← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ عَدَمِ الْإِرْثِ وَأَنَّ نَصَّ الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرَ يَرُدُّ ذَلِكَ التَّخْرِيجَ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْمَوْضِعَ فَإِنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُتَأَمَّلَ وَيُسْتَفَادَ لِتَعَيُّنِ الِانْتِصَارِ لِلْمَذْهَبِ وَأَهْلِهِ عَلَى مَنْ وَجَدَ لِذَلِكَ سَبِيلًا فَإِنَّهُمْ أَطْبَقُوا عَلَى ضَعْفِ التَّخْرِيجِ مَعَ تَقْرِيرِهِمْ فِي تِلْكَ النَّظَائِرِ مَا يُؤَيِّدُهُ حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ مَا قَالَ لَوْلَا مَا ظَهَرَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ مِنْ الْجَوَابِ الْوَاضِحِ عَنْهَا لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَتَأَمَّلَهُ فَإِنْ قُلْتَ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ عَدَمِ الْإِرْثِ وَثُبُوتِ الْحُرْمَةِ فِي الْمَجْهُولَةِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ النَّسَبِ الْإِرْثُ إذْ قَدْ يَمْنَعُ مِنْهُ نَحْوُ الرِّقِّ أَوْ الْقَتْلِ بِخِلَافِ النَّسَبِ وَحُرْمَةِ نَحْوَ الْأُخْتِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهِ ثُبُوتُهَا قُلْت يُمْكِنُ ذَلِكَ لَوْلَا تَصْرِيحُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْعَبَّادِيِّ وَحَكَاهُ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَتَبِعَهُمْ الْمُتَأَخِّرُونَ بِأَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ فَاسْتَلْحَقَهَا أَبُوهُ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُهُ مَعَ ثُبُوتِ نَسَبِهَا وَكَوْنِهَا أُخْتَهُ فَلَا تَلَازُمَ أَيْضًا وَمِنْهَا قَوْلُ الْجَلَالِ الْبُلْقِينِيُّ عَقِبَ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ قَالَ زَيْدٌ أَخِي مَثَلًا ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأُخُوَّةِ الرَّضَاعِ حَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْأَشْبَهَ بِالْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَلِهَذَا لَوْ فَسَّرَهُ بِأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُقْبَلْ اهـ. مَحَلُّ هَذَا مَا إذَا كَانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ وَكَانَ الْمُقِرُّ حَائِزًا لِإِرْثِ الْوَالِدِ الَّذِي أَلْحَقَ هَذَا بِهِ أَمَّا مَعْرُوفُ النَّسَبِ فَلَا يَحْتَمِلُ إلَّا أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ أَوْ أُخُوَّةَ الرَّضَاعِ فَسَوَاءٌ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا لَا يُحْمَل إلَّا عَلَى أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ هَلْ يُقْبَلُ فِيهِ نَظَرٌ اهـ. وَبِتَأَمُّلِ قَوْلِهِ فَلَا يَحْتَمِلُ إلَّا أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ إلَخْ يُعْلَمُ أَنَّهُ مُصَرِّحٌ بِإِلْغَاءِ الْإِقْرَارِ فِي الْمَعْرُوفِ النَّسَبِ مِنْ أَصْلِهِ وَأَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ أَصْلًا فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُصَرِّحًا بِتَرْجِيحِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحِلِّ، ثُمَّ تَنْظِيرُهُ فِي الْمَرْأَةِ إنَّمَا هُوَ مَعَ جَهْلِ نَسَبِ الْمُقَرِّ بِهِ وَوَجْهُ النَّظَرِ حِينَئِذٍ وَاضِحٌ وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمَدُ مَا أَطْلَقَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ عَدَمِ الْقَبُولِ وَمِنْهَا مَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ أُخْتِي كَانَ كِنَايَةَ طَلَاقٍ وَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ كِنَايَةَ طَلَاقٍ أَنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ فِي حُرْمَتِهَا الْمُؤَبَّدَةِ وَإِلَّا كَانَ تَنَافِيًا إذْ مِنْ لَازِمِ كَوْنِهِ طَلَاقًا بَقَاءُ الْعِصْمَةِ حَيْثُ لَا نِيَّةَ وَرُجُوعُهَا بِالْمُرَاجَعَةِ مَعَ النِّيَّةِ وَمِنْ لَازِمِ كَوْنِهِ اعْتِرَافًا بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ وَمُؤَاخَذَاتِهِ بِذَلِكَ بَيْنُونَتُهَا مِنْهُ بِبَيْنُونَةِ فَسْخٍ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهَا ذَلِكَ النِّيَّةِ فَتَنَافَى الْمَوْضِعَانِ وَإِذَا تَنَافَيَا لَزِمَ مِنْ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ كِنَايَةُ طَلَاقٍ تَرْجِيحُهُمْ لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ حُرْمَتِهَا بِاسْتِلْحَاقِهَا وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ صَاحِبَ الْأَنْوَارِ وَمَنْ تَبِعَهُ مُرَجِّحُونَ لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ الْمُطْلَقَيْنِ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَكَفَى بِصَاحِبِ الْأَنْوَارِ سَلَفًا وَسَنَدًا فِي التَّرْجِيحِ فَإِنْ قُلْت كَلَامُ كَافِي الْخُوَارِزْمِيِّ الْآتِي فِي الْبَابِ الثَّالِثِ يَرُدُّ مَا ذُكِرَ وَكَذَا كَلَامُ الْقَفَّالِ الْآتِي، ثُمَّ أَيْضًا قُلْتُ مَمْنُوعٌ كَمَا سَأُقَرِّرُهُ بَعْدُ فَتَأَمَّلْهُ وَمِنْهَا قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا لَوْ قَالَ امْرَأَتِي هَذِهِ بَائِنٌ مِنِّي بَيْنُونَةً لَا تَحِلُّ لِي أَبَدًا أَوْ امْرَأَتِي هَذِهِ لَا تَحِلُّ لِي أَبَدًا لَمْ تُحَرَّمْ لِاحْتِمَالِهِ وَقِيلَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْبَيْنُونَةِ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّهُ قَدْ يَعْتَقِد التَّحْرِيمَ مُؤَبَّدًا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مُؤَاخَذٌ بِمُوجِبِ إقْرَارِهِ وَإِنْ احْتَمَلَ مَا ذُكِرَ. اهـ. فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَجِدْهُ صَرِيحًا ظَاهِرًا فِي تَرْجِيحِهِمْ لِلْوَجْهِ السَّابِقِ الْقَائِلِ بِالْحِلِّ وَوَجْهُ ظُهُورِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي تَعْلِيلِ الْوَجْهِ الضَّعِيفِ هُوَ تَعْلِيلُ الْوَجْهِ الْمُقَابِلِ لِلْأَوَّلِ وَهُوَ الْقَائِلُ بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ لَهَا أَنْتِ أُخْتِي وَإِذَا أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ التَّعْلِيلِ وَالْمُعَلِّلِ وَهُوَ الْحُرْمَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَانُوا مُعْرِضِينَ عَنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ فِي مَسْأَلَتِنَا بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَصْرَحُ مِنْ مُجَرَّدِ قَوْلِهِ هَذِهِ أُخْتِي بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي عَنْ الْخُوَارِزْمِيِّ أَنَّهَا تَحْتَمِلُ أُخُوَّةَ الدِّينِ وَأَنَّهُ يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِهَا وَمِنْهَا مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ تَرْجِيحِهِ لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ الْقَائِلِ بِالْحِلِّ وَعِبَارَتُهُ لَوْ قَالَتْ لِرَجُلٍ أَنْتَ أَخِي مِنْ النَّسَبِ وَهُوَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِ أَبِيهَا فَفِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ وَجْهَانِ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ رَجُلٌ لِزَوْجَتِهِ فَكَذَّبَتْهُ وَهِيَ مَجْهُولَةُ النَّسَبِ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا عَلَى الصَّحِيحِ فَأَفْهَمْ أَنَّ مَعْرُوفَةَ النَّسَبِ لَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِذَلِكَ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ فِيهَا كِنَايَةٌ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا عَنْ قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا وَمِنْهَا فَرْقُهُمْ بَيْن قَبُولِهِ إقْرَارَ الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ بِفَرْقَيْنِ ثَانِيهِمَا أَنَّهَا إذَا

стр. 702

أَقَرَّتْ بِالنَّسَبِ فَإِنَّهَا تُقِرُّ بِحَقٍّ عَلَيْهَا وَعَلَى غَيْرِهَا وَقَدْ بَطَلَ إقْرَارُهَا فِي حَقِّ الْغَيْرِ فَيَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ وَاعْتُرِضَ هَذَا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِهِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ بُطْلَانُهُ فِي الْجَمِيعِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تُؤَاخَذَ بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهَا كَمَا فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ اهـ. فَالْفَرْقُ مُصَرِّحٌ بِإِلْغَاءِ الْإِقْرَارِ مِنْ أَصْلِهِ فَيُؤَيَّدُ بِهِ الْوَجْهُ الْقَائِلُ بِالْحِلِّ، وَأَمَّا اعْتِرَاضُهُ الْمَذْكُورُ فَيَرُدُّهُ مَا مَرَّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّهُ عَلَى طَبَقِهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ فَمَا كَانَ جَوَابًا عَنْ النَّصِّ فَهُوَ الْجَوَابُ عَنْهُ. تَنْبِيهٌ أَوَّلٌ) مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي جَرَيَانِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَعْرُوفَةِ النَّسَبِ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ أُخْتِي مِنْ النَّسَبِ لِمَنْ فِي نِكَاحِهِ وَغَيْرِهَا قَدْ يُنَافِيه صَنِيعُ الزَّرْكَشِيّ فِي قَوَاعِدِهِ وَعِبَارَتُهُ لَوْ قَالَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ فُلَانَةُ بِنْتُ أَبِينَا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَفِي حِلِّهَا لِلْمُقِرِّ وَجْهَانِ وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ إنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ حُرِّمَتْ وَإِنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةَ النَّسَبِ فَوَجْهَانِ وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ فِي اللَّقِيطِ تَحْرِيمُهَا وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فَقَدْ ثَبَتَ الْفَرْعُ دُونَ الْأَصْلِ وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ أُخْتِي مِنْ النَّسَبِ وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ فَفِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ وَجْهَانِ. وَلَوْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ وَكَذَّبَتْهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا عَلَى الْأَصَحِّ فَرَجَّحَ فِي الْأُولَى التَّحْرِيمَ بِقَوْلِهِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ وَسَكَتَ عَنْ التَّرْجِيحِ فِي الثَّانِيَةِ الْمَفْرُوضَةِ فِي الزَّوْجَةِ مَعَ ذِكْرِهِ لَهَا عَقِبَ الْأُولَى فَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ حَيْثُ التَّرْجِيحُ، وَأَمَّا حِكَايَةُ الْوَجْهَيْنِ فَهِيَ فِي الصُّورَتَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ كَمَا مَرَّ وَحِينَئِذٍ فَكَلَامُهُ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ لَا مُخَالِفَ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِي جَرَيَانِ الْوَجْهَيْنِ وَهَذَا فِي تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَكَانَ الْفَرْقُ أَنَّهُ قَبْلَ النِّكَاحِ لَا تُهْمَةَ فِي اسْتِلْحَاقِهِ مِنْ حَيْثُ الزَّوْجِيَّةُ فَأَثَّرَ عِنْدَ الزَّرْكَشِيّ كَالْإِمَامِ، وَأَمَّا مَعَ الزَّوْجِيَّةِ فَهُوَ مُتَّهَمٌ بِإِبْطَالِهِ بِاسْتِلْحَاقِهَا حَقَّهَا مِنْ النِّكَاحِ كَالْمُسَمَّى الزَّائِدِ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ فَمِنْ ثَمَّ تَوَقَّفَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ التَّرْجِيحِ فِي هَذَا فَتَأَمَّلْهُ. (تَنْبِيهٌ) ثَانٍ قَوْلُهُمْ وَكَذَّبَتْهُ فِي مَجْهُولَةِ النَّسَبِ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا عَلَى الصَّحِيحِ لَيْسَ قَيْدًا فِي انْفِسَاخِ نِكَاحِهَا وَحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ لِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي الِانْفِسَاخِ لِمَا قَرَّرْتُهُ آنِفًا أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ إبْطَالَ حَقِّهَا أَمَّا إذَا صَدَّقَتْهُ فَوَاضِحٌ انْفِسَاخَ نِكَاحِهَا وَحُرْمَتَهَا عَلَيْهِ قَطْعًا وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي الْمَجْهُولَةِ فَهَلْ يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الْمَعْرُوفَةِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِيهِمَا أَوْ لَا إلَّا وَجْهَ الثَّانِي لِمَا مَرَّ أَنَّ كُلَّ إقْرَارٍ كَذَّبَهُ الشَّرْعُ لَا يُدَارُ عَلَيْهِ حُكْمٌ بِوَجْهٍ؛ وَلِأَنَّ الْعِصْمَةَ بِيَدِ الزَّوْجِ فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ وَحْدَهُ لَا يُقْبَلُ تَصْدِيقُهَا لَهُ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ مَرَّ فِي الْمَجْهُولَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَصْدِيقِهَا وَتَكْذِيبِهَا وَمِمَّا يُؤَيِّدُ اعْتِبَارَ قَوْلِ الْمَرْأَةِ فِي الْحُرْمَةِ لَا النَّسَبِ فَرَقَّ الْبَغَوِيّ بَيْنَ قَوْلِهِمْ قَالَتْ أَمَةٌ لِشَخْصٍ بَيْنِي وَبَيْنَك رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ إنْ كَانَ قَبْلَ الْمِلْكِ حُرِّمَتْ أَوْ بَعْدَ التَّمْكِينِ مِنْ الْوَطْءِ فَلَا أَوْ قَبْلَ التَّمْكِينِ فَوَجْهَانِ وَقَوْلُهُمْ لَوْ قَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَك أُخُوَّةُ نَسَبٍ لَمْ تُقْبَلْ فِي حُكْمٍ مَا بِأَنَّ النَّسَبَ أَصْلٌ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا أَهَمُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَمْرِ التَّحْرِيمِ فَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ الْمَمْلُوكِ اهـ. (تَنْبِيهٌ) ثَالِثٌ قَدْ عَلِمْت مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ مَحَلَّ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا قَالَتْ أَنْتَ أَخِي مِنْ النَّسَبِ وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ مَا إذَا قَالَ أَنْتِ أُخْتِي فَقَطْ وَلَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِيهَا فِيمَا يَظْهَرُ أَوْ مَعْرُوفَتَهُ فَلَا كَمَا مَرَّ عَنْ الْجَلَالِ الْبُلْقِينِيُّ وَسَيَأْتِي عَنْ الْخُوَارِزْمِيِّ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ (تَنْبِيهٌ) رَابِعٌ جَمِيعُ مَا تَقَرَّرَ مَحَلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ بَاطِنًا مَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ وَإِلَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بَاطِنًا بِلَا خِلَافٍ وَلُحُوقُهَا كَأَنْ عَلِمَ أَنَّهَا بِنْتُ أَبِيهِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةِ الْفِرَاشِ بِمَا هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ فَقَطْ كَمَا مَرَّ (تَنْبِيهٌ) خَامِسٌ مَحَلُّهُ أَيْضًا حَيْثُ أَمْكَنَ لُحُوقُهَا بِأَبِيهِ لَوْ اسْتَلْحَقَهَا بِفَرْضِ جَهْلِ نَسَبِهَا وَإِلَّا كَأَنْ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ أَبِيهِ أَوْ أَصْغَرَ مِنْهُ بِسِنٍّ لَا يَحْتَمِلُ كَوْنَهَا بِنْتَه أَوْ كَانَتْ أُمُّهَا مِنْهُ بِمَسَافَةٍ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُ بِهَا عَادَةً فَلَا أَثَرَ لِإِقْرَارِهِ اتِّفَاقًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي اسْتِلْحَاقٍ يُكَذِّبُهُ الْحِسُّ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِإِقْرَارِهِ فِي تَحْرِيمٍ وَلَا غَيْرِهِ اتِّفَاقًا. [الْبَابُ الثَّانِي فِي الْكَلَامِ عَلَى حُرْمَتِهَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ]

стр. 703

قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ وَجْهٌ مَشْهُورٌ فِي الْمَذْهَبِ لَا مَسَاغَ لِإِنْكَارِهِ وَاحْتِمَالِهِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ تَرْجِيحًا قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ فِي قَوَاعِدِهِ لَوْ قَالَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ فُلَانَةُ بِنْتُ أَبِينَا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَفِي حِلِّهَا لِلْمُقِرِّ وَجْهَانِ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ حُرِّمَتْ وَإِنْ كَانَتْ مَعْرُوفَتَهُ فَوَجْهَانِ وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ فِي اللَّقِيطِ تَحْرِيمُهَا وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فَقَدْ ثَبَتَ الْفَرْعُ دُونَ الْأَصْلِ اهـ. وَقَوْلُ الرَّوْضَةِ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ ابْنِي وَمِثْلُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنًا لَهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَعِتْقُهُ إنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ بَالِغًا وَصَدَّقَهُ وَإِنْ كَذَّبَهُ عَتَقَ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُ ابْنَهُ بِأَنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْهُ عَلَى حَالَةٍ لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ ابْنَهُ لَغَا قَوْلُهُ وَلَمْ يُعْتَقْ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مُحَالًا، هَذَا فِي مَجْهُولِ النَّسَبِ فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يُلْحِقْهُ لَكِنْ يُعْتَقُ عَلَى الْأَصَحِّ لِتَضَمُّنِهِ الْإِقْرَارَ بِحُرِّيَّتِهِ وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ بِنْتِي قَالَ الْإِمَامُ الْحُكْمُ مِنْ حُصُولِ الْفِرَاقِ بَيْنَهُمَا وَثُبُوتِ النَّسَبِ كَمَا فِي الْعِتْقِ اهـ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا يَأْتِي عَنْ الْقَفَّالِ وَالْخُوَارِزْمِيّ وَوَجْهُ التَّأْيِيدِ فِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لِتَرْجِيحِ الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِالْحُرْمَةِ غَيْرُ خَفِيٍّ؛ لِأَنَّ الزَّرْكَشِيّ كَالْإِمَامِ مُرَجِّحَانِ لِلتَّحْرِيمِ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَمِثْلُهَا الزَّوْجَةُ وَالْفَرْقُ السِّبَاقُ بَيْنَهُمَا إقْنَاعِيٌّ عِنْدَ التَّحْقِيقِ؛ وَلِأَنَّ كَلَامَ الرَّوْضَةِ الْمَذْكُورَ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ فِي الزَّوْجَةِ إذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أُخْتِي وَبِنْتِي وَهُوَ أَعْنِي التَّحْرِيمَ فِي الزَّوْجَةِ وَغَيْرِهَا هُوَ الْأَحْوَطُ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ وَلِلْقَائِلِينَ بِتَرْجِيحِ الْحِلِّ أَنْ يُجِيبُوا عَنْ ذَلِكَ بِأُمُورٍ مِنْهَا أَنَّ جَزْمَ الْإِمَامِ بِالتَّحْرِيمِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَرَّ عَنْهُ مِنْ اسْتِعْظَامِهِ جَرَيَانَ الْخِلَافِ وَقَدْ مَرَّ رَدُّ هَذَا الِاسْتِعْظَامِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَرَاجِعْهُ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فِيهِ مَا مَرَّ عَنْ شَيْخِهِ الْأَذْرَعِيِّ مِنْ اخْتِيَارِهِ لِمَقَالَةِ الْإِمَامِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى اخْتِيَارِهِ لِتَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِخُرُوجِهَا عَنْ الْمَذْهَبِ فَتَأَمَّلْهُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الزَّرْكَشِيّ وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي التَّرْجِيحِ عَلَى مَا قِيلَ فِي نَظِيرِهِ فِيمَا وَقَعَ فِي الْمِنْهَاجِ. وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ بِحُصُولِ الْفُرْقَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا فُرْقَةَ الْفَسْخِ أَوْ فُرْقَةَ الطَّلَاقِ وَهُمَا وَجْهَانِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْجَوَاهِرِ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ يَا بِنْتِي بِنَاءً عَلَى وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِهِ عِنْدَ احْتِمَالِ الْبِنْتِيَّةِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ هَلْ هِيَ فُرْقَةُ فَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ وَجْهَانِ جَارِيَانِ فِيمَا إذَا كَانَتْ مَشْهُورَةَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ كَبِيرَةً وَكَذَّبَتْهُ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كَلَامَ الْإِمَام مُحْتَمِلٌ لِفُرْقَةِ الطَّلَاقِ انْتَفَى وَالِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى التَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِفُرْقَةِ الطَّلَاقِ إلَّا حِلُّهَا لَهُ بِالرَّجْعَةِ فَحِينَئِذٍ لَا دَلَالَةَ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ عَلَى الْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْقَمُولِيِّ جَارٍ فِيمَا إذَا كَانَتْ مَشْهُورَةَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ كَبِيرَةً وَكَذَّبَتْهُ ظَاهِرًا فِي جَرَيَانِ الْوَجْهَيْنِ فِي نَفْسِ أَنْتِ بِنْتِي؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ إنَّمَا يَتَّجِهُ فِي هَذَا دُونَ النِّدَاءِ لِاحْتِمَالِهِ لِلْكَرَامَةِ احْتِمَالًا ظَاهِرًا بِخِلَافِ أَنْتِ بِنْتِي وَبِذَلِكَ يَزِيدُ إيضَاح مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ هَذَا عَلَى التَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ أَصْلًا وَمِنْهَا احْتِمَالُ الْفَرْقِ بَيْن أَنْتِ بِنْتِي وَأَنْتِ أُخْتِي وَذَلِكَ أَنَّ حِكَايَةَ الْخِلَافِ فِي أَنْتِ أُخْتِي مَشْهُورَةٌ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ قَبْلَ وُجُودِ الْإِمَامِ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ فَلَا يَكُونُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وَمِنْهَا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَيَّدَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِمَا إذَا قَصَدَ الِاسْتِلْحَاقَ فَإِنَّهُ قَالَ عَقِبَ كَلَامِ الرَّوْضَةِ الْمَذْكُورِ قُلْت وَكَأَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ إذَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِلْحَاقِ أَمَّا لَوْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُلَاطَفَةِ أَوْ قَالَ قَصَدْتُ بِهِ ذَلِكَ أَيْ: الْفِرَاقَ لَا حَقِيقَةَ الْبِنْتِيَّةِ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ اهـ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ قَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ إلَى مَا سَأَذْكُرُهُ عَنْهُ قَرِيبًا وَذَكَرَهُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ هُنَا لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى حُرْمَةٍ وَلَا فُرْقَةٍ فِي الْوَقْعَةِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَقْصِدْ فِيهَا اسْتِلْحَاقًا قَطْعًا كَمَا يَأْتِي وَحِينَئِذٍ فَالِاسْتِدْلَالُ بِكَلَامِ الْإِمَامِ هَذَا عَلَى الْحُرْمَةِ فِيهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا أَوْ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا يُرَدُّ بِمَا ذَكَرَهُ وَسَأَذْكُرُهُ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ عَلَى ذِكْرٍ مِنْك وَقَدْ مَرَّ أَنَّ مَحَلَّ الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِالْحُرْمَةِ إنَّمَا هُوَ إذَا قَصَدَ بِأَنْتِ أُخْتِي الِاسْتِلْحَاقَ فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ أَصْلًا إذْ لَيْسَ فِيهَا قَصْدُ اسْتِلْحَاقٍ

стр. 704

قَطْعًا كَمَا تَقَرَّرَ وَمِنْهَا فَرْقُهُمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ بَيْنَ قَبُولِ الْإِقْرَارِ بِالْبُنُوَّةِ لَا بِالْأُخُوَّةِ بِفُرُوقٍ مُتَّعَدِّدَةٍ مِنْهَا أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْبُنُوَّةِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأُخُوَّةِ فَاحْتِيطَ لِذَلِكَ مَا لَا يُحْتَاطُ لِهَذَا وَيُفَرَّقُ أَيْضًا بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَعْلَمُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ فَجَازَ أَنْ يُؤَثِّرَ إقْرَارُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ كَالْبُنُوَّةِ مَا لَا يُؤَثِّرُ إقْرَارُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ كَالْأُخُوَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُمْ اشْتَرَطُوا فِي الْإِلْحَاقِ بِالْغَيْرِ شُرُوطًا زَائِدَةً فَدَلَّ عَلَى تَرَاخِي رُتْبَةِ الْأُخُوَّةِ عَنْهَا بِالْبُنُوَّةِ وَحَاصِلُ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ فِي الْبُنُوَّةِ لَا يُرَدُّ نَقْضًا لِمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي الْأُخُوَّةِ لِمَا تَقَرَّرَ مُوَضَّحًا فَإِنْ قُلْتَ فِي تَقْرِيرِ الشَّيْخَيْنِ لَلْإِمَامِ عَلَى ذَلِكَ أَوْضَحُ حُجَّةً عَلَى ضَعْفِ الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِالْحَالِ؛ لِأَنَّا إنْ جَعَلْنَاهَا فُرْقَةَ فَسْخٍ فَوَاضِحٌ أَوْ فُرْقَةَ طَلَاقٍ فَأَيْنَ الْحِلُّ وَفِيهِ أَيْضًا رَدُّ مَا مَرَّ مِنْ دَعْوَى أَنَّ الْإِقْرَارَ الَّذِي كَذَّبَهُ الشَّرْعُ لَا يُعْمَلُ بِهِ أَصْلًا قُلْت قَدْ مَرَّ لَك أَنَّ أُخْتِي يَحْتَمِلُ أُخُوَّةَ الدِّينِ وَأُخُوَّةَ النَّسَبِ وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ الْمُنْضَمِّ إلَيْهِ تَكْذِيبُ الشَّرْعِ لَهُ فِي إقْرَارِهِ بِنَحْوِ الْأُخُوَّةِ يَنْدَفِعُ قِيَاسُ الْإِقْرَارِ بِالْبُنُوَّةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا احْتِمَالَ ظَاهِرٌ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ فِي فَرْقِهِمْ بَيْنَ يَا بِنْتِي وَأَنْتِ بِنْتِي فَإِنَّ الْأَوَّلَ ظَاهِرٌ فِي الْكَرَامَةِ بِخِلَافِ الثَّانِي فَاتَّضَحَ أَنَّ مَا هُنَا لَا يَدْفَعُ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ (تَنْبِيهٌ أَوَّلٌ) فِي ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بِدُونِ ثُبُوتِ النَّسَبِ هُنَا تَأْيِيدًا لِمَا مَرَّ مِنْ تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ لَكِنْ قَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهُ (تَنْبِيهٌ ثَانٍ) قَدْ عَلِمْت مِنْ فَرْضِهِمْ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ عَنْ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي صُورَةِ الِاسْتِلْحَاقِ أَنَّهُ حَيْثُ لَا اسْتِلْحَاقَ فَلَا حُرْمَةَ حَتَّى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (تَنْبِيهٌ ثَالِثٌ) مَرَّ أَيْضًا أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلظَّاهِرِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَاطِنِ فَلَا يَتَّجِهُ فِيهِ خِلَافٌ بَلْ يَجِبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ إنْ صَدَقَ فِيمَا ذَكَرَهُ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بَاطِنًا وَإِنْ كَذَبَ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ بَاطِنًا وَهَذَا مِمَّا لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَا يَأْتِي عَنْ الْأَذْرَعِيِّ مِنْ الْحُرْمَةِ ظَاهِرًا هُوَ هَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي وَمِنْ الْحِلِّ بَاطِنًا إنْ كَذَبَ أَيْ: وَالْحُرْمَةُ إنْ صَدَقَ هُوَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ وَحِينَئِذٍ فَكَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ لَيْسَ خَارِجًا عَنْ ذَيْنَك الْوَجْهَيْنِ خِلَافًا لِمَنْ فَهِمَ أَنَّهُ احْتِمَالٌ ثَالِثٌ وَجَرَيْتُ عَلَيْهِ إرْخَاءً لِلْعَنَانِ مَعَ ذَلِكَ الْوَهْمِ، ثُمَّ بَيَّنْتُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ وَشُدَّ بِهِ يَدَيْك لِتُحْفَظَ مِنْ الْوَهْمِ الَّذِي رُبَّمَا رَاجَ عَلَيْك. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُرْمَتِهَا ظَاهِرًا وَحِلِّهَا لَهُ بَاطِنًا إنْ كَذَبَ] (الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُرْمَتِهَا ظَاهِرًا وَحِلِّهَا لَهُ بَاطِنًا إنْ كَذَبَ) اعْلَمْ أَنَّ الْأَذْرَعِيَّ أَبْدَى هَذَا بَحْثًا لَكِنْ قَيَّدَهُ بِقَيْدٍ رُبَّمَا يُغْفَلُ عَنْهُ وَقَدْ مَرَّ آنِفًا أَنَّهُ الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ كَلَامِ الْخُوَارِزْمِيِّ مَا قَدْ يَدُلُّ لِمَا ذَكَرَهُ وَمَا قَدْ يَرُدُّهُ كَمَا سَتَعْرِفُهُ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ نَقَلَا عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ الَّتِي هِيَ ثَابِتَةُ النَّسَبِ يَا بِنْتِي وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ احْتِمَالِ السِّنِّ كَمَا لَوْ قَالَهُ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ زَادَ النَّوَوِيُّ قُلْت الْمُخْتَارُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ فُرْقَةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَادَةِ لِلْمُلَاطَفَةِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ. اهـ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ عَقِبَ ذَلِكَ: قُلْت لَفْظُ الْعَبَّادِيِّ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ الَّتِي هِيَ ثَابِتَةُ النَّسَبِ يَا بِنْتِي فَإِنَّهُ تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا إذَا اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهَا ابْنَتَهُ وَكَذَا لَوْ قَالَ يَا أُخْتِي أَوْ قَالَ يَا أُمِّي أَوْ قَالَ أَنْتِ أُمِّي أَنْتِ أُخْتِي أَمَّا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ يَا ابْنِي وَإِنْ كَانَ ثَابِتَ النَّسَبِ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ إذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ابْنًا لَهُ وَكَذَا لَوْ قَالَ لِجَارِيَتِهِ يَا بِنْتِي فَإِنَّهَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةَ النَّسَبِ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يُولَدَ لَهُ مِثْلُهَا وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ قُلْتُ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ فُرْقَةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يُوهِمُ الْمُوَافَقَةَ عَلَى صُورَةِ الْعِتْقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ اسْتِعْمَالُ الْمُلَاطَفَةِ لِلْعَبْدِ وَالْأَمَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ غَالِبٌ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِيهَا ذَلِكَ وَقَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ إنْ أَرَادَ بِهِ نِيَّةَ إيقَاعِ الطَّلَاقِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا إشْعَارَ لَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ قَصْدَ الِاسْتِلْحَاقِ حَيْثُ يُمْكِنُ كَوْنُهَا مِنْهُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُقِرًّا بِعَدَمِ الزَّوْجِيَّةِ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَلَا فُرْقَةَ بَاطِنًا وَيُحْكَمُ بِهَا ظَاهِرًا، ثُمَّ رَأَيْت الْخُوَارِزْمِيَّ قَالَ فِي كَافِيهِ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا بِنْتِي

стр. 705

أَوْ يَا أُمِّي أَوْ جَدَّتِي نُظِرَ إنْ كَانَتْ فِي سِنٍّ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ فَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ الْحُرْمَةِ وَإِنْ كَانَتْ فِي سِنٍّ يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ كَمَا يَقُولُ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً وَإِنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةَ النَّسَبِ فَلَوْ قَالَ إنَّمَا قُلْت ذَلِكَ لَهَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ أَوْ الِاسْتِهْزَاءِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ يَا أُخْتِي مَثَلًا ثُمَّ قَالَ عَنَيْت مِنْ جِهَةِ الدِّينِ يُقْبَلُ. اهـ. كَلَامُ التَّوَسُّطِ وَذَكَرَ كَلَامَ الْخُوَارِزْمِيِّ أَيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ الْمَنْثُورَةِ آخِرَ الطَّلَاقِ، وَبَيَانُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الَّذِي أَشَرْت إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ بِأُمُورٍ: أَوَّلِهَا: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا قَيَّدَهُ بِمَا إذَا قَصَدَ الزَّوْجُ الِاسْتِلْحَاقَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَوْلُهُ وَإِنْ أَرَادَ بِالنِّيَّةِ قَصْدَ الِاسْتِلْحَاقِ حَيْثُ يُمْكِنُ كَوْنُهَا مِنْهُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُقِرًّا بِعَدَمِ الزَّوْجِيَّةِ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا إلَخْ فَرَتَّبَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفُرْقَةِ عَلَى مَا فَرَضَهُ مِنْ قَصْدِ الِاسْتِلْحَاقِ بِقَوْلِهِ يَا بِنْتِي وَجَعَلَ إقْرَارَهُ بِعَدَمِ الزَّوْجِيَّةِ مُتَوَقِّفًا عَلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَعْرِفَةَ قَصْدِ ذَلِكَ لَا تُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا دَلَالَةَ فِي كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ عَلَى وُقُوعِ فُرْقَةٍ فِي صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ فِي الْمُقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ اسْتِلْحَاقًا وَإِنَّمَا قَصَدَ الْكَذِبَ حَتَّى تَتِمَّ لَهُ الْحِيلَةُ الَّتِي قَصَدَهَا وَقَرَائِنُ أَحْوَالِهِ تُفِيدُ الْقَطْعَ بِتَصْدِيقِهِ فِي كَوْنِهِ لَمْ يَقْصِدْ اسْتِلْحَاقًا وَإِذَا لَمْ يَقْصِدْ فَلَا فُرْقَةَ وَهَذَا عَلَى مِنْوَالِ مَا قَدَّمْتُهُ عَنْهُ فِي أَنْتِ بِنْتِي كَمَا مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْتَ هَلْ يُعْتَمَدُ كَلَامُهُ هَذَا قُلْتُ قَدْ قَدَّمْت لَك أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي الْقَائِلُ بِالْحُرْمَةِ الْمَعْقُودُ لَهُ الْبَابُ الثَّانِي كَمَا مَرَّ وَالْقَوْلُ بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ كَذَلِكَ مَعَ قَصْدِهِ الِاسْتِلْحَاقَ وَكَذِبُهُ فِيهِ بَعِيدٌ جِدًّا فَتَعَيَّنَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ التَّفْصِيلِ الَّذِي قَدَّمْته أَوَّلَ الْبَابِ الْأَوَّلِ فَتَدَبَّرْهُ فَإِنَّهُ مِمَّا يَلْتَبِسُ. ثَانِيهَا: قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ إنْ أَرَادَ بِهِ نِيَّةَ إيقَاعِ الطَّلَاقِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا إشْعَارَ لَهُ بِذَلِكَ. اهـ. يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا نَظَرَ فِيهِ وَمَا عُلِّلَ بِهِ مَمْنُوعٌ وَمِمَّا يَرُدُّهُ مَا ذَكَرَهُ هُوَ مِنْ إفَادَةِ الْفُرْقَةِ بِقَيْدِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ قَصْدُ الِاسْتِلْحَاقِ وَمَرَّ أَنَّ الْفُرْقَةَ فُرْقَةُ طَلَاقٍ فِي وَجْهٍ وَفَسْخٌ فِي وَجْهٍ وَحِينَئِذٍ فَلَهُ إشْعَارٌ بِهِ أَيَّ إشْعَارٍ. ثَالِثهَا سِيَاقُهُ لِكَلَامِ الْخُوَارِزْمِيِّ قَصَدَ بِهِ التَّأْيِيدَ لِمَا بَحَثَهُ هُوَ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِغَيْرِ قَصْدِ الِاسْتِلْحَاقِ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْخُوَارِزْمِيَّ جَعَلَ يَا بِنْتِي يَا أُمِّي يَا جَدَّتِي يَا أُخْتِي إذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ فِيهَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ وَإِنْ عُرِفَ نَسَبُهَا مَا لَمْ يَقْصِدْ الْكَرَامَةَ أَوْ الِاسْتِهْزَاءَ أَوْ أُخُوَّةَ الدِّينِ فَإِنْ قُلْت قَدْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي الْبَابِ الثَّانِي أَنَّ الْأَذْرَعِيَّ أَحَالَ فِي بَابِ الْعِتْقِ بَيَانَ مَا إذَا قَصَدَ الْمُلَاطَفَةَ أَوْ الْفِرَاقَ لَا حَقِيقَةَ الْبُنُوَّةِ عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ذَلِكَ قُلْت مَمْنُوعٌ بَلْ ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ وَفِيهِ قَصْدُ الِاسْتِلْحَاقِ أَمَّا هَذَا فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ لَهُ صَرِيحًا، وَأَمَّا الْأَوَّلُ أَعْنِي قَصْدَ الْمُلَاطَفَةِ فَقَدْ ذَكَرَهُ عَنْ صَاحِبِ الْكَافِي وَأَمَّا قَصْدُ الْفِرَاقِ فَقَدْ ذَكَرَهُ أَعْنِي الْأَذْرَعِيَّ وَنَظَرَ فِيهِ وَرَدَدْتُ عَلَيْهِ نَظَرَهُ كَمَا سَبَقَ فَإِنْ قُلْت عِبَارَةُ فَتَاوَى الْقَفَّالِ الْآتِي ذِكْرُهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ أُخْتِي صَرِيحٌ فِي تَأْبِيدِ الْحُرْمَةِ وَبِهَا يَتَأَيَّدُ مَا مَرَّ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ الْحُرْمَةِ كَمَا هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ قُلْت هُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا لَوْ كَانَ رَأْيُ الْقَفَّالِ مُعْتَمَدًا أَمَّا حَيْثُ ضَعَّفَ النَّوَوِيُّ رَأْيَهُ كَمَا مَرَّ فَلَا يَتِمُّ التَّمَسُّكُ بِكَلَامِهِ فَإِنْ قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ تَضْعِيفِ النَّوَوِيِّ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ فِي النِّدَاءِ تَضْعِيفُهُ لِمَا ذَكَرَهُ فِي أَنْتِ أُمِّي أَنْتِ أُخْتِي لِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَغَيْرِهِ إذْ النِّدَاءُ يَقَعُ عَلَى جِهَةِ التَّلَطُّفِ وَنَحْوِهِ كَثِيرًا بِخِلَافِ أَنْتِ بِنْتِي أَوْ أُمِّي وَنَحْوِهِمَا وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي اعْتِرَاضِ النَّوَوِيِّ لِكَلَامِ الْقَفَّالِ فِي النِّدَاءِ وَتَقْرِيرِهِ لِلْإِمَامِ فِي أَنْتِ بِنْتِي عَلَى إفَادَته الْفُرْقَةَ كَمَا مَرَّ قُلْتُ قَوْلُ الْقَفَّالِ أَنْتِ أُمِّي أَنْتِ أُخْتِي ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَحِينَئِذٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى مَا لَوْ قَالَ أَنْتِ أُخْتِي؛ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ فِيهِ لِأُخُوَّةِ الدِّينِ وَغَيْرِهَا أَظْهَرُ مِنْهُ فِيمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّ الْقَفَّالَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبُ ذَلِكَ الْوَجْهِ الصَّائِرِ إلَى أَنَّ أُخْتِي يُوجِبُ التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ فَإِنْ قُلْتَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخُوَارِزْمِيِّ أَنَّ بِنْتِي وَأُمِّي وَجَدَّتِي وَأُخْتِي فِي النِّدَاءِ يَنْصَرِفُ إلَى الْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ مَا لَمْ يُرِدْ غَيْرَهَا قُلْتُ نَعَمْ ظَاهِرُهُ ذَلِكَ فَهُوَ مُوَافِقٌ

стр. 706

لِلْقَفَّالِ فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ وَلِلنَّوَوِيِّ فِي حَالَةِ إرَادَةِ غَيْرِ الْفُرْقَةِ وَقَدْ عُلِمَ ضَعْفُ كَلَامِ الْقَفَّالِ فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ وَكَذَا كَلَامُ الْخُوَارِزْمِيِّ وَقَدْ يُقَالُ بَيَّنَ الْخُوَارِزْمِيُّ أَنَّ مُرَادَ الْقَفَّالِ بِالْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ مَا لَمْ يُرِدْ غَيْرَهَا وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْوَجْهَ الثَّانِي الْقَائِلَ بِالتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ فِي أَنْتِ أُخْتِي مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ وَبِهِ يَتَأَيَّدُ مَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي نَحْوِ أَنْتِ بِنْتِي بِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَقْصِدْ الِاسْتِلْحَاقَ أَوْ الْمُلَاطَفَةَ أَوْ الِاسْتِهْزَاءَ، وَكَذَا أُخُوَّةُ الدِّينِ فِي أَنْتِ أُخْتِي وَحِينَئِذٍ يَتَّجِهُ كَمَا مَرَّ أَنَّا وَلَوْ قُلْنَا بِهَذَا الْوَجْهِ الصَّائِرِ إلَى الْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ لَا يُرَدُّ هَذَا الْوَجْهُ عَلَى مَنْ أَفْتَى فِي السَّابِقَةِ بِالْحِلِّ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يُرِدْ غَيْرَ ذَلِكَ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْخُوَارِزْمِيِّ الَّذِي أَيَّدَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ بَحْثَهُ السَّابِقَ فَتَأَمَّلْ هَذَا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَبِهِ يَتَّضِحُ الْحَقُّ وَفَّقَنَا اللَّهُ لِسُلُوكِ سَبِيلِهِ وَحَمَانَا مِنْ الشَّيْطَانِ وَتَسْوِيلِهِ وَخَلَّصَنَا مِنْ شَوَائِبِ الْبَقَاءِ مَعَ الْحُظُوظِ وَالنُّفُوسِ وَأَزَالَ عَنْ نُفُوسِنَا كُلَّ هَمٍّ وَغَمٍّ وَبُغْضٍ وَبُؤْسٍ إنَّهُ الرَّحِيمُ الرَّحْمَنُ الْكَرِيمُ الْمَنَّانُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ قَالَ مُؤَلِّفُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ نُجِزَ فِي دُونِ يَوْمَيْنِ سُلِخَ ذِي الْقَعْدَةِ الْحَرَامِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ تَقَبَّلَهُ اللَّهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ [بَابُ الْمُسَاقَاةِ] (وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَمَّا إذَا مَاتَ الْمُسَاقِي الْعَامِلُ وَكَانَتْ الْمُسَاقَاةُ عَيْنِيَّةً وَقَالُوا انْفَسَخَتْ كَالْإِجَارَةِ الْعَيْنِيَّةِ مَا يَصِيرُ لِلْعَامِلِ وَرُبَّمَا أَثْمَرَ النَّخْلُ وَرُبَّمَا لَمْ يُثْمِرْ مَا الْحُكْمُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا؟ (فَأَجَابَ) إذَا مَاتَ الْعَامِلُ وَقُلْنَا بِانْفِسَاخِ الْمُسَاقَاةِ وَجَبَ لَهُ مِنْ الثَّمَرِ الَّذِي ظَهَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي فَتَاوِيهِ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَرَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ عَامَلَ رَجُلًا عَلَى أَرْضٍ لِيَزْرَعَهَا وَيَقُومَ عَلَى شَجَرِهَا بِجُزْءٍ مِنْهَا فَعَطَّلَ أَكْثَرَ الْأَرْضِ وَبَوَّرَهَا فَهَلْ يَضْمَنُ قِيمَةَ مَا عَطَّلَهُ مِنْهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى التَّاجُ الْفَزَارِيّ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ تَسَلَّمَ الْأَرْضَ مِنْ الْمَالِكِ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ مَا عَطَّلَهُ مِنْهَا وَنَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ وَغَلِطَ مَنْ قَالَ بِخِلَافِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ يَدَ الْعَامِلِ لَيْسَتْ يَدَ ضَمَانٍ حَتَّى يَضْمَنَ بِالتَّفْوِيتِ. (وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَمَّا إذَا مَاتَ الْمُسَاقِي الْعَامِلُ وَالْمُسَاقَاةُ عَيْنِيَّةٌ وَقَالُوا انْفَسَخَتْ كَالْإِجَارَةِ الْعَيْنِيَّةِ مَا يَصِيرُ لِلْعَامِلِ مِمَّا أَثْمَرَ النَّخْلُ وَمِمَّا لَمْ يُثْمِرْ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ الْوَاقِعِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَلَا تَتَوَزَّعُ الثَّمَرَةُ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِ جَمِيعِ الْعَمَلِ حَتَّى يَجِبَ لَهُ مِنْهَا حِصَّةٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَ الْعَقْدِ حَتَّى يَقْتَضِيَ الْعَقْدُ التَّوْزِيعَ عَلَيْهَا فَإِنْ قُلْت ذَكَرُوا أَنَّ الْمُسَاقَاةَ مَتَى وَقَعَتْ قَبْلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ مَلَكَهَا بِالظُّهُورِ فَكَيْفَ لَا تُورَثُ عَنْهُ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا قُلْت مِلْكُهُ لَهَا بِالظُّهُورِ لَيْسَ مِلْكًا نَاجِزًا بَلْ هُوَ مِلْكٌ مُرَاعًى فَإِنْ تَمَّ الْعَمَلُ بَانَ أَنَّهُ مَلَكَهَا بِالظُّهُورِ وَإِلَّا فَلَا. [بَابُ الْإِجَارَةِ] (سُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ امْرَأَةٍ وَقَفَتْ وَقْفًا عَلَى نَفْسِهَا مُدَّةَ حَيَاتِهَا مَثَلًا ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا عَلَى أَوْلَادِهَا وَأَوْلَادِ وَلَدِهَا وَشَرَطَتْ النَّظَرَ لَهَا مُدَّةَ حَيَاتِهَا مَثَلًا ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا لِمَنْ عَيَّنَتْهُ مَثَلًا ثُمَّ إنَّهَا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْوَقْفُ عَلَى يَدِ حَنَفِيٍّ أَجَّرَتْهُ مِائَةَ سَنَةٍ مَثَلًا ثُمَّ مَاتَتْ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى يَدِ شَافِعِيٍّ فَوَقَعَ السُّؤَالُ هَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا فَأَفْتَى الشَّافِعِيُّ بِانْفِسَاخِهَا فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ فَهَلْ هَذَا الْإِفْتَاءُ صَحِيحٌ أَوْ لَا أَوْضِحُوا لَنَا الْجَوَابَ لَا عَدِمَكُمْ الْمُسْلِمُونَ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْإِفْتَاءَ الْمَذْكُورَ صَحِيحٌ لَكِنْ بِقَيْدِهِ الْآتِي. وَقَدْ أَفْتَى بِمَا يُوَافِقُهُ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى شَخْصٍ، ثُمَّ أَوْلَادِهِ وَشَرَطَ النَّظَرَ لَهُ عَلَيْهِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ لِمَنْ يَنْتَهِي لَهُ الْوَقْفُ مِمَّنْ ذَكَرَ، ثُمَّ أَجَّرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْمَوْقُوفَ مُدَّةً وَمَاتَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَأَجَابَ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُؤَجِّرِ لِغَيْرِهِ اهـ. وَكَذَلِكَ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ شَارِحُ الْإِرْشَادِ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ ضَيْعَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى الذُّرِّيَّةِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ عَلَى التَّرْتِيبِ وَالنَّظَرِ

стр. 707

فِيهِ لِلْأَكْبَرِ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ فَأَجَّرَهُ النَّاظِرُ وَلَيْسَ مِنْ الذُّرِّيَّةِ مِنْ ذَلِكَ الْبَطْنِ غَيْرُهُ فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ وَهَلْ يَصِحُّ إيجَارُهُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ نَعَمْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ النَّاظِرِ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ اهـ. وَلَمَّا كَانَ فِي إطْلَاقِ الِانْفِسَاخِ فِي هَذَيْنِ الْإِفْتَاءَيْنِ نَظَرٌ خَالَفَ الْأَوَّلَ أَجَلُّ تَلَامِذَتِهِ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ وَالثَّانِيَ وَلَدُهُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ وَعِبَارَةُ فَتَاوَى الْأَوَّلِ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ وَهَكَذَا وَشَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِلْأَرْشَدِ أَوْ الْأَصْلَحِ مِنْهُمْ وَآلَ النَّظَرُ وَالِاسْتِحْقَاقُ لِأَحَدِهِمْ بِمَوْتِ إخْوَتِهِ فَأَجَّرَ مُدَّةً وَمَاتَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لِغَيْرِهِ وَكَذَا النَّظَرُ فَلَا نَظَرَ لَهُ عَلَى الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ مَنَعَهُ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ حَالَ نَظَرِهِ وَجَعَلَ اسْتِحْقَاقَهُ حَالَ نَظَرِ غَيْرِهِ بِلَا وِلَايَةٍ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا نِيَابَةٍ إذْ الْبَطْنُ الثَّانِي إنَّمَا يَتَلَقَّى مِنْ الْوَاقِفِ لَا مِنْ الْأَوَّلِ فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِي حَقِّ مَنْ بَعْدَهُ. وَلِقَوْلِ الْمَحَلِّيِّ بَعْدَ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ وَيَتَوَلَّى الْوَقْف إلَّا فِي صُورَةٍ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ وَلَوْ أَجَّرَ إلَخْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ النَّاظِرُ حَاكِمًا أَوْ أَجْنَبِيًّا أَوْ مُسْتَحِقًّا وَالْوَقْفُ وَقْفُ تَشْرِيكٍ أَوْ تَرْتِيبٍ وَبَقِيَ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ أَوْ أَحَدُهُمْ فَإِنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ الْأَخِيرَةِ وَفِيهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لِلْجَمِيعِ فِي غَيْرِ الْأَخِيرَةِ وَلِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ فِيهَا وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ التَّشْرِيكِ وَالتَّرْتِيبِ أَجَابَ إجَارَةُ نَاظِرِ الْوَقْفِ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ لِدُخُولِهَا فِي قَوْلِ الْأَصْحَابِ وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ مُتَوَلِّي الْوَقْفِ فَلَيْسَتْ مِنْ مَسْأَلَةِ إجَارَةِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ مَثَلًا؛ لِأَنَّ صُورَتَهَا أَنْ يَشْرُطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِكُلِّ مُسْتَحِقٍّ عَلَى حِصَّتِهِ خَاصَّةً وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَسْأَلَتَنَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ النَّظَرُ فِيهَا لِلْأَرْشَدِ أَوْ الْأَصْلَحِ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ يَتَنَاوَلُ ثُبُوتَ النَّظَرِ لَهُ حَالَةَ اسْتِحْقَاقِهِ مِنْ الْوَقْفِ وَحَالَ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ حَتَّى لَوْ وُجِدَ فِي بَطْنٍ سَافِلٍ كَالثَّانِي وَالثَّالِثِ مَنْ هُوَ أَرْشَدُ وَأَصْلَحُ مِنْ أَهْلِ بَطْنٍ عَالٍ كَالْأَوَّلِ ثَبَتَ لَهُ النَّظَرُ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْوَقْفِ مَعَ وُجُودِ أَحَدٍ مِنْ بَطْنٍ أَعْلَى مِنْهُ فَعُلِمَ أَنَّ وِلَايَةَ مَنْ هُوَ مِنْ الْبَطْنِ الْعَالِي لَمْ يُقَيِّدْهَا الْوَاقِفُ بِحَالَةِ اسْتِحْقَاقِهِ إذْ لَوْ تُصُوِّرَ أَنْ يَسْتَحِقَّ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ بَطْنٍ أَسْفَلَ مِنْهُ ثَبَتَتْ وِلَايَةُ نَظَرِهِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ السَّافِلِ بِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ مَعَ وُجُودِهِ لَا لِعَدَمِ شُمُولِ وِلَايَتِهِ لَهُمْ فَالتَّرْتِيبُ فِي الْبُطُونِ لِاسْتِحْقَاقِ الرَّيْعِ لَا لِثُبُوتِ النَّظَرِ وَقَدْ عُلِمَ جَوَابُ بَقِيَّةِ السُّؤَالِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ إجَارَةَ نَاظِرِ الْوَقْفِ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ النَّظَرَ لِكُلِّ مُسْتَحِقٍّ عَلَى حِصَّتِهِ خَاصَّةً وَقَدْ يُجَابُ عَنْ عِبَارَةِ شَيْخِنَا زَكَرِيَّا بِأَنَّ قَوْلَ السَّائِلِ، ثُمَّ لِمَنْ يَنْتَهِي إلَيْهِ الْوَقْفُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَاقِفَ قَيَّدَ نَظَرَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ لِمَنْ يَنْتَهِي إلَيْهِ الْوَقْفُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِهِ لِكُلِّ بَطْنٍ عَلَى حِصَّتِهِ فَيَكُونُ النَّظَرُ حِينَئِذٍ مُقَيَّدًا بِالِاسْتِحْقَاقِ وَيَلْزَمُ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِهِ الِانْفِسَاخُ بِالْمَوْتِ كَمَا يَأْتِي فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الشَّيْخِ وَلَا إطْلَاقَ فِي كَلَامِهِ فَتَأَمَّلْهُ نَعَمْ تَعْلِيلُ الِانْفِسَاخِ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُؤَجِّرِ لِغَيْرِهِ فِيهِ نَظَرٌ. ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ الْمَلْحَظُ فِي الِانْفِسَاخِ وَعَدَمِهِ وَإِنَّمَا الْمَلْحَظُ عُمُومُ نَظَرِهِ أَوْ خُصُوصِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي مَبْسُوطًا وَعِبَارَةُ الثَّانِي بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْ أَبِيهِ وَقَدْ نَزَلَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَيَّ بَعْدُ وَقَالَ شَيْخُنَا الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَجَبْتُ بِجَوَابٍ مَبْسُوطٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى نُقُولٍ نَاصَّةٍ عَلَى عَدَمِ انْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ إذَا كَانَ التَّأْخِيرُ مِمَّنْ ذَكَرَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ مِنْ ذَلِكَ مَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ إذَا أَجَّرَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ الْوَقْفَ مَثَلًا ثُمَّ مَاتُوا فَإِنْ كَانَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مُتَوَلِّيًا فِي ذَلِكَ صَحَّتْ إجَارَتُهُمْ وَلَيْسَ لِلْبَطْنِ الثَّانِي فَسْخُهُ إذَا كَانَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ. وَفِي حَاوِي الْمَاوَرْدِيُّ وَحِلْيَةِ الرُّويَانِيِّ إنْ كَانَ مُتَوَلِّيًا وَلَهُ حَقٌّ فِي غَلَّتِهِ لِكَوْنِهِ وَقْفًا عَلَيْهِ فَأَجَّرَهُ، ثُمَّ مَاتَ هَلْ تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ وَجْهَانِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ أُجْرَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَحَقِّ مَنْ بَعْدَهُ بِوِلَايَةٍ وَفِي حَوَاشِي الرَّوْضَةِ لِجَلَالِ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ النَّاظِرَ انْفَرَدَ بِالِاسْتِحْقَاقِ فَإِنْ أَجَّرَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَمْ تَنْفَسِخْ إجَارَتُهُ وَإِنْ أَجَّرَ بِدُونِهَا انْفَسَخَتْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحَابِي فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ الْغَيْرِ اهـ. نَعَمْ مَا أَطْلَقَهُ مِنْ عَدَمِ الِانْفِسَاخِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَقَوْلِ وَالِدِهِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا بِالِانْفِسَاخِ؛ لِأَنَّ صُورَتَهُ هِيَ عَيْنُ صُورَةِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَقَدْ سَبَقَ كَلَامُهُ فِيهَا

стр. 708

الْجَارِي عَلَى غَايَةِ التَّحْقِيقِ وَالْإِتْقَانِ فَلْيُعْتَمَدْ إذْ شَرْطُ النَّظَرِ لِلْأَكْبَرِ كَشَرْطِهِ لِلْأَصْلَحِ فَهُوَ شَرْطُ نَظَرٍ عَامٍّ فِيهَا لِتَصَوُّرِ بَقَائِهِ مَعَ عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ بِخِلَافِ شَرْطِهِ لِكُلِّ بَطْنٍ عَلَى حِصَّتِهِ فَقَطْ كَمَا يَأْتِي بَسْطُهُ وَعِبَارَةُ أَبِي زُرْعَةَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُهِمَّاتِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَأْخَذُ إفْتَاءِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ بِمَا مَرَّ فَلَعَلَّهُ جَعَلَ النَّظَرَ لِلْأَرْشَدِ فَانْتَقَلَ بَعْضُ الْوَقْفِ لِلْبَطْنِ الثَّانِي وَالْأَرْشَدُ مِنْ الْأَوَّلِ فَأَجَّرَ الْأَرْشَدُ، ثُمَّ مَاتَ فَالْمُتَّجَهُ عَدَمُ الِانْفِسَاخِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَجْنَبِيًّا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلْنَذْكُرْ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الرَّاجِحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَنَقُولُ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ كَالْأَصْحَابِ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ نَاظِرِ الْوَقْفِ سَوَاءٌ أَكَانَ حَاكِمًا أَوْ نَائِبَهُ أَوْ مَشْرُوطًا لَهُ النَّظَرُ الْمُطْلَقُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ نَاظِرٌ لِلْجَمِيعِ وَلَا يَخْتَصُّ تَصَرُّفُهُ بِبَعْضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَحَكَى جَمْعٌ الِاتِّفَاقَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، ثُمَّ قَالَ الشَّيْخَانِ كَالْأَصْحَابِ أَيْضًا وَلَوْ أَجَّرَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مُدَّةً وَمَاتَ قَبْلَ تَمَامِهَا انْفَسَخَتْ وَاسْتَشْكَلَ كَثِيرُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَقَالَتَيْنِ وَتَصْوِيرَ إجَارَةِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ إنْ شَرَطَ لَهُ النَّظَرَ فَهُوَ يَتَوَلَّى الْوَقْفَ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهُ لَهُ فَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ إلَّا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ يَبْعُدُ التَّفْرِيعُ عَلَيْهِ وَأَجَابَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْإِسْنَوِيِّ وَأَبِي زُرْعَةَ وَالزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِمْ تَبَعًا لِصَاحِبِ الِاسْتِقْصَاءِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَسُلَيْمٍ وَابْنِ الصَّلَاحِ بِتَصْوِيرِهَا بِمَا إذَا شَرَطَ النَّظَرَ لِكُلِّ بَطْنٍ عَلَى حِصَّتِهِ خَاصَّةً فَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا بَعْدَهُ فَحِينَئِذٍ انْفَسَخَتْ بِمَوْتِهِ لِعَدَمِ عُمُومِ نَظَرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ صَرِيحًا بِمُدَّةِ اسْتِحْقَاقِهِ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ جَمْعٍ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالْإِمَامُ يُشْتَرَطُ فِي النَّاظِرِ أَيْ: الَّذِي لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ لِيَكُونَ نَظَرُهُ لِكُلٍّ كَنَظَرِهِ لِلْآخَرِ أَيْ فَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَتَقَيَّدَ نَظَرُهُ بِحِصَّتِهِ مُدَّةَ اسْتِحْقَاقِهِ انْفَسَخَتْ بِمَوْتِهِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ قَوْلُ هَؤُلَاءِ لِيَكُونَ نَظَرُهُ لِكُلٍّ كَنَظَرِهِ لِلْآخَرِ كَمَا لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ النَّاظِرِ الْعَامِّ كَذَلِكَ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْعَاقِدَ نَاظِرٌ عَلَى سَائِرِ الْبُطُونِ وَهَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ الْمُرَادَةُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَمَّا إذَا أَجَّرَ الْمُتَوَلِّي فَمَوْتُهُ لَا يُؤَثِّرُ فَالضَّمِيرُ فِي مَوْتِهِ رَاجِعٌ لِلْبَطْنِ الْأَوَّلِ لَا لِلْمُتَوَلِّي يُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ انْفِسَاخِهَا بِمَوْتِ النَّاظِرِ الْعَامِّ مَا لَوْ أَجَّرَهُ النَّاظِرُ لِلْبَطْنِ الثَّانِي فَمَاتَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ فَإِنَّهَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ لِانْتِقَالِ الْمَنَافِعِ إلَيْهِمْ بِجِهَةِ الْوَقْفِ وَالشَّخْصُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا وَإِذَا اتَّضَحَ لَك أَنَّ شَرْطَ الِانْفِسَاخِ بِمَوْتِ النَّاظِرِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يُقَيَّدَ نَظَرُهُ بِحِصَّةٍ خَاصَّةٍ مُدَّةَ اسْتِحْقَاقِهِ فَهَلْ مِنْ التَّقْيِيدِ مَا فِي السُّؤَالِ مِنْ كَوْنِهَا وَقَفَتْ عَلَى نَفْسِهَا مُدَّةَ حَيَاتِهَا وَشَرَطَتْ النَّظَرَ لِنَفْسِهَا مُدَّةَ اسْتِحْقَاقِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ التَّقْيِيدِ وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ هُنَا بَقَاءُ النَّظَرِ مَعَ عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ بِأَنْ تُقِرَّ بِاسْتِحْقَاقِ الْبَطْنِ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَسْرِي ذَلِكَ عَلَيْهَا وَتُؤَاخَذُ بِهِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَبْطُلُ نَظَرُهَا فَتُصُوِّرَ بَقَاءُ نَظَرِهَا مَعَ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا فَكَانَ نَظَرُهَا عَامًّا لَا خَاصًّا بِخِلَافِ شَرْطِ النَّظَرِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى حِصَّتِهِ فَقَطْ مُدَّةَ اسْتِحْقَاقِهِ فَإِنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِاسْتِحْقَاقِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْبُطُونِ بَطَلَ اسْتِحْقَاقُهُ وَنَظَرُهُ فَلَمْ يُتَصَوَّرْ بَقَاءُ النَّظَرِ مَعَ عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ فَكَانَ النَّظَرُ خَاصًّا وَيُوَافِقُ مَا رَجَّحْتُهُ مَا مَرَّ مِنْ كَلَامِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ بَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنْ قُلْت يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ صَاحِبِ الْعُبَابِ نَعَمْ لَوْ أَجَّرَ الْمُوصِي بِمَنْفَعَتِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ أَوْ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِكُلِّ بَطْنٍ فِي حِصَّتِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ مَاتَ فِي أَثْنَائِهَا انْفَسَخَتْ فِي الْبَاقِي فَقَطْ اهـ. وَوَجْهُ الْمُنَافَاةِ أَنَّهُ عَبَّرَ بِمُدَّةِ حَيَاتِهِ وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ بِالِانْفِسَاخِ قُلْت لَا يُنَافِيه بَلْ يُوَافِقهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ قَوْلَهُ فِي حِصَّتِهِ فَقَيَّدَهُ بِالْحِصَّةِ حَتَّى إذَا انْتَقَلَ الِاسْتِحْقَاقُ لِغَيْرِهِ لَمْ يُتَصَوَّرْ بَقَاءُ نَظَرِهِ لَهُ فَلَيْسَ نَظِيرَ مَا فِي السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ لَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدٌ بِالصِّحَّةِ بَلْ بِمُدَّةِ الْحَيَاةِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ التَّقْيِيدَ بِهَا لَا يَقْتَضِي سَلْبَ النَّظَرِ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ بِخِلَافِ التَّقْيِيدِ بِالْحِصَّةِ فَافْتَرَقَا رَقَا وَقَدْ مَرَّ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى التَّقْيِيدِ بِالْحِصَّةِ وَبَيَّنَّا أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْحَيَاةِ لَيْسَ مِثْلَهَا فَلَا يُلْحَقُ

стр. 709

أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَاتَّجَهَ مَا رَجَّحْته مِنْ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِمُدَّةِ الْحَيَاةِ لَا يَقْتَضِي الْفَسْخَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مِنْ جَمَاعَةٍ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَزَرَعَهَا مَثَلًا ثُمَّ إنَّ شَخْصًا ادَّعَى عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِلْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ لَدَى حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ بِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ قَبْلَهُ وَأَظْهَرَ فِي يَدِهِ مَا يَشْهَدُ بِذَلِكَ مَثَلًا ثُمَّ إنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ بِرَفْعِ يَدِهِ عَنْ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ فَهَلْ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ أَنْ يَقْعُدَ عَلَى زَرْعِهِ إلَى حِينِ حَصَادِهِ وَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَوْ يُلْزَمُ بِقَلْعِ زَرْعِهِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُدَّعِي بِالْقَدْرِ الَّذِي يَدُهُ عَلَى الْأَرْضِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) لِمَنْ ثَبَتَ أَنَّ الْأَرْضَ فِي إيجَارِهِ أَنْ يَقْلَعَ زَرْعَ الْمُسْتَأْجِرِ الثَّانِي وَأَنْ يُطَالِبَهُ بِمِثْلِ أُجْرَةِ تِلْكَ الْأَرْضِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي شَغَلَهَا بِزَرْعِهِ وَلَا رُجُوعَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الثَّانِي بِشَيْءٍ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ نَعَمْ لَهُ الرُّجُوعُ بِأَرْشِ نَقْصِ زَرْعِهِ الْمَقْلُوعِ عَلَى الَّذِي أَجَّرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ كَانَ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا بِبِلَادِ الرِّيفِ مِنْ وَقْفِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ تُؤْخَذُ مِنْهُ سَوَاءٌ رُوِيَتْ مِنْهُ أَمْ لَا فَغَرَسَ فِي جَانِبٍ مِنْهَا غَرْسَ نَخْلٍ وَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا مَثَلًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُوُفِّيَ الرَّجُلُ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا ابْنُهُ بِالْأُجْرَةِ الَّتِي كَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْ وَالِدِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَثَلًا ثُمَّ تُوُفِّيَ الْآخَرُ وَخَلَّفَ أَوْلَادًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا فَوَضَعَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ مِنْ الذُّكُورِ وَهُوَ أَكْبَرُهُمْ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ لِيَزْرَعَهَا وَصَارَ يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ ثَمَرَ النَّخِيلِ الْمَذْكُورِ وَيَدْفَعُ أُجْرَةَ الْأَرْضِ إلَى أَرْبَابِهَا وَكَانَ يَظْهَرُ فِي الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَعْضِ السِّنِينَ الْمَكْسَبُ فِي زَرْعِهَا فَطَلَب مِنْهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ أَنْ يَقْسِمَ الْأَرْضَ بَيْنَهُمْ بِطَرِيقِ أَنَّهَا آلَتْ إلَيْهِمْ مِنْ وَالِدِهِمْ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) إذَا صَحَّتْ الْإِجَارَةُ الْمَذْكُورَةُ وَلَمْ تَنْفَسِخْ بِالْمَوْتِ اسْتَحَقَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ جَمِيعُ وَرَثَةِ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمْ وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهَا بَلْ تُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ إرْثِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ الْمُدْرَجَةِ الَّتِي صُورَتُهَا أَجَرْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ مِائَةَ سَنَةٍ بِمِائَةٍ مُحَلَّقٍ كُلَّ سَنَةٍ بِمُحَلَّقٍ عُقُودًا مُخْتَلِفَةً يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا هَلْ تَصِحُّ هَذِهِ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا فَإِذَا قُلْتُمْ بِصِحَّتِهَا فَهَلْ يَجْرِي ذَلِكَ فِي الْمَمْلُوكِ وَالْمَوْقُوفِ أَمْ فِي الْمَمْلُوكِ فَقَطْ أَمْ لَا يَصِحُّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَمَا يَكُونُ إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ ذَلِكَ فَإِذَا قُلْتُمْ بِصِحَّتِهَا فِي الْمَمْلُوكِ وَالْمَوْقُوفِ وَكَانَ مِنْ شَرْطِ الْوَاقِفِ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ فَهَلْ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ بِهَذَا الْعَقْدِ هَذِهِ الْمُدَّةَ أَمْ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ وَلَا يَصِحُّ التَّدْرِيجُ وَإِذَا قُلْتُمْ بِصِحَّتِهَا فِي الْعُقُودِ الْمُخْتَلِفَةِ. وَإِنْ زَادَتْ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَقْفُ وَقْفَ تَرْتِيبٍ أَمْ تَشْرِيكٍ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِصِحَّتِهَا فِي الْمَوْقُوفِ فَهَلْ تَكُونُ كَالصَّحِيحَةِ تَسْقُطُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيمَا مَضَى أَمْ تَكُونُ كَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَبَطَلَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيمَا مَضَى بَيِّنُوا لَنَا جَوَابَ ذَلِكَ مَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبِ الْغَيْرِ أَثَابَكُمْ اللَّهُ؟ (فَأَجَابَ) إجَارَةُ الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ مِائَةَ سَنَةٍ صَحِيحَةٌ، وَكَذَا الْمَوْقُوفَةُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَخْرَبَ تِلْكَ الْأَرْضُ فَتَحْتَاجُ لِأُجْرَةِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَجْلِ الْعِمَارَةِ وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلْوَقْفِ حَاصِلٌ يُعَمَّرُ بِهِ وَأَنْ لَا يُوجَدَ مِنْ يُقْرِضُ الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ لِلْعِمَارَةِ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَإِنْ انْتَفَى شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ تَجُزْ إجَارَتُهَا تِلْكَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ فِي فَتَاوِيهِ وَأَطَالَ فِي بَيَانِهِ وَتَحْقِيقِهِ وَحَيْثُ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا تُؤَجَّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ لَمْ تَجُزْ إجَارَتُهَا أَكْثَرَ مِنْهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَلَا مَنْ بَعْدَهُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَقْفُ وَقْفَ تَرْتِيبٍ أَمْ وَقْفَ تَشْرِيك إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِكُلِّ مُسْتَحِقٍّ عَلَى حِصَّتِهِ مَا دَامَ مُسْتَحِقًّا فَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ الْمُؤَجِّرِ الْمُسْتَحِقِّ وَحَيْثُ انْفَسَخَتْ بِالْمَوْتِ وَجَبَ حِصَّةُ مَا مَضَى مِنْ الْمُسَمَّى وَرَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْمُسَمَّى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ آخَرَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِالدَّرَاهِمِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ رَجُلٍ وَسْقَيْنِ تَمْرًا مَثَلًا وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا إلَى صَاحِبِ

стр. 710

التَّمْرِ الْمَذْكُورِ فَلَمَّا أَنْ وَصَلَ أَعْطَى صَاحِبَ التَّمْرِ الدَّرَاهِمَ فَأَعْطَاهُ وَسْقًا وَاحِدًا وَقَالَ لَهُ التَّمْرُ فِي هَذَا الْوَقْتِ غَالٍ وَصَاحِبُ الدَّرَاهِمِ قَدْ الْتَزَمَ لِلرَّسُولِ إذَا جَاءَ بِالتَّمْرِ أَعْطَاهُ أَشْرَفِيًّا فَإِذَا لَمْ يَأْتِ إلَّا بِوَاحِدٍ هَلْ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْجَمِيعِ لِقَوْلِهِ أَعْنِي صَاحِبَ الدَّرَاهِمِ اشْتَرِ لِي بِهَا أَيْ بِالدَّرَاهِمِ وَسْقَيْنِ تَمْرًا وَأُعْطِيك عَلَى حَمْلِهَا أَشْرَفِيًّا أَمْ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِقَدْرِ الْحِصَّةِ. وَإِذَا كَانَ فِي عُرْفِ ذَلِكَ الْحَيِّ أَنَّهُ إذَا قَالَ خُذْ لِي كَذَا وَأُعْطِيك أَشْرَفِيًّا بِغَيْرِ لَفْظِ إجَارَةٍ وَلَا وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْعُقُودِ الصَّحِيحَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا أُجْرَةَ مِثْلِ حَمْلِ الْوَسْقِ الْمَذْكُورِ سَوَاءٌ أَكَانَ أَشْرَفِيًّا أَمْ أَقَلَّ أَمْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ وَلَا نَظَرَ لِعُرْفِ أَهْلِ النَّاحِيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ افْعَلْ لِي كَذَا فَفَعَلَهُ لَهُ وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا تَسْمِيَةُ أُجْرَةٍ وَلَا مَا يُشْعِرُ بِهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْفَاعِلُ عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ شَيْئًا سَوَاءٌ اطَّرَدَ الْعُرْفُ بِأَخْذِ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَمْ لَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهُ افْعَلْ لِي كَذَا وَلَك كَذَا أَوْ أَنَا أُرْضِيك وَلَا أُضَيِّعُ تَعَبَك فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ لَهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ مَا سَمَّاهُ لَهُ إنْ كَانَ صَحِيحًا وَإِلَّا كَالصُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ الصِّيغَةِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمُخْتَصَرَةِ التَّامَّةِ فِي الْإِجَارَةِ لِلْحَجِّ وَزِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ ؟ (فَأَجَابَ) صِيغَةُ الْإِجَارَةِ لِلْحَجِّ وَالزِّيَارَةِ اسْتَأْجَرْتُك لِتَحُجَّ عَنْ مُورَثِي مَثَلًا وَتَدْعُو لَهُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) شَخْصٌ أَجَرَ شَخْصًا مَحَلًّا مَعْلُومًا مُدَّةً مُعَيَّنَةً سَنَةً مَثَلًا بِعِشْرِينَ مَثَلًا مَثَلًا ثُمَّ أَجَرَ الْمُسْتَأْجِرُ الْمُؤَجَّرَ يَوْمَ تَارِيخِهِ فَهَلْ الْإِجَارَتَانِ صَحِيحَتَانِ وَيَنْفَسِخَانِ بِانْهِدَامِ الدَّارِ فِي نِصْفِ الْمُدَّةِ أَوْ بِاسْتِحْقَاقِهَا لِلْغَيْرِ أَوْ بِالتَّقَابُلِ وَإِذَا انْفَسَخَتَا هَلْ يَرْجِعُ الْمُؤَجِّرُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي فِي الْإِجَارَةِ الْأُولَى بِنِصْفِ الْمُسَمَّى وَهُوَ عَشَرَةٌ وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فِي الْإِجَارَةِ الثَّانِيَةِ بِنِصْفِ مُسَمَّاهَا وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَمَا الْحُكْمُ أَيْضًا إذَا حَصَلَ الِانْفِسَاخُ بِالتَّقَايُلِ (الْجَوَاب) الْإِجَارَتَانِ صَحِيحَتَانِ وَإِنْ لَمْ يَتَسَلَّمْ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ الْمَحَلَّ الْمُؤَجَّرَ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ لَكِنَّ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ بَعْدُ كَالرَّافِعِيِّ عَدَمُ صِحَّتِهَا قَبْلَ التَّسَلُّمِ كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَاعْتَمَدَ هَذَا الثَّانِيَ جَمَاعَةٌ مُتَأَخِّرُونَ لِقَوْلِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ فَعَلَيْهِ لَا يَصِحُّ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤَجِّرَ مُؤَجَّرَهُ إلَّا إنْ قَبَضَ ذَلِكَ الْمَحَلَّ الْقَبْضَ الْمُعْتَدَّ بِهِ فِي الْبَيْعِ فَحِينَئِذٍ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ الثَّانِيَةُ. أَيْضًا، ثُمَّ إذَا انْهَدَمَتْ تِلْكَ الدَّارُ بِحَيْثُ صَارَتْ لَا تَصْلُحُ لِلسُّكْنَى وَلَوْ بِهَدْمِ الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لَهَا أُجْرَةٌ انْفَسَخَتْ فِي الْبَاقِي مِنْهَا دُونَ الْمَاضِي لِاسْتِقْرَارِهِ بِالْقَبْضِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَتَخَيَّرْ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَلِلْمُؤَجِّرِ مِنْ الْمُسَمَّى قِسْطُ الْمَاضِي مِنْ الْمُدَّةِ مُوَزَّعًا عَلَى قِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ أُجْرَةُ مِثْلِ مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ لَا عَلَى الْمُدَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ فَرُبَّمَا تَزِيدُ أُجْرَةُ شَهْرٍ عَلَى أُجْرَةِ شَهْرَيْنِ لِكَثْرَةِ الرَّغَبَاتِ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ فَإِذَا كَانَتْ الْمُدَّةُ سَنَةً مَضَى نِصْفُهَا وَأُجْرَةُ مِثْلِهِ ضِعْفُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي وَجَبَ مِنْ الْمُسَمَّى ثُلُثَاهُ. وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ فَثُلُثُهُ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَالْعِبْرَةُ بِتَقْوِيمِ الْمَنْفَعَةِ حَالَةَ الْعَقْدِ لَا بِمَا بَعْدَهُ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَتَانِ بِالِانْهِدَامِ فِي نِصْفِ الْمُدَّةِ وَحِينَئِذٍ فَنُقَوِّمُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ حَالَ الْإِجَارَةِ الْأُولَى وَنُوجِبُ لِلْمُؤَجِّرِ الْأَوَّلِ مَا يَخُصُّ الْمَاضِي بِاعْتِبَارِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمُدَّتَيْنِ وَنُقَوِّمُهَا حَالَ الْإِجَارَةِ الثَّانِيَةِ وَنُوجِبُ لِلْمُؤَجِّرِ الثَّانِي مَا يَخُصُّ الْمَاضِي بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ أَيْضًا فَإِنْ اسْتَوَى النِّصْفَانِ حَالَ عَقْدِ كُلٍّ مِنْ الْإِجَارَتَيْنِ وَجَبَ لِلْأَوَّلِ نِصْفُ الْمُسَمَّى وَهُوَ عَشَرَةٌ وَلِلثَّانِي نِصْفُ الْمُسَمَّى وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَإِنْ اخْتَلَفَا وَجَبَ لِكُلٍّ الْقِسْطُ بِالِاعْتِبَارِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَمَّا لَوْ لَمْ تَنْهَدِمْ كُلُّهَا بِأَنْ انْهَدَمَ بَعْضُهَا فَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بَلْ إنْ أَمْكَنَ إصْلَاحُهُ حَالًا وَأُصْلِحَ لَمْ يَتَخَيَّرْ وَإِلَّا تَخَيَّرَ وَإِذَا بَانَ اسْتِحْقَاقُ الدَّارِ الْمُؤَجَّرَةِ فِي نِصْفِ الْمُدَّةِ مَثَلًا بَانَ بُطْلَانُ الْإِجَارَةِ مِنْ أَصْلِهَا وَلَا يُقَالُ انْفَسَخَتْ وَحِينَئِذٍ فَيَرْجِعُ مَنْ أُثْبِتَتْ لَهُ عَلَى ذِي الْيَدِ وَمَنْ تَرَتَّبَتْ يَدُهُ عَلَى يَدِهِ بِأُجْرَةِ مَا مَضَى وَالْقَرَارُ عَلَى مَنْ تَلِفَتْ الْمَنَافِعُ تَحْتَ يَدِهِ وَإِذَا

стр. 711

تَقَايَلَا بَعْد مُضِيِّ نِصْفِ الْمُدَّةِ مَثَلًا تَأْتِي هُنَا مَا مَرَّ فِي الِانْفِسَاخِ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخٌ فَيَرْجِعُ كُلٌّ عَلَى الْآخَرِ مِنْ الْمُسَمَّى بِقِسْطِ مَا مَضَى بِالِاعْتِبَارِ السَّابِقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) فِي رَجُلٍ أَجَرَ زَيْدًا أَنْ يَحْمِلَ لَهُ فِي سَفِينَةٍ لَهُ مَشْهُورَةٍ مِائَةَ حِمْلٍ مَثَلًا مِنْ بَنْدَرِ جَدَّةَ إلَى عَدَنَ مَعَ تَعْيِينِ أُجْرَةِ الْحَمْلِ وَمَعْرِفَتِهِ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ قَدْرًا وَنَوْعًا مَثَلًا ثُمَّ بَعْدَ تَطْلِيعِ الْقَدْرِ وَشَحْنِهِ تَغَيَّرَتْ السَّفِينَةُ الْمَذْكُورَةُ بِعَارِضِ رِيحٍ أَوْ مَطَرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْمُؤَجِّرُ الْأُجْرَةَ أَمْ قِسْطًا أَمْ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا وَهَلْ ثَمَّ فَرْقٌ بَيْنَ تَغَيُّرِهَا قَبْلَ السَّفَرِ أَمْ بَعْدَهُ وَلَوْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ بَيِّنُوا وَأَوْضِحُوا أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَإِذَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ نَقْلَ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِالسَّفِينَةِ لَهُ أُجْرَةٌ لَهَا وَقْعٌ يُقَوَّمُ بِهَا الْأَجِيرُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْفَاضِلُ لَهُ مِنْ أُجْرَتِهِ نَحْوَ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ هَلْ تَلْزَمُ ذَلِكَ الْأَجِيرَ عَمَلًا بِالْعَادَةِ الَّتِي يَعْلَمُهَا أَمْ تَلْزَمُ ذَا الْمَالِ الَّذِي هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ؟ (فَأَجَابَ) إذَا تَغَيَّرَتْ السَّفِينَةُ فَتَلِفَتْ الْأَحْمَالُ الْمَذْكُورَةُ بِغَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأَجِيرُ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ خَاطَ نِصْفَ الثَّوْبِ فَاحْتَرَقَ أَوْ تَرَكَهُ أَوْ بَنَى بَعْضَ الْحَائِطِ فَانْهَدَمَ أَوْ تَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ أَيْ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ لَمْ يَقَعْ مُسَلَّمًا لِلْمَالِكِ وَلَا ظَهَرَ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَلِّ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ وَقَعَ مُسَلَّمًا إلَيْهِ بِأَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ اسْتَحَقَّ الْقِسْطَ وَيُوَافِقُ مَا ذَكَرْتُهُ أَوَّلًا قَوْلُ الْأَنْوَارِ لَوْ دَفَعَ لِلْأَجِيرِ وِقْرًا مِنْ مَتَاعٍ لِيَحْمِلَهُ إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَحَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فَسَقَطَ وَانْكَسَرَ لَمْ يَضْمَنْ وَسَقَطَتْ الْأُجْرَةُ وَإِنْ لَمْ تَتْلَفْ تِلْكَ الْأَحْمَالُ فَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي نَظِيرِ ذَلِكَ وَهُوَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِ مَتَاعٍ إلَى مَكَّةَ فَمَاتَتْ الدَّابَّةُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ الْقِسْطِ فِي الْإِجَارَةِ وُقُوعُ الْعَمَلِ مُسَلَّمًا وَظُهُورُ أَثَرِهِ عَلَى الْمَحَلِّ وَمِثْلُهَا الْجَعَالَةُ. اهـ. وَمَحَلُّهُ إنْ سَلَّمَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْمَالِكُ مَعَهُ وَإِلَّا اسْتَحَقَّ الْقِسْطَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْأَنْوَارِ لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى بَلَدٍ إيَابًا وَذَهَابًا فَعَرَجَتْ هُنَاكَ وَتَعَذَّرَ رَدُّهَا فَتَرَكَهَا عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ أَمِينٍ وَفَسَخَ أَوْ مَضَتْ الْمُدَّةُ لَمْ يَجِبْ إلَّا نِصْفُ الْأُجْرَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ. اهـ. فَانْظُرْ إلَى إيجَابِهِمْ الْقِسْطَ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِ الْعَمَلِ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ عَلَيْهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِوُقُوعِهِ مُسَلَّمًا إلَيْهِ فَكَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّهُ بِحَضْرَتِهِ يَقَعُ مُسَلَّمًا إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَلِّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ لَهُ الْقِسْطَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ وَصُورَةِ شَيْخِنَا وَقَوْلُهُ إنَّ الْعَمَلَ فِيهَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَلِّ مَمْنُوعٌ كَيْفَ وَحُصُولُهُ لَهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ فَكَفَى بِتَوَفُّرِهَا عَلَى الْمَالِكِ ظُهُورُ أَثَرٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْآنَ أَنْ يُكْرِيَهُ إلَى مَقْصِدِهِ أَكْرَاهُ بِدُونِ أُجْرَتِهِ مِنْ ابْتِدَاءِ السَّيْرِ غَالِبًا فَلَوْلَا ظُهُورُ أَثَرٍ عَلَيْهِ لَمَا نَقَصَتْ الْأُجْرَةُ فِي مُقَابَلَةِ حُصُولِهِ فِي مَحَلِّ التَّلَفِ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ قَوْلُ الْعُمْرَانِيِّ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ كِتَابًا إلَى رَجُلٍ وَيَرُدَّ جَوَابَهُ فَأَوْصَلَهُ إلَيْهِ وَمَاتَ قَبْلَ رَدِّ الْجَوَابِ فَلِلْأَجِيرِ مِنْ الْأُجْرَةِ قَدْرُ ذَهَابِهِ. اهـ. فَافْهَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِظُهُورِ الْأَثَرِ حُصُولُ نَفْعٍ لِلْمُؤَجِّرِ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ بِسَبَبِ الْعَمَلِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ أَيْضًا وَأَطْلَقَ الْقَاضِي فِي هَذِهِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْأَجِيرُ فِي الْبَلَدِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَوْ مَاتَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَوْ وَجَدَهُ غَائِبًا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْأُجْرَةِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ شَرَعَ الْأَجِيرُ فِي الْإِحْرَامِ أَيْ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ مَاتَ. قَالَ الْقَمُولِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ رَدَّ الْجَوَابِ اهـ. وَهُوَ كَمَا قَالَ إذَا لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِأَنَّ لَهُ نِصْفَ الْأُجْرَةِ إلَّا إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ رَدَّ الْجَوَابِ وَاسْتُفِيدَ مِنْ بِنَاءِ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ظُهُورِ الْأَثَرِ بَيْنَ مَا يَعُودُ إلَى النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيُوَافِقُ كَلَامَ الْعُمْرَانِيِّ وَالْقَاضِي قَوْلُ الْأَنْوَارِ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَذْهَبَ إلَى بَلَدٍ فَيَبْتَاعَ لَهُ فِيهَا فَذَهَبَ وَلَمْ يَجِدْ فَلَهُ أُجْرَةُ الذَّهَابِ فَقَطْ اهـ. وَهَذَا يُفْهِمُ وُجُوبَ الْقَسْطِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ هُنَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الْأَجِيرِ وَمَعَ ذَلِكَ لَزِمَهُ لَهُ نِصْفُ الْأُجْرَةِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِ الْأَجِيرِ وَإِتْيَانِهِ بِبَعْضِ مَا شَرَطَ عَلَيْهِ وَفِي كُلٍّ مِنْ تِينَك الْمَسْأَلَتَيْنِ انْتَفَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِعَمَلِ الْأَجِيرِ فَلَزِمَهُ لَهُ الْقَسْطُ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ وَفِي الْأَنْوَارِ أَيْضًا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ أَغْنَامًا إلَى بَلَدٍ وَيَبِيعَهَا هُنَاكَ وَقَالَ إنْ قَلَّ

стр. 712

الْعَلَفُ فِي الطَّرِيقِ فَبِعْهَا بِكَذَا فَقَلَّ الْعَلَفُ وَوَجَدَ مَنْ يَشْتَرِيهَا بِمَا عَيَّنَ فَلَمْ يَبِعْ وَمَضَى ضَمِنَ الْأَغْنَامَ وَاسْتَحَقَّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا مَضَى عَلَى أَمْرِهِ دُونَ مَا خَالَفَهُ اهـ. فَإِيجَابُ الْقَسْطِ هُنَا يُفْهِمُ إيجَابَ الْقَسْطِ فِي مَسْأَلَتِنَا بِالْمُسَاوَاةِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّفْعَ الْعَائِدَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِي مَسْأَلَتِنَا أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى وَمِمَّا يُصَرِّحُ أَيْضًا بِمَا ذَكَرْتُهُ قَوْلُهُمْ لَوْ حَمَّلَ الْمُكْتَرِي الدَّابَّةَ مَتَاعَهُ وَسَلَّمَهُ إلَى الْمُؤَجِّرِ فَعَرَضَ فِي الطَّرِيقِ خَوْفٌ فَلْيَضَعْهُ مَعَ أَمِينٍ هُنَاكَ فَإِنْ رَدَّهُ ضَمِنَهُ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْأَمِينَ فَلَهُ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ مِنْ الْمُسَمَّى اهـ. فَظَهَرَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ وُجُوبِ الْقَسْطِ فِي تِينَك الْمَسْأَلَتَيْنِ وَأُجْرَةُ نَقْلِ تِلْكَ الْأَحْمَالِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَلَا عِبْرَةَ بِاطِّرَادِ الْعُرْفِ بِأَنَّهَا عَلَى الْأَجِيرِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَمَتَاعِهِ فَلَا يُكَلَّفُ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ اطَّرَدَ الْعُرْفُ بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) هَلْ يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ لِنَسْخِ مُصْحَفٍ نَقْطُهُ وَشَكْلُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ اُعْتِيدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا وَمَتَى اضْطَرَبَتْ الْعَادَةُ فِي ذَلِكَ وَجَبَ الْبَيَانُ وَإِلَّا بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ وَيَلْزَمُ الْكَاتِبَ كِتَابَةُ الْغَلَطِ أَوْ أَرْشُهُ لَا خُصُوصَ الْمُقَابَلَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا اُسْتُؤْجِرَ لِلْقِرَاءَةِ عَلَى مَيِّتٍ وَأَطْلَقَ فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى قَبْرِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَلْزَمهُ ذَلِكَ عَلَى مَا نُقِلَ وَهُوَ مُتَّجَهٌ إنْ عَلِمَ قَبْرَهُ فِي بَلَدِ الْإِجَارَةِ وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ عَمَلًا بِالْعُرْفِ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَ الْكَافِرُ مُسْلِمًا إجَارَةَ عَيْنٍ هَلْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ إتْمَامُ الْإِجَارَةِ بِنَفْسِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ إتْمَامُ الْإِجَارَةِ بِنَفْسِهِ بَلْ يُكْرَهُ لَهُ نَعَمْ إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا يُمْتَهَنُ بِهِ كَالْأَعْمَالِ الدَّنِيئَةِ الْغَيْرِ اللَّائِقَةِ بِهِ اشْتَدَّتْ الْكَرَاهَةُ بَلْ قِيلَ بِالْحُرْمَةِ حِينَئِذٍ. (وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ شَخْصٍ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَهَلْ يَدْخُلُ مَا لَهَا مِنْ نَخِيلٍ وَشَجَرٍ وَمَا بِالتَّبَعِيَّةِ كَالْبَيْعِ أَوَّلًا يَدْخُلُ شَيْءٌ دُونَ شَيْءٍ آخَرَ سَوَاءٌ أَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِصِحَّةِ الْإِجَارَةِ بِدُخُولِ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ فَتُوَزَّعُ الْإِجَارَةُ كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّتِنَا أَنَّ مَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ كَالْبَيْعِ يَتَنَاوَلُ مَا فِي الْأَرْضِ مَثَلًا مِنْ بِنَاءٍ وَشَجَرٍ وَنَحْوِهِمَا وَمَا لَا يَنْقُلُهُ كَالرَّهْنِ لَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ وَكَالْبَيْعِ الصَّدَاقُ وَالْخُلْعُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ سَائِرِ الْأَعْوَاضِ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ. وَالْهِبَةُ كَمَا ذَكَرَهُ جَمْعٌ وَفِي مَعْنَاهَا الصَّدَقَةُ وَالْوَقْفُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ شُرَّاحِ التَّنْبِيهِ وَالْوَصِيَّةُ كَمَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَكَالرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ جَمْعٌ وَالْإِقْرَارُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُهُ وَإِفْتَاءُ الْقَفَّالِ بِأَنَّهُ كَالْهِبَةِ فِيهِ نَظَرٌ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْإِجَارَةَ كَالرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ فَلَا تَتَنَاوَلُ نَخْلًا وَلَا شَجَرًا وَلَا غَيْرَهُمَا لِضَعْفِ الرَّهْنِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ فَإِنَّهَا قَوِيَّةٌ تَنْقُلُ الْمِلْكَ فَتُسْتَتْبَعُ نَعَمْ لَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَسِيلُ الْمَاءِ وَلَا شُرْبُهَا مِنْ قَنَاةٍ أَوْ نَهْرٍ مَمْلُوكَيْنِ إذَا كَانَ ذَلِكَ خَارِجًا عَنْهَا بِخِلَافِ الدَّاخِلِ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ فِي دُخُولِهِ أَرْضًا وَبِنَاءً كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ، وَأَمَّا اسْتِئْجَارُهَا لِزَرْعٍ أَوْ غِرَاسٍ فَهُوَ يَسْتَلْزِمُ دُخُولَ ذَلِكَ وَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمُسْتَأْجَرَ لَهَا لَا تَحْصُلُ بِدُونِهِ فَاسْتَتْبَعَتْهُ الْإِجَارَةُ مُطْلَقًا لِتَوَقُّفِ مَقْصُودِهَا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ مِلْكُ الْمَبِيعِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ وَالْخَارِجُ لَيْسَ كَذَلِكَ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَرْضَ مَتَى صَلُحَتْ لِزَرْعٍ وَبِنَاءٍ وَغِرَاسٍ اُشْتُرِطَ لِصِحَّةِ الْإِجَارَةِ بَيَانُ مَا يُسْتَأْجَرُ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَنَافِعِ أَوْ أَنْ يَقُولَ لِتَنْتَفِعَ بِهَا بِمَا شِئْت أَوْ كَيْفَ شِئْت فَيَفْعَلُ مَا شَاءَ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِهَا لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِأَنَّهَا إذَا زُرِعَ فِيهَا شَيْءٌ فِي سَنَةٍ أُرِيحَتْ مِنْهُ فِي أُخْرَى قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَتَى لَمْ تَصْلُحْ إلَّا لِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَفَى الْإِطْلَاقُ كَأَرْضِ بَعْضِ الْبَسَاتِينِ فَإِنَّهُ يَغْلِبُ فِيهَا الْغِرَاسُ وَإِذَا عَيَّنَ الزِّرَاعَةَ أَوْ الْغِرَاسَ أَوْ الْبِنَاءَ لَمْ يَلْزَمْهُ بَيَانُ نَوْعِ الْمَزْرُوعِ أَوْ الْمَغْرُوسِ أَوْ الْمَبْنِىِّ لِتَقَارُبٍ فِي ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ نَعَمْ إنْ أَجَرَ عَنْ غَيْرِهِ بِنِيَابَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ لَمْ يَكْفِ الْإِطْلَاقُ لِوُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَا تَقَرَّرَ فِي الشُّرْبِ بِالنِّسْبَةِ

стр. 713

لِلْإِجَارَةِ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ هُنَاكَ عُرْفٌ مُطَّرِدٌ فَإِنْ اضْطَرَبَ الْعُرْفُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ دُخُولُ الشُّرْبِ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ كَمَا لَوْ اسْتَثْنَاهُ نَعَمْ إنْ وُجِدَ لَهَا شُرْبٌ غَيْرُهُ صَحْوٌ إنَّمَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُهَا لِلزِّرَاعَةِ قَبْلَ سَقْيِهَا إنْ كَانَ لَهَا مَا يُوثَقُ بِهِ مِنْ نَحْوِ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ يَغْلِبُ حُصُولُهُ مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ مُعْتَادٍ وَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ وَمَا تَقَرَّرَ أَيْضًا مِنْ عَدَمِ تَنَاوُلِ إجَارَةِ الْأَرْضِ لِمَا فِيهَا مِنْ نَحْوِ الشَّجَرِ مَحَلُّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَإِنْ نَصَّا عَلَى دُخُولِ الشَّجَرِ لِلِانْتِفَاعِ بِنَحْوِ رَبْطِ شَيْءٍ فِيهِ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ فِيهِ أَيْضًا وَانْتَفَعَ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَإِنْ تَعَطَّلَ انْتِفَاعُهُ بِهِ لِجَائِحَةٍ أَوْ نَحْوِهَا تَخَيَّرَ الْمُسْتَأْجِرُ فَإِنْ أَجَازَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا الْقَسْطُ مِنْ الْمُسَمَّى وَإِنْ فَسَخَ ارْتَفَعَ الْعَقْدُ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْمَاضِي وَيَتَخَيَّرُ أَيْضًا بِانْقِطَاعِ مَاءِ الْأَرْضِ الْمَذْكُورِ مَا لَمْ يَبْذُلْهُ الْمُؤَجِّرُ مِنْ مَكَان آخَرَ وَوَقْتُ الزِّرَاعَةِ بَاقٍ وَلَمْ يَمْضِ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ حَيْثُ تَخَيَّرَ بِتَلَفِ بَعْضِ الْمُؤَجَّرِ وَأَجَازَ لَزِمَهُ الْقَسْطُ مِنْ الْمُسَمَّى كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا فَسَخَ فَإِنَّ الْعَقْدَ يَرْتَفِعُ وَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ أَمِيرِ بَلَدٍ لَهُ إقْطَاعٌ فَأُسْلِمَ لَهُ فِي قَدْرٍ مِنْ حُبُوبِ غِلَالِهِ مَبْلَغُ فِضَّةٍ وَتَصَرَّفَ فِيهِ وَاسْتُؤْجِرَ مِنْهُ أَرْضٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَنْ كَانَ أَمِيرًا بِبَلَدِهِ مُدَّةً مَثَلًا ثُمَّ تُوُفِّيَ فَوَلِيَ بَعْدَهُ أَمِيرٌ وَلَمْ يُمَكَّنْ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ الْغَلَّةِ وَلَا مِنْ الْأَرْضِ الْمُؤَجَّرَةِ وَزَعَمَ أَنَّ السَّنَةَ الَّتِي بَاشَرَهَا الْمَيِّتُ لَا يَسْتَحِقُّ مَعْلُومَهَا فَهَلْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا عَيَّنَ لِلْمُسْلَمِ فِيهِ الْحَالِّ أَوْ الْمُؤَجَّلِ أَرْضًا أَوْ نَاحِيَةً فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً بِأَنْ اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ بِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ يَحْصُلُ مِنْ غَلَّةِ تِلْكَ الْأَرْضِ أَوْ النَّاحِيَةِ الْمُعَيَّنَةِ غَالِبًا. وَإِنْ وَقَعَتْ فِيهَا آفَةٌ صَحَّ السَّلَمُ وَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ فَالسَّلَمُ فَاسِدٌ وَإِجَارَةُ الْأَمِيرِ الْأَرْضَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى مَنْ ذَكَرَ صَحِيحَةٌ إنْ جَعَلَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِلْمُسْتَحِقِّ وَإِلَّا فَفَاسِدَةٌ وَإِذَا صَحَّتْ فَإِنْ قَيَّدَ الْوَاقِفُ نَظَرَهُ بِمُدَّةِ اسْتِحْقَاقِهِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ وَإِلَّا لَمْ تَنْفَسِخْ، ثُمَّ حَيْثُ صَحَّ السَّلَمُ وَجَبَ لِلْمُسْلِمِ فِي تَرِكَةِ الْأَمِيرِ وَمِنْهَا مَا اسْتَحَقَّهُ بِمُبَاشَرَتِهِ الْقَدْرَ الْمُسْلِمَ إلَيْهِ فِيهِ وَحَيْثُ فَسَدَ لَمْ يَجِبْ لِلْمُسْلِمِ فِي تَرِكَةِ الْأَمِيرِ الْمَذْكُورِ إلَّا أَرْشُ مَالِهِ وَحَيْثُ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ مَا اسْتَحَقَّهُ وَحَيْثُ فَسَدَتْ أَوْ انْفَسَخَتْ رَجَعَ عَلَى تَرِكَةِ الْأَمِيرِ بِكُلِّ الْأُجْرَةِ فِي الْأُولَى وَبِقَسْطِ مَا انْفَسَخَ فِيهِ فِي الثَّانِيَةِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَعْلُومُ السَّنَةِ الَّتِي بَاشَرَهَا الْمَيِّتُ مِنْ جُمْلَةِ تَرِكَتِهِ كَمَا تَقَرَّرَ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا دُيُونُهُ وَلَا حَقَّ فِيهَا لِلْأَمِيرِ الثَّانِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَجِيرًا أَوْ عَامِلَ جَعَالَةٍ عَنْ أَشْخَاصٍ مُتَعَدِّدِينَ فِي زِيَارَتِهِ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَجُوزُ كَمَا أَفْتَى بِهِ كَثِيرُونَ لِعَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ بِخِلَافِ الْحَجِّ فِي غَيْرِ إجَارَةِ الذِّمَّةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ إلَّا إنْ عَلِمَ الْجَاعِلُونَ الْحَالَ وَلَوْ جُوعِلَ فَعَجَزَ عَنْ الزِّيَارَةِ فَجَاعَلَ غَيْرَهُ اسْتَحَقَّ الْمُسَمَّى. (وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ إذَا لَمْ تُعْرَفْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي مَوْضِعٍ لِعَدَمِ الِاسْتِئْجَارِ أَوْ لِلْمُسَامَحَةِ بِالسُّكْنَى فَبِمَ تُعْرَفُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ تُعْرَفُ بِأَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ أَمَّا فِي الْأُولَى فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَكَذَلِكَ وَفِيهِ احْتِمَالٌ أَنَّهَا تُقَدَّرُ بِعُرْفِ قَوْمٍ لَا يُسَامِحُونَ بِذَلِكَ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ اُسْتُؤْجِرَ لِرَعْيِهِ غَنَمًا فَاسْتَنَابَ غَيْرَهُ فَهَلْ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ اسْتَنَابَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْحِفْظِ وَالْأَمَانَةِ، وَالْإِجَارَةُ إجَارَةُ ذِمَّةٍ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَإِلَّا ضَمِنَ. (وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ اسْتَأْجَرَ إجَارَةً فَاسِدَةً مَثَلًا ثُمَّ حَرَثَ الْأَرْضَ وَزَادَتْ قِيمَتُهَا بِذَلِكَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْفَسَادِ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ بِأُجْرَةِ فِعْلِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ قَاعِدَةِ أَنَّ فَاسِدَ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْقَاعِدَةُ لَا تَشْهَدُ لَهُ كَمَا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ، ثُمَّ رَأَيْت هَذَا الْمُفْتِي نَفْسَهُ أَفْتَى فِيمَا لَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةً وَصَرَفَ عَلَى عِمَارَةِ الْأَرْضِ مَالًا بِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهِ وَهُوَ مُفْسِدٌ احْتِجَاجَهُ بِالْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ فَالْأَوْجَهُ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ (وَسُئِلَ) عَمَّنْ اسْتَأْجَرَ بِئْرًا وَفِيهَا مَاءٌ فَهَلْ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ

стр. 714

أَمْ لَا كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ كَمَا أَفْهَمَهُ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ وَيَقَعُ اسْتِيفَاءُ الْمَاءِ تَبَعًا وَلَا وَجْهَ لِلْإِفْتَاءِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فَقَدْ صَرَّحُوا فِي اسْتِئْجَارِ الْقَنَاةِ بِمَا ذُكِرَ وَبِأَنَّ الْإِجَارَةَ قَدْ يُسْتَحَقُّ بِهَا عَيْنٌ تَبَعًا لِضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ حَاقَّةٍ تَلْحَقُ تِلْكَ الْعَيْنَ بِالْمَنْفَعَةِ (وَسُئِلَ) عَمَّنْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يُعَلِّمُ وَلَدَهُ الْقُرْآنَ جَمِيعَهُ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا فَعَلَّمَهُ سِتَّةً وَعِشْرِينَ حِزْبًا وَعَلَّمَهُ الْخَطَّ حَتَّى أَحْكَمَهُ إحْكَامًا تَامًّا فَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّ الْخَطَّ يُقَابِلُهُ رُبُعُ الْأُجْرَةِ فَعَلَيْهِ يَجِبُ هُنَا رُبُعُ الْأُجْرَةِ وَثُلُثُهَا وَعُشْرُهَا وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا وَمَا أَدْرِي مَا مُسْتَنَدُ الْمُوجِبِينَ لِرُبُعِ الْأُجْرَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْخَطِّ بَلْ الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْخَطِّ حَيْثُ لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ فَإِنْ نُصَّ عَلَيْهِ اُعْتُبِرَتْ الْأُجْرَةُ مُوَزَّعَةً عَلَى ذَلِكَ وَوَجَبَ مَا يُقَابِلُهُ. (وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ لَوْ قَالَ إنْسَانٌ أَلْزَمْت ذِمَّتَك الْحَجَّ عَنِّي لِتَفْعَلَهُ بِنَفْسِك صَحَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَلْزَمْت ذِمَّتَك خِيَاطَةَ هَذَا الثَّوْبِ لِتَفْعَلَهُ بِنَفْسِك فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فَمَا الْفَرْقُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا عُسْرٌ وَلَمَّا لَمْ يَظْهَرْ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَرَّ إلَى تَضْعِيفِ أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْغَرَضَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَإِنْ اسْتَوَوْا كُلُّهُمْ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يُحْسِنُ الْحَجَّ بَلْ رُبَّمَا يُقَدَّمُ الْعَارِفُ بِأَعْمَالِ الْحَجِّ عَلَى الْأَعْرَفِ مِنْهُ لِمَزِيدِ زُهْدٍ أَوْ وَرَعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا هُوَ سَبَبٌ فِي الْإِجَابَةِ وَالْقَبُولِ، وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَلَا يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ فِيهَا بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ بَعْدَ اسْتِوَائِهِمْ فِي خِيَاطَةِ الثَّوْبِ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ شَيْءٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الذَّوَاتِ وَالسَّرَائِرِ بِخِلَافِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهَذَا فَرْقٌ وَاضِحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ. (وَسُئِلَ) فَسَحَ اللَّهُ فِي قَبْرِهِ بِمَا صُورَتُهُ فِي الْإِحْيَاءِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ عِوَضٍ عَلَى كَلِمَةٍ يَقُولُهَا طَبِيبٌ عَلَى دَوَاءٍ يَنْفَرِدُ بِمَعْرِفَتِهِ إذْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي التَّلَفُّظِ وَعَمَلُهُ بِهِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ فَلَيْسَ مِمَّا يُقَابَلُ بِعِوَضٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَرَفَ الصَّقِيلُ الْمَاهِرُ إزَالَةَ اعْوِجَاجِ السَّيْفِ وَالْمِرْآةِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهَا وَإِنْ كَثُرَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ يُتْعَبُ فِي تَعْلِيمِهَا لِتُكْتَسَبَ وَيُخَفِّفُ عَنْ نَفْسِهِ كَثْرَةَ التَّعَبِ اهـ. فَهَلْ هُوَ الْمُعْتَمَدُ أَمْ الْمُعْتَمَدُ مَا أَفْتَى بِهِ الْبَغَوِيّ مِنْ أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ لَا يَصِحُّ وَهَلْ الْفَصْدُ وَنَحْوُهُ كَذَلِكَ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ كَمَا اعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُؤَيِّدُهُ تَصْرِيحُهُمْ بِصِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ لِلْفَصْدِ وَنَحْوِهِ مَعَ أَنَّهُ عَمَلٌ لَا يُتْعِبُ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَاسْأَلْ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ اسْتِئْجَارِ الْبَيَّاعِ عَلَى كَلِمَةٍ لَا تُتْعِبُ اهـ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ السَّابِقِ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَحَاصِلُهُ أَنَّ عِلَّةَ الْبُطْلَانِ مُرَكَّبَةٌ مِنْ عَدَمِ الْمَشَقَّةِ وَعَدَمِ انْتِقَالِ الْعِلْمِ لِلْغَيْرِ وَعَدَمِ التَّعَبِ فِي تَعَلُّمِهَا لِتُكْتَسَبَ وَيُخَفِّفُ عَنْ النَّفْسِ كَثْرَةُ التَّعَبِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كَلِمَةِ الْبَيَّاعِ وَكَلِمَةِ الطَّبِيبِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ الْمَقُولَ لَهُ تِلْكَ الْكَلِمَةُ لَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ عِلْمُهَا وَأَيْضًا فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ عِلْمِ الطِّبِّ أَنْ يَتْعَبَ فِي تَحْصِيلِهِ لِيُخَفِّفَ عَنْ النَّفْسِ كَثْرَةَ التَّعَبِ بَلْ لِتَتَحَلَّى النَّفْسُ بِكَمَالِ الْعُلُومِ أَوْ بَعْضِهَا بِخِلَافِ كَلِمَةِ الْمَاهِرِ فَإِنَّ عِلْمَهَا يَنْتَقِلُ إلَى مَنْ عَرَّفَهُ إيَّاهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَذْكُرُهَا إلَّا لِمَنْ شَارَكَهُ فِي صَنْعَتِهِ لَكِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ وَأَيْضًا فَمِنْ شَأْنِهَا وَنَحْوِهَا التَّعَبُ فِي تَحْصِيلِهِ لِلتَّخْفِيفِ الْمَذْكُورِ وَبِتَأَمُّلِ ذَلِكَ يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَصْدِ وَكَلِمَةِ الْبَيَّاعِ وَنَحْوِهَا مِنْ الرَّدِّ عَلَى مَنْ غَلِطَ فِيهَا لَا يُقَالُ تَعَلُّمُ الْقُرْآنِ يُتْعَبُ فِي تَحْصِيلِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ مِثْلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا يُتْعَبُ فِي تَحْصِيلِهَا أَوْ يُتْعَبُ لَا لِلتَّخْفِيفِ الْمَذْكُورِ بَلْ لِمَا مَرَّ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ اسْتَأْجَرَهُ لِقَلْعِ سِنِّهِ الْوَجِعَةِ فَبَرِئَتْ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ هَلْ هُوَ سَوَاءٌ أَكَانَ لَهُ سِنٌّ أُخْرَى وَجِعَةٌ مِثْلُهَا أَوْ لَا أَوْ خَاصٌّ بِالثَّانِي وَعَلَى الْأَوَّلِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَجَوَازِ إبْدَالِ الرَّضِيعِ بِمِثْلِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ بِأَنَّ الرَّضِيعَ مُشَاهَدٌ يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِهِ فَجَازَ إبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ بِخِلَافِ السِّنِّ فَإِنَّهُ وَإِنْ فَرَضَ مُسَاوَاتِهَا لِسِنٍّ أُخْرَى لَكِنَّهُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ مِنْهُمَا، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِمَا الْمَسْتُورِ بِاللِّثَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مُسَاوَاتُهُمَا فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ الْإِبْدَالُ هُنَا بِخِلَافِهِ ثَمَّ. (وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ لَوْ قَالَ

стр. 715

فِي أَرْضٍ صَالِحَةٍ لِلزَّرْعِ وَالْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ أَجَرْتُك لِتَزْرَعَ أَوْ تَغْرِسَ لَمْ يَصِحَّ مَا وَجْهُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ وَجْهُهُ أَنَّ أَوْ لِلتَّرْدِيدِ فَلَيْسَ فِيهِ الْإِذْنُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ نَعَمْ إنْ نَوَى بِهَا التَّخْيِيرَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ إلَّا شِئْت فَازْرَعْ وَإِنْ شِئْت فَاغْرِسْ صَحَّ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ مَا شَاءَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْمَنْفَعَتَيْنِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّرْدِيدِ بِأَنَّ التَّرْدِيدَ فِيهِ إبْهَامٌ مُطْلَقٌ لَا يُرْجَى تَعْيِينُهُ مِنْ غَيْرِ الْمُؤَجِّرِ بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ فَإِنَّ الْأَمْرَ مُعَلَّقٌ بِمَا يَخْتَارُهُ الْمُسْتَأْجِرُ وَمَا يَخْتَارُهُ مُعَيَّنٌ فَلَوْ أَطْلَقَ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى التَّرْدِيدِ فَتَبْطُلُ أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ فَتَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ الصِّحَّةُ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ وَضْعَ أَوْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إلَى التَّرْدِيدِ أَمَيْلُ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْأَصْلُ فِي الْعُقُودِ الصِّحَّةَ حَيْثُ لَمْ يَقْوَ ظُهُورُ وَجْهِ الْمُبْطِلِ، ثُمَّ رَأَيْت عَنْ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَفْعَلُ أَيَّهُمَا شَاءَ صَحَّ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته وَلَوْ قَالَ لِتَغْرِسَ أَوْ لِتَبْنِيَ وَأَطْلَقَ صَحَّ وَغَرَسَ وَبَنَى مَا شَاءَ لِتَقَارُبِ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ نَعَمْ إنْ أَجَرَ عَنْ غَيْرِهِ بِوِلَايَةٍ أَوْ نِيَابَةٍ لَمْ يَكْفِ الْإِطْلَاقُ لِوُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَجَرَ عَبْدَهُ مُدَّةً مَثَلًا ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي أَثْنَائِهَا مَثَلًا ثُمَّ رَأَى الْمُسْتَأْجِرُ فِيهِ عَيْبًا وَفَسَخَ بِهِ فَهَلْ تَرْجِعُ الْمَنَافِعُ لِلْعَبْدِ أَوْ لِسَيِّدِهِ وَهَلْ قِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ أَجَرَ دَارِهِ، ثُمَّ وَقَفَهَا، ثُمَّ رَأَى الْمُسْتَأْجِرُ بِهَا عَيْبًا وَفَسَخَ بِهِ أَنْ تَرْجِعَ مَنَافِعُهَا لِلْوَاقِفِ أَوْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمَنَافِعَ تَرْجِعُ لِلْعَبْدِ لَا لِسَيِّدِهِ وَعَلَيْهِ فَهَلْ يَرْجِعُ الْمُسْتَأْجِرُ بِحِصَّةِ مَا يَخُصُّ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ عَلَى الْعَبْدِ لِرُجُوعِ الْمَنَافِعِ لَهُ أَوْ عَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ الْمُؤَجِّرُ الْقَابِضُ لِلْمُسَمَّى كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ الثَّانِي وَقِيَاسُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَنَافِعَ تَرْجِعُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لَا لِلْوَاقِفِ لِخُرُوجِ الدَّارِ بِوَقْفِهِ عَنْ رُجُوعِ مَنَافِعِهَا إلَيْهِ بِوَجْهٍ وَأَنَّ حِصَّةَ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ يَرْجِعُ بِهَا الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْوَاقِفِ دُونَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُؤَجِّرُ الَّذِي قَبَضَ الْمُسَمَّى. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَجَرَ دَارًا فِيهَا صِهْرِيجٌ لِمُدَّةِ سَنَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الصِّهْرِيجَ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ فَهَلْ يَدْخُلُ الصِّهْرِيجُ فِي الدَّارِ فَيَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ تَبَعًا لِلدَّارِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ جَرَتْ الْعَادَةُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِإِفْرَادِ الصِّهْرِيجِ عَنْ الدَّارِ بِالْإِجَارَةِ لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهِ لَمْ يَدْخُلْ وَإِلَّا دَخَلَ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ يَدْخُلُ الشُّرْبُ فِي اسْتِئْجَارِهِ الْأَرْضَ إنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِاسْتِئْجَارِهَا مَعَهُ وَمَا أَفْتَى بِهِ الْإِمَامُ الْأَصْبَحِيُّ مِنْ أَنَّهُ إذَا اكْتَرَى دَارًا وَفِيهَا مَدَافِنُ لِلْحَبِّ وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ فِي بِلَادِ مِصْرَ بِالْمَطَامِيرِ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ يُتَعَارَفُ فِيهَا أَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَ الدَّارَ لِلسُّكْنَى تَرَكَ الْحَبَّ فِي الْمَدَافِنِ دَخَلَتْ فِيهِ إذْ هُوَ الْمُتَعَارَفُ وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ الْعُرْفُ إفْرَادُهَا بِالْإِجَارَةِ لِكَثْرَةِ مَنْفَعَتِهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي ذَلِكَ. اهـ. فَإِنْ قُلْت قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ دُخُولُ الْبِئْرِ فِي الدَّارِ مُطْلَقًا قُلْت إنَّمَا أَطْلَقُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا بَلْ الْمُطَّرِدَ أَنَّهَا لَا تُفْرَدُ عَنْ الدَّارِ بِإِجَارَةٍ فَإِنْ فُرِضَ ذَلِكَ وَاعْتِيدَ فِي بَلَدٍ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يُقَالَ فِيهَا بِعَدَمِ الدُّخُولِ فَإِنْ قُلْت صَرَّحُوا فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ أَنَّ نَحْوَ بَيْعِ الْأَرْضِ وَالسَّاحَةِ وَالْبُقْعَةِ وَنَحْوِهَا يَتَنَاوَلُ مَا فِيهَا مِنْ شَجَرٍ وَبِنَاءٍ بِخِلَافِ نَحْوِ رَهْنِهَا وَفَرَّقُوا بِأَنَّ نَحْوَ الْبَيْعِ قَوِيٌّ يَسْتَتْبِعُ الْمِلْكَ بِخِلَافِ نَحْوِ الرَّهْنِ وَأَخَذَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُ عَدَمَ دُخُولِهِمَا فِي الْإِجَارَةِ وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ عَدَمُ دُخُولِ الصِّهْرِيجِ الْمَذْكُورِ مُطْلَقًا قُلْت الْفَرْقُ بَيْنَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ وَالصِّهْرِيجِ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ فِي مُسَمَّى الِانْتِفَاعِ بِالدَّارِ يَدْخُلُ حَيْثُ لَمْ تَطَّرِدْ الْعَادَةُ بِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيهَا بِخِلَافِهِمَا فَإِنَّهُمَا غَيْرُ دَاخِلَيْنِ فِي مُسَمَّى الِانْتِفَاعِ بِهَا فَلَمْ يَدْخُلَا وَهَلْ مَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الدَّارِ مِنْ حَجَرِ الرَّحَى الْأَسْفَلِ وَالْأَعْلَى وَالرُّفُوفِ وَالسَّلَالِمِ وَغَيْرِهَا يَدْخُلُ فِي إجَارَتِهَا أَوْ لَا قَضِيَّةٌ أَخَذَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمَذْكُورُ عَدَمَ الدُّخُولِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِي بَيْعِهَا وَكَانَ مِنْ مُتَمِّمَاتِ السُّكْنَى وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِفْرَادِهِ عَنْهَا بِإِجَارَةٍ خَاصَّةٍ يَدْخُلُ فِي إجَارَتِهَا وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَدْخُلُ. (وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا قَالَ الْوَاقِفُ فُلَانٌ نَاظِرٌ عَلَى وَقْفِي هَذَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ قَالَ نَاظِرٌ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَقَطْ وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَى حِصَّتِهِ إذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا هَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ هَذَا نَظَرٌ عَامٌّ مُنْسَحِبٌ عَلَى سَائِرِ الْبُطُونِ حَتَّى لَوْ أَجَرَ الْوَقْفَ مُدَّةً بِشَرْطِهِ لَمْ تَنْفَسِخْ بَعْدَ

стр. 716

مَوْتِهِ إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا. وَهَلْ يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ لِسَائِرِ النُّظَّارِ مِنْ بَعْدِهِ إذَا قَالَ الْوَاقِفُ: النَّظَرُ لِفُلَانٍ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِفُلَانٍ إلَخْ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ وَحَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ هَلْ لِحَاكِمٍ شَرْعِيٍّ نَقْضُهُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ النَّاظِرُ الْمُسْتَحِقُّ وَالْأَجْنَبِيُّ وَالْحَاكِمُ الشَّرْعِيُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَمْ لَا؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ النَّاظِرِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا تَنْفَسِخُ إجَارَةُ النَّاظِرِ بِمَوْتِهِ إلَّا إنْ صَرَّحَ بِتَخْصِيصِ نَظَرِهِ بِحِصَّتِهِ، وَأَمَّا فِيمَا عَدَا هَذِهِ الصُّورَةَ فَلَا انْفِسَاخَ، سَوَاءٌ قَيَّدَ بِمُدَّةِ الْحَيَاةِ أَمْ لَا. وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَشْرُوطِ نَظَرُهُ مِنْ الْبَطْنِ الْأُولَى وَمَا بَعْدَهَا ابْتِدَاءً أَوْ بِشَرْطِ مَوْتِ فُلَانٍ مَثَلًا، وَإِذَا حَكَمَ بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ قَاضٍ يَرَاهُ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ، وَالنَّاظِرُ الْمُسْتَحِقُّ وَالْأَجْنَبِيُّ وَالْحَاكِمُ الشَّرْعِيُّ سَوَاءٌ فِي التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْته، وَقَدْ بَسَطْتُ الْكَلَامَ فِي جَوَابٍ طَوِيلٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى بَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ هُوَ الْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ، وَمَنْ أَرَادَ تَحْقِيقَ ذَلِكَ فَلْيَنْظُرْ ذَلِكَ الْجَوَابَ مِنْ الْفَتَاوَى. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَاضِحٌ وَهُوَ أَنَّ الْعَامَّ صَيَّرَهُ مُتَكَلِّمًا عَلَى غَيْرِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَجَّرَ وَلِيٌّ صَبِيًّا مُدَّةً فَبَلَغَ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ سَيِّدٌ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ، فَإِذَا اقْتَضَى نَظَرُهُ مُدَّةً يُؤْجَرُ لَهَا لَمْ تَنْفَسِخْ بِمَوْتِهِ لِسَرَيَانِ فِعْلِهِ عَلَى غَيْرِهِ لِتَعْمِيمِ الْوَاقِفِ لِنَظَرِهِ بِخِلَافِ الْخَاصِّ، فَإِنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَرْضَ بِتَكَلُّمِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَبِمَوْتِهِ انْتَقَلَ الْحَقُّ لِغَيْرِهِ فَانْفَسَخَ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَمَّنْ اسْتَأْجَرَ دَوَابَّ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ إجَارَةَ عَيْنٍ إلَى بَلَدٍ مَعْلُومَةٍ وَشَرَطَ عَلَيْهِ السَّفَرَ صُحْبَةَ الرَّكْبِ الْيَمَانِيِّ مَثَلًا أَوَّلَ شَهْرِ كَذَا فَأَحْضَرَهَا لَهُ الْمُؤَجِّرُ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ وَأَنَاخَهَا بِبَابِهِ مَثَلًا فَحَصَلَ لِلْمُسْتَأْجِرِ عُذْرٌ كَمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ غَيْبَةٍ فِي مَحَلٍّ لَا يُعْرَفُ، فَهَلْ لِمُؤَجِّرِ الْجِمَالِ الْفَسْخُ وَدَفْعُ الْأُجْرَةِ إنْ كَانَ قَبَضَهَا لِوَكِيلِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ لِحَاكِمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ تَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ؟ وَهَلْ لَهُ إجَارَتُهَا بِمُقْتَضَى ذَلِكَ لِلْغَيْرِ وَالسَّفَرُ بِهَا إلَى أَيِّ مَحَلٍّ أَرَادَ أَمْ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ؟ فَإِذَا قُلْتُمْ: لَا فَسْخَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَحْيِيرُهُ وَضَرَرُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَدَوَابِّهِ لِمُؤَنِهِ وَمُؤَنِ دَوَابِّهِ الْمَضَرَّةَ الشَّدِيدَةَ. وَالْحَدِيثُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَلَا سِيَّمَا إنْ طَالَ مَرَضُ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ حَبْسُهُ أَوْ غَيْبَتُهُ، وَإِذَا أَنَاخَهَا الْمُؤَجِّرُ بِبَابِ الْمُسْتَأْجِرِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ أَوْ سَلَّمَهَا لِوَكِيلِهِ أَوْ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ عُذْرٌ وَمَضَتْ مُدَّةُ زَمَنِ إمْكَانِ السَّفَرِ إلَى الْبَلْدَةِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الْعَقْدُ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالِهَا مُدَّةَ زَمَنِ الْمُضِيِّ إلَى الْبَلْدَةِ الْمَذْكُورَةِ هَلْ يَكُونُ كَالْمُتَسَلِّمِ مِفْتَاحَ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ انْتِفَاعٍ بِهَا؟ هَلْ تَسْقُطُ الْأُجْرَةُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي صُلْبِ الْإِجَارَةِ الْمَذْكُورَةِ صَحِيحٌ أَمْ تُخِلُّ بِهَا وَتَبْطُلُ الْإِجَارَةُ مِنْ أَصْلِهَا؟ أَوْضِحُوا لَنَا الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: تَسْتَقِرُّ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ إنْ صَحَّ الْعَقْدُ وَإِلَّا فَأُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُكْتَرِي بِتَسَلُّمِهِ الدَّابَّةَ وَمُضِيِّ قَدْرِ نَحْوِ الْمُدَّةِ أَوْ الْعَمَلِ الْمُقَدَّرِ بِهِ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ عَدَمُ الِاسْتِيفَاءِ لِعُذْرٍ أَمْ لِغَيْرِهِ، وَشَرْطُهُ صُحْبَةَ الرَّكْبِ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْعَقْدِ فَلَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ فَسْخٌ وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الْأُجْرَةِ وَلَيْسَ لَهُ إيجَارُهَا لِشَخْصٍ ثَانٍ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ اسْتِقْرَارِ الْأُجْرَةِ بِمُضِيِّ إمْكَانِ اسْتِيفَاءِ مَا قُدِّرَ بِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِمَّا قُلْنَاهُ تَضَرُّرُ الْمُؤَجِّرِ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْجُلُوسُ عِنْدَ دَابَّتِهِ يُوَكِّلُ مَنْ يَقُومُ عَنْهُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَتَعَهُّدِهَا فَإِنْ لَمْ يَرَ وَكِيلًا وَلَا وَثِقَ بِالْمُسْتَأْجِرِ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ. (وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ كَارَى جَمَّالًا عَلَى أَحْمَالٍ مَعْلُومَةِ الْوَزْنِ فَحَمَلَهَا الْجَمَّالُ أَيَّامًا فَانْقَطَعَتْ جِمَالُهُ مَثَلًا فَوُزِنَتْ الْأَحْمَالُ فَوُجِدَتْ زَائِدَةً زِيَادَةً كَثِيرَةً عَلَى مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فَهَلْ يَضْمَنُ الْجَمَّالُ بِسَبَبِ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إذَا حَمَّلَ الْمُكْتَرِي ذَلِكَ الزَّائِدَ وَلَيْسَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ مَعَهَا ضَمِنَهَا كُلَّهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ الْحَمْلِ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ أَوْ وَصَاحِبُهَا مَعَهَا أَوْ سَلَّمَ الْمُكْتَرِي ذَلِكَ لِلْمُكْرِي فَحَمَلَهُ جَاهِلًا بِالزِّيَادَةِ بِأَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ فِي قَدْرِهِ ضَمِنَ قَسْطَ الزَّائِدِ إنْ تَلِفَتْ بِالْحَمْلِ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ، وَيَضْمَنُ مَعَ ذَلِكَ أُجْرَةَ مِثْلِ الزِّيَادَةِ. (وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) بِمَا لَفْظُهُ لَفْظُهُ اسْتَأْجَرَ زَيْدٌ نَحْوَ أَرْضٍ أَوْ دَابَّةٍ وَسَافَرَ قَبْلَ قَبْضِهَا فَهَلْ تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ إذَا قَبَضَهَا مِنْهُ الْقَاضِي

стр. 717

لِلْمُسْتَأْجِرِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْقَاضِي قَبْضُهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَكُونُ الْعَرْضُ مِنْ الْمُؤَجِّرِ عَلَى الْقَاضِي كَالْعَرْضِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يَجُوزُ لِلْقَاضِي قَبْضُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لِلْغَائِبِ ثُمَّ يُؤَجِّرُهَا وَتَسْتَقِرُّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأُجْرَةُ وَلَيْسَ مُجَرَّدُ الْعَرْضِ عَلَيْهِ كَهُوَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لِآخَرَ لِآخَر ازْرَعْ أَرْضِي وَاحْرُثْهَا وَلَك نِصْفُ غَلَّتِهَا فَفَعَلَ ثُمَّ بَاعَهَا الْمَالِكُ مَا حُكْمُ بَيْعِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: بَيْعُهُ صَحِيحٌ إنْ بَاعَهَا لِمَنْ رَآهَا قَبْلَ الزَّرْعِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَسْتُرْهَا وَلِلْحَارِثِ الزَّارِعِ عَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ. (وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) حَوْلَ وَقْفٍ فِيهِ عَنَاءٌ لِذِمِّيٍّ وَهُوَ مَا يَزِيدُ فِي ثَمَنِهَا بِسَبَبِ الْحَرْثِ وَالْإِصْلَاحِ فَأَرَادَ أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى آخَرَ كَيْفَ الصِّيغَةُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: هَذَا بِنَفْسِهِ مُتَعَذَّرُ النَّقْلِ لِلْغَيْرِ؛ لِأَنَّ نَحْوَ الْحَرْثِ وَالْإِصْلَاحِ صِفَةٌ تَابِعَةٌ فَإِنْ كَانَ لِلذِّمِّيِّ فِي مُقَابَلَتِهِ أُجْرَةٌ صَحِيحَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أَمْكَنَ نَقْلُهَا لِلْغَيْرِ بِهِبَةٍ وَنَحْوِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ أُجْرَةٌ فَالْعَمَلُ وَآثَارُهُ يَتَعَذَّرُ نَقْلُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ لَا يُقَابَلَانِ بِمَالٍ. (وَسُئِلَ) عَنْ مُسْتَأْجَرٍ لِرَعْيِ إبِلٍ فَنَدَّتْ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ وَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ تَوَجَّهَتْ ثُمَّ بَانَ تَلَفُهَا مَا الْحُكْمُ؟ ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ نَدَّتْ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْهَا وَإِلَّا ضَمِنَهَا. وَذَكَرُوا مِنْ أَمْثِلَةِ التَّقْصِيرِ الْمُضَمِّنَةِ لِلْأَجِيرِ أَنْ يَرْعَى الْبَهَائِمَ الَّتِي اُسْتُؤْجِرَ لِرَعْيِهَا فِي مَسْبَعَةٍ أَوْ مَكَان مَخُوفٍ أَوْ يَتْرُكَ بَعْضَهَا فِي الْمَرْعَى وَيَذْهَبَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ نِسْيَانِهِ لَهُ أَوْ تَقَعَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا فِي حُفْرَةٍ مِنْ غَيْرِ شُعُورِهِ فَلَمْ يَأْتِ إلَّا، وَقَدْ هَلَكَتْ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ سَلَّمَ بَقَرَةً لِصَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ لِيَرْعَاهَا وَلَمْ يُسَمِّ أُجْرَةً فَتَلِفَ بَعْضُهَا مَا الْحُكْمُ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إذَا لَمْ يُسَمِّ أُجْرَةً وَلَا ذَكَرَ مَا يُشْعِرُ بِالْأُجْرَةِ كَأُرْضِيك مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ الْأَجِيرُ لَا أُرِيدُهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأَجِيرُ أُجْرَةً؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَنْفَعَتَهُ لَا فِي مُقَابِلٍ، وَيَظْهَرُ أَنَّ مَحِلَّهُ فِي الرَّشِيدِ وَأَنَّ غَيْرَهُ تَجِبُ أُجْرَتُهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ بِمَنَافِعِهِ، وَأَمَّا التَّلَفُ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ لَمْ يَضْمَنْهُ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ بِتَقْصِيرٍ ضَمِنَهُ الرَّشِيدُ دُونَ غَيْرِهِ بِخِلَافِ إتْلَافِهِ فَإِنَّهُ يُضَمَّنُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ رَشِيدٍ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَهَا لَهُ لِيَرْعَاهَا لَيْسَ فِيهِ تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْبَيْعِ لَهُ فَإِنَّ فِيهِ تَسْلِيطًا لَهُ عَلَى الْإِتْلَافِ فَلَمْ يُضَمِّنْهُ بِهِ. (وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَجَّرَ أَرْضًا مُدَّةً مُعَيَّنَةً مَعْلُومَةً ثُمَّ مَضَتْ وَبَقِيَ فِي الْأَرْضِ أَثَرُ الْعِمَارَةِ بِحَيْثُ تَزِيدُ قِيمَةُ الْأَرْضِ بِهَا هَلْ لِلْمُسْتَأْجِرِ مُطَالَبَةُ الْمُؤَجِّرِ بِهَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ مُطَالَبَتُهُ بِأَثَرٍ نَحْوُ حَرْثٍ أَوْ إصْلَاحٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا فَعَلَهُ لِيَعُودَ عَلَيْهِ نَفْعُهُ إلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهَا، فَهُوَ مُوَطِّنٌ نَفْسَهُ عَلَى بَقَاءِ تِلْكَ الْآثَارِ لِلْمُؤَجِّرِ، وَأَيْضًا فَهِيَ صِفَاتٌ تَابِعَةٌ لَا تُقَابَلُ وَحْدَهَا بِمَالٍ إذْ لَا تَقْبَلُ انْتِقَالًا لِلْغَيْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ اسْتَأْجَرَ دَارًا مَوْقُوفَةً ذَاتَ مَسَاكِنَ وَمَنَافِعَ مُدَّةً طَوِيلَةً بِشُرُوطِهَا ثُمَّ هَدَمَ مِنْهَا الْبَعْضَ وَبَنَى بِأَنْقَاضِهَا وَزَادَ فِيهَا أَنْقَاضًا مِنْ مَالِهِ كَخَشَبٍ وَأَحْجَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَحْدَثَ فِيهَا مَسَاكِنَ وَمَنَافِعَ بِحَيْثُ تَغَيَّرَتْ هَيْئَةُ الْوَقْفِ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ وَتَعَذَّرَ تَمْيِيزُ الْأَنْقَاضِ الْحَادِثَةِ مِنْ الْقَدِيمَةِ فَصَارَ لَا يُعْرَفُ أَنْقَاضُ الْمِلْكِ مِنْ الْوَقْفِ مَثَلًا فَلَمَّا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ طَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ الْمُؤَجِّرُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ رَفْعَ يَدِهِ عَنْ الدَّارِ الْمَوْقُوفَةِ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ وَكَيْفَ الْوُصُولُ إلَى اسْتِحْقَاقِهِ مِنْ الْوَقْفِ بَعْدَ تَغَيُّرِ هَيْئَتِهِ وَعَدَمِ مَعْرِفَةِ الْأَنْقَاضِ الْقَدِيمَةِ مِنْ الْحَادِثَةِ؟ فَهَلْ يُجْبَرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى هَدْمِ الْأَنْقَاضِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَادِثَةِ وَعَلَى عَوْدِ الْوَقْفِ عَلَى هَيْئَتِهِ كَمَا كَانَ سَوَاءٌ أَكَانَ بِالْأَنْقَاضِ الْمُشْتَرَكَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ مَالِهِ لِعَدَمِ تَمَيُّزِهَا عَنْ بَعْضِهَا بَعْضًا أَمْ يَدْفَعُ الْمُسْتَأْجِرُ لِلْمُسْتَحِقِّ قِيمَةَ أَنْقَاضِ الْوَقْفِ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ بِشَيْءٍ وَالتَّقْوِيمِ لِذَلِكَ وَيُجْبَرُ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى أَخْذِ ذَلِكَ وَيَمْلِكُهُ الْمُسْتَأْجِرُ أَمْ لَا؟ فَإِذَا قُلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ فَكَيْفَ الْوُصُولُ إلَى حَقِّهِ وَهُوَ وَقْفٌ لَا يَصِحُّ فِيهِ بَيْعٌ وَلَا هِبَةٌ وَلَا قِسْمَةٌ وَلَا إجَارَةٌ لِجَهَالَةِ أَنْقَاضِ الْوَقْفِ وَلَا صُلْحٌ أَيْضًا؟ وَإِذَا اجْتَهَدَ الْمُسْتَأْجِرُ فِي الْأَنْقَاضِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَادِثَةِ وَمَيَّزَهَا عَنْ بَعْضِهَا بَعْضًا هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ بِلَا يَمِينٍ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ؟ وَمَا الْحُكْمُ أَيْضًا إذَا تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَةُ الْوَقْفِ مِنْ أَصْلِهِ مِنْ الْمِلْكِ وَغُمَّ عَلَيْنَا ذَلِكَ بِمُقْتَضَى تَغَيُّرِ الْهَيْئَةِ

стр. 718

الْأُولَى بِالْبِنَاءِ الْحَادِثِ؟ وَكَيْفَ وُصُولُ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى حَقِّهِ مِنْ ذَلِكَ؟ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ وُضُوحًا شَافِيًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْكَلَامُ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلِ: مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ أَنَّهُ غَيَّرَ هَيْئَةَ الْوَقْفِ وَأَنَّ ذَلِكَ هَلْ يَقْتَضِي هَدْمَ بِنَائِهِ؟ وَحَاصِلُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي التَّغْيِيرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ الْوَقْفِ عَنْ هَيْئَتِهِ فَلَا يَجْعَلُ الدَّارَ بُسْتَانًا وَلَا حَمَّامًا وَلَا بِالْعَكْسِ إلَّا إذَا جَعَلَ الْوَاقِفُ إلَى النَّاظِرِ مَا يَرَى فِيهِ مَصْلَحَةَ الْوَقْفِ. وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ حَانُوتُ الْقَصَّارِينَ لِلْخَبَّازِينَ قَالَ الشَّيْخَانِ: وَكَأَنَّهُ احْتَمَلَ تَغَيُّرَ النَّوْعِ دُونَ الْجِنْسِ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمَا جَوَازُ التَّغْيِيرِ حَيْثُ بَقِيَ الِاسْمُ وَالْجِنْسُ، سَوَاءٌ أَكَانَ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا، وَسَوَاءٌ اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِيهِ إذْهَابُ شَيْءٍ مِنْ عَيْنِ الْوَقْفِ أَمْ لَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ لَهُمَا كَالْأَصْحَابِ إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ خَرْقٌ عَظِيمٌ وَمَفَاسِدُ لَا تَخْفَى؛ وَمِنْ ثَمَّ اشْتَرَطَ السُّبْكِيّ مَا سَأَذْكُرُهُ عَنْهُ وَأَقَرُّوهُ عَلَيْهِ، وَفِي الْخَادِمِ وَالضَّابِطُ فِي الْمَنْعِ تَبَدُّلُ الِاسْمِ أَيْ: مَعَ الْجِنْسِ لِمَا تَقَرَّرَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي عِلَّةِ مَنْعِ تَزْوِيجِ الْأَمَةِ الْمَوْقُوفَةِ أَنَّهُ يُنْقِصُ الْوَقْفَ وَيُخَالِفُ غَرَضَ الْوَاقِفِ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهَذَا يُفْهِمُ أَنَّ أَغْرَاضَ الْوَاقِفِينَ، وَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهَا يُنْظَرْ إلَيْهَا اهـ. وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَفَّالُ فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلِهَذَا كَانَ شَيْخُنَا عِمَادُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إذَا اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ تَغْيِيرَ بَعْضِ بِنَاءِ الْوَقْفِ فِي صُورَتِهِ لِزِيَادَةِ رَيْعِهِ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ بِلَفْظِهِ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ شَاهِدَةٌ بِأَنَّ الْوَاقِفَ لَوْ ذَكَرَهُ فِي حَالَةِ الْوَقْفِ لَأَثْبَتَهُ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ. وَقُلْت لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي وَقْتِهِ تَقِيِّ الدِّينِ الْقَشِيرِي أَيْ: ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ ﵀ عَنْ فِعْلِ الْقُضَاةِ مِنْ تَغْيِيرِ بَابٍ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان وَذَكَرَ عَنْهُ كَلَامًا أَشْعَرَ بِرِضَاهُ بِذَلِكَ وَبَيَّنَ فِي الْخَادِمِ ذَلِكَ الْكَلَامَ فَقَالَ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ: وَقَدْ قَضَى بِذَلِكَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجُ الدِّينِ وَوَلَدُهُ قَاضِي الْقُضَاةِ صَدْرُ الدِّينِ فِي تَغْيِيرِ بَابٍ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان وَهُمَا فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى. وَقُلْت ذَلِكَ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيد فَقَالَ: كَانَ وَالِدِي يَعْنِي الشَّيْخَ مَجْدَ الدِّينِ يَقُولُ: كَانَ شَيْخِي الْمَقْدِسِيُّ يَقُولُ بِذَلِكَ وَبِأَكْثَرَ مِنْهُ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: فَأَشْعَرَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ بِرِضَاهُ قَالَ فِي التَّوَسُّطِ: قَالَ السُّبْكِيّ: وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ قُدْوَةَ زَمَانِهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ فَلِذَلِكَ اغَتَبَطَ بِمَا اسْتَشْعَرَهُ مِنْ رِضَاهُ بِذَلِكَ وَكَانَ بِحَيْثُ يُكْتَفَى مِنْهُ بِدُونِ ذَلِكَ قَالَا أَعْنِي الْأَذْرَعِيَّ فِي التَّوَسُّطِ وَالزَّرْكَشِيَّ فِي الْخَادِمِ قَالَ السُّبْكِيّ وَاَلَّذِي أَرَاهُ فِي ذَلِكَ الْجَوَازَ بِشَرْطَيْنِ هَذِهِ عِبَارَةُ التَّوَسُّطِ. وَعِبَارَةُ الْخَادِمِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدِهِمَا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُغَيِّرُ مُسَمَّى الْوَقْفِ. الثَّانِي: أَنْ لَا يُزِيلَ شَيْئًا مِنْ عَيْنِهِ بَلْ يَنْتَقِلُ بَعْضُهُ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ فَإِنْ اقْتَضَى زَوَالَ شَيْءٍ مِنْ الْعَيْنِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي نَصَّ الْوَاقِفُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْخَادِمِ الشَّارِعُ وَهُوَ تَحْرِيفٌ عَلَى جِنْسِهِ تَجِبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ زَادَ فِي التَّوَسُّطِ وَهُوَ الْعَيْنُ وَالرَّقَبَةُ وَهِيَ مَادَّةُ الْوَقْفِ وَصُورَتُهُ الْمُسَمَّاةُ مِنْ دَارٍ أَوْ حَمَامٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، فَيَجِبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى إبْقَاءِ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ وَإِنْ وَقَعَ التَّسَمُّحُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ، وَاسْتَنَدَ إلَى مَا سَبَقَ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ فِي حَانُوتِ الْحَدَّاد اهـ. زَادَ فِي الْخَادِمِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْوَقْفِ وَعَلَى هَذَا فَفَتْحُ شُبَّاكِ الطَّبَرَسِيَّةِ فِي جِدَارِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ لَا يَجُوزُ؛ إذْ لَا مَصْلَحَةَ لِلْجَامِعِ فِيهِ وَكَذَلِكَ فَتْحُ أَبْوَابِ سَطْحِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ لَا حَاجَةَ لِلْحَرَمِ بِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ لِمَصْلَحَةِ سَاكِنِيهَا فَلِهَذَا لَا تَجُوزُ. قَالَ: وَلِهَذَا كَانَ شَيْخُنَا ابْنُ الرِّفْعَةِ لَمَّا زُيِّنَتْ الْقَاهِرَةُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِمِائَةٍ زِينَةً عَظِيمَةً أَفْتَى بِتَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَيْهَا قَالَ: لِأَنَّهَا إنَّمَا تُعْمَلُ لِلنَّظَرِ إلَيْهَا فَهُوَ الْعِلَّةُ الْغَائِبَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْهَا فَفِي تَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَيْهَا حَمْلٌ عَلَى تَرْكِهَا فَكَذَا هُنَا، وَحَيْثُ امْتَنَعَ الْفَتْحُ امْتَنَعَ الِاسْتِطْرَاقُ، نَعَمْ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّغْيِيرِ إذَا كَانَ سَاكِنًا فِي شَيْءٍ مِنْ الْبُيُوتِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْحَرَمِ فَيُحْتَمَلُ جَوَازُ دُخُولِهِ مِنْهُ وَيَقْوَى عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ بِدُخُولِ اللَّيْلِ وَيُخَافُ مِنْ دَرَجِ الْحَرَمِ اهـ. وَمَا قَالَهُ فِي مَنْعِ فَتْحِ بَابٍ مِنْ أَحَدِ الْمَسَاجِدِ إلَى الْآخَرِ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ

стр. 719

الْوَجْهُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ الْمُتَّصِلَةَ لَهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الْقَدْرِ وَغَيْرِهَا عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إلَّا سُدَّ إلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ.» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ سَدِّ الْأَبْوَابِ الزَّائِدَةِ عَلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ الْعَامَّةِ، وَيَلْزَمُ عَلَى مُقْتَضَى مَا دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِهِ إشْكَالٌ عَلَى الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، وَهِيَ أَنَّ هَذِهِ الْأَبْوَابَ إنْ كَانَتْ مِنْ أَصْلِ الْوَقْفِ الَّتِي وُضِعَ الْمَسْجِدُ عَلَيْهَا لَزِمَ عَلَيْهِ جَوَازُ تَغْيِيرِ مَعَالِمِ الْوَقْفِ وَخُرُوجِهِ عَنْ الْهَيْئَةِ الَّتِي وُضِعَ عَلَيْهَا أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَتْ مُحْدَثَةً لَزِمَ عَلَيْهِ فَتْحُ بَابٍ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ وَكُوَّةٍ يَدْخُلُ مِنْهَا الضَّوْءُ وَغَيْرُهُ مِمَّا تَقْتَضِيه مَصْلَحَتُهُ حَتَّى يَجُوزَ وَفِي نُسْخَتَيْنِ مِنْ الْخَادِمِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: الْآتِي وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ أَنْ يَفْتَحَ فِي دَارِهِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْمَسْجِدِ بَابًا إلَى الْمَسْجِدِ فِي حَائِطِ الْمَسْجِدِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ نَقُولَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْوَاقِفِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَقَفَ الْمَسْجِدَ، لَكِنَّ الْوَقْفَ يَزُول عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ إلَى اللَّهِ فَالْأَقْرَبُ إلَى لَفْظِ الْخَبَرِ الْجَوَازُ مُطْلَقًا عِنْدَ اقْتِضَاءِ الْحَاجَةِ الْعَامَّةِ أَوْ الْخَاصَّةِ ذَلِكَ. وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ رِبَاطٌ مَوْقُوفٌ اقْتَضَتْ مَصْلَحَةُ أَهْلِهِ فَتْحَ بَابٍ مُضَافٍ إلَى بَابِهِ الْقَدِيمِ. أَجَابَ إنْ اسْتَلْزَمَ تَغْيِيرُ شَيْءٍ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَنْ هَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِثْلُ أَنْ يَفْتَحَ إلَى أَرْضٍ وُقِفَتْ بُسْتَانًا مَثَلًا فَيَسْتَلْزِمُ تَغْيِيرُ مَحِلِّ الِاسْتِطْرَاقِ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ طَرِيقًا بَعْدَ أَنْ كَانَ أَرْضَ غَرْسٍ وَزِرَاعَةٍ فَهَذَا وَشِبْهُهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ إلَّا مُجَرَّدَ فَتْحِ بَابٍ جَدِيدٍ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ اقْتِضَاءِ الْمَصْلَحَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَسْوِيغِهِ وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَوْلَا حَدَثَانِ عَهْدِ قَوْمك بِالْكُفْرِ لَجَعَلْت لِلْكَعْبَةِ بَابَيْنِ» قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ: وَهَذَا حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْوَذِيِّ فِي النَّهْيِ عَنْ إيطَانِ الْمَسْجِدِ يَعْنِي أَنْ يُتَّخَذَ وَطَنًا يَسْتَحِقُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَلِّمًا يَتَّخِذُ مِنْهُ مَوْضِعًا فَقَدْ بَنَى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ مَوْضِعًا مِنْ طِينٍ لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ لِلنَّاسِ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، وَهَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي الْعِلْمِ مِنْ سُنَنِهِ وَاسْتِدْلَالُ ابْنِ الصَّلَاحِ بِحَدِيثِ الْكَعْبَةِ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْبَابَيْنِ كَانَا فِي زَمَنِ إبْرَاهِيمَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، فَفَتْحُ الثَّانِي لِرَدِّ مَا كَانَتْ الْكَعْبَةُ عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَا بُدَّ أَنْ يُصَانَ ذَلِكَ عَنْ هَدْمِ شَيْءٍ لِأَجْلِ الْفَتْحِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَعْمِلُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْمَكَانِ الْمَوْقُوفِ، فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ الْوَقْفِ فِيهِ بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ، فَإِذَا كَانَ الْفَتْحُ بِانْتِزَاعِ حِجَارَةٍ بِأَنْ يُجْعَلَ فِي طَرَفِ الْحِجْرِ مِنْ الْمَكَانِ فَلَا بَأْسَ اهـ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْفَتْحُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ فِي بَابٍ جَدِيدٍ فِي الْحَرَمِ إذَا ضَاقَتْ أَبْوَابُهُ مِنْ ازْدِحَامِ النَّاسِ وَنَحْوِهِمْ فَفُتِحَ فِيهِ بَابٌ آخَرَ لِيَتَّسِعُوا هـ. كَلَامُ الزَّرْكَشِيّ. وَسُقْته مَعَ طُولِهِ لِأُبَيِّنَ مَا فِيهِ، فَقَوْلُهُ عَقِبَ كَلَامِ السُّبْكِيّ مِنْ مَنْعِ فَتْحِ بَابٍ مِنْ أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الْمُتَلَاصِقَةِ إلَى الْآخَرِ غَيْرُ ظَاهِرٍ إلَخْ هُوَ الَّذِي لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ جَعْلِهِمْ الْمَسَاجِدَ الْمُتَلَاصِقَةَ كَالْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ فِي الْقُدْوَةِ وَغَيْرِهَا لَا يَشْهَدُ لَهُ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ وَنَحْوَهُ أَحْكَامٌ لَا يَعُودُ مِنْهَا ضَرَرٌ عَلَى تِلْكَ الْمَسَاجِدِ بِوَجْهٍ، وَأَمَّا الْفَتْحُ فِي جُدْرَانِهَا فَإِنَّ فِيهِ ضَرَرًا أَيَّ ضَرَرٍ وَهُوَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمُسَوِّغٍ اُضْطُرَّ إلَيْهِ، وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا إلَى الْفَتْحِ فَاتُّجِهَ أَنَّ الْحَقَّ مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ لَا الزَّرْكَشِيُّ وَأَنَّ كَلَامَ الْأَصْحَابِ لَا يَشْهَدُ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ، وَقَوْلُهُ عَقِبَ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَفِيهِ دَلِيلٌ إلَخْ هُوَ كَمَا قَالَهُ وَقَوْلُهُ وَيَلْزَمُ عَلَى مُقْتَضَى مَا دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِهِ إشْكَالٌ إلَخْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّا وَإِنْ جَعَلْنَاهَا مِنْ أَصْلِ الْوَقْفِ لَا يَلْزَمُ عَلَى سَدِّهَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَغْيِيرِ مَعَالِمِ الْوَقْفِ لِمَا سَبَقَ أَنَّ الْمَحْذُورَ لَيْسَ هُوَ كُلَّ تَغْيِيرٍ، بَلْ تَغْيِيرٌ يُؤَدِّي إلَى زَوَالِ الِاسْمِ وَالْجِنْسِ كَمَا مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وَمِنْ الْجَلِيِّ أَنَّ سَدَّ الْأَبْوَابِ لِحَاجَةٍ اقْتَضَتْهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ التَّغْيِيرِ الْمُمْتَنِعِ، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ مُحْدَثَةً لَزِمَ عَلَيْهِ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِإِطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ، وَإِنْ كَانَتْ وَاقِعَةً حَالَ قَوْلِيَّةٍ وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِيهَا يَقْتَضِي عُمُومَهَا إلَّا أَنَّ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ أَنَّهُ

стр. 720

يُسْتَنْبَطُ مِنْ النَّصِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ ﷺ أَذِنَ فِي صَحْنِهَا إذْ يَبْعُدُ كُلَّ الْبَعْدِ فَتْحُهَا فِي حَيَاتِهِ مَعَ عَدَمِ إذْنِهِ وَبِفَرْضِ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فَتَقْرِيرُهُ قَبْلَ أَمْرِهِ بِسَدِّهَا دَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا بِمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الْأُولَى لَكِنَّا عَمِلْنَا بِالْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ فَقَيَّدْنَاهُ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ احْتِرَامَ الْوَقْفِ وَأَنَّ الْمَسْجِدَ حُرٌّ يَمْلِك فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إلَّا بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ تَعُودُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ فَلَا يَكْتَفِي بِهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَاتَّضَحَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا لِلْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ بِالْمَسْجِدِ أَوْ الْعَامَّةِ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَحَقَّقُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ إلَّا بِتِلْكَ الشُّرُوطِ فَلَمْ نُجَوِّزْهُ إلَّا بِهَا، وَقَوْلُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ نَقُولَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْوَاقِفِ إلَخْ هَذَا احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ، وَقَوْلُهُ: فَالْأَقْرَبُ إلَخْ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته أَوَّلًا وَفِي رَدِّ قَوْلِهِ: لَزِمَ عَلَيْهِ جَوَازُ فَتْحِ بَابٍ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ وَكُوَّةٍ إلَخْ، وَقَوْله: وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ إلَخْ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ بَعِيدٍ، وَاعْتِرَاضُ الزَّرْكَشِيّ اسْتِدْلَالَهُ بِحَدِيثِ: لَوْلَا قَوْمُك إلَخْ. يُرَدُّ بِأَنَّ رَدَّهَا لِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ فِي نَظَرِهِ اقْتَضَتْ جَوَازَ الْفَتْحِ فِي جِدَارِهَا فَأُخِذَ مِنْهُ جَوَازُ الْفَتْحِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَقَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا إلَخْ هُوَ فِقْهٌ ظَاهِرٌ، لَكِنْ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ، وَلِلْأَذْرَعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ تَغْيِيرِ مَعَالِمِ الْوَقْفِ اخْتِيَارٌ ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ تَوَسُّطِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَكَرِهِ لِيُسْتَفَادَ قَالَ الْقَاضِي: لَوْ أَرَادُوا أَنْ يَغْرِسُوا فِي أَرْضِ الْوَقْفِ هَلْ لَهُمْ ذَلِكَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا لَهُمْ ذَلِكَ، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرَ شَرْطِ الْوَاقِفِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السُّبْكِيّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحَ إلَّا أَنْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَى أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا بِجَمِيعِ الِانْتِفَاعَاتِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ تَحْكِيرِ الْأَرْضِ لِيَبْنِيَ فِيهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ مَعْرُوفَةً بِذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا مَا كَانَ بُسْتَانًا لَا يُجْعَلُ حِكْرًا وَمَا كَانَ حِكْرًا لَا يُجْعَلُ بُسْتَانًا وَفِيهِ نَظَرٌ إذَا اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ ذَلِكَ مَعَ إطْلَاقِ الْوَاقِفِ وَعَدَمِ مَنْعِهِ مِنْهُ، وَلَا كَانَ هُنَاكَ اسْمٌ تَجِبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ وَقَفَ بُسْتَانًا فَانْقَلَعَ شَجَرُهُ لَمْ يَجُزْ إيجَارُهُ لِلْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرَ الِاسْمِ الَّذِي وَرَدَ الْوَقْفُ عَلَيْهِ كَمَا لَا تُجْعَلُ الدَّارُ حَوَانِيتَ وَلَا حَمَّامًا فَإِنَّا نُحَافِظُ عَلَى أَنَّ مَعَالِمَ الْوَقْفِ لَا تُغَيَّرُ اهـ. وَيَطْرُقُ هَذَا قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ السَّابِقُ لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ الْوَقْفِ، وَالْمُخْتَارُ الْأَقْوَى الْجَوَازُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْوَاقِفُ التَّغْيِيرَ مَا لَمْ يَصُدَّ عَنْهُ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ إذْ غَرَضُ الْوَاقِفِ الِاسْتِعْمَالُ وَتَكْثِيرُ الرَّيْعِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِلَا شَكٍّ لَا مُسَمَّى الْبُسْتَانِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ قَالَ الْقَفَّالُ: إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ، وَكُلُّ أَحَدٍ يَجْزِمُ بِأَنَّ غَرَضَهُ تَوْفِيرُ الرَّيْعِ عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ، وَقَدْ يَحْدُثُ عَلَى تَعَاقُبِ الْأَزْمَانِ مَصَالِحُ لَمْ تَظْهَرْ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي وَتَظْهَرُ الْغِبْطَةُ فِي شَيْءٍ يَقْطَعُ بِأَنَّ الْوَاقِفَ لَوْ أُطْلِعَ عَلَيْهِ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهُ فَيَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ أَوْ الْحَاكِمِ فِعْلُهُ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا عَظُمَتْ الْأُجْرَةُ وَتَضَاعَفَتْ الْفَائِدَةُ، وَالتَّسْمِيَةُ بِالدَّارِ أَوْ الْبُسْتَانِ إنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ غَالِبًا التَّعْرِيفُ لِإِبْقَاءِ الِاسْم مَعَ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ الظَّاهِرَةِ فِي غَيْرِهِ ظُهُورًا عَظِيمًا، كَدَارٍ ظَهْرُهَا مُجَاوِرٌ لِسُوقٍ أُخِذَتْ أُجْرَتُهَا فِي الشَّهْر عَشَرَةً مَثَلًا، وَلَوْ عُمِلَتْ حَوَانِيتَ فَبَلَغَتْ مِائَةً أَوْ مِائَتَيْنِ مَعَ خِفَّةِ عِمَارَتِهَا وَمَرَمَّتِهَا فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا مَعْنًى لِلْجُمُودِ عَلَى بَقَاءِ اسْمِ الدَّارِ مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ مِنْ الْوَاقِفِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ الشُّرُوطِيِّ وَقْفُ جَمِيعِ الدَّارِ أَوْ الْبُسْتَانِ لِلتَّعْرِيفِ، وَالْمُخْتَارُ مِنْ وَجْهَيْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ الْأَوَّلُ عِنْدَ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِي الْغَرْسِ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ بِبِلَادِ الشَّامِ فِي قُرَى الِاسْتِغْلَالِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مِنِّي، وَأَكْثَرُ الْوَاقِفِينَ يَقُولُ فِي شَرْطِهِ وَعَلَى النَّاظِرِ فِعْلُ مَا فِيهِ النَّمَاءُ وَالْمَزِيدُ لِغَلَّاتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ اهـ. كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ وَهُوَ مُصَرَّحٌ فِيهِ كَمَا تَرَى بِأَنَّ اخْتِيَارَهُ هَذَا خَارِجٌ عَنْ الْمَذْهَبِ إذْ الْمَذْهَبُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ مَتَى أَدَّى التَّغْيِيرُ إلَى تَغْيِيرِ الِاسْمِ مَعَ الْجِنْسِ كَأَنْ يَجْعَلَ الدَّارَ بُسْتَانًا أَوْ حَمَّامًا امْتَنَعَ، بِخِلَافِ جَعْلِ حَانُوتِ الْحَدَّادِ حَانُوتَ قَصَّارٍ لِبَقَاءِ الِاسْم، وَإِنَّمَا الْمُتَغَيِّرُ النَّوْعُ دُونَ الْجِنْسِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْأَرْجَحَ مِنْ وَجْهَيْ الْقَاضِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِمَا تَرْجِيحُ السُّبْكِيّ

стр. 721

وَالْأَذْرَعِيِّ كَمَا عَلِمْت، الثَّانِي: أَنَّ نَصَّ الْوَاقِفِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لِلسُّكْنَى أَوْ الزَّرْعِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ تَرْجِيحُ السُّبْكِيّ وَالْأَوَّلُ إنْ أَطْلَقَ أَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَعْمَلُ فِيهَا بِالْمَصْلَحَةِ أَوْ يَنْتَفِعُ بِهَا بِجَمِيعِ الِانْتِفَاعَاتِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ تَرْجِيحُ الْأَذْرَعِيِّ وَفِي الْخَادِمِ قَالَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي: لَا يَجُوزُ جَعْلُ الْأَرْضِ الْقَرَاحِ دَارًا وَلَا بُسْتَانًا، فَإِنْ فَعَلَ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى مَا كَانَ قَالَ الْقَاضِي: وَلَا خِلَافَ فِيهِ وَعَدَّى ذَلِكَ إلَى مَا لَوْ خَرِبَ وَعَمَّرَهُ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْأَرْضَ الْمُحْكَرَةَ إذَا خَرِبَ بِنَاؤُهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْنِي عَلَيْهَا إلَّا نَظِيرَ مَا كَانَ اهـ. إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ كُلُّهُ عُلِمَ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ مِنْ زِيَادَةِ مَرَافِقَ وَمَسَاكِنَ لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرٌ مُمْتَنِعٌ فَلَا مَحْذُورَ عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَحْذُورٌ مِنْ جِهَاتٍ أُخْرَى كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي. الثَّانِي: مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ مِنْ هَدْمِ الْمُسْتَأْجِرِ وَبِنَائِهِ وَأَنَّهُ هَلْ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ؟ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ أَوْ النَّاظِرِ، وَأَمَّا بِغَيْرِ إذْنِهِمَا فَهُوَ مُتَعَدٍّ فَيَلْزَمُهُ التَّعْزِيرُ وَأَرْشُ مَا هَدَمَهُ بِأَنْ يَقُومَ قَائِمًا مَبْنِيًّا ثُمَّ مُنْهَدِمًا وَيَنْظُرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ لِيُصْرَفَ فِي جِهَةِ الْوَقْفِ، الثَّالِثُ: مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إذَا عَمَّرَ فِي الْوَقْفِ هَلْ يَرْجِعُ بِأَنْقَاضِهِ أَوْ بَدَلِهَا أَوْ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا؟ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ وَإِنْ انْهَدَمَ مَا عَمَّرَهُ وَتَمَيَّزَتْ أَنْقَاضُهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلًا وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِمَّا صَرَفَهُ بِغَيْرِ إذْنِ النَّاظِرِ وَالْحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا عَمَّرَ لِامْتِنَاعِ النَّاظِرِ مِنْ الْعِمَارَةِ، نَعَمْ إنْ عُدِمَا أَعْنِي النَّاظِرُ وَالْحَاكِمُ أَوْ غَابَا وَاضْطُرَّ إلَى الْعِمَارَةِ فَعَمَّرَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، رَجَعَ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي هَرَبِ الْجَمَّالِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا مَا صَرَفَهُ بِإِذْنِ أَحَدِهِمَا السَّائِغُ فَيَرْجِعُ بِهِ، وَحَيْثُ قُلْنَا لَا رُجُوعَ لَهُ بِمَا صَرَفَهُ فَهَلْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَعْيَانُ مَا لَهُ مِنْ خَشَبٍ وَحَجَرٍ وَغَيْرِهِمَا فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهَا أَيْضًا، وَإِنْ انْهَدَمَتْ وَتَمَيَّزَتْ عَنْ الْوَقْفِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ أَوْ هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مَبْنِيَّةً فِي الْوَقْفِ مُخْتَلِطَةً بِأَنْقَاضِهِ؟ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ لِلْأَوَّلِ كَمَا سَتَعْلَمُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَعْيَانِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَصَارِيفِ كَأَجْرِ الْبَنَّائِينَ وَنَحْوِهِمْ أَنَّ تِلْكَ الْأُجَرَ أَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ إلَى غَيْرِهِ آذِنًا لَهُمْ فِي إتْلَافِهَا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَيْهِمْ بِهَذَا الْإِذْنِ وَلَا عَلَى الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُتَبَرِّعِ بِهَا، وَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْبَاقِيَةُ فَهِيَ لَا تَخْرُج عَنْ مِلْكِهِ إلَّا بِلَفْظٍ وَلَمْ يُوجَدْ. وَمِمَّا يَدُلُّ لِمَا قُلْته أَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ الثَّانِي قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيِّ وَأَقَرَّهُمَا ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْقَمُولِيُّ وَالسُّبْكِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ الْفَارِقِيّ إذَا بَنَى مَسْجِدًا فِي مَوَاتٍ صَارَ مَسْجِدًا بِالْبِنَاءِ وَالنِّيَّةِ، وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الْآلَةِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا فِي مَوْضِعِهَا وَهِيَ قَبْلَهُ عَلَى مِلْكِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: إنَّهَا لِلْمَسْجِدِ فَتَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ وَلَوْ بَنِي بَعْضَهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى إتْمَامِهِ وَلَوْ سَقَطَ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَضْمَنْهُ، سَوَاءٌ أَذِنَ الْإِمَامُ أَمْ لَا. قَالَ الْقَمُولِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ وَفِي قَوْلِهِ تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِقَوْلِهِ إنَّهَا لِلْمَسْجِدِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي تَوَقُّفُهُ عَلَى قَبُولِ مَنْ لَهُ النَّظَرُ وَقَبْضُهُ اهـ. وَلَمْ يُنَازِعَاهُ فِي أَنَّ قَوْلَهُ: إنَّهَا لِلْمَسْجِدِ يُفِيدُ التَّمْلِيكَ حَتَّى يَحْتَاجَ لِلْقَبُولِ مَعَ قَبُولِهِ لِلْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا إقْرَارٌ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولٍ أَوْ كِنَايَةِ هِبَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهَا، وَجَوَابُهُ أَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كِنَايَةُ هِبَةٍ وَأَنَّهُ نَوَاهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْبُقْعَةَ تَقْدِيرًا وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي الْبِئْرِ الْمَحْفُورَةِ فِي الْمَوَاتِ لِلسَّبِيلِ وَمَا يَحْيَى بِقَصْدِ تَسْبِيلِهِ مَقْبَرَةً، وَنَحْوُ ذَلِكَ قُلْته تَخْرِيجًا اهـ. وَوَجْه السُّبْكِيّ خُرُوجُ هَذِهِ الصُّورَةِ عَنْ نَظَائِرِهَا الْمُتَوَقَّفِ وُجُودِ الْوَقْفِ فِيهَا عَلَى اللَّفْظِ وَلَا تُغْنِي عَنْهُ النِّيَّةُ بِأَنَّ الْمَوَاتَ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ مَنْ أَحْيَاهُ مَسْجِدًا، وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى اللَّفْظِ لِإِخْرَاجِ مَا كَانَ فِي مِلْكِهِ عَنْهُ وَصَارَ لِلْبِنَاءِ حُكْمُ الْمَسْجِدِ تَبَعًا اهـ. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ بَنِي فِي الْمَوَاتِ وَنِيَّتُهُ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ جِهَةٍ كَانَتْ وَقْفًا بِالْبِنَاءِ وَالنِّيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ كَالْبُلْقِينِيِّ وَالْإِسْنَوِيِّ مِنْ إجْرَاءِ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْمَدَارِسِ وَالرُّبَطِ وَالْبِئْرِ الْمَحْفُورَةِ فِي الْمَوَاتِ لِلسَّبِيلِ وَالْمَقْبَرَةِ الْمُحْيَاةِ فِي الْمَوَاتِ وَغَيْرِهَا أَخْذًا مِنْ كَلَامِ

стр. 722

الرَّافِعِيِّ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ عَلِمْت مِنْهُ أَنَّهُمْ مُطْبَقُونَ عَلَى أَنَّ آلَاتِ الْعِمَارَةِ لَا تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ بَانِيهَا مِنْ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ كَوْنِهِ نَائِبًا فِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ إلَّا بِاللَّفْظِ وَلَا تُغْنِي عَنْهُ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ وَهُمْ لَمْ يُسْتَثْنَوْا مِنْ اشْتِرَاطِ اللَّفْظِ فِي الْوَقْفِ إلَّا هَذِهِ الصُّورَةَ، وَحِينَئِذٍ فَالْآلَاتُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ بَانِيهَا الْمُتَعَدِّي بِبِنَائِهَا فَلْتَكُنْ بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِهِ وَإِنْ نَوَى بِوَضْعِهَا الْوَقْفَ أَوْ التَّبَرُّعَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ النِّيَّةَ لَا يُكْتَفَى بِهَا وَحْدَهَا إلَّا فِي صُورَةِ الْمَوَاتِ، وَمِمَّا هُوَ صَرِيحٌ أَيْضًا فِيمَا قُلْته مِنْ بَقَاءِ الْآلَةِ عَلَى مِلْكِهِ قَوْلُ الرُّويَانِيِّ: إذَا عَمَّرَ إنْسَانٌ الْمَسْجِدَ الْخَرَابَ وَلَمْ يَقِفْ الْآلَةَ كَانَتْ عَارِيَّةً يَرْجِعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ اهـ. وَهَذَا صَرِيحٌ أَيْ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ فِي مَسْأَلَتِنَا يَرْجِعُ فِي آلَتِهِ مَتَى شَاءَ، لَكِنْ إنْ تَرَتَّبَ عَلَى رُجُوعِهِ هَدْمٌ لِلْمَوْقُوفِ غَرِمَ أَرْشَهُ لِيُعَادَ بِهِ كَمَا كَانَ فَإِنْ قُلْت نَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي كَلَامِ الرُّويَانِيِّ حَيْثُ قَالَ عَقِبَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَكَلَامُ الْبَغَوِيِّ قَدْ يُخَالِفُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ لِقَيِّمِ الْمَسْجِدِ اضْرِبْ اللَّبِنَ مِنْ أَرْضِي لِلْمَسْجِدِ فَضَرَّبَهُ وَبَنَى الْمَسْجِدَ صَارَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ كَالصَّدَقَةِ الَّتِي اتَّصَلَ بِهَا الْقَبْضُ وَلَهُ اسْتِرْدَادُهُ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بِهِ. قَالَ: وَلَوْ أَعَارَ الطِّينَ وَالْخَشَبَ لِقَيِّمِ الْمَسْجِدِ لِيَبْنِيَ بِهِمَا لَمْ يَجُزْ إذْ مُقْتَضَى الْإِعَارَةِ الِاسْتِرْدَادُ، وَالشَّيْءُ إذَا صَارَ مَسْجِدًا لَا يَجُوزُ اسْتِرْدَادُهُ بِخِلَافِ إعَارَةِ الْأَرْضِ لِلدَّفْنِ فَإِنَّ لَهُ غَايَةً اهـ. قُلْت: ذَلِكَ الْبَعْضُ اسْتَنَدَ فِي نَظَرِهِ إلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ قَدْ يُخَالِفُهُ وَأَنْتَ إذَا حَقَّقْت النَّظَرَ فِي قَوْلِ الْبَغَوِيِّ كَالصَّدَقَةِ إلَخْ وَفِي فَرْضِهِ الْكَلَامَ فِي قَوْلِهِ لِلْقَيِّمِ مَا ذُكِرَ وَأَنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ الْهِبَةَ نَظِيرَ مَا مَرَّ آنِفًا عَقِبَ كَلَامِ الْقَمُولِيِّ وَالْبُلْقِينِيِّ وَجَدْته غَيْرَ مُخَالِفٍ لِكَلَامِ الرُّويَانِيِّ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الرُّويَانِيِّ فِيمَا إذَا بَنَى الْمَسْجِدَ بِآلَةِ نَفْسِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَالْآلَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْهُ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةِ الْمَوَاتِ السَّابِقَةِ إلَّا بِلَفْظِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَأَمَّا كَلَامُ الْبَغَوِيِّ فَهُوَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا قَالَ لِلْقَيِّمِ مَا ذُكِرَ، وَهَذَا قَوْلٌ مُتَضَمِّنٌ لِلتَّمْلِيكِ لِلْمَسْجِدِ وَهُوَ حُرٌّ يَمْلِكُ فَإِذَا قَبَضَهُ نَاظِرُهُ بِأَنْ بَنِي بِهِ فِيهِ مَلَكَهُ الْمَسْجِدُ كَالصَّدَقَةِ الَّتِي اتَّصَلَ بِهَا الْقَبْضُ فَعُلِمَ وُضُوحُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَانْدَفَعَ الْقَوْلُ بِأَنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ قَدْ يُخَالِفُ كَلَامَ الرُّويَانِيِّ وَوَجْهُ انْدِفَاعِ هَذَا أَنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ مُخَالِفٌ لَهُ صَرِيحًا لَكِنْ لِمُدْرَكٍ يَخُصُّهُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ وَمَسْأَلَةُ السُّؤَالِ إنَّمَا تُشْبِهُ فَرْضَ مَسْأَلَةِ الرُّويَانِيِّ لَا فَرْضَ مَسْأَلَةِ الْبَغَوِيِّ، فَنَتَجَ مِنْ ذَلِكَ إيضَاحُ مَا ذَكَرْته أَنَّ كَلَامَ الرُّويَانِيِّ صَرِيحُ فِي مَسْأَلَتِنَا وَأَنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ لَا يُخَالِفُهُ وَلَا يُخَالِفُ مَسْأَلَتَنَا أَيْضًا فَلَا يُرَدُّ عَلَيْنَا وَلَا عَلَى الرُّويَانِيِّ، وَمِمَّا هُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته أَيْضًا قَوْلُهُمْ يَصِحُّ وَقْفُ الْمُسْتَأْجِرِ لِمَا بَنَاهُ فِي الْأَرْضِ الْمُؤَجَّرَةِ وَلَوْ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً تَعَيَّنَ الْإِبْقَاءُ بِالْأُجْرَةِ عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَحِلِّهِ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّمَا صَارَ الْمَبْنِيُّ فِي عِمَارَةِ الْمَوْقُوفِ وَتَرْمِيمِهِ وَقْفًا بِالْبِنَاءِ لِجِهَةِ الْوَقْفِ وَلَمْ يَحْتَجْ لِإِنْشَاءِ وَقْفِهِ بِخِلَافِ بَدَلِ الْمَوْقُوفِ إذَا قُتِلَ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ الْمَوْقُوفَةَ بَاقِيَةٌ، وَالْمَبْنِيُّ بِهِ كَالْوَصْفِ التَّابِعِ بِخِلَافِ الْمَقْتُولِ فَإِنَّهُ فَاتَ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِذَا تَأَمَّلْت كَلَامَهُمْ هَذَا مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ عَلِمْت أَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا بَنَى فِي الْمَوْقُوفِ مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ كَالنَّاظِرِ أَوْ الْحَاكِمِ أَوْ مَأْذُونِ أَحَدِهِمَا فَبِمُجَرَّدِ بِنَاءِ أَحَدِ هَؤُلَاءِ يَصِيرُ الْمَبْنِيُّ وَقْفًا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِإِنْشَاءِ وَقْفٍ لِوُقُوعِهِ تَابِعًا لِلْمَوْقُوفِ الْمَوْجُودِ مِمَّنْ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ، وَعَلِمْت أَنَّ الْأَوَّلَ فِي بِنَاءِ غَيْرِ هَؤُلَاءِ فِي أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ فَلَا يَصِيرُ بِنَاؤُهُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ بِنَائِهِ لِمَا عَلِمْت مِنْ تَصْرِيحِهِمْ بِصِحَّةِ وَقْفِهِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِكَوْنِهِ مَالِكًا لَهُ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إذَا بَنَى مُتَعَدِّيًا فِي الْأَرْضِ أَوْ الدَّارِ الْمَوْقُوفَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، لَا يَخْرُجُ بِنَاؤُهُ عَنْ مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ بِنَائِهِ بَلْ وَلَا بِنِيَّةِ أَنَّهُ لِلْوَقْفِ كَمَا مَرَّ، فَإِنْ قُلْت: صَرَّحُوا فِي غَرْسِ الشَّجَرَةِ فِي الْمَسْجِدِ بِاعْتِبَارِ نِيَّةِ الْغَارِسِ وَقَالُوا فِيمَا إذَا غَرَسَهَا مُسَبَّلَةً لِلْأَكْلِ: إنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُ ثَمَرِهَا بِلَا عِوَضٍ، وَكَذَا إنْ جُهِلَتْ نِيَّتُهُ حَيْثُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهَا تُغْرَسُ مُسَبَّلَةً لِلْأَكْلِ، فَمَا بَالُ النِّيَّةِ أَثَّرَتْ هُنَا وَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي مَسْأَلَتِنَا قُلْت: مَا ذَكَرُوهُ هُنَا مِنْ تَأْثِيرِ النِّيَّةِ وَحْدَهَا مُشْكِلٌ خَارِجٌ عَنْ الْقَوَاعِدِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِإِشْكَالِهِ

стр. 723

الْإِسْنَوِيُّ فَقَالَ: كَيْف يَخْرُجُ الْمَغْرُوسُ عَنْ مِلْكِ الْغَارِسِ بِلَا لَفْظٍ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَوْ بَنَى مَسْجِدًا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِالْقَصْدِ أَيْ: فِي غَيْرِ الْمَوَاتِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ وَأَجَابَ عَنْهُ الْأَذْرَعِيُّ بِمَا لَا يَشْفِي فَقَالَ: الْقَرِينَةُ الظَّاهِرَةُ قَدْ يَكْتَفِي بِهَا هُنَا، وَالنَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَخْتَارُ جَوَازَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ لِمُعَاطَاةٍ فَلَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِالِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ هُنَا إذَا جَوَّزْنَا الْغَرْسَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ إلَّا التَّبَرُّعَ لِلْمَسْجِدِ وَالْمُسْلِمِينَ الْمُصَلِّينَ بِالِاسْتِظْلَالِ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّ مَنْ وَضَعَ خَابِيَةً عَلَى الطَّرِيقِ وَكِيزَانًا أَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّسْبِيلَ لِلْمَاءِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الِاكْتِفَاءُ بِالْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِجَوَازِ الْأَكْلِ مَعَ جَهْلِ نِيَّةِ الْغَارِسِ وَلَا كَلَامَ لَنَا فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِي أَنَّا لَوْ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ غَرَسَهَا بِنِيَّةِ التَّسْبِيلِ لِلْأَكْلِ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَجَازَ الْأَكْلُ مِنْ ثَمَرِهَا بِلَا عِوَضٍ وَبِهَذَا يَظْهَرُ انْدِفَاعُ قَوْلِهِ: وَالنَّوَوِيُّ يَخْتَارُ إلَخْ وَأَيُّ جَامِعٍ بَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ وَبَيْنَ الْمُعَاطَاةِ؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا فِي الْمُعَاطَاةِ: إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَهِيَ لَا تُشْبِهُ مَسْأَلَتَنَا بِوَجْهٍ. وَإِنَّ قُلْنَا: إنَّهُ يُكْتَفَى فِيهَا بِالْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ مَعَ السُّكُوتِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ تَحْكِيمًا لِلْقَرِينَةِ فَفِيهِ نَوْعُ شَبَهٍ بِمَسْأَلَتِنَا، لَكِنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِ الْمُعَاطَاةِ ضَعِيفٌ فِي الْمَذْهَبِ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِنَادُ إلَيْهِ فِي الْإِشْكَالِ الْوَارِدِ عَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ هُنَا مِنْ اللَّفْظِ. وَقَوْلُهُ وَلَا خَفَاءَ إلَخْ لَا دَلِيلَ فِيهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ مُجَوِّزَةٌ لِلشُّرْبِ، وَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ نَظِيرُ مَا سَبَقَ آنِفًا مِنْ الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ، وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ فِي الْجَوَابِ عَنْ اكْتِفَائِهِمْ بِالنِّيَّةِ فِي نَحْوِ الْغَرْسِ لِلتَّسْبِيلِ أَنَّهُمْ سَامَحُوا فِي الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ لِغَلَبَةِ وُقُوعِ الْمُسَامَحَةِ مِنْ النَّاسِ فِي جِنْسِهَا بِمَا لَمْ يُسَامِحُوا بِهِ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ لِغَلَبَةِ وُقُوعِ الْمُشَاحَّةِ فِيهَا فَاكْتَفَوْا فِي خُرُوجِ الْأُولَى عَنْ الْمِلْكِ بِالنِّيَّةِ وَاشْتَرَطُوا لِخُرُوجِ الثَّانِيَةِ عَنْ مِلْكِ اللَّفْظِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَا بَنَاهُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْأَنْقَاضِ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ وَطَلَبِهِ فَالظَّاهِرُ كَمَا يَأْتِي أَنَّا نُمَكِّنُهُ مِنْ أَخْذِهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَغْرَمَ أَرْشَ مَا هَدَمَهُ مِنْ بِنَاءِ الْوَقْفِ لِيُعَادَ الْوَقْفُ بِذَلِكَ الْأَرْشِ كَمَا كَانَ، فَإِنْ كَانَ مَا يُرِيدُ هَدْمَهُ هُوَ الَّذِي عَمَّرَهُ كُلَّهُ مِنْ مَالِهِ مُتَعَدِّيًا فَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ لِلْهَدْمِ. الرَّابِعُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ يُجْبَرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى هَدْمِ الْأَنْقَاضِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَادِثَةِ وَعَلَى عَوْدِ الْوَقْفِ عَلَى هَيْئَتِهِ إلَخْ. وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْهَدْمِ إلَّا إذَا طَلَبَ أَنْقَاضَهُ فَحِينَئِذٍ يُمَكَّنُ مِنْهُ بِشَرْطِ غُرْمِهِ لِلْأَرْشِ هَذَا إنْ لَمْ يُغَيِّرْ هَيْئَةَ الْوَقْفِ الْمُمْتَنِعِ وَإِلَّا أُجْبِرَ عَلَى هَدْمِ جَمِيعِ مَا حَصَلَ بِهِ بِذَلِكَ التَّغَيُّرِ وَأَخَذَ مِنْهُ أَرْشَهُ وَيَلْزَمُ النَّاظِرَ رَدُّهُ بِهِ إلَى مَا كَانَ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي وَقَدَّمْته عَنْهُمَا فِي أَوَاخِرِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. الْخَامِسُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا بَنَى مُتَعَدِّيًا وَاخْتَلَطَتْ أَنْقَاضُهُ بِأَنْقَاضِ الْوَقْف وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ وَطَلَبَ أَخْذَ أَنْقَاضِهِ فَهَلْ يُجَابُ إلَى الْهَدْمِ ثُمَّ يَجْتَهِدُ وَيَأْخُذُ أَنْقَاضَهُ وَيَغْرَمُ أَرْشَ الْهَدْمِ أَوْ لَا؟ يُجَابُ إلَيْهِ وَيُجْبَرُ عَلَى تَعْيِينِ قِيمَةٍ أَوْ مِثْلِ أَنْقَاضِهِ وَيَأْخُذُهَا مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ صِيَانَةً لِلْوَقْفِ عَنْ الْهَدْمِ أَوْ يَمْلِكُ الْكُلَّ وَيَلْزَمُهُ الْبَدَلُ؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ ثُمَّ رَأَيْتنِي سَبَقَ مِنِّي فِي جَوَابِ سُؤَالٍ قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ أَنِّي قُلْت: وَإِذَا تَعَدَّى الْمُسْتَأْجِر بِخَلْطِ أَنْقَاضِهِ بِأَنْقَاضِ الْوَقْفِ وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُمَلَّكُ أَنْقَاضَ الْوَقْفِ وَيَلْزَمُهُ بَدَلُهَا مِنْ مِثْلٍ فِي الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةٍ فِي الْمُتَقَوِّمِ فَإِنْ اخْتَلَطَتْ بِلَا تَعَدٍّ صَارَتْ شَرِكَةً بَيْنَهُمَا اهـ. وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لَوْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ مِنْ وَاحِدٍ وَكَذَا مِنْ اثْنَيْنِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَاعْتَمَدَهُ غَيْرُهُ، لَكِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ الْمَعْرُوفُ عِنْد الشَّافِعِيَّةِ وَأَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ كَالْهَالِكِ فَلَا يَمْلِكُهُ بِمَالِهِ وَتَعَذَّرَ تَمْيِيزُهُ كَانَ كَالْهَالِكِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ رَدُّهُ أَبَدًا أَشْبَهَ التَّالِفَ؛ وَلِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ مُشْتَرَكًا احْتَجْنَا لِلْبَيْعِ وَقِسْمَةِ الثَّمَنِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَلَا يَصِلُ الْمَالِكُ لِعَيْنِ حَقِّهِ وَلَا لِمِثْلِهِ. وَالْمِثْلُ أَقْرَبُ إلَى حَقِّهِ مِنْ الثَّمَنِ فَانْتَقَلَ إلَى ذِمَّتِهِ وَمِلْكُ الْمَغْصُوبِ الَّذِي خَلَطَهُ بِمِلْكِهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ، وَلِهَذَا لَا يَتَصَرَّفُ فِي الْمَغْصُوبِ إلَّا بَعْدَ إعْطَاءِ مَالِكِهِ مِثْلَ الْمَغْصُوبِ وَبِقَوْلِنَا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ فَارَقَ هَذَا مَا مَرَّ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرِهِ فِيمَا لَوْ غَصَبَ مَالَ اثْنَيْنِ وَخَلَطَهُ وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذُكِرَ بَيْنَ خَلْطِ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ وَلَهُ دَفْعُ الْبَدَلِ مِنْ غَيْرِ الْمَخْلُوطِ وَكَذَا مِنْهُ إنْ

стр. 724

كَانَ كَالْمَغْصُوبِ أَوْ أَجْوَدَ لَا دُونَهُ إلَّا بِرِضَا الْمُسْتَحِقِّ. وَقَوْلُهُمْ: لَوْ انْصَبَّ زَيْتُ رَجُلٍ عَلَى زَيْتِ غَيْرِهِ أَوْ خَلَطَاهُ اشْتَرَكَا فِيهِ لِعَدَمِ التَّعَدِّي فَإِنْ تَمَاثَلَا اقْتَسَمَاهُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَجْوَدَ فَأَعْطَى صَاحِبُ الْأَجْوَدِ شَرِيكَهُ قَدْرَ مِلْكِهِ مِنْ الْمَخْلُوطِ وَجَبَ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ عَيْنُ حَقِّهِ. وَبَعْضَهُ خَيْرٌ مِنْهُ وَلِصَاحِبِ الْأَجْوَدِ قَبُولُ قَدْرِ حَقِّهِ مِنْهُ فَإِنْ أَبَى بِيعَ الْكُلُّ وَتَقَاسَمَا الثَّمَنَ بِنِسْبَةِ الْقِيمَةِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُمَا قِسْمَةُ الْمَخْلُوطِ بِنِسْبَتِهَا لِلتَّفَاضُلِ فِي الْكَيْلِ وَنَحْوِهِ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمِلْكَيْنِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ مَنْ انْصَبَّ عَلَى مَالِهِ اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ أَوْ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَغْصُوبُ وَقْفًا وَأَنْ يَكُونَ مِلْكًا. وَيُؤَيِّدُهُ تَعْلِيلُهُمْ الْمِلْكَ بِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ رَدُّهُ أَبَدًا أَشْبَهَ التَّالِفَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ إذَا خَلَطَ آلَاتِهِ بِأَنْقَاضِ الْوَقْفِ وَبَنَى بِالْجَمِيعِ وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ كَانَ الْكُلُّ مِلْكَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَهُ هَدْمُهُ وَأَخْذُهُ بَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتْرُكْهُ لِجِهَةِ الْوَقْفِ إذْ يَلْزَمُ نَاظِرَهُ حِينَئِذٍ قَبُولُهُ مِنْهُ حَيْثُ لَا ضَرَرَ يَعُودُ مِنْهُ عَلَى الْوَقْفِ ثُمَّ يَغْرَمُ لِلْوَقْفِ بَدَلَ أَنْقَاضِهِ، ثُمَّ إنْ كَانَ هَدَمَهَا لَزِمَهُ أَرْشُهَا أَيْضًا، وَيَصْرِفُ النَّاظِرُ ذَلِكَ فِي بِنَاءٍ مِثْلِ الْمَهْدُومِ. وَتَلْزَمُهُ أَيْضًا الْأُجْرَةُ لِمُدَّةِ بَقَاءِ مِلْكِهِ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ بِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ مَلَكَ الْكُلَّ فَهُوَ مِنْ يَوْمئِذٍ مُسْتَعْمِلٌ لِأَرْضِ الْوَقْفِ فِي مِلْكِهِ فَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مُدَّةِ بَقَائِهِ فِيهَا وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا تَسْوِيَتُهَا وَأَرْشُ نَقْصهَا إنْ نَقَصَهَا بِنَاؤُهُ، هَذَا كُلُّهُ إذَا تَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ كَمَا تَقَرَّرَ، فَإِنْ بَنَى بِالْجَمِيعِ وَلَمْ يَتَعَذَّرْ التَّمْيِيزُ وَحَكَمْنَا بِبَقَاءِ آلَاتِهِ الْحَادِثَةِ عَلَى مِلْكِهِ وَطَلَب أَخْذَ مِلْكِهِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُجَابُ إلَيْهِ، وَإِنْ أَدَّى إلَى الْهَدْمِ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ مِنْ فِعْلِهِ فَهُوَ لَمْ يُفَوَّتْ بِالْهَدْمِ شَيْئًا مَمْلُوكًا لِلْوَقْفِ نَعَمْ يَلْزَمُهُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ أَنْقَاضِ الْوَقْفِ وَأَرْضِهِ بِاسْتِعْمَالِهَا فِي الْبِنَاءِ ثُمَّ الْهَدْمِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ السَّادِسِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا اجْتَهَدَ الْمُسْتَأْجِرُ فِي الْأَنْقَاضِ الْقَدِيمَةِ. وَالْحَادِثَةِ وَمَيَّزَ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ بِلَا يَمِينٍ أَوْ لَا؟ وَجَوَابُهُ أَنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الْآنِيَةِ فِيمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ حَمَامَةٌ لِغَيْرِهِ بِحَمَامٍ لَهُ أَنَّهُ لَهُ أَكْلُهُ بِالِاجْتِهَادِ إلَّا وَاحِدَةً كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ ثَمَرَةُ الْغَيْرِ بِثَمَرِهِ وَاعْتَمَدَهُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ فَمَا حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَاحِدَةً مِنْهُ حَتَّى يُصَالِحَ ذَلِكَ الْغَيْرَ أَوْ يُقَاسِمَهُ ضَعِيفٌ، وَإِنْ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ بَعْدَ الْأَوَّلِ. وَلَمْ يُرَجِّحْ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَيُوَافِقُ الْأَوَّلَ قَوْلُ الْقَاضِي لَوْ اشْتَبَهَتْ غَنَمُهُ أَوْ طُيُورُهُ بِغَنَمِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ طُيُورِهِمْ أَوْ رَحْلُهُ بِرِحَالِهِمْ جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ، فَإِنْ نَازَعَهُ ذُو الْيَدِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ ذِي الْيَدِ، وَيُوَافِقُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ: إذَا خَرِبَتْ مَحَلَّةٌ وَاشْتَبَهَتْ جَازَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَخْذُ مِلْكِهِ بِالتَّحَرِّي كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ حَمَامَةٌ بِحَمَامِ الْغَيْرِ، وَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ الِاجْتِهَادَ وَنَازَعَهُ النَّاظِرُ فَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ لِلْمُسْتَأْجِرِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ أَوْ لِلنَّاظِرِ صُدِّقَ هُوَ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ مَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته آخِرَ الْخَامِسِ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يُجَابُ لِلْهَدْمِ، وَعِبَارَةُ فَتَاوِيهِ: رَجُلٌ وَقَفَ جَامِعًا عَلَى قَوْمٍ فَانْهَدَمَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْآلَةِ شَيْءٌ فَأَجَرَ الْمُتَوَلِّي عَرْصَتَهُ مِنْ إنْسَانٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً لِيَبْنِيَ فِيهَا فَبَنَى، ثُمَّ إنَّ الْبَانِي وَقَفَ عِمَارَتَهُ عَلَى آخَرِينَ غَيْرِ الْأَوَّلِينَ قَالَ: لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَتَكُونُ الْعِمَارَةُ فِي حُكْمِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ فَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ أَدْخَلَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ آلَاتِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَرْفَعَهَا وَيَضْمَنَ أَرْشَ النُّقْصَانِ الَّذِي دَخَلَ الْأَرْضَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَقْلَعَ وَيَغْرَمَ أَرْشَ النَّقْصِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْقَلْعَ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْوَقْفِ، فَإِنَّهُ مَا دَامَ بِنَاؤُهُ فِيهَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْعَرْصَةِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ إحْيَاءً لِلْوَقْفِ الْأَوَّلِ اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْهُ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: فَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ أَدْخَلَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ آلَاتِهِ إلَخْ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِيمَا ذَكَرْته فَإِنْ قُلْت قَوْلُهُ فَتَكُونُ الْعِمَارَةُ فِي حُكْمِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ يُنَافِي مَا قَدَّمْته أَنَّ مَا عَمَّرَهُ الْمُسْتَأْجِرُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ قُلْت: هَذَا فَرْعُهُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الْوَقْفِ، وَالْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ صِحَّةُ وَقْفِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ فِي الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ أَوْ الْمُسْتَعَارَةِ، سَوَاءٌ الْمَمْلُوكَةُ وَالْمَوْقُوفَةُ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَبَعْدَهُ، عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: فَتَكُونُ الْعِمَارَةُ فِي حُكْمِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا بِالْوَقْفِ لَا تَنْسَلِخُ عَنْ أَحْكَامِ

стр. 725

الْوَقْفِ الْأَوَّلِ مِنْ لُزُومِ أُجْرَتِهَا لِمُصَرِّفِهِ؛ لِأَنَّ وَقْفَهَا عَلَى غَيْرِ مُصَرِّفِهِ بَاطِلٌ عَلَى مَا اخْتَارَهُ، وَإِذَا كَانَ بَاطِلًا لَزِمَ بَقَاءُ الْعِمَارَةِ عَلَى حُكْمِهَا الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ مَالِكَهَا يَغْرَمُ أُجْرَةَ مَحِلِّهَا لِمُصَرِّفِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنَّ مِثْل الْبَغَوِيِّ يَقُولُ بِأَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ عَرْصَةً مَوْقُوفَةً لِلْبِنَاءِ فِيهَا أَنَّ بِنَاءَهُ يَصِيرُ وَقْفًا قَهْرًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي وَضْعَ الْإِجَارَةِ؛ وَلِأَنَّ الْأَئِمَّةَ مُطْبِقُونَ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا يُعْلَمُ مَنْ بَابَيْ الْإِجَارَةِ وَالْوَقْفِ. وَقَدْ ذَكَرْتُ آنِفًا مَا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ بِقَوْلِي: وَالْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ إلَخْ فَإِنْ قُلْت: إذَا أَرَادَ النَّاظِرُ أَنْ يَتَمَلَّكَ لِلْوَقْفِ آلَاتِ الْمُسْتَأْجِرِ الْمُخْتَلِطَةَ بِآلَاتِ الْوَقْفِ الَّتِي يُمْكِنُ تَمْيِيزُهَا فَلِمَ لَمْ يَجِبْ لِذَلِكَ؟ قُلْت: الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ أَنَّ تَخْيِيرَ الْمُؤَجِّرِ بَيْن التَّمَلُّكِ وَالْقَلْعِ مَجَّانًا وَالتَّبْقِيَةِ بِالْأُجْرَةِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ عَدَمِ اخْتِيَارِ الْمُسْتَأْجِرِ الْقَلْعَ، أَمَّا إذَا اخْتَارَهُ فَإِنَّهُ يَقْلَعُ وَعَلَيْهِ الْأَرْشُ وَالتَّسْوِيَةُ لِلْأَرْضِ وَلَا يُجَابُ الْمُؤَجِّرُ إلَى وَاحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الْخِصَالِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَرْضُ الْوَقْفُ وَالْمِلْكُ. (فَائِدَةٌ) لَوْ أَرَادَ النَّاظِرُ بَعْدَ الْمُدَّةِ الْقَلْعَ وَغَرِمَ الْأَرْشَ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَلَمْ يَقْتَضِهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ لَمْ يَجُزْ وَكَذَا لَوْ أَرَادَ لِلْإِبْقَاءِ وَكَانَ يَتَغَيَّرُ بِهِ مَقْصُودُ الْوَقْفِ مِنْ بَقَاءِ الْأَرْضِ مَكْشُوفَةً فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ أَمْرِهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الصَّحَابَةَ بِسَدِّ أَبْوَابِهِمْ النَّافِذَةِ إلَى مَسْجِدِهِ إلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ رَوَاهُ وَمَا حُكْمُ ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ؟ (فَأَجَابَ: رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا بَلْ بَلَغَتْ طُرُقُهُ حَدَّ التَّوَاتُرِ كَمَا بَيَّنَهُ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ شَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى سَعْيَهُ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَسَنَدُهَا حَسَنٌ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا بَكَى إذْ سَمِعَ قَوْلَهُ ﷺ : إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ إلَخْ قَالَ لَهُ ﷺ : عَلَى رِسْلِك أَفْضَلُ النَّاسِ عِنْدِي فِي الصُّحْبَةِ وَذَاتِ الْيَدِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، اُنْظُرُوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدُّوهَا إلَّا مَا كَانَ مِنْ بَابِ أَبِي بَكْرٍ فَإِنِّي رَأَيْت عَلَيْهِ نُورًا. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى رِجَالُهَا ثِقَاتٌ اُنْظُرُوا إلَى هَذِهِ الْأَبْوَابِ اللَّاصِقَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدُّوهَا إلَّا مَا كَانَ مِنْ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ أَفْضَلَ عِنْدِي فِي الصُّحْبَةِ مِنْهُ.» قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَا يُعَارِضُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْأُخْرَى الْكَثِيرَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ أَيْضًا الْمُصَرِّحَةُ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا حَتَّى بَابِ أَبِي بَكْرٍ إلَّا بَابَ عَلِيٍّ؛ لِأَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ فَقَضِيَّةُ عَلِيٍّ ﵁ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً وَهِيَ فِي سَدِّ الْأَبْوَابِ الشَّارِعَةِ، وَقَدْ كَانَ أَذِنَ لِعَلِيٍّ ﵁ أَنْ يَمُرَّ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ جُنُبٌ. وَيَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِهَا رِوَايَةُ الْبَزَّارِ «عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْطَلِقْ فَمُرْهُمْ أَنْ يَسُدُّوا أَبْوَابَهُمْ فَانْطَلَقْت فَقُلْت لَهُمْ فَفَعَلُوا إلَّا حَمْزَةَ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ فَعَلُوا إلَّا حَمْزَةَ فَقَالَ: قُلْ لِحَمْزَةَ فَلْيُحَوِّلْ بَابَهُ فَقُلْت: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُك أَنْ تُحَوِّلَ بَابَك فَحَوَّلَهُ.» فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ وَاقِعَةَ عَلِيٍّ ﵁ كَانَتْ قَبْلَ أُحُدٍ وَقَضِيَّةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ مُتَأَخِّرَةٌ فِي مَرَضِ الْوَفَاةِ فِي سَدِّ طَاقَاتٍ كَانُوا يَسْتَقْرِبُونَ الدُّخُولَ مِنْهَا وَهِيَ الْخَوْخُ وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: قَضِيَّةُ عَلِيٍّ فِي سَدِّ الْأَبْوَابِ، وَأَمَّا سَدُّ الْخَوْخِ فَالْمُرَادُ بِهَا طَاقَاتٌ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ يَسْتَقْرِبُونَ الدُّخُولَ مِنْهَا فَأَمَرَ بِسَدِّهَا إلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَفِي ذَلِكَ أَشَارَّة إلَى اسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ ﵁؛ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ يَحْتَاجُ إلَى الْمَسْجِدِ كَثِيرًا. وَعُلِمَ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بَلْ الْمُتَوَاتِرَةِ كَمَا مَرَّ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ فَتْحِ بَابِ شَارِعٍ إلَى مَسْجِدِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ حَتَّى لِأَبِي بَكْرٍ وَالْعَبَّاسِ إلَّا لِعَلِيٍّ ﵁ لِمَكَانِ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ وَمِنْ فَتْحِ خَوْخَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ طَاقَةٍ أَوْ كُوَّةٍ وَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ حَتَّى لِعُمَرَ ﵁ إلَّا لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ خَاصَّةً لِمَكَانِ الْخِلَافَةِ وَلِكَوْنِهِ أَفْضَلَ النَّاسِ يَدًا عِنْدَهُ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي الْأَحَادِيثِ وَهَذِهِ خِصِّيصَةٌ لَهُ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ أَحَدٍ عَلَيْهِ فِيهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَأْذَنَ فِي كَوَّةٍ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَالْعَبَّاسَ ﵁ فِي فَتْحِ بَابٍ

стр. 726

صَغِيرٍ بِقَدْرِ مَا يَخْرُج مِنْهُ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَفِيهَا أَيْضًا أَنَّهُ لَمْ يَسُدَّ مَا سَدَّ وَلَمْ يَفْتَحْ مَا فَتَحَ إلَّا بِأَمْرٍ مِنْ رَبِّهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فِي آخِرِ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَهِدَهُ لِأَمَتِهِ وَمَاتَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْسَخْهُ شَيْءٌ فَوَجَبَ اسْتِمْرَارُ حُرْمَتِهِ وَأَنَّهُ لَا رَأْيَ لِلْإِمَامِ فِيهِ لِنَصِّهِ عَلَى مَنْعِهِ، وَإِسْنَادُهُ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إلَيْهِ وَلَا نَظَرَ لِتَغْيِيرِ مَعَالِمِ الْمَسْجِدِ وَجُدُرِهِ وَالزِّيَادَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْفَتْحِ مَنُوطَةٌ بِالْمَسْجِدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا بِتِلْكَ الْجُدُرِ بِعَيْنِهَا وَمِنْ ثَمَّ وُسِّعَ مَرَّاتٍ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَى فَتْحِ شَيْءٍ فِيهِ قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ بَعْدَ ذِكْرِهِ نَحْوَ مَا مَرَّ: أَكْثَرُ مُفْتِيِّ عَصْرِنَا أَفْتَوْا بِجَوَازِ فَتْحِ الْبَابِ وَالْكُوَّةِ وَالشُّبَّاكِ مِنْ دَارٍ بُنِيَتْ مُلَاصِقَةً لِلْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ اسْتِرْوَاحًا وَعَدَمَ وُقُوفٍ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ رُوجِعَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي مُسْتَنَدِهِ فِيمَا أُفْتِيَ بِهِ فَأَبْدَوْا شُبَهًا كُلُّهَا مَرْدُودَةٌ، مِنْهَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: لَا نَقْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَهْلِ مَذْهَبِنَا، وَنَقُولُ بِالْجَوَازِ اسْتِحْسَانًا حَيْثُ لَا ضَرَرَ، وَجَوَابُهُ: لَا اسْتِحْسَانَ يُعْتَدُّ بِهِ مَعَ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْمَنْعِ. وَإِذَا مُنِعَ عُمَرُ ﵁ مِنْ فَتْحِ كُوَّةٍ يَنْظُرُ مِنْهَا حِينَ يَخْرُجُ لِلصَّلَاةِ فَكَيْفَ يَنْهَدِمُ الْحَائِطُ كُلُّهُ؟ بَلْ أَقُولُ: لَوْ أُعِيدَ حَائِطُ الْمَسْجِدِ وَبُنِيَ خَلْفَهُ جِدَارٌ أَطْوَلُ مِنْهُ، وَفُتِحَ فِي أَعْلَاهُ كُوَّةٌ يُطَّلَعُ مِنْهَا إلَى الْمَسْجِدِ فَيَنْبَغِي الْمَنْعُ احْتِيَاطًا. فَإِنْ انْضَمَّ لِذَلِكَ أَنَّ الشَّبَابِيكَ تَصِيرُ مُعَدَّةً لِمَنْ يَجْلِسُ فِيهَا مُرْتَفِعًا وَالْقَبْرُ الشَّرِيفُ تَحْته فَهَذَا أَشَدُّ وَأَشَدُّ، وَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُتَحَرِّكٍ الِاحْتِيَاطُ لِدِينِهِ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَأَنَّهُ لَا رَأْيَ لِأَحَدٍ فِيهِ بَعْدَ نَصِّهِ، وَأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ وَإِفْتَاءَ الْمُفْتِي بِمَا يُخَالِفُ النَّصَّ يُرَدُّ، وَالتَّوَصُّلُ إلَى خِلَافَةِ بِالْحِيَلِ الْفَاسِدَةِ كَجَعْلِهِ فِي غَيْرِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ ﷺ : «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ» ، وَمِنْهَا الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ حَيْثُ رَأَى النَّاظِرُ ذَلِكَ وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ لَا قِيَاسَ مَعَ النَّصِّ، فَقَدْ دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى تَمْيِيزِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بِذَلِكَ، وَمِنْهَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الْأَمْرُ مَنُوطٌ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِ الْإِمَامِ. وَجَوَابُهُ لَا رَأْيَ لِأَحَدٍ مَعَ النَّصِّ وَمِنْهَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: تِلْكَ الْأَحَادِيثُ الْمَانِعَةُ مَخْصُوصَةٌ بِزَمَنِهِ وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدِهَا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ لِهَذَا التَّخْصِيصِ، ثَانِيهَا أَنَّ الْقِصَّةَ أَمَرَ بِهَا ﷺ هَذَا أَوَاخِرُ حَيَاتِهِ إذْ لَمْ يَعِشْ بَعْدَهَا إلَّا دُونَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ شَرْعٌ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ وَفَاتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثَالِثِهَا لَوْ كَانَ التَّخْصِيصُ مُرَادَ الْبَيِّنَةِ وَإِلَّا كَانَ مُؤَخَّرًا لِلْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا سِيَّمَا وَهِيَ آخِرُ جَلْسَةٍ جَلَسَهَا لِلنَّاسِ، رَابِعِهَا اسْتِمْرَارُ الصَّحَابَةِ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوهُ شَرْعًا مُؤَبَّدًا، خَامِسِهَا يُقَالُ لِزَاعِمِ التَّخْصِيصِ مَا وَجْهُ مَنْعِ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِهِ وَالْإِذْنُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ وَالصَّحَابَةُ أَجَلُّ وَأَحَقُّ بِكُلِّ خَيْرٍ، وَهَلْ يَتَخَيَّلُ مُتَخَيِّلٌ أَنَّهُ يُرَخَّصُ لِأَهْلِ الْقَرْنِ الْأَرْذَلِ مَا مُنِعَ مِنْهُ أَشْرَفُ الْأُمَّةِ وَخِيَارُهُمْ؟ مَعَاذَ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الْمَنْعُ مَخْصُوصٌ بِجِدَارِهِ ﷺ فَإِذَا هُدِمَ وَأُعِيدَ غَيْرُهُ كَانَ مِلْكًا لِلْمُعِيدِ فَيَفْتَحُ مِنْهُ مَا شَاءَ وَلَا يَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى يُوقِفَهُ، وَهَذَا مَرْدُودٌ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلِ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِخُصُوصِ الْجِدَارِ كَمَا فَهِمَ هَذَا الْقَائِلُ بَلْ بِعُمُومِ الْمَسْجِدِ وَقَصْدِهِ ﷺ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ، أَنْ لَا يَتَطَرَّقَ لِمَسْجِدِهِ مِنْ بَابِ دَارٍ تُلَاصِقُهُ وَلَا يُطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ كُوَّةٍ فِي دَارٍ تُلَاصِقُهُ، وَالْمُعَادُ يَقُومُ مَقَامَ الْأَوَّلِ فِي هَذَا الْحُكْمِ. الثَّانِي أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يُشْعِرُ بِالْعَلِيَّةِ. وَقَدْ قَالَ: «اُنْظُرُوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ إلَى الْمَسْجِدِ فَسُدُّوهَا» فَرَتَّبَ الْأَمْرَ بِالسَّدِّ عَلَى وَصْفِ كَوْنِهَا شَوَارِعَ إلَى الْمَسْجِدِ، وَإِنْ فُتِحَتْ فِي غَيْرِ جِدَارِهِ وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا هَدَمَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ جِدَارَهُ وَأَعَادَاهُ لَمْ يَفْتَحَا فِيهِ شَيْئًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِالْمَسْجِدِ لَا بِالْجِدَارِ وَإِلَّا لَفَتَحُوا لَهُمْ أَبْوَابًا وَكُوَّاتٍ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْجِدَارَ مِلْكُ بَانِيهِ وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ «أَنَّ عُمَرَ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا مَا زِدْت فِيهِ.» . الرَّابِعِ: إنْ زَعَمَ أَنَّ

стр. 727

الْجِدَارَ الْمُعَادَ مِلْكُ الْمُعِيدِ يُقَال: عَلَيْهِ هَدْمُ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ فَإِعَادَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْهَادِمِ فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ بَدَلَ مُتْلَفٍ لَا مِلْكَهُ أَوْ لِمَصْلَحَةٍ فَإِعَادَتُهُ وَاجِبَةٌ مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ أَوْ بَيْتِ الْمَالِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُعَادُ وَقْفًا لَا مِلْكًا. وَلَوْ ادَّعَاهُ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ عَلَى نِيَّةِ إعَادَتِهِ لِلْمَسْجِدِ فَكَذَلِكَ أَوْ عَلَى نِيَّةِ التَّمَلُّكِ لَمْ يَجُزْ. الْخَامِسِ: أَنَّ الْمُعَادَ إنْ تَمَحَّضَ جِدَارًا لِلْمَسْجِدِ وَجَبَ فَصْلُ الدَّارِ مِنْهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِدَارِ الْمَسْجِدِ فِي الدَّارِ أَوْ لِلدَّارِ الْمُلَاصِقَةِ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ النَّاظِرِ إعَادَةُ جِدَارِ الْمَسْجِدِ، وَلَا يَتْرُكُهُ مَهْدُومًا عَلَى أَنَّ بِنَاءَ جِدَارِ الدَّارِ إنْ كَانَ فِي أَرْضِ الْمَسْجِدِ هُدِمَ أَوَّلُهَا يُعَادُ جِدَارُ الْمَسْجِدِ كَمَا كَانَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ. السَّادِسِ: أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «سُدُّوا الْأَبْوَابَ الْمُلَاصِقَةَ فِي الْمَسْجِدِ» . يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ الْحُكْمَ بِجِدَارِهِ بَلْ عَلَّقَهُ بِاللُّصُوقِ فِي الْمَسْجِدِ أَيْ: كَوْنُهُ مُتَّصِلًا بِهِ فَشَمِلَ ذَلِكَ كُلَّ بَابٍ لَصِقَ بِهِ مِنْ أَيِّ جِدَارٍ كَانَ. السَّابِعِ: أَنَّ حَدِيثَ «لَوْ بُنِيَ مَسْجِدِي هَذَا إلَى صَنْعَاءَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا يَحْدُثُ فِيهِ بَعْدَهُ كَمَا كَانَ بِزَمَنِهِ فِي الْحُكْمِ فَكَذَا الْجِدَارُ. الثَّامِنُ: لَوْ قُدِّرَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى احْتِيَاجُ بَعْضِ حِيطَانِ الْكَعْبَةِ إلَى هَدْمٍ وَإِصْلَاحٍ فَهَدَمَهَا الْإِمَامُ وَأَعَادَهَا قِيلَ: الْحَائِطُ الْمُعَادُ مِلْكُهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ أَرَادَ حَتَّى يُوَقِّفَهُ فَإِنْ قِيلَ بِذَلِكَ فَفِي غَايَةِ السُّقُوطِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ فَجِدَارُ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ كَذَلِكَ إذَا الْحَرَمَانِ الشَّرِيفَانِ مُسْتَوِيَانِ فِي غَالِبِ الْأَحْكَامِ، وَقِيَاسُ الْمَدَنِيِّ عَلَى الْمَكِّيِّ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى بَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ، التَّاسِعِ: ذَكَرَ ابْنُ الْعِمَادِ أَنَّ الظَّاهِرَ بِيبَرْسَ هُوَ الْمُحْدِثُ لِمَقْصُورَةِ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَأَنَّهُ أَسَاءَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَجَرَ بِهِ طَائِفَةً مِنْ الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ عَنْ صَلَاةِ النَّاسِ فِيهَا فَإِذَا حُكِمَ بِإِسَاءَتِهِ بِذَلِكَ مَعَ قَصْدِهِ التَّعْظِيمَ. وَعَدَمِ نَصٍّ بِالْمَنْعِ فِيهِ فَكَيْفَ يُفْتَحُ بَابٌ أَوْ شُبَّاكٌ مَعَ مَا فِيهِمَا مِنْ عَدَمِ التَّعْظِيمِ وَالْأَدَبِ لِارْتِفَاعِهِمَا كَمَا مَرَّ؟ الْعَاشِرِ: لَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ تَخْصِيصَ الْجِدَارِ لِلْحِرْصِ عَلَيْهِ أَوْ لِخَشْيَةِ ضَعْفِهِ بَلْ إنَّمَا هُوَ لِمَنْعِ الِاسْتِطْرَاقِ وَالِاطِّلَاعِ إلَى مَسْجِدِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِ الْجِدَارِ حَسْبَمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ. الْحَادِيَ عَشَرَ: أَسْنَدَ ﷺ الْمَنْعَ لِلْوَحْيِ وَلَمْ يُبَيِّنْ عِلَّتَهُ فَإِنْ كَانَتْ تَعْظِيمَ الْمَسْجِدِ اسْتَمَرَّ التَّحْرِيمُ وَالْمَنْعُ، وَإِنْ لَمْ يُدْرَكْ لَهُ عِلَّةٌ اسْتَمَرَّ أَيْضًا تَعَبُّدًا، وَزَعْمُ أَنَّهَا لِخُصُوصِ الْجِدَارِ وَخَوْفِ ضَعْفِهِ سَاقِطٌ. الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ سُئِلَ عَنْ رِبَاطٍ مَوْقُوفٍ عَلَى الصُّوفِيَّةِ اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ أَنْ يُفْتَحَ فِيهِ بَابٌ جَدِيدٌ مُلْصَقًا لِبَابِهِ الْقَدِيمِ. فَأَجَابَ بِالْجَوَازِ بِشُرُوطٍ وَاسْتُدِلَّ بِفِعْلِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَيْثُ فَتَحَ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَبْوَابًا زِيَادَةً عَلَى مَا كَانَ، وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا مِنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْجِدَارَ الْمُعَادَ لَهُ حُكْمُ الْجِدَارِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ إنَّمَا فَتَحَ فِي جِدَارِهِ الَّذِي أَعَادَهُ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بَطَلَ الِاسْتِدْلَال بِإِبْدَاءِ فَرْقٍ بِأَنَّ جِدَارَ الرِّبَاطِ جِدَارُ الْوَقْفِ وَجِدَارَ عُثْمَانَ لَيْسَ جِدَارَ الْوَقْفِ بَلْ هُوَ مِلْكُ عُثْمَانَ. الثَّالِثُ عَشَرَ: صَرَّحَ الْعَبَّادِيُّ وَالْجُوَيْنِيُّ بِأَنَّ مَنْ الْتَمَسَ مِنْ النَّاسِ آلَةً لِبِنَاءِ مَسْجِدٍ فَأَعْطَوْهُ صَارَ مَسْجِدًا بِنَفْسِ الْبِنَاءِ وَلَا يَحْتَاجُ لِإِنْشَاءِ وَقْفٍ كَمَا لَوْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا بِنِيَّةِ جَعْلِهَا مَسْجِدًا، وَهَذَا يُبْطِلُ زَعْمَ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَعَادَ حَائِطَ الْمَسْجِدِ كَانَتْ مِلْكَهُ فَتَحْتَاجُ لِإِنْشَاءِ وَقْفٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ مُتَظَافِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ مَا نَوَى بِعِمَارَتِهَا إلَّا إعَادَةَ حَائِطِ الْمَسْجِدِ. وَمِمَّا يُبْطِلُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ: إذَا بَنَى مَسْجِدًا فِي مَوَاتٍ أَغْنَى فِعْلُهُ مَعَ النِّيَّةِ عَنْ التَّلَفُّظِ بِالْوَقْفِ وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْآلَةِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَقَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ إنَّهَا لِلْمَسْجِدِ فَتَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ؛ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ حِينَ وَسَّعَ الْمَسْجِدَ صَرَّحَ بِوَقْفٍ وَلَا ذَكَرَ لَفْظًا وَكَذَا مَنْ بَعْدَهُ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَتَوْفِيرِ الْعُلَمَاءِ فِي زَمَنِهِمْ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْبِنَاءَ الْمُجَدَّدَ تَابِعٌ لِلْمَسْجِدِ الْقَدِيمِ، وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ: وَلَا شَكَّ فِي انْقِطَاعِ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ عَنْ بِقَاعِ الْمَسَاجِدِ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ اهـ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مَنْعِهِ مِنْ أَنْ يَبْنِيَ حَائِطًا عَلَى بُقْعَةِ الْمَسْجِدِ وَيَضُمَّ

стр. 728

إلَيْهَا زِيَادَةً فِي الْبِنَاءِ مَوْصُولَةً بِهَا مُتَمَلِّكًا ذَلِكَ يَتَصَرَّفُ فِي الْمَجْمُوعِ بِفَتْحِ شَبَابِيكَ أَوْ غَيْرِهَا. الرَّابِعَ عَشَرَ: لَا أَظُنُّ فَقِيهًا يَسْمَحُ بِأَنَّهُ يُجَوِّزُ لِأَحَدٍ إعَادَةَ حَائِطِ الْمَسْجِدِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ عَلَى نِيَّةِ التَّمْلِيكِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِمَا يَشَاءُ مَعَ وُجُودِ سَهْمِ الْمَصَالِحِ أَوْ رَيْعِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ. الْخَامِسَ عَشَرَ: لَا شَكَّ أَنَّ جَمِيعَ مَا بِأَيْدِي الْمُلُوكِ الْآنَ هُوَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ وَلَيْسَ فِي أَيْدِيهِمْ شَيْءٌ يُثْبِتُ أَنَّهُ مِلْكُهُمْ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ وَأَيُّ جِهَةٍ فُرِضَتْ فَفِيهَا الْجَوَابُ الشَّافِي، فَالْحَائِطُ الَّذِي يُعِيدُهُ الْإِمَامُ الْآنَ لَيْسَ مِلْكَهُ. السَّادِسَ عَشَرَ: صَرَّحَ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ رَفْعُ جُدُرٍ بَيْنَ مَسَاجِدَ مُتَلَاصِقَةٍ وَجَعْلِهَا مَسْجِدًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَغْيِيرِ مَعَالِمَ الْوَقْفِ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَرْكُ جِدَارِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى جِدَارٍ وَاحِدٍ يُجْعَلُ لِلْمَدْرَسَةِ الَّتِي تُلَاصِقُهُ مُكْتَفِيًا بِهِ عَنْ جِدَارِ الْمَسْجِدِ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِصَاصِ بِالْمَدْرَسَةِ أَوْ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ جِدَارٍ لِلْمَسْجِدِ مُتَمَيِّزٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ جِدَارٍ غَيْرِهِ مُخْتَصٍّ بِهِ وَيَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ غَيْرِهِ اهـ. حَاصِلُ كَلَامِ الْجَلَالِ مَعَ حَذْفِ كَثِيرٍ مِنْهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَفِيهِ نَقْدٌ يُمَيِّزُهُ التَّأَمُّلُ الصَّادِقُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُ حَسَنٌ قَالَ: وَقَدْ تَعَرَّضَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا لِلْمَسْأَلَةِ وَعُمُومِهَا فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ. سُئِلَ السُّبْكِيّ عَنْ بَابٍ فُتِحَ فِي سُورِ الْمَسْجِدِ هَلْ بَعْدَ فَتْحِهِ يَجُوزُ الِاسْتِطْرَاقُ مِنْهُ لِلْمَسْجِدِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مَقَامَيْنِ: جَوَازِ فَتْحِ الْبَابِ الْمَذْكُورِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ عَلَى قَوَاعِدِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَا تَكَادُ الشَّافِعِيَّةُ يَرْتَابُونَ فِي إنْكَارِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ يَحْتَرِزُونَ عَنْ تَغْيِيرِ الْوَقْفِ جِدًّا، وَلَمَّا فُتِحَ شُبَّاكُ الطَّبَرَسِيَّةِ فِي جِدَارِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيَّ وَرَأَيْته مِنْ الْمُنْكَرَاتِ، وَلَمَّا فَتَحَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ فِي بَيْتِهِ بِالْمَدْرَسَةِ الشَّرِيفِيَّةِ بِالْقَاهِرَةِ شُبَّاكًا لَطَّهَا لِأَجْلِ الضَّوْءِ خَشِيَ الْإِنْكَار عَلَيْهِ فَقَالَ لِي: إنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى كَلَامٍ فِي الْمَطْلَبِ هُوَ كَلَامُهُمْ مَعَهُمْ أَنَّ أَغْرَاضَ الْوَاقِفِينَ، وَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهَا يُنْظَرُ إلَيْهَا وَلِهَذَا كَانَ شَيْخُنَا عِمَادُ الدِّينِ يَقُولُ: إذَا اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ تَغْيِيرَ الْوَقْفِ فِي صُورَتِهِ لِزِيَادَةِ رَيْعِهِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ شَاهِدَةٌ بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ ذَكَرَهُ الْوَاقِفُ حَالَةَ الْوَقْفِ لَأَثْبَتَهُ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ، ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ التَّقِيِّ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مَا يُشْعِرُ بِجَوَازِ ذَلِكَ وَاغْتَبَطَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ؛ لِأَنَّ التَّقِيَّ كَانَ قُدْوَةَ زَمَانِهِ عِلْمًا وَدِينًا قَالَ السُّبْكِيّ، وَاَلَّذِي أَرَاهُ جَوَازُ ذَلِكَ إنْ قَلَّ بِحَيْثُ لَا يُغَيَّرُ مُسَمَّى الْوَقْفِ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَى مَنْعِهِ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَلَمْ يُزَلْ شَيْءٌ مِنْ عَيْنِهِ بِأَنْ يُنْقَلَ بَعْضُهُ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةُ الْوَقْفِ وَفَتْحُ شُبَّاكِ الطَّيْبَرِسِيَّةِ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْجَامِعِ الْأَزْهَرِ فَلَا يَجُوزُ، وَكَذَا فَتْحُ أَبْوَابٍ لِلْحَرَمِ لَا حَاجَةَ لِلْحَرَمِ فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ لِمَصْلَحَةِ سَاكِنِهَا فَلَا يَجُوزُ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَا عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي فَتَاوِيهِ، لَكِنْ فِي اسْتِدْلَالِهِ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ بَابَيْهَا كَانَا فِي زَمَنِ إبْرَاهِيمَ وَكَذَا بِفِعْلِ عُثْمَانَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ هَدْمًا بِالْكُلِّيَّةِ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يَلْزَمُ طَرْدُهُ فِي كُلِّ وَقْفٍ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلَا بُدَّ أَنْ يُصَانَ ذَلِكَ عَنْ هَدْمِ شَيْءٍ لِأَجْلِ الْفَتْحِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْمَوْقُوفِ، وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ الْفَتْحُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ فِي بَابٍ جَدِيدٍ فِي الْحَرَمِ إذَا ضَاقَتْ أَبْوَابُهُ مِنْ ازْدِحَامِ الْحَجِيجِ، الْمَقَامُ الثَّانِي جَوَازُ الِاسْتِطْرَاقِ فِيهِ بَعْدَ فَتْحِهِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي فِيهِ أَنَّهُ حَيْثُ جَازَ الْفَتْحُ جَازَ الِاسْتِطْرَاقُ وَحَيْثُ لَا فَلَا، لَكِنْ عَلَى بَسْطٍ فِيهِ ذَكَرَهُ فِي فَتَاوِيهِ وَفِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ لِلزَّرْكَشِيِّ وَظَاهِرُ خَبَرِ الْأَمْرِ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ مُشْكِلٌ، وَهُوَ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مِنْ أَصْلِ الْوَقْفِ لَزِمَ عَلَيْهِ جَوَازُ تَغْيِيرِ مَعَالِمِهِ وَإِنْ كَانَتْ مُحْدَثَةً لَزِمَ عَلَيْهِ جَوَازُ فَتْحِ الْبَابِ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ وَكُوَّةٍ يَدْخُلُ مِنْهَا الضَّوْءُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَقْتَضِيهِ مَصْلَحَةٌ حَتَّى يَجُوزَ أَنْ يَفْتَحَ مِنْ دَارِهِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْمَسْجِدِ بَابًا إلَى الْمَسْجِدِ فِي حَائِطِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْوَاقِفِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَقَفَ الْمَسْجِد اهـ. وَهُوَ إشْكَالٌ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ الْفَتْحَ أَوَّلًا كَانَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ نُسِخَ

стр. 729

بِوَحْيٍ بِالسَّدِّ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا إشْكَالَ. (خَاتِمَةٌ سَبَبُ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ الَّتِي اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا أَنَّ السُّلْطَانَ قَايِتْبَايْ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ بِجِوَارِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مَدْرَسَةً وَيَجْعَلَ الْحَائِطَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْمَدْرَسَةِ وَيَفْتَحَ فِيهِ بَابًا يَدْخُلُ مِنْهُ إلَى الْمَسْجِدِ وَشَبَابِيكَ مُطِلَّةً عَلَيْهِ مَنَعَ نَائِبَهُ مِنْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَأَرْسَلَ يَطْلُبُ مَرْسُومًا مِنْ السُّلْطَانِ بِذَلِكَ فَبَلَغَهُ مَنْعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: اسْتَفْتُوا الْعُلَمَاءَ فَأَفْتَاهُ الْقُضَاةُ الْأَرْبَعَةُ وَجَمَاعَةٌ بِالْجَوَازِ، مَنَعَ آخَرُونَ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ الْعَجَبِ زَعْمُ قَاضِي الْقُضَاةِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْأَحَادِيثَ مُخْتَصَّةٌ بِالْجِدَارِ النَّبَوِيِّ، وَقَدْ أُزِيلَ، وَهَذَا الْجِدَارُ مِلْكٌ لِلسُّلْطَانِ يَفْتَحُ فِيهِ مَا شَاءَ وَلَا يَصِيرُ وَقْفًا إلَّا بِوَقْفِهِ ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ لَهُمْ فَتْحُ بَابٍ وَعَدَلُوا إلَى الْفَتْحِ مِنْ الْجِهَةِ الْغَرْبِيَّةِ وَاسْتِدْلَالُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى جَوَازِ الْفَتْحِ بِأَنَّ بَابَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ بَابٌ مَفْتُوحٌ فَيُفْتَحُ نَظِيرُهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الثَّابِتَ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَقَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي فَتْحِ بَابٍ، بَلْ أُمِرَ بِسَدِّ بَابِهِ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لَهُ فِي خَوْخَةٍ صَغِيرَةٍ، فَلَا يَجُوزُ الْآنَ فَتْحُ بَابٍ كَبِيرٍ قَطْعًا وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْمَعْنَى الِاسْتِطْرَاقُ فَيَسْتَوِي الْبَابُ وَالْخَوْخُ فِي الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ نَصَّ الشَّارِعِ صَرِيحٌ بِالتَّفْرِقَةِ لِأَمْرِهِ بِسَدِّ بَابِهِ وَإِبْقَاءِ خَوْخَتِهِ؛ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ بَقِيَتْ دَارُ أَبِي بَكْرٍ وَاتَّفَقَ هَدْمُهَا وَإِعَادَتُهَا أُعِيدَتْ بِتِلْكَ الْخَوْخَةِ كَمَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا تَحْوِيلٍ لَهَا عَنْ مَحِلِّهَا، لَكِنَّ دَارَ أَبِي بَكْرٍ هُدِمَتْ وَأُدْخِلَتْ فِي الْمَسْجِدِ زَمَنَ عُثْمَانَ وَفِي جَوَازِ بِنَاءِ دَارٍ بِإِزَائِهَا وَفَتْحِ خَوْخَةٍ مِنْهَا نَظِيرَ تِلْكَ تَرَدُّدٌ وَاحْتِمَالٌ وَالْمَنْعُ أَقْرَبُ؛ لِأَنَّ تِلْكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهَا فَلَا تَتَعَدَّى لِغَيْرِهَا ذَكَرَهُ الْجَلَالُ وَأَبْدَى لِاحْتِمَالِ الْجَوَازِ وَجْهَيْنِ وَشَرْطَيْنِ يَتَعَذَّرُ وُجُودُهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا يُفْتَحُ بِقَدْرِ تِلْكَ الْخَوْخَةِ لَا أَوْسَعَ وَعَلَى سَمْتِهَا لَا فِي مَحِلٍّ آخَرَ، وَالْأَمْرَانِ مُتَعَذِّرَانِ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِهَا وَمَحِلِّهَا. (وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ شَخْصٍ تَصَدَّقَ عَلَى بَوَّابِينَ لِلْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ عَلَى مُشَرِّفِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بِصَدَقَةٍ أَوْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى الْبَوَّابِينَ الْمَذْكُورِينَ وَلِلْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ أَبْوَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ مَثَلًا وَبَعْضُ الْأَبْوَابِ لَهُ بَوَّابَانِ وَبَعْضُهَا لَهُ بَوَّابٌ وَاحِدٌ وَاحِدٌ فَهَلْ تُقَسَّمُ الصَّدَقَةُ أَوْ غَلَّةُ الْوَقْفِ الْمَذْكُورَتَانِ عَلَى عَدَدِ الْأَبْوَابِ أَوْ عَلَى عَدَدِ الْبَوَّابِينَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُصْرَفُ عَلَى عَدَدِ الْأَبْوَابِ وَمَا يَخُصُّ كُلَّ بَابٍ يُصْرَفُ عَلَى عَدَدِ مَنْ بِهِ مِنْ الْبَوَّابِينَ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمَا فِي الْأَوَّلِ وَبَيْنَهُمْ فِي الثَّانِي، وَمَأْخَذُ ذَلِكَ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ فِيمَا لَوْ أَوْصَى لِجِيرَانِهِ يُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِ الدُّورِ لَا عَلَى عَدَدِ السُّكَّانِ قَالَ السُّبْكِيّ: وَتُقَسَّمُ حِصَّةُ كُلِّ دَارٍ عَلَى عَدَدِ سُكَّانِهَا هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ الْعَمَلُ فِي الْبَوَّابَةِ بِالتَّعَدُّدِ لِلْبَوَّابِينَ فِي الْأَبْوَابِ وَإِلَّا قُسِّمَ عَلَى عَدَدِ الْبَوَّابِينَ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ الْآنَ مَقْصُودٌ فَإِذَا اسْتَوَوْا فِيهِ اسْتَوَوْا فِيمَا عَلَيْهِمْ. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ دَخَلَ إلَى الْحَرَمِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ وَأَعْطَى الْبَوَّابِينَ بِهِ وَهُمْ تِسْعَةُ أَنْفَارٍ لِكُلِّ نَفَرٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ مُحَلِّقًا وَالتِّسْعَةُ الْأَنْفَارُ بَعْضُهُمْ مُقَرَّرٌ بِالْأَصَالَةِ فِي وَظِيفَةِ الْبِوَابَةِ بِتَقْرِيرِ النَّاظِرِ الشَّرْعِيِّ وَبَعْضُهُمْ نَائِبٌ بِالْأُجْرَةِ عَنْ صَاحِبِ الْوَظِيفَةِ مَثَلًا فَأَخَذَ الْبَوَّابُ جَمِيعَ الْمَبْلَغِ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ وَلَمْ يَدْفَعْ لِلْمُقَرَّرِينَ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ شَيْئًا فَهَلْ لَهُمْ ذَلِكَ أَوْ يُؤْخَذُ جَمِيعُ الْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ وَيُدْفَعُ لِلْمُقَرَّرِينَ فَقَطْ وَيَكْتَفِي الْبَوَّابُ بِالْأُجْرَةِ أَوْ يُقَسَّمُ ذَلِكَ عَلَى التِّسْعَةِ الْأَنْفَارِ الْمَكْتُوبِينَ بِأَسْمَائِهِمْ فِي دَفْتَرِ الْمُتَصَدِّقِ مَثَلًا لِكُلِّ وَاحِدٍ خَمْسُونَ مُحَلِّقًا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَا أَعْطَاهُ الْمُتَصَدِّقُ بِنَفْسِهِ لَا رُجُوعَ بِهِ عَلَى الْمُعْطِي إلَّا بَعْدَ مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ وَلَيْسَ مِنْهُ كَوْنُهُ نَائِبًا عَنْ غَيْرِهِ فِي الْبِوَابَةِ، بَلْ لَوْ قَالَ الْمُتَصَدِّقُ بَعْدَ الْإِعْطَاءِ: إنَّمَا ظَنَنْت أَنَّهُ أَصْلِيٌّ لَا نَائِبٌ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ مُقْتَضِيًا لِلرُّجُوعِ عَلَى الْآخِذِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ، بَلْ وَمَعَ الْيَمِينِ فِي ذَلِكَ تَرَدُّدٌ مَنْشَؤُهُ خِلَافٌ ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ فِي التَّنَازُعِ فِي دَعْوَى الْقَرْضِ وَالْهِبَةِ أَوْ نَحْوِهِمَا. (وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ مَبْلَغٍ قَدْرُهُ نَحْوَ سِتَّةٍ وَخَمْسِينَ ذَهَبًا وَرَدَتْ مِنْ غَلَّةِ وَقْفٍ عَلَى بَوَّابِي الْحَرَمِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ وَقَبَضَ الْبَوَّابُ عَنْ الْبَوَّابِينَ الْمُقَرَّرِينَ جَمِيعَ الْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ يَدْفَعُوا لِلْبَوَّابِينَ الْمُقَرَّرِينَ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ

стр. 730

شَيْئًا فَهَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمْ أَوْ لَا يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ إلَّا الْبَوَّابُونَ الْمُقَرَّرُونَ وَالنُّوَّابُ لَهُمْ الْأُجْرَةُ أَوْ يُقَسَّمُ الْمَبْلَغُ الْمَذْكُورُ بَيْنَهُمْ أَوْ مَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْمَسْأَلَةُ فِيهَا تَفْصِيلٌ ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ إنْ تَعَلَّقَ بِسَدِّ الْوَظِيفَةِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي نَحْوِ الْبِوَابَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِي شَرْطِ الْوَاقِفِ مَا يَقْتَضِي جَوَازَ الْإِنَابَةِ أَوْ لَا عُذْرَ مُقْتَضٍ لِجَوَازِهَا فَالْمَعْلُومُ كُلُّهُ لِلنَّائِبِ وَإِلَّا فَلِلْأَصْلِ مَا لَمْ يُعَلَّقْ الِاسْتِحْقَاقُ بِالتَّوْلِيَةِ وَالسَّدِّ لِلْوَظِيفَةِ وَإِلَّا لَمْ يَسْتَحِقَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مَدْرَسَةٍ جَعَلَ وَاقِفُهَا لَهَا أَرْبَعَةَ مُدَرِّسِينَ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَحُضُورًا وَجَعَلَ بِإِزَائِهَا خَلَاوِي يُسَمَّى مَجْمُوعُهَا فِي الْعُرْفِ رِبَاطًا وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ تَنْقَطِعْ نِسْبَتُهَا عَنْ تِلْكَ الْمَدْرَسَةِ مَثَلًا بَلْ يُقَالُ خَلْوَةٌ بِمَدْرَسَةِ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يُعْلَمْ لِوَاقِفِهَا شَرْطٌ فِي سُكَّانِ تِلْكَ الْخَلَاوِي مَثَلًا وَإِنَّمَا جَرَتْ عَادَةُ تِلْكَ الْبَلَدِ بِأَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِيهِمْ تَفَقُّهٌ مَثَلًا بَلْ وَلَا تَصَوُّفٌ فَهَلْ إذَا قَرَّرَ نَاظِرُهَا إنْسَانًا مُحْتَرِفًا فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا مَعَ كَوْنِهِ عَارِيًّا عَنْ التَّفَقُّهِ مُشْتَغِلًا بِحِرْفَتِهِ عَنْ الْإِقَامَةِ بِتِلْكَ الْخَلْوَةِ. وَثَبَتَ ذَلِكَ التَّقْرِيرُ عَلَى يَدِ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ شَافِعِيٍّ وَحَكَمَ بِهِ يُنَفَّذُ ذَلِكَ التَّقْرِيرُ أَوْ لَا؟ اُبْسُطُوا لَنَا الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ كَثِيرٌ وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَذْهَانِ مُتَشَبِّثُونَ فِيهِ بِمَا اسْتَحْسَنُوهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْنِدُوهُ إلَى قَاعِدَةٍ أَوْ كِتَابٍ، وَإِنَّمَا يُسْنِدُوهُ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ مُعْتَقِدِينَ أَنَّ الْمُعَوَّلَ فِي نَحْوِ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا (أَجَابَ) فَقَالَ: الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى مُقَدِّمَةٍ هِيَ أَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ أَنْ يُنْظَرَ فِي نَحْوِ ذَلِكَ إلَى الْغَرَضِ الَّذِي بُنِيَ لَهُ ذَلِكَ الْمَحَلُّ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ الْغَرَضُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا فَمَا قَضَتْ بِهِ تِلْكَ الْقَرَائِنُ الْمُطَّرِدَةُ اُتُّبِعَ، سَوَاءٌ أَوَافَقَ الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ أَمْ لَا، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْغَرَضُ مِنْ وَضْعِ بُيُوتِ الْمَدْرَسَةِ أَنَّهَا تَكُونُ سَكَنًا لِلْمُشْتَغِلِينَ بِالدَّرْسِ فِيهَا وَمِنْ ثَمَّ بَحَثَ فِي الرَّوْضَةِ مَا حَاصِلُهُ وَتَبِعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ كَابْنِ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيِّ وَالنَّشَائِيِّ وَالْإِسْنَوِيِّ وَالْأَذْرَعِيِّ وَالْبُلْقِينِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ يُمْنَعُ حَيْثُ لَا شَرْطَ لِلْوَاقِفِ غَيْرُ الْفُقَهَاءِ مِنْ سُكْنَى بُيُوتِ الْمَدْرَسَةِ، سَوَاءٌ وَافَقَ ذَلِكَ عُرْفَ الْبَلَدِ أَوْ خَالَفَهُ وَفِيهِ احْتِمَالٌ إذَا خَالَفَهُ، زَادَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ هُنَا بَيْنَ عُرْفِ زَمَنِ الْوَاقِفِ وَمَا بَعْدَهُ وَأَنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُ شَيْخِهِ الْأَذْرَعِيِّ أَنَّ الِاحْتِمَالَ غَلَطٌ إذَا وُقِفَتْ الْمَدْرَسَةُ عَلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ هُوَ الْغَلَطُ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الرَّوْضَةِ كَمَا عَرَفْت حَيْثُ لَا شَرْطَ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ شَرْطٌ، وَيُوَجَّهُ عَدَمُ نَظَرِهِمْ لِلْعُرْفِ هُنَا، وَإِنْ كَانَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ عَلَى مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْعَادَةَ الْمُطَّرِدَةَ فِي زَمَنِهِ كَشَرْطِهِ بِأَنَّ الْقَرِينَةَ الْوَضْعِيَّةَ أَقْوَى مِنْ الْقَرِينَةِ الْعُرْفِيَّةِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ لَا تَتَغَيَّرُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ بِخِلَافِ هَذِهِ فَإِنَّهَا تَتَغَيَّرُ بِذَلِكَ تَغَيُّرًا كَثِيرًا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ وَضْعَ الْمَدْرَسَةِ قَاضٍ بِأَنَّ بُيُوتَهَا خَاصَّةٌ بِمَنْ قَدَّمْنَاهُ فَلَا يُقَرَّرُ فِيهَا غَيْرُهُمْ، سَوَاءٌ اقْتَضَى عُرْفُ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ ذَلِكَ أَمْ لَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَقَدْ أَلْغَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَنْ تَبِعَهُ شَرْطَ الْوَاقِفِ فِي مَسَائِلَ لِكَوْنِهِ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ فَأَوْلَى هُنَا أَنْ تُقَدَّمَ تِلْكَ الْقَرِينَةُ الْوَضْعِيَّةُ عَلَى الْعُرْفِ الْمُنَزَّلِ مَنْزِلَةَ شَرْطِهِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْهُ كَمَا تَقَرَّرَ وَبِمَا قَرَّرْته يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِبُيُوتِ الْمَدْرَسَةِ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ الْبُيُوتُ الْمَنْسُوبَةُ إلَيْهَا، سَوَاءٌ أَسُمِّيَتْ مَعَ ذَلِكَ رِبَاطًا لِتِلْكَ الْمَدْرَسَةِ أَمْ بُيُوتًا لَهَا؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى نِسْبَتِهَا لَهَا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلٍّ مِنْ الْحَالَيْنِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْوَضْعُ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ، وَإِيضَاحُهُ أَنَّ وَضْعَ تِلْكَ الْمَدْرَسَةِ بِإِزَاءِ تِلْكَ الْبُيُوتِ إنَّمَا قُصِدَ بِهِ سُكْنَى مَنْ يَشْتَغِلُ فِي تِلْكَ الْمَدْرَسَةِ فَاشْتُرِطَ فِي سَكَنِهَا مَا مَرَّ وَلَمْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْبُيُوتِ الَّتِي هِيَ دَاخِلُهَا، بَلْ يَشْمَلُ مَا فِيهَا وَمَا خَرَجَ عَنْهَا مِمَّا يُنْسَبُ إلَيْهَا كَمَا قَرَّرْنَاهُ وَأَوْضَحْنَاهُ، وَأَمَّا الرِّبَاطُ فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا، وَالْمُحَكَّمُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْقَرِينَةُ الْوَضْعِيَّةُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا هُنَا، وَوَجْهُ انْحِصَارِهِ فِي الْقِسْمَيْنِ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُوضَعَ

стр. 731

بِالطُّرُقِ أَوْ أَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَإِمَّا أَنْ يُوضَعَ دَاخِلَ الْبَلَدِ، فَالْقَرِينَةُ الْوَضْعِيَّةُ فِي الْأَوَّلِ بِقِسْمَيْهِ قَاضِيَةٌ بِاخْتِصَاصِهِ بِالْمُسَافِرِينَ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ كَمَا قَرَّرُوهُ وَأَطَالُوا الْكَلَامَ فِيهِ بِمَا لَا غَرَضَ لَنَا فِي بَسْطِهِ، وَقَاضِيَةٌ أَيْضًا بِأَنَّ نَازِلَهُ لَا يُشْتَرَطَ فِيهِ شَيْءٌ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ وَلَوْ سَبَقَ رَجُلٌ إلَى رِبَاطٍ مُسَبَّلٍ فَلَمْ يَخُصَّ نَازِلَهُ بِوَصْفٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ قَالَ عَقِبَهُ أَوْ فَقِيهٌ إلَى مَدْرَسَةٍ أَوْ صُوفِيٌّ إلَى خَانِقَاهُ، وَالْقَرِينَةُ الْوَضْعِيَّةُ فِي الثَّانِي قَاضِيَةٌ بِاخْتِصَاصِهِ بِمَنْ يَأْتِي فِي الْوَقْفِ عَلَى الصُّوفِيَّةِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الِاخْتِصَاصِ تَفْسِيرُهُمْ لِلرِّبَاطِ بِأَنَّهُ الْمَكَانُ الْمُسَبَّلُ لِلْأَفْعَالِ الصَّالِحَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: ﷺ «فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ» ثَلَاثًا إشَارَةً إلَى نَحْوِ كَثْرَةِ الْخُطَا إلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَعُلِمَ مِنْ الْقَرِينَةِ الْوَضْعِيَّةِ وَتَفْسِيرِهِمْ الْمَذْكُورَيْنِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي سَاكِنِهِ مِمَّا يَأْتِي مِنْ الْأَوْصَافِ بِخِلَافِ الْمُحْتَرِفِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ مِنْ أَهْلِهَا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ سُكْنَاهَا، وَأَمَّا الْخَانْقَاهْ فَهِيَ دِيَارُ الصُّوفِيَّةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَبِتَفْسِيرِهِمْ لَهَا وَلِلرِّبَاطِ بِمَا ذُكِرَ يُعْلَمُ أَنَّ بَيْنَهُمَا تَسَاوِيًا أَوْ قَرِيبًا مِنْ التَّسَاوِي. فَيُشْتَرَطُ فِي الْمُنْزَلِينَ بِهِمَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الصُّوفِيَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ أَنْ يَكُونُوا مُتَعَبِّدِينَ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ مُعْرِضِينَ عَنْ الدُّنْيَا مَعَ الْعَدَالَةِ وَتَرْكِ الْحِرْفَةِ قَالَ الْغَزَالِيُّ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِنَحْوِ الْوِرَاقَةِ وَالْخِيَاطَةِ أَحْيَانًا فِي رِبَاطٍ لَا حَانُوتٍ وَلَا تَقْدَحُ قُدْرَةُ الْكَسْبِ وَلَا الْوَعْظُ وَالتَّدْرِيسُ وَلَا مِلْكُ نِصَابِ الزَّكَاةِ وَمَا لَا يَفِي بِخَرْجِهِ دُونَ الثَّرْوَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْعُرُوضِ الْكَثِيرَةِ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا زِيُّ الْقَوْمِ وَمُسَاكَنَتُهُمْ دُونَ لُبْسِ مُرَقَّعَةٍ مِنْ شَيْخٍ اهـ. وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِتَسَاوِيهِمَا أَيْضًا قَوْلُ الْفَارِقِيِّ فِي فَوَائِدِ الْمُهَذَّبِ يَجُوزُ لِلْفُقَهَاءِ الْإِقَامَةُ فِي الرُّبُطِ وَتَنَاوُلُ مَعْلُومِهَا وَلَا يَجُوزُ لِلْمُتَصَوِّفِ الْقُعُودُ فِي الْمَدَارِسِ وَأَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يُطْلَقُ بِهِ اسْمُ التَّصَوُّفِ مَوْجُودٌ فِي الْمُتَفَقِّهَةِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ اهـ. وَيُوَافِقُهُ صَنِيعُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ قَاضٍ بِأَنَّ الرُّبُطَ تُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْسَامِ السَّابِقَةِ أَعْنِي الْمَدْرَسَةَ وَبُيُوتَهَا وَالْخَانِقَاهْ وَخَانَاتِ الطُّرُقِ وَأَطْرَافَ الْبِلَادِ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا نَوْعٌ رَابِعٌ، وَيُوَافِقُهُ أَيْضًا عِبَارَةُ وَسِيطِ الْغَزَالِيِّ وَبَسِيطِهِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْأُولَى: لَوْ طَالَ مُقَامُ سَاكِنِ الْمَدْرَسَةِ أُزْعِجَ بَعْدَ تَمَامِ غَرَضِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْغَرَضِ مَرَدٌّ كَرِبَاطِ الصُّوفِيَّةِ فَفِي إزْعَاجِهِ وَجْهَانِ، وَأَشَارَ فِي الثَّانِي إلَى أَنَّ الرَّاجِحَ غَيْرُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَقَالَ: يُفَوَّضُ الْأَمْرُ فِي الْخَوَانِقِ لِلْوَالِي لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْبِقَاعِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ، فَإِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي إخْرَاجِ وَاحِدٍ فَلَهُ ذَلِكَ اهـ. فَجَعَلَ رِبَاطَ الصُّوفِيَّةِ هُوَ الْخَانْقَاهْ فَحِينَئِذٍ كَلَامُ الْفَارِقِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَالشَّيْخَيْنِ مُصَرِّحٌ بِمَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ وَضْعَ الْمَدَارِسِ وَبُيُوتِهَا لِلْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَوَضْعَ الرُّبُطِ الَّتِي دَاخِلَ الْبُلْدَانِ لِلصُّوفِيَّةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا وَلَا مُتَفَقِّهًا وَلَا مُتَصَوِّفًا وَلَا تَابِعًا لِأَحَدِهِمَا صُوفِيًّا وَلَا كَالْبَوَّابِ وَالْخَادِمِ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي سُكْنَى بُيُوتِ مَدْرَسَةٍ وَلَا رِبَاطٍ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ أَهْلِهَا فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ وَمِمَّا قَرَّرْته أَخْذًا مِنْ صَرِيحِ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمُحْتَرِفَ فِي حَانُوتِهِ وَمَنْ لَا يُعَدُّ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ وَلَا مِنْ الصُّوفِيَّةِ لَا حَقَّ لَهُ فِي سُكْنَى بُيُوتِ مَدْرَسَةٍ وَلَا رِبَاطٍ وَأَنَّ تَقْرِيرَهُ فِي أَحَدِهِمَا لَغْوٌ، سَوَاءٌ أَحَكَمَ بِهِ شَافِعِيٌّ أَمْ لَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي بَسِيطِهِ: وَالْمَحِلُّ الْمَبْنِيُّ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ كَالْمَدْرَسَةِ أَيْ: فَيُشْتَرَطُ فِي نَازِلِهِ مَا يُشْتَرَطُ نَحْوُهُ فِي نَازِلِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) فِي أَرْضٍ مُتَحَاذِيَةٍ بَعْضُهَا بِجَنْبِ بَعْضٍ وَعُرُوقُ شَجَرِ كُلِّ مَالِكٍ لِهَذِهِ الْأَرَاضِي الْمَذْكُورَةِ مُتَّصِلَةٌ بِأَرْضِ الْآخَرِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْخَلَاصُ مِنْهَا إلَّا بِالْإِتْلَافِ مَثَلًا فَأَرَادَ بَعْضُ الْمُلَّاكِ أَنْ يَحْفِرَ فِي مِلْكِهِ حَفْرًا عَمِيقًا مُخَالِفًا لِلْعَادَةِ لِيَقْطَعَ بِهِ عُرُوقَ شَجَرِ جَارِهِ فَهَلْ لِلْجَارِ مَنْعُهُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ إذَا قَطَعَ الْعُرُوقَ مَاتَ الْأَصْلُ؟ وَالْحَالُ أَنَّ عَادَةَ أَهْلِ هَذِهِ الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا إذَا كَانَ مَالِكُ الْأَرْضِ يَتَضَرَّرُ بِعُرُوقِ شَجَرِ الْجَارِ فِي أَرْضِهِ وَأَرَادَ مَالِكُ الْأَرْضِ إزَالَتَهَا بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ مَنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي مَصْلَحَتِهِ مَا يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ مِلْكِ الْغَيْرِ فَهَلْ يُعْمَلُ بِعَادَتِهِمْ وَيُجْبَرُ صَاحِبُ الشَّجَرَةِ عَلَى إزَالَةِ عُرُوقِهَا مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ إنْ لَمْ

стр. 732

يَكُنْ ذَلِكَ الْغَيْرُ أَذِنَ لَهُ فِي غَرْسِ الشَّجَرَةِ وَارِسَالِ عُرُوقِهَا فِي أَرْضِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مُعِيرٌ فَإِنْ مَنَعَ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ اهـ. فَهَلْ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ مُعْتَمَدٌ أَمْ هُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ لِكُلٍّ مِنْ الْمُلَّاكِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعَادَةِ، فَإِنْ تَعَدَّى ضَمِنَ أَيْ: لِمُخَالَفَةِ الْعَادَةِ وَقَالُوا أَيْضًا: إنْ تَصَرَّفَ بِمَا يَضُرُّ الْمِلْكَ فَلَهُ مَنْعُهُ، وَإِنْ تَصَرَّفَ بِمَا يُضَرُّ الْمَالِكَ فَلَا مَنْعَ وَاخْتَارَ الْمَنْعَ جَمَاعَةٌ مِنْ كُلِّ مُؤْذٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ مُطْلَقًا وَقَالُوا أَيْضًا: الضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ فَمَا الرَّاجِحُ عِنْدَكُمْ؟ أَوْضِحُوا لَنَا الْجَوَابَ؟ (فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ: قَدْ جَاءَ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ بِلَادِكُمْ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، وَأَنَا أَكْتُبُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ مَذْهَبُنَا الْمُوَافِقُ لِغَيْرِنَا فَكَأَنَّ أَهْلَ بِلَادِكُمْ لَا يَمْتَثِلُونَ الشَّرْعَ وَهَذِهِ مُصِيبَةٌ عَظِيمَةٌ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الشَّافِعِيَّةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ انْتَشَرَتْ عُرُوقُ شَجَرَةِ الْغَيْرِ إلَى أَرْضِهِ جَازَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمَالِكِ بِتَحْوِيلِهَا أَوْ قَطْعِهَا مِنْ مِلْكِهِ فَإِنْ امْتَنَعَ، فَلَهُ تَحْوِيلُهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَهُ قَطْعُهَا وَقَلْعُهَا بِنَفْسِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْحَاكِمِ لَهُ فِي ذَلِكَ وَمَتَى كَلَّفَ مَالِكَهَا قَلْعَهَا فَنَقَصَتْ الْأَرْضُ بِذَلِكَ لَزِمَ الْقَالِعَ أَرْشُ نَقْصِهَا؟ وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا تَسْوِيَةُ الْحُفَرِ الْحَاصِلَةِ بِالْقَلْعِ، وَلَا فَرْقَ فِي إجْبَارِ مَالِكِ الْعُرُوقِ عَلَى قَلْعِهَا بَيْنَ أَنْ يَتَضَرَّرَ بِذَلِكَ أَوْ يَمُوتَ بِهِ شَجَرُهُ أَوْ لَا وَلَا بَيْنَ أَنْ يَعْتَادَ أَهْلُ الْبَلَدِ قَلْعَ الْعُرُوقِ الْمُنْتَشِرَةِ إلَى أَرْضِهِمْ أَمْ لَا، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَحْفِرَ الْأَرْضَ مَالِكُهَا حَفْرًا عَمِيقًا مُخَالِفًا لِلْعَادَةِ حَتَّى تَظْهَرَ الْعُرُوقُ فَيُطَالَبُ مَالِكُهَا بِقَلْعِهَا أَوْ تَكُونَ الْعُرُوقُ ظَاهِرَةً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، نَعَمْ مَنْ اشْتَرَى الْأَرْضَ مِنْ أَوَّلِ انْتِشَارِ الْعُرُوقِ إلَيْهَا ثُمَّ عَظُمَتْ وَأَضَرَّتْ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إزَالَتُهَا لِعِلْمِهِ حَالَ الشِّرَاءِ بِأَنَّهَا سَتَزِيدُ وَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَا مَا نَقَلَهُ السَّائِلُ عَنْ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى بَصِيرَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . (وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الرَّوْضَةِ وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْمَاءِ الْمُبَاحِ شَيْئًا فِي إنَاءٍ وَجَعَلَهُ فِي حَوْضٍ مِلْكُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ: وَفِي مَعْنَاهُ الْإِنَاءُ وَسَوَّقَهُ إلَى بِرْكَةٍ أَوْ حُفْرَةٍ فِي أَرْضِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ فِيهَا: وَإِنْ دَخَلَ مِنْهُ شَيْءٌ مِلْكُ إنْسَانٍ بِسَيْلٍ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ قَالَ فِي النَّهْرِ الْمَمْلُوكِ بِأَنْ حَفَرَ نَهْرًا يَدْخُلُ فِيهِ الْمَاءُ مِنْ الْوَادِي، فَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ لَكِنَّ مَالِكَ النَّهْرِ أَحَقُّ بِهِ. كَالسَّيْلِ يَدْخُلُ مِلْكَهُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مُزَاحَمَتُهُ لِسَقْيِ الْأَرْضِينَ، وَأَمَّا الشُّرْبُ وَالِاسْتِعْمَالُ وَسَقْيُ الدَّوَابِّ أَيْ: فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ إلَى آخِرِ مَا قَالَ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ جَعْلِهِ فِي الْحَوْضِ وَسَوْقِهِ إلَى بِرْكَةٍ وَنَحْوِهَا مِنْ أَمْلَاكِهِ حَيْثُ يَمْلِكُهُ وَبَيْنَ دُخُولِهِ الْأَمْلَاكَ مِنْ نَهْرٍ وَنَحْوِهِ حَيْثُ لَا يَمْلِكُهُ فَلِمَ لَا يُعْتَبَرُ الْقَصْدُ فِي ذَلِكَ كَمَا اُعْتُبِرَ فِي سَقْيِ الْأَرْضِ لِتَوَحُّلِ الصَّيْدِ وَالْبِنَاءِ لِتَعْشِيشِ الطَّيْرِ حَيْثُ يَمْلِكُ الصَّيْدَ وَالْبَيْضَ وَالْفَرْخَ بِذَلِكَ؟ لِأَنَّ الْقَصْدَ مَرْعِيٌّ فِي التَّمَلُّكِ وَقَوْلُهُ فِي النَّهْرِ الْمَمْلُوكِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مُزَاحَمَتُهُ لِسَقْيِ الْأَرْضِينَ، وَأَمَّا الشُّرْبُ وَالِاسْتِعْمَالُ فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ سَقْيِ الْأَرْضِينَ وَمَا ذَكَرُوهُ بَعْدَهَا؟ وَهَلْ هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِبَقَاءِ الْمَاءِ عَلَى إبَاحَتِهِ، أَمَّا إذَا قُلْنَا بِمِلْكِهِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا ذَكَرُوهُ فِي فَاضِلِ الْبِئْرِ وَالْقَنَاةِ أَمْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الدَّاخِلِ فِي النَّهْرِ مِنْ السَّيْلِ لِاتِّسَاعِهِ غَالِبًا لِلْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ فِيمَا يُعْتَادُ مِنْ ذَلِكَ؟ وَعَلَى الْقَوْلِ بِمَنْعِ سَقْيِ الْأَرْضِينَ لَوْ سَقَى بِهِ الْغَيْرُ أَرْضًا فَمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟ هَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْمَاءِ؟ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي الْمَاءِ الْمَمْلُوكِ أَوْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا وَالْمَاءُ فِيهَا مُسْتَوٍ عَلَيْهَا غَيْرَ مَكْسُورَةٍ وَبَيْنَ قِيمَتِهَا الْآنَ يَابِسَةً كَمَا قَالَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا إذَا كَانَتْ أَرْضُ الْغَيْرِ مُسْتَوِيًا عَالِيهَا الْمَاءُ فَأَجَّرَهَا شَخْصٌ آخَرُ، وَمَا حَقِيقَةُ الْجَعْلِ وَالسَّوْقِ فِي قَوْلِهِمْ جَعَلَ فِي حَوْضِهِ أَوْ سَاقَهُ إلَى أَرْضِهِ فَإِنَّ الْجَعْلَ فِي الْإِنَاءِ فِي الْعُرْفِ إبْقَاؤُهُ فِيهِ وَلَا نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ مُرَادُهُمْ هُنَا وَالسَّوْقُ لَمْ نَفْهَمْ مَا الْمُرَادَ مِنْهُ هُنَا، فَإِنَّ السَّوْقَ فِي الْعُرْفِ حَثُّ السَّائِقِ لِلْمَسُوقِ مِنْ خَلْفِهِ وَجَوَانِبِهِ إلَى جِهَةِ مَقْصِدِهِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْإِبَاحَةَ مُتَأَصِّلَةٌ فِي الْمَاءِ وَقَوِيَّةٌ فِيهِ وَمِنْ ثَمَّ جَرَى لَنَا وَجْهٌ بِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ، وَإِذَا ثَبَتَ تَأَصُّلُ الْإِبَاحَةِ فِيهِ اُحْتِيجَ فِي تَمَلُّكِهِ إلَى سَبَبٍ قَوِيٍّ دَالٍّ عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا وَذَلِكَ السَّبَبُ الْقَوِيُّ، إمَّا أَخْذُهُ فِي إنَاءٍ كَمَا

стр. 733

عَبَّرَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ حِيَازَتُهُ فِيهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ كُوزًا فِي مَاءٍ مُبَاحٍ فَمَلَأَهُ مِنْهُ مَلَكَ مَا حَوَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ الْكُوزَ مِنْ الْمَاءِ، بَلْ أَبْقَاهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا حِيَازَةٌ لَا أَخْذٌ إذْ هِيَ الِاحْتِوَاءُ عَلَى الشَّيْءِ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْهُ فَهِيَ أَعَمُّ مُطْلَقًا، وَأَمَّا جَعْلُهُ فِي حَوْضٍ مَسْدُودِ الْمَنَافِذِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَوْضِ خُصُوصَهُ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا. وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ مَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُمَا كَالْقَمُولِيِّ وَالْأَذْرَعِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ وَآخَرِينَ مِمَّا يَشْمَلُ الْبِرْكَةَ وَالصِّهْرِيجَ وَالْحُفْرَةَ فِي أَرْضِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ بِجَعْلِهِ فِي ذَلِكَ وَسَوْقِهِ إلَيْهِ وَاحِدٌ وَهُوَ حُصُولُ الْمَاءِ فِي وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِّرَ بِفِعْلِهِ كَأَنْ يَفْتَحَ سَدًّا بَيْنَ نَحْوِ الْحَوْضِ وَالْمَاءِ الْمُبَاحِ فَيَدْخُلُ فِيهِ وَخَرَجَ بِالسَّبَبِ الْقَوِيِّ السَّبَبُ الضَّعِيفُ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي مِلْكَ الْمَاءِ لِمَا تَقَرَّرَ، وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا يَقْتَضِيه كَوْنُ الْمُتَسَبَّبِ بِهِ أَحَقُّ بِمَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ مِنْ الْمَاءِ وَذَلِكَ السَّبَبُ الضَّعِيفُ، إمَّا مُجَرَّدُ دُخُولِ الْمَاءِ مِلْكَ إنْسَانٍ لَا بِفِعْلِهِ وَلَا بِمَا يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِهِ، بَلْ بِسَيْلٍ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ بِفِعْلِهِ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ لِضَعْفِهِ كَأَنْ يَحْفِرَ نَهْرًا يَدْخُلُ فِيهِ الْمَاءُ مِنْ الْوَادِي الْعَظِيمِ أَوْ مِنْ النَّهْرِ الْمُنْخَرِقِ مِنْهُ فَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ، لَكِنَّ مَالِكَ النَّهْرِ أَحَقُّ بِهِ كَالسَّيْلِ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا جَعَلُوا فِعْلَهُ هُنَا وَهُوَ الْحَفْرُ لَا يَقْتَضِي مِلْكًا بِخِلَافِهِ فِيمَا مَرَّ فِي صُورَةِ الْحَوْضِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ مُطَّرِدَةٌ بِأَنْ يُقْصَدَ بِحَفْرِهَا فِي الْعَادَةِ الِانْتِفَاعُ بِمَائِهَا فِي سَقْيِ الْمَزَارِعِ وَنَحْوِهَا فَلِذَلِكَ جَعَلُوهُ سَبَبًا فِي كَوْنِهِ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلِكَوْنِ هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ لَا يُخْرِجُ الْمَاءَ عَنْ أَصْلِهِ مِنْ الْإِبَاحَةِ اكْتَفَى فِيهِ بِالسَّبَبِ الضَّعِيفِ وَهُوَ مُجَرَّدُ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ بِخِلَافِ مِلْكِهِ فَإِنَّهُ يُنَافِي أَصْلَهُ الْمَذْكُورَ فَاحْتِيجَ فِيهِ إلَى سَبَبٍ قَوِيٍّ. وَهُوَ حِيَازَتُهُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ إدْخَالِهِ مَحِلًّا يَقْصِدُ فِي الْعَادَةِ بِحِيَازَتِهِ فِيهِ مِلْكَهُ وَالتَّصَرُّفَ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ كَالْحَوْضِ وَالصِّهْرِيجِ، فَبَانَ بِهَذَا الَّذِي قَرَّرْته فَرْقَانِ مَا بَيْنَ إدْخَالِهِ لِنَحْوِ الْحَوْضِ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ بِهِ وَإِدْخَالِهِ لِنَحْوِ النَّهْرِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ الْآتِي عَلَى الْإِثْرِ وَبَانَ بِهِ أَيْضًا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ الْأَذْرَعِيِّ فِي تَوَسُّطِهِ، وَكُنْت أَوَدُّ لَوْ قِيلَ: إنْ أَجْرَى حَافِرُ النَّهْرِ أَوْ الْقَنَاةِ الْمَاءَ فِيمَا حَفَرَهُ مِنْهَا مَلَكَهُ كَمَا لَوْ حَازَهُ فِي إنَائِهِ، وَوَجْهُ الْجَوَابِ عَنْهُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ إجْرَاءَهُ فِي نَحْوِ النَّهْرِ لَا يَقْصِدُ بِهِ تَمَلُّكَهُ عَادَةً بِخِلَافِ حَوْزِهِ فِي إنَاءٍ وَنَحْوِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ الْقَصْدُ فِي الْإِجْرَاءِ إلَى نَحْوِ النَّهْرِ، وَاعْتَبَرُوهُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَرْضِ لِتَوَحُّلِ الصَّيْدِ وَنَحْوِهَا لِمَا قَرَّرْته أَيْضًا مِنْ أَنَّ السَّقْيَ لِتَوَحُّلِ الصَّيْدِ وَالْبِنَاءَ لِتَعْشِيشِ الطَّائِرِ لَا يُفْعَلُ عَادَةً إلَّا لِقَصْدِ تَمَلُّكِ الصَّيْدِ وَالطَّيْرِ، فَجَرَوْا فِيهِمَا عَلَى مُقْتَضَى الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ الْمُحْكَمَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَفِي الْمِيَاهِ وَتَمَلُّكِهَا وَاسْتِحْقَاقِهَا وَجَرَوْا فِي الْحَفْرِ عَلَى مُقْتَضَاهَا أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ مِنْهُ أَهْلُهَا إلَّا الِارْتِفَاقَ بِالْمِيَاهِ وَالِانْتِفَاعَ بِهَا دُونَ تَمَلُّكِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ مِيَاهَ نَحْوِ الصَّهَارِيجِ وَالْبِرَكِ لَا تُتَّخَذُ فِي الْعَادَةِ إلَّا لِلتَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ مِيَاهِ الْأَنْهَارِ فَإِنَّهَا لَا تُتَّخَذُ لِذَلِكَ فِي الْعَادَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَصَدَ مَا يُوَافِقُ الْعَادَةَ اُعْتُدَّ بِقَصْدِهِ، بَلْ مَا يُوَافِقُهَا لَا يُحْتَاجُ فِي الْعَمَلِ بِهِ إلَى أَنْ يَقْصِدَ وَمِنْ ثَمَّ يَمْلِكُ الْمَاءَ فِي مَسْأَلَةِ نَحْوِ الْحَوْضِ السَّابِقَةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهُ وَمَا خَالَفَ الْعَادَةَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَإِنْ قَصَدَ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِالْإِجْرَاءِ فِي النَّهْرِ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّمَلُّكَ فَإِنْ قُلْت: لِمَ فَرَّقَ فِي مَسْأَلَةِ سَقْيِ الْأَرْضِ لِتَوَحُّلِ الصَّيْدِ وَنَحْوِهَا بَيْنَ الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي الْمَاءِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ نَحْوِ الْحَوْضِ يَمْلِكُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ. وَفِي مَسْأَلَةِ الْإِجْرَاءِ إلَى النَّهْرِ لَا يَمْلِكُهُ، وَإِنْ قَصَدَ قُلْت: حِكْمَةُ ذَلِكَ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْإِبَاحَةَ مُتَأَصِّلَةٌ فِي الْمَاءِ فَإِذَا وُجِدَ سَبَبٌ قَوِيٌّ يُخْرِجُهُ عَنْ أَصْلِهِ لَمْ يُحْتَجْ مَعَهُ إلَى قَصْدٍ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ قَوِيٌّ لَمْ يُؤَثِّرْ مَعَهُ الْقَصْدُ، وَأَمَّا نَحْوُ الصَّيْدِ فَلَيْسَ الْأَصْلُ فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَنَا خِلَافٌ فِي أَنَّهُ يُمْلَكُ بِالْحِيَازَةِ فَأُدِيرَ الْأَمْرُ فِي التَّسَبُّبِ إلَى مِلْكِهِ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ تَمَلُّكَهُ أَوْ لَا فَإِنْ قُلْت ذَهَبَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّ مَا دَخَلَ فِي نَهْرِهِ أَوْ قَنَاتِهِ يَمْلِكهُ كَالْمُحْرَزِ فِي إنَائِهِ. وَتَبِعَهُ الشَّيْخَانِ فِي بَابِ الصَّيْدِ

стр. 734

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْفَرْقِ الَّذِي قَرَّرْته فِيمَا سَبَقَ قُلْت: لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ مُنَابِذٌ لِتَصْرِيحِ الْأَصْحَابِ بِخِلَافِهِ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ، بَلْ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ: إنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ بِلَا خِلَافٍ وَحِينَئِذٍ فَاخْتِيَارُ ابْنِ الرِّفْعَةِ لَهُ مَرْدُودٌ أَيْضًا وَالشَّيْخَانِ إنَّمَا لَمْ يُضَعِّفَاهُ فِي بَابِ الصَّيْدِ لِلْعِلْمِ بِضَعْفِهِ مِمَّا ذَكَرَاهُ هُنَا فَبَانَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ، وَلَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْت: سَلَّمْنَا ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْفَرْقِ مَا فِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ وَنَقَلَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ عَنْهُ وَأَقَرُّوهُ مِنْ أَنَّ الدُّولَابَ الَّذِي يُدِيرُهُ الْمَاءُ إذَا دَخَلَ الْمَاءُ فِي كِيزَانِهِ مَلَكَهُ صَاحِبُ الدُّولَابِ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ اسْتَقَاهُ بِنَفْسِهِ اهـ. قَالَ غَيْرُهُ: وَفِي مَعْنَاهُ مَا يُدِيرُهُ بِدَابَّتِهِ مِنْ طَرِيقٍ أَوْلَى قُلْت: لَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ فَإِنَّ هَذَا فِيهِ حِيَازَةُ الْمَاءِ فِي إنَائِهِ بِفِعْلِهِ وَهُوَ نَصْبُهُ لِلدُّولَابِ عَلَى الْمَاءِ أَوْ إدَارَتُهُ لَهُ بِدَابَّتِهِ وَحِيَازَةُ الْمَاءِ فِي الْإِنَاءِ مِنْ شَأْنِهَا فِي الْعَادَةِ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا مِلْكَ الْمَاءِ، فَأَخَذَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِالْقَاعِدَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَإِنْ فَرَّقَ فِيهَا بِخُصُوصِهَا الْقَصْدَ بِالْمَاءِ الَّذِي يُدِيرُهُ الدُّولَابُ أَوْ الدَّابَّةُ لَا يُقْصَدُ بِهِ إلَّا مَا يُقْصَدُ بِإِجْرَاءِ الْمَاءِ فِي النَّهْرِ إلْحَاقًا لِشَاذِّ الْجِنْسِ بِغَالِبِهِ وَطَرْدًا لِلْبَابِ، وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَقَوْلُهُ: النَّهْرُ الْمَمْلُوكِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مُزَاحَمَتُهُ إلَخْ جَوَابُهُ ظُهُورُ الْفَرْقِ بَيْنَ سَقْيِ الْأَرْضِ وَمَا بَعْدَهُ فَإِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ وَمُطَّرِدَةٌ بِأَنَّ النُّفُوسَ تَسْمَحُ مِنْ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ بِنَحْوِ الشُّرْبِ وَالِاسْتِعْمَالِ لِقِلَّةِ مَا يَذْهَبُ بِسَبَبِهِمَا مِنْ الْمَاءِ بِخِلَافِ سَقْيِ الْأَرْضِ فَإِنَّهَا لَمْ تَجْرِ بِالْمُسَامَحَةِ بِهِ لِكَثْرَةِ مَا يَذْهَبُ بِسَبَبِهِ. فَإِنْ قُلْت يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي الرَّوْضَةِ ضَمَّ إلَى الشُّرْبِ وَالِاسْتِعْمَالِ سَقْيَ الدَّوَابِّ حِكَايَةً فِي الثَّلَاثَةِ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الْعَبَّادِيِّ وَالْمُتَوَلِّي وَلَا شَكَّ أَنَّ سَقْيَ الدَّوَابِّ يَتَنَاوَلُ الْكَثِيرَ مِنْهَا وَهُوَ يَذْهَبُ بِسَبَبِهِ مَاءٌ كَثِيرٌ وَلَا يَسْمَحُ بِهِ مَعَ كَثْرَتِهِ غَالِبُ النَّاسِ قُلْت مَا نَقَلَهُ عَنْ الْعَبَّادِيِّ وَالْمُتَوَلِّي لَمْ يَنْفَرِدَا بِهِ، بَلْ جَرَى عَلَيْهِ أَيْضًا الْمَحَامِلِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ وَسُلَيْمٌ فِي تَقْرِيبِهِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ هَؤُلَاءِ كَالرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَثِيرِ الدَّوَابِّ وَقَلِيلِهَا وَلَا بَيْنَ أَنْ يَظْهَرَ بِسَبَبِ سَقْيِهَا نَقْصٌ فِي الْمَاءِ أَوْ لَا، وَحِينَئِذٍ فَيُشْكِلُ بِمَنْعِ سَقْيِ الْأَرْضِينَ وَيُجَابُ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ سَقْيِ الْأَرْضِ أَنَّهَا تَحْتَاجُ لِمَاءٍ أَكْثَرَ مِمَّا تَحْتَاجُهُ الْمَاشِيَةُ وَأَنَّ مُلَّاكَ الْقَنَوَاتِ وَالْأَنْهَارِ يَشِحُّونَ بِالتَّمْكِينِ مِنْ سَقْيِ الْأَرْضِ، وَإِنْ صَغُرَتْ بِخِلَافِ سَقْيِ الدَّوَابِّ، وَإِنْ كَثُرَتْ وَأَيْضًا فَسَقْيُ الْأَرْضِ يَلْزَمُ عَلَى التَّمْكِينِ مِنْهُ الضَّرَرُ عَلَى صَاحِبِ النَّهْرِ فَإِنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ التَّمْكِينُ مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا عِنْدَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ أَنَّ مَالِكَ تِلْكَ الْأَرْضِ قَدْ يَدَّعِي بِأَنَّ لَهَا اسْتِحْقَاقَ شُرْبٍ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ، فَكَانَتْ خَشْيَةُ ذَلِكَ الضَّرَرِ مَانِعَةً مِنْ التَّمْكِينِ مِنْ سَقْيِ الْأَرَاضِي مِنْ النَّهْرِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ كَانَ مَاؤُهُ بَاقِيًا عَلَى إبَاحَتِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ وَتَبِعَهُ فِي الْوَسِيط كُلُّ مَنْ تَصَرَّفَ فِي مَائِهَا يَعْنِي الْأَنْهَارَ وَالْقَنَوَاتِ الْمَمْلُوكَةَ بِمَا يُنْقِصُهُ وَيُظْهِرُ نَقْصَهُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ حَتَّى يَسْقِيَ الْمَوَاشِيَ. وَالتَّصَرُّفُ الَّذِي لَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ كَالشُّرْبِ أَوْ سَقْيِ دَوَابَّ مَعْدُودَةٍ أَوْ أَخْذِ قِرَبٍ فَقَدْ ذَهَبَ ذَاهِبُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَسُوغُ الْمَنْعُ مِنْ هَذَا الْقَدْرِ وَاسْتَمْسَكُوا بِقَوْلِهِ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ الْمَاءِ وَالنَّارِ وَالْكَلَإِ.» ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ الَّذِي نَقَلْته عَنْ شَيْخِي فَإِنَّهُ انْتِفَاعٌ، وَذَهَبَ الْقَاضِي وَطَبَقَةُ الْمُحَقِّقِينَ إلَى إجْرَاءِ الْقِيَاسِ وَالْمَصِيرِ إلَى أَنَّ لِلْمُلَّاكِ أَنْ يَمْنَعُوا مِنْ هَذَا، وَمَا دَرَجَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ التَّسَامُحِ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّاسَ لَا يَضِنُّونَ بِهَذَا الْقَدْرِ فَصَارَتْ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ بِمَثَابَةِ التَّصْرِيحِ بِالْإِبَاحَةِ فَهُوَ كَمَا بَيَّنَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ مُفَرَّعٌ عَلَى رَأْيِهِ الضَّعِيفِ السَّابِقِ عَنْهُ وَهُوَ أَنَّ مَاءَ الْأَنْهَارِ وَالْقَنَوَاتِ الْمَمْلُوكَةِ مَمْلُوكٌ كَمَاءِ الْبِئْرِ الْمَمْلُوكَةِ وَكَلَامُ الْأَوَّلِينَ أَعْنِي الْعَبَّادِيَّ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ: الشُّرْبُ وَسَقْيُ الدَّوَابِّ مِنْ الْجَدَاوِلِ وَالْأَنْهَارِ الْمَمْلُوكَةِ إذَا كَانَ السَّقْيُ لَا يَضُرُّ بِمَالِكِهَا جَائِزٌ إقَامَةً لِلْإِذْنِ الْعُرْفِيِّ مَقَامَ اللَّفْظِيِّ، فَلَوْ أَوْرَدَ أَلْفًا مِنْ الْإِبِل إلَى جَدْوَلٍ ضَعِيفٍ فِيهِ مَاءٌ يَسِيرٌ فَلَا أَرَى جَوَازَ ذَلِكَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ النَّهْرُ لِمَنْ لَا يُعْتَبَرُ إذْنُهُ كَالْيَتِيمِ وَالْأَوْقَافِ

стр. 735

الْعَامَّةِ فَعِنْدِي فِيهِ وَقْفَةٌ؛ لِأَنَّ صَرِيحَ إذْنِ الْمُسْتَحِقِّ لَا يُؤَثِّرُ هَا هُنَا فَكَيْفَ يُؤَثِّرُ مَا قَامَ مَقَامَهُ فِي الْعُرْفِ اهـ؟ مُلَخَّصًا وَخَالَفَهُ الْبُلْقِينِيُّ فِيمَا تَوَقَّفَ فِيهِ وَأَفْتَى بِالْجَوَازِ وَيُجَابُ عَنْ عِلَّةِ تَوَقُّفِهِ بِأَنَّ الْإِذْنَ هُنَا لَيْسَ شَرْطًا، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ عَدَمُ الْمَنْعِ وَيُعْلَمُ بِالْعَادَةِ أَنَّ نَحْوَ الصَّغِيرِ لَوْ رَشَدَ لَمْ يُمْنَعْ، فَاكْتُفِيَ بِذَلِكَ فِي إبَاحَةِ تَنَاوُلِ مَا ذُكِرَ لِعَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِذْنِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَنْعِ وَبِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ السَّابِقِ مُفَرَّعٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ بَقَاءُ الْمَاءِ عَلَى إبَاحَتِهِ يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ وَهَلْ هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِبَقَاءِ الْمَاءِ عَلَى إبَاحَتِهِ وَقَوْلُهُ، أَمَّا إذَا قُلْنَا بِمِلْكِهِ فَيَأْتِي فِيهِ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّهُ كَذَلِكَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ وَأَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَقَوْلُ السَّائِلِ: أَمْ يُفَرَّقُ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْفَرْقِ؛ لِأَنَّ مَلْحَظَ إيجَابِ بَذْلِ فَضْلِ الْمَاءِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ» أَيْ: مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَاشِيَةَ إنَّمَا تَرْعَى بِقُرْبِ الْمَاءِ، فَإِذَا مَنَعَ مِنْ الْمَاءِ فَقَدْ مَنَعَ مِنْ الْكَلَإِ كَذَا قَالُوهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَاءِ الْبِئْرِ وَالْقَنَاةِ وَالنَّهْرِ إذَا قُلْنَا إنَّ مَاءَهُ مَمْلُوكٌ بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُمَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا وَجَبَ بَذْلُ فَاضِلِ مَائِهِمَا بِشَرْطِهِ مَعَ قِلَّةِ مَائِهِمَا فَلَأَنْ يَجِبَ ذَلِكَ فِي النَّهْرِ الْمُتَّسِعِ الْمَاءِ مِنْ بَابِ أَوْلَى فَإِنْ قُلْت مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْصِيلِ السَّابِقِ فِي الْمَاءِ يُنَافِيه مَا ذَكَرُوهُ فِي الْحَطَبِ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ مُبَاحًا لَمْ يَكُنْ لِمَنْ أَشْعَلَ نَارَهُ فِيهِ مَنْعُ أَحَدٍ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَعَلَيْهِ وَعَلَى الشِّقِّ الْأَخِيرِ الْآتِي يُحْمَلُ الْحَدِيثُ، وَحَيْثُ كَانَ مَمْلُوكًا جَازَ الْمَنْعُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا بِالْأَخْذِ مِنْهَا وَنَحْوِهِ. وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْقَمُولِيُّ إطْلَاقَ صَاحِبِ الْعِدَّةِ أَنَّ لَهُ الْمَنْعَ وَحَمَلَ قَوْلَ الْمُتَوَلِّي، أَمَّا الِاسْطِلَاءُ أَوْ الِاسْتِصْبَاحُ بِهَا أَوْ مِنْهَا فَلَا مَنْعَ وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْقَمُولِيُّ أَيْضًا قَوْلَ الْمُتَوَلِّي إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهَا مَنَعَهُ، وَإِنْ احْتَاجَ لِدَفْعِ بَرْدٍ أَوْ تَخْفِيفِ ثَوْبٍ لَمْ يَمْنَعهُ وَلَا يَأْخُذهُ مِنْهُ عِوَضًا فَإِنَّ مَنْفَعَتَهُ لَا تُقَابَلُ بِعِوَضِ بَيْعٍ وَلَا إجَارَةٍ اهـ. قُلْت: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ أَنَّ غَيْرَهُ كَالْحَطَبِ لَا يَسْتَخْلِفُ فِي الْحَال وَيَتَمَوَّلُ فِي الْعَادَةِ بِخِلَافِ الْمَاءِ فِيهِمَا فَلِذَلِكَ سَامَحُوا فِيهِ مَا لَمْ يُسَامِحُوا بِهِ غَيْرَهُ، عَلَى أَنَّ لَك أَنْ تَقُولَ الْحَطَبُ كَالْمَاءِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَجُزْ الْمَنْعُ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ إشْعَالَ النَّارِ فِيهِ لَا يَقْتَضِي مِلْكَهُ وَلَا الِاخْتِصَاصَ بِهِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ وَلَا فِي الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ لِأَنَّ الِاسْتِضَاءَةَ مِنْهُ مُتَسَامَحٌ بِهَا عَادَةً فَهِيَ كَالشُّرْبِ مِنْ الْمَمْلُوكِ، وَإِنَّمَا جَازَ الْمَنْعُ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَسَامَحُ بِهِ فَهُوَ كَأَخْذِ مَا لَا يُتَسَامَحُ بِهِ مِنْ الْمَاءِ وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ مَا فِي الرَّوْضَةِ هُنَا مِنْ وُجُوبِ قِيمَةِ الْمَاءِ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الْحَالَةِ الْآتِيَةِ فَإِنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ الْغَصْبِ مِنْ أَنَّهُ مِثْلِيٌّ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ مَا لَمْ يُغَلَّ بِالنَّارِ نَعَمْ مَحِلُّ وُجُوبِ مِثْلِهِ إنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ كَمَا بَيَّنْت ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فِي بَابَيْ التَّيَمُّمِ وَالْغَصْبِ وَعِبَارَتُهُ فِي الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ قَهْرًا بِقِيمَةٍ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا لِمَا فِي أَمْرِهِ بِأَخْذِ الْمِثْلِ مِنْ الْإِجْحَافِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ فِي الْحَضَرِ تَافِهٌ إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ أَخَذَهُ فِي مَفَازَةٍ، وَإِنْ غَرِمَ الْقِيمَةَ فِي الْوَطَنِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا قِيمَةَ لِلْمَاءِ فِيهِ فَإِنَّ فَرْضَ الْغُرْمِ بِمَحِلِّ الشُّرْبِ أَوْ بِمَحِلٍّ آخَرَ لِلْمَاءِ فِيهِ قِيمَةٌ يَوْمَ الْإِتْلَافِ، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً غَرِمَ مِثْلَ الْمَاءِ كَسَائِرِ الْمِثْلِيَّاتِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالْعِدَّةِ وَاسْتُشْكِلَ وُجُوبُ الْمِثْلِ عِنْدَ كَوْنِهَا يَسِيرَةً وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا يُعَدَّلُ حَيْثُ لَا مَالِيَّةَ لَهُ وَلَا نَظَرَ لِزِيَادَةِ قِيمَةِ الْمِثْلِ وَنَقْصِهَا كَمَا لَا نَظَر لِتَفَاوُتِ الْأَسْعَارِ عِنْدَ رَدِّ الْعَيْن وَهُوَ وَجِيهٌ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَيْ: الشَّمْسِ الْجَوْجَرِيِّ: الْإِشْكَالُ أَقْوَى؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ إذَا كَانَتْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ دِرْهَمًا وَفِي مَكَانِ الْإِتْلَافِ وَزَمَانِهِ أَلْفًا فَإِيجَابُ دُونَ الْقِيمَةِ إجْحَافٌ بِالْمَالِكِ، وَهُمْ إنَّمَا عَلَّلُوا الْعُدُولَ إلَى الْقِيمَةِ بِدَفْعِ الْإِجْحَافِ يُرَدُّ بِأَنَّ تَعْلِيلَهُمْ بِذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ عَدَمِ الْقِيمَةِ بِالْكُلِّيَّةِ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الْإِجْحَافُ وَأَمَّا حَيْثُ كَانَ لِلْمِثْلِ قِيمَةٌ فَلَا عُدُولَ عَنْهُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ الْآتِي فِي الْغَصْبِ، وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ أَيْ: صَاحِبُ الْإِرْشَادِ بِأَنَّ الْمَاءَ وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا لِنَقْلِهِ مُؤْنَةً وَمَنْ أَتْلَفَ شَيْء لِنَقْلِهِ مُؤْنَةً إذَا ظَفِرَ بِهِ الْمَالِكُ فِي غَيْرِ بَلَدِ التَّلَفِ لَا يُطَالِبُهُ بِالْمِثْلِ، بَلْ بِقِيمَةِ بَلَدِ التَّلَفِ وَلَا يُكَلَّفُ الْمَالِكُ قَبُولَ

стр. 736

الْمِثْلِ وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْأَلْيَقَ بِكَلَامِهِمْ مَا مَرَّ مِنْ التَّفْصِيلِ، سَوَاءٌ أَكَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةً أَمْ لَا، وَاعْتِبَارُ مُؤْنَةِ النَّقْلِ أَمْرٌ مَرَّ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ قَدْ يُجَامِعُهُ، وَقَدْ لَا فَحَيْثُ كَانَ الْمِثْلُ مُتَقَوِّمًا وَلَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةً وَجَبَ وَلَوْ فِي غَيْرِ مَحِلِّ الْإِتْلَافِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ فِيهِ دُونَ قِيمَةِ بَلَدِ الْإِتْلَافِ وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا لَمْ يَجِبْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ وَمَا اقْتَضَاهُ جَوَابُهُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَاءَ فِي غَيْرِ مَحِلِّ الْإِتْلَافِ إذَا كَانَ لَهُ فِيهِ قِيمَةٌ دُونَ قِيمَةِ مَحِلِّ الْإِتْلَافِ مُخَالِفٌ لِصَرِيخِ كَلَامِهِمْ انْتَهَتْ عِبَارَتُهُ فِي التَّمِيم، وَعِبَارَتُهُ فِي الْغَصْبِ: نَعَمْ إنْ خَرَجَ الْمِثْلِيُّ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ قِيمَةٌ كَمَا لَوْ غَصَبَهُ فِي مَفَازَةٍ وَتَلِفَ أَوْ أَتْلَفَهُ هُنَاكَ بِلَا غَصْبٍ وَكَجَحْدِ غَصْبِهِ وَتَلِفَ أَوْ أَتْلَفَهُ فِي الصَّيْفِ ثُمَّ اجْتَمَعَا عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ أَوْ بِمَحَلِّ قِيمَتِهِ فِيهِ تَافِهَةٌ كَهِيَ عَلَى الشَّطِّ أَوْ أَعْلَى مِنْهَا بِقَلِيلٍ فِي الْأَوَّلِ أَوْ فِي الشِّتَاءِ فِي الثَّانِي لَزِمَهُ قِيمَةُ الْمِثْلِ فِي تِلْكَ الْمَفَازَةِ أَوْ فِي الصَّيْفِ، ثُمَّ إذَا اجْتَمَعَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَفَازَةِ أَوْ فِي الصَّيْفِ فَلَا تَرَادَّ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ بِمَحِلٍّ الْغَالِبُ لَا قِيمَةَ لَهُ أَصْلًا أَوْلَهُ قِيمَةٌ تَافِهَةٌ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ التَّصْوِيرُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ فَإِنْ كَانَتْ وَلَوْ يَسِيرَةً وَجَبَ الْمِثْلُ قَالَهُ ابْنُ النَّقِيبِ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ وَأَجَابَ عَنْهُ أَبُو زُرْعَةَ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْمِثْلُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَإِنْ نَازَعَ الشَّارِحُ أَيْ: الشَّمْسُ الْجَوْجَرِيُّ فِيهِ وَفِي اقْتِضَاءِ كَلَامِهِمْ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ النَّقِيبِ مَا لَا يَخْفَى رَدُّهُ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ إذْ قَوْلُهُ: إنَّمَا وَجَبَتْ الْقِيمَةُ رِفْقًا بِالْمَالِكِ، وَأَيُّ رِفْقٍ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ بِالْمَفَازَةِ أَلْفًا وَبِمَحِلِّ الْإِعْطَاءِ دَانِقًا، يُرَدُّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ غَصَبَ بُرًّا مَثَلًا يُسَاوِي أَلْفًا فَرَدَّ مِثْلَهُ وَهُوَ يُسَاوِي دِرْهَمًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَمَا شَمِلَهُ قَوْلُهُمْ لَا أَثَرَ لِلرُّخْصِ وَالْغَلَاءِ، وَقَوْلُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَاءَ لَا قِيمَةَ لَهُ عَلَى الشَّطِّ بِأَنَّ الْغَالِبَ ذَلِكَ حَيْثُ لَا صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَا فِي النَّهْرِ كَصَفَاءٍ وَبُرُودَةٍ وَلَوْ وَجَدَهُ لَا عَلَى الشَّطِّ وَنَحْوِهِ، بَلْ فِي مَفَازَةٍ أُخْرَى طَالَبَهُ بِقِيمَةِ مَحِلِّ التَّلَفِ إنْ كَانَ لِحَمْلِ الْمَاءِ مُؤْنَةٌ، وَإِلَّا فَلَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ انْتَهَتْ عِبَارَتُهُ فِي بَابِ الْغَصْبِ، وَبِهَا مَعَ مَا قَبْلَهَا يَتَبَيَّنُ مَا فِي إطْلَاقِ الرَّوْضَةِ مِنْ وُجُوبِ الْقِيمَةِ وَأَنَّ قَوْلَ الْإِسْنَوِيِّ وَأَنَّ مَا فِيهَا سَهْوٌ وَالصَّوَابُ إيجَابُ مِثْلِ الْمَاءِ لَا قِيمَتِهِ، فَإِنَّ الْمَاءَ مِثْلِيٌّ كَمَا سَبَقَ فِي الْغَصْبِ، وَلَمْ يُخَالِفُوا هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي الْمَاءِ إلَّا إذَا غَصَبَهُ فِي مَفَازَةٍ ثُمَّ قَدِمَ الْبَلَدَ فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ هُنَاكَ غَالِبًا اهـ. فِيهِ تَحَامُلٌ وَلَوْ حَمَلَهُ عَلَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ عِبَارَتُهَا لَكَانَ أَصْوَبَ، وَقَدْ جَرَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ عَلَى مَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرْته فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ لَهُ دُولَابٌ عَلَى نَهْرٍ عَظِيمٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ يُدِيرُهُ الْمَاءُ بِنَفْسِهِ وَيَرْتَفِعُ الْمَاءُ إلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ مُهَيَّأَةٍ لَهُ فَهَلْ يَدْخُلُ الْمَاءُ فِي مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ صَيْرُورَتِهِ فِي كِيزَانِ الدُّولَابِ كَمَا لَوْ اسْتَسْقَاهُ بِنَفْسِهِ فِي إنَاءٍ وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ يَنْصَبُّ مِنْ الدُّولَابِ فِي سَاقِيَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِمِلْكِ صَاحِبِ الدُّولَاب، فَجَاءَ جَارٌ لَهُ فَخَرَقَ السَّاقِيَةَ حَتَّى انْصَبَّ الْمَاءُ إلَى أَرْضِ الْجَارِ وَسَقَى بِهِ أَرْضَهُ فَمَا الَّذِي يَلْزَمُهُ أَمِثْلُ الْمَاءِ أَمْ ثَمَنُ مِثْلِهِ أَمْ أُجْرَةُ مِثْلُ الدُّولَابِ لِلْمُدَّةِ الَّتِي انْتَفَعَ فِيهَا الْغَاصِبُ بِالْمَاءِ وَأُجْرَةُ مَا يُجْرَى مَجْرَاهُ مِنْ السَّاقِيَةِ وَغَيْرِهَا أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ ثَمَنُ الْمَاءِ وَالْأُجْرَةُ جَمِيعًا؟ (فَأَجَابَ) : نَعَمْ يَمْلِكُهُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِهِ فِي كِيزَانِ الدُّولَابِ، وَيَجِبُ عَلَى الْجَارِ الْغَاصِبِ مِثْلُ ذَلِكَ الْمَاءِ مُحَصَّلًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ الْمَأْخُوذُ مُعَدَّ السُّقْيَةِ بِهِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَخْذِ قِيمَتِهِ جَازَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخَذَ فِي الْبَادِيَةِ مَاءً أَخْذًا يُوجِبُ الضَّمَانَ حَيْثُ قُلْنَا يَضْمَنُهُ فِي الْحَضَرِ بِقِيمَتِهِ لَا بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ بِقَدْرِهِ فِي الْحَضَرِ لَيْسَ مِثْلًا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ الْعَظِيمِ فِي الْمَالِيَّةِ، وَهَذَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ وَالْمَاءُ مِثْلِيٌّ اهـ. وَوَقَعَ لِلْأَذْرَعِيِّ فِي تَوَسُّطِهِ أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: وَفِيمَا أَطْلَقَهُ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ الْمَاءَ رِبَوِيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِ مَا اُغْتُصِبَ مِنْ مَاءِ الْقَنَاةِ وَنَحْوِهَا وَسَقْيُ الْأَرْضِ بِهِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا لَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ أَصْلًا وَلَا سِيَّمَا إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ فَكَيْفَ السَّبِيلُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْمِقْدَارِ؟ وَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ وَلَا شَكَّ فِيهِ فِي مُعْظَمِ الْأَحْوَالِ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْإِلْزَامِ بِمِثْلِ مَجْهُولٍ؛ لِأَنَّهُ يُوقِعُ فِي الرِّبَا وَحِينَئِذٍ فَيَغْرَمُ الْقِيمَةَ لِلضَّرُورَةِ تَخْمِينًا اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ الرِّبَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي ضِمْنِ عَقْدٍ دُونَ نَحْوِ فَسْخٍ

стр. 737

وَأَخْذُ الْبَدَلِ لَيْسَ عَقْدًا فَانْدَفَعَ قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ يُوقِعُ فِي الرِّبَا ثَانِيهمَا كَوْنُهُ فَرَّقَ بَيْن اغْتِفَارِ الْجَهْلِ بِالْمِقْدَارِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِيمَةِ دُونَ أَخْذِ الْمِثْلِ وَهُوَ يُشْبِهُ التَّحَكُّمَ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يُحْتَاطُ لِإِلْزَامِ الْمِثْلِ كَذَلِكَ يُحْتَاطُ لِإِلْزَامِ الْقِيمَةِ فَكَيْفَ يُقَالُ حِينَئِذٍ بِوُجُوبِهَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْمِينِ؟ عَلَى أَنَّهُ لَا تَخْمِينَ وَلَا تَعَذُّرَ فِي مَعْرِفَةِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْمِقْدَارِ خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يَقْبَلُ دَعْوَاهُ إلَّا إذَا بَيَّنَ قَدْرَ مَا غُصِبَ مِنْهُ، ثُمَّ إنْ وَافَقَهُ الْغَاصِبُ عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ أُلْزِمَ بِإِعْطَائِهِ مِثْلَهُ، وَإِنْ ادَّعَى قَدْرًا أَنْقَصَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَلَزِمَ دَفْعُ مِثْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَالثَّانِي أَنَّهُ قَدْ غَصَبَهُ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ الْحَاقَّةِ إلَيْهِ، وَيَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ خَطِيرَةٌ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِحَاجَةِ الزَّرْعِ وَنَحْوِهِ إلَى السَّقْيِ، فَإِذَا رَامَ رَدَّ مِثْلِهِ فِي حَالَةِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ كَانَتْ قِيمَتُهُ تَافِهَةً أَوْ لَا قِيمَةَ لَهُ، كَمَا لَوْ رَدَّهُ فِي الشِّتَاءِ وَأَيْضًا فَقَدْ يَكُونُ فِي تَحْصِيلِهِ مِثْلَهُ فِي مَوْضِعِهِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ إضْرَارٌ بِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّ قَنَاتَهُ وَنَحْوَهَا مَلْآنَةٌ بِمَائِهِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْغَصْبِ مِنْ الدُّولَابِ لَا تَسَعُ لِغَيْرِهِ، فَلَوْ أَمَرَ بِرَدِّ ذَلِكَ إلَى مَوْضِعِهِ لَأَضَرَّ بِالْمَالِكِ وَالْمِلْكِ، فَكَيْفَ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ مِثْلِهِ هُنَاكَ لَوْ تَصَوَّرَ مَعْرِفَةَ مِقْدَارِهِ؟ وَإِذَا كَانَ كَمَا وَصَفْنَا فَلَيْسَ لِكَلَامِهِ مَأْخَذٌ صَحِيحٌ أَوْ مَأْخَذٌ اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْهُ نَظَرٌ أَيْضًا لِمَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ رَدُّ مِثْلِ الْمَاءِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ لَهَا وَقْعٌ دُونَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ أَوْ لَهُ قِيمَةٌ تَافِهَةٌ كَهِيَ عَلَى الشَّطِّ أَوْ أَعْلَى مِنْهَا بِقَلِيلٍ فَحِينَئِذٍ تَجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ تَلَفِهِ إذَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ مَحْمَلُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ كَمَا مَرَّ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ يَوْمَ التَّلَفِ وَالرَّدِّ فَلَا نَظَرَ إلَى تَفَاوُتِ الْقِيمَتَيْنِ، بَلْ يَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فَقَوْلُهُ فَإِذَا رَامَ رَدَّ مِثْلِهِ فِي حَالَةِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ إلَخْ لَا يَصْلُحُ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِرَدِّ الْقِيمَةِ لَا الْمِثْلِ، كَمَا لَوْ غَصَبَ جَمْدًا فِي الصَّيْفِ ثُمَّ رَامَ رَدَّ مِثْلِهِ فِي الشِّتَاءِ، وَقَوْلُهُ وَأَيْضًا فَقَدْ يَكُونُ إلَخْ يُرَدُّ بِأَنَّ مَحِلَّ رَدِّ الْمِثْلِ هُنَا حَيْثُ طَالَبَهُ بِهِ الْمَالِكُ وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِلَّ بِرَدِّهِ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِيمَنْ غَصَبَ تُرَابًا وَأَتْلَفَهُ وَأَرَادَ رَدَّ مِثْلِهِ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يُطَالِبْهُ الْمَالِكُ بِرَدِّهِ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ كَمَا مَرَّ، وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي لَمْ يَغْلِ مِثْلِيٌّ إلَّا فِي الْحَالَةِ السَّابِقَةِ، وَمَا نَقَلَهُ السَّائِلُ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا إلَخْ فَهُوَ لَا يُوَافِقُ قَوَاعِدَ مَذْهَبِنَا إلَّا إنْ فُرِضَ أَنَّهُ حَصَلَ فِي الْأَرْضِ تَعْيِيبٌ بِأَخْذِ الْمَاءِ مِنْهَا فَيَجِبُ حِينَئِذٍ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا، وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَمَا حَقِيقَةُ الْجَعْلِ إلَخْ جَوَابُهُ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَوَّلَ هَذَا الْجَوَابِ، وَتَفْسِيرُهُ الْجَعْلَ وَالسَّوْقَ بِمَا ذُكِرَ غَيْرُ مُرَادٍ لِلْفُقَهَاءِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَيْضًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ الْوَاحِدَةُ بَعْضُهَا مُرْتَفِعٌ وَبَعْضُهَا مُنْخَفِضٌ وَلَوْ سُقِيَا مَعًا لَزَادَ الْمَاءُ فِي الْمُنْخَفِضَةِ عَلَى الْحَدِّ الْمُسْتَحَقِّ مَثَلًا أَفْرَدَ كُلَّ بَعْضٍ بِالسَّقْيِ مَثَلًا وَطَرِيقُهُ أَنْ يَسْقِيَ الْمُنْخَفِضَ ثُمَّ يَسُدُّهُ ثُمَّ يَسْقِيَ الْمُرْتَفِعَ مَثَلًا فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ لِاثْنَيْنِ وَتَضَرَّرَ الَّذِي يَتَأَخَّرُ سَقْيُهُ فَهَلْ يَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ قِسْمَةُ الْمَاءِ لِئَلَّا يَتَقَدَّمَ شَرِيكٌ عَلَى شَرِيك أَمْ لَا؟ فَإِنْ قِيلَ يُفْرَدُ الْمُرْتَفِعُ بِحَاجِزٍ فَالْحَاجِزُ الَّذِي يَرُدُّ الْمَاءَ هَلْ هُوَ عَلَيْهِمَا مَعًا أَوْ عَلَى أَيِّهِمَا؟ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ الْوَاحِدَةُ مُنْقَسِمَةً بَيْنَ جَمَاعَةٍ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً وَوَجَدْنَا عَلَيْهَا حَاجِزًا يَرُدُّ الْمَاءَ فَهَلْ الْمِلْكُ فِيهِ لِمَنْ يَلِي مِلْكَهُ مِنْهُمْ كَالْجِدَارِ الْمُتَّصِلِ بِمِلْكِهِ مَعَ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَا حَصَلَ عَلَيْهِ مِنْ نَبَاتٍ وَحَشِيشٍ وَنَحْوِهِمَا أَمْ هُوَ لِلْجَمِيعِ بِانْتِفَاعِهِمْ بِرَدِّ الْمَاءِ إلَى أَمْلَاكِهِمْ وَحَبْسِهِ عَنْ الْخُرُوجِ عَنْهَا فَيَكُونُ حَرِيمًا لِهَذِهِ الْأَرْضِ؟ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ مُطَّرِدَةٌ فِي جِهَةِ السَّائِلِ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إذَا بِيعَ كُلُّ ذِرَاعٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ وَأَمْثَالِهَا أَنَّهُ يَحُطُّ هَذَا الْحَاجِزَ مِنْ غَيْرِ مُقَابَلَةٍ بِعِوَضٍ وَكَذَا يَحُطُّونَ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ بِسَبَبِ وُجُودِ شَجَرٍ فِيهَا لِأَجْنَبِيٍّ أَوْ مَصَبِّ مَاءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَضْعُفُ بِسَبَبِهِ الْإِنْبَاتُ هَكَذَا اطَّرَدَ الْعُرْفُ بِذَلِكَ فِي جِهَتِنَا. فَهَلْ هَذِهِ الْعَادَةُ مُتَّبَعَةٌ مَعْمُولٌ بِهَا أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ قَوْلَ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ إلَخْ أَخَذَهُ مِنْ الرَّوْضَةِ، وَعِبَارَتُهَا: وَلَوْ كَانَتْ أَرْض الْأَعْلَى

стр. 738

بَعْضُهَا مُرْتَفِعًا وَبَعْضُهَا مُنْخَفِضًا وَلَوْ سُقِيَا مَعًا لَزَادَ الْمَاءُ فِي الْمُنْخَفِضَةِ عَلَى الْحَدِّ الْمُسْتَحَقِّ أَفْرَدَ كُلَّ بَعْضٍ بِالسَّقْيِ بِمَا هُوَ طَرِيقُهُ قُلْتُ: طَرِيقُهُ أَنْ يَسْقِيَ الْمُنْخَفِضَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يَسُدَّهُ ثُمَّ يَسْقِيَ الْمُرْتَفِعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مَحِلُّهَا إنْ أَمْكَنَتْ وَإِلَّا حُبِسَ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ بِقَدْرِ مَا لَوْ اعْتَدَلَتْ لَبَلَغَ الْكَعْبَيْنِ كَمَا فِي الْمَطْلَبِ وَعِبَارَتِهِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَوْ كَانَ فِي مِلْكِ وَاحِدٍ أَرْضٌ بَعْضُهَا مُسْتَغَلٌّ وَبَعْضُهَا عَالٍ إنْ حُبِسَ الْمَاءُ فِيهَا حَتَّى يَبْلُغَ الْعَالِي زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ فِي الْمُسْتَفَلِ، وَإِنْ حُبِسَ فِي الْمُسْتَفِلِ قَدْرُ الْكَعْبَيْنِ لَمْ يَبْلُغْ الْعَالِي فَلَا يُعْمَلُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ وَلَكِنْ نَحْبِسُ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ بِقَدْرِ مَا لَوْ اعْتَدَلَتْ لَبَلَغَ الْكَعْبَيْنِ قُلْت: وَهَذَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ سَقَى الْمُسْتَفِلَةَ أَوَّلًا حَتَّى يَصِلَ إلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يَسُدُّ عَلَيْهَا وَيُرْسِلُهُ إلَى الْعَالِيَة، أَمَّا إذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ فِعْلُهُ اهـ. وَعِبَارَةُ جَمْعٍ مِنْ شُرَّاحِ الْمِنْهَاجِ وَكَأَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ سَقَى الْعَالِيَةَ أَوَّلًا حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يَسُدُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ وَيُرْسِلُهُ إلَى السَّافِلَةِ، فَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ تَعَيُّنُهُ قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْقَمُولِيُّ وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ، بَلْ حَيْثُ أَمْكَنَ سَقَى الْمُسْتَفِلَةَ أَوَّلًا أَوْ الْعَالِيَةَ أَوَّلًا كَمَا ذُكِرَ تَعَيَّنَ، وَقَوْلُ السَّائِلِ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ لِاثْنَيْنِ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ أَرْضَيْهِمَا إنْ كَانَتَا تُسْقَيَانِ مِنْ مَاءٍ مُبَاحٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا كَمَا اقْتَضَاهُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ وَلَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ أَرْضَاهُمَا مُتَحَاذِيَتَانِ أَوْ أَرَادَا شَقَّ النَّهْرِ مِنْ مَوْضِعَيْنِ مُتَحَاذِيَيْنِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَهَلْ يُقْرَعُ أَوْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا أَوْ يُقَدِّمُ الْإِمَامُ مَنْ يَرَاهُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْعَبَّادِيُّ قُلْت: أَصَحُّهَا يُقْرَعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَكَأَنَّ الصُّورَةَ فِيمَا إذَا أُحْيِيَا دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ جُهِلَ أَسْبَقُهُمَا اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْكَلَامُ عِنْدَ ضِيقِ الْمَاءِ وَإِلَّا سَقَى كُلٌّ مِنْهُمْ مَتَى شَاءَ، أَمَّا إذَا كَانَتْ أَرْضَاهُمَا تُسْقَى مِنْ مَاءٍ مَمْلُوكٍ لَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يُقَدَّمُ هُنَا الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ سَقْيُهُمَا مَعًا وَلَا بِنَصْبِ خَشَبَةٍ مُسْتَوِيَةِ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ فِي عُرْضِ النَّهْرِ وَيُفْتَحُ فِيهَا ثُقَبٌ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا وَلَمْ يَرْضَيَا بِقِسْمَتِهِ بِالْمُهَايَأَةِ كَيَوْمٍ وَيَوْمٍ وَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهُ بِقِطْعَةٍ مِنْ أَوَّلِ الْأَرَاضِي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي إذْ قُسِمَ أَمْكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ الْمَاءِ أُجِيبَ طَالِبُ الْقِسْمَةِ حِينَئِذٍ وَأَجْبَرَ صَاحِبَهُ عَلَيْهَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَقِسْمَتَهَا قِسْمَةُ إجْبَارٍ إذْ الْمُمْتَنِعُ مِنْهَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْأَنْصِبَاءُ مُتَفَاوِتَةً إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهَا وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ إفْرَازٌ لَا بَيْعٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَيَجُوزُ فِي الرِّبَوِيِّ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ مَثَلًا وَمِنْ ثَمَّ جَازَتْ الْقِسْمَةُ فِيهَا بِالْمُهَايَأَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ بِقَوْلِهِمْ: وَإِنْ اقْتَسَمُوا الْمَاءَ بِالْمُهَايَأَةِ جَازَ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَاءُ قَلِيلًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا كَذَلِكَ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ الْأَذْرَعِيِّ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ أَيْ: الْمَاءُ الْمَمْلُوكُ فَكَيْفَ يَنْقَدِحُ الْقَوْلُ بِالْقِسْمَةِ مُهَايَأَةً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ هَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ؟ وَأَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّهَا إفْرَازُ حَقٍّ فَهَذَا مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ وَلَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا فِي كَلَامِهِمْ هُنَا فَتَأَمَّلْهُ اهـ. وَلَا يَحْتَاجُ لِذِكْرِهِمْ لَهُ هُنَا؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَغْنَوْا بِذِكْرِهِمْ مَا يُصَرَّحُ بِحُكْمِهِ فِي الْقِسْمَةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْته وَقَوْلُ السَّائِلِ: فَإِنْ قِيلَ يَنْفَرِدُ الْمُرْتَفِعُ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّهُ حَيْثُ أَمْكَنَتْ الْقِسْمَةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْفَرِدَ الْمُرْتَفِعُ بِحَاجِزٍ كَمَا فِي الطَّرِيقِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَمْ يُحْتَجْ إلَى حَاجِزٍ وَحَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِحَاجِزٍ فَالظَّاهِرُ وُجُوبُهُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْعَائِدَةَ مِنْهُ لَا تَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا، بَلْ هِيَ عَائِدَةٌ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى اسْتِيفَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا حَقَّهُ وَلَا نَظَرَ إلَى إمْكَانِ سَقْيِ أَرْضِ أَحَدِهِمَا بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الْمَاءِ مَنَعَ النَّظَرَ إلَى هَذَا الْإِمْكَانِ وَصَيَّرَ أَرْضَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يُمْكِنُ سَقْيُهَا مِنْ هَذَا الْمَاءِ الْمُشْتَرَكِ إلَّا بِهَذَا الْحَاجِزِ فَاتَّضَحَ عَوْدُ مَنْفَعَتِهِ عَلَيْهِمَا، وَقَوْلُهُ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ أَنَّ الْحَاجِزَ الْمَذْكُورَ وَمَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِجَمِيعِ أَرْبَابِ الْأَرَاضِي الَّتِي تَنْتَفِعُ بِهِ بِرَدِّ الْمَاءِ عَنْهَا فَقَدْ قَالُوا وَتَبِعَهُمْ الشَّيْخَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَلَوْ تَنَازَعَ الشُّرَكَاءُ فِي النَّهْرِ فِي قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمْ جُعِلَ عَلَى قَدْرِ الْأَرَضِينَ عَلَى الْأَصَحِّ

стр. 739

لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّرِكَةَ بِحَسَبِ الْمِلْكِ وَكُلَّ أَرْضٍ وُجِدَ فِي يَدِ أَهْلِهَا نَهْرٌ لَا تُسْقَى الْأَرْضُ إلَّا مِنْهُ وَلَمْ يُدْرَ أَنَّهُ حُفِرَ أَوْ انْخَرَقَ حُكِمَ لَهُمْ بِمِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ يَدٍ وَانْتِفَاعٍ فَلَا يُقَدَّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَالْمُرَادُ بِالنَّهْرِ فِي الْأُولَى وَمِثْلُهُ الثَّانِيَةُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ إلَّا أَنَّهُمْ يَسْقُونَ أَرَضِيهِمْ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَبِكَلَامِهِ يُعْلَمُ رَدُّ قَوْلِ الْأَذْرَعِيِّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْبَعَهُ فِي أَرَاضِيهِمْ الْمَمْلُوكَةِ لَهُمْ فَيَمْلِكُونَهُ، أَمَّا لَوْ كَانَ مَنْبَعُهُ بِمَوَاتٍ أَوْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ نَهْرٍ عَامٍّ كَدِجْلَةَ وَنَحْوِهَا فَلَا، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى الْإِبَاحَةِ اهـ. وَأَمَّا تَنْظِيرُ السُّبْكِيّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَفْرِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَنْهَارِ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ، وَالْمُحَقَّقُ مِنْ الْيَدِ فِيهِ الِانْتِفَاعُ وَالسَّقْيُ مِنْهُ وَلَا يَكْفِي ذَلِكَ لِدَلَالَةِ الْيَدِ عَلَى الْمِلْكِ؛ إذْ الْيَدُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ هِيَ الَّتِي يَكُونُ مَعَهَا الِاسْتِيلَاءُ وَمَنْعُ الْغَيْرِ فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى الْمِلْكِ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْكَمَ بِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا لَهُمْ، نَعَمْ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي قَنَاةٍ أَوْ سَاقِيَةٍ يَظْهَرُ اخْتِصَاصُهُمْ بِهَا وَاسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَيْهَا بِحَيْثُ لَا يُسْتَنْكَرُ أَنْ يَحْمُوهَا وَيَسُدُّوهَا فَيَرُدُّهُ أَنَّا، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَصْلَ مَا ذَكَرَهُ وَإِلَّا فَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، وَكَوْنُ الْمُحَقَّقِ مِنْ الْيَد فِيهِ الِانْتِفَاعُ لَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِالْمِلْكِ أَيْضًا عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَكَوْنُ ذَلِكَ لَا يَكْفِي لِدَلَالَةِ الْيَدِ عَلَى الْمِلْكِ مَمْنُوعٌ وَدَعْوَى أَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ إلَّا إنْ كَانَ مَعَهَا اسْتِيلَاءٌ وَمَنَعَ الْغَيْرَ إنْ أَرَادَ مَنْعَهُ بِالْفِعْلِ فَمَمْنُوعٌ أَيْضًا أَوْ بِالْقُوَّةِ فَهُوَ لَازِمُ الِاسْتِيلَاءِ وَبَقِيَّةُ نَظَرِهِ عُلِمَ رَدُّهُ مِمَّا تَقَرَّرَ فَالصَّحِيحُ مَا قَالُوهُ مِنْ دَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى الْمِلْكِ، وَحِينَئِذٍ فَكَمَا أَنَّ السَّقْيَ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَسْقُونَ مِنْهُ كَمَا تَقَرَّرَ عَنْ الْمُتَوَلِّي رَدُّ الْحَاجِزِ هُنَا عَنْ أَرَضِينَ يَدُلُّ عَلَى مِلْكِ أَهْلِهَا لَهُ وَلَا نَظَرَ هُنَا لِاتِّصَالِهِ بِمِلْكِ أَحَدِهِمَا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي ذَكَرَهُ السَّائِلُ بِأَنَّ الْجِدَارَ لَيْسَ عَلَى مِلْكِهِ لِأَحَدِهِمَا بِخُصُوصِهِ قَرِينَةٌ إلَّا اتِّصَالَهُ بِمِلْكِ أَحَدِهِمَا اتِّصَالًا لَا يُمْكِنُ إحْدَاثُهُ، فَحَيْثُ وُجِدَ هَذَا الِاتِّصَالُ حَكَمْنَا بِمِلْكِهِ لِمَنْ اتَّصَلَ كَذَلِكَ بِمِلْكِهِ وَإِلَّا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَالْحَاجِزُ هُنَا عَلَى مِلْكِهِ لِأَرْبَابِ الْأَرَاضِي جَمِيعِهِمْ قَرِينَةٌ وَهِيَ انْتِفَاعُهُمْ بِهِ فَعَمِلْنَا بِهَا، وَلَمْ نَنْظُرْ إلَى اتِّصَالِهِ بِأَحَدِهِمَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَأَمَّا الْجِدَارُ فَالِاتِّصَال الْمَذْكُورُ فِيهِ لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ فَلِهَذَا حَكَمْنَا بِقَضِيَّتِهِ وَمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ مَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِلْجَمِيعِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ لَا يَمْلِكُهُ مَالِكُهَا ضَعِيفٌ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ فِي مُرْصَدَةٍ لِلزَّرْعِ وَالْغَرْسِ لَا يَمْلِكُهُ مَالِكُهَا بِخِلَافِ الْمُرْصَدَةِ لِلْكَلَإِ فَتَفْصِيلُهُ ضَعِيفٌ، بَلْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ غَرِيبٌ وَقَوْلُ السَّائِلِ فَهَلْ هَذِهِ الْعَادَةُ مُتَّبَعَةٌ مَعْمُولٌ بِهَا أَمْ لَا؟ جَوَابُهُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَا فِي حَطِّ شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ بِسَبَبِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إذَا وَقَعَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ مَلَكَهُ الْبَائِعُ وَاشْتُغِلَتْ بِهِ ذِمَّةُ الْمُشْتَرِي، وَقَضِيَّةُ الْعَادَةِ لِضَعْفِهَا لَا تَقْوَى عَلَى إزَالَةِ شَيْءٍ مِمَّا اشْتَغَلَتْ بِهِ الذِّمَّةُ يَقِينًا، بَلْ لَا طَرِيقَ هُنَا إلَّا الْإِعْطَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ، وَأَمَّا إطْرَادُهَا بِأَنَّهُ إذَا بِيعَ كُلُّ ذِرَاعٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ فَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ إذَا قُلْنَا إنَّ الْحَاجِزَ الْمَذْكُورَ مِلْكٌ لِجَمِيعِ الْأَرَاضِي كَانَ بِمَنْزِلَةِ حَرِيمِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْحَرِيمَ هُوَ مَا يَتِمُّ بِهِ الِانْتِفَاعُ وَبَيْعُ الدَّارِ دُونَ حَرِيمِهَا لَا يَصِحُّ بِشَرْطِهِ الْمُقَرَّرِ فِي مَحِلِّهِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطَ دُخُولَهُ أَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فَكَذَا يُقَالُ فِي هَذَا الْحَاجِزِ إنْ شَرَطَ عَدَمَ دُخُولِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَالْأَصَحُّ وَدَخَلَ حِصَّةَ الْمَبِيعِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِدُخُولِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) لَوْ كَانَتْ أَرْضٌ بَيْنَ شَخْصَيْنِ لِوَاحِدٍ أَعْلَاهَا وَلِلْآخَرِ أَسْفَلُهَا فَأَخْرَبَ السَّيْلُ أَعْلَاهَا وَأَصْلَحَهُ مَالِكُهَا مَثَلًا لَكِنْ بَقِيَ مُنْخَفِضًا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ وَلَا يَجْرِي إلَى الْأَسْفَلِ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ مَثَلًا وَطَلَبَ الْأَسْفَلُ حَقَّهُ فَمَا حُكْمُ ذَلِكَ وَهَلْ الْإِصْلَاحُ عَلَى مَنْ أَخْرَبَ السَّيْلُ مِلْكَهُ مِنْهُمَا وَاجِبٌ لِيَصِلَ صَاحِبُهُ إلَى سَقْيِ مِلْكِهِ؟ سَوَاءٌ أَوْجَبْنَا الْعِمَارَةَ أَمْ لَا أَوْ الْحُكْمُ غَيْرُ ذَلِكَ؟ وَمَا هُوَ ذَلِكَ؟ فَلَوْ انْخَفَضَتْ أَرْضُ الْأَسْفَلِ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ الْمَاءُ فِي أَرْضِ الْأَعْلَى إلَّا بَعْدَ الزِّيَادَةِ فِي السُّفْلَى عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ أَوْ انْخَفَضَ الْحَاجِزُ الَّذِي يَرُدُّ الْمَاءَ وَلَمْ يَرُدَّ لِصَاحِبِهِ إلَى شَرِيكِهِ مَا يَكْفِيه مِنْ الْمَاءِ وَأَوْجَبْنَا الْعِمَارَةَ، لَكِنْ تَعَسَّرَ أَوْ تَعَذَّرَ

стр. 740

رَدُّهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، فَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ هَلْ يَغْرَمُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ مَنْفَعَةَ أَرْضِ صَاحِبِهِ مُدَّةَ التَّعْطِيلِ إلَى أَنْ يُكْمِلَ الْإِصْلَاحَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ كَمَا فِي هَدْمِ السَّقْفِ الْمُسْتَحَقِّ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ بِجَامِعِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِمَا أَوْ لَا إذْ لَا تَعَدِّي مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَهَلْ رَدَّ الْحَاجِزَ مَنْ أَخْرَبَ السَّيْلُ مِلْكَهُ الْمُجَاوِرَ لِلْعَاجِزِ أَوْ عَلَيْهِمَا أَوْ عِمَارَةُ الْحَاجِزِ تَابِعَةٌ لِمِلْكِهِ فَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ فِيهِ لَهُمَا فَالْعِمَارَةُ عَلَيْهِمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِ؟ أَوْضِحُوا لَنَا الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ. (فَأَجَابَ) بِأَنَّ صَاحِبَ الْأَعْلَى الَّذِي أَخْرَبَهُ السَّيْلُ إذَا أَرَادَ إصْلَاحَهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَهُ كَمَا كَانَ فَإِذَا أَصْلَحَهُ وَبَقِيَ مُنْخَفِضًا لَزِمَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ كَأَنْ يَطِمَّهُ حَتَّى يَرْتَفِعَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَإِنْ تَعَذَّرَ وَقَفَ حَتَّى يَصْطَلِحَا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إصْلَاحُ مِلْكِهِ، وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ سَقْيُ مِلْكِ الْأَسْفَلِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَا يُجْبَرُ شَرِيكٌ عَلَى إعَادَةِ الْجِدَارِ أَوْ الْبَيْتِ الْمُشْتَرَكِ إذَا انْهَدَمَ وَلَوْ بِفِعْلِهِ كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى زَرْعِ الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ وَلِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ يَتَضَرَّرُ أَيْضًا بِتَكْلِيفِهِ الْعِمَارَةَ، نَعَمْ يُجْبَرُ فِي الْأَرْضِ عَلَى إجَارَتِهَا وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ قَالَ الشَّيْخَانِ وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي النَّهْرِ وَالْقَنَاةِ وَالْبِئْرِ الْمُشْتَرَكَةِ وَاِتِّخَاذِ سُتْرَةٍ بَيْنَ سَطْحَيْهِمَا قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَلَا يُجْبَرُ أَيْضًا عَلَى سَقْيِ النَّبَاتِ مِنْ شَجَرٍ وَغَيْرِهِ، وَقَوْلُ الْحَوْزِيِّ يُجْبَرُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا ضَعِيفٌ وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِنَظِيرِ مَسْأَلَتِنَا وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عُلُوُّ الدَّارِ لِوَاحِدٍ وَسُفْلُهَا لِآخَرَ وَانْهَدَمَتْ فَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ إجْبَارُ الثَّانِي عَلَى إعَادَةِ السُّفْلِ وَلَا لِلثَّانِي إجْبَارُ الْأَوَّلِ عَلَى مُعَاوَنَتِهِ فِي إعَادَتِهِ انْتَهَى، فَإِنْ قُلْتَ صَرَّحُوا هُنَاكَ أَيْضًا بِأَنَّ لِلشَّرِيكِ إعَادَةَ الْمُشْتَرَكِ بِآلَةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي وُصُولِهِ إلَى حَقِّهِ بِخِلَافِهِ بِآلَةِ شَرِيكِهِ أَوْ بِالْآلَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَبِأَنَّ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ بِنَاءَ الْأَسْفَلِ بِمَا لَهُ، وَقِيَاسُهُ هُنَا أَنَّ لِلْأَسْفَلِ إصْلَاحُ الْعُلْيَا إذَا تَوَقَّفَ وُصُولُهُ لِحَقِّهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي وُصُولِهِ إلَى حَقِّهِ قُلْت: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ قِيَاسُ الصُّورَةِ الْأُولَى ذَلِكَ، وَقَدْ يُومِئُ إلَيْهِ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ فَإِنْ قِيلَ: أَسَاسُ الْجِدَارِ بَيْنَهُمَا فَكَيْفَ جَوَّزْتُمْ لَهُ بِنَاءَهُ بِآلَتِهِ وَأَنْ يَنْفَرِدَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ قُلْنَا: لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْحَمْلِ عَلَيْهِ فَكَانَ لَهُ الْإِعَادَةُ اهـ. وَكَذَا يُقَالُ فِي مَسْأَلَتِنَا لَهُ حَقُّ الْإِجْرَاءِ فِي الْعُلْيَا فَإِذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا مِنْ إصْلَاحِهَا كَانَ لِلْأَسْفَلِ إصْلَاحُهَا حَتَّى يَصِلَ إلَى حَقِّهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَسْأَلَتِنَا وَمَسْأَلَةِ الْجِدَارِ الْمُشْتَرَكِ بِأَنَّ الشَّرِيكَ مَالِكٌ لِلْبَعْضِ وَلَهُ حَقُّ الْحَمْلِ عَلَى الْمُنْهَدِمِ فَسَاغَتْ لَهُ الْإِعَادَةُ بِخِلَافِ الْأَسْفَلِ هُنَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ أَعْنِي قَوْلَهُمْ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ بِنَاءُ الْأَسْفَلِ بِمَا لَهُ فَقِيَاسُهَا أَنَّ لِلْأَسْفَلِ هُنَا الْإِصْلَاحَ أَيْضًا بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ صَاحِبِ الْعُلُوِّ هُنَا وَالسُّفْلِ ثَمَّ لَيْسَ مَالِكًا لِشَيْءٍ مِمَّا بَنَى فِيهِ فَكَمَا سَامَحُوا لِلْأَعْلَى فِي ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ مِلْكِهِ لِلْعَرْصَةِ الْمَبْنِيِّ فِيهَا وَلَا لِشَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى يَصِلَ لِحَقِّهِ وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى مَا بَنَاهُ، فَقِيَاسُهُ أَنْ يُسَامَحَ هُنَا لِذِي السُّفْلَى فِي إصْلَاحِ الْعُلْيَا حَتَّى يَجْرِيَ مِنْهَا إلَى أَرْضِهِ، وَإِذَا انْخَفَضَتْ السُّفْلَى وَلَمْ يَسْتَقِرَّ الْمَاءُ فِي الْعُلْيَا إلَّا بَعْدَ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يَلْزَمْ مَالِكُ السُّفْلَى ذَلِكَ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، نَعَمْ إنْ أَرَادَ إصْلَاحَهَا أَلْزَمَهُ أَنْ يَرُدَّهَا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْأَمْرُ يَصْطَلِحَا. وَقِيَاسُ مَا مَرَّ أَنَّ لِصَاحِبِ الْعُلْيَا إصْلَاحَ السُّفْلَى الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ سَقْيُ أَرْضِهِ لِيَصِل إلَى حَقِّهِ، وَإِذَا انْخَفَضَ الْحَاجِزُ الَّذِي يَرُدُّ الْمَاءَ فَإِنْ كَانَ مُخْتَصًّا بِأَرْضِ أَحَدِهِمَا فَإِصْلَاحُهُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ فَعَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ أَرْضَيْهِمَا فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى إصْلَاحِهِ فَذَاكَ وَإِلَّا لَمْ يُجْبَرْ أَحَدُهُمَا نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْجِدَارِ الْمُشْتَرَكِ إذَا هَدَمَهُ أَحَدُهُمَا فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُوبُ إعَادَتِهِ، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَشْبِيهِ السَّائِلِ لَهُ بِالسَّقْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ، نَعَمْ إنْ كَانَ اسْتِحْقَاقُ الْأَسْفَلِ الْإِجْرَاءَ فِي مِلْكِ الْأَعْلَى بِعَقْدِ بَيْعٍ وَأَخْرَبَ الْأَعْلَى مَحِلَّ الْإِجْرَاءِ غَرِمَ لِلْأَسْفَلِ قِيمَةَ حَقِّ الْإِجْرَاءِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ لِلْفُرْقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَقِّهِ بِمَا فَعَلَهُ حَتَّى إذَا أُعِيدَ مَحِلُّ الْإِجْرَاءِ أُعِيدَ الْإِجْرَاءُ وَرَدَّ الْقِيمَةَ لِزَوَالِ الْحَيْلُولَةِ، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ غُرْمِ الْقِيمَةِ مَبْنِيٌّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَلَى أَنَّ مَنْ هَدَمَ جِدَارَ الْغَيْرِ يَلْزَمُهُ أَرْشُ النَّقْصِ لَا إعَادَةُ الْجِدَارِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْهَادِمُ هُوَ الْمَالِكَ أَوْ غَيْرَهُ خِلَافًا لِمَا صَوَّبَهُ
следующие страницы →