُومًا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَذِنَ وَلَوْ عُمُومًا كَأَنْ أَمَرَهُ بِفِعْلِ الْأَصْلَحِ أَوْ مَا أَرَادَ فَلَهُ فِي الْأُولَى الْبَيْع إنْ كَانَ أَصْلَحَ وَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ الْبَيْعُ مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) هَلْ يَقُومُ الْوَكِيلُ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ بِقَبْضِ الزَّكَاةِ لَهُ مِنْ الْبَلَدِ الْبَعِيدَةِ عَنْ بَلَدِ الْمُوَكِّلِ؟ (فَأَجَابَ) لَا يَقُومُ الْوَكِيلُ مَقَام الْمُوَكِّل فِي قَبْضِ الزَّكَاةِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَال؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّل لَمْ يَثْبُت لَهُ حَقّ حَتَّى يُوَكِّلَ فِي اسْتِيفَائِهِ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي بَلَدٍ بِأَنْ كَانَ فِيهِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ ثَلَاثَةٌ فَأَقَلُّ حَالَ حَوَلَانِ الْحَوْل مَعَ التَّمَكُّنِ جَازَ لِمَنْ سَافَرَ مَعَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبِضُ لَهُ حِصَّتَهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقِّينَ إذَا انْحَصَرُوا كَذَلِكَ مَلَكُوا الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ فِي أَمْوَالِ تِلْكَ الْبَلَدِ مِلْكًا حَقِيقِيًّا يُورَثُ عَنْهُمْ وَيَسْتَحِقُّونَ الْمُطَالَبَةَ بِهِ فَإِذَا غَابَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَوَكَّلَ مَنْ يُطَالِبُ لَهُ بِحَقِّهِ أَوْ يَقْبِضُهُ لَهُ نَفَذَ ذَلِكَ التَّوْكِيلُ، وَاَللَّه أَعْلَم. (وَسُئِلَتْ) عَمَّنْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ بَقَرَةٍ فَاشْتَرَاهَا وَسَلَّمَ الْمُوَكِّلُ ثَمَنَهَا قَبَضَهَا فَبَقِيَتْ مَعَهُ مُدَّةً حَتَّى كَثُرَ نَسْلُهَا وَمُؤْنَتُهَا فَقَالَ الْوَكِيلُ لَمْ اشْتَرِهَا إلَّا لِي وَأَرَادَ أَخْذَهَا وَنَسْلَهَا وَتَغْرِيمَ مُوَكِّلِهِ مَنَافِعَهَا مَا الْحُكْمُ (فَأَجَبْت) بِقَوْلِي يُصَدَّقُ الْوَكِيلُ بِيَمِينِهِ فِي أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ مَا لَمْ يَثْبُت أَنَّهُ قَالَ اشْتَرَيْت لِمُوَكِّلِي أَوْ نَحْوه مِمَّا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ وُقُوعُ الْعَقْدِ لِلْوَكِيلِ وَإِذَا صَدَّقْنَاهُ بِيَمِينِهِ أَخَذَهَا وَنَسْلهَا وَغَرِمَ وَاضِعُ الْيَدِ عَلَيْهَا تَعَدِّيًا أُجْرَة مِثْلِهَا مُدَّةَ وَضْعِ الْيَدِ وَطَلَبُهُ شِرَاهَا مِنْهُ اعْتِرَافٌ لَهُ بِالْمِلْكِ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَهُ الدَّعْوَى بِهِ فَإِنْ طَلَبَ شِرَاءَ بَعْضِ نَسْلِهَا كَانَ اعْتِرَافًا فِيمَا طَلَبَ شِرَاءَهُ فَقَطْ. (وَسُئِلَ) عَنْ الْوَكِيلِ إذَا أَخَلَّ بِشَرْطٍ بِأَنْ قَالَ لَهُ لَا تَبِعْ بِالنَّسِيئَةِ وَلَا تَدْخُلْ الْبَلْدَةَ الْفُلَانِيَّةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَخَالَفَ فَهَلْ تَفْسُدُ الْوَكَالَةُ فَإِذَا قُلْتُمْ بِفَسَادِهَا وَتَصَرَّفَ فِيهَا بَعْدَ الْفَسَادِ فَهَلْ يَكُونُ تَصَرُّفُهُ هَذَا صَحِيحًا وَرِبْحُ ذَلِكَ لِمَنْ يَكُونُ وَإِذَا تَلِفَ الْمَالُ هَلْ يَضْمَنُ وَهَلْ الْوَكَالَةُ وَالْإِذْنُ سِيَّانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَوْ بَيْنهمَا فَارِقٌ كَقَوْلِهِ أَذِنْت لَهُ بِبَيْعِ هَذَا أَوْ وَكَّلْته بِبَيْعِ هَذَا أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) إذَا أَخَلَّ الْوَكِيل بِالشَّرْطِ كَأَنْ قَالَ لَهُ مُوَكِّلُهُ لَا تَبِعْ أَوْ لَا تَشْتَرِ بِنَسِيئَةٍ فَبَاعَ أَوْ اشْتَرَى بِهَا بَطَلَ الْبَيْعُ أَوْ الشِّرَاءُ وَلَا رِبْحَ لِلْوَكِيلِ وَلَا لِمُوَكِّلِهِ بَلْ الْعَيْنُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ هُنَا رِبْحٌ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ الْوَارِدَةَ عَلَيْهَا مِنْ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ وَفُرُوعِهِمَا كُلَّهَا بَاطِلَةٌ وَإِذَا خَالَفَ الْوَكِيلُ الشَّرْطَ وَبَاعَ فَاسِدًا وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ ضَمِنَهُ لِتَعَدِّيهِ وَكَذَا لَوْ اسْتَرَدَّهُ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ وَالْوَكَالَةُ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْإِذْنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ حَيْثُ فَسَدَتْ الْوَكَالَةُ وَلَمْ يَفْسُدْ الْإِذْنُ فَتَصَرَّفَ الْوَكِيلُ عَلَى وَفْقِهِ صَحَّ التَّصَرُّفُ رِعَايَةً لِعُمُومِ الْإِذْنِ دُونَ خُصُوصِ الْوَكَالَةِ وَفَائِدَةُ صِحَّةِ الْوَكَالَةِ مَعَ نُفُوذِ التَّصَرُّفِ فِي فَاسِدِهَا اسْتِقْرَارُ الْجُعْلِ الْمُسَمَّى إنْ كَانَ بِخِلَافِهِ فِي الْفَاسِدَةِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ وَتَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَم. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ أَرْسَلَ لِآخَرَ فِضَّةً لِيَبِيعَهَا لَهُ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ فَلَمْ تَسْوَ إلَّا دُونَ ذَلِكَ فَأَمَرَ صَاحِبُ الْفِضَّةِ شَخْصًا آخَر بِأَنْ يُطَالِبَ ذَلِكَ الشَّخْصَ الْأَوَّلَ بِالْفِضَّةِ وَيَأْخُذَهَا مِنْهُ وَيَأْتِيَ بِهَا لِصَاحِبِهَا فَجَاءَ وَأَخَذَهَا ثُمَّ سَافَرَ بِهَا إلَى مَالِكِهَا لِيَدْفَعَهَا لَهُ ثُمَّ قَالَ إنَّهَا سُرِقَتْ أَوْ إنَّهَا سَقَطَتْ مِنِّي وَلَا عِلْم لِي وَقَالَ أَنَا أُعْطِي ثَمَنَهَا وَأَعْطَى مَالِكَهَا بَعْضَ الثَّمَنِ ثُمَّ إنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ إعْطَاءِ بَاقِي الثَّمَنِ فَمَا حُكْمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ

стр. 651

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ قَصَّرَ قَابِضُ الْفِضَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حِفْظِهَا بِأَنْ لَمْ يُحْكِمْ رَبْطَهَا أَوْ جَعَلَ الرَّبْطَةَ مِنْ دَاخِلِ الثَّوْبِ فَانْحَلَّتْ ضَمِنَهَا وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فِي حِفْظِهَا أَوْ ادَّعَى أَنَّهَا سُرِقْت مِنْهُ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ فِي رَبْطِهَا وَلَا فِيهَا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا غَرِمَهُ إنْ أَعْطَاهُ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَم. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ نَذَرَ عَدَمَ مُطَالَبَةِ مَدِينِهِ صَحَّ وَلَزِمَ فَلَوْ وَكَّلَ مَنْ يُطَالِبُهُ فَهَلْ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ وَلِلْوَكِيلِ مُطَالَبَتُهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا الصِّحَّةُ وَالْمُطَالَبَةُ حَالًا إذْ النُّذُورُ وَالْأَيْمَان أَخَوَانِ وَعَلَيْهِ جَرَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ النَّذْرَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَفِعْلُ الْوَكِيلِ غَيْرُ فِعْلِهِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ النَّذْرَ بِقُرْبَةٍ فَقَالَ لِلَّهِ عَلِيَّ إنْ طَالَبْت فُلَانًا بِشَيْءٍ قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ مَثَلًا عِتْقُ عَبْدِي سَالِمٍ ثُمَّ طَالَبَهُ عَتَقَ سَالِمٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَكَّلَ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ اتِّفَاقًا فَإِنْ قُلْت شَرْطُ الْمُوَكِّلِ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى مُبَاشَرَةِ مَا وُكِّلَ فِيهِ قُلْنَا هَذَا أَغْلَبِيٌّ لَا كُلِّيٌّ فَقَدْ اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ كَالْأَعْمَى يُوَكَّلُ فِي نَحْوِ الْبَيْعِ وَمَنْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي مِنْ زَيْدٍ مَثَلًا فَوَكَّلَ صَحَّ مَعَ عَجْزِهِ عَنْ مُبَاشَرَةِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ بِمُقْتَضَى الْحَلِفِ وَإِنَّمَا مَنَعُوا ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ فِيهِ سِفَارَةٌ مَحْضَةٌ وَقَدْ جَعَلُوا التَّوْكِيلَ مِنْ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى انْحِلَالِ الدَّوْرِ فِي مَسَائِلِهِ (وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا مَاتَ الْوَكِيلُ بِبَيْعِ عَيْنٍ وَلَمْ تُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ وَلَا وَصَّى بِثَمَنِهَا وَجَهِلَ الْوَرَثَةُ فِيهَا وَقَدْ كَانَ غَرِقَ فِي الْبَحْرِ وَنُهِبَ فِي الْبَرِّ فَهَلْ يَضْمَنُ وَمَنْ يُصَدَّقُ فِي قِيمَتِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِي الْمُودَعِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ أَنَّهُ يَضْمَنُ وَإِنْ بَحَثَ الْغَزِّيُّ خِلَافَهُ وَذَكَرَ مِثْلَهُ فِي الْبَيَانِ وَمَحَلُّ ضَمَانِهَا التَّرِكَةُ كَالدَّيْنِ وَلَوْ وَصَّى بِهَا فِي مَرَضِهِ أَيْضًا مُمَيِّزًا لَهَا عَنْ غَيْرِهَا وَلَمْ تُوجَدْ فَلَا ضَمَانَ وَالْمُصَدَّقُ فِي الْقِيمَةِ الْغَارِمُ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته قَوْلُ التَّوْشِيحِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ مِنْ حَالِ الْأَمَانَةِ شَيْءٌ وَجَبَ ضَمَانُهَا فِي التَّرِكَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْأَمَانَاتِ نَعَمْ إذَا ادَّعَى الْوَارِثُ مُسْقِطًا مِنْ تَلَفٍ أَوْ رَدِّ مُورَثِهِ وَحَلَفَ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ كَمَا اقْتَضَاهُ مَا فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَصُورَةُ حَلِفِهِ أَنَّهُ إنْ ادَّعَى التَّلَفَ حَلَفَ عَلَيْهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي التَّفْرِيطِ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا وَكَّلَ بِبَيْعِ دَارِهِ وَهُوَ يَجْهَلُهَا هَلْ يَصِحُّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ عِنْدَ تَوْكِيلِهِ كَمَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ شَخْصٍ لَهُ أَمَةٌ فِي يَدِ وَكِيلِهِ فَهَرَبَتْ إلَى دَارِ رَجُلٍ فَحَفِظَهَا وَنَادَى عَلَيْهَا فَظَهَرَ الْوَكِيلُ فَقَالَ لَهُ امْضِ مَعِي إلَيْهَا فَامْتَنَعَ وَمَالِكُهَا غَائِبٌ وَالرَّجُلُ جَاهِلٌ بِرَفْعِ الْأَمْرِ إلَى الْحَاكِمِ فَبَعْد ذَلِكَ هَرَبَتْ مِنْ عِنْدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَهَلْ يَضْمَنُهَا وَلَوْ أَنَّهُ وَجَدَهَا خَارِجَ بَيْتِهِ فَأَخَذَهَا إلَيْهِ وَطَلَبَهَا الْوَكِيلُ فَقَالَ أَعْطِنِي أَشَرَفِيَّيْنِ وَخُذْهَا فَلَمْ يُعْطِهِ ثُمَّ هَرَبَتْ مِنْ بَيْتِهِ فَهَلْ يَضْمَنُهَا وَإِذَا ادَّعَى مَالِكُهَا أَنَّ وَكِيلَهُ طَلَبَهَا مِمَّنْ هِيَ مَعَهُ فَامْتَنَعَ إلَّا بِتَسْلِيمِ أَشَرَفِيَّيْنِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّ الْوَكِيلَ امْتَنَعَ مِنْ أَخْذِهَا وَأَقَامَ بَيِّنَةً فَأَيُّهُمَا تُقَدِّمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا دَخَلَتْ الْجَارِيَةُ الْمَذْكُورَةُ دَارَ رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ مِنْهُ لَهَا وَلَمْ يَنْقُلْهَا فَهَرَبَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا وَإِنْ عَرَفَ مَالِكهَا وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِالْحَالِ فَإِنْ أَخَذَهَا بَيْتَهُ ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهَا لِلْوَكِيلِ بَعْدَ الطَّلَبِ وَثُبُوتِ وَكَالَتِهِ ضَمِنَ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ امْتِنَاعُهُ مِنْ تَسْلِيمِهَا لِلْوَكِيلِ ضَمِنَهَا وَإِنْ امْتَنَعَ الْوَكِيلُ مِنْ الْقَبْضِ بَعْدُ نَعَمْ لَوْ أَرَّخْتَ الِامْتِنَاعَيْنِ بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ تَعَارَضَتَا وَلَا ضَمَانَ وَقَدْ يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ الِامْتِنَاعَيْنِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ مَعَ تَضْمِينِ أَحَدِهِمَا وَذَلِكَ حَيْثُ طَلَبَ مِنْ الْوَكِيلِ أَنْ يَقْبِضَهَا بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ الْأَشْرَفِيَّيْنِ فَامْتَنَعَ الْوَكِيلُ مِنْ ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَكَّلَ غَيْرَهُ فِي فَسْخِ عَقْدٍ فِي عَيْنٍ وَبَيْعِهَا مِنْ آخَرَ فَهَلْ يَصِحُّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ الْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَصِحُّ. (وَسُئِلَ) عَنْ إنْسَانٍ وَكِيلٍ عَنْ آخَرَ عَلَى مَتْجَرٍ تَحْتَ يَدِهِ بَاعَ فِيهِ وَاشْتَرَى أُسْوَةَ أَمْثَالِهِ فَلَمَّا أَرَادَ الْحُضُورَ إلَى مُوَكِّلِهِ تَرَكَ بَعْضَ الْبِضَاعَةِ بِحَاصِلِ مُوَكِّلِهِ وَحَمَلَ بَعْضَهَا فِي الْبَحْرِ وَبَعْضَهَا فِي الْبَرِّ فَوَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابٌ مِنْ مُوَكِّلِهِ بِمَنْعِهِ مِنْ الْحُضُورِ بِالصِّنْفِ الْفُلَانِيِّ مَثَلًا وَالْحَالُ أَنَّ الْوَكِيلَ مَا وَرَدَ

стр. 652

عَلَيْهِ الْكِتَابُ إلَّا وَقَدْ جَهَّزَ الصِّنْفَ الَّذِي ظَهَرَ أَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ الْحُضُورِ بِهِ مَعَ الْعَرَبِ وَأَكْرَى عَلَيْهِ مَعَهُمْ وَتَفَرَّقُوهُ وَظَهَرُوا بِهِ إلَى ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ الَّتِي وَرَدَ إلَيْهَا كِتَابُ الْمُوَكِّلِ الْمَذْكُورِ فَجَاءَ الْوَكِيلُ لَمَّا عَسُرَ عَلَيْهِ عَوْدُ الصِّنْفِ الْمَذْكُورِ وَفَوَاتُ الْكِرَاءِ عَلَى الصِّنْفِ الْمَذْكُورِ بَرًّا وَبَحْرًا إلَى بَعْضِ التُّجَّارِ وَعَرَّفَهُمْ بِوُرُودِ الْكِتَابِ عَلَيْهِ مِنْ مُوَكِّلِهِ وَأَنَّهُ مَنَعَهُ مِنْ الْحُضُورِ بِالصِّنْفِ الْفُلَانِيِّ. وَقَالَ لَا أَقْدِرُ عَلَى عَوْدِ ذَلِكَ وَأَخْشَى أَنْ يَفُوتَ الْكِرَاءُ عَلَى مُوَكِّلِي عِنْدَ الْجَمَّالَةِ وَصَاحِبِ الْمَرْكَبِ وَتَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ وَأَرْسَلَهُ وَالْحَالُ أَنَّ الصِّنْفَ الْمَذْكُورَ نَحْوُ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ حِمْلًا فَحَصَلَ عَلَى الصِّنْفِ الْمَذْكُورِ أَمْرُ اللَّهِ وَفَاتَ مِنْهُ نَحْوُ الثُّلُثَيْنِ وَسَلِمَ الثُّلُثُ فَهَلْ إذَا عَجَزَ الْوَكِيلُ عَنْ إعَادَة الصِّنْفِ الْمَذْكُورِ إلَى مَحَلِّهِ لِعُذْرٍ وَاضِحٍ هُوَ فِي أَوَانِ خُرُوجِ الْعِمَارَةِ الْخَنْكَارِيِّةِ وَالْبَاشَا وَالْعَسَاكِر وَتَضْيِيقِهِمْ فِي الدَّوَابِّ وَالتَّضْيِيق عَلَى أَرْبَابِهَا وَجَاءَ لَهُمْ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ يَضْمَنُ الْوَكِيلُ مَا فَاتَ أَمْ لَا وَإِذَا وَجَدَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِذَلِكَ تُقْبَلُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا عَجَزَ الْوَكِيلُ عَنْ تَخْلِيص الْأَحْمَالِ الْمَذْكُورَةِ مِمَّنْ أَعْطَاهَا لَهُ لِيَحْمِلَهَا إلَى مُوَكِّلِهِ وَكَانَ مُوَكِّلُهُ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي حَمْلِهَا إلَيْهِ فَتَلِفَ بَعْضُهَا أَوْ كُلُّهَا فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْ الْوَكِيلِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ أَثْبَتَ الْعَجْزَ الْمَذْكُورَ أَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ وَلَا عِبْرَةَ بِوُصُولِ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ إلَيْهِ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ إلَّا إنْ ثَبَتَ وَصُدِّقَ الْوَكِيلُ عَلَى أَنَّهُ خَطُّ مُوَكِّلِهِ أَوْ أَمَرَ بِهِ وَصُدِّقَ الْوَكِيلُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِكِتَابَتِهِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَلْفَاظُهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي فَتَاوِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْته أَوْ لَا مِنْ عَدَمِ الضَّمَانِ وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ مَا صَرَّحَ بِمَا ذَكَرْته فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ. (وَسُئِلَ) هَلْ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ وَالِاسْتِيفَاءِ وَالْمُصَالَحَةِ بِمَا يَرَى الْوَكِيلُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَجُوزُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَقَدْ قَالُوا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِي الْخُصُومَاتِ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَفِي اسْتِيفَاءِ الْعُقُوبَاتِ وَالْحُدُودِ الَّتِي لِلْآدَمِيِّ وَسَائِر الْحُقُوقِ قَالُوا وَلَوْ قَالَ لَهُ بِعْ بِمَا شِئْت صَحَّ وَكَانَ إذْنًا فِي بَيْعِهِ بِالْعَرْضِ فَكَذَا قَوْله صَالَحَ بِمَا تَرَى يَصِحُّ أَيْضًا وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ بِحُقُوقِهِ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِمَا ثَبَتَ مِنْهَا لِلْمُوَكِّلِ بَعْدَ الْوَكَالَةِ كَمَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ فِي بَيْعِ ثَمَرِ شَجَرَتِهِ الَّذِي يَحْدُثُ وَفَارَقَ بُطْلَانَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ سَيَمْلِكُهُ وَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي أَمْلَاكِهِ ثُمَّ حَدَثَ لَهُ مِلْكٌ بِإِرْثٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ التَّاجُ الْفَزَارِيّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْأُولَى الْحَقُّ فِيهَا مَوْجُودٌ لَكِنْ لَمْ يَثْبُت حَالًا وَفِي الثَّانِيَةِ مَالِكٌ لِأَصْلِ الثَّمَرَةِ بِخِلَافِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فَإِنَّهُ تَوْكِيلٌ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ وَلَا مَلَكَ أَصْلَهُ وَلَا هُوَ مَوْجُودٌ حَالَ الْوَكَالَةِ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِصِحَّةِ تَوْكِيلِهِ فِيمَا يَمْلِكُهُ الْآنَ وَمَا سَيَمْلِكُهُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ شَرْطَ الْمُوَكِّلِ فِيهِ أَنْ يَمْلِكَ الْمُوَكِّلُ التَّصَرُّفَ فِيهِ حِينَ التَّوْكِيلِ أَوْ يَذْكُرَهُ تَبَعًا لِذَلِكَ أَوْ يَمْلِكُ أَصْلَهُ. (وَسُئِلَ) عَنْ الْمُوَكِّلِ إذَا طَلَبَ مِنْ وَكِيلِهِ بَيَانًا لِتَصَرُّفَاتِهِ فِيمَا وَكَّلَ فِيهِ هَلْ يَلْزَمُهُ الْبَيَانُ وَهَلْ تُعْتَبَرُ دَفَاتِرُهُ وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ زِيَادَةً عَلَى مَصْرُوفِ كُتُبِهِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَطْلَقَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ كُلَّ أَمِينٍ طُلِبَ مِنْهُ الْبَيَانُ وَالْحِسَابُ لَزِمَهُ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا فِي الْخَطِّ وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِمَا يَقَعُ فِي الْجَوَابِ وَالدَّعْوَى وَإِذَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ صَرَفَ كَذَا عَنْ كَذَا ثُمَّ ادَّعَى زِيَادَةً لَمْ يُقْبَلْ لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي بَعْض الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ حَيْثُ ذَكَرَ عُذْرًا يُقْبَلُ بِالنِّسْبَةِ لِتَحْلِيفِ الْمُوَكِّلِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَاَللَّه أَعْلَم. (وَسُئِلَ) هَلْ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِ الْوَكِيلِ أَوْ مِنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ لِلْمُوَكِّلِ وَإِذَا كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ وَكِيلِهِ أَلْفٌ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْهُ فِي كَذَا مِنْ طَعَامٍ فَأَسْلَمَهُ هَلْ يَصِحُّ أَيْضًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ بِجَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ مِنْ مَالِ الْوَكِيلِ وَيَرْجِع بِمَا أَدَّاهُ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي التَّوْكِيلِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَلَوْ بَاعَهُ قَدْرَ الزَّكَاةِ أَوْ النِّصَابَ كُلَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأُولَى وَلَا فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ فِي الثَّانِيَةِ. فَلَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ فَأَذِنَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي فِي إخْرَاجِ قَدْرِ الزَّكَاةِ صَحَّ وَجَرَى التَّقَاصُّ فَلَوْ قَالَ لَهُ اُدْعُنِي مِنْ دَيْنِي الَّذِي عَلَيْك لَمْ يَقَعْ عَنْ الْآذِن فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ كَوْنُهُ قَابِضًا لِمَا فِي ذِمَّتِهِ

стр. 653

مِنْ نَفْسِهِ وَمُقْبِضًا لَهُ عَنْ الْمَالِكِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ أَدَّى وَقَعَ الْمَوْقِعَ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ الْفَاسِدَةَ إذَا عَمِلَ الْوَكِيلُ فِيهَا بِعُمُومِ الْإِذْنِ الضِّمْنِيّ صَحَّ تَصَرُّفُهُ وَبِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لِلْمُسْتَأْجِرِ خَارِج الْعَقْدِ فِي صَرْفِ مَا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ عَلَى الْعِمَارَةِ صَحَّ وَبِقَوْلِ الْغَزِّيِّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لَوْ قَالَ لِلْمَدْيُونِ إذَا مِتّ فَفَرِّقْ مَا لِي عَلَيْك مِنْ الدَّيْنِ وَهُوَ كَذَا إلَى الْفُقَرَاءِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ صِحَّةُ هَذَا وَهُوَ إيصَاءٌ وَبِقَوْلِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ لَوْ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ إنْسَانٍ دِرْهَمٌ فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ طَعَامًا فَاشْتَرَى كَمَا أُمِرَ وَدَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ وَقَبَضَ الطَّعَامَ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ فَذِمَّتُهُ بَرِيئَةٌ مِنْ الدِّرْهَمِ وَيَصِيرُ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ وَكَّلَ الْبَائِعَ بِقَبْضِ ذَلِكَ الدِّرْهَمِ مِنْ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ لَهَا عَلَيْهِ النَّفَقَةُ فَأَمَرَتْهُ أَنْ يَكِيلَ فَيَدْفَعَ إلَى الطَّحَّانِ كَذَا فَيَطْحَنَهُ فَفَعَلَهُ فَالطَّحَّانُ يَكُونُ مِنْ جِهَتِهَا كَالْوَكِيلِ وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ كَمَا لَوْ قَالَتْ أَطْعِمْ عَنْ كَفَّارَتِي عَشَرَةَ مَسَاكِينَ عَشَرَةَ أَمْدَادٍ مِنْ طَعَامٍ كَذَا يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمَسَاكِينُ مُتَعَيِّنِينَ. اهـ. وَيُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مَحَلَّ النَّظَرِ لِعُمُومِ الْإِذْنِ فِي الْوَكَالَةِ الْفَاسِدَةِ حَتَّى يَصِحَّ التَّصَرُّفُ مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَانِعٍ وَقَدْ اقْتَرَنَ هُنَا بِمَانِعٍ وَهُوَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَا يَدْخُلُ الدَّيْنُ فِي مِلْكِهِ إلَّا بِقَبْضٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَمْ يُؤَدِّ مِنْ دَيْنِهِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَمْ يَشْمَلْهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْأَدَاءِ مِنْ دَيْنِهِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِقَبْضٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يُوجَدْ وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعِمَارَةِ فَخَارِجٌ عَنْ الْقَاعِدَةِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَلَمْ يُخْرِجُوهُ عَلَى اتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ لِوُقُوعِهِ ضِمْنًا أَيْ لَا مَقْصُودًا وَسَبَبُهُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ انْبِرَامِ الْعَقْدِ فَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا بِهِ فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْقَاعِدَةِ وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَتِنَا أَنَّ تِلْكَ الْإِذْنُ فِيهَا وَقَعَ بَعْدَ انْبِرَامِ الْعَقْدِ فَلَمْ يُقْصَدْ بِالْعَقْدِ وَأَيْضًا فَالْمُسْتَأْجِرُ يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ فِي بَقَاءِ الْعَيْنِ فَسُومِحَ لَهُ فِي ذَلِكَ رِعَايَةً لِبَقَاءِ الْعَقْدِ مَا أَمْكَنَ فَإِنَّ الْمُؤَجِّر قَدْ لَا يُعْمِرُ فَيَفْسَخُ وَأَمَّا هُنَا فَعَقْدُ الْوَكَالَةِ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِيهِ بِالْأَدَاءِ مِنْ الدَّيْنِ فَلَمْ يَقَعْ ضِمْنًا بَلْ مَقْصُودًا وَلَا يَعُودُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةٌ كَالْمَنْفَعَةِ فِي تِلْكَ فَافْتَرَقَا وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْغَزِّيِّ فَالْمُتَّجَهُ فِيهَا أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ التَّفْرِقَةِ عَلَى قَبْضِهِمْ مِنْهُ ثُمَّ إقْبَاضِهِمْ لَهُ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْغَزِّيِّ مَا يُنَافِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي صِحَّةُ هَذَا وَهُوَ إيصَاءٌ أَيْ صِحَّةُ قَوْلِ الْمُوصَى لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إيصَاءٌ لَهُ وَأَمَّا صِحَّةُ التَّفْرِقَةِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ وَأَمَّا كَلَامُ الْقَاضِي فَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ سِلْعَةٍ وَصَفَهَا بِثَمَنٍ مِنْ جُمْلَةِ دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ فَاشْتَرَاهَا لِمُوَكِّلِهِ بِثَمَنِ وَأَدَّاهُ مِنْ جُمْلَةِ دَيْنِهِ صَحَّ وَبَرِئَ الْوَكِيلُ مِنْ ذَلِكَ. اهـ. لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ كَجٍّ بِالْبُطْلَانِ وَبِهِ يُعْلَم أَنَّ الْقَاضِيَ وَالْمَاوَرْدِيَّ مَاشِيَانِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضُرُّ اتِّحَاد الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ بِخِلَافِهِ وَأَمَّا مَسْأَلَة السَّلَمِ الْمَذْكُورَة فِي السُّؤَالِ فَقَالَ ابْن سُرَيْجٍ فِيهَا بِالصِّحَّةِ فَإِذَا قَبَضَ الْأَلْفَ بَرِئْت ذِمَّتُهُ وَوَافَقَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَيُوَافِقهُ كَلَامُ الْقَاضِي وَالْمَاوَرْدِيِّ السَّابِقُ لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فَطَرِيقُهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي إسْلَام الَّذِي لِي عَلَيْك إلَيْهِ فَإِذَا فَعَلَ صَحَّ أَيْ لِأَنَّهُ صَارَ حَوَالَة قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَلَوْ قَالَ أَسْلِمْ لِي فِي كَذَا وَأَدِّ رَأْسَ الْمَالِ مِنْ مَالِك وَارْجِعْ عَلَيَّ فَفَعَلَ صَحَّ وَقِيلَ لَا يَصِحُّ كَذَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ زَادَ النَّوَوِيُّ الْأَصَحُّ عِنْد صَاحِبِ الْعِدَّةِ وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَالَ أَبُو حَامِدٍ إنَّهُ سَهْوٌ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَبِهِ يُعْلَمُ ضَعْفُ مَا مَرَّ عَنْ الْقَاضِي وَالْمَاوَرْدِيِّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فَطَرِيقُهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي إسْلَامِ الْأَلْفِ فِي كَذَا فَإِذَا فَعَلَ الْوَكِيلُ قَالَ لَهُ الْمُوَكِّلُ حَصَلَ عَلَيَّ أَلْفٌ لِهَذَا وَلِي عَلَيْكَ أَلْفٌ فَادْفَعْ الْأَلْفَ الَّذِي لِي عَلَيْكَ إلَيْهِ فَإِذَا فَعَلَ صَحَّ أَيْ لِأَنَّهُ صَارَ حَوَالَةً قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَلَوْ قَالَ أَسْلِمْ لِي فِي كَذَا وَأَدِّ رَأْسَ الْمَالِ مِنْ مَالِكَ وَارْجِعْ عَلَيَّ فَفَعَلَ صَحَّ وَقِيلَ لَا يَصِحُّ كَذَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ زَادَ النَّوَوِيُّ الْأَصَحُّ عِنْدَ صَاحِبِ الْعُدَّةِ وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَالَ أَبُو حَامِدٍ مَا قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ سَهْو مُخَالِفٌ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَالَ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَقُولَ أَسْلِمْ أَلْفًا فِي كَذَا فَإِذَا عَقَدَ الْعَقْدَ قَالَ اقْضِ عَنِّي أَلْفًا لِأَدْفَعَ إلَيْك عِوَضَهَا وَعَلَيْهِ فَيُفَارِقُ اشْتَرِ لِي عَبْدَ فُلَانٍ بِثَوْبِك هَذَا حَيْثُ يَصِحُّ وَيَقَعُ عَنْ الْآمِرِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ فِي الْبَاب الثَّالِث مِنْ الْوَكَالَةِ بِأَنَّ السَّلَمَ

стр. 654

ضَيَّقُوا فِيهِ فَلَمْ يَكْتَفُوا بِالْأُمُورِ التَّقْدِيرِيَّة بِخِلَافِ نَحْو الْبَيْع فَيُقَدَّرُ دُخُول الثَّوْب فِي مِلْكِ الْآمِرِ كَمَا فِي أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى كَذَا وَبِهَذَا تَعْلَمُ صِحَّةَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ ثَانِيًا مِنْ الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ خِلَافًا لِابْنِ الصَّبَّاغِ إذْ لَيْسَ فِيهَا تَقْدِيرُ دُخُول شَيْءٍ فِي مِلْكِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَقَدَ لَهُ بِالْأَلْفِ صَارَتْ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ فَإِذَا أَذِنَ فِي الْمَجْلِس لِلْوَكِيلِ فِي دَفْعِهَا عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ قَضَاءً لِدَيْنِهِ وَهُوَ جَائِزٌ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ سُرَيْجٍ فَإِنَّهُ إذَا جَعَلَ رَأْسَ الْمَالِ مِنْ مَالِهِ اُحْتِيجَ إلَى تَقْدِيرِ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْمُوَكِّلِ وَذَلِكَ لَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ كَمَا تَقَرَّرَ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ مَسْأَلَةُ التَّوْكِيلِ فِي السَّلَمِ مُسَاوِيَةٌ لِمَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ فِي الشِّرَاءِ مَرْدُودٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِصَرِيحِ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّ الْوَرَع لِمَنْ اشْتَرَى زَكَوِيًّا مِمَّنْ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُزَكَّى أَنْ يَسْتَأْذِنهُ فِي إخْرَاجهَا عَنْهُ مِنْ الْمَبِيعِ وَيَتَبَرَّعُ بِذَلِكَ فَلَا يَرْجِعُ بِمُقَابِلِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَإِنْ تَعَذَّرَ الْبَائِعُ فَالسَّاعِي فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْقَاضِي بِنَاءً عَلَى شُمُولِ تَوْلِيَتِهِ لِلنَّظَرِ فِي أَمْوَالِ الزَّكَاةِ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ الْهَرَوِيِّ هَذَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ مَوْت الْمَالِكِ وَإِلَّا اسْتَقَلَّ بِالْإِخْرَاجِ إذْ لِلْأَجْنَبِيِّ التَّبَرُّعُ عَنْ الْمَيِّت بِإِخْرَاجِ الزَّكَاة عَنْهُ وَبِتَبَرُّعِهِ يَتَبَيَّنُ الْمِلْكُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمَبِيعِ لِلْوَرَثَةِ فَيَجِبُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِمْ. (وَسُئِلَ) عَنْ غَرِيبٍ اسْتَنَابَ فِي قَبْضِ الزَّكَاةِ فَهَلْ تَصِحُّ وَإِنْ غَابَ وَهَلْ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي إخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ النَّصِّ يَسْتَحِقُّونَ أَيْ الْأَصْنَاف الزَّكَاة يَوْم الْقِسْمَةِ وَعَنْ نَصٍّ آخَرَ يَسْتَحِقُّونَ يَوْم الْوُجُوب وَعَنْ الْأَصْحَابِ حَمْلُ الثَّانِي عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إلَّا ثَلَاثَة أَوْ أَقَلَّ أَيْ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ وَمَنَعْنَا النَّقْل فَيَسْتَحِقُّونَ يَوْم الْوُجُوب حَتَّى لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ فَنَصِيبُهُ لِوَرَثَتِهِ. وَإِنْ غَابَ أَوْ أُسِرَ فَحَقُّهُ بِحَالِهِ وَإِنْ قَدِمَ غَرِيبٌ لَمْ يُشَارِكهُمْ وَحُمِلَ الْأَوَّل عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْحَصِرُوا فِي ثَلَاثَة أَوْ كَانُوا وَجَوَّزْنَا النَّقْلَ فَيَسْتَحِقُّونَ بِالْقِسْمَةِ فَلَا حَقَّ لِمَنْ غَابَ أَوْ مَاتَ أَوْ أُسِرَ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ وَإِنْ قَدِمَ غَرِيبٌ شَارَكَهُمْ. اهـ. وَبِهِ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ إنْ كَانَ مِنْ الْمَحْصُورِينَ وَحَضَرَ يَوْمَ الْوُجُوبِ صَحَّتْ اسْتِنَابَتُهُ وَإِنْ غَابَ بَعْدُ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ إذْ لَا حَقَّ لَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمَحْصُورِينَ اسْتَحَقَّ إنْ كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ الْقِسْمَةِ وَلَا يَكْفِي حُضُورُ وَكِيلِهِ حِينَئِذٍ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ تِلْمِيذُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَإِنْ تَرَدَّدَ الْأَصْبَحِيُّ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ حَقٌّ حَتَّى يُوَكِّلَ فِي قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ لَلْمُفَرِّقَ أَنْ يَحْرِمَهُ وَيُعْطِيَ غَيْره فَأَيُّ شَيْءٍ تَعَيَّنَ لَهُ حَتَّى يُوَكِّلَ فِي قَبْضِهِ وَأَمَّا التَّوْكِيلُ فِي إخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْر فَيَجُوزُ وَفِيهِ وَجْهٌ مَرْجُوحٌ وَشَرْطُ الْجَوَازِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ دُخُولُ رَمَضَانَ إذْ لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا إلَّا حِينَئِذٍ وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَا يَجُوز التَّوْكِيل فِيهَا لِامْتِنَاعِ إخْرَاجهَا وَقَدْ قَالُوا شَرْطُ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ صِحَّةُ مُبَاشَرَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا وَكَّلَ أَوْ وُكِّلَ فِيهِ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُمْ أَوْرَدُوا عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ وَطَرْدِهِ صُوَرًا كَثِيرَة؛ لِأَنَّ أَكْثَر قَوَاعِد الْأَصْحَابِ أَكْثَرِيَّةٌ لَا كُلِّيَّةٌ وَمَعَ ذَلِكَ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا فِيمَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِدُخُولِهِ وَلَا خُرُوجِهِ عَنْهَا وَرَجَّحَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ الصِّحَّة وَلَوْ قَبْل رَمَضَان وَأَطَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ بِمَا لَا يُجْدِي وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى كَثِيرٍ مِنْ شُبَهِهِ بِقَوْلِنَا وَلَا يَضُرُّ إلَخْ. وَأَمَّا مَا قَاسَ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ الْمُحْرِم وَكِيلًا لِيُزَوِّجهُ بَعْد التَّحَلُّلِ أَوْ أَطْلَقَ صَحَّ فَكَذَا هُنَا فَجَوَابُهُ وُضُوحُ الْفَرْقِ بَيْن الْمَسْأَلَتَيْنِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْوِلَايَةِ لِلْوَلِيِّ قَبْلَ الْإِحْرَام وَاسْتِمْرَارُهَا فِيهِ وَلِهَذَا لَوْ وَكَّلَ ثُمَّ أَحْرَمَ لَمْ يَنْعَزِلْ فَالْإِحْرَام مَانِع طَارِئ لِلْمُبَاشَرَةِ لَا لِلْإِذْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ أَهْلِيَّتَهُ وَوِلَايَتَهُ مَوْجُودَةٌ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ زَوَّجَ الْقَاضِي حَالَ إحْرَامِهِ كَانَ مُزَوِّجًا بِالنِّيَابَةِ عَنْهُ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي بَابه فَصَحَّ تَوْكِيلُهُ وَأَمَّا هُنَا فَالْمُوَكِّلُ لَمْ يَثْبُت لَهُ قَبْلَ رَمَضَانَ وِلَايَةُ التَّصَرُّف بِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه فَكَيْف يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ حِينَئِذٍ سَوَاءٌ أَطْلَقَ أَوْ قَالَ لِتَخْرُجْ بَعْدَ دُخُولِ رَمَضَانَ وَإِذَا تَأَمَّلْت هَذَا الْفَرْقَ انْدَفَعَ عَنْك كَثِيرٌ مِنْ شُبَهِ الْمُخَالِفِ وَقِيَاسُ مَسْأَلَتنَا مَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِتَزْوِيجِ ابْنَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّزْوِيجَ حِينَئِذٍ فَبَطَل تَوْكِيلُهُ فِيهِ لِعَدَمِ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ مَا وُكِّلَ فِيهِ وَفَارَقَتْ هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْإِحْرَامَ بِأَنَّ الْوِلَايَةَ

стр. 655

فِي الْمُحْرِمِ بَاقِيَةٌ كَمَا مَرَّ بِخِلَافِهَا هُنَا. وَمِنْ ثَمَّ لَوْ وَكَّلَ ثُمَّ أَحْرَمَ لَمْ يَنْعَزِلْ وَلَوْ وَكَّلَ فِي تَزْوِيجِ بِنْتِهِ وَهِيَ غَيْرُ مُزَوَّجَةٍ ثُمَّ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ أَوْ وَكِيلٌ لَهُ آخَرُ انْعَزَلَ فَلَوْ طَلَقَتْ وَزَالَ الْمَانِعُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِتِلْكَ الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ مَحَلِّ التَّصَرُّفِ عَنْ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ يَقْتَضِي انْعِزَالَهُ وَعَجِيبٌ مِنْ قَوْلِ الْمُخَالِفِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُتَوَقِّفَ عَلَى دُخُولِ رَمَضَانِ إنَّمَا هُوَ الْإِخْرَاجُ لَا الْإِذْنُ فِيهِ إذْ الْإِذْنُ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ وَإِنْ مَنَعَ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ الْخَاصِّ فِي الْحَالِ فَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الْأَهْلِيَّةِ إذْ الْأَهْلِيَّةُ لَا تَتَجَدَّد بِدُخُولِ الْوَقْتِ كَمَا لَا تَتَجَدَّدُ بِزَوَالِ الْإِحْرَامِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ هَذَا الْمُوَكِّلِ الْآنَ إخْرَاجُ فِطْرَةِ الْعَامِ الْمَاضِي - وَلِهَذَا لَمْ يُقَيِّدْ الْأَصْحَابُ صِحَّةَ التَّوْكِيلِ بِذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْي وَتَقْدِيمِ النِّيَّةِ فِيهِمَا وَتَفْوِيضِهَا لِلْوَكِيلِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ وَوَجْهُ الْعَجَبِ أَنَّ قَوْلَهُ وَمَعْلُومٌ إلَى قَوْلِهِ أَلَا تَرَى كُلَّهُ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا فَلَيْسَ بِمَعْلُومٍ وَلَا مَظْنُونٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ أَلَا تَرَى فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلِهَذَا إلَخْ فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ يُفْهَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ التَّوْكِيلِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ دُخُولِ الْوَقْتِ أَيْضًا قَالَ وَقَدْ اتَّضَحَ لِي دَلِيلُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيث الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ فَتَلْت قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا أَوْ قَلَّدَتْهَا ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلٌّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا أَيْضًا عَنْهَا أَنَّهَا فَتَلَتْ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَحْرُمْ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّه تَعَالَى لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ» وَجْه الِاسْتِدْلَال أَنَّ وَقْت ذَبْحِ الْهَدْي الْمُتَطَوَّعِ بِهِ إنَّمَا يَدْخُلُ بِدُخُولِ وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ عِنْدَنَا أَوْ بِبُلُوغِ الْمَحَلِّ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَالْبَعْثُ الْمَذْكُورُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي حَجِّهِ بِالنَّاسِ عَامَ سَنَةِ تِسْعٍ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَهُوَ وَاضِحٌ فِي كَوْنِهِ قَبْلَ الْوَقْت الْمَذْكُور إلَى آخِر مَا ذَكَرَهُ وَجَوَابه أَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةٌ حَالَ تَطَرَّقَ إلَيْهَا احْتِمَالُ أَنَّ هَذِهِ هَدْيٌ مَنْذُورٌ أَوْ مُتَطَوَّعٌ بِهِ. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَطَوُّعًا فَهُوَ احْتِمَال قَرِيبٌ فَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال وَالْمَنْذُورُ بِجَوَازِ إرْسَالِهِ مَعَ الْغَيْرِ كَمَا قَالُوهُ فِي أَوَاخِرِ بَاب النَّذْر وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَوْكِيلٌ قَبْل الْوَقْتِ إلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ أَلْجَأَتْ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ إرْسَالُهُ وَقَدْ لَا يَتَيَسَّرُ لَهُ السَّفَرُ فَجَوَّزَ لَهُ التَّوْكِيلُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْوَقْت لِلضَّرُورَةِ وَمَا جَازَ لِضَرُورَةٍ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ صِحَّةُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ قَبْلَ وَقْتِهِ إنْ كَانَتْ وَقْتَ السَّيْرِ الْمُعْتَاد وَصِحَّةِ إذْنِ الْمَغْصُوب فِيهِ مُطْلَقًا وَأَيْضًا تَطَرَّقَ إلَيْهَا احْتِمَالُ أَنَّهُ ﷺ مَلَّكَهَا لِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَطُرُوقُ هَذَا كَافٍ فِي دَفْعِ الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ أَعْطَى وَكِيلَهُ دِينَارًا وَقَالَ لَهُ اشْتَرِ بِهَذَا شَيْئًا فَهَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ اشْتَرِ بِعَيْنِهِ حَتَّى إذَا اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ يَقَعُ لِلْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ أَوْ لَا فَيَتَخَيَّرُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ هُنَا وَصَرِيحُهُ فِي قَوْلِهِمْ لَوْ قَالَ لَهُ اشْتَرِ بِهَذَا الدِّينَارِ شَاةً جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِعَيْنِهِ وَفِي الذِّمَّةِ أَنَّهُ هُنَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ الشِّرَاءِ فِي الذِّمَّةِ وَبِالْعَيْنِ وَفِي الْحَالَتَيْنِ يَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ لَكِنْ سَوَّى بَعْضُ الْأَصْحَابِ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ فَعَلَيْهِ إذَا اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ يَقَع لَهُ وَإِلَى اخْتِيَارِ هَذَا يُومِئُ كَلَامُ بَعْضِ شُرَّاحِ الْمِنْهَاجِ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ وَكَّلَ آخَرَ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ فَخَالَعَ فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي طَلَاقِهَا فَخَالَعَ فَإِنْ قُلْنَا الْخُلْعُ فَسْخٌ لَمْ يَنْفُذْ وَإِنْ قُلْنَا طَلَاقٌ قَالَ الْبُوشَنْجِيُّ الَّذِي يَجِيء عَلَى أَصْلِنَا أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ الرَّجْعَة إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ. قَالَ وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي الطَّلَاقِ فَطَلَّقَ عَلَى مَالٍ إنْ كَانَ بِحَيْثُ تُتَصَوَّرُ الرَّجْعَةُ لَمْ يَنْفُذ وَإِنْ لَمْ تُتَصَوَّرْ بِأَنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ كَانَ الْمَمْلُوكُ لَهُ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ فَذَكَرَ فِي نُفُوذِهِ احْتِمَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ حَصَّلَ غَرَضُهُ مَعَ فَائِدَةٍ أُخْرَى لَكِنَّهُ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنْ التَّوْكِيل الْمُطْلَقِ وَقَدْ يَتَوَقَّفْ فِي بَعْضِ مَا ذَكَرَهُ حَمْلًا وَدَلِيلًا. اهـ. وَعِبَارَةُ أَصْلِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الَّذِي يَجِيءُ عَلَى أَصْلِنَا أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ لِلْخُلْعِ صِيغَةً وَلِلطَّلَاقِ صِيغَةً فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَيُقْطَعُ بِعَدَمِ

стр. 656

النُّفُوذِ؛ لِأَنَّهُ وُكِّلَ بِطَلَاقٍ رَجْعِيٍّ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ قَطْعُ الرَّجْعَةِ. اهـ. وَعِبَارَتُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ كَعِبَارَتِهَا الْمَذْكُورَةِ فِيهَا وَوَجْهُ تَوَقُّفِهِمَا مَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ الْخُلْعَ أَحَدَ نَوْعَيْ الطَّلَاقِ وَالتَّوْكِيلِ فِي جِنْسِ تَوْكِيلٍ فِي أَنْوَاعِهِ لَكِنْ مَتَى اقْتَضَى الْعُرْفُ التَّخْصِيصَ بِنَوْعٍ حَمَلَ عَلَيْهِ. اهـ. وَمَا نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ أَوْ لَفْظِ الطَّلَاقِ وَذَكَرَ فِي الثَّانِيَةِ احْتِمَالَيْنِ وَجَزَمَ فِي الْأُولَى بِعَدَمِ النُّفُوذِ مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ إمَّا صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ أَوْ كِنَايَةٌ فَإِنْ كَانَ صَرِيحًا لَمْ يَضُرَّ اخْتِلَافُ اللَّفْظَيْنِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا لَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ فَقَالَ خَالَعْتُكِ أَوْ خَالِعْنِي بِكَذَا فَقَالَ طَلَّقْتُك أَوْ وَكِّلْ وَكِيلًا بِالطَّلَاقِ فَقَالَ فَارَقْتُك أَوْ سَرَّحْتُك وَإِنْ كَانَ كِنَايَةً فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ اهـ وَأَقُولُ يُؤَيِّدُ هَذَا التَّوَقُّفَ قَوْلُهُمْ فِي الْوَكَالَةِ لَوْ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ بِالْعَيْنِ أَوْ فِي الذِّمَّةِ تَعَيَّنَ لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا فَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ شَيْئًا تَخَيَّرَ بَيْن الشِّرَاءِ بِالْعَيْنِ وَالشِّرَاءِ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَيْنِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَأْذُونٌ فِيهِ فَكَذَا يُقَالُ هُنَا التَّوْكِيلُ الْمُطْلَقُ يَتَنَاوَلُ الطَّلَاقَ بِعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ فَلَمْ يُخَالِفْ الْمُوَكِّل فَكَانَ الْقِيَاسُ الْوُقُوعَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَجَزَمَ ابْنُ الْمُقْرِي فِي الثَّانِيَةِ وَهِيَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الطَّلَاقِ فَطَلَّقَ بِمَالٍ بِعَدَمِ النُّفُوذِ حَيْثُ تُصُوِّرَتْ الرَّجْعَةُ قِيَاسًا عَلَى الْأُولَى وَهِيَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فَخَالَعَ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَرَّرَ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَأَقَرَّهُ وَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِقِيلٍ؛ لِأَنَّهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ لَيْسَتْ لِلتَّضْعِيفِ مِنْ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الَّذِي أَبْدَاهُ الْبُوشْنَجِيُّ فِي الثَّانِيَةِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا وَمِنْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْأُولَى مِنْ عَدَمِ الْوُقُوعِ فِيهِ نَظَرٌ قَالَ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالطَّلَاقِ فَإِذَا أَوْقَعَهُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ وَلَا يَثْبُت الْمَالُ حَيْثُ كَانَ فِي ثُبُوتِهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُوَكِّلِ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ وَكَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ قَوْله أَنْ يُطَلِّقَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَإِذَا طَلَّقَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَثْبُتُ لَكِنْ هَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ هَذَا مَحَلُّ النَّظَرِ وَالْأَشْبَهُ الْوُقُوعُ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْقَفَّالِ وَلَا يُنْظَرُ حِينَئِذٍ إلَى تَخَالُفِ لَفْظِ الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْخُلْعِ إمَّا صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ أَوْ كِنَايَة وَلَوْ قَالَ لَهُ طَلِّقْ زَوْجَتِي فَطَلَّقَهَا بِصَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ وَنَوَى وَقَعَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَيْضًا فَلَوْ قَالَتْ لَهُ طَلِّقْنِي عَلَى كَذَا فَقَالَ خَالَعْتُكِ وَقَعَ إذَا قُلْنَا إنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ. اهـ. ثُمَّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي لِلْبُوشَنْجِيِّ أَيْ وَهُوَ عَدَمُ الْوُقُوعِ الَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّ قَضِيَّةَ تَوْكِيلِهِ أَنْ يُمَلِّكَهَا بُضْعَهَا مَجَّانًا فَإِذَا مَلَّكَهَا إيَّاهُ بِعِوَضٍ لَغَا تَصَرُّفَهُ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَهَبَهَا عَيْنًا فَبَاعَهَا مِنْهَا فَتَأَمَّلْهُ اهـ. وَفِيمَا وَجَّهَ بِهِ نَظَرٌ إذْ قَوْلُهُ قَضِيَّةُ تَوْكِيلِهِ أَنْ يُمَلِّكَهَا بُضْعَهَا مَجَّانًا مَمْنُوعٌ بِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ التَّوْكِيلَ فِي الطَّلَاقِ جِنْسٌ تَحْتَهُ نَوْعَانِ هُمَا الطَّلَاقُ بِعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ فَالتَّوْكِيلُ فِي الطَّلَاقِ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْعِوَضِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعِوَضَ بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ فِي الْهِبَةِ فَلَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ مَا هُنَا عَلَى التَّوْكِيلِ فِي الْهِبَةِ فَإِنْ قُلْت قَوْلُهُ طَلَّقَهَا لَيْسَ بِعَامٍّ فِي الرَّجْعِيِّ وَالْبَائِنِ فَلْيُحْمَلْ عَلَى الرَّجْعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَال لَمْ يَتَعَرَّض لَهُ وَالْأَصْل عَدَمُهُ قُلْت هُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا لَكِنَّهُ مُطْلَقٌ وَالْمُطْلَقُ فِيهِ شُمُولٌ أَيْضًا لَكِنْ عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِيَّةِ بِخِلَافِ الْعَامِّ فَإِنَّ الشُّمُولَ فِيهِ عَلَى جِهَةِ الْمَعِيَّةِ وَعَلَى كُلٍّ فَلَفْظ الْمُوَكِّل يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَيْنِ لَكِنْ إنْ قُلْنَا بِالْعُمُومِ تَنَاوَلَهُمَا مَعًا أَوْ بِالْإِطْلَاقِ تَنَاوَلَهُمَا عَلَى الْبَدَلِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَ الشَّيْخَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يَقْتَضِي تَقْرِيرَ الْبُوشَنْجِيِّ عَلَى مَا قَالَهُ مِنْ عَدَم الْوُقُوعِ فِيهَا إلَّا أَنْ يُجْعَلَ تَوَقُّفُهُمَا فِي الْحُكْمِ فِي قَوْلِهِمَا حُكْمًا عَائِدًا إلَيْهَا وَحِينَئِذٍ فَالْأَوْجَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَقِيَاس كَلَامِهِمْ فِي الْوَكَالَة كَمَا قَدَّمْته الْوُقُوعَ فِيهَا وَفِي الثَّانِيَة وَاعْتَرَضَ الْإِسْنَوِيُّ مَا ذَكَرَاهُ هُنَا عَنْهُ مِنْ عَدَمِ النُّفُوذِ حَيْثُ أَدَّى إلَى بُطْلَانِ الرَّجْعَةِ بِمَا نَقَلَاهُ بَعْدُ عَنْ الْقَفَّال وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ فِي تَطْلِيقِ زَوْجَتِهِ ثَلَاثًا فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً بِأَلْفِ وَقَعَ رَجْعِيًّا فَلَا مَال وَرُدَّ بِأَنَّ صُورَةَ مَا هُنَا كَمَا يُومِئُ إلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنْ لَا يُخَالِفَ الْوَكِيلُ الزَّوْجَ فِي الْعَدَدِ وَكَلَامُ الْقَفَّالِ فِيمَا إذَا خَالَفَ فِيهِ وَلَك أَنْ تَرُدَّ هَذَا الرَّدَّ بِأَنَّهُ كَانَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ عَدَمُ الْوُقُوعِ أَصْلًا فِي مَسْأَلَةِ

стр. 657

الْقَفَّالِ لِلْمُخَالَفَةِ الصَّرِيحَةِ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي عِتْقِ عَبْدٍ فَأَعْتَقَ نِصْفَهُ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى وَجْهٍ لِلْمُخَالِفَةِ فَإِذَا لَمْ يَنْظُرُوا هُنَا لِصَرِيحِ الْمُخَالِفَةِ بَلْ أَوْقَعُوهُ مَعَهَا فَلَأَنْ يَقَعَ فِي مَسْأَلَةِ الْبُوشَنْجِيِّ بِقِسْمَيْهَا بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ لِمَا مَرَّ مِنْ تَنَاوُلِ التَّوْكِيلِ بِالطَّلَاقِ لِلتَّطْلِيقِ بِعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ. وَمِنْ ثَمَّ نَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ كَلَامَ الْإِسْنَوِيِّ الْمَذْكُورَ وَأَقَرَّهُ قَالَ الشَّيْخَانِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا بِالْأَلْفِ لَا مَالَ أَيْضًا وَلَا يَبْعُدُ ثُبُوتُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ الزَّوْجُ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ خَالِعهَا بِمِائَةِ فَخَالَعَهَا بِأَكْثَرَ قَالَ الرَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ بِهِ الطَّلَاقُ وَهُوَ قَدْ يَكُونُ بِمَالٍ وَقَدْ يَكُون بِغَيْرِهِ فَإِذَا أُتِيَ بِمَا وَكَّلَ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ اهـ. وَهُوَ كَمَا قَالَ وَبِهِ يَتَأَيَّدُ مَا قَدَّمْته فِي رَدِّ كَلَامِ الْبُوشَنْجِيِّ وَاعْتِرَاضِ الْأَذْرَعِيُّ لَهُ بِأَنَّهُ وَكَّلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بِلَا عِوَضٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِهِبَةِ شَيْءٍ لِزَيْدٍ فَبَاعَهُ لَهُ لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ شَيْءٍ بِمِائَةٍ فَبَاعَهُ بِأَزْيَدَ جَازَ وَإِدْخَالُ الْعِوَضِ فِي مِلْكِ الْمُوَكِّلِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لَهُ جُمْلَة بَعِيد وَلَيْسَ ذَلِكَ كَالزِّيَادَةِ التَّابِعَةِ مَرْدُودٌ كَمَا عَلِمْت مِمَّا مَرَّ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بِلَا عِوَضٍ مَمْنُوعٍ إذْ التَّوْكِيلُ فِي الطَّلَاقِ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْعِوَضِ غَايَتُهُ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعِوَضَ بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ فِي الْهِبَةِ لَكِنَّ قَوْلَهُمَا وَمُقْتَضَاهُ إلَخْ مُعْتَرَضٌ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُقْتَضَاهُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا خَالَفَ الْوَكِيلُ الزَّوْجَ فِي الْعَدَدِ وَالْمُقْتَضَى الْمَذْكُور فِيمَا إذَا لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ وَيُرَدُّ هَذَا الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ كَلَامَ الْقَفَّالِ اشْتَمَلَ عَلَى الْمُخَالَفَةِ فِي شَيْئَيْنِ النَّقْصِ مِنْ الْعَدِّ وَذِكْرِ الْمَالِ فَرُبَّمَا يَقْتَضِي أَنَّ مُطْلَقَ الْمُخَالَفَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْمَالِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِالْأَلْفِ كَانَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ وَكَوْنُ كَلَامِهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا خَالَفَ فِي الْعَدَدِ دَعْوَى مُرَادٍ وَهُوَ وَإِنْ سَلِمَ لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ وَاعْتِرَاضُ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ أَيْضًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ بِأَنَّهُ لَا خَيْرِيَّةَ فِيهِ لِتَفْوِيتِهِ الرَّجْعَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ غَفْلَةٌ عَنْ صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ إذْ الصُّورَةُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي التَّطْلِيقِ ثَلَاثًا فَكَيْفَ يُقَالُ فَوَّتَ عَلَيْهِ الرَّجْعَةَ. فَإِذَا قَالَ لَهُ طَلِّقْهَا ثَلَاثًا فَخَالَفَ فَمُخَالَفَته قَدْ تَكُونُ فِي الْعَدَدِ وَالصِّفَة وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقَفَّال وَذَلك بِأَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً بِعِوَضٍ وَقَدْ تَكُونَ بِالصِّفَةِ فَقَطْ بِأَنْ يُطَلِّقَ ثَلَاثًا بِعِوَضٍ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الرَّافِعِيِّ الَّتِي أَلْزَمَ بِهَا الْقَفَّالُ فَإِنْ قُلْت فَمَا الْفَرْق بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ غَيْر مَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ حَيْثُ لَمْ يَثْبُت الْمَالُ فِي الْأُولَى وَثَبَتَ فِي الثَّانِيَةِ قُلْتُ الْمُخَالَفَةُ فِي الْأُولَى أَفْحَشُ فَوَقَعَ الطَّلَاقُ لِشِدَّةِ تَعَلُّقِهِ وَلُزُومِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ الْمَالُ لِعَدَمِ التَّصَرُّفِ عَلَى الْوَجْه الْمَأْذُون فِيهِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ بِإِيقَاعِ الثَّلَاثِ مَجَّانًا فَلَأَنْ يَرْضَى بِهَا بَعُوضٍ أَوْلَى وَلَا يُقَالُ قَدْ يَقْصِد مُحَابَاة الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّا نَقُول الطَّلَاق إنَّمَا يَكُونُ عَنْ تَبَاغُضٍ وَتَنَافُرٍ فَكَانَ قَصْدُ الْمُحَابَاةِ فِيهِ بَعِيدًا فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ بِخِلَافِ نَظِير ذَلِكَ فِي الْوَكَالَة فِيمَا إذَا عَيَّنَ لَهُ الثَّمَنَ وَالْمُشْتَرِي كَبِعْهُ لِزَيْدٍ فَإِنَّ الْقَرِينَةَ قَاضِيَةٌ هُنَا بِقَصْدِ الْمُحَابَاة ثُمَّ الضَّمِيرُ فِي قَوْل الشَّيْخَيْنِ وَلَا يَبْعُدُ ثُبُوتُهُ رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَتهمَا الَّتِي أَبْدَيَاهَا وَهِيَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِالْأَلْفِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ لَا إلَى مَسْأَلَةِ الْقَفَّال خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ [بَابُ الْغَصْبِ] (وَسُئِلَ) لَوْ أَتْلَفَ زَرْعًا لِغَيْرِهِ أَوَّلَ خُرُوجِهِ أَوْ ثَمَرًا كَذَلِكَ بِحَيْثُ يَكُونُ لَا قِيمَةَ لَهُ أَوْ لَهُ قِيمَةٌ قَلِيلَةٌ وَلَوْ بَقِيَ إلَى وَقْتِ كَمَالِهِ لَتَضَاعَفَتْ قِيمَتُهُ فَمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيمَا أَتْلَفَهُ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ لَوْ بَقِيَ إلَى حَالَةِ كَمَالِهِ كَمَا قَالَ بِذَلِكَ إسْمَاعِيلُ الْحَضْرَمِيُّ صَاحِب ثَمَرَةِ الرَّوْضَةِ أَوْ الْوَاجِبُ غَيْرُ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ إذَا أَتْلَفَ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى التَّعْزِير أَوْ مَاله قِيمَةٌ قَلِيلَةٌ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ عِنْدَ تَلَفِهِ وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ إلَى وَقْتِ كَمَالِهِ لَتَضَاعَفَتْ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ النَّظَر فِي قِيمَةِ الْمُتْلَفِ إنَّمَا هُوَ إلَى وَقْتِ إتْلَافِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَالُوا وَلَا عِبْرَةَ بِالزِّيَادَةِ بَعْدَ التَّلَفِ كَمَا لَا عِبْرَةَ بِالنَّقْصِ بِالْكَسَادِ وَمَا نُقِلَ عَنْ إسْمَاعِيلَ الْحَضْرَمِيِّ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ اخْتِيَارٌ لَهُ غَرِيبٌ أَوْ شَاذٌّ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَاَللَّه أَعْلَم. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَتْلَفَ زَرْعًا لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَ الْإِتْلَاف أَوْ لَهُ قِيمَةٌ مَا حُكْمُهُ؟ (فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِأَنَّ مَنْ أَتْلَفَ زَرْعًا لَا قِيمَة لَهُ عِنْد الْإِتْلَافِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ التَّغْزِير كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابنَا حَيْثُ قَالُوا لَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا لَا يُتَمَوَّلُ كَحَبَّتَيْ

стр. 658

بُرٍّ أَوْ زَبِيب وَمَعَ هَذَا يَحْرُمُ غَصْبُ ذَلِكَ وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ وَيَجِبُ رَدُّهُ فَإِنْ أُتْلِفَ فَلَا ضَمَانَ إذْ لَا مَالِيَّةَ لِذَلِكَ. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِحَبَّتَيْ حِنْطَةٍ مِثَالٌ وَمِنْ ثَمَّ عَبَّرَا فِي التَّتِمَّة وَالْبَحْر بِحَبَّاتِ حِنْطَة وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يُعَدُّ مَالًا فِي الْعُرْفِ لِقِلَّتِهِ لَا يُضْمَنُ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهُوَ مَا اعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ قَالَ كَعِشْرِينَ حَبَّةِ خَرْدَلٍ بِخِلَافِ عِشْرِينَ حَبَّةِ حِنْطَةٍ. اهـ. وَاعْتَرَضَ تَمْثِيلَهُ بِذَلِكَ بِمَا رَدَدْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ قَلِيلَةٌ فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ وَيُعَزَّرُ أَيْضًا وَشَرْطُ تَعْزِيرِهِ مُطْلَقًا أَنْ يَتَعَمَّدَ الْإِتْلَافَ عَالِمًا بِحُرْمَتِهِ فَإِنْ قُلْت مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ نَحْو الْحَبَّتَيْنِ مِنْ الْحِنْطَة وَالزَّبِيب لَا يُعَدَّانِ مَالًا مُعْتَرِض وَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ فِي الْبَيْعِ بِأَنَّهُمَا صَرَّحَا فِي الْإِقْرَارِ بِأَنَّ الزَّبِيبَةَ حَيْثُ يَكُونُ لَهَا قِيمَةُ مَالٍ كَذَا زَعَمَهُ الْإِسْنَوِيُّ لَكِنْ رَدَّهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ الْمُرَاد هَهُنَا أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مَالًا يُتَمَوَّلُ لَا أَنَّهُ لَا مَالِيَّةَ فِيهِ أَصْلًا وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِكَلَامِهِمْ هُنَا وَثَمَّ وَضَبَطَ الْإِمَامُ الْمُتَمَوَّل بِأَنَّهُ الَّذِي يُقَدَّرُ لَهُ أَثَرٌ فِي النَّفْعِ أَوْ الَّذِي يُفْرَضُ لَهُ قِيمَةٌ عِنْدَ غَلَاءِ الْأَسْعَارِ وَالْمَالُ بِخِلَافِهِ هُنَا. اهـ. وَاَلَّذِي يُضْمَنُ إنَّمَا هُوَ الْمُتَمَوَّلُ دُونَ مُطْلَقِ الْمَالِ فَإِنْ قُلْت قَالَ الْقَفَّالُ وَمَنْ تَبِعَهُ مَنْ أَتْلَفَ حَبَّتَيْ حِنْطَةٍ ضَمِنَهُمَا قُلْت هَذِهِ مَقَالَةٌ ضَعِيفَةٌ وَالْمُعْتَمَدُ مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ الضَّمَانِ فَإِنْ قُلْت يَلْزَمُ عَلَى عَدَمِ الضَّمَانِ عَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى بِذَلِكَ فَكَيْفَ قُلْتُمْ يُعَزَّرُ قُلْت لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ بَلْ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِهِ؛ لِأَنَّ فَائِدَتَهَا لَا تَنْحَصِرُ فِي التَّغْرِيمِ بَلْ قَدْ يَكُونُ مِنْ مَقَاصِدِهَا إثْبَاتُ فِسْقِهِ وَطَلَبُ تَعْزِيره، وَاَللَّه أَعْلَم. (وَسُئِلَ) فِي دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ وَرَثَةٍ مَشَاعًا فَقَامَ أَحَدُ الْوَرَثَة وَهَدَمَ وَبَنَى وَعَمَّرَ وَأَصْلَحَ وَأَدْخَلَ فِيهَا أَنْقَاضًا مِنْ مَالِهِ كَأَحْجَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِحَيْثُ تَعَذَّرَ تَمْيِيزُ الْأَنْقَاضِ الْقَدِيمَةِ مِنْ الْأَنْقَاضِ الْحَادِثَةِ الْمُسْتَجَدَّةِ وَزَادَ فِيهَا أَيْضًا زِيَادَاتٌ مِنْ الْمَنَافِعِ وَالسُّكْنَى بِأَنْقَاضٍ مُنْفَرِدَةٍ حَادِثَةٍ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شُرَكَائِهِ فَهَلْ لَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِرَفْعِ الزِّيَادَاتِ الْمُنْفَرِدَةِ الْمُسْتَجَدَّةِ بِإِنْقَاضِهِ أَوْ يُجْبَرُونَ عَلَى إبْقَائِهَا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ أَمْ لَا فَإِذَا قُلْتُمْ بِنَقْضِهَا وَرَفْعِهَا وَتَسْوِيَةِ أَرْضِهَا فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ بِسَبَبِ نَقْضِهَا لِذَلِكَ شَيْءٌ أَمْ لَا وَمَا الْحُكْمُ فِي الْأَنْقَاضِ الْقَدِيمَة وَالْأَنْقَاضِ الْحَادِثَة الْمُخْتَلِطَة الَّتِي تَعَذَّرَ تَمْيِيزُ بَعْضِهَا عَنْ بَعْض إذَا لَمْ يَصْطَلِحُوا عَلَى شَيْءٍ؟ (فَأَجَابَ) لِبَقِيَّةِ الْوَرَثَة مُطَالَبَةُ الْمُتَعَدِّي الْمَذْكُورِ بِرَفْعِ بِنَائِهِ وَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى إبْقَائِهِ بِأُجْرَةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَلَا يَضْمَنُونَ بِسَبَبِ هَدْمِهِ وَيَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْض بَعْد الْهَدْمِ وَالْأُجْرَةُ مِنْ حِين وَضْعِ بِنَائِهِ إلَى إزَالَتِهِ وَإِذَا تَعَدَّى بِخَلْطِ أَنْقَاضِهِ بِأَنْقَاضِ غَيْرِهِ الَّتِي وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا تَعَدِّيًا وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ غَرِمَ قِيمَةَ أَنْقَاضِ غَيْرِهِ، وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم. (وَسُئِلَ) سَعَى بِآخَرَ إلَى ظَالِمٍ فَأَخَذَ مِنْهُ مَالًا هَلْ يَرْجِعُ عَلَى السَّاعِي؟ (فَأَجَابَ) لَيْسَ عَلَى السَّاعِي الْمَذْكُورِ ضَمَانٌ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْإِثْمُ الشَّدِيدُ إذْ السِّعَايَةُ مِنْ الْكَبَائِرِ وَفِي نِهَايَةِ الْغَرِيب حَدِيث السَّاعِي مُتْلِبٌ أَيْ مُهْلِكٌ بِسِعَايَتِهِ نَفْسَهُ وَالْمُسْعَى بِهِ وَإِلَيْهِ، وَاَللَّه أَعْلَم. (وَسُئِلَ) اُعْتِيدَ فِي جِهَةٍ أَنَّ الدَّابَّةَ لَا يُرْغَبُ فِي اسْتِئْجَارِهَا فِي بَعْضِ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ فَلَوْ غُصِبَتْ فَهَلْ تُعْتَبَرُ أُجْرَةُ مِثْلهَا فِي مُدَّةِ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ؟ (فَأَجَابَ) نَعَمْ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَنَافِعَ كَالْأَعْيَانِ فَالْقِيمَةُ فِيهَا ذَاتِيَّةٌ وُجِدَ رَاغِبٌ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا وَمِنْ ثَمَّ أَفْتَى بَعْضُ شُرَّاحِ الْإِرْشَادِ فِي أَرْضٍ لَا تُؤَجَّرُ قَطُّ بِأَنَّهَا تُعْتَبَرُ بِأَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهَا، وَاَللَّه أَعْلَم. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ دُفِعَ إلَيْهِ ثَوْبٌ وَقَالَ أَحْرِقْهُ أَوْ ارْمِهِ فِي الْبَحْرِ فَاسْتَعْمَلَهُ ثُمَّ حَرَقَهُ أَوْ رَمَاهُ فَهَلْ يَضْمَنُهُ؟ (فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَبْدَى فِيهَا الْقَاضِي وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ وَالْإِلْقَاءِ وَالثَّانِي لَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ اهـ وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِالدُّخُولِ فِي الضَّمَانِ أَنَّهُ يَضْمَنُ أُجْرَتَهُ مُدَّةَ اسْتِعْمَالَهُ أَوْ يَضْمَنُ جُمْلَتَهُ كُلّ مُحْتَمَل وَلَعَلَّ الثَّانِيَ أَقْرَب وَلَا نُسَلِّم أَنَّ الْإِتْلَافَ مَأْذُونٌ فِيهِ الْآن؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَعْمَلَهُ صَارَ غَاصِبًا لَهُ لِتَعَدِّيهِ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ وَالْغَاصِبُ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِالرَّدِّ وَلَمْ يَحْصُلْ وَأَمَّا فِعْلُهُ مَا أَمَرَ بِهِ فَلَا يُضَافُ حِينَئِذٍ إلَى الْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَعْمَلَهُ أَعْرَضَ عَنْ الْإِذْنِ وَصَارَ مُتَصَرِّفًا فِيهِ لِنَفْسِهِ فَلَزِمَهُ بَعْدَ التَّصَرُّفِ فِيهِ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ وَإِلَّا ضَمِنَهُ وَالتَّعْبِيرُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ لَا يُنَافِي ضَمَانَ جَمِيعِهِ بَلْ جَعْلُهُ الْإِلْقَاءَ سَبَبًا لِلضَّمَانِ

стр. 659

ظَاهِرٌ فِي ضَمَانِ جَمِيعِهِ إذْ لَوْ ضَمِنَ أُجْرَة اسْتِعْمَالِهِ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ لِلْإِلْقَاءِ دَخْلٌ فِي الضَّمَانِ مُطْلَقًا فَإِنْ قُلْت هُوَ وَكِيلٌ وَتَعَدِّيهِ لَا يَمْنَعُ تَصَرُّفه قُلْت مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ فِي الْمَعَاصِي بَاطِلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَوْصَلَ غُصْنًا لَهُ بِشَجَرَةِ غَيْرِهِ عُدْوَانًا فَأَثْمَرَ فَالثَّمَرَةُ لِمَنْ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى الْبَغَوِيّ بِأَنَّهَا لِصَاحِبِ الْغُصْنِ فَقَطْ وَقَاضِي حَمَاة الْبَارِزِيِّ بِأَنَّهَا بَيْنهمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ مِنْ مِلْكهَا وَالْأَوْجَه الْأَوَّل كَمَا لَوْ غَرَسَهُ فِي أَرْض غَيْره عُدْوَانًا فَصَارَ شَجَرَة فَأَثْمَرَ بَلْ يَلْزَم الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ أَنْزَى فَحْلَهُ عَلَى شَاة غَيْره عُدْوَانًا كَانَ النِّتَاج بَيْنَهُمَا لِتَوَلُّدِهِ مِنْ مِلْكَيْهِمَا وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ مِنْ أَصْحَابنَا. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا زَرَعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَهَلْ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ قَلْعُهُ مَجَّانًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ لَهُ ذَلِكَ وَغَلِطَ مَنْ قَالَ لَهُ أُجْرَة الْمِثْل وَلَا يُقْلَعُ مَجَّانًا؛ لِأَنَّهُ انْتَفَعَ بِمَالِهِ فِيهِ شَرِكَة وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ لَنَصِيبِ شَرِيكِهِ فَلَا حُرْمَةَ لِمَا فَعَلَهُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ رَكِبَ فَرَسًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَأَجْهَدَهُ فِي السُّوقِ فَأَسْقَطَتْ مُهْرًا مَيِّتًا فَهَلْ يَضْمَنُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ نَجَّسَ ثَوْبَ آخَرَ وَلَمْ يَنْقُص بِالْغَسْلِ فَهَلْ يَلْزَمهُ تَطْهِيره؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَلْزَمهُ بَلْ وَلَا يَجُوز لَهُ بِغَيْرِ إذْن صَاحِبه وَإِنْ كَانَ لِغَسْلِهِ مُؤْنَة فَإِنْ طَهَّرَهُ فَنَقَصَ ضَمِنَ أَرْش النَّقْص وَلَوْ رَدَّهُ نَجِسًا فَمُؤْنَةُ التَّطْهِير عَلَيْهِ وَكَذَا الْأَرْشُ اللَّازِم مِنْهُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَخَذَ مِنْ الصَّبِيِّ شَيْئًا لَمْ يَبْرَأ بِرَدِّهِ إلَيْهِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْعَبْد فَمَا الْفَرْقُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْفَرْق أَنَّ الْعَبْدَ أَهْلٌ لِلْيَدِ فِي الْجُمْلَة فَمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ يَدُهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ كَانَتْ كَيَدِ السَّيِّد بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَإِنَّ يَدَهُ كَلَا يَدٍ إذْ مَا فِيهَا عُرْضَةٌ إلَى الضَّيَاع وَلِهَذَا جَازَ أَخْذُهُ لِلرَّدِّ عَلَى وَلِيِّهِ أَوْ الْحَاكِم حِسْبَةً بِخِلَافِ مَا بِيَدِ الْعَبْدِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَلْبُوسِ الصَّبِيِّ وَغَيْرِهِ فِيمَا مَرَّ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ غَصَبَ شَيْئًا فَاسْتَأْجَرَ مَنْ يَحْمِلُهُ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْأَجِيرُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَوْ الْمُسَمَّى؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الِاسْتِئْجَارِ لِحَجِّ التَّطَوُّعِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لَا الْمُسَمَّى وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَيَانِ وَقَيَّدَهُ ابْنُ عُجَيْلٍ بِمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْغَصْبَ وَإِلَّا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا بَلْ يَضْمَنهُ أَيْضًا. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ غَصَبَ أَرْضًا وَلَمْ يُعْتَدْ إيجَارُهَا إلَّا بِطَعَامٍ فَمَا الَّذِي يَلْزَمُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ فِي نَظِيرِهِ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَى عَادَةِ الْبَلَدِ فِيمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ طَعَامٍ وَغَيْره فَإِذًا يَلْزَمهُ مِنْ الطَّعَام مَا يُسْتَأْجَرُ بِهِ عَادَةً وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَة ذَلِكَ الطَّعَام الَّذِي يَسْتَأْجِرُ بِهِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ وَنَقَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَطَعَ لِسَانَ بَقَرَةٍ مَثَلًا فَتَرَكَهَا الْمَالِكُ بِلَا ذَبْحٍ حَتَّى مَاتَتْ فَهَلْ يَضْمَنُ الْأَرْشَ فَقَطْ كَمَا لَوْ ذَبَحَهَا فَتَرَكَهَا الْمَالِكُ حَتَّى أَنْتَنَتْ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَضْمَنُهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِجَمِيعِ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ التَّلَف حَصَلَ بِسِرَايَتِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ جَرَحَ رَجُلًا فَسَرَى لِنَفْسِهِ وَمَاتَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مُدَاوَاتِهَا بِخِلَافِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّ الْأَرْش اسْتَقَرَّ بِالذَّبْحِ وَمَا حَدَثَ بَعْده مِنْ كَوْنِ الْأَنْفُسِ صَارَتْ تَعَافُهَا لَيْسَ مِنْ سَرَايَته وَأَيْضًا فَلَحْمُهَا لَمْ يَحْرُمْ بِالنَّتْنِ بِخِلَافِهِ فِي الْأُولَى فَإِنَّهُ حُرِّمَ بِوَاسِطَةِ فِعْلِهِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ غَصَبَ عَبْدًا فَمَرِضَ عِنْدَهُ ثُمَّ رَدَّهُ مَرِيضًا فَمَكَثَ فِي يَدِ السَّيِّدِ مُدَّةً ثُمَّ زَالَ مَرَضُهُ فَهَلْ عَلَيْهِ أُجْرَة مِثْلِ الْمُدَّة الَّتِي كَانَ مَرِيضًا فِيهَا فِي يَد السَّيِّد؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كَلَام الْبَغَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ وَهُوَ مُتَّجَه خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ حَيْثُ قَالَ لَا أُجْرَةَ؛ لِأَنَّهُ بِالرَّدِّ إلَى الْمَالِك زَالَ الضَّمَانُ وَالنَّقْصُ الَّذِي قَدْ حَصَلَ بِالْمَرَضِ فِي يَده قَدْ ضَمِنَهُ بِالْأَرْشِ. اهـ. وَيُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا مُتَوَلِّدٌ مِنْ فِعْلِهِ فَضَمِنَهُ بِالْأُجْرَةِ وَإِنْ كَانَ ضَمِنَهُ أَوَّلًا بِالْأَرْشِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ غَصَبَ أَرْضًا أَوْ اشْتَرَاهَا شِرَاءً فَاسِدًا وَهِيَ تُزْرَعُ بُرًّا وَذُرَة وَغَيْرهمَا فَمَا الَّذِي يَضْمَنهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَضْمَنهُ هُوَ أُجْرَةُ مِثْل أَعْلَاهَا مَنْفَعَةً كَمَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا يُحْسِنُ صِنَاعَاتٍ مُخْتَلِفَةً فَإِنَّهُ يَضْمَن أَعْلَاهَا. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ سَعَى بِآخَرَ إلَى السُّلْطَانِ فَغَرَّمَهُ لِأَجْلِ السِّعَايَة شَيْئًا فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى السَّاعِي؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ قَوَاعِدِ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يَرْجِع عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ

стр. 660

وَيُفَرَّق بَيْنه وَبَيْن تَغْرِيمِ الشَّاهِدِ إذَا رَجَعَ بِأَنَّ الشَّاهِدَ أَلْجَأَ الْحَاكِمَ شَرْعًا إلَى الْحُكْمِ الْمُقْتَضِي لِتَغْرِيمِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ السَّاعِي فَإِنَّهُ لَمْ يُلْجِئْ السُّلْطَانَ لِذَلِكَ وَيُفَرَّقُ أَيْضًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ بَلْ لِعَمْرٍو بِأَنَّهُ ثَمَّ أَحَلَّ بَيْنَ عَمْرٍو وَبَيْنَ دَارِهِ بِإِثْبَاتِهَا لِلْأَوَّلِ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ نَاقَضَهَا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَنَاسَبَ أَنْ يَغْرَمَ لِتَحَقُّقِ حَيْلُولَتِهِ بَيْنَ عَمْرٍو وَبَيْنَ حَقِّهِ وَهُنَا لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ حَيْلُولَةٌ وَلَا إلْجَاءٌ شَرْعِيّ فَلَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَتْلَفَ وَلَدَ بَهِيمَةٍ فَنَقَصَ لَبَنُهَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَرْشُ النَّقْص؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضهمْ بِأَنَّهُ يَلْزَمهُ فَتُقَوَّمُ لَبُونًا تَحْلُب كُلَّ يَوْم كَذَا وَتُقَوَّمُ نَاقِصَة عَمَّا كَانَ وَهُوَ كَذَا فَمَا نَقَصَ مِنْ الْقِيمَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ غُرْمُهُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ غَصَبَ طَعَامًا وَأَضَافَ بِهِ الْمَالِكُ بَرِئَ هَلْ هُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ قَدَّمَهُ لَهُ عَلَى حَالِهِ أَوْ بَعْدَ تَغَيُّرِهِ وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ فَلَا كَلَامَ فِي الْبَرَاءَة أَوْ بَعْد أَنْ نَقَصَتْ وَلَمْ يَسِرْ لِلتَّلَفِ ضَمِنَ نَقْصَهَا وَبَرِئَ مِنْ الْبَاقِي أَمَّا إذَا قَدَّمَهُ وَقَدْ صَارَ سَارِيًا لِلتَّلَفِ فَلَا يَبْرَأُ بِأَكْلِ الْمَالِك حِينَئِذٍ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ حُكْمُ التَّالِفِ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَالضَّمَان قَدْ صَارَ مُسْتَقِرًّا فِي ذِمَّةِ الْغَاصِب قَبْل الْأَكْلِ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ وَأَيْضًا فَإِنْ قُلْنَا بِبَقَائِهِ عِنْدَ صَيْرُورَتِهِ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ فَلَا كَلَامَ أَوْ بِانْتِقَالِهِ إلَى مِلْكِ الْغَاصِبِ فَقَدْ حَمَلَهُ عَلَيْهِ ضِيَافَتُهُ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ مَا اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الضَّمَانِ. (وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ اطَّرَدَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِ بِإِجَارَةِ أَرَاضِيهِمْ بِنَوْعٍ مِنْ الْحُبُوبِ فَغَصَبَ شَخْصٌ أَرْضًا مِنْهَا فَهَلْ تَلْزَمهُ الْأُجْرَةُ حَبًّا أَوْ نَقْدًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُحَقَّق عِنْد جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ فِي نَظِيرِهِ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَى عَادَة الْبَلَد فِيمَا تَقُومُ بِهِ مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ وَقَدْ يُؤَيِّدهُ قَوْلهمْ لَوْ غَلَبَ مِنْ جِنْس الْعُرُوضِ نَوْعٌ كَالطَّعَامِ انْصَرَفَ الذِّكْرُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ كَالنَّقْدِ فَإِلْحَاقُهُ بِالنَّقْدِ فِي ذَلِكَ يُومِئُ إلَى إلْحَاقِهِ بِهِ فِي غَرَامَةِ الْمُتْلَفَاتِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَكَلَ مِنْ يَد آخَرَ طَعَامًا وَكَانَ فِي الْأَصْلِ مَغْصُوبًا وَلَمْ يَعْلَم فَهَلْ يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَقَلَ الْغَزِّيُّ عَنْ الْبَغَوِيِّ أَنَّ الْمَأْكُولَ مِنْهُ إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالصَّلَاحِ لَمْ يُؤَاخِذْ بِهِ الْآكِلُ وَإِلَّا أُوخِذَ بِهِ ثُمَّ قَالَ الْغَزِّيُّ وَأَظُنُّهُ لَا يُوَافِقُ عَلَيْهِ أَيْ بَلْ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ مُطْلَقًا لِعَدَمِ الْعِلْمِ وَقَدْ يُقَالُ مُقْتَضَى الْمُطَالَبَةِ بِمَا يُتْلِفهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا الْمُطَالَبَة هُنَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ فَلَيْسَتْ مُطَالَبَتُهُ بِفِعْلٍ حَرَامٍ بَلْ بِإِتْلَافِ مَاله وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ غَصَبَ عَيْنًا مِثْلِيَّةً وَأَتْلَفَهَا وَقُلْتُمْ يَضْمَنُ مِثْلَهَا وَإِنْ أَعْوَزَهُ وَوَجَدَهُ بِأَكْثَرَ ضَمِنَهَا بِقِيمَةِ الْمِثْلِ وَقْتَ الْمُحَاكَمَةِ وَالتَّأْدِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِثْلٌ ضَمِنَهَا بِقِيمَتِهَا أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينَ الْغَصْبِ إلَى حِينَ التَّلَفِ مَفْهُومُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَكْثَرُ الْقِيمَةِ مَا بَيْنَ الْغَصْب وَالتَّلَف دُون ثَمَن الْمِثْلِ فَلَهُ قَبُولُهُ بَيِّنُوا لَنَا صُورَةَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فِي الْقِيمَة فِي الْمُدَّة وَأَوْضِحُوا ذَلِكَ مُفَصَّلًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْحَاصِلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَنَّ مَنْ غَصَبَ عَيْنًا مِثْلِيَّةً وَأَتْلَفَهَا يَلْزَمهُ مِثْلُهَا فَإِنْ فَقَدَهُ أَوْ وَجَدَهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ لَزِمَهُ أَقْصَى قِيمَة مِنْ وَقْتِ الْغَصْب إلَى وَقْتِ فَقْدِ الْمِثْلِ فَلَوْ كَانَ وَقْتَ الْغَصْبِ يُسَاوِي مِائَةً وَوَقْتَ الْفَقْدِ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ وَفِيمَا بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ يُسَاوِي أَلْفًا لَزِمَهُ الْأَلْفُ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ وَأَمَّا الْمُتَقَوِّمُ فَيُضْمَن بِأَقْصَى قِيمَةٍ مِنْ الْغَصْبِ إلَى التَّلَفِ، وَاَللَّه أَعْلَم. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ شَغَلَ بُقْعَةً مِنْ الْمَسْجِدِ بِمَتَاعٍ لَهُ فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَتَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَقَلَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي فَتَاوِيهِ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ أُجْرَة الْبُقْعَة مَا لَمْ يَغْلِقْ بَاب الْمَسْجِدِ وَإِلَّا لَزِمَهُ أُجْرَةُ جَمِيعِهِ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ وَتُصْرَفُ الْأُجْرَة فِي مُصَالَح الْمَسْجِد وَظَاهِرُ حُرْمَةِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُضَيِّق عَلَى الْمُصَلِّينَ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا صُورَتُهُ قَالُوا لَوْ غَصَبَ خَشَبَةً وَأَدْرَجَهَا فِي سَفِينَةٍ لَمْ تُقْلَعْ مِنْهَا فِي اللُّجَّةِ إنْ خَشِيَ تَلَفَ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ مُحْتَرَمٍ مَا الْمُرَادُ بِالْمُحْتَرَمِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُرَاد بِالْمُحْتَرَمِ فِي غَيْر هَذَا الْبَاب مَا حَرُمَ قَتْلُهُ أَوْ إتْلَافُهُ وَيُحْتَمَلُ إلْحَاق هَذَا الْبَابِ بِغَيْرِهِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ إنْ خَشِيَ إتْلَافَ نَفْسٍ اشْتَرَطَ

стр. 661

أَنْ لَا تَكُونَ مُحْتَرَمَةً كَحَرْبِيٍّ وَمُرْتَدٍّ وِزَانٍ مُحْصَنٍ وَإِنْ خُشِيَ إتْلَافُ مَالٍ فَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا فَهُوَ مُحْتَرَمٌ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ مُحْتَرَمٍ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَالَ الْحَرْبِيِّ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ وَيُحْتَمَلُ إلْحَاق الْمُرْتَدِّ بِهِ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ كَنَفْسِ الْحَرْبِيِّ وَمَالِهِ فَأُتِيَ بِالْكَافِ الدَّالَّةِ غَالِبًا عَلَى عَدَمِ الْحَصْرِ فِي مَدْخُولِهَا وَيُحْتَمَلُ الْفَرْقَ بِأَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ لِبَيْتِ الْمَالِ إنْ مَاتَ مُرْتَدًّا وَإِلَّا فَهُوَ لَهُ وَأَيْضًا مَنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ لَا يَمْلِك شَيْئًا مِنْهُ بِخِلَافِ مَالِ الْحَرْبِيِّ وَأَيْضًا فَالْحَرْبِيُّ إذَا مَاتَ عَلَى حِرَابَتِهِ انْتَقَلَ لِوَارِثِهِ الْحَرْبِيِّ وَهُوَ غَيْرُ مَعْصُومٍ بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ فَإِنَّهُ إذَا مَاتَ عَلَى حَالَتِهِ انْتَقَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَهُمْ حَقٌّ مُتَأَكِّدٌ فِي مَالِهِ بِخِلَافِ مَالِ الْحَرْبِيِّ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ وَصَارَ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ فَهَلْ يَمْلِكُهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا خَلَطَهُ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ عَنْهُ مَلَكَهُ سَوَاءً أَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَسَوَاءً أَكَانَ مَا خَلَطَهُ بِهِ لَهُ أَوْ لِمَالِكٍ آخَرَ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد مَذْهَبًا وَلَا يُكَلَّفُ الْمَالِكُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُخْتَلِطِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْمُخْتَلِطِ بِجِنْسِهِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ بَعْضِ الْمُخْتَلَطِ بِالْأَجْوَدِ أَوْ الْمِثْلِ لَا الْأَرْدَإِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْغَاصِبَ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ بِنَفْسِ الْخَلْطِ سَوَاءٌ أَعْطَى الْمَالِكُ الْبَدَلَ أَوْ لَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ أَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ بِالْخَلْطِ إلَى ذِمَّتِهِ لَكِنْ لَوْ قِيلَ إنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّصَرُّف قَبْلَ رَدِّ الْبَدَلِ وَأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ مِنْهُ لَمْ يَبْعُدْ قِيَاسًا عَلَى الْوَرَثَةِ حَيْثُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ التَّصَرُّفُ فِي تَرِكَةِ مُوَرِّثِهِمْ إذَا كَانَ مَدِينًا مَعَ أَنَّهَا مِلْكُهُمْ وَالدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ مُورَثِهِمْ وَلَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ رِعَايَةً لِصَاحِبِ الدَّيْنِ وَلَا يُقَالُ إنَّ التَّرِكَةَ مَرْهُونَةٌ بِالدَّيْنِ شَرْعًا بِخِلَافِ هَذَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ وَالْعَيْنُ الْمُخْتَلِفَةُ بِمَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ مِنْهَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَرْهُونَةً بِحَقِّ الْمَالِكِ كَذَلِكَ رِعَايَةً لَحَقِّهِ. (وَسُئِلَ) هَلْ تَجِبُ إرَاقَةُ الْخَمْرِ الْغَيْرِ الْمُحْتَرَمَةِ وَإِنْ قَصَدَ صَاحِبُهَا التَّخَلُّل وَمَا هِيَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوْجَهُ أَنَّهَا الَّتِي عُصِرَتْ بِقَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ وَحِينَئِذٍ فَتَجِبُ إرَاقَتُهَا فَوْرًا وَلَا يُجَابُ لِلْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَى التَّخَلُّلِ نَعَمْ إنْ قَصَدَ قَبْل تَخَمُّرهَا اتِّخَاذَهَا لِلْخَلِيَّةِ لَمْ تَجِبْ إرَاقَتُهَا؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ النِّيَّةَ الْأُولَى بِالنِّيَّةِ الثَّانِيَة. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ قَوْلِ الْإِرْشَادِ وَضَمِنَ آخِذٌ مِنْ غَاصِبٍ لَا بِنِكَاحٍ وَفِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِي بَاب الْغَصْب لَوْ زَوَّجَ الْغَاصِبُ الْأَمَةَ الْمَغْصُوبَةَ فَفَاتَتْ مَنَافِعُهَا تَحْتَ يَدِ الزَّوْجِ فَغُرْمهَا رَجَعَ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ وَإِذَا مَاتَتْ عِنْدَهُ وَغَرِمَ قِيمَتَهَا رَجَعَ بِهَا. اهـ. وَهَذَا يُنَاقِضُ مَا اقْتَضَتْهُ عِبَارَةُ الْإِرْشَادِ مِنْ عَدَمِ الضَّمَانِ فَتَأَمَّلُوا الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِأَيِّ شَيْءٍ أَثَابَكُمْ اللَّهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَنَافِي بَيْنَ عِبَارَةِ الْإِرْشَادِ. وَعِبَارَةِ شَرْحِ الْمِنْهَاجِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ هُمَا مُتَّحِدَتَانِ مَفَادُهُمَا وَاحِدٌ كَمَا يُفْهِمُهُ قَوْلُ الْإِرْشَادِ عَقِبَ لَا بِنِكَاحٍ وَرَجَعَ إلَخْ إذْ مَعْنَى لَا بِنِكَاحٍ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ الْمَغْصُوبَةَ مِنْ الْغَاصِبِ جَاهِلًا فَتَلْفِت عِنْدَهُ لَا يُطَالَبُ بِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ زَوْجَةٌ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ نَعَمْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ يَنْبَغِي تَخْصِيصُهُ بِمَا إذَا تَلِفَ بِغَيْرِ الْوِلَادَةِ وَإِلَّا فَيَضْمَنُهَا كَمَا لَوْ أَوْلَدَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِشُبْهَةٍ وَمَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا كَمَا قَالُوهُ. اهـ. وَفِيهِ شَيْءٌ بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَإِذَا عَلِمَ أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَضْمَنُ قِيمَتَهَا لَوْ تَلِفَ عِنْدَهُ فَلَوْ غَرَّمَهَا لَهُ الْمَالِكُ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ كَمَا أَفَادَ قَوْلُ الْإِرْشَادِ وَرَجَعَ إلَخْ وَكَذَا مَنَافِعُهَا الْفَائِتَةُ فِي يَد الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ لَا يَضْمَنُهَا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الزَّوْجَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ زَوْجَةٌ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ فَإِذَا غَرَّمَهُ الْمَالِكُ إيَّاهَا رَجَعَ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْإِرْشَادِ وَرَجَعَ إلَخْ بِخِلَافِ مَا لَوْ غَرَّمَهُ مَهْرَ وَطْئِهِ أَوْ أُجْرَةَ الْمَنَافِعِ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ يَضْمَنَ الْمَهْرَ وَلِأَنَّ الْغَاصِبَ لَمْ يُسَلِّطْهُ بِالتَّزْوِيجِ عَلَى الِاسْتِخْدَامِ فَظَهَرَ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ أَنْ لَا تَخَالُفَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ بِوَجْهٍ وَأَنَّ تَوَهُّمَ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمَا إنَّمَا نَشَأَتْ عَنْ الْغَفْلَةِ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا بِنِكَاحٍ وَعَنْ قَوْلِهِ عَقِبَهُ وَرَجَعَ إلَخْ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ غَصَبَ عَبْدًا يَعْرِفُ صَنْعَةً فَنَسِيَهَا وَقُلْنَا يَغْرَمُ قِيمَةَ هَذَا الْوَصْفِ مِنْ الْمُصَدَّقِ فِي النِّسْيَانِ لَوْ تَذَكَّرَ فَادَّعَى الْغَاصِبُ أَنَّهُ مُتَذَكِّرٌ فَلَا عَلَيْهِ غُرْم وَالْمَالِك أَنَّهُ مُتَعَلِّمٌ فَالْغُرْمُ مِنْ الْمُصَدَّقِ مِنْهُمَا هَذَا عَلَى قَوْلِ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّذَكُّرِ وَالتَّعْلِيمِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ الْغَاصِبَ هُنَا هُوَ الْمُصَدَّقُ؛ لِأَنَّ الْمَالِك يَدَّعِي عَلَيْهِ

стр. 662

إحْسَانَ قِنِّهِ لِحِرْفَةٍ فَأَتَتْ فِي يَدِهِ فَلَزِمَهُ قِيمَتُهَا وَالْغَاصِبُ يَدَّعِي بَقَاءَ تِلْكَ الْحِرْفَةِ أَوْ عَدَمَهَا مِنْ أَصْلِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِمَّا يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ الْمَالِكُ حَتَّى يَثْبُتُ مُوجِبُهُ وَأَيْضًا فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى وُجُودِ تِلْكَ الْحِرْفَةِ وَاخْتَلَفَا فِي النِّسْيَانِ فَالْأَصْلُ دَوَامُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى وُجُودِهَا بِأَنْ اخْتَلَفَا فِيهِ فَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ مُسَاعِدٌ لِأَصْلِ بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْغَاصِبِ فَقَوِيَ جَانِبُهُ بِاعْتِضَادِ دَعْوَانَا أَصْلُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مَعَ أَصْلِ الدَّوَامِ فِي الْأُولَى أَوْ أَصْلُ الْعَدَمِ فِي الثَّانِيَةِ وَمِمَّا يَشْهَدُ لِتَصْدِيقِهِ قَوْلُهُمْ لَوْ اخْتَلَفَا فِي كَوْنِ الْمَغْصُوبِ كَاتِبًا أَوْ مُحْتَرِفًا صُدِّقَ الْغَاصِبُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وَعَدَمُ مَا ادَّعَاهُ الْمَالِكُ. وَقَوْلُهُمْ لَوْ رَدَّ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ أَعْمَى مَثَلًا وَقَالَ هَكَذَا غَصَبْته وَقَالَ الْمَالِكُ بَلْ حَدَثَ عِنْدَهُ صُدِّقَ الْغَاصِبُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ عَمَّا يَزِيدُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ فَتَأَمَّلْ هَذَا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي تَصْدِيقِ الْغَاصِبِ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ وَالْمُعْتَمَدُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ تَعَلُّمَ الصَّنْعَةِ كَتَذَكُّرِهَا وَعَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا الَّذِي ذَكَرَهُ السَّائِلُ فَالْمُصَدَّقُ فِيمَا ذَكَرَهُ الْغَاصِبُ أَيْضًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْته عَلَى الْأَصَحِّ فِي صُورَةِ اخْتِلَافِهِمَا فِي النِّسْيَانِ. (وَسُئِلَ) عَنْ مَغْصُوبٍ تَحَقَّقَ جَهْلُ مَالِكِهِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ مَحْضٌ أَوْ شُبْهَةٌ وَهَلْ يَحِلُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَاللُّقَطَةِ أَوْ كَغَيْرِهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَحِلُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ مَا دَامَ مَالِكُهُ مَرْجُوَّ الْوُجُودِ بَلْ يُوضَعُ عِنْدَ قَاضٍ أَمِينٍ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَعَالِمٌ كَذَلِكَ فَإِنْ أَيِسَ مِنْ مَعْرِفَةِ مَالِكِهِ صَارَ مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَإِنَّهُ قَالَ مَا مُلَخَّصُهُ مَنْ مَعَهُ مَالٌ حَرَامٌ وَأَيِسَ مِنْ مَعْرِفَةِ مَالِكِهِ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَهُ فِي الْمُصَالَحِ الْعَامَّةِ كَالْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ وَإِلَّا فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى فَقِيرٍ أَوْ فُقَرَاءَ. وَيَتَوَلَّى صَرْفَهُ الْقَاضِي إنْ كَانَ عَفِيفًا وَإِلَّا حَرُمَ التَّسْلِيمُ إلَيْهِ وَضَمِنَهُ الْمُسْلِمُ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُحَكِّمَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ دَيِّنًا عَالِمًا فَإِنْ فَقَدْ تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ وَأَخْذُ الْفَقِيرِ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ حَلَالٌ طَيِّبٌ وَلَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ وَالْوَصْفُ مَوْجُودٌ فِيهِمْ بَلْ هُمْ أَوْلَى مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا فَقِيرٌ كَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَنُقِلَ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَأَحْمَدَ وَالْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْل الْوَرَعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إتْلَافُ الْمَالِ وَلَا رَمْيُهُ فِي الْبَحْرِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَصَالِحَ الْمُسْلِمِينَ. اهـ. وَقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَغَيْرِهِ هَذَا فِي الْحَرَامِ الْمَحْضِ كَمَا تَقَرَّرَ أَمَّا مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ ذَلِكَ فَهُوَ شُبْهَةٌ وَالِاشْتِرَاءُ مِنْهُ مَكْرُوهٌ وَإِنْ غَلَبَ الْحَرَامُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ حَرَامٌ قِيلَ وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدَّيْنِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ اخْتَلَطَ ثَوْبٌ مُبَاحٌ بِنَحْوِ أَلْفِ ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ فَيَجِبُ الْجَزْمُ بِتَحْرِيمِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ مَغْمُورٌ تَافِهٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَرَامِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ فِي بَابِ الصَّيْدِ لَوْ اخْتَلَطَ حَمَامٌ مَمْلُوكٌ غَيْرُ مَحْصُورٍ بِحَمَامٍ مُبَاح مَحْصُورٍ حَرُمَ الِاصْطِيَادُ مِنْهُ. اهـ. وَمَا مَرَّ مِنْ وَضْعِ مَا لَمْ يَيْأَسْ مِنْ مَالِكه فِي يَدِ مَنْ مَرَّ هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَصَرَّحَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ وَقَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي كُتِبَ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي بِيَدِ الْفِرِنْجِ هَلْ يَحِلُّ شِرَاؤُهَا أَنَّ اسْتِنْقَاذَهَا حَسَنٌ ثُمَّ لَا يَجُوزُ الْقِرَاءَةُ وَالِانْتِفَاعُ بِهَا حَالًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا إذَا عَرَّفَهَا سَنَةً جَازَ تَمَلُّكُهَا كَاللُّقَطَةِ مَرْدُودٌ وَمِمَّنْ رَدَّهُ الْأَذْرَعِيُّ فَقَالَ فِي تَوَسُّطِهِ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِاللُّقَطَةِ بَلْ يَحْفَظُ إلَى الْيَأْسِ مِنْ الْعُثُورِ عَلَى مَالِكِهِ ثُمَّ يَصْنَعُ بِهِ مَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ الضَّائِعِ أَيْ يَصْرِفُهُ فِي الْمَصَالِحِ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ مَعْرِفَةِ مَالِكِهِ. (وَسُئِلَ) عَنْ أَرْضٍ لَا تُؤَجَّرُ قَطُّ فَمَاذَا يَلْزَمُ غَاصِبَهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ تَجِبُ أُجْرَةُ أَقْرَبِ الْأَرَاضِي إلَيْهَا وَهُوَ مُحْتَمَلٌ مُنْقَاسٌ وَيُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ. (وَسُئِلَ) عَنْ دَارٍ مُشْتَرِكَةٍ بَيْنَ أَخَوَيْنِ فَسَكَنَا فِيهَا وَلَمْ يَسْتَأْجِرْ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ وَلَا اسْتَعَارَ وَلَا اسْتَبَاحَ لَكِنْ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ وَالْآخَرُ لَهُ عِيَالٌ فَهَلْ لِكُلٍّ الرُّجُوعُ عَلَى الْآخَرِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مُطَالَبَةُ الْآخَرِ بِأُجْرَةِ سُكْنَاهُ فِي نَصِيبِهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ بِقِسْطِهِ عَلَى قَدْرِ السُّكَّانِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا اخْتَلَطَ الْمَغْصُوبُ أَوْ الْمَنْهُوبُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَمْلُوكِ اخْتِلَاطَ امْتِزَاجٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ كَزَيْتٍ وَحِنْطَةٍ بَيْضَاءَ بِمِثْلِهَا فَهَلْ

стр. 663

يَمْلِكُهُ الْغَاصِبُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ وَكَيْفَ يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِذَلِكَ مَعَ تَعَدِّيهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ تَزَلْ مَعْرُوفَةً بِالْإِشْكَالِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَلَكِنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ أَنَّ الْمَغْصُوبَ كَالْهَالِكِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْغَاصِبُ مِنْ إعْطَائِهِ قَدْرَ حَقّه مِنْ غَيْرِ الْمُخْتَلِطِ وَلَنَا قَوْلُ أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ وَنَصَرَهُ جَمْعٌ فَيَرْجِعُ فِي قَدْرِ حَقِّهِ مِنْ نَفْسِ الْمَخْلُوطِ نَفْسه وَوُجِّهَ بِأَنْ خُلِطَ بِالْمِثْلِ اشْتَرَكَا أَوْ بِالْأَجْوَدِ أَوْ الْأَرْدَإِ فَكَالْهَالِكِ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ كَالْهَالِكِ مُطْلَقًا وَانْتَصَرَ جَمَاعَةٌ لِلْقَوْلِ بِالِاشْتِرَاكِ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ سَالَتْ صُبْرَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى صُبْرَةِ الْآخَرِ وَفَرَّقَ السُّبْكِيّ بِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ تَصَرُّفُ مُكَلَّفٍ بِحَالِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ هُنَا فَالضَّرُورَةُ هُنَا لَمْ تَدْعُ إلَى الِاشْتِرَاكِ. وَأَجَابَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ عَنْ أَشْكَالِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا حَاصِلُهُ مَعَ الْإِيضَاحِ أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ وُصُولُ الْمَالِكِ لِعَيْنِ حَقِّهِ بِسَبَبِ خَلْطِ الْغَاصِبِ الْمُقْتَضِي لِضَمَانِهِ جَعَلَ الْمَخْلُوطَ كَالتَّالِفِ وَجَعَلَ شَغْلَ ذِمَّتِهِ بِالْغُرْمِ وَتَمْكِينِ الْمَالِكِ مِنْ أَخْذِهِ حَالًا مُقْتَضِيًا لَمِلْكِ الْغَاصِبِ بِخِلَافِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ إذْ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ حَتَّى يَضْمَنَهُ فَيَدْخُلَ فِي مِلْكِهِ بِالتَّعَذُّرِ الْمَذْكُورِ وَتَعَدِّي الْغَاصِبِ لَا يَقْتَضِي جَعْلَ عَيْن مَالِهِ مَمْلُوكًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ مَجَّانًا إذْ الظَّالِمُ لَا يَظْلِمُ بَلْ يُنْتَصَفُ مِنْهُ وَالْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ إذَا أَبَقَ مَرْجُوُّ الْعَوْدِ فَلَمْ يَتَعَذَّرْ رَدُّهُ بِإِبَاقِهِ فَتَوَجَّهَ فِيهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ لِلْحَيْلُولَةِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ مُطْلَقًا فَالْوَاجِبُ فِيهِ يَكُونُ لِلْفَيْصُولَةِ وَقَدْ قَالَ جَمْعٌ وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافَهُ إنْ اخْتَلَطَ تَمْرُ الْبَائِعِ بِتَمْرِ الْمُشْتَرِي يُفْسَخُ الْبَيْعُ لِتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ فَإِذَا جَعَلُوا الْمِلْكَ فِي الْمَبِيعِ مُنْتَقِلًا لِلْبَائِعِ بِسَبَبِ تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْخَلْطُ مِنْ فِعْلِهِ فَكَذَلِكَ هُنَا وَعَلَى الرَّاجِحِ لَوْ أَرَادَ الْقِسْمَةَ بِحَسَبِ الْقِيمَتَيْنِ امْتَنَعَ لِلرِّبَا وَرَجَّحَ السُّبْكِيّ قَوْل الشَّرِكَةِ وَفَرَّعَ عَلَيْهِ مَا مَرَّ وَأَطَالَ فِي الِانْتِصَارِ لَهُ وَأَنَّ قَوْلَ الْهَلَاكِ بَاطِلٌ لَكِنْ أَطَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ نَاقَضَ نَفْسَهُ وَكَيْفَ يَكُونُ بَاطِلًا وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو قَوْلٌ مِنْ الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ مَحْذُورٍ وَأَنَّ الْقَوْلَ بِالْهَلَاكِ يَنْدَفِعُ مَحْذُورُهُ بِمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَابْنُ الْمُقْرِي فِي تَمْشِيَتِهِ مِنْ أَنَّا وَإِنْ قُلْنَا بِمِلْكِ الْغَاصِبِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ حَتَّى يُعْطِيَ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ مَا وَجَبَ لَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ فِيمَا مَلَّكَهُ إيَّاهُ بِعِوَضٍ وَرَضِيَ فَكَيْفَ إذَا مَلَّكَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ قِيلَ وَهُوَ حَسَنٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ خِلَافَهُ وَيَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا كَانَ مُوسِرًا قَالَ السُّبْكِيّ وَقَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي الزَّيْتِ وَالْحِنْطَةِ اخْتِصَاصَهَا بِالْمِثْلِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ خَلْطُ الْمُتَقَوِّم كَذَلِكَ ثُمَّ حَكَى عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ جَزَمُوا بِأَنَّ قَوْلَ الْهَلَاكِ لَا يَأْتِي فِي خَلْطِ الدَّرَاهِمِ بِمِثْلِهَا وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ كُلَّ دِرْهَمٍ مُتَمَيِّزٌ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ لَنَا وَلَيْسَ كَالزَّيْتِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِالِاخْتِلَاطِ حَقِيقَةٌ أُخْرَى وَرُدَّ بِأَنَّ مَا ذُكِرَ لَا يَأْتِي فِي خَلْطِ الْقَمْحِ بِمِثْلِهِ لِتَمَيُّزِ كُلِّ حَبَّةٍ فِي نَفْسِهَا وَمُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ الدَّرَاهِمَ كَالْحِنْطَةِ فِيمَا مَرَّ فَيَأْتِي فِيهَا مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ وَابْنِ الْمُقْرِي وَلَوْ غَصَبَ مِنْ اثْنَيْنِ زَيْتًا ثُمَّ خَلَطَهُ قَالَ السِّرَاجُ الْبُلْقِينِيُّ فَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّة أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ كَالْهَالِكِ لَكِنْ حَكَى صَاحِب الْبَحْر وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا غَصَبَ دَرَاهِمَ مِنْ اثْنَيْنِ وَخَلَطَهَا أَحَدُهُمَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا وَالثَّانِي يَتَخَيَّرَانِ بَيْنَ الْقِسْمَةَ وَالْمُطَالَبَةَ بِالْمِثْلِ. اهـ. وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ إذَا أَخَذَ الْمَكَّاسُ مِنْ إنْسَانٍ دَرَاهِمَ فَخَلَطَهَا بِدَرَاهِمِ الْمَكْس ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ قَدْرَ دَرَاهِمِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمُخْتَلِطِ لَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ وَهُوَ يُرَجِّحُ الْوَجْهَ الْأَوَّل مِنْ وَجْهَيْ الْبَحْرِ وَرَجَّحَ الشَّيْخَانِ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الْمَغْصُوبِ مَا يَسْرِي لِلتَّلَفِ كَبَلِّ الْحِنْطَةِ وَتَعَفُّنِهَا وَجَعْلِهَا هَرِيسَةً وَغَصْبِ تَمْرٍ وَدَقِيقٍ وَسَمْنٍ وَجَعْلِهِ عَصِيدَةً فَهُوَ كَالْهَالِكِ وَيَغْرَمُ بَدَلَ كُلِّ مَغْصُوبٍ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ وَقِيلَ يَرُدُّهُ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ مُوجِبِ الْقَوْلَيْنِ وَاسْتَحْسَنَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيّ وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ الْغَاصِبُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ وَغُرْم بَدَلِهِ وَرَدِّهِ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهَلْ

стр. 664

الْمَغْصُوبُ لِمَالِكِهِ أَوْ لِلْغَاصِبِ فِيهِ وَجْهَانِ وَجْهُ الْأَوَّلِ الْقِيَاسُ عَلَى مَا لَوْ قَتَلَ شَاةً فَإِنَّ الْمَالِكَ يَكُونُ أَحَقَّ بِجِلْدِهَا مَعَ قِيمَتِهَا وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْغَاصِبَ غَرِمَ لَهُ مَا يَقُومُ مَقَامَ التَّالِفِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَالْأَوَّلُ لَا وَجْهَ لَهُ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَمِنْ ثَمَّ صَحَّحَ الثَّانِي وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إنَّهُ مُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ اسْتَبْعَدَ مُقَابِلِهِ وَفَارَقَ مَسْأَلَةَ الشَّاةِ بِبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ هُنَا وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيُّ النَّظَائِرُ تَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْأَوَّلِ فِيهِ نَظَرٌ وَلَا فَرْقَ عَلَى الثَّانِي بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِلْحِنْطَةِ وَالْهَرِيسَةِ مَالِيَّةٌ أَمْ لَا وَعَلَى الثَّانِي فَهَلْ يَأْتِي هُنَا مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْغَاصِبِ التَّصَرُّفُ حَتَّى يَغْرَم الْبَدَلَ أَوْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ مَنْعَهُ هُنَا يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ مَالٍ بِخِلَافِهِ ثُمَّ فَإِنَّ التَّأْخِيرَ لَيْسَ فِيهِ إتْلَافٌ لَهُ مَحَلُّ نَظَرٍ وَالثَّانِي مُنْقَدِحٌ إنْ لَمْ يَجِدْ قَاضِيًا يَقُومُ مَقَامَ الْمَالِكِ أَوْ كَانَ مُعْسِرًا كَمَا مَرَّ وَلَوْ غَصَبَ خَشَبًا وَأَحْرَقَهُ فَالرَّمَادُ كَالْهَرِيسَةِ فِيمَا مَرَّ، وَاَللَّه أَعْلَم. (سُؤَال) وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ الْحَمْد لِلَّهِ وَحْدَهُ أَسْأَل اللَّه الْكَرِيم رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَمُنَّ وَيَتَفَضَّلَ عَلَيْنَا وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ بِطُولِ حَيَاة سَيِّدنَا وَمَوْلَانَا وَعُمْدَتِنَا وَعُدَّتِنَا وَمَلَاذِنَا وَسَيِّدِنَا وَبَرَكَتِنَا وَشَيْخِنَا وَأُسْتَاذِنَا شَيْخِ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ عُمْدَةِ الْأَنَامِ مَنْ إلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ شِهَابِ الدَّيْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَجَرٍ حَفِظَهُ اللَّهُ وَأَطَالَ بَقَاءَهُ لَنَا وَلِلْمُسْلِمِينَ وَبَعْدُ فَتَفَضَّلُوا بِوَضْعِ جَوَابِكُمْ الشَّافِي الْوَافِي لَا زِلْتُمْ أَهْلًا وَمَلَاذًا لِحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ وَرَفْعِ الْمُعْضِلَاتِ عَلَى إشْكَالٍ فِي مَسْأَلَةٍ ذَكَرَهَا فِي الْعُبَابِ فِي الْغَصْبِ فِي فَرْعٍ. كَمَا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ خَافٍ عَلَى شَيْخِنَا حَيْثُ قَالَ فَرْعٌ لَوْ غَصَبَ حِنْطَةً قِيمَتُهَا خَمْسُونَ فَطَحَنَهَا فَعَادَتْ عِشْرِينَ فَخَبَزَهَا فَبَلَغَتْ خَمْسِينَ ثُمَّ تَلِفَتْ ضَمِنَ ثَمَانِينَ بِسَبَبِ نَقْصِ الطَّحْنِ وَلَا عِبْرَةَ بِزِيَادَةِ قِيمَةِ الْخُبْزِ كَأَنْ نَسِيَ الْعَبْدُ الْحِرْفَةَ وَتَعَلَّمَ أُخْرَى. اهـ. مَا فِي الْعُبَابِ وَنُقِلَ هَذَا فِي التَّجْرِيدِ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَكَذَلِكَ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْغَزِّيِّ وَتَبِعَهُ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا فِي مُخْتَصَرِهِ وَنَقَلَهَا فِي الْجَوَاهِرِ وَكَذَلِكَ مُوسَى بْنُ الزَّيْنِ فِي كَوْكَبِهِ وَكُلُّهُمْ سَاكِتُونَ عَنْهَا مَعَ أَنَّهَا مُشْكَلَةٌ عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي أَنَّ الْمِثْلِيَّ إذَا تَغَيَّرَ مِنْ حَالَةٍ إلَى أُخْرَى ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ بِالْأَغْبَطِ مِنْهُمَا فَفِي التَّمْشِيَة وَالْأَنْوَار أَنَّهُ إذَا غَصَبَ حِنْطَةً وَطَحَنَهَا ثُمَّ خَبَزَهَا فَلِلْمَالِكِ الْأَغْبَطُ فَإِنْ قُلْت فِي تَصْوِيرِ الْعُبَابِ زِيَادَةٌ وَهِيَ نُقْصَانُ الْقِيمَةِ ثُمَّ عَوْدُهَا قُلْنَا الْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمِثْلِيَّ لَا يَتَغَيَّرُ ضَمَانُهُ بِنَقْصِ الْقِيمَةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا إنْ لَمْ يَصِرْ مُتَقَوِّمًا كَمَا فِي الْعُبَابِ أَوْ يُقَالُ إنَّ الْفَرْع الَّذِي فِي الْعُبَابِ مَعْرُوفٌ لِلْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَقَدْ عُرِفَ مِنْ الرَّوْضَةِ أَنَّ طَرِيقَةَ الْقَاضِي أَنَّ الْمِثْلِيَّ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ الْجَوَاب لَا عَدِمَكُمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَا أَخْلَى الْوُجُودَ مِنْكُمْ وَهَدَى بِكُمْ كُلَّ ضَالٍّ آمِينَ سُؤَال آخَرُ) ذَكَر فِي الْإِرْشَادِ تَبَعًا لِلشَّيْخَيْنِ أَنَّ زَوْجَ الْمَغْصُوبَة إذَا كَانَ جَاهِلًا وَتَلِفَتْ عِنْدَهُ لَا يَضْمَنُ لَا طَرِيقًا وَلَا قَرَارًا وَصَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِهِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ فِي الْعُبَابِ كُلُّ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَفِي آخِرِهِ ذَكَرَ فِي الرَّوْضَةِ إذَا غَرِمَ قِيمَتَهَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ وَكَذَا أُجْرَةُ الْمُدَّةِ الَّتِي لَمْ يَسْتَخْدِمْهَا فِيهَا وَجَرَيَا فِي الرَّوْضَةِ وَالْعُبَابِ عَلَى الْأُجْرَةِ وَسَكَتَا عَنْ الْقِيمَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَاَلَّذِي فِي آخِرِ الْبَابِ يُشْكِلُ عَلَى الَّذِي فِي أَوَّلِهِ فَمَا الظَّاهِرُ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا أَوْ آخِرًا أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُقَرَّرٌ وَعَلَيْهِ فَمَا الْفَرْقُ (الْجَوَاب) مَا فِي الْعُبَاب هُوَ الْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ وَلَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْمِثْلِيّ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ صُوَرِ مَا إذَا صَارَ الْمِثْلِيُّ مُتَقَوِّمًا؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي ذَلِكَ بِالْآخَرِ وَهُوَ بِاعْتِبَارِهِ كَذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ صَارَ مِثْلِيًّا ثُمَّ مُتَقَوِّمًا وَقَدْ صَرَّحُوا فِي هَذَا الْقِسْمِ بِأَنَّهُ يَجِبُ الْمِثْلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَقَوِّمُ أَكْثَرَ قِيمَةً فَتَجِبُ قِيمَتُهُ فَعُلِمَ وُجُوبُ الثَّمَانِينَ هُنَا؛ لِأَنَّهَا الْأَغْبَطُ وَإِنْ اخْتَلَفَ سَبَبُ وُجُوبِهَا أَمَّا الْخَمْسُونَ فَلِأَنَّهَا الْقِيمَةُ حِينَ التَّلَفِ وَأَمَّا الثَّلَاثُونَ فَلِأَنَّهَا أَرْشُ جِنَايَتِهِ عَلَى الْمَغْصُوبِ بِطَحْنِهِ الَّذِي نَقَصَتْ بِهِ قِيمَتُهُ وَقَاعِدَةُ الْبَابِ أَنَّ مَا ضَمِنَهُ بِجِنَايَتِهِ لَا يَعُودُ بِفِعْلِهِ فِيهِ مَا سَاوَى قِيمَةَ أَرْشِ تِلْكَ الْجِنَايَةِ وَمِنْ ثَمَّ شَبَّهَ الْقَاضِي هَذِهِ بِمَا إذَا غَصَبَ عَبْدًا يَعْرِف حِرْفَةً تَزِيدُ بِهَا قِيمَتُهُ فَنَسِيَهَا عِنْده فَإِنَّهُ يَضْمَن أَرْش نَقْصِهَا وَإِنْ عَلَّمَهُ حِرْفَةً أُخْرَى تُسَاوِيهَا أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي الْمَغْصُوبِ وَلَوْ بِمَا يَزِيدُ فِيهِ غَيْرُ

стр. 665

مُحْتَرَمٍ فَلَا يُقَابَلُ بِمَالٍ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَة لَوْ نَسِيَ صَنْعَةً وَتَعَلَّمَ أُخْرَى أَوْ أَبْطَلَ صَنْعَةَ الْحُلِيّ وَأَحْدَثَ أُخْرَى فَلَا انْجِبَارَ بِحَالٍ وَعَلَى هَذَا لَوْ تَكَرَّرَ النَّقْصُ وَكَانَ النَّاقِصُ فِي كُلِّ مَرَّة مُغَايِرًا لِلنَّاقِصِ فِي الْمَرَّةِ الْأُخْرَى ضَمِنَ الْجَمِيعَ حَتَّى لَوْ غَصَبَ جَارِيَةً قِيمَتُهَا مِائَةٌ فَسَمِنَتْ وَبَلَغَتْ أَلْفًا وَتَعَلَّمَتْ صَنْعَةً فَبَلَغَتْ أَلْفَيْنِ ثُمَّ هَزِلَتْ وَنَسِيَتْ الصَّنْعَة وَعَادَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً يَرُدَّهَا وَيَغْرَم أَلْفًا وَتِسْعَمِائَةٍ اهـ وَبِهِ كَاَلَّذِي قَبْله يَعْلَمُ أَنَّ مَحَلَّ قَوْلِهِمْ الْمِثْلِيُّ لَا يَتَغَيَّرُ ضَمَانُهُ بِنَقْصِ الْقِيمَةِ حَيْثُ كَانَ النَّقْص لِمُجَرَّدِ الرُّخْصِ أَمَّا إذَا كَانَ مِنْ فِعْلِهِ فَضَمِنَهُ وَإِنْ انْجَبَرَ وَزَادَ مِنْ فِعْلِهِ أَوْ غَيْرِ فِعْلِهِ كَمَا تَقَرَّرَ وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ فَإِنْ قُلْت إلَخْ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ نَقْصِ الْقِيمَةِ فِي إشْكَالِهِ وَجَوَابِهِ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا النَّقْصُ الَّذِي يُضْمَنُ مَا كَانَ عَنْ فِعْلِهِ عَادَ أَمْ لَا بَلْ وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ فِعْلِهِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي النِّسْيَانِ عِنْدَهُ وَاَلَّذِي لَا يُضْمَنُ هُوَ مَا كَانَ عَنْ الرُّخْصِ فَقَطْ وَرَدَّ الْعَيْنَ كَمَا هِيَ وَحِينَئِذٍ فَالْجَوَابُ لَا يُلَاقِي السُّؤَالَ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ الَّذِي فِي عِبَارَةِ الْعُبَابِ مِمَّا يُضْمَنُ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ السَّائِلِ ثُمَّ عَوْدُهَا يُوهِمُ ارْتِفَاعَ هَذَا النَّقْصِ بِعَوْدِ الْقِيمَةِ لِلْخَمْسِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ وُجُوبِ الثَّلَاثِينَ مُطْلَقًا وَمِنْ وُجُوب قِيمَةِ الصَّنْعَةِ الْفَائِتَة وَإِنْ خَلَّفَتْهَا صَنْعَة أُخْرَى أَزْيَدُ قِيمَةً مِنْهَا وَالنَّقْصُ الَّذِي فِي جَوَابِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ لَا يَتَغَيَّرُ ضَمَانُهُ بِنَقْصِ الْقِيمَةِ مِمَّا لَا يُضْمَنُ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِمَّا قَرَّرْته فَلْيُتَأَمَّلْ وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ صَيْرُورَتَهُ مُتَقَوِّمًا لَا دَخْلَ لَهَا فِي وُجُوبِ أَرْشِ النَّقْصِ الَّذِي يُضْمَنُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ وُجُوبِهِ وَإِنْ عَادَ مَا يَجْبُرُهُ وَرَدُّ الْمُتَقَوِّمِ كَالْعَبْدِ بِهِ لِإِلْغَاءِ فِعْلِ الْغَاصِبِ وَالزِّيَادَة فِي يَدِهِ فَلَمْ يَتَجَبَّرْ بِهِمَا نَقْصٌ ضَمِنَهُ وَقَوْلُهُ أَوْ يُقَالُ إنَّ الْفَرْعَ إلَخْ جَوَابُهُ إنَّ كَلَامَ الْقَاضِي فِي هَذَا الْفَرْعِ مَاشٍ عَلَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ أَنَّ لَهُ رَأْيًا يُخَالِفُ كَلَامَهُمْ فِي الْمِثْلِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُخَالِفُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَمَا سَتَعْلَمُهُ نَعَمْ يُشْكِلُ عَلَى كَلَامِهِ أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِي الْمِثْلِيِّ أَنَّهُ فِي صُورَةِ الْقَاضِي يَرُدُّ مِثْلَ الْحِنْطَةِ وَالثَّلَاثِينَ الَّتِي هِيَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُمْ فِي صُورَةِ مَا إذَا صَارَ الْمِثْلِيُّ مُتَقَوِّمًا أَوْجَبُوا الْمِثْلَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْمُتَقَوِّمُ أَغْبَطَ وَهُنَا لَيْسَ الْخَبَرُ أَغْبَطَ مِنْ الْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهَا خَمْسُونَ وَقِيمَتُهُ خَمْسُونَ فَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فَلَا أَغْبَط وَحَيْثُ لَا أَغْبَط تَعَيَّنَ الْمِثْلُ فَإِيجَابُ الْقَاضِي الْقِيمَة وَهِيَ خَمْسُونَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ وَأَمَّا الثَّلَاثُونَ فَلِأَنَّهَا أَرْشُ جِنَايَتِهِ فَلْتَجِبْ وَإِنْ رَدَّ الْمِثْلَ فَإِنْ قُلْت فِي الرَّوْضَة عَنْ الْقَاضِي فِيمَا إذَا غَصَبَ حِنْطَةً ثُمَّ طَحَنَهَا ثُمَّ جَعَلَهَا خُبْزًا وَأَتْلَفَهُ وَقُلْنَا لَا مِثْلَ لِلدَّقِيقِ أَنَّهُ يَغْرَمُ أَكْثَرَ الْقِيَمِ وَلَا يُطَالَبُ بِالْمِثْلِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ وَهُوَ مُتَقَوِّمٌ كَمَا عَلَّلَهُ بِهِ بَعْضُهُمْ وَكَلَامُهُ السَّابِقُ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا تَلِفَ وَهُوَ مُتَقَوِّمٌ وَجَبَتْ الْخَمْسُونَ مَعَ الثَّلَاثِينَ وَكَلَامُهُ هَذَا ضَعِيفٌ فَكَيْفَ سَكَتُوا عَلَيْهِ قُلْت لَيْسَ كَلَامُهُ هَذَا ضَعِيفًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِمْ لَوْ صَارَ الْمِثْلِيُّ مُتَقَوِّمًا وَجَبَ الْمِثْلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَقَوِّم أَكْثَرَ قِيمَةً إلَّا فِي صُورَةِ مَا لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْحِنْطَةِ فِي صُورَةِ الرَّوْضَةِ أَكْثَرَ فَعِنْدَ الْقَاضِي تَجِبُ قِيمَتُهَا وَعَلَى الْأَصَحِّ يَجِبُ مِثْلُهَا وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ نَظِيرَةً لِصُورَتِنَا فَلَا يَضُرُّنَا ضَعْفُ كَلَامِهِ فِيهَا وَمَا لَوْ سَاوَتْ قِيمَتُهَا قِيمَةَ الْخُبْزِ فَعَلَى الْأَصَحِّ يَجِبُ مِثْلُ الْحِنْطَةِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْقَاضِي وُجُوبُ الْقِيمَةِ نَظَرًا لِلتَّعْلِيلِ السَّابِقِ وَهُوَ كَوْنُهُ يَنْظُرُ إلَى حَالِهِ وَقْتَ تَلَفِهِ أَيْ فِيمَا إذَا سَاوَتْ الْقِيمَةَ أَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ مُتَقَوِّمًا وَكَذَا لَوْ زَادَتْ مِثْلِيًّا وَيُوَجَّهُ اعْتِبَارُهُ الْقِيمَةَ فِي هَذِهِ بِيَوْمِ التَّلَفِ بِأَنَّهُ يَعْتَبِرُهُ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ لِأَصْلِ وُجُوبِ الْقِيمَةِ وَإِذَا اُعْتُبِرَتْ الْقِيمَةُ وَجَبَ النَّظَرُ لِأَكْثَرِ أَحْوَالهَا وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَكَلَامُ الْقَاضِي فِي فَرْعِ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا إنَّمَا يُوَافِقُ رَأْيَهُ فِي صُورَةِ الرَّوْضَةِ وَلَك أَنْ تَقُولَ يُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْأَصَحّ أَيْضًا كَمَا أَشَرْت إلَيْهِ بِقَوْلِي أَوَّلًا؛ لِأَنَّهَا الْأَغْبَطُ وَإِنْ اخْتَلَفَ سَبَبُ وُجُوبِهَا وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الثَّلَاثِينَ لَمَّا كَانَتْ مُقَابِلَةً لِنَقْصِ أَجْزَاءِ الْعَيْنِ وَجَبَ ضَمُّهَا إلَيْهَا فَصَارَتْ مُسَاوِيَة لِثَمَانِينَ لَا لِخَمْسِينَ وَالثَّمَانُونَ أَغْبَطُ مِنْ قِيمَةِ الْحِنْطَة فَوَجَبَتْ حَتَّى عَلَى الْأَصَحِّ وَحِينَئِذٍ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا تَقْيِيدُ قَوْلِهِمْ حَيْثُ لَا أَغْبَطَ فِي صُورَةٍ إذَا صَارَ الْمِثْلِيُّ مُتَقَوِّمًا يَجِبُ الْمِثْلُ مَا لَمْ يَكُنْ

стр. 666

الْغَاصِبُ ضَمِنَ جُزْءًا مِنْ الْمِثْلِ إذَا ضُمَّ أَرْشُهُ إلَى قِيمَةِ الْمُتَقَوِّمِ صَارَ أَغْبَطَ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ هُنَا نَظَرًا لِمَا قَرَّرْته مِنْ وُجُوبِ تَبَعِيَّةِ الْأَرْشِ لِلْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ جُزْئِهَا وَمَعَ هَذَا لَا يَخْلُو كَلَامُ الْقَاضِي عَنْ نَظَرٍ وَنَقْدٍ وَإِنْ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي فَرْعِ الْقَمُولِيِّ وَضَعَّفُوا كَلَامَهُ فِي فَرْعِ الرَّوْضَةِ إلَّا أَنَّ وَجْهَ تَقْرِيرِهِمْ يُقِرُّ بِهِ مَا ذَكَرْته فَتَأَمَّلْهُ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلَا تَخَالُفَ فِيهَا فِي كَلَامِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ بَيَّنُوا أَوَّلَ الْبَاب أَنَّ يَدَ الزَّوْجِ لَيْسَتْ يَدَ ضَمَانٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِيمَةِ وَفِي آخِرِهِ أَنَّ الْأُجْرَةَ فِيهَا تَفْصِيلٌ فَإِنْ فَوَّتَ الْمَنَافِعَ لَزِمَتْهُ أُجْرَتُهَا وَإِلَّا فَلَا وَإِنَّمَا الَّذِي يُشْكِلُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ إذَا غَرِمَ قِيمَتَهَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ طَرِيقٌ فِي الضَّمَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلِأَجْلِ هَذَا الْإِيهَامِ حَذَفَهُ الرَّوْضُ لَكِنَّ الْجَوَابَ عَنْهُ أَنَّهُ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ غَيْرُ طَرِيقٍ فَوَجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ إذَا غَرِمَ قِيمَتَهَا عَلَى مَا إذَا أَدَّاهَا لِلْمَالِكِ ظَنًّا أَنَّهَا تَلْزَمُهُ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَيْهِ لِتَبَيُّنِ فَسَادِ الْأَدَاءِ إذْ لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْعَارِيَّةِ] (وَسُئِلَ) حَيْثُ اقْتَضَى الْحَالُ أَنَّ الْمُعِيرَ يَتَمَلَّكُ بِالْقِيمَةِ هَلْ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ قَهْرًا مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ فَإِنْ قُلْتُمْ لَا بُدَّ فَهَلْ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالْقِيمَةِ حَالَ التَّمَلُّكِ أَمْ لَا وَهَلْ يَكْتَفِي بِاللَّفْظِ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْقِيمَةِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ تَسْلِيمِهَا أَوْ رِضَا الْمُسْتَعِيرِ بِذِمَّتِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْعَزِيزِ نَقْلًا عَنْ التَّهْذِيبِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُعِيرِ قَهْرًا وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَقْدٍ وَعِبَارَتُهُ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَيْسَ لَهُ التَّمَلُّكُ إلَّا بِإِذْنِ الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ أَوْ إجَارَةٌ. اهـ. وَعِبَارَةُ التَّهْذِيبِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقَلْعِ مَجَّانًا وَالْأَخْذِ بِالْقِيمَةِ أَوْ الْإِبْقَاءِ بِالْأُجْرَةِ فَإِنْ أَرَادَ الْقَلْعَ لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْمُسْتَعِيرِ وَإِنْ أَرَادَ التَّمَلُّكَ بِالْقِيمَةِ أَوْ التَّقْرِيرَ بِالْأُجْرَةِ يَحْتَاجُ إلَى إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ أَوْ إجَارَةٌ وَرُبَّمَا يُرِيدُ الْمُسْتَعِيرُ نَقْلَهُ انْتَهَتْ وَحَاصِلُهَا أَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِالتَّمَلُّكِ أَوْ بِالْإِبْقَاءِ بِالْأُجْرَةِ بِخِلَافِ الْقَلْعِ؛ لِأَنَّ فِي التَّمَلُّكِ إخْرَاجَ مِلْكِهِ عَنْهُ وَفِي الْإِبْقَاءِ بِالْأُجْرَةِ إلْزَام ذِمَّتِهِ مَالًا وَهُوَ قَدْ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ بَلْ يُرِيدَ الْقَلْعَ وَاعْتَمَدَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ مَا ذُكِرَ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا اخْتَارَ الْمُعِيرُ التَّمَلُّكَ أَوْ الْإِبْقَاءَ بِالْأُجْرَةِ فَإِنْ رَضِيَ الْمُسْتَعِيرُ قُلْنَا لَهُمَا لَا بُدَّ مِنْ إنْشَاءِ عَقْدِ بَيْعٍ فِي الْأَوَّلِ أَوْ إجَارَةٍ فِي الثَّانِي وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْمُسْتَعِيرُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا كُلِّفَ تَفْرِيغَ الْأَرْضِ، وَأَمَّا إذَا امْتَنَعَ الْمُعِيرُ مِنْ التَّخْيِيرِ وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ بَذْلِ الْأُجْرَةِ وَقَدْ طَلَبَهَا الْمُعِيرُ فَإِنَّهُمَا يُهْمَلَانِ إلَى أَنْ يَخْتَارَ الْمُعِيرُ مَا لَهُ اخْتِيَارُهُ أَوْ يَبْذُلَ لَهُ الْمُسْتَعِيرُ الْأُجْرَةَ وَيَرْضَى فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَالتَّمَلُّكِ بِالشُّفْعَةِ حَيْثُ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِيهِ اللَّفْظُ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الشِّقْصِ وَعِلْمِ الثَّمَنِ. أَمَّا بِنَحْوِ تَمَلَّكْت بِالشُّفْعَةِ مَعَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي عِوَضَ مَا سَلَّمَهُ لِلْبَائِعِ قَبْضًا كَقَبْضِ الْمَبِيعِ، وَإِمَّا بِأَنْ يَرْضَى الْمُشْتَرِي بِذِمَّتِهِ حَيْثُ لَا رِبَا وَإِنْ لَمْ يَتَسَلَّمْ الشِّقْصَ، وَإِمَّا بِأَنْ يَتَمَلَّكَ عِنْدَ الْقَاضِي وَيَحْكُمَ لَهُ بِالشُّفْعَةِ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ الثَّمَنَ قُلْت الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ لَا طَرِيقَ لَهُ سِوَى تَمَلُّك الشِّقْصِ الْمَذْكُورِ فَلِذَلِكَ كَانَ التَّمَلُّكُ فِيهَا قَهْرِيًّا بِخِلَافِ الضَّرَرِ فِي مَسْأَلَتنَا فَإِنَّهُ يَنْدَفِعُ بِالْقَلْعِ أَوْ بِالتَّبْقِيَةِ بِالْأُجْرَةِ كَمَا يَنْدَفِعُ بِالتَّمَلُّكِ فَلَمْ يَكُنْ قَهْرِيًّا وَإِذَا بَانَ أَنَّهُ غَيْرُ قَهْرِيٍّ بَانَ اتِّضَاحُ تَوَقُّفِهِ عَلَى رِضَا الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ دَفْعَ الضَّرَرِ بِغَيْرِهِ وَهُوَ الْقَلْعُ وَإِذَا تَوَقَّفَ رِضَاهُ وَرَضِيَ اُحْتِيجَ إلَى نَاقِلٍ لَهُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى مِلْكِ الْمُعِيرِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِعَقْدٍ فَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ هُنَا وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ بِالْقِيمَةِ أَوْ أُجْرَةِ الْمِثْل حَتَّى يَقَعَ عَقْدُ الْبَيْعِ أَوْ الْإِجَارَةِ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ وَأَنَّهُمَا حَيْثُ عَرَفَا الْقِيمَةَ أَوْ الْأُجْرَةَ وَعَقَدَا بِهَا فِي الذِّمَّةِ صَحَّ وَلَا يُشْتَرَطُ تَسْلِيمُهَا لِصِحَّةِ الْعَقْدِ بَلْ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْهَا، ثُمَّ يُطَالِبُ الْمُسْتَعِيرُ الْمُعِيرَ فِي الْأُولَى وَعَكْسُهُ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنْ تَنَازَعَا فِي الْبُدَاءَةِ بِالتَّسْلِيمِ يَأْتِي فِيهِمَا مَا فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ وَإِنْ امْتَنَعَ الْمُسْتَعِيرُ مِنْ الْعَقْدِ بِالْقِيمَةِ فِي الذِّمَّةِ وَأَبِي إلَّا أَنْ يَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى عَيْنِهَا فَإِنْ وَافَقَهُ الْمُعِيرُ فَذَاكَ وَإِلَّا أَعْرَضَ

стр. 667

الْحَاكِمُ عَنْهُمَا فِيمَا يَظْهَرُ نَظِيرَ مَا مَرَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَم بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ مَسْأَلَةِ الْفَقِيهِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْن عُجَيْلٍ الْيَمَنِيِّ فِي فَتْوَاهُ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ بَهِيمَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَنْتَفِعُ بِهَا أَحَدُهُمَا بِرِضَا مِنْ صَاحِبِهِ فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ نَصِيبِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَارِيَّةٌ وَكَذَا وَلَدُهَا حُكْمُهُ حُكْمُ وَلَدِ الْمُسْتَعَارِ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مُهَايَأَةٌ كَانَ حُكْمُهُ فِي يَدِ هَذَا وَيَدِ هَذَا حُكْمَ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَلَا ضَمَانَ مَا صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ وَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ لِضَمَانِ نَصِيبِ الْآخَرِ وَمَا صُورَةُ الْمُهَايَأَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَال؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُجَيْلٍ مِنْ ضَمَانِ نَصِيبِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ عَارِيَّةٌ وَمِنْ أَنَّ وَلَدَهَا كَوَلَدِ الْمُسْتَعَارِ صَحِيحٌ وَحُكْمُ وَلَدِ الْعَارِيَّةِ أَنَّهُ إنْ حَدَثَ بِيَدِ الْمُسْتَعِيرِ كَانَ أَمَانَةً شَرْعِيَّةً وَكَذَا لَوْ سَاقَهَا فَتَبِعَهَا وَلَدهَا الَّذِي وَلَدَتْهُ قَبْلَ الْعَارِيَّةِ وَعَلِمَ بِهِ الْمَالِك فَسَكَتَ فَيَكُون تَحْت يَده أَمَانَة شَرْعِيَّة أَيْضًا فَإِنْ تَلِفَ بِتَقْصِيرِهِ ضَمِنَهُ وَإِلَّا فَلَا وَمَا ذَكَره فِي مَسْأَلَة الْمُهَايَأَة مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْمُهَايَأَة هَلْ هِيَ إجَارَة أَوْ عَارِيَّةٌ فِيهِ خِلَاف وَقَضِيَّة تَجْوِيزهمْ الرُّجُوع فِيهَا أَنَّهَا عَارِيَّة وَقَضِيَّة قَوْلهمْ لَوْ تَهَايَئَا فَرَجَعَ السَّابِقُ بَعْدَ أَنْ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَة لَزِمَهُ لِصَاحِبِهِ أُجْرَة مِثْل الْمَنْفَعَة الَّتِي اسْتَوْفَاهَا أَنَّهَا إجَارَة وَاَلَّذِي يَظْهَر تَرْجِيحُهُ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا إجَارَةٌ مَحْضَةٌ وَلَا عَارِيَّة مَحْضَة بَلْ فِيهَا شَائِبَة مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا لَكِنَّ شَائِبَة الْإِجَارَة أَظْهَر؛ لِأَنَّ وَضْعَهَا اسْتِيفَاء مَنْفَعَة فِي مُقَابَلَة مَنْفَعَة إذْ صُورَتهَا أَنْ تَكُونَ بَيْنَ اثْنَيْنِ مَثَلًا عَيْن مُشْتَرَكَة فَيَتَّفِقَانِ عَلَى قِسْمَة مَنَافِعهَا مُيَاوَمَة أَوْ مُشَاهَرَة أَوْ مُسَانَهَة بِأَنْ تَكُونَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا زَمَنًا مُعَيَّنًا وَعِنْدَ الْآخَرِ زَمَنًا كَذَلِكَ فَإِذَا تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ جَازَ وَكَانَ فِي مَعْنَى الْإِجَارَة؛ لِأَنَّ الْمَنَافِع الْمُسْتَوْفَاة ضِمْنًا لَمْ تَكُنْ فِي غَيْر مُقَابِل وَإِنَّمَا مَنَافِع كُلّ مُقَابِلَة لِمَنَافِع الْآخَر وَهَذَا شَأْن الْإِجَارَة وَوَضَعَهَا دُون الْعَارِيَّة فَظَهَر أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهَا مَعْنَى الْإِجَارَة وَإِذَا غَلَبَ فِيهَا ذَلِكَ كَانَ حُكْم مَا فِي يَد أَحَدهمَا مُدَّة الْمُهَايَأَة حُكْم الْمُؤَجَّرَة وَهُوَ الْأَمَانَة فَمَنْ تَلِفَ عِنْده مِنْهُمَا بِغَيْرِ تَفْرِيط لَا يَضْمَنُهَا فَظَهَرَ بِمَا قَرَّرْته صِحَّةُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ ابْنُ عُجَيْلٍ أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ وَصَالِحِ مُعَامَلَاتِهِ، وَاَللَّه أَعْلَم. (وَسُئِلَ) ﵁ فِي شَخْصٍ قَالَ لِجَمَاعَةٍ أَعِينُونِي بِأَثْوَارِكُمْ بُكْرَةً لِلْحَرْثِ وَالْعَادَةُ أَنَّ مُعِيرَ الْأَثْوَارِ يَحْرُثُ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ أَوْ أَجِيرِهِ أَوْ عَبْدِهِ فَسَرَحُوا مَعَهُ بُكْرَةً فَأَحَدُ الْجَمَاعَةِ يَحْرُثُ عَلَى ثَوْرَيْهِ بِنَفْسِهِ وَالثَّانِي حَرَثَ عَلَى ثَوْرَيْهِ عَبْدُهُ وَالثَّالِث أَجِيرُهُ وَالرَّابِعُ مُشْتَرِكٌ هُوَ وَآخَرُ فِي الثَّوْرَيْنِ وَآلَةِ الْحِرَاثَةِ وَفِي أُجْرَةِ الْأَجِيرِ كَذَلِكَ فَأَمَرَ الْأَجِيرَ يَحْرُثُ عَلَيْهِمَا فِي حَوْلِ الْمُسْتَعِيرِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَحَرَثُوا إلَى نَحْوِ رُبْعِ النَّهَارِ فَجَاءَ مُتَلَصِّصُونَ أَخَذُوا بَعْضَ الْأَثْوَارِ وَأَتْلَفُوا الْبَعْضَ وَقَتَلُوا الْحَرَّاثِينَ جَمِيعًا وَأَخَذُوا آلَةَ الْحِرَاثَةِ وَالدَّوَابَّ الَّتِي تَحْمِلُهَا مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْحُكْمُ فِي صُورَةِ الْأَثْوَارِ أَنَّ عَلَى الْآمِرِ لِمَالِكِهَا بِإِعَانَتِهِ بِهَا فِي أَرْضِهِ ضَمَانَهَا وَضَمَانَ جَمِيعِ مَا اسْتَعَارَهُ مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ وَغَيْرِهَا وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِمَالِكِهِ أَعْنِي بِثَوْرِك لَا يَسْتَلْزِمُ اسْتِعَارَةَ الْعَبْدِ لِمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّ الْحُرَّاثَ تَارَةً يَكُونُ الْمَالِك وَتَارَةً يَكُونُ أَجِيرَهُ أَوْ عَبْدَهُ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْعَبْدُ وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعَارًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهُ أَعْنِي بِثَوْرِك وَعَبْدِك فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الثَّوْرِ وَالْعَبْدِ مُسْتَعَارٌ حِينَئِذٍ وَوَاضِحٌ أَنَّ الرَّابِعَ يَضْمَنُ أَيْضًا حِصَّةَ شَرِيكِهِ فِي الثَّوْرَيْنِ وَالْآلَةِ الْمُشْتَرَكَةِ لِتَعَدِّيهِ بِاسْتِعْمَالِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ فِيمَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ وَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم. (وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ شَرِبَ مِنْ سِقَايَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَانْكَسَرَ مِنْهُ كُوزُهَا أَوْ انْكَسَرَ مِنْهُ قِنْدِيلُ الْمَسْجِدِ أَوْ أَخَذَ كُوزًا مِنْ سِقَاءٍ لِيَشْرَبَ مِنْهُ فَانْكَسَرَ أَوْ اسْتَعَارَ قِنْدِيلًا مُسْرَجًا أَوْ دَوَاةً فَانْكَسَرَا أَوْ شَمْعَةً لِيُقِدْهَا أَوْ انْكَسَرَ إنَاءٌ مِنْ بَعْضِ الضُّيُوفِ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَى مَنْ أَعْيَا بِرُكُوبِ دَابَّتِهِ فَمَاتَتْ تَحْتَهُ أَوْ اسْتَعْمَلَ ظَرْفَ الْهَدِيَّةِ فَهَلْ يَضْمَنُ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَمْ فِي بَعْضِهِ أَمْ لَا يَضْمَنُ فِي كُلِّهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ أَمَّا الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ فَإِنْ كَانَتْ الْكِيزَانُ أَوْ الْقَنَادِيلُ الَّتِي لِلِاسْتِصْبَاحِ دُونَ غَيْرِهَا فَإِنَّهَا تُضْمَنُ مُطْلَقًا وُقِفَتْ عَلَى الشَّارِبِينَ أَوْ شُرِيَتْ مِنْ رُبْعِ الْوَقْفِ

стр. 668

حَيْثُ شَرَطَ الْوَاقِفُ فَلَا ضَمَانَ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ. وَمِثْلُهُمَا الْأَبَارِيقُ الْمَوْقُوفَةُ عَلَى مَنْ يَتَوَضَّأُ فَإِنْ بَقِيَتْ عَلَى مِلْكِ وَاضِعِهَا ضَمِنَ كَاسِرُهَا وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِذَا أَعْطَى عَطْشَانًا كُوزًا لِيَشْرَبَ فَوَقَعَ مِنْهُ وَانْكَسَرَ ضَمِنَهُ كَالْمَاءِ الَّذِي فِيهِ إنْ زَادَ عَلَى كِفَايَتِهِ فَيَضْمَنُ الزَّائِدَ عَلَى الْأَوْجَه؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِغَرَضِ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَإِنْ أَعْطَاهُ لَهُ بِعِوَضٍ ضَمِنَ الْمَاءَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ دُونَ الْكُوزِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، وَأَمَّا الرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ فَإِنْ اسْتَعَارَ لِيَسْتَصْبِحَ أَوْ يَكْتُبَ فَالْقِنْدِيلُ وَالدَّوَاةُ مَضْمُونَانِ بِالْعَارِيَّةِ دُونَ الزَّيْتِ وَالْحِبْرِ؛ لِأَنَّهُمَا مَأْخُوذَانِ بِالْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ فَإِنْ اسْتَعَارَ لِيَكْتُبَ بِبَعْضِهِ فَقَطْ ضَمِنَ الزَّائِدَ عَلَى مَا مَرَّ، وَأَمَّا السَّادِسَةُ فَإِنْ صَرَّحَ بِالْعَارِيَّةِ فَإِنْ اعْتَبَرْنَا الصِّيغَةَ ضَمِنَ أَوْ الْمَعْنَى فَلَا، وَنَظَرُهُمْ لِلْأَوَّلِ أَكْثَرُ وَعَلَى الثَّانِي فَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِإِيقَادِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا يَأْتِي مَا سَبَقَ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَا لَمْ يَضْمَنْ وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ مَا لَا تَصِحُّ إعَارَتُهُ مِمَّا يُسْتَهْلَكُ، وَأَمَّا السَّابِعَةُ فَالْأَوْجَهُ فِيهَا الضَّمَانُ كَمَا مَرَّ فِيمَنْ أَخَذَ كُوزًا لِيَشْرَبَ مِنْهُ بِلَا عِوَضٍ، وَأَمَّا الثَّامِنَةُ فَيَضْمَنُ فِيهَا الدَّابَّةَ، وَأَمَّا التَّاسِعَةُ فَإِذَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِرَدِّ الظَّرْفِ ضَمِنَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الرَّسُولِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُهْدَى لَهُ فَإِنْ كَانَ عَبْدَهُ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِهِ أَوْ وَكِيلِهِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ أَرْسَلَهُ لِيَطْلُبَ ذَلِكَ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بِقَبْضِ الْوَكِيل فَيَضْمَنُ الظَّرْفَ بِتَلَفِهِ فِي يَدِ وَكِيلِهِ بِلَا تَقْصِيرٍ وَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ لَمْ يَدْخُل فِي مِلْكِهِ إلَّا بِقَبْضِهِ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا يَضْمَنُهُ الْوَكِيلُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَكِيلُ الْمُهْدِي لَا الْمُهْدَى لَهُ. (وَسُئِلَ) عَنْ مُسْتَعِيرٍ سُرِقَ مِنْ عِنْدِهِ الْمُسْتَعَارُ فَحَلْوَنَ عَلَيْهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْحُلْوَانُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الرَّدِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ. (وَسُئِلَ) ﵁ هَلْ الْإِبَاحَةُ مِنْ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ أَوْ لَا وَهَلْ قَوْلُهُمْ فِي بَابِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَإِبَاحَةُ الطَّعَامِ لِلْفُقَرَاءِ يُفْهَمُ التَّقْيِيدُ بِالْفُقَرَاءِ أَمْ لَا وَهَلْ الصَّدَقَةُ كَالْإِبَاحَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَام الزَّرْكَشِيّ أَوَّلَ قَوَاعِدِهِ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ وَغَيْرِهِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ التَّاجِ السُّبْكِيّ أَنَّ لَفْظَ الْإِبَاحَةِ صَرِيحٌ فِي جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِالشَّيْءِ الْمُبَاحِ، ثُمَّ إنْ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِهِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِذَهَابِ عَيْنِهِ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ قَبْلَ إتْلَافِهِ غَيْرَ لَازِمَةٍ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهِ وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِأَيِّ وَجْهٍ أَرَادَ. وَلَيْسَ لِلْمُبَاحِ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ وَهُوَ أَكْلُهُ مَثَلًا فَإِذَا أَتْلَفَهُ بِأَكْلِهِ أَوْ نَحْوِهِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ مَلَكَهُ قُبَيْلَ إتْلَافِهِ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الضَّيْفِ وَإِنْ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُمْكِنًا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ كَالْأَرْضِ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ مُفِيدَةً لِجَوَازِ انْتِفَاعِهِ لَا لِمِلْكِهِ الْعَيْنَ وَلَا الْمَنْفَعَةَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إجَارَتُهُ وَلَا إعَارَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَلَك أَنْ يَنْتَفِعَ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بَيْنَ أَنْ يُقَيِّدَ الْإِبَاحَةَ بِمُدَّةٍ أَوْ يُطْلِقَهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَعْلِيقُهَا كَمَا رَجَّحَهُ الزَّرْكَشِيُّ إذْ لَا تَمْلِيكَ فِيهَا فَتَوْقِيتُهَا أَوْلَى وَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَا قَرَّرَتْهُ عَلِمْت الْجَمْعَ بَيْنَ مَسَائِلَ ذَكَرَهَا الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ ظَاهِرُهَا التَّنَاقُضُ وَعَلِمْت الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَقْتَضِي الْمِلْكَ حَيْثُ قَبَضَهَا الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِنَحْوِ طَعَامٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَلَا فَرْقَ فِي الصَّدَقَةِ وَالْإِبَاحَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا عَلَى فَقِيرٍ أَوْ غَنِيٍّ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ التَّاجُ السُّبْكِيّ فِي قَوَاعِدِهِ وَإِنْ أَوْهَمَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ فِي بَابِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهَا وَإِبَاحَةُ الطَّعَامِ لِلْفُقَرَاءِ خِلَافَهُ (وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَجَدَ غَلَطًا فِي كِتَابٍ مُسْتَعَارٍ مَعَهُ أَوْ مَوْقُوفٍ هَلْ لَهُ إصْلَاحُهُ وَمَا ظَنَّهُ غَلَطًا هَلْ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ فَوْقَهُ لَعَلَّهُ كَذَا كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْعَبَّادِيِّ وَأَقَرُّوهُ أَنَّهُ إذَا اسْتَعَارَ كِتَابًا فَرَأَى فِيهِ خَطَأً لَا يُصْلِحهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قُرْآنًا فَيَجِبُ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْقُوفِ وَغَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ حَسَنِ الْخَطِّ وَغَيْرِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَلِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَالٌ. وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي لَا يَجُوزُ رَدُّ الْغَلَطِ فِي كُتُبِ الْغَيْرِ وَحَمَلَهُ الرِّيمِيُّ عَلَى مَا لَا يُغَيِّرُ الْحُكْمَ وَإِلَّا وَجَبَ رَدُّهُ لَا سِيَّمَا عَلَى الثَّبْتِ الْيَقِظِ، وَكُتُبُ الْوَقْفِ أَوْلَى وَمَا ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ عِنْدَ تَيَقُّنِ الْغَلَطِ فَلَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ أَنْ يَكْتُبَ لَعَلَّهُ كَذَا فِي مِلْكٍ أَوْ وَقْفِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَأَخَذَ الْأَذْرَعِيُّ بِجَوَازِ ذِكْرِ عَيْبِ الْخَاطِبِ لِأَجْلِ النَّصِيحَةِ

стр. 669

جَوَاز إصْلَاحِ الْخَطَإِ فِي الْكُتُبِ الْمُسْتَعَارَةِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْعَبَّادِيِّ مَا مَرَّ، ثُمَّ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ إطْلَاقَ إصْلَاحِ الْخَطَإِ فِي الْمُسْتَعَارِ خَطَأٌ فَنَقُولُ إنْ عَلِمَ رِضَا الْمُعِيرِ وَهُوَ أَهْلٌ لِلْإِصْلَاحِ جَازَ قَطْعًا أَوْ كَرَاهَتَهُ فَلَا قَطْعًا وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ خَطُّ الْمُسْتَعِيرِ كَخَطِّ الْكِتَابِ الْمُسْتَعَارِ أَوْ يُقَارِبُهُ فَهَذَا مُحْتَمِلٌ وَجْهَ الْجَوَازِ أَنَّهُ إحْسَانٌ فَالظَّاهِرُ رِضَا الْمُعِيرِ بِهِ وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْره، وَإِنْ كَانَ خَطُّ الْكِتَابِ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ لَمْ يَجُزْ قَطْعًا أَوْ الْعَكْسُ فَفِي الْجَوَازِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِصْلَاحَ بِتَخْرِيجِ السَّاقِطِ بِالْخَطِّ الْحَسَنِ يُبَيِّنُ قُبْحَ خَطِّ الْأَصْلِ وَيَفْضَحُهُ وَهَذَا إنْ لَمْ يَحْصُلْ بِالْإِصْلَاحِ كَشْطُ مَكْتُوبٍ أَوْ تَعْيِيبٌ أَوْ ضَرْبٌ فَإِنَّ هَذَا يُظْهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِرِضَا الْمُعِيرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمَوْقُوفِ عَلَى جَمَاعَةٍ مُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الْمِلْكِ وَالْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ فَكُلُّ مَا جَازَ فِيهِمَا جَازَ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَى الْعُمُومِ مِنْ بَاب أَوْلَى وَكُلُّ مَا امْتَنَعَ فِيهِمَا هَلْ يَمْتَنِعُ فِيهِ هَذَا مَوْضِعُ تَرَوٍّ وَتَفْصِيلٍ يُدْرِكهُ النَّبِيهُ. اهـ. مُلَخَّصًا (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا صُورَتُهُ ذَكَرَ أَبُو شُكَيْلٍ شَارِحُ الْوَسِيطِ أَنَّ رَجُلًا اسْتَعَارَ عَبْدَيْنِ مِنْ مَالِكِهِمَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ عَمْدًا فَاقْتَصَّ الْمَالِكُ ضَمِنَ قِيمَتَهُمَا فَهَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ إذَا قَتَلَ السَّيِّدُ الْعَبْدَ الْقَاتِل لِعَبْدِهِ فِي يَدِ الْغَاصِب بَرِئَ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الْمُتْلِفُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُ فَمَا ذَكَرَهُ أَبُو شُكَيْلٍ فِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ وَافَقَهُ بَعْضُهُمْ. وَفَرَّقَ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ بِأَنَّ الْمُسْتَعَارَ تُضْمَنُ رَقَبَتُهُ دُونَ جِنَايَتِهِ، وَالْمَغْصُوبُ تُضْمَنُ رَقَبَتُهُ وَجِنَايَتُهُ فَإِذَا اقْتَصَّ الْمَالِكُ مِنْ الْمَغْصُوبِ فَقَدْ اُسْتُوْفِيَ مُتَعَلِّقُ الْغَصْبِ وَسَقَطَ عَنْ الْغَاصِبِ حُكْمُ الْغَصْبِ فِي الرَّقَبَةِ وَفِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ وَإِذَا اسْتَوْفَى الْمُعِيرُ فَقَدْ اسْتَوْفَى شَيْئًا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْعَارِيَّةِ وَلَا يَضْمَنُهُ الْمُسْتَعِيرُ فَيَبْقَى حُكْمُ الْعَارِيَّةِ بِحَالِهِ وَهُوَ ضَمَانُ الْعَبْدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ وَهَلْ يَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْعَوَارِيِّ إذَا أَتْلَفَهَا الْمُعِيرُ قَبْل أَنْ يَقْبِضَهَا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتْلَفَ أَجْنَبِيٌّ الْمُسْتَعَارَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُعِيرُ فَإِنْ لَمْ يَضْمَنْهُ بِأَنْ أَتْلَفَهُ لِصِيَالٍ أَوْ قِصَاصٍ ضَمِنَهُ الْمُسْتَعِيرُ فَقَطْ وَإِلَّا فَهُوَ طَرِيقٌ وَالْقَرَارُ عَلَى الْمُتْلِفِ وَحِينَئِذٍ فَإِتْلَافُ الْمُعِير كَذَلِكَ فَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِإِتْلَافِ الْمُعِيرِ بِخِلَافِ الْغَصْبِ فِي الْقِصَاصِ لِمَا مَرَّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْهُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي تَغْرِيمِهِ وَهُوَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْآخَرِ اهـ. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ قَالَ لِآخَرَ مَنَحْتُك كَذَا فَهَلْ هُوَ كَأَعَرْتُكَ أَوْ كَوَهَبْتُكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ صَرَّحَ فِي الْبَيَانِ فِي الْهِبَةِ بِأَنَّ الْمِنْحَةَ هِبَةٌ لَكِنَّ كَلَامَهُ فِي الْعَارِيَّةِ صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ الْمِنْحَةَ هِيَ الْعَارِيَّةُ وَهُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيث وَاللُّغَةُ وَالِاسْتِعْمَال وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْوَسِيط. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ اسْتَعَارَ عَبْدًا فَهَلْ يَضْمَنُ ثِيَابَهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ مُسْتَعْمِلًا لَهَا بِخِلَافِ إكَافِ الدَّابَّةِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ اسْتَعَارَ كِتَابًا مَوْقُوفًا فَتَلِفَ عِنْدَهُ بِلَا تَقْصِيرٍ فَهَلْ يَضْمَنُهُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فِي أَوَاخِر كِتَابِ الْوَقْفِ إذَا سُبِّلَتْ كِيزَانٌ عَلَى حَوْضٍ أَوْ نَهْرٍ فَتَلِفَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي يَدِ أَحَدٍ لَمْ يَضْمَنْ إلَّا بِالتَّعَدِّي وَمِنْهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ مَا وُقِفَ لَهُ وَبِهِ يَعْلَمُ أَنَّ الْكِتَابَ الْمَذْكُورَ إنْ كَانَ وَقْفًا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بِأَنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْفًا عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ وَقْفًا عَلَى إنْسَانٍ بِخُصُوصِهِ فَاسْتَعَارَهُ مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ اسْتَعَارَ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ وَأَلْحَقَ بِذَلِكَ الِاسْتِعَارَةَ مِنْ كُلِّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْمَنْفَعَةَ اسْتِحْقَاقًا لَازِمًا دُونَ الرَّقَبَةِ قَالَ وَعَلَيْهِ لَوْ أَصْدَقَ زَوْجَتَهُ مَنْفَعَةً أَوْ صَالَحَ عَلَيْهَا أَوْ جَعَلَهَا رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ لَمْ يَضْمَنْ الْمُسْتَعِيرُ مِنْ هَؤُلَاءِ اهـ. وَهُوَ بَحْثٌ مُتَّجَهٌ. (وَسُئِلَ) عَنْ دَابَّةٍ مُسْتَعَارَةٍ عَثَرَتْ حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ وَمَاتَتْ مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ سَبَبُ تَعَثُّرِهَا هُوَ الِاسْتِعْمَالُ الْمَأْذُونُ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْهَا الْمُسْتَعِيرُ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَلِفَتْ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَإِنْ تَعَثَّرَتْ لَا بِسَبَبٍ أَوْ بِسَبَبٍ هُوَ الِاسْتِعْمَالُ لَكِنَّهُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِيهِ ضَمِنَهَا كَمَا لَوْ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فِي الطَّرِيقِ، وَاَللَّه أَعْلَم. (وَسُئِلَ)

стр. 670

عَمَّنْ أَبْرَأَهُ عَنْ عَيْنٍ فَأَبْرَأَهُ الْآخَرُ عَنْ دَيْنٍ فَهَلْ يَصِحَّانِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْعَيْنَ بَلْ عَنْ الدَّيْنِ لَكِنْ بَحَثَ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ بِالْإِبْرَاءِ عَنْ الدَّيْنِ جَعْلَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْإِبْرَاءِ عَنْ الْعَيْنِ لَمْ يَصِحَّ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ فِي الْعَارِيَّةِ وَقَلَعَ مَجَّانًا بَذْرًا وَنَوَاة حَمَلَهُ سَيْلٌ فَنَبَتَ فِي أَرْضه فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْك صَاحِبه فَإِنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ هَذَا فِيمَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَنَوَاةٍ أَمَّا غَيْرُهُ فَهُوَ بَاقٍ لِمَالِكِهِ ذَكَرَهُ ابْن أَبِي شَرِيفٍ فِي شَرْحِهِ زَادَ فِي الْأَسْنَى وَعَلَى مَالِكِهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ مَالِكَ الْأَرْضِ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ انْتَشَرَتْ أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ فِي هَوَاءِ دَارِهِ وَعَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ لِلْأَرْضِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِتَخْلِيصِ مِلْكِهِ وَفِي فَتَاوَى السَّمْهُودِيِّ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَسِيرًا يُعْرِضُ النَّاسُ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بِهِ عَادَةً أَلْحَقَ ذَلِكَ بِالسَّوَاقِطِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا. وَفِي الْأَسْنَى بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ فَإِنْ أَعْرَضَ عَنْهَا وَكَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ إعْرَاضُهُ فَهِيَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ. اهـ. وَلَا يَخْفَى مُنَاقَضَةُ مَا ذُكِرَ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ فَمَا الْمُعْتَمَدُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كَلَامُ الْإِسْعَادِ لَا يُخَالِفُهُ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ وَمِنْ ثَمَّ جَرَيْت عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لِمُرَادِهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ حَيْثُ قُلْت وَعَلَى مَالِكِ الْأَرْضِ رَدُّهُ أَيْ مَا حَمَلَ مِنْ نَحْو نَوَى وَحَبٍّ لِمَالِكِهِ إنْ حَضَرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ كَحَبَّةٍ وَنَوَاةٍ لَمْ يُعْرِضْ عَنْهَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَقْيِيدَهُ الْإِعْرَاضَ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ الْمُوهِم أَنَّ مَا لَهُ قِيمَةٌ لَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهُ بِالْإِعْرَاضِ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ قِيمَةٌ لَهَا وَقْعٌ عَادَةً أَمَّا مَا لَيْسَ لَهَا وَقْعٌ كَذَلِكَ فَهِيَ كَعَدَمٍ وَكَلَامُهُ فِي بَاب الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ وَعِبَارَةُ شَرْحِي عَلَى الْمِنْهَاجِ فَرْعٌ يَزُولُ مِلْكُهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ نَحْوِ كِسْرَةِ خُبْزٍ وَسَنَابِلِ الْحَصَّادِينَ وَبُرَادَةِ الْحَدَّادِينَ فَيَمْلِكُهَا آخِذُهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ أَيْ: عِنْدَ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّهَا تَصِيرُ مُبَاحَةً وَلَا تُمْلَكُ. اهـ. وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهَا أَخْذًا بِظَاهِرِ أَحْوَالِ السَّلَفِ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ وَغَيْرُهُ مُسَامَحَةً بِذَلِكَ لِحَقَارَتِهِ عَادَةً فَبَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ التَّقْيِيدَ بِمَا لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَرْدُودٌ لِذَلِكَ نَعَمْ مَحَلُّ جَوَازِ أَخْذِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مَا لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ مِنْ الْمَالِكِ عَلَى عَدَمِ رِضَاهُ كَأَنْ وَكَّلَ مَنْ يَلْقُطُهُ لَهُ انْتَهَتْ عِبَارَة الشَّرْح الْمَذْكُورِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِعْرَاضَ الْمُمَلَّك الْمُكْتَفَى فِيهِ بِالْقَرِينَةِ يَجْرِي فِيمَا لَا قِيمَةَ لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَفِيمَا لَهُ قِيمَةٌ تَافِهَةٌ، وَأَمَّا مَا لَهُ قِيمَةٌ لَهَا وَقْعٌ فَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْقَرَائِنِ بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّمْلِيكِ أَوْ صَرِيحِ الْإِبَاحَةِ. [بَابُ الشُّفْعَةِ] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلْ لِلشَّفِيعِ بَعْدَ الْعِلْمِ الِاشْتِغَالُ بِصَلَاةِ النَّفْلِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِنَافِلَةٍ مُؤَقَّتَةٍ كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُهُمْ وَهَلْ يَلْحَقُ بِهَا النَّافِلَةَ الْمُطْلَقَةَ أَوْ لَا؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَا يُخْشَى فَوْتُهَا بِخِلَافِ تِلْكَ وَعَلَى كُلٍّ فَلَوْ عَلِمَ وَهُوَ فِيهَا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِلْمِ أَوْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى مَدْرَكًا. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا اشْتَرَى زَيْدٌ حِصَّةً مِنْ عَمْرٍو مِنْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ، ثُمَّ بَاعَ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ مِنْ مُشْتَرٍ آخَرَ مَثَلًا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَادَّعَى الشَّفِيعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالشُّفْعَةِ وَأَيْضًا ادَّعَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالشُّفْعَةِ أَقَرَّ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ الْأَوَّلَ إنَّمَا اشْتَرَى هَذَا الْمَبِيعَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ يُرِيدُ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي بِالْعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ بَلْ نَقُولُ لَا نُؤَاخِذُ الْمُشْتَرِيَ الْأَوَّلَ بِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بَلْ أَنْتَ أَيُّهَا الشَّفِيعُ مُخَيَّرٌ إنْ أَرَدْت الشُّفْعَةَ عَلَى الثَّانِي بِقِيمَةِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ هُوَ عِشْرُونَ وَإِنْ أَرَدْت فَاتْرُكْ عَقْدَهُ عَلَى حَالِهِ وَأَثْبِتْ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَنَّ ثَمَنَهُ هُوَ الْعَشَرَةُ الدَّرَاهِمُ وَاشْفَعْ فَهَلْ هُوَ قَوْلٌ صَوَابٌ أَوْ لِلشَّفِيعِ مَا أَرَادَ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ يُرِيدُ ادْفَعْ الثَّمَن الْقَلِيل إلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي الْمُدَّعِي إقْرَاره وَأَخَذَهُ الْمَبِيع مِنْهُ.؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا ذُكِرَ مِنْ تَخْيِيرِ الشَّفِيعِ هُوَ الصَّوَابُ كَمَا يُعْرَفُ بِأَدْنَى نَظَرٍ فِي كَلَامِهِمْ فَقَدْ قَالُوا لَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي لِثَانِي وَهُوَ لِثَالِثٍ وَهُوَ لِرَابِعٍ وَهَكَذَا تَخَيَّرَ الشَّفِيعُ فِي الْأَخْذ مِنْ أَيّهمْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الثَّمَن قَدْ يَكُون فِي نَحْوِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي أَقَلُّ أَوْ مِنْ
следующие страницы →