← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21629

الزواجر عن اقتراف الكبائر

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (881 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ: «مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ» . وَسَمَّوَيْةِ. «عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ» . وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: «مَا فَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنْ الْعَوْرَةِ وَمَا أَسْفَلَ السُّرَّةِ مِنْ الْعَوْرَةِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «فَخِذُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ مِنْ عَوْرَتِهِ» . وَالْحَاكِمُ: «غَطِّ فَخِذَك فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» . وَالتِّرْمِذِيُّ: «الْفَخِذُ عَوْرَةٌ» ، وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ «يَا جَرْهَدُ غَطِّ فَخِذَك فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» . وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ: «لَا تُبْرِزْ فَخِذَك وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» . وَالْحَاكِمُ: «عَوْرَةُ الرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ كَعَوْرَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ، وَعَوْرَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ كَعَوْرَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ» . تَنْبِيهٌ: مُقْتَضَى مَا مَرَّ مِنْ أَحَادِيثَ «فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» أَيْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، إذْ الْكَلَامُ مُبَاحٌ فَلَا يَتَرَتَّبُ الْمَقْتُ عَلَيْهِ. وَمَا مَرَّ فِي أَحَادِيثِ دُخُولِ الْحَمَّامِ يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ الصُّغْرَى أَوْ الْكُبْرَى بِحَضْرَةِ غَيْرِ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ الَّتِي تَحِلُّ لَهُ كَبِيرَةٌ. وَبِهِ صَرَّحَ مِنْ أَصْحَابِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُتْبِيُّ حَيْثُ قَالَ: كَشْفُهَا فِسْقٌ بَيْنَ النَّاسِ، الْمُغَلَّظَةُ - أَيْ وَهِيَ السَّوْأَتَانِ - وَالْمُخَفَّفَةُ فِي الْحَمَّامِ وَغَيْرِهَا، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ ﵁ يَقْتَضِيهِ، فَفِي طَبَقَاتِ الْعَبَّادِيِّ أَنَّ الْمُزَنِيّ رَوَى عَنْ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ فِي الْحَمَّامِ يُرَى مَكْشُوفًا: إنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، فَإِنَّ السَّتْرَ فَرْضٌ انْتَهَى. وَكَذَا حَكَاهُ التَّوْحِيدِيُّ فِي الْبَصَائِرِ عَنْ رِوَايَةِ الْمُزَنِيّ وَقَالَ بَدَلَ مَكْشُوفًا السَّابِقِ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُفَسَّقُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا شَأْنُ الْكَبِيرَةِ، وَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَدَّادِ الْبَصْرِيِّ أَدْرَكَ أَصْحَابُ ابْنِ شُرَيْحٍ أَنَّ زَكَرِيَّا السَّاجِيَّ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ أَوْ وَقَعَ فِي نَهْرٍ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، وَنَقَلَهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفٍ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ نَصًّا. ثُمَّ قَالَ الْحَدَّادُ إنَّ زَكَرِيَّا قَالَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ مَنْ يَرَى عَوْرَتَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُرُوءَةِ، وَصَوَّبَهُ الْحَدَّادُ وَقَالَ هُوَ مُسْقِطٌ لِلْمُرُوءَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً انْتَهَى. وَصَرَّحَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي أَدَبِ الشَّاهِدِ بِأَنَّهُ مُسْقِطٌ لِلشَّهَادَةِ غَيْرَ أَنَّهُ قَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَشَفَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَفِي فَتَاوَى الشَّاشِيِّ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي الْحَمَّامِ يَقْدَحُ

стр. 212

فِي الْعَدَالَةِ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: كَشْفُهَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ بِخِلَافِهِ فِي الْخَلْوَةِ. لَكِنْ أَقَرَّ الشَّيْخَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا صَاحِبَ الْعُدَّةِ عَلَى إطْلَاقِهِ أَنَّ كَشْفَهَا صَغِيرَةٌ، وَيُوَافِقُهُ إفْتَاءُ الْحَنَّاطِيِّ بِأَنَّ مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إزَارٍ يَصِيرُ فَاسِقًا إذَا تَعَوَّدَ ذَلِكَ انْتَهَى. فَتَقْيِيدُهُ الْفِسْقَ بِالتَّكَرُّرِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ صَغِيرَةٌ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْقَوْلَ بِأَنَّ ذَلِكَ صَغِيرَةً عَلَى مَا إذَا كَشَفَهَا فِي الْخَلْوَةِ وَإِنْ أَمِنَ حُضُورَ مَنْ يَرَاهُ لِوُجُوبِ السَّتْرِ فِيهَا أَيْضًا. وَالْحَاصِلُ؛ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ صَغِيرَةٌ مُطْلَقًا، لَكِنَّهُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ يُوجِبُ خَرْمَ الْمُرُوءَةِ، وَقِلَّةَ الْمُبَالَاةِ، فَتُبْطَلُ بِهِ الشَّهَادَةُ وَيَكُونُ كَالْفِسْقِ فِي مَنْعِهِ لَهَا؛ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْحَدَّادِ، وَمَا بَعْدَهُ، وَأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي حَدِّ الْكَبِيرَةِ وَصَرَّحَ بِهِ مَنْ مَرَّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كَبِيرَةٌ. تَنْبِيهٌ آخَرُ: قَضِيَّةُ الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ الَّذِي فِيهِ لَعْنُ النَّاظِرِ وَالْمَنْظُورِ أَنَّ النَّظَرَ إلَى الْعَوْرَةِ كَبِيرَةٌ وَأَنَّ كَشْفَهَا كَبِيرَةٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ اللَّعْنَ مِنْ عَلَامَاتِ الْكَبِيرَةِ؛ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ تَعَمُّدَ نَظَرِ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ أَمْرَدَ بِغَيْرِ حَاجَةٍ فِسْقٌ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ. [بَابُ الْحَيْضِ] [الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةُ وَالسَّبْعُونَ وَطْءُ الْحَائِضِ] بَابُ الْحَيْضِ (الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةُ وَالسَّبْعُونَ: وَطْءُ الْحَائِضِ) أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى حَائِضًا فِي فَرْجِهَا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: ضَعَّفَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ قِبَلِ إسْنَادِهِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ. تَنْبِيهٌ: مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ نَقَلَهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْمَحَامِلِيِّ، وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَكَذَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ عَنْ الْمَحَامِلِيِّ أَيْضًا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّيْخَ مُحْيِيَ الدِّينِ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ غَيْرِهِ فَنَقَلَهُ نَقْلَ مُسْتَغْرِبٍ لَهُ، وَقَدْ جَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ، وَذَكَرَ مَا مَرَّ ثُمَّ قَالَ: فَهَذَا الْحَدِيثُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِضَعْفِ إسْنَادِهِ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُثْبَتَ الْكَبِيرَةُ بِذَلِكَ مَعَ احْتِمَالِ تَأْوِيلِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَحِلًّا فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ - أَيْ الْمَعْلُومِ مِنْ

стр. 213

الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ - فَيُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ: إنَّ الْوَطْءَ فِي الْحَيْضِ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ لَعْنُ فَاعِلِهِ وَلَمْ أَقِفْ إلَى الْآنَ عَلَى ذَلِكَ. انْتَهَى. ، لَكِنْ جَرَى جَمَاعَةٌ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ لِكَوْنِ النَّوَوِيِّ نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁. [كِتَابُ الصَّلَاةِ] [الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالسَّبْعُونَ تَعَمُّدُ تَرْكِ الصَّلَاةِ] كِتَابُ الصَّلَاةِ (الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالسَّبْعُونَ: تَعَمُّدُ تَرْكِ الصَّلَاةِ) قَالَ - تَعَالَى - مُخْبِرًا عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» . وَمُسْلِمٌ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ أَوْ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» . وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ: «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ إلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ» . وَالتِّرْمِذِيُّ: «بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» . وَابْنُ مَاجَهْ: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» . وَصَحَّ كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْحَاكِمُ: وَلَا يُعْرَفُ لَهُ عِلَّةٌ: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ جِهَارًا» . وَفِي رِوَايَةٍ: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ أَوْ الشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ، فَإِذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ» . وَفِي أُخْرَى: «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالشِّرْكِ إلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ، فَإِذَا تَرَكَهَا فَقَدْ أَشْرَكَ» . وَفِي أُخْرَى - سَنَدُهَا حَسَنٌ -: «عُرَى الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدُ الدِّينِ ثَلَاثٌ عَلَيْهِنَّ أُسُّ الْإِسْلَامِ، مَنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَهُوَ بِهَا كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَالصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ» .

стр. 214

وَفِي أُخْرَى - سَنَدُهَا حَسَنٌ أَيْضًا: «مَنْ تَرَكَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً فَهُوَ بِاَللَّهِ كَافِرٌ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ وَقَدْ حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادَيْنِ لَا بَأْسَ بِهِمَا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِسَبْعِ خِلَالٍ قَالَ: لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتُمْ أَوْ حُرِّقْتُمْ أَوْ صُلِّبْتُمْ، وَلَا تَتْرُكُوا الصَّلَاةَ تَعَمُّدًا فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْمِلَّةِ، وَلَا تَرْكَبُوا الْمَعْصِيَةَ فَإِنَّهَا سَخَطُ اللَّهِ، وَلَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا رَأْسُ الْخَطَايَا كُلِّهَا» الْحَدِيثَ. وَالتِّرْمِذِيُّ: " كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ ". وَصَحَّ خَبَرُ: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ الصَّلَاةُ، فَإِذَا تَرَكَهَا فَقَدْ أَشْرَكَ» . وَالْبَزَّارُ: «لَا سَهْمَ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ لَا صَلَاةَ لَهُ. وَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا طَهُورَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا صَلَاةَ لَهُ. إنَّمَا مَوْضِعُ الصَّلَاةِ مِنْ الدِّينِ كَمَوْضِعِ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ» . وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتَ وَإِنْ أُحْرِقْتَ، وَلَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَلَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ» . وَالْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا قَامَ بَصَرِي - أَيْ ذَهَبَ - مَعَ بَقَاءِ صِحَّةِ الْحَدَقَةِ قِيلَ نُدَاوِيك وَتَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامًا؟ قَالَ: لَا، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْمُتَابَعَاتِ: «أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا إذَا أَنَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ عُذِّبْتَ وَحُرِّقْتَ، وَأَطِعْ وَالِدَيْك وَإِنْ أَخْرَجَاك مِنْ مَالِكِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ لَك، وَلَا تَتْرُكْ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ» الْحَدِيثَ. وَفِي رِوَايَةٍ سَنَدُهَا صَحِيحٌ لَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ: «لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْك وَإِنْ أَمَرَاك أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِك وَمَالِكِ، وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَلَا تَشْرَبَنَّ

стр. 215

خَمْرًا فَإِنَّهُ - أَيْ شُرْبَهَا - رَأْسُ كُلِّ فَاحِشَةٍ، وَإِيَّاكَ وَالْمَعْصِيَةَ فَإِنَّ بِالْمَعْصِيَةِ حَلَّ سَخَطُ اللَّهِ، وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنْ الزَّحْفِ وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ وَإِنْ أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ فَاثْبُتْ، وَأَنْفِقْ عَلَى أَهْلِك مِنْ طَوْلِك وَلَا تَرْفَعْ عَصَاك عَنْهُمْ أَدَبًا وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «بَكِّرُوا بِالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ «أُمَيْمَةَ مَوْلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كُنْت أَصُبُّ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَضُوءَهُ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ أَوْصِنِي؟ فَقَالَ: لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْت وَحُرِّقْت بِالنَّارِ، وَلَا تَعْصِ وَالِدَيْك وَإِنْ أَمَرَاك أَنْ تُخَلِّيَ مِنْ أَهْلِك وَدُنْيَاك فَتَخَلَّهُ، وَلَا تَشْرَبَنَّ خَمْرًا فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ، وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَذِمَّةُ رَسُولِهِ» الْحَدِيثَ. وَأَبُو نُعَيْمٍ: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا كَتَبَ اللَّهُ اسْمَهُ عَلَى بَابِ النَّارِ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَإِنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» . وَالْحَاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «وَاَللَّهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَتُقِيمُنَّ الصَّلَاةَ وَلَتُؤْتُنَّ الزَّكَاةَ أَوْ لَأَبْعَثَنَّ عَلَيْكُمْ رَجُلًا فَيَضْرِبُ أَعْنَاقَكُمْ عَلَى الدِّينِ» الْحَدِيثَ وَالْبَزَّارُ: «لَا سَهْمَ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ لَا صَلَاةَ لَهُ، وَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ» . وَأَحْمَدُ مُرْسَلًا: «أَرْبَعٌ فَرَضَهُنَّ اللَّهُ فِي الْإِسْلَامِ فَمَنْ أَتَى بِثَلَاثٍ لَمْ يُغْنِينَ عَنْهُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَ بِهِنَّ جَمِيعًا: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَصِيَامُ رَمَضَانَ وَحَجُّ الْبَيْتِ» . وَالْأَصْبَهَانِيّ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا أَحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُ وَبَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ حَتَّى يُرَاجِعَ اللَّهَ تَوْبَةً» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ جِهَارًا» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ: «لَا تَتْرُكْ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» . وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَهُوَ كَافِرٌ» .

стр. 216

وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ» . وَابْنُ نَصْرٍ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَلَا دِينَ لَهُ» . وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَوْقُوفًا عَلَى جَابِرٍ: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَهُوَ كَافِرٌ» . وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: «لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا صَلَاةَ لَهُ وَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ» . وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ» . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: سَمِعْت إِسْحَاقَ يَقُولُ: " صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ كَافِرٌ» . وَكَذَلِكَ كَانَ رَأْيُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ لَدُنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا كَافِرٌ. وَقَالَ أَيُّوبُ: تَرْكُ الصَّلَاةِ كُفْرٌ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ. [الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالسَّبْعُونَ تَعَمُّدُ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ تَقْدِيمِهَا عَلَيْهِ] (الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالسَّبْعُونَ: تَعَمُّدُ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ تَقْدِيمِهَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَسَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بِهِ) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: ٦٠] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيْسَ مَعْنَى أَضَاعُوهَا: تَرَكُوهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَكِنْ أَخَّرُوهَا عَنْ أَوْقَاتِهَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ إمَامُ التَّابِعِينَ: هُوَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ الظُّهْرَ حَتَّى تَأْتِيَ الْعَصْرُ وَلَا يُصَلِّيَ الْعَصْرَ إلَى الْمَغْرِبِ وَلَا يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ إلَى الْعِشَاءِ وَلَا يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ إلَى الْفَجْرِ وَلَا يُصَلِّيَ الْفَجْرَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَمَنْ مَاتَ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَمْ يَتُبْ أَوْعَدَهُ اللَّهُ بِغَيٍّ وَهُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، بَعِيدٌ قَعْرُهُ شَدِيدٌ عِقَابُهُ. وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] . قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ الْمُرَادُ بِذِكْرِ اللَّهِ هُنَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَمَنْ اشْتَغَلَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا بِمَالِهِ كَبَيْعِهِ أَوْ صَنْعَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ كَانَ مِنْ الْخَاسِرِينَ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ

стр. 217

وَإِنْ نَقَصَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ» . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] قَالَ ﷺ : «هُمْ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا» . وَقَالَ - تَعَالَى -: «إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا» . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «أَنَّهُ ﷺ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ: مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ» . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَإِنَّمَا حُشِرَ مَعَ هَؤُلَاءِ لِأَنَّهُ إنْ اشْتَغَلَ عَنْ الصَّلَاةِ بِمَالِهِ أَشْبَهَ قَارُونَ فَيُحْشَرُ مَعَهُ، أَوْ بِمُلْكِهِ أَشْبَهَ فِرْعَوْنَ فَيُحْشَرُ مَعَهُ، أَوْ بِوَزَارَتِهِ أَشْبَهَ هَامَانَ فَيُحْشَرُ مَعَهُ، أَوْ بِتِجَارَتِهِ أَشْبَهَ أُبَيَّ بْنِ خَلَفٍ تَاجِرَ كُفَّارِ مَكَّةَ فَيُحْشَرُ مَعَهُ. وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ «سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] قَالَ هُمْ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا» . وَأَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قُلْت لِأَبِي يَا أَبَتَاهُ أَرَأَيْت قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] أَيُّنَا لَا يَسْهُو أَيُّنَا لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ، قَالَ لَيْسَ ذَاكَ إنَّمَا هُوَ إضَاعَةُ الْوَقْتِ. وَالْوَيْلُ: شِدَّةُ الْعَذَابِ، وَقِيلَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ لَوْ سُيِّرَ فِيهِ جِبَالُ الدُّنْيَا لَذَابَتْ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ، فَهُوَ مَسْكَنٌ لِمَنْ يَتَهَاوَنُ بِالصَّلَاةِ وَيُؤَخِّرُهَا عَنْ وَقْتِهَا إلَّا أَنْ يَتُوبَ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَيَنْدَمَ عَلَى مَا فَرَّطَ. وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» . وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ فِيهِ مَنْ اُخْتُلِفَ فِي تَوْثِيقِهِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى عَدَمِهِ: «مَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ» . وَالشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَةُ: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» . زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ مَالِكٌ: تَفْسِيرُهُ ذَهَابُ الْوَقْتِ. وَالنَّسَائِيُّ: «مِنْ الصَّلَاةِ صَلَاةُ مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» . يَعْنِي الْعَصْرَ. وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ: «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ - يَعْنِي الْعَصْرَ - عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ

стр. 218

فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ» أَيْ النَّجْمُ. وَأَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» . وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ مُتَعَمِّدًا حَتَّى تَفُوتَهُ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» . وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مُرْسَلًا: «مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» . وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ: «لَأَنْ يُوتَرَ أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ وَمَالَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَفُوتَهُ وَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَحْمَدُ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ مُتَعَمِّدًا حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» . وَالشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: «مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فَكَأَنَّمَا أُوتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» . وَالْبُخَارِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَاتَ غَدَاةٍ: إنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا انْبَعَثَا بِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْت مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَتَدَهْدَهُ الْحَجَرُ - أَيْ فَيَتَدَحْرَجُ - فَيَأْخُذُهُ فَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، قَالَ: قُلْت لَهُمَا: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ عَلَى قَفَاهُ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ أَيْ يَشُقُّ شِدْقَهُ إلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرَهُ إلَى قَفَاهُ وَعَيْنَاهُ إلَى قَفَاهُ - قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ: فَيَشُقُّ - قَالَ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ، قَالَ فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، قَالَ: قُلْت: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ قَالَ فَأَحْسَبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ قَالَ: فَاطَّلَعْنَا عَلَيْهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ. فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا - أَيْ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَسُكُونِ الْوَاوَيْنِ صِيَاحٌ مَعَ انْضِمَامٍ

стр. 219

وَفَزَعٍ -، قَالَ قُلْت: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ وَإِذَا فِي النَّهْرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ فَيَسْبَحُ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إلَيْهِ فَغَرَ - أَيْ بِفَاءٍ فَمُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ فَتَحَ - فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا، قُلْت لَهُمَا مَا هَذَا؟ قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمِرْآةِ كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْئِيًّا وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا - أَيْ بِمُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ فَمُعْجَمَةٍ يُوقِدُهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا -، قَالَ: قُلْت لَهُمَا مَا هَذَا؟ قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ - أَيْ طَوِيلَةِ النَّبَاتِ مِنْ اعْتَمَّ إذَا طَالَ - فِيهَا مِنْ كُلِّ نُورِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَانِي الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طُوَالٌ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ. وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ، قَالَ: قُلْت مَا هَذَا مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى دَوْحَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ دَوْحَةً قَطُّ أَعْظَمَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْهَا قَالَا لِي: ارْقَ فِيهَا فَارْتَقَيْنَا فِيهَا إلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهَبٍ وَلَبِنٍ فِضَّةٍ فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا فَفُتِحَ لَنَا فَدَخَلْنَاهَا فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ، شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ قَالَا لَهُمْ اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ. قَالَ: وَإِذَا النَّهْرُ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ - أَيْ الْخَالِصُ - فِي الْبَيَاضِ فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ قَالَا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَهَذَا مَنْزِلُك، قَالَ: فَسَمَا - أَيْ ارْتَفَعَ بَصَرِي - صُعُدًا بِضَمَّتَيْنِ إلَى فَوْقُ فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ - أَيْ السَّحَابَةِ - الْبَيْضَاءِ قَالَ: قَالَا لِي هَذَا مَنْزِلُك قَالَ: قُلْت لَهُمَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا فَذَرَانِي فَأَدْخُلَهُ قَالَا: أَمَّا الْآنَ فَلَا وَأَنْتَ دَاخِلَهُ، قَالَ: قُلْت لَهُمَا فَإِنِّي رَأَيْت مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْت؟ قَالَا لِي إنَّا سَنُخْبِرُك: أَمَّا الرَّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْت عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ، وَيَنَامُ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْت عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرُهُ إلَى قَفَاهُ وَعَيْنَاهُ إلَى قَفَاهُ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ. وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ هُمْ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمْ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْت عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهْرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرُ فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمِرْآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ. وَأَمَّا الرَّجُلُ الطُّوَالُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إبْرَاهِيمُ. وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْلَادُ

стр. 220

الْمُشْرِكِينَ. وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ» . وَفِي حَدِيثِ الْبَزَّارِ قَالَ: «ثُمَّ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَوْمٍ تُرْضَخُ رُءُوسُهُمْ بِالصَّخْرِ كُلَّمَا رُضِخَتْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ وَلَا يَفْتُرُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، قَالَ يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَثَاقَلَتْ رُءُوسُهُمْ عَنْ الصَّلَاةِ» . وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ وَابْنُ النَّجَّارِ: «عِلْمُ الْإِسْلَامِ الصَّلَاةُ فَمَنْ فَرَغَ لَهَا قَلْبُهُ وَحَافَظَ عَلَيْهَا بِحَدِّهَا وَوَقْتِهَا وَسُنَنِهَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ» . وَابْنُ مَاجَهْ: «قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - افْتَرَضْتُ عَلَى أُمَّتِك خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَعَهِدْتُ عِنْدِي عَهْدًا أَنَّ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ لِوَقْتِهِنَّ أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ فَلَا عَهْدَ لَهُ عِنْدِي» . وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ: «مَنْ عَلِمَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ وَأَدَّاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ الصَّلَاةُ فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، وَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ قَالَ الرَّبُّ: اُنْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ» . وَالنَّسَائِيُّ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى بِهِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ» . وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ أَتَمَّهَا كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَتَمَّهَا قَالَ لِمَلَائِكَتِهِ اُنْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَيُكْمِلُونَ بِهَا فَرِيضَتَهُ، ثُمَّ الزَّكَاةُ كَذَلِكَ ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ» . وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ قَانِعٍ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ فَإِنْ كَانَ أَتَمَّهَا كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَتَمَّهَا، قَالَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ: اُنْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَتُكْمِلُونَ بِهَا فَرِيضَتَهُ ثُمَّ الزَّكَاةُ كَذَلِكَ ثُمَّ

стр. 221

تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُنْظَرُ فِي صَلَاتِهِ فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ» . وَابْنُ عَسَاكِرَ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلَحَتْ صَلُحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ ثُمَّ يَقُولُ: اُنْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي نَافِلَةٌ؟ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ أَتَمَّ بِهَا الْفَرِيضَةَ، ثُمَّ الْفَرَائِضُ كَذَلِكَ لِعَائِدَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ» . وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ الصَّلَاةُ، فَيَقُولُ رَبُّنَا لِمَلَائِكَتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ: اُنْظُرُوا فِي صَلَاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا، فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ تَامَّةً وَإِنْ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ اُنْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَاكُمْ» . وَالطَّيَالِسِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﵎ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ إنِّي افْتَرَضْت عَلَى أُمَّتِك خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَمَنْ أَوْفَى بِهِنَّ عَلَى وُضُوئِهِنَّ وَمَوَاقِيتِهِنَّ وَرُكُوعِهِنَّ وَسُجُودِهِنَّ كَانَ لَهُ بِهِنَّ عَهْدٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَنِي قَدْ انْتَقَصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلَيْسَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ إنْ شِئْتُ عَذَّبْتُهُ وَإِنْ شِئْتُ رَحِمْتُهُ» . وَالْبَيْهَقِيُّ: «لِلصَّلَاةِ مِيزَانٌ فَمَنْ أَوْفَى اسْتَوْفَى» . وَالدَّيْلَمِيُّ: «الصَّلَاةُ تُسَوِّدُ وَجْهَ الشَّيْطَانِ، وَالصَّدَقَةُ تَكْسِرُ ظَهْرَهُ، وَالتَّحَابُبُ فِي اللَّهِ، وَالتَّوَدُّدُ فِي الْعِلْمِ يَقْطَعُ دَابِرَهُ فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ تَبَاعَدَ مِنْكُمْ كَمَطْلِعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ وَأَطِيعُوا إذَا أَمَرْتُكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ» . وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ

стр. 222

أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ فِي الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَلَا دِينَ لَهُ، وَالصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ» . وَلِذَلِكَ لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ ﵁ قِيلَ: لَهُ الصَّلَاةُ يَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ نِعْمَةٌ، أَمَا إنَّهُ لَا حَظَّ لِأَحَدٍ فِي الْإِسْلَامِ أَضَاعَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى ﵁ وَجُرْحُهُ يَجْرِي دَمُهُ. وَرَوَى الذَّهَبِيُّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إذَا صَلَّى الْعَبْدُ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ صَعِدَتْ إلَى السَّمَاءِ وَلَهَا نُورٌ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى الْعَرْشِ فَتَسْتَغْفِرُ لِصَاحِبِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَتَقُولُ لَهُ حَفِظَك اللَّهُ كَمَا حَفِظْتَنِي، وَإِذَا صَلَّى الْعَبْدُ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا صَعِدَتْ إلَى السَّمَاءِ وَعَلَيْهَا ظُلْمَةٌ، فَإِذَا انْتَهَتْ إلَى السَّمَاءِ تُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلَقُ وَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا» . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمْ صَلَاتَهُمْ وَذَكَرَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى الصَّلَاةَ دِبَارًا» أَيْ بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ «مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَاةِ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِخَمْسِ خِصَالٍ: يَرْفَعُ عَنْهُ ضِيقَ الْعَيْشِ، وَعَذَابَ الْقَبْرِ، وَيُعْطِيهِ اللَّهُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَيَمُرُّ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَمَنْ تَهَاوَنَ عَنْ الصَّلَاةِ عَاقَبَهُ اللَّهُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ عُقُوبَةً: خَمْسَةٌ فِي الدُّنْيَا، وَثَلَاثَةٌ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَثَلَاثٌ فِي قَبْرِهِ، وَثَلَاثٌ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْقَبْرِ. فَأَمَّا اللَّوَاتِي فِي الدُّنْيَا: فَالْأُولَى تُنْزَعُ الْبَرَكَةُ مِنْ عُمْرِهِ، وَالثَّانِيَةُ تُمْحَى سِيمَا الصَّالِحِينَ مِنْ وَجْهِهِ، وَالثَّالِثَةُ كُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ لَا يَأْجُرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالرَّابِعَةُ لَا يُرْفَعُ لَهُ دُعَاءٌ إلَى السَّمَاءِ، وَالْخَامِسَةُ لَيْسَ لَهُ حَظٌّ فِي دُعَاءِ الصَّالِحِينَ. وَأَمَّا الَّتِي تُصِيبُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ يَمُوتُ ذَلِيلًا، وَالثَّانِيَةُ يَمُوتُ جَائِعًا، وَالثَّالِثَةُ يَمُوتُ عَطْشَانًا وَلَوْ سُقِيَ بِحَارَ الدُّنْيَا مَا رُوِيَ مِنْ عَطَشِهِ. وَأَمَّا الَّتِي تُصِيبُهُ فِي قَبْرِهِ: فَالْأُولَى يَضِيقُ عَلَيْهِ الْقَبْرُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ، وَالثَّانِيَةُ يُوقَدُ عَلَيْهِ الْقَبْرُ نَارًا فَيَنْقَلِبُ عَلَى الْجَمْرِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَالثَّالِثَةُ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ ثُعْبَانٌ اسْمُهُ الشُّجَاعُ الْأَقْرَعُ، عَيْنَاهُ مِنْ نَارٍ وَأَظْفَارُهُ مِنْ حَدِيدٍ طُولُ كُلِّ ظُفْرٍ مَسِيرَةُ يَوْمٍ يُكَلِّمُ الْمَيِّتَ فَيَقُولُ: أَنَا الشُّجَاعُ الْأَقْرَعُ، وَصَوْتُهُ مِثْلُ الرَّعْدِ الْقَاصِفِ يَقُولُ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَضْرِبَك عَلَى تَضْيِيعِ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَأَضْرِبَك عَلَى تَضْيِيعِ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى الْعَصْرِ، وَأَضْرِبَك عَلَى تَضْيِيعِ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى الْمَغْرِبِ، وَأَضْرِبَك عَلَى تَضْيِيعِ

стр. 223

صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إلَى الْعِشَاءِ، وَأَضْرِبَك عَلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى الْفَجْرِ. فَكُلَّمَا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً يَغُوصُ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فَلَا يَزَالُ فِي الْقَبْرِ مُعَذَّبًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَمَّا الَّتِي تُصِيبُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْقَبْرِ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ فَشِدَّةُ الْحِسَابِ وَسَخَطُ الرَّبِّ وَدُخُولُ النَّارِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِهِ ثَلَاثَةُ أَسْطُرٍ مَكْتُوبَاتٍ. السَّطْرُ الْأَوَّلُ: يَا مُضَيِّعَ حَقِّ اللَّهِ، السَّطْرُ الثَّانِي: يَا مَخْصُوصًا بِغَضَبِ اللَّهِ، الثَّالِثُ كَمَا ضَيَّعْتَ فِي الدُّنْيَا حَقَّ اللَّهِ فَآيِسٌ الْيَوْمَ أَنْتَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» . وَمَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ تَفْصِيلِ الْعَدَدِ لَا يُطَابِقُ جُمْلَةَ الْخَمْسَ عَشْرَةَ لِأَنَّ الْمُفَصَّلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَقَطْ فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ نَسِيَ الْخَامِسَ عَشَرَ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُؤْتَى بِرَجُلٍ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ فَيَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ إلَى النَّارِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ بِمَاذَا؟ فَيَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ أَوْقَاتِهَا وَحَلِفِك بِي كَاذِبًا ". قَالَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا: وَعَنْ «رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ قُولُوا: اللَّهُمَّ لَا تَدَعْ فِينَا شَقِيًّا وَلَا مَحْرُومًا، ثُمَّ قَالَ ﷺ أَتَدْرُونَ مَنْ الشَّقِيُّ الْمَحْرُومُ؟ قَالُوا وَمَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تَارِكُ الصَّلَاةِ» . قَالَ أَيْضًا: وَيُرْوَى أَنَّهُ «أَوَّلُ مَا يَسْوَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وُجُوهُ تَارِكِي الصَّلَاةِ وَإِنَّ فِي جَهَنَّمَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ لَمْلَمُ فِيهِ حَيَّاتٌ كُلُّ حَيَّةٍ بِثِخَنِ رَقَبَةِ الْبَعِيرِ، طُولُهَا مَسِيرَةُ شَهْرٍ، تَلْسَعُ تَارِكَ الصَّلَاةِ فَيَغْلِي سُمُّهَا فِي جِسْمِهِ سَبْعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَتَهَرَّأُ لَحْمُهُ» . قَالَ: وَرُوِيَ أَيْضًا: «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ جَاءَتْ إلَى مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ - فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَذْنَبْت ذَنْبًا عَظِيمًا وَقَدْ تُبْت إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبِي وَيَتُوبَ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهَا مُوسَى: وَمَا ذَنْبُك؟ قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ زَنَيْتُ وَوَلَدْتُ وَلَدًا وَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ لَهَا مُوسَى - عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اُخْرُجِي يَا فَاجِرَةُ، لَا تَنْزِلُ نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ فَتُحْرِقُنَا بِشُؤْمِك فَخَرَجَتْ مِنْ عِنْدِهِ مُنْكَسِرَةَ الْقَلْبِ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ وَقَالَ: يَا مُوسَى الرَّبُّ - تَعَالَى - يَقُولُ لَك لِمَ رَدَدْتَ التَّائِبَةَ؟ يَا مُوسَى أَمَا وَجَدْتَ شَرًّا مِنْهَا؟ قَالَ مُوسَى يَا جِبْرِيلُ وَمَنْ شَرٌّ مِنْهَا؟ قَالَ: مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَامِدًا مُتَعَمِّدًا» . وَقَالَ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: إنَّهُ دَفَنَ أُخْتًا لَهُ مَاتَتْ فَسَقَطَ مِنْهُ كِيسٌ فِيهِ مَالٌ فِي قَبْرِهَا وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ حَتَّى انْصَرَفَ عَنْ قَبْرِهَا ثُمَّ تَذَكَّرَهُ، فَرَجَعَ إلَى قَبْرِهَا فَنَبَشَهُ بَعْدَمَا

стр. 224

انْصَرَفَ النَّاسُ فَوَجَدَ الْقَبْرَ يَشْتَعِلُ عَلَيْهَا نَارًا فَرَدَّ التُّرَابَ عَلَيْهَا وَرَجَعَ إلَى أُمِّهِ بَاكِيًا حَزِينًا، فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ أَخْبِرِينِي عَنْ أُخْتِي وَمَا كَانَتْ تَعْمَلُ؟ قَالَتْ: وَمَا سُؤَالُك عَنْهَا؟ قَالَ: يَا أُمَّاهُ رَأَيْتُ قَبْرَهَا يَشْتَعِلُ عَلَيْهَا نَارًا قَالَ: فَبَكَتْ وَقَالَتْ: يَا وَلَدِي كَانَتْ أُخْتُك تَتَهَاوَنُ بِالصَّلَاةِ وَتُؤَخِّرُهَا عَنْ وَقْتِهَا، فَهَذَا حَالُ مَنْ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا فَكَيْفَ حَالُ مَنْ لَا يُصَلِّي؟ فَنَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْ يُعِينَنَا عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا بِكِمَالَاتِهَا فِي أَوْقَاتِهَا إنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. تَنْبِيهَاتٌ مِنْهَا: عَدُّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ كُلًّا مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى وَقْتِهَا وَتَأْخِيرِهَا عَنْهُ بِلَا عُذْرٍ كَبِيرَةً وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ صَاحِبِ الْعُدَّةِ وَأَقَرَّاهُ، وَتَقْيِيدُ الْأَنْوَارِ لِذَلِكَ بِلَا إعَادَةٍ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ أَعَادَهَا فِي الْوَقْتِ هُوَ بِفِعْلِهَا قَبْلَهُ مُتَعَمِّدًا مُتَلَاعِبٌ بِالدِّينِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ إنَّ عَدَّ الشَّيْخَيْنِ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَى وَقْتِهَا كَبِيرَةً لَا تَحْقِيقَ لَهُ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُعْتَقِدًا لِلْجَوَازِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْمَنْعِ فَالصَّلَاةُ فَاسِدَةٌ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا فَالتَّحْرِيمُ وَقَعَ لِكَوْنِهِ أَتَى بِصَلَاةٍ فَاسِدَةٍ فَيَنْبَغِي التَّعْبِيرُ بِهِ، وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الشَّاذَّةِ النَّادِرَةِ، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّهَا فِي وَقْتِهَا فَالْعِصْيَانُ بِالتَّأْخِيرِ وَبِالصَّلَاةِ الْفَاسِدَةِ فَهُوَ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ أَيْضًا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: مَا ذَكَرَهُ تَخْلِيطٌ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مُرَادَ صَاحِبِ الْعُدَّةِ وَغَيْرِهِ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى وَقْتِهَا إلَّا إذَا قَدَّمَهَا عَالِمًا بِعَدَمِ دُخُولِ الْوَقْتِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَهَذَا مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ خَلَائِقَ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَلَا نِزَاعَ فِيهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَالتَّلَاعُبِ بِالدِّينِ، سَوَاءٌ قَضَاهَا أَمْ لَا انْتَهَى. وَفِي التَّهْذِيبِ حِكَايَةُ وَجْهٍ ضَعِيفٍ: أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ إلَى أَنْ يَخْرُجَ وَقْتُهَا لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ وَإِنَّمَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهِ إذَا اعْتَادَهُ. قَالَ الْحَلِيمِيُّ: تَرْكُ الصَّلَاةِ كَبِيرَةٌ فَإِنْ اتَّخَذَهُ عَادَةً فَهُوَ فَاحِشَةٌ فَإِنْ أَقَامَهَا وَلَمْ يُوفِهَا حَقَّهَا مِنْ الْخُشُوعِ كَأَنْ الْتَفَتَ فِيهَا أَوْ فَرَقَعَ أَصَابِعَهُ أَوْ اسْتَمَعَ إلَى حَدِيثِ النَّاسِ، أَوْ سَوَّى الْحَصَا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مَسِّ اللِّحْيَةِ فَذَلِكَ مِنْ الصَّغَائِرِ انْتَهَى. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: قَضِيَّةُ كَلَامِ غَيْرِهِ عَدُّ ذَلِكَ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ، وَالْقَلْبُ إلَى مَا قَالَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمْيَلُ اهـ. وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْوَجْهِ الْمُوجِبِ لِلْخُشُوعِ فَعَلَيْهِ كُلُّ مَا نَافَى الْخُشُوعَ مِنْ أَصْلِهِ - بِأَنْ لَا يُوجَدَ فِي جُزْءٍ مِنْهَا - يَكُونُ مُحَرَّمًا، أَمَّا عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ الْخُشُوعَ سُنَّةٌ فَلَا حُرْمَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 225

وَمِنْهَا: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي كُفْرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ السَّابِقَةِ التَّصْرِيحُ بِكُفْرِهِ وَشِرْكِهِ وَخُرُوجِهِ مِنْ الْمِلَّةِ، وَبِأَنَّهُ تَبْرَأُ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، وَبِأَنَّهُ يَحْبَطُ عَمَلُهُ، وَبِأَنَّهُ لَا دِينَ لَهُ، وَبِأَنَّهُ لَا إيمَانَ لَهُ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ التَّغْلِيظَاتِ، وَأَخَذَ بِظَاهِرِهَا جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَقَالُوا: مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا حَتَّى خَرَجَ جَمِيعُ وَقْتِهَا كَانَ كَافِرًا مُرَاقَ الدَّمِ. مِنْهُمْ عُمَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمِنْ غَيْرِ الصَّحَابَةِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَغَيْرُهُمْ، فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ قَائِلُونَ بِكُفْرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ وَإِبَاحَةِ دَمِهِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: قَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ، وَذَكَرَ بَعْضَ مَا ذَكَرْنَا: أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ فَرْضٍ وَاحِدَةً مُتَعَمِّدًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ وَلَا نَعْلَمُ لِهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا انْتَهَى. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ: قَالَ إِسْحَاقُ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ كَافِرٌ» وَكَانَ رَأْيُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ لَدُنْهُ ﷺ أَنَّ تَارِكَهَا عَمْدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا كَافِرٌ. انْتَهَى. وَفِي هَذِهِ الدَّعْوَى نَظَرٌ بَلْ هِيَ مَمْنُوعَةٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ مِنْ حِكَايَةِ الْخِلَافِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ: فَإِنَّهُمْ وَإِنْ قَالُوا بِعَدَمِ كُفْرِهِ إذَا لَمْ يَسْتَحِلَّ التَّرْكَ، لَكِنَّهُمْ قَائِلُونَ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِهَا فِي وَقْتِهَا حَتَّى خَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّهَا، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: صَلِّهَا فَأَبَى ضُرِبَ عُنُقُهُ بِالسَّيْفِ. وَمِنْهَا: وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ - أَيْ إنْ مَيَّزُوا -، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى إغْلَاظِ الْعُقُوبَةِ لِتَارِكِ الصَّلَاةِ إذَا بَلَغَ تَارِكًا لَهَا، وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَحْتَجُّ بِهِ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ، وَيَقُولُ: إذَا اسْتَحَقَّ الضَّرْبَ وَهُوَ غَيْرُ بَالِغٍ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ يَسْتَحِقُّ مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ الضَّرْبِ وَلَيْسَ بَعْدَ الضَّرْبِ شَيْءٌ أَشَدَّ مِنْ الْقَتْلِ انْتَهَى. وَفِيهِ مَا فِيهِ، وَمِمَّا وُجِّهَ بِهِ قَتْلُهُ: أَنَّ تَارِكَهَا جَنَى عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، قَالَ ﷺ : «إذَا قَالَهَا بَلَغَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» . وَهَذِهِ الْجِنَايَةُ الْعَامَّةُ لَا يَلِيقُ بِهَا إلَّا الْقَتْلُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُسْتَدَلَّ لِقَتْلِهِ بِالْأَحَادِيثِ

стр. 226

الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ: أَنَّ تَارِكَهَا تَبْرَأُ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، وَأَنَّهُ لَا عَهْدَ لَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ أَوْ صَرِيحٌ فِي إهْدَارِ دَمِهِ، وَمِنْ لَازِمِ إهْدَارِهِ وُجُوبُ قَتْلِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقْتَلْ بِتَرْكِ الزَّكَاةِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَخْذُهَا مِنْهُ بِالْمُقَاتَلَةِ وَلَا بِتَرْكِ الصَّوْمِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إلْجَاؤُهُ إلَيْهِ بِالْحَبْسِ وَمَنْعِ الْمُفْطِرِ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَإِنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا مُخَلِّصَ لَهُ إلَى تَنَاوُلِ مُفْطِرٍ نَهَارًا، نَوَى لَيْلًا، وَصَامَ، وَلَا بِتَرْكِ الْحَجِّ لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَيُمْكِنُ قَضَاؤُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَالصَّلَاةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فِي الْكُلِّ فَلَمْ يُنَاسِبْ عُقُوبَةَ تَرْكِهَا إلَّا الْقَتْلُ، وَإِذَا جَازَتْ الْمُقَاتَلَةُ لِتَخْلِيصِ الزَّكَاةِ فَلَأَنْ يَجُوزَ الْقَتْلُ بِحَمْلِ النَّاسِ بِالْخَوْفِ مِنْهُ عَلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى. [الْكَبِيرَةُ الثَّامِنَةُ وَالسَّبْعُونَ النَّوْمُ عَلَى سَطْحٍ لَا تَحْجِيرَ بِهِ] (الْكَبِيرَةُ الثَّامِنَةُ وَالسَّبْعُونَ: النَّوْمُ عَلَى سَطْحٍ لَا تَحْجِيرَ بِهِ) أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ لَهُ حِجَارٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ " حِجَابٌ " بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «مَنْ رَمَانَا بِاللَّيْلِ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ رَقَدَ عَلَى سَطْحٍ لَا جِدَارَ لَهُ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ» . وَعَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ: " كُنَّا بِفَارِسَ وَعَلَيْنَا أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ زُهَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَبْصَرَ إنْسَانًا فَوْقَ بَيْتٍ أَوْ إجَّارٍ - أَيْ بِكَسْرٍ فَجِيمٍ مُشَدَّدَةٍ سَطْحٌ لَيْسَ حَوْلَهُ شَيْءٌ - فَقَالَ لِي سَمِعْتَ فِي هَذَا شَيْئًا؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَاتَ فَوْقَ إجَّارٍ أَوْ فَوْقَ بَيْتٍ لَيْسَ حَوْلَهُ شَيْءٌ يَرُدُّ رِجْلَهُ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَمَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ بَعْدَمَا يُرِيحُ - أَيْ يَهِيجُ وَيَضْطَرِبُ - فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا هَكَذَا وَمَوْقُوفًا وَرُوَاتُهُمَا ثِقَاتٌ وَالْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَيْضًا قَالَ: كُنْت مَعَ زُهَيْرٍ الشَّوَّاءِ فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ نَائِمٍ عَلَى ظَهْرِ جِدَارٍ وَلَيْسَ لَهُ مَا يَدْفَعُ رِجْلَيْهِ فَضَرَبَ يَدَهُ بِرِجْلِهِ ثُمَّ قَالَ قُمْ، ثُمَّ قَالَ زُهَيْرٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ جِدَارٍ وَلَيْسَ لَهُ مَا يَدْفَعُ رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ فَمَاتَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ

стр. 227

أَبِي زُهَيْرٍ، وَقِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ، وَقِيلَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي جَبَلٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: أَخَذَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عِنْدَ النَّوْمِ عَلَى سَطْحٍ غَيْرِ مَحُوطٍ مِنْ الْكَبَائِرِ وَلَيْسَ هَذَا الْأَخْذُ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ لَيْسَ مَعْنَاهُ هُنَا بِخِلَافِهِ فِيمَا قَدَّمْته آنِفًا لِمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ وَهَذَا الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ لِارْتِكَابِهِ مَا هُوَ سَبَبٌ لِلْهَلَاكِ عَادَةً فِي بَعْضِ النَّاسِ فَلَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ الْحُرْمَةَ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ كَبِيرَةً، فَمِنْ ثَمَّ اُتُّجِهَ أَنَّ الصَّوَابَ مَا عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مَنْ عَدَّ ذَلِكَ كَبِيرَةً فَرُكُوبُ الْبَحْرِ وَقْتَ هَيَجَانِهِ يَكُونُ كَبِيرَةً بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا حَرَامٌ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ كَبِيرَةً لِأَنَّهُ إلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ وَالتَّغْرِيرِ الشَّنِيعِ؛ فَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُوكَلُ إلَى نَفْسِهِ حَتَّى إذَا مَاتَ عُذِّبَ بِسَبَبِ تَعَدِّيهِ بِرُكُوبِهِ الْمُحَرَّمِ، بِخِلَافِ النَّوْمِ عَلَى السَّطْحِ غَيْرِ الْمَحُوطِ فَإِنَّ الْهَلَاكَ لَا يَغْلِبُ مِنْهُ كَمَا يَغْلِبُ مِنْ رُكُوبِهِ الْبَحْرَ الْمَذْكُورِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، وَهَذَا هُوَ مَلْحَظُ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ بِحُرْمَةِ هَذَا وَكَرَاهَةِ ذَلِكَ. [الْكَبِيرَةُ التَّاسِعَةُ وَالسَّبْعُونَ تَرْكُ وَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ] (الْكَبِيرَةُ التَّاسِعَةُ وَالسَّبْعُونَ: تَرْكُ وَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا أَوْ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا عِنْدَ مَنْ يَرَى الْوُجُوبَ كَتَرْكِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِهِ) أَخْرَجَ جَمَاعَةٌ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» . وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ» ، وَصَحَّ أَيْضًا «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» - أَوْ قَالَ - «لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» . وَصَحَّ أَيْضًا: «أَسْرَقُ النَّاسِ الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْرِقُ صَلَاتَهُ؟ قَالَ لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا، وَأَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ» . وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا: «أَنَّهُ ﷺ لَمَحَ بِمُؤَخَّرِ

стр. 228

عَيْنِهِ رَجُلًا خَلْفَهُ لَا يُقِيمُ صَلَاتَهُ - يَعْنِي صُلْبَهُ - فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى صَلَاةِ عَبْدٍ لَا يُقِيمُ فِيهَا صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ، وَيَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَ ﷺ : لَوْ مَاتَ هَذَا عَلَى حَالِهِ مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ قَالَ ﷺ : مَثَلُ الَّذِي لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَيَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ مَثَلُ الْجَائِعِ يَأْكُلُ التَّمْرَةَ وَالتَّمْرَتَيْنِ لَا يُغْنِيَانِ عَنْهُ شَيْئًا» . قَالَ أَبُو صَالِحٍ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ حَدَّثَ بِهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ سَمِعُوهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَبُو الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُّ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي سِتِّينَ سَنَةً وَمَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلَا يُتِمُّ السُّجُودَ وَيُتِمُّ السُّجُودَ وَلَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَوْ أَنَّ لِأَحَدِكُمْ هَذِهِ السَّارِيَةَ لَكَرِهَ أَنْ يَجْدَعَ - أَيْ يَقْطَعَ - بَعْضَهَا، كَيْفَ يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ فَيَجْدَعُ صَلَاتَهُ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ فَأَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إلَّا تَامًّا» . وَصَحَّ عَنْ بِلَالٍ ﵁: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلَا السُّجُودَ فَقَالَ: لَوْ مَاتَ هَذَا مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَالْبُخَارِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي لَا يُتِمُّ رُكُوعَ الصَّلَاةِ وَلَا سُجُودَهَا فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ وَلَوْ مِتَّ وَأَنْتَ تُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ مِتَّ عَلَى غَيْرِ فِطْرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . زَادَ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ قَالَ: " مُذْ كَمْ تُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ؟ قَالَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، قَالَ مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً شَيْئًا، وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ فِطْرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ". وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى عَبْدٍ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، وَمَا تَرَوْنَ فِي الشَّارِبِ وَالزَّانِي وَالسَّارِقِ - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ الْحُدُودُ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هُنَّ فَوَاحِشُ وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يَسْرِقُ صَلَاتَهُ؟ قَالَ لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» . وَالْبَيْهَقِيُّ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا

стр. 229

وَالْقِرَاءَةَ فِيهَا، قَالَتْ الصَّلَاةُ: حَفِظَك اللَّهُ كَمَا حَفِظْتَنِي ثُمَّ صُعِدَ بِهَا إلَى السَّمَاءِ، وَلَهَا ضَوْءٌ وَنُورٌ، وَفُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إلَى اللَّهِ فَتَشْفَعُ لِصَاحِبِهَا، وَإِذَا لَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا وَلَا الْقِرَاءَةَ فِيهَا، قَالَتْ: ضَيَّعَك اللَّهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي ثُمَّ صُعِدَ بِهَا إلَى السَّمَاءِ وَعَلَيْهَا ظُلْمَةٌ فَأُغْلِقَتْ دُونَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ ثُمَّ تُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلَقُ فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «وَمَنْ صَلَّاهَا لِغَيْرِ وَقْتِهَا، وَلَمْ يُسْبِغْ لَهَا وُضُوءَهَا، وَلَمْ يُتِمَّ لَهَا خُشُوعَهَا وَلَا رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا خَرَجَتْ، وَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، تَقُولُ ضَيَّعَك اللَّهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي حَتَّى إذَا كَانَتْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ لُفَّتْ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلَقُ ثُمَّ ضُرِبَ بِهَا وَجْهُهُ» . وَصَحَّ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ إنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ «إنَّهُ لَمَّا صَلَّى وَجَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: لَهُ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ وَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ وَسَلَّمَ فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ ذَلِكَ فَفَعَلَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا عِبْت عَلَيَّ، فَقَالَ ﷺ إنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، وَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمَرْفِقَيْنِ، وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللَّهَ وَيَحْمَدَهُ وَيُمَجِّدَهُ وَيَقْرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ مَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ وَتَيَسَّرَ، ثُمَّ يُكَبِّرَ وَيَرْكَعَ فَيَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ، ثُمَّ يَقُولَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَسْتَوِيَ قَائِمًا حَتَّى يَأْخُذَ كُلُّ عَظْمٍ مَأْخَذَهُ وَيُقِيمَ صُلْبَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَسْجُدَ وَيُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَرْفَعَ رَأْسَهُ وَيَسْتَوِيَ قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدَتِهِ وَيُقِيمَ صُلْبَهُ، فَوَصَفَ الصَّلَاةَ هَكَذَا حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ قَالَ، لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ» . وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «الصَّلَاةُ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ، الطَّهُورُ ثُلُثٌ، وَالرُّكُوعُ ثُلُثٌ، وَالسُّجُودُ ثُلُثٌ، فَمَنْ أَدَّاهَا بِحَقِّهَا قُبِلَتْ مِنْهُ وَقُبِلَ مِنْهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَمَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ رُدَّ عَلَيْهِ سَائِرُ عَمَلِهِ» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَاضِحٌ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ لَمَا عَلِمْته مِنْ هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ تَرْكَ وَاجِبٍ لَهَا مُجْمَعٍ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الصَّلَاةِ وَأَنَّهُ كَبِيرَةٌ، وَكَذَا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى وُجُوبَهُ، فَتَرْكُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِتَرْكِهَا أَيْضًا، فَفِيهِ أَيْضًا الْوَعِيدُ السَّابِقُ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ.

стр. 230

[بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ] [ الْكَبِيرَةُ الثَّمَانُونَ حَتَّى الثَّالِثَةُ وَالثَّمَانُونَ الْوَصْلُ وَالْوَشْمُ وَشْرُ الْأَسْنَانِ وَالتَّنْمِيصُ] الْكَبِيرَةُ الثَّمَانُونَ: الْوَصْلُ وَطَلَبُ عَمَلِهِ الْكَبِيرَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّمَانُونَ: الْوَشْمُ وَطَلَبُ عَمَلِهِ الْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّمَانُونَ: وَشْرُ الْأَسْنَانِ أَيْ تَحْدِيدُهَا وَطَلَبُ عَمَلِهِ الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّمَانُونَ: التَّنْمِيصُ وَطَلَبُ عَمَلِهِ، وَهُوَ جَرْدُ الْوَجْهِ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " لُعِنَتْ الْوَاصِلَةُ وَالْمُسْتَوْصِلَةُ وَالنَّامِصَةُ وَالْمُتَنَمِّصَةُ وَالْوَاشِمَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ مِنْ غَيْرِ دَاءٍ ". وَالشَّيْخَانِ: «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ زَوَّجَتْ ابْنَتَهَا فَتَمَعَّطَ شَعَرُ رَأْسِهَا فَجَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وَقَالَتْ: إنَّ زَوْجَهَا أَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ فِي شَعَرِهَا، فَقَالَ: لَا إنَّهُ قَدْ لُعِنَ الْمَوْصُولَاتُ» . وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ عَامَ حَجَّ وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ، فَقَالَ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا وَيَقُولُ: «إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ» . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّهُ أَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ فَقَالَ: «مَا كُنْت أَرَى أَحَدًا يَفْعَلُهُ إلَّا الْيَهُودُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلَغَهُ فَسَمَّاهُ الزُّورَ» ،. وَفِي أُخْرَى لَهُمَا أَنَّهُ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: إنَّكُمْ قَدْ اتَّخَذْتُمْ زِيَّ سُوءٍ فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الزُّورِ. قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي مَا تُكْثِرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعَارَهُنَّ مِنْ الْخِرَقِ. وَقَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِعَصًا وَعَلَى رَأْسِهَا خِرْقَةٌ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَلَا هَذَا الزُّورُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ - فِي سَنَدِهَا ابْنُ لَهِيعَةَ - «أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ بِقُصَّةٍ فَقَالَ: إنَّ نِسَاءَ بَنِي إسْرَائِيلَ كُنَّ يَجْعَلْنَ هَذَا فِي رُءُوسِهِنَّ فَلُعِنَّ وَحُرِّمَ عَلَيْهِنَّ الْمَسَاجِدُ» . وَالْوَاصِلَةُ الَّتِي تَصِلُ الشَّعَرَ بِشَعَرٍ آخَرَ،، وَالْوَاشِمَةُ الَّتِي تَفْعَلُ الْوَشْمَ وَهُوَ مَعْرُوفٌ،، وَالنَّامِصَةُ الَّتِي تَنْقُشُ الْحَاجِبَ حَتَّى تُرِقَّهُ كَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد، وَالْأَشْهَرُ مَا قَالَهُ

стр. 231

الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مِنْ النَّمْصِ، وَهُوَ نَتْفُ شَعَرِ الْوَجْهِ،، وَالْمُتَفَلِّجَةُ هِيَ الَّتِي تُفَلِّجُ أَسْنَانَهَا بِنَحْوِ مِبْرَدٍ لِلْحُسْنِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ الْمَفْعُولُ بِهَا ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ هَذِهِ كُلَّهَا مِنْ الْكَبَائِرِ، وَهُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَغَيْرُهُ فِي الْكُلِّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَا مَرَّ أَنَّ مِنْ أَمَارَاتِ الْكَبِيرَةِ اللَّعْنَ، وَقَدْ عَلِمْت صِحَّةَ الْأَحَادِيثِ بِلَعْنِ الْكُلِّ، لَكِنْ لَمْ يَجْرِ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا عَلَى إطْلَاقِ ذَلِكَ، بَلْ قَالُوا: إنَّمَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْوَشْمِ وَالنَّمْصِ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ لِمَا عَلِمْت فِي قِصَّةِ الْأَنْصَارِيَّةِ فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ لَهَا: لَا، مَعَ قَوْلِهَا إنَّ الزَّوْجَ أَمَرَ بِالْوَصْلِ، وَعَجِيبٌ قَوْلُهُمْ بِكَرَاهَةِ النَّمْصِ بِمَعْنَيَيْهِ السَّابِقَيْنِ مَعَ اللَّعْنِ فِيهِ وَمَعَ قَوْلِهِمْ بِالْحُرْمَةِ فِي غَيْرِهِ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ، وَأَيُّ فَرْقٍ مَعَ وُقُوعِ اللَّعْنِ عَلَى الْكُلِّ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَشَارُوا إلَيْهِ فِي مَحَلِّهِ. [الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّمَانُونَ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي] (الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّمَانُونَ: الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي إذَا صَلَّى لِسُتْرَةٍ بِشَرْطِهَا) أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: «لَكَانَ أَنْ يَقُومَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا» : سَنَةً أَيْ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: «لَأَنْ يَقِفَ أَحَدُكُمْ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي.» وَصَحَّ فِيهِ حَدِيثٌ وَهُوَ: «لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ مَا لَهُ فِي أَنْ يَمْشِيَ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ مُعْتَرِضًا وَهُوَ يُنَاجِي رَبَّهُ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مِائَةَ عَامٍ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَاهَا» . وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» . وَصَحَّ أَيْضًا: «فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ» أَيْ وَأَطَاعَهُ وَإِلَّا فَلَا خُصُوصِيَّةَ لَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَوْقُوفًا: «لَأَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ رَمَادًا يُذْرَى بِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ رَجُلٍ مُتَعَمِّدًا وَهُوَ يُصَلِّي» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا كَبِيرَةً هُوَ مَا وَقَعَ لِبَعْضِ أَئِمَّتِنَا وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ نَحْوِ مَا ذَكَرْته مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّ فِيهَا وَعِيدًا شَدِيدًا كَمَا لَا يَخْفَى، وَاسْتُفِيدَ مِنْهَا أَنَّ شَرْطَ التَّحْرِيمِ

стр. 232

أَنْ يُصَلِّيَ إلَى سَاتِرٍ، وَهُوَ عِنْدَنَا جِدَارٌ أَوْ عَمُودٌ أَوْ نَحْوُ عَصًا يَغْرِزُهَا، أَوْ مَتَاعٍ يَجْمَعُهُ، فَإِنْ عَجَزَ بَسَطَ مُصَلًّى، فَإِنْ عَجَزَ خَطَّ خَطًّا طُولًا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ، وَيُشْتَرَطُ قُرْبُهُ مِنْهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ عَقِبِهِ وَبَيْنَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَأَنْ يَكُونَ طُولُ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ، وَأَنْ لَا يَقِفَ بِطَرِيقٍ كَالْمَطَافِ وَقْتَ طَوَافِ أَحَدٍ بِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةٌ فِي صَفٍّ وَإِنْ بَعُدَ عَنْهُ، فَإِنْ انْتَفَى شَرْطٌ مِمَّا ذُكِرَ لَمْ يَحْرُمْ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ بَلْ يُكْرَهُ، وَقِيلَ يَحْرُمُ فِي مَحَلِّ سُجُودِهِ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا. [بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ] [الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّمَانُونَ إطْبَاقُ أَهْلِ قَرْيَةِ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ] (الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّمَانُونَ: إطْبَاقُ أَهْلِ الْقَرْيَةِ أَوْ الْبَلَدِ أَوْ نَحْوِهِمَا عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ فِي فَرْضٍ مِنْ الْمَكْتُوبَاتِ الْخَمْسِ وَقَدْ وُجِدَتْ فِيهِمْ شُرُوطُ وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ) أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الْجَمَاعَةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ» . وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إلَّا قَدْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ، أَيْ غَلَبَ، فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنْ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ» زَادَ رَزِينٌ: «وَإِنَّ ذِئْبَ الْإِنْسَانِ الشَّيْطَانُ إذَا خَلَا بِهِ أَكَلَهُ» . وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ: «ثَلَاثَةٌ لَعَنَهُمْ اللَّهُ: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ تُحَذِّفُ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَرَجُلٌ سَمِعَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَلَمْ يُجِبْ» . وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا - يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ - فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ سُنَنَ الْهُدَى - وَإِنَّهُنَّ - مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ. وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدَ إلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ

стр. 233

خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ بِهَا عَنْهُ سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ "، وَفِي رِوَايَةٍ: " لَقَدْ رَأَيْتنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْ الصَّلَاةِ إلَّا مُنَافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ أَوْ مَرِيضٌ، إنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَ الصَّلَاةَ " وَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد بَدَلُ قَوْلِهِ -: " وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ " - وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَكَفَرْتُمْ ". وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ: «الْجَفَاءُ كُلُّ الْجَفَاءِ، وَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ مَنْ سَمِعَ مُنَادِيَ اللَّهِ يُنَادِي إلَى الصَّلَاةِ فَلَا يُجِيبُهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ: «بِحَسْبِ الْمُؤْمِنِ مِنْ الشَّقَاءِ وَالْخَيْبَةِ أَنْ يَسْمَعَ الْمُؤَذِّنَ يُثَوِّبُ بِالصَّلَاةِ فَلَا يُجِيبُهُ» وَالتَّثْوِيبُ هُنَا اسْمٌ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ. وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ فِتْيَتِي فَيَجْمَعُوا إلَيَّ حُزَمًا مِنْ حَطَبٍ ثُمَّ آتِيَ قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ فَأُحَرِّقَهَا عَلَيْهِمْ» فَقِيلَ لِيَزِيدَ - هُوَ ابْنُ الْأَصَمِّ -: الْجُمُعَةَ عَنَى أَوْ غَيْرَهَا؟ قَالَ: صُمَّتَا أُذُنَايَ إنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَأْثُرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَذْكُرْ جُمُعَةً وَلَا غَيْرَهَا. وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الْمَسْجِدَ فَرَأَى فِي الْقَوْمِ رِقَّةً فَقَالَ: إنِّي لَأَهُمُّ أَنْ أَجْعَلَ لِلنَّاسِ إمَامًا ثُمَّ أَخْرُجُ فَلَا أَقْدِرُ عَلَى إنْسَانٍ يَتَخَلَّفُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ إلَّا أَحْرَقْتُهُ عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ نَخْلًا وَشَجَرًا وَلَا أَقْدِرُ عَلَى قَائِدٍ كُلَّ سَاعَةٍ أَيَسَعُنِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي قَالَ: أَتَسْمَعُ الْإِقَامَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأْتِهَا» . وَمُسْلِمٌ: «إنَّ أَعْمَى قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَأَجِبْ» . وَأَبُو دَاوُد: «إنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ وَأَنَا ضَرِيرُ الْبَصَرِ شَاسِعُ الدَّارِ - أَيْ بَعِيدُهَا - وَلِي قَائِدٌ لَا يُلَائِمُنِي فَهَلْ لِي رُخْصَةٌ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ فَقَالَ نَعَمْ، قَالَ فَأَجِبْ فَإِنِّي لَا أَجِدُ لَكُمْ رُخْصَةً» .

стр. 234

وَابْنُ مَاجَهْ: «لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ عَنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ أَوْ لَأُحَرِّقَنَّ بُيُوتَهُمْ» وَصَحَّحَ الْحَاكِمُ خَبَرَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَارِغًا صَحِيحًا فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» ، لَكِنْ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ الصَّحِيحُ وَقْفُهُ. وَأَبُو دَاوُد: «مَنْ يَسْمَعُ الْمُنَادِيَ بِالصَّلَاةِ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ قِيلَ وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى» يَعْنِي فِي بَيْتِهِ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] إنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ يَغْشَاهُمْ فِيهِ ذُلُّ النَّدَامَةِ لِأَجْلِ كَوْنِهِمْ كَانُوا يُدْعَوْنَ فِي الدُّنْيَا إلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ فَلَمْ يُجِيبُوا، وَقَالَ أَيْضًا: يُدْعَوْنَ إلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: كَانُوا يَسْمَعُونَ " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " فَلَا يُجِيبُونَ وَهُمْ أَصِحَّاءُ سَالِمُونَ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: وَاَللَّهِ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إلَّا فِي الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الْجَمَاعَاتِ فَأَيُّ وَعِيدٍ أَبْلَغُ وَأَشَدُّ مِنْ هَذَا لِمَنْ تَرَكَ الْجَمَاعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَمَّنْ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ وَلَا يُصَلِّي فِي الْجَمَاعَةِ وَلَا يُجَمِّعُ؟ فَقَالَ: إنْ مَاتَ هَذَا فَهُوَ فِي النَّارِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ أُذُنُ ابْنِ آدَمَ رَصَاصًا مُذَابًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ النِّدَاءَ وَلَا يُجِيبَ. وَقَالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ -: لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ، قِيلَ: وَمَنْ جَارُ الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: مَنْ يَسْمَعُ الْأَذَانَ، وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَهُمَا جَاءَ حَدِيثًا: وَقَالَ حَاتِمٌ الْأَصَمُّ: فَاتَتْنِي مَرَّةً صَلَاةٌ فَعَزَّانِي أَبُو إِسْحَاقَ الْبُخَارِيُّ وَحْدَهُ وَلَوْ مَاتَ لِي وَلَدٌ لَعَزَّانِي أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ نَفْسٍ لِأَنَّ مُصِيبَةَ الدِّينِ عِنْدَ النَّاسِ أَهْوَنُ مِنْ مُصِيبَةِ الدُّنْيَا. وَحَكَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إلَى بُسْتَانٍ لَهُ فَرَجَعَ وَقَدْ صَلَّى النَّاسُ الْعَصْرَ، فَقَالَ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَاتَتْنِي صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي الْجَمَاعَةِ أُشْهِدُكُمْ أَنَّ حَائِطِي عَلَى الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ لِتَكُونَ كَفَّارَةً لِمَا صُنِعَ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: كُنَّا إذَا فَقَدْنَا الْإِنْسَانَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ فِي الْجَمَاعَةِ أَسَأْنَا بِهِ الظَّنَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَافَقَ أَيْ لِحَدِيثِ: «إنَّهُمَا أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» .

стр. 235

تَنْبِيهٌ: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ، وَبِهِ يَظْهَرُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَيْضًا مِنْ أَنَّ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ بِالْقُيُودِ الَّتِي قَدَّمْتهَا كَبِيرَةٌ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ، بَلْ الظَّاهِرُ مِنْ الْأَحَادِيثِ أَيْضًا أَنَّ تَرْكَهَا بِالْقُيُودِ الَّتِي قَدَّمْتهَا كَبِيرَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا بِالرَّاجِحِ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ يُقَاتِلُهُمْ عَلَى تَرْكِهَا؛ وَأَمَّا مَا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَأَنَّهُمْ لَا يُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِهَا فَلَا يَقْتَضِي أَنَّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ لَا نَجْعَلُهُ كَبِيرَةً، لِأَنَّهُ يُؤَوِّلُ الْأَحَادِيثَ بِحَمْلِهَا عَلَى الْمُنَافِقِينَ، فَهِيَ وَارِدَةٌ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ مُنَافِقِينَ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا فَهُوَ وَإِنْ سَلِمَ لَهُ فِيمَنْ عَزَمَ عَلَى حَرْقِهِمْ فَلَا يَسْلَمُ لَهُ فِي الْمَلْعُونِينَ وَنَحْوِهِمْ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ اللَّعْنَ مِنْ أَمَارَاتِ الْكَبِيرَةِ، فَظَهَرَ أَنَّ تَرْكَهَا كَبِيرَةٌ فَيُفَسَّقُ أَهْلُ الْبَلَدِ مَثَلًا إذْ تَوَاطَئُوا عَلَيْهِ وَلَوْ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَا مَرَّ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى تَهَاوُنِهِمْ بِالدِّينِ فَهُوَ جَرِيمَةٌ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَرِقَّةِ الدِّيَانَةِ. ثُمَّ رَأَيْت الذَّهَبِيَّ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِرِ، لَكِنْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْته فَإِنَّهُ قَالَ: الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالسِّتُّونَ الْإِصْرَارُ عَلَى تَرْكِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِبَعْضِ مَا سَبَقَ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَتَمَشَّى إلَّا عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ لَا عَلَى مَذْهَبِنَا، لِأَنَّهَا إمَّا فَرْضُ كِفَايَةٍ أَوْ سُنَّةٌ، وَكُلٌّ مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ - إذَا قَامَ بِهِ غَيْرُهُ - وَمِنْ السُّنَّةِ لَا إثْمَ بِتَرْكِهِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ كَبِيرَةً. [الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّمَانُونَ إمَامَةُ الْإِنْسَانِ لِقَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ] (الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّمَانُونَ: إمَامَةُ الْإِنْسَانِ لِقَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ) أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ: «ثَلَاثَةٌ لَعَنَهُمْ اللَّهُ: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَرَجُلٌ سَمِعَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَلَمْ يُجِبْ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» . وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمْ صَلَاةً: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ يَأْتِي الصَّلَاةَ دِبَارًا - وَالدِّبَارُ أَنْ يَأْتِيَهَا بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ - وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ حُرًّا» أَيْ جَعَلَهُ عَبْدًا.

стр. 236

وَالطَّبَرَانِيُّ - بِسَنَدٍ قِيلَ فِي بَعْضِ رِجَالِهِ: إنَّ لَهُ مَنَاكِيرَ -: أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ صَلَّى بِقَوْمٍ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إنِّي نَسِيت أَنْ أَسْتَأْمِرَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَقَدَّمَ أَرَضِيتُمْ بِصَلَاتِي؟ قَالُوا: نَعَمْ وَمَنْ يَكْرَهُ ذَلِكَ يَا حَوَارِيَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ لَمْ تُجَاوِزْ صَلَاتُهُ أُذُنَيْهِ» . وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مُرْسَلًا وَمَرْفُوعًا: «ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمْ صَلَاةً، لَا تَصْعَدُ إلَى السَّمَاءِ وَلَا تُجَاوِزُ رُءُوسَهُمْ: رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَلَمْ يُؤَمَّرْ، وَامْرَأَةٌ دَعَاهَا زَوْجُهَا مِنْ اللَّيْلِ فَأَبَتْ عَلَيْهِ» . وَابْنُ مَاجَهْ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرْفَعُ صَلَاتُهُمْ عَلَى رُءُوسِهِمْ شِبْرًا: رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَأَخَوَانِ مُتَصَارِمَانِ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُمْ صَلَاةً: إمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا غَضْبَانُ، وَأَخَوَانِ مُتَصَارِمَانِ» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا مِنْ الْكَبَائِرِ مَعَ الْجَزْمِ بِهِ وَقَعَ لِبَعْضِ أَئِمَّتِنَا وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَنَا إنْ كَرِهَهُ أَكْثَرُ الْقَوْمِ لِأَمْرٍ مَذْمُومٍ فِيهِ شَرْعًا مِمَّا لَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تُكْرَهُ الْإِمَامَةُ وَالِاقْتِدَاءُ مَعَهُ وَلَيْسَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ مَكْرُوهًا مُطْلَقًا، وَلَا إمَامَتُهُ بِمُحَرَّمَةٍ مُطْلَقًا. فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ كَبِيرَةً، لِأَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ بِمُجْبِرٍ لِأَحَدٍ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ إذْ هُمْ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ لَا يُصَلُّوا وَرَاءَهُ فَهُمْ الْمُقَصِّرُونَ دُونَهُ، نَعَمْ. إنْ حُمِلَتْ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ عَلَى مَنْ تَعَدَّى عَلَى وَظِيفَةِ إمَامٍ رَاتِبٍ فَصَلَّى فِيهَا قَهْرًا عَلَى صَاحِبِهَا وَعَلَى الْمَأْمُومِينَ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ حِينَئِذٍ: إنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ، لِأَنَّ غَصْبَ الْمَنَاصِبِ أَوْلَى بِالْكَبِيرَةِ مِنْ غَصْبِ الْأَمْوَالِ الْمُصَرَّحِ فِيهِ بِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ. خَاتِمَةٌ: صَحَّ عِنْدَ ابْنَيْ خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ: «مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَأَصَابَ الْوَقْتَ وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ فَلَهُ وَلَهُمْ وَمَنْ انْتَقَصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِمْ» . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ: «مَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ ضَامِنٌ مَسْئُولٌ لِمَا ضَمِنَ، وَإِنْ أَحْسَنَ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَهُوَ عَلَيْهِ» . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ: «يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِذَا أَصَابُوا فَلَكُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ

стр. 237

وَعَلَيْهِمْ» . وَفِي حَدِيثٍ حَسَنٍ: «ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ أُرَاهُ قَالَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُلٌ يُنَادِي بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» . وَفِي أُخْرَى بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَهُولُهُمْ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَلَا يَنَالُهُمْ الْحِسَابُ - هُمْ عَلَى كَثِيبٍ مِنْ مِسْكٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حِسَابِ الْخَلَائِقِ: رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَأَمَّ بِهِ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ» الْحَدِيثَ. [الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّامِنَة وَالثَّمَانُونَ قَطْعُ الصَّفِّ وَعَدَمُ تَسْوِيَتِهِ] (الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّمَانُونَ وَالْكَبِيرَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّمَانُونَ: قَطْعُ الصَّفِّ وَعَدَمُ تَسْوِيَتِهِ) أَخْرَجَ جَمَاعَةٌ وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ: «مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» . وَأَيْضًا: «إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُسَوِّيهِمْ فِي صُفُوفِهِمْ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ. وَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ» . وَفِي رِوَايَةٍ فِي سَنَدِهَا مَتْرُوكٌ: «مَنْ سَدَّ فُرْجَةً رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» . وَفِي أُخْرَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «مَنْ سَدَّ فُرْجَةً فِي الصَّفِّ غُفِرَ لَهُ» . وَفِي أُخْرَى بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ: «إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ، وَلَا يَصِلُ عَبْدٌ صَفًّا إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً وَدَرَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ الْبِرِّ» . وَرَوَى الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ» . وَفِي أُخْرَى لِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: «لَتُسَوُّنَّ الصُّفُوفَ أَوْ لَيُطْمَسَنَّ الْوُجُوهُ وَلَيُغْمَضَنَّ أَبْصَارُكُمْ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُكُمْ» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَيْنِ مِنْ الْكَبَائِرِ هُوَ قَضِيَّةُ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ ﷺ : «وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» إذْ هُوَ بِمَعْنَى: لَعَنَهُ اللَّهُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَمَرَّ أَنَّ مِنْ أَمَارَاتِ الْكَبِيرَةِ اللَّعْنَ وَنَحْوَهُ، وَقَوْلُهُ ﷺ «أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ أَوْ قُلُوبِكُمْ» ؛ إذْ هُوَ تَهْدِيدُ الطَّمْسِ أَوْ الْمَسْخِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأَخِيرَةُ الَّتِي اسْتَحْسَنَ سَنَدَهَا بَعْضُهُمْ وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ، لَكِنْ لَمْ أَرَ أَحَدًا عَدَّ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِرِ عَلَى أَنَّ قَطْعَ الصَّفِّ أَوْ عَدَمَ تَسْوِيَتِهِ

стр. 238

عِنْدَنَا إنَّمَا هُوَ مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ كَبِيرَةً، نَعَمْ يَلْزَمُ مَنْ عَدَّ إمَامَةَ مَنْ يَكْرَهُونَهُ، وَالنَّوْمَ عَلَى سَطْحٍ غَيْرِ مَحُوطٍ، وَتَرْكَ الْجَمَاعَةِ كَبَائِرَ مَعَ أَنَّهَا إنَّمَا هِيَ مَكْرُوهَاتٌ أَنْ يَعُدَّ هَذَيْنِ مِنْ الْكَبَائِرِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّ الْوَعِيدَ هُنَا أَشَدُّ مِنْهُ فِي أُولَئِكَ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد: «لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ عَنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ اللَّهُ فِي النَّارِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَابْنِ حِبَّانَ «حَتَّى يُخَلِّفَهُمْ اللَّهُ فِي النَّارِ» وَكَأَنَّ الْأَئِمَّةَ فَهِمُوا مِنْ هَذِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا ظَاهِرَهَا إجْمَاعًا أَنَّ التَّغْلِيظَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا ظَوَاهِرُهَا، بَلْ الزَّجْرُ عَنْ خَلَلِ الصُّفُوفِ وَحَمْلُ النَّاسِ عَلَى إكْمَالِهَا وَتَسْوِيَتِهَا مَا أَمْكَنَ. [الْكَبِيرَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّمَانُونَ مُسَابَقَةُ الْإِمَامِ] (الْكَبِيرَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّمَانُونَ: مُسَابَقَةُ الْإِمَامِ) أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ بِلَفْظِ: «مَا يَأْمَنُ أَحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ كَلْبٍ» . وَصَحَّ وَقْفُهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَهُوَ مَرْفُوعٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ كَلْبٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ سَنَدُهَا حَسَنٌ: «الَّذِي يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ قَبْلَ الْإِمَامِ إنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ الشَّيْطَانِ» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا مِنْ الْكَبَائِرِ هُوَ صَرِيحُ مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَإِنَّمَا يَتَّضِحُ بِنَاءً عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا صَلَاةَ لَهُ» . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَأَمَّا عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا قَدْ أَسَاءَ، وَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ، غَيْرَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَأْمُرُونَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى السُّجُودِ وَيَمْكُثَ فِي سُجُودِهِ بَعْدَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ بِقَدْرِ مَا كَانَ تَرَكَ انْتَهَى. وَمَذْهَبُنَا أَنَّ مُجَرَّدَ رَفْعِ الرَّأْسِ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ الْقِيَامِ أَوْ الْهُوِيِّ قَبْلَهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَأَنْ يُسَنَّ لَهُ الْعَوْدُ إلَى الْإِمَامِ إنْ كَانَ بَاقِيًا فِي ذَلِكَ الرُّكْنِ، فَإِنْ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ كَأَنْ رَكَعَ وَاعْتَدَلَ - وَالْإِمَامُ قَائِمٌ لَمْ يَرْكَعْ - حَرُمَ عَلَيْهِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَتَكُونَ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ كَبِيرَةً، أَوْ بِرُكْنَيْنِ كَأَنْ هَوَى إلَى السُّجُودِ، وَالْإِمَامُ لَمْ يَرْكَعْ، وَكَانَ رَكَعَ وَاعْتَدَلَ وَالْإِمَامُ لَمْ يَرْكَعْ، فَلَمَّا أَرَادَ الْإِمَامُ

стр. 239

الِاعْتِدَالَ هَوَى الْمَأْمُومُ لِلسُّجُودِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَيَكُونُ فِعْلُهُ ذَلِكَ تَسْمِيَتُهُ كَبِيرَةً ظَاهِرَةٌ. [الْكَبِيرَةُ التِّسْعُونَ حَتَّى الثَّانِيَةِ وَالتِّسْعِينَ رَفْعُ الْبَصَرِ إلَى السَّمَاءِ وَالِالْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ وَالِاخْتِصَارُ] (الْكَبِيرَةُ التِّسْعُونَ وَالْحَادِيَةُ وَالتِّسْعُونَ وَالثَّانِيَةُ وَالتِّسْعُونَ: رَفْعُ الْبَصَرِ إلَى السَّمَاءِ، وَالِالْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ، وَالِاخْتِصَارُ) أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» . وَابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ رُوَاةُ الصَّحِيحِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «لَا تَرْفَعُوا أَبْصَارَكُمْ إلَى السَّمَاءِ فَتَلْتَمِعَ، يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ، أَيْ يُذْهَبَ بِهَا» . وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» . وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ» . وَأَبُو دَاوُد: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ فَرَأَى فِيهِ نَاسًا يُصَلُّونَ رَافِعِي أَيْدِيهِمْ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ يَشْخَصُونَ أَبْصَارَهُمْ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أَبْصَارُهُمْ» . وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ التَّلَفُّتِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: «اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» . وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَفِي سَنَدِهِ مَنْ صَحَّحَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا: «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ: نَهَانِي عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ» وَالْإِقْعَاءُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ: أَنْ يَجْلِسَ عَلَى أَلْيَيْهِ نَاصِبًا فَخِذَيْهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَاضِعًا يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ، وَخَرَجَ بِهِ الْجُلُوسُ عَلَى عَقِبَيْهِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَقَطْ كَمَا فِي مُسْلِمٍ، وَمَعَ ذَلِكَ الِافْتِرَاشُ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَالْبَزَّارُ: «إذَا أَقْبَلَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ - أَيْ رَحْمَتِهِ - فَإِذَا

стр. 240

الْتَفَتَ قَالَ يَا ابْنَ آدَمَ إلَى مَنْ تَلْتَفِتُ؟ إلَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ لَك مِنِّي؟ أَقْبِلْ إلَيَّ، فَإِذَا الْتَفَتَ الثَّانِيَةَ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا الْتَفَتَ الثَّالِثَةَ صَرَفَ اللَّهُ ﵎ وَجْهَهُ عَنْهُ أَيْ رَحْمَتَهُ عَنْهُ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ: «يَا بُنَيَّ إيَّاكَ وَالِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ هَلَكَةٌ» الْحَدِيثَ. وَالطَّبَرَانِيُّ: «مَنْ قَامَ فِي الصَّلَاةِ فَالْتَفَتَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ» . وَالْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «نُهِيَ عَنْ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ» . وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا» . زَادَ أَبُو دَاوُد " يَعْنِي يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ ". وَابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا: «الِاخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الْكَبَائِرِ هُوَ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ خَطْفِ الْبَصَرِ فِي الْأَوَّلِ، وَانْصِرَافِ الرَّحْمَةِ فِي الثَّانِي، وَكَوْنِ ذَلِكَ رَاحَةَ أَهْلِ النَّارِ فِي الثَّالِثَةِ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا مَرَّ فِي إمَامَةِ الْكَارِهِينَ لَهُ وَفِي غَيْرِ مُسَابَقَةِ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِمَا وَمَا يَأْتِي فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ، لِأَنَّهُمْ إذَا أَخَذُوا مِنْ مَنْعِ لُبْسِهِ فِي الْآخِرَةِ ذَلِكَ فَأَخْذُ ذَلِكَ مِمَّا هُنَا أَوْلَى، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا حُرْمَةَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ كَبِيرَةً، وَإِنَّمَا هِيَ مَكْرُوهَاتٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ. [الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ وَالتِّسْعُونَ حَتَّى الثَّامِنَةُ وَالتِّسْعُونَ اتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ وَإِيقَادُ السُّرُجِ عَلَيْهَا] (الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ وَالتِّسْعُونَ: اتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَإِيقَادُ السُّرُجِ عَلَيْهَا، وَاِتِّخَاذُهَا أَوْثَانًا، وَالطَّوَافُ بِهَا، وَاسْتِلَامُهَا، وَالصَّلَاةُ إلَيْهَا) أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «عَهْدِي بِنَبِيِّكُمْ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِخَمْسِ لَيَالٍ فَسَمِعْته يَقُولُ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إلَّا وَلَهُ خَلِيلٌ مِنْ أُمَّتِهِ وَإِنَّ خَلِيلِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَإِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ الْأُمَمَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ وَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ، اللَّهُمَّ إنِّي بَلَّغْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» الْحَدِيثَ. وَالطَّبَرَانِيُّ «لَا تُصَلُّوا إلَى قَبْرٍ، وَلَا تُصَلُّوا عَلَى قَبْرٍ» .

стр. 241

وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» . وَمُسْلِمٌ: «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» . وَأَحْمَدُ: «إنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءُ، وَاَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» . وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» . وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . وَأَحْمَدُ عَنْ أُسَامَةَ، وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ: «أُولَئِكَ إذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَنَسٍ: «نَهَى ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ إلَى الْقُبُورِ» . وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ: «إنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءُ، وَمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» . وَابْنُ سَعْدٍ: «أَلَا إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» . وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ «إنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» . وَأَيْضًا: «كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ فَلَعَنَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذِهِ السِّتَّةِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْته مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَوَجْهُ أَخْذِ اتِّخَاذِ الْقَبْرِ مَسْجِدًا مِنْهَا وَاضِحٌ، لِأَنَّهُ لُعِنَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقُبُورِ أَنْبِيَائِهِ وَجُعِلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقُبُورِ صُلَحَائِهِ شَرَّ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَفِيهِ تَحْذِيرٌ لَنَا كَمَا فِي رِوَايَةِ: «يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا» : أَيْ يُحَذِّرُ أُمَّتَهُ بِقَوْلِهِ لَهُمْ

стр. 242

ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَصْنَعُوا كَصُنْعِ أُولَئِكَ فَيُلْعَنُوا كَمَا لُعِنُوا؛ وَاِتِّخَاذُ الْقَبْرِ مَسْجِدًا مَعْنَاهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَوْ إلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ " وَالصَّلَاةُ إلَيْهَا " مُكَرَّرٌ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِاِتِّخَاذِهَا مَسَاجِدَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا فَقَطْ، نَعَمْ إنَّمَا يُتَّجَهُ هَذَا الْأَخْذُ إنْ كَانَ الْقَبْرُ قَبْرَ مُعَظَّمٍ مِنْ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ كَمَا أَشَارَتْ إلَيْهِ رِوَايَةُ: «إذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ» وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَصْحَابُنَا: «تَحْرُمُ الصَّلَاةُ إلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ تَبَرُّكًا وَإِعْظَامًا» فَاشْتَرَطُوا شَيْئَيْنِ أَنْ يَكُونَ قَبْرَ مُعَظَّمٍ وَأَنْ يَقْصِدَ بِالصَّلَاةِ إلَيْهِ - وَمِثْلُهَا الصَّلَاةُ - عَلَيْهِ التَّبَرُّكَ وَالْإِعْظَامَ، وَكَوْنُ هَذَا الْفِعْلِ كَبِيرَةً ظَاهِرٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ لِمَا عَلِمْت، وَكَأَنَّهُ قَاسَ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ تَعْظِيمٍ لِلْقَبْرِ كَإِيقَادِ السُّرُجِ عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَبَرُّكًا بِهِ، وَالطَّوَافُ بِهِ كَذَلِكَ وَهُوَ أَخْذٌ غَيْرُ بَعِيدٍ، سِيَّمَا وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ آنِفًا بِلَعْنِ مَنْ اتَّخَذَ عَلَى الْقَبْرِ سُرُجًا، فَيُحْمَلُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ تَعْظِيمًا وَتَبَرُّكًا بِذِي الْقَبْرِ. وَأَمَّا اتِّخَاذُهَا أَوْثَانًا فَجَاءَ النَّهْيُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ بَعْدِي» أَيْ لَا تُعَظِّمُوهُ تَعْظِيمَ غَيْرِكُمْ لِأَوْثَانِهِمْ بِالسُّجُودِ لَهُ أَوْ نَحْوِهِ، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ الْإِمَامُ بِقَوْلِهِ: «وَاِتِّخَاذُهَا أَوْثَانًا» هَذَا الْمَعْنَى اُتُّجِهَ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ بَلْ كُفْرٌ بِشَرْطِهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مُطْلَقَ التَّعْظِيمِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ كَبِيرَةٌ فَفِيهِ بُعْدٌ، نَعَمْ قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: قَصْدُ الرَّجُلِ الصَّلَاةَ عِنْدَ الْقَبْرِ مُتَبَرِّكًا بِهَا عَيْنُ الْمُحَادَّةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِبْدَاعُ دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ لِلنَّهْيِ عَنْهَا ثُمَّ إجْمَاعًا، فَإِنَّ أَعْظَمَ الْمُحَرَّمَاتِ وَأَسْبَابِ الشِّرْكِ الصَّلَاةُ عِنْدَهَا وَاِتِّخَاذُهَا مَسَاجِدَ أَوْ بِنَاؤُهَا عَلَيْهَا. وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ إذْ لَا يُظَنُّ بِالْعُلَمَاءِ تَجْوِيزُ فِعْلٍ تَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَعْنُ فَاعِلِهِ، وَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ لِهَدْمِهَا وَهَدْمِ الْقِبَابِ الَّتِي عَلَى الْقُبُورِ إذْ هِيَ أَضَرُّ مِنْ مَسْجِدِ الضِّرَارِ لِأَنَّهَا أُسِّسَتْ عَلَى مَعْصِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَ ﷺ بِهَدْمِ الْقُبُورِ الْمُشْرِفَةِ، وَتَجِبُ إزَالَةُ كُلِّ قِنْدِيلٍ أَوْ سِرَاجٍ عَلَى قَبْرٍ وَلَا يَصِحُّ وَقْفُهُ وَنَذْرُهُ انْتَهَى. [بَابُ السَّفَرِ] [الْكَبِيرَةُ التَّاسِعَةُ وَالتِّسْعُونَ سَفَرُ الْإِنْسَانِ وَحْدَهُ] (الْكَبِيرَةُ التَّاسِعَةُ وَالتِّسْعُونَ: سَفَرُ الْإِنْسَانِ وَحْدَهُ) أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ الطَّيِّبِ بْنِ مُحَمَّدٍ - وَبَقِيَّةُ رُوَاتِهِ رُوَاةُ الصَّحِيحِ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخَنَّثِي الرِّجَالِ الَّذِينَ يَتَشَبَّهُونَ بِالنِّسَاءِ

стр. 243

وَالْمُتَرَجِّلَات مِنْ النِّسَاءِ الْمُتَشَبِّهَاتِ بِالرِّجَالِ وَرَاكِبَ الْفَلَاةِ وَحْدَهُ» . وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: «لَوْ أَنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» . وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: أَنَّ «رَجُلًا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ صَحِبْتَ؟ قَالَ مَا صَحِبْتُ أَحَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» . وَرَوَى الْمَرْفُوعَ مِنْهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ بَابَ النَّهْيِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ مِنْ الْمُسَافِرِينَ عُصَاةٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَعْلَمَ أَنَّ الْوَاحِدَ شَيْطَانٌ، وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ» ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ " شَيْطَانٌ " - أَيْ عَاصٍ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] أَيْ عُصَاتَهُمْ انْتَهَى. وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ: «الْوَاحِدُ شَيْطَانٌ وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ صَرِيحُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَظَاهِرُهُ مَا بَعْدَهُ، لَكِنَّهُ لَا يُوَافِقُ كَلَامَ أَئِمَّتِنَا فَإِنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ، فَلْيُحْمَلْ كَقَوْلِ ابْنِ خُزَيْمَةَ السَّابِقِ بِالْعِصْيَانِ عَلَى مَنْ عَلِمَ حُصُولَ ضَرَرٍ عَظِيمٍ لَهُ بِسَفَرِهِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ آخَرَ فَقَطْ كَأَنْ كَانَ بِتِلْكَ الطَّرِيقِ سَبُعٌ ضَارٍ أَوْ نَحْوُهُ. [الْكَبِيرَةُ الْمِائَةُ سَفَرُ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا بِطَرِيقٍ تَخَافُ فِيهَا عَلَى بُضْعِهَا] (الْكَبِيرَةُ الْمِائَةُ: سَفَرُ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا بِطَرِيقٍ تَخَافُ فِيهَا عَلَى بُضْعِهَا) أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا إلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ ابْنُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: " يَوْمَيْنِ ". وَفِي أُخْرَى لَهُمَا: " مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ". وَفِي أُخْرَى لَهُمَا: " مَسِيرَةَ يَوْمٍ ". وَفِي أُخْرَى لَهُمَا: " مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ ". وَفِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُد وَابْنِ خُزَيْمَةَ: " أَنْ تُسَافِرَ بَرِيدًا ". تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا بِالْقَيْدِ الَّذِي ذَكَرْته ظَاهِرٌ لِعَظِيمِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ غَالِبًا، وَهِيَ اسْتِيلَاءُ الْفَجَرَةِ، وَفُسُوقُهُمْ بِهَا، فَهُوَ وَسِيلَةٌ إلَى الزِّنَا وَلِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ، وَأَمَّا الْحُرْمَةُ فَلَا تَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا السَّفَرُ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمٍ وَإِنْ قَصُرَ

стр. 244

السَّفَرُ وَكَانَ أَمْنًا وَلَوْ لِطَاعَةٍ كَنَفْلِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَلَوْ مَعَ النِّسَاءِ مِنْ التَّنْعِيمِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ عَدُّهُمْ ذَلِكَ مِنْ الصَّغَائِرِ. [الْكَبِيرَةُ الْحَادِيَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ تَرْكُ السَّفَرِ وَالرُّجُوعُ مِنْهُ تَطَيُّرًا] (الْكَبِيرَةُ الْحَادِيَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ: تَرْكُ السَّفَرِ، وَالرُّجُوعُ مِنْهُ تَطَيُّرًا) عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا إلَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي صَحِيحِهِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَصْفَهَانِيُّ وَغَيْرُهُ: فِي الْحَدِيثِ إضْمَارٌ وَالتَّقْدِيرُ: مَا مِنَّا إلَّا وَقَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَعْنِي قُلُوبَ أُمَّتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يُذْهِبُ ذَلِكَ عَنْ قَلْبِ كُلِّ مَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ وَلَا يَثْبُتُ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى. وَاعْتَرَضَهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ لِأَنَّ الصَّوَابَ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ وَمَا مِنَّا إلَخْ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُدْرَجٌ غَيْرُ مَرْفُوعٍ. وَنَقَلَ الْبُخَارِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ رَفْعَ ذَلِكَ، وَيَقُولُ: كَأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «الْعِيَافَةُ - أَيْ الْخَطُّ - وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ - أَيْ الزَّجْرُ - مِنْ الْجِبْتِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَالْبَيْهَقِيُّ: «لَنْ يَنَالَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ اسْتَقْسَمَ أَوْ رَجَعَ مِنْ سَفَرٍ تَطَيُّرًا» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ مُعْتَقِدًا حُدُوثَ تَأْثِيرٍ لِلتَّطَيُّرِ لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي إسْلَامِ مِثْلِ هَذَا. [بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] [الْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ تَرْكُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مَعَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ] (الْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ: تَرْكُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مَعَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَإِنْ قَالَ إنَّهُ يُصَلِّيهَا ظُهْرًا وَحْدَهُ) . أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ» . وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَيْضًا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - قَالَا: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَةَ - أَيْ بِفَتْحٍ

стр. 245

فَسُكُونٍ أَيْ تَرْكِهِمْ إيَّاهَا - أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ» . وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنَيْ خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ: «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَهُوَ مُنَافِقٌ» . وَفِي أُخْرَى لِرَزِينٍ «فَقَدْ بَرِئَ مِنْ اللَّهِ» . وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» . زَادَ الْبَيْهَقِيُّ: «وَجَعَلَ قَلْبَهُ قَلْبَ مُنَافِقٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ لَهَا شَوَاهِدُ: «كُتِبَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ» . وَفِي أُخْرَى - سَنَدُهَا صَحِيحٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - مَوْقُوفَةٍ: «فَقَدْ نَبَذَ الْإِسْلَامَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ لَا يَأْتُونَهَا أَوْ لَيَطْبَعَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ» . وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ ﵁. «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا، وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تَشْتَغِلُوا، وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ، وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ تُرْزَقُوا وَتُنْصَرُوا وَتُجْبَرُوا؛ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا فِي يَوْمِي هَذَا فِي شَهْرِي هَذَا فِي عَامِي هَذَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي وَلَهُ إمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ اسْتِخْفَافًا بِهَا وَجُحُودًا بِهَا فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ، وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ، أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ وَلَا زَكَاةَ لَهُ وَلَا حَجَّ لَهُ وَلَا صَوْمَ لَهُ وَلَا بِرَّ لَهُ حَتَّى يَتُوبَ فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا مِنْ الْكَبَائِرِ وَاضِحٌ مِمَّا ذَكَرْته فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَبِهِ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِعْلَهَا فِي الْجَمَاعَةِ - عَلَى غَيْرِ ذَوِي الْأَعْذَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْفِقْهِ - فَرْضُ عَيْنٍ إجْمَاعًا، بَلْ هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَمَنْ اسْتَحَلَّهُ وَهُوَ مُخَالِطٌ الْمُسْلِمِينَ كَفَرَ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَالَ إنْسَانٌ: أُصَلِّي ظُهْرًا لَا جُمُعَةً قُتِلَ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَنَا لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ تَرْكِهَا مِنْ أَصْلِهَا، وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: إنَّ تَرْكَ الْجُمُعَةِ لِغَيْرِهَا صَغِيرَةٌ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ لِغَيْرِهَا: أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ الْجُمُعَةِ وَقَصَدَ صَلَاةَ الظُّهْرِ بَدَلَهَا وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ صَغِيرَةٌ حِينَئِذٍ فِيهِ نَظَرٌ كَمَا قَالَهُ

стр. 246

الْأَذْرَعِيُّ، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ أَنَّ مَنْ قَالَ أُصَلِّي الظُّهْرَ وَلَا أُصَلِّي الْجُمُعَةَ لَا يُقْتَلُ بِنَاءً عَلَى الضَّعِيفِ أَيْضًا أَنَّ الْجُمُعَةَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ، أَمَّا عَلَى الْأَصَحِّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهَا صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَلَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ الظُّهْرِ؛ فَتَرْكُهَا كَبِيرَةٌ وَإِنْ قَالَ أُصَلِّي الظُّهْرَ كَمَا تَقَرَّرَ. فَائِدَةٌ: أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ: «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَنِصْفِ دِينَارٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ: «بِدِرْهَمٍ أَوْ نِصْفِ دِرْهَمٍ أَوْ صَاعٍ أَوْ مُدٍّ» . وَفِي أُخْرَى لِابْنِ مَاجَهْ مُرْسَلَةٍ: «أَوْ صَاعِ حِنْطَةٍ أَوْ نِصْفِ صَاعٍ» . [الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ تَخَطِّي الرِّقَابِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ: تَخَطِّي الرِّقَابِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَابْنُ مَاجَهْ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اتَّخَذَ جِسْرًا إلَى جَهَنَّمَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ إذْ جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ حَتَّى جَلَسَ قَرِيبًا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: مَا مَنَعَك يَا فُلَانُ أَنْ تُجَمِّعَ مَعَنَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ حَرَصْت أَنْ أَضَعَ نَفْسِي بِالْمَكَانِ الَّذِي تَرَى، قَالَ قَدْ رَأَيْتُك تَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَتُؤْذِيهِمْ، مَنْ آذَى مُسْلِمًا فَقَدْ آذَانِي وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ » . وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْحَاكِمُ: «إنَّ الَّذِي يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ كَجَارِّ قُصْبِهِ أَيْ أَمْعَائِهِ فِي النَّارِ» ، قِيلَ وَالتَّقْيِيدُ بِالْجُمُعَةِ لِلْغَالِبِ. وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ ﷺ اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْت» . زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: " وَأُوذِيتَ ". وَزَادَ أَيْضًا كَأَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ: " وَآنَيْتَ " أَيْ بِالْمَدِّ أَخَّرْت الْمَجِيءَ. تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا كَبِيرَةً هُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ هَذِهِ

стр. 247

الْأَحَادِيثِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ أَخْذًا قَرِيبًا إلَّا أَنَّ الْأَصَحَّ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ بِحَمْلِهَا عَلَى مَنْ آذَى بِهِ النَّاسَ أَذًى شَدِيدًا عُرْفًا، وَحَمْلُ الْكَرَاهَةِ عَلَى مَا إذَا خَفَّ ذَلِكَ الْأَذَى، وَيَأْتِي عَلَى الْأَثَرِ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْجُلُوسِ وَسْطَ الْحَلْقَةِ. [الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ الْجُلُوسُ وَسْطُ الْحَلْقَةِ] (الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ الْجُلُوسُ وَسْطُ الْحَلْقَةِ) : أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ جَلَسَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ: «أَنَّ رَجُلًا قَعَدَ وَسْطَ حَلْقَةٍ فَقَالَ حُذَيْفَةُ مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ » ، أَوْ: «لَعَنَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ جَلَسَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: «مَنْ تَخَطَّى حَلْقَةَ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَهُوَ عَاصٍ» . وَأَبُو دَاوُد: «لَا تَجْلِسْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا» . وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا» . وَالْبَغَوِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: «إذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ الْمَجْلِسَ فَإِنْ وَسِعَ لَهُ فَلْيَجْلِسْ وَإِلَّا فَلْيَنْظُرْ إلَى أَوْسَعِ مَكَان يَرَاهُ فَلْيَجْلِسْ فِيهِ» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا كَبِيرَةً وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ اللَّعْنِ عَلَيْهِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَخْذٌ ظَاهِرٌ إنْ آذَى بِهِ غَيْرَهُ إيذَاءً لَا يُحْتَمَلُ عُرْفًا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ أَيْضًا. وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا بِكَرَاهَتِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا خَفَّ الْإِيذَاءُ بِهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّفْصِيلَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي كُتُبِنَا الْفِقْهِيَّةِ فِي حَمْلِ السِّلَاحِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ عِنْدَ الزَّحْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ الْإِيذَاءَ إنْ خَفَّ كُرِهَ وَإِلَّا حَرُمَ، وَبِهَذَا اتَّضَحَ أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا وَالْحَدِيثِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ تَنَبَّهَ لَهُ.

стр. 248

[بَابُ اللِّبَاسِ] [ الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ لُبْسُ الذَّكَرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْحَرِيرَ الصِّرْفَ] الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ) : لُبْسُ الذَّكَرِ أَوْ الْخُنْثَى الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْحَرِيرَ الصِّرْفَ أَوْ الَّذِي أَكْثَرُهُ حَرِيرٌ وَزْنًا لَا ظُهُورًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَدَفْعِ قَمْلٍ أَوْ حَكَّةٍ. أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» . زَادَ النَّسَائِيُّ وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵄: «مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ» . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا: «إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ» . زَادَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: «لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» . وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَبِسَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَلْبَسْهُ» . وَالشَّيْخَانِ: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» . وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: رَأَيْت «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ، وَذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي يَسَارِهِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» . وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ شَرِبَ فِي آنِيَةٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَمْ يَشْرَبْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ قَالَ: لِبَاسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ - أَيْ الْحَرِيرُ - وَشَرَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ - أَيْ الْخَمْرُ - وَآنِيَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ - أَيْ الذَّهَبُ» . وَالشَّيْخَانِ: سَمِعْت ابْنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: لَا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمْ الْحَرِيرَ فَإِنِّي سَمِعْت عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» . زَادَ النَّسَائِيُّ: «وَمَنْ لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] » وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ كَانَ يَمْنَعُ أَهْلَهُ الْحِلْيَةَ وَالْحَرِيرَ وَيَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ حِلْيَةَ الْجَنَّةِ وَحَرِيرَهَا فَلَا تَلْبَسُوهُمَا فِي الدُّنْيَا.

стр. 249

وَفَهِمَهُ هُوَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ بِعَدَمِ لُبْسِهِ فِي الْآخِرَةِ يَجْرِي فِي النِّسَاءِ وَنَحْوِهِنَّ مِمَّنْ أُبِيحَ لَهُ لُبْسُهُ إنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ احْتِيَاطٍ، وَإِلَّا فَتَجْوِيزُ لُبْسِهِ لَهُنَّ: الظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ لُبْسَهُ فِي الْآخِرَةِ. وَالشَّيْخَانِ: «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ - أَيْ بِفَتْحِ الْفَاءِ فَرَاءٍ مَضْمُومَةٍ مُشَدَّدَةٍ فَجِيمٍ: قَبَاءٌ شُقَّ مِنْ خَلْفِهِ - فَلَبِسَهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» . وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا حُرِمَهُ فِي الْآخِرَةِ» . وَالْبُخَارِيُّ: «نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ» . وَأَحْمَدُ: «لَا يَسْتَمْتِعُ بِالْحَرِيرِ مَنْ يَرْجُو أَيَّامَ اللَّهِ» أَيْ لِقَاءَ اللَّهِ وَحِسَابَهُ. وَأَحْمَدُ: «إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا يَرْجُو أَنْ يَلْبَسَهُ فِي الْآخِرَةِ» . قَالَ الْحَسَنُ: فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَبْلُغُهُمْ هَذَا عَنْ نَبِيِّهِمْ فَيَجْعَلُونَ حَرِيرًا فِي ثِيَابِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ. وَأَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ: «يَبِيتُ قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى طُعْمٍ وَشُرْبٍ وَلَهْوٍ وَلَعِبٍ، فَيُصْبِحُوا قَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، وَلَيُصِيبَنَّهُمْ خَسْفٌ وَقَذْفٌ حَتَّى يُصْبِحَ النَّاسُ، فَيَقُولُونَ: خُسِفَ اللَّيْلَةَ بِبَنِي فُلَانٍ، خُسِفَ اللَّيْلَةَ بِدَارِ فُلَانٍ، وَلَتُرْسَلَنَّ عَلَيْهِنَّ حِجَارَةٌ مِنْ السَّمَاءِ كَمَا أُرْسِلَتْ عَلَى قَوْمِ لُوطٍ عَلَى قَبَائِلَ فِيهَا وَعَلَى دُورٍ، وَلَتُرْسَلَنَّ عَلَيْهِمْ الرِّيحُ الْعَقِيمُ كَمَا أُرْسِلَتْ إلَى عَادٍ عَلَى قَبَائِلَ فِيهَا وَعَلَى دُورٍ بِشُرْبِهِمْ الْخَمْرَ وَلُبْسِهِمْ الْحَرِيرَ وَاِتِّخَاذِهِمْ الْقَيْنَاتِ وَأَكْلِهِمْ الرِّبَا وَقَطِيعَتِهِمْ الرَّحِمَ» . وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَأَبُو دَاوُد: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ يُمْسَخُ مِنْهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَوَّاهُ: «إذَا اسْتَحَلَّتْ أُمَّتِي خَمْسًا فَعَلَيْهِمْ الدَّمَارُ» أَيْ الْهَلَاكُ «إذَا ظَهَرَ التَّلَاعُنُ، وَشَرِبُوا الْخَمْرَ، وَلَبِسُوا الْحَرِيرَ، وَاِتَّخَذُوا الْقَيْنَاتِ، وَاكْتَفَى الرِّجَالُ

стр. 250

بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ» . وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا عَنْ سَعْدٍ ﵁ «أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَكَانَ مُتَّكِئًا عَلَى شِبْهِ مِخَدَّةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَأَزَالَهَا فَأُخْبِرَ أَنَّهُ أَزَالَهَا لِأَجْلِهِ» «نِعْمَ الرَّجُلُ أَنْتَ إنْ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهِمْ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وَاَللَّهِ لَأَنْ أَضْطَجِعَ عَلَى جَمْرِ الْغَضَى أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَضْطَجِعَ عَلَيْهَا» . وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جُبَّةً مُجَيَّبَةً بِحَرِيرٍ: أَيْ لَهَا جَيْبٌ أَيْ طَوْقٌ مِنْهُ، فَقَالَ طَوْقٌ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ التَّسْجِيفِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَهُ جُبَّةٌ. مَكْفُوفَةٌ - أَيْ مُسَجَّفَةٌ - بِالدِّيبَاجِ. وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَقَدْ وَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ حَرِيرٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ يَوْمًا أَوْ ثَوْبًا مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ حَرِيرٍ فِي الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - ثَوْبَ مَذَلَّةٍ مِنْ النَّارِ أَوْ ثَوْبًا مِنْ النَّارِ» . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ حَرِيرٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - يَوْمًا مِنْ نَارٍ لَيْسَ مِنْ أَيَّامِكُمْ وَلَكِنْ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ - تَعَالَى - الطِّوَالِ» . [الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ تَحَلِّي الذَّكَرِ بِذَهَبٍ كَخَاتَمٍ أَوْ فِضَّةٍ غَيْرِ خَاتَمٍ] (الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ) : تَحَلِّي الذَّكَرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ بِذَهَبٍ كَخَاتَمٍ أَوْ فِضَّةٍ غَيْرِ خَاتَمٍ أَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَلْبَسْ حَرِيرًا وَلَا ذَهَبًا» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ شُرْبَهَا فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي وَهُوَ يَتَحَلَّى بِالذَّهَبِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ لُبْسَهُ فِي الْجَنَّةِ» . وَمُسْلِمٌ: «أَنَّهُ ﷺ رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَزَعَهُ وَطَرَحَهُ وَقَالَ يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَطْرَحُهَا فِي يَدِهِ، فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَمَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذْ خَاتَمَك انْتَفِعْ بِهِ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا آخُذُهُ وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . وَالنَّسَائِيُّ: «إنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنْ نَجْرَانَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ
следующие страницы →