Полный текст (881 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الْأُمُورِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، إذْ الْمَعْنَى لَيْسَ لَك إلَّا الرِّسَالَةُ وَالتَّبْلِيغُ وَقَدْ فَعَلْت وَمَا قَصَّرْت وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا حُصُولُ الْهِدَايَةِ فَلَيْسَ إلَيْك بَلْ إلَى اللَّهِ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] أَوْ ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الرعد: ٤٣] عَلَى صِدْقِك، وَإِرْسَالِك أَوْ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَةَ وَالسَّيِّئَةَ مِنْ اللَّهِ.
وَمِنْ الْأَدِلَّةِ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ مَا فِي الْقُرْآنِ فِي آيٍ كَثِيرَةٍ مِنْ نَحْوِ الْخَتْمِ عَلَى الْقَلْبِ وَالسَّمْعِ، وَالطَّبْعِ، وَالْكِنَانِ، وَالرَّيْنِ عَلَى الْقَلْبِ وَالْوَقْرِ فِي الْأُذُنِ وَالْغِشَاوَةِ عَلَى الْبَصَرِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ فَذَلِكَ كُلُّهُ ظَاهِرٌ عَلَى مَذْهَبِهِمْ، ثُمَّ لَهُمْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ خَلْقِ الْكُفْرِ فِي قُلُوبِ الْكُفَّارِ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ خَلَقَ الدَّاعِيَةَ الَّتِي إذَا انْضَمَّتْ إلَى الْقُدْرَةِ صَارَ مَجْمُوعُ الْقُدْرَةِ مَعَهَا سَبَبًا لِوُقُوعِ الْكُفْرِ.
وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ قَبَّحَهُمْ اللَّهُ، فَإِنَّهُمْ تَأَوَّلُوا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَأَخْرَجُوهَا عَنْ ظَوَاهِرِهَا بِطَرِيقِ التَّحَكُّمِ وَالتَّشَهِّي تَحْكِيمًا لِعُقُولِهِمْ الْفَاسِدَةِ الْقَاصِرَةِ فِي نُصُوصِ الشَّرْعِ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا تَارَةً بِالرَّدِّ وَتَارَةً بِالتَّأْوِيلِ، فَخَذَلَهُمْ اللَّهُ وَأَبَادَهُمْ فَمَا أَغْبَاهُمْ وَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَاهُمْ وَأَبْعَدَهُمْ عَنْ سَبِيلِ الْهُدَى وَمُجَانَبَةِ الضَّلَالِ وَالرَّدَى، وَأَنْسَاهُمْ لِآيَاتِ اللَّهِ الْبَيِّنَاتِ وَدَلَائِلِ خَلْقِهِ - تَعَالَى - لِسَائِرِ الْحَادِثَاتِ، وَكَيْفَ يَلِيقُ بِالْعَبْدِ الضَّعِيفِ الْعَاجِزِ الْمُقَصِّرِ الْجَاهِلِ بِاَللَّهِ ﵎ وَبِمَا طَوَاهُ عَنْهُ مِمَّا اسْتَأْثَرَ بِهِ مِنْ عِلْمِهِ وَحُكْمِهِ أَنْ يَنْسَى قَوْله تَعَالَى لِخَلْقِهِ إعْلَامًا لَهُمْ بِذَلِكَ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ يَذُمُّ الْكُفَّارَ عَلَى شَيْءٍ خَلَقَهُ فِيهِمْ، وَأَيُّ ذَنْبٍ لَهُمْ حِينَئِذٍ حَتَّى يُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْخُرَافَاتِ الْمُنْبِئَةِ عَنْ الْخُرُوجِ عَنْ حَيْزِ الْعُبُودِيَّةِ وَالْخُضُوعِ لِلْحَقِّ وَالرِّضَا بِقِسْمَتِهِ - تَعَالَى -، وَكَفَى هَؤُلَاءِ هَذِهِ الْمَهَاوِي السَّخِيفَةُ الَّتِي وَقَعُوا فِيهَا فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا وَعَانَدُوا وَلَجُّوا، وَلَوْ تَأَمَّلُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ لَوَجَدُوا أَنْفُسَهُمْ آخِذِينَ بِحُجْزَةِ قَوْلِ الْكُفَّارِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] قَالَ - تَعَالَى - جَوَابًا لَهُمْ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧] فَكَذَا أُولَئِكَ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ مُضِلَّاتِ الْآرَاءِ وَغَوَائِلِ الْفِتَنِ، وَأَصْلَحَ مِنَّا مَا ظَهَرَ وَجَمِيعَ مَا بَطَنَ إنَّهُ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ.
стр. 177
[الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ]
﴿الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ: عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٤] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِالْعُهُودِ، وَهِيَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَحَرَّمَ، وَمَا فَرَضَ، وَمَا حَدَّ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الضَّحَّاكُ هِيَ الَّتِي أَخَذَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنْ يُوَافُوا بِهَا مِمَّا أَحَلَّ وَحَرَّمَ وَمِمَّا فَرَضَ مِنْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ إنَّهُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ. أَيْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِالْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْكُمْ فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ، وَمِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ: أَرَادَ بِهَا الْحِلْفَ الَّذِي تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْعُقُودُ أَوْكَدُ الْعُهُودِ. إذْ الْعُهُودُ إلْزَامٌ، وَالْعُقُودُ إلْزَامٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِحْكَامِ وَالِاسْتِيثَاقِ، مِنْ عَقَدَ الشَّيْءَ بِغَيْرِهِ وَصَلَهُ بِهِ كَمَا يُعْقَدُ الْحَبْلُ بِالْحَبْلِ؛ وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ هُوَ الْمَعْرِفَةَ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ إظْهَارُ الِانْقِيَادِ لِلَّهِ - تَعَالَى - فِي جَمِيعِ التَّكَالِيفِ أَمَرَ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّكُمْ قَدْ الْتَزَمْتُمْ بِإِيمَانِكُمْ أَنْوَاعَ الْعُقُودِ وَإِظْهَارَ الطَّاعَةِ لِلَّهِ - تَعَالَى - فِي سَائِرِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ فَأَوْفُوا بِتِلْكَ الْعُهُودِ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَرَأْتُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى نَجْرَانَ وَفِي صَدْرِهِ: هَذَا بَيَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] إلَى ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤] فَالْمَقْصُودُ التَّكَالِيفُ فِعْلًا وَتَرْكًا، وَسُمِّيَتْ عُقُودًا لِأَنَّهُ - تَعَالَى - عَقَدَ أَمْرَهَا وَحَتَمَهُ وَأَوْثَقَهُ فَلَا انْحِلَالَ لَهُ، وَقُلْ: هِيَ الْعُقُودُ الَّتِي يَتَعَاقَدُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ فِيمَا مَرَّ أَنَّهَا عَامَّةٌ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵁ اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى صِحَّةِ نَحْوِ نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ وَعَضَّدَهَا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] " أَوْفِ بِنَذْرِك " وَنَفْيُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ انْعَقَدَ، وَحُرْمَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الطَّلَقَاتِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ فَحَرُمَ رَفْعُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ فِي الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ بِالْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَخَالَفَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ لِأَنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» وَالْخَبَرِ الصَّحِيحِ:
стр. 178
«الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» ؛ وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، إذًا لَوْ حَرُمَ الْجَمْعُ فِي الْأَخِيرَةِ لَمَا نَفَذَ، فَلَمَّا نَفَذَ إجْمَاعًا دَلَّ عَلَى حِلِّهِ. إذْ الْأَصْلُ فِي نُفُوذِ الْعُقُودِ أَنَّهُ يَقْتَضِي حِلَّهَا عَلَى أَنَّ فِيهِ حَدِيثًا صَحِيحًا، وَهُوَ أَنَّ الْمُلَاعِنَ طَلَّقَ ثَلَاثًا ظَانًّا أَنَّهَا تَنْفُذُ وَلَمْ يَنْهَهُ ﷺ عَنْهَا.
إذْ لَوْ كَانَ جَمْعُ الثَّلَاثِ حَرَامًا لَكَانَ أَتَى بِحَرَامٍ فَكَانَ يَجِبُ نَهْيُهُ عَنْهُ، فَلَمَّا لَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إبَاحَتِهِ. وَلَا يُقَالُ إنَّمَا لَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَغْوٌ لِمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَغْوًا إلَّا فِي الْوَاقِعِ، وَأَمَّا فِي ظَنِّهِ فَلَمْ يَكُنْ لَغْوًا لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ يُفِيدُهُ تَأْيِيدُ حُرْمَتِهَا فَأَوْقَعَ الثَّلَاثَ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَعَارَفَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ إيقَاعَ الثَّلَاثِ لَا يَحْرُمُ وَإِلَّا لَنَهَاهُ ﷺ عَنْ ذَلِكَ كَمَا تَقَرَّرَ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ الْعُهُودِ وَأَنَّ الْإِخْلَالَ بِالْوَفَاءِ بِهَا كَبِيرَةٌ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» .
وَفِي الْحَدِيثِ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ» .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ: «يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى - ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ الْعَمَلَ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» .
وَرَوَى مُسْلِمٌ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» ، وَمَرَّتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا مِنْ الْكَبَائِرِ هُوَ مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ بِمَا مَرَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ بِخُلْفِ الْوَعْدِ، فَالْعِبَارَتَانِ إمَّا مُتَّحِدَتَانِ أَوْ مُتَغَايِرَتَانِ وَعَلَى كُلٍّ فَقَدْ يُشْكِلُ عَدُّهُمْ مِنْ الْكَبَائِرِ بِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ مَنْدُوبٌ لَا وَاجِبٌ وَفِي الْعَهْدِ أَنَّهُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ أَوْ حَرَّمَهُ، وَمُخَالَفَةُ الْمَنْدُوبِ جَائِزَةٌ، وَالْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ تَارَةً تَكُونُ كَبِيرَةً وَتَارَةً تَكُونُ صَغِيرَةً، فَكَيْفَ يُطْلَقُ أَنَّ عَدَمَ الْوَفَاءِ بِذَلِكَ كَبِيرَةٌ؟ فَإِنْ أُرِيدَ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِمَا يَكُونُ الْإِخْلَالُ بِهِ كَبِيرَةً كَانَ عَدُّ هَذَا كَبِيرَةً مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ سَائِغٍ. إذْ لَا وُجُودَ لَهُ إلَّا فِي ضِمْنِ غَيْرِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ. وَيُجَابُ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ بِنَاءً عَلَى تَغَايُرِهِمَا عَلَى الْمُلْتَزِمِ بِالنَّذْرِ وَنَحْوِهِ، وَكَوْنُ مَنْعِهِ كَبِيرَةً ظَاهِرٌ إذْ النَّذْرُ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ،
стр. 179
وَسَيَأْتِي أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ أَوْ الزَّكَاةِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الصَّوْمِ كَبِيرَةٌ فَكَذَا هَذَا. وَيُحْمَلُ الثَّانِي عَلَى شَيْءٍ خَاصٍّ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ التَّصْرِيحِ بِهَذَا وَهُوَ مَا لَوْ بَايَعَ إمَامًا ثُمَّ أَرَادَ الْخُرُوجَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ مُوجِبٍ وَلَا تَأْوِيلٍ لِهَذَا فَهَذَا كَبِيرَةٌ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - إلَى أَنْ قَالَ - وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إلَّا لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ لَهُ» .
وَمِنْ قَوْلِهِ ﷺ فِي خَبَرِ الْبُخَارِيِّ السَّابِقِ: «رَجُلٌ أُعْطِيَ بِي ثُمَّ غَدَرَ» . وَفِي خَبَرِ مُسْلِمٍ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَأْتِ إلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إلَيْهِ، وَمَنْ بَايَعَ إمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إنْ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَهُ أَحَدٌ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ» ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مَا يَأْتِي فِي الْجِهَادِ، «إنَّ مَنْ أَمَّنَ حَرْبِيًّا ثُمَّ غَدَرَ بِهِ وَقَتَلَهُ كَانَ كَبِيرَةً» ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِنَكْثِ الصَّفْقَةِ، وَقَدْ مَرَّ فِيهِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ وَسَيَأْتِي.
[الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ وَالْخَمْسُونَ مَحَبَّةُ الظَّلَمَةِ أَوْ الْفَسَقَةِ]
(الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ وَالْخَمْسُونَ: مَحَبَّةُ الظَّلَمَةِ أَوْ الْفَسَقَةِ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ فِسْقُهُمْ، وَبُغْضُ الصَّالِحِينَ)
أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثٌ هُنَّ حَقٌّ: لَا يَجْعَلُ اللَّهُ مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي الْإِسْلَامِ كَمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ، وَلَا يَتَوَلَّى اللَّهُ عَبْدًا فَيُوَلِّيهِ غَيْرَهُ، وَلَا يُحِبُّ الرَّجُلُ قَوْمًا إلَّا حُشِرَ مَعَهُمْ» . وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: «ثَلَاثٌ أَحْلِفُ عَلَيْهِنَّ: لَا يَجْعَلُ اللَّهُ مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي الْإِسْلَامِ كَمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ، وَأَسْهُمُ الْإِسْلَامِ ثَلَاثٌ. الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَلَا يَتَوَلَّى اللَّهُ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا فَيُوَلِّيهِ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُحِبُّ الرَّجُلُ قَوْمًا إلَّا جَعَلَهُ اللَّهُ مَعَهُمْ» .
وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «الشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَأَدْنَاهُ أَنْ يُحِبَّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْجَوْرِ وَيُبْغِضَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْعَدْلِ وَهَلْ
стр. 180
الدِّينُ إلَّا الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ؟ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] » .
وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «لَا تُصَاحِبْ إلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَك إلَّا تَقِيٌّ» .
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَيْنِ كَبِيرَةً هُوَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ الْمَاضِيَةُ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْآتِيَةُ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعَمَلِهِمْ» وَلَهُ وَجْهٌ، إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ أَحَبَّ الْفَاسِقِينَ لِفِسْقِهِمْ وَبَغَضَ الصَّالِحِينَ لِصَلَاحِهِمْ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَبَّةَ الْفِسْقِ كَبِيرَةٌ كَفِعْلِهِ وَكَذَا بُغْضُ الصَّالِحِينَ لِأَنَّ حُبَّ أُولَئِكَ الْفَاسِقِينَ وَبُغْضَ الصَّالِحِينَ يَدُلُّ عَلَى انْفِكَاكِ رِبْقَةِ الْإِسْلَامِ وَعَلَى بُغْضِهِ، وَبُغْضُ الْإِسْلَامِ كُفْرٌ فَمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً.
خَاتِمَةٌ فِي سَرْدِ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ وَحَسَنَةٍ فِي ثَوَابِ الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ - تَعَالَى -: قَالَ ﷺ : «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءُ فِي اللَّهِ وَيُبْغِضَ فِي اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي، الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي» . «إنَّ مِنْ الْإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ رَجُلًا لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ مِنْ غَيْرِ مَالٍ أَعْطَاهُ فَذَلِكَ الْإِيمَانُ» . «مَا تَحَابَّ رَجُلَانِ فِي اللَّهِ إلَّا كَانَ أَحَبُّهُمَا إلَى اللَّهِ أَشَدَّهُمَا حُبًّا لِصَاحِبِهِ» . «خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» «يَقُولُ اللَّهُ ﵎: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِي، وَلِلْمُتَجَالِسَيْنِ فِي، وَلِلْمُتَزَاوِرَيْنِ فِي، وَلِلْمُتَبَاذِلَيْنِ فِي» . «الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ» . «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَصَادَقُونَ مِنْ أَجْلِي» .
«الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ يَغْبِطُهُمْ لِمَكَانِهِمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ» . «إنَّ لِلَّهِ - تَعَالَى - جُلَسَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ - وَكِلْتَا يَدَيْ اللَّهِ يَمِينٌ - عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، وُجُوهُهُمْ مِنْ نُورٍ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ وَلَا صِدِّيقِينَ، قِيلَ مَنْ هُمْ
стр. 181
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ هُمْ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِ اللَّهِ - تَعَالَى -» . «إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ قِيلَ مَنْ هُمْ؟ لَعَلَّنَا نُحِبُّهُمْ، قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِنُورِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ أَرْحَامٍ وَلَا أَنْسَابٍ، وُجُوهُهُمْ نُورٌ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إذَا حَزِنَ النَّاسُ؛ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] » . «لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ أَقْوَامًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي وُجُوهِهِمْ النُّورُ عَلَى مَنَابِرِ اللُّؤْلُؤِ يَغْبِطُهُمْ النَّاسُ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ فَجَثَا أَعْرَابِيٌّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَلِّهِمْ لَنَا نَعْرِفُهُمْ، قَالَ: هُمْ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى وَبِلَادٍ شَتَّى يَجْتَمِعُونَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ يَذْكُرُونَهُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَنَوَازِعِ الْقَبَائِلِ، لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ وَتَصَادَقُوا يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُورًا وَثِيَابَهُمْ نُورًا يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَفْزَعُونَ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» .
«سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ : مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إيَّاهُمْ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» .
[الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ أَذِيَّةُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَمُعَادَاتُهُمْ]
(الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ: أَذِيَّةُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَمُعَادَاتُهُمْ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «عَنْ اللَّهِ ﵎: مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ مَا تَرَدَّدْتُ فِي قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي الْمُؤْمِنُ بِمِثْلِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَلَا تَعَبَّدَ لِي بِمِثْلِ مَا افْتَرَضْته عَلَيْهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْته بِالْحَرْبِ - أَيْ أَعْلَمْته أَنِّي مُحَارِبٌ لَهُ - وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبُّ إلَيَّ
стр. 182
مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْته عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبُّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْته وَإِنْ اسْتَعَاذَنِي - أَيْ بِالنُّونِ أَوْ الْبَاءِ - لَأُعِيذَنَّهُ» .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلَالٍ ﵃ فِي نَفَرٍ فَقَالُوا: مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا - أَيْ لَمْ تَسْتَوْفِ حَقَّهَا مِنْهُ لِأَنَّهُ إذْ ذَاكَ كَانَ عَلَى كُفْرِهِ - فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّك أَغْضَبْتَهُمْ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّك، فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَقَالَ يَا إخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لَا، يَغْفِرُ اللَّهُ لَك يَا أَخِي» .
وَمِنْ عَظِيمِ احْتِرَامِ الْفُقَرَاءِ سِيَّمَا فُقَرَاءُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ اسْتَبَقُوا إلَى الْإِيمَانِ قَوْله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ لَمَّا عَذَلَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي الْجُلُوسِ مَعَهُمْ وَقَالُوا: اُطْرُدْهُمْ فَإِنَّ نُفُوسَنَا تَأْنَفُ أَنْ تُجَالِسَهُمْ، وَلَئِنْ طَرَدْتَهُمْ لَيُؤْمِنَنَّ بِك أَشْرَافُ النَّاسِ وَرُؤَسَاؤُهُمْ ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] فَلَمَّا أَيِسَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ طَرْدِهِمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ يَوْمًا وَلَهُمْ يَوْمًا، فَأَنْزَلَ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨] أَيْ لَا تَتَعَدَّاهُمْ وَلَا تَتَجَاوَزْهُمْ بِنَظَرِك رَغْبَةً عَنْهُمْ وَطَلَبًا لِصُحْبَةِ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ بِقَوْلِهِ - عَزَّ قَائِلًا - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٥] . الْآيَةَ.
كُلُّ ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِفَخَامَتِهِمْ وَحَثٌّ عَلَى تَعْظِيمِهِمْ وَرِعَايَتِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ ﷺ يُعَظِّمُ الْفُقَرَاءَ وَيُكْرِمُهُمْ سِيَّمَا أَهْلُ الصُّفَّةِ، وَهُمْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَهُ ﷺ كَانُوا فِي صُفَّةِ الْمَسْجِدِ مُلَازِمِينَ لَهَا يَنْضَمُّ إلَيْهَا كُلُّ مَنْ هَاجَرَ إلَى أَنْ كَثُرُوا وَكَانُوا عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْفَقْرِ وَالصَّبْرِ، لَكِنْ حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ شُهُودُهُمْ مَا أَعَدَّ - تَعَالَى - لِأَوْلِيَائِهِ لَمَّا أَزَالَ عَنْ قُلُوبِهِمْ التَّعَلُّقَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَغْيَارِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الِاسْتِبَاقِ إلَى الْخَيْرَاتِ وَحِيَازَةِ أَفْضَلِ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ، فَحِينَئِذٍ اسْتَحَقُّوا أَنْ لَا يُطْرَدُوا عَنْ بَابِهِ، وَأَنْ يُعْلِنَ بِمَدْحِهِمْ بَيْنَ أَحْبَابِهِ لِمَا أَنَّ الْمَسَاجِدَ مَأْوَاهُمْ، وَاَللَّهَ مَطْلُوبُهُمْ وَمَوْلَاهُمْ
стр. 183
وَالْجُوعَ طَعَامُهُمْ، وَالسَّهَرَ إذَا نَامَ النَّاسُ إدَامُهُمْ وَالْفَقْرَ، وَالْفَاقَةَ شِعَارُهُمْ، وَالْمَسْكَنَةَ وَالْحَيَاءَ دِثَارُهُمْ، فَقْرُهُمْ لَيْسَ مِنْ الْفَقْرِ الْعَامِّ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ الْحَاجَةِ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - لِأَنَّ هَذَا وَصْفُ كُلِّ مَخْلُوقٍ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] بَلْ مِنْ الْفَقْرِ الْخَاصِّ الَّذِي هُوَ شِعَارُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَحِبَّائِهِ وَهُوَ خُلُوُّ الْقَلْبِ مِنْ التَّعَلُّقِ بِغَيْرٍ أَوْ سِوًى، وَالتَّمَلِّي بِشُهُودِهِ - تَعَالَى - فِي سَائِرِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ حَشَرَنَا اللَّهُ فِي زُمْرَتِهِمْ لِمَا مَنَّ بِهِ عَلَيْنَا مِنْ حَقَائِقِ مَحَبَّتِهِمْ آمِينَ.
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا كَبِيرَةً هُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ صَرِيحُ هَذَا الْوَعِيدِ الَّذِي لَا أَشَدَّ مِنْهُ إذْ مُحَارَبَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - لِلْعَبْدِ لَمْ تُذْكَرْ إلَّا فِي أَكْلِ الرِّبَا وَمُعَادَاةِ الْأَوْلِيَاءِ، وَمَنْ عَادَاهُ اللَّهُ لَا يُفْلِحُ أَبَدًا بَلْ لَا بُدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ أَنْ يَمُوتَ عَلَى الْكُفْرِ، عَافَانَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ، ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ فِي الْخَادِمِ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ الْحَدِيثِ وَتَأَمَّلْ هَذَا الْوَعِيدَ وَهُوَ حِينَئِذٍ وَأَكْلُ الرِّبَا فِي قَرْنٍ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وَفِي فَتَاوَى الْبَدِيعِيِّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: مَنْ اسْتَخَفَّ بِالْعَالِمِ طَلُقَتْ امْرَأَتُهُ وَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ رِدَّةً انْتَهَى، وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ - يَعْنِي الْحَافِظَ الْإِمَامَ ابْنَ عَسَاكِرَ -: اعْلَمْ يَا أَخِي وَفَّقَك اللَّهُ وَإِيَّانَا، وَهَدَاك سَبِيلَ الْخَيْرِ وَهَدَانَا أَنَّ لُحُومَ الْعُلَمَاءِ مَسْمُومَةٌ. وَعَادَةَ اللَّهِ فِي هَتْكِ مُنْتَقِصِهِمْ مَعْلُومَةٌ، وَمَنْ أَطْلَقَ لِسَانَهُ فِي الْعُلَمَاءِ بِالثَّلْبِ بَلَاهُ اللَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِمَوْتِ الْقَلْبِ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .
[الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ سَبُّ الدَّهْرِ مِنْ عَالِمٍ بِمَا يَأْتِي]
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ وَبِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ» وَفِي رِوَايَةٍ: «أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا» . وَمُسْلِمٌ: «لَا يَسُبُّ أَحَدُكُمْ الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ وَلَا تَقُولُوا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» . وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ: «قَالَ اللَّهُ ، يُؤْذِينِي
стр. 184
ابْنُ آدَمَ يَقُولُ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ» . وَمَالِكٌ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» . وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ: «يَقُولُ اللَّهُ اسْتَقْرَضْتُ عَبْدِي فَلَمْ يُقْرِضْنِي وَيَشْتُمُنِي عَبْدِي وَهُوَ لَا يَدْرِي يَقُولُ: وَادَهْرَاهُ وَادَهْرَاهُ، وَأَنَا الدَّهْرُ» وَالْبَيْهَقِيُّ: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ قَالَ اللَّهُ : أَنَا الدَّهْرُ، الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي أُجَدِّدُهَا وَأُبْلِيهَا وَآتِي بِمُلُوكٍ بَعْدَ مُلُوكٍ» .
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِبَادِئِ الرَّأْيِ لَا سِيَّمَا قَوْله تَعَالَى: «وَيَشْتُمُنِي عَبْدِي» فَعَدَّ - تَعَالَى - سَبَّ الدَّهْرِ شَتْمًا لَهُ أَيْ يُؤَدِّي إلَيْهِ وَهُوَ كُفْرٌ وَمَا أَدَّى إلَى الْكُفْرِ أَدْنَى مَرَاتِبِهِ أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً، لَكِنَّ كَلَامَ أَئِمَّتِنَا يَأْبَى ذَلِكَ وَيُصَرِّحُ بِأَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ. فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ كَبِيرَةً، وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الزَّمَنَ فَلَا كَلَامَ فِي الْكَرَاهَةِ، أَوْ اللَّهَ - تَعَالَى - فَلَا كَلَامَ فِي الْكُفْرِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ التَّرَدُّدِ لِاحْتِمَالِهِ الْكُفْرَ وَغَيْرَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا الْكَرَاهَةُ هُنَا أَيْضًا لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ الزَّمَنُ وَإِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ التَّجَوُّزِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ: إنَّ الْعَرَبَ كَانُوا إذَا نَزَلَتْ بِأَحَدِهِمْ نَازِلَةٌ أَوْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ أَوْ مَكْرُوهٌ يَسُبُّ الدَّهْرَ اعْتِقَادًا مِنْهُ أَنَّ الَّذِي أَصَابَهُ فِعْلُ الدَّهْرِ، كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَسْتَمْطِرُ بِالْأَنْوَاءِ وَتَقُولُ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا اعْتِقَادًا أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ هُوَ الْأَنْوَاءُ فَكَانَ هَذَا كَاللَّعْنِ لِلْفَاعِلِ، وَلَا فَاعِلَ لِكُلِّ شَيْءٍ إلَّا اللَّهُ - تَعَالَى - خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَفَاعِلُهُ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ قَالُوا: إنَّ سَبَّ الدَّهْرِ كَبِيرَةٌ إنْ اعْتَقَدَ أَنَّ لَهُ تَأْثِيرًا فِيمَا نَزَلَ بِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ اعْتِقَادَ ذَلِكَ كُفْرٌ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ دَاوُد كَانَ يُنْكِرُ رِوَايَةَ أَهْلِ الْحَدِيثِ " وَأَنَا الدَّهْرُ " بِضَمِّ الرَّاءِ وَيَقُولُ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الدَّهْرُ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى -. وَكَانَ يَرْوِيهِ " وَأَنَا الدَّهْرَ " بِفَتْحِ الرَّاءِ ظَرْفًا لِأُقَلِّب: أَيْ وَأَنَا أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ الدَّهْرَ - أَيْ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ وَمَمَرِّهِ، وَتَبِعَهُ بَعْضُهُمْ فَرَجَّحَ الْفَتْحَ وَلَيْسَ كَمَا قَالَا لِأَنَّ رِوَايَةَ «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» تُبْطِلُ مَا زَعَمَاهُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الرَّاءِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا زَعَمَهُ ابْنُ دَاوُد: أَنَّ الدَّهْرَ يَكُونُ
стр. 185
مِنْ أَسْمَائِهِ - تَعَالَى - لِمَا سَبَقَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّجَوُّزِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ فِيهِ الْمُؤَثِّرَ هُوَ عَيْنُ الْأَثَرِ مُبَالَغَةً فِي تَعْظِيمِ ذَلِكَ الْأَثَرِ وَفِي الزَّجْرِ عَنْ سَبِّهِ وَنَقْصِهِ.
[الْكَبِيرَةُ الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَعْظُمُ مَفْسَدَتُهَا وَيَنْتَشِرُ ضَرَرُهَا]
(الْكَبِيرَةُ الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ: الْكَلِمَةُ الَّتِي تَعْظُمُ مَفْسَدَتُهَا وَيَنْتَشِرُ ضَرَرُهَا مِمَّا يُسْخِطُ اللَّهَ - تَعَالَى - وَلَا يُلْقِي لَهَا قَائِلُهَا بَالًا) وَعَدُّ هَذِهِ كَذَلِكَ هُوَ مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْعَظِيمَةِ وَالضَّرَرِ الظَّاهِرِ كَمَا عُلِمَ مِنْ التَّرْجَمَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا فَيَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» . وَجَاءَ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ - تَعَالَى - مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ رِضْوَانَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهِ سَخَطَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهَذَا كَالْكَلَامِ عِنْدَ الْمُلُوكِ أَوْ الْوُلَاةِ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ خَيْرٌ عَامٌّ أَوْ شَرٌّ عَامٌّ، وَمِنْهُ كَلِمَةٌ تَضَمَّنَتْ مَذَمَّةَ سُنَّةٍ أَوْ إقَامَةَ بِدْعَةٍ أَوْ إبْطَالَ حَقٍّ أَوْ تَحْقِيقَ بَاطِلٍ أَوْ سَفْكَ دَمٍ أَوْ اسْتِحْلَالَ فَرْجٍ أَوْ مَالٍ، أَوْ هَتْكَ عِرْضٍ أَوْ قَطْعَ رَحِمٍ أَوْ وُقُوعَ غَدْرَةٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِرَاقَ زَوْجَةٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
[الْكَبِيرَةُ التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ كُفْرَانُ نِعْمَةِ الْمُحْسِنِ]
(الْكَبِيرَةُ التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ: كُفْرَانُ نِعْمَةِ الْمُحْسِنِ) كَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَهُوَ بَعِيدٌ، يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى كُفْرَانِ نِعْمَةِ اللَّهِ ﵎ إذْ هُوَ الْمُحْسِنُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ أَيْضًا عَلَى كُفْرَانِ نِعْمَةِ مُحْسِنٍ تَجِبُ مُرَاعَاتُهُ كَالزَّوْجِ. وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِخَبَرِ النَّسَائِيّ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى امْرَأَةٍ لَا تَشْكُرُ زَوْجَهَا وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ» وَبِأَنَّهُ ﷺ جَعَلَ مِنْ مُوجِبَاتِ كَوْنِ النِّسَاءِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ كُفْرَانَهُنَّ نِعَمَ الزَّوْجِ وَأَنَّهُ لَوْ أَحْسَنَ إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْهُ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْت مِنْك خَيْرًا قَطُّ. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِيهِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ جِدًّا فَلَا بُعْدَ أَنْ يَكُونَ كُفْرَانُ نِعْمَةِ الزَّوْجِ كَبِيرَةً، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ بَعْضِهِمْ لِذَلِكَ عَلَى إطْلَاقِهِ بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ: «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» . بِرَفْعِهِمَا، أَوْ نَصْبِهِمَا، وَرَفْعِ الْأَوَّلِ
стр. 186
وَنَصْبِ الثَّانِي وَعَكْسِهِ، فَوَاضِحٌ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ لِخُصُوصِ الْكَبِيرَةِ إذْ لَا شَيْءَ فِيهِ مِنْ عَلَامَاتِهَا، وَقَوْلُهُ عَقِبَ الْحَدِيثِ: وَالشُّكْرُ بِالْمُجَازَاةِ أَوْ الثَّنَاءِ أَوْ الدُّعَاءِ. لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ: «مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ» . وَلَا يُؤَيِّدُ مَا اُسْتُدِلَّ لَهُ فَالْوَجْهُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْته مَعَ مَا فِيهِ أَيْضًا.
[الْكَبِيرَةُ السِّتُّونَ تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ]
(الْكَبِيرَةُ السِّتُّونَ: تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ ﷺ ) أَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اُحْضُرُوا الْمِنْبَرَ فَحَضَرْنَاهُ، فَلَمَّا ارْتَقَى دَرَجَةً قَالَ آمِينَ، فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّانِيَةَ قَالَ آمِينَ، فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّالِثَةَ قَالَ آمِينَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْنَا مِنْك الْيَوْمَ شَيْئًا مَا كُنَّا نَسْمَعُهُ قَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَرَضَ لِي فَقَالَ: بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ قُلْتُ آمِينَ، فَلَمَّا رَقَيْتُ الثَّانِيَةَ قَالَ بَعُدَ مَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك قُلْتُ آمِينَ، فَلَمَّا رَقَيْتُ الثَّالِثَةَ قَالَ بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ الْكِبَرُ عِنْدَهُ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ قُلْتُ آمِينَ» .
وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَلَمَّا رَقِيَ عَتَبَةً قَالَ آمِينَ، ثُمَّ رَقِيَ أُخْرَى فَقَالَ آمِينَ، ثُمَّ رَقِيَ عَتَبَةً ثَالِثَةً فَقَالَ آمِينَ، ثُمَّ قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، فَقُلْت: آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ قَالَ وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْتُ: آمِينَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ: «أَنَّهُ ﷺ ارْتَقَى عَلَى الْمِنْبَرِ فَأَمَّنَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ: تَدْرُونَ لِمَ أَمَّنْت؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: جَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: إنَّهُ مَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ قُلْت: آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا دَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ، قُلْتُ آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ دَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ فَقُلْتُ: آمِينَ» . وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ: «أَنَّهُ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: آمِينَ آمِينَ آمِينَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاك صَنَعْت شَيْئًا مَا كُنْت تَصْنَعُهُ، فَقَالَ: إنَّ
стр. 187
جِبْرِيلَ تَبَدَّى لِي فِي أَوَّلِ دَرَجَةٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَبْعَدَهُ، فَقُلْت: آمِينَ، ثُمَّ قَالَ لِي فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ: وَمَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَبْعَدَهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ، ثُمَّ تَبَدَّى لِي فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ فَقَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَبْعَدَهُ، فَقُلْتُ آمِينَ» . وَابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَاللَّفْظُ لَهُ: «أَنَّهُ ﷺ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: آمِينَ آمِينَ آمِينَ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك صَعِدْت الْمِنْبَرَ فَقُلْت آمِينَ آمِينَ آمِينَ، فَقَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَانِي فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْت: آمِينَ، وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ آمِينَ فَقُلْتُ: آمِينَ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ. «رَغَمَ» - أَيْ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ذَلَّ، أَوْ بِكَسْرِهَا لَصِقَ بِالرَّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ ذُلًّا وَهَوَانًا - «أَنْفُ مَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك، وَرَغَمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغَمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَخَطِئَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ خَطِئَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ» . وَرُوِيَ مُرْسَلًا عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ وَهُوَ أَشْبَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَنَسِيَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ خَطِئَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ» . وَابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِسَنَدٍ فِيهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ: «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ خَطِئَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ» .
وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنْ الْحُسَيْنِ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالتِّرْمِذِيُّ: وَزَادَ فِي سَنَدِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ: «الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» . وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَبْخَلِ النَّاسِ؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فَذَلِكَ أَبْخَلُ النَّاسِ» .
стр. 188
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ صَرِيحُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، لِأَنَّهُ ﷺ ذَكَرَ فِيهَا وَعِيدًا شَدِيدًا كَدُخُولِ النَّارِ، وَتَكَرُّرِ الدُّعَاءِ مِنْ جِبْرِيلَ وَالنَّبِيِّ ﷺ بِالْبُعْدِ وَالسُّحْقِ، وَمِنْ النَّبِيِّ ﷺ بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ، وَالْوَصْفِ بِالْبُخْلِ، بَلْ بِكَوْنِهِ أَبْخَلَ النَّاسِ، وَهَذَا كُلُّهُ وَعِيدٌ شَدِيدٌ جِدًّا فَاقْتَضَى أَنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ، لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَأْتِي عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي قَالَ بِهِ جَمْعٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: إنَّهُ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ كُلَّمَا ذُكِرَ. وَهُوَ صَرِيحُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ قِيلَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ كَبِيرَةٌ.
وَأَمَّا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ مِنْ عَدَمِ الْوُجُوبِ، فَهُوَ مُشْكِلٌ مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْوَعِيدُ فِيهَا عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى وَجْهٍ يُشْعِرُ بِعَدَمِ تَعْظِيمِهِ ﷺ ، كَأَنْ يَتْرُكَهَا لِاشْتِغَالِهِ بِلَهْوٍ وَلَعِبٍ مُحَرَّمٍ، فَهَذِهِ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ حَقُّهَا مِنْ الْقُبْحِ وَالِاسْتِهْتَارِ بِحَقِّهِ ﷺ مَا اقْتَضَى أَنَّ التَّرْكَ حِينَئِذٍ لِمَا اقْتَرَنَ بِهِ كَبِيرَةٌ مُفَسِّقٌ، فَحِينَئِذٍ يَتَّضِحُ أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ عَدَمِ الْوُجُوبِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا بِأَدْنَى إشَارَةٍ.
[خَاتِمَةٌ فِي سَرْدِ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ وَحَسَنَةٍ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّنَا]
ﷺ وَقَدْ اسْتَوْفَيْت جَمِيعَ مَا فِيهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي كِتَابِي: [الدُّرِّ الْمَنْضُودِ فِي فَضَائِلِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى صَاحِبِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ] قَالَ ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا. مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلْيُصَلِّ عَلَيَّ. وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا. مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا عَشْرَ سَيِّئَاتٍ وَرَفَعَهُ بِهَا عَشْرَ دَرَجَاتٍ» .
وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ عَشْرًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مِائَةً، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِائَةً كَتَبَ اللَّهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بَرَاءَةً مِنْ النِّفَاقِ وَبَرَاءَةً مِنْ النَّارِ، وَأَسْكَنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الشُّهَدَاءِ. إنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي:
стр. 189
أَلَا أُبَشِّرُك؟ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ مَنْ صَلَّى عَلَيْك صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْك سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَسَجَدْتُ لِلَّهِ شُكْرًا» .
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي يَعْلَى: «سَجَدْت لِرَبِّي شُكْرًا فِيمَا أَبْلَانِي» أَيْ أَنْعَمَ عَلَيَّ فِي أُمَّتِي «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً مِنْ أُمَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ» . زَادَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ: «وَرَفَعَهُ بِهَا عَشْرَ دَرَجَاتٍ وَكُنَّ لَهُ عِدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ» . وَفِي أُخْرَى لِلنَّسَائِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ وَالْبَزَّازِ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ أُمَّتِي صَلَاةً مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَرَفَعَهُ بِهَا عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَكَتَبَ لَهُ بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ. إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ»
أَيْ وَجَبَتْ وَتَحَتَّمَتْ مِنْهُ ﷺ لَهُ.
" مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ سَبْعِينَ صَلَاةً " قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.
«أَكْثِرُوا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ آنِفًا عَنْ رَبِّهِ فَقَالَ: مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيْك مَرَّةً وَاحِدَةً إلَّا صَلَّيْتُ أَنَا وَمَلَائِكَتِي عَلَيْهِ عَشْرًا» .
«إنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ حَيْثُمَا كُنْتُمْ، فَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي» . «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ بَلَغَتْنِي صَلَاتُهُ وَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ وَكُتِبَ لَهُ سِوَى ذَلِكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» . «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ إلَيَّ رُوحِي - أَيْ نُطْقِي إذْ الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ - حَتَّى أَرُدَّ ﵇» .
وَفِي رِوَايَةٍ فِيهَا مَجْهُولٌ: «إنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِقَبْرِي مَلَكًا أَعْطَاهُ أَسْمَاعَ الْخَلَائِقِ فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ أَحَدٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلَّا بَلَّغَنِي بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ: هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَدْ صَلَّى عَلَيْك» . «إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» . «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا صَلَّى عَلَيَّ فَلْيُقْلِلْ عَبْدٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرْ» .
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا ذَهَبَ رُبُعُ اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اُذْكُرُوا اللَّهَ
стр. 190
جَاءَتْ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ. قَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَك مِنْ صَلَاتِي؟ قَالَ: مَا شِئْت. قُلْت: الرُّبُعُ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَك. قَالَ النِّصْفُ؟ قَالَ مَا شِئْت وَإِنْ زِدْت فَهُوَ خَيْرٌ لَك. قَالَ: أَجْعَلُ لَك صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: إذًا تُكْفَى مَا هَمَّك وَيُغْفَرُ لَك ذَنْبُك» .
«وَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت إنْ جَعَلْتُ صَلَاتِي كُلَّهَا عَلَيْك؟ قَالَ: إذًا يَكْفِيَك اللَّهُ ﵎ مَا أَهَمَّكَ مِنْ دُنْيَاك وَآخِرَتِك» . «أَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ صَدَقَةٌ فَلْيَقُلْ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِك وَرَسُولِك وَصَلِّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ فَإِنَّهَا زَكَاةٌ» .
وَقَالَ: «لَا يَشْبَعُ مُؤْمِنٌ مِنْ خَيْرٍ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الْجَنَّةَ أَكْثِرُوا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ الْمَلَائِكَةُ وَإِنَّ أَحَدًا لَنْ يُصَلِّيَ عَلَيَّ إلَّا عُرِضَتْ عَلَيَّ صَلَاتُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا. قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: قُلْتُ وَبَعْدَ الْمَوْتِ. قَالَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ» . «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ صَلَاةَ أُمَّتِي تُعْرَضُ عَلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً كَانَ أَقْرَبَهُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً» . «مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَم وَفِيهِ قُبِضَ وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْك وَقَدْ أَرَمْت؟ - أَيْ بِفَتْحِ أَوَّلَيْهِ أَوْ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ فَكَسْرِ الرَّاءِ يَعْنِي بَلِيتَ - فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ» .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ: «مَنْ قَالَ جَزَى اللَّهُ عَنَّا مُحَمَّدًا مَا هُوَ أَهْلُهُ أَتْعَبَ سَبْعِينَ كَاتِبًا أَلْفَ صَبَاحٍ» . وَأَبُو يَعْلَى: «مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَيُصَلِّيَانِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إلَّا لَمْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يُغْفَرَ لَهُمَا ذُنُوبُهُمَا مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَمَا تَأَخَّرَ» .
[الْكَبِيرَةُ الْحَادِيَةُ وَالسِّتُّونَ قَسْوَةُ الْقَلْبِ]
(الْكَبِيرَةُ الْحَادِيَةُ وَالسِّتُّونَ: قَسْوَةُ الْقَلْبِ بِحَيْثُ تَحْمِلُ صَاحِبَهَا عَلَى مَنْعِ إطْعَامِ الْمُضْطَرِّ مَثَلًا) أَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اُطْلُبُوا الْمَعْرُوفَ مِنْ
стр. 191
رُحَمَاءِ أُمَّتِي تَعِيشُوا فِي أَكْنَافِهِمْ، وَلَا تَطْلُبُوهُ مِنْ الْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، يَا عَلِيُّ إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْمَعْرُوفَ وَخَلَقَ لَهُ أَهْلًا فَحَبَّبَهُ إلَيْهِمْ وَحَبَّبَ إلَيْهِمْ فِعَالَهُ وَوَجَّهَ إلَيْهِمْ طُلَّابَهُ كَمَا وَجَّهَ الْمَاءَ إلَى الْأَرْضِ الْجَدْبَةِ لِيُحْيِيَ بِهِ أَهْلَهَا، وَإِنَّ أَهْلَ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ» .
وَالْخَرَائِطِيُّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ: «اُطْلُبُوا الْحَوَائِجَ عِنْدَ الرُّحَمَاءِ مِنْ أُمَّتِي تَعِيشُوا فِي أَكْنَافِهِمْ فَإِنَّ فِيهِمْ رَحْمَتِي، وَلَا تَطْلُبُوهَا مِنْ الْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ سَخَطِي» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ صَرِيحُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، فَإِنَّ اللَّعْنَةَ وَالسَّخَطَ مِنْ أَمَارَاتِ الْكَبِيرَةِ، لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي حَمْلُ الْقَسْوَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِمَا عَلَى مَا ذَكَرْته فِي التَّرْجَمَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ وَلَا أَشَارَ إلَيْهِ.
[الْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ وَالسِّتُّونَ الرِّضَا بِكَبِيرَةٍ مِنْ الْكَبَائِرِ أَوْ الْإِعَانَةُ عَلَيْهَا]
(الْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ وَالسِّتُّونَ: الرِّضَا بِكَبِيرَةٍ مِنْ الْكَبَائِرِ أَوْ الْإِعَانَةُ عَلَيْهَا بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ) وَذِكْرِي لِهَذَيْنِ ظَاهِرٌ مَعْلُومٌ مِنْ كَلَامِهِمْ فِيمَا يَأْتِي فِي بَحْثِ تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ.
[الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ مُلَازَمَةُ الشَّرِّ وَالْفُحْشِ]
(الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ: مُلَازَمَةُ الشَّرِّ وَالْفُحْشِ حَتَّى يَخْشَاهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ) أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ النَّاسُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ» .
وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: «الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ - أَيْ الْفُحْشُ - مِنْ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ» .
وَأَحْمَدُ: «إنَّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ لَيْسَا مِنْ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إسْلَامًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» .
стр. 192
[الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةُ وَالسِّتُّونَ كَسْرُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ]
ِ) كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨] . نَقَلَ الْمُفَسِّرُونَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّرَاهِمَ.
وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُد: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سِكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إلَّا مِنْ بَأْسٍ» ، انْتَهَى. وَلَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ بَلْ الْكَلَامُ فِي حُرْمَةِ ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ كَبِيرَةً، وَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إلَّا إنْ كَانَ فِيهِ نَقْصٌ لَقِيمَتِهَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ إنْ صَحَّ.
[الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالسِّتُّونَ ضَرْبُ نَحْوِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ عَلَى كَيْفِيَّةٍ مِنْ الْغِشِّ]
(الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالسِّتُّونَ: ضَرْبُ نَحْوِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ عَلَى كَيْفِيَّةٍ مِنْ الْغِشِّ الَّتِي لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهَا النَّاسُ لَمَا قَبِلُوهَا) وَذِكْرِي لِهَذَا ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ دَلَائِلَ الْغِشِّ الْآتِيَةَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ تَشْمَلُ هَذَا، وَأَيْضًا فَفِيهِ أَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، إذْ غَالِبُ الْمُنْهَمِكِينَ عَلَى ضَرْبِ الْكِيمْيَاءِ أَنَّهُمْ لَا يُحْسِنُونَهَا وَإِنَّمَا يَصْبُغُونَ، أَوْ يَلْبَسُونَ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْغِشِّ الْمُسْتَلْزِمِ لِتَغْرِيرِ النَّاسِ وَأَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ. وَلِذَلِكَ تَجِدُهُمْ قَدْ مَحَقَهُمْ اللَّهُ الْبَرَكَةَ وَسَحَقَهُمْ فَلَا يَسْتَتِرُ لَهُمْ عَوَارٌ وَلَا تُحْمَدُ لَهُمْ آثَارٌ وَلَا يُقَرُّ لَهُمْ فِي مَحَلٍّ قَرَارٌ، بَلْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِأَقْبَحِ وَصْفٍ وَحُرِمُوا الْجَنَّةَ لِأَنَّهُمْ أَخْلَصُوا الْقَصْدَ فِي مَحَبَّةِ الدُّنْيَا وَتَحْصِيلِهَا بِالْبَاطِلِ، وَرَضُوا بِغِشِّ الْمُسْلِمِينَ وَأَكْلِ أَمْوَالِهِمْ وَضَيَاعِهَا فِيمَا لَيْسَ بِطَائِلٍ، فَوَفَّقَهُمْ اللَّهُ لِاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَسُلُوكِ سَبِيلِهِ وَمُجَانَبَةِ الْبَاطِلِ وَقَبِيلِهِ. سِيَّمَا أَهْلُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ الرَّذِيلَةِ الَّتِي أَوْسَعُوا فِي طُرُقِ تَحْصِيلِهَا الْحِيلَةَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَزْدَادُونَ إلَّا فَقْرًا وَلَا يَذُوقُونَ فِيهَا إلَّا ذُلًّا وَقَهْرًا، وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ لِطَاعَتِهِ آمِينَ.
стр. 193
[الْبَابُ الثَّانِي فِي الْكَبَائِرِ الظَّاهِرَةِ] [ الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ الْأَكْلُ أَوْ الشُّرْبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ]
ِ وَقَدْ عَزَمْت أَنْ أُرَتِّبَهَا عَلَى تَرْتِيبِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ لِيَسْهُلَ الْكَشْفُ عَنْهَا كِتَابُ الطَّهَارَةِ بَابُ الْآنِيَةِ (الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ: الْأَكْلُ أَوْ الشُّرْبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ) أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ - أَيْ يُصَوِّتُ - فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . زَادَ الطَّبَرَانِيُّ: «إلَّا أَنْ يَتُوبَ» . وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ. «نُهِيَ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي إنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» . وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إنَاءِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَشْرَبُ فِي إنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ» .
تَنْبِيهَاتٌ: مِنْهَا: عَدُّ هَذَا كَبِيرَةً هُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّ تَصْوِيتَ النَّارِ فِي جَوْفِهِ الْمُتَوَعَّدَ بِهِ عَلَى ذَلِكَ عَذَابٌ شَدِيدٌ. ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ صَلَاحَ الدِّينِ الْعَلَائِيَّ صَرَّحَ بِمَا ذَكَرْته مِنْ تَوْجِيهِ كَوْنِ ذَلِكَ كَبِيرَةً وَزَادَ نَقْلَهُ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَتَبِعَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ فَقَالَ: قَالَ الشَّيْخُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ: وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الشُّرْبَ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَبِيرَةٌ وَهُوَ مُنْطَبِقٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَا تُوُعِّدَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ كَبِيرَةٌ انْتَهَى. وَنَقَلَ ذَلِكَ الدَّمِيرِيُّ فِي مَنْظُومَتِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ أَيْضًا فَقَالَ:
стр. 194
وَعَدَّ مِنْهُنَّ ذَوُو الْأَعْمَالِ ... آنِيَةَ النَّقْدَيْنِ فِي اسْتِعْمَالِ
لَكِنَّ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلُوهُ عَنْ الْجُمْهُورِ: أَنَّ ذَلِكَ صَغِيرَةٌ.
وَمِنْهَا: ذِكْرُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي الْحَدِيثِ مِثَالٌ وَلِذَا أَلْحَقُوا بِهِمَا سَائِرَ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ وَأَلْحَقُوا بِالِاسْتِعْمَالِ الِاقْتِنَاءَ أَيْضًا فَيَحْرُمُ لِأَنَّ اقْتِنَاءَ ذَلِكَ يَجُرُّ إلَى اسْتِعْمَالِهِ كَاقْتِنَاءِ آلَةِ اللَّهْوِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِنَاءِ كُلُّ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي أَمْرٍ وُضِعَ لَهُ عُرْفًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمِرْوَدُ وَالْمُكْحُلَةُ وَالْخِلَالُ وَمَا يُخْرَجُ بِهِ وَسَخُ الْأُذُنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. نَعَمْ إنْ كَانَ بِعَيْنِهِ أَذًى، وَقَالَ لَهُ طَبِيبٌ عَدْلٌ: إنَّ الِاكْتِحَالَ بِمِرْوَدِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ يَنْفَعُ ذَلِكَ حَلَّ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَمَحَّضُ الْإِنَاءِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ، بَلْ لَوْ غُشِّيَ إنَاءٌ نَحْوُ نُحَاسٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِحَيْثُ سَتَرَ عَيْنَهُ وَكَانَ يَتَحَصَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ لَوْ عُرِضَ عَلَى النَّارِ حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ إنَاءِ النَّقْدَيْنِ، وَالْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِهِ الْعَيْنُ وَالْخُيَلَاءُ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ غُشِّيَ إنَاءُ النَّقْدِ بِنَحْوِ نُحَاسٍ حَتَّى عَمَّهُ جَمِيعَهُ حَلَّ اسْتِعْمَالُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَحَصَّلْ مِنْهُ شَيْءٌ بِالنَّارِ كَمَا لَوْ صَدِئَ إنَاءُ الذَّهَبِ وَعَمَّهُ الصَّدَأُ فَإِنَّهُ يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ لِفَوَاتِ أَحَدِ جُزْأَيْ الْعِلَّةِ وَهُوَ الْخُيَلَاءُ، وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ الْأَوَانِي النَّفِيسَةِ الْمُثَمَّنَةِ كَالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ لِانْتِفَاءِ الْعَيْنِ وَلَا نَظَرَ لِوُجُودِ الْخُيَلَاءِ فِيهَا لِأَنَّهُ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي، عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ إلَّا الْخَوَاصُّ فَلَا تَنْكَسِرُ بِاسْتِعْمَالِهِ قُلُوبُ الْفُقَرَاءِ لِأَنَّهُمْ لَوْ رَأَوْهُ لَمْ يَعْرِفْهُ غَالِبُهُمْ بِخِلَافِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَلَوْ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ لَأَدَّى إلَى كَسْرِ قُلُوبِهِمْ.
وَمِنْهَا: لَا فَرْقَ فِي تَحْرِيمِ مَا مَرَّ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْمُكَلَّفِينَ وَغَيْرِهِمْ حَتَّى يَحْرُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْقِيَ طِفْلَهَا فِي مِسْعَطِ فِضَّةٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ مَا مَرَّ الضَّبَّةُ الصَّغِيرَةُ عُرْفًا لِلزِّينَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ فِضَّةٍ فَإِنَّهَا تَحِلُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، لِأَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ بِهِ ضَبَّةٌ، وَأَصْلُ الضَّبَّةِ مَا يُصْلَحُ بِهِ خَلَلُ الْإِنَاءِ كَشَرِيطٍ يُشَدُّ بِهِ كَسْرُهُ أَوْ خَدْشُهُ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى مَا هُوَ لِلزِّينَةِ تَوَسُّعًا، وَكَذَا تَحِلُّ ضَبَّةٌ لِحَاجَةٍ لَكِنْ تُكْرَهُ إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً؛ وَلَيْسَ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ الْمُحَرَّمِ مَا يُتَلَقَّى بِالْفَمِ أَوْ الْيَدِ مِنْ مَاءِ مِيزَابِ الْكَعْبَةِ النَّازِلِ مِنْهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ اسْتِعْمَالًا عُرْفًا، وَلَا الْجُلُوسُ تَحْتَ سَقْفٍ مُمَوَّهٍ بِمَا لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. وَالْحِيلَةُ فِي حِلِّ اسْتِعْمَالِ آنِيَةِ النَّقْدِ أَنْ يُصَبَّ مِمَّا فِيهِ فِي الْيَدِ الْيَسَارِ أَوْ فِي إنَاءٍ
стр. 195
ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْهُ بِيَمِينِهِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُسَمَّى عُرْفًا مُسْتَعْمِلًا لِإِنَاءِ النَّقْدِ ". نَعَمْ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ إنَّمَا تَمْنَعُ حُرْمَةَ مُبَاشَرَةِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ الْإِنَاءِ. أَمَّا حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِهِ بِوَضْعِ مَظْرُوفِهِ فِيهِ وَحُرْمَةُ اتِّخَاذِهِ فَلَا حِيلَةَ فِيهِمَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ، وَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلَامِهِمْ نَفْعُ هَذِهِ الْحِيلَةِ فِي الْكُلِّ.
[بَابُ الْأَحْدَاثِ]
[الْكَبِيرَةُ الثَّامِنَةُ وَالسِّتُّونَ نِسْيَانُ الْقُرْآنِ]
بَابُ الْأَحْدَاثِ (الْكَبِيرَةُ الثَّامِنَةُ وَالسِّتُّونَ: نِسْيَانُ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ مِنْهُ بَلْ أَوْ حَرْفٍ) أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا» . وَأَبُو دَاوُد عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: «مَا مِنْ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْسَاهُ إلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ» . وَأَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إنَّ مِنْ أَكْبَرِ ذَنْبٍ تُوَافَى بِهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَسُورَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَانَتْ مَعَ أَحَدِهِمْ فَنَسِيَهَا» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُغِيثٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الذُّنُوبُ فَلَمْ أَرَ فِيهَا شَيْئًا أَعْظَمَ مِنْ حَامِلِ الْقُرْآنِ وَتَارِكِهِ» : أَيْ بَعْدَ مَا كَانَ حَامِلَهُ بِأَنْ نَسِيَهُ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْسَاهُ إلَّا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ» . وَأَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ» . تَنْبِيهَاتٌ: عَدُّ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ كَبِيرَةً هُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: إنَّ حَدِيثَ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا» فِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ انْتَهَى. وَكَلَامُ التِّرْمِذِيِّ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ قَوْلُهُ عَقِبَهُ " غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا
стр. 196
مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَذَاكَرْتُ بِهِ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ: أَيْ الْبُخَارِيَّ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَاسْتَغْرَبَهُ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا نَعْرِفُ لِلْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ أَيَّ رِوَايَةٍ سَمَاعًا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَأَنْكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ أَنْ يَكُونَ الْمُطَّلِبُ سَمِعَ مِنْ أَنَسٍ. " انْتَهَى كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مُرَادَ النَّوَوِيِّ بِقَوْلِهِ " فِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ " أَيْ انْقِطَاعٌ لَا ضَعْفٌ فِي الرَّاوِي الَّذِي هُوَ الْمُطَّلِبُ لِأَنَّهُ ثِقَةٌ كَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ. لَكِنْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ: لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ لِأَنَّهُ يُرْسِلُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ كَثِيرًا وَلَيْسَ لَهُ لِقِيٌّ. وَبَيَّنَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ رَاوِيَهُ عَنْ الْمُطَّلِبِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ الْمُطَّلِبِ شَيْئًا كَمَا أَنَّ الْمُطَّلِبَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَنَسٍ شَيْئًا فَلَمْ يَثْبُتْ الْحَدِيثُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ شَيْئًا يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْحَافِظِ الْمُنْذِرِيِّ: إنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَحَدِيثُ: «مَا مِنْ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْسَاهُ إلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ» فِيهِ انْقِطَاعٌ وَإِرْسَالٌ أَيْضًا، وَسُكُوتُ أَبِي دَاوُد عَلَيْهِ مُعْتَرَضٌ بِأَنَّ فِيهِ يَزِيدَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ وَلَيْسَ صَالِحًا لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ عِنْدَ كَثِيرِينَ. لَكِنْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْآجُرِّيُّ عَنْ أَبِي دَاوُد لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَرَكَ حَدِيثَهُ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: هُوَ مِنْ شِيعَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَمَعَ ضَعْفِهِ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ انْتَهَى، وَبِالتَّعْبِيرِ فِيهِ بِامْرِئٍ الشَّامِلِ لِلرَّجُلِ وَغَيْرِهِ يُعْلَمُ أَنَّ ذِكْرَ الرَّجُلِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا إنَّمَا هُوَ لِلْغَالِبِ.
وَمِنْهَا: الظَّاهِرُ مِنْ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلرَّافِعِيِّ عَلَى مَا مَرَّ عَنْهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتَرِضْهُ فِي الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا أَفَادَ أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ عَلَى مَا مَرَّ، وَمِنْ ثَمَّ جَرَى مُخْتَصِرُو الرَّوْضَةِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَبِهِ يَتَّضِحُ قَوْلُ الصَّلَاحِ الْعَلَائِيِّ فِي قَوَاعِدِهِ: إنَّ النَّوَوِيَّ قَالَ: اخْتِيَارِي أَنَّ نِسْيَانَ الْقُرْآنِ مِنْ الْكَبَائِرِ لِحَدِيثٍ فِيهِ انْتَهَى، فَأَرَادَ بِاخْتِيَارِهِ لِذَلِكَ أَنَّهُ أَقَرَّ الرَّافِعِيَّ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مُشْعِرٌ بِاخْتِيَارِهِ وَاعْتِمَادِهِ. نَعَمْ قَوْلُهُ " لِحَدِيثٍ فِيهِ " فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَرْهُ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ، كَيْفَ وَهُوَ مُصَرِّحٌ بِضَعْفِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَالطَّعْنِ فِيهِ، وَإِنَّمَا سَبَبُ تَقْرِيرِهِ لِلرَّافِعِيِّ عَلَى ذَلِكَ اتِّضَاحُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ فِي دَلِيلِهِ شَيْءٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي مَرَّ أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا وَإِرْسَالًا، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ تَعْدَادِ طُرُقِهِ الَّتِي أَشَرْت إلَيْهَا فِيمَا مَرَّ جَبْرُ مَا فِيهِ. وَبِمَا وَجَّهْت بِهِ كَلَامَ الْعَلَائِيِّ مَعَ النَّظَرِ فِيهِ مِنْ الْجِهَةِ السَّابِقَةِ يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ الْجَلَالِ الْبُلْقِينِيِّ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ اخْتِيَارُ
стр. 197
كَوْنِهِ كَبِيرَةً خِلَافًا لِلْعَلَائِيِّ، وَبِذَلِكَ أَيْضًا يُرَدُّ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ: إنَّهُ فِي الرَّوْضَةِ خَالَفَ الرَّافِعِيَّ فِي كَوْنِ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ كَبِيرَةً.
وَمِنْهَا: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْأَجْذَمُ الْمَقْطُوعُ الْيَدِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْأَجْذَمُ هَاهُنَا الْمَجْذُومُ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: مَعْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُ وَلَا خَيْرَ فِيهِ.
وَجَاءَ مِثْلُهُ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ.
وَمِنْهَا: قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا: مَحَلُّ كَوْنِ نِسْيَانِهِ كَبِيرَةً عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ إذَا كَانَ عَنْ تَكَاسُلٍ وَتَهَاوُنٍ انْتَهَى، وَكَأَنَّهُ احْتَرَزَ بِذَلِكَ عَمَّا لَوْ اشْتَغَلَ عَنْهُ بِنَحْوِ إغْمَاءٍ أَوْ مَرَضٍ مَانِعٍ لَهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ مَا لَا يَتَأَتَّى مَعَهُ الْقِرَاءَةُ، وَعَدَمُ التَّأْثِيمِ بِالنِّسْيَانِ حِينَئِذٍ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَيْهِ لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِيهِ بِوَجْهٍ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَغَلَ عَنْهُ بِمَا يُمْكِنُهُ الْقِرَاءَةُ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ مَا اشْتَغَلَ بِهِ أَهَمَّ وَآكَدَ كَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ الْعَيْنِيِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ تَعَلُّمِهِ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَنْ الْقُرْآنِ الْمَحْفُوظِ حَتَّى نَسِيَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ نِسْيَانَ آيَةٍ مِنْهُ كَبِيرَةٌ أَيْضًا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ حَفِظَهُ بِصِفَةٍ مِنْ إتْقَانٍ أَوْ تَوَسُّطٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَأَنْ كَانَ يَتَوَقَّفُ فِيهِ أَوْ يَكْثُرُ غَلَطُهُ فِيهِ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ الَّتِي حَفِظَهُ عَلَيْهَا فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ إلَّا نَقْصُهَا مِنْ حَافِظَتِهِ، أَمَّا زِيَادَتُهَا عَلَى مَا كَانَ فِي حَافِظَتِهِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا مُؤَكَّدًا يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهِ لِمَزِيدِ فَضْلِهِ إلَّا أَنَّ عَدَمَهُ لَا يُوجِبُ إثْمًا.
وَحَمَلَ أَبُو شَامَةَ شَيْخُ النَّوَوِيِّ وَتِلْمِيذُ ابْنِ الصَّلَاحِ الْأَحَادِيثَ فِي ذَمِّ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ، لِأَنَّ النِّسْيَانَ هُوَ التَّرْكُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] قَالَ: وَلِلْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا: الشَّفَاعَةُ لِمَنْ قَرَأَهُ وَلَمْ يَنْسَ الْعَمَلَ بِهِ. وَالثَّانِيَةُ: الشِّكَايَةُ عَلَى مَنْ نَسِيَهُ: أَيْ تَرَكَهُ تَهَاوُنًا بِهِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ، قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَنْ تَهَاوَنَ بِهِ حَتَّى نَسِيَ تِلَاوَتَهُ كَذَلِكَ انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ النِّسْيَانِ الْوَاقِعِ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فَهُوَ الْمُرَادُ مِنْهَا خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ. وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ لِمَنْ أَخَذَ الْقُرْآنَ ثُمَّ رَفَضَهُ وَنَامَ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي النِّسْيَانِ أَيْضًا.
وَمِنْهَا: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا يُقَالُ حِفْظُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى الْأَعْيَانِ، فَكَيْفَ يُذَمُّ مَنْ تَغَافَلَ عَنْ حِفْظِهِ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: مَنْ جَمَعَهُ فَقَدْ عَلَتْ رُتْبَتُهُ وَشَرُفَ فِي
стр. 198
نَفْسِهِ وَقَوْمِهِ، وَكَيْفَ لَا؟ وَمَنْ حَفِظَهُ فَقَدْ أُدْرِجَتْ النُّبُوَّةُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ، وَصَارَ مِمَّنْ يُقَالُ: فِيهِ هُوَ مِنْ أَهْلِ اللَّهِ وَخَاصَّتِهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمِنْ الْمُنَاسِبِ تَغْلِيظُ الْعُقُوبَةِ عَلَى مَنْ أَخَلَّ بِمَرْتَبَتِهِ الدِّينِيَّةِ، وَمُؤَاخَذَتُهُ بِمَا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ غَيْرُهُ، وَتَرْكُ مُعَاهَدَةِ الْقُرْآنِ يُؤَدِّي إلَى الْجَهَالَةِ انْتَهَى.
[الْكَبِيرَةُ التَّاسِعَةُ وَالسِّتُّونَ الْجِدَالُ وَالْمِرَاءُ]
(الْكَبِيرَةُ التَّاسِعَةُ وَالسِّتُّونَ: الْجِدَالُ وَالْمِرَاءُ وَهُوَ الْمُخَاصَمَةُ، وَالْمُحَاجَجَةُ، وَطَلَبُ الْقَهْرِ، وَالْغَلَبَةِ فِي الْقُرْآنِ أَوْ الدِّينِ) أَخْرَجَ الطَّيَالِسِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لَا تُجَادِلُوا فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ جِدَالًا فِيهِ كُفْرٌ» . وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «الْجِدَالُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ» . وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ عَنْهُ أَيْضًا، «الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ» . وَالسِّجْزِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «نُهِيَ عَنْ الْجِدَالِ فِي الْقُرْآنِ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «دَعُوا الْمِرَاءَ فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ الْأُمَمَ قَبْلَكُمْ لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى اخْتَلَفُوا فِي الْقُرْآنِ، إنَّ مِرَاءً فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ: «لَا تُمَارُوا فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ الْمِرَاءَ فِيهِ كُفْرٌ» . وَالدَّيْلَمِيُّ: «لَا تُجَادِلُوا فِي الْقُرْآنِ وَلَا تُكَذِّبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَوَاَللَّهِ إنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُجَادِلُ بِهِ فَيُغْلَبُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ لَيُجَادِلُ بِهِ فَيُغَالِبُ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَوْمٍ يَتَنَازَعُونَ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ يَا قَوْمُ بِهَذَا هَلَكَتْ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ مِنْ الْقُرُونِ، إنَّ الْقُرْآنَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَفِيهِ مَنْ اُخْتُلِفَ فِي تَوْثِيقِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَتَذَاكَرُ يَنْزِعُ هَذَا بِآيَةٍ وَيَنْزِعُ هَذَا بِآيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا يُنْقَعُ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ، فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ أَبِهَذَا بُعِثْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُمِرْتُمْ؟ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» وَصَحَّ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إلَّا أُوتُوا الْجِدَالَ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا﴾ [الزخرف: ٥٨] » .
وَرَوَى الشَّيْخَانِ: «إنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ - أَيْ الشَّدِيدُ
стр. 199
الْخُصُومَةِ - الَّذِي يُحِجُّ مُخَاصِمَهُ» .
وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ : «إنَّ عِيسَى قَالَ: إنَّمَا الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ، أَمْرٌ تَبَيَّنَ لَك رُشْدُهُ فَاتَّبِعْهُ، وَأَمْرٌ تَبَيَّنَ لَك غَيُّهُ فَاجْتَنِبْهُ، وَأَمْرٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَرُدَّهُ إلَى عَالِمِهِ» .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ قَالُوا: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا وَنَحْنُ نَتَمَارَى فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ ثُمَّ انْتَهَرَنَا فَقَالَ: مَهْلًا يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ. إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا، ذَرُوا الْمِرَاءَ لِقِلَّةِ خَيْرِهِ، ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُمَارِي، ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ الْمُمَارِيَ قَدْ تَمَّتْ خَسَارَتُهُ، ذَرُوا الْمِرَاءَ فَكَفَى إثْمًا أَنْ لَا تَزَالَ مُمَارِيًا، ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ الْمُمَارِيَ لَا أَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ذَرُوا الْمِرَاءَ فَأَنَا زَعِيمٌ بِثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ فِي الْجَنَّةِ: فِي رَبَاضِهَا - أَيْ أَسْفَلِهَا وَوَسَطِهَا، وَأَعْلَاهَا، لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ صَادِقٌ، ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ مَا نَهَانِي عَنْهُ رَبِّي بَعْدَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ الْمِرَاءُ» الْحَدِيثَ، وَقَوْلُهُ: «بَعْدَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ» لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ ﷺ عَبَدَهَا حَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ، إذْ الْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ مِنْ الْكُفْرِ بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا كَبِيرَةً لَمْ أَرَ مَنْ سَبَقَنِي إلَيْهِ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كَمَا تَرَى ظَاهِرَةٌ فِي ذَلِكَ، وَالْحَدِيثُ الْأَخِيرُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا إلَّا أَنَّهُ يُعَضِّدُهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ عِنْدَ اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» .
وَقَدْ أَخَذَ جَمْعٌ عَدَّ الْوَطْءِ فِي دُبُرِ الْحَلِيلَةِ كَبِيرَةً مِنْ نَظِيرِ هَذَا وَهُوَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْآتِيَةِ بِأَنَّهُ كُفْرٌ، فَكَذَا يُقَالُ هُنَا: إنَّ تَسْمِيَتَهُ كُفْرًا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَبِيرَةٌ، بَلْ مَا هُنَا أَوْلَى لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْكُفْرِ الْحَقِيقِيِّ مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ، لِأَنَّ الْجِدَالَ وَالْمِرَاءَ فِي الْقُرْآنِ إنْ أَدَّى إلَى اعْتِقَادِ وُقُوعِ تَنَاقُضٍ حَقِيقِيٍّ أَوْ اخْتِلَالٍ فِي نَظْمِهِ كَانَ كُفْرًا حَقِيقِيًّا وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا أَوْهَمَ بِهِ النَّاسَ تَنَاقُضًا أَوْ اخْتِلَالًا، أَوْ أَدْخَلَ بِالْكَلَامِ فِي الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ شُبْهَةً وَنَحْوَهَا، فَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا حَقِيقِيًّا إلَّا أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً لِعِظَمِ ضَرَرِهِ فِي الدِّينِ، وَأَدَائِهِ إلَى سُلُوكِ سَبِيلِ الْمُلْحِدِينَ. وَلَقَدْ ضَرَبَ عُمَرُ ﵁ مَنْ أَرَادَ إدْخَالَ أَدْنَى شُبْهَةٍ عَلَى النَّاسِ بِسُؤَالِهِ عَنْ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وَعَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ [يس: ٦٥] مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤]
стр. 200
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] وَنَفَاهُ مِنْ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ خَشِيَ مِنْ فَتْحِ هَذَا الْبَابِ أَنْ يَتَطَرَّقَ النَّاسُ إلَى اعْتِقَادِ نَوْعِ نَقْصٍ فِي الْقُرْآنِ الْمُنَزَّهِ الْمُكَرَّمِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْجِدَالَ فِيهِ إمَّا كُفْرٌ أَوْ عَظِيمُ الضَّرَرِ فِي الدِّينِ فَكَانَ إمَّا كُفْرًا أَوْ كَبِيرَةً.
وَبِذَلِكَ صَحَّ مَا ذَكَرْته وَاتَّضَحَ مَا حَرَّرْته وَاَللَّهُ - تَعَالَى - الْمُوَفِّقُ. ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ عَدَّ الْخِصَامَ مِنْ الْكَبَائِرِ كَمَا سَيَأْتِي وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته.
[خَاتِمَةٌ فِي بَعْضِ أَحَادِيثَ مُنَبِّهَةٍ عَلَى أُمُورٍ مُهِمَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْقُرْآنِ]
ِ: أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: «تَذَاكَرُوا الْقُرْآنَ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِهَا» . وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ: «تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ وَحْشِيٌّ فَلَهُوَ أَسْرَعُ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ الْإِبِلِ مِنْ عُقُلِهَا» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْخَطِيبُ: «تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ الْإِبِلِ النَّوَازِعِ إلَى أَوْطَانِهَا» .
وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ: «لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» أَيْ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَتَأَمَّلُ مَعَانِيَهُ وَلَا يُحَكِّمُ مَبَانِيَهُ.
وَالطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ: «لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ» . وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ» .
وَمُسْلِمٌ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ» .
وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا: «بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ» . وَأَيْضًا: «نُهِيَ أَنْ يُسَافِرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» .
وَالتِّرْمِذِيُّ: «مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ» .
وَالْبَيْهَقِيُّ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لِيَأْكُلَ بِهِ أَمْوَالَ النَّاسِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ لَيْسَ عَلَيْهِ لَحْمٌ» . وَالْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «عَلَّمْتُ رَجُلًا الْقُرْآنَ فَأَهْدَى إلَيَّ قَوْسًا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنْ أَخَذْتَهَا أَخَذْتَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ» .
стр. 201
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَابْنِ مَنِيعٍ وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَالطَّبَرَانِيِّ وَالْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ وَأَبِي يَعْلَى عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بِمِثْلِ قِصَّةِ أُبَيِّ: «إنْ كُنْت تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ بِهَا طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَخُذْهَا» . وَأَبُو نُعَيْمٍ «إنْ أَرَدْت أَنْ يُقَلِّدَك اللَّهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ فَخُذْهَا» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «مَنْ يَأْخُذْ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ قَوْسًا قَلَّدَهُ اللَّهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ» .
وَأَبُو نُعَيْمٍ: «مَنْ أَخَذَ عَلَى الْقُرْآنِ أَجْرًا فَقَدْ تَعَجَّلَ حَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَالْقُرْآنُ يُحَاجِجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَأَخَذَ جَمَاعَةٌ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَحَرَّمُوا الِاسْتِئْجَارَ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ لِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» .
وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا لَنَجِدُ لِلْقُرْآنِ مِنْك مَا لَا نَجِدُ مِنْ أَنْفُسِنَا إذَا نَحْنُ خَلَوْنَا، فَقَالَ: أَجَلْ. أَنَا أَقْرَؤُهُ لِبَطْنٍ وَأَنْتُمْ تَقْرَءُونَهُ لِظَهْرٍ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْبَطْنُ مِنْ الظَّهْرِ؟ قَالَ أَنَا أَقْرَؤُهُ وَأَتَدَبَّرُهُ وَأَعْمَلُ بِمَا فِيهِ، تَقْرَءُونَهُ أَنْتُمْ هَكَذَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَأَمَرَّهَا» . وَالسِّجْزِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ وَفِي بَعْضِ رُوَاتِهِ مَقَالٌ.
وَابْنُ السُّنِّيِّ وَالدَّيْلَمِيُّ: «حَمَلَةُ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهُمْ اتَّخَذَهُ مَتْجَرًا، وَالْآخَرُ يَزْهُو بِهِ حَتَّى لَهُوَ أَزْهَى بِهِ مِنْ مَزَامِيرَ عَلَى مِنْبَرٍ فَيَقُولُ: وَاَللَّهِ لَا أَلْحَنُ وَلَا يَعِيبُنِي فِيهِ حَرْفٌ فَتِلْكَ الطَّائِفَةُ شِرَارُ أُمَّتِي، وَحَمَلَهُ آخَرُ فَسَرْبَلَهُ جَوْفُهُ وَأَلْهَمَهُ قَلْبُهُ فَاتَّخَذَ قَلْبَهُ مِحْرَابًا، النَّاسُ مِنْهُ فِي عَافِيَةٍ وَنَفْسُهُ مِنْهُ فِي بَلَاءٍ فَأُولَئِكَ أَقَلُّ فِي أُمَّتِي مِنْ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ وَالسِّجْزِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ وَفِي رُوَاتِهِ مَقَالٌ. وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ. وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْحَسَنِ مِنْ قَوْلِهِ: «قُرَّاءُ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَاتَّخَذَهُ بِضَاعَةً اسْتَمَالَ بِهِ النَّاسَ، وَرَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَقَامَ حُرُوفَهُ، وَضَيَّعَ حُدُودَهُ، كَثُرَ هَؤُلَاءِ مِنْ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ لَا كَثَّرَهُمْ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَرَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَوَضَعَ دَوَاءَ الْقُرْآنِ عَلَى دَاءِ قَلْبِهِ فَأَسْهَرَ بِهِ لَيْلَهُ وَأَظْمَأَ بِهِ نَهَارَهُ وَقَامُوا فِي مَسَاجِدِهِمْ وَحُفُّوا بِهِ تَحْتَ بَرَانِسِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ الْبَلَاءَ وَيُنِيلُ مِنْ الْأَعْدَاءِ وَيُنَزِّلُ غَيْثَ السَّمَاءِ فَوَاَللَّهِ لَهَؤُلَاءِ مِنْ الْقُرَّاءِ أَعَزُّ مِنْ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ»
стр. 202
[بَابُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ] [ الْكَبِيرَةُ السَّبْعُونَ التَّغَوُّطُ فِي الطُّرُقِ]
ِ (الْكَبِيرَةُ السَّبْعُونَ: التَّغَوُّطُ فِي الطُّرُقِ) أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْتَيْتَنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ يُوشِكُ أَنْ تُفْتِيَنَا فِي الْخُرْءِ، فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَلَّ سَخِيمَتَهُ عَلَى طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ» .
وَالْخَطِيبُ: «مَنْ تَغَوَّطَ عَلَى حَافَّةِ نَهْرٍ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ وَيُشْرَبُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
وَأَحْمَدُ: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ، قِيلَ: مَا الْمَلَاعِنُ الثَّلَاثُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ يَقْعُدَ أَحَدُكُمْ فِي ظِلٍّ يُسْتَظَلُّ بِهِ أَوْ فِي طَرِيقٍ أَوْ فِي نَقْعِ مَاءٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ مُرْسَلَةٍ: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ» . وَفِي أُخْرَى لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ، قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ وَفِي ظِلِّهِمْ» .
أَيْ الَّذِي اتَّخَذُوهُ مَقِيلًا وَمَنْزِلًا لَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ ﷺ قَضَى حَاجَتَهُ تَحْتَ حَائِشٍ مِنْ النَّخْلِ وَهُوَ لَا مَحَالَةَ لَهُ ظِلٌّ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ.
وَفِي أُخْرَى لِابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «إيَّاكُمْ وَالتَّعْرِيسَ عَلَى جَوَادِّ الطَّرِيقِ، وَالصَّلَاةَ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا مَأْوَى الْحَيَّاتِ وَالسِّبَاعِ، وَقَضَاءَ الْحَاجَةِ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا الْمَلَاعِنُ» .
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا مِنْ الْكَبَائِرِ هُوَ مَا اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي لِمَا مَرَّ أَنَّ مِنْ أَمَائِرِ الْكَبِيرَةِ اللَّعْنَ. لَكِنَّ أَئِمَّتَنَا لَمْ يُعَوِّلُوا عَلَى ذَلِكَ لِضَعْفِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ كَمَا عُرِفَ مِمَّا مَرَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ صَغِيرَةٌ أَوْ مَكْرُوهٌ؟ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ. لَكِنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ تُرَجِّحُ الْحُرْمَةَ الَّتِي جَرَى عَلَيْهَا صَاحِبُ الْعُدَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَنَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخَانِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ وَأَقَرَّاهُ وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَفِي الْخَادِمِ: مُرَادُ صَاحِبِ الْعُدَّةِ التَّحْرِيمُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِ إيذَاءً لِلْمُسْلِمِينَ بِإِشْغَالِ الطَّرِيقِ
стр. 203
بِغَيْرِ حَقِّهِ مِنْ الطُّرُوقِ. أَمَّا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ أَدَبًا مِنْ آدَابِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فَلَا يَنْتَهِي إلَى التَّحْرِيمِ فَهُوَ ذُو وَجْهَيْنِ، هَذَا إنْ جَرَيْنَا عَلَى أَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْعُدَّةِ مَا فَهِمَهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ لَا لِكَوْنِهِ حَرَامًا. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
[الْكَبِيرَةُ الْحَادِيَةُ وَالسَّبْعُونَ عَدَمُ التَّنَزُّهِ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْبَدَنِ أَوْ الثَّوْبِ]
(الْكَبِيرَةُ الْحَادِيَةُ وَالسَّبْعُونَ: عَدَمُ التَّنَزُّهِ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْبَدَنِ أَوْ الثَّوْبِ) أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا: «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ إنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ بَلَى إنَّهُ لَكَبِيرٌ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ: «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِحَائِطٍ فَسَمِعَ صَوْتَ إنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ ﷺ : إنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى، إنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» الْحَدِيثَ.
وَفِي رِوَايَةٍ سَنَدُهَا لَا بَأْسَ إلَّا أَنَّ فِيهَا مُخْتَلَفًا فِي تَوْثِيقِهِ: «عَامَّةُ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْبَوْلِ» ، وَفِي لَفْظٍ: «مِنْ الْبَوْلِ فَاسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ» . وَفِي أُخْرَى صَحِيحَةٍ: «أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْ الْبَوْلِ» . وَفِي أُخْرَى سَنَدُهَا لَا بَأْسَ بِهِ: «اتَّقُوا الْبَوْلَ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ فِي الْقَبْرِ» .
وَفِي أُخْرَى لِأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ إذْ أَتَى عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: إنَّ صَاحِبَيْ هَذَيْنِ الْقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَأْتِيَانِي بِجَرِيدَةٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَاسْتَبَقْتُ أَنَا وَصَاحِبِي، فَأَتَيْتُهُ بِجَرِيدَةٍ، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ فَوَضَعَ فِي هَذَا الْقَبْرِ وَاحِدَةً وَفِي ذَا الْقَبْرِ وَاحِدَةً وَقَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا دَامَتَا رَطْبَتَيْنِ» .
وَفِي أُخْرَى لِأَحْمَدَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ قَالَ: وَكَانَ النَّاسُ يَمْشُونَ خَلْفَهُ قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ صَوْتَ النِّعَالِ وَقَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ فَجَلَسَ حَتَّى قَدَّمَهُمْ أَمَامَهُ، فَلَمَّا مَرَّ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ إذَا بِقَبْرَيْنِ قَدْ دَفَنُوا فِيهِمَا رَجُلَيْنِ قَالَ: فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ دَفَنْتُمْ هَاهُنَا الْيَوْمَ؟ قَالُوا: فُلَانٌ وَفُلَانٌ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ
стр. 204
الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ وَأَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا ثُمَّ جَعَلَهَا عَلَى الْقَبْرِ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: لِيُخَفِّفَ عَنْهُمَا، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ حَتَّى مَتَى هُمَا يُعَذَّبَانِ؟ قَالَ: غَيْبٌ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ، وَلَوْلَا تَمَزُّعُ قُلُوبِكُمْ وَتَزَيُّدُكُمْ فِي الْحَدِيثِ لَسَمِعْتُمْ مَا أَسْمَعُ» . وَفِي أُخْرَى لِابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «كُنَّا نَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَرَرْنَا عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَامَ فَقُمْنَا مَعَهُ، فَجَعَلَ لَوْنُهُ يَتَغَيَّرُ حَتَّى رَعَدَ كُمُّ قَمِيصِهِ، فَقُلْنَا: مَا لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَمَا تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ فَقُلْنَا: وَمَا ذَاكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذَانِ رَجُلَانِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا عَذَابًا شَدِيدًا فِي ذَنْبٍ هَيِّنٍ - أَيْ فِي ظَنِّهِمَا أَوْ هَيِّنٍ عَلَيْهِمَا اجْتِنَابُهُ - قُلْنَا: فَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ الْبَوْلِ وَكَانَ الْآخَرُ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ وَيَمْشِي بَيْنَهُمْ بِالنَّمِيمَةِ فَدَعَا بِجَرِيدَتَيْنِ مِنْ جَرَائِدِ النَّخْلِ فَجَعَلَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا دَامَتَا رَطْبَتَيْنِ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَالطَّبَرَانِيُّ - بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ - وَأَبُو نُعَيْمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعَةٌ يُؤْذُونَ أَهْلَ النَّارِ عَلَى مَا بِهِمْ مِنْ الْأَذَى يَسْعَوْنَ بَيْنَ الْحَمِيمِ وَالْجَحِيمِ يَدْعُونَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، يَقُولُ أَهْلُ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا بَالُ هَؤُلَاءِ قَدْ آذَوْنَا عَلَى مَا بِنَا مِنْ الْأَذَى قَالَ: فَرَجُلٌ يُغْلَقُ عَلَيْهِ تَابُوتٌ مِنْ جَمْرٍ، وَرَجُلٌ يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ، وَرَجُلٌ يَسِيلُ فُوهُ قَيْحًا وَدَمًا، وَرَجُلٌ يَأْكُلُ لَحْمَهُ، قَالَ: فَيُقَالُ لِصَاحِبِ التَّابُوتِ مَا بَالُ الْأَبْعَدِ قَدْ آذَانَا عَلَى مَا بِنَا مِنْ الْأَذَى، فَيَقُولُ: إنَّ الْأَبْعَدَ مَاتَ وَفِي عُنُقِهِ أَمْوَالُ النَّاسِ مَا يَجِدُ لَهَا قَضَاءً أَوْ وَفَاءً. ثُمَّ يُقَالُ لِلَّذِي يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ: مَا بَالُ الْأَبْعَدِ قَدْ آذَانَا عَلَى مَا بِنَا مِنْ الْأَذَى فَيَقُولُ: إنَّ الْأَبْعَدَ كَانَ لَا يُبَالِي أَيْنَ أَصَابَ الْبَوْلُ مِنْهُ لَا يَغْسِلُهُ» . وَيَأْتِي فِي بَحْثِ الْغِيبَةِ تَمَامُ الْحَدِيثِ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ: «أَوَ مَا عَلِمْتُمْ مَا أَصَابَ صَاحِبَ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانُوا إذَا أَصَابَهُمْ شَيْءٌ مِنْ الْبَوْلِ قَرَضُوهُ بِالْمَقَارِيضِ فَنَهَاهُمْ صَاحِبُهُمْ فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ» .
تَنْبِيهٌ: قَدْ عَلِمْت مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ عَدَمَ التَّنَزُّهِ عَنْ الْبَوْلِ كَبِيرَةٌ، وَبِهِ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَسَبَقَهُمْ إلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فَإِنَّهُ تَرْجَمَ عَلَى رِوَايَتِهِ السَّابِقَةِ بَابَ: مِنْ الْكَبَائِرِ أَنْ لَا يُسْتَنْزَهَ مِنْ الْبَوْلِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ ﷺ : «وَمَا
стр. 205
يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا لَمْ يُعَذَّبَا فِي أَمْرٍ كَانَ يَكْبُرُ عَلَيْهِمَا، أَوْ يَشُقُّ فِعْلُهُ لَوْ أَرَادَا أَنْ يَفْعَلَاهُ وَهُوَ التَّنَزُّهُ مِنْ الْبَوْلِ وَتَرْكُ النَّمِيمَةِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِي هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ لَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ فِي حَقِّ الدِّينِ وَأَنَّ الذَّنْبَ فِيهِمَا هَيِّنٌ سَهْلٌ.
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: وَلِخَوْفِ تَوَهُّمِ مِثْلِ هَذَا اسْتَدْرَكَ ﷺ فَقَالَ بَلَى إنَّهُ كَبِيرٌ. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِقَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِأَنْ يَمْشِيَ خُطُوَاتٍ أَوْ يَنْتُرَ ذَكَرَهُ أَوْ يَتَنَحْنَحَ، وَقَدْ جَرَتْ لِكُلِّ إنْسَانٍ عَادَةٌ فِي الِاسْتِبْرَاءِ لَا تَخْرُجُ فَضَلَاتُ بَوْلِهِ إلَّا بِهَا، فَلْيَفْعَلْ كُلُّ إنْسَانٍ عَادَتَهُ لَكِنْ لَا يَنْبَغِي لَهُ الِاسْتِقْصَاءُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُورِثْ الْوَسْوَاسَ وَيَضُرُّ بِهِ سِيَّمَا بِالذَّكَرِ إذَا أَكْثَرَ مِنْ جَذْبِهِ، وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي غَائِطِهِ أَنْ يُبَالِغَ فِي غَسْلِ مَحَلِّهِ وَأَنْ يَسْتَرْخِيَ قَلِيلًا حَتَّى يَغْسِلَ مَا فِي تَضَاعِيفِ شَرْجِ حَلْقَةِ دُبُرِهِ، فَإِنَّ كَثِيرِينَ مِمَّنْ لَا يَسْتَرْخُونَ وَلَا يُبَالِغُونَ فِي غَسْلِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ يُصَلُّونَ بِالنَّجَاسَةِ فَيَحْصُلُ لَهُمْ ذَلِكَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ الْمَذْكُورُ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، لِأَنَّهُ إذَا تَرَتَّبَ عَلَى الْبَوْلِ فَلَأَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى الْغَائِطِ مِنْ بَابِ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَقْذَرُ وَأَفْحَشُ.
وَقَدْ حَكَى الْأَئِمَّةُ أَنَّ ابْنَ أَبِي زَيْدٍ الْمَالِكِيَّ رُئِيَ فِي النَّوْمِ فَقِيلَ لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك؟ قَالَ: غَفَرَ لِي، قِيلَ: بِمَاذَا؟ قَالَ: بِقَوْلِي فِي الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ وَأَنْ يَسْتَرْخِيَ قَلِيلًا وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَهَا، أَيْ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَرْخَى مَقْعَدَتَهُ قَلِيلًا ظَهَرَتْ تِلْكَ التَّضَاعِيفُ وَالتَّثَنِّي الَّذِي فِي فَمِ الدُّبُرِ فَيَصِلُهُ الْمَاءُ وَيُنَقِّي مَا فِيهِ بِخِلَافِ مَا إذَا غَسَلَهُ بِدُونِ ذَلِكَ، وَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَغْسِلَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَآثَارِهَا عَنْ جَمِيعِ حَدِّ الظَّاهِرِ، وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُ ذَلِكَ ثُمَّ شَمَّ فِي يَدِهِ رِيحَ النَّجَاسَةِ فَإِنْ كَانَ فِي جِرْمِ الْيَدِ الْمُبَاشِرِ لَلْمَحَلِّ وَجَبَ غَسْلُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشُمَّهَا مِنْ ذَلِكَ كَأَنْ شَمَّهَا مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ أَوْ شَكَّ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا غَسْلُ يَدِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الرِّيحَ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي لَمْ يُبَاشِرْ الدُّبُرَ.
[بَابُ الْوُضُوءِ]
[الْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةُ وَالسَّبْعُونَ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْوُضُوءِ]
بَابُ الْوُضُوءِ (الْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةُ وَالسَّبْعُونَ: تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْوُضُوءِ) أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُخَلِّلْ أَصَابِعَهُ بِالْمَاءِ خَلَّلَهَا اللَّهُ بِالنَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَرَوَاهُ فِي الْأَوْسَطِ مَرْفُوعًا وَفِي الْكَبِيرِ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ
стр. 206
حَسَنٍ بِلَفْظِ: «لَتَنْهَكُنَّ الْأَصَابِعَ بِالطَّهُورِ أَوْ لَتَنْهَكُنَّهَا النَّارُ» النَّهْكُ: الْمُبَالَغَةُ: أَيْ لَتُبَالِغُنَّ فِي غَسْلِهَا أَوْ لَتُبَالِغَنَّ النَّارُ فِي إحْرَاقِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي الْكَبِيرِ مَوْقُوفًا: «خَلِّلُوا الْأَصَابِعَ الْخَمْسَ لَا يَحْشُوهَا اللَّهُ نَارًا» .
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ « ﷺ رَأَى رَجُلًا لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَيْهِ فَقَالَ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يَتَوَضَّئُونَ مِنْ الْمِطْهَرَةِ فَقَالَ: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ فَإِنِّي سَمِعْت أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ قَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ، أَوْ وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنْ النَّارِ» . وَفِي رِوَايَةٍ مَوْقُوفَةٍ لِأَحْمَدَ وَمَرْفُوعَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنْ النَّارِ» . وَفِي أُخْرَى لِلطَّبَرَانِيِّ فِي سَنَدِهَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ «أَبِي الْهَيْثَمِ ﵁ قَالَ: رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَوَضَّأُ فَقَالَ بَطْنَ الْقَدَمِ يَا أَبَا الْهَيْثَمِ» . وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَكَذَا الْبُخَارِيُّ بِنَحْوِهِ: أَنَّهُ « ﷺ رَأَى قَوْمًا وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ فَقَالَ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ» .
وَرَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ بِسُورَةِ الرُّومِ فَلَبَسَ بَعْضُهَا فَقَالَ: إنَّمَا لَبَسَ عَلَيْنَا الشَّيْطَانُ الْقِرَاءَةَ مِنْ أَجْلِ أَقْوَامٍ يَأْتُونَ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَإِذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَأَحْسِنُوا الْوُضُوءَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ صَحِيحَةٍ أَيْضًا «فَتَرَدَّدَ فِي آيَةٍ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إنَّهُ لَبَّسَ عَلَيْنَا الْقِرَاءَةَ أَنَّ أَقْوَامًا مِنْكُمْ يُصَلُّونَ مَعَنَا لَا يُحْسِنُونَ الْوُضُوءَ، فَمَنْ شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعَنَا فَلْيُحْسِنْ الْوُضُوءَ» .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لِأَحَدٍ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِغَسْلِ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ إلَى الْمَرْفِقَيْنِ وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ» .
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: حَبَّذَا الْمُتَخَلِّلُونَ مِنْ أُمَّتِي، قَالُوا: وَمَا الْمُتَخَلِّلُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمُتَخَلِّلُونَ بِالْوُضُوءِ وَالْمُتَخَلَّلُونَ مِنْ الطَّعَامِ» . أَمَّا تَخْلِيلُ الْوُضُوءِ: فَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَبَيْنَ الْأَصَابِعِ. وَأَمَّا تَخْلِيلُ الطَّعَامِ: فَمِنْ الطَّعَامِ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَى الْمَلَكَيْنِ مِنْ أَنْ يَرَيَا بَيْنَ أَسْنَانِ صَاحِبِهِمَا طَعَامًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي.
стр. 207
تَنْبِيهٌ: اُسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ التَّوَعُّدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ وَاجِبِ غَسْلِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ، وَيُقَاسُ بِهِ بَقِيَّةُ وَاجِبَاتِ الْوُضُوءِ فَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي حَدِّ الْكَبِيرَةِ السَّابِقِ بِأَنَّهُ مَا تَوَعَّدَ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ عَدَدْتُ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ سَبَقَنِي لِذَلِكَ، لِأَنَّ أَحَدَهُمْ شَامِلٌ لَهُ عَلَى أَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ - أَعْنِي الْوَاجِبَ إجْمَاعًا أَوْ بِالنِّسْبَةِ لِاعْتِقَادِ التَّارِكِ - يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِمْ الْآتِي: إنَّ تَرْكَهَا كَبِيرَةٌ.
[بَابُ الْغُسْلِ]
[الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ وَالسَّبْعُونَ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْغُسْلِ]
بَابُ الْغُسْلِ (الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ وَالسَّبْعُونَ: تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْغُسْلِ) أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَسَدِهِ فِي جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا فِي النَّارِ» قَالَ عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْت شَعْرَ رَأْسِي، وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ ". وَابْنُ جَرِيرٍ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ» . وَالْبَيْهَقِيُّ مُرْسَلًا وَابْنُ جَرِيرٍ مَوْصُولًا: «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَبِلُّوا الشَّعْرَ وَنَقُّوا الْبَشَرَ» . وَأَحْمَدُ: «يَا عَائِشَةُ إنَّ عَلَى كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَأَحْسِنُوا الْغُسْلَ فَإِنَّهَا مِنْ الْأَمَانَةِ الَّتِي حُمِّلْتُمْ وَالسَّرَائِرِ الَّتِي اُسْتُوْدِعْتُمْ» . تَنْبِيهٌ: مَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ كَمَا تَرَى، وَبِهِ يَتَّضِحُ عَدُّ ذَلِكَ كَبِيرَةً، سِيَّمَا مَعَ مُلَاحَظَةِ مَا مَرَّ أَنَّ تَرْكَهُ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الصَّلَاةِ، نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ.
[الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالسَّبْعُونَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ]
(الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالسَّبْعُونَ: كَشْفُ الْعَوْرَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَمِنْهُ دُخُولُ الْحَمَّامِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ سَاتِرٍ لَهَا) أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ عَلَى غَائِطِهِمَا يَنْظُرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى عَوْرَةِ صَاحِبِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ: «لَا يَخْرُجْ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ - أَيْ يَأْتِيَانِهِ - كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» وَفِي سَنَدِهِمَا مَنْ رَوَى لَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ لَكِنْ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: إنَّهُ مَجْهُولٌ.
стр. 208
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ: «لَا يَخْرُجْ اثْنَانِ إلَى الْغَائِطِ فَيَجْلِسَانِ يَتَحَدَّثَانِ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» ، وَصَحَّحَ ابْنَا السَّكَنِ وَالْقَطَّانُ خَبَرَ: «إذَا تَغَوَّطَ الرَّجُلَانِ فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ» .
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ: «احْفَظْ عَوْرَتَك إلَّا مِنْ زَوْجَتِك أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُك، قِيلَ: إذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ: فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا، قِيلَ: فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ» .
وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ: «إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» .
وَالْحَاكِمُ عَنْ جَبَّارِ بْنِ صَخْرٍ ﵁: «إنَّا نُهِينَا أَنْ تُرَى عَوْرَاتُنَا» . وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ الْعَبَّاسِ ﵁: «نُهِيت أَنْ أَمْشِيَ عَارِيًّا» . وَالتِّرْمِذِيُّ: «إيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّي فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إلَّا عِنْدَ الْغَائِطِ وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إلَى أَهْلِهِ فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ» .
وَابْنُ عَسَاكِرَ: «إنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ عَلِيمٌ سِتِّيرٌ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ وَلَوْ بِجِرْمِ حَائِطٍ» . وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ: «إنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ يُحِبُّ الْحَيَاءَ سِتِّيرٌ يُحِبُّ السَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَارَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» . وَالدَّيْلَمِيُّ: «لَا تَدْخُلُنَّ الْمَاءَ إلَّا بِمِئْزَرٍ فَإِنَّ لِلْمَاءِ عَيْنَيْنِ» .
وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ بَلَغَنِي «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِأَجِيرٍ لَهُ يَغْتَسِلُ عَارِيًّا فَقَالَ: لَا أَرَاك تَسْتَحِي مِنْ رَبِّكَ، خُذْ إجَارَتَك لَا حَاجَةَ لَنَا بِك» .
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ» . وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُد: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إلَّا بِالْإِزَارِ وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» . وَفِي رِوَايَةٍ إسْنَادُهَا لَيْسَ بِذَلِكَ الْقَائِمِ كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ: «نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنْ
стр. 209
دُخُولِ الْحَمَّامَاتِ ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فِي الْمِئْزَرِ وَلَمْ يُرَخِّصْ لِلنِّسَاءِ» . وَفِي أُخْرَى صَحِيحَةٍ: «الْحَمَّامُ حَرَامٌ عَلَى نِسَاءِ أُمَّتِي» وَفِي أُخْرَى صَحِيحَةٍ أَيْضًا: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ نِسَائِكُمْ فَلَا تَدْخُلْ الْحَمَّامَ» .
وَصَحَّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ مَنَعَ لِأَجْلِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ النِّسَاءَ عَنْ الْحَمَّامِ. وَفِي أُخْرَى صَحِيحَةٍ أَيْضًا: «احْذَرُوا بَيْتًا يُقَالُ لَهُ الْحَمَّامُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ يُذْهِبُ الدَّرَنَ - أَيْ الْوَسَخَ - وَيَنْفَعُ الْمَرِيضَ، قَالَ فَمَنْ دَخَلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ» . زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي أَوَّلِهَا: «شَرُّ الْبُيُوتِ الْحَمَّامُ، تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ، وَتُكْشَفُ فِيهِ الْعَوْرَاتُ» .
وَفِي أُخْرَى صَحِيحَةٍ أَيْضًا: " إنَّ نِسَاءً مِنْ حِمْصَ أَوْ الشَّامِ دَخَلْنَ عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَقَالَتْ: أَنْتُنَّ اللَّاتِي يَدْخُلْنَ نِسَاؤُكُنَّ الْحَمَّامَاتِ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ امْرَأَةٍ تَضَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا إلَّا هَتَكَتْ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا» . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ لِأُمِّ سَلَمَةَ وَأَنَّهَا قَالَتْ لَهُنَّ - لَمَّا قُلْنَ لَهَا: وَبِالْحَمَّامَاتِ بَأْسٌ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَزَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا خَرَقَ اللَّهُ عَنْهَا سِتْرَهُ» .
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ - أَيْ مَوْطُوءَتَهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ - الْحَمَّامَ» . وَفِي أُخْرَى فِي سَنَدِهَا ابْنُ لَهِيعَةَ: «أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ سَأَلَتْهُ ﷺ عَنْ الْحَمَّامِ فَقَالَ: إنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي حَمَّامَاتٌ وَلَا خَيْرَ فِي الْحَمَّامَاتِ لِلنِّسَاءِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا تَدْخُلُهُ بِإِزَارٍ، فَقَالَ لَا؛ وَإِنْ دَخَلَتْهُ بِإِزَارٍ وَدِرْعٍ وَخِمَارٍ، وَمَا مِنْ امْرَأَةٍ تَنْزِعُ خِمَارَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا إلَّا كَشَفَتْ السِّتْرَ فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا» .
وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ: «إنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أُفُقًا، أَيْ نَاحِيَةً، فِيهَا بُيُوتٌ يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ حَرَامٌ عَلَى أُمَّتِي دُخُولُهَا، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا تُذْهِبُ الْوَصَبَ، - أَيْ
стр. 210
الْمَرَضَ -، وَتُنَقِّي الدَّرَنَ قَالَ فَإِنَّهَا حَلَالٌ لِذُكُورِ أُمَّتِي فِي الْأُزُرِ حَرَامٌ عَلَى إنَاثِ أُمَّتِي» . وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضًا: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ، مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ، مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَشْرَبْ الْخَمْرَ، مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ. مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَخْلُوَنَّ بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمِيَّةٌ» .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ: «إنَّ الْحَمَّامَ بَيْتٌ لَا يَسْتُرُ وَمَاءٌ لَا يُطَهِّرُ، لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَدْخُلَهُ إلَّا بِمِنْدِيلٍ، مُرْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَفْتِنُونَ نِسَاءَهُمْ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] عَلِّمُوهُنَّ، وَمُرُوهُنَّ بِالتَّسْبِيحِ» .
وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ: «بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ وَتُكْشَفُ فِيهِ الْعَوْرَاتُ» .
وَابْنُ عَسَاكِرَ: «أَنْشُدُ اللَّهَ رِجَالَ أُمَّتِي لَا يَدْخُلُونَ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ وَأَنْشُدُ اللَّهَ نِسَاءَ أُمَّتِي لَا يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ: «شَرُّ الْبَيْتِ الْحَمَّامُ؛ تَعْلُو فِيهِ الْأَصْوَاتُ، وَتُكْشَفُ فِيهِ الْعَوْرَاتُ فَمَنْ دَخَلَهُ فَلَا يَدْخُلْهُ إلَّا مُسْتَتِرًا» . وَالشِّيرَازِيُّ: «مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ لَعَنَهُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ» .
وَالْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ السُّنِّيِّ وَابْنُ عَسَاكِرَ: «نِعْمَ الْبَيْتُ يَدْخُلُهُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ بَيْتُ الْحَمَّامِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَاسْتَعَاذَ مِنْ النَّارِ. وَبِئْسَ الْبَيْتُ يَدْخُلُهُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ بَيْتُ الْعَرُوسِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُرَغِّبُهُ فِي الدُّنْيَا وَيُنْسِيهِ الْآخِرَةَ» .
وَالْعُقَيْلِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ وَالْبَيْهَقِيُّ: «أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَاتِ وَوُضِعَتْ لَهُ النُّورَةُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد. فَلَمَّا دَخَلَهُ وَوَجَدَ حَرَّهُ وَغَمَّهُ قَالَ: أُوهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أُوهِ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ أُوهِ» .
وَابْنُ عَسَاكِرَ: «إذَا كَانَ آخِرُ الزَّمَانِ حَرُمَ فِيهِ دُخُولُ الْحَمَّامِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي بِمَآزِرِهَا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ ذَاكَ؟ قَالَ لِأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ عَلَى قَوْمٍ عُرَاةٍ، أَلَا وَقَدْ لَعَنَ اللَّهُ النَّاظِرَ وَالْمَنْظُورَ إلَيْهِ» .
стр. 211
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ: «مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ» . وَسَمَّوَيْةِ. «عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ» . وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: «مَا فَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنْ الْعَوْرَةِ وَمَا أَسْفَلَ السُّرَّةِ مِنْ الْعَوْرَةِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «فَخِذُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ مِنْ عَوْرَتِهِ» . وَالْحَاكِمُ: «غَطِّ فَخِذَك فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» . وَالتِّرْمِذِيُّ: «الْفَخِذُ عَوْرَةٌ» ، وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ «يَا جَرْهَدُ غَطِّ فَخِذَك فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» . وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ: «لَا تُبْرِزْ فَخِذَك وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» .
وَالْحَاكِمُ: «عَوْرَةُ الرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ كَعَوْرَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ، وَعَوْرَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ كَعَوْرَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ» .
تَنْبِيهٌ: مُقْتَضَى مَا مَرَّ مِنْ أَحَادِيثَ «فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» أَيْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، إذْ الْكَلَامُ مُبَاحٌ فَلَا يَتَرَتَّبُ الْمَقْتُ عَلَيْهِ. وَمَا مَرَّ فِي أَحَادِيثِ دُخُولِ الْحَمَّامِ يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ الصُّغْرَى أَوْ الْكُبْرَى بِحَضْرَةِ غَيْرِ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ الَّتِي تَحِلُّ لَهُ كَبِيرَةٌ. وَبِهِ صَرَّحَ مِنْ أَصْحَابِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُتْبِيُّ حَيْثُ قَالَ: كَشْفُهَا فِسْقٌ بَيْنَ النَّاسِ، الْمُغَلَّظَةُ - أَيْ وَهِيَ السَّوْأَتَانِ - وَالْمُخَفَّفَةُ فِي الْحَمَّامِ وَغَيْرِهَا، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ ﵁ يَقْتَضِيهِ، فَفِي طَبَقَاتِ الْعَبَّادِيِّ أَنَّ الْمُزَنِيّ رَوَى عَنْ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ فِي الْحَمَّامِ يُرَى مَكْشُوفًا: إنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، فَإِنَّ السَّتْرَ فَرْضٌ انْتَهَى.
وَكَذَا حَكَاهُ التَّوْحِيدِيُّ فِي الْبَصَائِرِ عَنْ رِوَايَةِ الْمُزَنِيّ وَقَالَ بَدَلَ مَكْشُوفًا السَّابِقِ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُفَسَّقُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا شَأْنُ الْكَبِيرَةِ، وَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَدَّادِ الْبَصْرِيِّ أَدْرَكَ أَصْحَابُ ابْنِ شُرَيْحٍ أَنَّ زَكَرِيَّا السَّاجِيَّ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ أَوْ وَقَعَ فِي نَهْرٍ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، وَنَقَلَهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفٍ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ نَصًّا. ثُمَّ قَالَ الْحَدَّادُ إنَّ زَكَرِيَّا قَالَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ مَنْ يَرَى عَوْرَتَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُرُوءَةِ، وَصَوَّبَهُ الْحَدَّادُ وَقَالَ هُوَ مُسْقِطٌ لِلْمُرُوءَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً انْتَهَى.
وَصَرَّحَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي أَدَبِ الشَّاهِدِ بِأَنَّهُ مُسْقِطٌ لِلشَّهَادَةِ غَيْرَ أَنَّهُ قَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَشَفَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَفِي فَتَاوَى الشَّاشِيِّ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي الْحَمَّامِ يَقْدَحُ
стр. 212
فِي الْعَدَالَةِ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: كَشْفُهَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ بِخِلَافِهِ فِي الْخَلْوَةِ. لَكِنْ أَقَرَّ الشَّيْخَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا صَاحِبَ الْعُدَّةِ عَلَى إطْلَاقِهِ أَنَّ كَشْفَهَا صَغِيرَةٌ، وَيُوَافِقُهُ إفْتَاءُ الْحَنَّاطِيِّ بِأَنَّ مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إزَارٍ يَصِيرُ فَاسِقًا إذَا تَعَوَّدَ ذَلِكَ انْتَهَى.
فَتَقْيِيدُهُ الْفِسْقَ بِالتَّكَرُّرِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ صَغِيرَةٌ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْقَوْلَ بِأَنَّ ذَلِكَ صَغِيرَةً عَلَى مَا إذَا كَشَفَهَا فِي الْخَلْوَةِ وَإِنْ أَمِنَ حُضُورَ مَنْ يَرَاهُ لِوُجُوبِ السَّتْرِ فِيهَا أَيْضًا.
وَالْحَاصِلُ؛ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ صَغِيرَةٌ مُطْلَقًا، لَكِنَّهُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ يُوجِبُ خَرْمَ الْمُرُوءَةِ، وَقِلَّةَ الْمُبَالَاةِ، فَتُبْطَلُ بِهِ الشَّهَادَةُ وَيَكُونُ كَالْفِسْقِ فِي مَنْعِهِ لَهَا؛ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْحَدَّادِ، وَمَا بَعْدَهُ، وَأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي حَدِّ الْكَبِيرَةِ وَصَرَّحَ بِهِ مَنْ مَرَّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كَبِيرَةٌ. تَنْبِيهٌ آخَرُ: قَضِيَّةُ الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ الَّذِي فِيهِ لَعْنُ النَّاظِرِ وَالْمَنْظُورِ أَنَّ النَّظَرَ إلَى الْعَوْرَةِ كَبِيرَةٌ وَأَنَّ كَشْفَهَا كَبِيرَةٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ اللَّعْنَ مِنْ عَلَامَاتِ الْكَبِيرَةِ؛ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ تَعَمُّدَ نَظَرِ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ أَمْرَدَ بِغَيْرِ حَاجَةٍ فِسْقٌ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ.
[بَابُ الْحَيْضِ]
[الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةُ وَالسَّبْعُونَ وَطْءُ الْحَائِضِ]
بَابُ الْحَيْضِ (الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةُ وَالسَّبْعُونَ: وَطْءُ الْحَائِضِ) أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى حَائِضًا فِي فَرْجِهَا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: ضَعَّفَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ قِبَلِ إسْنَادِهِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ.
تَنْبِيهٌ: مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ نَقَلَهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْمَحَامِلِيِّ، وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَكَذَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ عَنْ الْمَحَامِلِيِّ أَيْضًا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّيْخَ مُحْيِيَ الدِّينِ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ غَيْرِهِ فَنَقَلَهُ نَقْلَ مُسْتَغْرِبٍ لَهُ، وَقَدْ جَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ، وَذَكَرَ مَا مَرَّ ثُمَّ قَالَ: فَهَذَا الْحَدِيثُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِضَعْفِ إسْنَادِهِ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُثْبَتَ الْكَبِيرَةُ بِذَلِكَ مَعَ احْتِمَالِ تَأْوِيلِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَحِلًّا فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ - أَيْ الْمَعْلُومِ مِنْ
стр. 213
الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ - فَيُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ: إنَّ الْوَطْءَ فِي الْحَيْضِ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ لَعْنُ فَاعِلِهِ وَلَمْ أَقِفْ إلَى الْآنَ عَلَى ذَلِكَ. انْتَهَى.
، لَكِنْ جَرَى جَمَاعَةٌ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ لِكَوْنِ النَّوَوِيِّ نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁.
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
[الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالسَّبْعُونَ تَعَمُّدُ تَرْكِ الصَّلَاةِ]
كِتَابُ الصَّلَاةِ (الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالسَّبْعُونَ: تَعَمُّدُ تَرْكِ الصَّلَاةِ) قَالَ - تَعَالَى - مُخْبِرًا عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] .
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» . وَمُسْلِمٌ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ أَوْ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» . وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ: «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ إلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ» . وَالتِّرْمِذِيُّ: «بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» . وَابْنُ مَاجَهْ: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» . وَصَحَّ كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْحَاكِمُ: وَلَا يُعْرَفُ لَهُ عِلَّةٌ: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ جِهَارًا» . وَفِي رِوَايَةٍ: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ أَوْ الشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ، فَإِذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ» . وَفِي أُخْرَى: «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالشِّرْكِ إلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ، فَإِذَا تَرَكَهَا فَقَدْ أَشْرَكَ» .
وَفِي أُخْرَى - سَنَدُهَا حَسَنٌ -: «عُرَى الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدُ الدِّينِ ثَلَاثٌ عَلَيْهِنَّ أُسُّ الْإِسْلَامِ، مَنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَهُوَ بِهَا كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَالصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ» .
стр. 214
وَفِي أُخْرَى - سَنَدُهَا حَسَنٌ أَيْضًا: «مَنْ تَرَكَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً فَهُوَ بِاَللَّهِ كَافِرٌ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ وَقَدْ حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادَيْنِ لَا بَأْسَ بِهِمَا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِسَبْعِ خِلَالٍ قَالَ: لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتُمْ أَوْ حُرِّقْتُمْ أَوْ صُلِّبْتُمْ، وَلَا تَتْرُكُوا الصَّلَاةَ تَعَمُّدًا فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْمِلَّةِ، وَلَا تَرْكَبُوا الْمَعْصِيَةَ فَإِنَّهَا سَخَطُ اللَّهِ، وَلَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا رَأْسُ الْخَطَايَا كُلِّهَا» الْحَدِيثَ.
وَالتِّرْمِذِيُّ: " كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ ". وَصَحَّ خَبَرُ: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ الصَّلَاةُ، فَإِذَا تَرَكَهَا فَقَدْ أَشْرَكَ» .
وَالْبَزَّارُ: «لَا سَهْمَ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ لَا صَلَاةَ لَهُ. وَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا طَهُورَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا صَلَاةَ لَهُ. إنَّمَا مَوْضِعُ الصَّلَاةِ مِنْ الدِّينِ كَمَوْضِعِ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ» .
وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتَ وَإِنْ أُحْرِقْتَ، وَلَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَلَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ» .
وَالْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا قَامَ بَصَرِي - أَيْ ذَهَبَ - مَعَ بَقَاءِ صِحَّةِ الْحَدَقَةِ قِيلَ نُدَاوِيك وَتَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامًا؟ قَالَ: لَا، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْمُتَابَعَاتِ: «أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا إذَا أَنَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ عُذِّبْتَ وَحُرِّقْتَ، وَأَطِعْ وَالِدَيْك وَإِنْ أَخْرَجَاك مِنْ مَالِكِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ لَك، وَلَا تَتْرُكْ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ» الْحَدِيثَ. وَفِي رِوَايَةٍ سَنَدُهَا صَحِيحٌ لَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ: «لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْك وَإِنْ أَمَرَاك أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِك وَمَالِكِ، وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَلَا تَشْرَبَنَّ
стр. 215
خَمْرًا فَإِنَّهُ - أَيْ شُرْبَهَا - رَأْسُ كُلِّ فَاحِشَةٍ، وَإِيَّاكَ وَالْمَعْصِيَةَ فَإِنَّ بِالْمَعْصِيَةِ حَلَّ سَخَطُ اللَّهِ، وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنْ الزَّحْفِ وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ وَإِنْ أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ فَاثْبُتْ، وَأَنْفِقْ عَلَى أَهْلِك مِنْ طَوْلِك وَلَا تَرْفَعْ عَصَاك عَنْهُمْ أَدَبًا وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ» .
وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «بَكِّرُوا بِالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ «أُمَيْمَةَ مَوْلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كُنْت أَصُبُّ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَضُوءَهُ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ أَوْصِنِي؟ فَقَالَ: لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْت وَحُرِّقْت بِالنَّارِ، وَلَا تَعْصِ وَالِدَيْك وَإِنْ أَمَرَاك أَنْ تُخَلِّيَ مِنْ أَهْلِك وَدُنْيَاك فَتَخَلَّهُ، وَلَا تَشْرَبَنَّ خَمْرًا فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ، وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَذِمَّةُ رَسُولِهِ» الْحَدِيثَ.
وَأَبُو نُعَيْمٍ: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا كَتَبَ اللَّهُ اسْمَهُ عَلَى بَابِ النَّارِ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا» .
وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَإِنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» .
وَالْحَاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «وَاَللَّهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَتُقِيمُنَّ الصَّلَاةَ وَلَتُؤْتُنَّ الزَّكَاةَ أَوْ لَأَبْعَثَنَّ عَلَيْكُمْ رَجُلًا فَيَضْرِبُ أَعْنَاقَكُمْ عَلَى الدِّينِ» الْحَدِيثَ وَالْبَزَّارُ: «لَا سَهْمَ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ لَا صَلَاةَ لَهُ، وَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ» .
وَأَحْمَدُ مُرْسَلًا: «أَرْبَعٌ فَرَضَهُنَّ اللَّهُ فِي الْإِسْلَامِ فَمَنْ أَتَى بِثَلَاثٍ لَمْ يُغْنِينَ عَنْهُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَ بِهِنَّ جَمِيعًا: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَصِيَامُ رَمَضَانَ وَحَجُّ الْبَيْتِ» .
وَالْأَصْبَهَانِيّ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا أَحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُ وَبَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ حَتَّى يُرَاجِعَ اللَّهَ تَوْبَةً» .
وَالطَّبَرَانِيُّ: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ جِهَارًا» .
وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ: «لَا تَتْرُكْ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» .
وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَهُوَ كَافِرٌ» .
следующие страницы →