Полный текст (1 335 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الْمِثْلِ وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْأَلْيَقَ بِكَلَامِهِمْ مَا مَرَّ مِنْ التَّفْصِيلِ، سَوَاءٌ أَكَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةً أَمْ لَا، وَاعْتِبَارُ مُؤْنَةِ النَّقْلِ أَمْرٌ مَرَّ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ قَدْ يُجَامِعُهُ، وَقَدْ لَا فَحَيْثُ كَانَ الْمِثْلُ مُتَقَوِّمًا وَلَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةً وَجَبَ وَلَوْ فِي غَيْرِ مَحِلِّ الْإِتْلَافِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ فِيهِ دُونَ قِيمَةِ بَلَدِ الْإِتْلَافِ وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا لَمْ يَجِبْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ وَمَا اقْتَضَاهُ جَوَابُهُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَاءَ فِي غَيْرِ مَحِلِّ الْإِتْلَافِ إذَا كَانَ لَهُ فِيهِ قِيمَةٌ دُونَ قِيمَةِ مَحِلِّ الْإِتْلَافِ مُخَالِفٌ لِصَرِيخِ كَلَامِهِمْ انْتَهَتْ عِبَارَتُهُ فِي التَّمِيم، وَعِبَارَتُهُ فِي الْغَصْبِ: نَعَمْ إنْ خَرَجَ الْمِثْلِيُّ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ قِيمَةٌ كَمَا لَوْ غَصَبَهُ فِي مَفَازَةٍ وَتَلِفَ أَوْ أَتْلَفَهُ هُنَاكَ بِلَا غَصْبٍ وَكَجَحْدِ غَصْبِهِ وَتَلِفَ أَوْ أَتْلَفَهُ فِي الصَّيْفِ ثُمَّ اجْتَمَعَا عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ أَوْ بِمَحَلِّ قِيمَتِهِ فِيهِ تَافِهَةٌ كَهِيَ عَلَى الشَّطِّ أَوْ أَعْلَى مِنْهَا بِقَلِيلٍ فِي الْأَوَّلِ أَوْ فِي الشِّتَاءِ فِي الثَّانِي لَزِمَهُ قِيمَةُ الْمِثْلِ فِي تِلْكَ الْمَفَازَةِ أَوْ فِي الصَّيْفِ، ثُمَّ إذَا اجْتَمَعَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَفَازَةِ أَوْ فِي الصَّيْفِ فَلَا تَرَادَّ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ بِمَحِلٍّ الْغَالِبُ لَا قِيمَةَ لَهُ أَصْلًا أَوْلَهُ قِيمَةٌ تَافِهَةٌ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ التَّصْوِيرُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ فَإِنْ كَانَتْ وَلَوْ يَسِيرَةً وَجَبَ الْمِثْلُ قَالَهُ ابْنُ النَّقِيبِ
ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ وَأَجَابَ عَنْهُ أَبُو زُرْعَةَ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْمِثْلُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَإِنْ نَازَعَ الشَّارِحُ أَيْ: الشَّمْسُ الْجَوْجَرِيُّ فِيهِ وَفِي اقْتِضَاءِ كَلَامِهِمْ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ النَّقِيبِ مَا لَا يَخْفَى رَدُّهُ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ إذْ قَوْلُهُ: إنَّمَا وَجَبَتْ الْقِيمَةُ رِفْقًا بِالْمَالِكِ، وَأَيُّ رِفْقٍ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ بِالْمَفَازَةِ أَلْفًا وَبِمَحِلِّ الْإِعْطَاءِ دَانِقًا، يُرَدُّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ غَصَبَ بُرًّا مَثَلًا يُسَاوِي أَلْفًا فَرَدَّ مِثْلَهُ وَهُوَ يُسَاوِي دِرْهَمًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَمَا شَمِلَهُ قَوْلُهُمْ لَا أَثَرَ لِلرُّخْصِ وَالْغَلَاءِ، وَقَوْلُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَاءَ لَا قِيمَةَ لَهُ عَلَى الشَّطِّ بِأَنَّ الْغَالِبَ ذَلِكَ حَيْثُ لَا صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَا فِي النَّهْرِ كَصَفَاءٍ وَبُرُودَةٍ وَلَوْ وَجَدَهُ لَا عَلَى الشَّطِّ وَنَحْوِهِ، بَلْ فِي مَفَازَةٍ أُخْرَى طَالَبَهُ بِقِيمَةِ مَحِلِّ التَّلَفِ إنْ كَانَ لِحَمْلِ الْمَاءِ مُؤْنَةٌ، وَإِلَّا فَلَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ انْتَهَتْ عِبَارَتُهُ فِي بَابِ الْغَصْبِ، وَبِهَا مَعَ مَا قَبْلَهَا يَتَبَيَّنُ مَا فِي إطْلَاقِ الرَّوْضَةِ مِنْ وُجُوبِ الْقِيمَةِ وَأَنَّ قَوْلَ الْإِسْنَوِيِّ وَأَنَّ مَا فِيهَا سَهْوٌ وَالصَّوَابُ إيجَابُ مِثْلِ الْمَاءِ لَا قِيمَتِهِ، فَإِنَّ الْمَاءَ مِثْلِيٌّ كَمَا سَبَقَ فِي الْغَصْبِ، وَلَمْ يُخَالِفُوا هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي الْمَاءِ إلَّا إذَا غَصَبَهُ فِي مَفَازَةٍ ثُمَّ قَدِمَ الْبَلَدَ فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ هُنَاكَ غَالِبًا اهـ. فِيهِ تَحَامُلٌ وَلَوْ حَمَلَهُ عَلَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ عِبَارَتُهَا لَكَانَ أَصْوَبَ، وَقَدْ جَرَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ عَلَى مَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرْته
فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ لَهُ دُولَابٌ عَلَى نَهْرٍ عَظِيمٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ يُدِيرُهُ الْمَاءُ بِنَفْسِهِ وَيَرْتَفِعُ الْمَاءُ إلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ مُهَيَّأَةٍ لَهُ فَهَلْ يَدْخُلُ الْمَاءُ فِي مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ صَيْرُورَتِهِ فِي كِيزَانِ الدُّولَابِ كَمَا لَوْ اسْتَسْقَاهُ بِنَفْسِهِ فِي إنَاءٍ وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ يَنْصَبُّ مِنْ الدُّولَابِ فِي سَاقِيَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِمِلْكِ صَاحِبِ الدُّولَاب، فَجَاءَ جَارٌ لَهُ فَخَرَقَ السَّاقِيَةَ حَتَّى انْصَبَّ الْمَاءُ إلَى أَرْضِ الْجَارِ وَسَقَى بِهِ أَرْضَهُ فَمَا الَّذِي يَلْزَمُهُ أَمِثْلُ الْمَاءِ أَمْ ثَمَنُ مِثْلِهِ أَمْ أُجْرَةُ مِثْلُ الدُّولَابِ لِلْمُدَّةِ الَّتِي انْتَفَعَ فِيهَا الْغَاصِبُ بِالْمَاءِ وَأُجْرَةُ مَا يُجْرَى مَجْرَاهُ مِنْ السَّاقِيَةِ وَغَيْرِهَا أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ ثَمَنُ الْمَاءِ وَالْأُجْرَةُ جَمِيعًا؟
(فَأَجَابَ) : نَعَمْ يَمْلِكُهُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِهِ فِي كِيزَانِ الدُّولَابِ، وَيَجِبُ عَلَى الْجَارِ الْغَاصِبِ مِثْلُ ذَلِكَ الْمَاءِ مُحَصَّلًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ الْمَأْخُوذُ مُعَدَّ السُّقْيَةِ بِهِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَخْذِ قِيمَتِهِ جَازَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخَذَ فِي الْبَادِيَةِ مَاءً أَخْذًا يُوجِبُ الضَّمَانَ حَيْثُ قُلْنَا يَضْمَنُهُ فِي الْحَضَرِ بِقِيمَتِهِ لَا بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ بِقَدْرِهِ فِي الْحَضَرِ لَيْسَ مِثْلًا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ الْعَظِيمِ فِي الْمَالِيَّةِ، وَهَذَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ وَالْمَاءُ مِثْلِيٌّ اهـ.
وَوَقَعَ لِلْأَذْرَعِيِّ فِي تَوَسُّطِهِ أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: وَفِيمَا أَطْلَقَهُ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ الْمَاءَ رِبَوِيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِ مَا اُغْتُصِبَ مِنْ مَاءِ الْقَنَاةِ وَنَحْوِهَا وَسَقْيُ الْأَرْضِ بِهِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا لَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ أَصْلًا وَلَا سِيَّمَا إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ فَكَيْفَ السَّبِيلُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْمِقْدَارِ؟ وَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ وَلَا شَكَّ فِيهِ فِي مُعْظَمِ الْأَحْوَالِ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْإِلْزَامِ بِمِثْلِ مَجْهُولٍ؛ لِأَنَّهُ يُوقِعُ فِي الرِّبَا وَحِينَئِذٍ فَيَغْرَمُ الْقِيمَةَ لِلضَّرُورَةِ تَخْمِينًا اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ الرِّبَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي ضِمْنِ عَقْدٍ دُونَ نَحْوِ فَسْخٍ
стр. 737
وَأَخْذُ الْبَدَلِ لَيْسَ عَقْدًا فَانْدَفَعَ قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ يُوقِعُ فِي الرِّبَا ثَانِيهمَا كَوْنُهُ فَرَّقَ بَيْن اغْتِفَارِ الْجَهْلِ بِالْمِقْدَارِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِيمَةِ دُونَ أَخْذِ الْمِثْلِ وَهُوَ يُشْبِهُ التَّحَكُّمَ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يُحْتَاطُ لِإِلْزَامِ الْمِثْلِ كَذَلِكَ يُحْتَاطُ لِإِلْزَامِ الْقِيمَةِ فَكَيْفَ يُقَالُ حِينَئِذٍ بِوُجُوبِهَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْمِينِ؟ عَلَى أَنَّهُ لَا تَخْمِينَ وَلَا تَعَذُّرَ فِي مَعْرِفَةِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْمِقْدَارِ خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يَقْبَلُ دَعْوَاهُ إلَّا إذَا بَيَّنَ قَدْرَ مَا غُصِبَ مِنْهُ، ثُمَّ إنْ وَافَقَهُ الْغَاصِبُ عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ أُلْزِمَ بِإِعْطَائِهِ مِثْلَهُ، وَإِنْ ادَّعَى قَدْرًا أَنْقَصَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَلَزِمَ دَفْعُ مِثْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَالثَّانِي أَنَّهُ قَدْ غَصَبَهُ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ الْحَاقَّةِ إلَيْهِ، وَيَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ خَطِيرَةٌ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِحَاجَةِ الزَّرْعِ وَنَحْوِهِ إلَى السَّقْيِ، فَإِذَا رَامَ رَدَّ مِثْلِهِ فِي حَالَةِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ كَانَتْ قِيمَتُهُ تَافِهَةً أَوْ لَا قِيمَةَ لَهُ، كَمَا لَوْ رَدَّهُ فِي الشِّتَاءِ وَأَيْضًا فَقَدْ يَكُونُ فِي تَحْصِيلِهِ مِثْلَهُ فِي مَوْضِعِهِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ إضْرَارٌ بِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّ قَنَاتَهُ وَنَحْوَهَا مَلْآنَةٌ بِمَائِهِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْغَصْبِ مِنْ الدُّولَابِ لَا تَسَعُ لِغَيْرِهِ، فَلَوْ أَمَرَ بِرَدِّ ذَلِكَ إلَى مَوْضِعِهِ لَأَضَرَّ بِالْمَالِكِ وَالْمِلْكِ، فَكَيْفَ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ مِثْلِهِ هُنَاكَ لَوْ تَصَوَّرَ مَعْرِفَةَ مِقْدَارِهِ؟ وَإِذَا كَانَ كَمَا وَصَفْنَا فَلَيْسَ لِكَلَامِهِ مَأْخَذٌ صَحِيحٌ أَوْ مَأْخَذٌ اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْهُ نَظَرٌ أَيْضًا لِمَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ رَدُّ مِثْلِ الْمَاءِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ لَهَا وَقْعٌ دُونَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ أَوْ لَهُ قِيمَةٌ تَافِهَةٌ كَهِيَ عَلَى الشَّطِّ أَوْ أَعْلَى مِنْهَا بِقَلِيلٍ فَحِينَئِذٍ تَجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ تَلَفِهِ إذَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ
وَهَذَا هُوَ مَحْمَلُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ كَمَا مَرَّ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ يَوْمَ التَّلَفِ وَالرَّدِّ فَلَا نَظَرَ إلَى تَفَاوُتِ الْقِيمَتَيْنِ، بَلْ يَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فَقَوْلُهُ فَإِذَا رَامَ رَدَّ مِثْلِهِ فِي حَالَةِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ إلَخْ لَا يَصْلُحُ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِرَدِّ الْقِيمَةِ لَا الْمِثْلِ، كَمَا لَوْ غَصَبَ جَمْدًا فِي الصَّيْفِ ثُمَّ رَامَ رَدَّ مِثْلِهِ فِي الشِّتَاءِ، وَقَوْلُهُ وَأَيْضًا فَقَدْ يَكُونُ إلَخْ يُرَدُّ بِأَنَّ مَحِلَّ رَدِّ الْمِثْلِ هُنَا حَيْثُ طَالَبَهُ بِهِ الْمَالِكُ وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِلَّ بِرَدِّهِ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِيمَنْ غَصَبَ تُرَابًا وَأَتْلَفَهُ وَأَرَادَ رَدَّ مِثْلِهِ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يُطَالِبْهُ الْمَالِكُ بِرَدِّهِ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ كَمَا مَرَّ، وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي لَمْ يَغْلِ مِثْلِيٌّ إلَّا فِي الْحَالَةِ السَّابِقَةِ، وَمَا نَقَلَهُ السَّائِلُ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا إلَخْ فَهُوَ لَا يُوَافِقُ قَوَاعِدَ مَذْهَبِنَا إلَّا إنْ فُرِضَ أَنَّهُ حَصَلَ فِي الْأَرْضِ تَعْيِيبٌ بِأَخْذِ الْمَاءِ مِنْهَا فَيَجِبُ حِينَئِذٍ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا، وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَمَا حَقِيقَةُ الْجَعْلِ إلَخْ جَوَابُهُ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَوَّلَ هَذَا الْجَوَابِ، وَتَفْسِيرُهُ الْجَعْلَ وَالسَّوْقَ بِمَا ذُكِرَ غَيْرُ مُرَادٍ لِلْفُقَهَاءِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَيْضًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ الْوَاحِدَةُ بَعْضُهَا مُرْتَفِعٌ وَبَعْضُهَا مُنْخَفِضٌ وَلَوْ سُقِيَا مَعًا لَزَادَ الْمَاءُ فِي الْمُنْخَفِضَةِ عَلَى الْحَدِّ الْمُسْتَحَقِّ مَثَلًا أَفْرَدَ كُلَّ بَعْضٍ بِالسَّقْيِ مَثَلًا وَطَرِيقُهُ أَنْ يَسْقِيَ الْمُنْخَفِضَ ثُمَّ يَسُدُّهُ ثُمَّ يَسْقِيَ الْمُرْتَفِعَ مَثَلًا فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ لِاثْنَيْنِ وَتَضَرَّرَ الَّذِي يَتَأَخَّرُ سَقْيُهُ فَهَلْ يَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ قِسْمَةُ الْمَاءِ لِئَلَّا يَتَقَدَّمَ شَرِيكٌ عَلَى شَرِيك أَمْ لَا؟ فَإِنْ قِيلَ يُفْرَدُ الْمُرْتَفِعُ بِحَاجِزٍ فَالْحَاجِزُ الَّذِي يَرُدُّ الْمَاءَ
هَلْ هُوَ عَلَيْهِمَا مَعًا أَوْ عَلَى أَيِّهِمَا؟ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ الْوَاحِدَةُ مُنْقَسِمَةً بَيْنَ جَمَاعَةٍ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً وَوَجَدْنَا عَلَيْهَا حَاجِزًا يَرُدُّ الْمَاءَ فَهَلْ الْمِلْكُ فِيهِ لِمَنْ يَلِي مِلْكَهُ مِنْهُمْ كَالْجِدَارِ الْمُتَّصِلِ بِمِلْكِهِ مَعَ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَا حَصَلَ عَلَيْهِ مِنْ نَبَاتٍ وَحَشِيشٍ وَنَحْوِهِمَا أَمْ هُوَ لِلْجَمِيعِ بِانْتِفَاعِهِمْ بِرَدِّ الْمَاءِ إلَى أَمْلَاكِهِمْ وَحَبْسِهِ عَنْ الْخُرُوجِ عَنْهَا فَيَكُونُ حَرِيمًا لِهَذِهِ الْأَرْضِ؟ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ مُطَّرِدَةٌ فِي جِهَةِ السَّائِلِ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إذَا بِيعَ كُلُّ ذِرَاعٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ وَأَمْثَالِهَا أَنَّهُ يَحُطُّ هَذَا الْحَاجِزَ مِنْ غَيْرِ مُقَابَلَةٍ بِعِوَضٍ وَكَذَا يَحُطُّونَ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ بِسَبَبِ وُجُودِ شَجَرٍ فِيهَا لِأَجْنَبِيٍّ أَوْ مَصَبِّ مَاءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَضْعُفُ بِسَبَبِهِ الْإِنْبَاتُ هَكَذَا اطَّرَدَ الْعُرْفُ بِذَلِكَ فِي جِهَتِنَا.
فَهَلْ هَذِهِ الْعَادَةُ مُتَّبَعَةٌ مَعْمُولٌ بِهَا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ قَوْلَ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ إلَخْ أَخَذَهُ مِنْ الرَّوْضَةِ، وَعِبَارَتُهَا: وَلَوْ كَانَتْ أَرْض الْأَعْلَى
стр. 738
بَعْضُهَا مُرْتَفِعًا وَبَعْضُهَا مُنْخَفِضًا وَلَوْ سُقِيَا مَعًا لَزَادَ الْمَاءُ فِي الْمُنْخَفِضَةِ عَلَى الْحَدِّ الْمُسْتَحَقِّ أَفْرَدَ كُلَّ بَعْضٍ بِالسَّقْيِ بِمَا هُوَ طَرِيقُهُ قُلْتُ: طَرِيقُهُ أَنْ يَسْقِيَ الْمُنْخَفِضَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يَسُدَّهُ ثُمَّ يَسْقِيَ الْمُرْتَفِعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مَحِلُّهَا إنْ أَمْكَنَتْ وَإِلَّا حُبِسَ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ بِقَدْرِ مَا لَوْ اعْتَدَلَتْ لَبَلَغَ الْكَعْبَيْنِ كَمَا فِي الْمَطْلَبِ وَعِبَارَتِهِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَوْ كَانَ فِي مِلْكِ وَاحِدٍ أَرْضٌ بَعْضُهَا مُسْتَغَلٌّ وَبَعْضُهَا عَالٍ إنْ حُبِسَ الْمَاءُ فِيهَا حَتَّى يَبْلُغَ الْعَالِي زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ فِي الْمُسْتَفَلِ، وَإِنْ حُبِسَ فِي الْمُسْتَفِلِ قَدْرُ الْكَعْبَيْنِ لَمْ يَبْلُغْ الْعَالِي فَلَا يُعْمَلُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ وَلَكِنْ نَحْبِسُ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ بِقَدْرِ مَا لَوْ اعْتَدَلَتْ لَبَلَغَ الْكَعْبَيْنِ قُلْت: وَهَذَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ سَقَى الْمُسْتَفِلَةَ أَوَّلًا حَتَّى يَصِلَ إلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يَسُدُّ عَلَيْهَا وَيُرْسِلُهُ إلَى الْعَالِيَة، أَمَّا إذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ فِعْلُهُ اهـ. وَعِبَارَةُ جَمْعٍ مِنْ شُرَّاحِ الْمِنْهَاجِ وَكَأَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ سَقَى الْعَالِيَةَ أَوَّلًا حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يَسُدُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ وَيُرْسِلُهُ إلَى السَّافِلَةِ، فَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ تَعَيُّنُهُ قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْقَمُولِيُّ وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ، بَلْ حَيْثُ أَمْكَنَ سَقَى الْمُسْتَفِلَةَ أَوَّلًا أَوْ الْعَالِيَةَ أَوَّلًا كَمَا ذُكِرَ تَعَيَّنَ، وَقَوْلُ السَّائِلِ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ لِاثْنَيْنِ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ أَرْضَيْهِمَا إنْ كَانَتَا تُسْقَيَانِ مِنْ مَاءٍ مُبَاحٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا كَمَا اقْتَضَاهُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ وَلَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ أَرْضَاهُمَا مُتَحَاذِيَتَانِ أَوْ أَرَادَا شَقَّ النَّهْرِ مِنْ مَوْضِعَيْنِ مُتَحَاذِيَيْنِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَهَلْ يُقْرَعُ أَوْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا أَوْ يُقَدِّمُ الْإِمَامُ مَنْ يَرَاهُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْعَبَّادِيُّ قُلْت: أَصَحُّهَا يُقْرَعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَكَأَنَّ الصُّورَةَ فِيمَا إذَا أُحْيِيَا دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ جُهِلَ أَسْبَقُهُمَا اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْكَلَامُ عِنْدَ ضِيقِ الْمَاءِ وَإِلَّا سَقَى كُلٌّ مِنْهُمْ مَتَى شَاءَ، أَمَّا إذَا كَانَتْ أَرْضَاهُمَا تُسْقَى مِنْ مَاءٍ مَمْلُوكٍ لَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يُقَدَّمُ هُنَا الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ سَقْيُهُمَا مَعًا وَلَا بِنَصْبِ خَشَبَةٍ مُسْتَوِيَةِ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ فِي عُرْضِ النَّهْرِ وَيُفْتَحُ فِيهَا ثُقَبٌ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا وَلَمْ يَرْضَيَا بِقِسْمَتِهِ بِالْمُهَايَأَةِ كَيَوْمٍ وَيَوْمٍ وَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهُ بِقِطْعَةٍ مِنْ أَوَّلِ الْأَرَاضِي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي إذْ قُسِمَ أَمْكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ الْمَاءِ أُجِيبَ طَالِبُ الْقِسْمَةِ حِينَئِذٍ وَأَجْبَرَ صَاحِبَهُ عَلَيْهَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَقِسْمَتَهَا قِسْمَةُ إجْبَارٍ إذْ الْمُمْتَنِعُ مِنْهَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْأَنْصِبَاءُ مُتَفَاوِتَةً إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهَا وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ إفْرَازٌ لَا بَيْعٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَيَجُوزُ فِي الرِّبَوِيِّ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ مَثَلًا وَمِنْ ثَمَّ جَازَتْ الْقِسْمَةُ فِيهَا بِالْمُهَايَأَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ بِقَوْلِهِمْ: وَإِنْ اقْتَسَمُوا الْمَاءَ بِالْمُهَايَأَةِ جَازَ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَاءُ قَلِيلًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا كَذَلِكَ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ الْأَذْرَعِيِّ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ أَيْ: الْمَاءُ الْمَمْلُوكُ فَكَيْفَ يَنْقَدِحُ الْقَوْلُ بِالْقِسْمَةِ مُهَايَأَةً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ هَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ؟ وَأَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّهَا إفْرَازُ حَقٍّ فَهَذَا مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ وَلَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا فِي كَلَامِهِمْ هُنَا فَتَأَمَّلْهُ اهـ. وَلَا يَحْتَاجُ لِذِكْرِهِمْ لَهُ هُنَا؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَغْنَوْا بِذِكْرِهِمْ مَا يُصَرَّحُ بِحُكْمِهِ فِي الْقِسْمَةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْته وَقَوْلُ السَّائِلِ: فَإِنْ قِيلَ يَنْفَرِدُ الْمُرْتَفِعُ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّهُ حَيْثُ أَمْكَنَتْ الْقِسْمَةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْفَرِدَ الْمُرْتَفِعُ بِحَاجِزٍ كَمَا فِي الطَّرِيقِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَمْ يُحْتَجْ إلَى حَاجِزٍ وَحَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِحَاجِزٍ فَالظَّاهِرُ وُجُوبُهُ عَلَيْهِمَا
لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْعَائِدَةَ مِنْهُ لَا تَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا، بَلْ هِيَ عَائِدَةٌ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى اسْتِيفَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا حَقَّهُ وَلَا نَظَرَ إلَى إمْكَانِ سَقْيِ أَرْضِ أَحَدِهِمَا بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الْمَاءِ مَنَعَ النَّظَرَ إلَى هَذَا الْإِمْكَانِ وَصَيَّرَ أَرْضَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يُمْكِنُ سَقْيُهَا مِنْ هَذَا الْمَاءِ الْمُشْتَرَكِ إلَّا بِهَذَا الْحَاجِزِ فَاتَّضَحَ عَوْدُ مَنْفَعَتِهِ عَلَيْهِمَا، وَقَوْلُهُ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ أَنَّ الْحَاجِزَ الْمَذْكُورَ وَمَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِجَمِيعِ أَرْبَابِ الْأَرَاضِي الَّتِي تَنْتَفِعُ بِهِ بِرَدِّ الْمَاءِ عَنْهَا فَقَدْ قَالُوا وَتَبِعَهُمْ الشَّيْخَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَلَوْ تَنَازَعَ الشُّرَكَاءُ فِي النَّهْرِ فِي قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمْ جُعِلَ عَلَى قَدْرِ الْأَرَضِينَ عَلَى الْأَصَحِّ
стр. 739
لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّرِكَةَ بِحَسَبِ الْمِلْكِ وَكُلَّ أَرْضٍ وُجِدَ فِي يَدِ أَهْلِهَا نَهْرٌ لَا تُسْقَى الْأَرْضُ إلَّا مِنْهُ وَلَمْ يُدْرَ أَنَّهُ حُفِرَ أَوْ انْخَرَقَ حُكِمَ لَهُمْ بِمِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ يَدٍ وَانْتِفَاعٍ فَلَا يُقَدَّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَالْمُرَادُ بِالنَّهْرِ فِي الْأُولَى وَمِثْلُهُ الثَّانِيَةُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ إلَّا أَنَّهُمْ يَسْقُونَ أَرَضِيهِمْ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَبِكَلَامِهِ يُعْلَمُ رَدُّ قَوْلِ الْأَذْرَعِيِّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْبَعَهُ فِي أَرَاضِيهِمْ الْمَمْلُوكَةِ لَهُمْ فَيَمْلِكُونَهُ، أَمَّا لَوْ كَانَ مَنْبَعُهُ بِمَوَاتٍ أَوْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ نَهْرٍ عَامٍّ كَدِجْلَةَ وَنَحْوِهَا فَلَا، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى الْإِبَاحَةِ اهـ.
وَأَمَّا تَنْظِيرُ السُّبْكِيّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَفْرِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَنْهَارِ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ، وَالْمُحَقَّقُ مِنْ الْيَدِ فِيهِ الِانْتِفَاعُ وَالسَّقْيُ مِنْهُ وَلَا يَكْفِي ذَلِكَ لِدَلَالَةِ الْيَدِ عَلَى الْمِلْكِ؛ إذْ الْيَدُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ هِيَ الَّتِي يَكُونُ مَعَهَا الِاسْتِيلَاءُ وَمَنْعُ الْغَيْرِ فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى الْمِلْكِ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْكَمَ بِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا لَهُمْ، نَعَمْ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي قَنَاةٍ أَوْ سَاقِيَةٍ يَظْهَرُ اخْتِصَاصُهُمْ بِهَا وَاسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَيْهَا بِحَيْثُ لَا يُسْتَنْكَرُ أَنْ يَحْمُوهَا وَيَسُدُّوهَا فَيَرُدُّهُ أَنَّا، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَصْلَ مَا ذَكَرَهُ وَإِلَّا فَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، وَكَوْنُ الْمُحَقَّقِ مِنْ الْيَد فِيهِ الِانْتِفَاعُ لَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِالْمِلْكِ أَيْضًا عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَكَوْنُ ذَلِكَ لَا يَكْفِي لِدَلَالَةِ الْيَدِ عَلَى الْمِلْكِ مَمْنُوعٌ وَدَعْوَى أَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ إلَّا إنْ كَانَ مَعَهَا اسْتِيلَاءٌ وَمَنَعَ الْغَيْرَ إنْ أَرَادَ مَنْعَهُ بِالْفِعْلِ فَمَمْنُوعٌ أَيْضًا أَوْ بِالْقُوَّةِ فَهُوَ لَازِمُ الِاسْتِيلَاءِ وَبَقِيَّةُ نَظَرِهِ عُلِمَ رَدُّهُ مِمَّا تَقَرَّرَ فَالصَّحِيحُ مَا قَالُوهُ مِنْ دَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى الْمِلْكِ، وَحِينَئِذٍ فَكَمَا أَنَّ السَّقْيَ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَسْقُونَ مِنْهُ كَمَا تَقَرَّرَ عَنْ الْمُتَوَلِّي رَدُّ الْحَاجِزِ هُنَا عَنْ أَرَضِينَ يَدُلُّ عَلَى مِلْكِ أَهْلِهَا لَهُ
وَلَا نَظَرَ هُنَا لِاتِّصَالِهِ بِمِلْكِ أَحَدِهِمَا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي ذَكَرَهُ السَّائِلُ بِأَنَّ الْجِدَارَ لَيْسَ عَلَى مِلْكِهِ لِأَحَدِهِمَا بِخُصُوصِهِ قَرِينَةٌ إلَّا اتِّصَالَهُ بِمِلْكِ أَحَدِهِمَا اتِّصَالًا لَا يُمْكِنُ إحْدَاثُهُ، فَحَيْثُ وُجِدَ هَذَا الِاتِّصَالُ حَكَمْنَا بِمِلْكِهِ لِمَنْ اتَّصَلَ كَذَلِكَ بِمِلْكِهِ وَإِلَّا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَالْحَاجِزُ هُنَا عَلَى مِلْكِهِ لِأَرْبَابِ الْأَرَاضِي جَمِيعِهِمْ قَرِينَةٌ وَهِيَ انْتِفَاعُهُمْ بِهِ فَعَمِلْنَا بِهَا، وَلَمْ نَنْظُرْ إلَى اتِّصَالِهِ بِأَحَدِهِمَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَأَمَّا الْجِدَارُ فَالِاتِّصَال الْمَذْكُورُ فِيهِ لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ فَلِهَذَا حَكَمْنَا بِقَضِيَّتِهِ وَمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ مَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِلْجَمِيعِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ لَا يَمْلِكُهُ مَالِكُهَا ضَعِيفٌ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ فِي مُرْصَدَةٍ لِلزَّرْعِ وَالْغَرْسِ لَا يَمْلِكُهُ مَالِكُهَا بِخِلَافِ الْمُرْصَدَةِ لِلْكَلَإِ فَتَفْصِيلُهُ ضَعِيفٌ، بَلْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ غَرِيبٌ وَقَوْلُ السَّائِلِ فَهَلْ هَذِهِ الْعَادَةُ مُتَّبَعَةٌ مَعْمُولٌ بِهَا أَمْ لَا؟ جَوَابُهُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَا فِي حَطِّ شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ بِسَبَبِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إذَا وَقَعَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ مَلَكَهُ الْبَائِعُ وَاشْتُغِلَتْ بِهِ ذِمَّةُ الْمُشْتَرِي، وَقَضِيَّةُ الْعَادَةِ لِضَعْفِهَا لَا تَقْوَى عَلَى إزَالَةِ شَيْءٍ مِمَّا اشْتَغَلَتْ بِهِ الذِّمَّةُ يَقِينًا، بَلْ لَا طَرِيقَ هُنَا إلَّا الْإِعْطَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ، وَأَمَّا إطْرَادُهَا بِأَنَّهُ إذَا بِيعَ كُلُّ ذِرَاعٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ فَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ إذَا قُلْنَا إنَّ الْحَاجِزَ الْمَذْكُورَ مِلْكٌ لِجَمِيعِ الْأَرَاضِي كَانَ بِمَنْزِلَةِ حَرِيمِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْحَرِيمَ هُوَ مَا يَتِمُّ بِهِ الِانْتِفَاعُ وَبَيْعُ الدَّارِ دُونَ حَرِيمِهَا لَا يَصِحُّ بِشَرْطِهِ الْمُقَرَّرِ فِي مَحِلِّهِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطَ دُخُولَهُ أَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فَكَذَا يُقَالُ فِي هَذَا الْحَاجِزِ إنْ شَرَطَ عَدَمَ دُخُولِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَالْأَصَحُّ وَدَخَلَ حِصَّةَ الْمَبِيعِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِدُخُولِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) لَوْ كَانَتْ أَرْضٌ بَيْنَ شَخْصَيْنِ لِوَاحِدٍ أَعْلَاهَا وَلِلْآخَرِ أَسْفَلُهَا فَأَخْرَبَ السَّيْلُ أَعْلَاهَا وَأَصْلَحَهُ مَالِكُهَا مَثَلًا لَكِنْ بَقِيَ مُنْخَفِضًا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ وَلَا يَجْرِي إلَى الْأَسْفَلِ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ مَثَلًا وَطَلَبَ الْأَسْفَلُ حَقَّهُ فَمَا حُكْمُ ذَلِكَ وَهَلْ الْإِصْلَاحُ عَلَى مَنْ أَخْرَبَ السَّيْلُ مِلْكَهُ مِنْهُمَا وَاجِبٌ لِيَصِلَ صَاحِبُهُ إلَى سَقْيِ مِلْكِهِ؟ سَوَاءٌ أَوْجَبْنَا الْعِمَارَةَ أَمْ لَا أَوْ الْحُكْمُ غَيْرُ ذَلِكَ؟ وَمَا هُوَ ذَلِكَ؟ فَلَوْ انْخَفَضَتْ أَرْضُ الْأَسْفَلِ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ الْمَاءُ فِي أَرْضِ الْأَعْلَى إلَّا بَعْدَ الزِّيَادَةِ فِي السُّفْلَى عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ أَوْ انْخَفَضَ الْحَاجِزُ الَّذِي يَرُدُّ الْمَاءَ وَلَمْ يَرُدَّ لِصَاحِبِهِ إلَى شَرِيكِهِ مَا يَكْفِيه مِنْ الْمَاءِ وَأَوْجَبْنَا الْعِمَارَةَ، لَكِنْ تَعَسَّرَ أَوْ تَعَذَّرَ
стр. 740
رَدُّهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، فَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ هَلْ يَغْرَمُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ مَنْفَعَةَ أَرْضِ صَاحِبِهِ مُدَّةَ التَّعْطِيلِ إلَى أَنْ يُكْمِلَ الْإِصْلَاحَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ كَمَا فِي هَدْمِ السَّقْفِ الْمُسْتَحَقِّ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ بِجَامِعِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِمَا أَوْ لَا إذْ لَا تَعَدِّي مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَهَلْ رَدَّ الْحَاجِزَ مَنْ أَخْرَبَ السَّيْلُ مِلْكَهُ الْمُجَاوِرَ لِلْعَاجِزِ أَوْ عَلَيْهِمَا أَوْ عِمَارَةُ الْحَاجِزِ تَابِعَةٌ لِمِلْكِهِ فَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ فِيهِ لَهُمَا فَالْعِمَارَةُ عَلَيْهِمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِ؟ أَوْضِحُوا لَنَا الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ.
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ صَاحِبَ الْأَعْلَى الَّذِي أَخْرَبَهُ السَّيْلُ إذَا أَرَادَ إصْلَاحَهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَهُ كَمَا كَانَ فَإِذَا أَصْلَحَهُ وَبَقِيَ مُنْخَفِضًا لَزِمَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ كَأَنْ يَطِمَّهُ حَتَّى يَرْتَفِعَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَإِنْ تَعَذَّرَ وَقَفَ حَتَّى يَصْطَلِحَا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إصْلَاحُ مِلْكِهِ، وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ سَقْيُ مِلْكِ الْأَسْفَلِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَا يُجْبَرُ شَرِيكٌ عَلَى إعَادَةِ الْجِدَارِ أَوْ الْبَيْتِ الْمُشْتَرَكِ إذَا انْهَدَمَ وَلَوْ بِفِعْلِهِ كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى زَرْعِ الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ وَلِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ يَتَضَرَّرُ أَيْضًا بِتَكْلِيفِهِ الْعِمَارَةَ، نَعَمْ يُجْبَرُ فِي الْأَرْضِ عَلَى إجَارَتِهَا وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ قَالَ الشَّيْخَانِ وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي النَّهْرِ وَالْقَنَاةِ وَالْبِئْرِ الْمُشْتَرَكَةِ وَاِتِّخَاذِ سُتْرَةٍ بَيْنَ سَطْحَيْهِمَا قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَلَا يُجْبَرُ أَيْضًا عَلَى سَقْيِ النَّبَاتِ مِنْ شَجَرٍ وَغَيْرِهِ، وَقَوْلُ الْحَوْزِيِّ يُجْبَرُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا ضَعِيفٌ وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِنَظِيرِ مَسْأَلَتِنَا وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عُلُوُّ الدَّارِ لِوَاحِدٍ وَسُفْلُهَا لِآخَرَ وَانْهَدَمَتْ فَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ إجْبَارُ الثَّانِي عَلَى إعَادَةِ السُّفْلِ وَلَا لِلثَّانِي إجْبَارُ الْأَوَّلِ عَلَى مُعَاوَنَتِهِ فِي إعَادَتِهِ انْتَهَى، فَإِنْ قُلْتَ صَرَّحُوا هُنَاكَ أَيْضًا بِأَنَّ لِلشَّرِيكِ إعَادَةَ الْمُشْتَرَكِ بِآلَةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي وُصُولِهِ إلَى حَقِّهِ بِخِلَافِهِ بِآلَةِ شَرِيكِهِ أَوْ بِالْآلَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَبِأَنَّ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ بِنَاءَ الْأَسْفَلِ بِمَا لَهُ، وَقِيَاسُهُ هُنَا أَنَّ لِلْأَسْفَلِ إصْلَاحُ الْعُلْيَا إذَا تَوَقَّفَ وُصُولُهُ لِحَقِّهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي وُصُولِهِ إلَى حَقِّهِ قُلْت: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ قِيَاسُ الصُّورَةِ الْأُولَى ذَلِكَ، وَقَدْ يُومِئُ إلَيْهِ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ فَإِنْ قِيلَ: أَسَاسُ الْجِدَارِ بَيْنَهُمَا فَكَيْفَ جَوَّزْتُمْ لَهُ بِنَاءَهُ بِآلَتِهِ وَأَنْ يَنْفَرِدَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ قُلْنَا: لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْحَمْلِ عَلَيْهِ فَكَانَ لَهُ الْإِعَادَةُ اهـ.
وَكَذَا يُقَالُ فِي مَسْأَلَتِنَا لَهُ حَقُّ الْإِجْرَاءِ فِي الْعُلْيَا فَإِذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا مِنْ إصْلَاحِهَا كَانَ لِلْأَسْفَلِ إصْلَاحُهَا حَتَّى يَصِلَ إلَى حَقِّهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَسْأَلَتِنَا وَمَسْأَلَةِ الْجِدَارِ الْمُشْتَرَكِ بِأَنَّ الشَّرِيكَ مَالِكٌ لِلْبَعْضِ وَلَهُ حَقُّ الْحَمْلِ عَلَى الْمُنْهَدِمِ فَسَاغَتْ لَهُ الْإِعَادَةُ بِخِلَافِ الْأَسْفَلِ هُنَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ أَعْنِي قَوْلَهُمْ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ بِنَاءُ الْأَسْفَلِ بِمَا لَهُ فَقِيَاسُهَا أَنَّ لِلْأَسْفَلِ هُنَا الْإِصْلَاحَ أَيْضًا بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ صَاحِبِ الْعُلُوِّ هُنَا وَالسُّفْلِ ثَمَّ لَيْسَ مَالِكًا لِشَيْءٍ مِمَّا بَنَى فِيهِ فَكَمَا سَامَحُوا لِلْأَعْلَى فِي ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ مِلْكِهِ لِلْعَرْصَةِ الْمَبْنِيِّ فِيهَا وَلَا لِشَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى يَصِلَ لِحَقِّهِ وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى مَا بَنَاهُ، فَقِيَاسُهُ أَنْ يُسَامَحَ هُنَا لِذِي السُّفْلَى فِي إصْلَاحِ الْعُلْيَا حَتَّى يَجْرِيَ مِنْهَا إلَى أَرْضِهِ، وَإِذَا انْخَفَضَتْ السُّفْلَى وَلَمْ يَسْتَقِرَّ الْمَاءُ فِي الْعُلْيَا إلَّا بَعْدَ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يَلْزَمْ مَالِكُ السُّفْلَى ذَلِكَ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، نَعَمْ إنْ أَرَادَ إصْلَاحَهَا أَلْزَمَهُ أَنْ يَرُدَّهَا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْأَمْرُ يَصْطَلِحَا.
وَقِيَاسُ مَا مَرَّ أَنَّ لِصَاحِبِ الْعُلْيَا إصْلَاحَ السُّفْلَى الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ سَقْيُ أَرْضِهِ لِيَصِل إلَى حَقِّهِ، وَإِذَا انْخَفَضَ الْحَاجِزُ الَّذِي يَرُدُّ الْمَاءَ فَإِنْ كَانَ مُخْتَصًّا بِأَرْضِ أَحَدِهِمَا فَإِصْلَاحُهُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ فَعَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ أَرْضَيْهِمَا فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى إصْلَاحِهِ فَذَاكَ وَإِلَّا لَمْ يُجْبَرْ أَحَدُهُمَا نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْجِدَارِ الْمُشْتَرَكِ إذَا هَدَمَهُ أَحَدُهُمَا فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُوبُ إعَادَتِهِ، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَشْبِيهِ السَّائِلِ لَهُ بِالسَّقْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ، نَعَمْ إنْ كَانَ اسْتِحْقَاقُ الْأَسْفَلِ الْإِجْرَاءَ فِي مِلْكِ الْأَعْلَى بِعَقْدِ بَيْعٍ وَأَخْرَبَ الْأَعْلَى مَحِلَّ الْإِجْرَاءِ غَرِمَ لِلْأَسْفَلِ قِيمَةَ حَقِّ الْإِجْرَاءِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ لِلْفُرْقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَقِّهِ بِمَا فَعَلَهُ حَتَّى إذَا أُعِيدَ مَحِلُّ الْإِجْرَاءِ أُعِيدَ الْإِجْرَاءُ وَرَدَّ الْقِيمَةَ لِزَوَالِ الْحَيْلُولَةِ، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ غُرْمِ الْقِيمَةِ مَبْنِيٌّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَلَى أَنَّ مَنْ هَدَمَ جِدَارَ الْغَيْرِ يَلْزَمُهُ أَرْشُ النَّقْصِ لَا إعَادَةُ الْجِدَارِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْهَادِمُ هُوَ الْمَالِكَ أَوْ غَيْرَهُ خِلَافًا لِمَا صَوَّبَهُ
стр. 741
الْإِسْنَوِيُّ كَالسُّبْكِيِّ؛ لِأَنَّ الْجِدَارَ لَيْسَ مِثْلِيًّا كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، نَعَمْ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ إذَا هَدَمَ جِدَارَ نَفْسِهِ الَّذِي اسْتَحَقَّ غَيْرُهُ الْبِنَاءَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ إعَادَتُهُ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مِثْلِيًّا، بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فَوَّتَ بِالْهَدْمِ عَلَى الْمُشْتَرِي الْمَنْفَعَةَ الَّتِي اسْتَحَقَّهَا عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ فَلَزِمَهُ تَحْصِيلُهَا بِإِعَادَةِ مَحِلِّهَا اُتُّجِهَ مَا قَالَاهُ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَجِبُ هُنَا عَلَى الْأَعْلَى الَّذِي أَخْرَبَ مَحِلَّ الْإِجْرَاءِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ الْأَسْفَلُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ أَنْ يُعِيدَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي اسْتَحَقَّهَا عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ فَلَزِمَهُ تَحْصِيلُهَا بِإِعَادَةِ مَحِلِّهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ هَادِمَ الْجِدَارِ لَا يَغْرَمُ أُجْرَةَ الْبِنَاءِ لِمُدَّةِ الْحَيْلُولَةِ قَالَ الْإِمَامُ: لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَى التَّأْبِيدِ وَمَا يَتَقَدَّرُ لَا يَنْحَطُّ مِمَّا لَا يَتَنَاهَى.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ فِيمَا إذَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى مُدَّةٍ وَالْمُتَّجَهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْأُجْرَةِ لِلْحَيْلُولَةِ إنَّمَا مَحِلُّهُ عِنْدَ قِيَامِ الْعَيْنِ اهـ. وَبِهِ يُعْلَمُ عَدَمُ صِحَّةِ التَّشْبِيهِ فِي قَوْلِ السَّائِلِ هَلْ يَغْرَمُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ مَنْفَعَةَ عَيْنِ صَاحِبِهِ مُدَّةَ التَّعْطِيلِ إلَى أَنْ يُكْمِلَ الْإِصْلَاحَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ كَمَا فِي هَدْمِ السَّقْفِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْبِنَاءِ عَلَيْهِ اهـ؟ وَوَجْهُ رَدِّهِ مَا تَقَرَّرَ فِي مَسْأَلَةِ الْبِنَاءِ أَنَّهُ لَا يَغْرَمُ أُجْرَتَهُ لِمُدَّةِ الْحَيْلُولَةِ فَلَوْ قَالَ السَّائِلُ: هَلْ يَغْرَمُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ قِيمَةَ حَقِّ الْإِجْرَاءِ الَّذِي أَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسْتَحِقِّهِ كَمَا فِي هَدْمِ السَّقْفِ إلَخْ لَصَحَّ التَّشْبِيهُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا قَدَّمْته وَبِمَا تَقَرَّرَ أَوَّلًا عُلِمَ الْجَوَّابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ وَهَلْ رَدُّ الْحَاجِزِ إلَخْ؟ (فَائِدَةٌ) إذَا انْهَارَ النَّهْرُ الْمُشْتَرَكُ أَوْ الْقَنَاةُ الْمُشْتَرَكَةُ وَانْقَطَعَ ثُمَّ تَوَلَّى أَحَدُ الْمُسْتَحِقِّينَ إصْلَاحَهَا أَوْ عِمَارَتَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُ الْبَاقِينَ عَنْ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَنْبُعُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ الْمَالِكَ مِنْ الِارْتِفَاقِ بِمِلْكِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ كَانَتْ أَرْضٌ لِاثْنَيْنِ لِأَحَدِهِمَا أَعْلَاهَا أَيْ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي يَلِي مَصَبَّ الْمَاءِ وَلِلْآخَرِ أَسْفَلُهَا وَالْمَاءُ يَجِيءُ فِيهِ التُّرَابُ فَأَرَادَ الْأَسْفَلُ أَنْ يَجْعَلَ فِي مِلْكِهِ حَاجِزًا لِمَنْعِ التُّرَابِ الْآتِي فِي الْمَاءِ وَيَتْرُكُ فِي الْحَاجِزِ فُتَحًا يَجْرِي مِنْهَا الْمَاءُ إلَى أَرْضِهِ وَيُتْرَكُ الضَّرَرُ مِنْ التُّرَابِ عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي أَرْضُهُ مُجَاوِرَةٌ لِمَصَبِّ الْمَاءِ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ أَوْ لَا لِإِضْرَارِهِ بِمِلْكِ صَاحِبِهِ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الشَّخْصَ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ بِمَا يَضُرُّ الْمُلَّاكَ لَا الْأَمْلَاكَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ تُرَابٌ يُخْشَى الضَّرَرُ بِسَبَبِهِ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَلَوْ انْعَكَسَ الْحُكْمُ بِأَنْ أَرَادَ صَاحِبُ مَصَبِّ الْمَاءِ وَهُوَ الْأَعْلَى أَنْ يَجْعَلَ فِي أَرْضِهِ حَاجِزًا أَوْ يَتْرُكَ لِلْأَسْفَلِ فَتْحًا يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ إلَى الْأَسْفَلِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
فَلَوْ كَانَتْ أَرْضُ الْأَسْفَلِ يُخْشَى خَرَابُهَا فَخَافَ الْأَعْلَى أَنْ يَخْرُجَ الْمَاءُ عَنْ جَمِيعِ أَرْضَيْهِمَا فَأَرَادَ الْأَعْلَى أَنْ يَجْعَلَ الْحَاجِزَ لِأَجْلِ ذَلِكَ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ فُقَهَاءِ تِلْكَ الْجِهَةِ بِالْمَنْعِ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَسْفَلَ يَسْتَحِقُّ الشُّرْبَ مِنْ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ الْعُلْيَا مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِالْبَعْضِ فَهَلْ مَا قَالَهُ مُقَرَّرٌ أَمْ لَا؟ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الضَّرُورَةِ وَعَدَمِهَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ اُعْتِيدَ نَصْبُ مِثْلِ الْحَاجِزِ الْمَذْكُورِ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَضَرَّ أَرْضَ جَارِهِ فَإِنْ لَمْ يَعْتَدْ ذَلِكَ وَضَرَّ أَرْضَ جَارِهِ مُنِعَ مِنْهُ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُمْ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مَتَى تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعَادَةِ جَازَ وَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ جَارُهُ؟ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا أَفْضَى إلَى تَلَفٍ كَمَا لَوْ اتَّخَذَ بِئْرًا عَلَى الِاقْتِصَادِ الْمُعْتَادِ فِي دَارِهِ أَوْ حَفَرَ فِيهَا بَالُوعَةً كَذَلِكَ فَاخْتَلَّ بِأَحَدِهِمَا حَائِطُ جَارِهِ أَوْ نَقَصَ بِهِ مَاءُ بِئْرِهِ أَوْ تَغَيَّرَ بِالنَّجَسِ بِخِلَافِ مَا لَوْ جَاوَزَ الْعَادَةَ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِمَّا يَضُرُّ بِالْمِلْكِ دُونَ الْمَالِكِ اهـ. وَإِذَا أَرَادَ صَاحِبُ الْعُلْيَا أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا حَاجِزًا أَوْ يَتْرُكَ مَنَافِذَ يَخْرُجُ الْمَاءُ مِنْهَا إلَى الْأَسْفَلِ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ السُّفْلَى؛ لِأَنَّ مَنْ اسْتَحَقَّ السَّقْيَ بِطَرِيقٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ لَهُ بَدَلَهَا إلَّا بِرِضَاهُ وَلَا نَظَرَ أَيْ: أَنَّ هَذِهِ الْمَنَافِذَ تَكْفِي أَرْضَهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ قَدْ يَقِلُّ فَيَرُدُّهُ الْحَاجِزُ عَنْ السُّفْلَى فَلَا يَصِلُ لَهَا مِنْ الْمَنَافِذِ مَا يَكْفِيهَا أَوْ مَا يُسَاوِي مَا كَانَ يَصِلُ لَهَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذَلِكَ الْحَاجِزُ، وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُ التَّتِمَّةِ لَوْ اسْتَحَقَّ إجْرَاءَ الْمَاءِ فِي نَهْرٍ فِي أَرْضِ إنْسَانٍ فَأَرَادَ تَحْوِيلَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ وَفِي وَجْهٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ تَحَوُّلُهُ إلَى بُقْعَةٍ هِيَ أَقْرَبُ إلَى أَرْضِهِ مِنْ الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِيهِ عَنْ قَضَاءِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ اهـ.
فَانْظُرْ إلَى
стр. 742
كَوْنِهِ مَنَعَ تَحْوِيلَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَ إلَى أَصْلَحَ وَأَنْفَعَ مِنْ الْأَوَّلِ فَامْتِنَاعُ مَا فِي مَسْأَلَتِنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَا يُرِيدُ يَفْعَلهُ مِنْ فَتْحِ الْمَنَافِذِ أَدْوَنَ مِنْ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ يَسْتَحِقُّهُ الْأَسْفَلُ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَا نُقِلَ فِي السُّؤَالِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَنَّهُ أُفْتِيَ بِالْمَنْعِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ صَحِيحٌ مُقَرَّرٌ مُؤَيِّدٌ بِتَصْرِيحِ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ بِمَا يُوَافِقُهُ وَلَا نَظَرَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا لِعَدَمِهَا كَمَا اقْتَضَاهُ قَوْلُ التَّتِمَّةِ أَيْضًا لَوْ كَانَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ نَهْرٌ مُمْتَدٌّ فِي الْأَرْضِ إلَى طَرَفِ مِلْكِ جَارِهِ، وَلَيْسَ لِجَارِهِ نَهْرٌ يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ إلَى مِلْكِهِ فَأَرَادَ إجْرَاءَ الْمَاءِ فِي نَهْرِ جَارِهِ، وَاحْتَاجَ صَاحِبُ الْأَرْضِ إلَى سَقْيِ أَرْضِهِ وَسَوْقِ الْمَاءِ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ تَمْكِينُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكُهُ مُحْتَاجًا إلَى سَوْقِ الْمَاءِ فِيهِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ تَمْكِينُ الْغَيْرِ مِنْ سُكْنَى دَارِهِ الَّتِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا اهـ. مُلَخَّصًا فَإِنْ قُلْت هَذَا الْحَاجِزُ لِمَصْلَحَتِهِمَا فَلِمَ لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ بِوَجْهٍ؟
قُلْت غَايَتُهُ أَنَّ فِيهِ إصْلَاحًا لِلْمِلْكِ أَوْ عِمَارَةً لَهُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنْ لَا إجْبَارَ عَلَى ذَلِكَ مُطْلَقًا، فَإِنْ قُلْت سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لَا يُجْبَرُ، لَكِنْ لِمَ جَازَ لِلْأَسْفَلِ الْمَنْعُ مِنْهُ كَمَا قَرَّرْته مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْإِصْلَاحِ وَعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهِ عَلَى الْأَسْفَلِ، بَلْ فِيهِ عَوْدُ مَصْلَحَةٍ عَلَى مِلْكِ الْأَسْفَلِ قُلْت: لَا ضَرُورَةَ إلَى كَوْنِ الْحَاجِزِ يُفْعَلُ فِي أَرْضِ الْأَعْلَى وَيُفْتَحُ مِنْهَا مَنَافِذُ يَخْرُجُ مِنْهَا الْمَاءُ لِأَرْضِ الْأَسْفَلِ لِإِمْكَانِ أَنْ يُجْعَلَ الْحَاجِزُ فِي آخِرِ أَرْضِ الْأَسْفَلِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فَالشَّخْصُ لَا يُجْبَرُ عَلَى السُّكُوتِ عَنْ حَقِّهِ لِمَصْلَحَةِ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةُ تَعُودُ عَلَيْهِ نَعَمْ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْحَاجِزُ يَسِيرًا تُمْكِنُ إزَالَتُهُ فِي الْحَالِ وَاضْطُرَّ إلَى وَضْعِهِ وَأَرَادَ وَضْعَهُ زَمَنًا قَلِيلًا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ ثُمَّ رَفَعَهُ وَلَمْ يَحْصُلْ لِلْأَسْفَلِ مِنْهُ ضَرَرٌ بِوَجْهٍ بِأَنْ يُحَوِّلَ الْمَاءَ الْجَارِي إلَى أَرْضِهِ إلَى مَحِلِّهِ كَأَنْ وَضَعَ الْحَاجِزَ الْمَذْكُورَ فِي مَجْرَاهُ وَفَتَحَ فِيهِ مَنَافِذَ تَكْفِي أَرْضَ الْأَسْفَلِ احْتَمَلَ حِينَئِذٍ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ أَخْذًا بِإِطْلَاقِ التَّتِمَّةِ السَّابِقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) لَوْ وَجَدْنَا فِي أَرْضٍ حَوَاجِزَ وَالْمَاءُ يَخْرُجُ بَيْنَ الْحَوَاجِزِ إلَى أَسْفَلَ هَذِهِ الْأَرْضِ وَأَعْلَاهَا لِجَمَاعَةٍ وَأَسْفَلُهَا لِآخَرِينَ مَثَلًا فَادَّعَى بَعْضُ الْأَسْفَلِينَ حُدُوثَ الْحَوَاجِزِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَطَلَبَ إزَالَتَهَا وَسُقِيَ نَصِيبُهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ الْعُلْيَا مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِفَتْحٍ مَثَلًا وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ وَاعْتَرَفَ بَعْضُ شُرَكَائِهِ بِكَوْنِ الْحَوَاجِزِ مَوْضُوعَةً بِحَقٍّ فَمَا حُكْمُ ذَلِكَ؟ وَلَوْ ادَّعَى ذَلِكَ جَمِيعُ الْأَسْفَلِينَ، لَكِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ وَنَكَلَ بَعْضٌ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ.
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ دَعْوَى بَعْضِ الْأَسْفَلِينَ حُدُوثَ الْحَوَاجِزِ بِغَيْرِ حَقٍّ مَسْمُوعَةٌ، لَكِنْ يَلْزَمُ مَنْ أَنْكَرَ إحْدَاثُهَا وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ بِحَقِّ الْحَلِفِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ نَكَلَ مَنْ لَزِمَهُ يَمِينٌ كَذَلِكَ عَنْهَا حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، ثُمَّ يُزَالُ حِينَئِذٍ مَا يَخُصُّ النَّاكِلَ مِنْهَا فَإِنْ نَكَلَ الْأَعْلَوْنَ جَمِيعُهُمْ حَلَفَ الْأَسْفَلُونَ وَأُزِيلَتْ كُلُّهَا، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ مَنْ ادَّعَى إحْدَاثَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمُجَرَّدِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا صُدِّقَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ بِحَقٍّ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وَضْعُهَا بِحَقٍّ كَمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا لَوْ وَجَدْنَا جِذْعًا لِإِنْسَانٍ مَوْضُوعًا عَلَى جِدَارٍ لِآخَرَ وَلَمْ نَعْلَمْ كَيْفَ وُضِعَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وُضِعَ بِحَقٍّ فَلَا يُنْقَضُ وَيُقْضَى لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ دَائِمًا فَلَوْ سَقَطَ الْجِدَارُ وَأُعِيدَ فَلَهُ إعَادَةُ الْجِذْعِ وَلِمَالِك الْجِدَارِ نَقْضُهُ إنْ كَانَ مُتَهَدِّمًا وَإِلَّا فَلَا اهـ. فَإِنْ قُلْت: يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَفْتَى بِهِ الْبَغَوِيّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَجْرِي مَاءٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَادْعِي الْمَالِكُ أَنَّهُ كَانَ عَارِيَّةً قُبِلَ قَوْلُهُ، قُلْت: أَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَصُورَةِ السُّؤَالِ فَوَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْيَدَ فِي الْحَوَاجِزِ لِجَمِيعِهِمْ وَالْيَدُ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ وَالِاسْتِحْقَاقِ؛ فَلِذَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي عَدَمَ الِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّعَدِّي بِخِلَافِ مَنْ يَدَّعِي مِلْكَ الْمَجْرَى فِي صُورَةِ الْبَغَوِيِّ، فَإِنَّ الْيَدَ لَيْسَتْ لَهُ بَلْ لِمَالِك الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا الْمَجْرَى، فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ لَيْسَ مِلْكَ الْآخَرِ وَأَنَّهُ إنَّمَا يُجْرِيه فِيهِ عَارِيَّةً قُبِلَ قَوْلُهُ لِقُوَّتِهِ بِكَوْنِ الْيَدِ عَلَيْهِ لَهُ
وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ تَعَدِّيَ صَاحِبِ الْمَاءِ فَلَا جَامِعَ بَيْنَ مَسْأَلَتِهِ وَصُورَةِ السُّؤَالِ، وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ صُورَةِ الْبَغَوِيِّ وَصُورَةِ الشَّيْخَيْنِ فِيمَا إذَا ادَّعَى صَاحِبُ الْجِدَارِ وَضْعَ الْجِذْعِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ
стр. 743
وَادَّعَى صَاحِبُ الْجِذْعِ وَضْعَهُ بِحَقٍّ فَيُحْكَمُ لِصَاحِبِ الْجِذْعِ بِالظَّاهِرِ مِنْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ بِحَقٍّ وَتُفْرَضُ مَسْأَلَةُ الْبَغَوِيِّ فِيمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ يَجْرِي بِحَقٍّ، لَكِنْ قَالَ الْمَالِكُ: عَارِيَّةٌ، وَقَالَ مَالِكُ الْمَاءِ: إجَارَةٌ أَوْ بَيْعٌ فَيُصَدَّقُ الْمَالِكُ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ أَدْنَى الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فَهِيَ مُحَقَّقَةٌ وَمَا عَدَاهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَلِذَا صُدِّقَ الْمَالِكُ، وَهَذَا أَقْرَبُ عِنْدِي وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُمَا لَوْ اتَّفَقَا فِي مَسْأَلَةِ الْجِدَارِ عَلَى وَضْعِ الْجِذْعِ بِحَقٍّ، وَقَالَ الْمَالِكُ: عَارِيَّةٌ، وَقَالَ مَالِكُ الْجِذْعِ: إجَارَةً أَوْ بَيْعًا صُدِّقَ الْمَالِكُ وَإِنَّ مَالِكَ الْأَرْضِ فِي مَسْأَلَةِ الْبَغَوِيِّ: لَوْ قَالَ: هَذَا الْمَاءُ يَجْرِي بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَالَ مَالِكُهُ: بَلْ يَجْرِي بِحَقٍّ وَلَمْ يُعْلَمْ كَيْفَ وُضِعَ قُضِيَ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ دَائِمًا، وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ تَوْفِيقًا بَيْنَ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَالْبَغَوِيِّ، فَإِنَّ كَلَامَهُ نَقَلَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ وَأَقَرُّوهُ مَعَ ذِكْرِهِمْ كَلَامَ الشَّيْخَيْنِ السَّابِقَ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ وَلَمْ يَعْتَرِضُوا أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْكَلَامَيْنِ مُعْتَمَدٌ
وَقَدْ عَلِمْتُ مَا فِيهِمَا وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِهَذَا الْحَمْلِ الَّذِي ذَكَرْته وَاَللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ثُمَّ رَأَيْت عِبَارَةَ الْبَغَوِيِّ فِي فَتَاوِيه تُومِئُ لِمَا ذَكَرْته فَإِنَّهُ قَالَ: فِيهَا رَجُلٌ يُجْرِي مَاءَ بَحْرٍ إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ فَقَالَ صَاحِبُ الْمِلْكِ: لَا حَقَّ لَك فِيهِ إنَّمَا هُوَ عَارِيَّةٌ وَادَّعَاهُ مَنْ كَانَ يُجْرِي الْمَاءَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْمِلْكِ مَعَ يَمِينِهِ اهـ. فَأَفْهَمَ قَوْلُهُ لَا حَقَّ لَك فِيهِ إنَّمَا هُوَ عَارِيَّةٌ أَنَّ الْمُرَادَ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ وَقَوْلُهُ وَادَّعَاهُ مَنْ كَانَ يُجْرِي أَنَّهُ إنَّمَا ادَّعَى مِلْكِيَّتَهُ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ مَا قَدَّمْته فِي تَصْوِيرِ كَلَامِهِ قَبْلَ أَنْ أَرَى عِبَارَتَهُ هَذِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فِي الْأَرَاضِي الَّتِي تَشْرَبُ عَلَى التَّعَاقُبِ وَلَمْ يَحْبِسْ الْأَوَّلُ الْمَاءَ فِي أَرْضِهِ وَجْهَانِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ، وَالثَّانِي يَرْجِعُ فِي وَقْتِ السَّقْيِ إلَى الْعَادَةِ وَالْحَاجَةِ، وَعَلَيْهِ فَهَلْ لِلْعَادَةِ مِقْدَارٌ مُقَدَّرٌ يُعْرَفُ بِهِ مَا تَحْتَاجُهُ الْأَرْضُ الْعُلْيَا مِنْ الْمَاءِ أَيْ: السَّيْلُ الْأَوَّلُ ثُمَّ مَا يَلِيه إذَا اتَّبَعَتْ السُّيُولُ فَإِنَّ عَادَةَ أَهْلِ الْبِحَارِ الْأَسَفُ عَلَى الْمَاءِ خُصُوصًا فِي جِهَتِنَا مَا يُخْرِجُونَ شَيْئًا مِنْ الْمَاءِ إلَّا وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى حِفْظِهِ.
وَهَلْ يُقَالُ: إنَّ الْعَادَةَ فِي ذَلِكَ مَا يُرَدُّ بِهِ الشَّجَرُ وَالثَّمَرُ وَالزَّرْعُ وَنَحْوُهَا أَمْ هُوَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَمَا هُوَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَعْنَى تَقْدِيمِ الْأَوَّلِ، فَالْأَوَّلُ الْمَذْكُورُ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَحْبِسُ الْمَاءَ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ قَضَى بِذَلِكَ، وَالتَّقْدِيرُ بِهِ هُوَ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ لِلْحَدِيثِ وَتَبِعَهُمْ الْحَاوِي الصَّغِيرُ كَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ نَقَلَ الشَّيْخَانِ بَعْدُ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الْأَوْلَى التَّقْدِيرُ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إنَّمَا يُقَدِّمُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ عَلَى مَا اعْتَادُوهُ فِي ذَلِكَ، وَاعْتَمَدَ ذَلِكَ السُّبْكِيّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَجَزَمَ بِهِ الْمُتَوَلِّي، وَمَا فِي الْحَدِيثِ وَاقِعَةُ حَالٍ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ عَادَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ فَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْأَوْلَى وَإِلَّا ضُبِطَ التَّقْدِيرُ بِالْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَرْضِ وَبِاخْتِلَافِ مَا فِيهَا مِنْ زَرْعٍ وَشَجَرٍ وَبِوَقْتِ الزِّرَاعَةِ وَبِوَقْتِ السَّقْيِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ وَعَلَيْهِ فَهَلْ لِلْعَادَةِ إلَخْ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَادَةِ الْحَاجَةُ كَمَا تَقَرَّرَ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ إلَى الْعَادَةِ وَالْحَاجَةِ فَبَيَّنَ بِعَطْفِ الْحَاجَةِ عَلَى الْعَادَةِ أَنَّ الْمُرَادَ الْحَاجَةَ عَلَى قَدْرِ عَادَةِ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) لَوْ ثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ السَّاقِيَةَ أَيْ النَّهْرَ مُسْقًى لِأَهْلِ هَذَا النَّخْلِ مَثَلًا وَأَنَّ هَذَا النَّخْلَ يَشْرَبُ أَوَّلًا ثُمَّ هَذَا ثُمَّ أَنَّ النَّخْلَ الْمُقَدِّمُ الْمُتَقَدَّمُ شُرْبُهُ تَعَطَّلَ بِأَنْ ارْتَفَعَ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ بِسَبَبِ إهْمَالِ مَالِكِهِ فَصَارَ لَا يَدْخُلُهُ إلَّا قَلِيلٌ مِنْ الْمَاءِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إلَى مَنْ خَلْفَهُ الَّذِي مُتَرَتِّبٌ شُرْبِهِ عَلَى شُرْبِهِ فَهَلْ يُجْبَرُ الْأَوَّلُ عَلَى تَعْمِيقِ الْمُرْتَفِعِ مِنْ أَرْضِهِ حَتَّى يَسْقِيَ مَنْ خَلْفَهُ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَامْتَنَعَ وَأَرَادَ مَنْ خَلْفَهُ أَنْ يُعَمِّقَهُ لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَيْهِ فَهَلْ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَذَاكَ، وَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَقَدْ تَعَطَّلَ شُرْبُ مَنْ خَلْفَهُ بِسَبَبِهِ، وَهَذَا إضْرَارٌ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْجَوَابَ عَنْهُ مَرَّ مَبْسُوطًا فِي الْجَوَابِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ وَالْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُجْبَرُ عَلَى تَعْمِيقِ الْمُرْتَفِعِ مِنْ أَرْضِهِ وَأَنَّ لِمَنْ خَلْفَهُ أَنْ يُعَمِّقَهُ حَتَّى يَصِلَ
стр. 744
الْمَاءُ إلَيْهِ كَمَا مَرَّ ثَمَّ مَعَ بَيَانِ مَا يُؤَيِّدُهُ، وَإِذَا فُرِضَ أَنَّهُ أَصْلَحَهُ عَادَ حَقُّ الْأَوَّلِ بِحَالِهِ وَصَارَ مُقَدَّمًا عَلَى مَنْ بَعْدَهُ كَمَا عُلِمَ بِالْأَوْلَى مِمَّا مَرَّ فِي الْفَائِدَةِ الْمَذْكُورَةِ آخِرَ الْجَوَابِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) لَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَلَدٍ أَنَّ الْأَوَّلَ يَسُدُّ الْمَاءَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ بِتُرَابٍ مَعْلُومٍ أَوْ حَجَرٍ مَعْدُودٍ أَوْ بِخَشَبٍ أَوْ سَعَفِ نَخْلٍ هَلْ هَذِهِ الْعَادَةُ لَازِمَةٌ مُتَّبَعَةٌ مَعَ عَدَمِ انْضِبَاطِهَا، وَإِنْ اطَّرَدَتْ أَمْ لَا؟ مَعَ أَنَّهُ لَا خَفَاءَ أَنَّ التُّرَابَ يَسُدُّ جَمِيعَ الْمَاءِ بِحَيْثُ إنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَى الْأَسْفَلِ شَيْءٌ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ بَعْدَهُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا خَفَاءَ أَنَّ الْحَقَّ لِلْأَوَّلِ فَيَسُدُّ إلَى تَمَامِ حَاجَتِهِ عَمَّنْ بَعْدَهُ بِمَا شَاءَ مِنْ حَجَرٍ وَغَيْرِهِ، نَعَمْ إنْ اُعْتِيدَ السَّدُّ بِشَيْءٍ يَنْزِلُ مِنْ خِلَالِهِ شَيْءٌ إلَى شَيْءٍ إلَى أَرْضِ مَنْ بَعْدَهُ وَكَانَ فِي ذَلِكَ نَفْعٌ لَهَا بِمَا يَصِلُهَا مِنْ هَذَا الْمَاءِ الْقَلِيلِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهَا الْمَاءُ الْكَثِيرُ وَاطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِذَلِكَ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَجِبَ عَلَى الْأَوَّلِ أَنْ يَسُدَّ بِذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ السَّدُّ بِمَا يَمْنَعُ أَكْثَرَ مِمَّا اُعْتِيدَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَسُدَّ بِمَا يَمْنَعُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) فِي أَرْضَيْنِ مُسْتَوِيَتَيْنِ أَوْ عُلْيَا وَسُفْلَى بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ هَلْ الْيَدُ فِيهِ لِمَالِكَيْهِمَا عَلَى السَّوَاءِ أَوْ يَخْتَصُّ بِهِ صَاحِبُ الْعُلْيَا؟ وَكَلَامُهُمْ فِي الْمِيَاه يَقْتَضِي الْأَوَّلَ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَجَرٌ كَنَخِيلٍ هَلْ يَخْتَصُّ بِهِ صَاحِبُ الشَّجَرِ دُونَهُمَا أَوْ بِبَعْضٍ مِنْهُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ مَبْسُوطًا أَوَاخِرَ الْجَوَابِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ الْيَدَ فِي الْحَاجِزِ الْمَذْكُورِ لِمُلَّاكِ الْأَرْضَيْنِ وَأَنَّ مَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ لَهُمْ أَيْضًا وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُهُمْ، نَعَمْ إنْ كَانَ شَجَرٌ لِغَيْرِهِمْ فَالْيَدُ فِيهِ لِمَالِك الشَّجَرِ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الشَّجَرِ عَلَى مِلْكِ مُغْرِسِهِ لِمَالِكِهِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ انْتِفَاعِ الْأَرَاضِي بِهِ مِنْ حَيْثُ حَبْسُهُ لِلْمَاءِ حَتَّى يَعُمَّهَا وَيَسْقِيهَا عَلَى مِلْكِ مَالِكَيْهَا لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَمْرٌ حِسِّيٌّ مُتَّصِلٌ بِهِ وَثَابِتٌ، وَالثَّانِي مُجَرَّدُ انْتِفَاعٍ وَهُوَ أَمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ.
وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لِمَالِكِهِ فَإِنْ قُلْت يُحْتَمَلُ أَنَّ النَّخْلَ كَانَ لَهُمْ وَبَاعُوهُ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَلْعِ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بَقَاءَهُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ اسْتِحْقَاقُهُ مَنْفَعَةَ الْمُغْرَسِ مَا بَقِيَ الشَّجَرُ فِيهِ قُلْت لَا نَظَرَ لِهَذَا الِاحْتِمَالِ عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنَّ الْأَرْضَ لِصَاحِبِ النَّخْلِ، وَإِنَّمَا سَاقِيَاهُ عَلَى تِلْكَ الْأَرَاضِي وَيَكُونُ مَالِكُهَا أَذِنَ لَهُمْ فِي جَعْلِهَا حَاجِزًا لِمِيَاهِهِمْ فَلَمَّا تَعَارَضَ الِاحْتِمَالَانِ قَدَّمْنَا الْأَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمِلْكِ وَهُوَ النَّخْلُ هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لَهُمْ وَإِلَّا قُدِّمَ مَنْ شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِمِلْكِهِ، وَلِأَصْحَابِ الْأَرْضِ تَحْلِيفُ صَاحِبِ النَّخْلِ أَنَّ الْمِلْكَ لَهُ هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَ الْحَاجِزُ هُوَ مَغَارِسُ النَّخْلِ، أَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ الْمَغَارِسِ فَيَكُونُ هُوَ لِمُلَّاكِ الْأَرْضِ وَتَكُونُ هِيَ لِمَالِك الشَّجَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) لَوْ ادَّعَى جَمَاعَةٌ عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ الشُّرْبَ مِنْ أَرْضِهِ لِأَرْضِهِمْ أَوْ شَجَرِهِمْ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ وَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَيْهِمْ فَحَلَفَ بَعْضُهُمْ وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إفْرَادُ نَصِيبِ الْحَالِفِ بِالسَّقْيِ فَمَا حُكْمُ ذَلِكَ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَوْا اسْتِحْقَاقَ الشُّرْبِ مِنْ نَهْرِهِ لِأَرْضِهِمْ وَاقْتَضَى الْحَالُ تَحْلِيفَ بَعْضِهِمْ وَنُكُولَ بَعْضٍ فَهَلْ يُفَوَّتُ حَقُّ الْحَالِفِ حَذَرًا مِنْ اسْتِحْقَاقِ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ بِيَمِينِ غَيْرِهِ أَوْ يُرْسَلُ لِلْحَالِفِ بِمِقْدَارِ نَصِيبِهِ مِنْ الشُّرْبِ فَقَطْ؟ .
وَإِنْ أَدَّى إلَى أَنْ يَسْقِيَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ الْمُرْسَلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ وَفِي فَتَاوَى الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ جِهَةِ السَّائِلِ كَلَامٌ ظَاهِرُهُ التَّنَاقُضُ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُدَّعِينَ لِاسْتِحْقَاقِ الشُّرْبِ إمَّا أَنْ تَكُونَ أَرْضُهُمْ وَاحِدَةً وَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِيهَا عَلَى الْإِشَاعَةِ، أَوْ مُتَعَدِّدَةً مُتَمَايِزٌ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَتَعَذَّرَ سَقْيُ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ظَاهِرٌ بِخِلَافِهِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَعَلَى كُلٍّ فَمَنْ حَلَفَ بَعْدَ نُكُولِ جَاحِدِ اسْتِحْقَاقِ الشُّرْبِ مِنْ أَرْضِهِ أَوْ نَهْرِهِ اسْتَحَقَّ نَصِيبَ شُرْبِ أَرْضِهِ مِنْ أَرْضِ النَّاكِلِ أَوْ نَهْرِهِ ثُمَّ إنْ قُسِمَتْ الْمُشْتَرَكَةُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَأَمْكَنَ سَقْيُ نَصِيبِهِ فِيهَا وَفِي الثَّانِيَةِ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ لَمْ يُقَسَّمْ أَوْ فُرِضَ عَلَى بُعْدِ عَدَمِ سَقْيِ أَرْضِهِ أَوْ شَجَرِهِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ، بَلْ إذَا طَلَبَهُ أَرْسَلَ لَهُ بِقَدْرِهِ وَلَا نَظَرَ لِعَوْدِ نَفْعِهِ عَلَى غَيْرِهِ إذَا رَضِيَ هُوَ بِذَلِكَ فَإِنْ قُلْت
стр. 745
يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ الرَّوْضَةِ لَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْ الْمَاءِ وَسَقَى بِهِ أَرْضًا لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ مُنِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ لَهَا شُرْبًا لَمْ يَكُنْ قُلْت كَلَامُ الرَّوْضَةِ إنَّمَا هُوَ كَمَا تَرَى فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ وَيَسْقِي بِهِ أَرْضًا لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا لَمْ يُرِدْ سَقْيَ أَرْضِ شَرِيكِهِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ سَقْيَ أَرْضِ نَفْسِهِ الَّتِي ثَبَتَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ لَكِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِسَقْيِ أَرْضِ شَرِيكِهِ أَوْ جَارِهِ إنْ فُرِضَ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُفَوِّتَ عَلَيْهِ حَقَّهُ مَعَ عُذْرِهِ بِخِلَافِ مَا فِي مَسْأَلَةِ الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ سَقْيِ أَرْضِهِ الَّتِي لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ فَإِذَا أَرَادَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ الَّذِي لَهَا وَيَصْرِفَهُ إلَى أَرْضٍ أُخْرَى لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ مُنِعَ مِنْهُ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الرُّويَانِيِّ مِنْ أَنَّ مَحِلَّ الْمَنْعِ مَا إذَا سَاقَ الْمَاءَ إلَى الْأَرْضِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ ابْتِدَاءً
أَمَّا لَوْ سَاقَهُ إلَى أَرْضِهِ الْمُسْتَحِقَّةِ لِلشُّرْبِ ثُمَّ نَقَلَهُ مِنْهَا إلَى أُخْرَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا فِي مَبْحَثِ قِسْمَةِ الْمَاءِ، وَيَسُوقُ كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَهُ فِي سَاقِيَتِهِ إلَى أَرْضِهِ وَلَهُ أَنْ يُدِيرَ رَحًى بِمَا صَارَ لَهُ اهـ. فَدَلَّ كَلَامُهُمَا عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُدِيرَ بِهِ الرَّحَى وَلَوْ فِي أَرْضٍ أُخْرَى لَهُ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ فَلَأَنْ يَجُوزَ لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ الْأُخْرَى الَّتِي يُدِيرُ الرَّحَى فِيهَا هُنَا مُنْفَرِدَةٌ لَا ضَرُورَةَ إلَى الْإِدَارَةِ فِيهَا بِخِلَافِ سَقْيِ أَرْضِ الشَّرِيكِ أَوْ الْجَارِ مِنْ نَصِيبِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ لِتَوَقُّفِ سَقْيِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُلْت: قَيَّدَ الْمَحَامِلِيُّ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا بِمَا إذَا كَانَ يُدِيرُهَا فِي أَرْضِهِ الَّتِي لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْهُ قُلْت كَلَامُهُمَا لَا يَقْتَضِي هَذَا التَّقْيِيدَ فَيَحْتَمِلُ اعْتِمَادَ إطْلَاقِهِمَا وَيَحْتَمِلُ الْأَخْذَ بِقَضِيَّةِ التَّقْيِيدِ، وَعَلَيْهِ فَلَا يُنَافِي مَا قُلْنَاهُ لِمَا عَلِمْته مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَتِنَا مِنْ أَنَّ هَذَا لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنْ قُلْت مَا ذَكَرَهُ فِيهَا هَلْ هُوَ فِي النَّهْرِ الْمُبَاحِ أَوْ الْمَمْلُوكِ؟ قُلْت ظَاهِرُ كَلَامِهِمَا أَنَّهُ فِي الْمَمْلُوكِ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الرُّويَانِيُّ، وَإِنْ كَانَ الشُّرْبُ فِي نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ فَأَرَادَ أَنْ يُنْقَلَ إلَى أَرْضٍ أُخْرَى فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ إذَا لَمْ يُضَيِّقْ الْمَاءَ وَإِلَّا قُدِّمَ الْأَسْبَقُ وَتَنْظِيرُ الْأَذْرَعِيِّ فِيهِ فِي قُوَّتِهِ بِأَنَّهُ قَدْ لَا يَضِيقُ الْآن وَيَضِيقُ فِيمَا بَعْدُ فَيَثْبُتُ لَهُ عَلَى طُولِ الْأَمَدِ شُرْبٌ فِيهِ لَا أَصْلَ لَهُ يُرَدُّ بِقَوْلِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فِي النَّهْرِ الْمُبَاحِ: وَلَوْ أَرَادَ رَجُلٌ إحْيَاءَ مَوَاتٍ وَسَقْيَهُ مِنْ هَذَا النَّهْرِ فَإِنْ ضَيَّقَ عَلَى السَّابِقِينَ مُنِعَ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَحَقُّوا أَرْضَهُمْ بِمَرَافِقِهَا وَالْمَاءُ مِنْ أَعْظَمِ مَرَافِقِهَا وَإِلَّا فَلَا مَنْعَ وَسَلَكَ فِي تَوَسُّطِهِ طَرِيقَةً أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ مَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ الْمَنْعِ مَحِلُّهُ إذَا قُلْنَا إنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ الْمَاءَ وَمَا فِي غَيْرِهَا كَالْكَافِي وَجَرَى عَلَيْهِ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ عَدَمِ الْمَنْعِ فِي صُورَةِ الرَّوْضَةِ مَحِلُّهُ مَا إذَا كَانَ الْمَاءُ مَمْلُوكًا لَهُمْ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِنَصِيبِهِ بَعْدَ إفْرَازِهِ مَا شَاءَ
وَإِذَا امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ أُجْبِرُوا عَلَيْهِ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ ضَعِيفَةٌ؛ لِأَنَّ صَرِيحَ كَلَامِ الرَّوْضَةِ يَرُدُّهَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ، وَبَحَثَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ مَحِلَّ الْمَنْعِ فِي كَلَامِ الرَّوْضَةِ فِي أَرْضٍ يُجْعَلُ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ وَهُوَ أَعْلَى السَّاقِيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إثْبَاتَ حَقِّ التَّقْدِيمِ لَهَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ فِي أَسْفَلِهَا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهَا أَرْضٌ لَهَا حَقُّ شُرْبٍ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ لَا يُعَطِّلُ عَلَى غَيْرِهِ حَقًّا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهَا حَقٌّ عِنْدَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ لَمْ يَكُنْ اسْتِدْلَالًا بِظَاهِرِ الْحَالِ عِنْدَ انْطِوَاءِ مَعْرِفَةِ أَصْلِ ذَلِكَ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فَبَحْثُ ابْنِ الرِّفْعَةِ ضَعِيفٌ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ قَوْلِ الرَّوْضَةِ: لَوْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي الْحَفْرِ اشْتَرَكُوا فِي الْمِلْكِ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمْ ثُمَّ لَهُمْ قِسْمَةُ الْمَاءِ بِنَصْبِ خَشَبَةٍ مُسْتَوِيَةِ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ فِي عُرْضِ النَّهْرِ وَيُفْتَحُ فِيهَا ثُقَبٌ مُتَسَاوِيَة أَوْ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ هَلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْبَارِ إذْ لَا يَسْتَوِي النَّصِيبُ مِنْ الْمَاءِ إلَّا بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَقُومُ الْبِنَاءُ بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ مَقَامَ الْخَشَبَةِ أَمْ لَا؟ .
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَوْ تَنَازَعَ الشُّرَكَاءُ فِي قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمْ هَلْ يُجْعَلُ عَلَى قَدْرِ الْأَرَضِينِ أَمْ لَا؟ وَصَحَّحَ الْأَوَّلُ هَلْ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قَوَاسِمُ لِلْمَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ فَهَلْ تَدُلُّ عَلَى الْيَدِ أَمْ لَا؟ فَلَوْ وَجَدْنَا الثُّقَبَ مُتَسَاوِيَةً مَعَ تَفَاوُتِ الْأَرْضِينَ أَوْ بِالْعَكْسِ وَذَلِكَ هُوَ مَعَ جَهْلِنَا بِمِلْكِ النَّهْرِ فِي الْأَصْلِ، وَلَكِنْ وَجَدْنَا عَمَلَ أَهْلِهِ الْآنَ
стр. 746
مَعْلُومًا فِيهِ عِنْدَ احْتِيَاجِهِ إلَى الْعِمَارَةِ فَمَا الرَّاجِحُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَرْضِينَ أَوْ الْقَوَاسِمِ أَوْ الرَّصَدَاتِ بَيْنَهُمْ أَوْ الْعَمَلِ فِي عِمَارَةِ النَّهْرِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَصْلٌ لَهُ؟
(فَأَجَابَ بِأَنَّ قَوْلَ الرَّوْضَةِ لَهُمْ قِسْمَةُ الْمَاءِ بِنَصْبِ خَشَبَةٍ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا إجْبَارَ عَلَى ذَلِكَ وَيَحْصُلُ الِاسْتِوَاءُ فِي الْمَاءِ بِغَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ كَمَا قَدَّمْته أَوَائِلَ الْجَوَابِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ فَرَاجِعْهُ إذْ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الرَّوْضَةِ وَلَوْ أَرَادُوا قِسْمَةَ النَّهْرِ وَكَانَ عَرِيضًا جَازَ وَلَا يَجْرِي فِيهَا الْإِجْبَارُ كَمَا فِي الْجِدَارِ الْحَائِلِ، فَإِنْ قُلْت يُعَارِضُهُ مَا فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا فِي الشُّفْعَةِ مِنْ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ الطَّاحُونُ وَالْحَمَّامُ وَالْبِئْرُ وَالنَّهْرُ إذَا أَمْكَنَ جَعْلُ كُلِّ اثْنَيْنِ وَكَذَا مَسِيلُ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ وَبِئْرُ الزِّرَاعَةِ.
قُلْت الْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ النَّهْرُ بَيْنَ مَزَارِعَ وَهِيَ عَلَى حَافَّتَيْهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا كَمَا يَدُلُّ لَهُ تَشْبِيهُ ذَلِكَ بِالْجِدَارِ الْحَائِلِ وَالثَّانِي مَحْمُولٌ عَلَى حَفْرِ أَنْهَارٍ وَسَوَاقٍ يَأْتِي إلَيْهَا الْمَاءُ مِنْ الْأَوْدِيَةِ الْعَظِيمَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي تَرْكِ الْقِسْمَةِ هُنَا ضَرَرًا عَظِيمًا فَأُجْبِرَا عَلَيْهِ إزَالَةً لَهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي عَدَمِ الْقِسْمَةِ، بَلْ فِيهَا نَفْعٌ وَالْبِنَاءُ بِنَحْوِ الْحَجَرِ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ فِيهِ ثُقْبٌ كَمَا يُجْعَلُ فِي الْخَشَبَةِ قَامَ مَقَامَهَا وَإِلَّا فَلَا ثُمَّ مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ الْإِجْبَارِ عَلَى الْقِسْمَةِ بِنَصْبِ الْخَشَبَةِ مَحِلُّهُ إنْ أُمْكِنَتْ الْقِسْمَةُ بِغَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ كَمَا تَقَرَّرَ، أَمَّا إذَا لَمْ تُمْكِنُ إلَّا بِهَا فَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ حَيْثُ قَالَ عَقِبَ قَوْلِ الرَّوْضَةِ ثُمَّ لَهُمْ قِسْمَةُ الْمَاءِ بِنَصْبِ خَشَبَةٍ إلَخْ قُلْت وَيَتَعَيَّنُ هَذَا الطَّرِيقُ عِنْدَ التَّشَاجُرِ وَعَدَمِ التَّرَاضِي بِالْمُهَايَأَةِ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ يَصِلُ بِهِ كُلٌّ إلَى جِهَةِ حَقِّهِ فِي وَقْتِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ إذْ فِي الْمُهَايَأَةِ تَأْخِير أَحَدِهِمْ عَنْ حَقِّهِ فَاشْتُرِطَ فِيهَا التَّرَاضِي اهـ. وَمَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَنَازَعَ الشُّرَكَاءُ فِي النَّهْرِ فِي قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمْ جُعِلَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِينَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّ النَّهْرَ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ إلَّا أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُمْ يَسْقُونَ أُرَاضِيهِمْ مِنْهُ، وَاعْتَرَضَ الْبُلْقِينِيُّ مَا فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ الْأَصَحَّ بِمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ لَا يُنْظَرُ إلَيْهَا قَالَ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي كِتَابَةِ عَبْدَيْنِ خَسِيسٍ وَنَفِيسٍ عَلَى نُجُومٍ مُتَفَاوِتَةٍ بِحَسَبِ قِيمَتِهَا فَأَحْضَرَا مَالًا وَادَّعَى الْخَسِيسُ أَنَّهُ سَوَاءٌ بَيْنَهُمَا
وَالنَّفِيسُ أَنَّهُ مُتَفَاوِتٌ عَلَى قَدْرِ النُّجُومِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْخَسِيسِ عَمَلًا بِالْيَدِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجِدَارِ لَا أَنْظُرُ إلَى مَنْ إلَيْهِ الدَّوَاخِلُ وَالْخَوَارِجُ وَلَا أَنْصَافُ اللَّبِنِ وَلَا مَعَاقِدُ الْقِمْطِ وَنَصَّ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ يَخْتَلِفُ فِيهِ الزَّوْجَانِ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي أَيْدِيهمَا يَحْلِفَانِ وَهُوَ بَيْنَهُمَا وَلَا نَظَرَ إلَى مَا يَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ عَادَةً وَلَا مَا يَخْتَصُّ بِالْمَرْأَةِ اهـ.
وَتَبِعَهُ وَلَدُهُ الْجَلَالُ فَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَرَجَّحَ أَنَّهُ بِالسَّوِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الِاسْتِوَاءَ اهـ. وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْن مَا هُنَا وَفِي الْكِتَابَةِ بِأَنَّ الْيَدَ هُنَا عَلَى النَّهْرِ حُكْمِيَّةٌ لَا حِسِّيَّةٌ؛ لِأَنَّ النَّهْرَ لَيْسَ فِي قَبْضَتِهِمْ يَقِينًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ عَنْ الْمُتَوَلِّي، وَإِنَّمَا نَزَلَ اسْتِحْقَاقُهُمْ الشُّرْبَ مِنْهُ مَنْزِلَةَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ وَيَدُ الْمُكَاتَبَيْنِ عَلَى مَا أَحْضَرَاهُ حِسِّيَّةٌ وَلَا حُكْمِيَّةٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْيَدَ الْحِسِّيَّةَ أَقْوَى فَلَمْ يُنْظَرْ لِمُعَارِضِهَا مِنْ تَفَاوُتِهِمَا فِي الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ مَعَ دَلَالَةِ الْيَدِ الْحِسِّيَّةِ عَلَى الِاسْتِوَاءِ فَعَمِلُوا بِهِ وَهُنَا وُجِدَ لِلْيَدِ الْحُكْمِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الِاسْتِوَاءِ مُعَارِضٌ حِسِّيٌّ وَهُوَ تَفَاوُتُهُمْ فِي الْأَنْصِبَاءِ الْمُسْتَلْزِمُ غَالِبًا أَنَّ النَّهْرَ تَكُونُ الشَّرِكَةُ فِيهِ كَذَلِكَ وَالْحِسِّيُّ أَقْوَى مِنْ الْحُكْمِيِّ فَقُدِّمَ هَذَا الْمُعَارِضُ لِقُوَّتِهِ عَلَى الْيَدِ الْحُكْمِيَّةِ لِضَعْفِهَا فَانْدَفَعَ قَوْلُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَظَهَرَ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا وَاضِحًا، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي مَسْأَلَةِ الْجِدَارِ فَالْيَدُ عَلَيْهِ حِسِّيَّةٌ أَيْضًا، وَتِلْكَ الْقَرَائِنُ غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ، بَلْ وَلَا غَالِبَةً فَلَمْ تَقْوَ عَلَى مُعَارَضَتِهَا فَأُلْغِيَ النَّظَرُ إلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَانِ يَدُهُمَا عَلَى أَمْتِعَةِ الْبَيْتِ حِسِّيَّةٌ، وَقَدْ تَكُونُ يَدُ الزَّوْجَةِ عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِالزَّوْجِ وَعَكْسُهُ فَلَمْ يَقْوَ ذَلِكَ عَلَى دَفْعِ مَا اقْتَضَتْهُ الْيَدُ الْحِسِّيَّةُ مِنْ الِاسْتِوَاءِ فَظَهَرَ أَنَّ الْمَسَائِلَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي أَوْرَدَهَا عَلَى مَسْأَلَتِنَا لَا تُشْبِهُهَا؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا يَدًا قَوِيَّةً وَمُعَارِضُهَا ضَعِيفٌ، وَالْمَوْجُودُ فِي مَسْأَلَتِنَا يَدٌ ضَعِيفَةٌ وَمُعَارِضُهَا قَوِيٌّ فَلَا جَامِعَ بَيْنَهَا
стр. 747
وَبَيْنَ مَا ذَكَرَهُ فَاتَّجَهَ مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ وَانْدَفَعَ مَا أَوْرَدَهُ عَلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَإِذَا قُلْنَا بِمَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّ الْأَنْصِبَاءَ تُجْعَلُ عَلَى قَدْرِ الْأَرَضِينَ وَوَجَدْنَا الْأَرَضِينَ مُتَفَاوِتَةً وَالثُّقَبَ مُتَسَاوِيَةً لَمْ يَكُنْ تُسَاوِيهَا بِمُجَرَّدِهِ مُقْتَضِيًا لِلتَّسَاوِي فِي الْأَرَضِينَ أَخْذًا مِنْ قَوْلَيْ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الثُّقَبُ مُتَسَاوِيَةً مَعَ تَفَاوُتِ الْحُقُوقِ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الثُّلُثِ يَأْخُذُ ثُقْبَةً وَالْآخَرُ ثُقْبَتَيْنِ اهـ.
فَإِذَا تَنَازَعَ الشُّرَكَاءُ حِينَئِذٍ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ الِاسْتِوَاءَ فِي السَّقْيِ لِاسْتِوَاءِ الثُّقَبِ وَبَعْضُهُمْ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى قَدْرِ الْأَرَضِينَ وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْ الثُّقَبِ الْمُتَسَاوِيَةِ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِ صُدِّقَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ إذْ الِاخْتِلَافُ فِي الْأَنْصِبَاءِ يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْأَرْضَيْنِ، وَالتَّسَاوِي فِي الثُّقَبِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِوَاءِ فِي الْأَنْصِبَاءِ لِمَا عَلِمْته مِنْ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَمَّا لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِوَائِهِمْ فِي الثُّقَبِ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَنْصِبَاءِ عَمَلًا بِاخْتِلَافِ الْأَرَضِينَ وَبَعْضُهُمْ الِاسْتِوَاءَ فِيهَا عَمَلًا بِتَسَاوِي الثُّقَبِ، فَإِنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْمُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ فِي الْأَنْصِبَاءِ يُمْكِنُ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَرْضَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرَاضٍ، بَلْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ إنَّهُ الصَّوَابُ كَمَا مَرَّ عَنْهُ مَعَ الرَّدِّ عَلَيْهِ وَالِاخْتِلَافُ فِي الْأَنْصِبَاءِ لَا يُمْكِنُ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الثُّقَبِ إلَّا بِالتَّرَاضِي فَلَمْ يَكُنْ اخْتِلَافُ الْأَرْضَيْنِ مُرَجِّحًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَكَانَ الِاسْتِوَاءُ فِي الثُّقَبِ مُرَجِّحًا فَقُدِّمَ. وَحُكْمُ الِاسْتِوَاءِ فِي الْعِمَارَةِ حُكْمُ الِاسْتِوَاءِ فِي الثُّقَبِ، فَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى الِاسْتِوَاءِ فِيهَا وَادَّعَى بَعْضُهُمْ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَنْصِبَاءِ عَمَلًا بِاخْتِلَافِ الْأَرْضَيْنِ وَبَعْضُهُمْ الِاخْتِلَافَ فِيهَا عَمَلًا بِالتَّسَاوِي فِي الْعِمَارَةِ صُدِّقَ الثَّانِي لِنَظِيرِ مَا تَقَرَّرَ فَإِنْ تَعَارَضَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ بِأَنْ اسْتَوَوْا فِي الثُّقَبِ وَتَفَاوَتُوا فِي الْعِمَارَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَهُوَ مَحِلُّ نَظَرٍ، وَيَتَّجِهُ تَقْدِيمُ الثُّقَبِ؛ لِأَنَّهَا عَلَامَاتٌ مُسْتَمِرَّةٌ يَكْثُرُ فِيهَا الْمُنَازَعَةُ وَالْمُشَاحَّةُ فَيَبْعُدُ الِاتِّفَاقُ فِيهَا عَلَى التَّرَاضِي بِاسْتِوَائِهِمَا مَعَ اخْتِلَافِ الْأَنْصِبَاءِ وَبِاخْتِلَافِهِمَا مَعَ تَسَاوِي الْأَنْصِبَاءِ بِخِلَافِ الْعِمَارَةِ فَإِنَّهَا خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَكْثُرُ وُقُوعُهَا وَيَغْلِبُ فِيهَا الْمُسَامَحَةُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، فَكَانَتْ دَلَالَتُهَا ضَعِيفَةً بِالنِّسْبَةِ لِدَلَالَةِ الثُّقَبِ، وَإِنْ كَانَتْ قَوِيَّةً فِي نَفْسِهَا وَمِنْ ثَمَّ لَوْ انْفَرَدَتْ عَنْ الثُّقَبِ عَمِلْنَا بِهَا كَمَا مَرَّ وَبِمَا قَرَّرْته يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ: فَلَوْ وَجَدْنَا الثُّقَبَ مُتَسَاوِيَةً إلَخْ السُّؤَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) لَوْ وَجَدْنَا ثُقَبًا فِي نَهْرٍ بَعْضُهَا مُرْتَفِعًا وَبَعْضُهَا مُنْخَفِضًا أَوْ بَعْضُهَا مُتَّسِعًا وَبَعْضُهَا ضَيِّقًا مَعَ إمْكَانِ إحْدَاثِ الِارْتِفَاعِ وَالِانْخِفَاضِ وَالسَّعَةِ وَالضِّيقِ وَنَحْوِهِ هَلْ يَدُلُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْيَدِ أَمْ لَا؟ وَلَوْ رَفَعَهَا لِرِفْعَةِ أَرْضِهِ بِسَيْلٍ أَوْ وَضْعِ تُرَابٍ مِنْ الْمَالِكِ وَامْتَنَعَ الْآخَرُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْمُمْتَنِعِ وَقَالَ لِلطَّالِبِ: اخْفِضْ أَرْضَك لِيَنَالَهَا الْمَاءُ وَالْخَفْضُ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَوْ يَضْعُفُ بِسَبَبِهِ الْإِنْبَاتُ وَرَفْعُ الْقَوَاسِمِ أَسْهَلُ فَمَنْ الْمُجَابُ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّا إذَا وَجَدْنَا ثُقَبًا فِي النَّهْرِ مُتَفَاوِتَةً فِي السَّعَةِ وَالضِّيقِ وَالِارْتِفَاعِ وَالِانْخِفَاضِ وَلَمْ نَعْلَمْ أَصْلَ ذَلِكَ هَلْ هُوَ قَدِيمٌ أَوْ حَادِثٌ؟ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ قَدِيمٌ مَوْضُوعٌ بِحَقٍّ دَالٌّ عَلَى الْيَدِ لِمُسْتَحِقَّيْهِ وَأَقْرَرْنَاهُ عَلَى حُكْمِهِ، فَمَنْ ادَّعَى حُدُوثَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَلَفَ لَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ تَغْيِيرِهَا عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا، وَإِنَّمَا عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ الَّتِي رَفَعَهَا السَّيْلُ تَنْظِيفُهَا إنْ أَرَادَ سَقْيَهَا، سَوَاءٌ أَشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَضَعُفَ بِسَبَبِهِ الْإِنْبَاتُ أَمْ لَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْته عَنْ التَّتِمَّةِ فِي الْجَوَابِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ.
أَمَّا إذَا أَرَادَ إصْلَاحَ الثُّقَبِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ لَهَا عَنْ مَحِلِّهَا وَلَمْ يَكُنْ عَلَى شُرَكَائِهِ ضَرَرٌ فِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ فَلَا يُجَابُونَ إلَى مَنْعِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ تَعَنُّتٍ مَعَ تَصَرُّفِهِ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ دُونَ غَيْرِهِ، بَلْ يُجَابُ هُوَ إلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَكَانَ لِإِزَالَةِ ضَرَرٍ أَمْ لِزِيَادَةِ نَفْعٍ لِأَرْضِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) لَوْ كَانَ لِاثْنَيْنِ أَرْضَانِ إحْدَاهُمَا تَشْرَبُ قَبْلَ الْأُخْرَى وَمَاءُ السُّفْلَى يَخْرُجُ مِنْ الْعُلْيَا فَأَرَادَ صَاحِبُ الْعُلْيَا أَنْ يَرْفَعَ مَخْرَجَ الْمَاءِ إلَى الْفَتْحَةِ الَّتِي فِي الزَّبِيرِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا الْمَاءُ إلَى الْأَرْضِ السُّفْلَى وَأَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَ الْفَتْحَةَ إلَى مَكَان آخَرَ مِنْ الزَّبِيرِ مَعَ أَنَّ الْمَاءَ يَنْزِلُ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى فِي الْحَالَيْنِ
стр. 748
فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَقَدْ قَالَ بِالْمَنْعِ فِي صُورَةِ رَفْعِ الْفَتْحَةِ بَعْضُ أَكَابِرِ فُقَهَاءِ الْجِهَةِ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأَنَّ الرَّفْعَ يُؤَدِّي إلَى أَنْ تَأْخُذَ الْعُلْيَا فَوْقَ قَدْرِ الْحَاجَةِ لِمَنْعِ خُرُوجِ الْمَاءِ بِرَفْعِ مَنْفَذِ الْمَاءِ فَهَلْ هُوَ كَمَا قَالَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ كَلَامِ التَّتِمَّةِ السَّابِقِ فِي الْجَوَابِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ أَنَّهُ حَيْثُ أَرَادَ تَحْوِيلَ الْمَنْفَذِ مِنْ مَحِلِّهِ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ وَلَمْ يَرْضَ شَرِيكُهُ مُنِعَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ يُحَوِّلُهُ إلَى مَحِلٍّ أَصْلَحَ لَهُ مِنْ الْأَوَّلِ أَمْ لَا، وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ الْأَصْلَحِ وَغَيْرِهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ مَرَّ.
ثَمَّ عَنْ التَّتِمَّةِ اسْتِدْلَالًا بِفِعْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَكِنَّهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ أَثَرَ عُمَرَ مُنْقَطِعٌ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ تَقْدِيمَ رَأْسِ السَّاقِيَةِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ إلَى أَرْضِهِ أَوْ تَأْخِيرَهُ لَمْ يَجُزْ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَدَّمَ بَابَ دَارِهِ إلَى بَابِ السِّكَّةِ الْمُنْسَدَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ هُنَاكَ فِي الْجِدَارِ الْمَمْلُوكِ وَهُنَا فِي الْحَافَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ اهـ. وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا أَفْتَى بِهِ مَنْ ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ بَعْضِ أَكَابِرِ فُقَهَائِكُمْ وَحَيْثُ أُبْقِيَ الْمَنْفَذُ عَلَى مَحِلِّهِ وَسَعَتِهِ أَوْ ضِيقِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ إصْلَاحَهُ بِمَا يَعُودُ مِنْهُ نَفْعٌ عَلَى أَرْضِهِ وَأَرْضِ مَنْ بَعْدَهُ أَوْ عَلَى أَرْضِهِ فَقَطْ وَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ بِوَجْهٍ فَإِنَّهُ لَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ حِينَئِذٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَلَوْ أَرَادَ الشُّرَكَاءُ الَّذِينَ أَرْضُهُمْ أَسْفَلَ تَوْسِيعَ فَمِ النَّهْرِ لِئَلَّا يَقْصُرَ الْمَاءُ عَنْهُمْ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِرِضَا الْأَوَّلِينَ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الشَّرِيكِ فِي الْمُشْتَرَكِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِرِضَا الشَّرِيكِ؛ وَلِأَنَّهُمْ قَدْ يَتَضَرَّرُونَ بِكَثْرَةِ الْمَاءِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ لِلْأَوَّلِينَ تَضْيِيقُ فَمِ النَّهْرِ إلَّا بِرِضَا الْآخَرِينَ اهـ. وَوَجْهُ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ أَنَّ مَا فِي مَسْأَلَةِ الرَّوْضَةِ إضْرَارٌ وَتَصَرُّفٌ فِي السَّعَةِ وَالضِّيقِ بِخِلَافِ مَا فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ قُلْت: الْإِصْلَاحُ الَّذِي فِي مَسْأَلَتِنَا فِيهِ تَصَرُّفٌ فِي الْمُشْتَرَكِ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ بِامْتِنَاعِهِ قُلْت: مَحِلُّ امْتِنَاعِهِ حَيْثُ لَمْ يُقَصِّرْ الشَّرِيكُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: لَوْ انْهَدَمَ الْجِدَارُ الْمُشْتَرَكُ وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا بِنَاءَهُ بِخَالِصِ مَالِهِ بَعْدَ امْتِنَاعِ صَاحِبِهِ جَازَ كَمَا مَرَّ مَبْسُوطًا بِمَا فِيهِ فِي الْجَوَابِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ فَكَمَا جَازَ هُنَاكَ فَلِيَجُزْ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا إذَا امْتَنَعَ شُرَكَاؤُهُ مِنْ الْإِصْلَاحِ مَعَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْهُ لَوْ وَجَدْنَا أَرْضَيْنِ يَشْرَبَانِ مَعًا وَتَحْتَ أَحَدِ الْأَرْضَيْنِ أَرْضٌ ثَالِثَةٌ تَشْرَبُ مِنْ الَّتِي فَوْقَهَا بَعْدَ رَيِّ الْأُخْرَى وَقُلْنَا إنَّ الْعِبْرَةَ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ بِقَدْرِ الْأَرَاضِي فَهَلْ يَدْخُلُ الْمُتَأَخَّرُ شُرْبُهُ فِي التَّقْدِيرِ أَوْ يَخْتَصُّ التَّقْدِيرُ بِالْمُتَقَدِّمِ شُرْبُهُ وَهَلْ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ شُرْبُهُ مِثْلُ الْمُتَقَدِّمِ فِي مَصْرُوفِ عِمَارَةِ النَّهْرِ إذَا قُلْنَا بِالْإِجْبَارِ؟ وَهَلْ يُعْرَفُ التَّقْدِيرُ فِي الْأَرْضَيْنِ بِالْمِسَاحَةِ أَوْ بِالتَّقْوِيمِ؟ فَإِنَّ أَرْضًا قَلِيلَةَ الْمِسَاحَةِ قَدْ تَكُونُ خَيْرًا مِنْ أَرْضٍ كَثِيرَةِ الْمِسَاحَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الرَّوْضَةِ أَنَّ الْأَرْضَ الْمُتَأَخِّرَ شُرْبُهَا إذَا كَانَ شُرْبُهَا مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ دُونَ غَيْرِهِ تَدْخُلُ فِي التَّقْدِيرِ فَيَسْتَحِقُّ صَاحِبُهَا مِنْ النَّهْرِ بِحِصَّتِهَا، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ: كُلُّ أَرْضٍ أَمْكَنَ سَقْيُهَا مِنْ هَذَا النَّهْرِ إذَا رَأَيْنَا لَهَا سَاقِيَةً مِنْهُ وَلَمْ نَجِدْ لَهَا شُرْبًا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ حَكَمْنَا عِنْدَ التَّنَازُعِ بِأَنَّ لَهَا شُرْبًا مِنْهُ انْتَهَتْ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُمْ لَا يُجْبَرُونَ عَلَى عِمَارَةِ النَّهْرِ كَالشُّرَكَاءِ لَا يُجْبَرُونَ عَلَى إعَادَةِ الْمُشْتَرَكِ إذَا انْهَدَمَ ثُمَّ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى الْإِصْلَاحِ جَبْرًا عَلَى الضَّعِيفِ أَوْ اخْتِيَارًا عَلَى الصَّحِيحِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي حَاوِيهِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مُؤْنَةِ الْحَفْرِ كَيْفَ تَكُونُ بَيْنَهُمْ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ مَعَ الْأَوَّلِ فَيَحْفِرُونَ مَعَهُ حَتَّى إذَا انْتَهَى إلَى آخِرِ مِلْكِهِ خَرَجَ وَحَفَرَ الْبَاقُونَ مَعَ الثَّانِي فَإِذَا انْتَهَى لِآخِرِ مِلْكِهِ خَرَجَ وَحَفَرَ الْبَاقُونَ مَعَ الثَّالِثِ وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْأَخِيرِ فَيَنْفَرِدُ وَحْدَهُ بِحَفْرِ مَا يَلِيه وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَاءَ النَّهْرِ كُلَّهُ يَجْرِي عَلَى أَرْضِ الْأَوَّلِ فَاشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِي حَفْرِهِ، وَمَاءُ الْأَوَّلِ لَا يَجْرِي عَلَى الثَّانِي فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحْفِرَ مَعَهُ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ مُؤْنَةَ الْحَفْرِ مُقَسَّطَةٌ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ إلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَسَّطَهَا عَلَى مِسَاحَاتِ الْأَرَضِينِ وَقَدَّرَ جَرَيَانَهَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْجَارِي يَسْبَحُ عَلَيْهَا عَلَى قَدْرِ مِسَاحَتِهَا وَجَرَيَانِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَسَّطَهَا عَلَى مِسَاحَةِ الْأَرْضَيْنِ الَّتِي عَلَى النَّهْرِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلِ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ مُؤْنَةَ الْحَفْرِ تَزِيدُ بِطُولِ مِسَاحَةِ
стр. 749
الْوَجْهِ الَّذِي عَلَى النَّهْرِ وَتَقِلُّ بِقِصَرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا بِهِ اهـ. كَلَامُ الْحَاوِي مُلَخَّصًا وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فَوَائِدَ وَتَبِعَهُ الرُّويَانِيُّ كَعَادَتِهِ عَلَى ذَلِكَ فِي بَحْرِهِ وَعِبَارَةُ الشَّيْخَيْنِ تُوَافِقُ ذَلِكَ وَتَنْقِيَةُ هَذَا النَّهْرِ وَعِمَارَتُهُ يَقُومُ بِهَا الشُّرَكَاءُ بِحَسَبِ الْمِلْكِ وَهَلْ عَلَى وَاحِدٍ عِمَارَةُ الْمَوْضِعِ الْمُسْتَفِلِ عَنْ أَرْضِهِ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْبَاقِينَ وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ التَّوْزِيعَ فِي الْأَرْضَيْنِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مِسَاحَتِهَا لَا قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ كُلَّمَا زَادَتْ مِسَاحَتُهَا زَادَ شُرْبُهَا فَلَزِمَ صَاحِبَهَا أَكْثَرُ مِنْ صَاحِبِ مَا هِيَ أَصْغَرُ مِنْهَا وَلَا نَظَرَ لِتَفَاوُتِ الْقِيَمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا دَخْلَ لَهُ هُنَا كَمَا هُوَ جَلِيٌّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) لَوْ كَانَتْ أَرْضٌ مُقَدَّمَةٌ فِي الشُّرْبِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأَرَاضِي وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ فِيهَا إلَّا بِالزَّرْعِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَكْتَفِي بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ فَهَلْ لِصَاحِبِهَا أَنْ يُحْدِثَ فِيهَا شَجَرًا وَنَحْوَهُ مِمَّا يَحْتَاجُ لِزِيَادَةِ مَا يُعْتَادُ مِنْ الْمَاءِ أَمْ لَا لِأَنَّ الْأَرْضَ قَدْ تَكُونُ مُشَاعَةً فَيَشْتَرِطُونَ عِنْدَ الْقِسْمَةِ الِانْتِفَاعَ بِنَوْعٍ خَاصٍّ لِلْمُقَدَّمِ بِالشُّرْبِ، فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ وَيَلْزَمُ أَوْ يَكُونُ مُفْسِدًا؟ وَمَا الَّذِي يَصِحُّ مِنْ الشُّرُوطِ فِي الْقِسْمَةِ بِتَقْدِيمٍ فِي السَّقْيِ أَوْ تَأْخِيرٍ عَلَى خِلَافِ الْمَعْهُودِ أَوْ بِشَرْطِ الزَّرْعِ دُونَ الْغَرْسِ وَمَا الَّذِي لَا يَصِحُّ مِنْ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ مَنْ أَرَادَ إحْدَاثَ نَحْوِ شَجَرٍ فِي أَرْضِهِ مِمَّا يَحْتَاجُ لِزِيَادَةِ سَقْيٍ لَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِمَنْعِهِ، بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ أَرْضَهُ تَكُونُ بَعْدَهَا أَرْضٌ أُخْرَى تَسْتَحِقُّ الشُّرْبَ مِمَّا يَصِلُ إلَيْهَا زِيَادَةً أَوْ لَا يَكُونُ بَعْدَهَا شَيْءٌ بِأَنْ تَكُونَ هِيَ آخِرَ الْأَرَاضِي الَّتِي تَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ فَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى يُمْنَعُ مِنْ إحْدَاثِ مَا ذُكِرَ فِيهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا عَلَى مَنْ بَعْدَهُ وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ؛ لِأَنَّ مَا يَنْزِلُ فِي أَرْضِهِ مِنْ الْمَاءِ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا أَرَادَ وَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى لَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُحْدِثَ فِي أَرْضِهِ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ مِمَّا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْتَادُ مِنْ الْمَاءِ فَمَنَعَهُ شُرَكَاؤُهُ فَقَالَ: أَنَا أَسُوقُ لَهُ مِنْ مَحِلٍّ آخَرَ مَا يَكْفِيه مِنْ الْمَاءِ فَهَلْ يُجَابُ هُوَ أَوْ هُمْ؟ وَقَضِيَّةُ مَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ فِي الْجَوَابِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْ الْمَاءِ وَيَسْقِي بِهِ أَرْضًا لَيْسَ لَهَا رَسْمٌ مِنْ هَذَا النَّهْرِ مُنِعَ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ لَهَا رَسْمَ شُرْبٍ لَمْ يَكُنْ أَنَّهُمْ يُجَابُونَ؛ لِأَنَّا إذَا مَكَّنَّاهُ مِنْ غَرْسِ مَا ذَكَرَ كَانَ فِيهِ إضْرَارٌ بِهِمْ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ يَسْتَدِلُّ بِغَرْسِهِ فِي الْأَرْضِ الْمُسْتَحِقَّةِ لِلشُّرْبِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الشُّرْبَ أَيْضًا فَإِنْ قُلْت يُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ بِأَنَّهُ هُنَا لَمْ يَفْعَلْ مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ الْآنَ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ مَا أَحْدَثَهُ مِنْ الْغَرْسِ سَاقَ لَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيه وَثَمَّ أَحْدَثَ مَا يَضُرُّهُمْ الْآنَ وَهُوَ إجْرَاءُ مَاءِ أَرَاضِيهمْ إلَى غَيْرِهَا، وَفَرْقٌ بَيْنَ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ وَالْمُتَوَقَّعِ قُلْت: هَذَا الْفَرْقُ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا يَضُرُّهُمْ الْآنَ، وَإِنَّمَا جَاءَ الضَّرَرُ مِنْ أَنَّهُ إذَا اسْتَمَرَّ يَسْقِي تِلْكَ الْأَرْضَ مِنْ مَائِهِمْ وَتَقَادَمَ الْعَهْدُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ مَنْ يَعْرِفُ أَصْلَهَا ظَنَّ حِينَئِذٍ أَنَّ لَهَا رَسْمَ شُرْبٍ، فَمَنْ ادَّعَاهُ صُدِّقَ فِيهِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَالِ، فَالضَّرَرُ فِيهَا إنَّمَا هُوَ مُتَوَقَّعٌ أَيْضًا، فَإِنْ قُلْت: هَذَا يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ هُنَا بِالْغَرْسِ وَنَحْوِهِ فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ؟
قُلْت وَهُنَا يَتَصَرَّفُ فِي مَائِهِ الَّذِي هُوَ مِلْكُهُ أَوْ مُسْتَحَقٌّ لَهُ فَكَمَا قَالُوا ثَمَّ بِمَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِجَرِّ الضَّرَرِ عَلَى الشُّرَكَاءِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَقِينًا بَلْ احْتِمَالًا، فَكَذَلِكَ الضَّرَرُ يَمْنَعُ هُنَا مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ بِمَا يَكُونُ سَبَبًا لِذَلِكَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الشَّرْطُ فِي الْقِسْمَةِ فَإِنْ كَانَتْ إفْرَازًا لَمْ يُؤَثِّرْ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَقْدًا حَتَّى يَتَأَثَّرَ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَيَلْزَمُ فِيهَا الشَّرْطُ الصَّحِيحُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا أَنَّهَا تُبَيِّنُ أَنَّ مَا خَرَجَ لِكُلٍّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ كَانَ مِلْكَهُ، وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ فَلَا يُعْتَدُّ بِالشَّرْطِ فِيهَا مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَتْ بَيْعًا تَأْتِي فِيهَا التَّفْصِيلُ فِي الشُّرُوطِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ وَهُوَ أَنَّهُ مَا وَافَقَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَانَ لَازِمًا، وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ فَلَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهِ إلَّا التَّأْكِيدُ وَمَا نَافَى مُقْتَضَاهُ يُبْطِلُهُ إنْ وَقَعَ فِي صُلْبِهِ أَوْ فِي مَجْلِسِهِ، وَمَا لَا يُنَافِيه وَلَا يَقْتَضِيه يَكُونُ لَغْوًا وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، فَالْأَرْضُ الَّتِي يَقْتَسِمُونَهَا هُنَا إنْ كَانَتْ مُسْتَوِيَةَ الْأَجْزَاء صَحَّتْ الْقِسْمَةُ وَلَمْ يُعْتَدَّ
стр. 750
بِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ الشُّرُوطِ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَوِيَةَ الْأَجْزَاء كَانَتْ قِسْمَتُهَا تَعْدِيلًا أَوْ رَدًّا وَكِلَاهُمَا بَيْعٌ، فَإِذَا شُرِطَ فِيهَا تَقْدِيمٌ أَوْ تَأْخِيرٌ أَوْ زَرْعٌ فَقَطْ وَكَانَ ذَلِكَ يُنَافِي مُقْتَضَاهَا بَطَلَ وَأَبْطَلَهَا وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(سُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) لَوْ كَانَ النَّهْرُ الْأَصْلِيُّ الْمَمْلُوكُ يَتَفَرَّعُ مِنْهُ سَوَاقٍ تَنْقَسِمُ عَلَى أَرَاضٍ فَارْتَوَى أَحَدُهُمْ أَيْ أَحَدُ أَهْلِ السَّوَاقِي الْمُتَفَرِّعَةِ قَبْلَ شَرِيكِهِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُرْتَوِي صَرْفُ الْمَاءِ إلَى شَرِيكِهِ فِي الْفَرْعِ أَوْ لَهُ صَرْفُهُ كَيْفَ شَاءَ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: يَجِبُ الصَّرْفُ إلَى الشَّرِيكِ وَاحْتَاجَ صَرْفُ الْمَاءِ إلَى كُلْفَةٍ وَمُؤْنَةٍ فَهَلْ ذَلِكَ عَلَى الْمُرْتَوِي أَوْ عَلَى الْمَصْرُوفِ إلَيْهِ إلَيْهِ وَإِذَا ارْتَوَى جَمِيعُ الْمُتَفَرِّعِينَ عَنْ النَّهْرِ الْأَصْلِيِّ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ صَرْفُ مَا أَخَذُوهُ مِنْ الْمَاءِ إلَى النَّهْرِ الْأَصْلِيِّ أَمْ لَهُمْ صَرْفُهُ كَيْفَ أَرَادُوا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ بِصَرْفِهِ إلَى النَّهْرِ الْأَصْلِيِّ فَهَلْ يَجِبُ صَرْفُهُ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ أَمْ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ أَمْ عَلَى الْجَمِيعِ أَمْ عَلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِالْمَاءِ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَاءِ الْمُبَاحِ وَغَيْرِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُرْتَوِي صَرْفُ الْمَاءِ إلَى مَنْ بَعْدَهُ فِي السَّقْيِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَلْزَمُهُ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ مَنْ بَعْدَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ الَّذِي اسْتَحَقَّ مَنْ بَعْدَهُ سَقْيُ أَرْضِهِ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ إذَا احْتَاجَ إلَى مُؤْنَةٍ وَكُلْفَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ بِهَذَا الْمَاءِ حِينَئِذٍ خَاصَّةٌ بِهِ وَلَيْسَ عَلَى مَنْ ارْتَوَى إلَّا التَّمْكِينُ فَقَطْ.
وَعَدَمُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَاءِ بِمَا يَضُرُّ مَنْ اسْتَحَقَّ السَّقْيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَرَغَتْ حَاجَتُهُ مِنْهُ صَارَ مُسْتَحَقًّا لِلْغَيْرِ، وَمَا اسْتَحَقَّهُ الْغَيْرُ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا يَضُرُّ ذَلِكَ الْغَيْرَ، وَإِذَا ارْتَوَى جَمِيعُ الْمُتَفَرِّعِينَ عَنْ النَّهْرِ الْأَصْلِيِّ فَتَارَةً يَكُونُ مَاءُ النَّهْرِ مُبَاحًا وَتَارَةً يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُمْ فَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُمْ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا يَصِلُ إلَى أَرْضِ كُلٍّ مِنْهُمْ بِالْقِسْمَةِ يَمْلِكُهُ مِلْكًا مُقَيَّدًا قَبْلَ اسْتِغْنَاءِ مَنْ بَعْدَهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الشُّرْبَ مِنْ أَرْضِهِ وَمُطْلَقًا بَعْدَ اسْتِغْنَاءِ مَنْ بَعْدَهُ، وَإِذَا مَلَكَهُ مِلْكًا مُطْلَقًا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ؟ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى النَّهْرِ أَيْضًا، نَعَمْ إنْ اُعْتِيدَ رَدُّهُ إلَى النَّهْرِ الْمُبَاحِ أَوْ الْمَمْلُوكِ لِيَكُونَ مَحْفُوظًا فِيهِ إلَى الِارْتِوَاءِ مِنْهُ لِشُرَكَائِهِ ثَانِيًا حُرِّمَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا يَمْنَعُ رَدَّهُ إلَى النَّهْرِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الرَّدُّ إلَيْهِ، بَلْ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَدِّهِ إلَيْهِ وَمَرَّ فِي الْجَوَابِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبه مِنْ مَاءٍ مُبَاحٍ أَوْ مَمْلُوكٍ عَلَى مَا مَرَّ فِيهِ وَيَسْقِي بِهِ أَرْضًا لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ مُنِعَ فَلَا يَغِبْ عَنْك اسْتِحْضَارُ ذَلِكَ هُنَا فَمَحِلُّ تَصَرُّفِهِ فِيهِ هُنَا كَيْف شَاءَ مَا لَمْ يَصْرِفْهُ لِأَرْضٍ لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ وَإِلَّا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِمَا مَرَّ ثَمَّ مَبْسُوطًا مَثَلًا وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ مَمْلُوكًا لِوَاحِدٍ وَأَبَاحَ لِآخَرَ السَّقْيَ مِنْهُ أَوْ أَعَارَهُ لَهُ بِطَرِيقِهِ بِأَنْ أَعَارَهُ مَحِلَّ نَبْعِهِ جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ أَيْضًا كَيْفَ شَاءَ مَا لَمْ يَرْجِعْ الْمُبِيحُ أَوْ الْمُعِيرُ، أَمَّا إذَا رَجَعَ فَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ إلَيْهِ وَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْمُسْتَعِيرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) لَوْ وَجَدْنَا سَاقِيَةً يَتَفَرَّعُ مِنْهَا فُرُوعٌ بَعْضُهَا فِي بَطْنِهَا بِنَاءٌ بِالْحِجَارَةِ كَالثُّقْبِ فِي الْخَشَبَةِ مَثَلًا وَبَعْضُهَا أَيْ: الْفُرُوعُ خَالِيَةٌ عَنْ الْبِنَاءِ فَطَلَبَ الَّذِي فِي بَطْنِ سَاقِيَتِهِ الْبِنَاءُ بَقِيَّةَ شُرَكَائِهِ أَيْ أَهْلَ الْفُرُوعِ الَّذِينَ لَا بِنَاءَ فِي سَوَاقِيهِمْ أَنْ يَبْنُوا مِثْلَهُ فَهَلْ يُجْبَرُونَ حَيْثُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِمْ سِوَى كُلْفَةِ الْبِنَاءِ أَمْ لَا لَا وَلَوْ حَصَلَ الطَّلَبُ مِنْ أَحَدِ الَّذِينَ لَا بِنَاءَ عَلَيْهِمْ فِي سَوَاقِيهِمْ وَطَلَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا هَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ الْمُمْتَنِعُ حَيْثُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْهُ أَمْ لَا؟ وَفَائِدَةُ الْبِنَاءِ الْفِرَارُ مِنْ أَنْ يَخْفِضَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ أَرْضَهُ وَالسَّاقِيَةَ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ فَيَفُوزَ بِكُلِّ الْمَاءِ أَوْ أَكْثَرِهِ دُونَ شُرَكَائِهِ. وَبِالْبِنَاءِ يَزُولُ الْمَحْذُورُ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) : بِأَنَّا حَيْثُ وَجَدْنَا بَعْضَ الْفُرُوعِ فِي بَاطِنِهِ بِنَاءٌ بِالْحِجَارَةِ وَبَعْضُهَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا نَدْرِي هَلْ وُضِعَ كُلٌّ مِنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ لَا؟ حَكَمْنَا بِحَقِّيَّةِ كُلِّ سَاقِيَةٍ أَوْ فَرْعٍ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ.
وَلَا يُجَابُ مَنْ طَلَبَ اسْتِوَاءَهَا فِي الْبِنَاءِ أَوْ عَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي كُلِّ مَوْضُوعٍ لَا يُعْلَمُ أَصْلُهُ أَنَّهُ وُضِعَ بِحَقٍّ فَلَا يُجَابُ مَنْ طَلَبَ تَغْيِيرَهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ أَمْ لَا، وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّ أَحَدَهُمْ قَدْ يَخْفِضُ أَرْضَهُ وَسَاقِيَتَهُ فَيَفُوزُ بِكُلِّ الْمَاءِ أَوْ أَكْثَرِهِ وَلَا إلَى أَنَّ الْبِنَاءَ يُزِيلُ هَذَا الْمَحْذُورَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ فِعْلِ ذَلِكَ وَعَلَى تَقْدِيرِهِ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ مُتَمَكِّنٌ مِنْ
стр. 751
رَفْعِ الْفَاعِلِ إلَى الْحَاكِمِ لِيَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
. (وَسُئِلَ) لَوْ أَرَادَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ الْمُبَاحِ وَيَسْقِيَ بِهِ أَرْضًا لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ الْمَمْلُوكِ أَوْ يُحْيِيَ تَحْتَهَا مَوَاتًا وَيَسْقِيَ مَا أَحْيَاهُ بِمَا صَارَ إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْمَاءِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَنْ يَحْتَاجُ لِفَاضِلِ الْمَاءِ أَمْ لَا؟ وَلَوْ كَانَ يَحْتَاجُهُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَمَا حُكْمُهُ؟ وَقَوْلُ الْإِرْشَادِ لَا حَادِثَ ضَيِّقٌ يُشِيرُ إلَى الْجَوَازِ عِنْدَ عَدَمِ الضِّيقِ وَمَا الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الضِّيقِ الْمَانِعِ مِنْ سَقْيِ الْحَادِثِ؟ وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ الرَّوْضَةِ وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْ الْمَاءِ وَيَسْقِيَ بِهِ أَرْضًا لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ مُنِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ لَهَا شُرْبًا لَمْ يَكُنْ اهـ.
قَالَ السَّمْهُودِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ زَادَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ مُنِعَ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ شُرْبًا لَمْ يَكُنْ، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ الْمَاءُ الْجَارِي فِي النَّهْرِ وَاسِعًا فَإِنْ مَنَعْنَاهُ أَضْرَرْنَا بِهِ، وَإِنْ تَرَكْنَاهُ يُحْيِي وَيَسْقِي أَضْرَرْنَا بِشُرَكَائِهِ إذَا حَكَمْنَا عِنْدَ التَّنَازُعِ بِأَنَّ لَهَا شُرْبًا لَمْ يَكُنْ، وَيُجْعَلُ الْمِلْكُ فِي النَّهْرِ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضَيْنِ عِنْدَ طُولِ الزَّمَانِ وَانْدِرَاسِ الْحُقُوقِ وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ النَّهْرِ وَالْمَاءِ الْمَمْلُوكَيْنِ وَالْمُبَاحَيْنِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ؟
(فَأَجَابَ) : قَدْ مَرَّ الْجَوَابُ مَبْسُوطًا آخِرَ الْجَوَابِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ فَلَا نُطِيلُ بِذِكْرِهِ هُنَا، وَكَانَ الْأَنْسَبُ تَأْخِيرَهُ إلَى هُنَا لَكِنَّهُ عِنْدَ كِتَابَتِهِ ثَمَّ لَمْ أَدْرِ أَنَّكُمْ أَفْرَدْتُمُوهُ بِسُؤَالٍ مُسْتَقِلٍّ، وَحَاصِلُ الَّذِي مَرَّ ثَمَّ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْ النَّهْرِ الْمَمْلُوكِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ وَيَسْقِي بِهِ أَرْضًا أُخْرَى لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ مُنِعَ، وَكَذَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُحْيِيَ تَحْتَ أَرْضِهِ مَوَاتًا وَيَسْقِيَهُ بِمَا صَارَ إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْمَاءِ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا، أَمَّا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِنْ نَهْرٍ مُبَاحٍ فَإِنْ كَانَ يُضَيِّقُ بِهِ عَلَى مَنْ اسْتَحَقُّوا الشُّرْبَ مِنْهُ مُنِعَ وَإِلَّا فَلَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِحْيَاءِ وَتَبِعَهُ فِي الْإِرْشَادِ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَمُنَازَعَةُ الْأَذْرَعِيِّ فِي تَصْرِيحِ الرُّويَانِيِّ بِذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ غَيْرِ الْإِحْيَاءِ رَدَدْتهَا ثَمَّ بِكَلَامِ الرَّوْضَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِحْيَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالضِّيقِ الْمَانِعِ مِنْ إحْدَاثِ الْإِحْيَاء أَنْ لَا يَكُونَ الْمَاءُ يَفِي بِالْحَادِثِ مَعَ الْقُدَمَاءِ، أَمَّا إذَا كَانَ يَفِي بِالْجَمِيعِ أَيْ: بِقَدْرِ حَاجَاتِهِمْ الْمُخْتَلِفَةِ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَأَنْوَاعِ الْمَزْرُوعَاتِ وَالْمَغْرُوسَاتِ فَلَا يُمْنَعُ الْحَادِثُ مِنْ الْإِحْيَاءِ، بَلْ يَسْقِي كُلَّ مَا شَاءَ مَتَى شَاءَ، وَمَا ذَكَرَهُ السَّمْهُودِيُّ أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ صَحِيحٌ، وَقَوْلُ السَّائِلِ: لَكِنْ قَدْ يَكُونُ الْمَاءُ الْجَارِي إلَخْ جَوَابُهُ: أَنَّهُ لَا نَظَرَ لِسَعَتِهِ حَيْثُ أَضَرَّتْ بِشُرَكَائِهِ وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عِنْدَ كَوْنِ النَّهْرِ مَمْلُوكًا لَهُمْ
أَمَّا عِنْدَ كَوْنِهِ مُبَاحًا فَيُنْظَرُ إلَى سَعَتِهِ وَضِيقِهِ كَمَا مَرَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ أَهْلِ بَلْدَةٍ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَعِظَهُمْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ زَمَانِهِمْ، فَقَالَ حَاكِمُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ: إنِّي لَا آذَنُ لَكُمْ أَنْ يَعِظَكُمْ الرَّجُلُ الْعَالِمُ لِأَجْلِ الْخُصُومَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الْحَاكِمُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْعَالِمِ أَنْ يَعِظَ النَّاسَ بِدُونِ إذْنِ الْحَاكِمِ أَوْ هَلْ يَجُوزُ لِأَهْلِ الْبَلْدَةِ أَنْ يَتَّعِظُوا بِدُونِ إذْنِ الْحَاكِمِ حِينَ يُخَالِفُ الْحَاكِمُ لِخُصُومَتِهِ؟
(فَأَجَابَ) : إنْ كَانَ فِيمَنْ يُرِيدُ وَعْظَ النَّاسِ أَهْلِيَّةٌ لِذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ يَسْلُكُ مَا يَسْلُكُ وُعَّاظُ هَذَا الزَّمَنِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْبَاطِلَةِ الْمَوْضُوعَةِ وَالْقِصَصِ الْكَاذِبَةِ، وَكَانَ يَجْلِسُ لِذَلِكَ فِي بَيْتِهِ أَوْ مَسْجِدٍ صَغِيرٍ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى وَعْظِهِ فِتْنَةٌ جَازَ لَهُ الْوَعْظُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِلْوَعْظِ بِأَنْ لَمْ يُحْسِنْ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَإِلَّا نَهَاهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْوَعْظُ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْحَاكِمُ، نَعَمْ إنْ كَانَ يَعِظُ مِنْ كِتَابٍ مَوْثُوقٍ كَالْإِحْيَاءِ لَلْغَزَالِيِّ، وَلَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ فِيمَا يَقْرَؤُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ جَازَ لَهُ أَنْ يَعِظَ النَّاسَ مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ يَذْكُرُ فِي وَعْظِهِ شَيْئًا مِنْ الْكُتُبِ الْبَاطِلَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأَحَادِيثِ أَوْ الْقِصَصِ الْكَاذِبَةِ فَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَصْلَحَهُ اللَّهُ مَنْعُهُ وَزَجْرُهُ زَجْرًا يَلِيق بِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ كَمَا ذُكِرَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي وَعْظِهِ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ وَأَرَادَ الْجُلُوسَ لِذَلِكَ
стр. 752
فِي الْمَسْجِدِ الْكَبِيرِ، فَإِنْ جَرَتْ عَادَةُ تِلْكَ الْبَلَدِ بِاسْتِئْذَانِ حَاكِمِهَا عِنْدَ الْجُلُوسِ لِذَلِكَ وَنَحْوِهِ لَمْ يَجْلِسْ إلَّا إنْ أَذِنَ لَهُ الْحَاكِمُ، وَإِنْ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِأَنَّهُمْ يَجْلِسُونَ لِذَلِكَ بِلَا إذْنِهِ لَمْ يَحْتَجْ لِاسْتِئْذَانِهِ هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ الْحَاكِمُ لَهُ بِالْمَنْعِ، أَمَّا إذَا مَنَعَهُ مِنْ الْوَعْظِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ امْتِثَالُ نَهْيِهِ امْتِثَالًا لِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ إطَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَئِمَّتُنَا: تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ أَوْ يَنْهَى عَنْهُ مِمَّا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ هَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَمْنُوعِ، وَأَمَّا الْحَاكِمُ الْمَانِعُ لَهُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ تَأَهَّلَ لِوَعْظٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ الْمُسْلِمِينَ لِيَرُدَّ بِهِ شَارِدَهُمْ وَيَسْتَتِيبَ بِصَوَاعِقِ تَخْوِيفِهِمْ عَاصِيَهُمْ، وَمَتَى فَعَلَ الْحَاكِمُ ذَلِكَ لِحَظِّ نَفْسِهِ فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِمَقْتِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ وَكَانَ خَصْمًا لِرَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَإِنَّهُ ﷺ حَرَّضَ مَنْ تَأَهَّلَ لِذَلِكَ مِنْ أُمَّتِهِ عَلَى فِعْلِهِ تَحْرِيضًا شَدِيدًا أَكِيدًا وَنَهَى عَنْ السَّعْيِ فِي تَعْطِيلِ أَسْبَابِ الْخَيْرِ نَهْيًا بَلِيغًا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ بِرْكَةٍ فِي مَسْجِدٍ يَتَحَصَّلُ إلَيْهَا مَاءٌ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ هَلْ يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْ مَائِهَا إلَى الْبُيُوتِ لِلطَّهُورِ أَوْ غَيْرِهِ؟
(فَأَجَابَ) : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقُلَ مِنْ مَاءِ تِلْكَ الْبِرْكَةِ شَيْئًا لَا لِطَهُورٍ وَلَا لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ صَارَ مُخْتَصًّا بِمَاءِ تِلْكَ الْبِرْكَةِ الَّتِي هِيَ مِلْكٌ لَهُ أَوْ وَقْفٌ عَلَيْهِ، وَإِذَا اخْتَصَّ بِمَائِهَا لَمْ يَجُزْ نَقْلُهُ مِنْهَا وَفِي الْخَادِمِ عَنْ الْعَبَّادِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ حَمْلُ شَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ الْمُسَبَّلِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْمَحِلِّ كَمَا لَوْ أَبَاحَ لِوَاحِدٍ طَعَامًا لِيَأْكُلَهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ حَمْلُ الْحَبَّةِ مِنْهُ وَلَا صَرْفُهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْآكِلِ ثُمَّ قَالَ: وَفِي هَذَا تَضْيِيقٌ شَدِيدٌ وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَى خِلَافِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْأَوْجَهِ فَهَلْ الْمُرَادُ بِالْمَحِلِّ فِي كَلَامِهِ الْمَحَلَّةُ الَّتِي هُوَ فِيهَا كَنَقْلِ الزَّكَاةِ أَوْ مَوْضِعُهُ الْمَنْسُوبُ إلَيْهِ عَادَةً بِحَيْثُ يَقْصِدُ الْمُسَبَّلَ أَهْلُهُ بِذَلِكَ؟ مَحِلُّ نَظَرٍ وَالثَّانِي أَقْرَبُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) هَلْ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْيِيَ مَوَاتًا فِي طَرِيقِ السَّيْلِ يَزْرَعُهُ وَيَسْقِي بِهِ قَبْلَ مَنْ لَهُمْ أَمْلَاكٌ تَسْقِي بِالسَّيْلِ الْمَذْكُورِ أَوْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ إحْدَاثُ الْإِحْيَاءِ الْمَذْكُورِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ قَبْلَ مَنْ لَهُ الْأَمْلَاكُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى إحْيَائِهِ الْحَادِثِ أَوْ لَا؟ وَإِذَا قُلْتُمْ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ يَشْرَبُ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى هَلْ الْمُرَادُ بِالْأَعْلَى الْمُتَقَدِّمُ مِلْكُهُ عَلَى الْإِحْيَاءِ الْحَادِثِ أَمْ الْمُرَادُ بِالْأَعْلَى الْأَقْرَبُ إلَى مَجْرَى السَّيْلِ؟ وَإِنْ كَانَ إحْيَاؤُهُ حَادِثًا فَإِنْ قُلْتُمْ: الْمُرَادُ بِالْأَعْلَى هُوَ السَّابِقُ مِلْكُهُ عَلَى الْإِحْيَاءِ الْحَادِثِ فَهَلْ لِلْمُلَّاكِ الْأَقْدَمِينَ مَنْعُ الْمُحْيِي الْحَادِثِ مِنْ التَّقَدُّمِ بِالسَّقْيِ أَمْ لَا؟
وَإِذَا قُلْتُمْ: لَهُمْ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ مَنْعُ بَعْضِ الْمُلَّاكِ كَافٍ فِي مَنْعِهِ مِنْ التَّقَدُّمِ عَلَى الْجَمِيعِ أَمْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْمَانِعِ فَقَطْ؟ وَهَلْ يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِي مَنْعِهِ مِنْ التَّقَدُّمِ بِالسَّقْيِ بَيْنَ مَنْعِهِمْ كُلِّهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ أَوْ إذْنِهِمْ كُلِّهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ أَوْ بِسُكُوتِهِمْ كُلِّهِمْ أَوْ بَعْضُهُمْ أَوْ لَا؟ وَهَلْ إذَا تَقَدَّمَ بِالسَّقْيِ مُدَّةً طَوِيلَةً وَمَاتَ وَلَهُ وَرَثَةٌ هَلْ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يُمْنَعُ هُوَ لَوْ كَانَ حَيًّا أَمْ لَا؟ وَهَلْ مَنْعُهُ مُخْتَصٌّ بِأَهْلِ الضَّيْعَةِ الَّتِي أَحْيَا فَوْقَهُمْ أَمْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ يَشْرَبُ بِالسَّيْلِ الْمَذْكُورِ وَإِنْ كَانَ فِي ضَيْعَةٍ أُخْرَى قَرُبَتْ أَمْ بَعُدَتْ؟ وَهَلْ لِمَنْ كَانَ لَهُ مِلْكٌ سَابِقٌ فِي الضَّيْعَةِ الَّتِي وَقَعَ الْإِحْيَاءُ فَوْقَهَا وَمِلْكٌ سَابِقٌ بِضَيْعَةٍ أُخْرَى تَشْرَبُ بِالسَّيْلِ الْمَذْكُورِ مَنْعُهُ مِنْ التَّقَدُّمِ بِسَبَبِ مِلْكِهِ الَّذِي فِي الضَّيْعَةِ الْأُخْرَى قَرُبَتْ أَمْ بَعُدَتْ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) : أَصْحَابُ الْأَرَاضِي الَّتِي تُسْقَى بِالسَّيْلِ يَمْلِكُونَ مَرَافِقَهَا، وَمِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ الْمَرَافِقِ مَمَرُّ ذَلِكَ السَّيْلِ الْمُسْتَقِرُّ لَهُ فَلِكُلٍّ مِنْ مُلَّاكِ تِلْكَ الْأَرَاضِي الْمَنْعُ مِنْ الْإِحْيَاءِ فِي ذَلِكَ الْمَمَرِّ مُطْلَقًا، فَإِنْ كَانَ الْإِحْيَاءُ خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ الْمَمَرِّ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ إلَّا إنْ أَرَادَ سَقْيَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَمَرِّ الْمُسْتَحَقِّ لِأُولَئِكَ فَلَهُمْ حِينَئِذٍ مَنْعُهُ مِنْ نَفْسِ الْإِحْيَاءِ إذَا ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ بِهِ قَالَ الشَّيْخَانِ: لِأَنَّهُمْ اسْتَحَقُّوا أَرْضَهُمْ بِمَرَافِقِهَا، وَالْمَاءُ أَعْظَمُ مَرَافِقِهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِحْيَاءُ خَارِجًا عَنْ الْمَمَرِّ وَلَمْ يُرِدْ الْمُحْيِي سَقْيَ مَا أَحْيَاهُ مِنْهُ أَوْ أَرَادَهُ وَلَمْ يُضَيِّقْ عَلَى أَرْبَابِ تِلْكَ الْأَرَاضِي فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مَنْعُهُ مِنْ الْإِحْيَاءِ حِينَئِذٍ لَكِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ السَّقْيَ مِنْ ذَلِكَ السَّيْلِ الْمُسْتَحَقِّ لِتِلْكَ الْأَرَاضِي إلَّا بَعْدَ أَنْ تَشْرَبَ جَمِيعُ
стр. 753
الْأَرَاضِي السَّابِقِ إحْيَاؤُهَا عَلَى إحْيَائِهِ، سَوَاءٌ الَّتِي فِي ضَيْعَتِهِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا.
وَإِنْ بَعُدَتْ وَفَحُشَ بُعْدُهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ أَرْضٍ سَبَقَ إحْيَاؤُهَا عَلَى إحْيَاءِ هَذَا الْحَادِثِ تَسْتَحِقُّ الشُّرْبَ قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَقْرَبَ إلَى مَجْرَى السَّيْلِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ السَّبْقَ لَيْسَ بِالْقُرْبِ، بَلْ بِالسَّبَقِ فِي الْإِحْيَاءِ وَحَيْثُ قُلْنَا بِأَنَّ لَهُمْ مَنْعَهُ مِنْ الْإِحْيَاءِ أَوْ السَّقْيِ فِي الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كُلِّهِمْ وَبَعْضِهِمْ وَلَا بَيْنَ سُكُوتِهِمْ عَنْهُ مُدَّةً وَمُبَادَرَتِهِمْ بِالْمَنْعِ عَقِبَ الْإِحْيَاءِ فَلِبَعْضِهِمْ، وَإِنْ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ الْمُحْيِي الْحَادِثِ إلَى أَنْ مَاتَ أَنْ يَمْنَعَ وَرَثَتَهُ مِنْ الْإِحْيَاءِ أَوْ السَّقْيِ بِتَفْصِيلِهِمَا السَّابِقِ، وَالْمَنْعُ مِنْ الْإِحْيَاءِ لَا يُمْكِنُ تَبْعِيضُهُ، فَإِذَا مَنَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَفَى، وَأَمَّا الْمَنْعُ مِنْ السَّقْيِ فَيُمْكِنُ تَبْعِيضُهُ، فَإِذَا مَنَعَهُ وَاحِدٌ مَثَلًا امْتَنَعَ حَتَّى تُسْقَى أَرْضُ السَّابِقِ إحْيَاؤُهَا، سَوَاءٌ اتَّحَدَتْ أَمْ تَعَدَّدَتْ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ أَرَاضِيه فِي ضَيْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَمْ ضِيَعٍ، نَعَمْ لَوْ تَخَلَّلَ بَيْنَ أَرَاضِي وَاحِدٍ أَرْضٌ لِغَيْرِهِ وَأَرَادَ ذَلِكَ الْغَيْرُ أَنْ يُؤْثِرَ ذَلِكَ الْحَادِثَ بِقَدْرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ أَرْضُهُ مِنْ الشُّرْبِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ سَابِقِ إذْنٍ فَيُقَدَّمُ الْمَأْذُونُ لَهُ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الْآذِنِ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْآذِنُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِإِذْنِ بَعْضِهِمْ إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ السَّقْيِ فَقَطْ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْإِحْيَاءِ فَلَا يَكْفِي إذْنُ بَعْضِهِمْ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِ جَمِيعِهِمْ لِمَا مَرَّ أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ تَبْعِيضُهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَلِمَنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إذْنِهِ، فَإِنْ رَجَعَ الْكُلُّ بَعْدَ إذْنِهِمْ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ أَذِنُوا كُلُّهُمْ ثُمَّ رَجَعَ بَعْضُهُمْ أَثَّرَ رُجُوعُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَنْعِ مِنْ بَقَاءِ ذَلِكَ الْمُحْيِي لَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَنْعِ مِنْ السَّقْيِ إلَّا فِيمَا يَخُصُّهُ فَقَطْ لِمَا عَلِمْت مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَالَيْنِ، نَعَمْ يَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِيمَا إذَا رَجَعُوا عَنْ إذْنِهِمْ بَعْدَ أَنْ أَحْيَا وَعَمَّرَ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَأْتِيَ هُنَا نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِي رُجُوعِ الْمُعِيرِ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يَحْرُمُ الْمُرُورُ فِي سُوقِ الصَّاغَةِ؟
(فَأَجَابَ) نَعَمْ يَحْرُمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُمَا وَالْكَلَامُ فِي الْمُرُورِ حَالَ الْمُعَامَلَةِ الْمُحَرَّمَةِ كَالرِّبَا لَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ مَلْحَظَ الْحُرْمَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ الْإِقْرَارُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَهُوَ حَرَامٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: يَحْرُمُ الْجُلُوسُ مَعَ الْفُسَّاقِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرُورَ عَلَى الْمُتَبَايِعِينَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فِيهِ إقْرَارٌ لَهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَغَيْرِهِ يَحْرُمُ الْمُرُورُ أَيَّامَ الزِّينَةِ، وَمَلْحَظُهُ مَا فِيهِ مِنْ التَّقْرِيرِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَمِمَّا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ ذِكْرَ الصَّاغَةِ مَثَلٌ وَإِلَّا فَمَحِلُّ كُلِّ مَعْصِيَةٍ كَذَلِكَ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) فِي بِئْرٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ أَقْوَامٍ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَوْمٌ مَعْلُومٌ وَعَلَيْهَا أَرْضٌ مُرْتَفِعَةٌ وَمُنْخَفِضَةٌ مَثَلًا فَالْمُرْتَفِعَةُ لَهَا رَفِيعٌ يُسَاقُ مِنْ عَلَيْهِ الْأَرَاضِي الْمُرْتَفِعَةُ، وَالْمُنْخَفِضَةُ لَهَا أَيْضًا رَفِيعٌ يُسَاقُ مِنْ عَلَيْهِ وَتُرَابُ الرَّفِيعَيْنِ مَعًا مِلْكٌ لِزَيْدٍ وَلِبَاقِي الشُّرَكَاءِ الْمُرُورُ بِالْمَاءِ إلَى أَرَاضِيِهِمْ مِنْ تُرَابِ زَيْدٍ فَانْهَدَمَ الرَّفِيعُ الْأَعْلَى الَّذِي يُسَاقُ مِنْ عَلَيْهِ الْأَرَاضِي الْمُرْتَفِعَةُ وَهِيَ خَاصَّةُ زَيْدٍ أَعْنِي الْأَرَاضِيَ الْمُرْتَفِعَةَ فَعَجَزَ زَيْدٌ عَنْ عِمَارَتِهِ وَهُوَ الْمَالِكُ لِلتُّرَابِ الْمَذْكُورِ فَأَرَادَ أَنْ يَمْضِيَ بِمَائِهِ مِنْ الْبِئْرِ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ مَمَرِّ الشُّرَكَاءِ إلَى أَرْضِهِ الْمُرْتَفِعَةِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ بِمَا يُوَافِقُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ضَرَرٌ عَلَى شُرَكَائِهِ أَوْ لِلشُّرَكَاءِ مَنْعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) ﵀: نَعَمْ لِزَيْدٍ أَنْ يُجْرِيَ الْمَاءَ إلَى أَرْضِهِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ أَرَادَ مِنْ جِهَاتِ مِلْكِهِ الْخَاصَّةِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَرَاضِي الْمَذْكُورَةِ مَنْعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ، بَلْ وَلَا إجْبَارُهُ عَلَى عِمَارَةِ الْمَمَرِّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ فِي أَرْضِهِ فَإِنْ أَرَادُوا عِمَارَتَهُ مِنْ مَالِهِمْ حَتَّى يَجْرِيَ الْمَاءُ إلَى أَرَاضِيهِمْ لَمْ يَكُنْ لِزَيْدٍ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلْتُ) عَنْ أَرْضٍ لَهَا شُرْبٌ مِنْ أَرَاضٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَرَادَ صَاحِبُهَا الِاقْتِصَارَ عَلَى سَقْيِهَا مِنْ بَعْضِهَا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ لِتَرْكِهِ بَعْضَ حَقِّهِ أَوْ لَا لِحُصُولِ الضَّرَرِ عَلَى الْمَسْقِيِّ مِنْهُ؟ فَأَجَبْت الْقِيَاسُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِعَادَةِ تِلْكَ الْأَرْضِ فَإِذَا اطَّرَدَتْ بِشُرْبِهَا مِنْ أَرَاضٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَمْ يَجُزْ لِمَالِكِهَا الِاقْتِصَارُ بِشُرْبِهَا جَمِيعِهَا عَلَى بَعْضِ تِلْكَ الْأَرَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اطَّرَدَ فِيهَا ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا الِاسْتِحْقَاقُ إلَّا بِقَدْرِ تِلْكَ الْحِصَصِ الَّتِي تَخُصُّهَا مِنْ كُلٍّ مِنْ تِلْكَ الْأَرَاضِي فَإِذَا أَرَادَ مَالِكُهَا أَنْ يَسْقِيَهَا كُلَّهَا مِنْ أَحَدِ
стр. 754
تِلْكَ الْأَرَاضِي كَانَ آخِذً أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ الْمَعْمُولِ بِهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَطَّرِدْ بِأَنْ كَانَتْ مَرَّةً تُسْقَى مِنْ جَمِيعِهَا وَمَرَّةً تُسْقَى مِنْ بَعْضِهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا اخْتِصَاصٌ مُعَيَّنٌ مِنْ الْكُلِّ وَلَا مِنْ الْبَعْضِ، بَلْ الثَّابِتُ لَهَا مُطْلَقُ اسْتِحْقَاقِ الشُّرْبِ فَلِمَالِكِهَا اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ تِلْكَ الْأَرَاضِي كُلِّهَا وَمِنْ بَعْضِهَا وَلَا نَظَرَ إلَى ضَرَرٍ يَلْحَقُ بَعْضَ مَالِكِيِّ تِلْكَ الْأَرَاضِيَ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ ثُبُوتِ ذَلِكَ الْحَقِّ الْمُشْتَرَكِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا لَا عَلَى التَّعْيِينِ وَعِنْدَ تَقَرُّرِ هَذَا الثُّبُوتِ لَا يُنْظَرُ لِلُحُوقِ ذَلِكَ الضَّرَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) فِيمَا إذَا كَانَ مَوْضِعٌ فِي صَحْرَاءَ يَسِيلُ مَاؤُهُ فِي بُسْتَانِ شَخْصٍ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُرَى نَحْوُ خَمْسِينَ ذِرَاعًا فَأَرَادَ شَخْصٌ أَنْ يَحْفِرَ فِيهِ بِئْرًا أَوْ يُجْرِيَ فِيهِ نَهْرًا أَوْ يَغْرِسَ فِيهِ غَرْسًا أَوْ يَبْنِيَ فِيهِ بَيْتًا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ فِيهِ مَطْرَحُ رَمَادٍ وَسِرْجِينٌ وَقُمَامَاتٌ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ الَّذِي أُرِيدَ فِيهِ إحْدَاثُ مَا ذُكِرَ إنْ كَانَ مِنْ حَرِيمِ الْبَلَدِ أَوْ بَعْضِ مَزَارِعِهَا أَوْ أَنْهَارِهَا أَوْ مَجَارِي سُيُولِهَا الَّتِي تُرْوَى بِهَا مَزَارِعُهَا أَوْ شَيْءٍ مِنْ بَسَاتِينِهَا أَوْ مِنْ حَرِيمِ ذَلِكَ الْبُسْتَانِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ أَوْ مَجْرَى مَائِهِ لَمْ يَجُزْ فِيهِ إحْدَاثُ مَا ذُكِرَ إلَّا بِإِذْنِ جَمِيعِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ فِي الْأُولَى أَوْ صَاحِبِ الْبُسْتَانِ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيهِ اسْتِحْقَاقٌ فَهُوَ مَوَاتٌ فَلِمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ إحْيَاؤُهُ وَمَنْ أَحْيَاهُ مَلَكَهُ بِشَرْطِهِ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) سُؤَالًا صُورَتُهُ: سُئِلَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ مِنْ أَكَابِرِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ صَحْرَاءَ يَسِيلُ مَاؤُهَا فِي مَعْمُورٍ فَأَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَبْنِيَ فِي تِلْكَ الصَّحْرَاءِ بَيْتًا بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُ نُزُولَ الْمَاءِ إلَى الْمَعْمُورِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الْمَعْمُورِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ بَيْتًا فِي الصَّحْرَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ أَهْلُ الْمَعْمُورِ إذَا لَمْ يَضُرُّ ذَلِكَ بِهِمْ، وَهَذَا مِنْ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
جَوَابُهُ فَهَلْ جَوَابُكُمْ كَذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ الَّذِي يُرِيدُ الْبِنَاءَ فِيهِ إنْ كَانَ مَجْرَى مَاءِ الْمَعْمُورِ أَوْ مِنْ حَرِيمِهِ فَلِأَهْلِ الْمَعْمُورِ مَنْعُهُ مِنْ الْبِنَاءِ فِيهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُمْ مَنْعُهُ مُطْلَقًا، نَعَمْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا أَنَّ الْأَنْهَارَ الْمُبَاحَةَ فَضْلًا عَنْ الْمَمْلُوكَةِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى حَافَّاتِهَا وَلَا فِي حَرِيمِهَا؛ لِأَنَّ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا حَقًّا فَهِيَ كَالشَّوَارِعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) سُؤَالًا صُورَتُهُ: قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ مِنْ الْبَابِ السَّابِعِ فِي الْفَتَاوَى إذَا أَقْطَعَ السُّلْطَانُ جُنْدِيًّا أَرْضًا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ إجَارَتُهَا أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ نَعَمْ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِمَنْفَعَتِهَا وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُهَا مُعَرَّضَةً لَأَنْ يَسْتَرِدَّهَا السُّلْطَانُ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا يَجُوزُ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تُؤَجِّرَ الْأَرْضَ الَّتِي هِيَ صَدَاقُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعَرَّضَةً لَأَنْ يَسْتَرِدَّهَا مِنْهَا بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ اهـ.
قَالَ الْبُرْهَانُ الْفَزَارِيّ: وَكَانَ وَالِدِي يُفْتِي بِبُطْلَانِ إجَارَةِ الْإِقْطَاعِ وَمُسْتَنَدُهُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ إجَارَةُ الْإِقْطَاعِ بِمُجَرَّدِ الْإِقْطَاعِ وَأَنَا مُوَافِقٌ فِي ذَلِكَ وَتَحْقِيقُ الْبَحْثِ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَرْجِعُ إلَى شَيْءٍ وَهُوَ أَنَّ الْمُقْطَعَ هَلْ يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ الْمُقْطَعَةِ بِالْإِقْطَاعِ أَوْ لَا؟ فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ مَلَكَهَا فَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ بِذَلِكَ، وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا لَمْ تَصِحَّ بِمُجَرَّدِ الْإِقْطَاعِ وَكَأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا كَالْمُسْتَعِيرِ.
فَنَقُولُ: لَمْ يَمْلِكْهَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ: الْمُؤَبَّدُ مِنْ الْإِقْطَاعِ يَكُونُ تَمْلِيكًا وَيَكُونُ غَيْرَ تَمْلِيكٍ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «لَمَّا قَدِمَ ﷺ الْمَدِينَةَ أَقْطَعَ النَّاسَ الدُّورَ» مَعْنَاهُ أَنْزَلَهُمْ فِي دُورِ الْأَنْصَارِ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ إقْطَاعَ النَّبِيِّ ﷺ الْمُهَاجِرِينَ الدُّورَ عَلَى مَعْنَى الْعَارِيَّةِ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِقْطَاعِ الْمِلْكُ.
وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ وَكَانَ قَبْلَ الْإِقْطَاعِ لِغَيْرِ الْمُقْطَعِ قَطْعًا احْتَمَلَ أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءُ الْمِلْكِ الْمُحَقَّقِ فَلَا يَكُونُ الْمُقْطَعُ مَالِكًا عَمَلًا بِالْأَصْلِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سِوَى مُجَرَّدِ الْإِقْطَاعِ وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ زَوَالَ الْمِلْكِ وَلَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمُقْطَعُ مَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ فَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ كَالْمُسْتَعِيرِ، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا التَّحْقِيقَ عَرَفْت انْدِفَاعَ الْقِيَاسِ الَّذِي
стр. 755
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مَحْيِي الدِّينِ وَأَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي هِيَ صَدَاقٌ لِلزَّوْجَةِ مَلَكَهَا بِالْعَقْدِ وَلَيْسَ مِلْكُ الصَّدَاقِ مُتَوَقِّفًا عِنْدَنَا عَلَى الدُّخُولِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى الدُّخُولِ الِاسْتِقْرَارُ وَهُنَا لَمْ يَمْلِكْ الْمُقْطَعُ الْأَرْضَ بِلَا شَكٍّ وَلِهَذَا لَوْ أَرَادَ بَيْعَهَا مُنِعَ مِنْهُ وَالتَّرَدُّدُ وَقَعَ فِي مِلْكِهِ الْمَنْفَعَةَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَلَيْسَ الْمُقْطَعُ مَالِكًا لِأَرْضٍ وَلَا مَنْفَعَتِهَا، وَالصَّدَاقُ مَمْلُوكٌ لِلزَّوْجَةِ بِالْعَقْدِ وَقَاسَ بَعْضُهُمْ إجَارَةَ الْإِقْطَاعِ عَلَى إجَارَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَلَا يَتِمُّ هَذَا الْقِيَاسُ أَيْضًا، فَإِنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ الْوَقْفِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: زَوَائِدُ الْوَقْفِ وَمَنَافِعُهُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِي أَمْلَاكِهِمْ جَزَمَ بِذَلِكَ وَحَكَى قَوْلًا أَنَّهُ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ أَيْضًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِقْطَاعُ كَالْوَقْفِ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُقْطَعَ يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْمَوْقُوفَ إذَا صَحَّ لَزِمَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَاقِفِ الرُّجُوعُ عَنْهُ، فَالْإِقْطَاعُ إنَّمَا يُخْرِجُهُ الْإِمَامُ عَلَى وَجْهِ الْجَوَازِ لَا عَلَى وَجْهِ اللُّزُومِ، وَلِهَذَا يَرْجِعُ فِيهِ إذَا رَأَى ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ إجَارَةُ الْوَقْفِ لِكَوْنِهِ وَقْفًا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُؤَجِّرُهُ إذَا جَعَلَهُ الْوَاقِفُ نَاظِرًا أَوْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ مَنْ لَهُ ذَلِكَ شَرْعًا وَنَظِيرُهُ هُنَاكَ أَنَّ الْمُقْطَعَ لَا يُؤَجِّرُ الْإِقْطَاعَ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَقْطَعًا، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي الْإِجَارَةِ جَازَ حِينَئِذٍ، وَإِذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مَلَكَ مَنْفَعَةَ الْوَقْفِ جَزْمًا وَالرَّقَبَةَ عَلَى قَوْلٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ بِكَوْنِهِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، فَالْمُقْطَعُ أَوْلَى أَنْ لَا يُؤَجِّرَ الْإِقْطَاعَ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُقْطَعًا فَإِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ الرَّقَبَةَ جَزْمًا وَلَا يَثْبُتُ مِلْكُهُ لِلْمَنْفَعَةِ بَلْ الْأَصْلُ عَدَمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْحِصْنِيُّ فِي الْمُرْشِدِ: وَلِلْمُقْطَعِ أَنْ يُؤَجِّرَ الْأَرْضَ الَّتِي أَقْطَعَهَا الْإِمَامُ وَلَوْ بِلَا إذْنِهِ فِي الْمُخْتَارِ، وَكُلُّ مَنْ مَلَكَ التَّصَرُّفَ بِمِلْكٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَهُ إجَارَتُهُ وَإِعَارَتُهُ وَالتَّصَرُّفُ كَيْفَ شَاءَ اهـ.
وَقَالَ الْعُثْمَانِيُّ الصَّفَدِيُّ: وَالْمَشْهُورُ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ صِحَّتُهَا قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: لِأَنَّ الْجُنْدِيَّ يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ قَالَ السُّبْكِيّ مَازِلْنَا نَسْمَعُ عَنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ يَقُولُونَ بِصِحَّةِ إجَارَةِ الْإِقْطَاعِ
(فَأَجَابَ) جَلَى اللَّهُ عَنْ مِرْآةِ قُلُوبِنَا بِفَيْضِ مَدَدِهِ وَمَعْلُومَاتِهِ رِبْقَةَ الْإِشْكَالِ: الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِ مُقَدِّمَةٍ وَهِيَ أَنَّ التَّقِيَّ السُّبْكِيّ قَالَ: الْإِقْطَاعَاتُ الْمَعْرُوفَةُ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ السُّلْطَانِ لِلْجُنْدِ فِي أَرْضٍ عَامِرَةٍ تَسْتَغِلُّهَا وَتَكُونُ لَهُمْ فَوَائِدُهَا وَمَنَافِعُهَا مَا لَمْ يَنْزِعْهَا مِنْهُمْ أَوْ يَمُوتُوا لَمْ أَجِدْ لَهُ ذِكْرًا فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ، وَتَسْمِيَتُهُ إقْطَاعًا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ الْإِقْطَاعَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَوَاتِ، وَتَجْوِيزُهُ يَحْتَاجُ إلَى أَصْلٍ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ وَإِلَى تَخْرِيجِ طَرِيقٍ فِقْهِيٍّ حَتَّى يُقَالَ إنَّ الْمُقْطَعَ بِمُجَرَّدِ الْإِقْطَاعِ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ وَالْفَوَائِدَ وَأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا، وَإِنَّمَا يَقُومُ مَقَامَ الْإِمَامِ فِي اسْتِغْلَالِهَا وَإِيجَارِهَا ثُمَّ يَسْتَأْثِرُ بِمَا تَحَصَّلَ اقْتَضَى تَسْلِيطُ الْإِمَامِ عَلَى أَخْذِهِ قَبْلَ اسْتِئْثَارِهِ بِهِ، وَأَنَّهُ مِلْكٌ لِرَبِّ الْمَالِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُشْكِلٌ.
وَعَلَى الْفَقِيهِ الْفِكْرُ فِيهِ وَلَا يَخْتَصُّ بِالْإِقْطَاعَاتِ، بَلْ الرِّزَقِ الَّتِي يُطْلِقُهَا السُّلْطَانُ لِلْفُقَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ يَجْرِي فِيهَا هَذَا الْكَلَامُ وَمِنْ فَوَائِدِ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّى أَحَدٌ وَزَرَعَهَا هَلْ نَقُولُ يَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَتُهَا لِصَاحِبِهَا لِأَنَّهُ مَلَكَ مَنْفَعَتَهَا بِالْإِقْطَاعِ أَوْ الْإِطْلَاقُ مُجَرَّدُ الِاخْتِصَاصِ الْمُتَحَجِّرِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى اشْتِرَاكِ النَّاسِ فِيهَا وَالزَّارِعُ أَحَدُهُمْ؟ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْإِقْطَاعُ تَسْوِيغُ الْإِمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا لِمَنْ يَرَاهُ أَهْلًا لِذَلِكَ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي إقْطَاعِ الْأَرْضِ وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا لَهُ مَا يُجَوِّزُهُ، وَأَمَّا أَنْ يُمَلِّكَهُ إيَّاهُ فَيُعَمِّرَهُ أَوْ يَجْعَلَ لَهُ غَلَّتَهُ مُدَّةً هَذَا مَعْنَى الْإِقْطَاعِ الَّذِي فِي هَذَا الزَّمَانِ إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا لَمْ يَذْكُرُوهُ اهـ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَا أَظُنُّ فِي جَوَازِ الْإِقْطَاعِ الْمَذْكُورِ إذَا صَدَرَ فِي مَحِلِّهِ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّجْدَةِ قَدْرًا يَلِيقُ بِالْحَالِ مِنْ غَيْرِ مُجَازَفَةٍ خِلَافًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ قَالَ: ثُمَّ بِعَدَدِ هَذَا وَقَفْت عَلَى مُصَنَّفٍ قَدِيمٍ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا سَمَّاهُ كِتَابَ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ أَرَاضِي الْإِسْلَامِ وَتَصَرُّفِ الْإِمَامِ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقْطِعَ الْجُنْدِيَّ مِنْ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ مِنْ غَيْر زِيَادَةٍ، قَالَ وَمَا يَأْخُذُهُ الْجُنْدِيُّ عَلَى الزِّرَاعَةِ لَيْسَ بِخَرَاجٍ
стр. 756
بَلْ هُوَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ وَيَحِلُّ لَهُمْ تَنَاوُلُ الْغَلَّةِ وَغَيْرِهَا إذَا كَانَ بِالِاتِّفَاقِ وَالْمُرَاضَاةِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فَحَرَامٌ قَطْعًا، وَكَذَا مَا يَأْخُذُهُ الْمُقْطَعُونَ مِنْ الْفَلَّاحِينَ وَالْمُزَارِعِينَ مِنْ الْغَنَمِ وَالدَّوَابِّ وَالْعَسَلِ وَالدَّجَاجِ فَهُوَ جَوْرٌ وَظُلْمٌ اهـ.
وَيُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ السُّبْكِيّ: هَذِهِ الْإِقْطَاعَاتُ الْمَعْرُوفَةُ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَمْ أَجِدْ لَهَا ذِكْرًا فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ مِنْ إقْطَاعِ الِاسْتِغْلَالِ وَجَعْلِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: عُشْرٍ، وَخَرَاجٍ لَيْسَ هُوَ هَذَا الْإِقْطَاعَ الْمَعْرُوفَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا هُوَ إقْطَاعُ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ أَيْ: أَرْضِ بَيْتِ الْمَالِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَأَمَّا إقْطَاعُ الْعُشْرِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ زَكَاةٌ لِأَصْنَافٍ يَصِيرُ مِنْهُ اسْتِحْقَاقُهُمْ عِنْدَ دَفْعِهَا إلَيْهِمْ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا وَقْتَ اسْتِحْقَاقِهَا؛ وَلِأَنَّهَا تَجِبُ بِشُرُوطٍ قَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا تُوجَدَ فَلَا تَجِبُ قَالَ: وَأَمَّا الْخَرَاجُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُ إقْطَاعِهِ بِاخْتِلَافِ حَالِ مُقْطَعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ.
وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ رِزْقٌ مَفْرُوضٌ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقْطَعُوهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يُقْطَعُوا مِنْ مَالِ الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ نَفْلِ أَهْلِ الْفَيْءِ لَا مِنْ فَرِيضَتِهِ كَمَا يُعْطَوْنَ مِنْ غَلَّاتِ الْمَصَالِحِ. وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونُوا مِنْ مُرْتَزِقَةِ أَهْل الْفَيْء وَفَرِيضَة الدِّيوَان وَهُمْ الْجَيْشُ فَهُمْ أَخَصُّ النَّاسِ بِجِوَارِ الْإِقْطَاعِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ أَرْزَاقًا مُقَدَّرَةً تُصْرَفُ إلَيْهِمْ مَصْرِفَ الِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّهَا أَعْوَاضٌ عَمَّا أَرَصَدُوا نُفُوسَهُمْ لَهُ مِنْ حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَالذَّبِّ عَنْ الْحُرَمِ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَقْسَامِ وَالشُّرُوطِ يَجْرِي فِي إقْطَاعَاتِ هَذَا الزَّمَانِ، فَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَا يَخْلُو إقْطَاعُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدِهَا أَنْ يُقَدِّرَ سِنِينَ مَعْلُومَةً فَيَصِحُّ إذَا رُوعِيَ فِيهِ كَوْنُ رِزْقِ الْمُقْطَعِ مَعْلُومَ الْقَدْرِ عِنْدَ بَاذِلِ الْإِقْطَاعِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ.
وَكَوْنُ قَدْرِ الْخَرَاجِ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُقْطَعِ وَالْبَاذِلِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا، الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُقْطِعَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ثُمَّ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بِهَذَا الْإِقْطَاعِ عَنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ إلَى الْأَمْلَاك الْمَوْرُوثَةِ وَحِينَئِذٍ فَمَا اجْتَبَاهُ بِإِذْنٍ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ بَيْنَ أَهْلِ الْخَرَاجِ يَقْبِضُهُ وَيُحَاسَبُ بِهِ مِنْ جُمْلَةِ رِزْقِهِ، فَإِنْ زَادَ رَدَّ الزِّيَادَةَ وَإِلَّا رَجَعَ بِالْبَاقِي، وَأَظْهَرَ لَهُ السُّلْطَانُ فَسَادَ الْقَبْضِ حَتَّى يَمْتَنِعَ مِنْ الْقَبْضِ وَهُمْ مِنْ الدَّفْعِ، فَإِنْ دَفَعُوا بَعْدَ إظْهَارِ ذَلِكَ لَهُمْ لَمْ يَبْرَءُوا لَهُمْ، الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يُقْطِعَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَفِي صِحَّتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ إذَا قِيلَ: إنَّ حُدُوثَ زَمَانَتِهِ لَا يَقْتَضِي سُقُوطَ رِزْقِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
حَاصِلُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِذَا تَقَرَّرَ عُدْنَا إلَى مَسْأَلَتِنَا فَنَقُولُ: كَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْإِقْطَاعِ الْوَاقِعِ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ إجَارَتِهِ فَرْعُ صِحَّتِهِ، وَقَدْ مَرَّ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ، وَمَا نَقَلَهُ فِيهِ مِنْ الصِّحَّةِ الْمُوَافِقَةِ لِمَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ فَهُوَ الْأَصَحُّ الْمَعْمُولُ بِهِ، وَقَدْ كَانَ التَّقِيُّ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ يُفْتِي بِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ طُولِ الْمُدَّةِ وَقِصَرِهَا، لَكِنْ إذَا خَرَجَ الْإِقْطَاعُ عَنْهُ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ الْفَزَارِيّ، أَمَّا تَرَدُّدُهُ بَيْنَ كَوْنِ الْمُقْطَعِ يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ أَوْ لَا فَنَقُولُ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا لِقَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي إقْطَاعِ الِاسْتِغْلَالِ لِأَنَّهَا أَعْوَاضٌ عَمَّا أَرْصَدُوا نُفُوسَهُمْ لَهُ إلَخْ فَهِيَ عِوَضٌ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلٍ فَمَلَكُهَا كَالْأَجِيرِ، وَلِقَوْلِ الْمِنْهَاجِ: وَأَمَّا الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ، فَاللَّامُ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: الْمُرْصَدُونَ لِلْجِهَادِ أَيْ: بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ، وَالْعَجَبُ مِنْ الْفَزَارِيّ كَيْفَ شَبَّهَهَا بِالْمُسْتَعِيرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَبْذُلْ عِوَضًا، وَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا فَالْإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ وَكَذَا قِيَاسُ النَّوَوِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ أَرْضِ الْإِقْطَاعِ لِكَوْنِهِ بَذَلَ فِي مُقَابَلَتِهَا مَا مَرَّ كَمَا أَنَّ الزَّوْجَةَ بَذَلَتْ فِي مُقَابَلَةِ الصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ عِوَضًا وَهُوَ كَوْنُهَا أَرْصَدَتْ نَفْسَهَا لِتُمَتِّعَ الزَّوْجَ، وَقِيَاسُ إجَارَةِ الْإِقْطَاعِ عَلَى إجَارَةِ الْوَقْفِ صَحِيحٌ أَيْضًا.
قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ: هَذَا حُكْمُ مَنْقُولِ الْفَيْءِ أَيْ: أَنَّهُ يُخَمَّسُ، فَأَمَّا عَقَارُهُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُجْعَلُ وَقْفًا وَتُقَسَّمُ غَلَّتُهُ كَذَلِكَ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: بَلْ يَصِير وَقْفًا بِمُجَرَّدِ انْتِقَالِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ وَقْفٌ عَلَى الْمُرْتَزِقَةِ، وَقَدْ صَارُوا بِتَعْيِينِ
стр. 757
الْإِمَامِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَمَلَكُوا مَنْفَعَةَ الْمَوْقُوفِ، لَكِنْ فَارَقُوا الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِمْ الَّذِينَ عَيَّنَهُمْ الْوَاقِفُ فِي جَوَازِ رُجُوعِ الْإِمَامِ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ حِمَايَةُ الْبَيْضَةِ بِأَيِّ جَمْعٍ كَانُوا، وَبِالْجُمْلَةِ فَتَشْبِيهُهُمْ بِالزَّوْجَةِ الْوَاقِعُ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمْ أَرَصَدُوا أَنْفُسَهُمْ وَبَذَلُوهَا لِلذَّبِّ، كَمَا أَرْصَدَتْ بُضْعَهَا وَبَذَلَتْهَا لِلِاسْتِمْتَاعِ، فَمَلَكَتْ الْمَنْفَعَةَ وَتَصَرَّفَتْ فِيهَا مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ الزَّوْجِ، فَكَذَلِكَ الْمُرْتَزِقَةُ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى مُرَاجَعَةِ الْإِمَامِ فِي الْإِجَارَةِ بِخِلَافِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَتِهِمْ لِلنَّاظِرِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْصُدُوا أَنْفُسَهُمْ وَلَمْ يَبْذُلُوهَا لِلْوَاقِفِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الْآيَةَ، فَسَمَّى بَذْلَهَا بَيْعًا وَجَعَلَ ثَمَنَهُ الْجَنَّةَ وَسَمَّاهُ شِرَاءً وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٦] إلَى أَنْ قَالَ ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] وَكَذَا فِي آيَةِ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] فَأُتِيَ بِاللَّامِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمِلْكِ وَالْمُقْتَضِيَةِ؛ لِأَنَّ مَا يُصْرَفُ لِلْمُرْتَزِقَةِ مِنْ مَنْقُولِ الْفَيْءِ مِلْكٌ لَهُمْ رَقَبَةً وَمَنْفَعَةً فَإِنْ كَانَ مِنْ عَقَارِهِ قَبْلَ إنْشَاءِ الْوَقْفِ وَرَأَى الْإِمَامُ تَمْلِيكَهُمْ إيَّاهُ فَلَهُ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ، وَاعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَحِينَئِذٍ فَيَمْلِكُونَهُ رَقَبَةً وَمَنْفَعَةً، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ إنْشَائِهِ فَقَدْ تَعَذَّرَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ فَبَقِيَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ يَمْلِكُونَ الْمَنْفَعَةَ وَيَدْخُلُونَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلِلَّهِ﴾ [الحشر: ٧] الْآيَةَ حَيْثُ أَتَى فَاللَّامُ الْمِلْكِ فَقَدْ زَالَ التَّرَدُّدُ الَّذِي قَالَهُ الْفَزَارِيّ فِي مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ وَتَبَيَّنَ بِالنَّصِّ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا وَبَطَلَ التَّشْبِيهُ بِالْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا، وَإِنَّمَا مَلَكَ أَنْ يَنْتَفِعَ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ أَرْضٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِوَاحِدٍ عُلُوُّهَا وَلِلْآخَرِ سُفْلُهَا وَالْمَاءُ يَدْخُلُ مِنْ عُلُوِّهَا لِسُفْلِهَا فَأَخْرَبَ السَّيْلُ عُلُوَّهَا فَأَصْلَحَهُ مَالِكُهُ مَثَلًا لَكِنْ بَقِيَ مُنْخَفِضًا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ أَوْ انْعَكَسَ الْحَالُ فَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ تَسْتَحِقُّ السَّقْيَ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَكَانَتْ تُسْقَى كَذَا فَخَرِبَ أَعْلَاهَا فَعُمِّرَ وَبَقِيَ مُنْخَفِضًا أُجْبِرَ عَلَى تَسْوِيَتِهِ بِالتُّرَابِ حَتَّى يَصِيرَ فِي الِارْتِفَاعِ كَالسُّفْلَى فَإِنْ تَعَذَّرَ وُقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحَا وَلَا سَبِيلَ إلَى إبْطَال حَقِّ السُّفْلَى، وَكَذَا فِي صُورَةِ الْعَكْسِ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلَى تَسْوِيَتُهَا كَذَلِكَ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْوَقْفُ كَمَا ذُكِرَ وَلَا يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا عِمَارَةُ مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَ بِتَقْصِيرِهِ فِي إخْرَابِ السَّيْلِ لِأَرْضِهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي الصُّلْحِ. وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّ كُلًّا يَسْتَحِقُّ السَّقْيَ فِي مِلْكِ صَاحِبِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُوَصِّلَ صَاحِبَهُ إلَى حَقِّهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَقِّهِ فَأَفْتَاهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ عِمَارَةُ مِلْكِهِ مُطْلَقًا نَظَرًا لِذَلِكَ ضَعِيفٌ وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ حَفَرَ الْمُسْتَأْجِرُ سَاقِيَةً تَعَدِّيًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ تُعَادَ كَمَا كَانَتْ.
(وَسُئِلَ) هَلْ لِمَالِكِ أَرْضٍ لَهَا شُرْبٌ مَنْعُ النَّاسِ مِنْ الِاسْتِقَاءِ مِنْهُ وَنَحْوِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمَنْقُولُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى مَا يَكْفِي أَرْضَهُ لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ مِنْهُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الرَّوْضَةِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَلَوْ أَرَادُوا قِسْمَةَ النَّهْرِ وَكَانَ عَرِيضًا جَازَ وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِجْبَارُ كَالْجِدَارِ الْمَائِلِ هَلْ هُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَدْ يُعَارِضُهُ مَا فِي الشُّفْعَةِ فَإِنَّهُ ذُكِرَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ الطَّاحُونُ وَالْحَمَّامُ وَالْبِئْرُ وَالنَّهْرُ إذَا أَمْكَنَ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَكَذَا الشَّرِكَةُ فِي مَسِيلِ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ وَفِي بِئْرِ الْمَزْرَعَةِ دُونَ الْمَزْرَعَةِ كَالشَّرِكَةِ فِي الْمَمَرِّ، وَحُمِلَ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ النَّهْرُ بَيْنَ مَزَارِعَ وَهِيَ عَلَى حَافَّتَيْهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا لَا عَلَى حَفْرِ أَنْهَارٍ وَسَوَاقِيَ وَسَوْقِ الْمَاءِ إلَيْهَا مِنْ الْأَوْدِيَةِ الْعَظِيمَةِ وَلِمَا فِي تَرْكِ الْقِسْمَةِ فِي هَذِهِ مِنْ الْمَضَرَّةِ الْعَظِيمَةِ.
(وَسُئِلَ) نُقِلَ عَنْ الْفَارِقِيِّ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَقْطَعَ وَمَاتَ لَا يَجُوزُ لِلْمُقْطَعِ أَنْ يَسْتَدِيمَ مَا أُقْطِعَ إلَّا بِإِذْنٍ جَدِيدٍ مِنْ الْإِمَامِ الثَّانِي فَهَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْغَزِّيِّ فِي بَابِ الْهِبَةِ مِنْ أَدَبِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ.
(وَسُئِلَ) كَمْ يَمْلِكُ الرَّجُلُ مِنْ الْجَبَلِ الَّذِي فَوْقَ أَرْضِهِ مَثَلًا وَإِذَا كَانَ فَوْقَ أَرْضِهِ وَادٍ صَغِيرٍ وَأَرْضُهُ تَحْتَمِلُ جَمِيعَ مَا يَرِدُ مِنْ الْمَاءِ فَهَلْ يَمْلِكُ هَذَا الْمَسِيلَ جَمِيعَهُ؟
(فَأَجَابَ) إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً بِالْإِحْيَاءِ مَلَكَ قَدْرَ ذَلِكَ أَوْ بِغَيْرِهِ فَمَا عَرَفَ مِنْ حُقُوقِهَا عِنْدَ نَحْوِ الْبَيْعِ أَوْ الْإِرْثِ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُهُ دُونَ غَيْرِهِ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَمَّنْ
стр. 758
أَرْسَلَ الْمَاءَ فِي بُسْتَانِهِ فَدَخَلَ فِي ثَقْبٍ وَأَفْسَدَ دَارَ جَارِهِ فَهَلْ يَضْمَنُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى الْقَفَّالُ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ الثَّقْبُ مَوْجُودًا قَبَلَ الْإِرْسَالِ ضَمِنَ، وَإِنْ جَهِلَهُ، وَإِنْ حَدَثَ بَعْدَ الْإِرْسَالِ فَلَا وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ: إنَّمَا يَضْمَنُ إنَّ خَرَجَ عَنْ عَادَةِ مِثْلِهِ فِي السَّقْيِ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ وَمِثْلُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مَا لَوْ سَقَى مَعَ عِلْمِهِ بِالثَّقْبِ وَكَوْنِهِ يَنْفُذُ لِدَارِ جَارِهِ وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْعَادَةَ.
وَسُئِلَ) عَنْ أَرْضٍ تُسْقَى مِنْ أَرَاضٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَرَادَ صَاحِبُهَا الِاقْتِصَارَ عَلَى سَقْيِهَا مِنْ بَعْضِهَا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ لِتَرْكِ بَعْضِ حَقِّهِ أَوْ لَا لِحُصُولِ الضَّرَرِ عَلَى أَهْلِ الْمُسْتَقَى مِنْهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ ذَلِكَ الِاقْتِصَارُ يُؤَدِّي إلَى لُحُوقِ ضَرَرٍ بِالْأَرْضِ الْمُسْتَقَى مِنْهَا فَلِصَاحِبِهَا مَنْعُهُ مِنْهُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ اعْتِيَادَ شُرْبِهَا مِنْ مَحَالَّ مُتَعَدِّدَةٍ يُصَيِّرُ اسْتِحْقَاقَهَا الشُّرْبَ مِنْ كُلٍّ مِنْ تِلْكَ الْمَحَالِّ بِطَرِيقِ التَّوْزِيعِ لَا بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلَالِ، فَإِذَا أَرَادَ الِاسْتِقْلَالَ كَانَ مُرِيدًا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ فَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِالْغَيْرِ مَنَعَهُ مِنْهُ هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَتْ الْعَادَةُ أَنَّهَا تَشْرَبُ مِنْ كُلٍّ مِنْ تِلْكَ الْمَحَالِّ بَعْضَ كِفَايَتِهَا، أَمَّا لَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ أَنَّهَا يَأْتِيهَا الْمَاءُ الَّذِي يَكْفِيهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ تِلْكَ الْمَحَالِّ فَهِيَ حِينَئِذٍ تَسْتَحِقُّ الِاسْتِقْلَالَ مِنْ كُلٍّ مِنْ تِلْكَ الْمَحَالِّ، فَإِذَا أَرَادَ الِاقْتِصَارَ حِينَئِذٍ فَلَيْسَ لِلْغَيْرِ مَنْعُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَادَةَ الْمُسْتَمِرَّةَ مُحَكَّمَةٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَكُلُّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا عَلَى وَفْقِهَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ وَإِنْ أَضَرَّ بِغَيْرِهِ، وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا لَا عَلَى وَفْقِهَا مُنِعَ مِنْهُ.
. (وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ لَهُ حَدِيقَةُ نَخْلٍ ثُمَّ اشْتَرَى عُلُوَّهَا أَرْضًا أُخْرَى وَغَرَسَهَا نَخْلًا وَجَعَلَهُمَا حَدِيقَةً وَاحِدَةً وَجَعَلَ سَقْيَهُمَا مِنْ أَعْلَى الْحَدِيقَةِ لِيَعُمَّهُمَا الْمَاءُ فَهَلْ لِأَحَدٍ التَّحَجُّرُ عَلَى صَاحِبِ الْحَدِيقَةِ بِأَنْ لَا يَسْقِيَهَا إلَّا مِنْ أَسْفَلَهَا أَوْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلِصَاحِبِ الْحَدِيقَةِ أَنْ يَسْقِيهَا مِنْ أَيِّ مَحَلٍّ اخْتَارَ اخْتَارَ لِأَنَّ الْمِلْكَ مِلْكُهُ وَالْمَاءَ مُسْتَحَقٌّ لَهُ مَثَلًا وَإِذَا انْتَهَى زَمَنُ اسْتِحْقَاقِهِ لِلْمَاءِ سَدَّ مَحَلَّ السَّقِيَّةِ لِيَذْهَبَ الْمَاءُ إلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ بَعْدَهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمَاءُ الَّذِي تُسْقَى مِنْهُ الْحَدِيقَةُ الْأُولَى إنْ كَانَ مِنْ نَهْرٍ مُبَاحٍ جَازَ لِأَهْلِ النَّهْرِ أَنْ يَمْنَعُوا صَاحِبَ الْحَدِيقَةِ مِنْ سَقْيِ الْحَدِيقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ النَّهْرِ قَبْلَهُمْ إنْ ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ سَبَقَ لَهُ اسْتِحْقَاقُ شُرْبٍ مِنْ النَّهْرِ قَبْلَ شِرَاءِ الْحَدِيقَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ نَهْرٍ مَمْلُوكٍ جَازَ لَهُمْ أَيْضًا مَنْعُهُ مِنْ تَقْدِيمِ رَأْسِ سَاقِيَتِهِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ إلَى أَرْضِهِ وَمِنْ تَأْخِيرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ مِنْهُ فِي الْحَافَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الشُّرَكَاءِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اقْتِسَامُهُمْ لِلْمَاءِ بِالزَّمَنِ كَالسَّاعَةِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ مَحِلَّ السَّقْيِ مِنْ أَعْلَى الْحَدِيقَةِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الْحَافَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَلَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْمَاءِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ شُرَكَاؤُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَكُلُّ أَرْضٍ وُجِدَ بِيَدِ أَهْلِهَا نَهْرٌ لَا تُسْقَى إلَّا بِهِ. وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ حُفِرَ أَوْ انْخَرَقَ يُحْكَمُ لَهُمْ بِمِلْكِهِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا تَقَرَّرَ فِي النَّهْرِ الْمَمْلُوكِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ عَنْ سَيْلٍ يَنْزِلُ مِنْ جَبَلٍ عَالٍ وَعَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ مَزَارِعُ فَوَضَعَ رَجُلٌ أَحْجَارًا وَأَخْشَابًا بِمَجْرَاهُ فَتَحَوَّلَ عَنْهُ وَأَتْلَفَ الْأَرْضَ الْمُتَحَوِّلَ إلَيْهَا فَهَلْ يَضْمَنُهَا؟ وَهَلْ لِمَالِكِ هَذِهِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْمَكَانَ الَّذِي عَنْهُ تَحَوَّلَ؟
(فَأَجَابَ) نَعَمْ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ السَّيْلُ الَّذِي حُوِّلَ إلَيْهَا إذَا تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا بِهِ وَمَا تَحَوَّلَ عَنْهُ إنْ كَانَ مُسْتَحَقًّا لِأَصْحَابِ تِلْكَ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِمْ تَمَلُّكُهُ؛ لِأَنَّ انْتِفَاعَ أَرَاضِيِهِمْ بِهَذَا الْمَجْرَى الْمُرَتَّبِ لَهَا يُصَيِّرُهُ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا لَهُمْ بِأَنْ مَهَّدَ السَّيْلُ مَجْرًى أَوْ أَرْضًا فِي مَوَاتٍ وَلَمْ يَكُنْ فِي أَحَدِهِمَا اسْتِحْقَاقٌ لِأَحَدٍ جَازَ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ إحْيَاء ذَلِكَ؛ إذْ لَا حَقَّ فِيهِ لِلْغَيْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ اُقْتُسِمَ الْمَاءُ بَيْنَ مَالِكِ أَرْضَيْنِ مُتَجَاوِرَتَيْنِ بِأَنْ يَجْعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا رَسْمَ شُرْبٍ يَجْرِي إلَى أَرْضِهِ ثُمَّ يُرْسِلَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْمَاءَ مِنْ أَرْضِهِ بَعْدَ رَيِّهَا إلَى أَرْضٍ تَحْتَهَا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمَا لِمَنْ بَعْدَهُمَا لِمَنْ بَعْدَهُ وَهَكَذَا حُكْمُ جَمِيعِ الْمُتَفَرِّعِينَ يَكُونُ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إلَى النَّهْرِ أَحَقُّ بِجَمِيعِ حِصَّتِهِ مَثَلًا وَحِصَّةُ مُجَاوِرِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِ مَثَلًا وَلَوْ جَرَتْ عَادَةٌ بِإِجْرَاءِ كُلٍّ لِمَنْ بَعْدَهُ قَبْلَ رَيِّ الْمُجَاوِرِ فَهَلْ لِهَذِهِ الْعَادَةِ اتِّبَاعٌ أَمْ لَا لِمُخَالِفَتِهَا اسْتِحْقَاقَ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، وَإِنْ قُسِمَ الْمَاءُ أَجِيبُوا جَوَابًا شَافِيًا؟
(فَأَجَابَ)
стр. 759
بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ الْمُتَجَاوِرَتَيْنِ مَنْفَذٌ بِحَيْثُ إذَا خَرَجَ مِنْ إحْدَاهُمَا مَاءٌ نَقَصَ مَاءُ الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ فَتْحُ إحْدَاهُمَا لِمَا بَعْدَهَا حَتَّى يُكْمِلَ رَيَّ كُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَعْلَى وَأَقْرَبُ إلَى النَّهْرِ مِمَّا بَعْدَهُمَا فَلَا يَسْتَحِقُّ مَنْ بَعْدَهُمَا شُرْبٌ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ رَيِّهِمَا كَمَا هُوَ الْمُقَرَّرُ الْمَعْرُوفُ، هَذَا إذَا لَمْ تَجْرِ عَادَةٌ قَدِيمَةٌ مُطَّرِدَةٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَإِلَّا عُمِلَ بِهَا كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ الْعَمَلَ بِهَا الْمُقَدَّمَ عَلَى الْعَمَلِ بِتَقْدِيمِ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَخَذُوا بِهَذَا لِكَوْنِ الْغَالِبِ أَنَّ الْمُحْيِيَ أَوَّلًا يَقْصِدُ الْقُرْبَ مِنْ النَّهْرِ فَهُوَ عَمَلٌ بِظَنٍّ لَمْ يُعَارَضْ فَحَيْثُ عَارَضَتْهُ الْعَادَةُ قُدِّمَتْ؛ لِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى تَقْدِيمِ سَافِلِهِ عَلَى عَالِيه يُبْطِلُ ذَلِكَ الظَّنَّ الَّذِي هُوَ تَقْدِيمُ إحْيَاءِ الْأَعْلَى كَمَا هُوَ وَاضِحٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَنْفَذٌ، وَإِنَّمَا كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَقِلٌّ بِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ الْمَاءِ لَا حَقَّ لِمُجَاوَرَتِهَا فِيهِ فَلِمَالِكِ كُلٍّ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَفْتَحَ بَعْدَ رَيِّهِ لِمَا يَلِي أَرْضَهُ وَلَا يُكَلَّفُ بَقَاءَ الْمَاءِ فِي أَرْضِهِ إلَى أَنْ يُكْمِلَ رَيَّ مُجَاوِرِهِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ مَعَ السَّدِّ أَوْجَبَتْ شَيْئَيْنِ: أَحَدَهُمَا أَنَّهَا صُيِّرَتْ كُلًّا مُسْتَقِلَّةً لَا حَقَّ لِلْمُجَاوِرَةِ فِيمَا يَصِيرُ مِنْ الْمَاءِ لِمُجَاوَرَتِهَا، ثَانِيهمَا: أَنَّهَا مَنَعَتْ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلِيًّا بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَلِي الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْعُلْيَا هِيَ الَّتِي يَصِلُ مَاؤُهَا لِمَا تَحْتَهَا وَهُنَا لَا يَصِلُ مَاءُ كُلٍّ إلَّا لِمَا يَلِيه فَقَطْ دُونَ مَا يَلِي مُجَاوِرَهُ فَكَانَ أَعْلَى بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَلِيه لَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَلِي مُجَاوِرَهُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْمَعْدِنِ الْبَاطِنِ كَالْمِلْحِ وَنَحْوِهِ إذَا كَانَ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا بِعَمَلٍ وَاعْتَادَ الْوُلَاةُ الِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ إذَا هَلَكَ الْوَالِي الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ خَلَفَهُ مَنْ بَعْدَهُ فَتَارَةً يَسْتَأْجِرُ الْوَالِي عُمَّالًا يَعْمَلُونَ فِي الْمَعْدِنِ الْمَذْكُورِ وَتَارَةً يُكْرِهُهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ فَلِمَنْ يَكُونُ الْمُتَحَصَّلُ مِنْ الْمَعْدِنِ لِلْوَالِي أَمْ لِلْعَامِلِ؟ وَلَوْ جَاءَ رَجُلٌ آخَرُ مَثَلًا وَأَخَذَ مِنْ الْمَعْدِنِ لِنَفْسِهِ فَهَلْ يَمْلِكُهُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَنْ أَخَذَ مِنْ مَعْدِنٍ شَيْئًا لَمْ يَحُزْهُ غَيْرُهُ مَلَكَهُ مَا لَمْ يَنْوِ غَيْرَهُ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْأَجِيرِ، وَمَا لَمْ يَنْوِ نَفْسَهُ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَجِيرِ، أَمَّا إذَا نَوَى الْأَوَّلُ نَفْسَهُ أَوْ أَطْلَقَ أَوْ نَوَى الثَّانِي نَفْسَهُ فَيَمْلِكُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَهَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْته فِيهِمَا ظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْوَقْفِ]
(وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاته فِي الدَّارَيْنِ عَمَّا لَوْ قَالَ أَوْصَيْت أَوْ وَقَفْت كَذَا عَلَى سَطْح فُلَان وَاطَّرَدَ فِي عُرْف الْقَائِل أَنَّ ذَلِكَ لِجِهَةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْد قَوْمِهِ وَأَهْلِ نَاحِيَتِهِ أَوْ مَثَلًا ظَهَرَ مِنْهُ تَخْصِيصُ الْعُرْفِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ سَطْحَ فُلَانٍ إنْ اطَّرَدَ عُرْف الْقَائِل بِأَنَّهُ اسْمٌ لِجِهَةٍ مَعْلُومَة تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهَا وَالْوَقْفُ عَلَيْهَا صَحَّ الْوَقْفُ أَوْ الْوَصِيَّةُ لِتِلْكَ الْجِهَةِ بِشَرْطِهَا، وَإِنْ لَمْ يَطَّرِد عُرْفٌ بِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ وَلَا الْوَصِيَّةُ وَلَا عِبْرَةٌ حِينَئِذٍ بِالْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُرَاد؛ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ لَا تَأْثِير لَهَا فِي نَحْوِ ذَلِكَ
[سَوَابِغُ الْمَدَدِ فِي الْعَمَلِ بِمَفْهُومِ قَوْلِ الْوَاقِفِ مَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ وَلَد]
(وَسُئِلَ) عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ فِيهَا بِجَوَابٍ مُخْتَصَرٍ ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ بَعْض الْمُفْتِينَ أَفْتَى فِيهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ فَصَنَّفَ فِيهَا تَصْنِيفًا سَمَّاهُ: سَوَابِغُ الْمَدَدِ فِي الْعَمَلِ بِمَفْهُومِ قَوْلِ الْوَاقِفِ مَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَذْكُرَهُ بِرُمَّتِهِ هُنَا، وَإِنْ كَانَ تَصْنِيفًا مُسْتَقِلًّا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْفَتَاوَى بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ وَذَلِكَ التَّصْنِيف: أَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى تَوْفِيقِهِ وَإِنْعَامِهِ وَأَشْكُرهُ عَلَى مَزَايَا فَضْلِهِ وَإِلْهَامِهِ (وَأَشْهَدُ) أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أَفُوزُ بِهَا مِنْ غَضَبِهِ وَانْتِقَامِهِ وَأَتَبَوَّأ مِنْهَا مَعَالِي الصَّوَابِ وَذُرْوَة سَنَامِهِ (وَأَشْهَدُ) أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي أَنْقَذَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ سَعِيرِ الْبَاطِلِ وَظُلْمِ أَوْهَامِهِ وَهَدَانَا بِهِدَايَتِهِ الْعُظْمَى إلَى سُلُوك سَبِيلِ الْحَقِّ وَمُجَانَبَةِ وَعْرِهِ وَآثَامِهِ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ قِيَامِهِ مَا صَدَقَتْ هِمَّةُ عَبْدٍ عِنْد تَزَاحُمِ الْآرَاءِ فِي إبَانَةِ الصَّوَابِ وَكَشْفِ خَفَايَا أَحْكَامِهِ.
(وَبَعْدُ) فَإِنِّي سُئِلْت عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الْوَقْف فِي شَهْرِ ذِي الْقَعْدَة سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ فَأَجَبْت فِيهَا بِالْمَنْقُولِ ثُمَّ رَأَيْت كَثِيرِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِيهَا لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ الْمَنْقُولِ الَّذِي أَجَبْت بِهِ فَأَحْبَبْت أَنْ أُفْرِدَهَا بِتَأْلِيفٍ لَطِيفٍ وَنَمُوذَج شَرِيف لِيَكْشِف
стр. 760
الْغِطَاءَ عَنْ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ وَيَصِيرَ سَبَبًا لِلْإِحَاطَةِ بِأَكْثَرِ مَا يَقَعُ فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ مِنْ عَوِيصَات الْمَسَائِلِ الْوَعِرَةِ الْمَسَالِكِ وَلِيَكُونَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إلَى فَيْضِ الْفَضْلِ الْجَزِيلِ وَالرِّضَاءِ الَّذِي هُوَ بِكُلِّ خَيْرٍ كَفِيلٍ مِنْ وَاهِبِ الْعَطَايَا وَمَانِح الْمَزَايَا فَإِنَّهُ لَا يَخِيبُ مَنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَلَجَأَ فِي سَائِرِ أُمُورِهِ إلَيْهِ فَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيل وَعَلَيْهِ اعْتِمَادِي فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، (وَسَمَّيْته: سَوَابِغ الْمَدَدِ فِي الْعَمَلِ بِمَفْهُومِ قَوْلِ الْوَاقِف مَنْ مَاتَ مِنْ غَيْر وَلَدِ) وَرَتَّبْته عَلَى بَابَيْنِ وَخَاتِمَةٍ
(الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي أَحَدِ شِقَّيْ السُّؤَالِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ) وَهُوَ أَنَّ شَخْصَيْنِ وَقَفَا بَيْتًا عَلَى بِنْتَيْهِمَا ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ وَهَكَذَا ثُمَّ قَالَا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبه لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ مَثَلًا فَإِذَا مَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا عَنْ بِنْتهَا فَهَلْ تَسْتَحِقُّ نَصِيبَهَا بِنْتُهَا أَوْ أُخْتَهَا الَّتِي فِي دَرَجَتِهَا وَالْكَلَام عَلَى ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي بَيَانِ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِذَلِكَ هُوَ الْبِنْتُ دُونَ الْأُخْتِ وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ فِي بَحْرِهِ وَعِبَارَتِهِ وَقَعَ بِأَهْلِ طَبَرِسْتَانَ أَنَّ امْرَأَةً وَقَفَتْ أَرْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا عَلَى أَنْ يُصْرَف مِنْهَا إلَى ابْن عَمَّتهَا زَيْدٍ سَهْمَانِ وَخَمْسَةُ أَسْهُمٍ إلَى ابْن بِنْتِهَا عَمْرٍو وَخَمْسَةُ أَسْهُمٍ إلَى أَخِيهَا بَكْرٍ وَذَكَرَتْ فِي قُبَالَة الْوَقْف أَنَّهُ وَقْفٌ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادهمْ مَا عَاشُوا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مِنْ غَيْر عَقِب كَانَ نَصِيبه مَصْرُوفًا لِشُرَكَائِهِ وَأَهْلِ طَبَقَتِهِ، ثُمَّ مَاتَ ابْن عَمَّتهَا زَيْد عَنْ سَهْمَيْنِ وَتَرَك ثَلَاثَةَ أَوْلَاد فَانْتَقَلَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ ثُمَّ مَاتَ أَخُوهَا بَكْرٌ بَعْدُ عَنْ غَيْر عَقِب فَهَلْ يَنْتَقِل نَصِيبُهُ إلَى ابْن بِنْتهَا عَمْرٍو لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ طَبَقَتِهِ دُون أَوْلَادِ ابْن عَمَّتِهَا زَيْدٍ؟ يُحْتَمَل أَنْ يُقَالَ: يَنْتَقِلُ إلَى وَلَدِ الْبِنْتِ وَيُحْتَمَل أَنْ يُقَالَ خِلَافُهُ. قَالَ وَالِدِي ﵀ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَإِذَا انْتَقَلَ نَصِيبه إلَى ابْن بِنْتهَا عَمْرٍو فَإِذَا مَاتَ هَلْ يَنْتَقِلُ جَمِيعُ مَا أَصَابَهُ وَهُوَ عَشَرَةُ أَسْهُم مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا إلَى أَوْلَادِهِ دُون أَوْلَادِ ابْن عَمَّتهَا أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ أَنَّ الْعَشَرَة تَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ وَلَا يَخْتَصُّ بِالِانْتِقَالِ إلَيْهِمْ مَا كَانَ نَصِيب الْمَيِّتِ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعَشَرَةِ الْآنَ صَارَتْ حَقًّا لِلْمَيِّتِ وَنَصِيبًا لَهُ، فَالْمَوْت كَافٍ فِي الْجَمِيع انْتَهَتْ عِبَارَة الْبَحْر وَنَقَلَهَا كَذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ ثُمَّ قَالَ عَقِبَهَا، وَهَذَا الْفَرْع مِمَّا تَعُمّ بِهِ الْبَلْوَى فِي الْفَتَاوَى اهـ.
وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ نَصِيبَ الْمَيِّتَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا لِبِنْتِهَا لَا لِأُخْتِهَا لِتَسَاوِي صُورَتِنَا وَصُورَتِهَا فِي الْعَطْف بِثُمَّ، وَفِي التَّصْرِيح بِأَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ كَانَ نَصِيبه لِشُرَكَائِهِ مَعَ عَدَم ذِكْر مَفْهُومِهِ وَحِينَئِذٍ فَقَدْ أَخَذَ الرُّويَانِيُّ وَوَالِده بِمَفْهُومِ هَذَا الشَّرْطِ الْمُتَبَادَرِ مِنْهُ فِي صُورَتِهِمَا حَيْثُ جَعَلَا سَهْمَيْ زَيْدٍ لِأَوْلَادِهِ مَعَ مَوْته فِي حَيَاة عَمْرٍو وَبَكْرٍ اللَّذَيْنِ هُمَا فِي دَرَجَته؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَةَ وَقَفَتْ مَا مَرَّ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادهمْ، وَكَأَنَّ قَضِيَّة الْعَطْف بِثُمَّ أَنْ لَا يَنْتَقِل شَيْء إلَى أَوْلَادهمْ مَا بَقِيَ أَحَد مِنْهُمْ، لَكِنْ لَمَّا ذَكَرَتْ الشَّرْط الْمَذْكُور اقْتَضَى مَنْطُوقه أَنَّ تِلْكَ الْقَضِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ مَخْصُوصَةٌ بِمَا إذَا مَاتَ أَحَدهمْ عَنْ غَيْر وَلَدٍ وَاقْتَضَى مَفْهُومه الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَد يَكُونُ نَصِيبه لِوَلَدِهِ، وَإِنْ مَاتَ فِي حَيَاة مَنْ هُوَ فِي دَرَجَته فَلَا يَكُونُ لِمَنْ هُوَ فِي دَرَجَته شَيْءٌ مِنْ حِصَّتِهِ حِينَئِذٍ، بَلْ هِيَ لِوَلَدِهِ فَكَذَا يُقَال فِي مَسْأَلَتنَا حَرْفًا بِحَرْفٍ، فَإِنْ قُلْت يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا انْتِقَال سَهْمَيْ زَيْدٍ لِأَوْلَادِهِ بِطَرِيقِ الْقَصْد.
وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي عِبَارَتِهِمَا أَوْ فِي عِبَارَةِ السَّائِل عَنْ ذَلِكَ فَذَكَرَاهُ مُوَافَقَة لَا قَصْدًا وَاعْتِقَادًا قُلْت: صَرِيحُ عِبَارَتِهِمَا يُبْطِل ذَلِكَ، وَبَيَانه أَنَّهُمَا تَرَدَّدَا فِي أَنَّ نَصِيب بَكْرٍ الْمَيِّتِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ يَنْتَقِلُ إلَى عَمْرٍو الَّذِي فِي دَرَجَته وَحْده أَوْ إلَيْهِ وَإِلَى أَوْلَادِ زَيْد، فَقَضِيَّةُ تَرَدُّدِهِمَا فِي انْتِقَالِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ إنَّهُمَا جَازِمَانِ بِمَا ذُكِرَ مِنْ انْتِقَال نَصِيب وَالِدهمْ إلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا وَقَعَ تَرَدُّدُهُمَا فِي مُشَارَكَتهمْ لِمَنْ فِي دَرَجَة أَبِيهِمْ، وَإِنْ رَجَّحَ وَالِدُهُ مِنْهُ عَدَم الْمُشَارَكَةِ وَأَيْضًا فَجَعْلُهُمَا نَصِيب عُمَر وَعَشْرَة فَقَطْ صَرِيحٌ فِي اسْتِحْقَاقِ أَوْلَادِ زَيْدٍ لِسَهْمِهِ إذْ لَوْ لَمْ يَأْخُذَا بِمَفْهُومِ قَوْلهَا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ إلَخْ.
لَكَانَا يَجْعَلَانِ سَهْمَيْ زَيْدٍ الْمَيِّتِ أَوَّلًا لِعَمْرِو وَبَكْرٍ فَيَصِير لِكُلِّ سِتَّة أَسْهُم وَهُمَا لَمْ يَجْعَلَا
стр. 761
لِبَكْرٍ إلَّا خَمْسَةَ أَسْهُمٍ وَلِعَمْرٍو إلَّا خَمْسَة أَسْهُم وَأَبْقَيَا سَهْمَيْ أَوْلَادِ زَيْدٍ لَهُمْ، ثُمَّ تَرَدَّدَا فِي أَنَّ الْعَشَرَة الصَّائِرَة لِعَمْرٍو هَلْ يَخْتَصُّ بِهَا أَوْلَادُهُ أَوَّلًا وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الثَّانِي فَإِنْ قُلْت مَا وَجْهُ الِاحْتِمَالِ الَّذِي أَبْدَيَاهُ فِي مَوْتِ بَكْرٍ مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ قُلْت: لِأَنَّهُ جَرَى خِلَافٌ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي أَنَّ الْعَطْفَ بِثُمَّ هَلْ يَقْتَضِي التَّرْتِيب فِي الْأَفْرَادِ وَالْجُمَلِ أَوْ لَا؟ وَسَيَأْتِي إشَارَةٌ إلَيْهِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ لَك وَبَانَ أَنَّ كَلَامَ الرُّويَانِيِّ وَوَالِده وَهُمَا مَنْ هُمَا صَرِيحٌ فِي انْتِقَالِ نَصِيب الْمَيِّتَةِ لِبِنْتِهَا فِي مَسْأَلَتِنَا وَالْفَرْع لِأَصِلْهُ فِي مَسْأَلَته فَاقْضِ حِينَئِذٍ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِع فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة عَلَى هَذَا النَّقْل الصَّحِيح الصَّرِيح؛ إذْ لَوْ اطَّلَعُوا عَلَيْهِ لَمْ يَسَعْهُمْ مُخَالَفَته؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَجِلَّاء أَصْحَابنَا، وَإِذَا جَزَمَ شَخْصَانِ مِنْ أَجِلَّاءِ الْأَصْحَابِ بِحُكْمٍ.
وَأَقَرَّهُمَا مِثْل الْأَذْرَعِيُّ عَلَيْهِ وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ هَذَا يَحْتَاج إلَيْهِ كَثِيرًا فِي الْفَتَاوَى وَأَشَارَ إلَى الْعَمَل بِهِ فِيهَا وَلَمْ يَرِد فِي كَلَام الْأَصْحَاب وَلَا فِي قَوَاعِدهمْ مَا يُخَالِفهُ، بَلْ كَلَامُهُمْ فِي أَمَاكِنَ وَكَلَامُ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي أَمَاكِنَ دَالٌّ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي بَسْطُهُ فَلَا سَبِيلَ لِمَنْ لَمْ يَصِلْ إلَى مَرْتَبَتِهِمْ أَنْ يَذْهَبَ إلَى خِلَافِهِ، وَكَلَامُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِهِمَا وَالْمُخَالِفُ لَهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَى نَقْلٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا سَيَظْهَرُ لَك ذَلِكَ مِنْ كَلَامهمْ الْآتِي سِيَّمَا كَلَامُ السُّبْكِيّ وَأَبِي زُرْعَةَ.
وَكَذَلِكَ كَلَام شَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ تَبَعًا لِلزَّرْكَشِيِّ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَسْتَحِقُّ قَالَ خِلَافًا لِأَبِي زُرْعَةَ فَعُدُولُهُ لِذَلِكَ عَنْ قَوْله خِلَافًا لِلرُّويَانِيِّ وَوَالِده صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى كَلَامهمَا فَإِنْ قُلْت كَيْف ذَلِكَ وَهُوَ فِي تَوَسُّطِ الْأَذْرَعِيِّ، وَهَذَا الْكِتَاب نُصْبَ عَيْنَيْ الزَّرْكَشِيّ وَالشَّيْخِ سِيَّمَا الزَّرْكَشِيُّ فَإِنَّهُ مَادَّةُ خَادِمِهِ إلَّا الْفَذَّ الْفَاذَّ قُلْت هُوَ فِي غَيْرِ مَظِنَّتِهِ وَلَئِنْ سَلَّمَ فَهُوَ لَمْ يَسُقْ فِيهِ لِبَيَانِ حُكْمِ مَفْهُومِ هَذَا الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُفْهَم بِبَادِي الرَّأْي أَنَّهُ مَسُوقٌ لِبَيَانِ التَّسَاوِي فِي الصُّورَة الْأَخِيرَة فِيهِ الْآتِي حُكْمهَا مَبْسُوطًا فِي الْبَابِ الثَّانِي.
فَفَهِمَ الزَّرْكَشِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُمْعِنَا النَّظَرَ فِيهِ فَفَاتَهُمَا مَا فِي أَثْنَائِهِ مِنْ التَّصْرِيح بِحُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَة الَّتِي أَشْكَلَتْ عَلَى كَثِير مِنْهُمْ وَطَالَ النِّزَاع فِيهَا بَيْنهمْ وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّك إذَا سَبَرْتَ كَلَام الْمُتَأَخِّرِينَ رَأَيْتهمْ فِي مِثْل هَذِهِ الْمَحَالِّ الَّتِي يَقَع فِيهَا النِّزَاع بَيْنهمْ يَفِرُّونَ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِكَلَامِ مَنْ هُوَ دُون هَذَيْنِ الْحَبْرَيْنِ، فَعُدُولُ كُلٍّ مِنْهُمْ عَنْ ذَلِكَ إلَى نَصْبِ الْخِلَاف مَعَ أَهْلِ عَصْرِهِ أَوْ مَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ يُؤَكِّد الْقَطْعَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَظْفَرُوا فِي الْمَسْأَلَة بِنَقْلٍ أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِيهَا بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُمْ، فَإِذَا وُجِدَ نَقْلٌ تَأَيَّدَ بِهِ كَلَامُ الْمُوَافِقِ وَرُدَّ بِهِ كَلَامُ الْمُخَالِفِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَمْ يُخَالِفْهُ وَعَلَى تَقْدِيرِ مُخَالَفَتِهِ فَلَا تُسْمَع مِنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ.
وَسَيَأْتِي أَنَّ الْأَدِلَّةَ مُتَظَافِرَةٌ عَلَى مَا قَالَاهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مَنْ وَافَقَ كَلَامُهُ كَلَامَهُمَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعٍ عَلَيْهِ فَمِنْ هَؤُلَاءِ بَلْ أَجَلُّهُمْ السُّبْكِيّ عَلَى مَا يَأْتِي فَإِنَّهُ أَفْتَى بِمَا يُوَافِق ذَلِكَ، وَإِنْ أَفْتَى أَيْضًا بِمَا قَدْ يُخَالِفهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ.
وَبَيَانُ كَوْنِهِ أَفْتَى بِمَا يُوَافِقُ كَلَامَهُمَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَرْيَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّن أَيَّامَ حَيَّاته وَعَلَى أَوْلَادِهِ مِنْ بَعْدِهِ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَمَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ وَلَا لَهُ عَقِبٌ وَلَا نَسْلٌ كَانَ نَصِيبه عَائِدًا عَلَى إخْوَتِهِ وَأَخَوَاته الْبَاقِينَ بَعْده الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء يَجْرِي فِيهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَرْنًا بَعْد قَرْنٍ، وَلَيْسَ لِأَوْلَادِ الْبَنَات اللَّوَاتِي لَا يَرْجِعُونَ لِأَنْسَابِ آبَائِهِمْ إلَى الْمَوْقُوف عَلَيْهِ أَوَّلًا شَيْء مِنْ هَذِهِ الصَّدَقَةِ مَعَ مَنْ يُرْجَعُ بِنَسَبِهِ إلَيْهِ.
فَإِذَا انْقَرَضَ عَقِبه جَمِيعه كَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ اللَّوَاتِي يَرْجِعْنَ بِأَنْسَابِ آبَائِهِمْ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا انْقَرَضُوا رَجَعَتْ هَذِهِ الصَّدَقَة لِلْفُقَرَاءِ، وَقَدْ بَقِيَتْ لِأَوْلَادِ الْمَوْجُودِينَ مِنْ نَسْلِ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ أَوْلَادُ حَفْصَةَ بِنْت زَيْنَبَ بِنْت حَلِيمَةَ بِنْت الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوَّلًا، فَهَلْ تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْوَقْفِ أَوْ لَا؟ وَهَلْ يَسْتَحِقُّ مَنْ شَرَطَهُ لَهُ بَعْد عَدَمِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ لَا مَعَ عَدَمِ وُجُود هَذِهِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ ﵀ بِقَوْلِهِ هَذَا اللَّفْظُ إذَا أُخِذَ مَدْلُولُهُ فَقَطْ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الِاسْتِفْتَاء فِيهِ انْقِطَاع فِي وَسَطِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حُكْم مَا إذَا مَاتَ
стр. 762
الْأَوْلَادُ وَخَلَّفُوا أَوْلَادًا وَلَا حُكْمَ مَا إذَا مَاتَ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ وَخَلَّفُوا أَوْلَادًا فَيَتَطَرَّقُ إلَيْهِ خِلَافٌ فِي أَنَّ أَوْلَادَهُمْ يَسْتَحِقُّونَ أَوْ يَكُونُ مُنْقَطِع الْوَسَط. وَالْأَوْلَى عِنْدِي فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ الْخَاصَّةِ الِاسْتِحْقَاق بِتَأْوِيلِ اللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ كَيْ لَا يَنْقَطِعَ وَعَلَى هَذَا تَسْتَحِقُّ حَفْصَةُ الْمَذْكُورَةُ إذَا ثَبَتَ انْحِصَار النَّسْلِ فِيهَا. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَشْرُوط الْمَوْجُود بَعْدَهُمْ وَلَا نَسْله شَيْءٌ مَعَ وُجُودهَا اهـ. كَلَامُهُ فَقَوْلُهُ وَالْأَوْلَى عِنْدِي إلَخْ صَرِيح فِي مُوَافَقَتِهِمَا فِيمَا مَرَّ مِنْ اسْتِحْقَاق وَلَدِ الْبِنْتِ دُون مَنْ فِي دَرَجَتِهِ فَتَأَمَّلْ كَوْنَهُ سَلِمَ أَنَّ فِي هَذَا انْقِطَاعًا لِلْوَسَطِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ الْمُسْتَحِقُّ فِيهَا الْأَقْرَبَ إلَى الْوَاقِفِ، بَلْ جَعَلَ الِاسْتِحْقَاقَ لِأَوْلَادِ الْمَيِّتِ وَبَانَ بِآخِرِ كَلَامه أَنَّ هَذَا الِانْقِطَاع الَّذِي فِيهِ لَمْ يَذْكُرهُ لِيُرَتِّب عَلَيْهِ حُكْمَهُ، بَلْ لِيَكُونَ مُقَرِّبًا لِطُرُوقِ خِلَافٍ فِيهِ مِنْ جِهَةِ هَذَا الِاعْتِبَار؛ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُرَجِّح الْأَخْذ بِقَضِيَّتِهِ، بَلْ رَجَّحَ عَدَم الْأَخْذ بِتِلْكَ الْقَضِيَّة وَأَخَذَ بِنَقِيضِهَا الْمُصَرِّح بِعَدَمِ الِانْقِطَاع كَمَا يُصَرِّح بِذَلِكَ أَيْضًا قَوْله بِتَأْوِيلِ اللَّفْظ الْمُتَقَدِّم كَيْ لَا يَنْقَطِعَ، وَأَرَادَ بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ قَوْلَهُ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا. . . إلَخْ.
وَبِتَأْوِيلِهِ أَنَّ مَفْهُومَهُ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا، لَكِنْ يُرَجَّحُ أَحَدُ مُحْتَمَلَاته، بَلْ أَظْهَرهَا وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْوَلَدِ حَذَرًا مِنْ الِانْقِطَاعِ الَّذِي لَا يُقْصَد غَالِبًا مَعَ اعْتِضَادِهِ بِمَا يَأْتِي مَبْسُوطًا مِنْ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْحَالِيَّةِ، وَبَعْد أَنْ بَانَ لَك هَذَا فَاحْدِقْ النَّظَر فِيهِ فَإِنَّهُ مُشْفٍ لِلْعَلِيلِ مُوَافِقٌ لِلْمَنْقُولِ وَالدَّلِيلِ، وَبِهِ أَحْكُمُ عَلَى أَنَّ مَا يَأْتِي عَنْهُ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ وَعَلَى أَنَّ مَنْ تَبِعَهُ عَلَى هَذَا الثَّانِي كَالزَّرْكَشِيِّ لَمْ يَرَ إلَّا أَوَّل كَلَامه فِي فَتَاوِيهِ فَاغْتَرَّ بِهِ.
وَنَسَب إلَيْهِ أَنَّهُ يَقُولُ بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْأَوْلَادِ وَلَوْ رَأَى كَلَامه هَذَا لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَنْسِبَ إلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْت: الْعَطْف فِي صُورَة الرُّويَانِيِّ بِثُمَّ وَفِي صُورَة السُّبْكِيّ بِالْوَاوِ وَبَيْنهمَا فَرْقٌ وَاضِح، قُلْت: لَا فَرْق بَيْنهمَا هُنَا؛ لِأَنَّ صَرِيحَ كَلَام الْوَاقِف فِي صُورَة السُّبْكِيّ يَقْتَضِي التَّرْتِيب أَيْضًا؛ لِأَنَّ تَخْصِيصه عَوْدَ نَصِيب الْمَيِّت إلَى أَخَوَاته بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْوَقْف لَيْسَ وَقْفُ تَشْرِيك وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ الْكَلَامُ كُلُّهُ لَغْوًا، وَذَلِكَ لَا يُصَار إلَيْهِ حَيْثُ أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى حَالَةٍ تُصَحِّحُهُ وَعَلَى تَسْلِيم أَنَّهُ لِلتَّشْرِيكِ فَكَلَامُهُ فِيهِ أَيْضًا مُوَافِق لِكَلَامِهِمَا، وَبَيَانه أَنَّهُ إذَا قَالَ بِاسْتِحْقَاقِ أَوْلَادِ الْمَيِّتِ دُون إخْوَته مَعَ أَنَّ الْعَطْف بِالْوَاوِ يَدُلُّ عَلَى مُشَارَكَته لَهُمْ وَلَمْ يَلْتَفِت لِذَلِكَ أَخْذًا بِمَفْهُومِ الشَّرْط لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ بِاسْتِحْقَاقِ الْوَلَد فِي مَسْأَلَتنَا وَلَا يَقُولُ بِقَضِيَّةِ الْعَطْفِ بِثُمَّ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْأُخْتِ دُون الْبِنْتِ أَخْذًا بِمَفْهُومِ الشَّرْط أَيْضًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَفْهُوم هَذَا الشَّرْطِ كَمَا خَصَّصَ قَضِيَّةَ التَّشْرِيكِ فِي مَسْأَلَته بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَد وَإِلَّا فَلَا تَشْرِيكَ، بَلْ يَفُوز الْوَلَد بِحِصَّةِ أَبِيهِ جَمِيعًا كَذَلِكَ يُخَصِّص قَضِيَّة انْفِرَادِ الْأُخْتِ فِي مَسْأَلَتنَا بِمَا إذَا مَاتَتْ أُخْتهَا عَنْ غَيْر وَلَد وَإِلَّا كَانَتْ حِصَّةُ الْمَيِّتَةِ لَهَا نَفْسهَا لَا لِأُخْتِهَا، وَسَبَبُ تَسَاوِي الصُّورَتَيْنِ أَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن حِرْمَانِ مَنْ فِي الدَّرَجَةِ مِنْ الْبَعْضِ كَمَا فِي مَسْأَلَته وَمِنْ الْكُلِّ كَمَا فِي مَسْأَلَتنَا؛ لِأَنَّ الْمَلْحَظَ فِيهِمَا وَاحِد وَلَا عِبْرَةَ بِالتَّفَاوُتِ فِي النَّصِيب، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِمَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الِاسْتِحْقَاقُ أَوْ عَدَمه كَثُرَ النَّصِيبُ الْمُسْتَحِقُّ أَوْ لَا فَافْهَمْ ذَلِكَ. وَاعْتَنِ بِهِ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.
وَقَدْ أَفْتَى أَيْضًا بِمَا لَا يُوَافِق مَا قَالَاهُ فِي نَظِير مَسْأَلَتنَا حَتَّى فِي الْعَطْفِ بِثُمَّ، وَمِنْ كَلَامه فِي ذَلِكَ طُولٌ فَلْنُلَخِّصْ الْمَقْصُودَ مِنْهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى الطَّنْبَاءِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ أَحْمَدَ وَمُحَمَّدٍ وَبَتَّارٍ وَمَنْ يَحْدُثُ لَهُ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ أَنْسَالِهِمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَوْلَاد الطَّنْبَاءِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَنَسْله عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ أَوْ وَلَدِ وَلَدٍ أَوْ نَسْلٍ عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ أَهْل الْوَقْفِ يُقَدَّم الْأَقْرَب إلَيْهِ فَالْأَقْرَب، وَانْتَهَى الْوَقْف إلَى أَحْمَدَ بْنِ بَتَّارٍ الْمَذْكُور وَانْفَرَدَ بِهِ فَوُلِدَ لَهُ: مُحَمَّد وَأَلْتَى وَشَقْرَى، ثُمَّ وُلِدَ لِمُحَمَّدٍ: سُتَيْتَة وَعَائِشَة وَأَمَة الرَّحِيم. وَتُوُفِّيَ مُحَمَّد عَنْ بَنَاتِهِ الثَّلَاث فِي حَيَاة أَبِيهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ أَحْمَد عَنْ بِنْتَيْهِ وَبَنَات ابْنه فَهَلْ نَصِيبه لِبِنْتَيْهِ فَقَطْ أَوْ لَهُمَا وَلِبَنَاتِ ابْنه؟
(فَأَجَابَ بِمَا حَاصِله) : هُنَا مُقَدِّمَات إحْدَاهَا: هَلْ أَوْلَاد الْأَوْلَاد مَوْقُوف عَلَيْهِمْ فِي حَيَاة الْأَوْلَاد وَلَكِنَّهُمْ مَحْجُوبُونَ بِآبَائِهِمْ أَوْ لَا يَصِيرُونَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ إلَّا بَعْد انْقِرَاض آبَائِهِمْ؟ يُحْتَمَل الْأَوَّل لِشُمُولِ اللَّفْظ وَعُمُومه، وَالثَّانِي بِقَرِينَةِ ثُمَّ، فَكَأَنَّهُ
стр. 763
قَالَ: عَلَى أَوْلَاد أَوْلَادِي الْمَوْجُودِينَ حِينَ انْقِرَاض أَوْلَادِي، فَإِذْ ذَاكَ يَصِيرُ وَقْفًا عَلَيْهِمْ، وَهُنَا شَيْئَانِ: تَخْصِيص أَوْلَاد الْأَوْلَاد بِأَنْ يَخْرُج مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي حَيَاةِ الْأَوْلَاد عَنْ شُمُول لَفْظِ الْأَوْلَادِ، وَالثَّانِي تَقْيِيد الْوَاقِفِ بِأَنْ لَا يَصِير وَلَد الْوَلَد الْبَاقِي بَعْد الْوَلَدِ مُنْدَرِجًا فِي الْوَقْفِ إلَّا بَعْد وَفَاةِ الْوَلَدِ وَهُمَا اعْتِبَارَانِ مُتَغَايِرَانِ.
فَلِقَائِلٍ أَنْ يَذْهَبَ إلَى هَذَا التَّخْصِيص وَالتَّقْيِيد؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ وَلَقَائِلٌ أَنْ يَدْفَعهُمَا وَيَذْهَب إلَى الِاحْتِمَال الْأَوَّل وَهُوَ أَنَّ أَوْلَاد الْأَوْلَاد مَوْقُوف عَلَيْهِمْ فِي حَيَاة الْأَوْلَاد بِمَعْنَى أَنَّ الْوَقْف شَامِل لَهُمْ وَمُقْتَضٍ لِلصَّرْفِ إلَيْهِمْ، وَلَهُ شَرْط إذَا وَجَدَ عَمَل الْمُقْتَضَى عَمَله، وَهَذَا أَقْرَب إلَى قَوَاعِد اللُّغَة وَالْفِقْه. وَبِمَا قَدَّمْنَاهُ يَتَبَيَّنُ لَك أَنَّ هَذِهِ الْمُقَدَّمَةَ انْطَوَتْ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنَّ كُلَّ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ دَاخِلُونَ فِي لَفْظِ الْوَاقِفِ وَمُرَاده أَوَّلًا، وَالثَّانِيَةِ: هَلْ الْوَقْف عَلَيْهِمْ مَوْقُوف عَلَى انْقِرَاض آبَائِهِمْ أَوْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يُقَال إنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْوَقْف أَوْ لَيْسُوا مِنْهُمْ حَتَّى يَنْقَرِض آبَاؤُهُمْ؛ لِأَنَّ أَهْل الشَّيْء هُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْهُ الْقَوِيُّ فِيهِ؟ الْمُقَدَّمَةِ الثَّالِثَةِ: التَّرْتِيب الْمُسْتَفَاد مِنْ ثُمَّ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُصْرَف لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلَاد الْأَوْلَاد شَيْء حَتَّى يَنْقَرِض جَمِيع الْأَوْلَاد وَهُوَ مَوْضُوع اللَّفْظ؛ لِأَنَّ اللَّفْظ اقْتَضَى تَأَخُّر مُسَمَّى أَوْلَاد الْأَوْلَاد عَنْ مُسَمَّى الْأَوْلَاد وَمَجْمُوعهمْ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ.
، وَأَمَّا تَرْتِيب الْأَفْرَاد عَلَى الْأَفْرَاد فَلَيْسَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَلَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَقَرِينَةٍ فِي اللَّفْظِ تَدُلُّ عَلَيْهِ. الْمُقَدِّمَةِ الرَّابِعَةِ: أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ الْأَوْلَادِ فِي حَيَاةِ بَاقِيهمْ فَإِنَّهُ يَنْتَقِل نَصِيبه إلَى الْبَاقِينَ وَالْفَرْق أَنَّ مُسَمَّى الْوَلَد بَاقٍ، وَالْوَقْفُ عَلَى الْأَوْلَادِ كَالْوَقْفِ عَلَى الْجِهَةِ، وَالْجِهَةُ صَادِقَةٌ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَمَا دَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مَوْجُودًا كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ؛ فَلِذَلِكَ لَا نَقُول بِالِانْقِطَاعِ وَلَا بِالِانْتِقَالِ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَبَلَغَنِي أَنَّ فِي مَذْهَبِ الْأَمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَة أَنَّهُ يَنْتَقِلَ إلَى وَلَدِ الْوَلَدِ وَيَحْمِلُ التَّرْتِيبَ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَة فَهِيَ كَالْوَجْهِ الَّذِي عِنْدنَا فِيمَا إذَا وَقَفَ عَلَى زَيْد وَعَمْرو وَبَكْر، وَلَكِنْ الْفَرْق بَيْنهمَا هُوَ الَّذِي أَوْضَحْنَاهُ فِيمَ لَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي: زَيْد وَعَمْرو وَبَكْر احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هُنَا قَدْ قَوَّى جَانِب الْأَعْيَان وَضَعَّفَ جَانِب الْجِهَة.
وَلَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى زَيْد وَعَمْرو وَبَكْر، كُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثٌ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاء، فَهَذَا التَّفْصِيل يَقْتَضِي أَنَّهُ كَثَلَاثَةِ أَوْقَاف فَهُنَا يَضْعَفُ الْقَوْل بِأَنَّهُ إذَا مَاتَ وَاحِد يَنْتَقِل نَصِيبه إلَى الْبَاقِينَ وَيَقْوَى الْقَوْلُ بِأَنَّ نَصِيبه يَنْتَقِلُ إلَى الْفُقَرَاءِ. الْمُقَدِّمَةِ الْخَامِسَةِ: تَرْتِيبُ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ عَلَى الْأَوْلَادِ تَرْتِيبَ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ، وَتَرْتِيبُ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ تَارَةً يُرَادُ بِهِ تَرْتِيبُ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ مِثَاله أَنْ يَكُونَ كُلُّ فَرْعٍ مُرَتَّبًا عَلَى أَصْلِهِ فَهُنَا يَصِحّ أَنْ يُقَالَ: الْأَفْرَادُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الْأَفْرَادِ.
وَالْجُمْلَةُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ وَتَارَةٌ يُرَادُ بِهِ تَرْتِيب الْجُمْلَة عَلَى الْجُمْلَة مِنْ غَيْرِ تَرْتِيب الْأَفْرَاد عَلَى الْأَفْرَاد، وَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ ظَاهِر اللَّفْظ مِثَاله هُنَا أَنَّهُ لَا يَنْتَقِل لِأَوْلَادِ الْأَوْلَاد شَيْء حَتَّى يَنْقَرِض جَمِيع الْأَوْلَاد مِثَال الْأَوَّل أَنَّهُ يَنْتَقِل لِكُلِّ وَاحِد نَصِيب أَصْله، وَقَدْ يَكُونُ بَيْن الْمَعْنَيَيْنِ وَاسِطَة، مِثَاله أَنْ يُرَادَ تَرْتِيب الْجُمْلَة عَلَى الْجُمْلَة إلَّا فِي بَعْض الْمَوَاضِع الَّتِي يَنُصُّ الْوَاقِف عَلَيْهَا، مِثَاله أَنْ يَقُول: لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلَاد الْأَوْلَاد شَيْءٌ إلَّا مَنْ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَوْلَاد نَصِيب قَدْ اسْتَحَقَّهُ وَمَاتَ بَعْد اسْتِحْقَاقه فَإِنَّهُ يَنْتَقِل لِوَلَدِهِ فَلَا يَدْخُلُ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ قَبْل الِاسْتِحْقَاق، وَإِنْ كَانَ لَوْ قَالَ: يُرَتَّبُ كُلُّ فَرْعٍ عَلَى أَصْلِهِ لَدَخَلَ، وَإِذَا دَار لَفْظ مُجْمِل بَيْن الْمَعَانِي الثَّلَاث وَتَعَذَّرَ الْعَمَل بِظَاهِرِهَا فَلِقَائِلٍ أَنْ يُرَجِّح هَذَا الْمَعْنَى الثَّالِثَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَقْرَب إلَى حَقِيقَة اللَّفْظ، وَإِذَا تَعَذَّرَ الْعَمَل بِالْحَقِيقَةِ فَكَانَ مَا قَرُبَ مِنْهَا أَوْلَى. الْمُقَدَّمَةِ السَّادِسَةِ لَفْظ النَّصِيب ظَاهِر فِي الْمُسْتَحَقّ الْمُتَنَاوَلِ وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا يَخُصّهُ مِنْ الْوَقْفِ بِحَيْثُ لَوْ زَالَ الْحَاجِبُ لَتَنَاوَلَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَعْنِي وَلَدَ الْوَلَدِ لَوْ زَالَ الْحَاجِب لَاسْتَحَقَّ قِسْطًا فَذَلِكَ نَصِيبٌ إمَّا بِالْقُوَّةِ فَقَطْ.
وَإِمَّا بِالْفِعْلِ فَتَنَاوُلُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى شَرْطٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى. الْمُقَدِّمَةِ السَّابِعَةِ قَدْ يَقُولُ وَقَفْت عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَاده ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ، وَقَدْ يَقُولُ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى
стр. 764
أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، وَفِي الصِّيغَةِ الْأُولَى الضَّمِيرُ فِي أَوْلَادِهِمْ لِأَوْلَادِ زَيْدٍ، وَهَلْ يَنْدَرِجُ أَوْلَادُهُمْ فِي الظَّاهِرِ عَوْدًا عَلَى لَفْظِ الْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَعْضُهُمْ، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى الْمُرَادِ فِيهِ احْتِمَالَانِ أَيْضًا، وَإِنْ قُلْنَا بِالِانْدِرَاجِ انْدَرَجَ أَوْلَادُهُمْ فِي الضَّمِيرِ، وَأَمَّا الصِّيغَةُ الثَّانِيَةُ فَلَا يَأْتِي فِيهَا الِاحْتِمَالُ، بَلْ يَشْمَل جَمِيعَ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ، سَوَاءٌ دَخَلَ آبَاؤُهُمْ فِي الْوَقْفِ أَوْ لَا لِصِدْقِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا بَعْد زَوَالِ مَنْ يَحْجُبُهُمْ فَلَا إشْكَال وَقَدْ يُقَالُ: يَحْجُبُهُمْ الْأَعْمَامُ، فَيَكُونُ حُكْمُهُمْ حُكْمَ آبَائِهِمْ. الْمُقَدِّمَةِ الثَّامِنَةِ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ يَعُودُ عَلَى مَنْ قُلْنَا: إنَّهُ دَاخِل فِي الْوَقْفِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وِفَاقًا وَاحْتِمَالًا فَمَنْ جَزَمْنَا بِدُخُولِهِ هُنَاكَ جَزَمْنَا بِدُخُولِهِ هُنَا وَمَنْ تَرَدَّدْنَا فِي دُخُوله هُنَاكَ تَرَدَّدْنَا فِي دُخُوله هُنَا. الْمُقَدِّمَةِ التَّاسِعَةِ: أَنَّ قَوْله مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ إلَخْ هُوَ كَالْوَقْفِ الْكَامِل يَجِبُ النَّظَرُ فِي صِيَغِهِ وَدَلَالَته كَمَا سَبَقَ. الْمُقَدَّمَةِ الْعَاشِرَةِ: أَنَّ كُلَّ مَا أَدَّى إلَى قِلَّة التَّخْصِيص وَالتَّقْيِيد كَانَ أَوْلَى مِمَّا أَدَّى إلَى كَثْرَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. إذَا عَرَفْت هَذِهِ الْمُقَدَّمَاتِ الْعَشْرَ فَنَقُولُ: أَحْمَدُ وَبَتَّار الْمُتَوَفَّى هُوَ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِ الطَّنْبَاءِ، وَهُوَ دَاخِل فِي الْوَقْف فَلَا إشْكَال يَشْمَلهُمْ قَوْل الْوَاقِفِ ثُمَّ أَوْلَاد أَوْلَادِهِمْ أَيْ أَوْلَاد أَوْلَادِ أَحْمَدَ وَمُحَمَّدٍ وَبَتَّار هَاتَانِ أَيْ بِنْتَا أَحْمَد مِنْ أَوْلَاد أَوْلَاد بَتَّار، وَأَمَّا أَخُوهُمَا مُحَمَّدٌ الْمُتَوَفَّى قَبْلَ وَالِده فَفِي دُخُولِهِ فِي الْوَقْفِ وَشُمُولِ الْوَقْفِ لَهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ وَلَمْ نَجِد نَقْلًا يُعْتَضَد بِهِ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ شُيُوخنَا فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ مِنْ أَهْل الْوَقْفِ أَوْ لَا؟ وَالظَّاهِر مِنْ كَلَامهمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْوَقْف، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا بَلَغَنَا عَنْ الْحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ وَقَدَّمْنَا الْإِشَارَة إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنِهِ لَا يَصْدُق عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ أَنَّهُ لَا يَصْدُق عَلَيْهِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِي حَقِيقَتِهِ، وَأَمَّا بَنَاتُهُ فَإِنَّهُنَّ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِ الْوَاقِفِ ثُمَّ أَنْسَالُهُمْ فَهُنَّ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِنَّ فِي الِاثِّنَاء بِلَا شَكٍّ، وَقَدْ انْدَرَجَ أَصْلُهُنَّ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا عَمَّاتُهُنَّ، وَالنَّظَرُ فِي أَنَّهُنَّ حَاجِبَات لَهُنَّ أَوْ لَا. وَالْمُحَقَّقُ مِنْ ثَمَّ حَجْبُ أَبِيهِنَّ.
وَأَمَّا حَجْب عَمَّاتِهِنَّ فَمُحْتَمَلٌ وَالْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلهمْ الْحَجْب وَعَدَمُ الْحَجْبِ أَيْضًا مُحْتَمَل مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ثُمَّ أَبْدَى احْتِمَالًا ثَالِثًا لِاسْتِحْقَاقِ كُلِّ وَاحِد مَا لِوَالِدِهِ وَأَطَالَ فِي بَيَانه، وَإِنَّمَا تَرَكْتُهُ لِتَحْرِيفٍ وَقَعَ فِي نُسْخَة الْفَتَاوَى الَّتِي رَأَيْتهَا وَلَمْ أَرَ لَهَا ثَانِيَة ثُمَّ قَالَ فَصَارَ لِاسْتِحْقَاقِهِنَّ هِنَّ وُجُوه مِنْ الِاحْتِمَالَات وَحَجْبهنَّ بِعِمَامَتِهِنَّ يَلْزَمُ مِنْهُ تَخْصِيصُ قَوْلِهِ لِوَلَدِهِ وَتَخْصِيصُ قَوْلِهِ، ثُمَّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ فِي بَعْض الْأَحْوَال إذَا مَاتَتْ شَقْرَى وَأَلْتَى عَنْ وَلَدٍ وَتَخْصِيصُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ إذَا قُلْنَا أَبُوهُنَّ دَخَلَ فِي اللَّفْظِ فَهُوَ ضِعْفُ جَانِبِ دَلَالَةِ التَّرْتِيبِ وَيَبْقَى التَّرَدُّدُ فِيهِ هَلْ الْمُرَادُ بِهِ حَجْبَ كُلِّ فَرْعٍ بِأَصْلِهِ فَقَطْ أَوْ حَجْب الْجُمْلَةِ لِلْجُمْلَةِ وَيَخْرُج عَنْهَا بَعْضُ الْأَفْرَادِ، وَإِذَا كَانَ التَّرَدُّدُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ كَوْنَ وَلَد الْوَلَد مَوْقُوفًا عَلَيْهِ فِي حَيَاةِ الْوَلَدِ رَاجِح، فَنَقُولُ الِاسْتِحْقَاق مُحَقَّق وَالْحَجْب مَشْكُوكٌ فِيهِ فَنَتْرُكُ الْمَشْكُوكَ فِيهِ وَنَعْمَلُ بِالْمُحَقَّقِ فَنَقْضِي لَهُنَّ بِالِاسْتِحْقَاقِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَال: الْأَصْلُ قَبْلَ الْوَقْفِ عَدَم الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يُحْكَم بِهِ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ وَاَللَّه أَعْلَم (تَنْبِيه) : لَمَّا تَجَاذَبَتْ عِنْدِي الِاحْتِمَالَات وَلَمْ أَسْتَطِعْ الْجَزْمَ بِالْقَوْلِ بِاسْتِحْقَاقِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ فِي حَيَاةِ بَعْض الْأَوْلَادِ وَإِقَامَتِهِنَّ مَقَام آبَائِهِنَّ لِأَنِّي لَمْ أَرَ فِيهِ سَلَفًا تَطَلَّبَتْ أَحْكَام الْحُكَّام الَّذِينَ سَلَفُوا وَأَقْوَال الْعُلَمَاء مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْمُتَقَدِّمِينَ لَعَلَّ يَكُونُ فِيهَا مُسْتَنَدٌ مَا، إمَّا بِهَذَا وَإِمَّا بِضِدِّهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَثِيرَةُ الْوُقُوع تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى، وَقَدْ رَأَيْتُ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّةِ بِالشَّامِ قَدْ اسْتَنْكَرُوا الْفَتْوَى بِخِلَافِ ذَلِكَ وَرَأَيْت جَمَاعَةً مِنْ الْحَنَابِلَةِ بِالشَّامِ أَفْتَوْا بِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ فَقَالَ أَحَدُهُمْ: يَنْتَقِل النَّصِيب لِبَنَاتِ مُحَمَّد وَيَقُمْنَ فِي الِاسْتِحْقَاق مَقَام وَالِدِهِنَّ لَوْ بَقِيَ حَيًّا وَلَا يَمْنَع مِنْ اسْتِحْقَاقهنَّ ذَلِكَ كَوْن وَالِدهنَّ كَانَ مَحْجُوبًا كَتَبَهُ أَحْمَد بْن الْحَسَن الْحَنْبَلِيُّ وَتَحْتَهُ كَذَلِكَ يَقُول عُبَادَةُ.
وَقَالَ الْآخَر يَنْتَقِلُ النِّصْفُ إلَى بَنَات مُحَمَّد وَلَا يَمْنَع مِنْ اسْتِحْقَاقهنَّ عَدَم تَنَاوُلِ أَبِيهِنَّ فَإِنَّهُ كَانَ مَحْجُوبًا بِأَبِيهِ وَهُوَ مِنْ أَهْل الْوَقْف، وَلَكِنْ وُجُود أَبِيهِ مَنَعَهُ مِنْ التَّنَاوُلِ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضَى، وَهَذَا الْمَانِع لَمْ يُوجَد فِي بَنَاتِهِ. وَالْبَطْنُ الثَّانِي إنَّمَا يَتَلَقَّوْنَ
стр. 765
عَنْ الْوَاقِف، وَوُجُود الْأَعْلَى مَانِع مِنْ تَنَاوُلِ مَنْ دُونَهُ وَلَيْسَ تَنَاوُلُهُ شَرْطًا فِي تَنَاوُلِ مَنْ بَعْده إذَا قَامَ شَرْطُ التَّنَاوُل وَيُؤَيِّد هَذَا أَنَّ أَحَدًا لَا يَكَادُ يَقْصِد حِرْمَانَ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ الْأَيْتَام وَإِبْقَاءَهُنَّ بِوَصْفِ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ وَتَوْفِيرِ الْوَقْفِ كُلِّهِ عَلَى مَنْ هُوَ نَظِيرُهُمْ فِي الدَّرَجَةِ وَالْقُرْب مِنْ الْوَاقِف فَهَذَا لَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْعُقَلَاء كَتَبَهُ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْحَنْبَلِيُّ.
وَقَالَ الْآخَرُ مِنْهُمْ بِنَقْلِ النِّصْف إلَى بَنَاتِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْوَاقِف قَصَدَ تَخْصِيص الْمَوْقُوف عَلَيْهِمْ وَأَنْسَالِهِمْ دُون غَيْرهمْ. وَأَكَّدَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ وَيَقُمْنَ بَنَاتُ الْمَذْكُور فِي الِاسْتِحْقَاق مَقَامَ وَالِدهنَّ لَوْ كَانَ حَيًّا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا اسْتَحَقَّ النِّصْفَ وَلَكِنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ وَهُوَ وَفَاتُهُ فِي حَيَاة أَبِيهِ فَنَقَلَ نَصِيبَهُ إلَى أَوْلَادِهِ دُون غَيْرِهِمْ، وَوُجُودُ أَلْتَى وَشَقْرَى لَمْ يَكُنْ مَانِعًا لِبَنَاتِ مُحَمَّدٍ مِنْ التَّنَاوُلِ لِمَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ وَالِدُهُنَّ لَوْ كَانَ حَيًّا كَتَبَهُ مُحَمَّدُ بْن الشِّحْنَا الْحَنْبَلِيُّ هَذِهِ فَتَاوَى الْحَنَابِلَة وَحَكَمَ بُرْهَانُ الدِّينِ الْحَنْبَلِيُّ الزَّوْعِيُّ بِمُقْتَضَاهَا فِي الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَنَفَّذَهُ فِي تَارِيخِهِ مُسْتَنِيبَةُ قَاضِي الْقُضَاةِ عَلَاءِ الدِّينِ.
وَنَفَّذَهُ فِي تَارِيخِهِ قَاضِي الْقُضَاة عِمَادُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ وَنَفَّذَهُ ثَالِثَ رَمَضَانَ قَاضِي الْقُضَاةِ شَرَفُ الدِّينِ الْمَالِكِيُّ وَنَفَّذَهُ قَاضِي الْقُضَاة جَلَالُ الدِّينِ فِي تَارِيخِهِ فِي ثَالِثِ رَمَضَانَ الْمَذْكُورِ ثُمَّ أَذِنَ جَلَالُ الدِّينِ قَاضِي الْقُضَاةِ فِي تَارِيخِهِ لِجَلَالِ الدِّينِ نَاظِرِ الْأَيْتَامِ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا ثَبَتَ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْبَنَاتِ الثَّلَاثِ الْأَخَوَات إلَى أَنْ يَتَعَيَّن مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ فِي الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ، وَأَشْهَد قَاضِي الْقُضَاةِ جَلَالُ الدِّينِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمِائَةِ وَاسْتُفْتِيَ فِي هَذَا الْحُكْمِ إذَا رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ هَلْ يَسُوغُ لَهُ نَقْضُهُ يَعْنِي حُكْم الزَّوْعِيِّ وَتَنْفِيذه؟
فَأَجَابَ جَمَاعَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ.
وَمِنْهُمْ مِنْ الْحَنَابِلَةِ مَنْ عَلَّلَ بِأَنَّهُ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَالْحَاكِم إذَا حَكَمَ فِي مَسْأَلَة الْخِلَاف يَرْتَفِع الْخِلَاف، كَتَبَهُ يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنْبَلِيُّ، فَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّل وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَنْتَقِل النِّصْف لِبَنَاتِ مُحَمَّدٍ فَدَعْوًى، وَقَوْله: إنَّهُنَّ يَقُمْنَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مَقَامَ وَالِدِهِنَّ أَيْضًا دَعْوًى لَيْسَ فِي شَرْطِ الْوَاقِفِ تَصْرِيح بِهَا وَقَوْلُهُ: إنَّهُ لَا يَمْنَع مِنْ اسْتِحْقَاقِهِنَّ كَوْن وَالِدهنَّ كَانَ مَحْجُوبًا صَحِيحٌ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْن هَذَا لَا يَمْنَع غَيْره وَلَا مِنْ كَوْنه يَمْنَع وُجُودَ الْمُقْتَضِي لِلِاسْتِحْقَاقِ فَلَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ عَلَيْهِ، وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ ابْن الْقَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ يَنْتَقِلُ النِّصْفُ فَهُوَ أَيْضًا دَعْوًى، وَقَوْلُهُ: لَا يَمْنَع مِنْ اسْتِحْقَاقهنَّ عَدَمُ تَنَاوُلِ أَبِيهِنَّ جَوَابه مَا تَقَدَّمَ.
وَقَوْله: فَإِنَّهُ كَانَ مَحْجُوبًا بِأَبِيهِ إلَخْ مُنَازَع بِأَنَّ كَلَامَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ حَتَّى يَنْقَرِضَ مِنْ قِبَله، وَإِنَّمَا يُطْلَق أَهْلُ الْوَقْفِ عَلَى مَنْ يُتَنَاوَلُ، وَإِنْ كَانَ الْآخَر مُحْتَمَلًا فَأَخْذُهُ هُنَا مُسَلَّمٌ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ يَحْتَاجُ أَنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلٍ عَلَيْهِ، وَقَوْله: وَيُؤَيِّد هَذَا إلَخْ هَذَا عُمْدَة الْحَنَابِلَة وَهُوَ الِاعْتِمَاد عَلَى الْمَعْنَى وَفِيهِ نَظَر؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْوَاقِفِ مَقْصُود فِي مُرَاعَاة الْقُرْب، وَقَوْله: وَالْقُرْب مِنْ الْوَاقِف ذُهُول عَنْ صُورَة الِاسْتِفْتَاء؛ لِأَنَّهُ فِي الْوُقُوف عَلَيْهِ لَا فِي الْوَاقِف، وَأَمَّا مَا قَالَ الْآخَر فَجَوَابه مَا سَبَقَ فَتَبَيَّنَ أَنَّ فَتَاوَى الْحَنَابِلَة لَمْ تَشْتَمِل عَلَى حُجَّة، وَأَمَّا الْفَتَاوَى بِعَدَمِ النَّقْض فَكُلّهَا لَمْ يُبَيَّنْ فِيهَا الْمُسْتَنَد إلَّا يُوسُف بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنْبَلِيُّ بِقَوْلِهِ: مِنْ الْمُخْتَلَف فِيهِ عَلَى مَا فِيهِ خِلَاف لِلْمُتَقَدِّمِينَ، وَأَمَّا مَا يَقَع لَنَا فَتَتَجَاذَب الْآرَاء فِيهِ فَلَا يُقَال: إنَّهَا مِنْ الْمُخْتَلَف فِيهِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُر فِيهَا فَإِنَّ اتَّضَحَ دَلِيلٌ عَلَيْهَا اُتُّبِعَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ حُكِمَ فِيهَا بِحُكْمٍ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَلِيل يَنْبَغِي جَوَازُ نَقْضِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَلِيل لَمْ يُنْقَضْ، وَهَذَا الْحُكْم لَمْ نَجِدْهُ فِي كَلَام الْحَنَابِلَة الَّذِي اسْتَنَدَ إلَيْهِمْ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا، نَعَمْ عِنْدنَا دَلِيل آخَر وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي كَلَامنَا، يَبْقَى نَظَرٌ آخَر وَهُوَ أَنَّ الْحَاكِمَ الْحَنْبَلِيَّ إذَا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى دَلِيلٍ وَلَكِنْ اسْتَنَدَ إلَى مَا ذَكَره أَصْحَابُهُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ هَلْ تَكُونُ مُدَافَعَةُ حُكْمِهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ مَانِعًا مِنْ نَقْضِهِ أَمْ لَا؟ هَذَا مُحْتَمَلٌ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يَصْلُح أَنْ يَكُونَ مَانِعًا فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْحُكْمِ الِاسْتِنَادَ إلَى دَلِيلٍ صَحِيحٍ، فَإِنْ وَجَدْنَا إسْجَالَ الْحَاكِمِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إلَى سَبَبٍ وَوَجَدْنَا دَلِيلًا
стр. 766
صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ لَنَا نَقْضُهُ بَلْ نُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ وَلَا نَعْتَقِدُ أَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى مَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ الدَّلِيلِ أَوْ إلَى دَلِيلٍ مِثْلِهِ.
وَإِنْ بَيَّنَ الْمُسْتَنَدَ وَرَأَيْنَاهُ غَيْرَ صَالِحٍ وَلَا تَشْهَدُ لَهُ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ بِصِحَّتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْقَضَ وَيُحْكَمَ حُكْمًا مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ صَحِيحٍ لَكِنْ أَرَى
مِنْ بَابِ الْمَصْلَحَةِ
أَنْ لَا يُنْقَضَ وَيُنَفَّذَ؛ لِئَلَّا يَتَجَرَّأَ النَّاسُ عَلَى نَقْضِ أَحْكَامِ الْحُكَّامِ وَيُجْعَلُ التَّنْفِيذُ كَأَنَّهُ حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ مُسْتَقِلٌّ وَلَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ الْمُنَفِّذ بِحُكْمٍ مُسْتَنِدٍ إلَى دَلِيلٍ مُوَافِقٍ لِلْأَوَّلِ وَبَقِيَ الْأَوَّلُ عَلَى حَالَةٍ كَانَ أَوْلَى وَأَجْمَعَ لِلْمَصَالِحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
جَوَاب السُّبْكِيّ لَكِنَّهُ لَمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ النَّفَائِسِ يَسْتَحِقُّ أَنْ لَا يُتْرَكَ وَإِنْ كَانَ مُطَوَّلًا وَكَانَ مَبْنَى هَذَا الْكِتَابِ عَلَى الِاخْتِصَارِ مَا أَمْكَنَ فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ مُرَجِّحًا لِاسْتِحْقَاقِ بَنَاتِ مُحَمَّدٍ مَعَ عَمَّتَيْهِمَا وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَرْجَحُ قُبَيْل التَّنْبِيه وَاعْتِرَاضُهُ عَلَى الْحَنَابِلَةِ الَّذِينَ ذَكَرهمْ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ بَلْ مِنْ حَيْثُ جَزْمُهُمْ بِهِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ مُسْتَنَدِهِ أَوْ مَعَ بَيَانِ مُسْتَنَدٍ لَا يَنْهَضُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فِي جَوَابِ ابْن الْقَيِّمِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ نَعَمْ عِنْدنَا دَلِيلٌ آخَر وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي كَلَامنَا فَعُلِمَ أَنَّهُ مُوَافَقَةٌ عَلَى الْحُكْمِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ أَوَّلُ كَلَامِهِ وَآخِرِهِ وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ صُورَةَ السُّؤَالِ الَّتِي أَفْتَى هُوَ وَهُمْ فِيهَا بِاسْتِحْقَاقِ الْأَوْلَادِ هِيَ مَا تَقَدَّمَ كَمَا رَأَيْتُهُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي اطَّلَعْتُ عَلَيْهَا فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي الْوَاقِع فَهِيَ عَيْنُ مَسْأَلَتنَا فَيُنْسَبُ إلَيْهِ وَإِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِاسْتِحْقَاقِ الْأَوْلَادِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي الْوَاقِع بَلْ فِيهِ زِيَادَة وَهِيَ أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ عَنْ وَلَد فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ كَمَا قَدْ يَدُلّ عَلَيْهِ بَعْضُ كَلَامِهِ الَّذِي تَرَكْتُهُ لِتَحْرِيفِ النُّسْخَة كَمَا أَشَرْت إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ لَمْ يُنْسَبْ إلَيْهِ وَإِلَيْهِمْ الْقَوْل بِالِاسْتِحْقَاقِ فِي مَسْأَلَتنَا إلَّا بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاء لَا الصَّرِيح وَبَيَانه أَنَّ صُورَتَنَا مُوَافِقَةٌ لِصُورَتِهِ فِي الْعَطْف بِثُمَّ وَمَعَ ذَلِكَ أُلْغِي الْعَمَل بِقَضِيَّتِهَا لِمَا قَرَّرَهُ مِمَّا عَارَضَهَا فَكَذَلِكَ نُلْغِي قَضِيَّتهَا فِي صُورَتِنَا لِمَا عَارَضَهَا مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ الْمُتَبَادِرِ مِنْهُ الْمُعْتَضَدِ بِمَا يَأْتِي مِنْ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْحَالِيَّةِ.
وَأَيْضًا فَمَا وُجِّهَ بِهِ اسْتِحْقَاقُ بَنَاتِ مُحَمَّدٍ مَعَ عَمَّتَيْهِمَا الْمُخَالِف لِقَضِيَّتِهِ ثُمَّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ شَيْءٌ لِوَاحِدِ مِنْ بَطْنٍ سَافِلٍ وَهُنَاكَ أَحَدٌ مِنْ بَطْنٍ عَالٍ وَذَلِكَ الَّذِي وُجِّهَ بِهِ وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ أَنَّ وَلَد الْوَلَدِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ فِي حَيَاةِ الْوَلَدِ وَأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ مُحَقَّقٌ وَحَجْبَهُ مَنْ فِي دَرَجَةِ أَبِيهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَتَرْكُ الْمَشْكُوكِ وَالْعَمَلُ بِالْمُحَقَّقِ يَقْضِي لَهُنَّ بِالِاسْتِحْقَاقِ فِي حَيَاةِ عَمَّتَيْهِمَا وَأُلْغِي بِذَلِكَ قَضِيَّةُ التَّرْتِيبِ الَّتِي صَرَّحَ بِهَا الْأَئِمَّةُ مَوْجُودٌ بِعَيْنِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمْ فِي حَيَاةِ آبَائِهِمْ أَيْضًا.
وَإِنَّمَا هُمْ مَحْجُوبُونَ بِآبَائِهِمْ يَقِينًا وَشَكَكْنَا فِي حَجْبِهِمْ بِمَنْ فِي دَرَجَةِ آبَائِهِمْ فَتَرَكْنَا الْمَشْكُوكَ فِيهِ وَعَمِلْنَا بِالْيَقِينِ مَعَ مَا انْضَمَّ إلَيْهِ مِمَّا يُسَاعِدُهُ مِنْ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْحَالِيَّةِ الْآتِي بَيَانُهَا فِي صُورَتِنَا وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلَامه أَنَّ كَوْنَ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ مَثَلًا يَصِحُّ أَنْ يُقَال: إنَّهَا مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا فِي حَيَاةِ أَهْلِ الْمَرْتَبَة الْأُولَى وَإِنَّمَا هِيَ مَحْجُوبَةٌ بِهَا مِمَّا هُوَ بِمُجَرَّدِهِ مُلْغٍ لِقَضِيَّةِ الْعَطْفِ بِثُمَّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَمَشَّى عَلَى كَلَام الْأَئِمَّةِ فِي ثُمَّ وَإِنَّمَا الَّذِي يُلْغِيهَا مَا يَنْضَمُّ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْقَرَائِنِ كَمَفْهُومِ الشَّرْطِ فِي صُورَتِنَا وَصُورَتِهِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ النُّسْخَةِ الَّتِي مَرَّتْ وَكَصَرِيحِ الشَّرْطِ الَّذِي أَشَرْنَا إلَى أَنَّ كَلَامَهُ فِي غُضُونِ جَوَابِهِ قَدْ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ وَهُوَ أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ نَصِيبٌ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ وَحِينَئِذٍ فَوَجْهُ التَّوَقُّفِ بِنَاءً عَلَى فَرْضِ أَنَّ هَذَا فِي صُورَتِهِ أَنَّ مُحَمَّدًا الْمُتَوَفَّى هُنَا قَبْلَ وَالِدِهِ لَا نَصِيب لَهُ فَكَأَنَّ قَضِيَّةَ اللَّفْظِ أَنْ لَا يَنْتَقِل لِبَنَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ نَصِيب أَبِيهِ؛ لِأَنَّ نَصِيبه انْتَقَلَ لِبِنْتِهِ الْحَاجِبَتَيْنِ لِبَنَاتِ أَخِيهِمَا نَظَرًا لِقَضِيَّةِ الْعَطْفِ بِثُمَّ السَّابِقَةِ لَكِنْ لَمَّا اُحْتُمِلَ أَنَّ الْوَاقِفَ يُرِيدُ بِالنَّصِيبِ فِي قَوْلِهِ مَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ وَلَد فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ النَّصِيبُ الْحَقِيقِيُّ وَالتَّقْدِيرِيُّ.
وَعَضَّدَهُ مَا قَدَّمَهُ السُّبْكِيّ فِي جَوَابِهِ صَلُحَ ذَلِكَ مَعَهُمَا لِلنَّصِيبِ فِي الْمُحَقَّقِ وَالْمُقَدَّرِ فَلَزِمَ حِينَئِذٍ اسْتِحْقَاقُ بَنَاتِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ وَالِدُهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَحْجُوبٌ بِهِ فَلَهُ نَصِيبٌ لَكِنَّهُ مُقَدَّرٌ أَيْ: لَوْ مَاتَ أَبُوهُ فِي حَيَّاته لَاسْتَحَقَّهُ فَأَخَذَ بَنَاتُهُ نَصِيبَهُ ذَلِكَ الْمُقَدَّرَ لَا فِي حَيَاةِ أَحْمَدَ أَبِيهِ؛ لِأَنَّ وَالِدَهُمْ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ بَلْ بَعْدَ مَمَاتِهِ إذْ بِمَمَاتِهِ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ مَوْجُودًا لَاسْتَحَقَّ مِنْ
стр. 767
أَبِيهِ نَصِيبًا فَلَهُ حِينَئِذٍ نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ بِمَوْتِ أَبِيهِ فَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُ اسْتَحَقَّ بَنَاتُهُ نَصِيبَهُ ذَلِكَ الَّذِي كَانَ مُقَدَّرًا؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ صَارَ مَوْجُودًا هَذَا حَاصِلُ مَا يُوجِبُهُ بِهِ اسْتِحْقَاقُ أَوْلَادِ مُحَمَّدٍ عَلَى فَرْضِ أَنَّ صُورَةَ مَسْأَلَتِهِنَّ فِيهَا زِيَادَةٌ.
وَمَنْ تُوُفِّيَ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ وَإِذَا خَرَجَ النَّصِيبُ عَنْ ظَاهِرِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِهَذِهِ الطَّرِيق الَّتِي تَقَرَّرَتْ وَعُمِّمَ فِي الْمُحَقَّقِ وَالْمَوْجُودِ وَقُضِيَ بِسَبَبِ مَا قَدَّمَهُ السُّبْكِيّ عَلَى الْعَمَّتَيْنِ بِاسْتِحْقَاقِ بَنَاتِ أَخِيهِمَا مَعَهُمَا لِأَدْنَى مُعَارِضٍ فَأَوْلَى أَنْ نَأْخُذَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ فِي مَسْأَلَتنَا وَنَقْضِي بِهِ عَلَى الْخَالَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي دَرَجَةِ الْمَيِّتَةِ بِاسْتِحْقَاقِ بِنْت أُخْتِهَا مَعَهَا؛ لِقُوَّةِ الْمُعَارِضِ فِيهَا لِقَضِيَّةٍ ثُمَّ كَمَا يَأْتِي بَيَانه وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَ السُّبْكِيّ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ فِي هَذَا السُّؤَالِ دَالٌّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْبِنْتِ فِي مَسْأَلَتِنَا إمَّا بِطَرِيقِ التَّصْرِيح وَإِمَّا بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ كَمَا بَانَ لَك ذَلِكَ وَاتَّضَحَ مِمَّا قَرَّرْتُهُ ثُمَّ رَأَيْتُ السُّبْكِيّ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي سُؤَالٍ آخَر فِيهِ الزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ وَإِبْدَال الْعَطْفِ بِثُمَّ بِقَوْلِهِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى وَذَكَر مَعَ ذَلِكَ سَبْعَ صُوَرٍ تَتَعَيَّنُ الْإِحَاطَةُ بِهَا فَإِنَّهَا مُهِمَّةٌ وَلِجَمِيعِهَا تَعَلُّقٌ بِمَسْأَلَتِنَا نَعَمْ.
سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الثَّانِي عَنْ الْبَغَوِيِّ مَا يُصَرِّحُ بِرَدِّ مَا قَالَهُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ فَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِرَدِّ كَلَامه هُنَا وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِكَلَامِ الْبَغَوِيِّ الْآتِي مَعَ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي رَدِّهِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ.
ثُمَّ وَمِمَّنْ وَافَقَ الرُّويَانِيَّ وَوَالِدَهُ عَلَى مَا مَرَّ عَنْهُمَا مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْوَلَدِ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ مِنْ غَيْرِ اطِّلَاع مِنْهُ عَلَى كَلَامِهِمَا وَعِبَارَتُهُ فِي فَتَاوِيهِ سُئِلْتُ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ وَنَسْلًا بَعْد نَسْلٍ تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنْهُمْ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ كَانَ نَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ عَنْ وَلَدٍ هَلْ يَكُونُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ أَوْ لِإِخْوَتِهِ؟ فَأَجَبْتُ بِأَنَّهُ قَدْ تَعَارَضَ هُنَا أَمْرٌ أَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى أَنَّهُ لَا اسْتِحْقَاق لِأَوْلَادِ الْمُتَوَفَّى مَعَ وُجُود إخْوَته.
وَمُقْتَضَى مَفْهُومِ تَقْيِيدِ انْتِقَالِ ذَلِكَ لِإِخْوَتِهِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ اسْتِحْقَاقُ وَلَدِهِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْعَمَلِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي أَلْفَاظ الْآدَمِيِّينَ فَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْن إنْكَارُهُ وَأَنَّهُ إنَّمَا يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ فِي أَلْفَاظِ الشَّرْعِ وَمَالَ إلَيْهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيّ بَلْ حُكِيَ عَنْ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيِّ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ وَهُوَ أَنَّ جَمِيعَ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّة إنَّمَا يُعْمَلُ بِهَا فِي أَلْفَاظِ الشَّرْعِ لَا فِي كَلَام الْآدَمِيِّينَ لَكِنَّ هَذَا قَوْلٌ مَهْجُورٌ، وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَى خِلَافِهِ وَلَا مَعْنَى لَهُ فَإِنْ صَحَّ مَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَمَنْ تَبِعَهُ تَعَيَّنَ انْتِقَالُ الِاسْتِحْقَاقِ لِإِخْوَةِ الْمُتَوَفَّى.
وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَام الْأَصْحَابِ، بَلْ حُكِيَ عَنْ الْحَنَفِيَّة الْمُنْكِرِينَ لِمَفَاهِيمِ الْمُخَالَفَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا بِهَا فِي أَلْفَاظِ الْآدَمِيِّينَ فَالِاسْتِحْقَاقُ حِينَئِذٍ لِوَلَدِ الْمُتَوَفَّى عَمَلًا بِالْمَفْهُومِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ، وَقَوْلُهُ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى عَامٌّ وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ وَالْمَشْهُورُ فِي الْأُصُولِ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ اهـ.
كَلَامُهُ وَهُوَ حَسَنٌ كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ وَمِمَّنْ وَافَقَهُمَا أَيْضًا مِنْ مُعَاصِرِي السُّبْكِيّ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَمَّاحِ والقَلْقَشَنْدِيُّ وَيُونُسُ بْنُ أَحْمَدَ وَيُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ فَإِنَّهُمْ سُئِلُوا عَمَّنْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ بَيْنهمْ بِالسَّوِيَّةِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبهمْ أَبَدًا بَطْنًا بَعْد بَطْنٍ وَقَرْنًا بَعْد قَرْنٍ سَهْمُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء عَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ وَلَا عَقِبٍ وَإِنْ سَفَلَ كَانَ مَا يَسْتَحِقّهُ مِنْ هَذَا عَائِدًا عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْأَوْلَادِ أَحَدٌ حَتَّى يَنْقَرِضَ الْأَعْلَى مِنْ آبَائِهِ فَمَاتَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ مِنْ غَيْرِ نَسْلٍ فَانْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى الثَّلَاثَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا ثُمَّ مَاتَ الثَّلَاثَةُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا فَهَلْ يَنْتَقِل لِوَلَدِ كُلٍّ مِنْهُمْ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ أَبُوهُ لَوْ كَانَ حَيًّا أَمْ يَشْتَرِكُ جَمِيعُ الْأَوْلَادِ الْمُخَلَّفِينَ عَنْ الثَّلَاثَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا؟
فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ الْقَلْقَشَنْدِيُّ بِقَوْلِهِ: قُوَّةُ الْكَلَامِ تُشْعِرُ بِأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ
стр. 768
انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى أَوْلَادِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ وَكَذَلِكَ عَلَى جَوَابِهِ هَذَانِ الْمَذْكُورَانِ بَعْدَهُ وَأَجَابَ ابْنُ الْقَمَّاحِ بِقَوْلِهِ: لَا يَدُلُّ كَلَامُ الْوَاقِفِ عَلَى التَّشْرِيكِ بَلْ قَدْ يَدُلُّ عَلَى ضِدّه فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي صَرْفِ نَصِيبِ الْمَيِّتِ إلَى غَيْرِ أَوْلَادِهِ أَنْ يَمُوتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَمَتَى مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ صُرِفَ إلَيْهِمْ فَوُجُودُ الْوَلَدِ مَانِعٌ مِنْ صَرْف نَصِيب الْمَيِّتِ إلَى غَيْرِ أَوْلَادِهِ وَأَجَابَ مَرَّةً أُخْرَى بِقَوْلِهِ: مَنْ مَاتَ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَنَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ خَاصَّةً لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أَوْلَادُ الْآخَرِ
وَكَذَا حُكْمُ بَقِيَّةِ الطَّبَقَاتِ مِنْ الْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفَلُوا اهـ فَانْظُرْ كَيْف أَفْتَى هَؤُلَاءِ بِأَنَّ نَصِيبَ الْمَيِّتِ لِوَلَدِهِ لَا لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ مَعَ مُسَاوَاة صُورَتِهِمْ هَذِهِ لِصُورَتِنَا فِي الْعَطْف بِثُمَّ وَفِي أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ كَانَ مَا يَسْتَحِقُّهُ عَائِدًا عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ فِي دَرَجَتِهِ بَلْ صُورَتُهُمْ هَذِهِ فِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى صُورَتِنَا تَقْتَضِي مَنْعَ الْأَوْلَادِ بِالصَّرِيحِ لِقَوْلِهِ: مَعَ الْعَطْف بِثُمَّ بَطْنًا بَعْد بَطْنٍ وَقَرْنًا بَعْد قَرْنٍ وَهَذَا أَظْهَرُ فِي حَجْبِ الْأَوْلَادِ مِنْ مُجَرَّد الْعَطْفِ بِثُمَّ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَنْظُرُوا إلَيْهِ بَلْ خَصَّصُوهُ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ عَادَ مَا يَسْتَحِقّهُ إلَى الثَّلَاثَة الَّتِي فِي دَرَجَتِهِ فَإِذَا جَعَلُوا مَفْهُومَ هَذَا مُخَصَّصًا فِي هَذِهِ الصُّورَة فَأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ مُخَصَّصًا فِي صُورَتِنَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَوَافَقَ ابْنَ الْقَمَّاحِ عَلَى مَا مَرَّ عَنْهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ الرُّويَانِيُّ وَوَالِدِهِ وَغَيْرهمَا مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْبِنْتِ فِي مَسْأَلَتنَا لَا يَخْتَصُّ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بَلْ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٌ أَيْضًا وَمَرَّ فِي جَوَابِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ الْحَنَفِيَّة مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا وَمَرَّ عَنْ ابْنِ الْقَيِّمِ مِنْ أَهْلِ الْحَنَابِلَةِ وَمُعَاصِرِيهِ مِنْ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَب أَحْمَدَ أَيْضًا فَبِمُقْتَضَى ذَلِكَ صَارَ الْقَوْلُ بِاسْتِحْقَاقِهِ الْبِنْتَ لَيْسَ مِنْ مُفْرَدَات مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، بَلْ الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ مُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ عَلَى مُقْتَضَى مَا تَقَرَّرَ فَلْتُرَاجَعْ كُتُبَهُمْ فَإِنْ وُجِدَ فِيهَا التَّصْرِيحُ بِمَا يُخَالِف مَا قُلْنَاهُ عُمِلَ بِهِ
وَإِلَّا فَالْعَمَلُ بِمَا نَسَبْنَاهُ إلَيْهِمْ أَخْذًا مِمَّا تَقَرَّرَ، وَهَذَا كُلُّهُ يُبْطِلُ قَوْلَ الزَّرْكَشِيّ الْآتِي: أَنَّ عَدَمَ الِاسْتِحْقَاقِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بِأَبْسَطِ مِنْ هَذَا.
وَمِمَّنْ وَافَقَهُمَا أَيْضًا الْبُلْقِينِيُّ وَبَيَانه أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدَيْهِ الرَّجُلَيْنِ نَصِيبَ كُلّ وَاحِد عَلَيْهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ مِنْ بَعْدِهِ مَهْمَا نَزَلُوا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَمَنْ انْقَرَضَ عَنْ غَيْر وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِأَخِيهِ ثُمَّ لِأَوْلَادِ أَخِيهِ مَهْمَا نَزَلُوا عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّة، فَإِنْ انْقَرَضُوا كُلُّهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ كَانَ عَائِدًا عَلَى مَنْ يَرِثهُمْ مِنْ الْأَقَارِبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى مَنْ يَرِثُهُمْ مِنْ الْعَصَبَات فَآلَ الْوَقْفُ إلَى أَخَوَيْنِ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ذَكَرٍ اسْمُهُ عُبَيْدٌ وَأُنْثَى فَتُوُفِّيَتْ الْأُنْثَى عَنْ أَخِيهَا وَبِنْتٍ تُسَمَّى عَائِشَةَ فَتُوُفِّيَتْ عَائِشَةُ عَنْ وَالِدهَا وَإِخْوَةٍ مِنْ أَبِيهَا وَخَالِهَا عُبَيْدٍ فَلِمَنْ تَنْتَقِل مَنَافِع الْوَقْف عَنْ عَائِشَةَ ثُمَّ مَاتَ عُبَيْد عَنْ وَلَدَيْنِ ذَكَر وَأُنْثَى وَلَمْ يَبْقَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْوَاقِفِ غَيْرُهُمَا
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: تَنْتَقِل مَنَافِع ذَلِكَ لِعُبَيْدٍ وَيَسْتَقِلُّ وَلَدَا عُبَيْدٍ بَعْده بِغَلَّةِ الْوَقْفِ الْمَذْكُور لِلذَّكَرِ مِثْل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ وَلَا يَنْتَقِل شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِإِخْوَتِهَا لِأَبِيهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ ذُرِّيَّةِ أَحَدِ الذَّكَرَيْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمَا أَوَّلًا وَلَا شَيْء لِوَالِدِ عَائِشَةَ لِذَلِكَ اهـ.
الْمَقْصُودُ مِنْ جَوَابِهِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي اسْتِحْقَاقِ عَائِشَةَ نَصِيبَ أُمِّهَا دُون أَخِي أُمِّهَا الَّذِي فِي دَرَجَتِهَا وَهُوَ عُبَيْدٌ مَعَ أَنَّ مَسْأَلَتَهُ نَظِيرُ مَسْأَلَتنَا فِي الْعَطْف بِثُمَّ لِقَضِيَّتِهَا الدَّالَّةَ عَلَى اسْتِحْقَاق عُبَيْدٍ دُون عَائِشَةَ أَخْذًا بِمَفْهُومِ، وَمَنْ انْقَرَضَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِأَخِيهِ فَعُلِمَ أَنَّ مَسْأَلَتَهُ نَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا وَأَنَّهُ قَائِلٌ بِاسْتِحْقَاقِ الْوَلَدِ دُونَ الْأَخِ وَأَنَّ مَنْ نَسَبَ إلَيْهِ خِلَافَ ذَلِكَ فَقَدْ وَهِمَ وَأَجَابَ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى بِقَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَالِدِ الصَّغِيرَةِ الْمَذْكُورَةِ أَيْ: عَائِشَةَ حَقٌّ فِي نَصِيبِهَا وَلَا لِأَوْلَادِهِ، بَلْ نَصِيبُهَا لِخَالِهَا إلَخْ فَانْظُرْ تَصْرِيحَهُ بِأَنَّ لِعَائِشَة نَصِيبهَا وَبِأَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ لِخَالِهَا إلَّا بَعْد مَوْتِهَا، وَهَذَا صَرِيحٌ أَيْ: صَرِيحٌ فِي مَسْأَلَتنَا بِاسْتِحْقَاقِ الْبِنْتِ دُونَ الْأُخْتِ، الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ كَلَامُهُ مَا مَرَّ عَنْ الرُّويَانِيُّ وَغَيْره وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ غَيْر قَصْدٍ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ آخَرُ لَهُمْ فَمِنْ هَؤُلَاءِ السُّبْكِيّ فَإِنَّهُ أَفْتَى فِي صُورَةِ السُّؤَالِ الَّتِي أَفْتَى فِيهَا ابْنُ الْقَمَّاحِ
стр. 769
وَمَنْ مَعَهُ بِمَا مَرَّ بِقَوْلِهِ: يَشْتَرِك جَمِيعُ الْأَوْلَادِ الْمُخَلَّفِينَ عَنْ الثَّلَاثَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا فِي جَمِيعِ الْمَوْقُوفِ بَيْنهمْ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ، ثُمَّ أَوْلَادُهُمْ كَذَلِكَ تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا أَبَدًا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى وَلَا يَخْتَصُّ أَوْلَادُ كُلٍّ بِنَصِيبِ وَالِدِهِمْ وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ نَصِيبِ وَالِدِهِ حَتَّى يُتَوَفَّى مَنْ يُسَاوِي وَالِدَهُ فِي الطَّبَقَةِ عَمَلًا بِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ الْوَقْفِ بَعْد الْأَرْبَعَةِ لِأَوْلَادِهِمْ وَلَمْ يَخُصَّ وَلَمْ يُفَصِّلْ وَلَمْ يَأْتِ بِصِيغَةٍ تُشْعِرُ بِذَلِكَ كَمَا أَتَى فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِ: أَرْبَاعًا وَمُحَافَظَةً عَلَى تَعْمِيمِ قَوْلِهِ: الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ، وَلَوْ خَصَّصْنَا أَوْلَادَ كُلٍّ بِنَصِيبِ أَبِيهِمْ لَزِمَ تَخْصِيصُ قَوْلِهِ: الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ، وَالتَّخْصِيصُ فِيهِ خِلَافُ الْأَصْلِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَوَّلِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَمْرٌ مَرْجُوحٌ مَعَ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ دُون مَا عَدَاهُ وَلَا يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ: عَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ كَانَ مَا يَسْتَحِقّهُ عَائِدًا عَلَى الثَّلَاثَةِ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْكَلَامِ أَوَّلًا يَقْتَضِي أَنَّ الْوَقْفَ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ لِأَوْلَادِ الْأَرْبَعَةِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمْ وَلَدٌ قَدْ يُقَالُ: إنَّ نَصِيبَهُ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الثَّلَاثَةِ وَلَا إلَى أَوْلَادِهِمْ؛ لِأَنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى أَوْلَادِ الْأَرْبَعَةِ وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا أَوْلَادُ الثَّلَاثَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ النَّصِيبُ مُنْقَطِعًا فَبَيَّنَ بِهَذَا اللَّفْظِ أَنَّ ذَلِكَ النَّصِيبَ يَعُودُ إلَى الثَّلَاثَةِ وَإِلَى أَوْلَادِهِمْ عَلَى الْحُكْم الْمَشْرُوحِ.
وَيَصِيرُ الْوَقْفُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ بَعْدَهُمْ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِ الثَّلَاثَةِ، وَمَفْهُومُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ بِأَنْ نَقُولَ: نَصِيبُهُ لِلثَّلَاثَةِ عَمَلًا بِالتَّرْتِيبِ وَبَعْدَ الثَّلَاثَةِ يَعُودُ نَصِيبُهُمْ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِهِمْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَلَا يَنْحَصِرُ مَفْهُومُ ذَلِكَ فِي أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ يَأْخُذُ وَلَدُهُ نَصِيبَهُ فَذَلِكَ لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ مُحْتَمَل يُكْتَفَى بِهِ فِي الْمَفْهُومِ مَعَ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ فَكَانَ مُتَيَقَّنًا، وَمَتَى ثَبَتَتْ الْمُخَالَفَةُ بِوَجْهٍ مَا كَفَى فِي الْعَمَلِ بِالْمَفْهُومِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ مِنْ الْأَوْلَادِ حَتَّى يَنْقَرِضَ الْأَعْلَى مِنْ آبَائِهِ فَذَلِكَ مَعْمُول بِهِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ بِأَنْ يَنْقَرِضَ الْأَعْلَى مِنْ آبَائِهِ وَلَا يَكُونُ فِي طَبَقَتِهِ مَنْ يُسَاوِيه فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَحِقُّ وَمَتَى حَصَلَ الْعَمَلُ بِالْمَفْهُومِ فِي صُورَةٍ كَفَى وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَسْتَحِقَّ عِنْد انْقِرَاضِ أَبِيهِ مُطْلَقًا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ؛ لِعَدَمِ الْمُتَقَضِّي لِلْعُمُومِ، وَإِنَّمَا أَتَى الْوَاقِفُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لِيَدُلَّ عَلَى الَّذِي ثَبَتَ فِي جَمِيعِ الْبُطُونِ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّصِيبِ الْأَصْلِيِّ وَالنَّصِيبِ الْعَائِدِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِثُمَّ فِي الْأَوَّلِ مَرَّتَيْنِ وَفِي الثَّانِي مَرَّةً وَاحِدَةً وَأَتَى بِالْوَاوِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَوْ اقْتَصَرَ لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ فِي بَقِيَّةِ الْبُطُونِ وَلَاحْتَمَلَ أَنَّ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ وَلَا وَلَدَ لَهُ يَرْجِعُ إلَى الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ مَعًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ فَأَتَى بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لِيُزِيلَ هَذَا الْوَهْمَ وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ مَقْصُودٌ فِي كُلِّ الطَّبَقَات فِي جَمِيعِ الْوَقْفِ
وَأَنَّ كُلَّ طَبَقَةٍ تَحْجُبُ مَا تَحْتَهَا وَلَمْ يَبْقَ مَا فِيهِ احْتِمَالٌ إلَّا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ يَنْتَقِلُ إلَى وَلَدِهِ بِمَوْتِ أَبِيهِ فَيَكُونُ الْوَلَدُ مَحْجُوبًا بِمَوْتِ أَبِيهِ أَوْ بِمَوْتِ أَبِيهِ، وَمَنْ يُسَاوِيه وَلَمْ يَتَبَيَّنْ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الثَّانِي، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْوَلَدِ قَبْلَ انْقِرَاضِ الطَّبَقَةِ بِكَمَالِهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ لِلشَّكِّ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ، الْأَمْرُ الثَّانِي: إذَا انْتَقَلَ نَصِيبُ الطَّبَقَةِ لِلطَّبَقَةِ الَّتِي تَحْتَهَا هَلْ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْن الْجَمِيعِ بِالسَّوَاءِ أَوْ تَأْخُذُ كُلَّ مَا كَانَ لِأَبِيهِمْ وَلَا دَلِيلَ عَلَى الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَتَعَيَّنَ، وَذَلِكَ يُبَيِّنُ صِحَّةَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْوَقْتِ " وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ " اهـ.
وَيُرَدُّ كَلَامُهُ هَذَا بِأُمُورٍ مِنْهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَمْ يَأْتِ بِصِيغَةٍ تُشْعِرُ بِذَلِكَ إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ بِنَصِيبِ أَبِيهِ وَلَا بِمَا يَقْتَضِي تَفْضِيلًا فِي ذَلِكَ، بَلْ جَمِيعُ أَهْلِ الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ يَسْتَوُونَ فِيمَا آلَ إلَيْهِمْ وَلَا يُفَضَّلُ أَحَدُهُمْ بِنَصِيبِ أَصْلِهِ فَهُوَ ظَاهِرٌ وَمُسَلَّمٌ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْنَا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ كَلَامُنَا فِيهِ الْآن، وَإِنَّمَا يَأْتِي الْبَحْثُ عَنْهُ فِي الْبَاب الثَّانِي وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّ الْوَلَدَ يَأْخُذَ نَصِيبَ أَبِيهِ الْمَيِّتِ فِي حَيَاةِ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ وَغَيْرُ مُسَلَّمٍ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ مَفْهُوم الشَّرْطِ الْمُتَبَادِر مِنْهُ ذَلِكَ وَقَوْله: وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ: عَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ
стр. 770
إلَخْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ كَلَامَهُ إنَّمَا هُوَ فِي مَبْحَثِ اسْتِحْقَاقِ الْأَوْلَادِ نَصِيبَ أَبِيهِمْ فِي حَيَاةِ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ لَكِنَّ قَوْلَهُ: وَلَا يَنْحَصِرُ مَفْهُومُ ذَلِكَ فِي أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ يَأْخُذُ وَلَدُهُ نَصِيبَهُ إلَخْ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْأَوْلَادَ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا يَسْتَحِقُّونَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَفْهُومَ، وَإِنْ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَحْوَالًا أَرْبَعَةً كَمَا يَأْتِي إلَّا أَنَّ الْمُتَبَادِر مِنْ هَذَا الشَّرْطِ الِانْحِصَارُ كَمَا يَأْتِي بَسْطُهُ وَقَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَسْتَحِقّ عِنْدَ انْقِرَاضِ أَبِيهِ مُطْلَقًا إلَخْ يُقَال: عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا عَقْلًا وَلَا وَضْعًا إلَّا أَنَّهُ لَازِمٌ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ عُرْفًا وَالدَّلَالَة الْعُرْفِيَّة يُكْتَفَى بِهَا فِي الْأَوْقَافِ وَغَيْرهَا كَمَا يَأْتِي الْإِشَارَة إلَى ذَلِكَ فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ وَقَوْله: وَإِنَّمَا أَتَى الْوَاقِفُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ إلَخْ يُقَال عَلَيْهِ: هَذَا الْحَصْر مَمْنُوعٌ بَلْ الْغَالِبُ أَنَّ الْوَاقِفِينَ يَأْتُونَ بِذَلِكَ قَصْدًا إلَى أَنْ لَا تُحْرَمَ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ، وَإِنْ سَفَلُوا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ أَهْلَ الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ مَثَلًا يَكُونُونَ مُحْتَاجِينَ صِغَارًا فُقَرَاء بِالنِّسْبَةِ إلَى أَهْلِ الدَّرَجَة الْأُولَى فَيَقْصِدُ الْوَاقِفُونَ النَّصَّ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَنْدَفِعَ مَا أَفْهَمَهُ الْعَطْفُ بِثُمَّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ وَهُنَاكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ الْأُولَى، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَكْثَر كُتُبِ الْأَوْقَافِ الْمَذْكُورِ فِيهَا هَذَا الشَّرْطُ لَا يُكْتَفَى بِمَفْهُومِهِ، وَإِنَّمَا يُصَرِّحُونَ بِهِ؛ لِيَصِيرَ مَنْطُوقًا لَا يَقْبَلُ النِّزَاعَ وَلَيْسَ التَّصْرِيحُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ اتِّكَالًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَبَادَرُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الشَّرْطِ إلَّا الْعَمَلُ بِمَنْطُوقَةِ وَبِمَفْهُومِهِ الْمُتَبَادِر مِنْهُ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْوَلَدِ فِي حَيَاةِ مَنْ فِي دَرَجَةِ أَبِيهِ فَيَتَّكِلُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُصَرِّحُونَ بِهَذَا الْمَفْهُومِ إيثَارًا لِلِاخْتِصَارِ وَهُوَ تَسَاهُلٌ مِنْهُمْ وَلِذَا لَمَّا كَانَ أَكْثَرُهُمْ يَحْتَاط فِي ذَلِكَ وَجَدْنَاهُمْ بِالِاسْتِقْرَاءِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى فَتَاوَى الْأَئِمَّةِ الْمُسَطَّرِ فِيهَا أَكْثَرُ ذَلِكَ وَعَلَى غَيْرِهَا يُصَرِّحُونَ بِهَذَا الْمَفْهُومِ فَعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ يُحْمَل عَلَى سَهْوٍ أَوْ تَسَاهُلٍ مِنْ الْمُوَثِّقِ مَعَ الْعِلْمِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْغَالِبِ مِنْ عَادَةِ الْوَاقِفِينَ بِأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ حِرْمَانَ الصِّغَارِ مِنْ ذُرِّيَّاتهمْ كَمَا مَرَّ التَّصْرِيحُ بِأَبْلَغَ مِنْ ذَلِكَ فِي كَلَام ابْن الْقَيِّمِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا وَقَعَ لِلْبُلْقِينِيِّ فِي فَتَاوِيهِ فَإِنَّهُ قَضَى عَلَى بَعْضِ الْمُوَثِّقِينَ بِالسَّهْوِ لِقَرَائِنَ ذَكَرهَا تَقْرُبُ مِنْ الْقَرَائِنِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا ثُمَّ قَالَ: وَالْجُمُودُ عَلَى مُجَرَّدِ مَا كُتِبَ وَظَهَرَ أَنَّهُ سَهْوٌ بِمُقْتَضَى مَا قَرَّرْنَاهُ خُرُوجٌ عَنْ طَرِيقَةِ الْفُقَهَاءِ الْغَائِصِينَ عَلَى الْجَوَاهِرِ الْمُعْتَبَرَةِ اهـ. فَإِنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْعَطْفَ بِثُمَّ لَغْوٌ قُلْتُ: لَا يَلْزَم ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَتَبَيَّنْ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ مَمْنُوعٌ بَلْ فِيهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَمِمَّا يَأْتِي وَقَوْله: لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْوَلَدِ إلَخْ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَشْكُوكًا فِيهِ إلَّا إذَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ، وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَمِمَّا يَأْتِي وَقَوْلُهُ: وَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْوَقْتِ إلَخْ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى كَلَام الرُّويَانِيِّ وَوَالِدِهِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ وَلَمَّا كَانَ فِي بَحْثِهِ هَذَا مِنْ قَبُولِ الْمُنَاقَشَةِ وَالرَّدِّ مَا أَشَرْتُ إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ وَمَا سَأُصَرِّحُ بِهِ فِيمَا يَأْتِي خَالَفَهُ فِيمَا أَفْتَى بِهِ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُعَاصِرِيهِ كَمَا قَدَّمْتُ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَمِمَّا يَرُدُّ مَا قَالَهُ هُنَا مَا قَدَّمْتُهُ عَنْهُ فِي الْوَجْه الثَّانِي مَبْسُوطًا وَمَا سَأَذْكُرُ فِيهِ عَقِبَ الْكَلَام عَلَى مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَشَيْخنَا زَكَرِيَّا فَإِنَّهُمَا تَبِعَاهُ فِي هَذَا الْجَوَاب وَغَفَلَا عَنْ بَقِيَّةِ كَلَامه فِي الْأَجْوِبَةِ الْأُخْرَى الَّتِي مَرَّ بَعْضُهَا وَيَأْتِي بَعْضُهَا وَمِنْهُمْ الزَّرْكَشِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي خَادِمِهِ عَلَى قَوْلِ الرَّافِعِيِّ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي مَا تَنَاسَلُوا بَطْنًا بَعْد بَطْنٍ فَهُوَ لِلتَّرْتِيبِ وَلَا يُصْرَفُ لِلْبَطْنِ الثَّانِي مَا بَقِيَ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ أَحَدٌ كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَالْقِيَاسُ فِيمَا إذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ أَنْ يَجِيءَ فِي نَصِيبِهِ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا وَقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِين فَمَاتَ وَاحِدٌ إلَى مَنْ يُصْرَف نَصِيبُهُ وَلَمْ أَرَ تَعَرُّضًا لَهُ إلَّا لِأَبِي الْفَرَج السَّرَخْسِيِّ فَإِنَّهُ سَوَّى بَيْن الصُّورَتَيْنِ وَحَكَى فِيهَا وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنَّ نَصِيبَ الْمَيِّتِ لِصَاحِبِهِ وَالثَّانِي: لِأَقْرَب النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِينَ وَكَذَا ذَكَر صَاحِبُ الْإِفْصَاحِ أَنَّهُ يُصْرَفُ لِأَقْرَب النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ قَالَ فِي الْخَادِمِ فِيهِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا مَا جَزَمَ بِهِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لِلتَّرْتِيبِ خَالَفَ فِيهِ الْعَبَّادِيَّ ثُمَّ أَطَالَ الزَّرْكَشِيُّ الْكَلَامَ
стр. 771
فِي بَيَانِ ذَلِكَ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ تَوَهَّمَ أَنْ الْعَبَّادِيَّ يَقُول: أَنَّ ثُمَّ وَالْوَاو سَوَاء مُطْلَقًا قَالَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا قَالَهُ فِيهَا إذَا أَضَافَ إلَى ثُمَّ بَطْنًا بَعْد بَطْنٍ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْقَاضِي وَوَجْهُهُ أَنَّ ثُمَّ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَبَطْنًا بَعْد بَطْنٍ يَقْتَضِي الْجَمِيعَ فَلَوْ قُلْنَا بِظَاهِرِهِمَا لَأَبْطَلْنَا اللَّفْظَ؛ لِلتَّنَاقُضِ فَاحْتَاجَ لِطَرِيقٍ تُصَحِّحهُ هِيَ أَنَّ ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ لِلْجَمْعِ لُغَةً فَنَقَلَ الْكَلَام مِنْ حَقِيقَتِهِ إلَى مَجَازِهِ بِقَرِينَةِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ فَإِنَّ الْبَغَوِيَّ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذَا إلَّا فِيمَا تَنَاسَلُوا سَوَاء أَضَمَّ إلَيْهَا بَطْنًا بَعْد بَطْنٍ أَمْ لَا أَمَّا فِي صُورَةِ إفْرَاد بَطْنًا بَعْد بَطْنٍ فَلَمْ يَذْكُرهَا ثُمَّ قَالَ: وَالصَّوَاب قَوْلُ الْقَاضِي لَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ مَا تَنَاسَلُوا أَوْ تَعَاقَبُوا فَهَذَا وَقْفٌ مُرَتَّبُ الِابْتِدَاءِ لَا الِانْتِهَاءِ وَمَعْنَى التَّرْتِيبِ فِي بَطْنًا بَعْد بَطْنٍ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ لِأَحَدٍ مِنْ الطَّبَقَةِ السُّفْلَى شَيْءٌ حَتَّى يَنْقَرِضَ جَمِيعُ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا وَمَعْنَى التَّرْتِيبِ فِي ثُمَّ كَذَلِكَ عِنْد الْإِطْلَاقِ وَقَدْ يَقْتَرِنُ بِهَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ مِنْ أَلْفَاظِ الْوَاقِفِ قَرَائِن تُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ حَجْبُ كُلِّ فَرْعٍ بِأَصْلِهِ فَيَعْمَل بِهَا الثَّالِثُ مَا حَاوَلَهُ مِنْ التَّخْرِيجِ يُوهِمُ التَّسْوِيَةَ بَيْن الْمَسْأَلَتَيْنِ أَعْنِي بَيْن مَسْأَلَةِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو ثُمَّ الْفُقَرَاء وَبَيْن مَسْأَلَة الْأَوْلَاد ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ وَقَدْ اغْتَرَّ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ فَأَفْتَى فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ يَنْتَقِل نَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ فَمَاتَ وَاحِدٌ عَنْ وَلَدٍ فَأَفْتَى أَنَّ نَصِيبَهُ لِوَلَدِهِ، وَهَذَا غَلَط، وَآخِرُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ يُبَيِّنُ مُرَادَهُ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ حَتَّى يَنْقَرِضَ الْأَوْلَاد وَمَا دَامَ وَاحِد مِنْهُمْ لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَاد الْأَوْلَاد وَالْمَسْأَلَة إجْمَاعِيَّة وَلَمْ يُخَالِف فِيهَا أَحَدٌ إلَّا مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَدْ سَبَقَ مِنْ كَلَام صَاحِب التَّقْرِيب ذَلِكَ وَإِنَّهُ يَصِير مُنْقَطِعَ الْوَسَط الرَّابِعُ: مَا حَاوَلَهُ مِنْ التَّخْرِيج مَنَعَهُ فِي الرَّوْضَة وَفَرَّقَ بِأَنَّ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْأَوْلَاد يُسَمَّى أَوْلَادًا بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ أَحَد الشَّخْصَيْنِ وَهُوَ فَرْقٌ صَحِيحٌ وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ الْبَغَوِيِّ فِي فَتَاوَى شَيْخِهِ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِي لَا يَرْجِعُ إلَى الْآخَر عِنْد مَوْت أَحَدِهِمَا بَلْ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَاد أَوْلَادِي اهـ. الْخَامِسُ: أَطْلَقُوا أَنَّ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا حَقِيقَتَهَا فِي اللُّغَة مَعَ التَّرْتِيب وَهُوَ التَّرَاخِي وَالِانْفِصَال، وَقِيَاس ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَقْف مُنْقَطِعًا فِي لَحْظَة وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِيمَا لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى زَيْد ثُمَّ عَمْرو أَوْ قَالَ: أَوْصَيْت إلَى زَيْد ثُمَّ عَمْرو اهـ.
حَاصِلُ كَلَامِهِ عَلَى عِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ الْمَذْكُورَةِ وَمَا ذَكَره فِي مَسْأَلَتِنَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَرَ فِيهَا شَيْئًا لِأَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ إذْ لَوْ رَأَى فِيهَا كَلَامَ مِثْلِ الرُّويَانِيُّ وَوَالِدِهِ السَّابِقِ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ وَالْمَسْأَلَةُ إجْمَاعِيَّةُ وَلَمْ يُخَالِف فِيهَا أَحَدٌ إلَّا مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَبَعْد أَنْ بَانَ لَك أَنَّ الْقَائِلَ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ فِيهَا مِثْلُ الرُّويَانِيِّ وَوَالِدِهِ فَلَا مُعَوِّل عَلَى مَا ذَكَره حِينَئِذٍ وَلَا نَظَرَ لِقَوْلِهِ: إجْمَاعِيَّةٌ وَلَا إلَى قَوْلِهِ: إلَّا مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَيُقَال: لَهُ إنَّمَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْلَمَ لَكَ مَا ذَكَرْتَ أَنْ لَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ لَا نَقْلَ فِيهَا مِنْ مِثْل الرُّويَانِيِّ وَوَالِدِهِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا مَرَّ، وَأَمَّا بَعْد أَنْ وُجِدَتْ مَنْقُولَةً وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فَلَا مُعَوِّلَ عَلَى غَيْرِ الْمَنْقُولِ فِيهَا ثُمَّ فِي كَلَامِهِ أُمُورٌ: مِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ: وَقَدْ يَقْتَرِنُ بِهَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ مِنْ أَلْفَاظِ الْوَاقِفِ قَرَائِنُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ حَجْبُ كُلِّ فَرْعٍ بِأَصْلِهِ فَيُعْمَلُ بِهَا ظَاهِرٌ بَلْ صَرِيحٌ فِي الْعَمَلِ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ الْمُتَبَادِر مِنْهُ فِي مَسْأَلَتنَا الْمُعَيَّن أَنَّ الْمُرَادَ فِيهَا حَجْبُ كُلِّ فَرْعٍ بِأَصْلِهِ لِمَا احْتَفَّ بِهِ مِنْ الْقَرَائِنِ الْآتِيَةِ، وَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَائِلٌ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الَّتِي يَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهَا فِي كَلَام غَيْرِهِ وَأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَتنَا فَلْيُعْلَمْ بُطْلَانَ قَوْلِهِ فِي صُورَةِ الْإِفْتَاءِ الَّتِي ذَكَرهَا فِيمَا مَرَّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِمَا قَدَّمَهُ قَبْله بِقَلِيلٍ، فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ لَا يَسْلَم أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ قَرِينَةٌ.
(قُلْتُ:) لَا يَسَعُهُ إنْكَارُ ذَلِكَ لِمَا هُوَ جَلِيٌّ مِنْ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَهُ مَفْهُومٌ وَأَنَّ مَفْهُومَهُ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ لَكِنْ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ عُرْفُهُمْ يُرَجِّحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَفْهُومِهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ يَكُونُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ ذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَغْوًا وَبَيَانُهُ أَنَّ صَرِيحَ الْعَطْف بِثُمَّ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ شَيْءٌ لِأَحَدٍ مِنْ الْبَطْنِ الثَّانِي مَا بَقِيَ أَحَدٌ
стр. 772
مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ كَمَا مَرَّ عَنْ الْجُمْهُورِ فَلَوْ أَلْغَيْنَا مَفْهُومَ هَذَا الشَّرْطِ، وَقُلْنَا: إنَّ نَصِيبَ الْمَيِّتِ عَنْ وَلَدٍ يَنْتَقِلُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ دُونَ وَلَدِهِ لَزِمَ إلْغَاءُ هَذَا الشَّرْطِ مِنْ أَصْلِهِ، وَإِلْغَاءُ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْوَاقِفِ مَعَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِ وَمَعَ ظُهُورِهِ وَقُرْبِهِ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا مَرَّ أَنَّ أَكْثَر كُتُبِ الْأَوْقَافِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَخْصِيصِ الْعَطْف بِثُمَّ فِي الْمَرَاتِب بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ فَرْعٌ، وَإِلَّا انْتَقَلَ مَا كَانَ لَهُ لِفَرْعِهِ، وَلَوْ فِي حَيَاةِ مَنْ فِي طَبَقَةِ الْمَيِّتِ وَيُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ عُرْفُ الْوَاقِفِينَ وَتَطَابَقَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ كُتُبِهِمْ فَلْيُعْمَلْ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ فِي مَسْأَلَتنَا الْمُؤَيِّدِ لِذَلِكَ وَيُحْمَلُ الْمُوَثِّقُ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ الْمَفْهُوم لِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ السَّابِقَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الزَّرْكَشِيّ سَلَّمَ أَنَّهُ إذَا كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تُنَافِي الْعَطْف بِثُمَّ وَنَحْوِهَا عُمِلَ بِتِلْكَ الْقَرِينَةِ وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ تِلْكَ الْقَرِينَةَ فِي مَسْأَلَتنَا مَوْجُودَة كَمَا يَأْتِي بَيَانُهَا بِأَبْسَطَ مِمَّا مَرَّ، وَمَنْ زَعَمَ خِلَافَهُ فَلْيُثْبِتْهُ بِدَلِيلٍ، وَلَا يَظْهَرُ بِهِ فَعُلِمَ أَنَّ مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَوَّلًا يَرُدُّ مَا قَالَهُ فِي صُورَةِ الْإِفْتَاءِ الَّتِي ذَكَرهَا آخِرًا وَكَفَى بِهَذَا عَلَى فَرْضِ أَنْ لَا نَقْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَكَيْفَ بِهِ مَعَ وُجُودِ النَّقْلِ فِيهَا، وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ: وَقَدْ اغْتَرَّ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ فَأَفْتَى إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ: هَذَا الِاغْتِرَارُ صَحِيحٌ وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ مُؤَيِّدٌ لِمَا ذَكَره هَذَا الْبَعْضُ وَأَفْتَى بِهِ الْمَوَاقِفُ لِلْمَنْقُولِ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ، وَآخِر كَلَامِ الرَّافِعِيِّ يُبَيِّنُ مُرَادَهُ مُجَرَّدَ دَعْوَى، وَاَلَّذِي ذَكَره بَعْدُ مُبَايِنٌ لِمَا نَحْنُ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَنَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ كَانَ نَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ خَاصَّةً وَيُشَارِكُونَ الْبَاقِينَ فِيمَا عَدَا نَصِيبَ أَبِيهِمْ اهـ.
وَهَذَا لَيْسَ مُشَابِهًا لِمَا نَحْنُ فِيهِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ فَكَيْف يَدَّعِي أَنَّهُ يُبَيِّنُ مُرَادَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَعَ تَبَايُنِ الصُّورَتَيْنِ؟ ، فَإِنَّ فِي صُورَتِنَا الْعَطْفُ بِثُمَّ وَهَذِهِ فِي الْعَطْف بِالْوَاوِ الْمُقْتَضِي لِأَخْذِ الْوَلَدِ نَصِيبَ أَبِيهِ وَمُشَارَكَتِهِ الْبَاقِينَ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ النَّصِيبِ كَمَا تَقَرَّرَ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَلَى الْجَزْمِ بِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قِيلَ: إنَّ ظَاهَرَ كَلَام الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لِلتَّرْتِيبِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: وَقَدْ سَبَقَ مِنْ كَلَام صَاحِبِ التَّقْرِيبِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَصِيرُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ، مُرَادُهُ بِذَلِكَ مَا قَدَّمَهُ عَلَى قَوْلِ الرَّافِعِيِّ وَقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا حَكَى الْأَئِمَّةُ فِي نَصِيبِهِ وَجْهَيْنِ: أَظْهَرهمَا وَيَحْكِي عَنْ نَصِّهِ فِي حَرْمَلَةَ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الِانْتِقَالِ إلَى الْمَسَاكِينِ انْقِرَاضَهُمَا وَلَمْ يُوجَدْ وَالثَّانِي: عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى الْمَسَاكِينِ وَيُقَال: صَارَ الْوَقْفُ فِي نَصِيبِ الْمَيِّتِ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ اهـ. كَلَامُ الرَّافِعِيِّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: فِيهِ أَمْرٌ: أَنَّ أَحَدَهُمَا مَا قَالَ إنَّهُ الْقِيَاس وَلَمْ يَذْكُرهُ مَنْقُولًا وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْد ذَلِكَ بِقَلِيلٍ عَنْ رِوَايَةِ أَبِي الْفَرَجِ عَنْ صَاحِبِ الْإِقْنَاعِ وَهُوَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمَا عَزَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْإِفْصَاحِ هُوَ مَا بَحَثَهُ هُنَا وَأَيْضًا فَيَكُونُ لِلطَّبَرِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ ثُمَّ رَأَيْته فِي التَّقْرِيبِ لِابْنِ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ احْتِمَالًا لَهُ فَقَالَ: يَحْتَمِل هَذَا وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ لِلْوَاقِفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ مَخْرَجًا بَعْد مَوْتِ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ لِلْبَاقِينَ وَلَا لِغَيْرِهِمْ، وَالْحُكْمُ فِي حِصَّةِ مَنْ مَاتَ إذَا لَمْ يُبَيِّن مَخْرَجًا كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا مَاتُوا، وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ، وَمَنْ قَالَ بِهِ قَالَ: لَوْ جَعَلَهُ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِهِ وَلَهُ عِدَّةُ أَوْلَادٍ فَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمْ تَرْجِعْ حِصَّتُهُ إلَى سَائِرِ الْأَوْلَادِ وَلَا إلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ وَيُرْجَعُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ فَإِذَا انْقَرَضَ الْأَوْلَادُ كُلُّهُمْ عَادَ الْوَقْفُ كُلّه إلَى وَلَدِ الْوَلَدِ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى شُرَكَائِهِ فِي الْوَقْفِ اهـ.
الْمَقْصُودُ مِنْ كَلَام الزَّرْكَشِيّ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَقَدْ سَبَقَ مِنْ كَلَام صَاحِبِ التَّقْرِيبِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَصِير مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ أَرَادَ بِالْإِشَارَةِ فِي ذَلِكَ مَا أَفْتَى بِهِ غَيْرُهُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ وَلَدِ الْوَلَدِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ إذْ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْن اسْتِحْقَاقِ وَلَدِ الْوَلَدِ هُنَا وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ بَلْ بَيْنهمَا غَايَةُ التَّنَافِي؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاق الْفَرْع هُنَا يُخْرِجُهُ عَنْ الِانْقِطَاعِ فِي الْوَسَطِ وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ يُحَقِّقُ الِانْقِطَاع فِيهِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ ذَاكَ، وَإِنْ أَرَادَ الَّذِي قَالَهُ هُوَ مِنْ اسْتِحْقَاقِ مَنْ فِي دَرَجَةِ الْمَيِّتِ
стр. 773
دُون وَلَدِهِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ صَاحِب التَّقْرِيبِ فَكَفَى بِذَلِكَ شَاهِدًا عَلَى ضَعْفِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَلْ شُذُوذِهِ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ ثَمَّ ضَعِيفٌ جِدًّا مِنْ حَيْثُ الْمَذْهَبُ، وَإِنْ وَافَقَ بَحْثَ الرَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْحَثهُ مُتَعَمِّدًا لَهُ بَلْ مُبَيِّنًا أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصُّورَة أَعْنِي مَا إذَا وُقِفَ عَلَيْهِمَا ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاء فَمَاتَ أَحَدُهُمَا يُشْبِهُ مُنْقَطِعَ الْوَسْطِ فَيَأْتِي فِيهَا جَمِيعُ الْأَوْجُهِ فِي مُنْقَطِعِ الْوَسَطِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الِانْتِقَالُ إلَى أَقْرِبَاءِ الْوَاقِفِ بَلْ هُوَ أَصَحُّهَا لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْلَم لَهُ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ فِيهَا انْقِطَاعٌ مُحَقَّقٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ نَصِيبُ الْمَيِّتِ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الِانْتِقَالِ لِلْمَسَاكِينِ انْقِرَاضَهُمَا جَمِيعًا وَلَمْ يُوجَدْ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ظَهَرَ بِذِكْرِ الزَّرْكَشِيّ لِذَلِكَ أَنَّ مَا صَوَّبَهُ وَغَلَّطَ مَنْ خَالَفَهُ إنَّمَا هُوَ بِنَاءً عَلَى الضَّعِيفِ أَنَّ فِي صُورَتِهِ انْقِطَاعًا فِي الْوَسَطِ كَمَا فِي صُورَةِ الرَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْوَقْفِ عَلَيْهِمَا ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا انْقِطَاعَ فِي الْوَسَطِ ثَمَّ فَكَذَلِكَ هُنَا بِالْأُولَى عَلَى أَنَّ تَخْرِيجَهُ هَذِهِ عَلَى تِلْكَ عَجِيبٌ مَعَ قَوْلِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ: وَقَدْ سَبَقَ مِنْ كَلَام صَاحِبِ التَّقْرِيبِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَصِيرُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ أَنَّ مَا حَاوَلَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ تَخْرِيجِ هَذِهِ عَلَى تِلْكَ فَكَيْفَ يُخَرِّجُ هُوَ وَيَذْكُر أَنَّ مَا قَالَهُ وَصَوَّبَهُ هُنَا هُوَ مَا مَرَّ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ فِي تِلْكَ؟ ، فَوَقَعَ فِي مَحْذُورَيْنِ: التَّخْرِيجِ مَعَ وُجُودِ الْفَرْقِ وَالتَّخْرِيجِ عَلَى ضَعِيفٍ فِي تِلْكَ لَا عَلَى الصَّحِيحِ فَنَتَجَ مِنْ ذَلِكَ ضَعْفُ مَا صَوَّبَهُ وَفَسَادُ تَغْلِيطِهِ لِغَيْرِهِ وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَيْضًا ضَعْفُ مَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّه عَهْدَهُ تَبَعًا لَهُ كَالسُّبْكِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ابْنَيْنِ وَبِنْتَيْنِ الذُّكْرَانِ كُلٌّ مِنْ أُمٍّ وَالِابْنَتَانِ مِنْ أُمٍّ بَيْنهمْ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَشَرَط أَنَّ مَنْ مَاتَ بِلَا وَلَدٍ أَوْ نَسْلٍ عَادَ نَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ ثُمَّ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ لِلْمُتَوَفَّى فَمَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ بِلَا وَلَدٍ فَانْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِأَخِيهِ وَأُخْتِهِ وَإِحْدَى الْبِنْتَيْنِ بِلَا وَلَدٍ فَهَلْ يَخْتَصُّ بِنَصِيبِهَا أَخُوهَا أَوْ أُخْتهَا أَوْ يَشْتَرِكَانِ؟ وَإِذَا مَاتَتْ الْأُخْرَى عَنْ أَوْلَادٍ فَهَلْ يَرْجِع نَصِيبُهَا وَنَصِيبُ أُخْتِهَا لِأَوْلَادِهَا وَأَخِيهَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَشْتَرِكُ الْأَخُ وَالْأُخْتُ فِيمَا كَانَتْ تَسْتَحِقُّهُ الْأُولَى فَلَا يَرْجِعُ اسْتِحْقَاقُ الثَّانِيَةِ إلَى أَوْلَادِهَا، وَإِنْ أَفْتَى بِهِ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ إذْ مَفْهُومُهُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ عِنْد وُجُودِ الْأَوْلَادِ يَكُونُ لِمَنْ فِي دَرَجَةِ الْمُتَوَفَّى وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لِأَوْلَادِهِ، بَلْ يَرْجِعَ اسْتِحْقَاقُهَا إلَى أَخِيهَا لَا لِشَرْطِ الْوَاقِفِ بَلْ لِكَوْنِ الْوَقْفِ صَارَ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ وَأَخُوهَا أَقْرَبُ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ اهـ.
وَجَرَى عَلَى نَظِيرِ ذَلِكَ فِي أَمَاكِن مِنْ فَتَاوِيهِ وَيُرَدُّ مَا ذَكَره بِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِأَوْلَادِهِ إلَخْ مَمْنُوعٌ بِاعْتِبَارِ مَا مَرَّ وَمَا يَأْتِي وَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَهُوَ لَا يَقْتَضِي الِانْقِطَاعَ الَّذِي ذَكَره؛ لِأَنَّا لَا نَبْنِي عِبَارَةَ الْوَاقِفِينَ عَلَى الدَّقَائِقِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْفِقْهِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ فِي فَتَاوِيهِ، وَإِنَّمَا نُجْرِيهَا عَلَى مَا يَتَبَادَرُ وَيُفْهَمُ مِنْهَا فِي الْعُرْفِ وَعَلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ وَعَادَاتهمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَام الزَّرْكَشِيّ أَنَّ الْقَرَائِنَ يُعْمَلُ بِهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ كَمَا سَيَأْتِي وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي ذَكَره الشَّيْخُ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ إلَّا أَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ الشَّرْطِ عَادَةً عُرْفًا فَإِنَّا لَوْ لَمْ نَعْمَلْ بِمَفْهُومِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ عِنْد وُجُودِ الْوَلَد لَا يَرَى صَرْفه لَهُ وَلَا لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا إذَا لَمْ يُعْهَدُ مِنْ أَحَدٍ.
، وَإِنَّمَا الَّذِي يَقْصِدُونَهُ بِذَلِكَ أَنَّ الْفَرْعَ يَجُوزُ مَا كَانَ لِأَصْلِهِ وَأَنَّهُ لَا يُحَرَّمُ بِمَنْ فِي دَرَجَة أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ نَصِيبًا مِنْ الْوَاقِف، وَالْفَرْعُ لَا نَصِيب لَهُ فَيَقْصِد الْوَاقِفُونَ رِفْقَ الْفَرْع بِنَصِيبِ أَصْلِهِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا هُوَ مَقْصُودُهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ غَيْرَهُ لِبُعْدِهِ فَلَا مُعَوِّلَ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ أَظْهَر مَقَاصِدِ اللَّفْظِ مَا ذَكَرْنَاهُ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ وَقَدْ صَرَّحُوا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي بِأَنَّ أَلْفَاظَ الْوَاقِفِينَ إذَا تَرَدَّدَتْ تُحْمَلُ عَلَى أَظْهَرِ مَعَانِيهَا، وَبِأَنَّ النَّظَر إلَى مَقَاصِد الْوَاقِفِينَ مُعْتَبَر كَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ عَنْ الْبَحْرِ: لَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي فَإِذَا انْقَرَضُوا وَأَوْلَادُهُمْ فَعَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ
стр. 774
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَعَلَ لِأَوْلَادِهِمْ شَيْئًا قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ اُعْتُبِرَ انْقِرَاضُهُمْ بَعْد انْقِرَاضِ وَلَدِهِ.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ: هِيَ مَسْأَلَةٌ حَدَثَتْ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا فَأَفْتَيْتُ فِيهَا بِأَنَّ هَذَا الْوَقْفَ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ فَيُخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي مُنْقَطِع الِابْتِدَاءِ مَعْلُومِ الِانْتِهَاءِ، أَحَدُهُمَا يَبْطُلُ، وَالثَّانِي يَصِحُّ وَإِلَى مَنْ يُصْرَفُ بَعْد انْقِرَاضِ الْوَلَدِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ وَالْفَتْوَى أَنَّهُ لِأَقْرَب النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ حَتَّى تَنْقَرِضَ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ ثُمَّ يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: عِنْدِي يَنْتَقِلُ الْوَقْفُ إلَى وَلَدِ (الْوَلَدِ) عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا وَقَدْ ذَكَر الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَات مِنْ الْأُمِّ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُمْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا شَرَطَ انْقِرَاضَهُمْ؛ لِاسْتِحْقَاقِ غَيْرِهِمْ قَالَ: أَعْنِي الْأَذْرَعِيَّ وَقُلْت: وَالْمُخْتَارُ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ، وَإِنَّمَا يَجِيء هَذَا غَالِبًا مِنْ الْكَاتِبِ وَالنَّظَرُ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ مُعْتَبَرٌ كَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ فَإِذَا انْقَرَضُوا وَأَوْلَادُهُمْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْأَوَّلِ وَلَدَ الظَّهْرِ خَاصَّةً بَلْ هُوَ وَلَدُ الْوَلَدِ ثُمَّ رَأَيْتُنِي ذَكَرْتُ فِي الْغَنِيَّةِ أَنَّ كَلَامَ الْأَكْثَرِينَ مَائِلٌ إلَى تَرْجِيحِ أَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ وَقِيلَ: يُجْعَلُ ذِكْرُهُمْ قَرِينَةً فِي دُخُولِهِمْ وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، إذْ الِانْقِطَاعُ لَا يُقْصَدُ وَلَا حِرْمَانُهُمْ وَإِعْطَاءُ الْفُقَرَاءِ مَعَ بَقَائِهِمْ وَالظَّاهِرُ أَنِّي تَبِعْت فِي ذَلِكَ أَبَا الْحَسَنِ السُّبْكِيّ ﵀ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِابْنِ أَبِي عَصْرُونَ يَعْقُوبَ فَلَهُ مُؤَلَّفٌ حَسَنٌ عَلَى الْمُهَذَّبِ، وَأَمَّا أَبُو سَعِيدٍ فَجَزَمَ فِي مُرْشِدِهِ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ وَكَذَا فِي انْتِصَارِهِ اهـ.
فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: إنَّ ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ هَذَا غَالِبًا مِنْ الْكَاتِبِ وَقَوْلُهُ: وَالنَّظَرُ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ مُعْتَبَرٌ كَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ: إنَّ قَوْلَهُ فَإِذَا انْقَرَضُوا وَأَوْلَادُهُمْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ إلَخْ فَعُلِمَ أَنَّ الْحَقَّ فِي مَسْأَلَتنَا مَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ حِرْمَانَ الْفَرْعِ وَإِعْطَاءَ مَنْ فِي دَرَجَةِ الْأَصْلِ مَعَ وُجُودِ الْفَرْعِ لَا يُقْصَدُ سِيَّمَا مَعَ التَّصْرِيحِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ حِرْمَانِ الْفَرْعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَيْسَ حِرْمَانُهُ حِينَئِذٍ مِنْ مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ وَقَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا عَنْ غَيْر وَلَدٍ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَكَانَ مَا قَدَّمْتُهُ فِي مَسْأَلَتنَا مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْفَرْعِ مُسَاوِيًا لِمَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْعِلَّة وَالْقَرِينَة حَرْفًا بِحَرْفِ، فَإِنْ قُلْت: مَا اخْتَارَهُ وَوَجَّهَهُ بِمَا ذَكَرَ لَيْسَ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قُلْت: الْحُكْمُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ صَحِيحٍ إلَّا أَنَّ الْعِلَلَ الَّتِي ذَكَرهَا يُمْكِن الِاسْتِنَادُ إلَيْهَا وَالتَّعْوِيلُ عَلَيْهَا إذْ الْغَالِبُ فِي الْعِلَلِ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا أَوْ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ضَعْفِ الْحُكْمِ لِمَعْنًى آخَرَ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِد ضَعَّفَ عِلَّتَهُ، فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْن مَسْأَلَته وَمَسْأَلَتنَا وَلِمَ كَانَ الصَّحِيحُ خِلَافَ مَا قَالَهُ فِي تِلْكَ مَعَ تَعْلِيله بِمَا ذَكَرَ الَّذِي اسْتَنَدْتُمْ إلَيْهِ فِي مَسْأَلَتكُمْ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ مَسْأَلَتنَا انْضَمَّ إلَى الْقَرِينَة الْحَالِيَّةِ فِيهَا قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ هِيَ مَفْهُومُ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا مَسْأَلَتُهُ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا قَرِينَةٌ حَالِيَّةٌ وَهِيَ بِمُجَرَّدِهَا غَيْرُ كَافِيَةٌ، فَإِنْ قُلْت: بَلْ فِي مَسْأَلَتِهِ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ أَيْضًا هِيَ ذِكْرُ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ قُلْتُ: هَذِهِ قَرِينَةٌ ضَعِيفَةٌ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُمْ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ لَهُمْ عَلَى شَيْءٍ لَا بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ وَلَا بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ لَا يُلْحِقهُمْ بِذِكْرِ الشَّرْطِ فِي مَسْأَلَتنَا
لِأَنَّ مَفْهُومَهُ الْمُتَبَادِرَ مِنْهُ أَنَّ الْأَوْلَادَ يُعْطَوْنَ فَلَا تُقَاسُ إحْدَى الْقَرِينَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَلَيْسَتْ كُلُّ قَرِينَةٍ مُعْتَدًّا بِهَا كَمَا أَشَارَ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ قَوِيَّةٍ لِذَاتِهَا أَوْ لِمَا انْضَمَّ إلَيْهَا.
وَمِمَّا يَرُدُّ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا مَا أَفْتَى هُوَ بِهِ فِي رَجُلٍ اسْمُهُ نُورُ الدِّينِ مَلَّكَ أَجْنَبِيًّا أَرْضًا لِيَقِفهَا عَلَيْهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَاده فَلَمَّا مَلَكهَا وَقَفَهَا عَلَيْهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ الْخَمْسَةِ مُحَمَّدٍ وَعِمَادِ الدِّينِ وَنُورِ الدِّينِ وَكَمَالِ الدِّينِ وَبَرَكَةَ وَعَلَى مَنْ سَيَحْدُثُ لَهُمْ مِنْ الْأَوْلَادِ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ مَثَلًا وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبهمْ مَا تَنَاسَلُوا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ ثُمَّ تُوُفِّيَ نُورُ الدِّينِ وَصَارَ الْوَقْفُ لِأَوْلَادِهِ الْخَمْسَةِ ثُمَّ بَدْرُ الدِّينِ عَنْ وَلَدَيْهِ مُحَمَّدٍ وَفَاطِمَةَ ثُمَّ كَمَالُ الدِّينِ عَنْ بِنْتِهِ أَمَةِ الْخَالِقِ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ هَذِهِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلِعَمِّهَا مُحَمَّدٍ وَلَدَانِ ذَكَرَانِ وَلِعَمِّهَا عِمَادِ الدِّين وَلَدٌ ذَكَرٌ وَلِعَمَّتِهَا بَرَكَةَ وَلَدٌ ذَكَرٌ فَهَلْ تَنْتَقِلُ حِصَّتِهَا لِبَقِيَّةِ أَعْمَامِهَا
стр. 775
الثَّلَاثَةِ أَوْ لِأَوْلَادِهِمْ الْأَرْبَعَةِ أَوْ لِوَلَدَيْ عَمِّهَا بَدْرِ الدِّينِ أَوْ لِأَقْرَب النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ وَهُوَ الرَّجُلُ الْأَجْنَبِيُّ الَّذِي جُعِلَ وَاسِطَةً فِي ذَلِكَ أَوْ لِجَمِيعِ الْأَوْلَادِ؟
فَأَجَابَ شَيْخُنَا بِأَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَصِيرَ حَقُّهَا لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ؛ لِانْقِطَاعِ الْوَقْفِ فِي حِصَّتِهَا عَمَلًا بِقَضِيَّةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ فِي الْأَوْلَادِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِيرَ لِمَنْ فِي دَرَجَتهَا وَهُمْ أَوْلَادُ أَعْمَامِهَا تَسْوِيَةً بَيْن الْمُتَعَاطِفِينَ فِي الْمُتَعَلِّقِ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا، وَهَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ لِاطِّرَادِهِ بَلْ لِلْقَرِينَةِ وَهِيَ الْغَالِبُ وَغَرَضِ الْوَاقِفِ إذْ الْغَالِبُ اتِّصَالُ الْوَقْفِ وَغَرَضُ الْوَاقِفِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَنَافِع الْمَوْقُوفِ لَهُ وَلِذُرِّيَّتِهِ مَا لَمْ يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ ظَاهِرٌ اهـ.
فَتَأَمَّلْ كَوْنَهُ جَعَلَ الْغَالِبَ وَهُوَ اتِّصَالُ الْوَقْفِ قَرِينَةً مُرَجِّحَةً، وَكَذَا جَعْلُ غَرَضِ الْوَاقِفِ قَرِينَةً مُرَجِّحَةً، وَإِذَا جُزِمَ بِأَنَّ هَاتَيْنِ قَرِينَتَانِ مُرَجِّحَتَانِ هُنَا مَعَ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى خِلَافِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَمَا يُعْلَم بِتَأَمُّلِهِ فَمَا ظَنُّك بِهِمَا فِي مَسْأَلَتك فَلْيَكُونَا مُرَجِّحَيْنِ فِيهَا بِالْأَوْلَى فَإِنَّ لَفْظَ الْوَاقِفِ فِيهَا لَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا دَلَّتَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُحْتَمَلُ مَا دَلَّتَا عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُمَا فَرَجَّحْنَا بِهِمَا أَحَدَ الِاحْتِمَالَيْنِ أَوْ أَحَدَ الِاحْتِمَالَات، وَبَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ يَحْتَمِلُ أُمُورًا: أَحَدُهَا أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ يَكُونُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ كَمَا قَدَّمْته غَيْرَ مَرَّةٍ، وَفِيهِ أَيْضًا الْفِرَارُ مِنْ الِانْقِطَاعِ الَّذِي هُوَ نَادِرٌ وَغَيْرُ مَقْصُودٍ ثَانِيَهَا: أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ تَكُونُ حِصَّتُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَةِ الْمَيِّتِ وَيَكُونُ حِينَئِذٍ مَفْهُومَ مُوَافَقَةٍ لَا مُخَالَفَةٍ.
وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الِاحْتِمَالِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِالِاحْتِمَالِ الْأَوَّل لِاعْتِضَادِهِ بِتَيْنِكَ الْقَرِينَتَيْنِ فَرَجَّحْنَاهُ وَعَمِلْنَا بِعَيْنِ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ، وَإِنَّمَا مَشَى عَلَى مَا مَرَّ تَبَعًا لِلزَّرْكَشِيِّ وَهُنَا لَمْ يَتْبَعْ أَحَدًا فَكَانَ مَا قَالَهُ هُنَا مِنْ التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرُهُ الَّذِي هُوَ ظَاهِرٌ أَوْ صَرِيحٌ فِي مَسْأَلَتنَا بِمَا قُلْنَاهُ أَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ وَالْأَخْذِ بِهِ فِي التَّرْجِيحِ لِمُوَافَقَتِهِ لِمَا مَرَّ عَنْ الْقَفَّالِ مِنْ أَنَّ أَغْرَاضَ الْوَاقِفِينَ مُعْتَبَرَةٌ وَلِمَا مَرَّ مَبْسُوطًا عَنْ الْأَذْرَعِيِّ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَبِهِ تَسْهُلُ مُخَالَفَتُهُ فِي إفْتَائِهِ بِمَا مَرَّ تَبَعًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ ذَلِكَ الْإِفْتَاءِ أَيْضًا مَا قَالَهُ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ آخَر.
وَهُوَ أَنَّ شَخْصًا وَقَفَ وَقْفًا عَلَى نَفْسِهِ وَشَرَطَ أَنْ يُصْرَفَ مِنْ رِيعِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِجِهَةٍ عَيَّنَهَا ثُمَّ بَاقِي الرِّيعِ يُصْرَفُ لِبِنْتَيْهِ خَدِيجَةَ وَفَاطِمَةَ وَلِوَلَدَيْ خَدِيجَةَ هَذِهِ أَحْمَدَ وَسِتَّ الْعَجَمِ وَلِمَنْ يَحْدُثُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ وَيُقَسَّمُ بَيْنهمْ بِالسَّوِيَّةِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَهَكَذَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ وَلَدُ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنْهُمْ أَبَدًا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى إلَى حِينِ انْقِرَاضهمْ خَلَا وَلَدَيْ بِنْتِ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَتَرَك وَلَدًا أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ أَوْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ إلَى وَلَدِهِ أَوْ.
(وَلَدِ) وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ وَلَا نَسْلًا وَلَا ذُرِّيَّةً انْتَقَلَ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْوَقْفِ يَسْتَقِلُّ بِهِ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَيَشْتَرِكُ فِيهِ الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يَتَدَاوَلُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ إلَى حِين انْقِرَاضِهِمْ فَهَلْ إذَا مَاتَتْ سِتُّ الْعَجَمِ بِنْتُ خَدِيجَةَ الْمَذْكُورَةُ بَعْدَ دُخُولِهَا فِي الْوَقْفِ وَخَلَّفَتْ أَوْلَادًا يَدْخُلُونَ فِي الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ وَيَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا مِنْ رِيعِهِ مَعَ وُجُودِ فَاطِمَةَ بِنْت الْوَاقِفِ أَوْ لَا؟
فَأَجَابَ الشَّيْخُ بِأَنَّ سِتَّ الْعَجَمِ إذَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ أَوْلَادًا فَلَا يَدْخُلُونَ فِي الْوَقْفِ لِقَوْلِ الْوَاقِفِ خَلَا وَلَدَيْ بِنْت الْوَاقِفِ إلَخْ أَيْ: فَإِنَّ أَوْلَادَهُمَا لَا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا هَذَا هُوَ مَدْلُولُ هَذَا اللَّفْظِ، فَإِنْ قُلْت: بَلْ يَدْخُلُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ مَا كَانَتْ تَسْتَحِقّهُ أُمّهمْ عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَتَرَك وَلَدًا إلَخْ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: خَلَا وَلَدَيْ بِنْت الْوَاقِفِ إلَخْ رَاجِعًا إلَى قَوْلِهِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنْهُمْ أَبَدًا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى أَيْ: خَلَا وَلَدَيْ بِنْت الْوَاقِفِ فَإِنَّهُمَا لَا يُحْجَبَانِ بِهَا وَإِنْ كَانَا أَسْفَلَ مِنْهَا، وَهَذَا، وَإِنْ فُهِمَ مِنْ عَطْفِهِمَا عَلَيْهَا بِالْوَاوِ الْمُشْرِكَةِ لَكِنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ خُرُوجُهُمَا بِقَوْلِهِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنْهُمْ أَبَدًا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى فَصَرَّحَ بِهَا دَفْعًا لِهَذَا التَّوَهُّمِ قُلْت: ذَلِكَ يُحْتَمَلُ لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي الظُّهُورَ فِيمَا قُلْنَا عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ
следующие страницы →