← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21629

الزواجر عن اقتراف الكبائر

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (881 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكْفِي هُنَا الْفُسَّاقُ يَشْهَدُونَ بِزِنَا الْمَقْذُوفِ أَوْ رَجُلَيْنِ بِإِقْرَارِهِ، أَوْ اُدُّعِيَ أَنَّهُ زَانٍ فَوُجِّهَتْ إلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَمْ يَزْنِ فَرَدَّهَا عَلَى الْقَاذِفِ فَحَلَفَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَشَرْطُ الْحُرْمَةِ وَالْحَدِّ أَنْ يَصْدُرَ الْقَذْفُ مِنْ بَالِغٍ عَاقِلٍ وَلَا يَتَكَرَّرُ الْحَدُّ بِتَكَرُّرِ الْقَذْفِ مِرَارًا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ كَزَنَيْت بِفُلَانَةَ ثُمَّ قَالَ زَنَيْت بِأُخْرَى وَهَكَذَا، نَعَمْ إنْ حُدَّ فَقَذَفَهُ بَعْدُ عُزِّرَ وَقِيلَ يَتَعَدَّدُ الْحَدُّ بِالتَّعَدُّدِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَلَا يَتَدَاخَلُ كَالدُّيُونِ، وَإِذَا اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ السَّابِقَةِ وَجَبَ التَّعْزِيرُ. وَأَمَّا الْكَبِيرَةُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ نَظِيرُ مَا مَرَّ. وَيُشْتَرَطُ فِي شُهُودِ الزِّنَا تَعَرُّضُهُمْ لِلزَّانِي وَالْمَزْنِيِّ بِهِ، إذْ قَدْ يَرَى عَلَى أُمِّهِ ابْنَهُ فَيَظُنُّ أَنَّهُ زِنًا وَكَكَوْنِ ذَكَرِهِ فِي فَرْجِهَا وَيُنْدَبُ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ يَجِبُ أَنْ يَقُولُوا رَأَيْنَا ذَكَرَهُ يَدْخُلُ فِي فَرْجِهَا دُخُولَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، فَلَا يَكْفِي قَوْلُهُمْ زَنَى فَقَطْ بِخِلَافِ الْقَاذِفِ يُحَدُّ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ زَنَيْت وَلَا يَسْتَفْسِرُ، وَلَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا فَقِيلَ يَجِبُ اسْتِفْسَارُهُ كَالشُّهُودِ، وَقِيلَ لَا يَجِبُ كَمَا فِي الْقَذْفِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَنَا، وَفَارَقَ الْقَذْفَ عَمَلًا بِالِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا إذْ هُوَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ عَدَمُ تَوَقُّفِهِ عَلَى اسْتِفْسَارٍ مُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ عَنْهُ؛ لِكَوْنِهِ حَقَّ آدَمِيٍّ، وَفِي الْإِقْرَارِ تَوَقُّفُهُ عَلَيْهِ مُبَالَغَةٌ فِي سَتْرِ هَذِهِ الْفَاحِشَةِ الَّتِي هِيَ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ شَهَادَتِهِمْ مُجْتَمَعِينَ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ وَكَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁: إنْ تَفَرَّقُوا لَغَتْ شَهَادَتُهُمْ وَحُدُّوا، حُجَّةُ الْأَوَّلَيْنِ أَنَّ التَّفْرِيقَ أَبْعَدُ فِي التُّهْمَةِ وَأَبْلَغُ فِي ظُهُورِ الصِّدْقِ لِانْتِفَاءِ احْتِمَالِ تَلَقُّفِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، وَمِنْ ثَمَّ إذَا ارْتَابَ الْقَاضِي فِي شُهُودٍ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ، وَأَيْضًا فَالتَّفْرِيقُ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ اجْتَمَعُوا عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ نَائِبِهِ تَقَدَّمُوا وَاحِدًا فَوَاحِدًا لِتَعَسُّرِ شَهَادَتِهِمْ مَعًا. وَحُجَّتُهُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ أَوَّلًا ثُمَّ ثَانِيًا، وَهَكَذَا يَصْدُقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَذَفَ وَلَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَيُحَدُّ لِلْآيَةِ وَلَا أَثَرَ؛ لِإِتْيَانِهِمْ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَإِلَّا لَاُتُّخِذَ ذَرِيعَةً إلَى قَذْفِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَيْضًا فَلِأَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ﵁ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا أَرْبَعَةٌ عِنْدَ عُمَرَ ﵁ أَبُو بَكْرَةَ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَنَافِعٌ، وَنُفَيْعٌ. لَكِنْ قَالَ رَابِعُهُمْ رَأَيْت اسْتًا يَنْبُو وَنَفَسًا يَعْلُو وَرِجْلَاهَا عَلَى عَاتِقَيْهِ كَأُذُنَيْ حِمَارٍ وَلَا أَدْرِي مَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَحَدَّ عُمَرُ الثَّلَاثَةَ وَلَمْ يَسْأَلْ هَلْ مَعَهُمْ شَاهِدٌ رَابِعٌ فَلَوْ قَبِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهَادَةَ غَيْرِهِمْ

стр. 527

لَتَوَقَّفَ أَدَاءُ الْحَدِّ عَلَيْهِ. وَبِمَا فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ يُرَدُّ عَلَى مَنْ قَالَ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكْمُلْ النِّصَابُ؛ لِأَنَّهُمْ جَاءُوا مَجِيءَ الشُّهُودِ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ حُدُّوا لَانْسَدَّ بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يَأْمَنُ أَنْ لَا يُوَافِقَهُ صَاحِبُهُ فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ، وَيُرَدُّ مَا عَلَّلَ بِهِ بِأَنَّ الْقَصْدَ سَتْرُ هَذِهِ الْفَاحِشَةِ مَا أَمْكَنَ، وَلِذَا تَمَيَّزَتْ عَنْ سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ بِاشْتِرَاطِ أَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ بِهَا. وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] الْمُرَادُ مِنْهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَكَذَا السَّيِّدُ فِي قِنِّهِ. قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: أَوْ رَجُلٌ صَالِحٌ إذَا فُقِدَ الْإِمَامُ وَمَذْهَبُنَا لَا يُوَافِقُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ : ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] مَحَلُّهُ فِي كَامِلِ الْحُرِّيَّةِ فَغَيْرُهُ يُجْلَدُ أَرْبَعِينَ وَفِي غَيْرِ الْوَالِدِ وَإِنْ عَلَا فَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِ فَرْعِهِ كَمَا لَا يُقْتَلُ بِهِ بَلْ يُعَزَّرُ، وَكَذَا السَّيِّدُ مَعَ قِنِّهِ. وَأَشَدُّ الْحُدُودِ حَدُّ الزِّنَا، ثُمَّ الْقَذْفِ، ثُمَّ الْخَمْرِ وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا حَدَّ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حُدُودِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا حَدَّ عَلَى قَاطِعِ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُ قَوَدٌ لَا حَدٌّ، وَإِنْ وَجَبَ فِيهِ التَّحَتُّمُ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى -. وَوَجْهُ أَشَدِّيَّةِ الزِّنَا أَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْأَنْسَابِ الَّتِي هِيَ شَقَائِقُ النُّفُوسِ، ثُمَّ الْقَذْفِ أَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْأَعْرَاضِ الْعَظِيمَةِ الرِّعَايَةِ عِنْدَ ذَوِي الْمُرُوآتِ مَعَ تَمَحُّضِهَا لِحَقِّ الْآدَمِيِّ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فِيهِ أَشَدُّ الْعُقُوبَةِ وَأَبْلَغُ الزَّجْرِ وَأَكْبَرُ الْمَقْتِ لِلْقَاذِفِينَ. وَقَوْلُهُ - جَلَّ وَعَلَا -: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] إلَخْ اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ وَآخَرُونَ: إنَّهُ خَاصٌّ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَهِيَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالْفِسْقِ، فَالْقَاذِفُ فَاسِقٌ إلَّا إنْ تَابَ؛ وَأَمَّا رَدُّ شَهَادَتِهِ فَهُوَ مُعَلَّقٌ عَلَى حَدِّهِ فَإِنْ حُدَّ فِي الْقَذْفِ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ بَعْدُ شَهَادَةٌ أَبَدًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃: الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ، فَمَتَى تَابَ الْقَاذِفُ تَوْبَةً صَحِيحَةً زَالَ فِسْقُهُ وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. فَمَعْنَى أَبَدًا: أَيْ مَا دَامَ قَاذِفًا: أَيْ مُصِرًّا عَلَى قَذْفِهِ، وَبِالتَّوْبَةِ زَالَ أَثَرُ الْقَذْفِ فَزَالَ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ رَدِّ الشَّهَادَةِ. وَقَوْلُ أَبِي حَيَّانَ: لَيْسَ ظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي عَوْدَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْجُمَلِ الثَّلَاثَةِ بَلْ الظَّاهِرُ هُوَ مَا يَعْضُدُهُ كَلَامُ الْعَرَبِ وَهُوَ الرُّجُوعُ إلَى الْأَخِيرَةِ مَمْنُوعٌ

стр. 528

بِإِطْلَاقِهِ، بَلْ قَاعِدَةُ الْعَرَبِ الْمُقَرَّرَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي بَابِ الْوَقْفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَالْوَصْفَ وَنَحْوَهُمَا مِنْ الْمُتَعَلِّقَاتِ تَرْجِعُ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَهَا، بَلْ وَإِلَى جَمِيعِ مَا تَأَخَّرَ مِنْهَا، بَلْ قَالَ جَمْعٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ لَوْ تَوَسَّطَتْ رَجَعَتْ إلَى الْكُلِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهَا مُتَأَخِّرَةٌ وَلِمَا بَعْدَهَا مُتَقَدِّمَةٌ، فَكَانَ الْقِيَاسُ فِي الْآيَةِ عَوْدَهُ إلَى الْجُمَلِ الثَّلَاثَةِ. لَكِنْ مَنَعَ مِنْ عَوْدِهِ إلَى الْأُولَى وَهِيَ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] مَانِعٌ هُوَ عَدَمُ سُقُوطِ حَدِّ الْقَذْفِ بِالتَّوْبَةِ، فَبَقِيَ رُجُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْأُخْرَيَيْنِ، وَهُمَا رَدُّ الشَّهَادَةِ وَالْفِسْقُ، وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي قِصَّةِ الْمُغِيرَةِ السَّابِقَةِ: مَنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فَأَكْذَبَ شِبْلٌ وَنَافِعٌ أَنْفُسَهُمَا فَكَانَ يَقْبَلُ شَهَادَتَهُمَا عَلَى أَنَّ الشَّعْبِيَّ قَالَ بِرُجُوعِهِ إلَى الْأُولَى أَيْضًا. فَقَالَ: إذَا تَابَ الْقَاذِفُ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ. تَنْبِيهٌ: مَنْ قَذَفَ آخَرَ بَيْنَ يَدَيْ حَاكِمٍ لَزِمَهُ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ وَيُخْبِرَهُ بِهِ لِيُطَالِبَ بِهِ إنْ شَاءَ كَمَا لَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مَالٌ عَلَى آخَرَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ يَلْزَمُهُ إعْلَامُهُ بِهِ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ وَنَائِبِهِ إذَا رُمِيَ رَجُلٌ بِزِنًا أَنْ يُرْسِلَ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿الْغَافِلاتِ﴾ [النور: ٢٣] أَيْ عَنْ الْفَاحِشَةِ بِأَنْ لَا يَقَعَ مِثْلُهَا مِنْهُنَّ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ مَزِيدِ عِفَّتِهِنَّ وَطَهَارَتِهِنَّ، وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ وَإِنْ نَزَلَتْ فِي عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -. قَالَتْ: «رُمِيت وَأَنَا غَافِلَةٌ وَإِنَّمَا بَلَغَنِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدِي إذْ أُوحِيَ إلَيْهِ فَقَالَ أَبْشِرِي وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ» وَقِيلَ هِيَ خَاصَّةٌ بِهَا، وَقِيلَ بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ تَوْبَةَ الْقَاذِفِ ذُكِرَتْ فِي الْآيَةِ الْأُولَى دُونَ هَذِهِ فَلَا تَوْبَةَ فِيهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣] وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ لِمُنَافِقٍ بَلْ كَافِرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب: ٦١] وَأَيْضًا فَشَهَادَةُ الْأَلْسِنَةِ وَغَيْرِهَا تَكُونُ لِلْمُنَافِقِ وَالْكَافِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى، ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩] أَيْ يُجْمَعُونَ ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ﴾ [فصلت: ٢٠] الْآيَةَ. وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ بِأَنَّ هَذَا الْعِقَابَ كُلَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِقَاذِفِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرِهِنَّ، إلَّا أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْمُسْتَقِرَّةِ إذْ الذَّنْبُ كُفْرًا كَانَ أَوْ فِسْقًا يُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] إلَخْ. هَذَا قَبْلَ أَنْ يُخْتَمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ الْمَذْكُورُ فِي يس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥]

стр. 529

يُرْوَى أَنَّهُ يُخْتَمُ عَلَى الْأَفْوَاهِ وَالْأَرْجُلِ فَتَتَكَلَّمُ الْأَيْدِي بِمَا عَمِلَتْ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: تَشْهَدُ أَلْسِنَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَعْنَى دِينَهُمْ الْحَقَّ جَزَاؤُهُمْ الْوَاجِبُ، وَقِيلَ حِسَابُهُمْ الْعَدْلُ ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [النور: ٢٥] أَيْ الْمَوْجُودُ وُجُودًا حَقِيقِيًّا لَا يَقْبَلُ زَوَالًا وَلَا انْتِقَالًا وَلَا ابْتِدَاءً وَلَا انْتِهَاءً، وَعِبَادَتُهُ هِيَ الْحَقُّ دُونَ عِبَادَةِ غَيْرِهِ ﴿الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] أَيْ الْمُبِينُ وَالْمُظْهِرُ لَهُمْ مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابًا وَعِقَابًا، وَسَيَأْتِي فِي الْكَبِيرَةِ الْآتِيَةِ الْأَحَادِيثُ الشَّامِلَةُ لِهَذِهِ الْكَبِيرَةِ أَيْضًا. رَوَى الشَّيْخَانِ: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ» . وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِيهِ مَتْرُوكًا: «أَيُّمَا عَبْدٍ أَوْ امْرَأَةٍ قَالَ أَوْ قَالَتْ لِوَلِيدَتِهَا يَا زَانِيَةُ وَلَمْ تَطَّلِعْ مِنْهَا عَلَى زِنًا جَلَدَتْهَا وَلِيدَتُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .؛ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُنَّ فِي الدُّنْيَا. وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَاللَّفْظُ لَهُ: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ» . قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى قَوْلُ الْإِنْسَانِ لِقِنِّهِ يَا مُخَنَّثُ أَوْ يَا قَحْبَةُ، وَلِلصَّغِيرِ يَا ابْنَ الْقَحْبَةِ يَا وَلَدَ الزِّنَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِرِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَرَوَى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعِيفٌ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالدِّيَاتُ وَبَعَثَ بِهِ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَانَ فِي الْكِتَابِ: وَإِنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالْفِرَارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَرَمْيُ الْمُحْصَنَةِ وَتَعَلُّمُ السِّحْرِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ» . وَجَاءَ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ وَأَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ فِيهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ قَذْفَ الْمُحْصَنَةِ مِنْ الْكَبَائِرِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ: «أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَدُّوا بِحَضْرَتِهِ ﷺ قَذْفَ الْمُحْصَنَةِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ» . وَرَوَى الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ فِيهِ مَنْ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ ضَعَّفَهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «الْكَبَائِرُ أَوَّلُهُنَّ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ

стр. 530

الْيَتِيمِ، وَفِرَارُ يَوْمِ الزَّحْفِ، وَرَمْيُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالِانْتِقَالُ إلَى الْأَعْرَابِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ» . وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَكَمْ الْكَبَائِرُ؟ قَالَ تِسْعٌ أَعْظَمُهُنَّ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا» الْحَدِيثَ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي عِدَّةِ أَمَاكِنَ مِنْ صَحِيحِهِمَا، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قَتْلَهَا إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» . وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «إنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالْفِرَارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَرَمْيُ الْمُحْصَنَةِ، وَتَعَلُّمُ السِّحْرِ» الْحَدِيثَ. تَنْبِيهٌ: عَدُّ الْقَذْفِ هُوَ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ لِمَا عَلِمْت مِنْ النَّصِّ فِي الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا فِي الْأُولَى لِلنَّصِّ فِيهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِسْقٌ، وَضِمْنًا فِي الثَّانِيَةِ لِلنَّصِّ فِيهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَلْعَنُ اللَّهُ فَاعِلَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْوَعِيدِ وَأَشَدِّهِ، وَعَدُّ السُّكُوتِ عَلَيْهِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ قِيَاسُ مَا مَرَّ فِي السُّكُوتِ عَلَى الْغِيبَةِ بَلْ أَوْلَى وَتَقْيِيدِي فِي التَّرْجَمَةِ بِقَوْلِي بِزِنًا أَوْ لِوَاطٍ هُوَ وَإِنْ ذَكَرَهُ أَبُو زُرْعَةَ فِي شَرْحِهِ لِجَمْعِ الْجَوَامِعِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ قَيَّدَهُ بِذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا لِلْكَبِيرَةِ بَلْ لِمَزِيدِ قُبْحِهَا وَفُحْشِهَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: وَالْقَذْفُ بِالْبَاطِلِ وَلَمْ يُخَصَّ بِزِنًا وَلَا بِلِوَاطٍ، وَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَبَعْضُهُمَا يَقُولُ وَقَذْفُ الْمُحْصَنِ وَالْكُلُّ صَحِيحٌ لِمَا مَرَّ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. وَفِي قَوَاعِدِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: الظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا فِي خَلَوْتِهِ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُهُ إلَّا اللَّهُ وَالْحَفَظَةُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ مُوجِبَةٍ لِلْحَدِّ؛ لِانْتِفَاءِ الْمَفْسَدَةِ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ عِقَابَ الْمُجَاهِرِ بِذَلِكَ فِي وَجْهِ الْمَقْذُوفِ أَوْ فِي مَلَإٍ مِنْ النَّاسِ بَلْ

стр. 531

يُعَاقَبُ عِقَابَ الْكَاذِبِينَ غَيْرَ الْمُفْتَرِينَ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي قُوَّتِهِ: وَمَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ إذَا كَانَ صَادِقًا، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَفِيهِ نَظَرٌ لِلْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ بِالْفُجُورِ. وَقَالَ فِي تَوَسُّطِهِ: وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَادِقًا فِي قَذْفِهِ فِي الْخَلْوَةِ: إنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ لِصِدْقِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ، ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْلُغْ الْمَقْذُوفُ الْقَذْفَ الَّذِي جَهَرَ بِهِ لَزِمَهُ الْحَدُّ مَعَ انْتِفَاءِ مَفْسَدَةِ التَّأَذِّي. وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَوْ بَلَغَهُ لَكَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ الْقَذْفِ فِي الْخَلْوَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا قَذْفُهُ فِي الْخَلْوَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ إجْرَائِهِ عَلَى لِسَانِهِ وَبَيْنَ إجْرَائِهِ عَلَى قَلْبِهِ. اهـ. وَالْمُتَجَاوَزُ عَنْهُ بِنَصِّ السُّنَّةِ حَدِيثُ النَّفْسِ دُونَ النُّطْقِ بِاللِّسَانِ، وَقَدَّمْت فِي الْكَلَامِ عَلَى الْآيَةِ أَنَّ قَذْفَ نَحْوِ الصَّغِيرِ وَالرَّقِيقِ كَبِيرَةٌ فِيمَا يَظْهَرُ ثُمَّ رَأَيْت الْحَلِيمِيَّ قَالَ: قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ كَبِيرَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ أُمًّا أَوْ بِنْتًا أَوْ امْرَأَةَ أَبِيهِ كَانَ فَاحِشَةً، وَقَذْفُ الصَّغِيرَةِ وَالْمَمْلُوكَةِ وَالْحُرَّةِ الْمُتَهَتِّكَةِ مِنْ الصَّغَائِرِ. اهـ. قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ: وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ قَذْفَ الصَّغِيرَةِ إنَّمَا يَكُونُ صَغِيرَةً إنْ لَمْ تَحْتَمِلْ الْجِمَاعَ بِحَيْثُ يُقْطَعُ بِكَذِبِ قَاذِفِهَا، وَأَمَّا الْمَمْلُوكَةُ فَفِي كَوْنِ قَذْفِهَا صَغِيرَةً مُطْلَقًا وَقْفَةٌ، وَلَا سِيَّمَا أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيذَاءِ الْأَمَةِ وَسَيِّدِهَا وَوَلَدِهَا وَأَهْلِهَا لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ سَيِّدُهَا أَحَدَ أُصُولِهِ. اهـ. وَالْمُعْتَرِضُ الَّذِي أَبْهَمَهُ الْجَلَالُ هُوَ الْأَذْرَعِيُّ قَالَ: وَتَخْصِيصُهُ الْقَذْفَ بِكَوْنِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ بِقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَقَذْفُ الرِّجَالِ الْمُحْصَنِينَ أَيْضًا كَبِيرَةٌ، وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى غَيْرِهِنَّ إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ فَهُوَ كَذِكْرِهِ الْعَبْدَ فِي السِّرَايَةِ. اهـ. وَمَرَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ» ، وَكَثِيرُونَ مِنْ الْجُهَّالِ وَاقِعُونَ فِي هَذَا الْكَلَامِ الْقَبِيحِ الْمُوجِبِ لِلْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ، قَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّك وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» . وَفِي الْحَدِيثِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَيْسَرِ الْعِبَادَةِ وَأَهْوَنِهَا عَلَى الْبَدَنِ الصَّمْتُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] «وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ

стр. 532

مَا النَّجَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْك لِسَانَك وَلْيَسَعْك بَيْتُك وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِك» . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ: «لَا تُكْثِرْ الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةُ الْقَلْبِ وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - الْقَلْبُ الْقَاسِي» . وَقَالَ ﷺ : «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلَ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ وَإِنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْفَاحِشَ الْبَذَّاءَ» ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مَمْدُودًا هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْفُحْشِ وَرَدِيءِ الْكَلَامِ. [الْكَبِيرَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّمَانُونَ وَالتِّسْعُونَ وَالْحَادِيَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ سَبُّ الْمُسْلِمِ وَالِاسْتِطَالَةُ فِي عِرْضِهِ] (الْكَبِيرَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّمَانُونَ وَالتِّسْعُونَ وَالْحَادِيَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: سَبُّ الْمُسْلِمِ وَالِاسْتِطَالَةُ فِي عِرْضِهِ وَتَسَبُّبُ الْإِنْسَانِ فِي لَعْنِ أَوْ شَتْمِ وَالِدَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَسُبَّهُمَا وَلَعْنُهُ مُسْلِمًا) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] . وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فِسْقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» . وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ: «الْمُتَسَابَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا حَتَّى يَتَعَدَّى الْمَظْلُومُ» . وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ كَالْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَكَةِ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَشْتُمُنِي وَهُوَ دُونِي أَعَلَيَّ مِنْهُ بَأْسٌ أَنْ أَنْتَصِرَ مِنْهُ؟ قَالَ: الْمُتَسَابَّانِ شَيْطَانَانِ يَتَهَاتَرَانِ وَيَتَكَاذَبَانِ» . وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ «جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ لَا يَقُولُ شَيْئًا إلَّا صَدَرُوا عَنْهُ. قُلْت: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قُلْت: عَلَيْك السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ لَا تَقُلْ عَلَيْك السَّلَامُ، عَلَيْك السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى أَوْ

стр. 533

الْمَيِّتِ، قُلْ السَّلَامُ عَلَيْك، قَالَ: قُلْت أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي إذَا أَصَابَك ضُرٌّ فَدَعَوْته كَشَفَهُ عَنْك، وَإِذَا أَصَابَك عَامُ سَنَةٍ - أَيْ قَحْطٌ - فَدَعَوْته أَنْبَتَهَا لَك، وَإِذَا كُنْت بِأَرْضٍ قَفْرَاءَ وَفَلَاةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُك فَدَعَوْته رَدَّهَا عَلَيْك، قَالَ: قُلْت اعْهَدْ إلَيَّ، قَالَ: لَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا، فَمَا سَبَبْت بَعْدَهُ حُرًّا وَلَا عَبْدًا وَلَا بَعِيرًا وَلَا شَاةً، قَالَ: وَلَا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاك وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إلَيْهِ وَجْهُك إنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَارْفَعْ إزَارَك إلَى نِصْفِ السَّاقِ فَإِنْ أَبَيْت فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ فَإِنَّهَا مِنْ الْمَخِيلَةِ - أَيْ الْكِبْرِ وَاحْتِقَارِ الْغَيْرِ - وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ، وَإِنْ امْرُؤٌ شَتَمَك أَوْ عَيَّرَك بِمَا يَعْلَمُ فِيك فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ نَحْوُهُ وَقَالَ فِيهِ: «وَإِنْ امْرُؤٌ عَيَّرَك بِشَيْءٍ يَعْلَمُهُ فِيك فَلَا تُعَيِّرْهُ بِشَيْءٍ تَعْلَمُهُ فِيهِ وَدَعْهُ يَكُونُ وَبَالُهُ عَلَيْهِ وَأَجْرُهُ لَك، فَلَا تَسُبَّنَّ شَيْئًا قَالَ فَمَا سَبَبْت بَعْدَهُ دَابَّةً وَلَا إنْسَانًا» . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» . وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: " كُنَّا إذَا رَأَيْنَا الرَّجُلَ يَلْعَنُ أَخَاهُ رَأَيْنَا أَنْ قَدْ أَتَى بَابًا مِنْ الْكَبَائِرِ ". وَأَبُو دَاوُد: «إنَّ الْعَبْدَ إذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتْ اللَّعْنَةُ إلَى السَّمَاءِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا ثُمَّ تَهْبِطُ إلَى الْأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إلَى الَّذِي لَعَنَ فَإِنْ كَانَ أَهْلًا وَإِلَّا رَجَعَتْ إلَى قَائِلِهَا» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: «إنَّ اللَّعْنَةَ إذَا وُجِّهَتْ إلَى مَنْ وُجِّهَتْ إلَيْهِ فَإِنْ أَصَابَتْ عَلَيْهِ سَبِيلًا أَوْ وَجَدَتْ فِيهِ مَسْلَكًا وَإِلَّا قَالَتْ: يَا رَبِّ وُجِّهْت إلَى فُلَانٍ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ مَسْلَكًا وَلَمْ أَجِدْ عَلَيْهِ سَبِيلًا، فَيُقَالُ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ» .

стр. 534

وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ: «لَا تَلَاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ وَلَا بِغَضَبِهِ وَلَا بِالنَّارِ» . وَمُسْلِمٌ: «لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ: «لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ لَعَّانًا» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا بِاللَّعَّانِ وَلَا بِالْفَاحِشِ وَلَا بِالْبَذِيِّ» أَيْ الْمُتَكَلِّمِ بِالْفُحْشِ وَالْكَلَامِ الْقَبِيحِ. وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَلْعَنُ بَعْضَ رَقِيقِهِ فَالْتَفَتَ إلَيْهِ وَقَالَ لَعَّانِينَ وَصِدِّيقِينَ كَلًّا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَعَتَقَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَوْمَئِذٍ بَعْضَ رَقِيقِهِ ثُمَّ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَا أَعُودُ» . وَمُسْلِمٌ: «لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا» . وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «لَا يَجْتَمِعُ أَنْ تَكُونُوا لَعَّانِينَ صِدِّيقِينَ» . وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: عَنْ «عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَامْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ، قَالَ عِمْرَانُ فَكَأَنِّي أَرَاهَا الْآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ» . وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «سَارَ رَجُلٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَعَنَ بَعِيرَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَتْبَعْنَا أَوْ قَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسِرْ مَعَنَا عَلَى بَعِيرٍ مَلْعُونٍ» . وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ يَسِيرُ فَلَعَنَ رَجُلٌ نَاقَتَهُ فَقَالَ أَيْنَ صَاحِبُ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ أَنَا، فَقَالَ أَخِّرْهَا فَقَدْ أُجِبْتَ فِيهَا» . وَأَبُو دَاوُد: «لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإِنَّهُ يَدْعُو لِلصَّلَاةِ» ، وَوَرَدَ: «فَإِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ» . وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ: «صَرَخَ دِيكٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَبَّهُ رَجُلٌ فَنَهَى عَنْ سَبِّ الدِّيكِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ: «لَا تَلْعَنْهُ وَلَا تَسُبَّهُ فَإِنَّهُ يَدْعُو لِلصَّلَاةِ» . وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ رُوَاةُ الصَّحِيحِ إلَّا عَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ ضَعَّفَهُ كَثِيرُونَ وَحَسَّنَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ غَيْرَ مَا حَدِيثٍ: «أَنَّ دِيكًا صَرَخَ قَرِيبًا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَهْ كَلًّا إنَّهُ يَدْعُو إلَى الصَّلَاةِ» .

стр. 535

وَأَبُو يَعْلَى: ` «أَنَّ بُرْغُوثًا لَدَغَتْ رَجُلًا فَلَعَنَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَلْعَنْهَا فَإِنَّهَا نَبَّهَتْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لِلصَّلَاةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَزَّارِ: «لَا تَسُبَّهُ فَإِنَّهُ أَيْقَظَ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ «عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - قَالَ: نَزَلْنَا مَنْزِلًا فَآذَتْنَا الْبَرَاغِيثُ فَسَبَبْنَاهَا فَقَالَ ﷺ : لَا تَسُبُّوهَا فَنِعْمَتْ الدَّابَّةُ فَإِنَّهَا أَيْقَظَتْكُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى -» . وَصَحَّ «أَنَّ رَجُلًا لَعَنَ الرِّيحَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا تَلْعَنْ الرِّيحَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتْ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ هُوَ صَرِيحُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ لِلْحُكْمِ فِيهِ عَلَى سِبَابِ الْمُسْلِمِ بِأَنَّهُ فِسْقٌ. وَأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْهَلَكَةِ وَأَنَّ فَاعِلَهُ شَيْطَانٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَعَلَى لَعْنِ الْوَالِدَيْنِ بِأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَلِذَا أَفْرَدْته بِالذِّكْرِ وَإِنْ دَخَلَ فِي سِبَابِ الْمُسْلِمِ أَوْ لَعْنِهِ، وَعَلَى أَنَّ لَعْنَ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ وَعَلَى أَنَّ مَنْ لَعَنَ أَخَاهُ أَتَى بَابًا مِنْ الْكَبَائِرِ، وَعَلَى أَنَّ اللَّعْنَةَ تَرْجِعُ إلَى قَائِلِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَعَلَى أَنَّ اللَّعَّانَ لَا يَكُونُ شَفِيعًا وَلَا شَهِيدًا وَلَا صِدِّيقًا وَهَذَا كُلُّهُ غَايَةٌ فِي الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، فَظَهَرَ بِهِ مَا ذَكَرْته مِنْ عَدِّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ كَذَلِكَ وَبِهِ فِي الْأَوَّلِ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ خِلَافُهُ. وَحَمَلُوا حَدِيثَ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ» عَلَى مَا إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَغْلِبُ طَاعَتَهُ، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَهِيَ ظَاهِرُ قَوْلِ شَرْحِ مُسْلِمٍ: «لَعْنُ الْمُسْلِمِ كَقَتْلِهِ» : أَيْ فِي الْإِثْمِ، وَاسْتُفِيدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي لَعْنِ الدَّوَابِّ أَنَّهُ حَرَامٌ وَبِهِ صَرَّحَ أَئِمَّتُنَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ صَغِيرَةٌ إذْ لَيْسَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ؛ وَمُعَاتَبَتُهُ ﷺ لِمَنْ لَعَنَتْ نَاقَتَهَا بِتَرْكِهَا لَهَا تَعْزِيرًا وَتَأْدِيبًا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُجَرَّدُ كَبِيرَةٍ، سِيَّمَا وَقَدْ عَلَّلَ الْأَمْرَ بِالتَّرْكِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بِأَنَّ دَعْوَتَهُ بِاللَّعْنِ عَلَى دَابَّتِهِ أُجِيبَتْ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي رِيَاضِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ حَدِيثَ: «خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ» ، وَحَدِيثَ: «لَا تُصَاحِبْنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ» . قَدْ يُسْتَشْكَلُ مَعْنَاهُ وَلَا إشْكَالَ فِيهِ، بَلْ الْمُرَادُ النَّهْيُ لَنْ تُصَاحِبْهُمْ تِلْكَ النَّاقَةُ وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ بَيْعِهَا وَذَبْحِهَا وَرُكُوبِهَا فِي غَيْرِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ وَمَا سِوَاهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ جَائِزٌ لَا مَنْعَ مِنْهُ إلَّا مِنْ مُصَاحَبَتِهِ ﷺ بِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ كُلَّهَا كَانَتْ جَائِزَةً فَمَنَعَ بَعْضٌ مِنْهَا فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ. اهـ. ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ صَرَّحَ بِأَنَّ لَعْنَ الدَّابَّةِ وَالذِّمِّيِّ الْمُعَيَّنَيْنِ كَبِيرَةٌ، وَقَيَّدَ حُرْمَةَ لَعْنِ

стр. 536

الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ وَفِيمَا ذَكَرَهُ وَقَيَّدَ بِهِ نَظَرٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ لَعْنَ الدَّابَّةِ صَغِيرَةٌ لِمَا ذَكَرْته، وَأَمَّا لَعْنُ الذِّمِّيِّ الْمُعَيَّنِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ؛ لِاسْتِوَائِهِ مَعَ الْمُسْلِمِ فِي حُرْمَةِ الْإِيذَاءِ، وَأَمَّا تَقْيِيدُهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَيْسَ لَنَا غَرَضٌ شَرْعِيٌّ يَجُوزُ لَعْنُ الْمُسْلِمِ أَصْلًا ثُمَّ مَحَلُّ حُرْمَةِ اللَّعْنِ إنْ كَانَ لِمُعَيَّنٍ فَالْمُعَيَّنُ لَا يَجُوزُ لَعْنُهُ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا، كَيَزِيدَ بْنُ مُعَاوِيَةَ ﵁ أَوْ ذِمِّيًّا حَيًّا أَوْ مَيِّتًا وَلَمْ يُعْلَمْ مَوْتُهُ عَلَى الْكُفْرِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يُخْتَمُ لَهُ أَوْ خُتِمَ لَهُ بِالْإِسْلَامِ بِخِلَافِ مَنْ عُلِمَ مَوْتُهُ عَلَى الْكُفْرِ كَفِرْعَوْنَ وَأَبِي جَهْلٍ وَأَبِي لَهَبٍ وَنُظَرَائِهِمْ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ لَعْنِ يَزِيدَ فَهُوَ تَهَوُّرٌ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِإِسْلَامِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَدَعْوَى جَمْعٍ أَنَّهُ كَافِرٌ لَمْ يَثْبُتْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا بَلْ أَمْرُهُ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ أَيْضًا وَلِهَذَا أَفْتَى الْغَزَالِيُّ بِحُرْمَةِ لَعْنِهِ: أَيْ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا سِكِّيرًا مُتَهَوِّرًا فِي الْكَبَائِرِ بَلْ فَوَاحِشِهَا. وَأَمَّا احْتِجَاجُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ السِّرَاجِ الْبُلْقِينِيِّ عَلَى جَوَازِ لَعْنِ الْعَاصِي الْمُعَيَّنِ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «إذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهِمَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا وَلِلنَّسَائِيِّ: «إذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ وَلَدُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ: بَحَثْت مَعَهُ فِي ذَلِكَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَعْنُ الْمَلَائِكَةِ لَهَا لَيْسَ بِالْخُصُوصِ بَلْ بِالْعُمُومِ بِأَنْ يَقُولُوا: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ بَاتَتْ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، وَأَقُولُ: لَوْ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِحِمَارٍ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا» لَكَانَ أَظْهَرَ إذْ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ هَذَا صَرِيحَةٌ فِي لَعْنِ مُعَيَّنٍ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ فَاعِلِ ذَلِكَ لَا هَذَا الْمُعَيَّنُ، وَفِيهِ مَا فِيهِ. أَمَّا لَعْنُ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ بِالشَّخْصِ وَإِنَّمَا عُيِّنَ بِالْوَصْفِ بِنَحْوِ لَعَنَ اللَّهُ الْكَاذِبَ فَجَائِزٌ إجْمَاعًا. قَالَ - تَعَالَى -: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]- ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] وَسَيَأْتِي عَنْهُ ﷺ كَثِيرٌ مِنْ هَذَا النَّوْعِ. فَائِدَةٌ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمَاعَةً بِالْوَصْفِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَجَمَاعَةً بِالتَّعْيِينِ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا مِنْهُ جُمْلَةً مُسْتَكْثَرَةً مِنْ غَيْرِ سَنْدٍ فَلَا بَأْسَ بِذِكْرِهِ كَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَوَائِدِ.

стр. 537

فَنَقُولُ: " لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ وَالْمُصَوِّرِينَ، وَمَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ: أَيْ حُدُودَهَا كَاَلَّذِي يَأْخُذُ قِطْعَةً مِنْ الشَّارِعِ أَوْ الْمَسْجِدِ فَيُدْخِلُهَا بَيْتَهُ أَوْ يَأْخُذُ مَكَانًا مَوْقُوفًا فَيُعِيدُهُ مَمْلُوكًا، وَمَنْ كَمَّهَ أَعْمَى عَنْ الطَّرِيقِ: أَيْ دَلَّهُ عَلَى غَيْرِهَا وَأُلْحِقَ بِهِ الْبَصِيرُ الْجَاهِلُ، وَمَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ، وَمَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، وَمَنْ أَتَى حَائِضًا، وَالنَّائِحَةَ وَمَنْ حَوْلَهَا، وَمَنْ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَامْرَأَةً بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ أَوْ هَاجِرَةً فِرَاشَهُ، وَمَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَالسَّارِقَ، وَمَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ ﵃، وَالْمُخَنَّثَ مِنْ الرِّجَالِ، وَرَجُلَةَ النِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَمِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ، وَالرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَمَنْ سَلَّ سَخِيمَتَهُ: أَيْ تَغَوَّطَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَالْمَرْأَةَ السَّلْتَاءَ: أَيْ الَّتِي لَا تُخَضِّبُ يَدَهَا، وَالْمَرْهَاءَ: أَيْ الَّتِي لَا تَكْتَحِلُ، وَمَنْ خَبَّبَ: أَيْ أَفْسَدَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ مَمْلُوكًا عَلَى سَيِّدِهِ، وَمَنْ أَشَارَ إلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ. وَمَانِعَ الزَّكَاةِ، وَمَنْ انْتَسَبَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ، وَمَنْ وَسَمَ فِي الْوَجْهِ، وَالشَّافِعَ وَالْمُشَفِّعَ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ - تَعَالَى - إذَا بَلَغَ الْحَاكِمَ، وَالْمَرْأَةَ إذَا خَرَجَتْ مِنْ دَارِهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا، وَمَنْ تَرَكَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ إذَا أَمْكَنَهُ، وَالْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَالْمُشْتَرَاةَ لَهُ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَالدَّالَّ عَلَيْهَا، وَالزَّانِي بِحَلِيلَةِ جَارِهِ، وَالنَّاكِحَ يَدَهُ، وَنَاكِحَ الْأُمِّ وَبِنْتِهَا، وَالرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ، وَالرَّائِشَ: أَيْ السَّاعِي بَيْنَهُمَا، وَكَاتِمَ الْعِلْمِ وَالْمُحْتَكِرَ، وَمَنْ حَقَّرَ مُسْلِمًا: أَيْ خَذَلَهُ وَلَمْ يَنْصُرْهُ، وَالْوَالِي إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ رَحْمَةٌ، وَالْمُتَبَتِّلِينَ وَالْمُتَبَتِّلَاتِ: أَيْ تَارِكِي النِّكَاحِ وَرَاكِبَ الْفَلَاةِ وَحْدَهُ، وَمَنْ جَعَلَ ذَاتَ الرُّوحِ غَرَضًا يَرْمِي إلَيْهِ، وَمَنْ أَحْدَثَ فِي الدِّينِ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا، وَمَنْ أَوْقَدَ سِرَاجًا عَلَى الْقُبُورِ، وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا بِالْمَقْبَرَةِ وَزَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالصَّالِقَةَ: أَيْ الرَّافِعَةَ لِصَوْتِهَا بِالْبُكَاءِ، وَالْحَالِقَةَ لِشَعْرِهَا، وَالشَّاقَّةَ لِثَوْبِهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وَاَلَّذِينَ يُثَقِّفُونَ الْكَلَامَ تَثْقِيفَ الشِّعْرِ. وَمَنْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ وَالْبِلَادِ، وَمَنْ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ أَوْ انْتَسَبَ إلَى غَيْرِهِ، وَمَنْ قَذَفَ الْمُحْصَنَةَ، وَمَنْ لَعَنَ أَصْحَابَهُ، وَمَنْ قَطَعَ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَتَمَ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لَعَنَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا، وَمَنْ مَكَرَ بِمُسْلِمٍ أَوْ ضَارَّهُ، وَالْمُغَنَّى لَهُ، وَالشَّيْخَ الزَّانِيَ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، وَالْمُغَنِّي بَيْنَ الْأَخِ وَأَخِيهِ، وَمَنْ جَلَسَ وَسَطَ الْحَلَقَةِ، وَمَنْ سَمِعَ

стр. 538

حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يُجِبْ. وَقَاطِعَ السِّدْرِ - قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: هَذَا فِي السِّدْرِ الَّذِي فِي الطُّرُقَاتِ وَفِي الْبَوَادِي يَسْتَظِلُّ بِهَا الْمَارَّةُ - وَقَالَ: «إنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ وَالْجِبَالَ لَيَلْعَنَّ الشَّيْخَ الزَّانِيَ» . «وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ. وَمَنْ مَشَى بِقَمِيصٍ رَقِيقٍ بِغَيْرِ إزَارٍ بَادِي الْعَوْرَةِ لَعَنَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَنْزِلِهِ أَوْ يَتُوبَ» . «وَإِذَا ظَهَرَتْ الْبِدَعُ وَسُبَّتْ أَصْحَابِي فَعَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُظْهِرَ عِلْمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» . «إنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا فَجَعَلَ مِنْهُمْ وُزَرَاءَ وَأَنْصَارًا وَأَصْهَارًا، فَمَنْ سَبَّهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» . «سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَيَقُولُ لَهُمْ اُدْخُلُوا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ: الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ، وَنَاكِحُ يَدِهِ، وَنَاكِحُ الْبَهِيمَةِ، وَنَاكِحُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا، وَجَامِعٌ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِهَا، وَالزَّانِي بِحَلِيلَةِ جَارِهِ، وَالْمُؤْذِي لِجَارِهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَلَمْ يَرْحَمْهُمْ فَعَلَيْهِ بَهْلَةُ اللَّهِ قَالُوا وَمَا بَهْلَةُ اللَّهِ؟ قَالَ لَعْنَةُ اللَّهِ» . «وَمَنْ أَحْدَثَ فِي الْمَدِينَةِ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» . «وَمَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» . «وَالْهَاجِرَةُ لِفِرَاشِ زَوْجِهَا تَلْعَنُهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ فَإِنَّ حَقَّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ إنْ سَأَلَهَا وَهِيَ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ أَنْ لَا تَمْنَعَهُ نَفْسَهَا» . «وَمِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ أَنْ لَا تَصُومَ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنْ فَعَلَتْ جَاعَتْ وَعَطِشَتْ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا وَلَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنْ فَعَلَتْ لَعَنَتْهَا مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ حَتَّى تَرْجِعَ» . «مَنْ أَشَارَ إلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ مَلْعُونٌ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ» . «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ، وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ» . «سِتَّةٌ لَعَنَتْهُمْ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَكُلُّ نَبِيٍّ مُجَابُ الدَّعْوَةِ الْمُحَرِّفُ لِكِتَابِ اللَّهِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ لِيُعِزَّ مَنْ أَذَلَّ اللَّهُ وَيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّ اللَّهُ، وَالْمُسْتَحِلُّ حُرْمَةَ اللَّهِ، وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي» . وَأَمَّا الَّذِينَ لَعَنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَعْيَانِهِمْ فَهُمْ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﵊: «اللَّهُمَّ الْعَنْ رَعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» فَهَذِهِ ثَلَاثُ قَبَائِلَ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنَّهُ ﷺ عَلِمَ مَوْتَهُمْ أَوْ مَوْتَ أَكْثَرِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ فَلَمْ يَلْعَنْ إلَّا مَنْ عَلِمَ مَوْتَهُ عَلَيْهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَقْرَبُ مِنْ اللَّعْنِ الدُّعَاءُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِالشَّرِّ حَتَّى

стр. 539

الدُّعَاءُ عَلَى الظَّالِمِ نَحْوَ لَا أَصَحَّ اللَّهُ جِسْمَهُ وَلَا سَلَّمَهُ اللَّهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَذْمُومٍ، وَلَعْنُ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ كُلُّهُ مَذْمُومٌ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ لَعَنَ، مَا لَا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ فَلْيُبَادِرْ بِقَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَسْتَحِقُّ، وَلِلْآمِرِ بِمَعْرُوفٍ وَالنَّاهِي عَنْ مُنْكَرٍ وَكُلُّ مُؤَدِّبٍ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ بِقَصْدِ الزَّجْرِ وَالتَّأْدِيبِ: وَيْلَك أَوْ يَا ضَعِيفَ الْحَالِ يَا قَلِيلَ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ يَا ظَالِمَ نَفْسِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ كَذِبٌ وَلَا قَذْفٌ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ أَوْ تَعْرِيضٌ وَلَوْ كَانَ صَادِقًا فِيهِ. [الْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ تَبَرُّؤُ الْإِنْسَانِ مِنْ نَسَبِهِ] (الْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: تَبَرُّؤُ الْإِنْسَانِ مِنْ نَسَبِهِ أَوْ مِنْ وَالِدِهِ وَانْتِسَابُهُ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ مَعَ عِلْمِهِ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ) . أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» . وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْمُلَاعَنَةِ أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وَلَنْ يُدْخِلَهَا جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ مِنْ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ» . وَالشَّيْخَانِ: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ إلَّا كَفَرَ، وَمَنْ ادَّعَى مَنْ لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوُّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا حَارَ عَلَيْهِ» بِالْمُهْمَلَةِ: أَيْ رَجَعَ. وَالشَّيْخَانِ: «مَنْ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ انْتَمَى إلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» . وَالْبُخَارِيُّ: «لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَقَدْ كَفَرَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَفَرَ مَنْ تَبَرَّأَ أَوْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رِقٍّ أَوْ ادَّعَى نَسَبًا لَا يُعْرَفُ» . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ: «مَنْ ادَّعَى نَسَبًا لَا يُعْرَفُ كَفَرَ بِاَللَّهِ أَوْ انْتَفَى مِنْ نَسَبٍ وَإِنْ دَقَّ كَفَرَ بِاَللَّهِ» .

стр. 540

وَأَحْمَدُ: «مَنْ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ قَدْرِ سَبْعِينَ عَامًا أَوْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا» . وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ وَرِجَالُهَا رِجَالُ الصَّحِيحِ: «أَلَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ» . وَكَأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُدْرِكِينَ، فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشُمُّهُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسمِائَةِ عَامٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشُمُّهُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ سَنَةً. وَأَبُو دَاوُد: «مَنْ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ انْتَمَى إلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَيْنِ هُوَ صَرِيحُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَهُوَ وَاضِحٌ جَلِيٌّ، وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ، وَالْكُفْرُ فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَيْهِ أَوْ اسْتَحَلَّ أَوْ كَفَرَ النِّعْمَةَ. [الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ الثَّابِتِ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ] (الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ الثَّابِتِ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ صَرِيحُ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ. [الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ أَنْ تُدْخِلَ الْمَرْأَةُ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ] (الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: أَنْ تُدْخِلَ الْمَرْأَةُ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ بِزِنًا أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ) أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْمُلَاعَنَةِ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وَلَنْ يُدْخِلَهَا جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ مِنْ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ» .

стр. 541

[كِتَابُ الْعِدَدِ] [ الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ الْخِيَانَةُ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ] (الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: الْخِيَانَةُ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ) . وَذِكْرُ هَذَا مِنْ الْكَبَائِرِ غَيْرُ بَعِيدٍ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ تَسَلُّطِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى بَعْضِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ وَفِي ذَلِكَ مِنْ عَظِيمِ الضَّرَرِ وَالْمَفَاسِدِ مَا لَا يُحْصَى. [الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ خُرُوجُ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ الْمَسْكَنِ الَّذِي يَلْزَمُهَا مُلَازَمَتُهُ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ] (الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: خُرُوجُ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ الْمَسْكَنِ الَّذِي يَلْزَمُهَا مُلَازَمَتُهُ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ) . وَذِكْرُ هَذَا غَيْرُ بَعِيدٍ أَيْضًا قِيَاسًا عَلَى خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى فِي الْمُعْتَدَّةِ عَنْ وَفَاةٍ؛ لِأَنَّ فِي مُلَازَمَتِهَا الْمَسْكَنَ حَقًّا مُؤَكَّدًا لِلَّهِ - تَعَالَى - مِنْ حِفْظِ النَّسَبِ وَغَيْرِهِ. [الْكَبِيرَةُ الثَّامِنَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ عَدَمُ إحْدَادِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا] (الْكَبِيرَةُ الثَّامِنَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: عَدَمُ إحْدَادِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) وَذِكْرُ هَذَا غَيْرُ بَعِيدٍ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْكَثِيرَةِ. [الْكَبِيرَةُ التَّاسِعَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ وَطْءُ الْأَمَةِ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا] (الْكَبِيرَةُ التَّاسِعَةُ وَالتِّسْعُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: وَطْءُ الْأَمَةِ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا) وَذِكْرُ هَذَا غَيْرُ بَعِيدٍ أَيْضًا؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَضَيَاعِ الْأَنْسَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ، ثُمَّ رَأَيْت خَبَرَ مُسْلِمٍ الصَّرِيحَ فِيهِ إنْ كَانَتْ حَامِلًا. وَسَبَبُهُ: «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِامْرَأَةٍ حَامِلٍ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقَالُوا هَذِهِ أَمَةٌ لِفُلَانٍ، فَقَالَ أَلَمَّ بِهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ ﷺ : لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُورِثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ» : أَيْ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْوَلَدِ مُشْكِلٌ إذْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ وَلَدَهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نَفْيُهُ وَاسْتِرْقَاقُهُ وَاسْتِخْدَامُهُ، وَإِنْ كَانَ وَلَدُ غَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ اسْتِلْحَاقُهُ وَتَوْرِيثُهُ.

стр. 542

كِتَابُ النَّفَقَاتِ عَلَى الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ مِنْ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ [الْكَبِيرَةُ الثَّلَاثُمِائَةِ مَنْعُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ أَوْ كِسْوَتِهَا مِنْ غَيْرِ مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ] (الْكَبِيرَةُ الثَّلَاثُمِائَةِ: مَنْعُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ أَوْ كِسْوَتِهَا مِنْ غَيْرِ مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ) . وَذِكْرُ هَذَا ظَاهِرٌ نَظِيرَ مَا يَأْتِي فِي الظُّلْمِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَقْبَحِهِ، وَيَأْتِي فِي الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ تَامٌّ بِهَا. [الْكَبِيرَةُ الْحَادِيَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: إضَاعَةُ عِيَالِهِ كَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ] (الْكَبِيرَةُ الْحَادِيَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: إضَاعَةُ عِيَالِهِ كَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ) أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. إلَّا أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ يَعُولُ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ «إنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ أَحَفِظَ أَمْ ضَيَّعَ حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» . وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» . تَنْبِيهٌ: ذِكْرُ هَذَا ظَاهِرٌ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا مِنْ أَقْبَحِ الظُّلْمِ وَأَفْحَشِهِ. فَائِدَةٌ: فِي ذِكْرِ مَا وَرَدَ مِنْ الْحَثِّ عَلَى الْإِحْسَانِ إلَى الزَّوْجَةِ وَالْعِيَالِ سِيَّمَا الْبَنَاتُ. أَخْرَجَ مُسْلِمٌ: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ

стр. 543

تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِك أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِك» . وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ: «أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: بَدَأَ بِالْعِيَالِ، وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يُعِفُّهُمْ اللَّهُ أَوْ يَنْفَعُهُمْ اللَّهُ لَهُ وَيُغْنِيهِمْ. وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ بِنَحْوِهِ: «عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَأَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ. فَأَمَّا أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: فَالشَّهِيدُ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ. وَأَمَّا أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَأَمِيرٌ مُسَلَّطٌ، وَذُو ثَرْوَةٍ مِنْ مَالٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ مِنْ مَالِهِ، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ» . وَالشَّيْخَانِ مِنْ جُمْلَةِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: «وَإِنَّك لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْت عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ» . وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: «مَا أَطْعَمْت نَفْسَك فَهُوَ لَك صَدَقَةٌ» - أَيْ إنْ كَانَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ بِقَصْدِ التَّقَوِّي بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ - «وَمَا أَطْعَمْت وَلَدَك فَهُوَ لَك صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْت زَوْجَتَك فَهُوَ لَك صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْت خَادِمَك فَهُوَ لَك صَدَقَةٌ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «مَنْ أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ نَفَقَةً يَسْتَعِفُّ بِهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ. مَنْ أَنْفَقَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَوَلَدِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَهِيَ صَدَقَةٌ» ، وَهَذَا مُفَسِّرٌ لِمَا قَبْلَهُ. وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالشَّيْخَانِ بِنَحْوِهِ: «الْيَدُ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أُمَّك وَأَبَاك وَأُخْتَك وَأَخَاك وَأَدْنَاك فَأَدْنَاك» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ: «تَصَدَّقُوا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ قَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك، قَالَ إنَّ عِنْدِي آخَرَ قَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى زَوْجَتِك، قَالَ إنَّ عِنْدِي آخَرَ قَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِك، قَالَ إنَّ عِنْدِي آخَرَ قَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِك، قَالَ إنَّ عِنْدِي آخَرَ قَالَ أَنْتَ أَبْصَرُ بِهِ» .

стр. 544

وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ: «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فَرَأَوْا مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ ﷺ : إنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ» . وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَمَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ كُتِبَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا وَقَى بِهِ الْمَرْءُ عِرْضَهُ كُتِبَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ، وَمَا أَنْفَقَ الْمُؤْمِنُ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّ خَلَفَهَا عَلَى اللَّهِ وَاَللَّهُ ضَامِنٌ إلَّا مَا كَانَ فِي بُنْيَانٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ» ، وَفُسِّرَتْ وِقَايَةُ الْعِرْضِ بِمَا يُعْطَى لِلشَّاعِرِ وَذِي اللِّسَانِ الْمُتَّقَى. وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ فِي كَلَامٍ مُرِيبٍ. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ ذَلِكَ الْحَدِيثَ غَرِيبٌ: «إنَّ الْمَعُونَةَ تَأْتِي مِنْ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ الْمُؤْنَةِ، وَإِنَّ الصَّبْرَ يَأْتِي مِنْ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ الْبَلَاءِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ: «أَوَّلُ مَا يُوضَعُ فِي مِيزَانِ الْعَبْدِ نَفَقَتُهُ عَلَى أَهْلِهِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «كُلُّ مَا صَنَعْت إلَى أَهْلِك فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِمْ» . وَالشَّيْخَانِ: «أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ تَسْأَلُ عَائِشَةَ وَمَعَهَا بِنْتَاهَا فَلَمْ تَجِدْ إلَّا تَمْرَةً فَأَعْطَتْهَا إيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ بِنْتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَنْ اُبْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا أَوْ حِجَابًا مِنْ النَّارِ» . وَمُسْلِمٌ: «إنَّ مِسْكِينَةً جَاءَتْهَا بِبِنْتَيْهَا فَأَعْطَتْهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا فَشَقَّتْ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا فَأَعْجَبَهَا شَأْنُهَا فَذَكَرَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنْ النَّارِ» . وَمُسْلِمٌ: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ دَخَلْت أَنَا وَهُوَ الْجَنَّةَ كَهَاتَيْنِ وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَلَفْظُهُ: «مَنْ عَالَ ابْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى

стр. 545

يَبْنِينَ أَوْ يَمُوتَ عَنْهُنَّ كُنْت أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا» . وَفِي أُخْرَى صَحَّحَهَا جَمَاعَةٌ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ لَهُ ابْنَتَانِ فَيُحْسِنُ إلَيْهِمَا مَا صَحِبَتَاهُ أَوْ صَحِبَهُمَا إلَّا أَدْخَلَتَاهُ الْجَنَّةَ» . وَفِي أُخْرَى شَوَاهِدُهَا كَثِيرَةٌ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ فَيُنْفِقُ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَبْنِينَ أَوْ يَمُتْنَ إلَّا كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ أَوْ بِنْتَانِ؟ فَقَالَ وَبِنْتَانِ» . وَفِي أُخْرَى لِلتِّرْمِذِيِّ: «فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ وَاتَّقَى اللَّهَ فِيهِنَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ» . وَفِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُد: «فَأَدَّبَهُنَّ وَأَحْسَنَ إلَيْهِنَّ وَزَوَّجَهُنَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ» . وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا - أَيْ يَدْفِنْهَا حَيَّةً عَلَى عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ - وَلَمْ يُهِنْهَا وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ يَعْنِي الذَّكَرَ عَلَيْهَا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» . وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ: «مَنْ أَنْفَقَ عَلَى ابْنَتَيْنِ أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ذَوَاتَيْ قَرَابَةٍ يَحْتَسِبُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِمَا حَتَّى يُغْنِيَهُمَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أَوْ يَكْفِيَهُمَا كَانَتَا لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ» . وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كُنَّ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ يُؤْوِيهِنَّ وَيَرْحَمُهُنَّ وَيَكْفُلُهُنَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ أَلْبَتَّةَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ؟ قَالَ وَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ. قَالَ فَرَأَى بَعْضُ الْقَوْمِ أَنْ لَوْ قَالَ وَاحِدَةً لَقَالَ وَاحِدَةً» . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ: وَزَادَ «وَيُزَوِّجُهُنَّ» . وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهِنَّ وَضَرَّائِهِنَّ وَسَرَّائِهِنَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ إيَّاهُنَّ. فَقَالَ رَجُلٌ: وَابْنَتَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ وَابْنَتَانِ، قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَوَاحِدَةٌ؟ قَالَ وَوَاحِدَةٌ» . [الْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَإِنْ عَلَا وَلَوْ مَعَ وجود أقرب مِنْهُ] . (الْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَإِنْ عَلَا وَلَوْ مَعَ وُجُودِ أَقْرَبَ مِنْهُ) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الْبِرَّ بِهِمَا مَعَ اللُّطْفِ وَلِينِ الْجَانِبِ، فَلَا يُغْلِظُ لَهُمَا فِي الْجَوَابِ، وَلَا يُحِدُّ النَّظَرَ إلَيْهِمَا، وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَيْهِمَا، بَلَى يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِمَا مِثْلَ الْعَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ السَّيِّدِ تَذَلُّلًا لَهُمَا، وَقَالَ - تَعَالَى -:

стр. 546

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] أَمَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا، وَهُوَ الْبِرُّ وَالشَّفَقَةُ وَالْعَطْفُ وَالتَّوَدُّدُ وَإِيثَارُ رِضَاهُمَا. وَنَهَى عَنْ أَنْ يُقَالَ لَهُمَا أُفٍّ، إذْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْإِيذَاءِ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ حَتَّى بِأَقَلِّ أَنْوَاعِهِ، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ : قَالَ: «لَوْ عَلِمَ اللَّهُ شَيْئًا أَدْنَى مِنْ أُفٍّ لَنَهَى عَنْهُ، فَلْيَعْمَلْ الْعَاقُّ مَا شَاءَ أَنْ يَعْمَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلْيَعْمَلْ الْبَارُّ مَا شَاءَ أَنْ يَعْمَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ النَّارَ» . ثُمَّ أَمَرَ بِأَنْ يُقَالَ لَهُمَا الْقَوْلُ الْكَرِيمُ: أَيْ اللَّيِّنُ اللَّطِيفُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْعَطْفِ وَالِاسْتِمَالَةِ وَمُوَافَقَةِ مُرَادِهِمَا وَمَيْلِهِمَا وَمَطْلُوبِهِمَا مَا أَمْكَنَ سِيَّمَا عِنْدَ الْكِبَرِ، فَإِنَّ الْكَبِيرَ يَصِيرُ كَحَالِ الطِّفْلِ وَأَرْذَلَ؛ لِمَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْخَرَفِ وَفَسَادِ التَّصَوُّرِ، فَيَرَى الْقَبِيحَ حَسَنًا وَالْحَسَنَ قَبِيحًا، فَإِذَا طَلَبْت رِعَايَتَهُ وَغَايَةَ التَّلَطُّفِ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَأَنْ يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ بِمَا يُنَاسِبُ عَقْلَهُ إلَى أَنْ يَرْضَى فَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ أَوْلَى. ثُمَّ أَمَرَ - تَعَالَى - بَعْدَ الْقَوْلِ الْكَرِيمِ بِأَنْ يَخْفِضَ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنْ لَا يُكَلِّمَهُمَا إلَّا مَعَ الِاسْتِكَانَةِ وَالذُّلِّ وَالْخُضُوعِ وَإِظْهَارِ ذَلِكَ لَهُمَا، وَاحْتِمَالِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمَا، وَيُرِيهِمَا أَنَّهُ فِي غَايَةِ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّهِمَا وَبِرِّهِمَا، وَأَنَّهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ذَلِيلٌ حَقِيرٌ، وَلَا يَزَالُ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُثَلِّجَ خَاطِرَهُمَا، وَيُبَرِّدَ قَلْبَهُمَا عَلَيْهِ، فَيَنْعَطِفَا عَلَيْهِ بِالرِّضَا وَالدُّعَاءِ؛ وَمِنْ ثَمَّ طَلَبَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ مَا سَبَقَ يَقْتَضِي دُعَاءَهُمَا لَهُ كَمَا تَقَرَّرَ فَلْيُكَافِئْهُمَا إنْ فُرِضَتْ مُسَاوَاةٌ، وَإِلَّا فَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ، وَكَيْفَ تُتَوَهَّمُ الْمُسَاوَاةُ، وَقَدْ كَانَا يَحْمِلَانِ أَذَاك وَكَلَّك وَعَظِيمَ الْمَشَقَّةِ فِي تَرْبِيَتِك، وَغَايَةَ الْإِحْسَانِ إلَيْك، رَاجِينَ حَيَاتَك، مُؤَمَّلِينَ سَعَادَتَك، وَأَنْتَ إنْ حَمَلْت شَيْئًا مِنْ أَذَاهُمَا رَجَوْت مَوْتَهُمَا، وَسَئِمْت مِنْ مُصَاحَبَتِهِمَا؛ وَلِكَوْنِ الْأُمِّ أَحْمَلَ لِذَلِكَ وَأَصْبَرَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ عَنَاءَهَا أَكْثَرُ وَشَفَقَتَهَا أَعْظَمُ بِمَا قَاسَتْهُ مِنْ حَمْلٍ وَطَلْقٍ وَوِلَادَةٍ وَرَضَاعٍ وَسَهَرِ لَيْلٍ، وَتَلَطُّخٍ بِالْقَذَرِ وَالنَّجَسِ، وَتَجَنُّبٍ لِلنَّظَافَةِ وَالتَّرَفُّهِ حَضَّ ﷺ عَلَى بِرِّهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَعَلَى بِرِّ الْأَبِ مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ أُمُّك، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّك، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّك، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أَبُوك ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ» . وَقَدْ رَأَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ رَجُلًا يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ حَامِلًا أُمَّهُ عَلَى رَقَبَتِهِ

стр. 547

فَقَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ أَتَرَى أَنِّي جَزَيْتهَا؟ قَالَ: لَا وَلَا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَكِنَّك أَحْسَنْت وَاَللَّهُ يُثِيبُك عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيرًا. «وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّيَ تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا فَقَالَ سَمِعْت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الْوَالِدَةُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَإِنْ شِئْت فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوْ احْفَظْهُ» . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] فَانْظُرْ - وَفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ - كَيْفَ قَرَنَ شُكْرَهُمَا بِشُكْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: ثَلَاثُ آيَاتٍ نَزَلَتْ مَقْرُونَةً بِثَلَاثٍ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهَا وَاحِدَةٌ بِغَيْرِ قَرِينَتِهَا. إحْدَاهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَلَمْ يُطِعْ رَسُولَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ. وَالثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يُزَكِّ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ. الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] فَمَنْ شَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يَشْكُرْ وَالِدَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَلِذَا قَالَ ﷺ : «رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسَخَطُ اللَّهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ» . وَصَحَّ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ يَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْجِهَادِ مَعَهُ، فَقَالَ أَحَيٌّ وَالِدَاك؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» . فَانْظُرْ كَيْفَ فَضَّلَ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ وَخِدْمَتَهُمَا عَلَى الْجِهَادِ مَعَهُ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» . فَانْظُرْ كَيْفَ قَرَنَ الْإِسَاءَةَ إلَيْهِمَا وَعَدَمَ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا بِالْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى -، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ بِمُصَاحَبَتِهِمَا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ كَانَا يُجَاهِدَانِ الْوَلَدَ عَلَى أَنْ يُشْرِكَ بِاَللَّهِ - تَعَالَى -. قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] فَإِذَا أَمَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِمُصَاحَبَةِ هَذَيْنِ بِالْمَعْرُوفِ مَعَ هَذَا الْقُبْحِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَأْمُرَانِ وَلَدَهُمَا بِهِ وَهُوَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - فَمَا الظَّنُّ بِالْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ سِيَّمَا إنْ كَانَا صَالِحَيْنِ، تَاللَّهِ إنَّ حَقَّهُمَا لَمِنْ أَشَدِّ الْحُقُوقِ وَآكَدِهَا وَإِنَّ الْقِيَامَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ أَصْعَبُ الْأُمُورِ وَأَعْظَمُهَا، فَالْمُوَفَّقُ مَنْ هُدِيَ إلَيْهَا وَالْمَحْرُومُ كُلُّ الْمَحْرُومِ مَنْ صُرِفَ عَنْهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ مِنْ التَّأْكِيدِ فِي ذَلِكَ مَا لَا تُحْصَى كَثْرَتُهُ وَلَا تُحَدُّ غَايَتُهُ؛ فَمِنْ ذَلِكَ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا؟ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ

стр. 548

الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ» . وَالْبُخَارِيُّ: «الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» . وَالشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَبَائِرَ فَقَالَ: «الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ «أَنَّهُ ﷺ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي كَتَبَهُ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ وَبَعَثَ بِهِ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ: وَإِنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالْفِرَارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَرَمْيُ الْمُحْصَنَةِ، وَتَعَلُّمُ السِّحْرِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ» الْحَدِيثَ. وَالشَّيْخَانِ: «إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَاهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» . وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» . وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَزَّارُ وَاللَّفْظُ لَهُ بِإِسْنَادَيْنِ جَيِّدَيْنِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ عَطَاءَهُ. وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالدَّيُّوثُ وَالرَّجِلَةُ مِنْ النِّسَاءِ» ، وَالرَّجِلَةُ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ الْمُتَرَجِّلَةُ، أَيْ الْمُتَشَبِّهَةُ بِالرِّجَالِ. وَأَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «ثَلَاثَةٌ حَرَّمَ اللَّهُ ﵎ عَلَيْهِمْ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ الْخَبَثَ فِي أَهْلِهِ» ، أَيْ الزِّنَا مَعَ عِلْمِهِ بِهِ. وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ: «يُرَاحُ رِيحُ الْجَنَّةِ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَلَا يَجِدُ رِيحَهُ مَنَّانٌ بِعَمَلِهِ وَلَا عَاقٌّ وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ» وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «ثَلَاثَةٌ لَا

стр. 549

يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمْ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا عَاقٌّ وَمَنَّانٌ وَمُكَذِّبٌ بِقَدْرٍ» . وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «أَرْبَعٌ حَقَّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُدْخِلَهُمْ الْجَنَّةَ وَلَا يُذِيقَهُمْ نَعِيمَهَا: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَآكِلُ الرِّبَا، وَآكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْفَعُ مَعَهُنَّ عَمَلٌ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ» . وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحَدُهُمَا صَحِيحٌ، وَابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِاخْتِصَارٍ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَهِدْت أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّك رَسُولُ اللَّهِ وَصَلَّيْت الْخَمْسَ وَأَدَّيْت زَكَاةَ مَالِي وَصُمْت رَمَضَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا، وَنَصَبَ أُصْبُعَيْهِ مَا لَمْ يَعُقَّ وَالِدَيْهِ» . وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ «مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ، قَالَ: لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قَتَلْت وَحَرَقْت، وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْك وَإِنْ أَمَرَاك أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِك وَمَالِكِ» الْحَدِيثَ. وَمَرَّ أَوَائِلَ كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ «جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مُجْتَمِعُونَ، فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ ثَوَابٍ أَسْرَعَ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْبَغْيَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عُقُوبَةٍ أَسْرَعَ مِنْ عُقُوبَةِ بَغْيٍ، وَإِيَّاكُمْ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ وَإِنَّهُ لَا يَجِدُ رِيحَهَا عَاقٌّ وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَلَا شَيْخٌ زَانٍ وَلَا جَارٍّ إزَارَهُ خُيَلَاءَ، إنَّمَا الْكِبْرِيَاءُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْكَذِبُ كُلُّهُ إثْمٌ إلَّا مَا نَفَعْت بِهِ مُؤْمِنًا وَدَفَعْت بِهِ عَنْ دِينٍ، وَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا مَا يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى لَيْسَ فِيهَا إلَّا الصُّوَرُ فَمَنْ أَحَبَّ صُورَةً مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ دَخَلَ فِيهَا» . وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِيهِ مَتْرُوكًا: «أَرْبَعٌ حَقَّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُدْخِلَهُمْ الْجَنَّةَ وَلَا يُذِيقَهُمْ نَعِيمَهَا: مُدْمِنُ الْخَمْرِ وَآكِلُ الرِّبَا، وَآكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ» . وَأَحْمَدُ: «لَا يَلِجُ حَظِيرَةَ الْقُدْسِ مُدْمِنُ خَمْرٍ وَلَا الْعَاقُّ وَلَا الْمَنَّانُ عَطَاءَهُ» .

стр. 550

وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَلِجُ جِنَانَ الْفِرْدَوْسِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ وَلَا عَاقٌّ وَلَا مَنَّانٌ» . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُصِيبُونَ ذُنُوبًا حَتَّى وَجَدْت ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي الْعَاقِّ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] الْآيَةَ. وَفِي الْمَنَّانِ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] الْآيَةَ. وَفِي الْخَمْرِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] الْآيَةَ. وَسَيَأْتِي فِي مَبْحَثِ الْخَمْرِ. وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «لَعَنَ اللَّهُ سَبْعَةً مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتِهِ وَرَدَّدَ اللَّعْنَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلَاثًا، وَلَعَنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَعْنَةً تَكْفِيهِ، قَالَ: مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ. مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، مَلْعُونٌ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، مَلْعُونٌ مَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الْأَرْضِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَبَّ الدِّيَةَ» الْحَدِيثَ. وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ الْأَصْبَهَانِيُّ: «كُلُّ الذُّنُوبِ يُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنْهَا مَا شَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُهُ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ» . وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالصَّغِيرِ بِسَنَدٍ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ عَنْ جَابِرٍ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبِي أَخَذَ مَالِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَاذْهَبْ فَأْتِنِي بِأَبِيك، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ يُقْرِئُك السَّلَامَ وَيَقُولُ لَك: إذَا جَاءَك الشَّيْخُ فَسَلْهُ عَنْ شَيْءٍ قَالَهُ فِي نَفْسِهِ مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاهُ، فَلَمَّا جَاءَ الشَّيْخُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مَا بَالُ ابْنِك يَشْكُوَك تُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَ مَالَهُ؟ قَالَ سَلْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ أَنْفَقْته إلَّا عَلَى عَمَّاتِهِ وَخَالَاتِهِ أَوْ عَلَى نَفْسِي؟ . فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إيهٍ، دَعْنَا مِنْ هَذَا أَخْبِرْنِي عَنْ شَيْءٍ قُلْته فِي نَفْسِك مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاك، فَقَالَ الشَّيْخُ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَزَالُ اللَّهُ يَزِيدُنَا بِك يَقِينًا، لَقَدْ قُلْت فِي نَفْسِي شَيْئًا مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، فَقَالَ قُلْ وَأَنَا أَسْمَعُ، فَقَالَ قُلْت: غَذَّوْتُكَ مَوْلُودًا وَمُنْتُكَ يَافِعًا ... تَغُلُّ بِمَا أَجْنِي عَلَيْك وَتَنْهَلُ

стр. 551

إذَا لَيْلَةً ضَاقَتْك بِالسَّقَمِ لَمْ أَبِتْ ... لِسَقَمِك إلَّا سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَك بِاَلَّذِي ... طُرِقْت بِهِ دُونِي فَعَيْنِي تَهْمِلُ تَخَافُ الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْك وَإِنَّهَا ... لَتَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ وَقْتٌ مُؤَجَّلٌ فَلَمَّا بَلَغْت السِّنَّ وَالْغَايَةَ الَّتِي ... إلَيْهَا مَدَى مَا كُنْت فِيهَا أُؤَمِّلُ جَعَلْت جَزَائِي غِلْظَةً وَفَظَاظَةً ... كَأَنَّك أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ فَلَيْتَك إذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي ... فَعَلْت كَمَا الْجَارُ الْمُجَاوِرُ يَفْعَلُ تَرَاهُ مُعِدًّا لِلْخِلَافِ كَأَنَّهُ ... يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الصَّوَابِ مُوَكَّلُ قَالَ: فَحِينَئِذٍ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَلَابِيبِ ابْنِهِ وَقَالَ: أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» . وَهُوَ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ مِنْ الْكَشَّافِ بِلَفْظِ: «شَكَا رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ أَبَاهُ وَأَنَّهُ يَأْخُذُ مَالَهُ فَدَعَا بِهِ فَإِذَا هُوَ شَيْخٌ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: إنَّهُ كَانَ ضَعِيفًا وَأَنَا قَوِيٌّ وَفَقِيرًا وَأَنَا غَنِيٌّ فَكُنْت لَا أَمْنَعُهُ شَيْئًا مِنْ مَالِي، وَالْيَوْمَ أَنَا ضَعِيفٌ وَهُوَ قَوِيٌّ وَأَنَا فَقِيرٌ وَهُوَ غَنِيٌّ، وَهُوَ يَبْخَلُ عَلَيَّ بِمَالِهِ، فَبَكَى ﵊ وَقَالَ: مَا مِنْ حَجَرٍ وَلَا مَدَرٍ يَسْمَعُ هَذَا إلَّا بَكَى، ثُمَّ قَالَ لِلْوَلَدِ: أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» . قَالَ مُخْرِجُ أَحَادِيثَهُ لَمْ أَجِدْهُ. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَعْدِي عَلَى وَالِدِهِ فَقَالَ: إنَّهُ أَخَذَ مِنِّي مَالِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا عَلِمْت أَنَّك وَمَالَك مِنْ كَسْبِ أَبِيك» . وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ أَبِي يَجْتَاحُ مَالِي، قَالَ أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك، إنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَأَحْمَدُ مُخْتَصَرًا عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: شَابٌّ يَجُودُ بِنَفْسِهِ قِيلَ لَهُ قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ أَكَانَ يُصَلِّي؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَهَضْنَا مَعَهُ فَدَخَلَ عَلَى الشَّابِّ فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَقَالَ لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: لِمَ؟ قِيلَ كَانَ يَعُقُّ وَالِدَتَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَحَيَّةٌ وَالِدَتُهُ؟ قَالُوا نَعَمْ، قَالَ اُدْعُوهَا فَدَعَوْهَا فَجَاءَتْ، فَقَالَ هَذَا ابْنُك؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا أَرَأَيْت لَوْ أَجَّجْت نَارًا ضَخْمَةً فَقِيلَ لَك إنْ شَفَعْت لَهُ خَلَّيْنَا عَنْهُ وَإِلَّا أَحْرَقْنَاهُ بِهَذِهِ النَّارِ أَكُنْت تَشْفَعِينَ لَهُ؟ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إذَنْ أَشْفَعُ،

стр. 552

قَالَ فَأَشْهِدِي اللَّهَ وَأَشْهِدِينِي أَنَّك قَدْ رَضِيَتْ عَنْهُ، قَالَتْ اللَّهُمَّ إنِّي أُشْهِدُك وَأُشْهِدُ رَسُولَك أَنِّي قَدْ رَضِيتُ عَنْ ابْنِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا غُلَامُ قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَقَالَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ» . وَرُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا، وَهِيَ: «أَنَّ ذَلِكَ الشَّابَّ اسْمُهُ عَلْقَمَةُ وَأَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الِاجْتِهَادِ فِي الطَّاعَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ، فَمَرِضَ وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ فَأَرْسَلَتْ امْرَأَتُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ زَوْجِي عَلْقَمَةَ فِي النَّزْعِ فَأَرَدْت أَنْ أُعْلِمَك يَا رَسُولَ اللَّهِ بِحَالِهِ، فَأَرْسَلَ ﷺ عَمَّارًا وَبِلَالًا وَصُهَيْبًا وَقَالَ: امْضُوا إلَيْهِ وَلَقِّنُوهُ الشَّهَادَةَ، فَجَاءُوا إلَيْهِ فَوَجَدُوهُ فِي النَّزْعِ فَجَعَلُوا يُلَقِّنُونَهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلِسَانُهُ لَا يَنْطِقُ بِهَا، فَأَرْسَلُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ. فَقَالَ: هَلْ مِنْ أَبَوَيْهِ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُ أُمٌّ كَبِيرَةُ السِّنِّ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهَا: إنْ قَدَرْت عَلَى الْمَسِيرِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَّا فَانْتَظِرِيهِ فِي الْمَنْزِلِ حَتَّى يَأْتِيك، فَجَاءَ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَخْبَرَهَا بِذَلِكَ فَقَالَتْ نَفْسِي لِنَفْسِهِ الْفِدَاءُ أَنَا أَحَقُّ بِإِتْيَانِهِ فَتَوَكَّأَتْ وَقَامَتْ عَلَى عَصًا وَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمَتْ وَرَدَّ ﵍ وَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ عَلْقَمَةَ اُصْدُقِينِي وَإِنْ كَذَبْتنِي جَاءَ الْوَحْيُ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى -، كَيْفَ كَانَ حَالُ وَلَدِك عَلْقَمَةَ؟ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ كَثِيرَ الصِّيَامِ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَمَا حَالُك؟ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا عَلَيْهِ سَاخِطَةٌ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُؤْثِرُ زَوْجَتَهُ وَيَعْصِينِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ سَخَطَ أُمِّ عَلْقَمَةَ حَجَبَ لِسَانَ عَلْقَمَةَ عَنْ الشَّهَادَةِ ثُمَّ قَالَ ﷺ : يَا بِلَالُ انْطَلِقْ وَاجْمَعْ لِي حَطَبًا كَثِيرًا، قَالَتْ وَمَا تَصْنَعُ بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ أُحْرِقُهُ بِالنَّارِ، قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَدِي لَا يَحْتَمِلُ قَلْبِي أَنْ تُحْرِقَهُ بِالنَّارِ بَيْنَ يَدِي، قَالَ: يَا أُمَّ عَلْقَمَةَ فَعَذَابُ اللَّهِ أَشَدُّ وَأَبْقَى، فَإِنْ سَرَّك أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ فَارْضِي عَنْهُ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَنْتَفِعُ عَلْقَمَةُ بِصَلَاتِهِ وَلَا بِصِيَامِهِ وَلَا بِصَدَقَتِهِ مَا دُمْت عَلَيْهِ سَاخِطَةً، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ - تَعَالَى - وَمَلَائِكَتَهُ وَمَنْ حَضَرَنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنِّي قَدْ رَضِيت عَنْ وَلَدِي عَلْقَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْطَلِقْ إلَيْهِ يَا بِلَالُ فَانْظُرْ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَمْ لَا؟ فَلَعَلَّ أُمَّ عَلْقَمَةَ تَكَلَّمَتْ بِمَا لَيْسَ فِي قَلْبِهَا حَيَاءً مِنِّي، فَانْطَلَقَ بِلَالٌ فَسَمِعَ عَلْقَمَةَ يَقُولُ مِنْ دَاخِلِ الدَّارِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَدَخَلَ بِلَالٌ فَقَالَ يَا هَؤُلَاءِ إنَّ سَخَطَ أُمِّ عَلْقَمَةَ حَجَبَ لِسَانَهُ عَنْ الشَّهَادَةِ وَإِنَّ رِضَاهَا أَطْلَقَ

стр. 553

لِسَانَهُ ثُمَّ مَاتَ عَلْقَمَةُ مِنْ يَوْمِهِ. فَحَضَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَمَرَ بِغُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ وَحَضَرَ دَفْنَهُ، ثُمَّ قَامَ عَلَى شَفِيرِ قَبْرِهِ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَنْ فَضَّلَ زَوْجَتَهُ عَلَى أُمِّهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا إلَّا أَنْ يَتُوبَ إلَى اللَّهِ وَيُحْسِنَ إلَيْهَا وَيَطْلُبَ رِضَاهَا فَرِضَا اللَّهِ فِي رِضَاهَا وَسَخَطُ اللَّهِ ﷻ فِي سَخَطِهَا» . وَرَوَى الْأَصْبَهَانِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ بِمَشْهَدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ أَنَّ الْعَوَّامَ بْنَ حَوْشَبَ قَالَ: نَزَلْت مَرَّةً حَيًّا وَإِلَى جَانِبِ ذَلِكَ الْحَيِّ مَقْبَرَةٌ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ انْشَقَّ مِنْهَا قَبْرٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ رَأْسُهُ رَأْسُ حِمَارٍ وَجَسَدُهُ جَسَدُ إنْسَانٍ فَنَهَقَ ثَلَاثَ نَهْقَاتٍ ثُمَّ انْطَبَقَ عَلَيْهِ الْقَبْرُ، فَإِذَا عَجُوزٌ تَغْزِلُ شَعْرًا أَوْ صُوفًا فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: تَرِي تِلْكَ الْعَجُوزَ؟ قُلْت: مَا لَهَا؟ قَالَتْ تِلْكَ أُمُّ هَذَا، قُلْت وَمَا كَانَ قَضِيَّتُهُ؟ قَالَتْ كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فَإِذَا رَاحَ تَقُولُ لَهُ أُمُّهُ: يَا بُنَيَّ اتَّقِ اللَّهَ إلَى مَتَى تَشْرَبُ هَذَا الْخَمْرَ؟ فَيَقُولُ لَهَا: إنَّمَا أَنْتِ تَنْهَقِينَ كَمَا يَنْهَقُ الْحِمَارُ؛ قَالَتْ فَمَاتَ بَعْدَ الْعَصْرِ، قَالَتْ فَهُوَ يَشُقُّ عَنْهُ الْقَبْرَ بَعْدَ الْعَصْرِ كُلَّ يَوْمٍ فَيَنْهَقُ ثَلَاثَ نَهْقَاتٍ ثُمَّ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الْقَبْرُ ". وَقَالَ ﷺ : «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» . وَجَاءَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ «قَالَ: لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رَأَيْت أَقْوَامًا فِي النَّارِ مُعَلَّقِينَ فِي جُذُوعٍ مِنْ نَارٍ فَقُلْت مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ الَّذِينَ يَشْتُمُونَ آبَاءَهُمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ مَنْ شَتَمَ وَالِدَيْهِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ جَمْرٌ مِنْ النَّارِ بَعْدَ كُلِّ قَطْرٍ يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ» . وَرُوِيَ: «أَنَّهُ إذَا دُفِنَ عَاقُّ وَالِدَيْهِ عَصَرَهُ الْقَبْرُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ» . وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: إنَّ اللَّهَ لَيُعَجِّلُ هَلَاكَ الْعَبْدِ إذَا كَانَ عَاقًّا لِوَالِدَيْهِ لِيُعَجِّلَ لَهُ الْعَذَابَ وَإِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ فِي عُمُرِ الْعَبْدِ إذَا كَانَ بَارًّا بِوَالِدَيْهِ لِيَزِيدَهُ بِرًّا وَخَيْرًا. وَسُئِلَ عَنْ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ مَا هُوَ؟ قَالَ: إذَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ لَمْ يَبَرَّ قَسَمَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُ بِأَمْرٍ لَمْ يُطِعْهُ، وَإِذَا ائْتَمَنَهُ خَانَهُ. وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ - تَعَالَى - إلَى مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا مُوسَى وَقِّرْ وَالِدَيْك فَإِنَّهُ مَنْ وَقَّرَ وَالِدَيْهِ مَدَدْت فِي عُمُرَهُ وَوَهَبْت لَهُ وَلَدًا يَبَرُّهُ، وَمَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ قَصَّرْت عُمُرَهُ وَوَهَبْت لَهُ وَلَدًا يَعُقُّهُ. وَقَالَ

стр. 554

أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: قَرَأْت فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ مَنْ يَضْرِبُ أَبَاهُ يُقْتَلُ. وَقَالَ وَهْبٌ: فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ صَكَّ وَالِدَيْهِ الرَّجْمُ. وَقَالَ بِشْرٌ: أَيُّمَا رَجُلٍ يَقْرَبُ مِنْ أُمِّهِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّذِي يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالنَّظَرُ إلَيْهَا أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. «وَجَاءَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْتَصِمَانِ فِي صَبِيٍّ لَهُمَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَلَدِي خَرَجَ مِنْ صُلْبِي، وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَمَلَهُ خَفًّا وَوَضَعَهُ شَهْوَةً وَحَمَلْته كَرْهًا وَوَضَعْته كَرْهًا وَأَرْضَعْته حَوْلَيْنِ فَقَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأُمِّ» ؛ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ إغْرَاءً عَلَى الْبِرِّ وَتَحْذِيرًا عَنْ الْعُقُوقِ وَوَبَالِهِ وَإِعْلَامًا بِمَا يُدْحِضُ الْعَاقَّ إلَى حَضِيضِ سَفَالِهِ وَيَحُطُّهُ عَنْ كَمَالِهِ: أَيُّهَا الْمُضَيِّعُ لِأَوْكَدِ الْحُقُوقِ الْمُعْتَاضُ عَنْ الْبِرِّ بِالْعُقُوقِ النَّاسِي لِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغَافِلُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ، بِرُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَيْك دَيْنٌ وَأَنْتَ تَتَعَاطَاهُ بِاتِّبَاعِ الشَّيْنِ، تَطْلُبُ الْجَنَّةَ بِزَعْمِك وَهِيَ تَحْتَ أَقْدَامِ أُمِّك، حَمَلَتْك فِي بَطْنِهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ كَأَنَّهَا تِسْعُ حِجَجٍ وَكَابَدَتْ عِنْدَ وَضْعِك مَا يُذِيبُ الْمُهَجَ، وَأَرْضَعَتْك مِنْ ثَدْيِهَا لَبَنًا وَأَطَارَتْ لِأَجْلِك وَسَنًا، وَغَسَلَتْ بِيَمِينِهَا عَنْك الْأَذَى وَآثَرَتْك عَلَى نَفْسِهَا بِالْغِذَاءِ، وَصَيَّرَتْ حِجْرَهَا لَك مَهْدًا وَأَنَالَتْك إحْسَانًا وَرَفْدًا، فَإِنْ أَصَابَك مَرَضٌ أَوْ شِكَايَةٌ أَظْهَرَتْ مِنْ الْأَسَفِ فَوْقَ النِّهَايَةِ، وَأَطَالَتْ الْحُزْنَ وَالنَّحِيبَ وَبَذَلَتْ مَالَهَا لِلطَّبِيبِ، وَلَوْ خُيِّرَتْ بَيْنَ حَيَاتِك وَمَوْتِهَا لَآثَرَتْ حَيَاتَك بِأَعْلَى صَوْتِهَا، هَذَا وَكَمْ عَامَلْتهَا بِسُوءِ الْخُلُقِ مِرَارًا فَدَعَتْ لَك بِالتَّوْفِيقِ سِرًّا وَجِهَارًا، فَلَمَّا احْتَاجَتْ عِنْدَ الْكِبَرِ إلَيْك جَعَلْتهَا مِنْ أَهْوَنِ الْأَشْيَاءِ عَلَيْك، فَشَبِعْت وَهِيَ جَائِعَةٌ وَرُوِيت وَهِيَ ضَائِعَةٌ، وَقَدَّمْت عَلَيْهَا أَهْلَك وَأَوْلَادَك فِي الْإِحْسَانِ وَقَابَلْت أَيَادِيهَا بِالنِّسْيَانِ، وَصَعُبَ لَدَيْك أَمْرُهَا وَهُوَ يَسِيرٌ وَطَالَ عَلَيْك عُمُرُهَا وَهُوَ قَصِيرٌ، وَهَجَرْتهَا وَمَا لَهَا سِوَاك نَصِيرٌ. هَذَا، وَمَوْلَاك قَدْ نَهَاك عَنْ التَّأْفِيفِ وَعَاتَبَك فِي حَقِّهَا بِعِتَابٍ لَطِيفٍ، سَتُعَاقَبُ فِي دُنْيَاك بِعُقُوقِ الْبَنِينَ وَفِي أُخْرَاك بِالْبُعْدِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ يُنَادِيك بِلِسَانِ التَّوْبِيخِ وَالتَّهْدِيدِ: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] . لِأُمِّك حَقٌّ لَوْ عَلِمْت كَبِيرُ ... كَثِيرُك يَا هَذَا لَدَيْهِ يَسِيرُ فَكَمْ لَيْلَةٍ بَاتَتْ بِثِقَلِك تَشْتَكِي ... لَهَا مِنْ جَوَاهَا أَنَّةٌ وَزَفِيرُ وَفِي الْوَضْعِ لَوْ تَدْرِي عَلَيْهَا مَشَقَّةٌ ... فَمِنْ غُصَصٍ مِنْهَا الْفُؤَادُ يَطِيرُ وَكَمْ غَسَلَتْ عَنْك الْأَذَى بِيَمِينِهَا ... وَمَا حِجْرُهَا إلَّا لَدَيْك سَرِيرُ

стр. 555

وَتَفْدِيك مِمَّا تَشْتَكِيهِ بِنَفْسِهَا ... وَمِنْ ثَدْيِهَا شُرْبٌ لَدَيْك نَمِيرُ وَكَمْ مَرَّةٍ جَاعَتْ وَأَعْطَتْك قُوتَهَا ... حُنُوًّا وَإِشْفَاقًا وَأَنْتَ صَغِيرُ فَآهًا لِذِي عَقْلٍ وَيَتْبَعُ الْهَوَى ... وَآهًا لِأَعْمَى الْقَلْبِ وَهُوَ بَصِيرُ فَدُونَك فَارْغَبْ فِي عَمِيمِ دُعَائِهَا ... فَأَنْتَ لِمَا تَدْعُو إلَيْهِ فَقِيرُ تَنْبِيهٌ: عَدُّ الْعُقُوقِ مِنْ الْكَبَائِرِ هُوَ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَافِرَيْنِ وَالْمُسْلِمَيْنِ لَا يُقَالُ يُشْكِلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْحَسَنُ الْآتِي فِي مَبْحَثِ الْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ إذْ فِيهِ: «أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْكَبَائِرِ فَقَالَ تِسْعٌ أَعْظَمُهُنَّ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ» الْحَدِيثَ. لِأَنَّا نَقُولُ التَّقْيِيدُ بِالْمُسْلِمَيْنِ إمَّا بِأَنَّ عُقُوقَهُمَا أَقْبَحُ وَالْكَلَامُ هُنَا فِي ذِكْرِ الْأَعْظَمِ عَلَى أَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ فِي عَطْفِ وَقَتْلِ الْمُؤْمِنِ وَمَا بَعْدَهُ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُمَا ذُكِرَا لِلْغَالِبِ كَمَا فِي نَظَائِرَ أُخَرَ. وَلِلْحَلِيمِيِّ هُنَا تَفْصِيلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى رَأْيٍ لَهُ ضَعِيفٍ مَرَّ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَهُوَ أَنَّ الْعُقُوقَ كَبِيرَةٌ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ نَحْوُ سَبٍّ فَفَاحِشَةٌ، وَإِنْ كَانَ عُقُوقُهُ هُوَ اسْتِثْقَالُهُ لِأَمْرِهِمَا وَنَهْيِهِمَا وَالْعُبُوسُ فِي وُجُوهِهِمَا وَالتَّبَرُّمُ بِهِمَا مَعَ بَذْلِ الطَّاعَةِ وَلُزُومِ الصَّمْتِ فَصَغِيرَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَا يَأْتِيهِ مِنْ ذَلِكَ يُلْجِئُهُمَا إلَى أَنْ يَنْقَبِضَا فَيَتْرُكَا أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَيَلْحَقُهُمَا مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ فَكَبِيرَةٌ. انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ. وَالْوَجْهُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ ضَابِطِ الْعُقُوقِ الَّذِي هُوَ كَبِيرَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا إيذَاءٌ لَيْسَ بِالْهَيِّنِ أَيْ عُرْفًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْمُتَأَذِّي، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ فِي غَايَةِ الْحُمْقِ أَوْ سَفَاهَةِ الْعَقْلِ فَأَمَرَ أَوْ نَهَى وَلَدَهُ بِمَا لَا يُعَدُّ مُخَالَفَتُهُ فِيهِ فِي الْعُرْفِ عُقُوقًا لَا يَفْسُقُ وَلَدُهُ بِمُخَالَفَتِهِ حِينَئِذٍ لِعُذْرِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ مُتَزَوِّجًا بِمَنْ يُحِبُّهَا فَأَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا وَلَوْ لِعَدَمِ عِفَّتِهَا فَلَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، لَكِنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ طَلَاقُهَا امْتِثَالًا لِأَمْرِ وَالِدِهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ: «أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ ابْنَهُ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ فَأَبَى فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا» . وَكَذَا سَائِرُ أَوَامِرِهِ الَّتِي لَا حَامِلَ عَلَيْهَا إلَّا ضَعْفَ عَقْلِهِ وَسَفَاهَةَ رَأْيِهِ، وَلَوْ عُرِضَتْ عَلَى أَرْبَابِ الْعُقُولِ لَعَدُّوهَا أُمُورًا مُتَسَاهَلًا فِيهَا، وَلَرَأَوْا أَنَّهُ لَا إيذَاءَ لِمُخَالَفَتِهَا، هَذَا هُوَ الَّذِي يُتَّجَهُ إلَيْهِ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ الْحَدِّ.

стр. 556

ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ السِّرَاجَ الْبُلْقِينِيَّ أَطَالَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مِنْ فَتَاوِيهِ بِمَا قَدْ يُخَالِفُ بَعْضُهُ مَا ذَكَرْته وَعِبَارَتُهُ: مَسْأَلَةٌ قَدْ اُبْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا وَاحْتِيجَ إلَى بَسْطِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا وَإِلَى تَفَارِيعِهَا لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ وَهِيَ السُّؤَالُ عَنْ ضَابِطِ الْحَدِّ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. إذْ الْإِحَالَةُ عَلَى الْعُرْفِ مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، إذْ النَّاسُ أَغْرَاضُهُمْ تَحْمِلُهُمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا مَا لَيْسَ بِعُرْفٍ عُرْفًا. لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ قَصْدُهُمْ تَنْقِيصَ شَخْصٍ أَوْ أَذَاهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ مِثَالٍ يُنْسَجُ عَلَى مِنْوَالِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ مَثَلًا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى أَبِيهِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ فَاخْتَارَ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهُ فَلَوْ حَبَسَهُ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عُقُوقًا أَمْ لَا؟ أَجَابَ: هَذَا الْمَوْضِعُ قَالَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْأَكَابِرِ إنَّهُ يَعْسُرُ ضَبْطُهُ. وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ بِضَابِطٍ أَرْجُو مِنْ فَضْلِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا. فَأَقُولُ: الْعُقُوقُ لِأَحَدِ الْوَالِدَيْنِ هُوَ أَنْ يُؤْذِيَ الْوَلَدُ أَحَدَ وَالِدَيْهِ بِمَا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ وَالِدَيْهِ كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ جُمْلَةِ الصَّغَائِرِ، فَيَنْتَقِلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ إلَى الْكَبَائِرِ أَوْ يُخَالِفُ أَمْرَهُ أَوْ نَهْيَهُ فِيمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخَوْفُ عَلَى الْوَلَدِ فَوَاتَ نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ مَا لَمْ يُتَّهَمْ الْوَلَدُ فِي ذَلِكَ أَوْ أَنْ يُخَالِفَهُ فِي سَفَرٍ يَشُقُّ عَلَى الْوَالِدِ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى الْوَلَدِ أَوْ فِي غَيْبَةٍ طَوِيلَةٍ فِيمَا لَيْسَ بِعِلْمٍ نَافِعٍ وَلَا كَسْبٍ أَوْ فِيهِ وَقِيعَةٌ فِي الْعِرْضِ لَهَا وَقْعٌ. وَبَيَانُ هَذَا الضَّابِطِ أَنَّ قَوْلَنَا أَنْ يُؤْذِيَ الْوَلَدُ أَحَدَ وَالِدَيْهِ بِمَا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ وَالِدَيْهِ كَانَ مُحَرَّمًا. مِثَالُهُ لَوْ شَتَمَ غَيْرَ أَحَدِ وَالِدَيْهِ أَوْ ضَرَبَهُ بِحَيْثُ لَا يَنْتَهِي الشَّتْمُ أَوْ الضَّرْبُ إلَى الْكَبِيرَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْمُحَرَّمُ الْمَذْكُورُ إذَا فَعَلَهُ الْوَلَدُ مَعَ أَحَدِ وَالِدَيْهِ كَبِيرَةً، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا أَنْ يُؤْذِيَ مَا لَوْ أَخَذَ فَلْسًا أَوْ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ مَالِ وَالِدَيْهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَبِيرَةً وَإِنْ كَانَ لَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَالِ غَيْرِ وَالِدَيْهِ بِغَيْرِ طَرِيقٍ مُعْتَبَرٍ كَانَ حَرَامًا؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْوَالِدَيْنِ لَا يَتَأَذَّى بِمِثْلِ ذَلِكَ لِمَا عِنْدَهُ مِنْ الشَّفَقَةِ وَالْحُنُوِّ فَإِنْ أَخَذَ مَالًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَتَأَذَّى الْمَأْخُوذُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَبِيرَةً فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ كَبِيرَةً هُنَا، وَإِنَّمَا الضَّابِطُ فِيمَا يَكُونُ حَرَامًا صَغِيرَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا مَا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ وَالِدَيْهِ كَانَ مُحَرَّمًا مَا إذَا طَالَبَ الْوَالِدَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ فَإِذَا طَالَبَهُ بِهِ أَوْ رَفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ الْعُقُوقِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ

стр. 557

الْعُقُوقُ بِمَا يُؤْذِي أَحَدَ الْوَالِدَيْنِ بِمَا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ وَالِدَيْهِ كَانَ مُحَرَّمًا، وَهَذَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ هُنَا فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ النَّفَائِسِ. وَأَمَّا الْحَبْسُ فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى جَوَازِ حَبْسِ الْوَالِدِ بِدَيْنِ الْوَلَدِ كَمَا صَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ فَقَدْ طَلَبَ مَا هُوَ جَائِزٌ فَلَا عُقُوقَ وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى مَنْعِ حَبْسِهِ كَمَا هُوَ الْمُصَحَّحُ عِنْدَ آخَرِينَ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ إذَا كَانَ مُعْتَقَدُهُ ذَلِكَ لَا يُجِيبُهُ إلَيْهِ وَلَا يَكُونُ الْوَلَدُ الَّذِي يَطْلُبُ ذَلِكَ عَاقًّا إذَا كَانَ مُعْتَقَدُهُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ، فَإِنْ اعْتَقَدَ الْمَنْعَ وَأَقْدَمَ عَلَيْهِ كَانَ كَمَا لَوْ طَلَبَ حَبْسَ مَنْ لَا يَجُوزُ حَبْسُهُ مِنْ الْأَجَانِبِ لِإِعْسَارٍ وَنَحْوِهِ، فَإِذَا حَبَسَهُ الْوَلَدُ وَاعْتِقَادُهُ الْمَنْعُ كَانَ عَاقًّا؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ وَالِدَيْهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ كَانَ حَرَامًا. وَأَمَّا مُجَرَّدُ الشَّكْوَى الْجَائِزَةِ وَالطَّلَبِ الْجَائِزِ فَلَيْسَ مِنْ الْعُقُوقِ فِي شَيْءٍ، وَقَدْ جَاءَ وَلَدُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ يَشْكُو مِنْ وَالِدِهِ فِي اجْتِيَاحِ مَالِهِ وَحَضَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عُقُوقًا وَلَا عَنَّفَ الْوَلَدَ بِسَبَبِ الشَّكْوَى الْمَذْكُورَةِ. وَأَمَّا إذَا نَهَرَ الْوَلَدُ أَحَدَ وَالِدَيْهِ فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِ وَالِدَيْهِ وَكَانَ مُحَرَّمًا كَانَ فِي حَقِّ أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ كَبِيرَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، وَكَذَا أُفٍّ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ صَغِيرَةً فِي حَقِّ أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ النَّهْيِ عَنْهُمَا وَالْحَالُ مَا ذُكِرَ أَنْ يَكُونَا مِنْ الْكَبَائِرِ، وَقَوْلُنَا أَنْ يُخَالِفَ أَمْرَهُ أَوْ نَهْيَهُ فِيمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخَوْفُ عَلَى الْوَلَدِ إلَخْ. أَرَدْنَا بِهِ السَّفَرَ لِلْجِهَادِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَسْفَارِ الْخَطِرَةِ لِمَا يَخَافُ مِنْ فَوَاتِ نَفْسِ الْوَلَدِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ لِشِدَّةِ تَفَجُّعِ الْوَالِدَيْنِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «فِي الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ يَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْجِهَادِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاك؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «أَقْبَلَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أُبَايِعُك عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ فَقَالَ: فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْك أَحَدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ بَلْ كِلَاهُمَا حَيٌّ قَالَ فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَارْجِعْ إلَى وَالِدَيْك فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «جِئْت أُبَايِعُك عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْت أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، فَقَالَ ارْجِعْ إلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتهمَا» .

стр. 558

وَفِي إسْنَادِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ لَكِنْ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْهُ، وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ هَاجَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ هَاجَرْت، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلْ لَك أَحَدٌ بِالْيَمَنِ؟ قَالَ: أَبَوَايَ. قَالَ: أَذِنَا لَك؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْ إلَيْهِمَا فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَك فَجَاهِدْ وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي إسْنَادِهِ دَرَّاجُ أَبُو السَّمْحِ الْمِصْرِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَمْعَانَ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ وَوَثَّقَهُ يَحْيَى. وَقَوْلُنَا مَا لَمْ يُتَّهَمْ الْوَالِدُ فِي ذَلِكَ أَخْرَجْنَا بِهِ مَا لَوْ كَانَ الْوَالِدُ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ الْوَلَدُ إلَى إذْنِهِ فِي الْجِهَادِ وَنَحْوِهِ، وَحَيْثُ اعْتَبَرْنَا إذْنَ الْوَالِدِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا. وَقَوْلُنَا أَوْ أَنْ يُخَالِفَهُ فِي سَفَرٍ إلَخْ أَرَدْنَا بِهِ السَّفَرَ لِحَجِّ التَّطَوُّعِ حَيْثُ كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَأَخْرَجْنَا بِذَلِكَ حَجَّ الْفَرْضِ، وَإِذَا كَانَ فِيهِ رُكُوبُ بَحْرٍ بِحَيْثُ يَجِبُ رُكُوبُهُ عِنْدَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ، فَظَاهِرُ الْفِقْهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِئْذَانُ، وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ لِمَا عِنْدَ الْوَالِدِ مِنْ الْخَوْفِ فِي رُكُوبِ وَلَدِهِ الْبَحْرَ وَإِنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا. وَأَمَّا سَفَرُهُ لِلْعِلْمِ الْمُتَعَيِّنِ أَوْ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ؛ فَلَا مَنْعَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ التَّعَلُّمُ فِي بَلَدِهِ خِلَافًا لِمَنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَوَقَّعُ فِي السَّفَرِ فَرَاغَ الْقَلْبِ أَوْ إرْشَادَ أُسْتَاذٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّعْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ احْتَاجَ إلَى الِاسْتِئْذَانِ وَحَيْثُ وَجَبَتْ النَّفَقَةُ لِلْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ وَكَانَ فِي سَفَرِهِ تَضْيِيعٌ لِلْوَاجِبِ، فَلِلْوَالِدِ الْمَنْعُ كَصَاحِبِ الدَّيْنِ الْحَالِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى يَوْمِ السَّفَرِ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ فِيهِ تَضْيِيعُ مَا تَقُومُ بِهِ الْكِفَايَةُ وَلَا كَذَلِكَ فِي الدَّيْنِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْوَلَدُ بِسَفَرِهِ يَحْصُلُ وَقِيعَةٌ فِي الْعِرْضِ لَهَا وَقْعٌ بِأَنْ يَكُونَ أَمْرَدَ وَيَخَافُ مِنْ سَفَرِهِ تُهْمَةً فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي الْأُنْثَى أَوْلَى. وَأَمَّا مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ أَوْ نَهْيِهِ فِيمَا لَا يَدْخُلُ عَلَى الْوَلَدِ فِيهِ ضَرَرٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ إرْشَادٍ لِلْوَلَدِ، فَإِذَا فَعَلَ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عُقُوقًا وَعَدَمُ مُخَالَفَةِ الْوَالِدِ أَوْلَى. انْتَهَتْ عِبَارَةُ فَتَاوَى الْبُلْقِينِيُّ. وَتَخْصِيصُهُ الْعُقُوقَ بِفِعْلِهِ الْمُحَرَّمِ الصَّغِيرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْغَيْرِ فِيهِ وَقْفَةٌ، بَلْ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى مَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ مَعَهُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ عُرْفًا كَانَ كَبِيرَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا لَوْ فَعَلَ مَعَ الْغَيْرِ كَأَنْ يَلْقَاهُ فَيَقْطِبُ فِي وَجْهِهِ أَوْ يَقْدُمُ عَلَيْهِ فِي مَلَأٍ

стр. 559

فَلَا يَقُومُ لَهُ وَلَا يَعْبَأُ بِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْضِي أَهْلُ الْعَقْلِ وَالْمُرُوءَةِ مِنْ أَهْلِ الْعُرْفِ بِأَنَّهُ مُؤْذٍ تَأَذِّيًا عَظِيمًا، وَسَيَأْتِي فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: أَوْ أَنْ يُخَالِفَ أَمْرَهُ أَوْ نَهْيَهُ إلَخْ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ فِي مَوَاضِعَ جُمِعَ ذَلِكَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ ضَبْطُهُ الْأَوَّلَ بِفِعْلِ الْمُحَرَّمِ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ. (فَائِدَةٌ: فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ فِي فَضْلِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَتِهِمَا وَتَأْكِيدُ طَاعَتِهِمَا وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا وَبِرِّ أَصْدِقَائِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا) . أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ «ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، قُلْت ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قُلْت ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» . وَمُسْلِمٌ: «أَقْبَلَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أُبَايِعُك عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ لِيَبْتَغِيَ الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْك أَحَدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ بَلْ كِلَاهُمَا حَيٌّ. قَالَ فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَارْجِعْ إلَى وَالِدَيْك فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا» . وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: «أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنِّي أَشْتَهِي الْجِهَادَ وَلَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَالَ: هَلْ بَقِيَ مِنْ وَالِدَيْك أَحَدٌ؟ قَالَ: أُمِّي. قَالَ فَاسْأَلْ اللَّهَ فِي بِرِّهَا، فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَأَنْتَ حَاجٌّ مُعْتَمِرٌ وَمُجَاهِدٌ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: أُمُّك حَيَّةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ ﷺ : الْزَمْ رِجْلَهَا فَثَمَّ الْجَنَّةُ» . وَابْنُ مَاجَهْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا؟ قَالَ: هُمَا جَنَّتُك وَنَارُك» . وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْت أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْت أَسْتَشِيرُك، فَقَالَ: هَلْ لَك مِنْ أُمٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ الْزَمْهَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلَيْهَا» . وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: «أَلَك وَالِدَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: الْزَمْهُمَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ أَرْجُلِهِمَا» .

стр. 560

وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁: «أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا، فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْت فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوْ احْفَظْهُ» . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ إنَّ أُمِّي وَرُبَّمَا قَالَ إنَّ أَبِي. وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: إنَّ أَبِي لَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى زَوَّجَنِي وَإِنَّهُ الْآنَ يَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا. قَالَ: مَا أَنَا بِاَلَّذِي آمُرُك أَنْ تَعُقَّ وَالِدَيْك، وَلَا بِاَلَّذِي آمُرُك أَنْ تُطَلِّقَ زَوْجَتَك، غَيْرَ أَنَّك إنْ شِئْت حَدَّثْتُك بِمَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، سَمِعْته يَقُولُ: الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَحَافِظْ عَلَى ذَلِكَ إنْ شِئْت أَوْ دَعْ، قَالَ وَأَحْسَبُ عَطَاءً قَالَ فَطَلِّقْهَا» . وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا فَقَالَ لِي طَلِّقْهَا فَأَبَيْت فَأَتَى عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَلِّقْهَا» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمُرِهِ وَيُزَادَ فِي رِزْقِهِ فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» . وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ: «مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ طُوبَى لَهُ زَادَ اللَّهُ فِي عُمُرِهِ» . وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدْرَ إلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ الْعُمُرَ إلَّا الْبِرُّ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ: «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إلَّا الدُّعَاءُ وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إلَّا الْبِرُّ» . وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «عِفُّوا عَنْ نِسَاءِ النَّاسِ تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ وَبِرُّوا آبَاءَكُمْ تَبَرُّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ، وَمَنْ أَتَاهُ أَخُوهُ مُتَنَصِّلًا فَلْيَقْبَلْ ذَلِكَ مُحِقًّا كَانَ أَوْ مُبْطِلًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَرِدْ عَلَى الْحَوْضِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «بِرُّوا آبَاءَكُمْ تَبَرُّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ، وَعِفُّوا تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ» . وَمُسْلِمٌ: «رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ - أَيْ لَصِقَ بِالرِّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ

стр. 561

مِنْ الذُّلِّ - قِيلَ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَوْ أَحَدَهُمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ أَوْ لَا يُدْخِلَانِهِ الْجَنَّةَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِأَسَانِيدَ أَحَدُهَا حَسَنٌ: «صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ فَقَالَ آمِينَ آمِينَ آمِينَ، ثُمَّ قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ أَبَوَيْهِ ثُمَّ لَمْ يَبَرَّهُمَا فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ آمِينَ فَقُلْت، آمِينَ، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأُدْخِلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ آمِينَ فَقُلْت آمِينَ، قَالَ وَمَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ آمِينَ فَقُلْت آمِينَ» . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: «وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ آمِينَ، فَقُلْت: آمِينَ» . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: «فَلَمَّا رَقَيْت الثَّالِثَةَ قَالَ بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ الْكِبَرُ عِنْدَهُ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ قُلْت آمِينَ» . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَفِيهِ: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا دَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ قُلْت آمِينَ» . وَأَحْمَدُ مِنْ طُرُقٍ أَحَدُهَا حَسَنٌ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً فَهِيَ فِدَاؤُهُ مِنْ النَّارِ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ ثُمَّ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ» . زَادَ فِي رِوَايَةٍ «وَأَسْحَقَهُ» . وَالشَّيْخَانِ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ أُمُّك، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّك، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّك، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أَبُوك» . وَالشَّيْخَانِ عَنْ «أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَفْتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْت قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَيْ عَنْ الْإِسْلَامِ أَوْ فِيمَا عِنْدِي أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، صِلِي أُمَّك» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ: «رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدِ أَوْ قَالَ الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اللَّهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ أَوْ قَالَ الْوَالِدَيْنِ» ، وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ وَقْفَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ: «طَاعَةُ اللَّهِ فِي طَاعَةِ الْوَالِدِ أَوْ قَالَ الْوَالِدَيْنِ، وَمَعْصِيَتُهُ فِي مَعْصِيَةِ الْوَالِدِ» . وَفِي أُخْرَى لِلْبَزَّارِ: «رِضَا الرَّبِّ ﵎ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ ﵎ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ»

стр. 562

وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: إنِّي أَذْنَبْت ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: هَلْ لَك مِنْ أُمٍّ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ لَك مِنْ خَالَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَبِرَّهَا» . وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوِيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا: أَيْ الدُّعَاءُ لَهُمَا وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إلَّا بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا» . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِزِيَادَةٍ: «قَالَ الرَّجُلُ: مَا أَكْثَرُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَطْيَبُهُ؟ قَالَ فَاعْمَلْ بِهِ» . وَمُسْلِمٌ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ لَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَعْرَابِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ. قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا أَصْلَحَك اللَّهُ إنَّهُمْ الْأَعْرَابُ وَهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وَدُودًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ «أَبِي بُرْدَةَ ﵁ قَالَ: قَدِمْت الْمَدِينَةَ فَأَتَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ: أَتَدْرِي لِمَ أَتَيْتُك؟ قُلْت: لَا، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصِلَ أَبَاهُ فِي قَبْرِهِ فَلْيَصِلْ إخْوَانَ أَبِيهِ بَعْدَهُ وَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَبِي عُمَرَ وَبَيْنَ أَبِيك إخَاءٌ وَوُدٌّ فَأَحْبَبْت أَنْ أَصِلَ ذَلِكَ» . وَفِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا الْمَشْهُورُ بِرِوَايَاتِ مُتَعَدِّدَةٍ: «أَنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَنَا خَرَجُوا يَتَمَاشُونَ وَيَرْتَادُونَ لِأَهْلِيهِمْ فَأَخَذَهُمْ الْمَطَرُ حَتَّى أَوَوْا إلَى غَارٍ فِي الْجَبَلِ فَانْحَدَرَتْ عَلَى فَمِهِ صَخْرَةٌ فَسَدَّتْهُ فَقَالُوا إنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إلَّا أَنْ تَدْعُوَا بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ اُنْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا» . وَفِي أُخْرَى: «فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَفَا الْأَثَرُ، وَوَقَعَ الْحَجَرُ، وَلَا يَعْلَمُ بِمَكَانِكُمْ إلَّا اللَّهُ فَادْعُوا اللَّهَ بِأَوْثَقِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْت لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا فَنَأَى بِي طَلَبُ شَجَرٍ يَوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا فَحَلَبْت لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتهمَا

стр. 563

نَائِمَيْنِ، فَكَرِهْت أَنْ أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا فَلَبِثْت وَالْقَدَحُ عَلَى يَدِي أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرِقَ الْفَجْرُ فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ إنْ كُنْت فَعَلْت ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِك فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَفُرِجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْت أَرْعَى فَإِذَا رُحْت عَلَيْهِمْ فَحَلَبْت بَدَأْت بِوَالِدَيَّ أُسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي وَإِنَّهُ نَأَى بِي طَلَبُ شَجَرَةٍ يَوْمًا فَمَا أَتَيْت حَتَّى أَمْسَيْت فَوَجَدْتهمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْت كَمَا كُنْت أَحْلُبُ فَجِئْت بِالْحِلَابِ فَقُمْت عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمِي، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْت ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِك فَافْرِجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَّجَ اللَّهُ لَهُمْ حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ، وَذَكَرَ الْآخَرُ عِفَّتَهُ عَنْ الزِّنَا بِابْنَةِ عَمِّهِ، وَالْآخَرُ تَنْمِيَتَهُ لِمَالِ أَجِيرِهِ فَانْفَرَجَتْ عَنْهُمْ كُلُّهَا وَخَرَجُوا يَتَمَاشُونَ» . [الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ قَطْعُ الرَّحِمِ] (الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: قَطْعُ الرَّحِمِ) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] : أَيْ وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] . وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتْ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِك مِنْ الْقَطِيعَةِ، قَالَ نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَك؟ قَالَتْ بَلَى، قَالَ فَذَاكَ لَك ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] » . وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ صَحِيحُ

стр. 564

الْإِسْنَادِ. عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ - أَيْ أَحَقُّ - أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» . وَالشَّيْخَانِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» . قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ. وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «إنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ وَلَيْلَةَ جُمُعَةٍ فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ» . وَالْبَيْهَقِيُّ: «إنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: هَذِهِ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَلِلَّهِ فِيهَا عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ بِعَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ فِيهَا إلَى مُشْرِكٍ وَلَا إلَى مُشَاحِنٍ وَلَا إلَى قَاطِعِ رَحِمٍ وَلَا إلَى مُسْبِلٍ - أَيْ إزَارَهُ خُيَلَاءَ - وَلَا إلَى عَاقٍّ لِوَالِدَيْهِ وَلَا إلَى مُدْمِنِ خَمْرٍ» الْحَدِيثَ. وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ الْخَمْرِ وَقَاطِعُ الرَّحِمِ وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ» . وَأَحْمَدُ مُخْتَصَرًا وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ: «يَبِيتُ قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى طُعْمٍ وَشُرْبٍ وَلَهْوٍ وَلَعِبٍ فَيُصْبِحُوا قَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ وَلَيُصِيبَنَّهُمْ خَسْفٌ وَقَذْفٌ حَتَّى يُصْبِحَ النَّاسُ فَيَقُولُونَ خُسِفَ اللَّيْلَةَ بِبَنِي فُلَانٍ وَخُسِفَ اللَّيْلَةَ بِدَارِ فُلَانٍ خَوَاصَّ، وَلَتُرْسَلَنَّ عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِنْ السَّمَاءِ كَمَا أُرْسِلَتْ عَلَى قَوْمِ لُوطٍ عَلَى قَبَائِلَ فِيهَا وَعَلَى دُورٍ، وَلَتُرْسَلَنَّ عَلَيْهِمْ الرِّيحُ الْعَقِيمُ الَّتِي أَهْلَكَتْ عَادًا عَلَى قَبَائِلَ فِيهَا وَعَلَى دُورٍ بِشُرْبِهِمْ الْخَمْرَ وَلُبْسِهِمْ الْحَرِيرَ وَاِتِّخَاذِهِمْ الْقَيْنَاتِ وَأَكْلِهِمْ الرِّبَا وَقَطِيعَتِهِمْ الرَّحِمَ وَخَصْلَةً نَسِيَهَا جَعْفَرٌ» . وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ: عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مُجْتَمِعُونَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اتَّقُوا اللَّهَ وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ ثَوَابٍ أَسْرَعَ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْبَغْيَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عُقُوبَةٍ أَسْرَعَ مِنْ عُقُوبَةِ بَغْيٍ، وَإِيَّاكُمْ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ وَاَللَّهِ لَا يَجِدُهَا عَاقٌّ وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَلَا شَيْخٌ زَانٍ وَلَا جَارٌّ إزَارَهُ خُيَلَاءَ إنَّمَا الْكِبْرِيَاءُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» . وَالْأَصْبَهَانِيّ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا يُجَالِسْنَا الْيَوْمَ قَاطِعُ

стр. 565

رَحِمٍ، فَقَامَ فَتًى مِنْ الْحَلْقَةِ فَأَتَى خَالَةً لَهُ قَدْ كَانَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ الشَّيْءِ فَاسْتَغْفَرَ لَهَا فَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ ثُمَّ عَادَ إلَى الْمَجْلِسِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ» ، وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أُحَرِّجُ عَلَى كُلِّ قَاطِعِ رَحِمٍ إلَّا قَامَ مِنْ عِنْدِنَا، فَقَامَ شَابٌّ إلَى عَمَّةٍ لَهُ قَدْ صَارَمَهَا مُنْذُ سِنِينَ فَصَالَحَهَا فَسَأَلَتْهُ عَنْ السَّبَبِ فَذَكَرَهُ لَهَا، فَقَالَتْ ارْجِعْ وَاسْأَلْهُ لِمَ ذَاكَ؟ فَرَجَعَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لِأَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ: " كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ جَالِسًا بَعْدَ الصُّبْحِ فِي حَلْقَةٍ فَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ قَاطِعَ رَحِمٍ لَمَا قَامَ عَنْهُ فَإِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَدْعُوَ رَبَّنَا وَإِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ مُرْتَجَةٌ - أَيْ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ وَالْجِيمُ مُخَفَّفَةٌ - مُغْلَقَةٌ دُونَ قَاطِعِ رَحِمٍ ". وَالشَّيْخَانِ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» . وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَاعْتُرِضَ تَصْحِيحُهُ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَرِوَايَةُ وَصْلِهِ قَالَ الْبُخَارِيُّ خَطَأٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ : أَنَا اللَّهُ وَأَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْت الرَّحِمَ وَشَقَقْت لَهَا اسْمًا مِنْ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْته وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْته أَوْ قَالَ بَتَتُّهُ» أَيْ قَطَعْته. وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «إنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنَّ هَذِهِ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَمَنْ قَطَعَهَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» . وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «إنَّ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ تَقُولُ يَا رَبِّ إنِّي قُطِعْت، يَا رَبِّ إنِّي أُسِيءَ إلَيَّ، يَا رَبِّ إنِّي ظُلِمْت، يَا رَبِّ يَا رَبِّ، فَيُجِيبُهَا: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَك؟» وَالشِّجْنَةُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ الْمُعْجَمِ وَضَمِّهِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ: الْقَرَابَةُ الْمُشْتَبِكَةُ كَاشْتِبَاكِ الْعُرُوقِ، وَمَعْنَى مِنْ الرَّحْمَنِ: أَيْ مُشْتَقُّ لَفْظِهَا مِنْ لَفْظِ اسْمِهِ الرَّحْمَنِ كَمَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْأَثَرِ. وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «الرَّحِمُ حُجْنَةٌ مُتَمَسِّكَةٌ بِالْعَرْشِ تَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ ذَلْقٍ:
следующие страницы →