Полный текст (1 335 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
إذْ لَمْ يَفْهَمْ كَلَامَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَا كَلَامَ الْأَصْحَابِ وَلَا حَامَ حَوْلَهُمَا بِوَجْهٍ وَلَعَمْرِي إنَّ مَنْ تَرَدَّى إلَى هَذِهِ الْهُوَّةِ مِنْ التَّحْرِيفِ وَسُوءِ الْفَهْمِ فَحَقِيقٌ بِأَنْ لَا يُجَاوِبَ وَلَا يُخَاطِبَ إذْ مُخَاطَبَةُ مِثْلِ هَذَا الْبَلِيدِ تُؤَدِّي إلَى مَا يُظْلِمُ الْقَلْبَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي رَدْعِهِ وَزَجْرِهِ مِنْ السَّبِّ لَكِنْ أَلْجَأَهُ إلَى ذَلِكَ طَعَامُ أَحَدِ قِرَابِهِ حَتَّى خَرَجَ عَنْ طُورِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِمَرْتَبَتِهِ وَقَدْرِهِ
وَلَمْ يَرَ فَوْقَهُ أَحَدًا فَوَقَعَ فِي الدَّاهِيَةِ الدَّهْيَا وَالْحَمَاقَةِ الْعُظْمَى كَيْفَ وَهُوَ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ الَّذِي فِي الْمُخْتَصَرَاتِ فَضْلًا عَنْ الْمُطَوَّلَاتِ وَكَأَنَّهُ مَا رَأَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ الْمُصَرِّحِ بِثُبُوتِ الْخِلَافِ فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَرْجُو وَفَاءَهُ وَعِبَارَتُهُ قُلْتُ الْأَصَحُّ تَحْرِيمُ صَدَقَتِهِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ لِدَيْنٍ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً انْتَهَتْ فَهِيَ مُصَرِّحَةٌ بِوُجُودِ الْخِلَافِ بَلْ وَتُقَوِّيه فِيمَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ وَبِهَذَا يَزْدَادُ تَعَجُّبُك مِنْ قَوْلِهِ فَهَذَا الْخِلَافُ الَّذِي أَبْدَاهُ فِي هَذَا الْمَدِينِ الَّذِي لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا وَقَفْت عَلَيْهِ. اهـ. وَحِينَئِذٍ فَقُلْ لَهُ أَعْمَى اللَّهُ بَصِيرَتَك بِسُوءِ تَصَرُّفِك وَفَهْمِك كَيْفَ مَسْأَلَةٌ صَرِيحَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي مَتْنِ الْمِنْهَاجِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ لَمْ تَرَهَا فِي شَيْءٍ مِمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ هَلْ هَذَا إلَّا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْسَاك الْعِلْمَ لِيُحِقَّ عَلَيْك كَلِمَةَ الْحَمَاقَةِ وَالْجَهْلِ وَعَدَمِ الْحِلْمِ وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِشَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَهُوَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى بَلَادَتِهِ وَعَدَمِ فَهْمِهِ لِعِبَارَتِهِ وَقَدْ ذَكَرْتهَا فِي الْقُرَّةِ وَحَاصِلُهَا أَنَّهُ لَمَّا حَكَى فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حُرْمَةَ التَّصَدُّقِ مِمَّا يَحْتَاجُهُ لِوَفَائِهِ وَكَرَاهَتِهِ عَنْ آخَرِينَ وَعَدَمِ اسْتِحْبَابِهِ عَنْ آخَرِينَ قَالَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُ الْوَفَاءِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَلَا بَأْسَ بِالصَّدَقَةِ وَقَدْ تُسْتَحَبُّ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيل يُحْمَلُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ الْمُطْلَقِ. اهـ. فَتَأَمَّلْ فَرْضَهُ الْحُرْمَةَ فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِمَا يَحْتَاجُهُ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ الْمُسْتَلْزِم أَنَّهُ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ ثُمَّ الْكَرَاهَة وَعَدَم الِاسْتِحْبَابِ فِي ذَلِكَ تَجِدُ عِبَارَتَهُ فِي أَنَّ كَثِيرِينَ قَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّصَدُّق مِمَّا يَحْتَاجُهُ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْقَائِلُونَ بِمُقَابِلِ الْأَصَحِّ الْمَذْكُورِ فِي عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ وَالْمُخْتَارُ إلَخْ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْإِشَارَة إلَى غَيْرِ الْمَذْكُورِينَ مِمَّنْ أَطْلَقَ الْحُرْمَةَ أَوْ عَدَمَهَا فَهَذَانِ الْإِطْلَاقَانِ عَلَى الْحَالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ الْمُطْلَقُ
فَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْمُطْلِقِينَ غَيْر الْمَذْكُورِينَ لَا إلَى الْمَذْكُورِينَ لِأَنَّهُمْ مُقَيِّدُونَ لَا مُطْلِقُونَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ فَرَضَ الْحُرْمَةَ فِيمَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ تَقْيِيدُ مُقَابِلِهَا بِذَلِكَ أَيْضًا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُقَابِلًا عَلَى أَنَّ قَوْلَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَإِلَّا فَلَا لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ غَلَبَةِ ظَنِّ الْوَفَاءِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى بِهِ بَأْس أَوْ لَا يُسْتَحَبُّ وَالْأَخِيرُ وَاضِحٌ وَأَمَّا بِهِ بَأْسٌ فَكَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَحِينَئِذٍ يَزْدَادُ تَعَجُّبُك مِنْ افْتِرَاءِ هَذَا الْبَلِيدِ وَتَقَوُّلِهِ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِقَوْلِهِ حَاصِلُهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى التَّحْرِيمِ حَيْثُ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ أَنْ يَصِلَ التَّهَوُّرُ وَالِافْتِرَاءُ بِصَاحِبِهِ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمُجَازَفَةِ كَيْفَ وَهُوَ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَا أَنَّهُ نَفَى لِمَاذَا وَهُوَ مَعْذُورٌ فَإِنَّهُ عَامِّيٌّ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِأَنْوَاعِهَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي عِبَارَة شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يَرْجُو الْوَفَاءَ وَلَا عَدَمَهُ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ وَإِنَّمَا هُوَ لَازِمٌ لِقَوْلِهِ يَحْتَاجُهُ لِوَفَائِهِ كَمَا قَدَّمْته ثُمَّ وَإِنَّمَا عَبَّرُوا بِقَوْلِهِ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَبِقَوْلِهِ وَإِلَّا أَيْ وَإِلَّا يَغْلِبُ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّهِ وَهُوَ صَادِقٌ بِرَجَاءِ الْوَفَاءِ بِلَا غَلَبَةٍ وَعَدَمُ رَجَائِهِ أَصْلًا لِأَنَّ السَّالِبَةَ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ فَلَا صَادِق بِالْجَوَازِ وَالْحُرْمَةِ كَمَا قَرَّرْته وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ فِي عِبَارَتِهِ تَعَرُّضٌ لِمَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ فَضْلًا عَنْ حِكَايَةِ الِاتِّفَاق عَلَى الْحُرْمَةِ فِيهِ فَبَانَ أَنَّ قَوْلَ هَذَا الْبَلِيدِ حَاصِلُهُ أَيْ التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الِاتِّفَاقُ عَلَى التَّحْرِيمِ حَيْثُ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ حَاصِلٌ مُنْهَدِمٌ عَلَى رَأْسِهِ مُؤْذِنٌ بِعَقْرِهِ مِنْ الْعِلْم وَنَفْسه هُدَانَا اللَّهُ وَإِيَّاهُ لِطَاعَتِهِ الْمَوْضِعُ التَّاسِعُ قَوْلُهُ وَقَدْ فَسَّرَ الْأَصْحَابُ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي نَصِّ الْأُمِّ فِي الْجِزْيَةِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فَلَازَمُوا بَيْنَ الْحُرْمَة وَالْبُطْلَانِ حَيْثُ وَجَدَ التَّحْرِيم
فَهَذَا نَصٌّ مِنْ الْأَصْحَاب عَلَى أَنَّهُ حَيْثُ حَرَّمَ تَصَرُّف الْمُفْلِسِ كَمَا فِي صُورَةِ تَبَرُّعِ مَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ فَتَبَرُّعُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ. اهـ. وَهَذَا كَلَامٌ رُدِئَ مَبْنِيُّ عَلَى فَسَادِ التَّصَوُّرِ وَالتَّحَيُّلِ لِأَنَّ الْأَصْحَابَ إذَا فَسَّرُوا نَصًّا فِي مَوْضِعٍ بِشَيْءٍ يُخَالِفُ مَدْلُولَهُ كَيْفَ يُقْضَى بِهِ عَلَى سَائِرِ الْمَوَاضِعِ
стр. 597
ثُمَّ يُسْتَنْتَجُ مِنْهُ أَنَّهُمْ لَازَمُوا بَيْنَ الْحُرْمَةِ وَالْبُطْلَانِ حَيْثُ وُجِدَ التَّحْرِيمُ وَهُوَ كَذِبٌ صَرِيحٌ وَتَقَوُّلٌ قَبِيحٌ وَكَيْفَ نَقُولُ ذَلِكَ وَهُمْ قَسَمُوا الْبُيُوعَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا إلَى بَاطِلٍ وَصَحِيحٍ وَكَذَا سَائِرُ الْعُقُودِ وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ يَسُوغُ لِمَنْ عِنْدَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ فَضْلًا عَنْ فَضْلٍ أَزْيَدَ عَنْ هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ فَهِيَ مُلَازَمَةٌ بَاطِلَةٌ مُسْتَنْتَجَةٌ مِنْ مُقَدِّمَةٍ بَاطِلَةٍ وَإِنَّمَا تَكَلَّمْت عَلَى قَوْلِهِ وَقَدْ فَسَّرَ الْأَصْحَابُ عَدَم الْجَوَازِ إلَخْ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ ثُمَّ رَأَيْته بَعْدَ ذَلِكَ سَاقَ النَّصَّ الْمَذْكُورَ وَمَا ذَكَرَهُ وَلَيْسَ فِيهِ تَعْبِيرٌ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ كَذِبٌ مَحْضُ وَبُهْتَانٌ عَمْدٌ وَكَأَنَّ هَذَا الشَّقِيَّ ظَنَّ أَنَّ كِتَابَهُ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ السَّفَاهَةِ وَالْفُحْشِ لَا أَنْظُر فِيهِ فَيَتِمُّ تَرْوِيجُهُ عَلَى طُغَامِهِ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ بَلْ نَظَرْتُ فِيهِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلَى تِلْكَ السَّفَاهَةِ وَالْحَمَاقَة لِأُبَيِّنَ كَذِبَهُ الشَّنِيعَ وَبُهْتَانَهُ الْفَظِيعَ وَغَايَةُ ذَلِكَ النَّصِّ أَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّ رَفْعَ الْمُفْلِسِ إلَى الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فَيُعَارِضُ تِلْكَ النُّصُوصَ الْآتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَلَا مُعَارَضَةَ لِأَنَّ مَا فِي الْجِزْيَةِ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ هَذَا الْجَاهِلُ الْمُفْتَرِي قَبَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ كَانَ الْجَهْلُ ظِلَّهُ وَمَقِيلَهُ وَتَأَمَّلْ جَرَاءَتَهُ وَمُهَاجَمَتَهُ بِقَوْلِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ مَعَ الصِّحَّةِ فَهُوَ مُحَرِّفٌ لِلنُّصُوصِ وَمُغَلِّطٌ لِلْأَصْحَابِ تَجِدُهُ كَالْأَبْلَهِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ الْخِطَابَ وَلَا يُحْسِنُ رَدَّ الْجَوَابِ كَيْفَ وَسَبَبُ التَّحْرِيفِ وَالتَّغْلِيطِ الْأَخْذُ بِمَدْلُولِ كَلَامِهِمْ وَحَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَاز عَدَمُ الصِّحَّةِ كَمَا هُوَ بَدِيهِيُّ التَّعَقُّلِ وَنَصُّ الْإِدْرَاكِ مِنْ كَلَامِهِمْ
وَلَا يُنْسَبُ لِذَلِكَ مَنْ اسْتَنْتَجَ مِنْ تَأْوِيلٍ مُتَعَيِّنٍ فِي مَحَلٍّ لِدَاعٍ دَعَا إلَيْهِ أَنَّ جَمِيعَ النُّصُوصِ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ الصِّحَّةِ حَيْثُ وُجِدَ التَّحْرِيمُ فَهَذَا الْمُتَقَوِّلُ الْمُخَلِّطُ الَّذِي لَا يَرْعَى لِحَقٍّ وَلَا يَهْتَدِي بِصَوَابٍ هُوَ الْمُحَرِّفُ الْمُغَلِّطُ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ تِلْكَ النُّصُوصَ وَمَا جُمْلَتُهَا عَلَيْهِ قَوْلُ الْأُمِّ فِي الرَّهْنِ وَلَوْ كَانَ رَهَنَهُ إيَّاهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَوْ وَلَدَتْ لَهُ وَلَا مَالَ لَهُ بِيعَ مِنْهَا بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَعَتَقَ مَا بَقِيَ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِمَالِهِ عَتَقَ إلَخْ فَعُلِمَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِتِلْكَ النُّصُوصِ فِي نُفُوذِ عِتْقِهِ وَغَيْرِهِ مَعَ إحَاطَةِ الدَّيْنِ بِمَالِهِ وَمِمَّا يَزْدَادُ عَجَبُك مِنْهُ أَنَّهُ لَمَّا سَاقَ نُصُوصَ الْأُمِّ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْقُرَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى تَصَرُّفِ الْمَدِينِ الْمُفْلِسِ قَبْلَ الْحَجْرِ وَلَوْ بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْقَاضِي وَصَلَهُ أَنْ يُعَارِضَهَا بِنَصِّ الْأُمِّ فِي الْجِزْيَةِ وَلَفْظُهُ إذْ أُعْسِرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِالْجِزْيَةِ فَالسُّلْطَانُ غَرِيمٌ مِنْ الْغُرَمَاءِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنَّ فَلَسَهُ لِأَهْلِ دَيْنِهِ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِحِصَّةِ جِزْيَتِهِ لِمَا مَضَى عَلَيْهِ مِنْ الْحَوْلِ وَإِنْ قَضَاهُ الْجِزْيَةَ دُونَ الْغُرَمَاءِ كَانَ لَهُ مَا لَمْ يَسْتَعْدِ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ فَإِذَا اسْتَعْدَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جِزْيَتَهُ دُونَهُمْ لِأَنَّ عَلَيْهِ حِينَ اسْتَعْدَى عَلَيْهِ إنْ بَقِيَ مَا لَهُ إذَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ بَيَّنَ بَيِّنَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ يُقِرّ وَاسَتَعْدَى عَلَيْهِ كَانَ لَهُ أَخْذُ جِزْيَتِهِ دُونَهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَقٌّ حِينَ أَخَذَ جِزْيَتَهُ. اهـ.
فَانْظُرْ حَتَّى تَعْلَمَ كَذِبَهُ فِي نِسْبَتِهِ إلَى هَذَا النَّصِّ أَنَّ فِيهِ عَدَمَ الْجَوَازِ وَإِلَى الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ أَوَّلُوا مَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ بِعَدَمِ النُّفُوذِ سُبْحَانك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ وَرَقَاتٍ وَهَذَا نَصُّ الْأُمِّ فِي الْجِزْيَةِ مُصَرِّحٌ بِعَدَمِ جَوَازِ التَّصَرُّفِ قَبْلَ الْحَجْرِ وَكَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي كِتَابِهِ مِنْهَا قَوْلُهُ أَيْضًا وَقَدْ فَسَّرَ الْأَصْحَابُ نَصَّهُ فِي الْجِزْيَةِ السَّابِقِ بِعَدَمِ النُّفُوذِ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا عَدَمُ الْجَوَازِ وَكُلُّهُ كَذِبٌ صُرَاحٌ كَمَا عَرَفْت مِنْ سَوْقِ لَفْظِ النَّصّ بِحُرُوفِهِ الَّتِي سَاقَهَا هُوَ نَفْسُهُ عَنْ تَوَسُّطِ الْأَذْرَعِيِّ
وَتَأَمَّلْ مُعَارَضَتَهُ لِتِلْكَ النُّصُوصِ بِهَذَا النَّصِّ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدُ وَلِهَذَا أَعْرَضَ الْجُمْهُورُ عَنْ الْعَمَلِ بِظَاهِرِ هَذَا النَّصِّ وَأَوَّلُوهُ تَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَهْتَدِي لِمَا يَقُولُ أَصْلًا وَلِهَذَا الْإِعْرَاض قَطَعَ فِي الرَّوْضَة بِمُقَابِلِهِ فَقَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِتْقَ الْمَانِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ يَفْتَقِرُ إلَى حَجْرِ الْقَاضِي عَلَيْهِ قَطْعًا وَاعْتَرَضَ قَطْعَهُ بِأَنَّ فِيهِ وَجْهًا وَهُوَ اعْتِرَاضٌ سَهْلٌ لِأَنَّهُ كَثِيرًا مَا يُنَزَّلُ الْوَجْهُ لِشُذُوذِهِ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ فَيُقْطَعُ بِمُقَابِلِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ بِهِ الْمَوْضِعُ الْعَاشِرُ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَيَّ فِي نَقْلِي لِلْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ أَحْكَامِهِمْ
стр. 598
وَنِسْبَتِهَا إلَيْهِمْ بِمُجَرَّدِ الْوُقُوفِ عَلَى مَا نَقَلُوهُ فِي كُتُبِهِمْ وَإِنَّمَا الرُّجُوعُ إلَى مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ بِمُرَاجَعَةِ الرَّاسِخِينَ فِي قَوَاعِدِهِمْ فَلَعَلَّ لِإِمَامِهِمْ رِوَايَتَيْنِ. اهـ.
وَهَذَا مِنْ سُوءِ فَهْمِهِ وَاخْتِلَاطِ الْمَأْخَذِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي مَقَامَيْنِ نَقْلِ الْمَذَاهِبِ وَمَقَامِ الْعَمَلِ أَوْ الْإِفْتَاءِ بِهَا وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ إنَّمَا هُوَ فِي الثَّانِي وَاَلَّذِي وَقَعَ إنَّمَا هُوَ الْأَوَّلُ لَكِنْ لِمَزِيدِ اخْتِلَاطِ عَقْلِهِ لَمْ يَعْرِفْ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ بَلْ سَوَّى بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ لَا يَجُوز أَخْذُ أَحْكَامِهِمْ وَنِسْبَتِهَا إلَيْهِمْ إلَخْ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ تَهَوُّرِهِ مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ وَتَقَوُّلِهِ الَّذِي لَا يَدْرِي مَا وَرَاءَهُ فَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ فِي كُتُبِهِمْ كَالسُّبْكِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَبْلَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ يَحْكُونَ الْخِلَافَ الْعَالِي بِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَعْتَمِدُونَ فِي نَقْلِهِمْ نَقْلَهُ وَحِكَايَتَهُ عَلَى كُتُبِ الْمُخَالِفِينَ الْمُدَوَّنَةَ فِي ذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الثَّلَاثَةِ النُّصُوص بِالْجَوَازِ وَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْجَائِزِ بِالنَّافِذِ الْمُحَرَّمِ إذْ لَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الْمُحَرَّمِ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْجَائِزِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ بِغَيْرِ مُطَابِقٍ وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَبِّرْ فِي الْأَوَّلِ بِالْجَوَازِ وَحْدَهُ وَإِنَّمَا قَالَ جَائِزٌ كُلُّهُ عَلَيْهِ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْفِعْلَ إذَا عُدِّيَ بِغَيْرِ مَا يَتَعَدَّى بِهِ ضُمِّنَ فِعْلًا آخَرَ يُنَاسِبُ ذَلِكَ الْحَرْفَ الْمُعَدَّى بِهِ أَوْ أَوَّلَ ذَلِكَ الْحَرْفَ بِحَرْفٍ آخَرَ يُنَاسِبُ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَهَذَا مُتَعَذِّرٌ هُنَا فَتَعَيَّنْ الْأَوَّلُ وَحِينَئِذٍ فَتَعْدِيَةُ جَائِزٍ بِعَلَيْهِ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا بَقَاءُ جَائِز عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الْمُبَاحُ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ بِنَافِذِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَعَدَّى بِعَلَى فَبَطَلَ زَعْمُهُ بَقَاء الْجَوَازِ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَكِنَّهُ مَعْذُورٌ
فَإِنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُتَعَدِّي وَالتَّضْمِينِ وَيُؤْخَذُ مِنْ بَلَاغَةِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَنَفْعنَا بِهِ الْبَالِغِ فِيهَا الْمَبْلَغَ الَّذِي لَا يُشِقُّ غُبَارُهُ وَلَا يُخْشَى عِثَارُهُ أَنَّ مُغَايَرَتَهُ بَيْنَ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ فِي النَّصِّ الْأَوَّلِ بِتَعْدِيَتِهِ بِعَلَى وَالْفِعْلَيْنِ فِي النَّصَّيْنِ الْآخَرَيْنِ بِتَعْدِيَتِهِمَا بِلَهُ أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ حَيْثُ عَبَّرَ بِالنُّفُوذِ تَارَةً وَبِالْجَوَازِ أُخْرَى إلَى أَنَّهُ قَبْلَ الْحَجْرِ يَنْفُذُ مُطْلَقًا جَازَ أَوْ حَرُمَ وَهِيَ نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ لَا يَنْقَادُ لِفَهْمِهَا ذِهْنُ مِثْلِ هَذَا الْجَاهِلِ بِفَنِّ الْبَلَاغَةِ عَلَى أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا لَهُ أَنَّ الْجَوَازَ عُدِّيَ بِاللَّامِ فِي الْأَوَّلِ أَيْضًا كَانَ الْمَعْنَى النُّفُوذَ أَيْضًا
وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِالْجَوَازِ حَقِيقَتُهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ فَرْضِ كَلَامِهِ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْمُفْلِسَ الَّذِي لَا يَرْجُو وَفَاءً وَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ فَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَأَمَّا إذَا حَمَلْنَا الْجَوَازَ عَلَى النُّفُوذ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ وَمَنْ حَرُمَ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ نَصٌّ فِي الْعُمُومِ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالتَّشَهِّي وَالْهَذَيَانِ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَرِضَ قَدَّمَ تَبَعًا لِلْأَذْرَعِيِّ اعْتِرَاضَ هَذِهِ النُّصُوصِ الثَّلَاثَةِ بِنَصِّ الْجِزْيَةِ وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ مُطْلَقُ النُّفُوذِ إذْ هَذَا هُوَ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ النُّصُوصِ كَمَا ذَكَرَهُ وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَتُهُ فَلَا يَتَأَتَّى اعْتِرَاضُ تِلْكَ النُّصُوصِ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ تَسْتَلْزِمُ أَنَّ لَهُ جِهَةً ظَاهِرَةً فَلَا يَكُونُ مُفْلِسًا وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يَقُولُ مُفْلِسًا كَانَ أَوْ غَيْر مُفْلِسِ فَاتَّضَحَ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ وَقَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْجَائِز بِالنَّافِذِ الْمُحَرَّمِ إلَخْ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ بِقَاعِدَةِ الْعُمُومِ الْمُطْلَقِ وَبَيَانُهُ يَلْزَمُ مِنْ الْجَوَازِ النُّفُوذَ وَلَا عَكْسَ فَالنُّفُوذُ وَلَا عُكِسَ فَالنُّفُوذ أَعَمُّ مُطْلَقًا وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ بِخِلَافِ عَكْسِهِ فَإِذَا فَسَّرْنَا بِالنَّافِذِ شَمِلَ الْجَائِزَ وَغَيْرَهُ فَبَطَلَ قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْجَائِزِ بِالنَّافِذِ الْمُحَرَّمِ لِأَنَّهُ لَا يُفَسِّرُهُ بِذَلِكَ إلَّا مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي عَدَمِ فَهْمِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَادَّتَيْ التَّضَادّ وَالْعُمُومِ وَلَوْلَا جَهْلُهُ بِذَلِكَ لِمَا كَانَ يُورِدُ عَلَيْنَا الضِّدَّ مَعَ أَنَّا إنَّمَا فَسَّرْنَاهُ بِالْأَعَمِّ مُطْلَقًا وَشَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا لَكِنْ مَنْ لَا ذَوْقَ لَهُ يُورِدُ مَا يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْيَاءٍ مِنْ الْكَذِبِ وَعَارُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَيْتَهُ فِي كَذِبِهِ اكْتَفَى بِإِيرَادِهِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا
وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ عَقِبَ قَوْلِهِ وَتَفْسِيرُ الْجَائِزِ إلَخْ وَقَدْ فَسَّرَ الْأَصْحَابُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِعَدَمِ النُّفُوذِ فَلَازَمُوا بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَعَدَمِ النُّفُوذِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ تَبَرُّعَ مَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ غَيْرُ جَائِزٍ وَأَنَّ الْأَصْحَابَ فَسَرُّوا عَدَمَ الْجَوَازِ فِي كَلَامِ إمَامهمْ بِعَدَمِ النُّفُوذِ فَهَذَا نَصٌّ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ حَيْثُ حَرُمَ تَصَرُّفُ الْمَدِينِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ فَارْفَعْ يَدَك فَقَدْ لَاحَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَالْأَصْحَابِ انْتَهَى وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا كَلَامٌ كَذِبٌ وَأَنَّ الْمُلَازَمَةَ الَّتِي
стр. 599
أَخَذَهَا مِنْهُ بَاطِلَةٌ وَأَنَّ هَذَا الْجَاهِلَ الْغَبِيَّ لَا تَأَمُّلَ لَهُ وَلَا ذَوْقَ وَلَيْتَهُ مَعَ ذَلِكَ سَلِمَ مِنْ الْبُهْتِ وَالْكَذِبِ اللَّذَيْنِ هُمَا أَقْبَحُ وَصْفٍ فِي الْإِنْسَانِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ بِالدُّعَاءِ بِهَلَاكِهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ لِتُنَاسِبَ وَصْفَهُ فَإِنَّ مَنْ هَذَا حَالُهُ مَضَلَّةٌ لِلنَّاسِ وَأَيُّ مَضَلَّةٍ وَمَزَلَّةٌ لِلضُّعَفَاءِ وَأَيُّ مَزَلَّةِ فَحُقَّ أَنْ يُبْتَهَلَ فِي أَمْرِهِ بِصَلَاحِهِ وَإِلَّا فَبِهَلَاكِهِ فَإِنَّ بَلَدَهُ خَلَتْ عَمَّنْ يَتَأَهَّلُ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ فَأَنْشَدَ لِسَانُ الْحَالِ الْأَصْدَقُ مِنْ لِسَانِ الْقَالِ
خَلَا لَكِ الْبَرُّ فَبِيضِي وَاصْفَرِي ... وَنَقِّرِي مَا شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي
لَكِنْ بِحَمْدِ اللَّهِ الْعُلَمَاءُ مَا زَالُوا فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ فَكُلُّ مَنْ بَلَغَهُمْ قَالُهُ أَوْ رُفِعَ إلَيْهِمْ حَالُهُ أَوْضَحُوا مَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنْ الْجَهْلِ وَالْغَبَاوَةِ وَالْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَالشَّقَاوَةِ لِيُحَذِّرُوا النَّاسَ مِنْ حَالِهِ وَيُنَفِّرُوهُمْ عَنْ قَالِهِ.
فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ آكَدِ الْوَاجِبَاتِ عَلَيْهِمْ إذْ لَوْ تَرَكُوا كُلَّ قَائِلٍ وَبَهَّاتٍ فِي غَيِّهِ وَتَزْوِيرِهِ وَعِيِّهِ لَفَسَدَ النِّظَامُ وَتَغَيَّرَتْ الْأَحْكَامُ وَتَطَاوَلَ أَهْل الْفَسَادِ وَأَفْسَدَ النَّاسَ أَهْلُ الْحُمْقِ وَالْعِنَادِ أَبَادَهُمْ اللَّهُ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الْمَعْصُومُ وَقَضَى بِهِ الْأَمْرُ الْمَحْتُومُ ثُمَّ أَنْشَدَ مُتَبَجِّحًا عَلَى تَرْوِيجِ كَذِبِهِ وَعِنَادِهِ وَمُدَّعِيًا مَرْتَبَةَ كَذِبِهِ فِيهَا قَوَاطِع بَلَادَتِهِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ إصْدَارِهِ وَإِيرَادِهِ
وَإِذَا كُنْت بِالْمَدَارِكِ غِرًّا ... ثُمَّ أَبْصَرْت عَارِفًا لَا تُمَارِ
وَإِذَا لَمْ تَرَ الْهَلَاكَ فَسَلِّمْ ... لِرِجَالٍ رَأَوْهُ بِالْأَبْصَارِ
وَلَقَدْ صَدَقَ فَإِنَّهُ وَاَللَّهِ غَرِيرُ الْمَدَارِكِ وَغَيْرِهَا وَأَيُّ غَرٍّ بَلْ غَبِيٍّ مِمَّنْ أَبْصَرَ الْعِرْفَانَ وَالْحَقَّ ثُمَّ عَانَدَ وَمَارَى وَكَذَّبَ وَافْتَرَى وَلَمْ يَسْلُكْ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَسْلَكَ نُورٍ قَطُّ وَإِنَّمَا سَلَكَ مَسَالِكَ ظُلْمَةِ الْكَذِبِ وَالشَّطَطِ حَتَّى هَوَتْ بِهِ إلَى مُهَاوِي الْعَنَا وَالْعِنَادِ الْمُوجِبَةِ لِحِرْمَانِ التَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ الْمَوْضِعُ الْحَادِيَ عَشَر أَنِّي لَمَّا اعْتَرَضْت نِسْبَته لِابْنِ الرِّفْعَةِ تَقْلِيدًا لِغَيْرِهِ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّمْلِيكِ وَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ بِأَنَّ نِسْبَةَ الثَّلَاثَةِ الْأُخْرَى إلَيْهِ عَلَى جِهَةِ كَوْنِهِ صَرَّحَ بِهَا لَا يَجُوزُ قَالَ الْجَوَابُ أَنَّهُ لَمَّا اتَّحَدَ تَعْلِيلُهُمْ وَلَمْ يُمْكِنْ الْفَرْقُ وَكَانَ فِي قُوَّةِ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ جَازَتْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ. اهـ.
فَتَأَمَّلْ هَذَا الْجَوَابَ الْبَاطِلَ الْمَبْنِيَّ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ جَهْلِهِ بِالْأُصُولِ جُمْلَةً كَيْفَ وَقَدْ قَالُوا فِي الْمَقِيسِ بِالْأَوْلَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحُوا فِي الْقَوْلِ الْمُخَرَّجِ بِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ لِلشَّافِعِيِّ ﵁ إلَّا مُقَيَّدًا لِجَوَازِ أَنَّهُ لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَا يَرَى فَارِقًا فَكَذَا يُقَالُ يَجُوزُ أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ لَوْ سُئِلَ عَنْ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ لَا يَرَى فَارِقًا كَمَا أَبْدَيْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ
وَتَكَلَّمْت عَلَيْهِ فِي الْقُرَّةِ رَدًّا عَلَى اعْتِرَاضِ ذَلِكَ الْبَلِيدِ عَلَيْهِ فَاتَّضَحَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي تِلْكَ الثَّلَاثَة كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ كَذِبٌ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ آخِرًا إنَّ مَالَ الْيَتِيمِ وَضَرْب أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا نَصَّ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ عَلَى حُرْمَتِهِ لَكِنَّهُ عَامِّيٌّ فِي هَذِهِ الْمَبَاحِثِ فَلَيْتَهُ لَمْ يَحْضُرْ فِيهَا وَتَأَمَّلَ عَامِّيَّتَهُ الْقَبِيحَةَ فِي قَوْله لَمَّا اتَّحَدَ تَعْلِيلُهُمْ وَالْمُتَعَيِّنُ تَعْلِيلُهَا أَيْ الْمَسَائِلَ وَمَا أَحْسَنَ ذَلِكَ فِي نَحْوِ خَاضِعِينَ وَطَائِفِينَ وَلَا يَتَأَتَّى اعْتِبَارُهُ هُنَا عَلَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يُقَالُ لَوْ كَانَ الْكَلَامُ مَعَ مَنْ يَدْرِي ذَلِكَ أَوْ يَتَأَهَّلُ لِإِدْرَاكِهِ وَأَمَّا مَنْ لَا يَدْرِي ذَلِكَ رَأْسًا فَهُوَ الْقَاعِدُ مَعَ الْمُخَالِفِينَ الْآخِذُ بِحُجْزَةِ الْجَاهِلِينَ الْمَوْضِعُ الثَّانِي عَشَرَ ثُمَّ قَالَ اعْتِرَاضًا عَلَى مَسْأَلَةِ التَّحْرِيمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فِي النُّفُوذِ فِي الْجَائِزِ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَحَكَمَ عَلَى تَصَرُّفَاتِ الْمُفْلِسِ قَبْل الْحَجْرِ الْجَائِزِ وَالْحُرْمَةُ بِالنُّفُوذِ اتِّفَاقًا. اهـ.
وَهَذَا بِكَلَامِ الْمُبَرْسَمِينَ أَشْبَه أَوْجَبَهُ أَنَّهُ تَوَالَتْ عَلَيْهَا ثِقَالُ الْبَرَاهِينِ الْحَقِّيَّةِ حَتَّى كَسَتْ عَقْلَهُ فَشَقْشَقَ بِمُهْمَلَاتِ الْأَلْفَاظِ الْعَامِّيَّةِ وَلَسْت أَنَا الْحَاكِيَ لِلِاتِّفَاقِ وَإِنَّمَا الْحَاكِي لَهُ الرَّوْضَةُ وَعِبَارَتُهَا وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعَلُّقَ الْمَانِعَ مِنْ التَّصَرُّف يَفْتَقِرُ إلَى حَجْرِ الْقَاضِي عَلَيْهِ قَطْعًا وَعِبَارَةُ أَصْلِهَا لَا شَكَّ أَنَّ التَّعَلُّقَ الْمَانِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ يَفْتَقِرُ إلَى حَجْر الْقَاضِي عَلَيْهِ فَعَدُّوهُمَا مِنْ التَّعْلِيقِ الْمَانِعِ لِلتَّصَرُّفِ بِحَجْرِ الْقَاضِي وَقَطْعًا بِذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّعَلُّقَ عَامٌّ لِلْجَائِزِ وَالْمُحَرَّمِ فَيَكُونُ الْقَطْعُ فِيهِمَا وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إذَا دَخَلَتْ فِي خِلَالِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ كَانَتْ مَنْقُولَةً وَكَأَنَّهُ
стр. 600
تَوَهَّمَ مَا قَالَهُ مِنْ اعْتِرَاضِ جَمْعٍ لِقَطْعِ الرَّوْضَة بِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلًا أَوْ وَجْهًا بِعَدَمِ النُّفُوذِ وَلَوْ قَبْلَ الْحَجْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَوْ الْوَجْهَ يُبْطِلُ قَوْلَهُ وَكَبْسهَا فِي مَحَلِّ الِاتِّفَاقِ عَلَى النُّفُوذِ فِي الْجَائِزِ فَقَوْلُهُ الْخِلَافُ فِي النُّفُوذِ فِي مَسْأَلَةِ التَّحْرِيمِ وَالِاتِّفَاقُ فِي مَسْأَلَةِ الْجَوَازِ مِنْ السَّفْسَافِ الَّذِي سَوَّلَ لَهُ عَقْلُهُ الْقَاصِرُ أَنَّهُ شَيْءٌ
وَلَيْسَ بِشَيْءٍ عَلَى أَنَّ مَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ الشَّيْخَيْنِ رَآهُمَا لَا سِيَّمَا النَّوَوِيَّ يَقْطَعَانِ كَثِيرًا بِالْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ إشَارَةً إلَى فَسَادِ مُدْرَكِهِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ شُذُوذِ نَقْلِهِ فَاعْتِرَاضُهُ عَلَى قَطْعِهِمَا هُنَا سَاقِطٌ لِمَا ذَكَرْته الْمَوْضِعُ الثَّالِثَ عَشَرَ ثُمَّ كَرَّرَ مَا مَرَّ مِنْ زَعْمِ مُخَالَفَةِ مَا فِي كِتَابِي الْقُرَّةِ لِمَا فِي شَرْحِي عَلَى الْإِرْشَادِ فَقَالَ إنْ اعْتَمَدَ الْأَوَّلَ كَشَطَ مَا فِي الثَّانِي أَوْ الثَّانِيَ رَجَعَ عَنْ الْأَوَّلَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خُلُوٌّ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ وَمُصْطَلَحَاتِهِمْ وَمِمَّا وَقَعَ لَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ كَيْفَ وَابْنُ الرِّفْعَةِ كَثِيرًا مَا يَذْكُرُ شَيْئًا فِي الْكِفَايَةِ
وَيَرْجِعُ عَنْهُ فِي الْمَطْلَبِ وَيَبْقَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَالسُّبْكِيُّ وَسَائِرُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَكِنْ مَنْ عَمِيَتْ عَلَيْهِ طُرُقُ الْهُدَى يَقُولُ مَا شَاءَ كَيْف وَاَلَّذِي فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ إنَّمَا هُوَ قَصْر بَحْث ابْنِ الرِّفْعَةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَا تُمْلَكُ حَيْثُ حُرِّمَتْ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ عُقُودِ التَّبَرُّعِ وَفَرَّقْت بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَغَيْرهَا بِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ الْكَبِيرَ وَهَذَا لَا يَمْنَعُ اعْتِرَاضَ تَخْرِيجِ ابْنِ الرِّفْعَةِ مِنْ أَصْلِهِ فَهُوَ الْجَاهِلُ أَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ أَحَدُهُمَا قَصْرُ تَخْرِيجِ ابْنِ الرِّفْعَةِ عَلَى الصَّدَقَةِ كَمَا قَصَرَهُ هُوَ عَلَيْهَا وَبَيَانُ سَبَب ذَلِكَ ثَانِيهِمَا مُنَازَعَتُهُ فِي أَصْلِ التَّخْرِيجِ الَّذِي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ الْأَوَّلِ وَاَلَّذِي فِي الْقُرَّةِ الثَّانِي وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُبْطِلُ زَعْمَ هَذَا الْمُفْتِي أَنَّ اعْتِمَادَ الْأَوَّلِ يَسْتَلْزِمُ كَشْطَ الثَّانِي وَاعْتِمَادَ الثَّانِي يَسْتَلْزِمُ الرُّجُوعَ عَنْ الْأَوَّلِ وَلَقَدْ وَقَعَ لِابْنِ الرِّفْعَةِ نَفْسِهِ أَنَّهُ فِي الْغَصْبِ مِنْ الْكِفَايَةِ خَرَّجَ تَخْرِيجًا ثُمَّ رَدَّهُ فِي الْمَطْلَبِ وَأَبْقَى كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فَبِفَرْضِ مَا افْتَرَاهُ لَا يَلْزَمُ كَشْطٌ وَلَا رُجُوعٌ الْمَوْضِعُ الرَّابِعَ عَشَرَ ثُمَّ قَالَ رَدُّهُ لِدَعْوَايَ فِي الْقُرَّةِ تَرَادُفُ مَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ وَالْمُفْلِسَ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ فَعُمُومُ الْمُفْلِسُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَدْ يَرْجُو الْوَفَاءَ وَقَدْ لَا يَرْجُوهُ وَخُصُوصُهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُ مَالِهِ أَقَلَّ مِنْ دَيْنِهِ وَعُمُومُ مَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ مِنْ حَيْثُ كَوْنِ مَالِهِ مُسَاوِيًا لِدَيْنِهِ أَوْ أَقَلَّ وَخُصُوصُهُ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ رَجَائِهِ. اهـ.
وَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنِّي لَمْ أَدَّعِ التَّرَادُفَ بَيْنَ مَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ وَمُطْلَقِ الْمُفْلِسِ خِلَافًا لِمَا وَهِمَ فِيهِ هَذَا الْمُفْتِي بَلْ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْمُفْلِسِ الَّذِي لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ الثَّانِي أَنَّ مَا قَالَهُ مِنْ الْعُمُومِ مِنْ وَجْهِ أَخْذِهِ مِنْ قَوْلِي فِي الْقُرَّةِ فَإِنْ قُلْتَ لَا أُسَلِّمُ تَرَادُفَهُمَا لِأَنَّ مَنْ لَا يَرْجُو وَفَاءً إلَخْ ثُمَّ رَدَدْته بِمَا إذَا وَقَفْت عَلَيْهِ وَتَأَمَّلْته بَانَ لَك بُطْلَانُ مَا تَلَقَّفَهُ شِرَاء الْمُفْتِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَصِرَ لَهُ بِمُجَرَّدِ هَوَاهُ وَحَدْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ بِكَلِمَةٍ مِنْ كَلِمَاتِ الْأَصْحَابِ وَلَا بِقَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ وَإِنَّمَا رَأَى شَيْئًا أَشَارَ إلَيْهِ غَيْرُهُ فَتَلَقَّفَهُ وَنَسَبَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخِيط حَوْرَةً عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ سَلَكَ ذَلِكَ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُرَادَ بِمَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ بِتَبَرُّعِهِ وَإِنَّمَا فَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ فَالْمُفْلِسُ قَدْ يَرْجُو الْوَفَاءَ فَيَجُوزُ تَبَرُّعُهُ فَقَوْلُهُمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُضَيِّعَ مَالَهُ بِالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا يَجِبُ تَقْيِيدُ التَّبَرُّعِ بِالْجَائِزِ وَوُجُوب هَذَا التَّقْيِيدِ مِنْ خُرَافَاته السَّابِق رَدُّهَا عَلَيْهِ فِي الْقُرَّةِ وَفِي هَذَا الْكِتَابِ الْمَرَّةَ بَعْد الْمَرَّةِ الْمَوْضِعُ الْخَامِسَ عَشَرَ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِ التَّرَادُفِ بِتَقْيِيدِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي الْقُرَّةِ بِمَا يَقْضِي لِمَقَالَتِهِ بِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُدْرِكْ تَحْقِيقَهُ كَيْفَ وَهُوَ يَتَلَقَّفُ أَنَّ كَلَامَهُمْ فِيمَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمُرَادَ بِهِ حَتَّى فَتَحْت لَهُ سَبِيلَهُ بِالِاسْتِنْبَاطِ الْوَاضِح مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فَاسْتَفَادَهُ ثُمَّ أَظْهَرَ مُكَابَرَةً فِي بَعْضِهِ بِمَا يَقْضِي مِنْهُ الْمُتَأَمِّلُ الْعَجَبَ الْعُجَابَ لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ عَلَى مَنْ عَمِيَتْ عَلَيْهِ طُرُقُ الْهُدَى فَسَلَكَ سُنَنَ الضَّلَالِ وَالِاعْتِدَاءِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنِّي لَمَّا اسْتَنْبَطْتُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ جِهَةٌ ظَاهِرَةٌ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْهَا حَالًّا فِي الْحَالِّ وَعِنْدَ حُلُولِ الْأَجْلِ فِي الْمُؤَجَّلِ
قَالَ اعْتِرَاضًا عَلَى مِثْلِ هَذَا وَحَيْثُ اشْتَرَطَ الْحُلُولَ فِي الْحَالِّ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ عَلَى مَلِيٍّ بَاذِلٍ حَاضِرٍ
стр. 601
اهـ. فَتَأَمَّلْ هَذَا الْفَهْمَ الْعَجِيب وَالذُّهُولَ الْغَرِيبَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِغَرِيبٍ بِمِثْلِ مَنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ حَتَّى أَضَلَّهُ وَأَعْمَاهُ إذْ مَعْنَى قَوْلِي كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى صِغَارِ الطَّلَبَةِ حَالًّا فِي الْحَالِّ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ وَلَيْسَ مَعَهُ وَفَاؤُهُ حَالًّا بِيَدِهِ وَإِنَّمَا لَهُ جِهَةٌ ظَاهِرَةٌ يَقْدِرُ عَلَى وَفَاءِ الْحَالِّ الَّذِي عَلَيْهِ حَالًّا لَوْ وَجَّهَ إلَيْهَا وَكَذَا عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فِي الْمُؤَجَّلِ كَانَ مُوسِرًا رَاجِيًا لِلْوَفَاءِ وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى فَكَيْفَ يُقَالُ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ عَلَى مَلِيٍّ بَاذِلٍ حَاضِرِ فَفَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ لَهُ دَيْنًا حَالًا عَلَى آخَرَ وَأَشْبَهُ مِنْ هَذَا الْفَهْمِ الْفَاسِدِ قَوْلُهُ لَزِمَ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ إلَخْ فَوَقَعَ فِي الدَّاهِيَةِ الدَّهْيَاءِ وَخَبَطَ خَبْطَ عَشْوَاءَ وَقَوْلُهُ فَاشْتِرَاطُ تَصَوُّرِ الْحُلُولِ يَعُودُ عَلَى التَّرَادُفِ بِإِبْطَالِهِ فَزَادَ وَأَخْطَأَ وَضَلَّ وَمُوجِبِ هَذَا الزَّلَلِ الْوَاضِحِ الْمُبَادَرَةُ إلَى الِاعْتِرَاضِ قَبْلَ التَّأَمُّلِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْفَهْمَ الرَّدِيءَ بَعْدَ تَأَمُّلِهِ بِحَسَبِ جَهْدِهِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَهْمَ لَهُ وَلَا تَأَمُّلَ الْمَوْضِعُ السَّادِسَ عَشَرَ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا سَلَّمْتَ أَنَّ التَّحْرِيمَ فِي هِبَةِ الْمَاءِ ذَاتِيٌّ سَلَّمْتُ أَنَّ التَّحْرِيمَ فِي جِهَةِ الْمَدِينِ ذَاتِيٌّ وَهَذَا مِنْ الْمُغَالَطَةِ أَوْ الْمُصَادَرَةِ الدَّالَّةِ عَلَى فَسَادِ التَّصَوُّرِ وَكَيْفَ تَقُولُ ذَلِكَ لِمَنْ بَسَطَ فِي كَلَامِهِ فِي كِتَابِهِ هَذَا وَالْقُرَّةُ الْكَلَامُ مَعَك وَبَيْنَ الْقُرَّةِ الْمُوَضِّحِ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ لَمْ تَحُمْ حَوْلَ فَهْمِهَا فَضْلًا عَنْ إدْرَاكِ غَوْرِهَا
وَإِلَّا لَمْ تَذْكُرْ هَذِهِ الْمُلَازَمَةَ الْبَاطِلَةَ الْمَوْضِعُ السَّابِعَ عَشَرَ ثُمَّ سَاقَ قَوْلِي فِي الْقُرَّةِ عَنْ جَمْعٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْحِيَلِ أَنَّهَا إذَا أَسْقَطَتْ حَقَّ الْغَيْرِ بَعْدَ وُجُوبِهِ حُرِّمَتْ هَذَا مِنْهُمْ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا مَعَ حُرْمَتِهَا وَإِبْطَالِهَا حَقَّ الْغَيْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِتِلْكَ الْعَيْنِ الْمُتَصَرِّفِ فِيهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الشُّفْعَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا يَصِحُّ الْعَقْدُ الْمُشْتَمِلَةُ تِلْكَ الْحِيلَةُ عَلَيْهِ وَإِنْ فَوَّتَ ذَلِكَ الْحَقَّ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا مِنْ كَلَامِهِمْ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ حُرْمَةَ تَفْوِيت ذَلِكَ الْحَقِّ لَا تُنَافِي صِحَّةَ الْعَقْدِ الْمُفَوِّتِ لَهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ فَأَوْلَى تَبَرُّعُ الْمَدِينِ إلَخْ هَذِهِ عِبَارَتِي اعْتَرَضَهَا بِاعْتِرَاضَاتٍ فَقَالَ وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ فِي الشُّفْعَةَ إذَا بَاعَ الشِّقْصَ بَعْدَ الشِّرَاءِ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ وَقَفَهُ قَاصِدًا الْحِيلَةَ أَنَّهُ يَحْرُمُ وَيَصِحُّ فَأَبْقَوْا الصِّحَّةَ وَالتَّحْرِيمَ مَعَ وُجُودِ النُّفُوذِ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ وَهُوَ مُغَالَطَةٌ وَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ تَفْوِيتٌ فَأَدْخَلَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ كَعَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ لَهُ الِاسْتِشْهَادُ إلَّا إذَا أَدْخَلَ فِي الْكَلَامِ تَلْبِيسًا ثُمَّ قَالَ وَلَوْلَا جَوَازُ النَّقْضِ لَمَا صَحَّ الْعَقْدُ. اهـ.
كَلَامُهُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى مَا يُسَوِّدُ الْوَجْهَ مِنْ الِافْتِرَاءِ عَلَيَّ بِأَنْ نَسَبَ إلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْهُ وَفَهِمَ كَلَامِي عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ مِمَّا لَا يَقَعُ فِيهِ صِغَارُ الطَّلَبَةِ وَبَيَان ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى عِبَارَتِي أَنَّ كَثِيرِينَ قَائِلُونَ بِتَحْرِيمِ الْحِيلَةِ الْمُسْقِطَةِ لِلشُّفْعَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا كَالْإِبْرَاءِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ هِبَةِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبَيْع فِي مَجْلِسِ الْخِيَارِ أَوْ زَمَنِهِ وَسَبَبُ الْحُرْمَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ الْإِضْرَارُ بِالشَّفِيعِ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْعَيْنِ بِسَبَبِ الْبَيْعِ وَمَعَ هَذَا التَّحْرِيمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْعَيْنِ عِنْد هَؤُلَاءِ يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ وَالْهِبَةُ فَعَلِمْنَا مِنْ الصِّحَّةِ فِي هَذَا مَعَ التَّحْرِيمِ عِنْدَ أُولَئِكَ أَنَّ التَّحْرِيمَ لِلْأَمْرِ الْخَارِجِيِّ كَالْإِضْرَارِ هُنَا وَفِي تَبَرُّعِ الْمَدِينِ لَا يُنَافِي الصِّحَّةَ بَلْ يُجَامِعُهَا وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ مَعْنَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْمُتَبَادِرِ مِنْهَا حَتَّى لِلصِّغَارِ فَكَيْفَ سَاغَ لَهُ تَبْدِيلُهَا وَتَحْرِيفُهَا إلَى مَا ذَكَرَهُ لَكِنْ مَنْ لَا فَهْمَ لَهُ وَلَا تَصَوُّرَ لَيْسَ بِبَعِيدٍ عَلَيْهِ أَنْ تَصْدُرَ مِنْهُ هَذِهِ الْقَبَائِحُ مِنْهَا قَوْلُهُ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ فِي الشُّفْعَةِ إذَا بَاعَ الشِّقْصَ بَعْدَ الشِّرَاءِ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ وَقَفَهُ إلَخْ وَهَذَا كَذِبٌ صُرَاحٌ عَلَى سَبِيلِ سُوءِ فَهْمِهِ وَتَحْرِيفِهِ حَتَّى يُرَتِّبَ عَلَيْهِ جَوَابَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا صَحَّ مَعَ الْحُرْمَةِ لِأَنَّ لِلشَّفِيعِ نَقْضُهُ.
وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ وَكَيْفَ يُعْقَلُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْإِضْرَارُ بِالشَّفِيعِ مَعَ أَنَّ لِلشَّفِيعِ النَّقْضَ فَهَمُّهُ أَنَّ كَلَامَ الْأَصْحَابِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُنْبِي عَنْ أَنَّهُ مَا فَهِمَ عِبَارَتِي وَلَا مُرَادَ الْأَصْحَابِ وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ مَا ذَكَرْتُهُ أَنَّ الشَّرِيكَ بَعْدَ بَيْعِهِ الْمُوجِبِ لِلشُّفْعَةِ يُرِيدُ إسْقَاطَهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالَ أُولَئِكَ بِحُرْمَتِهِ وَعَلَّلُوا بِإِضْرَارِ الشَّفِيعِ بِبَقَاءِ الشَّرِكَةِ وَحُرْمَةُ هَذَا مَعَ صِحَّتِهِ لَا جَوَابَ عَنْهُ وَأَمَّا مَا قَالَهُ ذَلِكَ الْغَبِيُّ وَأَجَابَ عَنْهُ فَهُوَ مِنْ فَضَائِحِهِ الَّتِي أَظْهَرَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا فَهْمَ لَهُ بَلْ وَلَا دَيْنَ وَإِلَّا لَسَاقَ لَفْظ عِبَارَتِي وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ حَاصِلُ كَذَا ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِمَا تَبَيَّنَ بِهِ
стр. 602
عَدَمُ فَهْمهِ لَهَا وَلِكَلَامِهِمْ وَتَحْرِيفه لِلْمُرَادِ وَإِيهَامِهِ أَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَى الْجَوَابِ فَهُوَ مِمَّا قَضَى عَلَيْهِ بِالضَّلَالِ وَجَرَّ إلَيْهِ الْوَبَالَ وَالنَّكَالَ الْمَوْضِعُ الثَّامِنَ عَشَرَ قَوْلُهُ وَهُوَ مُغَالَطَةٌ هُوَ مِنْ تَهَوُّرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ الْعِبَارَةَ بَلْ حَرَّفَهَا وَبَدَّلَهَا عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ عَلَى مَا فَهِمَهُ الْمَذْكُور بِأَنَّهُ مُغَالَطَةٌ يُنَبِّئُك أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ حَدَّ الْمُغَالَطَةِ وَإِلَّا لَمَا ذَكَرَ هَذَا وَأَنَّى لَهُ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَهُوَ عَامِّيٌّ فِي غَيْرِ مَبَادِئِ الْفِقْهِ الْمَوْضِعُ التَّاسِعَ عَشَرَ قَوْلُهُ وَانْظُرْ إلَى قَوْله وَهُوَ تَفْوِيتٌ فَأَدْخُلَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ إلَخْ وَهَذَا مِنْ الْكَذِبِ الْقَبِيحِ أَيْضًا وَلَمْ يَقَعْ هَذَا اللَّفْظُ فِي عِبَارَتِي كَمَا عَلِمْتَهُ مِنْهَا وَبِهَذَا تَزْدَادُ بَصِيرَتُك فِيهِ حَيْثُ نَسَبَ إلَيَّ أَنِّي ذَكَرْت هَذَا اللَّفْظَ مِنْ عِنْدِي ثُمَّ أَدْرَجْتُهُ فِي كَلَامِهِمْ لِيَتِمَّ لِي الِاسْتِشْهَادُ وَأَنَا أَبْرَأُ إلَى اللَّه مِنْ بُهْت هَذَا الْجَاهِلِ وَافْتِرَائِهِ نَعَمْ الَّذِي ذَكَرَتْهُ وَإِنْ فَوَّتَ ذَلِكَ الْحَقَّ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِمْ وَذَكَرْت وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ حُرْمَةَ تَفْوِيت ذَلِكَ الْحَقِّ إلَخْ.
وَهَذَا لَيْسَ مُدْرَجًا فِي كَلَامِهِمْ وَحِينَئِذٍ فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي هَذِهِ الْفَضِيحَةِ الَّتِي كَشَفَتْ أَحْوَالَهُ بَعْد سِتْرِهَا وَنَادَتْ عَلَيْهِ بِالْغَيِّ وَالْعَجْزِ مَعَ الِافْتِرَاءِ وَالْبُهُت فِي بَحْرِهَا وَبَرِّهَا وَمَنْ وَصَلَ حَالُهُ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مُرَادَ الْفُقَهَاءِ بِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ الْمُخْتَلَفِ فِي حُرْمَتِهِ كَيْفَ يُؤَهَّلُ لِخِطَابٍ أَوْ نَقْدٍ عَلَى الْفُضَلَاءِ حَتَّى تُرَاعَى آكَدِيَّةُ حُرْمَتِهِ الْمَوْضِعُ الْعِشْرُونَ قَوْلُهُ وَلَوْلَا جَوَازُ النَّقْضِ لَمَا صَحَّ الْعَقْدُ وَهَذِهِ مُلَازَمَةٌ بَاطِلَةٌ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ صِحَّةِ التَّفْوِيتِ مِنْ الْبَائِعِ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى نَقْضِهِ فَاتَّضَحَ مَا ذَكَرْته مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ فَاعْتَمِدْهُ.
وَأَعْرِضْ عَنْ هَذَا الْغَبِيِّ الْمَحْرُومِ الْمَوْضِعُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ أَنَّهُ اعْتَرَضَ قَوْلِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ فِي الْحَاصِل أَنَّ الَّذِي تَلَخَّصَ لَنَا مِمَّا قَرَّرْنَاهُ وَحَرَّرْنَاهُ أَنَّهُ حَيْثُ حَرُمَ تَبَرُّعُ الْمَدِينِ فَإِنَّا نَحْكُمُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ وَنُلَازِمُ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالْبُطْلَانِ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ الْفَارِقِ. اهـ. يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا إنَّمَا يَصْدُرُ عَنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّهُ يُؤَسِّسُ لَهُ قَوَاعِدَ غَيْرِ إلَخْ فَقَالَ كُتُبُ الْأَصْحَابِ طَافِحَةٌ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَهَذَا مِنْهُ بَاطِلٌ قَبِيحٌ لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ مِثْلُ هَذَا الِاخْتِرَاعِ إلَّا لِمُجْتَهِدٍ مِنْهُمْ وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَيَتْبَعُ قَوَاعِدَ إمَامِهِ وَيُخَرِّجُ عَلَيْهَا وَهَذَا الْغَبِيُّ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ الْمَمْلُوءَةُ بِالْجَهْلِ وَالْحُمْقِ أَنَّهُ يُدَانِي الْأَصْحَابَ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ بَلْ لَا يُدَانِي صِغَارَ الطَّلَبَةِ لِأَدْنَى أَحَدٍ مِنْ آخِرِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَوْلُهُ نَحْكُمُ وَنُلَازِمُ مِنْ هَذَيَانَاتِهِ الَّتِي كَانَ غَنِيًّا عَنْ إبْدَائِهَا ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الْفَارِقَ بِمَا فِي الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مِنْ مَسَائِلَ شَتَّى لَا تَلَازُمَ فِيهَا لِفَارِقٍ هُوَ أَنَّ التَّحْرِيمَ فِيهَا غَيْرُ ذَاتِيٍّ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَدِينِ فَإِنَّ التَّحْرِيمَ فِيهَا ذَاتِيٌّ كَمَا يُعْطِيهِ تَفْسِيرُ الْأَصْحَابِ السَّابِقُ وَتَخْرِيجُ ابْنِ الرِّفْعَةِ. اهـ.
نَاقِضٌ لِمَا قَدَّمْته فِي هَذَا الْكِتَابِ وَالْكِتَابُ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ التَّحْرِيمَ حَيْثُ دَخَلَ وُجِدَ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَإِنَّمَا اضْطَرَّهُ إلَى الِاعْتِرَاضِ بِهَذَا أَنِّي لَمَّا ضَايَقَتْهُ فِي الْقُرَّةِ حَتَّى لَمْ يَرَ لَهُ مَنَاصًا فَرَّ إلَى هَذَا التَّنَاقُضِ لِمَا قَدَّمْته مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ ثُمَّ لَمَّا آلَ إلَى مَا هُوَ بَدِيهِيُّ الْبُطْلَانِ وَهُوَ أَنَّ التَّحْرِيمَ فِي الدَّيْنِ ذَاتِيٌّ وَكَأَنَّهُ بِحَسَبِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي كِتَابِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يُعْرَفْ الْفَرْقُ بَيْنَ الذَّاتِيِّ وَغَيْرِهِ إلَّا مِنْ كِتَابِي الْقُرَّةِ الَّذِي لَوْ تَأَمَّلَ أَوْ فَهِمَ مَا فِيهِ لَمْ يَزْعُمْ أَنَّ الْمَنْعَ فِي الدَّيْنِ ذَاتِيٌّ وَإِلَّا لَمَا قَالَ أَحَدٌ بِجَوَازِ تَصَرُّفِهِ وَقَدْ سَبَقَ لَك أَنَّ النَّقْلَ الصَّرِيحَ أَنَّ كَثِيرِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى حِلِّ تَصَرُّفِهِ ثُمَّ اعْتَرَضَ فَرْقِي بَيْنَ هِبَةِ الْمَاءِ وَهِبَةِ الْمَالِ وَاعْتِرَاضِي لِتَخْرِيجِ ابْنِ الرِّفْعَةِ بِمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ الْأَوَّلِ وَبَسَطْتُ رَدَّهُ فِي الْقُرَّة بِمَا لَا مَزِيدُ عَلَيْهِ وَمِنْ شَقْشَقَتِهِ أَنَّهُ أَتَى بَعْدَهُ جَمَاعَاتٌ قَرَّرُوهُ عَلَى تَخْرِيجِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَائِغٍ لَهُ شَأْنًا لِمَا بَسَطْته هُنَا وَفِي الْقُرَّةِ ثُمَّ اعْتَرَضَ الِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهِ بِنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ ﵁ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَمْثَالِنَا الِاسْتِشْهَادُ بِالنُّصُوصِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَهْلِ التَّخْرِيجِ ثُمَّ ذَكَر عَنْ بَعْضِ مُؤَلِّفَاتِي أَنَّ فِيهَا النَّهْيَ عَنْ رَدِّ مَا دُوِّنَ فِي الْكُتُبِ بِالنُّصُوصِ وَهَذَا مِمَّا الْتَبَسَ عَلَيْهِ فَهْمُهُ وَطَغَى فِيهِ قَلَمُهُ وَوَضَعَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَرَدَّهُ إلَى غَيْرِ مَرْجِعِهِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّا لَمْ نَسْتَشْهِدْ بِهَا
وَمَرَدُّنَا مَا وَجَدْنَاهُ فِي غَيْرهَا صَرِيحًا قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ وَإِنَّمَا كُلٌّ مِنَّا يَدَّعِي أَنَّ مَا قَالَهُ هُوَ مَنْقُولُ الْمَذْهَبِ فَمَنْ أَبْدَى فِي دَعْوَاهُ النَّقْلَ لِنَصٍّ أَوْ نُصُوصٍ لَا نَعِيبُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ
стр. 603
بَلْ لَهُ بِذَلِكَ غَايَةُ الْفَخْرِ وَالتَّمَيُّزِ وَأَمَّا مَا دُوِّنَ وَاسْتَقَرَّ بَيْنَ مَنْ عَلَيْهِمْ الْعُمْدَةُ فِي تَحْرِيرَ الْمَذْهَبِ وَتَرْجِيحه فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِمْ بِنُصُوصِ مُخَالِفِهِمْ أَلَا تَرَى مَا وَقَعَ لِلشِّيحَيْنِ فِي مَسَائِلَ يُعْتَرَضُ فِيهَا عَلَيْهِمَا بِالنُّصُوصِ فَأُجِيبَ عَنْهُمَا وَأُبِينَ مُسْتَنَدُهُمَا مِنْ نُصُوصٍ أُخْرَى أَوْ غَيْرِهَا وَالِاعْتِرَاضُ بِذَلِكَ مُغَالَطَةٌ لَيْسَتْ فِي مَحَلِّهَا ثُمَّ قَوْلُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَهْلِ التَّخْرِيجِ إنْ أَرَادَ بِهِمْ أَصْحَابَ الْوُجُوهِ كَمَا هُوَ مُؤَدَّى هَذَا اللَّفْظِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ مُفْتَرَيَاتِهِ الَّتِي يَشْهَدُ بِهَا مَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ بَعْدَ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ مِنْ اسْتِشْهَادِهِمْ بِالنُّصُوصِ مُطْلَقًا لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ إلْمَامٌ بِشَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ أَوْ غَيْر أَصْحَابِ الْوُجُوهِ فَهُوَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِاصْطِلَاحِهِمْ يَشْمَلُ أَمْثَالَهُ فَيُنَاقِضُ مَا اخْتَرَعَهُ بِقَوْلِهِ لَيْسَ لِأَمْثَالِنَا إلَخْ غَافِلًا عَمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ اعْتَرَضَ فَرْقِي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ عَلَى تَرْجِيحِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَقَصْرِهِ كَلَامَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِأَنِّي فَرَّقْت بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ فِي الصَّدَقَةِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَهَذَا كَذِبٌ عَلَيَّ فَإِنِّي لَمْ أُفَرِّقْ بِذَلِكَ أَصْلًا وَإِنَّمَا حَاصِلُ الَّذِي فَرَّقْت بِهِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ فِي الصَّدَقَةِ إلَّا الْفِعْلَ وَهُوَ حَرَامٌ لِذَاتِهِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ فَإِنَّ الْمُمَلَّكَ فِيهَا الْقَوْل وَهُوَ بِمُجَرَّدِهِ لَا تَفْوِيتَ فِيهِ هَذَا آخِرُ مَا أَرَدْتُهُ وَبَيَّنْتُهُ وَحَرَّرْتُهُ مِنْ سَقَطَاتِهِ مِمَّا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يُنْشِدَ فِيهِ وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الْأَذْهَانِ شَيْءٌ إذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إلَى دَلِيلٍ فَلْيُنْتَبَهْ لِذَلِكَ الْمَحْظُورِ وَلَا يَغْفُلْ عَنْهُ الرَّاسِخُونَ فَإِنَّ تَحْرِيفَاتِ هَذَا الرَّجُلِ وَإِظْهَارَهُ لِلْمُفْتَرَيَاتِ فِي صُوَرٍ مُوهِمَةٍ بِالْأَبَاطِيلِ وَالتُّرَّهَاتِ حَتَّى رُبَّمَا تَوَهَّمَ ضُعَفَاءُ الْإِدْرَاكِ أَنَّهَا يَقِينِيَّاتٌ فِي صُورَة قُوَى يَحْتَاجُ لِمَزِيدِ تَيَقُّظٍ وَبَصِيرَةٍ أَحْسَنَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْهُ السَّرِيرَةَ
وَحَقَّقَ لَنَا الْهِدَايَة وَالْإِخْلَاصَ وَنَجَّانَا مِنْ بَوَائِقِنَا حِينَ لَا مَنَاصَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ كُلَّمَا ذَكَرَك وَذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَكُلَّمَا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ قَالَ مُؤَلِّفُهُ أَنْهَيْته نِصْفَ لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعَ مُحَرَّمِ الْحَرَامِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَةٍ وَإِلَى اللَّه تَعَالَى أَرْفَعُ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ فِي أَنْ يَخْرِقَ الْعَادَةَ بِطُولِ حَيَاتِهِ وَلِسَانِ قَلَمِهِ فِي الذَّبِّ عَنْ الشَّرِيعَة عَلَى وَفْقِ مَرْضَاتِهِ آمِينَ تَمَّ الْكِتَابُ الْمُبَارَكُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل.
[بَابُ الْحَجْرِ]
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ كَانَ الْيَتِيمُ بِبَلَدٍ وَمَالُهُ بِأُخْرَى وَمَا حَاصِل كَلَامِ بُرْهَانِ الدَّيْنِ بْنِ ظَهِيرَةَ فِي فَتَاوِيهِ؟
(فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِقَاضِي بَلَدِ مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ كَانَ بِبَلَدٍ وَمَالُهُ بِآخَرَ فَالْوَلِيُّ قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِ تَرْتَبِطُ بِمَالِهِ كَمَالِ الْغَائِبِينَ لَكِنَّ مَحَلَّهُ فِي تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِالْحِفْظِ وَبِالتَّعَهُّدِ وَبِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ مِنْ الْغِبْطَةِ اللَّائِقَةِ إذَا أَشْرَفَ عَلَى التَّلَفِ إمَّا مُطْلَقٌ نَحْوُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا فَلِقَاضِي بَلَدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَمِنْ ثَمَّ
كَانَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ اسْتِحْضَارَهُ إلَيْهِ عِنْدَ أَمْنِ الطَّرِيق وَظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ
لِيَتَّخِذَ لَهُ عَقَارًا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً وَيَجِبُ عَلَى قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ إسْعَافُهُ بِذَلِكَ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ طَلَبُهُ إيَّاهُ وَأَهْلِيَّتُهُ لِتَسَلُّمِهِ فَيُسَلِّمُهُ لِثِقَةٍ لِيُوَصِّلَهُ لَهُ وَلَيْسَ عِنْدِي فَتَاوَى الْبُرْهَانِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا وَمَسْأَلَةُ مِنْ مَاتَ بِلَا وَارِثٍ مَذْكُورَةٌ فِي الْفَرَائِضِ مِنْ شَرْح الْإِرْشَادِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا بِيعَ مَالُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فَكَمُلَ فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَيْعٌ بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ بِلَا حَاجَةٍ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْ الِاضْطِرَابِ فِيهَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ إنْ ادَّعَى بَعْدَ كَمَالِهِ الْبَيْعَ بِلَا حَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ عَلَى الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ صُدِّقَا بِيَمِينِهِمَا أَنَّهُ وَقَعَ لِلْحَاجَةِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ فَذَاكَ وَإِلَّا صُدِّقَ الْمُدَّعِي بِيَمِينِهِ أَنَّ بَيْعَهُمَا وَقَعَ بِدُونِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ هَذَا مَا عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا سَوَاءٌ فِيهِ عَلَى الْأَوْجَهِ مَالُ التِّجَارَةِ وَغَيْرُهُ وَمَا يَجِبُ فِيهِ الْإِشْهَادُ كَالْبَيْعِ نَسِيئَةً وَغَيْرِهِ وَإِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ جَمِيعِهِ الزَّرْكَشِيُّ وَأَطَالَ فِيهِ بِمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي خَادِمه فَلْيَنْظُرْ مِنْهُ وَدَعْوَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْوَلِيّ كَهِيَ عَلَى
стр. 604
الْوَلِيِّ فِيمَا ذُكِرَ وَأَمَّا إذَا ادَّعَى عَلَى وَلِيِّهِ أَنَّهُ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْخَادِمِ أَيْضًا لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا وَيَظْهَرُ تَصْدِيقُهُمْ أَيْ الْأَوْلِيَاءِ وَلَوْ نَحْوَ وَصِيٍّ لِأَنَّهُمْ أُمَنَاءُ وَفَارَقَ مَا قَبْلَهُ بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ مَتْبُوعَةٌ لِلْبَيْعِ فَكُلِّفَ الْبَيِّنَةَ بِهَا كَمَا يُكَلَّفُ الْوَكِيلُ بِبَيِّنَةٍ بِوَكَالَتِهِ وَأَمَّا ثَمَنُ الْمِثْلِ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْبَيْعِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْبَائِعَ جَائِز الْبَيْعِ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي صِفَتِهِ وَدَعْوَى صِحَّتِهِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعَى فَسَادِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْبَيْع بِثَمَنِ الْمِثْلِ اخْتِلَافٌ فِي صِفَةِ الْبَيْعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَيُصَدَّقُ الْعَاقِدُ وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ هُوَ اخْتِلَافٌ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الْقَوْلَانِ. اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ دَعْوَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ الْبَيْعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ كَدَعْوَاهُ الْبَيْعَ بِدُونِ الْحَاجَةِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْأَبِ وَغَيْرِهِ وَيَرُدُّ فَرْقُهُ الْمَذْكُورُ بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ كَمَا أَنَّهَا مَتْبُوعَةٌ لِلْبَيْعِ كَذَلِكَ ثَمَنُ الْمِثْلِ هُوَ مَتْبُوعٌ لِلْبَيْعِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَزَعْمُهُ أَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْبَيْعِ دُونَ الْمَصْلَحَةِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ ثُمَّ رَأَيْت كَلَامَ شَيْخِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ يُوَافِقُ مَا ذَكَرْتُهُ وَيَرُدُّ مَا ذَكَرَهُ وَمُخْتَصَرَهُ وَإِنْ كَانَ بَسَطَهُ فِي حَوَاشِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْمُوَكِّلُ أَنَّ وَكِيلَهُ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَادَّعَى الْوَكِيلُ أَنَّهُ بَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ صُدِّقَ الْوَكِيلُ بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ يَدَّعِي خِيَانَتَهُ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَقَوْلُ الْبَغَوِيِّ يُصَدَّقُ الْمُوَكِّلِ مَبْنِيٌّ عَلَى رَأْيِهِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْفَسَاد فَإِنْ قُلْتَ إذَا اخْتَلَفَ الرَّشِيدُ وَالْوَصِيُّ فِي صُدُورِ الْبَيْعِ بِلَا حَاجَةٍ أَوْ بِلَا غِبْطَةٍ صُدِّقَ الرَّشِيدُ قُلْت الْفَرْقُ أَنَّ الرَّشِيدَ لَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَى الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ هُنَا. اهـ. مُلَخَّصًا وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُصَدَّقَ فِي الْبَيْعِ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ هُوَ الرَّشِيدُ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّط نَحْوَ الْوَصِيِّ عَلَى الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْمُوَكَّلِ فَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِذَلِكَ وَأَقَامَ الْوَلِيّ بَيِّنَةً أَنَّهُ بَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ بَسَطْتُهُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَاد فِي بَابِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ فَانْظُرْهُ وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ هُنَا كَلَامُ الْمُحَقِّقِ أَبِي زُرْعَةَ فَإِنَّهُ ذَكَر الْمَسْأَلَةَ فِي فَتَاوِيهِ.
وَأَطَالَ فِيهَا بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ أَجَّرَ النَّاظِرُ أَرْضًا بِأُجْرَةٍ شَهِدَتْ بِهَا بَيِّنَةٌ أَنَّهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَحُكِمَ بِهَا ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّهَا دُونَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ بِكَثِيرٍ وَالْأُولَى لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِأُجْرَةِ الْأَرَاضِي فَهَلْ يَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ بُطْلَانُ الْإِجَارَةِ وَالْحُكْمُ بِهَا فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِنَقْضِ الْحُكْمِ بَعْدَ وُقُوعِهِ إلَّا بِأَحَدِ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ أَوَّلًا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِمَا شَهِدَتْ وَلَكِنْ كَيْفَ يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ إنْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ فَهَذِهِ شَهَادَةُ نَفْيٍ.
وَإِنْ اعْتَرَفَ بِهَا الشَّاهِدَانِ فَأَيُّ فَائِدَةٍ لِاعْتِرَافِهِمَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِمَا الثَّانِي إنَّهُ يُفِيدُ كَذِبَ الْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ بِعَيْنِ الْأُولَى وَلَكِنْ كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَى ذَلِكَ وَالْبَيِّنَتَانِ عِنْدَ التَّعَارُضِ لَا يَنْتَهِي الْحَالُ فِيهِمَا إلَى ذَلِكَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَصِلَ الثَّانِيَةُ إلَى التَّوَاتُرِ فَإِنَّهُ مَتَى خَالَفَ الْآحَادُ عُلِمَ كَذِبُ الْآحَادِ وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ يَفْرِضَ زِيَادَةَ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأُجْرَة الْأُولَى تِسْعَةَ أَضْعَافِهَا وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَالِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي الْإِجَارَة الْأُولَى لِأَنَّهُ قَدْ يَرْغَبُ فِي اسْتِئْجَارِ فَدَّانٍ مِنْ قَوِيٍّ بِثَلَثِمِائَةٍ وَلَا يَرْغَبُ فِي اسْتِئْجَارِ مِثْلِهِ مِنْ ضَعِيفٍ بِثَلَاثِينَ لِجَرَيَانِ عَادَةِ بِلَادِ مِصْرَ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مِنْ ضَعِيفٍ يَغْرَمُ عَلَى الْفَدَّانِ مَظَالِم فَوْقَ الثَّلَاثِمِائَةِ وَالْمُسْتَأْجِرُ مِنْ قَوِيٍّ لَا يَغْرَمُ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ.
وَقَدْ يُخَالِفُ مَا أَفْتَيْت بِهِ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ وَالتَّمَهُّلِ أَيَّامًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ اُحْتِيجَ لِبَيْعِ مِلْكِ يَتِيمٍ فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ قِيمَتَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ فَبَاعَهُ الْقَيِّمُ بِذَلِكَ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّ قِيمَتَهُ حِينَئِذٍ مِائَتَانِ نُقِضَ الْحُكْمُ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ بِنَاءً عَلَى الْبَيِّنَةِ السَّالِمَةِ عَنْ الْمُعَارِضِ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي هِيَ مِثْلُهَا أَوْ أَرْجَحُ وَقَدْ بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ وَتَبَيَّنَ إسْنَادُ مَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ إلَى حَالَةِ الْحُكْمِ فَهُوَ كَمَا لَوْ حَكَمَ لِلْخَارِجِ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ بِبَيِّنَةٍ وَانْتُزِعَتْ الْعَيْنُ مِنْهُ ثُمَّ أُتِيَ صَاحِبُ الْيَدِ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ لِمِثْلِ هَذِهِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَخَالَفَ مَا لَوْ رَجَعَ الشَّاهِدُ بَعْدَ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ إسْنَادَ مَانِعٍ إلَى حَالَةِ الْحُكْمِ لِأَنَّ قَوْلَ الشَّاهِدِ مُتَعَارِضٌ وَلَيْسَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ قُلْت وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصُّورَةِ الَّتِي اسْتَشْهَدَ بِهَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي أَقَامَهَا الدَّاخِلُ لَوْ كَانَ أَقَامَهَا قَبْلُ امْتَنَعَ الْحُكْمُ لِغَرِيمِهِ
стр. 605
وَوَجَبَ الْحُكْمُ لَهُ بِخِلَافِ هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ الْمُعَارِضَةَ لَوْ أُقِيمَتْ مِنْ الْأَوَّلِ مَنَعَتْ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ وَمِنْ الْجَانِبَيْنِ لِتَعَارُضِهِمَا وَتَسَاقُطِهِمَا فَإِنَّهُ لَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْأُخْرَى بَلْ قَدْ تَرَجَّحَتْ الْمَحْكُومُ بِهَا بِالْحُكْمِ وَالْحُكْمُ لَا يُنْقَضُ بِالِاحْتِمَالِ مَعَ الِاعْتِضَادِ أَيْضًا فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ ثُمَّ قَالَ عَلَى أَنَّ مَا قَالَهُ يُخَالِفُ الْمَنْقُولَ فِي الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ سَرَقَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ وَآخَرَانِ قِيمَتُهُ عِشْرُونَ لَزِمَهُ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ لِأَنَّ الْمُقِلَّ رُبَّمَا عَرَفَ عَيْبًا بِهِ غَفَلَ عَنْهُ الْمُكْثِرُ فَكَانَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ أَوْلَى وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَصْلَ هُوَ السَّلَامَةُ وَالْمُقِلُّ نَاقِلٌ عَنْ الْأَصْلِ وَالْمُكْثِرُ مُبْقٍ عَلَيْهِ وَالنَّاقِلُ أَوْلَى مِنْ الْمُبْقِي وَقَالَ الْإِمَامُ هَذَا الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى الصِّفَاتِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِلَّ وَاحِدٌ بِمَعْرِفَةِ صِفَةٍ لَمْ يُدْرِكْهَا الْآخَرَ وَرَدُّوا النِّزَاعَ إلَى الْقِيمَةِ نَفْسِهَا فَلَا يَجِبُ عِنْدَنَا إلَّا الْأَقَلُّ حَمْلًا عَلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. اهـ.
وَفِي أَصْل الرَّوْضَةِ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى إتْلَافِ ثَوْبٍ قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ وَآخَرُ عَلَى إتْلَافِ ذَلِكَ الثَّوْبِ بِعَيْنِهِ وَقَالَ قِيمَتُهُ ثُمُنُ دِينَارٍ ثَبَتَ الْأَقَلُّ وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الْآخَرِ وَلَوْ شَهِدَ بَدَل الْوَاحِدِ وَالْوَاحِد اثْنَانِ وَاثْنَانِ ثَبَتَ الْأَقَلُّ أَيْضًا وَتَعَارَضَا فِي الزِّيَادَةِ وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ وَزْنَ الذَّهَبِ الَّذِي أَتْلَفَهُ دِينَارٌ وَالْآخَرَانِ أَنَّ وَزْنَهُ نِصْفُ دِينَارٍ ثَبَتَ الدِّينَارُ لِأَنَّ مَعَ شَاهِدِهِ زِيَادَةَ عِلْمٍ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْقِيمَةِ فَإِنَّ مَدْرَكَهَا الِاجْتِهَادُ وَقَدْ يَقِفُ شَاهِدُ الْقَلِيلِ عَلَيْهِ. اهـ.
فَانْظُرْ كَيْفَ جَزَمَ أَوَّلًا بِتَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ إنَّهُ تَقَدَّمُ الزِّيَادَةُ وَتَعْلِيلُهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْقِيمَةِ وَالزِّنَةِ بِأَنَّهُ قَدْ يَقِفُ شَاهِدُ الْقَلِيلِ عَلَى عَيْبٍ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ بَيِّنَةِ النَّقْصِ كَمَا فِي التَّنْبِيه فَظَهَرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ يُخَالِفُ الْمَنْقُولَ وَاَلَّذِي يَتَحَرَّرُ لِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ قَطَعَ بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى كَأَنْ قَوَّمَ الْحِجَازِيَّةَ الَّتِي عَلَى شَاطِئِ النِّيلِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَثَلًا نُقِضَ الْحُكْمُ وَذَلِكَ لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ بَلْ نُقِضَ الْحُكْمُ بِهَا لِلْقَطْعِ بِكَذِبِهَا فَصَارَتْ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى لَا مُعَارِضَ لَهَا وَأَمَّا مَعَ الِاحْتِمَالِ فَلَا نَقْضَ لِلْحُكْمِ وَبِدُونِ الْحُكْمِ مَعَ الِاحْتِمَالِ إمَّا تَرْجِيحُ النَّاقِضَةِ وَإِمَّا أَنْ يَتَعَارَضَا وَيَتَسَاقَطَا. اهـ.
وَتَبِعَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ وَرَدَّ كَلَامَهُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ لَكِنْ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ انْتَصَرْتُ لِكَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ ثُمَّ جَمَعْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِ مَنْ اعْتَرَضَهُ بِمَا يُوَافِقُهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْوَلِيُّ آخِرًا بِقَوْلِهِ وَاَلَّذِي يَتَحَرَّر لِي إلَخْ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ مَعَ مَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ تَعْلَمْ أَنَّ الرَّاجِحَ فِي الْمَسْأَلَةِ التَّفْصِيلُ الدَّالُّ عَلَيْهِ كَلَامِي الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ أَبِي زُرْعَةَ الْمَذْكُورِ.
(وَسُئِلَ) فِي شَخْصٍ أَقَامَهُ الْقَاضِي الْمُتَكَلِّمُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ عَلَى حَجْرِ سَفِيهٍ بَعْد أَنْ ثَبَتَتْ أَهْلِيَّتُهُ لِذَلِكَ لِيَصْرِفَ عَلَيْهِ وَمَعَهُ بِذَلِكَ إقَامَةٌ شَرْعِيَّةٌ مِنْ الْقَاضِي فَاسْتَمَرَّ ثَلَاثَ سِنِينَ يَقُومُ بِهِ فِيمَا يَحْتَاجُهُ مِنْ شَخْصٍ آخَر وَيَثْبُت مَا ادَّعَاهُ مَعَ إقَامَةِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ لِلْحَاجِرِ مَعَ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى الْمَصْرُوفِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) إذَا وَلَّى الْقَاضِي الْمُسْتَقِلُّ أَوْ النَّائِبُ الَّذِي شَمِلَتْ وِلَايَتُهُ النَّظَرَ فِي أَمْرِ نَحْوِ الْأَيْتَامِ قَيِّمًا فَإِنْ كَانَ لِظَنِّ أَنَّهُ لَا قَيِّمَ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ كَانَتْ وِلَايَةُ الثَّانِي بَاطِلَةً وَالْوِلَايَةُ ثَابِتَةٌ لِلْأَوَّلِ مَا دَامَ أَهْلًا وَإِنْ كَانَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ لَهُ قَيِّمًا وَرَأَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً صَحَّ وَصَارَ الثَّانِي قَيِّمًا أَيْضًا وَلَا يَنْعَزِلُ الْأَوَّلُ إلَّا إنْ قَالَ الْقَاضِي لِلثَّانِي جَعَلْتُكَ قَيِّمًا فِيمَا جَعَلَ الْقَاضِي فُلَانًا الْأَوَّلَ قَيِّمًا.
وَإِذَا لَمْ يَنْعَزِلْ الْأَوَّلُ بِأَنْ لَمْ يَقُلْ الْقَاضِي لِلثَّانِي ذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِلَّ أَحَدُهُمَا بِالتَّصَرُّفِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا فِيهِ إلَّا إنْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْقَبُولِ أَوْ صَرَّحَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِالِانْفِرَادِ بِالتَّصَرُّفِ أَوْ ضَعُفَ أَحَدُهُمَا أَوْ فَسَقَ فَيَنْفَرِدُ الْآخَرُ بِالتَّصَرُّفِ حِينَئِذٍ كَكُلِّ مِنْهُمَا فِي الثَّانِيَةِ وَإِنْ جَعَلَ الثَّانِي مُشْرِفًا عَلَى الْأَوَّلِ لَمْ يَتَصَرَّفْ الْأَوَّلُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَيْسَ لِلثَّانِي حِينَئِذٍ الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ أَيْضًا وَالْحَاصِلُ أَنِّي لَمْ أَرَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ نَقْلًا بِخُصُوصِهَا وَإِنَّمَا أَخَذْت مَا ذَكَرْته بَعْدَ قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ مَعَ عِلْمِهِ. . . إلَخْ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْوَصِيَّيْنِ فَلْيَجْرِ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ مَا ذَكَرُوهُ ثُمَّ مِمَّا يُمْكِنُ إتْيَانُهُ فِي الْقَيِّمِينَ وَالْجَامِعُ بَيْنَ الْقَيِّمِينَ وَالْوَصِيِّينَ غَيْرُ خَفِّي وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِ وَهُوَ الْمُوصِي ثُمَّ وَاحِدًا وَالْمَوْلَى وَهُوَ الْقَاضِي الثَّانِي هُنَا غَيْرُ الْقَاضِي لِأَنَّهُمَا
стр. 606
نَائِبَا الشَّرْعِ فَهُمَا بِمَنْزِلَةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ لَهُ ابْنَة زَوَّجَهَا مِنْ رَجُلٍ وَهِيَ بِكْرٌ وَلَمْ يَفُكَّ عَنْهَا حَجْرَهُ الشَّرْعِيَّ فَأَقَامَتْ مَعَ زَوْجِهَا الْمَذْكُورِ مُدَّةً مُسْتَطِيلَةً وَاسْتَوْلَدَهَا أَوْلَادًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ طَرَأَ لِوَالِدِهَا سَفَرٌ مِنْ بَلْدَتِهِ الَّتِي ابْنَتُهُ مُقِيمَةٌ بِهَا إلَى الْحِجَازِ فَجَعَلَ الزَّوْجُ الْمَذْكُورُ يُشَاجِرُهَا حَتَّى أَبْرَأَتْهُ مِنْ صَدَاقِهَا عَلَى يَدِ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ وَتَحَمَّلَتْ بِأَوْلَادِهَا التَّحَمُّلَ الشَّرْعِيَّ فَأَبَانَهَا الزَّوْجُ الْمَذْكُورُ الْبَيْنُونَةَ الشَّرْعِيَّةَ فَهَلْ تَصِحُّ مِنْهَا الْبَرَاءَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي غَيْبُوبَةِ وَالِدِهَا وَهِيَ تَحْتَ حَجْرِهِ أَمْ لَا وَهَلْ يَصِحُّ تَحَمُّلُهَا بِأَوْلَادِهَا أَمْ لَا وَهَلْ إذَا قُلْتُمْ يَصِحُّ تَحَمُّلُهَا فَهَلْ لَهَا تَعْجِيزُ نَفْسِهَا عَنْ التَّحَمُّلِ بِالْأَوْلَادِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) مَتَى لَمْ يَثْبُت رُشْدُهَا فَإِبْرَاؤُهَا بَاطِلٌ وَكَذَلِكَ تَحَمُّلُهَا إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ حَاكِمٌ يَرَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ عِنْدَهُ دَرَاهِمُ لِيَتِيمٍ أَوْ لِغَائِبٍ أَوْ لِمَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ وَالْيَتِيمُ وَنَحْوُهُ غَيْرُ مُحْتَاج لَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَأَرَادَ الْقَيِّمُ وَنَحْوُهُ إقْرَاضَهَا أَوْ التَّصَرُّفَ فِيهَا بِرَدِّ بَدَلِهَا فَهَلْ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ وَهَلْ قَالَ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَعَ أَنَّ الْبَلَدَ لَيْسَ بِهَا حَاكِمٌ وَهَلْ تَجِدُونَ لَهُ طَرِيقًا فِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) إقْرَاضُ الْوَلِيِّ مَالَ مَحْجُورِهِ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْوَصِيِّ الْإِقْرَاضُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِنَهْبٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ إرَادَةِ سَفَرٍ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلِلْقَاضِي الْإِقْرَاضُ مُطْلَقًا لِكَثْرَةِ أَشْغَاله هَذَا مَا عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ لَكِنْ أَطَالَ الْإِسْنَوِيُّ كَالسُّبْكِيِّ فِي رَدِّهِ وَأَنَّ الْقَاضِيَ كَغَيْرِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْرَاضُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْمَحْجُورِ بُسْتَانٌ فَأَجَّرَ وَلِيُّهُ بَيَاضَ أَرْضِهِ بِأُجْرَةٍ تَفِي بِمِقْدَارِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَقِيمَةِ الشَّجَرِ ثُمَّ سَاقَى عَلَى الشَّجَرِ عَلَى سَهْمٍ مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ لِلْمَحْجُورِ وَالْبَاقِي لِلْمُسْتَأْجِرِ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ صَحَّتْ الْمُسَاقَاةُ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ نَفِيسَةٌ وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ رَجُلٍ صَبِيٌّ يَتِيمٌ وَلَيْسَ وَصِيًّا شَرْعِيًّا وَلَا وَلِيًّا وَخَافَ ضَيَاعَ مَالِهِ إلَّا سَلَّمَهُ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ جَازَ لَهُ النَّظَرُ فِي أَمْرِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ وَمُخَالَطَتُهُ فِي الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ أَصْلَحُ لَهُ وَاسْتِخْدَامُهُ بِمَا فِيهِ تَدْرِيبُهُ قَاصِدًا مَصْلَحَتَهُ وَيَجُوزُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ بِمَا لَا يُعَدُّ لِمِثْلِهِ أُجْرَةً وَمَا سِوَى ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ لِلْعَصَبَاتِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ الْإِنْفَاقُ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ فِي تَأْدِيبِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ لِأَنَّهَا قَلِيلَةٌ فَسُومِحَ بِهَا قَالَ الْجُرْجَانِيُّ.
وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَالْحَاكِمِ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ النَّظَرُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بِالْحِفْظِ وَغَيْرِهِ. اهـ.
وَأَمَّا تَصَرُّفُهُ فِيهِ لِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ بِنِيَّةِ أَنْ يَرُدَّ بَدَلَهُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ فَلَا حِيلَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَذْهَبَ هُوَ وَالْيَتِيمُ إلَى بَلَدٍ لَهَا قَاضٍ فَإِذَا ذَهَبَا إلَيْهِ وَكَانَ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ مُجَوِّزَةٌ لِإِقْرَاضِ مَالِ الْيَتِيمِ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يُقَالَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي حِينَئِذٍ إقْرَاضُ مَالِهِ لِلْوَلِيِّ وَأَمَّا فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ نَظَرٍ فَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِ مُوَلِّيهِ لِنَفْسِهِ نَعَمْ إنْ كَانَ أَبًا أَوْ جَدًّا أَوْ وَصِيًّا وَاشْتَغَلَ بِمَالِ مُوَلِّيهِ عَنْ كَسْبٍ يَكْفِيه وَكَانَ فَقِيرًا أَوْ مِسْكِينًا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ الْقَاضِي خِلَافًا لِمَا فِي الْأَنْوَارِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ كِفَايَتِهِ وَأُجْرَةِ مِثْلِ عَمَلِهِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ نَعَمْ إنْ نَقَصَ أَجْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْأُمِّ إذَا كَانَتْ وَصِيَّةً عَنْ نَفَقَتِهِمْ وَكَانُوا فُقَرَاءَ تَمَّمُوهَا مِنْ مَالِ مَحْجُورِهِمْ وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي الْأَخْذُ مُطْلَقًا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ قَاضِيًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ وَصِيًّا وَبِخِلَافِ أَمِينِهِ فَإِنَّ لَهُمَا الْأَخْذَ كَمَا صَرَّحَ بِالثَّانِي الْمَحَامِلِيُّ فَبَحْثُ بَعْضِهِمْ خِلَافَهُ مَرْدُودٌ وَقِيَاسُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ جَوَازِ الْأَخْذِ بِغَيْرِ قَاضٍ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَاعْتَمَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِرَدِّ الْبَدَلِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّ بَدَلِ مَا يَأْخُذُهُ لَكِنْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَصَايَا بِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِالرَّدِّ إلَى الْحَاكِمِ لِأَنَّهُ لَا يُبَرِّئُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ.
وَلَوْ تَبَرَّمَ الْوَلِيُّ بِحِفْظِ مَالِ مُوَلِّيه وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَتَوَلَّاهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَقَلَّ مِنْ مَالِ مُوَلِّيهِ وَأَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ لِلْقَاضِي لِيُنَصِّبَ قَيِّمًا لِذَلِكَ لَا لِيَفْرِضَ لَهُ أُجْرَةً فَلَا يُجِيبُهُ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا وَمَحَلُّهُ حَيْثُ وُجِدَ مُتَبَرِّعًا وَإِلَّا أَجَابَهُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ إطْلَاقُ جَمْعٍ أَنَّهُ يُجِيبُهُ وَيُظْهِرُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْ
стр. 607
يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ جَازَ لِلْأَجِيرِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْوَلِيَّ لِيَعْمَلَ عَنْهُ وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيَكُونُ مِنْ الْحِيَلِ الْمُجَوِّزَةِ لِلْوَلِيِّ الْعَمَلَ فِي مَالِ مُوَلِّيهِ بِالْأُجْرَةِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ مُتَبَرِّعٍ هَذَا كُلُّهُ حُكْمُ وَلِيِّ الْمَحْجُورِ مِنْ يَتِيمٍ وَنَحْوِهِ وَمِثْلُهُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَرَّرَ نَاظِر الْوَقْفِ فِي مَالِ الْوَقْفِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لِمَنْ يَتَوَلَّى وَقْفَهُ شَيْئًا مِنْ الرُّبُعِ جَازَ وَكَانَ ذَلِكَ أُجْرَةَ عَمَلِهِ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ شَيْئًا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا وَعَلَيْهِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ لَوْ رَفَعَ الْأَمْرَ لِلْحَاكِمِ لِيُقَرِّرَ لَهُ أُجْرَةً فَهُوَ كَمَا لَوْ تَبَرَّمَ الْوَلِيُّ بِحِفْظِ مَالِ الطِّفْلِ وَرَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي لِيُثْبِتَ لَهُ أُجْرَةً قَالَ تِلْمِيذُهُ أَبُو زُرْعَةَ مُقْتَضَى تَشْبِيهِهِ أَنْ يَأْخُذَ مَعَ الْحَاجَةِ إمَّا قَدْرَ النَّفَقَةِ عَلَى مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَإِمَّا أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْأُجْرَةِ وَالنَّفَقَةِ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ وَذَلِكَ يَأْتِي هُنَا. اهـ.
فَافْهَمْ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْوَلِيِّ فِيمَا تَقَرَّرَ فِيهِ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ قَرْضًا مِمَّا تَحْتَ يَدِهِ لِمَالِ الْوَقْفِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخَانِ حَيْثُ قَالَا لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْوَقْفِ عَلَى أَنْ يَضْمَنَهُ فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ وَأَمَّا مَنْ تَحْتَ يَدِهِ مَالٌ لِغَائِبٍ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَوَاضِحٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ بِحَقٍّ فَإِنْ كَانَ قَاضِيًا أَوْ نَائِبَهُ جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إذَا اضْطَرَّ إلَيْهِ كَبَيْعِهِ عِنْدَ خَوْفِ تَلَفِهِ وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِحَسَبِ مَا أَذِنَ لَهُ مُوَكِّلُهُ فِيهِ نَعَمْ لَهُ وَلِغَيْرِ الْمُوَكِّلِ أَنْ يَأْخُذَ مَا يَعْلَمَانِ أَوْ يَظُنَّانِ أَنَّهُ يَرْضَى بِهِ هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَ الْغَائِبُ الْمَالِكُ رَشِيدًا وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ مُطْلَقًا وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهِ إلَّا لِلْوَلِيِّ أَوْ مَأْذُونِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ أَخَذَ الرَّقِيقُ أَوْ الصَّبِيُّ شَيْئًا مِنْ الْمُعْرِضِ عَنْهُ أَيَمْلِكُهُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ الصَّبِيَّ يَمْلِكُ مَا أَخَذَهُ مِمَّا أَعْرَضَ عَنْهُ مَالِكه الْمُطْلَقُ التَّصَرُّف وَكَذَلِكَ سَيِّدُ الرَّقِيقِ يَمْلِكُ مَا أَخَذَ قِنُّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ وَصِيٍّ شَرْعِيٍّ عَلَى يَتِيمٍ قَاصِرٍ عَنْ الْبُلُوغِ وَلِلْيَتِيمِ الْمَذْكُورِ دِمْنَةُ أَرْضٍ مُعَدَّةٍ لِلْقَمَائِمِ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْأَبْنِيَةِ وَلَا حَاصِلَ مِنْهَا نَافِعٌ لِلْمَحْجُورِ الْمَالِكِ وَفِي بِنَائِهَا مِنْ مَالِهِ أَوْ تَرَكَهَا مُهْمَلَةً لِلْقَمَائِمِ غَايَةَ الْإِضْرَارِ بِهِ وَالْإِضَاعَةَ عَلَيْهِ فَبَاعَ الْوَصِيُّ الشَّرْعِيُّ عَنْ الْيَتِيمِ الْمَذْكُورِ الدِّمْنَةَ الْمَذْكُورَةَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَظِّ وَالْمَصْلَحَةِ وَبَعْدَ ثُبُوتِ الزِّيَادَةِ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ كَذَلِكَ وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّ الْوَصِيَّ الْمَذْكُورَ بَاعَ ذَلِكَ طَائِعًا مُخْتَارًا مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا إجْبَارٍ وَثَبَتَ ذَلِكَ عَلَى يَدِ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ شَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ فَحَكَمَ بِمُوجَبِ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ وَبِمُوجَبِ مَا ثَبَتَ لَدَيْهِ مِنْ الْمُسَوِّغَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَثُبُوتِ الطَّوْعِ وَالِاخْتِيَارِ وَأَرَادَ الْوَصِيُّ الْمَذْكُورُ أَوْ الْيَتِيمُ الْمَذْكُورُ بَعْدَ بُلُوغِهِ الدَّعْوَى بِأَنَّ صُدُورَ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْوَصِيِّ الْمَذْكُورِ كَانَ بِالْجَبْرِ وَالتَّهْدِيدِ فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بِذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ الطَّوْعِ وَالِاخْتِيَارِ وَالْمُسَوِّغَاتِ الشَّرْعِيَّةِ بِذَلِكَ أَمْ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَهَلْ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا تُقْبَلُ وَإِذَا أَرَادَ الْوَصِيُّ الْمَذْكُورُ أَوْ الْيَتِيمُ الْمَذْكُورُ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الثَّمَنَ الْمَذْكُورَ لِلدِّمْنَةِ الْمَذْكُورَةِ دُونَ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَأَنَّ ثَمَنَ الْمِثْلِ فَوْقَ ذَلِكَ وَلَهُ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِدَعْوَاهُ أَنَّ ثَمَنَ الْمِثْلِ حَالَ الْبَيْعِ الصَّادِرِ مِنْ الْوَصِيِّ الْمَذْكُورِ كَانَ أَزْيَدَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ الْوَصِيُّ الْمَذْكُورُ فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتُهُ بِذَلِكَ.
وَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ شَافِعِيٌّ بِأَنَّ الثَّمَنَ الْأَوَّلَ كَانَ ثَمَنَ الْمِثْلِ أَوْ لَا تُسْمَعُ وَهَلْ تُقَدَّمُ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى الْأُولَى وَلَوْ حَكَمَ بِالْأُولَى حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ شَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَى الْوَصِيِّ لِلْإِكْرَاهِ بِقَرِينَةٍ وَكَذَا لِلنَّقْصِ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ إلَّا ذَكَرَ عُذْرًا وَإِلَّا فَقَدْ فَسَقَ وَانْعَزَلَ وَأَمَّا دَعْوَى الْمَحْجُورِ إذَا بَلَغَ وَثَبَتَ رُشْدُهُ فَتُسْمَعُ بِذَلِكَ مُطْلَقًا ثُمَّ إذَا سُمِعَتْ الدَّعْوَى وَأُقِيمَتْ بَيِّنَةٌ بِالْإِكْرَاهِ وَبَيِّنَةٌ بِالِاخْتِيَارِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْإِكْرَاهِ لِأَنَّهُ نَاقِلَةٌ عَنْ الْأَصْلِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ نَعَمْ إنْ قَالَتْ بَيِّنَةُ الِاخْتِيَارِ كَانَ مُكْرَهًا وَزَالَ الْإِكْرَاهُ حَالَ الْبَيْعِ كَأَنْ قَالَتْ الْأُولَى بَاعَ عِنْدَ الْغُرُوبِ وَهُوَ مُكْرَهٌ وَقَالَتْ الثَّانِيَة بَاعَ عِنْدَهُ وَكَانَ مُكْرَهًا قَبْلَهُ وَزَالَ الْإِكْرَاهُ عِنْدَهُ قُدِّمَتْ الثَّانِيَةُ الَّتِي هِيَ بَيِّنَةُ الِاخْتِيَارِ
стр. 608
لِأَنَّهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ نَاقِلَةٌ عَنْ أَصْلِ الْإِكْرَاهِ الَّتِي أَثْبَتَتْهُ الْأُولَى وَاعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ سَمَاعِ بَيِّنَةِ الْإِكْرَاهِ أَنْ تَذْكُرَ سَبَبَهُ مِنْ نَحْوِ ضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ تَخْوِيفٍ نَاجِزٍ فَلَا يَكْفِي قَوْلُهَا نَشْهَدُ أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا لِاخْتِلَافِ مَا بِهِ الْإِكْرَاهُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ وَإِذَا أُقِيمَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ بَيْعَ الْوَصِيِّ كَانَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَأُقِيمَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّهُ كَانَ بِدُونِهِ بِقَدْرٍ لَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ قُدِّمَتْ الثَّانِيَةُ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ حَيْثُ سُئِلَ عَمَّا إذَا اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِ مَالِ يَتِيمٍ فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالْحَاجَةِ وَبِأَنَّ قِيمَتَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ فَبَاعَهُ الْقَيِّمُ بِذَلِكَ وَحَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّهُ بَيْعٌ بِلَا حَاجَةٍ أَوْ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَقَالَ بِنَقْضِ الْحُكْمِ وَبِحُكْمِ فَسَادِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ سَالِمَةٌ مِنْ الْمُعَارِضِ وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ أُزِيلَتْ يَدُ الدَّاخِلِ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ ثُمَّ أَقَامَ ذُو الْيَدِ بَيِّنَةً فَإِنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ لِذَلِكَ. اهـ.
وَأَمَّا مُخَالَفَةُ السُّبْكِيّ لَهُ حَيْثُ قَالَ الَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالشَّكِّ وَإِنَّمَا قَالُوا بِنِقْضِهِ فِي مَسْأَلَةِ الدَّاخِلِ الَّتِي قَاسَ عَلَيْهَا ابْنُ الصَّلَاحِ لِأَجْلِ الْيَدِ وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَنَّهُ سَرَقَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّ قِيمَتَهُ عِشْرُونَ وَجَبَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ اهـ فَأَجَابَ عَنْهَا بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِمَنْعِ أَنَّ ذَلِكَ نُقِضَ بِالشَّكِّ أَيْ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مُرَجَّحًا وَغَايَتُهُ أَنَّهُ مُفَادُ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى الظَّنُّ وَمُفَادُ الثَّانِيَةِ الظَّنُّ أَيْضًا وَإِنَّمَا قُدِّمَ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَبِأَنَّ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ السُّبْكِيّ عَلَى مَا زَعَمَهُ مَحَلّهُ قَبْلَ الْحُكْمِ فَحِينَئِذٍ لَا يُحْكَمُ إلَّا بِالْأَقَلِّ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالْأُولَى قَدْ وَقَعَ عَلَى ظَنِّ سَلَامَتِهَا مِنْ الْمُعَارِضِ وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ فَبَطَلَ الْحُكْمُ بِهَا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَصْرِيحُ السُّبْكِيّ نَفْسِهِ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فِيهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَالْحُكْمِ امْتَنَعَ كُلٌّ مِنْ الْبَيْعِ وَالْحُكْمِ لِأَنَّ مُعَارَضَةَ الثَّانِيَةِ الْأُولَى أَبْطَلَ النَّظَرَ إلَيْهَا وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا عَمَّا يُتَوَهَّمُ مِنْ مُخَالَفَةِ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ الْمَذْكُورِ فَقَالَ وَلَعَلَّ كَلَامَهُمْ هُنَا فِيمَا لَوْ تَلِفَ وَتَعَذَّرَ تَحْقِيقُ الْأَمْرِ فِيهِ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي سِلْعَةٍ قَائِمَةٍ يَقْطَعُ بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِأَنَّ قِيمَتَهَا مِائَةٌ. اهـ. وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ يُعْرَفُ وَجْهُهُ مِمَّا تَقَرَّرَ فِي وَجْهِ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ السَّابِقِ فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي كَلَامِهِ بَيْنَ التَّالِفَةِ وَالْبَاقِيَةِ نَعَمْ إنْ كَانَتْ الْعَيْنُ الْمَبِيعَةُ قَائِمَةً عَلَى صِفَاتهَا وَقْتَ الْبَيْعِ وَقُطِعَ بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِالزِّيَادَةِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا وَحُكْمُ الْحَاكِمِ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ وَابْنُ الصَّلَاح لَا يُخَالِفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَلِفَتْ أَوْ تَغَيَّرَتْ صِفَاتُهَا وَلَمْ يَقْطَعْ بِكَذِبِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهَا تُؤَثِّرُ وَيُعْمَلُ بِهَا كَمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(سُئِلَ) ﵁ جَرَتْ الْعَادَةُ عِنْدَ حِفْظِ الْوَلَدِ لِسُوَرٍ مُعِينَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِصِرَافَةٍ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الضِّيَافَةِ لِلْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ هَلْ فِي ذَلِكَ وَفِي خُصُوصِهِ فِي سُوَرٍ مُعِينَاتٍ أَثَرٌ وَهَلْ لِوَلِيِّ الطِّفْلِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الطِّفْلِ؟
(فَأَجَابَ) صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ مَا يُجْعَلُ مِنْ الطَّعَامِ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ سُنَّةٌ قِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الْوَلَائِمِ الْمَسْنُونَةِ بِجَامِعِ السُّرُورِ وَإِظْهَارِ الشُّكْرِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ وَكَفَى بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى نَدْبِ مَا ذُكِرَ وَلَا أَحْفَظُ فِي ذَلِكَ بِخُصُوصِهِ شَيْئًا مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ إلَّا مَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا خَتَمَ الْبَقَرَةَ ذَبَحَ بَدَنَةً وَلَيْسَ لَوَلِيّ الطِّفْلِ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْوَلَائِمِ الْمَنْدُوبَةِ مِنْ مَالِ الطِّفْلِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(مَسْأَلَةٌ) أَسْنَدَ وَصِيَّتَهُ عَلَى تَرِكَتِهِ وَوَلَدِهِ لِإِنْسَانٍ وَجَعَلَ آخَرَ نَاظِرًا عَلَيْهِ وَأَقَرَّ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لِوَلَدِهِ بِأَعْيَانٍ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ مَاتَ عَنْهُ وَعَنْ أُمِّهِ فَصَدَّقَتْ عَلَى الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ وَحَكَمَ بِذَلِكَ شَافِعِيٌّ ثُمَّ إنَّ النَّاظِرَ اقْتَضَى رَأْيُهُ أَنَّهُ يَدْفَعُ لَهَا مِنْ الْمَقْرُبَةِ لِلْوَلَدِ مَبْلَغًا صُلْحًا عَمَّا ادَّعَتْهُ فِيمَا أَعْذَرَتْ فِيهِ لِمَنَامٍ رَأَتْهُ أَنَّ وَلَدَهَا يُعَذَّبُ مِنْ جِهَتِهَا فَهَلْ لِلنَّاظِرِ ذَلِكَ أَوَّلًا وَيَغْرَمُ مَا دَفَعَهُ إلَيْهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ جُنْحَةً فِيهِ ثُمَّ اتَّفَقَ النَّاظِرُ وَالْوَصِيُّ عَلَى خَزْنِ مَالِ الْمَحْجُورِ وَعَدَمِ الِاتِّجَارِ فِيهِ مَعَ إخْرَاجِ مُؤَنٍ مِنْهُ كَثِيرَةٍ عَلَى الْوَلَدِ وَإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ نَحْوَ أَلْفٍ وَثَلَثِمِائَةِ دِينَارٍ فَهَلْ لَهُمَا ذَلِكَ أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِمَا
стр. 609
الِاسْتِرْبَاحُ فَيَأْثَمَانِ بِتَرْكِهِ وَيَغْرَمَانِ مَا فَاتَ بِسَبَبِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ جُنْحَةً فِيهِمَا أَوَّلًا وَهَلْ لِلْحَاكِمِ حِينَئِذٍ رَفْعُ يَدِهِمَا وَنَصْبُ مَنْ يَسْتَرِيحُ لِلْيَتِيمِ وَلَوْ بِطَرِيقِ الْعَيِّنَةِ وَإِذَا بَلَغَ الْمَحْجُور سَفِيهًا فَهَلْ يُعْتَبَرُ مَنْعُهُ لِلْقَاضِي عَمَّا اقْتَضَاهُ نَظَرَهُ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِدَوَامِ سَفَهِهِ (الْجَوَابُ اعْتِمَادُ النَّاظِرِ فِي إعْطَائِهَا عَلَى مُجَرَّدِ الْمَنَامِ غَيْرُ سَائِغٍ لَهُ فَيَغْرَمُ مَا فَاتَ عَلَى الْوَلَدِ بِسَبَبِ إعْطَائِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ جُنْحَةً فِيهِ.
وَاخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا فِي الِاتِّجَارِ لِلْمَحْجُورِ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ مُطْلَقًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
وَقَالَ الْأَقَلُّونَ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ إنَّهُ بِقَدْرِ الْمُؤَنِ نَفَقَةً وَزَكَاةً وَغَيْرهمَا وَاجِبً قَالَ الْقَفَّالُ إنْ نَصَّ لَهُ فِي الْإِيصَاءِ إلَيْهِ عَلَى التِّجَارَةِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ كَانَ الزَّمَانُ آمِنًا وَالسُّلْطَانُ عَادِلًا وَغَلَبَ الرِّبْحُ حَالًا أَوْ مَآلًا بِغَلَبَةِ الظَّنِّ فَإِنْ فَاتَ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِاتِّجَارُ وَحِينَئِذٍ فَامْتِنَاعُ الْوَصِيِّ مِنْ الِاتِّجَارِ مَعَ وُجُودِ شُرُوطِهِ الْمَذْكُورَةِ إنْ كَانَ لِاعْتِقَادِهِ النَّدْبَ لَمْ يَأْثَمْ أَوْ مَعَ اعْتِقَادِهِ الْوُجُوبَ أَثِمَ لَكِنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بَلْ يُقِيمُ الْحَاكِمُ نَائِبًا عَنْهُ يَتَصَرَّفُ فِي الْمَالِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا فِيمَا إذَا امْتَنَعَ وَصِيَّانِ أَلْزَمَهُمَا الْحَاكِمُ بِالْعَمَلِ بِالْمَصْلَحَةِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَقَالُوا لَا يَنْعَزِلُ الْمُمْتَنِعُ بَلْ يُنِيبُ الْحَاكِمُ عَنْهُ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِأَنَّ السَّفَرَ بِمَالِ الْمَحْجُورِ حَيْثُ حَرَّمْنَاهُ لَا يَنْعَزِلُ بِهِ الْوَلِيُّ.
وَصَرَّحَ الدَّارِمِيُّ بِأَنَّا إذَا أَلْزَمْنَا الْوَلِيّ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ مَالِ الْمَحْجُورِ فَوْرًا كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَنَا فَامْتَنَعَ لَا يَنْعَزِلُ وَلَا يَضْمَنُ الْوَصِيُّ الرِّبْحَ الْفَائِتَ بِسَبَبِ عَدَمِ التِّجَارَةِ فَقَدْ حَكَى أَئِمَّتُنَا وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ تَرَكَ الْوَلِيُّ التَّصَرُّفَ فَنَقَصَ الْمَالُ أَوْ تَلِفَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فِي حِفْظِهِ كَأَنْ تَرَكَ تَلْقِيحَ طَلْعِهِ أَوْ بَيْعَ فِرْصَادِهِ أَوْ عِمَارَةَ دَارِهِ أَوْ إجَارَتَهَا أَوْ عَلَفَ دَوَابِّهِ حَتَّى مَاتَتْ قَالَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيُّ سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ.
وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الضَّمَانِ فِي الْجَمِيعِ إلَّا فِي الدَّوَابِّ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا لِحُرْمَةِ الرُّوحِ وَيُؤَيِّدُ مَا رَجَّحَهُ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ لَوْ أَخَذَ ثِيَابًا مُنْقَطِعًا فَمَاتَ بَرْدًا لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِي ذَاتِهِ شَيْئًا بَلْ صَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ حَبَسَهُ ظُلْمًا فَمَاتَتْ دَوَابُّهُ جُوعًا لَا يَضْمَنُهَا لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الدَّوَابِّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَاضِحٌ لِأَنَّ الْوَلِيَّ هُنَا مُخَاطَبٌ بِدَفْعِ الْمُتْلِفَاتِ لِأَنَّهَا تَحْتَ يَدِهِ مَعَ حُرْمَةِ مَا تَمَيَّزَتْ بِهِ مِنْ الرُّوحِ الَّتِي يُحْتَاطُ لَهَا أَكْثَرَ فَهُوَ كَالْوَدِيعِ بَلْ أَوْلَى فَضَمِنَهَا لِتَقْصِيرِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْحَابِسُ فَإِنَّ تَعَدِّيهِ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَحْبُوسِ لَا يَتَجَاوَزُهُ إلَى بَقِيَّةِ أَمْوَالِهِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ تَحْتَ يَدِهِ وَالِاسْتِرْبَاحُ بِطَرِيقِ بَيْعِ الْعِينَةِ الْخَالِي عَنْ شَرْطٍ مُفْسِدٍ صَحِيحٌ لَكِنْ.
قَالَ السُّبْكِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَغَيْرِهَا يَنْبَغِي لِلْوَلِيِّ أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ بِمُعَامَلَةٍ فِيهَا شُبْهَةٌ لِأَنَّ رِعَايَةَ الْمَحْجُورِ فِي الْآخِرَةِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ مَصْلَحَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَمِنْ مَصْلَحَةِ الْآخِرَة إطْعَامُهُ الْحَلَالَ الْخَالِصَ عَنْ الشُّبْهَةِ وَبَيْعُ الْعِينَةِ قَالَ بِتَحْرِيمِهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا فَفِيهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وَكُلُّ مَا فِيهِ شُبْهَةٌ لَيْسَ مِنْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. اهـ.
مُلَخَّصًا قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْإِرْشَادِ عَقِبَهُ وَهُوَ كَلَامٌ نَفِيسٌ وَلَا عِبْرَةَ بِمَنْعِ السَّفِيهِ وَلَا بِإِذْنِهِ وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ مُطَاوَعَتُهُ فِي تَرْكِ مَا لَزِمَ الْحَاكِمَ فِعْلُهُ مِنْ النَّظَرِ فِي مَالِهِ بِالْمَصْلَحَةِ وَمَنْعِهِ مِنْ الِاسْتِرْبَاحِ السَّائِغِ أَمَارَةً عَلَى سَفَهِهِ وَإِنْ لَمْ نُثْبِتهُ بِمُجَرَّدِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ رُفِعَ إلَيَّ هَذَا السُّؤَالُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَحَاصِلُهَا شَخْصٌ أَسْنَدَ وَصِيَّتَهُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَمَالَهُ لِإِنْسَانٍ وَجَعَلَ النَّظَرَ لِآخَرَ وَقَالَ لَهُمَا أَثْنَاءَ وَصِيَّتِهِ قَصْدِي أَنْ أَخُصَّ وَلَدِي بِمَا هُوَ فِي مِلْكِي مِنْ نُحَاسٍ وَغَيْرِهِ وَعَيَّنَهُ فَقَالَا لَهُ هَذَا حَرَامٌ إجْمَاعًا ثُمَّ بَعْدَ هَذَا الْمَجْلِسِ قِيلَ لَهُ اجْعَلْ الْوَصِيَّةَ بِلَفْظِ الْإِقْرَارِ لِيَصِحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَأَقْرٍ وَأَثْبَتَ إقْرَارَهُ شَافِعِيٌّ فَلَمَّا مَاتَ الْمُوصِي أُفْهِمَتْ وَالِدَتُهُ أَنَّهُ لَا حَقّ لَهَا فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ لِأَنَّهَا مِلْكُ وَلَدِهِ الْمُقَرِّ لَهُ دُونَهَا حَسَبَ إقْرَارِهِ الصَّحِيحِ فَأَعْذَرَتْ ظَانَّةً صِدْقَ مَا قِيلَ لَهَا ثُمَّ اطَّلَعَتْ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ وَأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ وَصِيَّةٌ فِي بَاطِن الْأَمْرِ وَأَنَّ الْإِقْرَارَ الْمَذْكُورَ حِيلَةٌ فَادَّعَتْ بِنَصِيبِهَا مِنْ تِلْكَ الْأَعْيَانِ وَتَمَسَّكَتْ بِمَا قَالَهُ وَلَدُهَا مِنْ التَّخْصِيصِ قَبْلَ الْإِقْرَارِ وَاسْتَشْهَدَتْ
стр. 610
فِي ذَلِكَ بَيِّنَةً عَادِلَةً تَشْهَدُ لَهَا بِذَلِكَ وَطَالَبَتْ الْوَصِيَّ وَالنَّاظِرَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ وَمَا يَعْلَمَانِهِ مِمَّا سَمِعَاهُ مِنْ لَفْظِ وَلَدِهَا مِنْ التَّصْرِيحِ بِالتَّخْصِيصِ قَبْلَ الْإِقْرَارِ فَدَفَعَا لَهَا حِصَّتَهَا مِنْهَا فَهَلْ الدَّفْعُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ سِيَّمَا وَالنَّاظِرُ حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ بِالْبَلَدِ إذْ ذَاكَ يَرَى بُطْلَانَ الْإِقْرَارِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ مِنْ الْمُقِرِّ مَا يُنَافِيهِ فَكَيْفَ.
وَقَدْ سَبَقَ مِنْهُ ذَلِكَ وَهَلْ ثُبُوتُهُ عَلَى يَدِ شَافِعِيٍّ مَانِعٌ لِلنَّاظِرِ مِنْ الدَّفْعِ إلَيْهَا وَمُقْتَضٍ لِإِثْمِهِمَا أَمْ لَا لِفِعْلِهِمَا مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا عِنْدَهُمَا مَعَ أَنَّ الْوَلَدَ الْمُنْحَصِرَ الْإِرْثُ فِيهِ أَعْذَرَ بَعْدَ بُلُوغِهِ لِلْجَدَّةِ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ وَرَجَعَ مَا أَخَذَتْهُ إلَيْهِ وَهَلْ الِاسْتِرْبَاحُ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا أَوْ لَا مَعَ أَنَّهُمَا لَمْ يَجِدَا أَمِينًا وَإِنْ وَجَدَاهُ فَأَنَّمَا يَأْخُذ الْمَالَ بِصُورَةٍ مُحَرَّمَةٍ إجْمَاعًا أَوْ عَلَى قَوْلٍ فَهَلْ يَسْتَرْبِحَانِ فِيهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَوْ لَا وَهَلْ تَرَكَهُمَا الِاسْتِرْبَاحَ لِهَذَا الْمَعْنَى جُنْحَةٌ فِيهِمَا أَمْ لَا وَهَلْ يَتَصَرَّفُ النَّاظِرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ أَمْ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ صَاحِبِ الْمَالِ وَهَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِتَغْرِيمِ الْوَصِيِّ وَالنَّاظِرِ مَا صَرْفَاهُ عَلَى الْوَلَدِ مِنْ لَوَازِمِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَزَكَاتِهِ الْوَاجِبَةِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَرْبِحَا فِيهِ أَوْ لَا وَإِذَا فَعَلَا مَا هُوَ الْحَقُّ فَهَلْ لِحَاكِمٍ شَرْعِيٍّ تَعَرُّضٌ لَهُمَا بِعَزْلٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ لَا (الْجَوَابُ) إذَا ثَبَتَ وَلَوْ بِشَهَادَةِ الْوَصِيِّ وَالنَّاظِرِ لِقَبُولِ شَهَادَتِهِمَا عَلَى الْمَحْجُورِ قَوْلُ الْمُوصِي قَصْدِي أَخُصُّ بِمَا فِي مِلْكِي مِنْ كَذَا وَكَذَا وَلَدِي ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ حَالًا لِوَلَدِهِ كَانَ الْإِقْرَارُ بَاطِلًا فَقَدْ صَرَّحَ أَئِمَّتُنَا بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ دَارِي الْمَمْلُوكَةُ لِي لِزَيْدٍ كَانَ بَاطِلًا لِلتَّنَاقُضِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَلَّكَهُ حَالًا انْتَفَى الْإِقْرَارُ بِهِ أَمَّا لَوْ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ يُمْكِنُ الِانْتِقَالُ فِيهَا لِلْوَلَدِ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا سَبَقَ مِنْهُ وَإِذَا بَطَلَ الْإِقْرَارُ بِشَرْطِهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَحْكُمَ بِهِ وَمَعَ بُطْلَانِهِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمَا الدَّفْعُ لِأَنَّهُ مَا يَخُصُّهَا مِنْ تِلْكَ الْأَعْيَانِ وَلَا عِبْرَةَ بِتَصْدِيقِهَا بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ لِعُذْرِهَا فَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ بَاعَ شَخْصٌ دَارًا وَأَقَرَّ ابْنُهُ بِأَنَّهَا مِلْكُ الْأَبِ الْبَائِعِ حَالَ الْبَيْعِ ثُمَّ ادَّعَى الِابْنُ أَنَّ الْأَبَ كَانَ وَقَفَهَا عَلَيْهِ وَأَنَّهُ جَهِلَ ذَلِكَ حِينَ إقْرَارِهِ بِالْمِلْكِ فَقَدْ نَقَلَ الْبَغَوِيّ عَنْ الْعَبَّادِيِّ أَنَّهُ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي دَعْوَاهُ هَذِهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَيَجِبُ الْجَزْمُ بِهِ إذَا دَلَّتْ الْقَرَائِنُ عَلَى صِدْقِهِ كَأَنْ كَانَ طِفْلًا وَقْتَ الْوَقْف. اهـ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَقَوْلُ الْقَاضِي لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ الْمَذْكُورَةُ ضَعِيفٌ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالدَّفْعُ الْمَذْكُورُ لِلْأُمِّ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا صَحِيحٌ لَا فِسْقَ فِيهِ وَلَا انْعِزَالَ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِمَا وَإِنْ حَكَمَ الشَّافِعِيُّ بِخِلَافِهِ لِأَنَّ وُجُودَ مَا مَرَّ الْمُقْتَضِي لِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ دَافِعٌ لِصِحَّةِ حُكْمِهِ عَلَى أَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ النَّاظِرِ وَالْوَصِيِّ الْعَمَلَ بِعِلْمِهِ وَاعْتِقَادِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَفْتَى بِأَنَّهُ إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ وَكَانَ مِمَّنْ يَرَاهُ جَازَ لِلشَّافِعِيِّ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِبَيْعٍ وَوَقْفٍ وَغَيْرِهِمَا كَسَائِرِ الْإِمْلَاك فِي الْبَاطِنِ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَالَ مَا مَعْنَاهُ وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ سِيَاسَةً شَرْعِيَّةً. اهـ.
وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ الشَّرَفُ الْغَزِّيُّ فِي أَدَب الْقَضَاءِ وَشَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مُخْتَصَرِهِ قَالَ وَيَلْحَقُ بِهَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ. اهـ. فَإِنْ قُلْتَ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّعِيفِ إنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ حَيْثُ وُجِدَتْ شُرُوطُهُ إنَّمَا يَنْفُذُ ظَاهِرًا فَقَطْ أَمَّا عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّهَا إذَا وُجِدَتْ نَفَذَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا فَكَيْفَ يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ مَا ذَكَرَهُ قُلْتُ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ لَمْ يَغْفُلُوا عَنْهُ بَلْ فَرَّعُوا مَا قَالُوهُ حَتَّى عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّهُ يَنْفُذُ بَاطِنًا أَيْضًا وَمَعْنَى نُفُوذِهِ بَاطِنًا فِي الْمُخْتَلَف فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَاطِنًا أَيْضًا الْعَمَلُ بِقَضِيَّةِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا وَنَحْوِهَا لِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى النَّفْسِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِصِحَّتِهِ لَا يُخَالِفُ الْمِلْكَ إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْفَوَائِدِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِمَا لَا بِالنِّسْبَةِ لِاسْتِحْقَاقِ مَنْفَعَتِهِمَا فَلَمْ يَتَوَجَّهْ حُكْمُ الْحَنَفِيِّ بِالصِّحَّةِ إلَّا لِلْعَمَلِ بِتِلْكَ الْفَوَائِدِ وَبَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهَا وَيَفْعَلَ فِيهِ حُكْمُ الْأَمْلَاكِ هَذَا غَايَةُ مَا يَتَوَجَّهُ مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ وَلَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ وَبُعْدٍ فَالْأَوْجَهُ أَنَّ تِلْكَ مَقَالَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ الضَّعِيفِ وَعَلَى ضَعْفِهَا فَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ فِسْقِ النَّاظِرِ بِمَا فَعَلَهُ مِنْ الدَّفْعِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ
стр. 611
أَنَّ لَنَا وَجْهًا بِقَبُولِ قَوْلِ الْوَصِيِّ فِي عَيْنٍ مِنْ التَّرِكَةِ هَذِهِ لِفُلَانٍ.
وَوَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ مَالٌ لِمَيِّتٍ فَقَالَ أَوْصَى إلَيَّ رَبُّ الْمَالِ أَنْ أَصْرِفَهُ فِي كَذَا قَبْلُ ذَكَرَهُ شُرَيْحٌ فِي رَوْضَتِهِ فَإِذَا دَفَعَ ظَانَّا إفَادَةَ عِلْمِهِ ظَاهِرًا أَوْ مُقَلِّدًا لِلْقَائِلِ بِصِحَّةِ إقْرَارِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي وِلَايَته لِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ حَرَامًا مَحْظُورًا فِي اعْتِقَادِهِ فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي حَنَفِيٍّ شَرِبَ النَّبِيذَ أَحُدُّهُ وَأَقْبَلُ شَهَادَتَهُ قَالُوا أَمَّا حَدُّهُ فَلِضَعْفِ شُبْهَتِهِ إذْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ فِي تَحْرِيمِ النَّبِيذِ أَيْ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يُسْكِرْ مِنْهُ أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ وَأَمَّا قَبُولُ شَهَادَتِهِ؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ مُحَرَّمًا فِي اعْتِقَادِهِ فَلَمْ تَبْطُلْ عَدَالَتُهُ وَالِاسْتِرْبَاحُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ لَهُ شُرُوطٌ مُقَرَّرَةٌ فِي مَحَلِّهَا فَإِذَا امْتَنَعَ الْوَصِيُّ مَعَ وُجُودِهَا وَسُهُولَتِهَا عَلَيْهِ أَثِمَ وَلَا يَنْعَزِلُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ مِنْهَا قَوْلُهُمْ لَوْ اخْتَلَفَ وَصِيَّانِ فِي التَّصَرُّفِ أُلْزِمَا بِالْعَمَلِ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ مَصْلَحَةً فَإِنْ امْتَنَعَا لَمْ يَنْعَزِلَا بَلْ يُنِيبُ عَنْهُمَا اثْنَيْنِ لِيَتَوَلَّيَاهُ حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَى الْعَمَلِ بِالْمَصْلَحَةِ فَإِنْ امْتَنَعَ وَاحِدٌ فَقَطْ أَنَابَ عَنْهُ. اهـ. وَمِنْهَا قَوْلُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ حَيْثُ مَنَعَ الْوَلِيَّ مِنْ السَّفَرِ بِمَالِ مَحْجُورِهِ فَتَعَدَّى وَسَافَرَ بِهِ لَمْ يَنْعَزِلْ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ التَّعَدِّي كَمَا لَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ بِكُلِّ فِسْقِ. اهـ.
وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْقَمُولِيُّ فِي جَوَاهِرِهِ فَإِنْ قُلْتَ يُنَافِيه قَوْلُ الْقَاضِي نَفْسِهِ وَأَقَرَّهُ فِي الرَّوْضَةِ لَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْوَلِيّ أَوْ الْقَيِّمُ الْهَدِيَّةَ أَوْ الْوَصِيَّةَ لِمُوَلِّيهِ أَثِمَ وَانْعَزَلَ لِتَرْكِهِ النَّظَرَ قُلْتُ لَا مُنَافَاةَ لِأَنَّهُ هُنَا فَوَّتَ عَلَيْهِ عَيْنًا مَوْجُودَةً مَحْسُوسَةً بِخِلَافِ مُجَرَّدِ سَفَرِهِ بِالْمَالِ فَإِنَّ الَّذِي فِيهِ إنَّمَا هُوَ خَشْيَةُ فَوَاتٍ وَلَمْ تُوجَدْ وَفَرْقٌ ظَاهِرٌ بَيْنَ حَقِيقَةِ التَّفْوِيتِ وَخَشْيَةِ الْفَوَاتِ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ قَيَّدَ الْوُجُوبَ عَلَى الْأَب بِمَا إذَا لَمْ يَقْصِد التَّقَرُّبَ إلَيْهِ بِالْهَدِيَّةِ لِابْنِهِ وَصَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْجُوَيْنِيِّ وُجُوبُهُ فِي الْوَصِيَّةِ دُونَ الْهَدِيَّةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْمُكَافَأَةَ وَمَالَ الْأَذْرَعِيُّ إلَى الْوُجُوب عَلَى نَحْوِ الْوَصِيِّ إذْ لَا مِنَّةَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْجَدِّ ثُمَّ قَيَّدَ الْوُجُوبَ بِمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ التَّوَدُّدَ إلَى الْأَبِ لِوِلَايَةٍ أَوْ قَضَاءٍ وَإِلَّا فَهُوَ طَرِيقٌ إلَى الرِّشْوَةِ لِوُلَاةِ السُّوءِ وَقُضَاتِهِ. اهـ.
قَالَ غَيْرُهُ وَهُوَ حَقٌّ وَصَوَّبَهُ فِي الْخَادِمِ بَلْ زَادَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ الْقَاضِي الْقَبُولُ لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَرِيعَةً إلَى الرِّشْوَةِ وَمِنْهَا قَالَ الدَّارِمِيُّ إذَا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ فَوْرًا أَيْ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ فَلَمْ يُخْرِجْهَا لَمْ يَنْعَزِلْ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ شَيْئًا فَهُوَ نَظِيرُ مَا مَرَّ عَنْ الْقَاضِي فِي السَّفَرِ وَعَنْ غَيْرِهِ فِي مَسْأَلَةِ امْتِنَاعِ الْوَصِيَّيْنِ السَّابِقَةِ عَلَى أَنَّ الصَّيْمَرِيَّ مِنْ أَكَابِرِ أَئِمَّتِنَا قَالَ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ لِلْمَحْجُورِ مُطْلَقًا لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَى التُّجَّارِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ تِلْمِيذُهُ الْمَاوَرْدِيُّ لَا يَجُوزُ الِاتِّجَارُ إلَّا إنْ كَانَ الزَّمَانُ أَمِينًا وَالسُّلْطَانُ عَادِلًا وَالتِّجَارَةُ مُرْبِحَةً حَالًا أَوْ مَآلًا بِغَلَبَةِ الظُّنُونِ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ لِمُوَلِّيهِ بِصُورَةٍ مُحَرَّمَةٍ إجْمَاعًا أَوْ فِي اعْتِقَادِ الْوَلِيِّ وَأَمَّا مَا فِيهِ شُبْهَةٌ فَلِلسُّبْكِيِّ فِي فَتَاوِيهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ فِيهِ حَاصِلُهُ اخْتَلَفُوا فِي الِاتِّجَارِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ وَاجِبٌ بِقَدْرِ النَّفَقَةِ وَالزَّكَاةِ أَيْ دُونَ الزَّائِدِ وَالْوُجُوبُ مَشْرُوطٌ بِالسُّهُولَةِ وَالْيُسْرِ وَأَمَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ الْوَلِيَّ ذَلِكَ وَلَا بُدَّ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ لِأَنَّا نَرَى حُذَّاقَ التُّجَّارِ يُكِدُّونَ أَنْفُسَهُمْ وَفَائِدَتُهُمْ غَالِبًا لَا تَفِي بِكُلْفَتِهِمْ وَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ لَعَلَّهُ كَانَ حِينَ تَيَسُّرِ الْكَسْبُ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا مُكْسٍ وَلَا خَوْفٍ وَأَمَّا الْيَوْمُ فَهَذَا أَعَزُّ شَيْءٍ يَكُونُ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَخْسَرُونَهُ وَلَوْ قَدَرَ كُلُّ مَنْ مَعَهُ مَالٌ عَلَى اسْتِنْمَائِهِ قَدْرَ نَفَقَتِهِ كَانُوا سُعَدَاءَ وَنَحْنُ نَرَى أَكْثَرَهُمْ مُعْسِرِينَ وَلَا أَعَزَّ عِنْدَ الْإِنْسَانِ مِنْ نَفْسِهِ فَلَوْ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ لَفَعَلُوهُ فَكَيْفَ يُكَلَّفُ بِهِ وَلِيُّ الْيَتِيمِ فَقَدْرُ الْمُؤَنِ وَاجِب عِنْدَ السُّهُولَةِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ لَا يَجِبُ مُطْلَقًا عَلَى أَنَّهَا مَعَ اجْتِمَاعِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ عَسِرَةٌ إذْ لَا وُثُوقَ بِالْأَسْعَارِ فَقَدْ يَخْسَرُ فَيَغْرَمُ وَيُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ فَرَّطَ وَاشْتَرَى بِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ.
وَالْقَوْلُ بِالِاسْتِحْبَابِ حِينَئِذٍ جَيِّدٌ ثُمَّ الِاتِّجَارُ لَهُ بِشُرُوطِهِ حَلَالٌ قَطْعًا وَأَمَّا مَا يَعْتَمِدُونَهُ الْآنَ مِنْ طَلَبِ أَلْفٍ بِفَائِدَةِ مِائَتَيْنِ مَثَلًا مِمَّنْ يَفْعَلُ الْحِيلَةَ الْمَعْرُوفَةَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا فَهَذِهِ لَمْ يَنُصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهَا تُفْعَلُ فِي مَالِ
стр. 612
الْيَتِيمِ وَفِيهَا خَطْرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُوَفِّي حِينَ الْحُلُولِ لَمَطْلٍ أَوْ خُسْرَانٍ أَوْ إعْسَارٍ وَيَخْرُجُ رَهْنُهُمْ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَهُمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَعَلَى سَلَامَتِهَا مِنْ هَذَا كُلِّهِ فِيهَا الْكَرَاهَةُ وَالشُّبْهَةُ لِقَوْلِ إمَامَيْنِ كَبِيرَيْنِ وَأَتْبَاعِهِمَا بِتَحْرِيمِهَا وَبُطْلَانِهَا وَمِنْ مَصَالِحِ الصَّبِيِّ أَنَّ الْوَلِيَّ يَصُونُهُ عَنْ أَكْلِ مَا فِيهِ شُبْهَةٌ وَعَنْ اخْتِلَاطِ مَالِهِ بِهِ وَيَحْرِصُ عَلَى إطْعَامِهِ الْحَلَالَ الْمَحْضَ وَعَلَى أَنْ يَكُونَ مَالُهُ كُلُّهُ مِنْهُ وَهِيَ مَصْلَحَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّةٌ أَمَّا أُخْرَوِيَّةٌ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا لَكِنَّ الْجَسَدَ النَّابِتَ مِنْ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَعْلَى دَرَجَةً فِي الْآخِرَةِ مِنْ غَيْرِهِ وَأَمَّا دُنْيَوِيَّةٌ فَلِأَنَّ الْجَسَدَ النَّاشِئَ عَنْ الْحَلَالِ يَنْشَأُ عَلَى الْخَيْرِ فَيَحْصُلُ لَهُ مَصَالِحُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقَدْ يَكُونُ بِتَرْكِهِ الشُّبُهَاتِ يُبَارَكُ لَهُ فِي الْقَلِيلِ فَيَكْفِيهِ وَيَرْزُقُهُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ فَهَذِهِ الْمَصَالِحُ مُحَقَّقَةٌ وَالْفَائِدَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي يَكْتَسِبهَا بِالْمُعَامَلَةِ السَّابِقَةِ دُنْيَوِيَّة مَحْضَة فَتَعَارَضَ مُصْلِحَتَانِ أُخْرَوِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّةُ وَرِعَايَةُ الْأُخْرَوِيَّةِ أَوْلَى فَكَانَ الْأَحُظُّ وَالْأَصْلَحُ لِلْيَتِيمِ تَرْكُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ تَرْكُهَا مُسْتَحَبٌّ أَوْ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] دِينًا وَأُخْرَى حَلَالٌ قَطْعًا وَغَيْرُ الْأَحْسَنِ فِيهِمَا مُمْتَنِعٌ قَطْعًا وَالْأَحْسَنُ فِي الْآخِرَة فَقَطْ أَحْسَنُ مِنْ الْآخِرِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ مُطْلَقًا فَأَنْ تَيَسَّرَ وَإِلَّا فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَيَأْكُلُ مَالَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْكُلَهُ غَيْرُهُ. اهـ.
فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْوَلِيَّ يَنْبَغِي لَهُ تَجَنُّبُ مَا فِيهِ الشُّبْهَةُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي كَلَامِهِ وَأَنَّ تَرْكَهُ الِاتِّجَارَ لِذَلِكَ غَايَةُ الْإِحْسَانِ فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِوَجْهٍ وَالْعِبْرَةُ فِي تَصَرُّفِ كُلٍّ مِنْ الْمُوصِي وَالنَّاظِرِ بِمَذْهَبِهِ لَا بِمَذْهَبِ صَاحِبِ الْمَالَ وَلَا بِمَذْهَبِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ حَيْثُ قَالُوا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ صَبِيًّا كَانَ أَوْ مَجْنُونًا أَوْ سَفِيهًا فَعَلَى الْوَلِيِّ إخْرَاجُهَا مِنْهُ قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَإِنْ نَهَاهُ الْإِمَامُ وَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ فَإِنْ خَافَ مِنْ الْإِمَامِ أَخْرَجَهَا سِرًّا فَإِنْ تَعَسَّرَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا أَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا تَعَدِّيًا أَخْرَجَهَا الْمَحْجُورُ إذَا كَمُلَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْوَلِيّ إخْرَاجُهَا إذَا كَانَ يَرَى وُجُوبَهَا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقَفَّالُ لَوْ كَانَ لَا يَرَاهُ كَحَنَفِيٍّ لَمْ يَخْرُجْهَا لِئَلَّا يُلْزِمَهُ قَاضِي مَذْهَبِهِ بَلْ الِاحْتِيَاطُ لَهُ ضَبْطُهَا إلَى أَنْ يُكْمِلَ الْمَحْجُورُ فَيُعَرِّفَهُ لِيُخْرِجَهَا. اهـ.
وَلَا يَتَعَيَّنُ الِاحْتِيَاطُ فِي ذَلِكَ بَلْ يُغْنِيه عَنْهُ اسْتِئْذَانُ حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ فِي إخْرَاجِهَا أَوْ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَيْهِ بَعْدَ إخْرَاجِهَا حَتَّى يَحْكُمَ لَهُ بِعَدَمِ مُطَالَبَةِ الْمَوْلَى لَهُ بِهَا إذَا كَمَّلَ وَبِعَدَمِ تَعَرُّضِ الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ لَهُ بِتَغْرِيمِهِ إيَّاهَا وَقَيِّمُ الْحَاكِمِ يَعْمَلُ بِمَذْهَبِهِ لَا بِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ كَحَاكِمٍ أَنَابَ حَاكِمًا آخَر يُخَالِفُهُ فِي مَذْهَبِهِ وَالْأَوْجَهُ مَنْ تَرَدَّدَ لَهُ فِي الْوَلِيّ الْعَامِّ الصَّرْفُ إذَا لَمْ يُلْزِمْهُ حَاكِمٌ يَرَاهَا بِإِخْرَاجِهَا أَنَّهُ يَحْتَاجُ لِمِثْلِ مَا مَرَّ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْقَفَّالِ السَّابِقِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَصِيِّ وَلَا عَلَى النَّاظِرِ فِيمَا فَاتَ بِسَبَبِ تَرْكِهِمَا الِاسْتِرْبَاحَ مِنْ الرِّبْحِ الْمُتَوَهَّمِ لَوْ اتَّجَرَ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إذَا لَمْ يَضْمَنْ بِتَرْكِ عِمَارَةِ الدَّارِ حَتَّى خَرِبَتْ أَوْ بَيْع الْفِرْصَادِ أَوْ تَلْقِيحِ الطَّلْعِ حَتَّى فَسَدَ فَأَوْلَى هَذَا لَا يَأْتِي فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ فِيهَا فَوَاتَ عَيْنٍ مَحْسُوسَةٍ مَوْجُودَةٍ مِنْ مَالِ الطِّفْلِ بِخِلَافِ الرِّبْحِ الْمُتَوَهَّمِ وَحَيْثُ كَانَا عَلَى الْحَقِّ لَمْ يَسُغْ لِحَاكِمٍ شَرْعِيٍّ وَلَا لِغَيْرِهِ تَعَرُّضٌ لَهُمَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(وَسُئِلَ) ﵁ سُؤَالًا صُورَتُهُ إذَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ بَجِيلَةَ يَتَبَرَّكُونَ بِرَجُلٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ فَيَأْتُونَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِأَجْلِ التَّبَرُّكِ بِهِ وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ يَتِيمٌ فَيَأْخُذُ الْوَلِيُّ مِنْ مَالِهِ الْمُخْتَلِطِ بِمَالِ الْيَتِيمِ وَيَأْتِي بِهِ إلَيْهِ لِلتَّبَرُّكِ فَهَلْ يَحِلُّ لِهَذَا الرَّجُلِ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْ الْوَلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْيَتِيمِ حَيْفٌ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا سُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَيِّي الدَّيْنِ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ وَصِيِّ أَيْتَامٍ وَلَهُ أَوْلَادٌ عِيَالٌ وَلَهُ وَلِلْأَيْتَامِ مِلْكٌ مُشْتَرَكٌ وَيَأْكُلُونَ كُلُّهُمْ جَمِيعًا وَيُضَيِّفُ الْوَصِيُّ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ نَاسًا مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِيتَامِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْأَيْتَامِ حَيْفٌ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ.
فَهَلْ هُوَ كَالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَذَاكَ وَإِنْ
стр. 613
قُلْتُمْ لَا فَمَا الْفَرْقُ أُوضِحُوا الْقَوْلَ لَنَا فِي ذَلِكَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْ الْوَلِيِّ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ مُوَلِّيه وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَمَسْأَلَةِ النَّوَوِيِّ فَإِنَّ الضِّيَافَةَ لِتَأَكُّدِهَا سَامَحُوا فِيهَا مَا لَمْ يُسَامِحُوا فِي غَيْرِهَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَفْوِيتُ شَيْءٍ عَلَى الْيَتِيمِ لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّ الْوَلِيَّ هَيَّأَ ذَلِكَ الطَّعَامَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَتِيمِ ثُمَّ أَفْرَزَ مِنْهُ لِلْيَتِيمِ كِفَايَتَهُ فَبَقِيَتْ حِصَّةُ الْوَلِيِّ فَلَهُ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِأَكْلِهَا وَلَهُ أَنْ يُشْرِكَ غَيْرَهُ مَعَهُ فِيهَا فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ أَشَارَ النَّوَوِيُّ لِمَا ذَكَرْتُهُ بِقَوْلِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْأَيْتَامِ حَيْفٌ فِي ذَلِكَ.
وَلَا يُتَصَوَّرُ انْتِفَاءُ الْحَيْفِ إلَّا فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا بِخِلَافِ الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا السَّائِلُ فَإِنَّ فِي إعْطَاءِ الْوَلِيِّ مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَك بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَتِيمِ حَيْفًا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَتَّى لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ أَضْيَافٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَزِيدَ لِأَجْلِهِمْ فِي الطَّعَامِ الَّذِي يَكْفِيه وَيَكْفِي يَتِيمَيْهِ مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ فِيهِ حَيْفًا عَلَى الْيَتِيمِ حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ لَهُمْ مَا يَكْفِيهِمْ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى تَحَقَّقَ التَّبَرُّعُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِفَلْسٍ حَرُمَ عَلَى الْوَلِيّ أَعَطَاؤُهُ وَعَلَى غَيْرِهِ قَبُولُهُ وَهَذَا وَاضِحٌ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ عَلَيْهِ دُيُونٌ لِصَبِيٍّ أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ أَوْ لِبَالِغٍ وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا عَقَارٌ أَوْ مَعَهُ بَعْضُ مَا يُوَفِّي مَا عَلَيْهِ فَمَا الْحِلْيَة فِي جَوَازِ سَفَرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْغَرِيمِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ سَفَرُ الْغَرِيمِ بِغَيْرِ إذْنِ دَائِنِهِ لَا يَجُوزُ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا وَالْمَدِينُ مُوسِرًا فَإِذَا وُجِدَ هَذَانِ الشَّرْطَانِ فَلَا حِيلَةَ فِي جَوَازِ السَّفَرِ بِغَيْرِ إذْنِ الدَّائِنِ وَإِنْ فُقِدَا أَوْ أَحَدُهُمَا جَازَ السَّفَرُ فَلَا يَحْتَاجُ لِحِيلَةٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَقَارَ يَجِبُ بَيْعُهُ فِي الدَّيْنِ فَلَا يَجُوز لِمَنْ لَهُ عَقَارٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ السَّفَرُ إلَّا إذَا بَاعَهُ وَوَفَّى بِهِ فَإِنْ فَضَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهُوَ مُعْسِرٌ جَازَ لَهُ السَّفَرُ بِلَا إذْنٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ بَيْعُ مَالِ الْيَتِيمِ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ إذَا خَشِيَ عَلَيْهِ التَّلَفَ؟
(فَأَجَابَ) نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فَقَدْ أَفْتَى الْقَفَّالُ عَنْ ضَيْعَةٍ خَرَابٍ يُطْلَبُ مَالُهَا مِنْ الصَّبِيِّ وَتَسْتَأْصِلُ مَالَهُ فَقَالَ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَوْ بِدِرْهَمٍ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ لَهُ بَيْعَ كُلِّ مَا خِيفَ غَصْبُهُ أَوْ هَلَاكُهُ بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ وَيُؤَيِّدُهُ إفْتَاءُ الْغَزَالِيِّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ نَقْصُ الصَّغِيرَة عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لِلْمَصْلَحَةِ وَأَخَذَ مِنْهُ ابْن عُجَيْلٍ مَسْأَلَتنَا وَمَثَّلَهُ بِمَا لَوْ أَبِقَ عَبْدُ الْمَحْجُورِ الْمُكْتَسِبِ مَالًا وَتَعَذَّرَ اسْتِرْدَادُهُ وَمَا مَعَهُ فَبَاعَهُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِ الْكَسْبِ مِنْهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَشَرَطَ أَنْ يَرُدَّ لَهُ الْكَسْبُ جَازَ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِ هَذَا وَعْدًا لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ نَظِيرَ قَوْلِهِمْ لَوْ زَادَ رَاغِبٌ وَقَدْ بَاعَ الْوَكِيلُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ انْفَسَخَ الْبَيْع وَإِنْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاؤُهُ عَلَى الزِّيَادَةِ وَيُؤَيِّدُهُ تَجْوِيزُهُمْ تَعْيِيبَ مَالِ الْيَتِيمِ إذَا خِيفَ أَخْذُ ظَالِمٍ لَهُ كَقَضِيَّةِ السَّفِينَةِ مَعَ الْخَضِرِ وَمِنْ ثَمَّ أَفْتَى الْأَزْرَقِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ سُرِقَ أَحْسَنُهُمَا وَلَمْ يَرُدَّهُ اللِّصُّ إلَّا بِأَخْذِ الْأَدْوَنِ جَازَ إعْطَاؤُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى بَيْنَ أَهْلِ بَلَدٍ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَالْبَيْعِ عَلَى الْيَتِيم إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ وَغَيْرِ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي مُبَادَلَةِ عَقَارٍ بِعَقَارٍ أَحْسَنَ مِنْهُ فَإِذَا اجْتَمَعَتْ أَكَابِرُ بَلْدَتَيْنِ بَيْنَ يَدَيْ مُحَكَّمٍ وَبَادَلُوا بِحَدِيقَةٍ لِلْيَتِيمِ فِي حَدِيقَةٍ أُخْرَى أَحْسَنَ مِنْ حَدِيقَةِ الْيَتِيمِ وَظَنُّوا أَنَّ هَذِهِ الْمُبَادَلَةَ أَصْلَحُ لِلْيَتِيمِ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْيَتِيمِ وَلِيٌّ وَلَا قَاضٍ بِالْبَلَدِ جَازَ لِأَهْلِ تِلْكَ الْبَلَدِ إذَا لَمْ يَكُونُوا تَحْتَ حُكْمِ أَحَدٍ أَنْ يُنَصِّبُوا قَاضِيًا فَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى نَصْبِ قَاضٍ كَانَ وَلِيًّا لِلْيَتَامَى فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ أَوْ يُفَوِّضَ إلَى عَدْلٍ أَمِينٍ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْوَالِهِمْ بِالْمَصْلَحَةِ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَعَلَى أَهْل تِلْكَ الْبَلَدِ أَنْ يُنَصِّبُوا قَاضِيًا وَالْقَاضِي يَبِيعُ تِلْكَ الْحَدِيقَةِ بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ امْرَأَةٍ شَهِدَ لَهَا أَجْنَبِيٌّ بِالرُّشْدِ هَلْ يُقْبَلُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى الْبُرْهَانُ الْمَرَاغِيّ وَغَيْرُهُ بِالْقَبُولِ وَأَنْكَرَهُ الْقَاضِي شَمْسُ الدَّيْن بْنُ خَلِّكَانَ بِأَنَّهُ خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ الْمَحَارِمِ وَلَفْظُهُ وَاخْتِبَارُ الْمَرْأَةِ مَعَ عِلْمِ صَلَاحِهَا لِقِلَّةِ مُخَالَطَتِهَا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَبْعَدُ فَتَخْتَبِرُهَا النِّسَاءُ ذَوَاتُ الْمَحَارِمِ بِمِثْلِ
стр. 614
مَا وُصِفَتْ بِهِ. اهـ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَأَمَّا الْإِنَاثُ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إلَيْهِنَّ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ وَيَجْعَلُ نِسَاءً ثِقَاتٍ يُشْرِفْنَ عَلَيْهِنَّ فَإِنْ غَزَلْنَ وَاسْتَغْزَلْنَ وَنَسَجْنَ وَاسْتَنْسَجْنَ سُلِّمَ الْمَالُ إلَيْهِنَّ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَخْصِيصِ الشَّهَادَةِ بِالْمَحَارِمِ وَهَذَا مَوْضِعُ بَيَانهِ وَلَوْ كَانَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ ﵁ يُشِيرُ إلَيْهِ لَبَيَّنْتُهُ وَإِنَّمَا تُعَرَّضَ الشَّافِعِيُّ لِلطَّرِيقِ الْغَالِبِ فِي الِاخْتِبَارِ دُونَ الشَّهَادَةِ قَالَ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ وَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَتُخْتَبَرُ بِأَنْ يُعَامِلَهَا مَحَارِمُهَا وَالنِّسْوَانُ وَتُؤْمَرَ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْقُطْنِ وَالْغَزْلِ إلَخْ.
وَقَالَ فِي الْحَاوِي وَاخْتِبَارُهَا فِي رُشْدِهَا أَصْعَبُ مِنْ اخْتِبَارِ الْغُلَامِ لِأَنَّ أَظْهَرُ وَاَلَّذِي يَتَوَلَّى اخْتِبَارَهَا ذَوُو مَحَارِمهَا وَنِسَاءُ أَهْلِهَا بِخِلَافِ الْغُلَامِ الَّذِي يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ اخْتِبَارُهُ وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَحَالُ النِّسَاءِ أَيْضًا مُخْتَلِفٌ فِي الْبُرُوزِ وَالتَّحْصِينِ فَيَدْفَعُ إلَيْهَا مِنْ مَالِهَا مَا تَتَوَلَّى إنْفَاقَهُ عَلَى نَفْسِهَا فِي تَدْبِيرِ خَدَمهَا إلَخْ وَصَرَّحَ هُوَ وَالْقَاضِي بِأَنَّهُ لَا فَرْق فِيمَا ذَكَرَهُ بَيْنَ أَنْ تُزَوَّجَ أَوَّلًا قَالَ فِي الْمُهَذَّبِ وَيَخْتَبِرُهُ الْوَلِيُّ اخْتِبَارَ مِثْلِهِ مِنْ تِجَارَةٍ إنْ كَانَ تَاجِرًا أَوْ بَنَّاءً إنْ كَانَ بَانِيًا أَوْ إصْلَاحِ أَمْرِ الْبَيْتِ إنْ كَانَتْ امْرَأَةً فَقَدْ صَرَّحَ بِاخْتِبَارِ الْوَلِيِّ الْمَرْأَةَ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ الْمَحْرَمِيَّةِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ مَاتَ بِمَحَلٍّ لَا حَاكِمَ بِهِ وَلَهُ فِيهِ مَالٌ وَعِيَالٌ صِغَارٌ فَمَنْ الْقَيِّمُ عَلَيْهِمْ وَمَنْ يَتَوَلَّى قَضَاءَ دُيُونِهِ وَنَحْوِهَا وَمَا الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ عَمَّ الْفِسْقُ أَهْلَ الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ؟
(فَأَجَابَ) أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِيمَنْ عِنْدَهُ يَتِيمٌ لَهُ مَالٌ لَوْ سَلَّمَهُ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ خَافَ ضَيَاعَهُ وَلَيْسَ بِوَلِيٍّ وَلَا وَصِيٍّ شَرْعًا بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِي أَمْرِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَذْرَعِيُّ قَالَ الْأَزْرَقِيُّ كَصَاحِبِ التَّعْجِيزِ قِيَاسًا عَلَى أَوْقَافِ الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَاظِرٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِصُلَحَاءِ الْمَوْضِعِ صَرْفُهَا فِي مَصَارِفِهَا ثُمَّ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَيَجُوزُ لَهُ مُخَالَطَتُهُ فِي الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلَحُ وَلَهُ اسْتِخْدَامُهُ بِمَا هُوَ تَخْرِيجٌ لَهُ وَتَدْرِيجٌ قَاصِدًا مَصْلَحَتَهُ وَيَجُوزُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مَا لَا يُعَدُّ لِمِثْلِهِ أُجْرَةً وَمَا سِوَاهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ وَعِبَارَةُ صَاحِبِ التَّعْجِيزِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لِلطِّفْلِ وَلِيٌّ أَوْ وُجِدَ حَاكِمٌ جَائِرٌ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ النَّظَرُ فِي مَالِهِ وَحِفْظُهُ وَفِي الْمَجْمُوعِ لِلْأَخِ وَالْعَمِّ وَنَحْوِهِمَا تَعْلِيمُ الصَّبِيِّ وَتَأْدِيبُهُ وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وِصَايَةٌ.
وَسُئِلَ الْجَمَالُ بْنُ ظَهِيرَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا إذَا فَسَدَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ وَلَمْ تُوجَدْ الْعَدَالَةُ الْمَعْرُوفَةُ وَإِذَا بَطَلَتْ وِلَايَتُهُمْ تَعَطَّلَتْ أَحْوَالُ الْأَيْتَامِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَحْتَاطُ وَيَنْظُرُ أَقْرَبَهُمْ إلَى الْعَدَالَةِ إذَا فُقِدَتْ شُرُوطُهَا أَوْ بَعْضُهَا مِنْهُمْ وَأَقْرَبُهُمْ إلَى الْأَمَانَةِ وَأَقُلْهُمْ تَعَاطِيًا لِمَا يُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ فَيُقَامُ عَلَى الْأَيْتَامِ وَيُوصِي إلَيْهِ مَنْ لَهُ الْإِيصَاءُ لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ وَالْأَمْرُ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ وَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ إذْ لَا يُسْتَغْنَى عَمَّنْ يَقُومُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُور.
وَسُئِلَ أَبُو شُكَيْلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا إذَا لَمْ يَثِقْ الْحَاكِمُ بِأَحَدٍ فِي تَسْلِيمِ نَفَقَةِ الطِّفْلِ إلَيْهِمْ إلَّا أُمَّهُ لِكَوْنِهَا أَشْفَق لَكِنَّهَا لَا تُصَلِّي مَعَ عُمُومِ الْفِسْقِ فِي غَيْرِهَا حَتَّى الْحَاكِم هَلْ فِي التَّسْلِيمِ إلَيْهَا رُخْصَةٌ لِعَدَمِ عَدْلٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَسُوغَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ إذْ لَا غِنَى عَمَّنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ هَذَا الْيَتِيمِ وَإِذَا تَوَقَّفَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ عَلَى طَلَبِ الْعَدْلِ ضَاعَ. اهـ. وَبِهَذَا كُلِّهِ إنْ سَلِمَ يُحْمَلُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ عَلَى غَيْرِ حَالَةِ الضَّرُورَاتِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اشْتَرَى شَيْئًا فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَشِيدًا حَالَ الْبَيْعِ فَهَلْ يُقْبَلُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الْقِصَاصِ وَغَيْره سَمَاعُ الدَّعْوَى وَتَصْدِيقُ الْمُدَّعِي الْمَذْكُورِ بِيَمِينِهِ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ إذَا ادَّعَى حَجْرَ السَّفَهِ الْمُقَارِنِ لِلْبُلُوغِ وَلَمْ تَتَوَفَّرْ قَرَائِنُ الْحَالِ عَلَى تَكْذِيبِهِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْوَسِيطِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ إلَّا إنْ صَرَّحَ بِأَنَّ حَجْرَهُ حَجْر السَّفَهِ مَثَلًا فَإِنْ أَطْلَقَ الْحَجْرَ اسْتَفْصَلَهُ الْحَاكِمُ بِأَنْ يَذْكُرَ حَجْرًا مُسْتَدَامًا مِنْ الصِّبَا أَوْ طَارِئًا كَحَجْرِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ فَفِي الْأَوَّلِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ إلَى الْبَيْعِ وَفِي الثَّانِي الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَيَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّوْضَةِ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي النِّكَاحِ وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ الْبَيْعِ بِعْته وَأَنَا مَحْجُورٌ عَلَيَّ أَيْ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي فَإِنْ لَمْ يَعْهَدْ لِلْبَائِعِ مَا ادَّعَاهُ وَلَا بَيِّنَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي
стр. 615
بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ الْبَيْعِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ فِي الْكِتَابَةِ مِنْ تَحْرِيرِهِ قَوْلَهُ يَعْنِي الْمِنْهَاجَ وَلَوْ قَالَ كَاتَبْتُك وَأَنَا مَجْنُونٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيَّ قَالَ أَيْ بِسَفَهٍ طَارِئٍ أَوْ بِفَلَسٍ فَلَوْ كَانَ بِصِبًا أَوْ بِسَفَهِ مُقَارَن لِلْبُلُوغِ لَمْ يَحْتَجْ لِقَوْلِهِ إنْ عَرَفَ سِبْقَ مَا ادَّعَاهُ فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(وَسُئِلَ) سُؤَالًا صُورَتُهُ ذَكَرُوا أَنَّ السَّفَر بِمَالِ الْيَتِيم فِي الْبَحْر لَا يَجُوز فَهَلْ يَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَ بِبَلَدٍ وَمَالُهُ بِآخَرَ وَلَا طَرِيقَ آمِنَ إلَّا الْبَحْر وَالْيَتِيم مُحْتَاج إلَى مَالِهِ لِمُؤْنَتِهِ وَهَلْ يَجُوز نَقْلُ مَالِهِ فِي الْبَحْر إذَا خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ ظَالِم أَوْ يَتَعَيَّن الْإِقْرَاض فِي كِلَا الصُّورَتَيْنِ وَلِلْمُقْتَرِضِ السَّفَر وَهُوَ فِي ذِمَّته إذَا اقْتَرِضْهُ مِنْ قَاضِي بَلَدِ الْمَال أَوْ مِنْ وَكِيل وَلِيِّهِ إذَا كَانَ سَفَره إلَى بَلَد الْيَتِيم لِيُوَفِّيَ الْوَلِيّ مَا فِي ذِمَّته؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضهمْ بِجِوَازِ رُكُوب الْبَحْر حِينَئِذٍ لِأَنَّ الضَّرُورَة دَعَتْ إلَى ذَلِكَ وَأَمَّا قَرْضُهُ مِنْ مَلِيٍّ ثِقَةٍ فَجَائِزٌ لِلْقَاضِيَّ مُطْلَقًا، وَحِينَئِذٍ لِلْمُقْتَرَضِ السَّفَر إلَى بَلَد الْيَتِيم إذَا طَلَب قَاضِي بَلَد الْيَتِيم إشْخَاصَهُ إلَيْهِ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ السَّفَرَ بِمَالِهِ فِي الْبَحْرِ إذَا دَعَتْ إلَى شِرَاء مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ بِأَكْثَر مِنْ ثَمَن مِثْلِهِ جَازَ فَأَوْلَى هَذَا لِأَنَّ ذَاكَ فِيهِ تَحَقُّقُ فَوَات الزَّائِد عَلَى ثَمَن الْمِثْل.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ قَوْل الْأَنْوَار يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يُضَيِّف مِنْ مَالِهِ إلَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَيْفٌ فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ مَفْرُوضٌ فِي مَخْلُوطٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ لِيَأْكُلَا مِنْهُ فَلَهُ أَنْ يُطْعِمَ عِيَالَهُ مِنْهُ وَيُضَيِّفَ مِنْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْيَتِيمِ حَيْفٌ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا فِي الْأَنْوَارِ عَنْ فَتَاوَى ابْنِ عَبْدَانَ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ يَتِيمٍ وَلَا وَصِيَّ وَلَا حَاكِمَ أَمِين جَازَ لِلْأَمِينِ مِنْ أَقَارِبِهِ بَيْعُ مَالِهِ بِالْمَصْلَحَةِ وَالْغِبْطَةِ هَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ مُتَّجِهٌ فَقَدْ أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَاعْتَمَدَهُ غَيْرُهُ وَفِي الْمَجْمُوعِ فِي الْحَجِّ مَا يُؤَيِّدُهُ وَحِينَئِذٍ فَلِلْأُمَّيْنِ الْمَذْكُورِ النَّظَرُ فِي أَمْرِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ بِالْمَصْلَحَةِ وَمُخَالَطَتُهُ فِي الْأَكْلِ بِمَا هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا فِي نُكَتِ ابْنِ كَبَّنَ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُوَكِّلَ فَاسِقًا فِي بَيْعِ مَالِ مَحْجُورِهِ هَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ هُوَ مُعْتَمَدٌ
رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْوَكِيلَ حَيْثُ جَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ إنَّمَا يُوَكِّلُ أَمِينًا إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ الْمُوَكِّلُ غَيْرَهُ وَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتنَا.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ بَلَغَ وَلَمْ يَثْبُتْ رُشْدُهُ ثُمَّ تَصَرَّفَ وَمَاتَ فَادَّعَى الْآخِذُ مِنْهُ أَنَّهُ رَشِيدٌ وَوَارِثُهُ أَنَّهُ غَيْرُ رَشِيدٍ فَمَنْ الْمُصَدَّق مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُصَدَّقُ الْوَارِثُ كَمَا أَفْتَى بِهِ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ إذْ الْأَصْلُ بَقَاءُ السَّفَهِ وَلِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْحَجْرِ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ إذَا ثَبَتَ رُشْدُهُ فَحَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ كَانَ الْحَجْرُ بَاقِيًا وَمَنْ قَالَ الْأَصْلُ بَقَاءُ الرُّشْدِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَنْ عُرِفَ لَهُ حَالَة رُشْدٍ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي سَفَهِهِ فَحِينَئِذٍ يُصَدَّقُ مُدَّعِي الرُّشْدِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ حِينَئِذٍ وَحَلِفُ الْوَارِث فِي صُورَةِ السُّؤَالِ يَكُونُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالرُّشْدِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا ذَكَرُوهُ فِي بَيْعِ الْوَلِيّ لِمَالِ مَحْجُورِهِ نَسِيئَةً يَتَأَتَّى فِي إجَارَةِ أَرْضِهِ كَذَلِكَ وَفِي إجَارَةِ نَاظِرِ وَقْفٍ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ جِهَةٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي إجَارَةِ أَرْضِهِ لِأَنَّهَا بَيْعُ مَنَافِعِهَا وَأَمَّا إجَارَةُ الْوَقْفِ فَحَيْثُ اُعْتُبِرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي حَقِّ الْمُؤَجِّرِ كَانَ كَالْوَلِيِّ وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ كَمَا إذَا كَانَ الْمُؤَجِّرُ يَسْتَحِقُّ الْمَنْفَعَةَ فَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ وَإِنْ جَرَتْ مِنْ غَيْرِ غِبْطَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ فِي حَقِّهِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ وَلِيٍّ تَحْتَ حَجْرِهِ أَيْتَامٌ شُرَكَاءُ فِي مَالٍ فَاشْتَرَى مِنْهُ لَهُمْ شَيْئًا فَهَلْ يَقَعُ لَهُمْ بِحَسَبِ رُءُوسِهِمْ أَوْ بِحَسَبِ أَنْصِبَائِهِمْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوْجَهُ وِفَاقًا لِلْأَصْبَحِيِّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْصِلْ ذَلِكَ وَلَا نَوَاهُ انْعَقَدَ الْبَيْعُ عَلَى السَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ.
(وَسُئِلَ) عَنْ قِنٍّ اُشْتُرِيَ قَبْلَ بُلُوغِهِ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ هَلْ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ فَيُمَكَّنُ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلِهِ وَهَلْ تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُ وَهَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا مَاتَ حِينَئِذٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً فَهَلْ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا أَوْ لَا وَشِرَاءُ الْمُسْلِمُ أَطْفَالَ الْكَفَرَةَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ هَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا لِلْحُكْمِ بِعِتْقِهِمْ لِوُقُوعِهِمْ فِي مِلْكِ الْأَصْلِ كَمَا إذَا مَلَكَ أَحَدُ الْمُسْلِمِينَ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِالْإِسْلَامِ
стр. 616
الصَّادِرِ مِنْ حُرٍّ أَوْ قِنٍّ قَبْلَ الْبُلُوغِ بِأَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ وَلَا أَكْمَلَ خَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً فَتُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْكُفْرِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ حَمْلِ مُصْحَفٍ إلَّا أَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْهُ وَرُجِيَ إسْلَامُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَلَا يُزَكَّى عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا مَاتَ وَمَنْ أَفْتَى مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ فَقَدْ وَهِمَ وَلَا يُزَوَّجُ إنْ كَانَ امْرَأَةً لِمُسْلِمٍ إلَّا إنْ وُجِدَتْ فِيهَا شُرُوطُ نِكَاحِ الْكَافِرَةِ وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ صِحَّةُ الْبَيْعِ إلَّا مِنْ مَالِكٍ وَهَذَا مَتَى مَلَكَهُ عَتِّقْ عَلَيْهِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ وَلِيِّ يَتِيمٍ بِيَدِهِ مَالٌ لِلْيَتِيمِ وَالْوَلِيُّ وَالْمَالُ بِبَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّتِي بِهَا الْيَتِيمُ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ الْمَذْكُورِ الْمُسَافِرَةُ فِي الْبَحْرِ عِنْدَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ فِي الْبَحْرِ إذَا كَانَ يَخَافُ عَلَى الْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ مِنْهَا لَوْ تَرَكَ الْمَالَ فِيهَا أَمْ لَا فَقَدْ سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بَاقْضَامْ مُفْتِي عَدَنَ عَنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ إنَّ السَّفَرَ بِمَالِ الْيَتِيمِ فِي الْبَحْرِ لَا يَجُوزُ فَلَوْ كَانَ الْيَتِيمُ بِبَلَدٍ وَمَالُهُ بِآخَرَ وَلَا طَرِيقَ آمِنٌ إلَّا الْبَحْرَ وَالْيَتِيمُ مُحْتَاجٌ مَالَهُ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لِشَخْصٍ فِي نَقْلِ مَالِ الْيَتِيمِ فِي الْبَحْرِ لِيُوَصِّلَهُ إلَيْهِ فِي بَلَدِ الْيَتِيمِ وَهَلْ يَجُوزُ نَقْلُ مَالِ الْيَتِيمِ هَذَا فِي الْبَحْرِ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهَا مِنْ ظَالِمٍ وَيُقَالُ بِجَوَازِ إرْكَابِهِ الْبَحْرَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَوْ يَمْتَنِعُ أَوْ يَتَعَيَّنُ الْإِقْرَاضُ فِي الصُّورَتَيْنِ وَيَجُوزُ لِلْمُقْتَرِضِ السَّفَرُ وَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ إذَا اقْتَرَضَ مِنْ وَلِيِّ الْيَتِيمِ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ مِنْ قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ إذَا كَانَ سَفَرُهُ إلَى بَلَدِ الْيَتِيمِ لِيُوَفِّيَ الْوَلِيَّ مَالَ الْيَتِيمِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ فَأَجَابَ بِأَنَّهَا إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى رُكُوبِهِ فِي الْبَحْرَ جَازَ إذْ الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ.
وَأَمَّا قَرْضُهُ مِنْ مَلِيءٍ ثِقَةٍ فَجَائِزٌ لِلْقَاضِي مُطْلَقًا وَأَمَّا غَيْرُ الْقَاضِي فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرِضَ مَالَ الصَّبِيِّ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَالسَّفَرِ وَالنَّهْبِ وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلْمُقْتَرَضِ الْمُسَافِرَةُ إلَى بَلَدِ الْيَتِيمِ لِيُوَفِّيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْقَرْضِ ثُمَّ قَالَ وَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْمُسَافَرَةُ بِمَالِ فِي الْبَحْرِ آمَنُ مِنْ بَقَائِهِ فِي بَلَدِ الْمَالِ تَعَيَّنَ عَلَى الْوَلِيِّ الْمُسَافَرَةُ بِهِ حَيْثُ أَمْكَنَ ذَلِكَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إذَا أَرْهَقَتْ الْحَاجَةُ إلَى شِرَاءِ مَا لَا بُدَّ لِلْيَتِيمِ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ جَازَ لِلْوَلِيِّ شِرَاؤُهُ لَهُ بِذَلِكَ فَإِذَا جَازَ لِلْوَلِيِّ مَعَ تَحْقِيقِ الزَّائِدِ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ فَالْمُسَافَرَةُ بِهِ فِي الْبَحْرِ مَعَ نُدْرَةِ خَوْفِ الْفَوَاتِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.
جَوَابُهُ فَهَلْ مَسْأَلَتنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَوْ لَا وَهَلْ مَا قَالَهُ مُعْتَمَدٌ أَوْ لَا أَفْتُونَا جَزَاكُمْ اللَّهُ خَيْرًا فَالْمَسْأَلَةُ وَاقِعَةٌ وَإِلَيْكُمْ أَحْكَامُهَا رَاجِعَةً لَا عَدِمَكُمْ الْمُسْلِمُونَ.
(فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ مَعْنَى قَوْلِ الْفَقِيهِ الْمُجِيبِ ﵀ وَشَكَرَ سَعْيَهُ إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى رُكُوبِهِ فِي الْبَحْرِ إلَخْ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْبَرِّ طَرِيقٌ آمِنَةٌ يُسَافِرُ بِهِ فِيهَا وَتَعَذَّرَ إبْقَاؤُهُ فِي الْبَلَدِ لِخَوْفِ نَهْبٍ أَوْ نَحْوِهِ وَاضْطَرَّ الْيَتِيمُ إلَى مَجِيءِ مَالِهِ إلَيْهِ لِلْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْهُ لِتَعَذُّرِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِ السَّفَرِ حِينَئِذٍ فِي الْبَحْرِ الَّذِي تَغْلِبُ فِيهِ السَّلَامَةُ وَكَلَامُهُمْ مُصَرِّحٌ بِذَلِكَ فِي بَابَيْ الْإِيصَاءِ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهِمَا وَمِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ تَغْيِيبُ مَالِ الْمَوْلَى إذَا سَلِمَ بِهِ مِنْ نَحْوِ ظَالِمٍ وَكَذَا إعْطَاءُ بَعْضِهِ لَهُ لِسَلَامَةِ بَاقِيهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورَاتِ الَّتِي تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ أَمَّا إذَا كَانَ الْبَرُّ آمِنًا فَلَا يَجُوزُ السَّفَرُ بِهِ فِي الْبَحْرِ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ مَصْرُوفُ الْبَحْرِ أَقَلَّ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ بَلْ وَلَا حَاجَةَ فِي رُكُوبِ الْبَحْرِ بِهِ حِينَئِذٍ وَكَذَا إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ إبْقَاؤُهُ فِي الْبَلَدِ لِوُجُودِ أَمِينٍ بِهَا حَيْثُ لَا قَاضِي أَمِينًا بِهَا يَكُونُ عِنْدَهُ وَتَرَقُّبُ خَوْفٍ عَلَيْهِ بِفَرْضِ مَوْتِ الْأَمِينِ لَا نَظَرَ إلَيْهِ لِأَنَّا لَا نَنْظُرُ لِلْمُسْتَقْبِلَاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى التَّوَهُّمَاتِ سِيَّمَا وَالْخَوْفُ فِي الْبَحْرِ مَوْجُودٌ حَالًا وَفِي الْإِيدَاعِ لِلْأَمِينِ مَوْجُودٌ مَآلًا وَالْخَوْفُ الْحَالِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَآلِيِّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَكَذَا إذَا تَعَذَّرَ إبْقَاؤُهُ فِي الْبَلَدِ وَلَمْ يَضْطَرَّ الْيَتِيمُ لِإِحْضَارِهِ لِبَلَدِهِ وَوُجِدَ مُوسِرٌ ثِقَةٌ يَقْتَرِضُهُ بِشَرْطِهِ لِانْتِقَاءِ الضَّرُورَةِ حِينَئِذٍ إلَى السَّفَرِ بِهِ فِي الْبَحْرِ هُنَا أَيْضًا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُقْتَرِضٌ كَذَلِكَ أَوْ وُجِدَ وَلَمْ يَجُزْ إقْرَاضُهُ.
وَخِيفَ عَلَيْهِ فِي الْبَرِّ وَخِيفَ عَلَى إبْقَائِهِ فِي الْبَلَدِ فَقَدْ تَعَارَضَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَخُوفَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ خَوْفُ الْبَحْرِ وَخَوْفُ الْبَرِّ وَخَوْفُ الْإِبْقَاءِ فِي الْبَلَدِ فَإِنَّ زَادَ خَوْفُ الْبَلَدِ وَالْبَرِّ عَلَى خَوْفِ الْبَحْرِ فَإِنْ كَانَتْ السَّلَامَةُ فِيهِ أَغْلَبُ مِنْهَا فِيهِمَا وَكَانَ الْخَوْفُ
стр. 617
نَاجِزًا فِي الْكُلِّ لَا مُتَرَقَّبًا احْتَمَلَ أَنَّهُ يُقَالُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِجَوَازِ السَّفَرِ فِي الْبَحْرِ لِأَنَّا عَلِمْنَا مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي التَّعْيِيبِ وَإِعْطَاءِ الْبَعْضِ الْمَذْكُورَيْنِ آنِفًا أَنَّهُمْ رَاعَوْا أَخْطَرَ الضَّرَرَيْنِ فَلْيُرَاعَ الْأَخْطَرُ فِي مَسْأَلَتنَا وَإِذَا رُوعِيَ فِيهَا جَازَ السَّفَرُ بِهِ فِي الْبَحْرِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْبَرَّ وَالْبَلَد أَخْطَرُ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَوَى خَطَرُ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَجُوزُ الْبَحْر؛ لِأَنَّ إيثَارَهُ عَلَى نَظِيرَيْهِ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ لَا سِيَّمَا وَالْأَصْحَابُ أَيْ أَكْثَرُهُمْ مُصَرِّحُونَ بِحُرْمَتِهِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَلَامِهِمْ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْحَالَةِ الْأُولَى أَوْ عِنْدَ الْقَرِيبِ مِنْ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا ذَلِكَ فَبَقِيَتْ الْحُرْمَة فِيهَا عَلَى أَصْلِهَا هَذَا حَاصِلُ مَا يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
فَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيُرَاعِيَ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَة وَيَعْمَلَ بِمَا قُلْنَاهُ فِي كُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا وَكَلَامُ الْفَقِيهِ الْمُجِيبِ مُنَزَّلٌ عَلَى مَا فَصَّلْتُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُنَاقَشَةٌ؛ لِأَنَّهُ عَبَّرَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِالْجَوَازِ وَعِنْدَ كَوْنِ الْبَحْرِ آمِنًا بِالْوُجُوبِ وَاللَّائِقِ بَلْ الصَّوَابُ عَكْسُ ذَلِكَ وَهُوَ الْوُجُوبُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْجَوَازُ عِنْدَ غَيْرِهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ آخِرًا فَالْمُسَافَرَةُ بِهِ فِي الْبَحْرِ مَعَ نُدْرَةِ خَوْفِ الْفَوَاتِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَصَرَّحَ هُنَا بِالْجَوَازِ فِي الْحَالَيْنِ مَعَ مَا قَدَّمَهُ مِنْ الْجَوَازِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْوُجُوبِ عِنْدَ عَدَمِهَا وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْهُ تَعْبِيرُهُ هُنَا بِأَوْلَى إذْ كَيْفَ يُتَعَقَّلُ أَنَّهُ عِنْدَ نُدْرَةِ الْفَوَاتِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَكِنْ هَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْجَوَازِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ حَقِيقَتَهُ وَبِالْوُجُوبِ عِنْدَ عَدَمِهَا حَقِيقَتَهُ أَيْضًا وَلَيْسَ هَذَا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ مُرَادًا لِلْفَقِيهِ وَإِنْ أَوْهَمَتْهُ عِبَارَتُهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.
ثُمَّ رَأَيْت الْكَمَالَ الرَّدَّادَ شَارِحَ الْإِرْشَادِ أَفْتَى بِمَا يُوهِمُ خِلَافَ مَا ذَكَرْته وَذَكَرَهُ بَاقْضَامْ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ نَحْوِ مَا سُئِلَ عَنْهُ بَاقْضَامْ فَقَالَ فِي جَوَابِهِ الْوَجْهُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ غَلَبَةِ السَّلَامِ فِي الْبَحْرِ قَرْض مَالِهِ مِمَّنْ يَجُوزُ إقْرَاضُهُ لِلضَّرُورَةِ وَيُسَافِرُ الْمُقْتَرِضُ فِي الْبَحْرِ إلَى بَلَدِ طِفْل الْأَمِين إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَصِيٌّ إذْ ذَاكَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ ثُمَّ نَقَلَ الشَّافِعِيُّ ﵁ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تُبْضِعُ بِأَمْوَالٍ بَنِي أَخِيهَا مُحَمَّدٍ ﵁ فِي الْبَحْرِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا رَجَّحَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ مَنْعِ السَّفَرِ فِي الْبَحْرِ وَإِنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ اهـ.
وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَاب مَا عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ مَنْعِ السَّفَرِ فِي الْبَحْرِ وَإِنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ ثُمَّ مَا أَفْتَى بِهِ الْكَمَالُ مِنْ تَعَيُّنِ الْإِقْرَاضِ لَهُ وَجْهٌ إنْ وُجِدَ مَلِيء ثِقَة طَيِّبُ الْمَالِ غَيْرُ مُمَاطِلٍ لَهُ فِي بَلَدِهِ مَالٌ يَفِي بِمَا اقْتَرَضَهُ لَوْ فُرِضَ هَلَاكُهُ مَعَ مَا اقْتَرَضَهُ فِي الْبَحْرِ فَإِذَا وُجِدَ هَذَا فَتَعَيُّنُ إقْرَاضِهِ وَجِيهٌ وَأَمَّا إذَا اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ مَا قَدَّمْته مِنْ التَّفْصِيلِ وَفِي فَتَاوَى السُّبْكِيّ فِي بَابِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ نَقْلًا فِيمَا إذَا تَحَقَّقَ أَنَّ الْمَبْذُولَ فِي عَقَارِ الْيَتِيمِ دُونَ الْقِيمَةِ وَلَمْ يَجِدْ رَاغِبًا بِأَكْثَرَ وَدَعَتْ حَاجَةُ الْيَتِيمِ إلَى الْبَيْعِ لِلْأَكْلِ مَثَلًا وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْتَرِضْ مِنْهُ عَلَيْهِ قَالَ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إذَا فَرَضَ ذَلِكَ وَحَقَّتْ الْحَاجَةُ الْجَوَازُ وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْمَدِينِ إذَا طَالَبَ الْغَرِيمَ وَلَمْ يَجِدْ طَرِيقًا غَيْرَهُ. اهـ.
وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ فِي تَوَسُّطِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ مَالِ الْمُفْلِسِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَالُهُ مِمَّا يُسْرِعُ فَسَادُهُ كَالرِّيَاحَيْنِ وَالْبُقُولِ وَنَحْوِهَا فَيَظْهَرُ جَوَازُ بَيْعِهَا بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهَا إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَشْتَرِيهَا بِهِ لِئَلَّا تَتْلَفَ جُمْلَةً وَرَأْسًا. اهـ.
وَهَذَانِ ظَاهِرَانِ مِمَّا قَدَّمْته مِنْ التَّفْصِيلِ.
(وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ سُئِلَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ عَمَّا إذَا كَانَ كِتَابٌ لِجَمَاعَةٍ وَفِيهِمْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ مُطَالَعَةُ الْكِتَابِ بِإِذْنِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ مِنْ غَيْرِ إجَازَةٍ حَيْثُ لَا ضَرَرَ وَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَجُوزُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا نُقِلَ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ بِإِذْنِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ فَأَجَابَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ مُطَالَعَةُ الْكِتَابِ الْمُشْتَرَكِ بِشَرْطِ سَلَامَتِهِ وَالْخَوْفِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَرَضَةِ وَالتُّرَابِ وَالْغُبَارِ وَخَوْفِ الْفَسَادِ وَلَا يَجُوزُ لِأَجْنَبِيٍّ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْكِتَابِ إلَّا بِإِذْنِهِمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ.
جَوَابُهُ فَهَلْ يَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ بَلْ آخِرَ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ مَا أَجَابَ بِهِ هَذَا الْعَالِمُ صَحِيحٌ مُعْتَمَدٌ أَوْضِحُوا لَنَا الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جَزَاكُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَلْفَ خَيْرٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ
стр. 618
الَّذِي ذَكَرُوهُ أَنَّ الشَّرِيكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ كَالْأَجْنَبِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِأَحَدٍ فِي دُخُولِ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ بِغَيْرِ إذْنِ جَمِيعِ شُرَكَائِهِ وَمَا نُقِلَ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْمُطَالَعَةُ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ مَا لَمْ يُكْمِلْ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَيَأْذَنُ كَبَقِيَّةِ الشُّرَكَاءِ.
وَالْخَوْفُ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ الْأَرَضَةِ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْوَلِيِّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِغَيْرِ الْمُطَالَعَةِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَيْهَا وَعَلَى السَّائِلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ الْفَحْصُ وَالتَّنْقِيرُ عَمَّا يَجِدُهُ مِنْ الْفَتَاوَى الصَّادِرَةِ مِمَّنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِلنَّظَرِ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ بَلْ يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ كَلَام يَجِدُهُ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهَذَا لَا يَجُوزُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ ﵀ حَيْثُ قَالَ لَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ الْإِفْتَاءُ بِمَا يَجِدُهُ فِي الْكُتُبِ وَإِنْ رَأَى ذَلِكَ الْحُكْمَ فِي عَشْرِ كُتُبٍ فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْكُتُبَ كُلَّهَا قَدْ تَكُونُ مَاشِيَةً عَلَى طَرِيقَةٍ ضَعِيفَةٍ. اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ أَرْضًا وَمَاتَ الْمُشْتَرِي وَهِيَ بِيَدِ الْبَائِعِ وَلِهَذَا الْمُشْتَرِي وَلَدٌ سَفِيهٌ وَلَهُ زَوْجَةٌ أَقَامَهَا عَلَيْهِ أَبُوهُ وَحَجَرَهُ لَهَا فَمَاتَ هَذَا الْوَلَدُ وَلَهُ أَوْلَادٌ مِنْ هَذِهِ الزَّوْجَةِ فَأَقَامَهَا عَلَيْهِمْ أَيْضًا جَدُّهُمْ الْمُشْتَرِي الْمَذْكُورُ بَعْدَ مَوْتِ وَالِدِهِمْ وَحَجْرِهِمْ لَهَا وَمَاتَ وَهَذِهِ الْأَرْضُ بِيَدِ بَائِعِهَا فَعَمَدَتْ هَذِهِ الزَّوْجَةُ إلَى إنْسَانٍ مِنْ ذَوِي الشَّوْكَةِ وَجَعَلَتْ لَهُ عَلَى خَلَاصِ هَذِهِ الْأَرْضِ مِنْ بَائِعِهَا الْمَذْكُورِ جَمِيعَ مَا يَتَحَصَّلُ فِيهَا مِنْ الْغَلَّةِ مُدَّةَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ لِكَوْنِ بَائِعِ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ مُتَغَلِّبٌ عَلَيْهَا وَالْمُشْتَرِي يَضْعُفُ عَنْ الِاسْتِخْلَاصِ مِنْهُ فَقَامَ هَذَا الْإِنْسَانُ عَلَى هَذَا الْبَائِعِ وَرَفَعَ إلَى ذِي سُلْطَانٍ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى انْتِزَاعِ الْأَرْضِ مِنْهُ بِالْحَقِّ وَانْتَزَعَهَا مِنْهُ وَاسْتَقَلَّ بِغَلَّتِهَا سَنَةً فَقَطْ فَمَاتَتْ الزَّوْجَةُ فَقَامَ الْأَوْلَادُ عَلَى هَذَا الْإِنْسَانِ وَطَالَبُوهُ بِالْغَلَّةِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ وَمَنَعُوهُ مِنْ السَّنَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَأَخَّرَتَا لَهُ مِنْ الْجِعَالَةِ فَهَلْ لَهُمْ هَذَا أَمْ لَا وَهَلْ هَذِهِ الْجِعَالَةُ صَحِيحَةٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ كَانَ لِأُمِّ الْأَوْلَادِ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ بِوِصَايَةٍ مِنْ الْجَدِّ أَوْ نِيَابَةٍ مِنْ الْحَاكِمِ وَعَلِمْت أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَتَخَلَّصُ مِنْ بَائِعِهَا إلَّا بِمَا فَعَلَتْهُ مَعَ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ وَكَانَتْ الْغَلَّةُ مَعْلُومَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بِأَنْ وَصَفَتْهَا لَهُ بِأَوْصَافِ السَّلَمِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ تِلْكَ الْغَلَّةِ أَوْ قَدْرَهَا فِي مُدَّةِ السِّنِينَ الثَّلَاثِ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْغَلَّةُ مَعْلُومَةً لِذَلِكَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ الْأَوْلَادِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَا وِلَايَةَ لَهَا عَلَيْهِمْ فَيَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا أُجْرَةَ الْمِثْلِ مِنْ مَالِهَا وَفِيمَا إذَا اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ مِنْ مَالِ الْأَوْلَادِ يُقَاصِصُهُمْ بِمَا اسْتَغَلَّهُ مِنْ أَرْضِهِمْ إنْ وُجِدَتْ شُرُوطُ التَّقَاصِّ وَإِلَّا رَدَّ إلَيْهِمْ غَلَّتَهُمْ وَرَجَعَ عَلَيْهِمْ بِأُجْرَتِهِ وَفِيمَا إذَا اسْتَحَقَّهَا مِنْ مَالِ الْأُمِّ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ رَدُّ الْغَلَّةِ وَرَفْعُ يَدِهِ عَنْ الْأَرْض وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِأُجْرَتِهِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ إذَا كَانَتْ وَصِيَّةً أَوْ قَيِّمَةً عَلَى أَوْلَادِهَا وَبَاعَتْ عَلَيْهِمْ مَالًا مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ حَاجَةٍ وَلَا غِبْطَةٍ وَلَا ثَمَنِ مِثْلٍ لَدَى حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ أَخَلَّتْ بِوَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ فَهَلْ هَذَا الْبَيْعُ وَيُسَجِّلُ عَلَيْهِ الْقَاضِي لِشَفَقَتِهَا عَلَيْهِمْ كَبَيْعِ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ إذَا بَاعَا عَلَى أَوْلَادِهَا أَمْ غَيْرُ صَحِيحٍ لِكَوْنِهَا وَصِيَّةً أَوْ قَيِّمَةً فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ مَا ذُكِرَ أَعْلَاهُ وَإِذَا بَلَغَ الْوَلَدُ وَادَّعَى عَلَى أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ أَنَّهُ بَاعَ مَالَهُ بِغَيْرِ غِبْطَةٍ أَوْ حَاجَةٍ أَوْ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَقَالَا لَهُ بَلْ بِعْنَا بِغِبْطَةٍ أَوْ حَاجَةٍ مَثَلًا فَإِذَا قُلْتُمْ الْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ يَمِينِهِمَا فَإِذَا مَاتَا وَادَّعَى الْوَلَدُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا ذُكِرَ فَهَلْ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي كَحَلِفِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ أَنَّهُمَا بَاعَا عَلَيْهِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَاجَةِ وَالْغِبْطَةِ أَوْ مَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَإِذَا انْتَقَلَ الْمَالُ مِنْ وَاحِدٍ إلَى عَشْرَةٍ مَثَلًا فَهَلْ لِلْوَلَدِ هَذِهِ الدَّعْوَى عَلَى كُلِّ وَاضِعٍ أَوْ لِمَنْ هُوَ تَحْتَ يَدِهِ يَوْمَ الدَّعْوَى؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي أَعْتَمِدُهُ بَقَاءُ كَلَامِهِمْ عَلَى إطْلَاقِهِ مِنْ أَنَّ غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ الْوَصِيِّ أَوْ الْقَيِّمِ وَلَوْ أُمًّا لَا يُسَجِّلُ الْقَاضِي بِنَحْوِ بَيْعِهِ إلَّا إنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مُسَوِّغُهُ الشَّرْعِيُّ وَلَا يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ.
وَلَيْسَ فِي تَعْلِيلِهِمْ اغْتِفَارَ ذَلِكَ فِي الْأَبِ وَالْجَدِّ بِالشَّفَقَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأُمَّ الْوَصِيَّةَ مَثَلًا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّعْلِيلَ لَا يَنْظُرُ لِلشَّفَقَةِ فَحَسْبُ بَلْ إلَى كَوْنِهَا مِنْ كَامِلِ الْعَقْلِ وَالتَّصَرُّفِ فَالْعِلَّةُ مُرَكَّبَةٌ فَتَخْرُجُ الْأُمُّ؛ لِأَنَّ شَفَقَتَهَا مَعَ نَقْصِ عَقْلهَا وَتَصَرُّفُهَا
стр. 619
لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا فَوَجَبَ أَنْ لَا تَلْحَقَ بِالْأَبِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبِهَذَا يَتَّضِحُ ضَعْف بَحْثِ بَعْضِهِمْ إلْحَاقَهَا بِهِ وَالدَّعْوَى عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْأَبِ وَالْمُشْتَرَى مِنْهُ وَهَكَذَا كَهِيَ عَلَى الْأَبِ وَلَهُ الدَّعْوَى عَلَى كُلِّ مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْمَبِيعِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا حُكْمُ مُعَامَلَةِ مَنْ بَلَغَ وَهُوَ مُصْلِحٌ لِدُنْيَاهُ فَقَطْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حُكْمُهُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الْعُقُودُ الْمَالِيَّةُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِمَا كَالشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ عَلَى الْغَيْرِ كَبِنْتِهِ فِي نِكَاحِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفُرُوعِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ مَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَإِنْ تَبَرَّمَ اسْتَأْجَرَ أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ الْوَلِيُّ مِنْ الْقَاضِي أَنَّهُ يَفْرِضُ لَهُ أُجْرَةً لَمْ يُجِبْهُ هَلْ الْمَانِعُ مِنْ الْإِجَابَةِ صُورَةُ الْفَرْضِ دُونَ صُورَةِ الِاسْتِئْجَارِ أَمْ الْمَانِعُ دَوَامُ وِلَايَتِهِ حَتَّى يَكُونَ عَزْلُهُ وَالْفَرْضُ لَهُ بَعْدَهُ سَائِغٌ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى صُورَةِ الِاسْتِئْجَارِ أَمْ مُجَرَّدُ الْفَرْضِ كَافٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ فِيهِ غُمُوضٌ وَيَتَّضِحُ جَوَابُهُ بِنَقْلِ كَلَامِهِمْ عَلَى وَجْهِهِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا تَبَرَّمَ الْوَلِيُّ بِحِفْظِ مَالِ مُوَلِّيهِ وَالتَّصَرُّف فِيهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَتَوَلَّاهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَقَلّ مِنْ مَالِ مُوَلِّيهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَرِّرَ مِنْهُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَّهَمًا تُهْمَةً قَوِيَّةً فِي فَرْضِهِ لِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ أَبًا أَوْ جَدًّا بِخِلَافِهِ فِي تَوَلِّيه لِطَرَفَيْ الْبَيْعِ مَثَلًا مِنْ نَفْسِهِ لَهُ وَعَكْسُهُ وَجَازَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي لِيُنَصِّبَ قَيِّمًا لِذَلِكَ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ إذْ لَا تُهْمَةَ حِينَئِذٍ بِوَجْهٍ.
فَإِنَّ رَفَعَ إلَيْهِ لِيُقَرِّرَ لَهُ أُجْرَةً فَأَطْلَقَ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ لَا يُقَرِّرُهَا لَهُ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي الرَّفْع هُنَا أَيْضًا فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ لَكِنْ حَمَلَهُ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ كَالْغَزَالِيِّ وَابْنِ الصَّلَاحِ وَسَبَقَهُمَا إلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ الْبَارِزِيُّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عَلَى مَا إذَا وَجَدَ مُتَبَرِّعًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُتَبَرِّعًا أَجَابَهُ وَقَرَّرَ لَهُ أُجْرَةً وَقَدَّرَهَا الْقَاضِي بِمَا يَلِيقُ بِحَالِهِ وَعَمَلِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ الِاسْتِئْجَارَ فَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ الْأُجْرَةَ لِنَفْسِهِ حَيْثُ انْحَصَرَ الْأَمْرُ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَعْزِلْ نَفْسَهُ.
أَمَّا إذَا عَزَلَ نَفْسَهُ فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَتَسَلَّمَ الْمَالَ مِنْهُ ثُمَّ يَنْصِبَ لَهُ مَنْ يَرَاهُ بِأُجْرَةِ أَوْ بِدُونِهَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا تَبَرَّمَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِحِفْظِ مَالِ الْوَلِيِّ أَوْ بِتَنْمِيَتِهِ أَوْ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ عَنْ كَسْبِهِ الَّذِي يَكْفِيهِ أَمَّا إذَا اشْتَغَلَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ فَلَهُ إذَا كَانَ غَيْرَ قَاضٍ وَكَانَ فَقِيرًا أَوْ مِسْكِينًا أَخَذَ الْأَقَلَّ مِنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مُمَوِّنِهِ أَيْ أَقَلّ أَنْوَاعِ كِفَايَةِ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ وَمِنْ أُجْرَةِ عَمَلِهِ وَلَا يَضْمَنُ بَدَلَ مَا أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ عَمَلِهِ كَالْإِمَامِ إذَا أَخَذَ الرِّزْقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ نَعَمْ إنْ نَقَصَ أَجْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْأُمِّ إذَا كَانَتْ وَصِيَّةً عَنْ نَفَقَتِهِمْ وَكَانُوا فُقَرَاءَ تَمَّمُوهَا مِنْ مَالِ مَحْجُورِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا وَجَبَتْ بِلَا عَمَلٍ فَمَعَ الْعَمَلِ أَوْلَى فَانْدَفَعَ مَا لِلْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا مِنْ الِاعْتِرَاضِ فَإِنْ قُلْت لِمَ جَوَّزُوا لَهُ هُنَا الِاسْتِقْلَالَ بِالْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ الْقَاضِي بِخِلَافِهِ فِيمَا مَرَّ فِي صُورَةِ التَّبَرُّمِ قُلْت يُفَرَّقُ بِأَنَّ هَذِهِ حَالَةُ ضَرُورَةٍ فَالتُّهْمَةُ فِيهَا ضَعِيفَةٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ شُغْلَهُ بِمَالِ مُوَلِّيهِ عَنْ كَسْبِهِ الَّذِي يَكْفِيهِ شَاهِدٌ لَهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ.
وَمَنْ اشْتَرَطْنَا كَوْنَهُ فَقِيرًا بِخِلَافِ الْمُتَبَرِّمِ فَإِنَّهُ لَمْ يُضْطَرَّ لِلْأَخْذِ فَلَمْ نُمَكِّنْهُ مِنْ الْأَخْذِ بِنَفْسِهِ بَلْ أَمَرْنَاهُ بِالرَّفْعِ لِلْقَاضِي فَإِنْ رَأَى مُتَبَرِّعًا غَيْرَهُ اسْتَعْمَلَهُ وَإِلَّا فَرَضَ لَهُ كَمَا مَرَّ بَسْطُهُ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِمْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مَعَ تَوْضِيحِهِ وَتَقْرِيرِهِ فَعَلَى السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يَتَأَمَّلَهُ حَتَّى تَزُولَ عَنْهُ تِلْكَ التَّرْدِيدَاتُ الْمُنْبِئَةُ عَنْ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَرَّرْ لَهُ مِنْ كَلَامِهِمْ شَيْءٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ أَوْ عَنْ أَنَّهُ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ إذْ كَيْفَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالِاسْتِئْجَارِ مَعَ أَنَّ الْفَرْضَ هُوَ الِاسْتِئْجَارُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي قَوْلِهِمْ الَّذِي ذَكَرَهُ أَنْ يَفْرِضَ لَهُ أُجْرَةً فَفَرْضُ الْأُجْرَةِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ اسْتِئْجَارٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَمْ الْمَانِعُ دَوَامُ وِلَايَتِهِ فَجَوَابُهُ أَنَّ مَا قَرَّرْنَاهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ إجَابَتِهِ لَيْسَ هُوَ دَوَام وِلَايَتِهِ بَلْ اتِّهَامه فِي طَلَبِهِ الْفَرْضَ لِنَفْسِهِ مَعَ وُجُودِ مُتَبَرِّعٍ غَيْره وَمِنْ ثَمَّ لَوْ لَمْ يُوجَدْ مُتَبَرِّعٌ غَيْرُهُ فَرَضَ لَهُ الْأُجْرَةَ كَمَا تَقَرَّرَ فَعَلِمْنَا أَنَّ دَوَامَ وِلَايَتِهِ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْمَنْعِ بِمُجَرَّدِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مُتَبَرِّعًا غَيْرَهُ يَفْرِضُ لَهُ الْأُجْرَةَ مَعَ دَوَامِ وِلَايَتِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى عَزْلِهِ ثُمَّ تَوْلِيَتِهِ بِأُجْرَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا بِالْعَبَثِ أَشْبَهُ وَقَوْلُهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى صُورَةٍ الِاسْتِئْجَارِ إلَخْ مَبْنِيٌّ
стр. 620
عَلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ تَغَايُرِ الْفَرْضِ وَالِاسْتِئْجَارِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَرَّرَ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ فُلَانًا بَالِغٌ بِالسِّنِّ وَبَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ أَوْ بِأَنْ عَمَّرَهُ ثَلَاثَ عَشَرَةَ سَنَةً فَهَلْ تَكُونُ مِنْ شَهَادَةِ النَّفْيِ أَوْ لَا وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ وَإِنْ قِيلَ هَذَا فَمَا صُورَةُ شَهَادَةِ النَّفْيِ الْمَقْبُولِ وَغَيْرِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الشَّهَادَةِ بِالْبُلُوغِ بِالسِّنِّ مِنْ كَوْنِ الشَّاهِدَيْنِ خَبِيرَيْنِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِمَا لِعَدَدِ السِّنِينَ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي سِنِّ الْبُلُوغِ فَحِينَئِذٍ إذَا تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَانِ فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا خَبِيرَةً بِهِ دُونَ الْأُخْرَى قُدِّمَتْ الْخَبِيرَةُ عَلَى الْأُخْرَى وَكَذَا إذَا أَطْلَقَتْ إحْدَاهُمَا وَعُيِّنَتْ الْأُخْرَى فَتُقَدَّمُ الْمُعَيِّنَةُ عَلَى الْمُطْلَقَةُ وَإِنْ كَانَتَا خَبِيرَتَيْنِ وَعَيَّنَتَا كَأَنْ قَالَتْ وَاحِدَةٌ سَنَةَ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً وَقَالَتْ الْأُخْرَى سَنَةَ أَرْبَعَ عَشَرَةَ سَنَةً قُدِّمَتْ الْأُولَى؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ بِكَوْنِهَا نَاقِلَةً عَنْ أَصْلِ بَقَاءِ الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ وَالْأُخْرَى مُسْتَصْحِبَةٌ لِبَقَائِهِ فِيهَا وَالنَّاقِلَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمُسْتَصْحِبَةُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ نَعَمْ إنْ عَيَّنَتْ زَمَنًا لِلْوِلَادَةِ بِأَنْ قَالَتْ وُلِدَ وَقْتَ كَذَا وَقَالَتْ الْأُخْرَى شَاهَدْنَا أُمَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهِيَ غَيْرُ وَالِدَةٍ تَعَارَضَتَا وَتَسَاقَطَتَا وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ مِنْ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّ فُلَانًا بَالِغٌ بِالسِّنِّ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَكَذَا شَهَادَةُ الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ بِالسِّنِّ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ عَدَدِ السِّنِينَ وَهَذَا مِنْ صُوَرِ شَهَادَةِ النَّفْيِ غَيْرِ الْمَقْبُولِ وَإِنْ بَيَّنَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ بِالسِّنِّ وَعُمْرُهُ ثَلَاثَ عَشَرَةَ سَنَةً فَرْقًا إذْ الْأُولَى غَيْرُ مُعَيِّنَةٍ لِلسِّنِينَ فَلَا تُقْبَلُ وَإِنْ لَمْ يُعَارِضْهَا بَيِّنَةٌ أُخْرَى وَالثَّانِيَةُ مُعَيِّنَةٌ لَهَا فَتُقْبَلُ مَا لَمْ تُعَارِضْهَا بَيِّنَةٌ أُخْرَى كَمَا قَدَّمْتُهُ وَصُورَةُ شَهَادَةِ النَّفْيِ الْمَقْبُولِ هُنَا مَا ذَكَرْته مِنْ أَنْ تُعَيِّنَ بَيِّنَةً وَقْتًا لِلْوِلَادَةِ وَتَقُولَ الْأُخْرَى شَاهَدْنَا أُمَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَيْرَ وَالِدَةٍ فَهَذَا نَفْيٌ مَحْصُورٌ مُتَقَبَّلٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ تُلْغِي الْبَيِّنَةَ الْأُخْرَى لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ تَعَارُضِهِمَا.
[بَابُ الصُّلْحِ]
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي رَجُلَيْنِ تَصَالَحَا عَلَى إنْكَارٍ ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ الصُّلْحِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ وَأَبْرَأهُ فَهَلْ يَنْفُذُ الْإِقْرَارُ وَالْإِبْرَاءُ مُطْلَقًا أَمْ فِيهِ تَفْصِيلٌ بَيِّنُوا ذَلِكَ مَعَ بَسْطِ الْجَوَابِ فِيهِ فَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا؟
(فَأَجَابَ ﷺ عِبَارَةُ الْأُمِّ لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الصُّلْح عَلَى الْإِنْكَارِ وَإِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرًا فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ وَهُمَا عَلَى أَصْلِ حَقِّهِمَا وَيَرْجِعُ الْمُدَّعِي إلَى دَعْوَاهُ وَالْمُعْطَى بِمَا أُعْطِي وَسَوَاءٌ إذَا أَلْغَيْنَا الصُّلْحَ قَالَ الْمُدَّعِي قَدْ أَبْرَأْتُك مِمَّا ادَّعَيْت عَلَيْك أَوْ لَمْ يَقُلْهُ مِنْ قَبْلُ إنَّمَا أَبْرَأَهُ عَلَى أَنَّهُ يُتِمُّ لَهُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ وَلَيْسَ هَذَا بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَبِيعَهُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ فَإِذَا لَمْ يُتِمَّ لَهُ لِلْفَسَادِ رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَصْلِ مِلْكِهِ كَمَا كَانَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَايَعَا. اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِقَوْلِ الْمُدَّعِي بَعْدَ الصُّلْحِ الْفَاسِدِ قَدْ أَبْرَأْتُك لِمَا عُلِّلَ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا أَبْرَأَهُ عَلَى أَنْ يُتِمَّ لَهُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ أَيْ وَلَمْ يُتِمَّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَمْلِكُ مَا أَخَذَهُ بِالصُّلْحِ الْفَاسِدِ بَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَهُوَ أَنَّمَا أَبْرَأَ عَلَى ظَنِّ سَلَامَةِ مَا أَقْبِضُهُ لَهُ وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْرِئْهُ فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ بَانَ فَسَادُ إبْرَائِهِ فَيَبْقَى دَيْنُهُ بِحَالِهِ
وَجَرَى عَلَى هَذَا الَّذِي فُهِمَ مِنْ هَذَا النَّصِّ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ إذَا صَالَحَ مَعَ الْإِنْكَارِ مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ وَأَبْرَأَهُ مِنْ الْبَاقِي لَمْ يَبْرَأْ وَلَزِمَهُ فِي الْحُكْمِ رَدُّ مَا قَبَضَ حَتَّى لَوْ أَقَامَ بِالْأَلْفِ بَيِّنَةً عَادِلَةً كَانَ لَهُ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِهَا؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ كَانَ مَقْرُونًا بِمِلْكِ مَا صَالَحَ بِهِ فَلَمَّا لَزِمَهُ رَدُّهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ بَطَلَ إبْرَاؤُهُ لِعَدَمِ صِفَتِهِ كَمَنْ بَاعَ عَبْدًا بَيْعًا فَاسِدًا فَأَذِنَ لِمُشْتَرِيهِ فِي عِتْقِهِ فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِهِ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ كَانَ بِمِلْكِ الْعِوَضِ فَلَمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ لَمْ يُعْتِقْ عَلَيْهِ. اهـ.
وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ الْمُتَوَلِّي أَيْضًا مَعَ زِيَادَةٍ فَقَالَ لَوْ قَالَ بَعْدَ الصُّلْحِ بَرِئْت مِنْ الْحَقِّ أَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا فَقَالَ قَدْ مَلَّكْتُكهَا فَلَهُ الْعَوْدُ إلَى الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ اعْتِرَافَهُ عَلَى تَقْدِيرِ سَلَامَةِ الْعِوَضِ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَكَاتِبِهِ بَعْدَ قَبْضِ النُّجُومِ أَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ عَلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّ اعْتِرَافَهُ عَلَى تَقْدِيرِ سَلَامَةِ الْعِوَضِ لَهُ وَلَمْ
стр. 621
يَسْلَمْ فَإِنْ قَالَ بَعْدَ الصُّلْح أَبْرَأْتُك فَإِنْ كَانَ يَعْتَقِد صِحَّة الصُّلْحِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمٌ كَمَسْأَلَةِ الْكِتَابَة وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ الْفَسَادَ صَحَّ الْإِبْرَاءُ وَكَذَا لَوْ قَالَ بَعْدَ الصُّلْحِ وَهَبْتهَا مِنْك وَكَانَ الْمُدَّعِي عَيْنًا وَقَالَ قَبِلْت فَإِنْ اعْتَقَدَ فَسَادَ الصُّلْحِ صَحَّتْ الْهِبَةُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَا لِلْإِبْرَاءِ حُكْمٌ. اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَارَةً يَأْتِي بَعْد الصُّلْحِ بِمَا يَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْشَاءَ كَقَوْلِهِ بَرِئَتْ مِنْ الْحَقِّ وَمَلَكْت الْعَيْنَ فَلَا تَحْصُلُ الْبَرَاءَةُ وَلَا الْمِلْك قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابَةِ السَّابِقَةِ وَتَارَةً يَأْتِي بِمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْإِبْرَاءِ وَالْمِلْكِ كَأَبْرَأْتُكَ وَمَلَّكْتُك فَإِنْ عَلِمَ فَسَاد الصُّلْحِ صَحَّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِمَا عَلَى ظَنِّ شَيْءٍ وَإِنْ جَهِلَ فَسَادَهُ فَسَدَا؛ لِأَنَّهُ أُتِيَ بِهِمَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يَسْلَمُ لَهُ مَا صَالَحَ بِهِ فَلَمَّا لَمْ يَسْلَمْ لَهُ بَانَ عَدَمُ صِحَّتِهِمَا ثُمَّ تَفْصِيلُهُ الْمَذْكُورُ فِي أَبْرَأْتُك وَمَلَّكْتُك إنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْل شَيْخِهِ الْقَاضِي وَصَاحِبِهِ الْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِمَا فِي الرَّهْنِ.
وَنَظَائِرِهِ عَلَى ظَنِّ الْوُجُوبِ أَنَّهُ فَاسِدٌ وَاعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ أَمَّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّهْنِ تَبَعًا لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَوَلَدِهِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ مِنْ الصِّحَّةِ قَالَ الْإِمَامُ وَقَوْلُ الْقَاضِي بِالْفَسَادِ غَلَطٌ فَالْقِيَاسُ صِحَّةُ الْإِبْرَاءِ وَالتَّمْلِيكِ فِي أَبْرَأْتُك وَمَلَّكْتُك مُطْلَقًا وَهُوَ الْوَجْهُ.
وَأَمَّا مَا مَرَّ عَنْ الْمُتَوَلِّي فِي بَرِئْت فَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبْرَأْتُك أَنَّ بَرِئْت وَأَنْتَ حُرٌّ كُلٌّ مِنْهُمَا مُحْتَمِلٌ لِلْإِقْرَارِ وَالْإِنْشَاءِ بَلْ بَرِئْت صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي الْإِقْرَارِ لَكِنَّ الْقَرِينَةَ الظَّاهِرَةَ صَرَفَتْ ذَيْنك عَنْ الْإِنْشَاءِ وَمَحَّضْتُهُمَا لِلْإِقْرَارِ عَلَى أَنَّ ظَنَّ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فَإِذَا بَانَ بَقَاءُ حَقِّهِ بَانَ أَنَّ إقْرَارَهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا وَأَمَّا أَبْرَأْتُك وَمَلَّكْتُك فَهُمَا صَرِيحَانِ فِي الْإِنْشَاءِ وَالْقَرِينَةِ وَإِنْ قَوِيَتْ لَا قُوَّةَ لَهَا عَلَى صَرْفِ اللَّفْظِ الصَّرِيحِ فِي مَعْنَى إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَعَمِلَا بِمَا فِي مَعْنَاهُمَا مِنْ إفَادَةِ الْإِبْرَاءِ وَالْمِلْك سَوَاءٌ ظَنَّ صِحَّةَ الصُّلْحِ أَمْ لَا وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ النَّصِّ وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى كَلَامِ الْقَاضِي الضَّعِيفِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْبُلْقِينِيُّ أَيَّدَ كَلَامَ الْقَاضِي بِذَلِكَ النَّصِّ وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِقَوْلِهِ كَمَنْ بَاعَ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ وَأَنَّ الْقِيَاسَ الْعِتْقُ لِصِحَّةِ الْإِذْنِ وَمُصَادَفَةِ الْإِعْتَاقِ الْمِلْكَ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ السَّابِقَةِ أَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ الْإِبْرَاءُ صَرِيحًا بَلْ ضِمْنًا كَأَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ صَالَحْتُك مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ فِي الظَّاهِرِ وَكَذَا الْبَاطِنِ إنْ اشْتَرَطْنَا الْقَبُولَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَلْفِ إذَا بَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ثُبُوتُهَا بِإِقْرَارٍ وَبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ هُنَا إنَّمَا كَانَ فِي ضِمْنِ الصُّلْحِ فَإِذَا فَسَدَ فَسَدَ الْإِبْرَاءُ تَبَعًا لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ صَالَحْتُك مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ وَأَبْرَأْتُك مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى فَالْإِبْرَاءُ هُنَا وُجِدَ مُسْتَقِلًّا فَيَكُونُ صَحِيحًا وَلَا نَظَرَ لِتَبَعِيَّتِهِ لِلصُّلْحِ؛ لِأَنَّ شَأْنَ التَّابِعِ أَنْ لَا يُمْكِنَ اسْتِقْلَالُهُ بِنَفْسِهِ مَعَ وَصْفِ التَّبَعِيَّةِ وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ تَابِعًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُمْكِنُ اسْتِقْلَالُهُ بِنَفْسِهِ فَأَثَّرَ فِي مَدْلُولِهِ وَإِنْ فَسَدَ مَا سَبَقَهُ مِنْ الصُّلْحِ هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّجِهُ فِيمَا قَرَّرْته تَبَعًا لِلسُّبْكِيِّ وَإِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْكِتَابَةِ وَالصُّلْحِ وَغَيْرِهِمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَانِي الْأَمْرِ فِي نَحْوِ ذَلِكَ عَلَى مَا اعْتَقَدَهُ مُخَالِفًا لِمَا فِي الْبَاطِنِ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ. اهـ.
وَوَجْهُ رَدِّهِ أَنَّ هَذَا الْبَانِيَ تَارَةً بِعُذْرٍ فِي بِنَائِهِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةٍ لِلْقَرِينَةِ دَخْلٌ فِي تَخْصِيصِهَا فَلَا يُؤَاخَذُ وَتَارَةً لَا يُعْذَرُ بِأَنْ يَأْتِي بِمَا لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الْقَرِينَةُ فَيُؤَاخَذُ كَمَا سَبَقَ إيضَاحُهُ وَقَدْ جَرَى فِي الْأَنْوَارِ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَرِئْت وَأَبْرَأْتُك فَقَالَ لَوْ صَالَحَ مِنْ الْإِنْكَارِ ثُمَّ قَالَ بَرِئْت مِنْ الْحَقِّ أَوْ أَبْرَأْتُك عَنْهُ أَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا فَقَالَ مَلَّكْتهَا فَلَهُ الْعَوْدُ إلَى الدَّعْوَى وَلَا مُؤَاخَذَةَ بِالْإِقْرَارِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلَى مَا جَرَى. اهـ.
وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ صَحِيحٌ إلَّا مَا ذَكَرَهُ فِي أَبْرَأْتُك لِمَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ حَيْثُ وُجِدَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ مُطْلَقًا وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ الْأَذْرَعِيِّ إذَا لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَرْجِعُ إلَى الْعِوَضِ الَّذِي دَفَعَهُ وَلَا يَبْرَأُ بِذَلِكَ أَيْ بِإِبْرَاءِ الْمُدَّعَى لَهُ سَوَاءٌ صَرَّحَ بِالْإِبْرَاءِ أَوْ لَمْ يُصَرِّحْ فَإِنَّهُ وَإِنْ صَرَّحَ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَبْرَأَهُ لِيَسْلَمَ لَهُ الْعِوَضُ وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ فَبَطَلَ الْإِبْرَاءُ هَكَذَا رَأَيْته مَجْزُومًا بِهِ فِي طَرِيقَةِ الْعِرَاقِيِّينَ وَأَوْرَدَهُ فِي الذَّخَائِرِ عَنْ الْمُذْهَبِ. اهـ.
وَوَجْهُ عَدَمِ
стр. 622
مُنَافَاتِهِ لِمَا قُلْنَاهُ حَمْلُ قَوْلِهِ سَوَاءٌ أَصَرَّحَ بِالْبَرَاءِ عَلَى مَا إذَا صَرَّحَ بِهِ بِلَفْظِ بَرِئْت لَا بِلَفْظِ أَبْرَأْتُك لِمَا مَرَّ وَكَذَا يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْحِلْيَةِ وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَى مَالٍ ادَّعَاهُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ وَيَرْجِعُ بِمَا دَفَعَ مِنْ الْعِوَضِ سَوَاءٌ أَصَرَّحَ بِإِبْرَائِهِ أَوْ لَمْ يُصَرِّحْ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إذَا صَرَّحَ بِإِبْرَائِهِ بَعْدَ الصُّلْحِ سَقَطَ حَقُّهُ وَإِنْ قَالَ أَسْقَطْت عَنْك الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ صُلْحٍ فَفِي الْحَاوِي فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَسْقُطُ كَأَبْرَأْتُكَ اهـ.
وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي أَسْقَطْت هُوَ الَّذِي يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ صَرَّحَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّلَفُّظِ بَعْدَ الصُّلْحِ بِالْإِبْرَاءِ وَعَدَمِهِ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ بِلَفْظِ بَرِئْت دُونَ أَبْرَأْتُك فَكَلَامُهُ صَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَكَلَامُهُ ضَعِيفٌ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ مَا نَقَلَهُ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ مِنْ صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ إذَا كَانَ بِلَفْظِ أَبْرَأْتُك مُطْلَقًا وَمَرَّ مَا يُصَرِّحُ بِهِ وَيُؤَيِّدُهُ إطْلَاقُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ يُنْكِرُ وَقُلْنَا لَا يَفْتَقِر الْإِبْرَاءُ إلَى الْقَبُولِ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصُّورَةَ حَيْثُ لَمْ تَجْرِ مُصَالَحَةٌ وَيُحْتَمَلُ التَّعْمِيمُ كَمَا هُوَ الْوَجْهُ الْآخَرُ. اهـ.
وَالتَّعْمِيمُ هُوَ الْأَوْجَهُ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَتِمَّاتٌ وَمُنَاسِبَاتٌ مِنْهَا أَفْتَى النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَبْرَأَهُ فَإِنْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ اسْتِيفَاءٍ لَمْ يَصِحَّ وَالدَّيْنُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ بَرَاءَةِ إسْقَاطٍ سَقَطَ وَأَلْحَقَ الزَّرْكَشِيُّ مَا إذَا أَطْلَقَ بِالِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَسْقُطُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَقِيَاسُ مَا مَرَّ إلْحَاقُهُ بِالْإِسْقَاطِ فَيَسْقُطُ وَلِأَنَّ لَفْظَ الْإِبْرَاءِ صَرِيحٌ فِي الْإِسْقَاطِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ وَفِي الْأَنْوَارِ لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا فِي الذِّمَّةِ وَقَضَى ثَمَنَهُ مِنْ حَرَامٍ فَإِنْ سَلَّمَهُ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ بِطِيبِ قَلْبِهِ وَأَكَلَهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَدَاءِ الثَّمَنِ حَلَّ أَدَّاهُ مِنْ الْحَرَامِ أَوْ لَمْ يُؤَدِّ أَصْلًا وَالثَّمَنُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنْ أَدَّاهُ مِنْ الْحَرَامِ وَأَبْرَأَهُ الْبَائِعُ مَعَ الْعِلْمِ بِحُرْمَتِهِ بَرِئَ وَلَكِنْ أَثِمَ وَإِنْ أَبْرَأَهُ بِظَنِّ الْحِلِّ لَمْ يَبْرَأْ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَقَدَّمْت مَا فِيهِ وَمِنْهَا قَالَ فِي الْبَحْرِ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ أَبْرَأْتُك مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَالَ الْأَصْحَابُ تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ فِي الْحُكْمِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنِّي لَمْ أَعْلَمُ ذَلِكَ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بَاطِنًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الدَّيْنَ فَهُوَ مَجْهُولٌ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا اعْتَقَدَتْ قَبْضَ مَهْرِهَا فَقَالَتْ أَبْرَأْتُك عَنْ مَهْرِي ثُمَّ بَانَ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ أَوْ قَالَ أَبْرَأْتُك مِمَّا أَسْتَحِقُّهُ عَلَيْك مِنْ الشُّفْعَةِ بَاطِنًا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا أَوْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ مِنْ جَهِلَهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ. اهـ.
مُلَخَّصًا وَمِنْهُ يُؤْخَذُ صِحَّةُ إفْتَاءِ الْأَصْبَحِيِّ فِيمَنْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا فِي ذِمَّة أُمِّهَا فَظَنَّ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ مِنْ الْمَهْرِ فَأَبْرَأَ الْأُمَّ مِمَّا ثَبَتَ لَهُ عَلَيْهَا مِنْ عِوَضِ الْخُلْعِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ مِثْلِهِ الَّذِي لِلزَّوْجَةِ بِذِمَّتِهِ بِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ بَلْ يُحْكَمُ بِصِحَّةِ الْبَرَاءَةِ ظَاهِرًا إنْ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. اهـ.
وَيُوَافِقُهُ إفْتَاءُ أَبِي مَخْرَمَةَ فِيمَنْ ضَمِنَ فَأَبْرَأَ الْمَضْمُون لَهُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ يَتَحَوَّلُ الْحَقُّ وَلَمْ يُرِدْ سُقُوطَ دَيْنِهِ عَنْهُمَا بِأَنَّهُ يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ وَالضَّامِنُ عَنْ الدَّيْنِ الْمَذْكُورِ وَلَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ. اهـ. وَهَذَانِ صَرِيحَانِ فِيمَا قَدَّمْته مِنْ الْإِبْرَاءِ بِقَوْلِهِ أَبْرَأْتُك بَعْدَ الصُّلْحِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ لَمْ يَنْظُرَا لِلْقَرِينَةِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَكَذَا فِي تِلْكَ نَعَمْ نَقَلَ الْأَزْرَقِيُّ عَنْ الْأَصْبَحِيِّ أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الْبَرَاءَةِ وَالشَّرْطُ فَوْرِيٌّ فَأَبْرَأْته عَلَى التَّرَاخِي جَوَابًا لِكَلَامِهِ عَلَى ظَنِّ حُصُولِ الطَّلَاقِ لَهَا لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ عَلَى قِيَاسِ نَظَائِرِهَا فِي الصُّلْحِ اهـ وَفِيهِ مَيْلٌ إلَى مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِهِ صِحَّة الْإِبْرَاءِ بَعْدَ الصُّلْحِ الْفَاسِدِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْأَوْجَهَ خِلَافُهُ فَقِيَاسُهُ أَنَّ الزَّوْجَ هُنَا يَبْرَأُ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْإِبْرَاءَ هُنَا وَقَعَ فِي ضِمْنِ مُعَاوَضَةٍ وَهِيَ الْخُلْعُ فَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ وَيَلْزَمُ مِنْ فَسَادِ الْمُعَاوَضَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْإِبْرَاءِ فَسَادُهُ وَأَمَّا فِي الصُّلْحِ فَلَمْ يَقَع فِي ضِمْنِ مُعَاوَضَةٍ وَإِنَّمَا وَقَعَ عَلَى جِهَةِ التَّبَرُّعِ بِهِ بَعْدَ الصُّلْحِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ فَسَادِ الصُّلْحِ فَسَادُهُ.
وَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابَةِ فِيهِ خِلَافٌ حَاصِلُهُ أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ قَالَ لِلْمُكَاتَبِ حِينَ أَدَّى النُّجُومَ اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ فَقَدْ عَتَقْتَ فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهَا لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ بَنَى قَوْلَهُ ذَلِكَ عَلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ صِحَّةُ الْأَدَاءِ فَهُوَ كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا فَاسْتَحَقَّ
стр. 623
فَقَالَ مَعَ مُخَاصَمَتِهِ لِلْمُدَّعِي هُوَ مِلْكُ بَائِعِي إلَى أَنْ اشْتَرَيْته مِنْهُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ فِي رُجُوعِهِ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ فَإِنْ قَالَ الْمُكَاتَبُ أَرَدْت بِذَلِكَ عِتْقِي وَقَالَ السَّيِّد إنَّمَا أَرَدْت أَنَّك حُرٌّ أَوْ عَتَقْت بِمَا أَدَّيْت وَبِأَنَّ فَسَادَ الْأَدَاءِ صُدِّقَ السَّيِّدُ بِيَمِينِهِ لِلْقَرِينَةِ وَهِيَ إطْلَاقُ الْحُرِّيَّةِ عِنْدَ قَبْضِ النُّجُومِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ كَأَنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ لَا عِنْدَ قَبْضِ شَيْءٍ وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَنْ قِيلَ لَهُ طَلَّقْت امْرَأَتَك فَقَالَ نَعَمْ طَلَّقْتُهَا ثُمَّ قَالَ ظَنَنْت أَنَّ مَا جَرَى طَلَاقٌ وَقَدْ أَفْتَانِي الْفُقَهَاءُ بِخِلَافِهِ وَقَالَتْ الزَّوْجَةُ بَلْ طَلَّقْتنِي فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِقَرِينَةٍ كَأَنْ تَخَاصَمَا فِي لَفْظَة أُطَلِّقُهَا فَقَالَ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ التَّأْوِيلَ فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ وَهَذَا فِي الصُّورَتَيْنِ تَفْصِيلٌ لِلْإِمَامِ نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخَانِ وَقَالَ إنَّهُ قَوِيمٌ لَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَتَصْدِيقُهُ بِلَا قَرِينَةٍ عِنْدِي غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ جَرَى بِالصَّرِيحِ فَقَبُولُ قَوْلِهِ فِي دَفْعِهِ مُحَالٌ وَأَطْلَقَ فِي الْوَسِيطِ فِي الْأُولَى تَصْدِيقَ السَّيِّدِ بِيَمِينِهِ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ وَأَطْلَقَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَمَا فِي الْوَسِيطِ قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ الْمَنْقُولُ فِيهِمَا. اهـ.
وَمَعَ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَهُوَ الْوَجْهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ لَوْ أَقَرَّ بِبَيْعٍ ثُمَّ قَالَ كَانَ فَاسِدًا أَوْ أَقْرَرْت لِظَنِّي الصِّحَّةَ لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاق عَلَى الصَّحِيحِ وَلَا يُفَرَّقُ بِأَنَّ مَا هُنَاكَ لَمْ يُعَيِّنْ مُسْتَنَدَ ظَنّه بِخِلَافِهِ هُنَا؛ لِأَنَّ هَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ إذْ الصَّرِيحُ لَا يَرْتَفِعُ بِظَنِّ خِلَافِهِ سَوَاءٌ بَيَّنَ لِظَنِّهِ مُسْتَنَدًا أَمْ لَا ثُمَّ إذَا تَأَمَّلْت مَا تَقَرَّرَ عَلِمْت أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا قَالَ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ قَدْ عَتَقْت فَنَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتنَا أَنْتَ بَرِيءٌ أَوْ قَدْ بَرِئْت فَيُقْبَلُ لِقَرِينَةِ الصُّلْحِ الْفَاسِدِ وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَعْتَقْتُك عَتَقَ حَتَّى عَلَى كَلَامِ الْإِمَامِ وَالشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِيهِ فَنَظِيرُهُ الْإِبْرَاءُ فِي أَبْرَأْتُك مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْقَرِينَةِ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ صُورَةِ اعْتِرَاضٍ عَلَيْهِ فِي فَتْوَى سَابِقَةٍ بِقَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ذَكَرْتُمْ فِي أَوَّلِ جَوَابِكُمْ السَّابِقِ لِلْمَالِكِ أَنْ يَحْفِرَ فِي مِلْكِهِ كَيْفَ شَاءَ وَلَهُ مُطَالَبَةُ جَارِهِ بِتَحْوِيلِ عُرُوقِهِ مِنْ أَرْضِهِ وَإِنْ امْتَنَعَ حَوَّلَهَا هُوَ فَإِنْ تَعَذَّرَ تَحْوِيلُهَا فَلَهُ قَطْعُهَا ثُمَّ ذَكَرْتُمْ فِي آخِرِ الْجَوَابِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ بِمَا يُخَالِفُ الْعَادَةَ إلَّا إذَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إلَى ضَرَرِ مِلْكِ الْجَارِ فَإِنْ أَدَّى إلَى ضَرَرِ مِلْكِ الْجَارِ ضَمِنَهُ وَالْحَالُ أَنَّ عَادَةَ أَهْلِ الْبِلَادِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا إذَا كَانَ يَتَضَرَّرُ مَالِك الْأَرْضِ مِنْ عُرُوقِ شَجَرِ الْجَارِ فِي أَرْضِهِ وَأَرَادَ مَالِك الْأَرْضِ إزَالَتَهَا إمَّا بِيَدِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مَنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي مَصْلَحَتِهِ مَا يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ مِلْكِ الْغَيْرِ وَقَدْ قَالُوا لِكُلٍّ مِنْ الْمُلَّاكِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعَادَةِ فَإِنْ تَعَدَّى ضَمِنَ أَيْ مُخَالِفُ الْعَادَةِ وَقَالُوا إنْ تَصَرَّفَ بِمَا يَضُرُّ الْمِلْكَ فَلَهُ مَنْعُهُ وَإِنْ تَصَرَّفَ بِمَا يَضُرُّ الْمَالِكَ فَلَا مَنْعَ.
وَقَالُوا لَوْ فَعَلَ مَا الْغَالِبُ فِيهِ ظُهُورُ الْخَلَلِ فِي حِيطَانِ الْجَارِ كَدَقٍّ عَنِيفٍ يُزْعِجُ الْحِيطَانَ فَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ الْمَنْعَ مِنْ كُلِّ مُؤْذٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ مُطْلَقًا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي يَتَحَرَّرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا أَشَرْت إلَيْهِ فِي الْجَوَابِ الْأَوَّلِ بَلْ وَصَرَّحْت بِهِ أَنَّ الشَّخْصَ مَتَى تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ بِمَا يُوَافِقُ الْعَادَةَ لَمْ يُمْنَعْ مُطْلَقًا وَمَتَى تَصَرَّفَ بِمَا يُخَالِفُهَا فَإِنْ أَضَرَّ بِالْمَالِكِ لَمْ يُمْنَعْ أَوْ بِالْمِلْكِ مِنْهُ وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ الْعُرُوقِ الْمَذْكُورَة أَمَّا هِيَ فَالْحُكْمُ فِيهَا مَا ذَكَرْته فِي الْجَوَابِ السَّابِقِ سَوَاءٌ اعْتَادَ أَهْلُ الْبَلَدِ إبْقَاءَهَا أَمْ قَطْعَهَا؛ لِأَنَّهَا شَاغِلَةٌ لِمِلْكِ الْغَيْرِ وَمَانِعَةٌ لَهُ مِنْ تَمَامِ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَالشَّخْصُ لَا يُلْزَمُ بِأَنْ يَتَحَمَّلَ الضَّرَرَ بِبَقَاءِ مَالِ الْغَيْرِ فِي مِلْكِهِ نَظَرًا إلَى إزَالَةِ ذَلِكَ الْمَالِ عَنْ الْمِلْكِ أَنْ يُتْلِفَهُ فَإِنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ وَضَرَرُ صَاحِبِ الْأَرْضِ مُقَدَّمٌ عَلَى ضَرَرِ صَاحِبِ الشَّجَرِ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ أَوْ نَبَتَتْ فِي أَرْضِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَمْ يَكُنْ لِإِلْزَامِهِ بِبَقَائِهَا وَجْهٌ فَلَا تَلْتَبِسْ عَلَيْك هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِمَا قَبْلَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ فِي مِلْكِهِ شَجَرَةٌ وَعُرُوقُهَا فِي مِلْكِ رَجُلٍ آخَر فَارَاد الَّذِي فِي مِلْكِهِ عُرُوقُ الشَّجَرَةِ أَنْ يَقْطَعَهَا وَادَّعَى ضَرَرَهَا عَلَيْهِ فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الشَّجَرَةِ وَقَالَ إذَا قَطَعْت عُرُوقَهَا فَسَدَتْ الشَّجَرَةُ فَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَجُوز لِمَالِكِ الْأَرْضِ قَطْعُ الْعُرُوقِ السَّارِيَةِ إلَيْهَا مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ وَإِنْ
стр. 624
حَصَلَ لِلْغَيْرِ تَضَرُّرٌ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ صَاحِبِ الْأَرْضِ مُقَدَّمٌ عَلَى ضَرَرِ صَاحِبِ الشَّجَرَةِ فَلَا نَظَرَ لِفَسَادِهَا بِقَطْعِ عُرُوقِهَا الْمَذْكُورَةِ
(وَسُئِلَ) عَنْ شَجَرَةٍ بِمِلْكِ شَخْصٍ خَرَجَتْ أَغْصَانُهَا إلَى مِلْكِ آخَرَ فَأَضَرَّتْ بِزَرْعِهِ أَوْ شَجَرِهِ هَلْ لَهُ قَطْعُهَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِتَحْوِيلِهَا فَإِنْ امْتَنَعَ فَلَهُ قَطْعُهَا وَلَوْ بِلَا إذْنِ قَاضٍ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ حَيْثُ قَالُوا وَلِمَنْ تَحَوَّلَتْ أَغْصَان شَجَرِهِ لِهَوَاءِ مِلْكِهِ الْخَالِصِ أَوْ الْمُشْتَرَكِ وَكَذَا مَا اسْتَحَقَّ مَنْفَعَتَهُ بِنَحْوِ وَصِيَّةٍ إنْ قُلْنَا إنَّهُ يُخَاصِمُ أَنَّهُ يُطَالِبُ الْمَالِكَ بِتَحْوِيلِهَا فَإِنْ امْتَنَعَ الْمَالِكُ جَازَ لَهُ تَحْوِيلُهَا إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا جَازَ لَهُ قَطْعُهَا وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْقَاضِي وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ إبْقَائِهَا؛ لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ عَنْ مُجَرَّدِ الْهَوَاءِ لَا عَنْ اعْتِمَادِهَا عَلَى جِدَارِهِ مَا دَامَتْ رَطْبَةً وَكَالْأَغْصَانِ فِيمَا تَقَرَّرَ انْتِشَارُ الْعُرُوقِ وَمَيْلُ الْجِدَارِ وَحَيْثُ تَوَلَّى الْقَطْعَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُجْرَةٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَوَلَّاهُ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالتَّفْرِيغِ وَمَتَى قَطَعَ مَعَ إمْكَانِ التَّحْوِيل ضَمِنَ نَقْص قِيمَةِ الشَّجَرَةِ.
وَلَوْ دَخَلَ الْغُصْنُ الْمَائِلُ إلَى هَوَاءِ مِلْكِهِ فِي بَرْنِيَّة وَنَبَتَ فِيهِ أُتْرُجَّةٌ وَكَبُرَتْ حَتَّى تَعَذَّرَ إخْرَاجُهَا قُطِعَ الْغُصْنُ وَالْأُتْرُجَّةُ لِتَسْلَمَ الْبَرْنِيَّة لِاسْتِحْقَاقِ قَطْعِهِمَا قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا لَمْ يُذْبَحْ حَيَوَانُ غَيْرِهِ إذَا بَلَعَ جَوْهَرَة؛ لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةً قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَلِلْمَالِكِ غَرْسُ الْأَشْجَارِ فِي مِلْكه وَإِنْ عَلِمَ انْتِشَار أَغْصَانهَا إلَى هَوَاء مِلْكِ جَاره ثُمَّ إذَا انْتَشَرَتْ إلَى ذَلِكَ يَأْتِي فِيهَا مَا مَرَّ وَلَوْ سَكَتَ الْمَالِك عَنْ مُطَالَبَته بِالْقَطْعِ فِيمَا مَرَّ ثُمَّ بَاعَ مِلْكه فَلِلْمُشْتَرِي مُطَالَبَته بِهِ وَاَللَّه أَعْلَم (وَسُئِلَ) عَنْ شَجَر عَلَى جِسْر بَيْن أَرْضَيْنِ أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ خَرَجَ مِنْهُ أَغْصَانٌ وَانْتَشَرَتْ فِي هَوَاء الْأَرْض الْأُخْرَى حَتَّى تَضَرَّرَ صَاحِبهَا بِهَا فَهَلْ تُقْطَعُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِمَا حَاصِله أَنَّ جَوَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَة كَالْمَسْأَلَةِ السَّابِقَة فِي شَجَرَة خَرَجَتْ أَغْصَانهَا إلَى مِلْك آخَر فَأَضَرَّتْ بِشَجَرِهِ أَوْ زَرْعه، وَاَللَّه أَعْلَم.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ رِجَال مُشْتَرَكِينَ فِي دَارٍ فَمَالَ بَعْضهَا فَهَدَمُوهُ ثُمَّ أَعَادُوهُ بِنَقْضِهِ وَزِيَادَة فَادَّعَى أَحَدهمَا أَنَّهُ لَمْ يَأْذَن بِالْهَدْمِ وَلَا بِالْإِعَادَةِ مَا الَّذِي يَسْتَحِقّهُ هَذَا الْمُدَّعِي عَلَى الْمَذْكُورِينَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُصَدَّقُ مُنْكِر الْإِذْن فِي الْهَدْم فَلَهُ عَلَى الْهَادِمِينَ بِغَيْرِ إذْن شَرْعِيّ الْأَرْش وَهُوَ مَا بَيْن قِيمَة الْجِدَار قَائِمًا مَائِلًا وَقِيمَته مَهْدُومًا وَلَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِ شَيْء فِي مُقَابَلَة مَا أَعَادُوهُ لَكِنْ إنْ أَعَادُوهُ بِآلَةٍ يَمْلِكُونَهَا دُونَهُ جَازَ لَهُمْ نَقْضُهَا وَإِلَّا فَلَا.
(وَسُئِلَ) ﵁ خَرَجَتْ شَجَرَةٌ مِنْ مِلْكِهِ فَتَلِفَ بِظِلِّهَا زَرْعُ غَيْرِهِ هَلْ يَضْمَنُهُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ سَوَاءٌ أَطَلَبَ مَالِكُهَا إزَالَةَ الشَّجَرَة عَنْهُ أَمْ لَا قِيَاسًا عَلَى الْمَيَازِيبِ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ طَلَبِ إزَالَتِهَا وَعَدَمِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سُؤَالًا صُورَتُهُ سُئِلَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ عَنْ جِدَارٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَخَافَ أَحَدُهُمَا سُقُوطَهُ فَهَدَمَهُ أَيْ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ ثُمَّ أَعَادَهُ عَلَى الْحَالَةِ الْأُولَى أَوْ أَحْسَنَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ شَيْء فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّ مَنْ هَدَمَ جِدَارًا بَنَاهُ لَكِنْ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إنَّهُ لَا يَلْزَمهُ الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ يَخْتَلِفُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْصِ فَلَوْ بَنَاه كَبِنَائِهِ الْأَوَّلِ أَوْ أَحْسَنَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ مَا نَقَصَ. اهـ.
جَوَابُهُ فَهَلْ جَوَابُكُمْ كَذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَحْتَاجُ لِمُقَدِّمَةٍ وَهِيَ أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي الْجِدَارِ الْمُشْرِفِ عَلَى الِانْهِدَامِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ إذَا مَالَ الْجِدَارُ إلَى الطَّرِيقِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى نَقْضِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلِلْمَارَّةِ نَقْضُهُ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَوْ مَالَ وَخَشَى الْجَارُ مِنْ سُقُوطِهِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَالِهِ وَطَالَبَهُ بِهَدْمِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ شَيْئًا وَانْهِدَامُهُ مَظْنُونٌ قَالَ الْقَمُولِيُّ وَمُرَادُهُ إذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي هَوَائِهِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي لَوْ أَشْرَفَ الْجِدَارُ الْمُشْتَرَكُ عَلَى الِانْهِدَامِ وَخَشَى سُقُوطَهُ فِي الطَّرِيقِ وَتَضَرَّرَ النَّاسُ بِهِ أُجْبِرَ مَالِكَاهُ عَلَى نَقْضِهِ فَإِنْ طَلَبَهُ أَحَدُهُمَا أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ وَفَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ بِأَنَّ الشَّرِيكَ يَخَافُ تَلَفَ النَّقْضِ الْمُشْتَرَكِ بِخِلَافِ الْجَارِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ النَّقْضُ مُطْلَقًا حَيْثُ بَنَاهُ مُسْتَوِيًا فَعَرَضَ لَهُ الْمَيْلُ أَوْ الِاسْتِهْدَام وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَتَى كَانَ هَدْمُ الشَّرِيكِ سَائِغًا بِأَنْ امْتَنَعَ شَرِيكَهُ
стр. 625
وَحَكَمَ لَهُ حَاكِمٌ بِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَرْشُ نَقْصِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ وَإِلَّا لَزِمَهُ بِأَنْ يُقَوَّمَ الْجِدَارُ قَائِمًا وَمَهْدُومًا وَيُنْظَرَ لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فَيَلْزَمُهُ حِصَّةُ شَرِيكِهِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَدْمِهِ وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِإِعَادَتِهِ فَتَارَةً يُعِيدُهُ بِآلَةِ نَفْسِهِ وَتَارَةً يُعِيدُهُ بِالْآلَةِ الْمُشْتَرَكَةِ فَإِنْ أَعَادَهُ بِآلَةِ نَفْسِهِ كَانَ الْمُعَادُ مِلْكَهُ يَضَعُ عَلَيْهِ مَا شَاءَ وَيَنْقُضُهُ إذَا شَاءَ وَلِلشَّرِيكِ الْآخَرِ هَدْمُهُ إنْ بَنَاهُ شَرِيكُهُ قَبْلَ امْتِنَاعِهِ مِنْ الْبِنَاءِ وَإِنْ أَعَادَهُ بِالْآلَةِ الْمُشْتَرَكَةِ فَهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى مِلْكِهِمَا لَهُ وَلَا رُجُوعَ لِلْمُعِيدِ بِشَيْءٍ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْإِعَادَةِ وَمَا غَرِمَهُ لَهُ مِنْ أَرْشِ الْهَدْمِ يَفُوزُ بِهِ الْآخَرُ بَلْ لَهُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَرْشُ نَقْصِ حِصَّتِهِ مِنْ الْهَدْمِ إنْ نَقَصَتْ مُنْهَدِمَةً عَنْهَا مَبْنِيَّةً إلَّا أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ قِيمَتَهَا مَبْنِيَّةً تَزِيدُ عَلَيْهَا مُنْهَدِمَةً عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ فِي السُّؤَالِ أَنَّهُ أَعَادَهُ كَمَا كَانَ أَوْ لَا أَوْ أَحْسَنَ فَعُلِمَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ الْمَأْخُوذِ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَا أَطْلَقَهُ الْمُفْتِي الْمَذْكُورُ يَحْتَاجُ إلَى هَذَا التَّقْيِيدِ وَالتَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْته، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) شَخْصٌ أَخَذَ مِنْ مَالِ أَبِيهِ فِي حَيَاتِهِ مَبْلَغًا مَجْهُولَ الْعَدَدِ مِنْهُ فِضَّةٌ مُخْتَلِفَةُ الضَّرْبِ وَالصِّفَةِ وَالْوَزْنِ وَمِنْهُ ذَهَبٌ مُخْتَلِفُ النَّوْعِ ثُمَّ تُوُفِّيَ وَالِدُهُ وَخَلَّفَ وَلَدًا غَيْرَهُ فَقَالَ الْوَلَدُ الْمَذْكُورُ لِأَخِيهِ الْآخِذِ الْمَذْكُورَ أَنْتَ أَخَذْت مِنْ مَالِ أَبِينَا عِشْرِينَ أَلْفًا مِنْ الْأَشْرَفِيَّةِ مِنْهَا مَا هُوَ فِضَّةٌ مُخْتَلِفَةُ الضَّرْبِ وَالصِّفَةِ وَالْوَزْنِ وَمِنْهَا مَا هُوَ ذَهَبٌ مُخْتَلِفُ النَّوْعِ فَأَنْكَرَ الْآخِذُ أَخْذَ الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ وَقَالَ إنَّمَا أَخَذْت تِسْعَةَ آلَافٍ مَثَلًا مِنْهَا مَا هُوَ فِضَّةٌ مُخْتَلِفَةُ الضَّرْبِ وَالصِّفَةِ وَالْوَزْنِ وَمِنْهَا مَا هُوَ ذَهَبٌ مُخْتَلِفُ النَّوْعِ فَطَالَ النِّزَاعُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ ثُمَّ أَنَّهُمَا تَصَالَحَا عَلَى أَنَّ الْآخِذَ يَدْفَعُ لِأَخِيهِ الْمَذْكُورِ أَلْفًا وَخَمْسمِائَةِ أَشْرَفِيّ مِنْ الْفِضَّةِ السُّلَيْمَانِيَّة الْمُتَّفِقَةِ الضَّرْبِ وَالصِّفَةِ وَتَكُونُ مُؤَجَّلَةً فِي ذِمَّةِ الْآخِذِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا تَقَابُضٌ فِي الْمَجْلِسِ فَهَلْ هَذَا الصُّلْحُ صَحِيحٌ أَمْ لَا وَإِذَا ضَمِنَ الْآخِذَ شَخْصٌ فِي الْمَبْلَغِ الْمُؤَجَّلِ الَّذِي وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ فَهَلْ يَكُونُ الضَّمَانُ صَحِيحًا أَمْ لَا (الْجَوَابُ) هَذَا الصُّلْحُ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمَّا أَقَرَّ بِالتِّسْعَةِ آلَافٍ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يُبَيِّنْ كَمْ قَدْرُ الْفِضَّةِ مِنْهَا وَلَا كَمْ قَدْرُ الذَّهَبِ وَلَا بَيَّنَ أَنْوَاعَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا صِفَاتِهَا الْمُخْتَلِفَةِ وَحِينَئِذٍ فَهِيَ مُبْهَمَةٌ وَالصُّلْح عَنْ الْمُبْهَمِ عِنْدَ الْمُتَصَالِحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بَاطِلٌ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا إنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ شَيْئًا مُجْمَلًا وَأَقَرَّ لَهُ بِهِ وَصَالَحَهُ عَنْ عِوَضٍ صَحَّ فَحَمَلَهُ أَصْحَابُهُ كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا لِلْمُتَصَالِحِينَ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ الصُّلْحُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَجْهُولًا لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا ثَانِيهَا أَنَّهُ صَالِحٌ مِنْ الْحَالِّ عَلَى مُؤَجَّلٍ وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا فَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَغَيْرُهُمَا لَوْ أَتْلَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا قِيمَتُهُ دِينَارٌ فَصَالَحَهُ عَنْهُ بِعِوَضٍ مُؤَجَّلٍ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ فَإِنْ قُلْت يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُمَا أَيْضًا لَوْ صَالَحَهُ مِنْ أَلْفٍ حَالَّةٍ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُؤَجَّلَة فَهَذَا لَيْسَ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ فِي شَيْءٍ بَلْ هُوَ مُسَامَحَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا حَطّ خَمْسِمِائَةٍ وَالثَّانِي إلْحَاقُ أَجَلٍ بِالْبَاقِي وَالْأَوَّلُ سَائِغٌ فَيَبْرَأُ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ وَالثَّانِي وَعْدٌ لَا يَلْزَمُ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْبَاقِي فِي الْحَالِ. اهـ.
قُلْت لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي صُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ فَهُوَ أَنَّ الصَّالِح عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعِي فَإِذَا صَالَحَ مِنْ عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ عَلَى عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ كَانَ بَيْعًا فَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَحْكَامُهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ عِوَضِ الدَّيْنِ فِي الْمَجْلِسِ وَكَذَا قَبْضُهُ فِيهِ إنْ كَانَ الْعِوَضَانِ رِبَوِيَّيْنِ وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالْمُؤَجَّلِ عَنْ الْحَال وَلَا عَكْسُهُ وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ فِي صُلْحِ الْحَطِيطَةِ وَهُوَ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى بَعْضِ الْمُدَّعَى عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا كَصَالَحْتُكَ مِنْ الْأَلْفِ الَّتِي عَلَيْك عَلَى خَمْسِمِائَةٍ فِي الذِّمَّةِ وَكَذَا إنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَقَوْلُ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَهَا يَقْتَضِي كَوْنَهَا عِوَضًا فَيَصِيرُ بَائِعًا الْأَلْفَ بِخَمْسِمِائَةٍ أَشَارَ الرَّافِعِيُّ إلَى رَدِّهِ بِأَنَّ الصُّلْحَ مِنْهُ عَلَى بَعْضِهِ إبْرَاءٌ لِلْبَعْضِ وَاسْتِيفَاءٌ لِلْبَاقِي. اهـ.
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ صُلْحَ الْحَطِيطَةِ هِبَةٌ لِبَعْضِ الْعَيْنِ وَإِبْرَاءً عَنْ بَعْضِ الدَّيْنِ فَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الصُّلْحِ وَجَبَ الْقَبُولُ فِيهِمَا وَقَبْضُ الْمَوْهُوبِ بِالْإِذْنِ
стр. 626
وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ وَنَحْوِهِ كَأَبْرَأْتُكِ عَنْ خَمْسِمِائَةٍ وَصَالَحْتُك عَلَى الْبَاقِي لَمْ يَجِبْ الْقَبُولُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي هَذَا النَّوْعِ تَعْيِين الْبَاقِي فِي الْمَجْلِسِ وَلَا قَبْضَهُ فِيهِ وَلَا يَعُودُ الدَّيْنُ الْمُبَرَّأُ مِنْهُ بِامْتِنَاعِهِ مِنْ إعْطَاءِ الْبَاقِي وَلَوْ قَالَ صَالَحْتُك عَنْ الْأَلْفِ بِخَمْسِمِائَةٍ عَلَى أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ الْبَاقِي لَمْ يَصْلُحْ الصُّلْحُ فَإِنْ قُلْت فَمَا فِي السُّؤَال هَلْ هُوَ مِنْ أَنْوَاعِ صُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ أَوْ صُلْحِ الْحَطِيطَةِ قُلْت هُوَ مِنْ أَنْوَاعِ صُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ؛ لِأَنَّهُ صَالَحَهُ مِنْ الْمُدَّعَى بِهِ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى بَعْضِهِ وَحِينَئِذٍ فَالتَّأْجِيلُ فِيهِ يُفْسِدهُ فَإِنْ قُلْت هُوَ مُصَالَحَةٌ مِنْ التِّسْعَةِ آلَافٍ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الْأَلْفِ وَالْخَمْسمِائَةِ الْمَذْكُورَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُصَالَحَ عَلَيْهِ مُوَافِقٌ لِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ قُلْت إذَا فُرِضَ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ تَفْصِيلٌ أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخَانِ بِقَوْلِهِمَا وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَخَمْسُونَ دِينَارًا فَصَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ لَا يَجُوزُ وَكَذَا لَوْ مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ وَالتَّرِكَةُ أَلْفَا دِرْهَمٍ وَمِائَةُ دِينَارٍ وَهِيَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَصَالَحَهُ الْآخَرُ مِنْ نَصِيبِهِ عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ كَانَ الْمَبْلَغُ الْمَذْكُورُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ فَصَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ جَازَ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى تَقْدِيرِ الْمُعَاوَضَةِ فِيهِ فَيُجْعَلُ مُسْتَوْفِيًا لِأَحَدِ الْأَلْفَيْنِ وَمُعْتَاضًا عَنْ الدَّنَانِيرِ الْأَلْفِ الْأُخْرَى وَإِذَا كَانَ مُعَيَّنًا كَانَ الصُّلْحُ عَنْهُ اعْتِيَاضًا فَكَأَنَّهُ بَاعَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَخَمْسِينَ دِينَارًا بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَهُوَ مِنْ صُورَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ الِامْتِنَاع فِيمَا إذَا كَانَ الْمُصَالَحُ عَنْهُ مُعَيَّنًا وَجَوَازُهُ إنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ وَالْفَرْضِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صُلْحُ مُعَاوَضَةٍ وَحِينَئِذٍ لَا يُنَافِي مَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ فِيهَا صُلْحُ حَطِيطَةٍ فَبَعُدَ فِيهَا الِاعْتِيَاضُ وَفِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا لَوْ تَصَالَحَ وَارِثَانِ عَنْ تَرِكَةٍ هِيَ عَرْضٌ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ مَثَلًا عَلَى أَنَّ لِوَاحِدٍ الْعَرْضَ وَلِلْآخَرِ الدَّنَانِيرُ جَازَ وَكَأَنَّهُ اسْتَوْفَى خَمْسَةً وَاعْتَاضَ عَنْ نِصْفِ الْعَرْضِ خَمْسَة أَوْ وَهِيَ دِرْهَمٌ وَدِينَارٌ مَثَلًا وَهُمَا مُعَيَّنَانِ بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ دِينَارَيْنِ بَطَلَ أَوْ فِي الذِّمَّةِ صَحَّ وَلَا تُقَدَّرُ فِيهِ الْمُعَاوَضَةُ بَلْ هُوَ مُسْتَوْفٍ لِدِرْهَمٍ وَمُعْتَاضٌ عَنْ الْآخَرِ بِالدِّينَارِ ثَالِثُهَا كَوْنُ الْأَلْفِ وَالْخَمْسمِائَةِ صُلْحًا عَنْ التِّسْعَةِ الْآلَافِ إنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً وَالْحَالُ أَنَّهَا مِنْ أَنْوَاعِ صُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ بُطْلَانِ الصُّلْحِ حِينَئِذٍ فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ التِّسْعَةَ الْآلَافِ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ صَحَّ الصُّلْحُ إنْ قُبِضَتْ الْأَلْفُ وَالْخَمْسُمِائَةِ فِي الْمَجْلِسِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ صُلْحَ الْمُعَاوَضَةِ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَبْضُ الْعِوَضِ فِي الْمَجْلِسِ إنْ كَانَ الْعِوَضَانِ رِبَوِيَّيْنِ رَابِعُهَا عَدَمُ قَبْضِ الْأَلْفِ وَالْخَمْسمِائَةِ الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا إنْ كَانَ الْفَرْضُ أَنَّهَا مِنْ أَنْوَاعِ صُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ لِمَا تَقَرَّرَ فَإِنْ فُرِضَ أَنَّهَا مِنْ صُلْحِ الْحَطِيطَةِ بِأَنْ كَانَتْ الْأَلْفُ وَالْخَمْسمِائَةِ كُلُّهَا مِنْ بَعْضِ أَنْوَاعِ التِّسْعَةِ آلَافٍ صَحَّ الصُّلْحُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ قَبْضُهَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَا يَضُرُّ شَرْطُ التَّأْجِيلِ فِيهَا لِمَا تَقَرَّرَ آنِفًا وَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْضُ التِّسْعَةِ آلَافٍ مُوَافِقًا لِنَوْعِ الْأَلْفِ وَخَمْسِمِائَةٍ وَبَعْضُهَا مُخَالِفًا لَهُ فَإِنْ كَانَتْ التِّسْعَةُ آلَافٍ بَاقِيَةً تَحْتَ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا تَالِفَةً فَهَذِهِ الصُّورَةُ مَحَلُّ نَظَرٍ
وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ فِيهَا أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ الَّذِي ذَكَرْته أَنَّ هَذَا الصُّلْحَ حِينَئِذٍ اجْتَمَعَ فِيهِ صُلْحُ الْمُعَاوَضَة وَصُلْحُ الْحَطِيطَةِ وَذَلِكَ أَنَّنَا نَنْسُبُ النَّوْعَ الَّذِي فِي التِّسْعَةِ آلَافٍ الْمُوَافِقُ لِلْمُصَالَحِ عَلَيْهِ إلَى التِّسْعَةِ آلَافٍ ثُمَّ نَأْخُذُ بِمِثْلِ تِلْكَ النِّسْبَةِ مِنْ الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ فَإِذَا فَرَضْنَا ذَلِكَ ثُلُثًا جَعَلْنَا ثُلُثَ الْأَلْفِ وَخَمْسمِائَةِ فِي مُقَابَلَتِهِ وَيَكُونُ حِينَئِذٍ صُلْحَ حَطِيطَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى ثُلُثِهَا فَيَصِحُّ الصُّلْحُ بِثُلُثِهَا عَنْ ثُلُثِ التِّسْعَةِ آلَاف وَلَا يَضُرُّ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا الثُّلُثِ اشْتِرَاطُ التَّأْجِيلِ وَلَا عَدَم الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُصَالَحَ بِهِ أَوْ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا أَوْ لَا لِمَا مَرَّ فِي صُلْحِ الْحَطِيطَةِ وَأَمَّا ثُلُثَا الْأَلْفِ وَالْخَمْسِمِائَةِ فَيَكُونُ الصُّلْحُ بِهِمَا عَنْ ثُلُثَيْ التِّسْعَةِ الْآلَافِ صُلْحَ مُعَاوَضَةٍ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ وَعَدَمُ التَّأْجِيلِ وَكَوْنُ الْمُصَالَحِ عَنْهُ فِي الذِّمَّةِ فَإِنْ قُلْت لِمَ لَمْ تَجْعَلْ هَذِهِ الصُّورَةَ عَلَى وِزَانِ الصُّورَةِ السَّابِقَةِ عَنْ الشَّيْخَيْنِ وَهِيَ مَا لَوْ صَالَحَ عَنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَخَمْسِينَ دِينَارًا فِي الذِّمَّةِ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَكُونُ مُسْتَوْفِيًا أَحَدَ الْأَلْفَيْنِ وَمُعْتَاضًا عَنْ الدَّنَانِيرِ الْأَلْفِ الْأُخْرَى وَقِيَاسُ هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِمَا فِي التِّسْعَةِ الْآلَافِ مِنْ الْفِضَّةِ السُّلَيْمَانِيَّة
стр. 627
بِقَدْرِهَا مِنْ الْأَلْفِ وَخَمْسِمِائَةٍ وَمُعْتَاضًا لِبَاقِيهَا بِبَاقِي تِلْكَ قُلْت هَذَا ظَاهِرٌ إنْ كَانَ مَا فِي التِّسْعَةِ الْآلَافِ مِنْ الْفِضَّةِ السُّلَيْمَانِيَّة دُونَ الْأَلْفِ وَالْخَمْسِمِائَةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُفَضِّلُ شَيْئًا يُقَابِلُ بِهِ الْبَاقِيَ فَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ أَكْثَرُ تَعَذَّرَ كَوْنُ الْأَقَلِّ عِوَضًا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ عِوَضًا عَنْ جَمِيعِ التِّسْعَةِ الْآلَافِ فَلَمْ يُمْكِنْ حِينَئِذٍ إلَّا الْقَوْلُ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّ الْمُصَالَحَةَ حِينَئِذٍ اشْتَمَلَتْ عَلَى مُقَابَلَةِ السُّلَيْمَانِيَّةِ بِالسُّلَيْمَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَمُقَابَلَةُ السُّلَيْمَانِيَّة بِالسُّلَيْمَانِيَّةِ لَهُ حُكْمٌ وَمُقَابَلَتُهَا بِغَيْرِهَا لَهُ حُكْمٌ إذْ الْأَوَّلُ مِنْ صُلْحِ الْحَطِيطَةِ إنْ كَانَ الْمُصَالَحُ عَلَيْهِ أَقَلَّ وَالثَّانِي مِنْ صُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ
وَإِذَا اشْتَمَلَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَجَبَ رِعَايَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ هُنَا إلَّا بِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّا نَنْسِبُ مَا فِي التِّسْعَةِ الْآلَاف مِنْ السُّلَيْمَانِيَّة إلَيْهَا وَنَأْخُذُ بِمِثْلِ تِلْكَ النِّسْبَةِ مِنْ السُّلَيْمَانِيَّة الْمُصَالَحِ عَلَيْهَا وَنَجْعَلُهُ صُلْحَ حَطِيطَةٍ وَنُدِيرُ عَلَيْهِ أَحْكَامَ صُلْحِ الْحَطِيطَةِ وَيَكُونُ الْبَاقِي مِنْ السُّلَيْمَانِيَّة الْمُصَالَحِ عَلَيْهَا عِوَضًا عَنْ بَقِيَّةِ التِّسْعَةِ الْآلَافِ فَيَكُونُ صُلْحَ مُعَاوَضَةٍ وَيُدَارُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ السَّابِقَةُ فَإِنْ قُلْت فَلَوْ كَانَ بَعْضُ التِّسْعَةِ بَاقِيًا وَبَعْضُهَا تَالِفًا مَا حُكْمُهُ قُلْت الَّذِي يَتَّجِهُ فِي هَذِهِ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ نَنْسُبُ التَّالِفَ إلَى الْبَاقِي فَإِنْ كَانَ النِّصْفَ مَثَلًا بَطَلَ الصُّلْحُ فِي نِصْفِ الْأَلْفِ وَالْخَمْسمِائَةِ وَبَقِيَ الصُّلْحُ وَاقِعًا بِنِصْفِ الْأَلْفِ وَالْخَمْسمِائَةِ عَنْ النِّصْفِ التَّالِفِ مِنْ التِّسْعَةِ آلَافٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا التَّالِفِ شَيْءٌ مِنْ السُّلَيْمَانِيَّة فَهُوَ صُلْحُ مُعَاوَضَةٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهَا يَأْتِي فِيهِ مَا ذُكِرَ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ وَضَمِنَ شَخْصُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْأَلْفِ وَالْخَمْسمِائَةِ الْمُصَالَحِ عَلَيْهَا فَحَيْثُ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الصُّلْحِ عَلَيْهَا جَمِيعِهَا صَحَّ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ دَيْنٌ ثَابِتٌ لَازِمٌ مَعْلُومٌ وَحَيْثُ حَكَمْنَا بِصِحَّتِهِ عَلَى بَعْضِهَا صَحَّ ضَمَانُ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَحَيْثُ حَكَمْنَا بِبُطْلَانِهِ فِي جَمِيعِهَا لَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ لَهُ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ خَمْسُونَ دِينَارًا وَأَلْفُ دِرْهَمٍ صَالَحَهُ عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ جَازَ وَيُجْعَلُ مُسْتَوْفِيًا لِلْأَلْفِ وَمُعْتَاضًا عَنْ الْخَمْسِينَ الْأَلْفِ الْأُخْرَى ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ فِي الصُّلْحِ وَقِيَاسُ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ الْبُطْلَانُ فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَاهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ؛ لِأَنَّ أَلْفًا مِمَّا صَالَحَ بِهِ مُمَاثِلَةٌ لِلْأَلْفِ الَّتِي فِي الذِّمَّةِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جَعْلُهَا فِي مُقَابَلَتِهَا بَيْعًا بَلْ ذَلِكَ هُوَ حَقِيقَةُ الِاسْتِيفَاءِ وَالْأَلْفُ الْأُخْرَى تَعَيَّنَتْ مُعَاوَضَةً عَنْ الدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِهَا وَحِينَئِذٍ فَعَقْدُ الْمُعَاوَضَةِ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى شُرُوطِ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَة؛ لِأَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْ الدَّنَانِيرِ بِالدَّرَاهِمِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فَلِذَا صَحَّحَ الشَّيْخَانِ مَا ذُكِرَ مِنْ الصِّحَّةِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْجِدَارِ بَيْنَ الْمَالِكَيْنِ إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا فِيهِ بَابٌ هَلْ يُرَجَّحُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قِيَاسُ عَدَمِ التَّرْجِيح بِالْجُذُوعِ عَدَمُهُ بِالْبَابِ أَيْضًا
(وَسُئِلَ) عَنْ شَجَرَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ مَنَعَتْ النَّاسَ مِنْ الْمَمَرِّ تَحْتَهَا رُكْبَانًا وَلَمْ يُعْلَمْ أَسَبَقَتْ الطَّرِيقَ أَمْ لَا فَهَلْ يُقْطَعُ الْمَانِعُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يُقْطَعُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ فِي الصُّلْحِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ فَتَحَ فِي مِلْكِهِ طَاقَاتٍ تُشْرِفُ عَلَى جَمِيعِ جِيرَانِهِ فَهَلْ يُؤْمَرُ بِسَدِّهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يُؤْمَرُ بِسَدِّهَا بَلْ بِعَدَمِ الِاطِّلَاع مِنْ الْكُوَّاتِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّنْ لَهُ دَارَانِ فِي أَحَدهمَا شَجَرَةٌ فَتَدَلَّتْ أَغْصَانُهَا إلَى الْأُخْرَى فَاشْتَرَطَ شَخْصٌ الَّتِي فِيهَا الْأَغْصَانُ ثُمَّ زَادَ انْتِشَارُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ حَالَ الْبَيْعِ فَهَلْ يُكَلَّفُ قَطْعَهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى الْبَارِزِيُّ بِأَنَّ لَهُ مُطَالَبَةَ الْبَائِعِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِالْمَوْجُودِ وَلَا يُقَالُ شِرَاؤُهُ لِذَلِكَ إقْدَامٌ مِنْهُ عَلَى نُمُوِّهِ؛ لِأَنَّ نُمُوَّهُ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ بَلْ لَوْ قَالَ رَضِيت بِمَا يَمْتَدُّ مِنْ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ بَلْ لَوْ صَالَحَ عَلَى إبْقَائِهِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ هَوَاءٍ بِلَا أَصْلٍ فَإِنْ قُلْت يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا لَوْ اشْتَرَى مَرِيضًا عَالِمًا بِمَرَضِهِ فَمَاتَ فَإِنَّهُ لَا خِيَارِ لَهُ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِمَرَضِهِ رِضًا مِنْهُ بِمَا يَحْدُثُ مِنْهُ قُلْتُ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الرِّضَا بِالْمَرَضِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَوْطِينِ النَّفْسِ عَلَى الرِّضَا بِتَلَفِ الْمَبِيعِ مِنْ أَصْلِهِ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ مُنْضَبِطٌ بِخِلَافِهِ فِيمَا مَرَّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ وَالرِّضَا بِهِ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ الْمَبِيعِ فَلَمْ يَكُنْ الرِّضَا بِهِ مُسْتَلْزِمًا لِتَوْطِينِ النَّفْسِ عَلَى نَظِيرِ مَا ذَكَرْته.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلْ إذَا كَانَ بَيْنَ شَخْصٍ وَجَمَاعَةٍ
стр. 628
عَقَارٌ وَفِيهِ عُلُوٌّ فَآلَ الْعُلُوُّ إلَى السُّقُوطِ وَتَضَرَّرَ مِنْهُ الْجَارُ وَالْمَارُّ فَأَرَادَ الشَّخْصُ أَنْ يَهْدِمَهُ فَلَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا بِعِمَارَةِ شَيْءٍ فِي الْعَقَارِ الْمَذْكُورِ يَصْعَدُ مِنْهُ إلَيْهِ فَعَمَّرَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ وَهَدَمَ الْعُلُوّ أَيْضًا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ وَبِغَيْرِ إذْنِ حَاكِمٍ وَإِنَّمَا هُوَ بِمُجَرَّدِ تَضَرُّرِ مَنْ ذُكِرَ فَهَلْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي مَحَلِّهِ وَيُحْسَبُ لَهُ مَا صَرَفَهُ لِلْعِمَارَةِ وَالْهَدْمِ وَإِذَا عَمَّرَ فِي الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِمْ وَإِذَا كَانَ تَحْتَ يَدِهِ شَيْءٌ لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ فَصَرَفَهُ عَلَى الْمَكَانِ ثُمَّ آلَ إلَى التَّلَفِ بِالْكُلِّيَّةِ فَهَلْ يَبْرَأُ بِذَلِكَ وَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الْعِمَارَةِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْهَدْمُ الْمَذْكُورُ فِيهَا لَمْ يَقَعْ فِي مَحَلِّهِ وَلَا يُحْسَبُ لَهُ مَا صَرَفَهُ لِلْعِمَارَةِ وَالْهَدْمِ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِمْ بِمَا عَمَّرَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِمْ وَلَا يَبْرَأُ بِمَا صَرَفَهُ مِمَّا تَحْتَ يَدِهِ لَهُمْ لَكِنَّ الْآلَةَ الَّتِي عَمَّرَ بِهَا عَلَى مِلْكِهِ فَلَهُ هَدْمُهَا وَالرُّجُوعُ فِي أَعْيَانِهَا.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا تَنَازَعَا عَيْنًا ثُمَّ تَصَالَحَا عَلَيْهَا بَعْدَ إقْرَارِ أَحَدِهِمَا أَنَّهَا لِلْآخَرِ فَإِذَا مَضَى لَهَا مُدَّةٌ تَحْت يَدِ الْمُقِرِّ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا فِي الصُّلْحِ لِذِكْرِ الْأُجْرَةِ فَهَلْ تَلْزَمُ الْمُقِرَّ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ تَقَدَّمَتْ الْمُدَّةُ عَلَى الْإِقْرَارِ فَلَا أُجْرَةَ إذْ يَكْفِي فِي صِدْقِ الْإِقْرَارِ الْمُطْلَقِ سَبْقُ الْمِلْكِ عَلَيْهِ بِلَحْظَةِ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ وَتَضْمَنُ مَا يَقْتَضِي وُجُوبَ أُجْرَتِهَا فَالصُّلْحُ عَلَى مُجَرَّدِ الْعَيْنِ لَا يَتَنَاوَلُ الْأُجْرَةَ الْوَاجِبَة بِسَبَبِهَا فَيَجِبُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ امْرَأَةٍ تُوُفِّيَتْ عَنْ زَوْجٍ وَبِنْتٍ وَأُمٍّ وَلَهَا حِصَّةٌ فِي عَقَارَاتٍ فَصَالَحَتْ الْأُمُّ الزَّوْجَ عَنْ حِصَّتِهِ وَحِصَّةِ بِنْتِهِ بَعْدَ إخْفَائِهَا مُسْتَنَد الْمَيِّتَة وَأَبْرَأهَا الزَّوْجُ عَنْ حَقِّهِمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الصُّلْحُ إنْ وَقَعَ بَعْدَ إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَهُوَ بَاطِلٌ أَوْ بَعْد إقْرَارِهِ أَوْ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ بِالْحَقِّ صَحَّ فِي نَصِيبِ الزَّوْجِ وَبَطَلَ فِي نَصِيب بِنْتِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِيهِ حَظٌّ وَالْأَصَحُّ أَيْضًا وَأَمَّا الْإِبْرَاءُ هُنَا فَبَاطِلٌ إذْ الْمُبَرَّأُ مِنْهُ عَيْنٌ لَا دَيْنٌ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ هَلَكَ عَنْ زَوْجَةٍ وَلَهَا عَلَيْهِ حَقٌّ وَكَسَاوِي فَعَوَّضَهَا أَخُوهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ وَلَيْسَ بِوَصِيٍّ فَهَلْ يَصِحُّ وَإِذَا أَبْرَأَتْهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَهَلْ تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ الْأَخُ الْمُعَوِّضُ وَارِثًا وَعَلِمَ هُوَ وَهِيَ أَنَّ مَا تَعَوَّضَتْ عَنْهُ يَنْقُصُ عَنْ حَقِّهَا أَوْ يُسَاوِيهِ صَحَّ التَّعْوِيضُ فِي حِصَّتِهِ وَإِلَّا فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ وَكَذَا لَوْ جَهِلَتْ الْقَدْر الْمُبَرَّأ مِنْهُ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يَجُوز التَّوْكِيلُ فِي اسْتِيفَاء الْحَقِّ وَالصُّلْحِ أَوْ لَا لِقَوْلِهِ فِي الْأَنْوَارِ وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي الْخُصُومَة وَأَجَازَ صُلْحَهُ وَإِقْرَارَهُ بَطَل التَّوْكِيلُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَجُوزُ التَّوْكِيل فِي اسْتِيفَاء الْحَقِّ وَالصُّلْحُ عَنْهُ كَمَا ذَكَرُوهُ وَلَا يُنَافِيهِ مَا ذَكَرَ عَنْ الْأَنْوَارِ إنْ سُلِّمَ أَنَّهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ فِي الْخُصُومَةِ وَلَمْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى صُلْحٍ وَلَا إقْرَارٍ فَتَعَدَّى وَصَالَحَ أَوْ أَقَرَّ عَنْ مُوَكِّله بَطَلَ تَوْكِيلُهُ فِي تِلْكَ الْخُصُومَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَة لِبُطْلَانِ مَا فَعَلَهُ بِتَعَدِّيهِ مِنْ الصُّلْحِ وَالْإِقْرَارِ عَلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ فِي الْإِقْرَار لَا يَصِحُّ وَإِنْ نَصَّ لَهُ الْمُوَكِّلُ عَلَى ذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَحْدَثَ وَفَتَحَ فِي جِدَاره نَقْبًا إلَى زُقَاق ضَيِّق مِنْ شَوَارِع الْمُسْلِمِينَ وَحَمَلَ جِيرَانَهُ وَرَكَّبَ عَلَى النَّقْبِ فِي هَوَاء الشَّارِعِ بَرْبَخًا وَسَلَّطَ عَلَى هَذَا الشَّارِعِ الضَّيِّقِ مِيَاهَ بَيْتِهِ مِنْ الطُّهْرِ وَغَيْرِهِ وَرَكَّبَ فَوْق الْبَرْبَخِ خَارِجَ الْجِدَار أَلْوَاحًا مِنْ الْخَشَب لِحِفْظِ الْبَرْبَخِ عَنْ الْكَسْرِ وَتَضَرَّرَ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَجِيرَانُهُ الْمَارُّونَ فِي هَذَا الزُّقَاقِ بِسَبَبِ مَا يَنْزِل مِنْ الْمِيَاهِ النَّجِسَةِ وَاَلَّذِي أَحْدَثه مِنْ النَّقْبِ الْمَذْكُورِ إحْدَاثٌ مِنْهُ وَبِدْعَةٌ صَدَرَتْ عَنْهُ لَمْ تَكُنْ مِنْ قَبْلُ أَبَدًا فَهَلْ لَهُ إحْدَاث هَذَا الْأَمْرِ الْمُضِرِّ لِلْجِيرَانِ وَالْمُسْلِمِينَ الْمَارِّينَ فِي هَذَا الزُّقَاقِ وَهَلْ لِحَاكِمِ الشَّارِعِ زَجْرُهُ وَمَنْعُهُ عَنْ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ إحْدَاث مَا ذُكِرَ فِي الشَّارِعِ الضَّيِّقِ إذَا تَضَرَّرَ بِهِ الْمَارَّةُ تَضَرُّرًا لَا يُحْتَمَل عَادَةً كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُمْ سِيَّمَا كَلَامَ الْمِنْهَاجِ فَإِنَّهُ قَالَ الطَّرِيقُ النَّافِذ لَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا يَضُرُّ الْمَارَّة قَالَ فِي دَقَائِقِهِ وَتَعْبِيرِي بِمَا يَضُرُّ الْمَارَّةَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ غَيْرِي بِمَا يُبْطِلُ الْمُرُورَ. اهـ. وَمُرَادُهُ بِالضَّرَرِ مَا ذَكَرْته لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهِ الضَّرَرُ الْخَفِيف الَّذِي لَا يَدُوم كَإِلْقَاءِ نَحْو الْحِجَارَةِ لِلْعِمَارَةِ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَفِي عِبَارَة الْمِنْهَاج شُمُولٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ أَيْ مِنْ أَنَّ مَا أَضَرَّ بِهِمْ ضَرَرًا لَا يُحْتَمَلُ، يُمْنَعُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الدَّوَامَ كَحَفْرِ الْقَنَاةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَالرَّشِّ الْمُفْرِط وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْتَمَلُ ضَرَره
стр. 629
اهـ.
عَلَى أَنَّ الْغَزَالِيَّ ﵀ صَرَّحَ بِخُصُوصِ مَسْأَلَتنَا فِي الْإِحْيَاءِ فَقَالَ وَكَذَا الْقَصَّابُ إذَا كَانَ يَذْبَحُ فِي الطَّرِيقِ حِذَاءَ بَابِ الْحَانُوت وَيُلَوِّثُ الطَّرِيقَ بِالدَّمِ فَيُمْنَعَ مِنْهُ بَلْ حَقُّهُ أَنْ يَتَّخِذَ فِي دُكَّانِهِ مَذْبَحًا فَفِي ذَلِكَ تَضْيِيقٌ وَإِضْرَارٌ بِسَبَبِ تَرْشِيشِ النَّجَاسَةِ وَإِضْرَارٌ بِسَبَبِ اسْتِقْذَارِ الطِّبَاع الْقَاذُورَاتِ وَكَذَا طَرْح الْقُمَامَةِ عَلَى جَوَادِ الطَّرِيق وَتَبْدِيد قُشُور الْبِطِّيخِ أَوْ رَشُّ الْمَاء بِحَيْثُ يُخْشَى مِنْهُ التَّزَلُّق وَالتَّعَثُّر كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمُنْكَرَات وَكَذَا إرْسَالُ الْمَاء مِنْ الْمَيَازِيبِ الْمُخْرَجَةِ مِنْ الْحَائِطِ فِي الطَّرِيقِ الضَّيِّقَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَجِّسُ الثِّيَاب وَيُضَيِّقُ الطَّرِيق وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ فِي الطُّرُقِ الْوَاسِعَة إذْ الْعُدُول عَنْهُ مُمْكِنٌ. اهـ.
كَلَام الْأَحْيَاء وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِ بَلْ جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ جَزْمَ الْمَذْهَبِ وَلَمْ يُسْنِدْهُ إلَيْهِ وَوَجْهُهُ ظَاهِر فَإِنَّ مَا قَدَّمْته مِنْ كَلَامِ الْمِنْهَاج وَغَيْرِهِ صَرِيح فِيهِ وَيُؤْخَذ مِنْ كَلَامِ الْإِحْيَاء الْمَذْكُورِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّيِّقِ مَا لَا يُمْكِنُ الْعُدُولُ عَنْ الْمَاء النَّازِل مِنْ الْمِيزَابِ فِيهِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ مِنْ جَانِبِ الطَّرِيقِ بِحَيْثُ لَا يُصِيبهُ شَيْءٌ مِنْ النَّازِلِ مِنْهُ وَبِالْوَاسِعِ مَا يُمْكِن الْعُدُول عَنْهُ إلَى مَا لَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِنْهُ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَهَذَا الْمِيزَابُ الْمُحْدَثُ الْمَذْكُورُ إنْ كَانَ الْمَارُّ لَا يُمْكِنُهُ الْعُدُولُ إلَى مَحَلٍّ يَمْنَعُهُ مِنْ تَلَوُّثِهِ بِمَائِهِ وَقْتَ نُزُولِهِ يَمْنَعُ مِنْهُ مَخْرَجُهُ وَيَجِبُ عَلَى حَاكِمِ الشَّرْعِ وَفَّقَهُ اللَّه وَسَدَّدَهُ إلْزَامُهُ بِهَدْمِهِ أَوْ نَحْو أُخْدُود فِي جِدَاره يَنْزِل فِيهِ مَاؤُهُ إلَى مَوْضِعٍ لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ الضَّرَر السَّابِق وَمَتَى امْتَنَعَ مُحْدِثُهُ مِنْ ذَلِكَ بَالَغَ فِي زَجْرِهِ وَنَكَالِهِ حَتَّى يَنْزَجِرَ غَيْرُهُ عَنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْمُحْدَثَات الْمُنْكَرَات وَلَا يُعَارِض مَا تَقَرَّرَ خَبَرَ مُسْنَدِ أَحْمَدَ فِي «قَلْعِ عُمَرَ لِمِيزَابِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - ثُمَّ أَعَادَهُ لَمَّا قَالَ لَهُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَهُ بِيَدِهِ» مَعَ أَنَّ النَّازِلَ مِنْهُ دَمٌ مُخْتَلِطٌ بِمَا حَمَلَ عُمَرَ عَلَى قَلْعِهِ أَوَّلًا ثُمَّ لَمَّا أَعَادَهُ لِمَا ذُكِرَ لَمْ يَنْهَهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةُ حَالٍ فِعْلِيَّةٌ طَرَقَهَا احْتِمَالُ أَنَّ الشَّارِعَ كَانَ وَاسِعًا فَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى خِلَافِ مَا قُلْنَاهُ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ لِصَاحِبِ الْمِيزَابِ فِي الطَّرِيقِ الْوَاسِع النَّافِذ أَنْ يُجْرِيَ مِنْهُ مَا شَاءَ مِنْ مَاءٍ الْمَطَر وَالْغُسَالَة الطَّاهِرَة وَالنَّجِسَة وَغَيْر ذَلِكَ إذْ لَا ضَرَر عَلَى أَحَدٍ مَعَ الِاتِّسَاع الْمَذْكُورِ السَّابِق ضَابِطُهُ، وَاَللَّه أَعْلَم
(وَسُئِلَ) عَنْ سَاقِيَةٍ لِأَرَاضٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِكُلِّ مِنْهَا مَنْفَذٌ وَبَعْضُ مَنَافِذهَا مُرْصَدٌ بِوَضْعِ أَحْجَار فِيهِ وَلَا يَسُدُّ شَيْئًا مِنْ الْمَنَافِذِ لِشُرْبِ آخَرَ وَأَرَادَ صَاحِبُ الْمَنْفَذِ الَّذِي لَا رَصْدِ عَلَيْهِ أَنْ يَنْحِتَ تُرَاب أَرْضِهِ وَيَنْقُلَهُ لِيَنْخَفِضَ وَيَأْخُذَ الْمَاء عَلَى أَصْحَابِهِ لِانْخِفَاضِ أَرْضِهِ اللَّازِم مَعَهَا انْخِفَاضُ مَنْفَذِهَا بِجَرْيٍ فَهَلْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ الْمُرْصَدَةِ مَنْعُهُ وَالْحَالُ أَنَّ مَنَافِذَهَا مُتَسَاوِيَةُ الِاتِّسَاعِ أَوْ مُتَفَاوِتَةٌ وَهَلْ لَوْ اطَّرَدَتْ عَادَةٌ بِأَنَّ الَّذِي لَا رَصْدَ عَلَيْهِ لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ وَهَلْ لِهَذِهِ أَثَرٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ أَرَادَ حَفْرَ نَهْرٍ فَوْقَ نَهْرِ غَيْرِهِ إنْ ضَيَّقَ عَلَيْهِ مُنِعَ وَإِلَّا فَلَا وَبِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ مَنْ أَرْضُهُ أَسْفَلَ تَوْسِيعَ فَمِ النَّهْرِ أَوْ أَرَادَ الْأَوَّلُونَ تَضْيِيقَهُ أَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ بِنَاءَ قَنْطَرَةٍ أَوْ رَحًى عَلَيْهِ أَوْ غَرْسَ شَجَرَةٍ عَلَى حَافَّتِهِ أَوْ تَقْدِيمَ رَأْسَ سَاقِيَتِهِ أَوْ تَأْخِيرِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِرِضَا الْجَمِيعِ وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ نَحْتَ التُّرَابِ وَنَقْلَهُ إنْ كَانَ يُضَرُّ بِأَحَدِ الشُّرَكَاءِ بِأَخْذِ مَاءٍ أَكْثَرَ أَوْ بِغَيْرِهِ مُنِعَ مِنْهُ مُطْلَقًا.
(وَسُئِلَ) عَنْ بَيْتٍ بَابُهُ نَافِذٌ إلَى الشَّارِعِ لَكِنَّهُ فِي مُنْعَطَفٍ بِحَيْثُ كَانَتْ فَتْحَةُ الْبَابِ فِي مُقَابَلَةِ طُولِ الشَّارِعِ دُونَ عَرْضِهِ فَالْخَارِجُ مِنْهَا يَمْشِي ابْتِدَاءً فِي الشَّارِع مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى انْحِرَافٍ وَقَدْ اتَّصَلَ بِفَتْحَةِ الْبَاب دِكَّةٌ مُمْتَدَّة تَحْتَ جِدَار الْبَيْتِ عَرْضُهَا مُسَامِتٌ لِعَرْضِ الْفَتْحَة بِحَيْثُ لَوْ مُدَّ جِدَارُ الْفَتْحَةِ الْمُتَّصِل بِالشَّارِعِ كَانَتْ الدَّكَّة فِي دَاخِلِهِ إلَى جِهَةِ الْبَيْت وَلَمْ يَعْلَم أَنَّ مَوْضِعَ تِلْكَ الدِّكَّةِ مِنْ الشَّارِعِ وَلَا أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ مُسَوِّغٍ لِوَضْعِهَا وَأَهْلُ الْبَيْتِ مُسْتَوْلُونَ عَلَى تِلْكَ الدَّكَّةِ مُنْتَفَعُونَ بِهَا بِالْجُلُوسِ عَلَيْهَا وَوَضْع الْأَمْتِعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَحْدَثُوا عَلَى بَعْضِ أَجْزَائِهَا عَشَّةً وَكُلٌّ مِنْ الدَّكَّةِ وَالْعَشَّة الَّتِي بِهَا لَا تَضُرُّ بِالْمَارَّةِ فَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ إزَالَةُ تِلْكَ الدَّكَّةِ أَوْ الْعَشَّة قَهْرًا عَلَى أَهْل الْبَيْتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ أَصْلَهُمَا مِنْ الشَّارِعِ وَأَنَّهُمَا مَوْضُوعَانِ فِيهِ بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ مُسَوِّغٍ لِوَضْعِهِمَا أَوْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ أَصْلَهُمَا مِنْ الشَّارِعِ
стр. 630
وَأَنَّهُمَا مَوْضُوعَانِ فِيهِ بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ مُسَوِّغٍ لَهُ فَيَبْقَيَانِ عَلَى حَالِهِمَا وَيُمَكَّنُ أَهْلُ الْبَيْتِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا بِالْجُلُوسِ وَوَضْعِ الْأَمْتِعَةِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفَاعَات الَّتِي لَا تَضُرُّ بِالْمَارَّةِ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ وَضَعَهُمَا بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ وَهَلْ إذَا ادَّعَى مُنَازِعٌ أَنَّهُمَا يَضُرَّانِ بِالْمَارَّةِ يُلْتَفَتُ إلَى قَوْله بِدُونِ إثْبَاتِ ذَلِكَ بِطَرِيقِهِ الشَّرْعِيِّ وَهَلْ إذَا كَانَ مَعَهُمَا يُمْكِنُ مُرُورُ الْبَعِيرِ وَعَلَيْهِ الْمَحْمِلُ بِدُونِ مُصَادَمَتِهِ لَهُمَا وَلَا ضَرَرَ يَلْحَقهُ فِي مُرُورِهِ لَكِنَّ مُرُورَهُ بِدُونِهِمَا أَبْعَدُ عَنْ الْمُصَادَمَةِ لِكَوْنِهِ يُمْكِنُهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَقْرُبَ مِنْ كُلّ جَانِبٍ بِلَا مُصَادَمَةٍ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ ضَرَرِ الْمَارَّةِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ الدَّكَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا وُضِعَتْ بِحَقٍّ وَأَنَّ مَحَلَّهَا مُسْتَحَقٌّ لِأَهْلِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا فِي مَسَائِلَ فَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا لَوْ وَجَدْنَا جُذُوعًا مَوْضُوعَةً عَلَى جِدَارٍ
وَلَمْ نَعْلَمْ أَصْلَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا وُضِعَتْ بِحَقٍّ فَلَا تُنْقَضُ بَلْ يُقْضَى لِصَاحِبِهَا بِاسْتِحْقَاقِ وَضْعِهَا دَائِمًا حَتَّى لَوْ سَقَطَ الْجِدَار فَأُعِيدَ جَازَ لَهُ وَضْعُهَا عَلَيْهِ قَالَ فِي الرَّوْضَة بِلَا خِلَافٍ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ وُضِعَ بِحَقٍّ وَعَلَّلَهُ الْمَحَامِلِيُّ بِأَنَّ الظَّاهِرَ حُصُولُهُ عَلَى الْحَائِطِ بِحَقٍّ وَفِي بَابِ الْعَارِيَّةِ مِنْ الْكِفَايَةِ لَوْ لَمْ يَدْرَأْ وُضِعَتْ الْجُذُوعُ بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ حُمِلَ عَلَى أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ بِحَقٍّ لَازِمٍ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الْأَجْنِحَةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى مِلْكِ الْجَارِ وَالْقَنَوَاتِ الْمَدْفُونَة تَحْت الْأَمْلَاكِ؛ لِأَنَّ صُوَرَهَا دَالَّةٌ عَلَى وَضْعِهَا بِحَقٍّ وَبِهِ صَرَّحَ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ. اهـ.
قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِجَوَازِ أَنَّهُ اسْتَحَقَّهَا مُؤَبَّدَةً بِبَيْعٍ وَأَلْحَقْت بِذَلِكَ مَا لَوْ رَأَيْنَا سَاقِيَّةً مُشْتَرَكَةً عَلَى فُوَيْهَةِ بِئْرٍ وَعَلَيْهَا بُسْتَانَانِ وَمَاءُ أَحَدِهِمَا يَمُرُّ عَلَى الْآخَرِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ إجْرَائِهِ فِي أَرْضِهِ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ بِحَقٍّ فَلَا يُزَالُ بِغَيْرِ حَقٍّ اهـ وَأَفْتَى وَالِدُهُ فِي مَصَارِفَ عَلَى قَنَاةِ حَمَّام لَا يُعْرَفُ أَصْلُهَا بِأَنَّهُ إنْ عُرِفَ حُدُوثُهَا سُدَّتْ وَإِلَّا بَقِيَتْ وَلَا يُشَارِكُهُ أَصْحَابُهَا فِي نَزْحِ تِلْكَ الْقَنَاةِ حَيْثُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِذَلِكَ وَأَفْتَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبَارِزِيُّ وَأَئِمَّةُ عَصْرِهِ فِيمَنْ لَهُ دَارٌ يَنْزِلُ إلَيْهَا الضَّوْءُ مِنْ كُوَّةٍ بِجِدَارِ الْغَيْرِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِذِي جِدَارِهَا هَدْمُهُ وَلَا سَدُّهَا وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ فُرُوقِ الْجُوَيْنِيِّ وَالتَّوَقُّفُ فِيهِ بِأَنَّ مُجَرَّدَ الضَّوْء لَا يُقَابَلُ بِعِوَضٍ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فَتْحُ هَذِهِ بِحَقٍّ لَازِمٍ رَدَّهُ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ اشْتَرَى مِنْهُ بَعْضَ الْحَائِطِ وَفَتَحَهُ طَاقَةً.
وَأَفْتَى التَّاجُ الْفَزَارِيّ وَغَيْرُهُ فِيمَنْ لَهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ قَنَاةٌ أَوْ جُذُوعٌ ادَّعَى تَعَدِّيهِ بِهَا بِأَنَّهَا لَا تُزَالُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِأَنَّهَا وُضِعَتْ تَعَدِّيًا إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَصْلُهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا بِحَقٍّ وَأَنَّ مَحِلَّهَا مُسْتَحَقٌّ لِأَهْلِهَا فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الشَّارِعِ قُلْت تَصَوُّرُهُ فِيهِ أَقْرَبُ مِنْ تَصْوِيرِ مَسْأَلَةِ الْكُوَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ فِيهَا فِي غَايَةِ النُّدُورِ وَمَعَ ذَلِكَ رَاعَوْهُ وَقَضَوْا بِاحْتِرَامِهَا لِأَجْلِهِ بَلْ وَقَدَّمُوهُ عَلَى يَدِ مَالِك الْجِدَارِ حَتَّى مَنَعُوهُ مِنْ هَدْمِهِ وَسَدِّهَا فَإِذَا قَالُوا بِذَلِكَ فِي هَذَا النَّادِرِ فَقَوْلُهُمْ بِهِ فِي مَسْأَلَتنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَصْوِيرَ الْوَضْعِ فِيهَا بِحَقٍّ أَظْهَرُ وَأَشْهُرُ بِأَنْ تَكُونَ الْبُقْعَةُ مُسَبَّلَةٌ إلَّا مَحَلَّ تِلْكَ الدَّكَّةِ أَوْ بِأَنْ يَخُصَّ الْإِمَامُ أَهْلَهَا بِمَحَلِّهَا إذَا رَآهُ أَوْ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْلِ الدَّارِ فَأَخْرَجَهَا أَهْلُهَا مِنْهَا لِيَنْتَفِعُوا بِهَا فَهَذِهِ كُلُّهَا صُوَرٌ قَرِيبَةٌ لَا نُدْرَةَ فِيهَا فَرِعَايَتُهَا فِي الِاحْتِرَامِ وَالدَّلَالَة عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ الْمُؤَبَّدِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ الْأَئِمَّةِ لِمَا قَدَّمْته عَنْهُمْ فَظَهَرَ مَا قُلْنَاهُ.
وَاتَّضَحَ مَا حَرَّرْنَاهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِهَذِهِ الدَّكَّةِ بِهَدْمٍ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا إنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا وُضِعَتْ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي وَالظُّلْمِ وَلَا يَكْفِي شَهَادَتُهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَسْتَلْزِمُهُ بَلْ لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهَا مِنْ الشَّارِعِ وَبَيِّنَةٌ بِخِلَافِهَا تَأْتِي فِيهَا نَظِيرُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاح وَتَبِعُوهُ بَلْ جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ عَزْوِهِ إلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ شَخْصٌ بَيِّنَةً أَنَّ هَذَا طَرِيقٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ طَرِيقٌ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ لِلْأَوَّلِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ لِسُلُوكِهِمْ لَهُ عَلَى الْعُمُومِ مُدَّةً قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الثَّانِي فَإِذَا كَانَتْ الْيَدُ لِأَهْلِ الدَّكَّةِ كَمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُمْ أَنَّهُمْ يَخْتَصُّونَ بِهَا وَذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَيْضًا أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُتَصَرِّفِ رَاجِحٌ مُثْبِتٌ لِدَوَامِ شَجَرِ ذِي التَّصَرُّفِ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ فَإِذَا أَثْبَتَ
стр. 631
هَذَا التَّصَرُّفُ الدَّوَامَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَالشَّارِعُ كَذَلِكَ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الدَّكَّةَ الْمَذْكُورَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لَأَرْبَابِهَا فَلَهُمْ أَنْ يَضَعُوا عَلَيْهَا عَشَّةً ثُمَّ إنْ خَرَجَتْ تِلْكَ الْعَشَّةُ فِي هَوَاءِ الشَّارِعِ اُشْتُرِطَ عَدَمُ ضَرَرهَا لِلْمَارَّةِ.
قَالَ الشَّيْخَانِ وَيُرْجَعُ فِي مَعْرِفَةِ الضَّرَرِ وَعَدَمِهِ إلَى حَالِ الطَّرِيقِ ثُمَّ قَالَ وَالْأَصْلُ فِي الشَّوَارِعِ الْإِبَاحَةُ وَجَوَازُ الِانْتِفَاعِ إلَّا فِيمَا يَقْدَحُ فِي مَقْصُودِهَا وَهُوَ الِاسْتِطْرَاقُ ثُمَّ الْمُرَادُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ بِضَرَرِ الْمَارَّةِ الضَّرَرُ الَّذِي لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً بِخِلَافِ الْيَسِيرِ الَّذِي يُحْتَمَلُ عَادَةً فَإِنَّهُ لَا مَنْعَ مِنْهُ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ خَشْيَةِ الْمُصَادَمَةِ عِنْدَ الْعُدُول عَنْ جَادَّة الطَّرِيق لَيْسَ مِنْ الضَّرَرِ الْمُنَافِي لِلِاسْتِطْرَاقِ فَلَا يُنْظَرُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ تِلْكَ الْعَشَّةُ فِي هَوَاءِ الشَّارِع بِأَنْ كَانَتْ فِي هَوَاءِ الدَّكَّةِ فَلَا مَنْعَ مِنْهَا وَإِنْ أَضَرَّتْ بِالْمَارَّةِ لِمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْته عَنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّ أَرْبَابَ الدَّكَّةِ يَسْتَحِقُّونَ التَّصَرُّفَ فِيهَا حَتَّى بِهَدْمِ جِدَارِهِمْ وَإِدْخَالهَا فِي دَارِهِمْ إذْ هَوَاؤُهَا مُسْتَحَقٌّ لَهُمْ وَلَيْسَ هَوَاء شَارِع فَلَمْ يُرَاعَ حِينَئِذٍ ضَرَرُ الْمَارَّةِ بِهِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ رِعَايَتِهِ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ كَانَ الْبَارِزُ فِي هَوَاءِ الشَّارِعِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ هَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالْجُمْهُورُ أَنَّ إحْدَاثَ الدَّكَّةِ بِالشَّارِعِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ تَضُرَّ بِأَنْ كَانَتْ فِي مُنْعَطَفٍ.
أَمَّا عَلَى مُقَابَلَةِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ وَمُتَأَخِّرُونَ وَانْتَصَرَ لَهُ السُّبْكِيّ مِنْ جَوَازِ إحْدَاثهَا حَيْثُ لَا ضَرَرَ فَوَاضِحٌ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِيهَا إلَّا إنْ أَثْبَتَ ضَرَرهَا الَّذِي مَرَّ ضَبْطُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ عَجَزَ عَنْ تَحْصِيلهَا وَأَرَادَ أَنْ يُعَوِّضَ دَائِنَهُ فَمِنْ الْخِيَرَةُ إلَيْهِ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضهمْ بِأَنَّ الْخِيَرَةَ فِيمَا يُعْتَاضُ بِهِ إلَى الدَّائِنِ لَا الْمَدِينِ قَالَ وَوَقَعَ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ مَا يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ وَلَيْسَ مُرَادًا.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ لَهُ زَبِيرٌ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ فَأَظَلَّتْ زَرْعَ غَيْرِهِ وَأَفْسَدَتْهُ بِظِلِّهَا فَهَلْ يَضْمَن وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِإِزَالَتِهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِضَمَانِهِ مُطْلَقًا وَقَاسَهُ عَلَى التَّالِف بِالْمِيزَابِ وَقَالَ إذَا وُجِدَ الضَّمَانُ فِيمَا لَمْ يَصِلْ لِمِلْكِهِ وَهُوَ الْمِيزَاب فَأَوْلَى فِيمَا انْتَشَرَ وَوَصَلَ إلَى مِلْكِهِ وَلَا فَرْقَ فِي الضَّمَانِ بَيْنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالسَّبَبِ. اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَيُفَرَّقُ بَيْنه وَبَيْن الْمِيزَاب بِأَنَّ الْمِيزَابَ تَصَرَّفَ وَاضِعُهُ فِي هَوَاءِ الطَّرِيقِ بِإِخْرَاجِهِ إلَيْهِ فَاشْتَرَطْنَا لِجَوَازِ تَصَرُّفِهِ فِي ذَلِكَ الْهَوَاء سَلَامَةَ الْعَاقِبَةِ فَحَيْثُ لَا سَلَامَةَ ضَمِنَ وَأَمَّا غَارِسُ الشَّجَرَة فَقَدْ تَصَرَّفَ فِي مَحْض مِلْكِهِ وَهَوَائِهِ فَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُقَالَ إنَّ تَصَرُّفَهُ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَة فَإِذَا جَاوَزَتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ مِلْكَهُ وَخَرَجَتْ إلَى غَيْرِهِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَضْمَنَ بِهِ إلَّا إنْ طُولِبَ بِإِزَالَتِهِ فَامْتَنَعَ لِتَعَدِّيهِ حِينَئِذٍ فَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ اعْتِمَادُهُ فَاحْفَظْهُ وَلَا تُغَيِّر بِغَيْرِهِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظه طَلَبَ صَاحِبُ الْأَعْلَى أَنْ يَتَمَلَّكَ السَّقْفَ الَّذِي أَحَدَثَهُ الْأَسْفَلُ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ وَهَلْ لَهُ إحْدَاث عُلُوٍّ ثَالِثٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ امْتَنَعَ مِنْ بِنَاء سَقْفِ نَفْسِهِ كَمَا كَانَ لَمْ يَتَمَلَّك لِتَقْصِيرِهِ وَإِنْ أَحْدَثَ الْأَسْفَلُ السَّقْفَ قَبْلَ امْتِنَاع الْأَعْلَى الْمَالِكِ لِلسَّقْفِ مِنْ الْإِعَادَة فَلِلْأَعْلَى هَدْمُهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِيمَا لَوْ بَنَى الْأَعْلَى قَبْلَ امْتِنَاع الْأَسْفَل فَإِنَّهُمْ قَالُوا لِلْأَسْفَلِ هَدْمُهُ مَا لَمْ يَبْنِ الْأَعْلَى وَلِلْأَعْلَى حِينَئِذٍ طَلَبُ تَمَلُّكِ السَّقْفِ بِالْقِيمَةِ كَمَا ذَكَرُوا نَظِيرَهُ فِي تَمَلُّكِ صَاحِب السُّفْلِ بِالْقِيمَةِ حَيْثُ بَنَى الْأَعْلَى الْأَسْفَل وَالْعُلْو وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَحْدَثَ بِنَاءً فِي مِلْكِ الْآخَرِ قَبْلَ امْتِنَاعِهِ وَلَمَّا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ قَالَ لَا يُقَالُ إنَّ السَّقْفَ الَّذِي أَحْدَثَهُ صَاحِبُ السُّفْل أَحْدَثَهُ فِي مِلْكِهِ إذْ الْجُدْرَانُ لَهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَكَّنَ صَاحِب الْعُلُوِّ مِنْ التَّمَلُّكِ وَالْهَدْمِ بِخِلَافِهِ فِي تِلْكَ. فَإِنَّ صَاحِبَ الْعُلُوِّ أَحْدَثَهُ فِي مِلْكِ صَاحِبِ السُّفْلِ فَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا لَهُ التَّمَلُّكُ وَالْهَدْمُ فَافْتَرَقَا؛ لِأَنَّا نَقُول هُوَ مَوْجُود فِيمَا يَمْلِك صَاحِبُ الْعُلُوِّ الِانْتِفَاعَ بِهِ فَكَأَنَّ صَاحِبَ السُّفْلِ أَحْدَثَهُ فِي مِلْكِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ فَلِذَا قُلْنَا لَهُ التَّمَلُّكُ وَالْهَدْمُ وَلَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ مَنْزِلًا ثَالِثًا فَوْقَ عُلُوِّهِ كَمَا نَقَلَهُ السُّبْكِيّ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الصُّلْحِ وَجَزَمَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ فِي قُوتِهِ فِي الْقِسْمَةِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ أَرَادَ نَقْلَ الطَّرِيقِ عَنْ مَوْضِعِهَا إلَى قَرِيبٍ مِنْهُ فَهَلْ يَجُوزُ مُطْلَقًا أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَحْرُمُ نَقْلُ الطَّرِيقِ الْعَامَّةِ عَنْ مَحَلِّهَا بَلْ هُوَ كَبِيرَةٌ كَمَا بَيَّنْته فِي كِتَابِي الزَّوَاجِر عَنْ
стр. 632
اقْتِرَافِ الْكَبَائِر لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَلْعُونٌ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ» وَأَمَّا الْخَاصَّةُ كَأَنْ اسْتَأْجَرَ جَمْعٌ مَحْصُورُونَ الْمُرُور فِي أَرْضٍ فَلَهُمْ بِتَوَافُقِ الْمُؤَجِّرِ نَقْلُهُ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ.
[بَابُ الْحَوَالَةِ]
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِغَائِبِ فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ الْمَدِينَ أَبْرَأَهُ وَأَنِّي قَضَيْت الدُّيُونَ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ خُصُومَةٍ مَا الْمُفْتَى بِهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْل الْقَفَّالِ وَابْنِ الصَّلَاحِ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا الْقَفَّالُ فَلَمْ أَرَ لَهُ حِيلَةً فِي هَذِهِ الصُّورَة وَإِنَّمَا الَّذِي رَأَيْته حِيلَةً لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي فَتَاوِيهِ فِي نَظِير ذَلِكَ لَكِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الضَّعِيفِ أَنَّ غَرِيمَ الْغَرِيمِ غَرِيمٌ وَأَحْسَنُ مَا فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ أَنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ أَنْ يَدَّعِيَ إنْسَانٌ أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ أَحَالَهُ بِهِ فَيَعْتَرِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ لِرَبِّهِ وَبِالْحَوَالَةِ وَيَدَّعِي أَنَّهُ أَبْرَأهُ مِنْهُ أَوْ أَقْبَضَهُ فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى بِذَلِكَ وَالْبَيِّنَةُ وَإِنْ كَانَ رَبُّ الدَّيْنِ حَاضِرًا بِالْبَلَدِ. اهـ.
وَأَقَرَّهُ الْقَمُولِيُّ وَغَيْرُهُ كَشَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ لَكِنْ تَعَقَّبَهُ الْأَذْرَعِيُّ فَقَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي دَفْعِ الْمُحْتَالِ وَأَمَّا إثْبَاتُ الْبَرَاءَةِ مِنْ دَيْنِ الْمُحِيلِ فَلَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِهِ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا تَكْفِي إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ فِي وَجْهِ الْمُحْتَالِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا فِي وَجْهِ الْمُحِيلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ نَذَرَ عَدَمَ الْمُطَالَبَةِ لِفُلَانٍ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ وَإِذَا قُلْتُمْ نَعَمْ فَهَلْ تَصِحُّ حَوَالَتُهُ بِهِ أَوْ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ وَيَبْطُلُ بِالْحَوَالَةِ النَّذْرُ وَلِلْمُحْتَالِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ اللُّزُومُ لَكِنْ هَلْ يَصِيرُ الدَّيْنُ بِالنَّذْرِ الْمَذْكُورِ مُؤَجَّلًا أَوْ حَالًّا امْتَنَعَتْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ لِمَانِعِ الْأَوْجَهِ كَمَا رَجَّحَهُ جَمْعُ مُتَأَخِّرُونَ الثَّانِي فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ صَحَّتْ الْحَوَالَةُ بِهِ وَعَلَيْهِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ الْآخَرُ مُؤَجَّلًا لَا حَالًّا وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي انْعَكَسَ الْحُكْمُ وَإِذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ عَلَى الثَّانِي فَهَلْ يَمْتَنِعُ عَلَى الْمُحْتَالِ الْمُطَالَبَةُ حَالًّا كَالْمُحِيلِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ مَنْ الْتَزَمَ قُرْبَة لَا يَلْزَم سَرَيَانُهَا فِي حَقِّ غَيْره وَالْمُحِيلُ هُوَ الْمُلْتَزِمُ عَدَمَ الْمُطَالَبَةِ بِالنَّذْرِ فَاخْتَصَّ بِهِ كُلُّ مُحْتَمَلٍ.
لَكِنَّ مَا رَجَّحَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَنَّ النَّاذِرَ لَوْ مَاتَ كَانَ لِوَارِثِهِ الْمُطَالَبَةُ حَالًا؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ وَهُمْ لَمْ يَنْذِرُوا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوْجَهَ هُنَا الثَّانِي وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُهُمْ وَعَلَى مُقَابِلِهِ فَلِلْمُحْتَالِ الْخِيَارُ إنْ جَهِلَ الْحَالَ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْمُطَالَبَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ فَإِنْ قُلْت يَلْزَمُ مِنْ هَذَا عَدَمُ صِحَّةِ الْحَوَالَة حَيْثُ قُلْنَا بِهَذَا الْمُقَابِل؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ وَأَحَدُهُمَا مَعِيبٌ قُلْت هُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ الدَّيْنُ فِي نَفْسِهِ لَا عَيْبَ فِيهِ فَالتَّسَاوِي حَاصِل فِي ذَاتِ الدَّيْنَيْنِ وَتَوَابِعهمَا اللَّازِمَة وَامْتِنَاع الْمُطَالَبَةِ لِلْأَمْرِ الْعَارِضِ وَإِنْ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْعَيْب لَا يَقْتَضِي إلْحَاقَهُ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِنْ قُلْت الْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ حَتَّى عَلَى الثَّانِي مِنْ وَجْهٍ آخَر وَهُوَ عَجْزُ الْمُحِيلِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ بِسَبَبِ نَذْرِهِ وَالشَّرْطُ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ قُلْنَا الشَّرْطُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ قُدْرَةُ الْآخِذِ لَا الْمُعْطِي أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ فِي الْبَيْعِ قُدْرَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى التَّسَلُّمِ وَإِنْ عَجَزَ الْبَائِعُ عَنْ التَّسْلِيمِ خِلَافًا لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ فَيَصِحُّ بَيْعُ الْمَغْصُوبِ الْقَادِرِ عَلَى انْتِزَاعِهِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ الْبَائِعُ وَهَذَا جَارٍ فِي كُلِّ عِوَضٍ كَالْأُجْرَةِ وَعِوَضِ الْبُضْعِ صَدَاقًا وَبَدَلِ خَلْعٍ وَعِتْقٍ عَلَى عِوَضٍ فَتَلَخَّصَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إلَّا قُدْرَةُ الْمُحْتَالِ عَلَى تَسَلُّمِهِ لَا قُدْرَةُ الْمُحِيلِ عَلَى تَسْلِيمِهِ
(وَسُئِلَ) هَلْ تَجْرِي الْإِقَالَةُ فِي الْحَوَالَة؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ أَوَائِلَ التَّفْلِيسِ بِعَدَمِ جَوَازِهَا وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ عَجِيبٌ فَقَالَ إنَّهُ كَشَفَ كُتُبًا كَثِيرَةً فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا بَيْعٌ وَأَنَّ الْخُوَارِزْمِيَّ صَرَّحَ بِالْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَبِتَصْحِيحِ الْجَوَازِ وَقَيَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِدُونِ إذْنِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِدُونِ إذْنِهِ صَحَّ وَجْهًا وَاحِدًا. اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَيَرُدُّ تَعْلِيلَ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهَا بَيْعٌ لَكِنَّ التَّحْقِيقَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ فِيهَا بِأَنَّهَا بَيْعٌ وَلَا بِأَنَّهَا اسْتِيفَاءٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ فُرُوعِهَا يَقْتَضِي الْأَوَّلَ وَبَعْضَهَا يَقْتَضِي الثَّانِيَ لَكِنَّ فُرُوعَ الْأَوَّلِ أَكْثَرُ فَمِنْ ثَمَّ اُشْتُهِرَ أَنَّهَا بَيْعٌ
стр. 633
لَا اسْتِيفَاءٌ وَنَظِير ذَلِكَ الْخِلَافُ فِي الْإِبْرَاءِ هَلْ هُوَ إسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ وَفِي الرَّجْعَةِ هَلْ هِيَ ابْتِدَاءُ نِكَاحٍ أَوْ اسْتِدَامَتُهُ وَفِي النَّذْرِ هَلْ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ أَوْ جَائِزِهِ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ قَبُولُ الْحَوَالَةِ بِمَالِ مُوَلِّيهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ بَحَثَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ الْجَوَازِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِخِلَافِ الْحَوَالَةِ عَلَى الطِّفْلِ فَتَجُوزُ وَيُطَالَبُ الْوَلِيُّ بِالتَّسْلِيمِ وَذَكَرَ الْمَرْعَشِيُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَحَدِ طِفْلَيْنِ عَلَى أَخِيهِ مَالٌ فَأَحَالَهُ الْأَبُ بِمَا لَهُ عَلَى أَخِيهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى ابْنٍ آخَرَ لَهُ صَغِيرٍ جَازَ.
(وَسُئِلَ) وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْغَنِيِّ أَدَاءُ الدَّيْنِ فَوْرًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ إنْ خَافَ فَوْتَ أَدَائِهِ إلَى الْمُسْتَحَقِّ إمَّا بِمَوْتِهِ أَوْ بِمَرَضِهِ أَوْ بِذَهَابِ مَالِهِ أَوْ خَافَ مَوْتَ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ طَالَبَهُ رَبُّ الدَّيْن أَوْ عَلِمَ حَاجَته إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ ذَكَرَ ذَلِكَ الْبَارِزِيُّ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَحَالَ بِدَيْنٍ لَهُ بِهِ رَهْنٌ أَوْ كَفِيلٌ فَهَلْ يَنْتَقِلُ الدَّيْنُ إلَى الْمُحْتَالِ مَعَ وَصْفِ الْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِصِفَةِ الْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ كَصِفَةِ الْأَجَلِ وَالْحُلُولِ وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الرَّاهِنِ أَوْ الْكَفِيلِ كَمَا يَنْتَقِلُ الدَّيْنُ إلَى وَرَثَةِ الدَّائِنِ بِصِفَةِ الرَّهْنِ وَالْكَفِيل مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ رِضَاهُمَا وَفَارَقَ هَذَا مَا لَوْ أَحَالَ الْمَدْيُونُ دَائِنَهُ بِدَيْنٍ لَهُ بِهِ رَهْنٌ أَوْ كَفِيلٌ فَقَبِلَ فَإِنَّهُمَا يَنْفَكَّانِ لِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ اللَّازِم مِنْهَا بَرَاءَةُ كَفِيلِهِ وَانْفِكَاكُ رَهْنِهِ هَذَا مَا أَفْتَى بِهِ الْبَارِزِيُّ وَبَيَّنَ فِي الْقُوتِ مَا فِيهِ مِنْ اعْتِرَاضٍ وَغَيْرِهِ فَلْيُنْظَرْ مِنْهُ.
(وَسُئِلَ) هَلْ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِالزَّكَاةِ وَعَلَيْهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ تَجُوزُ الْحَوَالَةُ بِهَا كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ نَقْلًا عَنْ الْمُتَوَلِّي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءٌ وَقَيَّدَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِمَا إذَا تَلِفَ النِّصَابُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ لِيَصِيرَ دَيْنًا وَقَالَ غَيْرُهُ بَلْ هُوَ مَعَ بَقَائِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ لَا تَخْلُو عَنْهَا عَلَى أَنَّ مَا نَظَرَ فِيهِ السُّبْكِيّ نَظَرَ فِيهِ وَغَيْره وَتَجُوزُ عَلَيْهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي أَيْضًا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ إنْ انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ وَتَعَيَّنُوا وَإِلَّا فَالْوَجْهُ الْبُطْلَانُ مُطْلَقًا وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَحَالَ بِهِ دَائِنه وَقَبِلَ الْحَوَالَةَ ثُمَّ طَالَبَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ وَقَالَ لَيْسَ لِمُحِيلِك عَلَيَّ دَيْنٌ فَرَجَعَ لِلْمُحِيلِ فَقَالَ أَنْتَ قَبِلْت الْحَوَالَة فَلَا مُطَالَبَة لَك عَلَيَّ فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَيْسَ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ لِلْحَوَالَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِالدَّيْنِ مُتَضَمِّنٌ لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ فَيُؤَاخَذُ بِذَلِكَ لَوْ أَنْكَرَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ وَهَلْ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُحِيلِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بَرَاءَتَهُ فِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي مَطْلَبِهِ قَالَ غَيْرُهُ وَأَوْجَهُ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ لَهُ تَحْلِيفَهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ شَخْصٍ أُحِيلَ عَلَيْهِ بِحَبٍّ لِشَخْصٍ فَدَفَعَ لَهُ الْبَعْضَ وَبَاعَهُ مَا بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ بِثَمَنٍ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ ذَلِكَ فَهَلْ يَصِحُّ بَيْعُ مَا فِي ذِمَّتِهِ وَيَلْزَمُ الثَّمَنُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِالْحَبِّ إلَّا إذَا كَانَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ حَبٌّ مُوَافِقٌ لِمَا عَلَى الْمُحِيلِ مِنْ الْحَبِّ جِنْسًا وَنَوْعًا وَقَدْرًا وَصِفَةً وَحُلُولًا وَأَجَلًا فَإِذَا وُجِدْت هَذِهِ الشُّرُوطُ صَحَّتْ الْحَوَالَةُ وَانْتَقَلَ حَقّ الْمُحْتَالِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْهَا فَالْحَوَالَة بَاطِلَةٌ وَلَا شَيْءَ لِلْمُحْتَالِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ ثُمَّ إذَا صَحَّتْ الْحَوَالَة لَمْ يَصِحَّ اسْتِبْدَال الْمُحْتَال عَنْ الْحَبِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الِاسْتِبْدَالِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُسْتَبْدَلَ عَنْهُ رِبَوِيًّا بِيعَ بِجِنْسِهِ وَالْحَوَالَة بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ فَالْمُسْتَبْدَلُ عَنْهُ رِبَوِيٌّ بِيعَ بِجِنْسِهِ فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ الْمَذْكُورُ فِي السُّؤَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الضَّمَانِ]
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ قِنٍّ مَمْلُوكٍ يَعْمَلُ صَنْعَةً فَجَاءَ لَهُ شَخْصٌ دَفَعَ لَهُ سِلْعَةً لِيَصْنَعهَا لَهُ فَأَخَذَهَا وَأَتْلَفَهَا فَجَاءَ إلَيْهِ وَأَلْزَمَهُ بِقِيمَتِهَا مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعِ سَيِّدِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ حُجَّةً بِقِيمَتِهَا فَجَاءَ شَخْصٌ آخَرُ فَضَمَّنَهُ فِيمَا لَزِمَهُ مِنْ الْقِيمَةِ فَهَلْ يَلْزَمُ الْعَبْدَ مَا الْتَزَمَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَهَلْ يَصِحُّ الضَّمَانُ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُفْتِينَ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَفْتَى بِعَدَمِ صِحَّتِهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) التَّنَاقُضُ الصَّادِرُ مِنْ الْمُفْتِي الْمَذْكُورِ كَأَنَّهُ نَشَأَ مِنْ إغْفَالِهِ النَّظَرَ إلَى أَنَّ هَذَا الْمَالَ أَعْنِي قِيمَةَ الْعَيْنِ الْمُتْلَفَةِ هَلْ يَلْزَم الْعَبْدَ
стр. 634
أَوْ لَا فَتَوَهَّمَ أَوَّلًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فَأَفْتَى بِعَدَمِ صِحَّةِ ضَمَانِهِ ثُمَّ تَوَهَّمَ ثَانِيًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فَأَفْتَى بِصِحَّةِ ضَمَانِهِ وَصِحَّةِ ضَمَانِ الْأَجْنَبِيِّ لِلْعَبْدِ فِي دُيُونِ الْمُعَامَلَةِ أَيْ مَثَلًا مَذْكُور فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا.
وَمَا وَقَعَ لِلْمُفْتِي الْمَذْكُورِ تَخْلِيطٌ نَشَأَ مِنْ عَدَمِ التَّأَمُّلِ وَالْجَوَابُ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ فِي إتْلَافِ الْوَدِيعَةِ فَإِنَّهُ مِنْ تَفَرُّدِهِ وَقَدْ رَدَّهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَكَابِرِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَإِنْ انْتَصَرَ لَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا لَا يُجْدِي أَنَّ السَّيِّدَ هُنَا إنْ كَانَ أَذِنَ لِقِنِّهِ فِي أَخْذِ السِّلَعِ لِيَصْنَعَهَا لِأَرْبَابِهَا كَانَ الضَّمَانُ عَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ بِإِبْقَائِهَا مُسَلَّطٌ لَهُ عَلَى الْإِتْلَافِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِرَقَبَةِ الْقِنِّ دُونَ ذِمَّتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ فَيُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِ قِيمَةِ مَا أَتْلَفَهُ وَفِي كُلٍّ مِنْ الصُّورَتَيْنِ لَا يَصِحُّ ضَمَانُ الضَّامِنِ الْمَذْكُورِ لِلْعَبْدِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَضْمَنَ عَنْهُ بَلْ الْمَلْزُومُ بِذَلِكَ هُوَ السَّيِّدُ فِيهِمَا إلَّا أَنَّ الْقِيمَةَ تَتَعَلَّقُ فِي الْأُولَى بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ فَإِنْ وَقَّتَ بِهَا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِ الْقِيمَةِ غَيْرُ مَا سَاوَتْهُ الرَّقَبَةُ وَإِذَا كَانَ السَّيِّدُ هُوَ الْمُلْزَمُ بِذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ فَالْعَبْدُ غَيْرُ مُلْزَمٍ أَمَّا فِي الْأُولَى فَوَاضِحٌ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهُ مَحَلُّ الْحَقِّ الْمُسْتَوْفَى مِنْهُ فَهُوَ كَعَيْنٍ تَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ يُسْتَوْفَى مِنْهَا فَلَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهَا فِي الصُّورَتَيْنِ لِمَا قَرَّرْته فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ وَقَعَ فِيهِ خَبْطٌ وَتَخْلِيطٌ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي السُّؤَال وَالْجَوَاب، وَاَللَّه أَعْلَم.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَا إذَا أَبْرَأَ الْأَصِيلُ عَلَى ظَنِّ انْتِقَالِ الدَّيْنِ عَنْ ذِمَّتِهِ إلَى ذِمَّةِ الضَّمِينِ هَلْ يَبْرَأُ الْأَصِيلُ وَالضَّامِنُ مَعًا أَمْ أَحَدُهُمَا اُبْسُطُوا الْجَوَابَ مَعَ بَيَانِ الْمُعْتَمَدِ فِي ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْيَمَنِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ صَرَائِحُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَبْرَأُ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ ذَلِكَ قَوْل الرُّويَانِيِّ فِي الْبَحْرِ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ أَبْرَأْتُك مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَالَ الْأَصْحَابُ تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ فِي الْحُكْمِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنِّي لَمْ أَعْلَمْ ذَلِكَ.
وَهَلْ يَبْرَأُ فِي الْبَاطِنِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَجْهَانِ الْمَذْهَبُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ الدَّيْنُ فَهُوَ مَجْهُولٌ. اهـ.
وَنَقَلَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَاعْتَمَدُوهُ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ لَوْ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ غَرِيمِهِ وَكَانَ الْوَفَاءُ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَابِضُ أَنَّهُ حَرَامٌ ثُمَّ ابْرَأْهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ إنْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ اسْتِيفَاءٍ لَمْ يَصِحَّ وَيَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ سَقَطَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِيمَا لَوْ أَطْلَقَ وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ لِأَنَّهُ لَا اسْتِيفَاءَ فَلَا يَسْقُطُ. اهـ.
وَنَظِيرُ مَسْأَلَتنَا مَا لَوْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَة إسْقَاطٍ وَقَدْ عُلِمَتْ صِحَّة الْبَرَاءَةِ وَسُقُوطُ الدَّيْنِ حِينَئِذٍ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتنَا وَلَا يُحْمَلُ الْإِطْلَاقُ فِيهَا عَلَى الِاسْتِيفَاءِ فِيهَا بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ النَّوَوِيِّ فَإِنَّ فِيهَا اسْتِيفَاءً فَحُمِلَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ وَاعْتَمَدَهُ وَقَالَ إنَّهُ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ وَهُوَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ الصَّدَاقِ مِنْ الرَّشِيدَةِ يَنْبَغِي نُفُوذُهَا وَإِنْ كَانَتْ إنَّمَا أَبْرَأَتْهُ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ صِفَةً لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فَبَانَ عَدَمُ وُقُوعِهِ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْأَصْبَحِيِّ فِي فَتَاوِيهِ رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَخْتَلِعَ امْرَأَتَهُ فَحَضَرَ آخَرُ وَقَالَ اخْلَعْهَا إلَى ذِمَّةِ أُمِّهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا فَخَلَعَهَا الزَّوْجُ إلَى ذِمَّةِ أُمِّهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ بَرِئْت ذِمَّتُهُ مِنْ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ الْعَامَّةِ لَا يَعْرِفُ الْفِقْهَ ثُمَّ قَالَ الْوَاسِطَةُ تَبَارَأْ أَنْتَ وَصِهْرَتك فَأَبْرَأَهَا الزَّوْجُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ الْمَهْرِ فَهَلْ تَصِحُّ بَرَاءَتُهُ لِلصِّهْرَةِ مِمَّا ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهَا لَهُ مِنْ عِوَضِ الْخُلْعِ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْ مِثْله الَّذِي بِذِمَّتِهِ لِلزَّوْجَةِ أَمْ لَا الْجَوَابُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بَلْ يُحْكَمُ بِصِحَّةِ الْإِبْرَاءِ فِي الظَّاهِرِ إنْ كَانَ قَدْ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. اهـ.
وَهَذَا كَالنَّصِّ فِي مَسْأَلَتنَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ الْمُبَرِّئِ دَعْوَاهُ أَنَّهُ ظَنَّ انْتِقَالَ الدَّيْنِ مِنْ الْأَصِيلِ إلَى ذِمَّةِ الضَّامِنِ إنْ كَانَ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ نَشَأَ بَيْنَهُمْ وَشَهِدَتْ قَرَائِنُ أَحْوَالِهِ بِأَنْ يَجْهَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَلَا يَبْعُدُ حِينَئِذٍ بُطْلَانُ الْبَرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا مَعْنَاهَا الشَّرْعِيَّ إلَّا أَنَّ كَلَامَهُمْ كَالصَّرِيحِ فِي خِلَافِ ذَلِكَ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا بِمَا فِي ظَنّ الْمُكَلَّفِ
стр. 635
وَلَمْ يَخُصُّوا ذَلِكَ بِمَنْ عَذَرَ بِذَلِكَ الظَّنِّ وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ بَيْعُ وَعِتْقُ وَتَزْوِيجُ وَإِبْرَاءُ مَنْ ظَنَّ أَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ ثُمَّ بَانَ أَنَّ لَهُ وِلَايَةً وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَنْ عُذِرَ فِي ظَنِّهِ أَوْ لَا فَتَقْيِيدُ الْأَصْبَحِيِّ بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ قَدْ نَشَأ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا فَرْق فَتَنْفُذُ الْبَرَاءَةُ مُطْلَقًا نَشَأَ بَيْن الْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا ثُمَّ رَأَيْت الْفَقِيهَ الصَّالِحَ عَبْدَ اللَّهِ أَبَا مَخْرَمَةَ أَفْتَى بِمَا أَفْتَيْت فَقَالَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ يَبْرَأ الْمَضْمُون عَنْهُ وَالضَّامِنُ عَنْ الدَّيْنِ الْمَذْكُورِ فَلَا عِبْرَة بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ فَإِنْ قُلْت يُنَافِي مَا ذَكَرْته عَنْ أَبِي مَخْرَمَةَ قَوْلَ الْأَنْوَار لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا فِي الذِّمَّةِ وَقَضَى ثَمَنَهُ مِنْ حَرَامٍ فَإِنْ سَلَّمَهُ الْبَائِع قَبْل قَبْضِ الثَّمَن بِطِيبِ قَلْبِهِ وَأَكَلَهُ الْمُشْتَرِي قَبْل أَدَاءِ الثَّمَنِ حَلَّ مِنْ الْحَرَامِ أَوْ لَمْ يُؤَدِّ أَصْلًا وَالثَّمَنُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنْ أَدَّاهُ مِنْ الْحَرَامِ وَأَبْرَأهُ الْبَائِعُ مَعَ الْعِلْم بِحُرْمَتِهِ بَرِئَ وَلَكِنْ أَثِمَ بِرَوَاحِهِ وَإِنْ أَبْرَأهُ بِظَنِّ الْحِلِّ لَمْ يَبْرَأ. اهـ.
وَوَجْهُ الْمُنَافَاة أَنَّ الظَّنَّ هُنَا أَثَرٌ فَلِمَ لَا أَثَرَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ قُلْت لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْأَنْوَار يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ عَنْ النَّوَوِيِّ فِي عَيْنِ مَسْأَلَته وَهُوَ أَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ اسْتِيفَاءٍ أَوْ أَطْلَقَ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ فَإِنَّ الْبَرَاءَةَ تَصِحُّ حِينَئِذٍ وَهَذِهِ هِيَ نَظِيرُ مَسْأَلَتنَا؛ لِأَنَّهُ لَا اسْتِيفَاءَ فِيهَا حَتَّى يُقْصَدَ أَوْ يَنْزِلَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْإِبْرَاءِ عَلَيْهَا عَلَى بَرَاءَةِ الْإِسْقَاطِ وَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِصِحَّتِهِ مَعَ ظَنِّ الْحِلِّ فَقِيَاسُهُ صِحَّتُهُ فِي مَسْأَلَتنَا وَلَوْ مَعَ ظَنِّ انْتِقَالِ الدَّيْنِ إلَى ذِمَّةِ الضَّامِنِ فَإِنْ قُلْت سَلَّمْنَا عَدَمَ الْمُنَافَاةِ فِيمَا ذَكَرَ لَكِنْ يُنَافِيهِ مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْأَصْحَابُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ صَالَحَهُ عَلَى إنْكَارٍ ثُمَّ قَالَ أَبْرَأْتُك مِنْ الْحَقِّ أَوْ بَرِئْت مِنْهُ لَمْ يَبْرَأْ وَرَدُّوا عَلَى مَنْ قَالَ إذَا صَرَّحَ بِالْإِبْرَاءِ بَعْدَ الصُّلْحِ سَقَطَ حَقُّهُ وَقَوْلُ الذَّخَائِرِ إنَّ الشَّاشِيَّ حَكَى هَذَا عَنْ الْمَذْهَبِ وَلَمْ يَحْكِ سِوَاهُ غَلَطٌ وَإِنَّمَا حَكَاهُ الشَّاشِيُّ مَقَالَة وَأَفْسَدَهَا وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إنْ ظَنَّ صِحَّةَ الْمُصَالَحَةِ فَإِنْ عَلِمَ فَسَادَهَا ثُمَّ أَبْرَأَهُ نَفَذَ الْإِبْرَاءُ لَا مَحَالَةَ وَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ إطْلَاقَ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ وَقُلْنَا لَا يَفْتَقِرُ الْإِبْرَاءُ إلَى الْقَبُولِ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِهِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ تَجْرِ مُصَالَحَةٌ قُلْت لَا يُنَافِي شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ السُّبْكِيّ ﵀ صَوَّرَ مَسْأَلَةَ الصُّلْحِ بِمَا إذَا صَالَحَ مَعَ الْإِنْكَارِ مِنْ أَلْفٍ عَلَى خَمْسمِائَةِ وَأَبْرَأَهُ مِنْ الْبَاقِي فَحِينَئِذٍ لَا يَبْرَأُ وَيَلْزَمُهُ ظَاهِرًا رَدُّ مَا قَبَضَ حَتَّى لَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِالْأَلْفِ أَخَذَهَا جَمِيعَهَا وَعَلَّلَ ذَلِكَ نَقْلًا عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ الْإِبْرَاءَ كَانَ مَقْرُونًا بِمِلْكِ مَا صَالَحَ بِهِ فَلَمَّا لَزِمَهُ رَدُّهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ بَطَلَ إبْرَاؤُهُ لِعَدَمِ صِفَاتِهِ كَمَنْ بَاعَ عَبْدًا بَيْعًا فَاسِدًا فَأَذِنَ لِمُشْتَرِيهِ فِي عِتْقِهِ فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِهِ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ كَانَ لِمِلْكِ الْعِوَضِ فَلَمَّا لَمْ يَمْلِكهُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِد لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ لِلْإِذْنِ. اهـ.
كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ وَوَافَقَهُ حَتَّى عَلَى مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَبِهِ يَتَّجِهُ عَدَمُ الْمُنَافَاةِ الَّتِي ذَكَرْتهَا؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاء هُنَا وَقَعَ عِوَض مُعَاوَضَة لِاقْتِرَانِهِ بِمِلْكِ مَا صَالَحَ بِهِ وَيَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ بُطْلَانُهُ فِي الْآخَرِ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَتنَا فَإِنَّ الْإِبْرَاءَ فِيهَا لَمْ يَقَعْ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ حَتَّى إذَا فَسَدَ فَسَدَ الْإِبْرَاءُ فَمِنْ ثَمَّ صَحَّ مُطْلَقًا كَمَا قَدَّمْته وَمِمَّا يُزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا قَوْلُ السُّبْكِيّ أَيْضًا وَمَا ذُكِرَ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ لَا شَكَّ فِيهِ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ صَالَحْتُك مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ كَمَا سَبَقَ أَطْلَقَهَا أَوْ عَيَّنَهَا وَيُعَلَّلُ عَدَمُ حُصُولِ الْبَرَاءَةِ وَإِنْ انْكَشَفَ الْحَالُ بَعْدَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ بِأَنَّ الْبَرَاءَةَ هُنَا إنَّمَا كَانَتْ فِي ضِمْنِ الصُّلْحِ فَإِذَا فَسَدَ الصُّلْحُ فَسَدَتْ أَمَّا لَوْ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ أَبْرَأْتُك مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى فَالْإِبْرَاء هُنَا وُجِدَ مُسْتَقِلًّا لَكِنَّهُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ هُنَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ أَيْضًا وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ بَعْدَ الصُّلْح أَبْرَأْتُك فَإِنْ اعْتَقَدَ صِحَّةَ الصُّلْح لَمْ يَبْرَأْ كَمَا لَوْ قَالَ لِمُكَاتَبِهِ بَعْدَ قَبْضِ النُّجُومِ أَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ يُرَدُّ لِلرِّقِّ وَإِنْ اعْتَقَدَ فَسَادَهُ بَرِئَ لَكِنْ إنَّمَا يَأْتِي مَا قَالَهُ عَلَى قَوْلِ شَيْخِهِ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيَّ وَغَيْرهمَا فِي الرَّهْن وَنَظَائِرِهِ عَلَى ظَنِّ الْوُجُوبِ بِالْفَسَادِ وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُصَنِّفُ يَعْنِي النَّوَوِيَّ الصِّحَّةُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقِيَاسُهُ أَنْ
следующие страницы →