Полный текст (881 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
مِنْ الذُّلِّ - قِيلَ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَوْ أَحَدَهُمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ أَوْ لَا يُدْخِلَانِهِ الْجَنَّةَ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ بِأَسَانِيدَ أَحَدُهَا حَسَنٌ: «صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ فَقَالَ آمِينَ آمِينَ آمِينَ، ثُمَّ قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ أَبَوَيْهِ ثُمَّ لَمْ يَبَرَّهُمَا فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ آمِينَ فَقُلْت، آمِينَ، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأُدْخِلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ آمِينَ فَقُلْت آمِينَ، قَالَ وَمَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ آمِينَ فَقُلْت آمِينَ» . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: «وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ آمِينَ، فَقُلْت: آمِينَ» . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: «فَلَمَّا رَقَيْت الثَّالِثَةَ قَالَ بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ الْكِبَرُ عِنْدَهُ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ قُلْت آمِينَ» . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَفِيهِ: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا دَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ قُلْت آمِينَ» . وَأَحْمَدُ مِنْ طُرُقٍ أَحَدُهَا حَسَنٌ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً فَهِيَ فِدَاؤُهُ مِنْ النَّارِ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ ثُمَّ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ» . زَادَ فِي رِوَايَةٍ «وَأَسْحَقَهُ» . وَالشَّيْخَانِ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ أُمُّك، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّك، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّك، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أَبُوك» . وَالشَّيْخَانِ عَنْ «أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَفْتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْت قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَيْ عَنْ الْإِسْلَامِ أَوْ فِيمَا عِنْدِي أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، صِلِي أُمَّك» .
وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ: «رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدِ أَوْ قَالَ الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اللَّهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ أَوْ قَالَ الْوَالِدَيْنِ» ، وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ وَقْفَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ: «طَاعَةُ اللَّهِ فِي طَاعَةِ الْوَالِدِ أَوْ قَالَ الْوَالِدَيْنِ، وَمَعْصِيَتُهُ فِي مَعْصِيَةِ الْوَالِدِ» . وَفِي أُخْرَى لِلْبَزَّارِ: «رِضَا الرَّبِّ ﵎ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ ﵎ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ»
стр. 562
وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: إنِّي أَذْنَبْت ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: هَلْ لَك مِنْ أُمٍّ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ لَك مِنْ خَالَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَبِرَّهَا» .
وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوِيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا: أَيْ الدُّعَاءُ لَهُمَا وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إلَّا بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا» . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِزِيَادَةٍ: «قَالَ الرَّجُلُ: مَا أَكْثَرُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَطْيَبُهُ؟ قَالَ فَاعْمَلْ بِهِ» .
وَمُسْلِمٌ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ لَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَعْرَابِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ. قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا أَصْلَحَك اللَّهُ إنَّهُمْ الْأَعْرَابُ وَهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وَدُودًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ «أَبِي بُرْدَةَ ﵁ قَالَ: قَدِمْت الْمَدِينَةَ فَأَتَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ: أَتَدْرِي لِمَ أَتَيْتُك؟ قُلْت: لَا، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصِلَ أَبَاهُ فِي قَبْرِهِ فَلْيَصِلْ إخْوَانَ أَبِيهِ بَعْدَهُ وَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَبِي عُمَرَ وَبَيْنَ أَبِيك إخَاءٌ وَوُدٌّ فَأَحْبَبْت أَنْ أَصِلَ ذَلِكَ» .
وَفِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا الْمَشْهُورُ بِرِوَايَاتِ مُتَعَدِّدَةٍ: «أَنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَنَا خَرَجُوا يَتَمَاشُونَ وَيَرْتَادُونَ لِأَهْلِيهِمْ فَأَخَذَهُمْ الْمَطَرُ حَتَّى أَوَوْا إلَى غَارٍ فِي الْجَبَلِ فَانْحَدَرَتْ عَلَى فَمِهِ صَخْرَةٌ فَسَدَّتْهُ فَقَالُوا إنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إلَّا أَنْ تَدْعُوَا بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ اُنْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا» . وَفِي أُخْرَى: «فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَفَا الْأَثَرُ، وَوَقَعَ الْحَجَرُ، وَلَا يَعْلَمُ بِمَكَانِكُمْ إلَّا اللَّهُ فَادْعُوا اللَّهَ بِأَوْثَقِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْت لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا فَنَأَى بِي طَلَبُ شَجَرٍ يَوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا فَحَلَبْت لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتهمَا
стр. 563
نَائِمَيْنِ، فَكَرِهْت أَنْ أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا فَلَبِثْت وَالْقَدَحُ عَلَى يَدِي أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرِقَ الْفَجْرُ فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ إنْ كُنْت فَعَلْت ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِك فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَفُرِجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْت أَرْعَى فَإِذَا رُحْت عَلَيْهِمْ فَحَلَبْت بَدَأْت بِوَالِدَيَّ أُسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي وَإِنَّهُ نَأَى بِي طَلَبُ شَجَرَةٍ يَوْمًا فَمَا أَتَيْت حَتَّى أَمْسَيْت فَوَجَدْتهمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْت كَمَا كُنْت أَحْلُبُ فَجِئْت بِالْحِلَابِ فَقُمْت عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمِي، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْت ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِك فَافْرِجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَّجَ اللَّهُ لَهُمْ حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ، وَذَكَرَ الْآخَرُ عِفَّتَهُ عَنْ الزِّنَا بِابْنَةِ عَمِّهِ، وَالْآخَرُ تَنْمِيَتَهُ لِمَالِ أَجِيرِهِ فَانْفَرَجَتْ عَنْهُمْ كُلُّهَا وَخَرَجُوا يَتَمَاشُونَ» .
[الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ قَطْعُ الرَّحِمِ]
(الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: قَطْعُ الرَّحِمِ) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] : أَيْ وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] . وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتْ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِك مِنْ الْقَطِيعَةِ، قَالَ نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَك؟ قَالَتْ بَلَى، قَالَ فَذَاكَ لَك ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] » .
وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ صَحِيحُ
стр. 564
الْإِسْنَادِ. عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ - أَيْ أَحَقُّ - أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» . وَالشَّيْخَانِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» . قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ.
وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «إنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ وَلَيْلَةَ جُمُعَةٍ فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ» . وَالْبَيْهَقِيُّ: «إنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: هَذِهِ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَلِلَّهِ فِيهَا عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ بِعَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ فِيهَا إلَى مُشْرِكٍ وَلَا إلَى مُشَاحِنٍ وَلَا إلَى قَاطِعِ رَحِمٍ وَلَا إلَى مُسْبِلٍ - أَيْ إزَارَهُ خُيَلَاءَ - وَلَا إلَى عَاقٍّ لِوَالِدَيْهِ وَلَا إلَى مُدْمِنِ خَمْرٍ» الْحَدِيثَ. وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ الْخَمْرِ وَقَاطِعُ الرَّحِمِ وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ» . وَأَحْمَدُ مُخْتَصَرًا وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ: «يَبِيتُ قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى طُعْمٍ وَشُرْبٍ وَلَهْوٍ وَلَعِبٍ فَيُصْبِحُوا قَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ وَلَيُصِيبَنَّهُمْ خَسْفٌ وَقَذْفٌ حَتَّى يُصْبِحَ النَّاسُ فَيَقُولُونَ خُسِفَ اللَّيْلَةَ بِبَنِي فُلَانٍ وَخُسِفَ اللَّيْلَةَ بِدَارِ فُلَانٍ خَوَاصَّ، وَلَتُرْسَلَنَّ عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِنْ السَّمَاءِ كَمَا أُرْسِلَتْ عَلَى قَوْمِ لُوطٍ عَلَى قَبَائِلَ فِيهَا وَعَلَى دُورٍ، وَلَتُرْسَلَنَّ عَلَيْهِمْ الرِّيحُ الْعَقِيمُ الَّتِي أَهْلَكَتْ عَادًا عَلَى قَبَائِلَ فِيهَا وَعَلَى دُورٍ بِشُرْبِهِمْ الْخَمْرَ وَلُبْسِهِمْ الْحَرِيرَ وَاِتِّخَاذِهِمْ الْقَيْنَاتِ وَأَكْلِهِمْ الرِّبَا وَقَطِيعَتِهِمْ الرَّحِمَ وَخَصْلَةً نَسِيَهَا جَعْفَرٌ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ: عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مُجْتَمِعُونَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اتَّقُوا اللَّهَ وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ ثَوَابٍ أَسْرَعَ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْبَغْيَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عُقُوبَةٍ أَسْرَعَ مِنْ عُقُوبَةِ بَغْيٍ، وَإِيَّاكُمْ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ وَاَللَّهِ لَا يَجِدُهَا عَاقٌّ وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَلَا شَيْخٌ زَانٍ وَلَا جَارٌّ إزَارَهُ خُيَلَاءَ إنَّمَا الْكِبْرِيَاءُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» .
وَالْأَصْبَهَانِيّ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا يُجَالِسْنَا الْيَوْمَ قَاطِعُ
стр. 565
رَحِمٍ، فَقَامَ فَتًى مِنْ الْحَلْقَةِ فَأَتَى خَالَةً لَهُ قَدْ كَانَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ الشَّيْءِ فَاسْتَغْفَرَ لَهَا فَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ ثُمَّ عَادَ إلَى الْمَجْلِسِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ» ، وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أُحَرِّجُ عَلَى كُلِّ قَاطِعِ رَحِمٍ إلَّا قَامَ مِنْ عِنْدِنَا، فَقَامَ شَابٌّ إلَى عَمَّةٍ لَهُ قَدْ صَارَمَهَا مُنْذُ سِنِينَ فَصَالَحَهَا فَسَأَلَتْهُ عَنْ السَّبَبِ فَذَكَرَهُ لَهَا، فَقَالَتْ ارْجِعْ وَاسْأَلْهُ لِمَ ذَاكَ؟ فَرَجَعَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لِأَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ: " كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ جَالِسًا بَعْدَ الصُّبْحِ فِي حَلْقَةٍ فَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ قَاطِعَ رَحِمٍ لَمَا قَامَ عَنْهُ فَإِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَدْعُوَ رَبَّنَا وَإِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ مُرْتَجَةٌ - أَيْ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ وَالْجِيمُ مُخَفَّفَةٌ - مُغْلَقَةٌ دُونَ قَاطِعِ رَحِمٍ ". وَالشَّيْخَانِ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» .
وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَاعْتُرِضَ تَصْحِيحُهُ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَرِوَايَةُ وَصْلِهِ قَالَ الْبُخَارِيُّ خَطَأٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ : أَنَا اللَّهُ وَأَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْت الرَّحِمَ وَشَقَقْت لَهَا اسْمًا مِنْ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْته وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْته أَوْ قَالَ بَتَتُّهُ» أَيْ قَطَعْته.
وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «إنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنَّ هَذِهِ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَمَنْ قَطَعَهَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» . وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «إنَّ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ تَقُولُ يَا رَبِّ إنِّي قُطِعْت، يَا رَبِّ إنِّي أُسِيءَ إلَيَّ، يَا رَبِّ إنِّي ظُلِمْت، يَا رَبِّ يَا رَبِّ، فَيُجِيبُهَا: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَك؟» وَالشِّجْنَةُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ الْمُعْجَمِ وَضَمِّهِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ: الْقَرَابَةُ الْمُشْتَبِكَةُ كَاشْتِبَاكِ الْعُرُوقِ، وَمَعْنَى مِنْ الرَّحْمَنِ: أَيْ مُشْتَقُّ لَفْظِهَا مِنْ لَفْظِ اسْمِهِ الرَّحْمَنِ كَمَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْأَثَرِ.
وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «الرَّحِمُ حُجْنَةٌ مُتَمَسِّكَةٌ بِالْعَرْشِ تَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ ذَلْقٍ:
стр. 566
اللَّهُمَّ صِلْ مَنْ وَصَلَنِي وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: أَنَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَإِنِّي شَقَقْت الرَّحِمَ مِنْ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْته وَمَنْ بَتَكَهَا بَتَكْتُهُ» ، الْحَجْنَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ: صِنَّارَةُ الْمِغْزَلِ: أَيْ الْحَدِيدَةُ الْعَقْفَاءُ الَّتِي يُعَلَّقُ بِهَا الْخَيْطُ ثُمَّ يُفْتَلُ الْغَزْلُ، وَالْبَتْكُ: الْقَطْعُ. وَالْبَزَّارُ: «ثَلَاثٌ مُتَعَلِّقَاتٌ بِالْعَرْشِ: الرَّحِمُ تَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي بِك فَلَا أُقْطَعُ، وَالْأَمَانَةُ تَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي بِك فَلَا أُخَانُ، وَالنِّعْمَةُ تَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي بِك فَلَا أُكْفَرُ» .
وَالْبَزَّارُ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ: «الطَّابَعُ مُعَلَّقٌ بِقَائِمَةِ الْعَرْشِ فَإِذَا اشْتَكَتْ الرَّحِمُ وَعُمِلَ بِالْمَعَاصِي وَاجْتُرِئَ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بَعَثَ اللَّهُ الطَّابَعَ فَيَطْبَعُ عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يَعْقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا» .
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ صَرِيحُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الصَّحِيحَةِ بَلْ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّةِ كَثِيرٍ مِنْهَا، وَبِهَذَا يُرَدُّ تَوَقُّفُ الرَّافِعِيِّ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الشَّامِلِ إنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَكَذَا تَقْرِيرُ النَّوَوِيِّ لَهُ عَلَى تَوَقُّفِهِ هَذَا فَإِنَّهُ اعْتَرَضَ تَوَقُّفَهُ فِي غَيْرِهِ وَلَمْ يَعْتَرِضْ تَوَقُّفَهُ هَذَا وَهُوَ أَجْدَرُ وَأَحَقُّ بِالرَّدِّ، وَكَيْفَ يَتَوَقَّفُ فِي ذَلِكَ مَعَ تَصْرِيحِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمَعَ مَا فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ لَعْنِ فَاعِلِهِ وَاسْتِدْلَالِهِ ﷺ بِهَا فِي أَوَّلِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى قَطِيعَةِ اللَّهِ لِقَاطِعِ الرَّحِمِ، وَقَوْلُهُ: إنَّ الْقَاطِعَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَإِنَّهُ مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجَّلَ عُقُوبَتُهُ مِنْ ذَنْبِهِ، وَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ عَمَلُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا مَرَّ، فَحِينَئِذٍ لَا مَسَاغَ لِلتَّوَقُّفِ.
ثُمَّ رَأَيْت الْجَلَالَ الْبُلْقِينِيَّ قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ فِي ذَلِكَ مَعَ النَّصِّ فِي الْقُرْآنِ عَلَى لَعْنَةِ فَاعِلِهِ، ثُمَّ رُوِيَ عَنْ الْبَاقِرِ أَنَّ أَبَاهُ زَيْنَ الْعَابِدِينَ ﵄ قَالَ: لَا تُصَاحِبْ قَاطِعَ رَحِمٍ فَإِنِّي وَجَدْته مَلْعُونًا فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ وَذَكَرَ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ السَّابِقَةَ، آيَةَ الْقِتَالِ وَاللَّعْنُ فِيهَا صَرِيحٌ، وَالرَّعْدَ وَاللَّعْنُ فِيهَا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ يَشْمَلُ الْأَرْحَامَ وَغَيْرَهَا، وَالْبَقَرَةَ وَاللَّعْنُ فِيهَا بِطَرِيقِ الِاسْتِلْزَامِ إذْ هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْخُسْرَانِ، وَقَدْ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ اتِّفَاقَ الْأُمَّةِ عَلَى وُجُوبِ صِلَةِ الرَّحِمِ وَحُرْمَةِ قَطْعِهَا.
ثُمَّ الْمُرَادُ بِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ مَاذَا؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ؛ فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الْوَلِيُّ بْنُ الْعِرَاقِيِّ: يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِالْإِسَاءَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَنْبَغِي اخْتِصَاصُهُ بِذَلِكَ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَدَّى إلَى تَرْكِ الْإِحْسَانِ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ آمِرَةٌ بِالصِّلَةِ نَاهِيَةٌ عَنْ الْقَطِيعَةِ وَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، وَالصِّلَةُ إيصَالُ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ لِمَا فَسَّرَهَا بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ فَالْقَطِيعَةُ ضِدُّهَا وَهِيَ تَرْكُ الْإِحْسَانِ. اهـ.
стр. 567
وَلَك أَنْ تَقُولَ فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ نَظَرٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْإِسَاءَةِ مَا يَشْمَلُ فِعْلَ الْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ أَوْ مَا يَخْتَصُّ بِالْمُحَرَّمِ وَلَوْ صَغِيرَةً نَافَى مَا مَرَّ عَنْ الْبُلْقِينِيِّ وَغَيْرِهِ فِي ضَابِطِ الْعُقُوقِ مِنْ أَنَّهُ إنْ يَفْعَلْ مَعَ أَحَدِ وَالِدَيْهِ مَا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ أَجْنَبِيٍّ كَانَ مُحَرَّمًا صَغِيرَةً فَيَنْتَقِلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحَدِهِمَا كَبِيرَةً، فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ ضَابِطَ الْعُقُوقِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ آكَدُ مِنْ حَقِّ بَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ، وَأَنَّ الْعُقُوقَ غَيْرُ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ، وَمِنْهُ تَوَقُّفُ الرَّافِعِيِّ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَطْعِ الرَّحِمِ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ مَا هُوَ أَشَدُّ فِي الْإِيذَاءِ مِنْ الْعُقُوقِ؛ لِيَظْهَرَ مَزِيَّةُ الْوَالِدَيْنِ، وَمَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ اتِّحَادُهُمَا بَلْ إنَّ الْقَطِيعَةَ يُرَاعَى فِيهَا مَا هُوَ أَدْنَى فِي الْإِيذَاءِ مِنْ الْعُقُوقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِسَاءَةَ فِي كَلَامِهِ تَشْمَلُ فِعْلَهُ فَيَتَمَيَّزُ بَقِيَّةُ الْأَقَارِبِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ حَيْثُ جُعِلَ مُطْلَقُ الْإِيذَاءِ فِي حَقِّهِمْ كَبِيرَةً. وَالْأَبَوَانِ لَمْ يُجْعَلْ الْإِيذَاءُ فِي حَقِّهِمْ كَذَلِكَ وَهَذَا مُنَافٍ لِصَرِيحِ كَلَامِهِمْ، فَوَجَبَ رَدُّ كَلَامِ أَبِي زُرْعَةَ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ.
وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ كَلَامَهُمْ فِي الْعُقُوقِ يَرُدُّ مَا ذَكَرَهُ فَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَنَّ قَطْعَ الرَّحِمِ عَدَمُ فِعْلِ الْإِحْسَانِ كَلَامُهُمْ يَرُدُّهُ بِالْأُولَى، وَحِينَئِذٍ فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ لِيُوَافِقَ كَلَامَهُمْ وَفَرْقَهُمْ بَيْنَ الْعُقُوقِ وَقَطْعِ الرَّحِمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِ مَا قَدَّمْته فِيهِ دُونَ مَا مَرَّ عَنْ الْبُلْقِينِيِّ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ اتِّحَادِهِمَا، وَبِالثَّانِي قَطْعُ مَا أَلِفَ الْقَرِيبُ مِنْهُ مِنْ سَابِقِ الْوُصْلَةِ وَالْإِحْسَانِ لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّ قَطْعَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى إيحَاشِ الْقُلُوبِ وَنُفْرَتِهَا وَتَأَذِّيهَا، وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ قَطَعَ وُصْلَةَ رَحِمِهِ وَمَا يَنْبَغِي لَهَا مِنْ عَظِيمِ الرِّعَايَةِ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ قَرِيبَهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ مِنْهُ إحْسَانٌ وَلَا إسَاءَةٌ قَطُّ لَمْ يَفْسُقْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَبَوَيْنِ إذَا فُرِضَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْعَلَ مَعَهُمَا مَا يَقْتَضِي التَّأَذِّي الْعَظِيمَ لِغِنَاهُمَا مَثَلًا لَمْ يَكُنْ كَبِيرَةً فَأَوْلَى بَقِيَّةُ الْأَقَارِبِ.
وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَمْ يَقْطَعْ عَنْ قَرِيبِهِ مَا أَلِفَهُ مِنْ الْإِحْسَانِ لَكِنَّهُ فَعَلَ مَعَهُ مُحَرَّمًا صَغِيرَةً أَوْ قَطَّبَ فِي وَجْهِهِ أَوْ لَمْ يَقُمْ إلَيْهِ فِي مَلَأٍ وَلَا عَبَأَ بِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِسْقًا، بِخِلَافِهِ مَعَ أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ؛ لِأَنَّ تَأَكُّدَ حَقِّهِمَا اقْتَضَى أَنْ يَتَمَيَّزَا عَلَى بَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ بِمَا لَا يُوجَدُ نَظِيرُهُ فِيهِمْ، وَعَلَى ضَبْطِ الثَّانِي بِمَا ذَكَرْته فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْإِحْسَانُ الَّذِي أَلِفَهُ مِنْهُ قَرِيبُهُ مَالًا أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ مُرَاسَلَةً أَوْ زِيَارَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَقَطْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْدَ فِعْلِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ كَبِيرَةٌ. فَإِنْ قُلْت: فَمَا الْمُرَادُ بِالْعُذْرِ فِي الْمَالِ وَفِي نَحْوِ الزِّيَارَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ؟
стр. 568
قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالْعُذْرِ فِي الْمَالِ فَقْدُ مَا كَانَ يَصِلُهُ بِهِ أَوْ تَجَدُّدُ احْتِيَاجِهِ إلَيْهِ أَوْ أَنْ يَنْدُبَهُ الشَّارِعُ إلَى تَقْدِيمِ غَيْرِ الْقَرِيبِ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الْأَجْنَبِيِّ أَحْوَجَ أَوْ أَصْلَحَ فَعَدَمُ الْإِحْسَانِ إلَيْهِ أَوْ تَقْدِيمُ الْأَجْنَبِيِّ عَلَيْهِ لِهَذَا الْعُذْرِ يَرْفَعُ عَنْهُ الْفِسْقَ، وَإِنْ انْقَطَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَا أَلِفَهُ مِنْهُ الْقَرِيبُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَاعَى أَمْرَ الشَّارِعِ بِتَقْدِيمِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْقَرِيبِ.
وَوَاضِحٌ أَنَّ الْقَرِيبَ لَوْ أَلِفَ مِنْهُ قَدْرًا مُعَيَّنًا مِنْ الْمَالِ يُعْطِيهِ إيَّاهُ كُلَّ سَنَةٍ مَثَلًا فَنَقَصَهُ لَا يَفْسُقُ بِذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَطَعَهُ مِنْ أَصْلِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ. فَإِنْ قُلْت: يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ امْتِنَاعُ الْقَرِيبِ مِنْ الْإِحْسَانِ إلَى قَرِيبِهِ أَصْلًا خَشْيَةَ أَنَّهُ إذَا أَحْسَنَ إلَيْهِ يَلْزَمُهُ الِاسْتِمْرَارُ عَلَى ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَفْسُقَ لَوْ قَطَعَهُ، وَهَذَا خِلَافُ مُرَادِ الشَّارِعِ مِنْ الْحَثِّ عَلَى الْإِحْسَانِ إلَى الْأَقَارِبِ. قُلْت: لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى تَمَامِ الْقَدْرِ الَّذِي أَلِفَهُ مِنْهُ بَلْ اللَّازِمُ لَهُ أَنْ لَا يَقْطَعَ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِهِ، وَغَالِبُ النَّاسِ يَحْمِلُهُمْ شَفَقَةُ الْقَرَابَةِ وَرِعَايَةُ الرَّحِمِ عَلَى وُصْلَتِهَا فَلَيْسَ فِي أَمْرِهِمْ بِمُدَاوَمَتِهِمْ عَلَى أَصْلِ مَا أَلِفُوهُ مِنْهُمْ تَنْفِيرٌ عَنْ فِعْلِهِ بَلْ حَثٌّ عَلَى دَوَامِ أَصْلِهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ قُلْنَا: إنَّهُ إذَا أَلِفَ مِنْهُ شَيْئًا بِخُصُوصِهِ يَلْزَمُهُ الْجَرَيَانُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَخْصُوصِ دَائِمًا وَلَوْ مَعَ قِيَامِ الْعُذْرِ الشَّرْعِيِّ، وَنَحْنُ لَمْ نَقَلَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا عُذْرُ الزِّيَارَةِ: فَيَنْبَغِي ضَبْطُهُ بِعُذْرِ الْجُمُعَةِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا فَرْضُ عَيْنٍ وَتَرْكُهُ كَبِيرَةٌ. وَأَمَّا عُذْرُ تَرْكِ الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ: فَهُوَ أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَثِقُ بِهِ فِي أَدَاءِ مَا يُرْسِلُهُ مَعَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ الزِّيَارَةَ الَّتِي أُلِفَتْ مِنْهُ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ لِعُذْرٍ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَتَأَمَّلْ جَمِيعَ مَا قَرَّرْته وَاسْتَفِدْهُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ وَكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَى ضَبْطِهِ.
وَظَاهِرٌ أَنَّ الْأَوْلَادَ وَالْأَعْمَامَ مِنْ الْأَرْحَامِ وَكَذَا الْخَالَةُ فَيَأْتِي فِيهِمْ وَفِيهَا مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ قَطْعِهِمْ وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ. وَأَمَّا قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ " أَنَّ الْخَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ وَأَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ " وَقَضِيَّتُهُمَا أَنَّهُمَا مِثْلُ الْأَبِ وَالْأُمِّ حَتَّى فِي الْعُقُوقِ فَبَعِيدٌ جِدًّا وَلَيْسَ قَضِيَّتُهُمَا ذَلِكَ، إذْ لَا عُمُومَ فِيهِمَا وَلَا تَعَرُّضَ لِخُصُوصِ الْعُقُوقِ
стр. 569
فَيَكْفِي تَشَابُهُهُمَا فِي أَمْرٍ مَا كَالْحَضَانَةِ تَثْبُتُ لِلْخَالَةِ كَمَا تَثْبُتُ لِلْأُمِّ وَكَذَا الْمَحْرَمِيَّةُ وَتَأَكُّدُ الرِّعَايَةِ وَكَالْإِكْرَامِ فِي الْعَمِّ وَالْمَحْرَمِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا ذُكِرَ. وَأَمَّا إلْحَاقُهُمَا بِهِمَا فِي أَنَّ عُقُوقَهُمَا كَعُقُوقِهِمَا فَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُصَرَّحٍ بِهِ فِي الْحَدِيثِ مُنَافٍ لِكَلَامِ أَئِمَّتِنَا فَلَا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ، بَلْ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ أَنَّ الْوَالِدَيْنِ اخْتَصَّا مِنْ الرِّعَايَةِ وَالِاحْتِرَامِ وَالطَّوَاعِيَةِ وَالْإِحْسَانِ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ جِدًّا وَغَايَةٍ رَفِيعَةٍ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي عُقُوقِهِمَا وَكَوْنِهِ فِسْقًا بِمَا لَا يُكْتَفَى بِهِ فِي عُقُوقِ غَيْرِهِمَا.
فَإِنْ قُلْت: يُؤَيِّدُ التَّفْسِيرَ السَّابِقَ الْمُقَابِلَ لِكَلَامِ أَبِي زُرْعَةَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» أَيْ قَاطِعُ رَحِمٍ، فَمَنْ قَطَعَ أَقَارِبَهُ الضُّعَفَاءَ وَهَجَرَهُمْ وَتَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَصِلْهُمْ بِبِرِّهِ وَإِحْسَانِهِ وَكَانَ غَنِيًّا وَهُمْ فُقَرَاءُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْوَعِيدِ مَحْرُومٌ دُخُولَ الْجَنَّةِ إلَّا أَنْ يَتُوبَ إلَى اللَّهِ وَيُحْسِنَ إلَيْهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ أَقَارِبُ ضُعَفَاءُ وَلَمْ يُحْسِنْ إلَيْهِمْ وَيَصْرِفْ صَدَقَتَهُ إلَى غَيْرِهِمْ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ صَدَقَتَهُ وَلَا يَنْظُرْ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا وَصَلَهُمْ بِزِيَارَتِهِمْ وَالتَّفَقُّدِ لِأَحْوَالِهِمْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ» . اهـ.
قُلْت: مَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ مِنْ الْهَجْرِ وَالتَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ وَاضِحٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَمْ يَصِلْهُمْ إلَخْ فَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ مَمْنُوعٌ أَيْضًا وَكَفَى فِي مَنْعِهِ وَرَدِّهِ تَصْرِيحُ أَئِمَّتِنَا بِأَنَّ الْإِنْفَاقَ إنَّمَا يَجِبُ لِلْوَالِدَيْنِ وَإِنْ عَلَوْا وَالْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفَلُوا دُونَ بَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ، وَبِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْأَرْحَامِ سُنَّةٌ لَا وَاجِبَةٌ فَلَوْ كَانَ تَرْكُ الْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ بِالْمَالِ كَبِيرَةً لَمْ يَسَعْ إطْلَاقَ الْأَئِمَّةِ نَدْبُ ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَتَعْبِيرُهُمْ بِالْقَطْعِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ ثَمَّ شَيْءٌ فَقُطِعَ، وَبِهِ يَتَأَيَّدُ مَا قَدَّمْته وَقَرَّرْته فِي مَعْنَى قَطْعِ الرَّحِمِ مُخَالِفًا فِيهِ كُلًّا مِنْ تَفْسِيرِ أَبِي زُرْعَةَ وَمُقَابِلِهِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى صِحَّةِ سَنَدِهِمَا، نَعَمْ يَنْبَغِي لِلْمُوَفِّقِ أَنْ يُرَاعِيَ هَذَا الْقَوْلَ وَأَنْ يُبَالِغَ فِيمَا قُدِّرَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِحْسَانِ إلَى أَقَارِبِهِ لِمَا يَأْتِي قَرِيبًا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الْمُؤَكَّدَةِ فِي ذَلِكَ وَالدَّالَّةِ عَلَى عَظِيمِ فَضْلِهِ وَرِفْعَةِ مَحَلِّهِ.
وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا غَنِيًّا حَجَّ فَأَوْدَعَ آخَرَ مَوْسُومًا بِالْأَمَانَةِ وَالصَّلَاحِ أَلْفَ دِينَارٍ حَتَّى يَعُودَ مِنْ عَرَفَةَ، فَلَمَّا عَادَ وَجَدَهُ قَدْ مَاتَ، فَسَأَلَ ذُرِّيَّتَهُ عَنْ الْمَالِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِهِ
стр. 570
عِلْمٌ، فَسَأَلَ عُلَمَاءَ مَكَّةَ عَنْ قَضِيَّتِهِ فَقَالُوا لَهُ: إذَا كَانَ نِصْفُ اللَّيْلِ فَأْتِ زَمْزَمَ فَانْظُرْ فِيهَا وَنَادِ يَا فُلَانُ بِاسْمِهِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ فَيُجِيبُك مِنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ، فَذَهَبَ وَنَادَى فِيهَا فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَأَخْبَرَهُمْ فَقَالُوا لَهُ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ؛ نَخْشَى أَنْ يَكُونَ صَاحِبُك مِنْ أَهْلِ النَّارِ اذْهَبْ إلَى أَرْضِ الْيَمَنِ فَفِيهَا بِئْرٌ تُسَمَّى بِئْرَ بَرَهُوتَ يُقَالُ إنَّهُ عَلَى فَمِ جَهَنَّمَ فَانْظُرْ فِيهِ بِاللَّيْلِ وَنَادِ يَا فُلَانُ فَيُجِيبُك مِنْهَا، فَمَضَى إلَى الْيَمَنِ وَسَأَلَ عَنْ الْبِئْرِ فَدُلَّ عَلَيْهَا، فَذَهَبَ إلَيْهَا لَيْلًا وَنَادَى فِيهَا: يَا فُلَانُ فَأَجَابَهُ، فَقَالَ أَيْنَ ذَهَبِي؟ فَقَالَ دَفَنْته فِي الْمَوْضِعِ الْفُلَانِيِّ مِنْ دَارِي وَلَمْ ائْتَمَنَ عَلَيْهِ وَلَدِي فَأْتِهِمْ وَاحْفِرْ هُنَاكَ تَجِدُهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا الَّذِي أَنْزَلَك هَاهُنَا وَقَدْ كُنْت يُظَنُّ بِك الْخَيْرُ؟ قَالَ: كَانَ لِي أُخْتٌ فَقِيرَةٌ هَجَرْتهَا وَكُنْت لَا أَحْنُو عَلَيْهَا فَعَاقَبَنِي اللَّهُ - تَعَالَى - بِسَبَبِهَا وَأَنْزَلَنِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّابِقِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» أَيْ قَاطِعُ رَحِمِهِ وَأَقَارِبِهِ. (فَائِدَةٌ: فِي ذِكْرِ أَحَادِيثَ فِيهَا الْحَثُّ الْأَكِيدُ وَالتَّأْكِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ) أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» .
وَأَخْرَجَ أَيْضًا: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ» - أَيْ يُؤَخَّرُ وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ ثَالِثِهِ الْمُهْمَلِ وَبِالْهَمْزِ - «لَهُ فِي أَثَرِهِ: أَيْ أَجَلِهِ - فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «قَالَ تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ مِنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ» : أَيْ بِهَا الزِّيَادَةُ فِي الْعُمْرِ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْحَاكِمُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمُرِهِ وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُدْفَعَ عَنْهُ مَيْتَةُ السُّوءِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» . وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَادَ فِي عُمْرِهِ وَفِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» .
стр. 571
وَأَبُو يَعْلَى: «إنَّ الصَّدَقَةَ وَصِلَةَ الرَّحِمِ يَزِيدُ اللَّهُ بِهِمَا فِي الْعُمُرِ وَيَدْفَعُ بِهِمَا مِيتَةَ السُّوءِ وَيَدْفَعُ بِهِمَا الْمَكْرُوهَ وَالْمَحْذُورَ» .
وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ خَثْعَمَ قَالَ: «أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقُلْت: أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ، قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ صِلَةُ الرَّحِمِ. قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَبْغَضُ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ ثُمَّ الْأَمْرُ بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمَعْرُوفِ» .
وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَاللَّفْظُ لَهُ: «عَرَضَ أَعْرَابِيٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي سَفَرٍ فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ أَوْ بِزِمَامِهَا ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنْ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ؟ فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ وُفِّقَ هَذَا أَوْ لَقَدْ هُدِيَ، قَالَ كَيْفَ قُلْت؟ فَأَعَادَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ، دَعْ النَّاقَةَ» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَتَصِلُ ذَا رَحِمِك فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنْ تَمَسَّكَ بِمَا أَمَرْته بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «إنَّ اللَّهَ لَيُعَمِّرُ بِالْقَوْمِ الدِّيَارَ وَيُنَمِّي لَهُمْ الْأَمْوَالَ وَمَا نَظَرَ إلَيْهِمْ مُنْذُ خَلَقَهُمْ بُغْضًا لَهُمْ. قِيلَ وَكَيْفَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ بِصِلَتِهِمْ أَرْحَامَهُمْ» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا: «إنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ الرِّفْقَ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ يُعَمِّرْنَ الدِّيَارَ وَيَزِدْنَ فِي الْأَعْمَارِ» .
وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ أَتْقَاهُمْ لِلرَّبِّ وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ، وَآمِرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ «أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِخِصَالٍ مِنْ الْخَيْرِ: أَوْصَانِي أَنْ لَا أَنْظُرَ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي وَأَنْ أَنْظُرَ إلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَأَوْصَانِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ
стр. 572
رَحِمِي، وَإِنْ أَدْبَرْت، وَأَوْصَانِي أَنْ لَا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَوْصَانِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ» .
وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا: «عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂: أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً لَهَا وَلَمْ تَسْتَأْذِنْ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ: أَشَعَرْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْت وَلِيدَتِي؟ قَالَ أَوَفَعَلْت؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ أَمَا إنَّك لَوْ أَعْطَيْتهَا أَخْوَالَك كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِك» .
وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: إنِّي أَذْنَبْت ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ هَلْ لَك مِنْ أُمٍّ؟ قَالَ: لَا، قَالَ وَهَلْ لَك مِنْ خَالَةٍ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ فَبِرَّهَا» . وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا»
وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ: «لَا تَكُونُوا إمَّعَةً تَقُولُونَ إنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا أَنْ لَا تَظْلِمُوا» . وَالْإِمَّعَةُ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ وَتَشْدِيدٍ فَمُهْمَلَةٍ: هُوَ الَّذِي لَا رَأْيَ لَهُ فَهُوَ يَتْبَعُ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى رَأْيِهِ.
وَمُسْلِمٌ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُ وَيَقْطَعُونَنِي وَأُحْسِنُ إلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إلَيَّ وَأَحْلُمُ عَلَيْهِمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ إنْ كُنْت كَمَا قُلْت فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ - أَيْ بِفَتْحٍ وَتَشْدِيدٍ الرَّمَادُ الْحَارُّ - وَلَا يَزَالُ مَعَك مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْت عَلَى ذَلِكَ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ. وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ صَدَقَةٌ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» أَيْ الَّذِي يُضْمِرُ عَدَاوَةً فِي كَشْحِهِ: أَيْ خَصْرِهِ كِنَايَةً عَنْ بَاطِنِهِ وَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَك» . وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِيهِ وَاهِيًا: «ثَلَاثٌ مِنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ قَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ
стр. 573
تُعْطِي مَنْ حَرَمَك، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَك، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَك؛ فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ يُدْخِلُك الْجَنَّةَ» .
وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادَيْنِ أَحَدُهُمَا رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: «لَقِيت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذْت بِيَدِهِ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِفَوَاضِلِ الْأَعْمَالِ؟ فَقَالَ يَا عُقْبَةُ صِلْ مَنْ قَطَعَك، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَك، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَك» . زَادَ الْحَاكِمُ: «أَلَا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُمَدَّ فِي عُمُرِهِ وَيُبْسَطَ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ مُحْتَجٍّ بِهِ: «أَلَا أَدُلُّك عَلَى أَكْرَمِ أَخْلَاقِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك، وَأَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «إنَّ أَفْضَلَ الْفَضَائِلِ: أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك، وَتَصْفَحَ عَمَّنْ شَتَمَك» . وَالْبَزَّارُ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ الدَّرَجَاتِ» . وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: «أَلَا أُنْبِئَكُمْ بِمَا يُشْرِفُ اللَّهُ بِهِ الْبُنْيَانَ وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالَ قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ تَحْلُمُ عَلَى مَنْ جَهِلَ عَلَيْك، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَك، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَك، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَك» .
وَابْنُ مَاجَهْ: «أَسْرَعُ الْخَيْرِ ثَوَابًا الْبِرُّ وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَأَسْرَعُ الشَّرِّ عُقُوبَةً الْبَغْيُ وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالْخِيَانَةِ وَالْكَذِبِ، وَإِنَّ أَعْجَلَ الْبِرِّ ثَوَابًا لَصِلَةُ الرَّحِمِ حَتَّى إنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ لَيَكُونُونَ فَجَرَةً فَتَنْمُو أَمْوَالُهُمْ وَيَكْثُرُ عَدَدُهُمْ إذَا تَوَاصَلُوا» .
[الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ تَوَلِّي الْإِنْسَانِ غَيْرَ مَوَالِيهِ]
(الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: تَوَلِّي الْإِنْسَانِ غَيْرَ مَوَالِيهِ) أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ جُمْلَةِ حَدِيثٍ: «وَمَنْ اُدُّعِيَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ انْتَمَى إلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «مَنْ تَوَلَّى إلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» .
стр. 574
وَأَبُو دَاوُد: «مَنْ اُدُّعِيَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ انْتَمَى إلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ صَرِيحُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
[الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ إفْسَادُ الْقِنِّ عَلَى سَيِّدِهِ]
(الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: إفْسَادُ الْقِنِّ عَلَى سَيِّدِهِ) أَخْرَجَ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالْبَزَّارُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ خَبَّبَ عَلَى امْرِئٍ زَوْجَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا» ، وَخَبَّبَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى مَعْنَاهُ أَفْسَدَ وَخَدَعَ.
وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةَ عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ» . وَأَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «مَنْ خَبَّبَ عَبْدًا عَلَى أَهْلِهِ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ أَفْسَدَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا فَلَيْسَ مِنَّا» .
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ قَضِيَّةُ الْأَحَادِيثِ، إذْ نَفْيُ الْإِسْلَامِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ صَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِرِ.
[الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ إبَاقُ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ]
(الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: إبَاقُ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ) أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» . وَأَخْرَجَ أَيْضًا: «إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِمْ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْحَاكِمُ: «اثْنَانِ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمَا رُءُوسَهُمَا: عَبْدٌ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ عَصَتْ زَوْجَهَا حَتَّى تَرْجِعَ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ، الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «أَيُّمَا عَبْدٍ مَاتَ فِي إبَاقِهِ دَخَلَ النَّارَ وَإِنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانُ فِي صَحِيحَيْهِمَا: «ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُمْ صَلَاةً وَلَا يَصْعَدُ لَهُمْ إلَى السَّمَاءِ حَسَنَةٌ: السَّكْرَانُ حَتَّى يَصْحُوَ، وَالْمَرْأَةُ السَّاخِطُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا، وَالْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ فَيَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِ مَوَالِيهِ» .
стр. 575
وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «ثَلَاثَةٌ لَا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ وَعَصَى إمَامَهُ، وَعَبْدٌ أَبَقَ مِنْ سَيِّدِهِ فَمَاتَ مَاتَ عَاصِيًا، وَامْرَأَةٌ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدْ كَفَّاهَا مُؤَنَ الدُّنْيَا فَخَانَتْهُ بَعْدَهُ. وَثَلَاثَةٌ لَا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ نَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَهُ فَإِنَّ رِدَاءَهُ الْكِبْرُ وَإِزَارَهُ الْعِزُّ، وَرَجُلٌ فِي شَكٍّ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَالْقَانِطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ شَطْرَهُ الْأَوَّلَ. وَعِنْدَ الْحَاكِمِ فَتَبَرَّجَتْ بَعْدَهُ بَدَلُ فَخَانَتْهُ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: «وَأَمَةٌ وَعَبْدٌ أَبَقَ مِنْ سَيِّدِهِ» وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَلَا أَعْلَمُ لَهُ عِلَّةً. تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ صَرِيحُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الصَّحِيحَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
[الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ اسْتِخْدَامُ الْحُرِّ وَجَعْلُهُ رَقِيقًا]
(الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: اسْتِخْدَامُ الْحُرِّ وَجَعْلُهُ رَقِيقًا) أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمْ صَلَاةً: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ أَتَى الصَّلَاةَ دِبَارًا - وَالدِّبَارُ أَنْ يَأْتِيَهَا بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ - وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرًا» . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اعْتِبَادُ الْمُحَرَّرِ إمَّا أَنْ يُعْتِقَهُ ثُمَّ يَكْتُمَ عِتْقَهُ أَوْ يُنْكِرَهُ، وَهَذَا أَشَرُّ مِمَّا بَعْدَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَعْتَقِلَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَيَسْتَخْدِمَهُ كُرْهًا. انْتَهَى. وَبَقِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَخْدِمَ عَتِيقَ غَيْرِهِ أَوْ يَسْتَرِقَّهُ كُرْهًا. تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ صَرِيحُ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
[الْكَبِيرَةُ الثَّامِنَةُ وَالتَّاسِعَةُ وَالْعَاشِرَةُ وَالْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ امْتِنَاعُ الْقِنِّ مِمَّا يَلْزَمُهُ مِنْ خِدْمَةِ سَيِّدِهِ وَامْتِنَاعُ السَّيِّدِ مِمَّا يَلْزَمُهُ]
(الْكَبِيرَةُ الثَّامِنَةُ وَالتَّاسِعَةُ وَالْعَاشِرَةُ وَالْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: امْتِنَاعُ الْقِنِّ مِمَّا يَلْزَمُهُ مِنْ خِدْمَةِ سَيِّدِهِ، وَامْتِنَاعُ السَّيِّدِ مِمَّا يَلْزَمُهُ مِنْ مُؤْنَةِ قِنِّهِ وَتَكْلِيفُهُ إيَّاهُ عَمَلًا لَا يُطِيقُهُ وَضَرْبُهُ عَلَى الدَّوَامِ، وَتَعْذِيبُ الْقِنِّ بِالْخِصَاءِ وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ بِغَيْرِهِ أَوْ الدَّابَّةِ وَغَيْرِهِمَا بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ وَالتَّحْرِيشُ بَيْنَ الْبَهَائِمِ) أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالصَّغِيرِ. عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ اشْتَدَّ غَضَبِي عَلَى مَنْ ظَلَمَ مَنْ لَا يَجِدُ لَهُ نَاصِرًا غَيْرِي» . وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ حِبَّانَ: «أُمِرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ يُضْرَبُ فِي قَبْرِهِ مِائَةَ جَلْدَةٍ فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ وَيَدْعُو حَتَّى صَارَتْ جَلْدَةٌ وَاحِدَةٌ فَامْتَلَأَ قَبْرُهُ عَلَيْهِ نَارًا فَلَمَّا ارْتَفَعَ عَنْهُ وَأَفَاقَ
стр. 576
قَالَ: عَلَامَ جَلَدْتُمُونِي؟ قَالُوا إنَّك صَلَّيْت صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ وَمَرَرْت عَلَى مَظْلُومٍ فَلَمْ تَنْصُرْهُ» ،
وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «كُنْت أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ فَسَمِعْت صَوْتًا مِنْ خَلْفِي: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنْ الْغَضَبِ فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَقْدَرُ عَلَيْك مِنْك عَلَى هَذَا الْغُلَامِ، فَقُلْت لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا» . وَفِي رِوَايَةٍ: «فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَقَالَ: أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْك النَّارُ أَوْ لَمَسَتْك النَّارُ» .
وَأَبُو دَاوُد عَنْ زَاذَانَ وَهُوَ الْكِنْدِيُّ مَوْلَاهُمْ الْكُوفِيُّ قَالَ: «أَتَيْت ابْنَ عُمَرَ ﵄ وَقَدْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا لَهُ فَأَخَذَ مِنْ الْأَرْضِ عُودًا أَوْ شَيْئًا فَقَالَ: مَا لِي فِيهِ مِنْ الْأَجْرِ مَا يَسْوَى هَذَا، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكًا لَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ» . وَمُسْلِمٌ: «مَنْ ضَرَبَ مَمْلُوكًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ أَوْ لَطَمَهُ فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «مَنْ ضَرَبَ مَمْلُوكَهُ ظُلْمًا أُقِيدَ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بَرِيئًا مِمَّا قَالَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ» . وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ أَخْبَرْتنَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَكْثَرُ الْأُمَمِ مَمْلُوكِينَ وَيَتَامَى؟ قَالَ نَعَمْ فَأَكْرِمُوهُمْ كَرَامَةَ أَوْلَادِكُمْ وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، قَالُوا فَمَا يَنْفَعُنَا مِنْ الدُّنْيَا؟ قَالَ فَرَسٌ تَرْتَبِطُهُ تُقَاتِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَمْلُوكُك يَكْفِيك فَإِذَا صَلَّى فَهُوَ أَخُوك» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْلِهِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ» ، وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: سَيِّئُ الْمَلَكَةِ هُوَ الَّذِي يُسِيءُ الصَّنِيعَةَ إلَى مَمَالِيكِهِ.
وَأَبُو دَاوُد: «أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَلْبَسَ غُلَامَهُ مِثْلَهُ وَأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ عَيَّرَ رَجُلًا بِأُمِّهِ لِكَوْنِهَا أَعْجَمِيَّةً: أَيْ وَذَلِكَ الرَّجُلُ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَكَاهُ إلَى
стр. 577
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إنَّك امْرُؤٌ فِيك جَاهِلِيَّةٌ، فَقَالَ إنَّهُمْ إخْوَانُكُمْ فَضَّلَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَمَنْ لَمْ يُلَائِمْكُمْ فَبِيعُوهُ وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ» . وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ بِمَعْنَاهُ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا فِيهِ: «هُمْ إخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا يُكَلِّفُهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: «إخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ فِتْيَةً تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِهِ وَلْيُلْبِسْهُ مِنْ لِبَاسِهِ وَلَا يُكَلِّفْهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ» . وَفِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُد: «مَنْ لَاءَمَكُمْ مِنْ مَمَالِيكِكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَمَنْ لَمْ يُلَائِمْكُمْ مِنْهُمْ فَبِيعُوهُ وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ» .
وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ صَحَّحَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: أَرِقَّاؤُكُمْ أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ فَإِنْ جَاءَ بِذَنْبٍ لَا تُرِيدُوا أَنْ تَغْفِرُوهُ فَبِيعُوا عِبَادَ اللَّهِ وَلَا تُعَذِّبُوهُمْ» . وَالتِّرْمِذِيُّ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي الْعَبِيدِ: إنْ أَحْسَنُوا فَاقْبَلُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَاغْفِرُوا، وَإِنْ غَلَبُوكُمْ فَبِيعُوا» .
وَالْأَصْبَهَانِيّ: «الْغَنَمُ بَرَكَةٌ عَلَى أَهْلِهَا، وَالْإِبِلُ عِزٌّ لِأَهْلِهَا، وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ، وَالْعَبْدُ أَخُوك فَأَحْسِنْ إلَيْهِ فَإِنْ رَأَيْته مَغْلُوبًا فَأَعِنْهُ» .
وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَمُسْلِمٌ بِاخْتِصَارٍ «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ وَكِسْوَتُهُ وَلَا يُكَلَّفُ إلَّا مَا يُطِيقُ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ وَلَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ اللَّهِ خَلْقًا أَمْثَالَكُمْ» . وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا: «مَا خَفَّفْت عَنْ خَادِمِك مِنْ عَمَلِهِ كَانَ لَك أَجْرًا فِي مَوَازِينِك» .
وَأَبُو دَاوُد عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: «كَانَ آخِرُ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ: «الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» . وَبِلَفْظٍ: «كَانَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى مَا يَفِيضُ لِسَانُهُ» .
стр. 578
وَمُسْلِمٌ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ تَحْبِسَ عَمَّنْ تَمْلِكُ قُوتَهُمْ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ أَنَّهُ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِخَمْسِ لَيَالٍ قَالَ: «لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إلَّا وَلَهُ خَلِيلٌ مِنْ أُمَّتِهِ وَإِنَّ خَلِيلِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَإِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا أَلَا وَإِنَّ الْأُمَمَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ وَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ. اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ هُنَيْهَةً ثُمَّ قَالَ اللَّهَ اللَّهَ فِيمَا مَلَكْت أَيْمَانُكُمْ أَشْبِعُوا بُطُونَهُمْ وَاكْسُوا ظُهُورَهُمْ وَأَلِينُوا الْقَوْلَ لَهُمْ» .
وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حَسَنٌ صَحِيحٌ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أَعْفُو عَنْ الْخَادِمِ قَالَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» . وَفِي رِوَايَةٍ: سَنَدُهَا جَيِّدٌ: «إنَّ خَادِمِي يُسِيءُ وَيَظْلِمُ أَفَأَضْرِبُهُ؟ قَالَ: تَعْفُو عَنْهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ احْتَجَّ بِرُوَاتِهِ الْبُخَارِيُّ، فَقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ إنَّهُ غَرِيبٌ مَمْنُوعٌ.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَجُلًا قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يَكْذِبُونَنِي وَيَخُونُونَنِي وَيَعْصُونَنِي وَأَشْتُمُهُمْ وَأَضْرِبُهُمْ فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُحْسَبُ مَا خَانُوك وَعَصَوْك وَكَذَبُوك وَعِقَابَك إيَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ عِقَابُك بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًا لَا لَك وَلَا عَلَيْك، وَإِنْ كَانَ عِقَابُك إيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمْ اُقْتُصَّ لَهُمْ مِنْك الْفَضْلُ فَتَنَحَّى الرَّجُلُ وَجَعَلَ يَهْتِفُ وَيَبْكِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ ﵎: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلِهَؤُلَاءِ خَيْرًا مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ أُشْهِدُك أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَحْرَارٌ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «مَنْ ضَرَبَ سَوْطًا ظُلْمًا اُقْتُصَّ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَأَبُو يَعْلَى بِأَسَانِيدَ أَحَدُهَا جَيِّدٌ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي وَكَانَ بِيَدِهِ سِوَاكٌ فَدَعَا وَصِيفَةً لَهُ أَوْ لَهَا حَتَّى اسْتَبَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ وَخَرَجَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إلَى الْحُجُرَاتِ فَوَجَدَتْ الْوَصِيفَةُ وَهِيَ تَلْعَبُ بِبَهِيمَةٍ فَقَالَتْ أَرَاك تَلْعَبِينَ بِهَذِهِ الْبَهِيمَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوك فَقَالَتْ لَا وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا سَمِعْتُك،
стр. 579
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْلَا خَشْيَةُ الْقَوَدِ لَأَوْجَعْتُك بِهَذَا السِّوَاكِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَضَرَبْتُك بِهَذَا السِّوَاكِ» . وَالشَّيْخَانِ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» . وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: «دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إذْ هِيَ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» . زَادَ أَحْمَدُ: «فَوَجَبَتْ لَهَا النَّارُ بِذَلِكَ» . وَخَشَاشُ الْأَرْضِ بِمُعْجَمَاتٍ: حَشَرَاتُهَا وَنَحْوُ عَصَافِيرِهَا مُثَلَّثَةُ الْخَاءِ. وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «دَخَلْت الْجَنَّةَ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْت فِي النَّارِ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ وَرَأَيْت فِيهَا ثَلَاثَةً يُعَذَّبُونَ: امْرَأَةٌ مِنْ حِمْيَرَ طُوَالَةً رَبَطَتْ هِرَّةً لَهَا لَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تُسْقِهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ فَهِيَ تَنْهَشُ قُبُلَهَا وَدُبُرَهَا، وَرَأَيْت فِيهَا أَخَا بَنِي دَعْدَعٍ الَّذِي كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ فَإِذَا فَطِنَ لَهُ قَالَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَاَلَّذِي سَرَقَ بَدَنَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ ذَكَرَ فِيهَا الْكُسُوفَ قَالَ: «وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ فَلَوْلَا أَنِّي دَفَعْتهَا عَنْكُمْ لَغَشِيَتْكُمْ، وَرَأَيْت فِيهَا ثَلَاثَةً يُعَذَّبُونَ امْرَأَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ سَوْدَاءُ طَوِيلَةٌ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا أَوْثَقَتْهَا فَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ وَلَمْ تُطْعِمْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَهِيَ إذَا أَقْبَلَتْ نَهَشَتْهَا وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَهَشَتْهَا» الْحَدِيثَ. الْمِحْجَنُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهُمَا جِيمٌ مَفْتُوحَةٌ: هِيَ عَصًا مَحْنِيَّةُ الرَّأْسِ. وَالْبُخَارِيُّ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَقَالَ: دَنَتْ النَّارُ مِنِّي حَتَّى قُلْت أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ فَإِذَا امْرَأَةٌ حَسِبَتْ أَنَّهُ قَالَ تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ قَالَ مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا» .
وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَالَ فِي الْمُرْسَلِ هُوَ أَصَحُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ» .
تَنْبِيهٌ: عَدُّ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْخَمْسِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لِلسَّيِّدِ، بَلْ أَحَادِيثُ الْإِبَاقِ السَّابِقَةُ تَشْمَلُهُ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ خِدْمَةِ السَّيِّدِ الْوَاجِبَةِ وَالتَّقْصِيرَ فِيهَا كَالْإِبَاقِ فِي الْمَعْنَى، وَسَيَأْتِي فِي أَحَادِيثِ الظُّلْمِ مَا يَشْمَلُهُ، وَعَدُّ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ هُوَ صَرِيحُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْتهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ حَتَّى فِي التَّحْرِيشِ، إذْ هُوَ جُمْلَةُ التَّعْذِيبِ:
стр. 580
وَقَدْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَتْلُ الْهِرِّ الَّذِي لَيْسَ بِمُؤْذٍ عَمْدًا مِنْ الْكَبَائِرِ؛ لِأَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ النَّارَ فِي هِرَّةٍ. الْحَدِيثَ، وَيَلْحَقُ بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا انْتَهَى. وَالْقَتْلُ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ الْإِيذَاءُ الشَّدِيدُ كَالضَّرْبِ الْمُؤْلِمِ كَذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ صَرَّحَ بِأَنَّ تَعْذِيبَ الْحَيَوَانِ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ وَخِصَاءَ الْعَبْدِ وَتَعْذِيبَهُ ظُلْمًا أَوْ بَغْيًا مِنْ الْكَبَائِرِ وَيُقَاسُ بِالْعَبْدِ غَيْرُهُ، نَعَمْ الْحَيَوَانُ الْمَذْكُورُ يَجُوزُ خِصَاءُ صَغِيرِهِ لِمَصْلَحَةِ سَمْنِهِ وَطِيبِ لَحْمِهِ، وَبِأَنَّ سُوءَ الْمَلَكَةِ لِلرَّقِيقِ وَالْبَهَائِمِ مِنْ الْكَبَائِرِ أَيْضًا.
وَلَمَّا فَرَغْت مِنْ هَذَا الْمَبْحَثِ رَأَيْت بَعْضَهُمْ أَطَالَ فِيهِ، فَأَحْبَبْت تَلْخِيصَ مَا زَادَ بِهِ عَلَى مَا قَدَّمْته وَإِنْ كَانَ فِي خِلَالِهِ شَيْءٌ مِمَّا قَدَّمْته.
قَالَ: الْكَبِيرَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ الِاسْتِطَالَةُ عَلَى الضَّعِيفِ وَالْمَمْلُوكِ وَالْجَارِيَةِ وَالزَّوْجَةِ وَالدَّابَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدْ أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] فَالْإِحْسَانُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقَارِبِ بِالْبِرِّ، وَبِالْيَتَامَى بِالرِّفْقِ وَالتَّقْرِيبِ وَمِسْحِ الرَّأْسِ، وَبِالْمَسَاكِينِ بِإِعْطَاءِ الْيَسِيرِ أَوْ الرَّدِّ الْجَمِيلِ، وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى هُوَ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ فَلَهُ حَقُّهَا وَحَقُّ الْجِوَارِ وَالْإِسْلَامِ، وَالْجَارُ الْجُنُبِ هُوَ الْأَجْنَبِيُّ وَلَهُ الْحَقَّانِ الْأَخِيرَانِ، وَالصَّاحِبُ بِالْجَنْبِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: هُوَ الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ فَلَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الصُّحْبَةِ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ: يُرِيدُ الْمَمْلُوكَ يُحْسِنُ رِزْقَهُ وَيَعْفُو عَنْهُ فِيمَا يُخْطِئُ، وَمِنْ ثَمَّ رَفَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَوْطًا عَلَى أَمَةٍ لَهُ زِنْجِيَّةٍ ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا الْقِصَاصُ لَأَغْشَيْتَكِيهِ، وَلَكِنْ سَأَبِيعُك لِمَنْ يُوفِينِي ثَمَنَك اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ.
«وَجَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي قُلْت لِأَمَتِي يَا زَانِيَةُ. قَالَ: وَهَلْ رَأَيْت عَلَيْهَا ذَلِكَ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: أَمَا إنَّهَا سَتُقِيدُ مِنْك يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَرَجَعَتْ الْمَرْأَةُ إلَى جَارِيَتِهَا فَأَعْطَتْهَا سَوْطًا وَقَالَتْ اجْلِدِينِي فَأَبَتْ الْجَارِيَةُ فَأَعْتَقَتْهَا، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ بِعِتْقِهَا فَقَالَ عَسَى» أَيْ عَسَى أَنْ يُكَفِّرَ عِتْقُك إيَّاهَا مَا قَذَفْتهَا بِهِ، وَكَانَ ﷺ يُوصِي بِهِمْ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الدُّنْيَا كَمَا مَرَّتْ أَحَادِيثُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: «وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ مَلَّكَكُمْ إيَّاهُمْ وَلَوْ شَاءَ لَمَلَّكَهُمْ إيَّاكُمْ» .
стр. 581
وَدَخَلَ جَمَاعَةٌ عَلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدَائِنِ فَوَجَدُوهُ يَعْجِنُ عَجِينَ أَهْلِهِ، فَقَالُوا: أَلَا تَتْرُكُ الْجَارِيَةَ تَعْجِنُ؟ فَقَالَ ﵁: إنَّا أَرْسَلْنَاهَا فِي عَمَلٍ فَكَرِهْنَا أَنْ نُجْمِعَ عَلَيْهَا عَمَلًا آخَرَ. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا تَضْرِبْ الْمَمْلُوكَ فِي كُلِّ ذَنْبٍ وَلَكِنْ احْفَظْ لَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا عَصَى اللَّهَ - تَعَالَى - فَاضْرِبْهُ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَذَكِّرْهُ الذُّنُوبَ الَّتِي بَيْنَك وَبَيْنَهُ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الْإِسَاءَةِ عَلَى الْجَارِيَةِ أَوْ الْعَبْدِ أَوْ الدَّابَّةِ أَنْ تُجَوِّعَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ» . وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَضْرِبَ الدَّابَّةَ ضَرْبًا وَجِيعًا أَوْ يَحْبِسَهَا أَوْ لَا يَقُومَ بِكِفَايَتِهَا أَوْ يُحَمِّلَهَا فَوْقَ الطَّاقَةِ. فَقَدْ رُوِيَ فِي تَفْسِيرِ - قَوْله تَعَالَى -: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] قِيلَ أَيْ بَلْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ: «يُؤْتَى بِهِمْ وَالنَّاسُ وُقُوفٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقْضَى بَيْنَهُمْ حَتَّى إنَّهُ يُقْتَصُّ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ حَتَّى يُقَادَ مِنْ الذَّرَّةِ لِلذَّرَّةِ، ثُمَّ يُقَالُ كُونُوا تُرَابًا؛ فَهُنَاكَ يَقُولُ الْكَافِرُ: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] » فَهَذَا مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى الْقِصَاصِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ بَنِي آدَمَ، حَتَّى الْإِنْسَانِ لَوْ ضَرَبَ دَابَّةً بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ جَوَّعَهَا أَوْ عَطَّشَهَا أَوْ كَلَّفَهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا فَإِنَّهَا تَقْتَصُّ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِنَظِيرِ مَا ظَلَمَهَا أَوْ جَوَّعَهَا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ حَدِيثُ الْهِرَّةِ السَّابِقُ بِطُرُقِهِ.
وَفِي الصَّحِيحِ: «أَنَّهُ ﷺ رَأَى الْمَرْأَةَ مُعَلَّقَةً فِي النَّارِ وَالْهِرَّةُ تَخْدِشُهَا فِي وَجْهِهَا وَصَدْرِهَا وَتُعَذِّبُهَا كَمَا عَذَّبَتْهَا فِي الدُّنْيَا بِالْحَبْسِ وَالْجُوعِ» . وَهَذَا عَامٌّ فِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَكَذَلِكَ إذَا حَمَّلَهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا تَقْتَصُّ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ إنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا إنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ، فَهَذِهِ بَقَرَةٌ أَنْطَقَهَا اللَّهُ فِي الدُّنْيَا تُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهَا بِأَنَّهَا لَا تُؤْذَى وَلَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا خُلِقَتْ لَهُ، فَمَنْ كَلَّفَهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا أَوْ ضَرَبَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقْتَصُّ مِنْهُ بِقَدْرِ ضَرْبِهِ وَتَعْذِيبِهِ» .
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: رَكِبْت مَرَّةً حِمَارًا فَضَرَبْته مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَرَفَعَ رَأْسُهُ وَنَظَرَ إلَيَّ وَقَالَ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ هُوَ الْقِصَاصُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَإِنْ شِئْت فَأَقْلِلْ وَإِنْ شِئْت فَأَكْثِرْ، قَالَ فَقُلْت لَا أَضْرِبُهُ شَيْئًا بَعْدَهُ أَبَدًا. وَمَرَّ ابْنُ عُمَرَ ﵄ بِصِبْيَانٍ مِنْ
стр. 582
قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَائِرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِهِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ مَنْ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا أَيْ هَدَفًا يُرْمَى إلَيْهِ. وَنَهَى ﷺ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ: أَيْ أَنْ تُحْبَسَ لِلْقَتْلِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا نُدِبَ قَتْلُهُ كَالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ قُتِلَتْ دُفْعَةً مِنْ غَيْرِ تَعْذِيبٍ لِلْحَدِيثِ: «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» ، وَكَذَا لَا يُحَرِّقُهَا بِالنَّارِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنِّي كُنْت أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا بِالنَّارِ وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إلَّا اللَّهُ فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا» .
«قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتْ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تُرَفْرِفُ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدَيْهَا رُدُّوا عَلَيْهَا وَلَدَيْهَا. وَرَأَى ﷺ قَرْيَةَ نَمْلٍ - أَيْ مَكَانَهُ - قَدْ حَرَّقْنَاهَا. فَقَالَ مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ؟ قُلْنَا نَحْنُ، فَقَالَ ﷺ : إنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ» ، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ حَتَّى فِي النَّمْلِ وَالْبُرْغُوثِ.
стр. 583
[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ] [ الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ قَتْلُ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ الْمَعْصُومِ عَمْدًا أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ]
ِ (الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: قَتْلُ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ الْمَعْصُومِ عَمْدًا أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ٦٨] أَيْ قَتْلَ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَمَا بَعْدَهُ وَمَا قَبْلَهُ ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٩] ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] اخْتَلَفُوا فِي مُتَعَلَّقِ " مِنْ أَجْلِ " وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ " كَتَبْنَا " وَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى قَتْلِ ابْنِ آدَمَ لِأَخِيهِ، وَالْأَجْلُ فِي الْأَصْلِ الْجِنَايَةُ، يُقَالُ أَجَلَ الْأَمْرَ أَجْلًا وَإِجْلًا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا: إذَا جَنَاهُ وَحْدَهُ، فَمَعْنَى فَعَلْته مِنْ أَجَلِك أَوْ لِأَجْلِك: أَيْ بِسَبَبِك لِأَنَّك جَنَيْت فِعْلَهُ وَأَوْجَبْته، وَكَذَا فَعَلْته مِنْ جَرَّاك وَجَرَّائِك: أَيْ مِنْ أَنْ جَرَرْته ثُمَّ صَارَ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى السَّبَبِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «مِنْ جَرَّايَ مِنْ أَجْلِي» وَمِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ: أَيْ نَشَأَ الْكَتْبُ وَابْتُدِئَ مِنْ جِنَايَةِ الْقَتْلِ.
وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ مَا بَعْدَ مِنْ أَجْلِ وَهُوَ كَتْبُ الْقِصَاصِ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ وَمَا قَبْلَهَا وَهُوَ قِصَّةُ قَابِيلَ وَهَابِيلَ مَا قَالَهُ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ أَنَّهُمَا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ لَا وَلَدُ آدَمَ ﷺ لِصُلْبِهِ. وَعَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُمَا وَلَدَاهُ لِصُلْبِهِ، فَالْإِشَارَةُ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ قَتْلِ قَابِيلَ لِهَابِيلَ بَلْ لِمَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِ الْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠] أَيْ حَصَلَ لَهُ خَسَارَةُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] أَيْ حَصَلَ لَهُ أَنْوَاعُ النَّدَمِ وَالْحَسْرَةِ وَالْحُزْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِدَ دَافِعًا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنْهُ وَهَكَذَا كُلُّ قَاتِلٍ ظُلْمًا فَيَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ الْخَسَارُ وَالنَّدَمُ الَّذِي
стр. 584
لَا دَافِعَ لَهُ، وَإِنَّمَا خُصَّ الْكَتْبُ بِبَنِي إسْرَائِيلَ مَعَ أَنَّهُ جَارٍ فِي أَكْثَرِ الْأُمَمِ تَغْلِيظًا عَلَى الْيَهُودِ وَبَيَانًا لِخَسَارِهِمْ الْأَكْبَرِ؛ لِأَنَّهُمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِمَا وَقَعَ لِقَابِيلَ مِنْ الْخَسَارِ وَالنَّدَمِ مَعَ أَنَّ أَخَاهُ الْمَقْتُولَ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا أَقْدَمُوا عَلَى قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ قَسَاوَةِ قُلُوبِهِمْ وَبُعْدِهَا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -.
وَأَيْضًا فَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْقِصَصِ تَسْلِيَةُ نَبِيِّنَا ﷺ عَمَّا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنْ الْعَزْمِ عَلَى الْفَتْكِ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ فَخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِذَلِكَ، ثُمَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢] اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَهُ - تَعَالَى - قَدْ تُعَلَّلُ. وَالْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَهُ - تَعَالَى - مُعَلَّلَةٌ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، فَيَمْتَنِعُ خَلْقُهُ لِلْكُفْرِ وَالْقَبَائِحِ فِيهِمْ وَإِرَادَتُهُ وُقُوعَهَا مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُرَاعِيًا لِمَصَالِحِهِمْ.
وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِاسْتِحَالَةِ تَعْلِيلِ أَحْكَامِهِ - تَعَالَى - بِأَنَّ الْعِلَّةَ إنْ كَانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ قِدَمُ الْمَعْلُولِ أَوْ مُحْدَثَةً لَزِمَ تَعْلِيلُهَا بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَبِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُعَلَّلَةً بِعِلَّةٍ فَوُجُودُ تِلْكَ الْعِلَّةِ وَعَدَمُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - إنْ كَانَ سَوَاءٌ امْتَنَعَ كَوْنُهُ عِلَّةً أَوْ غَيْرَ سَوَاءٍ فَأَحَدُهُمَا بِهِ أَوْلَى، وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُسْتَفِيدًا تِلْكَ الْأَوْلَوِيَّةَ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى الدَّوَاعِي وَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ التَّسَلْسُلِ فِي الدَّوَاعِي بَلَى يَجِبُ انْتِهَاؤُهَا إلَى الدَّاعِيَةِ الْأُولَى الَّتِي حَدَثَتْ فِي الْعَبْدِ لَا مِنْهُ بَلْ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَحِينَئِذٍ فَالْكُلُّ مِنْهُ فَيَمْتَنِعُ تَعْلِيلُ أَحْكَامِهِ - تَعَالَى - وَأَفْعَالُهُ بِرِعَايَةِ الْمَصَالِحِ، فَظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ حِكْمَةُ شَرْعِ هَذَا الْحُكْمِ لَهُمْ: وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧] فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ يَحْسُنُ مِنْ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ لَا يَتَوَقَّفُ خَلْقُهُ وَحُكْمُهُ عَلَى رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ أَلْبَتَّةَ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ فَسَادٍ﴾ [المائدة: ٣٢] هُوَ بِالْجَرِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَطْفًا عَلَى نَفْسٍ: أَيْ أَوْ بِغَيْرِ فَسَادٍ احْتِرَازًا مِنْ الْقَتْلِ لِلْفَسَادِ كَالْقَوَدِ وَالْكُفْرِ وَالزِّنَا بَعْدَ الْإِحْصَانِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ.
وَجُعِلَ قَتْلُ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ كَقَتْلِ جَمِيعِ النَّاسِ مُبَالَغَةً فِي تَعْظِيمِ أَمْرِ الْقَتْلِ الظُّلْمِ وَتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ: أَيْ كَمَا أَنَّ قَتْلَ جَمِيعِ النَّاسِ أَمْرٌ عَظِيمُ الْقُبْحِ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ فَكَذَلِكَ قَتْلُ الْوَاحِدِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، فَالْمُرَادُ مُشَارَكَتُهُمَا فِي أَصْلِ الِاسْتِعْظَامِ لَا فِي قَدْرِهِ، إذْ تَشْبِيهُ أَحَدِ النَّظِيرَيْنِ بِالْآخَرِ لَا يَقْتَضِي مُسَاوَاتَهُمَا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، وَأَيْضًا فَالنَّاسُ لَوْ عَلِمُوا مِنْ إنْسَانٍ أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُمْ جَدُّوا فِي دَفْعِهِ وَقَتْلِهِ، فَكَذَا يَلْزَمُهُمْ إذَا عَلِمُوا مِنْ إنْسَانٍ أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَ آخَرَ ظُلْمًا أَنْ يَجِدُّوا فِي دَفْعِهِ، وَأَيْضًا مَنْ فَعَلَ قَتْلًا ظُلْمًا
стр. 585
رَجَّحَ دَاعِيَةَ الشَّرِّ وَالشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ عَلَى دَاعِيَةِ الطَّاعَةِ، وَمَنْ هُوَ كَذَلِكَ يَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ نَازَعَهُ كُلُّ إنْسَانٍ فِي مَطْلُوبِهِ وَقَدَرَ عَلَى قَتْلِهِ قَتَلَهُ، وَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ فِي الْخَيْرَاتِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ كَمَا وَرَدَ، فَكَذَلِكَ نِيَّتُهُ فِي الشَّرِّ شَرٌّ مِنْ عَمَلِهِ، فَمَنْ قَتَلَ إنْسَانًا ظُلْمًا فَكَأَنَّمَا قَتَلَ جَمِيعَ النَّاسِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ إمَامَ عَدْلٍ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ شَدَّ عَضُدَ أَحَدٍ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً يَصْلَى النَّارَ بِقَتْلِهَا كَمَا يَصْلَاهَا لَوْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا: أَيْ مَنْ سَلِمَ مِنْ قَتْلِهَا فَكَأَنَّمَا سَلِمَ مِنْ قَتْلِ النَّاسِ جَمِيعًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَهَا وَأَعْظَمَ وِزْرَهَا: أَيْ مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا ظُلْمًا فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا فِي الْإِثْمِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ مِنْهُ، وَمَنْ أَحْيَاهَا وَتَوَرَّعَ عَنْ قَتْلِهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا فِي الثَّوَابِ لِسَلَامَتِهِمْ مِنْهُ وَقَالَ الْحَسَنُ: فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، أَيْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْقِصَاصِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَ الْكُلَّ، وَمَنْ أَحْيَاهَا أَيْ عَفَا عَمَّنْ لَهُ عَلَيْهِ قَوَدٌ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.
قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ أَهِيَ لَنَا كَمَا كَانَتْ لِبَنِي إسْرَائِيلَ؟ قَالَ: وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ مَا كَانَتْ دِمَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْ دِمَائِنَا. وَمَنْ أَحْيَا النَّفْسَ بِتَخْلِيصِهَا مِنْ الْمُهْلِكَاتِ كَالْحَرْقِ وَالْغَرَقِ وَالْجُوعِ الْمُفْرِطِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ الْمُفْرِطَيْنِ. وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] .
اعْلَمْ أَنَّ الْقَتْلَ لَهُ أَحْكَامٌ كَالْقَوَدِ وَالدِّيَةِ، وَقَدْ ذُكِرَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي آيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] وَاقْتَصَرَ فِي هَذِهِ الْإِثْمَ وَالْوَعِيدَ اعْتِنَاءً بِشَأْنِهِمَا، وَبَيَانًا لِعَظِيمِ خَطْبِهِمَا، وَمُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ عَنْ سَبَبِهِمَا. وَسَبَبُ نُزُولِهَا «أَنَّ قَيْسَ بْنَ ضَبَابَةَ الْكِنَانِيَّ أَسْلَمَ هُوَ وَأَخُوهُ هِشَامٌ فَوَجَدَ هِشَامًا قَتِيلًا فِي بَنِي النَّجَّارِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي فِهْرٍ إلَى بَنِي النَّجَّارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَكُمْ إنْ عَلِمْتُمْ قَاتِلَ هِشَامِ بْنِ ضَبَابَةَ أَنْ تَدْفَعُوهُ إلَى قَيْسٍ فَيَقْتَصَّ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوهُ أَنْ تَدْفَعُوا إلَيْهِ دِيَتَهُ، فَأَبْلَغَهُمْ الْفِهْرِيُّ ذَلِكَ فَقَالُوا سَمْعًا وَطَاعَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا نَعْلَمُ لَهُ قَاتِلًا وَلَكِنَّا نُؤَدِّي دِيَتَهُ، فَأَعْطَوْهُ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ ثُمَّ انْصَرَفَا رَاجِعَيْنِ إلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتَى الشَّيْطَانُ قَيْسًا يُوَسْوِسُ إلَيْهِ فَقَالَ تَقْبَلُ دِيَةَ أَخِيك فَتَكُونُ عَلَيْك مَسَبَّةٌ اُقْتُلْ الَّذِي مَعَك فَتَكُونُ نَفْسًا مَكَانَ نَفْسٍ، وَتَفْضُلُ الدِّيَةُ، فَقَتَلَ الْفِهْرِيَّ، فَرَمَاهُ
стр. 586
بِصَخْرَةٍ فَشَدَخَهُ، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرًا مِنْهَا وَسَاقَ بَقِيَّتَهَا رَاجِعًا إلَى مَكَّةَ كَافِرًا فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] أَيْ بِكُفْرِهِ وَارْتِدَادِهِ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مِمَّنْ أَمَّنَهُ فَقُتِلَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ» ، ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] وَذَكَرَ - تَعَالَى - الْعَمْدَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالْخَطَأَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ فِي كِتَابِهِ شِبْهَ الْعَمْدِ، فَلِذَا اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي إثْبَاتِهِ؛ فَأَثْبَتَهُ الشَّافِعِيُّ كَالْأَكْثَرِينَ، وَنَفَاهُ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ وَقَالُوا فِيمَنْ قُتِلَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا كَعَضَّةٍ وَلَطْمَةٍ وَضَرْبَةٍ بِسَوْطٍ إنَّهُ عَمْدٌ وَفِيهِ الْقَوَدُ أَيْضًا.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ فِي مَالِ الْجَانِي وَدِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ فَقَالَ جَمْعٌ إنَّهَا عَلَى الْجَانِي وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ. فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ قَاتِلَ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا لَا تَوْبَةَ لَهُ، فَقِيلَ لَهُ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠] فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَتَلُوا وَزَنَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا إنَّ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَاهُ كَفَّارَةً فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠] فَهَذِهِ لِأُولَئِكَ. وَأَمَّا الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فَالرَّجُلُ إذَا عَرَفَ الْإِسْلَامَ وَشَرَائِعَهُ ثُمَّ قَتَلَ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ» .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁: لَمَّا نَزَلَتْ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ: أَيْ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ عَجِبْنَا مِنْ لِينِهَا، فَلَبِثْنَا سَبْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ نَزَلَتْ الْغَلِيظَةُ: أَيْ آيَةُ النِّسَاءِ بَعْدَ اللَّيِّنَةِ فَنُسِخَتْ اللَّيِّنَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آيَةُ الْفُرْقَانِ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ وَهَذِهِ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ، وَذَهَبَ أَهْلُ السُّنَّةِ إلَى قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وَأَجَابُوا عَمَّا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَنْهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةَ وَالزَّجْرَ وَالتَّنْفِيرَ عَنْ الْقَتْلِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَقُولُ بِتَخْلِيدِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ فِي النَّارِ؛ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَاتِلِ كَافِرٍ كَمَا مَرَّ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ لِمَا يَأْتِي فَهِيَ فِيمَنْ قَتَلَ مُسْتَحِلًّا لِلْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ بِالْإِجْمَاعِ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَاسْتِحْلَالُ ذَلِكَ كُفْرٌ كَمَا مَرَّ أَوَائِلَ الْكِتَابِ: قِيلَ
стр. 587
جَاءَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ إلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ فَقَالَ هَلْ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] إلَخْ فَقَالَ لَهُ مِنْ الْعُجْمَةِ أَتَيْت يَا أَبَا عُثْمَانَ، إنَّ الْعَرَبَ لَا تُعِدُّ الْإِخْلَافَ فِي الْوَعِيدِ خَلْفًا وَذَمًّا وَإِنَّمَا تُعِدُّ إخْلَافَ الْوَعْدِ خَلْفًا وَأَنْشَدَ:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْته أَوْ وَعَدْته ... لَمُخْلِفٌ إيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الشِّرْكِ لَا يُوجِبُ التَّخْلِيدَ فِي النَّارِ - قَوْله تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ ﵊ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» الْحَدِيثَ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَنَّهُ ﷺ بَايَعَ أَصْحَابَهُ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقُوا وَلَا يَزْنُوا وَأَشْيَاءَ أُخَرَ، ثُمَّ قَالَ: فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ فَهُوَ إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ» .
قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَسَلَكَ الْأَصْحَابُ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ طُرُقًا كَثِيرَةً وَلَا أَرْتَضِي شَيْئًا مِنْهَا؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ إمَّا تَخْصِيصٌ وَإِمَّا مُعَارَضَةٌ وَإِمَّا إضْمَارٌ، وَاللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَاَلَّذِي أَعْتَمِدُهُ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: إجْمَاعُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي كَافِرٍ قَتَلَ مُؤْمِنًا ثُمَّ ذَكَرَ الْقِصَّةَ. وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] مَعْنَاهُ الِاسْتِقْبَالُ وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ سَيُجْزَى بِجَهَنَّمَ وَهَذَا وَعِيدٌ وَخَلْفُ الْوَعِيدِ كَرَمٌ.
وَضَعَّفَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ أَوَّلَ وَجْهَيْهِ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَبِالْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]- ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢] فَكَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ الْقَطْعِ وَالْجَلْدِ هُوَ السَّرِقَةُ وَالزِّنَا، فَكَذَا هُنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُوجِبَ لِهَذَا الْوَعِيدِ هُوَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ؛ لِأَنَّهُ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ لِلْحُكْمِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِكَوْنِ الْآيَةِ مَخْصُوصَةً بِالْكَافِرِ، وَجْهٌ أَيْضًا، فَالْمُوجِبُ إنْ كَانَ الْكُفْرُ لَمْ يَبْقَ
стр. 588
لِلْقَتْلِ الْعَمْدِ أَثَرٌ أَلْبَتَّةَ فِي هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْقَتْلَ الْعَمْدَ لَزِمَ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ حَصَلَ هَذَا الْوَعِيدُ فَوَجْهُهُ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَأَمَّا وَجْهُهُ الثَّانِي فَهُوَ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوَعِيدَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْخَبَرِ فَإِذَا جَوَّزْنَا الْخَلْفَ فِيهِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَقَدْ جَوَّزْنَا الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَهَذَا خَطَأٌ عَظِيمٌ بَلْ يَقْرَبُ مِنْ الْكُفْرِ لِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ عَلَى أَنَّهُ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنْ الْكَذِبِ. اهـ حَاصِلُ كَلَامِ الرَّازِيِّ.
وَوَجْهُ الْوَاحِدِيِّ الثَّانِي لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ بَلْ سَبَقَهُ إلَيْهِ مَنْ هُوَ أَجَلُّ مِنْهُ كَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ كَمَا مَرَّ عَنْهُ وَغَيْرِهِ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ ذَلِكَ لِيَسْلَمَ قَائِلُوهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ هَذَا الشَّنِيعِ الْعَظِيمِ بِأَنْ يُقَالَ: لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ وُقُوعَ خَلْفٍ فِي الْخَبَرِ إنَّمَا مُرَادُهُمْ أَنَّ التَّقْدِيرَ سَيُجَازِيهِ بِجَهَنَّمَ إنْ لَمْ يَحْلُمْ عَلَيْهِ وَيَغْفِرْ لَهُ أَوْ إنْ لَمْ يَتُبْ أَوْ يُقْتَصَّ مِنْهُ أَوْ يُعْفَ عَنْهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ قَطْعِيُّ الصِّدْقِ، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ بَعْدَهُ فَالسُّنَّةُ قَاضِيَةٌ بِهَا، وَلَيْسَ فِي تَقْرِيرِ الْأَوَّلِ مَا يُخْرِجُ الْآيَةَ عَنْ الْوَعِيدِ، إذْ لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ لَا عَاقَبْتُك عَلَى كَذَا إلَّا إنْ حَلَمْت عَلَيْك أَوْ فَعَلْت مَا يُكَفِّرُ إثْمَك أَوْ يَشْفَعُ فِيك كَانَ وَعِيدًا، ثُمَّ الْخَلْفُ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ إنَّ تِلْكَ التَّقْدِيرَاتِ لَيْسَتْ فِيهَا لَفْظًا وَإِنْ كَانَتْ مُضْمَرَةً فَهُوَ خَلْفٌ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا خَلْفَ فَاسْتَفِدْ ذَلِكَ لِتَعْلَمَ بِهِ الْجَوَابَ عَمَّا شَنَّعَ بِهِ الْإِمَامُ الرَّازِيّ عَلَى قَائِلِي تِلْكَ الْمَقَالَةِ وَمَا أَلْزَمَهُمْ بِهِ مِمَّا لَمْ يَقُولُوهُ وَلَا خَطَرَ بِبَالِهِمْ إلَّا غَايَةُ التَّنْزِيهِ عَنْهُ.
ثُمَّ رَأَيْت الْقَفَّالَ حَكَى فِي تَفْسِيرِهِ وَجْهًا آخَرَ فِي الْجَوَابِ غَيْرَ مَا ذَكَرْته كَمَا يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ فَقَالَ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَزَاءَ الْقَتْلِ هُوَ مَا ذُكِرَ لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا أَنَّهُ - تَعَالَى - يُوصِلُ هَذَا الْجَزَاءَ إلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ جَزَاؤُك أَنْ أَفْعَلَ بِك كَذَا إلَّا أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُ. وَضَعُفَ أَيْضًا بِأَنَّهُ ثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ جَزَاءَ الْقَتْلِ الْعَمْدِ هُوَ مَا ذُكِرَ وَثَبَتَ بِسَائِرِ الْآيَاتِ أَنَّهُ - تَعَالَى - يُوصِلُ الْجَزَاءَ إلَى الْمُسْتَحِقِّينَ. قَالَ - تَعَالَى -: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] وَيَرُدُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ - قَوْله تَعَالَى -: ﴿يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وَقَوْلُهُ: ﴿يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] مَا لَمْ يَقَعْ عَفْوٌ بِدَلِيلِ ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَجَزَاءُ الشَّرْطِ فِي " يُجْزَ " وَ " يَرَهُ " الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ هَذَا مُتَرَتِّبٌ عَلَى شَرْطِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّرَتُّبِ الْوُقُوعُ، وَكَذَا فِي الْآيَةِ الْمُرَادُ فَجَزَاؤُهُ
стр. 589
جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا مُتَرَتِّبًا عَلَى الْقَتْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّرَتُّبِ الْوُقُوعُ أَلَا تَرَى أَنَّك لَوْ قُلْت: إنْ جِئْتنِي أَكْرَمْتُك لَمْ تَكُنْ مَرِيدًا بِهِ إلَّا أَنَّ الْإِكْرَامَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْمَجِيءِ فَإِذَا حَصَلَ الْمَجِيءُ فَقَدْ يَقَعُ الْإِكْرَامُ وَقَدْ لَا، وَهَذَا لِكَوْنِهِ قَرِيبًا مِمَّا أَجَبْت بِهِ أَيْضًا أَوَّلًا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنْ مَقَالَةِ الْوَاحِدِيِّ وَغَيْرِهِ السَّابِقَةِ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْخَلْفِ أَنَّ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ قَدْ يَحْصُلُ إنْ لَمْ يَقَعْ عَفْوٌ وَنَحْوُهُ، وَقَدْ لَا إنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْخَلْفِ بِهَذَا الْمَعْنَى خَلْفٌ فِي الْخَبَرِ، وَلَا يُوهِمُ دُخُولَ الْخَلْفِ فِي خَبَرِ اللَّهِ - تَعَالَى -.
ثُمَّ رَأَيْت الْفَخْرَ الرَّازِيَّ أَجَابَ بِمَا يَرْجِعُ لِمَا ذَكَرْته أَوَّلًا وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَخْصُوصَةٌ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ غَيْرَ عُدْوَانٍ كَالْقِصَاصِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ فِيهِ هَذَا الْوَعِيدُ أَلْبَتَّةَ. وَالثَّانِي: الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ إذَا تَابَ مِنْهُ لَا يَحْصُلُ فِيهِ هَذَا الْوَعِيدُ وَإِذَا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَيَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ فِيمَا إذَا حَصَلَ الْعَفْوُ عَنْهُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . فَإِنْ قُلْت: مَا ذَكَرُوهُ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ وَهُوَ أَنَّ الْقَاتِلَ هَلْ لَهُ تَوْبَةٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَمْ لَا؟ فَكَيْفَ صَحَّ لَهُ الْجَوَابُ بِذَلِكَ؟ قُلْت: لِأَنَّ السُّنَّةَ لَمَّا صَرَّحَتْ بِذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى الْمُخَالِفِينَ فِي ذَلِكَ لِضَعْفِ شُبْهَتِهِمْ وَسَفْسَافِ طَرِيقَتِهِمْ.
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ - أَيْ الْمُهْلِكَاتِ - قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» . وَأَخْرَجَا أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَبَائِرَ فَقَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ» . الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَا أَيْضًا عَنْ «ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ
стр. 590
الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى -؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك قُلْت: إنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَك، قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِك» .
وَالْبُخَارِيُّ: «الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» . وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا: «أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْكَبَائِرِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُسْلِمَةِ وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ» . وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ فِيهِ مُخْتَلَفٌ فِي تَوْثِيقِهِ: «الْكَبَائِرُ أَوَّلُهُنَّ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَأَكْلُ الرِّبَا» الْحَدِيثَ. وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ: «اجْتَنِبُوا الْكَبَائِرَ السَّبْعَ: الشِّرْكَ بِاَللَّهِ وَقَتْلَ النَّفْسِ وَالْفِرَارَ مِنْ الزَّحْفِ» الْحَدِيثَ. وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ «أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ الْكَبَائِرَ: عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ وَالشِّرْكَ بِاَللَّهِ وَقَتْلَ النَّفْسِ وَقَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ» الْحَدِيثَ. وَالطَّبَرَانِيُّ: «الْكَبَائِرُ سَبْعٌ: الْإِشْرَاكُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ» الْحَدِيثَ.
وَفِي كِتَابِهِ ﷺ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ: «وَإِنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ الْحَقِّ» الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» . قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَاوِيهِ: مِنْ وَرْطَاتِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكُ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ وَهِيَ جَمْعُ وَرْطَةٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ: الْهَلَكَةُ وَكُلُّ أَمْرٍ يَعْسُرُ النَّجَاةُ مِنْهُ. وَابْنُ حِبَّانَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» . زَادَ الْبَيْهَقِيُّ وَالْأَصْبَهَانِيّ: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَدْخَلَهُمْ النَّارَ» . وَالْبَيْهَقِيُّ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا جَمِيعًا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ دَمٍ سُفِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ» . وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» .
стр. 591
وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: «قَتْلُ مُؤْمِنٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا» .
وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ: مَا أَطْيَبَك وَمَا أَطْيَبَ رِيحَك، مَا أَعْظَمَك وَمَا أَعْظَمَ حُرْمَتَك، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَتِك مَالِهِ وَدَمِهِ» .
وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ» . وَالْبَيْهَقِيُّ: «قُتِلَ بِالْمَدِينَةِ قَتِيلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُعْلَمْ مَنْ قَتَلَهُ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ يُقْتَلُ قَتِيلٌ وَأَنَا فِيكُمْ وَلَا يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ، لَوْ اجْتَمَعَ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَلَى قَتْلِ امْرِئٍ مُؤْمِنٍ لَعَذَّبَهُمْ اللَّهُ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ» . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ اجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ لَكَبَّهُمْ اللَّهُ جَمِيعًا عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ» .
وَابْنُ مَاجَهْ وَالْأَصْبَهَانِيّ: «مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ وَلَوْ شَطْرَ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» . زَادَ الْأَصْبَهَانِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ هُوَ أَنْ يَقُولَ: اُقْ، يَعْنِي لَا يُتِمُّ كَلِمَةَ اُقْتُلْ. وَالْبَيْهَقِيُّ: «مَنْ أَعَانَ عَلَى دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ كُتِبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ مِلْءُ كَفٍّ مِنْ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُهْرِيقَهُ كَمَا يَذْبَحُ دَجَاجَةً كُلَّمَا تَعَرَّضَ لِبَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ حَالَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يَجْعَلَ فِي بَطْنِهِ إلَّا طَيِّبًا فَإِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنْ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ» . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا هَكَذَا وَمَوْقُوفًا، وَقَالَ الصَّحِيحُ وَقْفُهُ أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ إذْ مِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ. وَالشَّيْخَانِ: «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ» .
وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ» . وَالنَّسَائِيُّ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ» ، وَلَا
стр. 592
يُنَافِي مَا قَبْلَهُ لِأَنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الصَّلَاةُ لِأَنَّهَا آكَدُ حُقُوقِهِ، وَأَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْقَتْلُ لِأَنَّهُ أَشَدُّ حُقُوقِهِمْ. وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إلَّا الرَّجُلَ يَمُوتُ كَافِرًا أَوْ الرَّجُلَ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ رُوَاةُ الصَّحِيحِ: «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ سَأَلَهُ سَائِلٌ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ هَلْ لِلْقَاتِلِ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَالْمُتَعَجِّبِ مِنْ شَأْنِهِ: مَاذَا تَقُولُ؟ فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَسْأَلَتَهُ فَقَالَ: مَاذَا تَقُولُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْت نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: يَأْتِي الْمَقْتُولُ مُعَلَّقًا رَأْسُهُ بِإِحْدَى يَدَيْهِ مُتَلَبِّبًا قَاتِلَهُ بِالْيَدِ الْأُخْرَى تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْعَرْشَ فَيَقُولُ الْمَقْتُولُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ: هَذَا قَتَلَنِي فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَاتِلِ: تَعِسْت وَيُذْهَبُ بِهِ إلَى النَّارِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «يَجِيءُ الْمَقْتُولُ آخِذًا قَاتِلَهُ وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمًا عِنْدَ ذِي الْعِزَّةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي فَيَقُولُ اللَّهُ : فِيمَ قَتَلْته؟ قَالَ قَتَلْته لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لِفُلَانٍ، قِيلَ هِيَ لِلَّهِ» .
وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «إذَا أَصْبَحَ إبْلِيسُ بَثَّ جُنُودَهُ فَيَقُولُ: مَنْ خَذَلَ الْيَوْمَ مُسْلِمًا أُلْبِسُهُ التَّاجَ قَالَ فَيَجِيءُ هَذَا فَيَقُولُ لَمْ أَزَلِ بِهِ حَتَّى طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَيَقُولُ يُوشِكُ أَنْ يَتَزَوَّجَ؛ وَيَجِيءُ هَذَا فَيَقُولُ لَمْ أَزَلِ بِهِ حَتَّى عَقَّ وَالِدَيْهِ، فَيَقُولُ يُوشِكُ أَنْ يَبَرَّهُمَا؛ وَيَجِيءُ هَذَا فَيَقُولُ لَمْ أَزَلِ بِهِ حَتَّى أَشْرَكَ فَيَقُولُ أَنْتَ أَنْتَ؛ وَيَجِيءُ هَذَا فَيَقُولُ لَمْ أَزَلِ بِهِ حَتَّى قَتَلَ نَفْسًا فَيَقُولُ أَنْتَ أَنْتَ وَيُلْبِسُهُ التَّاجَ» . وَأَبُو دَاوُد: «مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا فَاغْتَبَطَ بِقَتْلِهِ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» ، أَيْ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْغَسَّانِيِّ أَنَّ مَعْنَى اغْتَبَطَ بِقَتْلِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ فِي الْفِتْنَةِ ظَانًّا أَنَّهُ عَلَى هُدًى فَلَا يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
وَأَحْمَدُ: «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنْ النَّارِ يَتَكَلَّمُ يَقُولُ وُكِّلْت الْيَوْمَ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَيَنْطَوِي عَلَيْهِمْ فَيَقْذِفُهُمْ فِي جَمْرِ جَهَنَّمَ» . وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحَدُهُمَا صَحِيحٌ: «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنْ النَّارِ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ فَيَقُولُ إنِّي أُمِرْت بِمَنْ جَعَلَ مَعَ
стр. 593
اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَبِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَبِمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ قَبْلَ سَائِرِ النَّاسِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ» . وَالْبُخَارِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ» - أَيْ بِفَتْحِ الرَّاءِ لَمْ يَجِدْ وَلَمْ يَشُمَّ - «رَائِحَةَ الْجَنَّةِ - وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ» . وَأَبُو دَاوُد: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا فِي غَيْرِ كُنْهِهِ أَيْ وَقْتِهِ الَّذِي يَجُوزُ قَتْلُهُ فِيهِ حِينَ لَا عَهْدَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» . زَادَ النَّسَائِيُّ «أَنْ يَشُمَّ رِيحَهَا» . وَالنَّسَائِيُّ: «مَنْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً بِغَيْرِ حَقِّهَا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ» ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ أَرْبَعِينَ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةِ أَلْفٍ فِي رِوَايَةٍ مَرَّتْ بِاخْتِلَافِ وُجْدَانِ رِيحِهَا بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَمَرَاتِبِهِمْ. وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: «أَلَا مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً لَهَا ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ فَقَدْ أَخْفَرَ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا»
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي قَتْلِ مُعَاهَدٍ وَهُوَ الْكَافِرُ الْمُؤَمَّنُ إلَى مُدَّةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَمَا ظَنُّك بِقَاتِلِ الْمُسْلِمِ؟ .
تَنْبِيهٌ:
عَدُّ هَذَا هُوَ مَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ كَمَا عَلِمْت، وَمِنْ ثَمَّ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّ أَكْبَرَهَا بَعْدَ الشِّرْكِ الْقَتْلُ. وَقِيلَ الزِّنَا. وَمَا ذَكَرْته مِنْ عَدِّ شِبْهِ الْعَمْدِ هُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْهَرَوِيُّ وَشُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ، وَعِبَارَةُ الْأَوَّلِ وَتَبِعَهُ الثَّانِي: وَحَدُّ الْكَبِيرَةِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا مَا يُوجِبُ حَدًّا أَوْ قَتْلًا أَوْ قُدْرَةً مِنْ الْفِعْلِ وَالْعُقُوبَةُ سَاقِطَةٌ لِلشُّبْهَةِ وَهُوَ عَامِدٌ. ثُمَّ قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ: قَوْلُهُ أَوْ قَتْلًا يَعْنِي قَتْلَ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى حَدًّا إلَّا قَتْلَ قَاطِعِ الطَّرِيقِ فَإِنَّ فِي الْمُغَلَّبِ فِيهِ خِلَافًا، هَلْ هُوَ مَعْنَى الْقِصَاصِ أَوْ مَعْنَى الْحَدِّ، وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِحَسْبِ مَا يُقَوِّي النَّظَرَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ أَوْ قُدْرَةً إلَخْ يُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ يَدْخُلُ الْفِعْلُ فِيهِ بِحَسَبِ اسْمِ الْكَبِيرَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْفِعْلِ بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ بِاخْتِيَارِهِ.
وَكَذَلِكَ مَا سَقَطَ الْقِصَاصُ فِيهِ لِلشُّبْهَةِ كَبِيرَةٌ، وَإِنَّمَا سَقَطَ
стр. 594
الْقِصَاصُ لِمَانِعٍ. وَقَدْ قَالَ الْهَرَوِيُّ قَبْلَ ذَلِكَ: يُشْتَرَطُ فِي الْعَدْلِ أَنْ لَا يَقْتَرِفَ الْكَبَائِرَ الْمُوجِبَاتِ لِلْحُدُودِ مِثْلَ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَقَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ قُدْرَةً مِنْ الْفِعْلِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ فِيهَا لِشُبْهَةٍ أَوْ عَدَمِ حِرْزٍ وَالْقَتْلَ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ حَقٍّ أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ. وَقَدْ أَشَارَ الرَّافِعِيُّ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: يُوجِبُ جِنْسُهَا حَدًّا مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ ﷺ : «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» : هَذَا إنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَتَقَاتَلَا بِتَأْوِيلٍ بَلْ بِعَدَاوَةٍ أَوْ عُصْبَةٍ أَوْ طَلَبِ دُنْيَا أَوْ نَحْوِهَا؛ فَأَمَّا مَنْ قَاتَلَ أَهْلَ الْبَغْيِ بِالصِّفَةِ الَّتِي يَجِبُ قِتَالُهُمْ عَلَيْهَا فَقَتَلَ أَوْ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَحَرِيمِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْقِتَالِ لِلذَّبِّ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرُ قَاصِدٍ بِهِ قَتْلَ صَاحِبِهِ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: «إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» .
وَمَنْ قَاتَلَ بَاغِيًا أَوْ قَاطِعَ طَرِيقٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يَحْرِصُ عَلَى قَتْلِهِ إنَّمَا يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنْ انْتَهَى صَاحِبُهُ كَفَّ عَنْهُ وَلَمْ يَتْبَعْهُ، فَالْحَدِيثُ لَمْ يَرِدْ فِي أَهْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَدْخُلُونَ فِيهِ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّهُمْ الْمُرَادُونَ مِنْهُ.
[الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ قَتْلُ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ]
(الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: قَتْلُ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠] أَيْ لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَإِنَّمَا قَالَ أَنْفُسَكُمْ لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْمُؤْمِنُونَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ» ؛ وَلِأَنَّ الْعَرَبَ يَقُولُونَ: قُتِلْنَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ إذَا قُتِلَ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ قَتْلَ بَعْضِهِمْ يَجْرِي مَجْرَى قَتْلِهِمْ؛ أَوْ الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ حَقِيقَةً وَهُوَ الظَّاهِرُ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْقُولَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْأَكْثَرِينَ، ثُمَّ رَأَيْت مَا يُصَرِّحُ بِالثَّانِي وَهُوَ أَنَّ «عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ﵁ احْتَلَمَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَخَافَ الْهَلَاكَ مِنْ الْبَرْدِ إنْ اغْتَسَلَ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الصُّبْحَ ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: صَلَّيْت بِأَصْحَابِك وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرَهُ بِعُذْرِهِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ وَقَالَ: إنِّي سَمِعْت اللَّهَ يَقُول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» ، فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ عَمْرًا تَأَوَّلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَتْلَ نَفْسِهِ لَا نَفْسِ غَيْرِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ ﷺ . قِيلَ: الْمُؤْمِنُ مَعَ إيمَانِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْهَى عَنْ قَتْلِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ مَلْجَأٌ إلَى أَنْ لَا يَقْتُلَهَا
стр. 595
لِوُجُودِ الصَّارِفِ وَهُوَ شِدَّةُ الْأَلَمِ وَعِظَمُ الذَّمِّ، فَحِينَئِذٍ لَا فَائِدَةَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ.
وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا النَّهْيُ فِيمَنْ يَعْتَقِدُ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ مَا يَعْتَقِدُهُ أَهْلُ الْهِنْدِ وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى فِي الْمُؤْمِنِ، وَجَوَابُهُ مَنْعُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْإِلْجَاءِ بَلْ الْمُؤْمِنُ مَعَ إيمَانِهِ وَعِلْمِهِ بِقُبْحِ ذَلِكَ وَعِظَمِ أَلَمِهِ قَدْ يَلْحَقُهُ مِنْ الْغَمِّ وَالْأَذِيَّةِ مَا يُسَهِّلُ قَتْلَهُ نَفْسَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَلِذَلِكَ تَرَى كَثِيرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُونَ نُفُوسَهُمْ. أَوْ الْمُرَادُ لَا تَفْعَلُوا مَا يُوجِبُ الْقَتْلَ كَالزِّنَا بَعْدَ الْإِحْصَانِ وَالرِّدَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ - تَعَالَى - أَنَّهُ رَحِيمٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَلِأَجْلِ رَحْمَتِهِ نَهَاهُمْ عَنْ كُلِّ مَا يَلْحَقُهُمْ بِهِ مَشَقَّةٌ أَوْ مِحْنَةٌ وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ بِالتَّكَالِيفِ وَالْآصَارِ الَّتِي كَلَّفَ بِهَا مَنْ قَبْلَهُمْ، فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِقَتْلِهِمْ نُفُوسَهُمْ إنْ عَصَوْهُ تَوْبَةً لَهُمْ كَمَا فَعَلَ بِبَنِي إسْرَائِيلَ حَيْثُ أَمَرَهُمْ بِقَتْلِ نُفُوسِهِمْ فِي التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ ﵎: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤] فَفَعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ نَحْوُ سَبْعِينَ أَلْفًا.
وَالْإِشَارَةُ فِي " وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ " إلَى قَتْلِ النَّفْسِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ هَذَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ، وَقِيلَ: يَعُودُ إلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ أَيْضًا لِذِكْرِهِمَا فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعُودُ إلَى كُلِّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: يَعُودُ إلَى كُلِّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ قُرِنَ بِهَا وَعِيدٌ، بَلْ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] إلَى هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا وَعِيدَ بَعْدَهُ إلَّا هَذَا، وَقُيِّدَ الْوَعِيدُ بِذِكْرِ الْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ؛ لِيَخْرُجَ مِنْهُ فِعْلُ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ، وَالْجَهْلُ الْمَعْذُورُ بِهِ مَعَ تَقَارُبِ مَعْنَاهُمَا لِاخْتِلَافِ لَفْظِهِمَا كَبُعْدًا وَسُحْقًا، وَكَقَوْلِ يَعْقُوبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى بَنِيهِ وَآبَائِهِ وَسَلَّمَ - (: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا
وَالْعُدْوَانُ بِالضَّمِّ وَقُرِئَ بِالْكَسْرِ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ. وَالظُّلْمُ: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. وَنُصْلِيهِ نَارًا: نُدْخِلُهُ إيَّاهَا وَنَمَسُّهُ حَرَّهَا. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ أُصْلِي، وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا مِنْ صَلِيته وَبِالنُّونِ لِلتَّعْظِيمِ، وَقُرِئَ بِالْيَاءِ أَيْ اللَّهُ، وَتَنْكِيرُ نَارًا لِلتَّعْظِيمِ، وَيَسِيرًا أَيْ هَيِّنًا.
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهَا خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا
стр. 596
أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» . وَتَرَدَّى: أَيْ رَمَى نَفْسَهُ مِنْ عَالٍ كَجَبَلٍ فَهَلَكَ. وَيَتَوَجَّأُ بِالْهَمْزِ. أَيْ يَضْرِبُ بِهَا نَفْسَهُ.
وَالْبُخَارِيُّ: «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَاَلَّذِي يَطْعَنُ نَفْسَهُ يَطْعَنُهَا فِي النَّارِ، وَاَلَّذِي يَقْتَحِمُ يَقْتَحِمُ فِي النَّارِ» . وَالشَّيْخَانِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا مِنْهُ حَدِيثًا وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ بِهِ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللَّهُ: بِدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ فَحَرَّمْت عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ» . وَلَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ: «إنَّ رَجُلًا كَانَ مِمَّنْ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِوَجْهِهِ قُرْحَةٌ، فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ - أَيْ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَعْبَةُ النُّشَّابِ - فَنَكَأَهَا - بِالْهَمْزِ: أَيْ نَخَسَهَا وَفَجَّرَهَا - فَلَمْ يَرْقَأْ الدَّمُ - أَيْ يَسْكُنُ - حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَبُّكُمْ: قَدْ حَرَّمَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ «أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ بِهِ جِرَاحَةٌ فَأَتَى قَرَنًا لَهُ - أَيْ بِفَتْحَتَيْنِ جَعْبَةُ النُّشَّابِ - فَأَخَذَ مِشْقَصًا - أَيْ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ لِلْمُعْجَمَةِ فَفَتْحِ الْقَافِ سَهْمٌ فِيهِ نَصْلٌ عَرِيضٌ - فَذَبَحَ بِهِ نَفْسَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ » .
وَالشَّيْخَانِ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةِ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: «لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَاعِنُ الْمُؤْمِنِ كَقَاتِلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَاتِلِهِ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عَذَّبَهُ اللَّهُ بِمَا قَتَلَ بِهِ نَفْسَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَالشَّيْخَانِ «أَنَّهُ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ إلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً -
стр. 597
أَيْ وَهُمَا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فِيهِمَا مَا انْفَرَدَ عَنْ إلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا إنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «فَقَالُوا: أَيُّنَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إنْ كَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ؛ فَوَضَعَ سَيْفَهُ بِالْأَرْضِ وَذُبَابُهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْت آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْت: أَنَا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْت فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» .
تَنْبِيهٌ: عَدُّ ذَلِكَ هُوَ صَرِيحُ الْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي بَعْدَهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ وَفِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْوَعِيدِ قَتْلُ الْمُهْدَرِ لِنَفْسِهِ: كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ الْمُتَحَتِّمِ قَتْلُهُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ وَإِنْ أُهْدِرَ دَمُهُ لَا يُبَاحُ لَهُ هُوَ إرَاقَتُهُ، بَلْ لَوْ أَرَاقَهُ لَا يَكُونُ كَفَّارَةً لَهُ لِأَنَّهُ ﷺ إنَّمَا حُكِمَ بِالْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ عُوقِبَ بِذَنْبِهِ، وَأَمَّا مَنْ عَاقَبَ نَفْسَهُ فَهُوَ لَيْسَ فِي مَعْنَى مَنْ عُوقِبَ. .
[الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ وَالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ الْإِعَانَةُ عَلَى الْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ]
(الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ وَالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: الْإِعَانَةُ عَلَى الْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ وَحُضُورُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى دَفْعِهِ فَلَمْ يَدْفَعْهُ) أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَالْأَصْبَهَانِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» ، وَمَرَّ هَذَا الْحَدِيثُ قَرِيبًا مَعَ بَيَانِ مَعْنَاهُ.
وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «لَا يَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ مَوْقِفًا يُقْتَلُ فِيهِ رَجُلٌ ظُلْمًا فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ حِينَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: «مَنْ جَرَحَ ظَهْرَ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى إلَّا بِحَقِّهِ» .
стр. 598
وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إلَّا ابْنَ لَهِيعَةَ: «لَا يَشْهَدُ أَحَدُكُمْ قَتِيلًا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا فَتُصِيبُهُ السَّخْطَةُ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدِ رِجَالِهِ كَذَلِكَ: «لَا يَشْهَدُ أَحَدُكُمْ قَتِيلًا فَعَسَى أَنْ يُقْتَلَ مَظْلُومًا فَتَنْزِلَ السَّخْطَةُ عَلَيْهِمْ فَتُصِيبَهُ مَعَهُمْ» .
تَنْبِيهٌ: عَدُّ الْأُولَى مِنْ هَذَيْنِ هُوَ صَرِيحُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِيَةِ هُوَ صَرِيحُ الْحَدِيثِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْت الْحَلِيمِيَّ ذَكَرَ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَقَالَ: " إذَا دَلَّ عَلَى مَطْلُوبٍ لِيُقْتَلَ ظُلْمًا أَوْ أَحْضَرَ لِمُرِيدِ الْقَتْلِ سِكِّينًا فَهَذَا كُلُّهُ مُحَرَّمٌ لِدُخُولِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] لَكِنَّهَا صَغَائِرُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا لَيْسَ لِأَنْفُسِهَا بَلْ لِكَوْنِهَا ذَرَائِعَ إلَى التَّمْكِينِ مِنْ ظُلْمِهِ فَأَكْثَرُ مَا فِي إعَانَةِ الْقَاتِلِ بِهَا أَنَّ الْمُعِينَ يَصِيرُ مُشَارِكًا لَهُ فِي الْقَصْدِ، وَالْقَصْدُ إذَا خَلَا عَنْ الْفِعْلِ لَا يَكُونُ كَبِيرَةً وَكَذَلِكَ سُؤَالُ الرَّجُلِ غَيْرَهُ الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ أَنْ يَقْتُلَ آخَرَ لَيْسَ مِنْ الْكَبَائِرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا إرَادَةُ هَلَاكِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِعْلٌ انْتَهَى. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اصْطِلَاحِهِ الْغَرِيبِ الْآتِي عَلَى الْأَثَرِ، وَالْمُوَافِقِ لِكَلَامِهِمْ وَالْأَحَادِيثِ مَا ذَكَرْته، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ أَوَّلَهَا ضَعِيفٌ وَهُوَ: «مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ» ، إلَخْ. ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ اعْتَرَضَ الْحَلِيمِيَّ فَقَالَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْقَتْلِ مِنْ الصَّغَائِرِ مُشْكِلٌ لَا يَسْمَحُ الْأَصْحَابُ بِمُوَافَقَتِهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَدُّوا مِنْ الْكَبَائِرِ السِّعَايَةَ إلَى السُّلْطَانِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى قَتْلِ الْمَعْصُومِ ظُلْمًا أَقْبَحُهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: «مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي سُؤَالِ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ فِيهِ نَظَرٌ سِيَّمَا إذَا عُلِمَ أَوْ ظُنَّ أَنَّهُ يُطِيعُهُ وَيُبَادِرُ إلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ. انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَالْوَجْهُ بَلْ الصَّوَابُ مَا ذَكَرْته.
[الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ ضَرْبُ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ بِغَيْرِ مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ]
(الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: ضَرْبُ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ بِغَيْرِ مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ) أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ جَرَحَ ظَهْرَ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، وَرُوِيَ أَيْضًا: «ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى إلَّا بِحَقِّهِ» . وَمُسْلِمٌ: «إنَّ اللَّهَ يُعَذَّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا» . وَفِي رِوَايَةٍ: «الَّذِينَ يَقْذِفُونَ النَّاسَ» وَالْأُولَى أَعَمُّ.
стр. 599
وَرُوِيَ: «وَلَا يَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ مَوْقِفًا يُضْرَبُ فِيهِ رَجُلٌ ظُلْمًا فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ حِينَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي فِيهِ لَكِنَّهُمَا قَيَّدَاهُ بِالْمُسْلِمِ، وَاعْتَرَضَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ بِأَنَّ الْوَجْهَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذِّمِّيِّ. وَعِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ فِي تَوَسُّطِهِ فِي التَّقْيِيدِ بِالْمُسْلِمِ نَظَرٌ وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمَضْرُوبُ ذَا رَحِمٍ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ لَهُ ذِمَّةٌ أَوْ عَهْدٌ مُعْتَبَرٌ، وَأَطْلَقَ الْحَلِيمِيُّ أَنَّ الْخَدْشَةَ وَالضَّرْبَةَ وَالضَّرْبَتَيْنِ مِنْ الصَّغَائِرِ. وَقَدْ يُفْصَلُ بَيْنَ مَضْرُوبٍ وَمَضْرُوبٍ مِنْ حَيْثُ الْقُوَّةِ وَضِدِّهَا، وَمِنْ حَيْثُ الشَّرَفِ وَالدَّنَاءَةِ انْتَهَتْ. وَقَالَ فِي الْخَادِمِ بَعْدَ إيرَادِ كَلَامِ الْحَلِيمِيِّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْعُدَّةِ: أَيْ الْمُطْلَقُ لِكَوْنِ الضَّرْبِ كَبِيرَةً وَأَقَرَّهُ الشَّيْخَانِ عَلَى الزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمُسْلِمِ لَا مَفْهُومَ لَهُ فَالذِّمِّيُّ كَذَلِكَ انْتَهَى، وَمَا ذُكِرَ عَنْ الْحَلِيمِيِّ هُوَ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلَ كَلَامِهِ فِي مِنْهَاجِهِ، وَذَكَرَهُ فِي آخِرِهِ عَلَى وَجْهٍ أَشْكَلَ مِنْ الْأَوَّلِ فَقَالَ: وَإِنْ تَرَكَ الْقَتْلَ إلَى شَيْءٍ دُونَهُ مِنْ إيلَامٍ بِضَرْبٍ غَيْرِ مُنْتَهِكٍ أَوْ جُرْحٍ لَا يُنْقِصُ مِنْ الْمَجْرُوحِ عُضْوًا وَلَا يُعَطِّلُ عَلَيْهِ مِنْ مَنَافِعِ بَدَنِهِ مَنْفَعَةً لَمْ يَكُنْ كَبِيرَةً، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَبٍ أَوْ أُمٍّ أَوْ ذِي رَحِمٍ أَوْ فَعَلَهُ فِي حَرَمٍ أَوْ شَهْرٍ حَرَامٍ أَوْ اسْتِضْعَافًا لِمُسْلِمٍ أَوْ اسْتِعْلَاءً عَلَيْهِ فَذَلِكَ كَبِيرَةٌ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَسَّسَهُ قَبْلُ وَاخْتَارَهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَاحِشَةِ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ، وَأَنَّهُ مَا مِنْ ذَنْبٍ إلَّا وَفِيهِ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ، وَقَدْ تَنْقَلِبُ الصَّغِيرَةُ كَبِيرَةً بِقَرِينَةٍ تُضَمُّ إلَيْهَا وَالْكَبِيرَةُ فَاحِشَةٌ بِذَلِكَ إلَّا الْكُفْرَ فَإِنَّهُ أَفْحَشُ الْكَبَائِرِ وَلَيْسَ مِنْ نَوْعِهِ صَغِيرَةٌ، ثُمَّ ذَكَرَ لِذَلِكَ أَمْثِلَةً مِنْهَا الْقَتْلُ كَبِيرَةٌ وَلِنَحْوِ رَحِمٍ فَاحِشَةٌ وَمَا دُونَهُ بِقَيْدِهِ الَّذِي قَدَّمْته عَنْهُ صَغِيرَةٌ وَهَذَا اصْطِلَاحٌ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَالشَّيْخَانِ وَالْمُتَأَخِّرُونَ، فَالْوَجْهُ أَنَّ ضَرْبَ الْمَعْصُومِ وَنَحْوِهِ الْمُؤْذِيَ إيذَاءٌ لَهُ وَقَعَ كَبِيرَةً. ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ ذَكَرَ مَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته حَيْثُ اعْتَرَضَ الْحَلِيمِيُّ فَقَالَ: الْخَدْشَةُ وَالضَّرْبَةُ إذَا عَظُمَ أَلَمُهُمَا أَوْ كَانَ إحْدَاهُمَا لِوَالِدٍ أَوْ وَلِيٍّ يَنْبَغِي أَنْ تُلْحَقَا بِالْكَبَائِرِ.
[الْكَبِيرَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ وَالتَّاسِعَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ تَرْوِيعُ الْمُسْلِمِ وَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ بِسِلَاحٍ أَوْ نَحْوِهِ]
(الْكَبِيرَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ وَالتَّاسِعَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: تَرْوِيعُ الْمُسْلِمِ وَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ بِسِلَاحٍ أَوْ نَحْوِهِ) أَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁:
стр. 600
«أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ نَعْلَ رَجُلٍ فَغَيَّبَهَا وَهُوَ يَمْزَحُ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُرَوِّعُوا الْمُسْلِمَ فَإِنَّ رَوْعَةَ الْمُسْلِمِ ظُلْمٌ عَظِيمٌ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «مَنْ أَخَافَ مُؤْمِنًا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُؤَمِّنَهُ مِنْ أَفْزَاعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ: «مَنْ نَظَرَ إلَى مُسْلِمٍ نَظْرَةً يُخِيفُهُ فِيهَا بِغَيْرِ حَقٍّ أَخَافَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَأَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» ، قَالَهُ لَمَّا رُوِّعَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِأَخْذِ حَبْلٍ مَعَهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَانْتَبَهَ فَفَزِعَ.
وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ: «لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا» . وَمُسْلِمٌ: «مَنْ أَشَارَ إلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ» . وَالشَّيْخَانِ: «إذَا تَوَجَّهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «إذَا الْمُسْلِمَانِ حَمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَخِيهِ السِّلَاحَ فَهُمَا عَلَى حَرْفِ جَهَنَّمَ فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَخَلَاهَا جَمِيعًا، قَالَ فَقُلْنَا أَوْ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ إنَّهُ كَانَ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ» ،. وَالشَّيْخَانِ: «لَا يُشِرْ أَحَدُكُمْ إلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ» وَيَنْزِعُ بِالْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الزَّايِ يَرْمِي أَوْ بِالْمُعْجَمَةِ مَعَ فَتْحِ الزَّايِ وَمَعْنَاهُ يَرْمِي وَيَفْسُدُ وَأَصْلُ النَّزْعِ الطَّعْنُ وَالْفَسَادُ.
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَيْنِ هُوَ صَرِيحُ حَدِيثِ الْغَضَبِ وَغَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلِ وَاللَّعْنِ وَغَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّانِي، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْحُرْمَةِ فِي الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا عُلِمَ أَنَّ التَّرْوِيعَ يُحَصِّلُ خَوْفًا يَشُقُّ تَحَمُّلُهُ عَادَةً، وَالْكَبِيرَةُ فِيهِ عَلَى مَا إذَا عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْخَوْفَ يُؤَدِّي بِهِ إلَى ضَرَرٍ فِي بَدَنِهِ أَوْ عَقْلِهِ، وَحُمِلَ الثَّانِي عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ.
следующие страницы →