← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21629

الزواجر عن اقتراف الكبائر

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (881 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

لِذَلِكَ شَوَاهِدَ كَثِيرَةً انْتَهَى، وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَنْدَمَ عَلَيْهَا وَتَصِحَّ تَوْبَتُهُ ثُمَّ إذَا ذَكَرَهَا أَضْرَبَ عَنْهَا فَلَمْ يَفْرَحْ بِهَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِدَامَةُ النَّدَمِ وَاسْتِصْحَابُ ذِكْرِهِ جَهْدَهُ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: عَلَيْهِ أَنْ لَا يُصِرَّ فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ عَلَيْهِ تَوْبَةٌ مَقْصُودَةٌ فَلَا. وَفِي الشَّامِلِ: أَنَّ الْوُجُوبَ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الَّذِينَ أَسْلَمُوا كَانُوا يَذْكُرُونَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَمْ يَلْزَمُوا بِتَجْدِيدِ الْإِسْلَامِ وَلَا أُمِرُوا بِهِ انْتَهَى. ثُمَّ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ الْوُجُوبُ أَمَّا النَّدْبُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: «إنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ يَطِيرُ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا» قَالَ الْإِمَامُ: وَلَعَلَّ الْقَاضِيَ بَنَى مَا مَرَّ عَنْهُ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُزِيلُ عِقَابَ الذَّنْبِ قَطْعًا وَأَنَّ ذَلِكَ مَرْجُوٌّ وَمَظْنُونٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَهْمَا ذَكَرَهُ وَهُوَ غَيْرُ قَاطِعٍ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ وَزَوَالِ الْعِقَابِ عَنْهُ فَيَنْدَمُ عَلَيْهِ لَا مَحَالَةَ ثَانِيًا لَا سِيَّمَا وَلَا يَعْلَمُ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ انْتَهَى. التَّاسِعُ: أَنْ لَا يَعُودَ لِلذَّنْبِ عَلَى مَا زَعَمَهُ الْبَاقِلَّانِيُّ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: لَوْ نَقَضَ التَّائِبُ تَوْبَتَهُ جَازَ أَنْ تَعُودَ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ لِأَنَّهُ مَا وَفَّى بِهَا لَكِنَّهُ أَقَلُّ إثْمًا مِمَّنْ تَرَكَهَا دَائِمًا. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَعَلَى هَذَا مِنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ أَلَّا يَعُودَ إلَى الذَّنْبِ فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ كَانَ نَقْضًا لِلْأُولَى، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي الْفَاسِقِ إذَا تَابَ وَعُقِدَ بِهِ النِّكَاحُ ثُمَّ عَادَ إلَى الْفِسْقِ فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: يَتَبَيَّنُ عَدَمُ صِحَّةِ النِّكَاحِ بِتَبْيِينِ الْفِسْقِ حَالَ الْعَقْدِ. الْعَاشِرُ: أَنْ يُمَكِّنَ مِنْ إقَامَةِ حَدٍّ ثَبَتَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحُكْمِ فَتَتَوَقَّفُ التَّوْبَةُ مِنْهُ عَلَى التَّمْكِينِ مِنْ اسْتِيفَائِهِ، فَلَوْ مُكِّنَ فَلَمْ يَحُدَّهُ الْإِمَامُ وَلَا نَائِبُهُ أَثِمَا دُونَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الصَّبَّاغِ أَنَّ الِاشْتِهَارَ بَيْنَ النَّاسِ كَالثُّبُوتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ حَيْثُ قَالَ: لَوْ اُشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُ ارْتَكَبَ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ اشْتَرَطَ صِحَّةَ تَوْبَتِهِ مِنْهُ التَّمْكِينُ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُطِلْ عَهْدُهُ بِهِ، وَإِلَّا فَفِيهِ الْخِلَافُ فِي سُقُوطِهِ بِطُولِ الْعَهْدِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ وَلَا اُشْتُهِرَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: يُكْرَهُ تَنْزِيهًا إظْهَارُهُ. قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ: إلَّا أَنْ يَتَقَادَمَ عَهْدُهُ بِهِ، وَنَقُولُ الْحَدُّ يَسْقُطُ بِتَقَادُمِ الْعَهْدِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ التَّمْكِينُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ لِسُقُوطِهِ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمْ يُقَمْ بِهِ بَيِّنَةٌ وَلَا ظَهَرَ عَلَيْهِ وَلَوْ أَظْهَرَهُ لَتَرَتَّبَ عَلَى إظْهَارِهِ مَفَاسِدُ كَثِيرَةٌ مِنْ بُطْلَانِ وِلَايَتِهِ عَلَى وَقْفٍ وَأَيْتَامٍ وَغَيْرِهِمَا، وَيَسْتَوْلِي بِسَبَبِ ذَلِكَ

стр. 807

عَلَيْهَا الظَّلَمَةُ وَالْخَوَنَةُ وَلَوْ سَتَرَ نَفْسَهُ لَحَفِظْت بِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ إظْهَارُهُ دَرْءًا لِهَذِهِ الْمَفَاسِدِ وَنَحْوِهَا فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى. الْحَادِيَ عَشَرَ: التَّدَارُكُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ بِتَرْكِ عِبَادَةٍ فَفِي تَرْكِ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ تَوْبَتِهِ عَلَى قَضَائِهَا لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ فَوْرًا وَفِسْقُهُ بِتَرْكِهِ كَمَا مَرَّ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مِقْدَارَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ مَثَلًا قَالَ الْغَزَالِيُّ: تَحَرَّى وَقَضَى مَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ تَرَكَهُ مِنْ حِينِ بُلُوغِهِ. وَفِي تَرْكِ نَحْوِ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ مَعَ الْإِمْكَانِ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ تَوْبَتِهِ عَلَى إيصَالِهِ إلَى مُسْتَحَقِّهِ. قَالَ الْوَاسِطِيُّ: وَكَانَتْ التَّوْبَةُ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ بِقَتْلِ النَّفْسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] قَالَ: فَكَانَتْ تَوْبَتُهُمْ إفْنَاءَ نُفُوسِهِمْ، وَتَوْبَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَشَدُّ وَهِيَ إفْنَاءُ نُفُوسِهِمْ عَنْ مُرَادِهَا مَعَ بَقَاءِ رُسُومِ الْهَيَاكِلِ، وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَنْ أَرَادَ كَسْرَ لَوْزَةٍ أَوْ لُؤْلُؤَةٍ فِي قَارُورَةٍ وَذَلِكَ مَعَ عُسْرِهِ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. انْتَهَى. الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ فَالتَّوْبَة مِنْهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا جَمِيعُ مَا مَرَّ، وَيَزِيدُ هَذَا بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إسْقَاطِ حَقِّ الْآدَمِيِّ، فَإِنْ كَانَ مَالًا رَدَّهُ إنْ بَقِيَ وَإِلَّا فَبَدَلُهُ لِمَالِكِهِ أَوْ نَائِبِهِ أَوْ لِوَارِثِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مَا لَمْ يُبَرِّئْهُ مِنْهُ وَلَا يَلْزَمُهُ إعْلَامُهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ أَوْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ دَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ لِيَجْعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَوْ إلَى الْحَاكِمِ الْمَأْذُونِ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْمَصَالِحِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ قَالَ الْعَبَّادِيُّ وَالْغَزَالِيُّ: تَصَدَّقَ عَنْهُ بِنِيَّةِ الْعَزْمِ، وَأَلْحَقَ الرَّافِعِيُّ فِي الْفَرَائِضِ وَاعْتَمَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِالصَّدَقَةِ سَائِرَ وُجُوهِ الْمَصَالِحِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَاضٍ بِشَرْطِهِ صَرَفَهُ الْأَمِينُ بِنَفْسِهِ فِي مَالِ الْمَصَالِحِ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ قَاضٍ بِشَرْطِهِ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمَصَالِحِ فَفِيهِ أَوْجُهٌ: يَدْفَعُهُ إلَيْهِ يَصْرِفُهُ بِنَفْسِهِ إنْ كَانَ أَمِينًا فِي مَالِ الْمَصَالِحِ، وَإِلَّا دَفَعَهُ لِلْقَاضِي يُوقَفُ إلَى ظُهُورِ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ بِشَرْطِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الثَّالِثُ ضَعِيفٌ وَالْأَوَّلَانِ حَسَنَانِ وَأَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ؛ وَلَوْ قِيلَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا لَكَانَ حَسَنًا. قَالَ: بَلْ هُوَ عِنْدِي أَرْجَحُ انْتَهَى. قِيلَ: وَقَدْ يُقَالُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي الْأَهْلِ الْأَمِينِ صَرْفُ ذَلِكَ فِي الْمَصَالِحِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْآحَادِ فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى. وَبِتَأَمُّلِهِ مَعَ مَا قَبْلَهُ فَعُلِمَ فَسَادُهُ. وَمَنْ أَخَذَ حَرَامًا مِنْ سُلْطَانٍ لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ، فَعَنْ قَوْمٍ يَرُدُّهُ إلَيْهِ وَلَا

стр. 808

يَتَصَدَّقُ بِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُحَاسِبِيِّ، وَعَنْ آخَرِينَ يَتَصَدَّقُ بِهِ: أَيْ عَنْ مَالِكِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَرُدُّهُ إلَيْهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ ظَنًّا مُؤَكَّدًا أَنَّهُ يَصْرِفُهُ فِي بَاطِلٍ لَزِمَهُ صَرْفُهُ فِي الْمَصَالِحِ كَالْقَنَاطِرِ، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ لِنَحْوِ خَوْفٍ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْأَحْوَجِ فَالْأَحْوَجِ وَأَهَمُّ الْمُحْتَاجِينَ ضُعَفَاءُ الْجُثَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ أَنَّهُ يَصْرِفُهُ فِي بَاطِلٍ فَلْيَدْفَعْهُ أَوْ لِنَائِبِهِ حَيْثُ لَا ضَرَرَ وَإِلَّا صَرَفَهُ فِي الْمَصَالِحِ وَعَلَى نَفْسِهِ إنْ احْتَاجَ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَحَيْثُ جَازَ صَرْفُهُ لِلْفُقَرَاءِ فَلْيُوَسِّعْ عَلَيْهِمْ أَوْ لِنَفْسِهِ ضَيَّقَ عَلَيْهَا مَا أَمْكَنَهُ أَوْ لِعِيَالِهِ يُوَسِّطُ بَيْنَ السَّعَةِ وَالضِّيقِ وَلَا يُطْعِمُ غَنِيًّا مِنْهُ إلَّا إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ لِكَوْنِهِ فِي نَحْوِ بَرِيَّةٍ، وَلَوْ عُرِفَ مِنْ حَالِ فَقِيرٍ أَنَّهُ لَوْ عَرَفَهُ تَوَرَّعَ عَنْهُ أَخَّرَهُ إلَى أَنْ يَجُوعَ وَأَخْبَرَهُ بِالْحَالِ وَلَا يَكْتَفِي بِكَوْنِهِ لَا يَدْرِي الْحَالَ، وَلَيْسَ لَهُ كِرَاءُ مَرْكُوبٍ وَلَا شِرَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا انْتَهَى. فَإِنْ أَعْسَرَ بِهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: انْتَظَرْت مَيْسَرَتَهُ وَصَحَّتْ تَوْبَتُهُ. وَفِي الْجَوَاهِرِ: لَوْ مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ وَاسْتَحَقَّهُ وَارِثٌ بَعْدَ وَارِثٍ فَفِيمَنْ يَسْتَحِقُّهُ فِي الْآخِرَةِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: آخِرُ الْوَرَثَةِ الْكُلِّ فَيَثْبُتُ الْآخِرُ لِكُلِّ وَارِثٍ مُدَّةَ عُمُرِهِ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْعَبَّادِيِّ فِي الرَّقْمِ، وَرَابِعُهَا إنْ طَالَبَهُ صَاحِبُهُ بِهِ فَجَحَدَهُ وَحَلَفَ فَهُوَ لَهُ وَإِلَّا انْتَقَلَ إلَى وَرَثَتِهِ، وَادَّعَى الْقَاضِي أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ يَكُونُ لِلْأَوَّلِ. انْتَهَى. وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ هُوَ الْأَوَّلُ حَيْثُ قَالَ أَرْجَحُهَا، وَبِهِ أَفْتَى الْحَنَّاطِيُّ أَنَّهُ صَاحِبُ الْحَقِّ أَوَّلًا انْتَهَى. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَحَكَى وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَكُونُ لِلْكُلِّ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَتَرْجِيحُ الرَّوْضَةِ لَيْسَ فِي الرَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا حَكَاهُ عَنْ الْحَنَّاطِيِّ فَقَطْ، وَعِبَارَتُهُ عَنْهُ يَرِثُهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ مَوْتِ الْكُلِّ وَيَرُدُّهُ إلَيْهِ فِي الْقِيَامَةِ، وَلَفْظُ الرَّوْضَةِ لَا يُعْطِي هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ انْتَهَى: أَيْ وَلَا يُنَافِيهَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَوْ اسْتَحَقَّ الْوَفَاءَ وَارِثٌ بَعْدَ وَارِثٍ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ ادَّعَاهُ وَحَلَفَ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: فَالطَّلَبُ فِي الْآخِرَةِ لِصَاحِبِ الْحَقِّ بِلَا خِلَافٍ أَوْ لَمْ يَحْلِفْ فَوُجُوهٌ فِي الْكِفَايَةِ أَصَحُّهَا مَا نَسَبَهُ الرَّافِعِيُّ لِلْحَنَّاطِيِّ كَذَلِكَ وَالثَّانِي لِلْكُلِّ وَالثَّالِثُ لِلْأَخِيرِ وَلِمَنْ فَوْقَهُ ثَوَابُ الْمَنْعِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَإِذَا دَفَعَ لِآخِرِ الْوَرَثَةِ خَرَجَ عَنْ مَظْلِمَةِ الْكُلِّ إلَّا فِيمَا سَوَّفَ وَمَاطَلَ انْتَهَى. وَهُوَ مِنْ بَقِيَّةِ كَلَامِ الْحَنَّاطِيِّ خِلَافًا لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْوَارِثَ لَوْ أَبْرَأَ وَاسْتَوْفَى سَقَطَ الْحَقُّ، ثُمَّ إنْ كَانَ عَصَى بِالْمُمَاطَلَةِ تَابَ عَنْهَا، وَلَوْ أَعْسَرَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ نَوَى الْغُرْمَ إذَا قَدَرَ. قَالَ الْقَاضِي: وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَيْضًا فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ فَالْمَرْجُوُّ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَغْفِرَةُ، قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَمَا قَالَهُ

стр. 809

تَفَقُّهًا لَا خِلَافَ فِيهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْأَنْصَارِيُّ شَارِحُ إرْشَادِ الْإِمَامِ حَيْثُ قَالَ: لَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَسْلِيمِ النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ مَانِعٌ كَحَبْسِ ظَالِمٍ لَهُ وَحُدُوثِ أَمْرٍ يَصُدُّهُ عَنْ التَّمْكِينِ سَقَطَ ذَلِكَ عَنْهُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْعَزْمُ عَلَى التَّسْلِيمِ إنْ أَمْكَنَهُ قَالَ: وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ انْتَهَى، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: ظَوَاهِرُ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ تَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمُطَالَبَةِ بِالظِّلَامَةِ إذَا كَانَ مُعْسِرًا عَاجِزًا إنْ عَصَى بِالْتِزَامِهِ انْتَهَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَفِي الرَّوْضَةِ: لَوْ اسْتَدَانَ لِحَاجَةٍ مُبَاحَةٍ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَهُوَ يَرْجُو الْوَفَاءَ مِنْ جِهَةٍ أَوْ سَبَبٍ ظَاهِرٍ وَاسْتَمَرَّ بِهِ الْعَجْزُ إلَى الْمَوْتِ أَوْ أَتْلَفَ شَيْئًا خَطَأً وَعَجَزَ عَنْ غَرَامَتِهِ حَتَّى مَاتَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَا يُطَالَبُ فِي الْآخِرَةِ وَالْمَرْجُوُّ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُعَوِّضَ صَاحِبَ الْحَقِّ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ انْتَهَى. وَذَكَرَ السُّبْكِيُّ مَا يُوَافِقُهُ، وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الْإِحْيَاءِ مَا يُوَافِقُهُ أَيْضًا، وَعِبَارَتُهُ مَنْ كَانَ غَرَضُهُ الرِّفْقُ وَطَلَبُ الثَّوَابِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا اعْتِمَادًا عَلَى السَّلَاطِينِ وَالظَّلَمَةِ، فَإِنْ رَزَقَهُ اللَّهُ مِنْ حَلَالٍ قَضَاهُ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْقَضَاءِ قَضَى اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَى غُرَمَاءَهُ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَكْشُوفَ الْحَالِ عِنْدَ مَنْ يُقْرِضُهُ وَلَا يَغُشَّ الْمُقْرِضُ وَيَخْدَعَهُ بِالْمَوَاعِيدِ، وَأَنْ يَكْشِفَ عِنْدَهُ لِيَقْدُمَ عَلَى إقْرَاضِهِ عَنْ بَصِيرَةٍ، وَدَيْنٌ مِثْلُ هَذَا وَاجِبٌ أَنْ يُقْضَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَالزَّكَاةِ. انْتَهَى. وَأَفْهَمَ قَوْلُ النَّوَوِيِّ: وَلَا سَرَفَ أَنَّ السَّرَفَ حَرَامٌ وَاعْتَمَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَقَالَ تَفَطَّنْ لَهُ، قَالَ غَيْرُهُ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] وَالتَّبْذِيرُ وَالسَّرَفُ وَاحِدٌ انْتَهَى. وَقَدْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ إنَّ صَرْفَ الْمَالِ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالثِّيَابِ وَالْمَرَاكِبِ النَّفِيسَةِ غَيْرُ سَرَفٍ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ يَصْرِفُ مِنْ مَالِهِ وَالْأَوَّلُ فِيمَا إذَا كَانَ يَصْرِفُ مِنْ اقْتِرَاضٍ وَلَيْسَ لَهُ جِهَةٌ ظَاهِرَةٌ يُوَفِّي مِنْهَا. وَالْأَصْلُ فِي تَوَقُّفِ التَّوْبَةِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ عِنْدَ الْإِمْكَانِ قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ كَانَ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ فَلْيَسْتَحِلَّهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِلَّا أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» كَذَا أَوْرَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ مُسْلِمٍ. وَاَلَّذِي فِي صَحِيحِهِ كَمَا مَرَّ: «أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مِنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: إنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ

стр. 810

يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَقَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنَاتٍ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِمَعْنَاهُ وَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لِأَخِيهِ مَظْلِمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ» . وَكَأَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ أَخَذَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَوْلَهُ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ تَعَدَّى بِسَبَبِهِ أَوْ بِمَظْلِمَةٍ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِمِقْدَارِ مَا ظُلِمَ بِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ طُرِحَ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَعَدَّ بِسَبَبِهِ وَلَا بِمَظْلِمَةِ أَحَدٍ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ شَيْءٌ فَإِنْ فُقِدَتْ لَمْ يُطْرَحْ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمُسْتَحِقِّ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَاصٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا حُكْمُ مَنْ يَفْضُلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بَعْدَ فِنَاءِ حَسَنَاتِهِ؟ قُلْت الْأَمْرُ فِيهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إنْ شَاءَ عَوَّضَ رَبَّ الدَّيْنِ مِنْ عِنْدِهِ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُعَوِّضْهُ، وَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ فِيهِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ ثَوَابِ إيمَانِهِ الْوَاجِبِ كَمَا لَا تُؤْخَذُ فِي الدُّنْيَا ثِيَابُ بَدَنِهِ، وَفِي ثَوَابِ الْإِيمَانِ الْمَنْدُوبِ نَظَرٌ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا مَا صَارَ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِأَحْكَامِ الْحَلِيمِ الْكَرِيمِ أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الدُّيُونِ عَلَى نِسْبَةِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، فَإِذَا حَكَمَ الشَّرْعُ فِي الدَّيْنِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ إذَا عَجَزَ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ جَمِيعَ دَيْنِهِ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ الْمُحَصَّلِ فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى يَدِ حَاكِمِ الشَّرْعِ فَلَمْ يَرْجُو الْمَدِينُ الْعَاجِزُ عَنْ الْأَدَاءِ إلَى حِينِ مَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ عِصْيَانٍ أَنَّ اللَّهَ يَقْضِي عَنْهُ بِإِرْضَاءِ غُرَمَائِهِ مِنْ خَزَائِنِ أَفْضَالِهِ كَمَا أَمَرَ خُلَفَاءَهُ أَنْ يَقْضُوا عَنْهُ مِنْ بُيُوتِ أَمْوَالِهِمْ؟ قَالَ: ثُمَّ مَا جَزَمُوا بِهِ مِنْ انْقِطَاعِ الطَّلَبِ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ وَجَبَ أَدَاؤُهُ مِنْهُ، وَهَذَا مِنْ دَقِيقِ الْفُرُوعِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَبَّهَ لَهُ الْأَئِمَّةُ الْعَادِلُونَ وَالْقُضَاةُ الَّذِينَ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ الزَّكَوَاتُ وَفِيهَا سَهْمُ الْغَارِمِينَ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَحَادِيثَ تَعْظِيمِ الدَّيْنِ وَأَنَّهُ لَا يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ قَالَ: وَهَذَا مِنْهُ ﷺ -

стр. 811

كَانَ قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَاتِ، وَأَمَّا بَعْدُ فَقَالَ ﷺ : «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ عِيَالًا فَعَلَيَّ» . فَكُلُّ مَنْ مَاتَ وَقَدْ ادَّانَ فِي مُبَاحٍ وَعَجَزَ عَنْ أَدَائِهِ أَدَّى عَنْهُ الْإِمَامُ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ أَوْ مِنْ الزَّكَاةِ أَوْ الْفَيْءِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ " فَعَلَيَّ " أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ تَرَكَ مَالًا وَمَنْ لَمْ يَتْرُكْهُ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمَيِّتَ الْمُسْلِمَ كَانَ قَدْ وَجَبَتْ لَهُ حُقُوقٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ الْفَيْءِ وَغَيْرِهِ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا، فَلَزِمَ الْإِمَامَ أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْهَا دَيْنَهُ وَيُخَلِّصَ مَالَهُ لِوَرَثَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْغَرِيمُ وَلَا السُّلْطَانُ وَقَعَ الْقِصَاصُ بَيْنَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَمْ يُحْبَسْ عَنْ الْجَنَّةِ بِدَيْنٍ لَهُ مِثْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ غَرِيمٍ جَحَدَهُ، وَمُحَالٌ أَنْ يُحْبَسَ عَنْ الْجَنَّةِ مَنْ لَهُ مَالٌ يَفِي بِمَا عَلَيْهِ عِنْدَ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ. انْتَهَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ حَسَنٌ فِيمَنْ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ كَذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْخَصَائِصِ أَنَّ قَضَاءَ دَيْنِ الْمَيِّتِ الْمُعْسِرِ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهَلْ عَلَى الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ قَضَاؤُهُ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ؟ وَجْهَانِ. وَإِنْ كَانَ قَوَدًا أَوْ حَدَّ قَذْفٍ اُشْتُرِطَ مَعَ الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ مَا مَرَّ أَيْضًا أَنْ يُمَكِّنَ الْمُسْتَحِقَّ مِنْ اسْتِيفَائِهِ بِأَنْ يُعْلِمَهُ إنْ جَهِلَ الْقَاتِلُ وَيَقُولَ لَهُ إنْ شِئْت فَاقْتَصَّ وَإِنْ شِئْت فَاعْفُ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا صَحَّتْ التَّوْبَةُ: وَلَوْ تَعَذَّرَ وُصُولُهُ لِلْمُسْتَحِقِّ نَوَى التَّمْكِينَ إذَا قَدَرَ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. وَقَالَ الْإِمَامُ وَتَبِعَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَسَكَتَ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ: تَصِحُّ تَوْبَتُهُ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ نَفْسَهُ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْعُهُ التَّمْكِينَ مَعْصِيَةُ جَدِيدَةٌ تَقْتَضِي تَوْبَةً أُخْرَى، وَاعْتَرَضَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْإِمَامَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَفَرَّقَ فِي الْخَادِمِ بِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي حَصَلَتْ الْمَعْصِيَةُ بِأَخْذِهِ مُمْكِنٌ رَدُّهُ أَوْ رَدُّ بَدَلِهِ وَالنَّفْسُ الَّتِي فَاتَتْ بِالْقَتْلِ لَا يُمْكِنُ رَدُّهَا وَلَا رَدُّ بَدَلِهَا فِي الدُّنْيَا، فَجَوَّزْنَا التَّوْبَةَ وَالتَّغْيِيبَ عِنْدَ رَجَاءِ الْعَفْوِ صِيَانَةً لِلْأَنْفُسِ عَنْ الْقَتْلِ. وَنَقَلَ الْإِمَامُ عَنْ الْبَاقِلَّانِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاتِلِ أَنْ يَخْتَفِيَ أَيَّامًا حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُ وَلِيِّ الدَّمِ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَأَكْثَرُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَادِّعَاءُ كَثِيرِينَ إحَالَةَ وُجُودِ النَّدَمِ مَعَ الِامْتِنَاعِ مِنْ التَّمْكِينِ مَمْنُوعٌ: وَيَجِبُ الْإِخْبَارُ وَالتَّمْكِينُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ أَيْضًا، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَتَى بِكِنَايَةِ قَذْفٍ مُرِيدًا لَهُ لَزِمَهُ إخْبَارُهُ بِهِ لِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ بَاطِنًا، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَجِبَ فِيهِ لِأَنَّ فِيهِ إيذَاءً فَيَبْعُدُ إيجَابُهُ وَسَتْرُهُ أَوْلَى، وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ الْعَبَّادِيِّ وَالْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِمَا يُخْبِرُهُ عَنْ الْقَذْفِ الصَّرِيحِ خُفْيَةً كَمَا فِي حَقِّ الْقِصَاصِ، وَالثَّانِي مَا فِي التَّوَسُّطِ لِلْأَذْرَعِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ: مَرَّ بِبَالِي تَفْصِيلٌ فِي وُجُوبِ إعْلَامِ الْمَقْذُوفِ وَهُوَ أَنَّ الْقَاذِفَ إنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهَا لَوْ أَخْبَرَهُ لَزِمَهُ إخْبَارُهُ لَا

стр. 812

مَحَالَةً، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ كَأَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَتَجَاوَزُ إلَى نَحْوِ تَعْذِيبِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إعْلَامُهُ بَلْ يَلْجَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إرْضَائِهِ عَنْهُ إنْ كَذَبَ فِي قَذْفِهِ. نَعَمْ يَلْزَمُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إعْلَامُ وَارِثِهِ إنْ أَمِنَ مِنْهُ مَعَ التَّضَرُّعِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إرْضَائِهِ الْمَقْذُوفَ الْمَيِّتَ عَنْهُ فِي الْآخِرَةِ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْغِيبَةِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَأْتِيَ مِثْلُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي قَوَدِ النَّفْسِ أَوْ الطَّرَفِ فَلَا يَجِبُ إعْلَامٌ إلَّا حَيْثُ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ ظُلْمُهُ بِنَحْوِ أَخْذِ مَالٍ أَوْ تَعْذِيبٍ زَائِدٍ عَلَى مِثْلِ جِنَايَتِهِ. وَلَوْ بَلَغَتْ الْغِيبَةُ الْمُغْتَابَ أَوْ قُلْنَا إنَّهَا كَالْقَوَدِ، وَالْقَذْفُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى بُلُوغٍ. فَالطَّرِيقُ أَنْ يَأْتِيَ الْمُغْتَابَ وَيَسْتَحِلَّ مِنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ لِمَوْتِهِ أَوْ تَعَذَّرَ لِغَيْبَتِهِ الشَّاسِعَةَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَالِاعْتِبَارُ بِتَحْلِيلِ الْوَرَثَةِ ذَكَرَهُ الْحَنَّاطِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَقَرَّهُمْ فِي الرَّوْضَةِ قَالَ فِيهَا: وَإِفْتَاءُ الْحَنَّاطِيُّ بِأَنَّ الْغِيبَةَ إذَا لَمْ تَبْلُغْ الْمُغْتَابَ كَفَاهُ النَّدَمُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ حَيْثُ قَالَ: إنَّمَا يَحْتَاجُ لِاسْتِحْلَالِ الْمُغْتَابِ إذَا عَلِمَ لِمَا دَاخَلَهُ مِنْ الضَّرَرِ وَالْغَمِّ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ فَلَا فَائِدَةَ فِي إعْلَامِهِ لِتَأَذِّيهِ فَلْيَتُبْ فَإِذَا تَابَ أَغْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ. نَعَمْ إنْ كَانَ انْتَقَصَهُ عِنْدَ قَوْمٍ رَجَعَ إلَيْهِمْ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً انْتَهَى. وَتَبِعَهُمَا كَثِيرُونَ مِنْهُمْ النَّوَوِيُّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ وَغَيْرُهُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَنَّهُ نَاظَرَ سُفْيَانَ فِيهِ وَقَالَ لَهُ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ لَا تُؤْذِهِ مَرَّتَيْنِ. وَحَدِيثُ: «كَفَّارَةُ الْغِيبَةِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنْ اغْتَبْته تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُ» فِيهِ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: هُوَ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ إسْنَادٌ مَعْنَاهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] . وَقَالَ ﷺ : «وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» . وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ لَمَّا اشْتَكَى إلَيْهِ ذَرِبَ اللِّسَانِ عَلَى أَهْلِهِ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ» انْتَهَى. وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ صَحَّ مَا يُعَارِضُهُ وَهُوَ «قَوْلُهُ ﷺ لِعَائِشَةَ فِي تِلْكَ الْمَرْأَةِ: قَدْ اغْتَبْتِيهَا قُومِي فَتَحَلَّلِيهَا» ، وَقَوْلُهُ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ أَخِيهِ مَظْلِمَةٌ فَلْيَسْتَحِلَّهُ الْيَوْمَ» وَبِأَنَّهُ لَوْ أَجْزَأَ الِاسْتِغْفَارُ هُنَا لَأَجْزَأَ فِي أَخْذِ الْمَالِ. وَقَدْ يُجَابُ بِمَنْعِ الْمُعَارَضَةِ بِأَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ بِالْأَفْضَلِ أَوْ بِمَا يَمْحُو أَثَرَ الذَّنْبِ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى الْفَوْرِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَبِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْغِيبَةِ وَأَخْذِ الْمَالِ. وَمِنْ ثَمَّ وَجَّهُوا الْقَوْلَ بِأَنَّهَا صَغِيرَةٌ مَعَ عَظِيمِ مَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ الْوَعِيدِ بِأَنَّ عُمُومَ ابْتِلَاءِ النَّاسِ بِهَا اقْتَضَى الْمُسَامَحَةَ بِكَوْنِهَا صَغِيرَةً لِئَلَّا يَلْزَمَ تَفْسِيقُ النَّاسِ كُلِّهِمْ إلَّا الْفَذُّ النَّادِرُ مِنْهُمْ، وَهَذَا حَرَجٌ عَظِيمٌ فَلِأَجْلِهِ خُفِّفَ فِيهَا بِذَلِكَ فَلَمْ تَكُنْ

стр. 813

كَالْأَمْوَالِ حَتَّى تُقَاسَ بِهَا فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ إعْلَامُ ذِي الْحَقِّ الْمُكَلَّفِ فَغَيْرُهُ يَبْقَى حَقُّهُ وَإِنْ سَامِح. وَنَقَلَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَوْ أَظْهَرَ الِاعْتِذَارَ بِلِسَانِهِ حَتَّى طَابَ قَلْبُ خَصْمِهِ كَفَاهُ، عَنْ هَاشِمٍ أَنَّهُ لَوْ أَظْهَرَ بِلِسَانِهِ دُونَ بَاطِنِهِ لَمْ يَكْفِهِ ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْلُصْ فِيهِ كَانَ ذَنْبًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَظْهَرُ بَقَاءُ مُطَالَبَةِ خَصْمِهِ لَهُ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ عَدَمَ إخْلَاصِهِ فِي اعْتِذَارِهِ لَتَأَذَّى بِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ فَقَالَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْلِصَ فِي الِاعْتِذَارِ إذْ هُوَ قَوْلُ النَّفْسِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَالْعِبَارَةُ تَرْجَمَةٌ عَنْهَا، فَإِنْ لَمْ يُخْلِصْ فَهُوَ ذَنْبٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْقَى لِخَصْمِهِ عَلَيْهِ مُطَالَبَةٌ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُخْلِصٍ لَمَا رَضِيَ بِهِ انْتَهَى. وَهَذَا كُلُّهُ فِي غِيبَةِ اللِّسَانِ فَغِيبَةُ الْقَلْبِ لَا يَجِبُ الْإِخْبَارُ بِهَا عَلَى قِيَاسِ مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْحَسَدِ وَنَظَرَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ. وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ الِاعْتِذَارُ إلَى الْمَقْذُوفِ مَثَلًا إنْ ظَنَّ أَنَّهُ عَلِمَ لِيُزِيلَ غَمُّهُ وَإِلَّا فَلَا. لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالِاعْتِذَارِ إزَالَةُ الْغَمِّ وَهَذَا يُجَدِّدُهُ، قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ عِلَّةَ وُجُوبِ الِاعْتِذَارِ مِنْ الذَّنْبِ كَوْنُهُ إسَاءَةٍ لَا كَوْنُهُ مُوجِبًا لِغَمِّهِ إذْ لَوْ سَرَقَ دِرْهَمًا مِنْ مَالِ سُلْطَانٍ وَأُعْلِمَ أَنَّهُ لَا يَغُمُّهُ لَزِمَهُ الِاعْتِذَارُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ إسَاءَةً، كَمَا يَلْزَمُهُ لَوْ أَخَذَهُ مِنْ فَقِيرٍ يَعْظُمُ أَسَفُهُ بِفَقْدِهِ؛ نَعَمْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَجِبَ هُنَا مِنْ الِاعْتِذَارِ أَشَدُّ مِمَّا وَجَبَ مِنْهُ ثُمَّ وَكَذَا لَوْ سَرَقَ مَالًا ثُمَّ رَدَّهُ لِمَحَلِّهِ وَلَمْ يَشْعُرْ مَالِكُهُ فَيَلْزَمُهُ الِاعْتِذَارُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ إسَاءَةً إلَيْهِ وَظُلْمًا لَهُ، وَلَوْ كَانَ كَمَا ادَّعَاهُ هَذَا الْقَائِلُ لَسَقَطَ وُجُوبُ الِاعْتِذَارِ إلَيْهِ مِنْ الْإِسَاءَةِ الْعَظِيمَةِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُسَاءَ إلَيْهِ يَغْتَمُّ بِذَلِكَ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَمَا ذَكَرَهُ فِي السَّرِقَةِ خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَقَالَ: مَنْ سَرَقَ مَالًا وَرَدَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّهُ أَخَذَهُ سَرِقَةً بَلْ الْأَوْلَى أَنْ يَسْتُرَ نَفْسَهُ، وَمَرَّ عَنْ الْحَنَّاطِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِتَحْلِيلِ الْوَرَثَةِ وَوَافَقَهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَأُلْحِقَ بِهِ كُلُّ مَا لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ حَدٌّ كَالْقَذْفِ اُعْتُبِرَ تَحْلِيلُهُ، وَفِي الرَّوْضَةِ حِكَايَةُ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَكْفِي الِاسْتِحْلَالُ مِنْ الْغِيبَةِ الْمَجْهُولَةِ، وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ فِي الْأَذْكَارِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَسْمَحُ عَنْ غِيبَةٍ دُونَ غِيبَةٍ، وَكَلَامُ الْحَلِيمِيِّ وَغَيْرِهِ يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ مَنْ سَمَحَ بِالْعَفْوِ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ فَقَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ مَهْمَا كَانَتْ الْغِيبَةُ يُوَافِقُهُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ أَيْضًا. وَأَمَّا الْحَدِيثُ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ كَأَبِي ضَمْضَمَ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ

стр. 814

قَالَ إنِّي تَصَدَّقْت بِعِرْضِي عَلَى النَّاسِ» ، فَمَعْنَاهُ لَا أَطْلُبُ مَظْلِمَتِي لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَهَذَا يَنْفَعُ فِي إسْقَاطِ مَظْلِمَةٍ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الْإِبْرَاءِ، فَأَمَّا مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ إبْرَاءٍ جَدِيدٍ بَعْدَهَا. انْتَهَى. فَفِي عِبَارَتِهَا هَذِهِ تَصْرِيحٌ بِالسُّقُوطِ مَعَ الْجَهْلِ بِالْمُبَرَّأِ مِنْهُ الْوَاقِعِ مِنْ قَبْلُ فَيُوَافِقُ قَضِيَّةَ كَلَامِ الْحَلِيمِيِّ. وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: يَسْتَحِلُّ مِمَّنْ تَعَرَّضَ لَهُ بِلِسَانِهِ أَوْ أَذَى قَلْبَهُ بِفِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِهِ فَإِنْ غَابَ أَوْ مَاتَ فَقَدْ فَاتَ أَمْرُهُ وَلَا يُدْرِكُ إلَّا بِكَثْرَةِ الْحَسَنَاتِ لِتُؤْخَذَ عِوَضًا فِي الْقِيَامَةِ. وَيَجِبُ أَنْ يُفَصِّلَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفْصِيلُ مُضِرًّا لَهُ كَذِكْرِهِ عُيُوبًا يُخْفِيهَا فَإِنَّهُ يَسْتَحِلُّ مِنْهُ مُبْهَمًا، ثُمَّ تَبْقَى لَهُ مَظْلَمَةٌ فَلْيَجْبُرْهَا بِالْحَسَنَاتِ كَمَا يَجْبُرُهَا مَظْلِمَةُ الْمَيِّتِ أَوْ الْغَائِبِ. انْتَهَى. وَأَوْجَبَ الْعَبَّادِيُّ فِي الْحَسَدِ الْإِخْبَارَ كَالْغِيبَةِ وَاسْتَبْعَدَهُ الرَّافِعِيُّ، وَصَوَّبَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ، قَالَ: وَلَوْ قِيلَ يُكْرَهُ لَمْ يَبْعُدْ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ ﵁: يُفْهِمُهُ وَيُشْبِهُ حُرْمَتَهُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُحَلِّلُهُ وَأَنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ عَدَاوَةٌ وَحِقْدٌ وَأَذًى لِلْمُخْبِرِ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فَإِنَّ النَّفْسَ الزَّكِيَّةَ نَادِرَةٌ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ حَلَّلَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ لَزِمَهُ إخْبَارُهُ لِيَخْرُجَ مِنْ ظِلَامَتِهِ بِيَقِينٍ انْتَهَى مُلَخَّصًا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ بَعْدَ إيرَادِهِ كَلَامَ شَيْخِهِ الْأَذْرَعِيِّ بِصِيغَةِ قِيلَ. فَإِنْ قِيلَ: تَضَافَرَتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى ذَمِّ الْحَسَدِ وَهُوَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ فَتَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهُ وَلَا طَرِيقَ لِلتَّوْبَةِ إلَّا ذَلِكَ فَيَقْوَى مَا قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ. قُلْت: لَكِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ» يَقْتَضِي أَنَّهُ مَرْفُوعٌ وَاخْتَارَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فَقَالَ: الَّذِي نَعْتَقِدُهُ مِنْ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ بِحَدِيثِ النَّفْسِ بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ الْهَمُّ وَغَيْرُهُ مَا لَمْ يَقُلْ أَوْ يَفْعَلْ عَمَلًا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ، وَتُحْمَلُ أَحَادِيثُ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى مَا إذَا اقْتَرَنَ بِهِ عَمَلُ جَارِحَةٍ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْكُفْرُ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ إجْمَاعًا. وَأَمَّا أَحَادِيثُ الْحَسَدِ فَصَحِيحَةٌ وَكُلُّ عَمَلٍ سَيْءٍ فَهُوَ مَذْمُومٌ بَاطِنًا كَانَ أَوْ ظَاهِرًا. وَأَمَّا الْمُؤَاخَذَةُ عَلَيْهِ فَلَا نَعْلَمُ حَدِيثًا صَحِيحًا تَضَمَّنَهُ وَلَوْ صَحَّ فِيهِ حَدِيثٌ تَضَمَّنَهُ حَمَلْنَاهُ عَلَى حَدٍّ اقْتَرَنَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَمَا مَرَّ عَنْ الْعَبَّادِيِّ بَعِيدٌ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ كَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَا سِيَّمَا إذَا غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ بِجِبِلَّتِهَا وَهُوَ كَارِهٌ لِمَا تَهْوَاهُ غَيْرُ رَاضٍ عَنْهَا فِي ذَلِكَ كَافٍّ لَهَا عَنْ الْعَمَلِ بِمُوجِبِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، بَلْ أَرْجُو أَنَّ جَزَاءَ ذَلِكَ أَنْ يُكْتَبَ لَهُ بِهِ حَسَنَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ السَّيِّئَةَ مِنْ أَجْلِ اللَّهِ فَجَاهَدَ نَفْسَهُ

стр. 815

فَخَلِيقٌ بِهِ أَنْ يُوصَفَ بِالْإِحْسَانِ، ثُمَّ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ تَتَعَلَّقُ بِمَا ذَكَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ الْمَعْصِيَةَ الَّتِي مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهَا بِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ غَيْرِ مُؤَاخَذٍ بِهَا، وَأَمَّا الْحَسَدُ الَّذِي يُمْكِنُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَدْفَعْهُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ فَإِنَّهُ تَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَةِ الْغَيْرِ عَنْهُ، وَقَدْ يُمْكِنُهُ التَّسَبُّبُ فِي إزَالَتِهَا فَتَتَوَقَّفُ الْمُؤَاخَذَةُ عَلَى الْمُسَبَّبِ الْمُمْكِنِ بِخِلَافِ سُوءِ الظَّنِّ، فَإِنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِفِعْلٍ خَارِجِيٍّ يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ مَعَهُ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الصِّفَاتِ الْمَظْنُونَةِ بِالْمَظْنُونِ بِهِ لَا غَيْرُ وَلَا صُنْعَ لَهُ فِيهَا، قَالَ: وَالْقَوْلُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ جَمِيعِ الْمَعَاصِي مَا سِوَى الشِّرْكِ وَمَا أَلْحَقْنَاهُ بِهِ قَوْلٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ إلْحَاقًا لِلْمَعَاصِي بَعْضِهَا بِبَعْضٍ انْتَهَى. وَعَجِيبٌ مِنْ الزَّرْكَشِيّ نَقْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَاعْتِمَادُهَا مَعَ ضَعْفِهَا وَمُخَالَفَتِهَا لِمَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْهَاجِسِ وَالْوَاجِسِ وَحَدِيثِ النَّفْسِ وَالْهَمِّ وَالْعَزْمِ، وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ كُلَّهُ وَكَلَامَ النَّاسِ فِيهِ أَوَاخِرَ شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ حَدِيثًا النَّوَوِيَّةَ فَاطْلُبْهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ. وَحَاصِلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَعَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْمُؤَاخَذَةِ بِأَفْعَالِ الْقُلُوبِ وَعَدَمِهَا أَخْبَارٌ، وَقَدْ حَرَّرَ الْغَزَالِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّ مَا يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ إمَّا خَاطِرٌ وَهُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ، ثُمَّ بَعْدَهُ الْمَيْلُ وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِمَا، ثُمَّ الِاعْتِقَادُ وَيُؤَاخَذُ بِهِ إنْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا لَا اضْطِرَارِيًّا، ثُمَّ الْعَزْمُ وَيُؤَاخَذُ بِهِ قَطْعًا. انْتَهَى. وَقِيلَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْهَاجِسُ وَهُوَ مَا يُلْقَى فِي النَّفْسِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ وَإِنَّمَا هُوَ وَارِدٌ لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ، وَفَسَّرَ غَيْرُهُ الْخَاطِرَ بِجَرَيَانِهِ فِي النَّفْسِ، وَحَدِيثُ النَّفْسِ بِالتَّرَدُّدِ هَلْ يَفْعَلُ أَوْ لَا، وَقَطْعُهُ بِالْمُؤَاخَذَةِ بِالْعَزْمِ هُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ لِحَدِيثِ: «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» . وَقِيلَ لَا يُؤَاخَذُ بِالْعَزْمِ أَيْضًا. وَفِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَنَّ حَدِيثَ النَّفْسِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ أَوْ يَعْمَلْ وَالْهَمُّ مَغْفُورَانِ، وَمُرَادُهُ أَنَّ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِمَا لَيْسَ مُطْلَقًا بَلْ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّكَلُّمِ وَالْعَمَلِ حَتَّى إذَا عَمِلَ يُؤَاخَذُ بِشَيْئَيْنِ هَمُّهُ وَعَمَلُهُ، وَلَا يُغْفَرُ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَّا إذَا لَمْ يَعْقُبْهُ عَمَلٌ هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ فَقَوْلُهُ: وَالْهَمُّ: أَيْ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ أَوْ يَعْمَلْ أَيْضًا وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَقْيِيدٍ لِأَنَّهُ إذَا قَيَّدَ بِذَلِكَ حَدِيثَ النَّفْسِ الْآتِي فَالْهَمُّ الْأَقْوَى أَوْلَى،

стр. 816

وَهَلْ يُؤَاخَذُ بِهِمَا إذَا عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هَمَّ أَوْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِهَا كَمَنْ هَمَّ بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ فَمَشَى إلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ مِنْ الطَّرِيقِ فَهَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ، قَالَ السُّبْكِيُّ: تَظْهَرُ الْمُؤَاخَذَةُ مِنْ إطْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ الْعَمَلَ بِكَوْنِهِ لَمْ يَقُلْ وَلَمْ يَعْمَلْهُ، قَالَ: فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَحْرِيمُ الْمَشْيِ إلَى مَعْصِيَةٍ وَإِنْ كَانَ الْمَشْيُ فِي نَفْسِهِ مُبَاحًا وَلَكِنْ لِانْضِمَامِ قَصْدِ الْحَرَامِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشْيِ وَالْقَصْدِ لَا يَحْرُمُ عِنْدَ انْفِرَادِهِ. أَمَّا إذَا اجْتَمَعَا فَيَحْرُمُ فَإِنَّ مَعَ الْهَمِّ عَمَلًا لِمَا هُوَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَهْمُومِ بِهِ فَاقْتَضَى إطْلَاقَ أَوْ يَعْمَلُ الْمُؤَاخَذَةُ بِهِ قَالَ فَاشْدُدْ بِهَذِهِ الْفَائِدَةِ يَدَيْك وَاِتَّخِذْهَا أَصْلًا يَعُودُ نَفْعُهَا عَلَيْك. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمَا قَالَهُ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْمُقَدِّمَةِ إنْ انْضَمَّتْ إلَى حَدِيثِ النَّفْسِ لِإِطْلَاقٍ أَوْ بِعَمَلٍ حَسَنٍ إذَا لَمْ يَعْتَبِرْ فِي حَدِيثٍ آخَرَ. لَكِنْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ: «أَوْ يَعْمَلُ بِهِ» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنْ رَجَعَ عَنْ فِعْلِ السَّيِّئَةِ بَعْدَ فِعْلِ مُقَدِّمَتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يُؤَاخَذْ بِالْفِعْلِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «فَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً إنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّائِي» أَيْ مِنْ أَجْلِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ حِبَّانَ «وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً» . وَذَكَرَ السُّبْكِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ أَوْ يَعْمَلُ حَتَّى يُقَالَ إذَا تَكَلَّمْت أَوْ عَمِلْت يَكْتُبُ عَلَيْهَا حَدِيثَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْهَمُّ لَا يُكْتَبُ فَحَدِيثُ النَّفْسِ أَوْلَى، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَخِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُهُ تَاجُ الدِّينِ هُنَا، وَقَدْ نَازَعَهُ ابْنُهُ وَقَالَ: يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُؤَاخَذَ عِنْدَ انْضِمَامِ عَمَلٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْمَهْمُومِ بِهِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى. قَالَ: وَقَوْلُهُ وَإِذَا كَانَ الْهَمُّ لَا يُكْتَبُ فَحَدِيثُ النَّفْسِ أَوْلَى مَمْنُوعٌ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْهَمَّ لَا يُكْتَبُ مُطْلَقًا بَلْ يُكْتَبُ عِنْدَ انْضِمَامِ الْعَمَلِ إلَيْهِ انْتَهَى. وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: كَمَا يَحْرُمُ فِعْلُ الْحَرَامِ يَحْرُمُ الْفِكْرُ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] فَمَنَعَ مِنْ التَّمَنِّي فِيمَا لَا يَحِلُّ كَمَا مَنَعَ مِنْ النَّظَرِ إلَى مَا لَا يَحِلُّ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] وَلَوْ نَوَى أَنَّهُ يَكْفُرُ غَدًا كَفَرَ حَالًا عَلَى الْأَصْلِ بَلْ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ أَخْطَرُ. قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ فِي الظَّاهِرِ مَعْصِيَةً لَكِنْ يَقْتَرِنُ بِهِ نِيَّةٌ صَالِحَةٌ تُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ يَصِيرُ قُرْبَةً كَمَا مَرَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُكُوسِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ مَا مَرَّ عَنْ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ: وَأَمَّا النَّمِيمَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ مَا هُوَ شَدِيدُ الْأَذَى وَمَا هُوَ خَفِيفُهُ، فَالْخَفِيفَةُ يُسَامِحُ بِهِ صَاحِبُهُ غَالِبًا انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَا وَجْهَ لِهَذَا التَّفْصِيلِ لِأَنَّ الْغِيبَةَ دُونَ

стр. 817

النَّمِيمَةِ إجْمَاعًا وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَفْصِلُوا فِيهَا كَذَلِكَ فَالنَّمِيمَةُ أَوْلَى قَالَ: ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ هَذَا فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ لِلْغَزَالِيِّ أَنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي بَيْنَ الْعِبَادِ، أَمَّا فِي الْمَالِ فَيَجِبُ رَدُّهُ عِنْدَ الْمُكْنَةِ فَإِنْ عَجَزَ لِفَقْرٍ اسْتَحَلَّهُ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِحْلَالِهِ لِغَيْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ وَأَمْكَنَ التَّصَدُّقُ عَنْهُ فَعَلَهُ، وَإِلَّا فَلْيُكْثِرْ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَيَرْجِعْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَضَرَّعْ إلَيْهِ فِي أَنْ يُرْضِيَهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وَأَمَّا فِي النَّفْسِ فَيُمَكِّنُهُ أَوْ وَلِيَّهُ مِنْ الْقَوَدِ فَإِنْ عَجَزَ رَجَعَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إرْضَائِهِ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا فِي الْعِرْضِ فَإِنْ اغْتَابَهُ أَوْ شَتَمَهُ أَوْ بَهَتَهُ فَحَقُّهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَهُ إنْ أَمْكَنَهُ بِأَنْ لَمْ يَخْشَ زِيَادَةَ غَيْظٍ أَوْ هَيْجِ فِتْنَةٍ فِي إظْهَارِ ذَلِكَ، وَإِنْ خَشِيَ ذَلِكَ فَالرُّجُوعُ إلَى اللَّهِ لِيُرْضِيَهُ عَنْهُ، وَأَمَّا فِي حُرُمِهِ؛ فَإِنْ فَتَنَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ نَحْوِهِ فَلَا وَجْهَ لِلِاسْتِحْلَالِ وَالْإِظْهَارِ؛ لِأَنَّهُ يُوَلِّدُ فِتْنَةً وَغَيْظًا بَلْ يَتَضَرَّعُ إلَى اللَّهِ لِيُرْضِيَهُ عَنْهُ وَيَجْعَلَ لَهُ خَيْرًا فِي مُقَابَلَتِهِ، فَإِنْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ وَالْهَيْجَ وَهُوَ نَادِرٌ فَلْيَسْتَحِلَّ مِنْهُ؛ وَأَمَّا فِي الدِّينِ فَإِنْ كَفَّرَهُ أَوْ بَدَّعَهُ أَوْ ضَلَّلَهُ فَهُوَ أَصْعَبُ الْأُمُورِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَكْذِيبِ نَفْسِهِ بَيْنِ يَدَيْ مَنْ قَالَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَنْ يَسْتَحِلَّ مِنْ صَاحِبِهِ إنْ أَمْكَنَهُ، وَإِلَّا فَالِابْتِهَالُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى جِدًّا وَالنَّدَمُ عَلَى ذَلِكَ لِيُرْضِيَهُ عَنْهُ انْتَهَى كَلَامُ الْغَزَالِيِّ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالتَّحْقِيقِ انْتَهَى. وَقَضِيَّةُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَرَمِ الشَّامِلِ لِلزَّوْجَةِ وَالْمَحَارِمِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ الزِّنَا وَاللِّوَاطَ فِيهِمَا حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ فَتَتَوَقَّفُ التَّوْبَةُ مِنْهُمَا عَلَى اسْتِحْلَالِ أَقَارِبِ الْمَزْنِيِّ بِهَا أَوْ الْمَلُوطِ بِهِ، وَعَلَى اسْتِحْلَالِ زَوْجِ الْمَزْنِيِّ بِهَا هَذَا إنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً، وَإِلَّا فَلْيَتَضَرَّعْ إلَى اللَّهِ فِي إرْضَائِهِمْ عَنْهُ وَيُوَجَّهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ فِي الزِّنَا وَاللِّوَاطِ إلْحَاقَ عَارٍ أَيَّ عَارٍ بِالْأَقَارِبِ وَتَلْطِيخَ فِرَاشِ الزَّوْجِ فَوَجَبَ اسْتِحْلَالُهُمْ حَيْثُ لَا عُذْرَ. فَإِنْ قُلْت: يُنَافِي ذَلِكَ جَعْلُ بَعْضِهِمْ مِنْ الذُّنُوبِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ آدَمِيٍّ وَطْءَ الْأَجْنَبِيَّةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَتَقْبِيلَهَا مِنْ الصَّغَائِرِ وَالزِّنَا وَشُرْبَ الْخَمْرِ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الزِّنَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ آدَمِيٍّ فَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى اسْتِحْلَالٍ. قُلْت: هَذَا لَا يُقَاوَمُ بِهِ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ عَنْهُ إنَّهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالتَّحْقِيقِ فَالْعِبْرَةُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الزِّنَا بِمَنْ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا قَرِيبَ فَهَذِهِ يَسْقُطُ فِيهَا الِاسْتِحْلَالُ لِتَعَذُّرِهِ، وَالثَّانِي عَلَى مَنْ لَهَا ذَلِكَ وَأَمْكَنَ الِاسْتِحْلَالُ بِلَا فِتْنَةٍ فَيَجِبُ وَلَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ بِدُونِهِ، وَقَدْ يُجْمَعُ

стр. 818

أَيْضًا بِأَنَّ الزِّنَا مِنْ حَيْثُ هُوَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ إذْ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ وَحَقٌّ لِلْآدَمِيِّ، فَمَنْ نَظَرَ إلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ الِاسْتِحْلَالَ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ وَهُوَ مَحْمَلُ عِبَارَةِ غَيْرِ الْغَزَالِيِّ، وَمَنْ نَظَرَ إلَى حَقِّ الْآدَمِيِّ أَوْجَبَ الِاسْتِحْلَالَ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: فَمَنْ أَخَذَ مَالًا فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ هَلْ عَلَيْهِ الْإِعْلَامُ بِهِ إنْ غَلَّبْنَا عَلَيْهِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَجِبْ الْإِعْلَامُ بِهِ وَإِنْ غَلَّبْنَا فِي الْحَدِّ حَقَّ الْآدَمِيِّ وَجَبَ إعْلَامُهُ لِيَسْتَوْفِيَهُ أَوْ يَتْرُكَهُ لِيَسْتَوْفِيَهُ الْإِمَامُ بِهِ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الرِّفْعَةِ مَثَلًا نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ لِلْمَعْصِيَةِ الَّتِي لَا حَقَّ فِيهَا لِلْعِبَادِ بِتَقْبِيلِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَقَدْ يُفْهَمُ أَنَّ وَطْأَهَا فِيهِ حَقٌّ لِلْعِبَادِ وَحِينَئِذٍ فَيُوَافِقُ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ، وَإِنْ كَانَ نَحْوَ ضَرْبٍ لَا قَوَدَ فِيهِ تَحَلَّلَ مِنْ الْمَضْرُوبِ لِطِيبِ نَفْسِهِ فَإِنْ أَحَلَّهُ وَإِلَّا أَمْكَنَهُ مِنْ نَفْسِهِ لِيَفْعَلَ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَهُ لِأَنَّهُ الَّذِي فِي وُسْعِهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَحْلِيلِهِ وَالِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَذَكَرَ الْقَاضِي نَحْوَهُ وَقَالَ: لَوْ مَاتَ صَاحِبُ الْحَقِّ لَمْ يَسْتَحِلَّ مِنْ وَارِثِهِ بَلْ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِلْمَيِّتِ، وَتَعَقَّبَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِانْتِقَالِ الْحَقِّ لِلْوَارِثِ فَلَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِهِ. انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَا قَوَدَ فِيهِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ جُرْحًا فِيهِ حُكُومَةٌ فَهُوَ بِاعْتِبَارِ تَضَمُّنِهِ لِلْمَالِ يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ، وَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ اسْتِحْلَالِهِ وَلَيْسَ هَذَا مُرَادَ الْقَاضِي قَطْعًا وَإِنَّمَا مُرَادُهُ ضَرْبٌ بِنَحْوِ يَدٍ لَا قَوَدَ فِيهِ وَلَا مَالَ وَهَذَا لَا يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ، وَلَوْ بَقِيَ الْمُسْتَحِقُّ لَكِنْ تَعَذَّرَ اسْتِحْلَالُهُ لِنَحْوِ غَيْبَتِهِ الْبَعِيدَةِ كَفَاهُ الْإِقْلَاعُ وَالنَّدَمُ مَعَ عَزْمِهِ أَنْ يُمْكِنَهُ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ. قَالَ الْحَلِيمِيُّ: وَمَنْ أَضَرَّ بِمُسْلِمٍ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ أَزَالَهُ عَنْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ الْعَفْوَ عَنْهُ وَأَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ لِأَنَّ أَوْلَادَ يَعْقُوبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ لَمَّا جَاءُوهُ تَائِبِينَ سَأَلُوهُ الِاسْتِغْفَارَ لَهُمْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاحْتِيَاطَ الْجَمْعُ بَيْنَ عَفْوِ الْمَظْلُومِ وَاسْتِغْفَارِهِ. وَحَكَى فِي الْخَادِمِ وَغَيْرِهِ فِي التَّحَلُّلِ مِنْ الظُّلَامَاتِ وَالتَّبَعَاتِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: قَالَ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ تَرْكَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا أَوْلَى لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَسْتَوْفِيهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتِ مَنْ هِيَ عِنْدَهُ وَتُوضَعُ سَيِّئَاتُهُ عَلَى مَنْ هِيَ عِنْدَهُ كَمَا شَهِدَ بِهِ الْحَدِيثُ، وَهَلْ يَكُونُ أَجْرُهُ عَلَى التَّحَلُّلِ مُوَازِنًا مَا لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ فِي الظُّلَامَاتِ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهَا أَوْ يَنْقُصُ عَنْهَا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى زِيَادَةِ حَسَنَاتِهِ وَنُقْصَانِ سَيِّئَاتِهِ؟ وَالثَّانِي: أَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْهَا أَفْضَلُ لِأَنَّهُ إحْسَانٌ عَظِيمٌ يَنْبَغِي عَلَيْهِ الْمُكَافَأَةُ مِنْ اللَّهِ

стр. 819

وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُكَافِئَ بِأَقَلَّ مِمَّا وَهَبَ لَهُ مِنْهُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧] الْآيَةَ. قَالَ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الظُّلَامَاتِ وَالتَّبَعَاتِ فَيُحَلَّلُ مِنْ التَّبَعَاتِ لِأَنَّ الظُّلَامَاتِ عُقُوبَةٌ لِفَاعِلِهَا أَخْذًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢] الْآيَةَ. وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَالْعَفْوُ عَنْ الظَّالِمِ أَوْلَى مِنْ الِاقْتِصَاصِ مِنْهُ انْتَهَى. وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي ضَمْضَمَ السَّابِقُ أَنَّ الْعَفْوَ أَفْضَلُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُ الرَّوْضَةِ السَّابِقُ مَعْنَاهُ لَا أَطْلُبُ مَظْلِمَتِي لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ حَثَّ ﷺ عَلَى الْإِغْرَاءِ عَلَى مِثْلِ فِعْلِ أَبِي ضَمْضَمَ بِقَوْلِهِ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ كَأَبِي ضَمْضَمَ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يَقُولُ إنِّي تَصَدَّقْت بِعِرْضِي عَلَى النَّاسِ» . [الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ وَالسِّتُّونَ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ وَشَتْمُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ] (الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ وَالسِّتُّونَ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ: بُغْضُ الْأَنْصَارِ وَشَتْمُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -) أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مِنْ عَلَامَةِ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَمِنْ عَلَامَةِ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ» . وَالشَّيْخَانِ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي الْأَنْصَارِ: لَا يُحِبُّهُمْ إلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُهُمْ إلَّا مُنَافِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ» . وَمُسْلِمٌ: «لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» . قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: وَالْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ نَصَرَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَدِينَهُ وَهُمْ بَاقُونَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمُعَادَاتُهُمْ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ انْتَهَى، وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ إنْ كَانَتْ لِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ فَوَاضِحَةٌ وَإِلَّا قَالَ إنَّمَا هِيَ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ وَلَا مَعْهُودَ بِهَذَا الْوَصْفِ غَيْرُ الْأَنْصَارِ الَّذِينَ هُمْ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ. وَالشَّيْخَانِ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي؛ فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي

стр. 820

أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ أَوْشَكَ أَنْ يَأْخُذَهُ» . وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَقَدْ اسْتَوْفَيْتهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي كِتَابٍ حَافِلٍ لَمْ يُصَنَّفْ فِي هَذَا الْبَابِ - فِيمَا أَظُنُّ - مِثْلُهُ، وَمِنْ ثَمَّ سَمَّيْته: [الصَّوَاعِقُ الْمُحْرِقَةُ لِإِخْوَانِ الشَّيَاطِينِ أَهْلِ الِابْتِدَاعِ وَالضَّلَالِ وَالزَّنْدَقَةِ] فَاطْلُبْهُ إنْ شِئْت لِتَرَى مَا فِيهِ مِنْ مَحَاسِنِ الصَّحَابَةِ وَثَنَاءِ أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمْ لَا سِيَّمَا الشَّيْخَانِ، وَمِنْ افْتِضَاحِ الشِّيعَةِ وَالرَّافِضَةِ فِي كَذِبِهِمْ وَتَقَوُّلِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِمْ بِمَا هُمْ بَرِيئُونَ مِنْهُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. تَنْبِيهٌ: عَدُّ مَا ذُكِرَ كَبِيرَتَيْنِ هُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ سَبَّ الصَّحَابَةِ كَبِيرَةٌ، قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ: وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ مُفَارَقَةِ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ الِابْتِدَاعُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِتَرْكِ السُّنَّةِ، فَمَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَتَى كَبِيرَةً بِلَا نِزَاعٍ، انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا صَرِيحُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَغَيْرِهَا كَحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا فَجَعَلَ لِي مِنْهُمْ وُزَرَاءَ وَأَنْصَارًا وَأَصْهَارًا فَمَنْ شَتَمَهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» . وَحَدِيثُ: «إنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا فَجَعَلَ لِي إخْوَانًا وَأَصْحَابًا وَأَصْهَارًا، وَسَيَجِيءُ قَوْمٌ بَعْدَهُمْ يَعِيبُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَهُمْ فَلَا تُؤَاكِلُوهُمْ وَلَا تُشَارِبُوهُمْ وَلَا تُنَاكِحُوهُمْ وَلَا تُصَلُّوا مَعَهُمْ وَلَا تُصَلُّوا خَلْفَهُمْ» . وَكَحَدِيثِ: «إذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا» . وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَ كَافِرًا، وَأَنَّهُمْ اسْتَنَدُوا فِي ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَبَّك يَا أَبَا بَكْرٍ فَقَدْ كَفَرَ» . وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» ، فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ وَذُرِّيَّتِهِ فَهُوَ كَافِرٌ هُنَا قَطْعًا، وَأَيْضًا فَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي غَيْرِ آيَةٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] فَمَنْ سَبَّهُمْ أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ، وَمَنْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ أَهْلَكَهُ وَخَذَلَهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إذَا ذُكِرَ الصَّحَابَةُ بِسُوءٍ كَإِضَافَةِ عَيْبٍ إلَيْهِمْ وَجَبَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ، بَلْ وَيَجِبُ إنْكَارُهُ بِالْيَدِ ثُمَّ اللِّسَانِ ثُمَّ الْقَلْبِ عَلَى حَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ كَسَائِرِ

стр. 821

الْمُنْكَرَاتِ، بَلْ هَذَا مِنْ أَشَرِّهَا وَأَقْبَحِهَا، وَمِنْ ثَمَّ أَكَّدَ النَّبِيُّ ﷺ التَّحْذِيرَ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " اللَّهَ اللَّهَ ": أَيْ احْذَرُوا اللَّهَ أَيْ عِقَابَهُ وَعَذَابَهُ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وَكَمَا تَقُولُ لِمَنْ تَرَاهُ مُشْرِفًا عَلَى الْوُقُوعِ فِي نَارٍ عَظِيمَةٍ النَّارَ النَّارَ: أَيْ احْذَرْهَا. وَتَأَمَّلْ أَعْظَمَ فَضَائِلِهِمْ وَمَنَاقِبِهِمْ الَّتِي نَوَّهَ بِهَا ﷺ حَيْثُ جَعَلَ مَحَبَّتَهُمْ مَحَبَّةً لَهُ وَبُغْضَهُمْ بُغْضًا لَهُ وَنَاهِيك بِذَلِكَ جَلَالَةً لَهُمْ وَشَرَفًا، فَحُبُّهُمْ عُنْوَانُ مَحَبَّتِهِ وَبُغْضُهُمْ عُنْوَانُ بُغْضِهِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ حُبُّ الْأَنْصَارِ مِنْ الْإِيمَانِ وَبُغْضُهُمْ مِنْ النِّفَاقِ لِسَابِقَتِهِمْ وَبَذْلِهِمْ الْأَنْفُسَ وَالْأَمْوَالَ فِي مَحَبَّتِهِ ﷺ وَنُصْرَتِهِ وَإِنَّمَا يَعْرِفُ فَضَائِلَ الصَّحَابَةِ مَنْ تَدَبَّرَ سَيْرَهُمْ مَعَهُ ﷺ وَآثَارَهُمْ الْحَمِيدَةَ فِي الْإِسْلَامِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، فَجَزَاهُمْ اللَّهُ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ وَأَكْمَلَهُ وَأَفْضَلَهُ، فَقَدْ جَاهَدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى نَشَرُوا الدِّينَ وَأَظْهَرُوا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مِنْهُمْ مَا وَصَلَ إلَيْنَا قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ، فَمَنْ طَعَنَ فِيهِمْ فَقَدْ كَادَ أَنْ يَمْرُقَ مِنْ الْمِلَّةِ لِأَنَّ الطَّعْنَ فِيهِمْ يُؤَدِّي إلَى انْطِمَاسِ نُورِهَا: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] وَإِلَى عَدَمِ الطُّمَأْنِينَةِ وَالْإِذْعَانِ لِثَنَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَيْهِمْ، وَإِلَى الطَّعْنِ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ إذْ هُمْ الْوَسَائِطُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالطَّعْنُ فِي الْوَسَائِطِ طَعْنٌ فِي الْأَصْلِ، وَالْإِزْرَاءُ بِالنَّاقِلِ إزْرَاءٌ بِالْمَنْقُولِ عَنْهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَقَدْ سَلِمَتْ عَقِيدَتُهُ مِنْ النِّفَاقِ وَالْغُلُولِ وَالزَّنْدَقَةِ. فَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حُبَّ مَنْ قَامَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ وَأَوْضَحَهُ وَبَلَّغَهُ لِمَنْ بَعْدَهُ وَأَدَاءُ جَمِيعِ حُقُوقِهِ وَالصَّحَابَةُ هُمْ الْقَائِمُونَ بِأَعْبَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ مِنْ أَكَابِرِ السَّلَفِ: مَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ فَقَدْ أَقَامَ مَنَارَ الدِّينِ، وَمَنْ أَحَبَّ عُمَرَ فَقَدْ أَوْضَحَ السَّبِيلَ، وَمِنْ أَحَبَّ عُثْمَانَ فَقَدْ اسْتَنَارَ بِنُورِ اللَّهِ، وَمَنْ أَحَبَّ عَلِيًّا فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَمَنْ قَالَ الْخَيْرُ فِي جَمِيعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ النِّفَاقِ؛ وَمَنَاقِبُهُمْ وَفَضَائِلُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ. وَأَجْمَعُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَهُمْ الْعَشَرَةُ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ عَلَى لِسَانِهِ نَبِيِّهِ ﷺ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، وَأَفْضَلُ هَؤُلَاءِ أَبُو بَكْرٍ فَعُمَرُ، قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ: فَعُثْمَانُ فَعَلِيٌّ وَلَا يَطْعَنُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا مُبْتَدِعٌ مُنَافِقٌ خَبِيثٌ. وَقَدْ أَرْشَدَ ﷺ إلَى التَّمَسُّكِ بِهَدْيِ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ بِقَوْلِهِ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ

стр. 822

الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» . وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ هُمْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ. وَلَقَدْ شُوهِدَ عَلَى سَابِّهِمْ قَبَائِحُ تَدُلُّ عَلَى خُبْثِ بَوَاطِنِهِمْ وَشِدَّةِ عِقَابِهِمْ: مِنْهَا مَا حَكَاهُ الْكَمَالُ بْنُ الْقَدِيمِ فِي تَارِيخِ حَلَبٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ ابْنُ مُنِيرٍ خَرَجَ جَمَاعَةٌ مِنْ شُبَّانِ حَلَبٍ يَتَفَرَّجُونَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ سَمِعْنَا أَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ يَسُبُّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ إلَّا وَيَمْسَخُهُ اللَّهُ فِي قَبْرِهِ خِنْزِيرًا وَلَا شَكَّ أَنَّ ابْنَ مُنِيرٍ كَانَ يَسُبُّهُمَا فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ إلَى الْمُضِيِّ إلَى قَبْرِهِ فَمَضَوْا وَنَبَشُوهُ فَوَجَدُوا صُورَتَهُ صُورَةَ خِنْزِيرٍ وَوَجْهَهُ مُنْحَرِفٌ عَنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى، فَأَخْرَجُوهُ عَلَى شَفِيرِ قَبْرِهِ لِيُشَاهِدَهُ النَّاسُ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ فَأَحْرَقُوهُ بِالنَّارِ وَأَعَادُوهُ فِي قَبْرِهِ وَرَدُّوا عَلَيْهِ التُّرَابَ وَانْصَرَفُوا. قَالَ الْكَمَالُ أَيْضًا: وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ الشَّيْخِ الصَّالِحِ عُمَرَ الرُّعَيْنِيِّ قَالَ: كُنْت مُجَاوِرًا بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ - عَلَى مُشَرِّفِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ - فَخَرَجْت يَوْمَ عَاشُورَاءَ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْإِمَامِيَّةُ فِي قُبَّةِ الْعَبَّاسِ وَقَدْ اجْتَمَعُوا فِي الْقُبَّةِ، قَالَ: فَوَقَفْت أَنَا عَلَى بَابِ الْقُبَّةِ وَقُلْت أُرِيدُ فِي مَحَبَّةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ شَيْئًا، قَالَ فَخَرَجَ إلَيَّ شَيْخٌ مِنْهُمْ وَقَالَ اجْلِسْ حَتَّى نَفْرُغَ وَنُعْطِيَك فَجَلَسْت حَتَّى فَرَغُوا، ثُمَّ خَرَجَ إلَيَّ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَأَخَذَ بِيَدَيْ وَمَضَى بِي إلَى دَارِهِ وَأَدْخَلَنِي الدَّارَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ وَرَائِي وَسَلَّطَ عَلَيَّ عَبْدَيْنِ فَكَتَّفَانِي وَأَوْجَعَانِي ضَرْبًا ثُمَّ أَمَرَهُمَا بِقَطْعِ لِسَانِي فَقَطَعَاهُ ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَحَلَّا كِتَافِي وَقَالَ اُخْرُجْ إلَى الَّذِي طَلَبْت فِي مَحَبَّتِهِ لِيَرُدَّ عَلَيْك لِسَانَك. قَالَ: فَخَرَجْت مِنْ عِنْدِهِ إلَى الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ النَّبَوِيَّةِ وَأَنَا أَبْكِي مِنْ شِدَّةِ الْوَجَعِ وَالْأَلَمِ وَقُلْت فِي نَفْسِي: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ تَعْلَمُ مَا أَصَابَنِي فِي مَحَبَّةِ أَبِي بَكْرٍ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُك حَقًّا فَأُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إلَيَّ لِسَانِي وَبِتْ فِي الْحُجْرَةِ قَلِقًا مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ فَأَخَذَتْنِي سَنَةٌ مِنْ النَّوْمِ فَرَأَيْت فِي مَنَامِي أَنَّ لِسَانِي قَدْ عَادَ إلَى حَالِهِ كَمَا كَانَ فَاسْتَيْقَظْت فَوَجَدْته فِي فَمِي صَحِيحًا كَمَا كَانَ وَأَنَا أَتَكَلَّمُ فَقُلْت الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ عَلَيَّ لِسَانِي، قَالَ: فَازْدَدْت مَحَبَّةً فِي أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الثَّانِي فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ اجْتَمَعُوا عَلَى عَادَتِهِمْ فَخَرَجْت إلَى بَابِ الْقُبَّةِ وَقُلْت أُرِيدُ فِي مَحَبَّةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ دِينَارًا، فَقَامَ إلَيَّ شَابٌّ مِنْ الْحَاضِرِينَ وَقَالَ لِي اجْلِسْ حَتَّى نَفْرُغَ فَجَلَسْت، فَلَمَّا فَرَغُوا خَرَجَ إلَيَّ ذَلِكَ الشَّابُّ وَأَخَذَ بِيَدَيْ

стр. 823

وَمَضَى بِي إلَى تِلْكَ الدَّارِ فَأَدْخَلَنِي وَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيْ طَعَامًا فَأَكَلْنَا، فَلَمَّا فَرَغْنَا قَامَ الشَّابُّ وَفَتْح بَابًا عَلَى بَيْتٍ فِي دَارِهِ وَجَعَلَ يَبْكِي فَقُمْت لِأَنْظُرَ مَا سَبَبُ بُكَائِهِ فَرَأَيْت فِي الْبَيْتِ قِرْدًا مَرْبُوطًا فَسَأَلْته عَنْ قِصَّتِهِ فَازْدَادَ بُكَاؤُهُ فَسَكَّنْته حَتَّى سَكَنَ، فَقُلْت بِاَللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ حَالِك؟ فَقَالَ إنْ حَلَفْت لِي أَنْ لَا تُخْبِرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَخْبَرْتُك فَحَلَفْت لَهُ. فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّهُ أَتَانَا عَامَ أَوَّلَ رَجُلٌ وَطَلَبَ فِي مَحَبَّةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ شَيْئًا فِي قُبَّةِ الْعَبَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءِ فَقَامَ إلَيْهِ أَبِي وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الْإِمَامِيَّةِ وَالشِّيعَةِ وَقَالَ لَهُ اجْلِسْ حَتَّى نَفْرُغَ؛ فَلَمَّا فَرَغُوا أَتَى بِهِ هَذِهِ الدَّارَ وَسَلَّطَ عَلَيْهِ عَبْدَيْنِ فَضَرَبَاهُ وَأَمَرَ بِقَطْعِ لِسَانِهِ فَقُطِعَ وَأَخْرَجَهُ فَمَضَى لِسَبِيلِهِ وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ خَبَرًا، فَلَمَّا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ وَنِمْنَا صَرَخَ أَبِي صَرْخَةً عَظِيمَةً اسْتَيْقَظْنَا مِنْ شِدَّةِ صَرْخَتِهِ فَوَجَدْنَاهُ قَدْ مَسَخَهُ اللَّهُ قِرْدًا فَفَزِعْنَا مِنْهُ وَأَدْخَلْنَاهُ هَذَا الْبَيْتَ وَرَبَطْنَاهُ وَأَظْهَرْنَا لِلنَّاسِ مَوْتَهُ وَهَا أَنَا أَبْكِي عَلَيْهِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، قَالَ فَقُلْت لَهُ إذَا رَأَيْت الَّذِي قَطَعَ أَبُوك لِسَانَهُ تَعْرِفُهُ؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ، قُلْت أَنَا هُوَ وَاَللَّهِ أَنَا الَّذِي قَطَعَ أَبُوك لِسَانِي وَقَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، قَالَ فَأَكَبَّ عَلَيَّ وَقَبَّلَ رَأْسِي وَيَدَيْ ثُمَّ أَعْطَانِي ثَوْبًا وَدِينَارًا وَسَأَلَنِي كَيْفَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ لِسَانِي فَأَخْبَرْته وَانْصَرَفْت. هَذَا، وَقَدْ قَالَ الشَّعْبِيُّ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ: وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ: الرَّافِضَةُ يَهُودُ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِأَنَّهُمْ يُبْغِضُونَ الْإِسْلَامَ مِثْلُهُمْ إذْ لَمْ يَدْخُلُوا فِيهِ رَغْبَةً وَلَا رَهْبَةً وَإِنَّمَا دَخَلُوا فِيهِ مَقْتًا لِأَهْلِهِ وَبَغْيًا عَلَيْهِمْ، لَوْ كَانُوا دَوَابَّ لَكَانُوا حَمِيرًا وَلَوْ كَانُوا مِنْ الطَّيْرِ لَكَانُوا رُخْمًا وَمِحْنَتُهُمْ مِحْنَةُ الْيَهُودِ، قَالَتْ الْيَهُودُ: لَا يَكُون الْمُلْكُ إلَّا فِي آلِ وَالنَّسَائِيُّ وَلَا جِهَادَ حَتَّى يَخْرُجَ الْمَسِيحُ، وَيُؤَخِّرُونَ الْمَغْرِبَ إلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ، وَلَا يَرَوْنَ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ، وَيَنْأَوْنَ عَنْ الْقِبْلَةِ، وَيَسْتَحِلُّونَ أَمْوَالَ غَيْرِهِمْ وَيَقُولُونَ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيُحَرِّفُونَ التَّوْرَاةَ وَيُبْغِضُونَ جِبْرِيلَ وَيَقُولُونَ هُوَ عَدُوُّنَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَأَنَّهُ غَلِطَ فِي الْوَحْيِ إلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْجَزُورِ. وَكَذَلِكَ الرَّافِضَةُ يَقُولُونَ بِنَظِيرِ ذَلِكَ كُلِّهِ كَقَوْلِهِمْ: لَا يَكُونُ الْمُلْكُ إلَّا فِي آلِ عَلِيٍّ وَلَا جِهَادَ حَتَّى يَخْرُجَ الْمَهْدِيُّ، وَيُؤَخِّرُونَ الْمَغْرِبَ لِاشْتِبَاكِ النُّجُومِ، وَلَا يَرَوْنَ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ، وَيَنْأَوْنَ عَنْ الْقِبْلَةِ، وَيَسْتَحِلُّونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُحَرِّفُونَ الْقُرْآنَ وَيُبْغِضُونَ جِبْرِيلَ وَيَقُولُونَ غَلِطَ فِي الْوَحْيِ إلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِنَّمَا بُعِثَ إلَى عَلِيٍّ. ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَلِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عَلَيْهِمْ مَزِيَّةٌ فِي خَصْلَتَيْنِ.

стр. 824

إحْدَاهُمَا: إذَا سُئِلُوا مَنْ خَيْرُ مِلَّتِكُمْ؟ قَالُوا أَصْحَابُ مُوسَى، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى قَالُوا خَيْرُ مِلَّتِنَا أَصْحَابُ عِيسَى. وَسُئِلَتْ الرَّافِضَةُ مَنْ شَرُّ مِلَّتِكُمْ؟ قَالُوا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يَسْتَغْفِرُونَ لِمُتَقَدِّمِيهِمْ، وَالرَّافِضَةُ أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفَارِ لِلصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَسَبُّوهُمْ وَالسَّيْفُ عَلَيْهِمْ مَسْلُولٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ قَدَمٌ وَلَا تَقُومُ لَهُمْ حُجَّةٌ وَلَا تَجْتَمِعُ لَهُمْ كَلِمَةٌ دَعْوَتُهُمْ مَدْحُورَةٌ وَحُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ وَكَلَامُهُمْ مُخْتَلِفٌ وَجَمْعُهُمْ مُتَفَرِّقٌ ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤] . قَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ: خَرَجْت أَنَا وَجَمَاعَةٌ إلَى زِيَارَةِ قَبْرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَنَزَلْنَا عَلَى نَقِيبٍ مِنْ نُقَبَاءِ الْأَشْرَافِ الْعَلَوِيِّينَ، وَكَانَ لَهُ خَادِمٌ يَهُودِيٌّ يَتَوَلَّى أَمْرَ خِدْمَتِهِ دَاخِلًا وَخَارِجًا وَكَانَ قَدْ عُرِفَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ رَجُلٌ هَاشِمِيٌّ صَدِيقٌ لِي فَأَكْرَمَنَا ذَلِكَ النَّقِيبُ وَأَحْسَنَ إلَيْنَا، فَقَالَ صَدِيقِي الْهَاشِمِيُّ: أَيُّهَا النَّقِيبُ: إنَّ أُمُورَك كُلَّهَا حَسَنَةٌ قَدْ جَمَعْت الشَّرَفَ وَالْمُرُوءَةَ وَالْكَرَمَ إلَّا أَنَّا أَنْكَرْنَا اسْتِخْدَامَك لِهَذَا الْيَهُودِيِّ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِدِينِك وَدِينِ جَدِّك، فَقَالَ النَّقِيبُ: إنِّي قَدْ اشْتَرَيْت غِلْمَانًا كَثِيرَةً وَجِوَارِي فَمَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْهُمْ وَافَقَنِي وَمَا وَجَدْت فِيهِمْ أَمَانَةً وَنُصْحًا مِثْلَ هَذَا الْيَهُودِيِّ يَقُومُ بِأُمُورِي كُلِّهَا ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا وَفِيهِ الْأَمَانَةُ وَالْكِفَايَةُ، فَقَالَ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ الْحَاضِرِينَ: أَيُّهَا النَّقِيبُ فَإِذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَاعْرِضْ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهُ بِك فَأَرْسَلَ إلَيْهِ مَنْ دَعَاهُ فَجَاءَ. وَقَالَ: اللَّهَ لَقَدْ عَرَفْت لِمَاذَا دَعَوْتُمُونِي، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ: أَيُّهَا الْيَهُودِيُّ إنَّ هَذَا النَّقِيبَ الَّذِي أَنْتَ فِي خِدْمَتِهِ قَدْ عَرَفْت فَضْلَهُ وَرِئَاسَتَهُ وَشَرَفَهُ وَهُوَ يُحِبُّك وَيُثْنِي عَلَيْك بِالْأَمَانَةِ وَحُسْنِ الرِّعَايَةِ. فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَأَنَا أَيْضًا أُحِبُّهُ، قُلْنَا: فَلِمَ لَا تَتْبَعْهُ عَلَى دِينِهِ وَتُسْلِمُ؟ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيُّهَا الْجَمَاعَةُ أَنَا أَعْتَقِدُ أَنَّ عُزَيْرًا نَبِيٌّ كَرِيمٌ وَكَذَلِكَ مُوسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَلَوْ عَلِمْت أَنَّ فِي الْيَهُودِ مَنْ يَتَّهِمُ زَوْجَةَ نَبِيٍّ وَيَسُبُّ أَبَاهَا وَيَسُبُّ أَصْحَابَهُ لَمَا تَبِعْت دِينَهُمْ، فَإِذَا أَسْلَمْت أَنَا فَمَنْ أَتَّبِعُ؟ قُلْنَا تَتْبَعُ هَذَا النَّقِيبَ الَّذِي أَنْتَ فِي خِدْمَتِهِ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: مَا أَرْضَى هَذَا لِنَفْسِي، قُلْنَا: وَلِمَ؟ قَالَ لِأَنَّ هَذَا النَّقِيبَ يَقُولُ فِي عَائِشَةَ زَوْجَةِ نَبِيِّهِ مَا يَقُولُ وَيَسُبُّ أَبَاهَا وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵄ فَلَا أَرْضَى لِنَفْسِي أَنْ أَتَّبِعَ دِينَ مُحَمَّدٍ وَأَقْذِفُ أَزْوَاجَهُ وَأَسُبَّ أَصْحَابَهُ

стр. 825

فَرَأَيْت دِينِي الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ. فَوَجَدَ النَّقِيبُ سَاعَةً ثُمَّ عَرَفَ صِدْقَ الْيَهُودِيِّ فَأَطْرَقَ رَأْسَهُ إلَى الْأَرْضِ سَاعَةً وَقَالَ: صَدَقْت مُدَّ يَدَك فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَقَدْ تُبْت إلَى اللَّهِ عَمَّا كُنْت أَقُولُ وَأَعْتَقِدُهُ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَأَنَا أَيْضًا أَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ كُلَّ دِينٍ غَيْرُ دِينِ الْإِسْلَامِ بَاطِلٌ، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَتَابَ النَّقِيبُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَهِدَايَتِهِ، وَفَّقَنَا اللَّهُ لِمَرْضَاتِهِ وَهَدَانَا لِاقْتِفَاءِ آثَارِ نَبِيِّهِ وَسُنَّتِهِ ﷺ إنَّهُ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ. وَإِنَّمَا أَسْلَمَ النَّقِيبُ الْمَذْكُورُ لِأَنَّ سَبَّ عَائِشَةَ ﵂ بِالْفَاحِشَةِ كُفْرٌ إجْمَاعًا لِأَنَّ فِيهِ تَكْذِيبًا لِلْقُرْآنِ النَّازِلِ بِبَرَاءَتِهَا مِمَّا نَسَبَهُ إلَيْهَا الْمُنَافِقُونَ وَغَيْرُهُمْ، وَكَذَلِكَ إنْكَارُ صُحْبَةِ أَبِيهَا كُفْرٌ إجْمَاعًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَكْذِيبًا لِلْقُرْآنِ أَيْضًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] وَقَدْ أَفْتَى غَيْرُ وَاحِدٍ بِقَتْلِ سَابِّ عَائِشَةَ ﵂. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ: كُنْت يَوْمًا بِحَضْرَةِ الْحَسَنِ بْنِ يَزِيدَ الدَّاعِي بِطَبَرِسْتَانَ وَكَانَ يَلْبَسُ الصُّوفَ وَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُوَجِّهُ كُلَّ سَنَةٍ إلَى بَغْدَادَ عِشْرِينَ أَلْفِ دِينَارٍ تُفَرَّقُ عَلَى أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، فَحَضَرَ عِنْدَهُ رَجُلٌ فَذَكَرَ عَائِشَةَ ﵂ بِذِكْرٍ قَبِيحٍ مِنْ الْفَاحِشَةِ، فَقَالَ الْحَسَنُ لِغُلَامِهِ يَا غُلَامُ قُمْ فَاضْرِبْ عُنُقَ هَذَا فَنَهَضَ إلَيْهِ الْعَلَوِيُّونَ وَقَالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ شِيعَتِنَا، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ طَعَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦] فَإِذَا كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ خَبِيثَةً فَإِنَّ زَوْجَهَا يَكُونُ خَبِيثًا وَحَاشَاهُ ﷺ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الطَّيِّبُ الطَّاهِرُ بَلْ هُوَ أَطْيَبُ الْخَلْقِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَهِيَ الطَّيِّبَةُ الطَّاهِرَةُ الْمُبَرَّأَةُ مِنْ السَّبِّ. قُمْ يَا غُلَامُ فَاضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْكَافِرِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وَقَدْ تَمَيَّزَتْ ﵂ بِمَنَاقِبَ كَثِيرَةٍ: جَاءَ جِبْرِيلُ بِصُورَتِهَا فِي رَاحَتِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَمَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً هَاجَرَ أَبَوَاهَا إلَّا هِيَ، وَكَانَتْ أَحَبَّ نِسَائِهِ إلَيْهِ وَأَبُوهَا أَعَزَّ أَصْحَابِهِ وَأَكْرَمَهُمْ وَأَفْضَلَهُمْ عِنْدَهُ، وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي غَيْرِ لِحَافِهَا، وَنَزَلَتْ بَرَاءَتُهَا مِنْ السَّمَاءِ رَدًّا عَلَى مَنْ طَعَنَ فِيهَا، وَوَهَبَتْهَا سَوْدَةُ يَوْمِهَا وَلَيْلَتِهَا فَكَانَ لَهَا يَوْمَانِ وَلَيْلَتَانِ دُونَ بَقِيَّةِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَتْ تَغْضَبُ فَيَتَرَضَّاهَا، وَقُبِضَ ﷺ بَيْنَ سَحَرِهَا وَنَحْرِهَا، وَاتَّفَقَ ذَلِكَ فِي يَوْمِهَا وَكَانَ قَدْ

стр. 826

اسْتَأْذَنَ نِسَاءَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِهَا فَلَمْ يَمُتْ إلَّا فِي الْيَوْمِ الْمُوَافِقِ لِنَوْبَتِهَا وَاسْتِحْقَاقِهَا، وَخَالَطَ رِيقُهَا رِيقَهُ فِي آخِرِ أَنْفَاسِهِ وَدُفِنَ بِمَنْزِلِهَا، وَلَمْ تَرْوِ عَنْهُ امْرَأَةٌ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَلَا بَلَغَتْ عُلُومُ النِّسَاءِ قَطْرَةً مِنْ عُلُومِهَا فَإِنَّهَا رَوَتْ عَنْهُ ﷺ أَلْفَيْ حَدِيثٍ وَمِائَتَيْ حَدِيثٍ، وَلَقَدْ خُلِقَتْ طَيِّبَةً وَعِنْدَ طَيِّبٍ وَوُعِدَتْ مَغْفِرَةً وَرِزْقًا كَرِيمًا. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ﵁: مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَنْهُ عَائِشَةَ إلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا، وَكَانَتْ فَصَيْحَةَ الطَّبْعِ، غَزِيرَةَ الْكَرَمِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ، قَسَمَتْ ﵂ سَبْعِينَ أَلْفًا فِي الْمَحَاوِيجِ وَدِرْعُهَا مَرْقُوعٌ، وَلَقَدْ شَاعَ حُبُّهُ ﷺ لَهَا حَتَّى كَانَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَهَا حَتَّى أَضْجَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةً مِنْ ضَرَائِرِهَا، فَسَأَلْنَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى لِسَانِ فَاطِمَةَ ﵂ بِنْتِهِ وَعَلَى لِسَانِ غَيْرِهَا الْعَدْلَ فِي بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يُجِبْ ﷺ إلَّا بِ «لَا تُؤْذُونِي فِي عَائِشَةَ فَوَاَللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرَهَا» . وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ﷺ : «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» . وَكُشِفَ عَنْ بَصَرِهَا فَرَأَتْ جِبْرِيلَ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَلِّمْ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهَا هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْك السَّلَامُ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِ الشُّعَرَاءِ: وَلَوْ كَانَ النِّسَاءُ كَمَنْ ذُكِرْنَا ... لَفُضِّلَتْ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ فَمَا التَّأْنِيثُ لِاسْمِ الشَّمْسِ عَيْبٌ ... وَلَا التَّذْكِيرُ فَخْرٌ لِلْهِلَالِ

стр. 827

[كِتَابُ الدَّعَاوَى] [ الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالسِّتُّونَ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ دَعْوَى الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ] (الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالسِّتُّونَ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ: دَعْوَى الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ) . فِيهِ حَدِيثُ: «مَنْ ادَّعَى بِمَا لَيْسَ لَهُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» . وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ، وَبِهِ يَتَّجِهُ عَدُّ هَذَا كَبِيرَةً، وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ. [كِتَابُ الْعِتْقِ] [الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ] كِتَابُ الْعِتْقِ - أَعْتَقَنَا اللَّهُ مِنْ النَّارِ وَجَعَلَنَا مِنْ أَوْلِيَائِهِ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ -. (الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ اسْتِخْدَامُ الْعَتِيقِ بِغَيْرِ مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ، كَأَنْ يَعْتِقَهُ بَاطِنًا وَيَسْتَمِرَّ عَلَى اسْتِخْدَامِهِ) وَذِكْرُ هَذَا ظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ، وَقَدْ مَرَّ فِي اسْتِعْبَادِ الْحُرِّ الشَّامِلِ لِهَذَا مَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ.

стр. 828

[خَاتِمَةُ فِي ذِكْرِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ] [ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ مَا جَاءَ فِي فَضَائِلِ التَّوْبَةِ] الْخَاتِمَةُ فِي ذِكْرِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ مَا جَاءَ فِي فَضَائِلِ التَّوْبَةِ وَمُتَعَلِّقَاتهَا اعْلَمْ أَنَّ الْآيَاتِ فِيهَا كَثِيرَةٌ وَمَشْهُورَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٩] ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١] . وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ: أَخْرَجَ مُسْلِمٌ: «إنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: «إنَّ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ لَبَابًا مَسِيرَةُ عَرْضِهِ أَرْبَعُونَ عَامًا أَوْ سَبْعُونَ سَنَةً فَتَحَهُ اللَّهُ لِلتَّوْبَةِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَلَا يُغْلِقُهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ» . وَصَحَّحَ أَيْضًا: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا لِلتَّوْبَةِ لَا يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] الْآيَةَ» قِيلَ: وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَا الْأُولَى تَصْرِيحٌ بِرَفْعِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ، انْتَهَى. وَيُجَابُ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَلَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ.

стр. 829

وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: «لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ سَبْعَةٌ مُغْلَقَةٌ وَبَابٌ مَفْتُوحٌ لِلتَّوْبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ نَحْوِهِ» . وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: «لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَبْلُغَ خَطَايَاكُمْ السَّمَاءَ ثُمَّ تُبْتُمْ لَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ» . وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يَطُولَ عُمُرُهُ وَيَرْزُقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» . وَالشَّيْخَانِ: «إنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ يَا رَبِّ إنِّي أَذْنَبْت ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ فَغَفَرَ لَهُ ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ يَا رَبِّ إنِّي أَذْنَبْت ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ فَغَفَرَ لَهُ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ يَا رَبِّ إنِّي أَذْنَبْت ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، فَقَالَ رَبُّهُ: غَفَرْت لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: قَوْلُهُ فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ: مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ مَا دَامَ كُلَّمَا أَذْنَبَ ذَنْبًا اسْتَغْفَرَ وَتَابَ مِنْهُ وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ فَلْيَعْمَلْ إذَا كَانَ هَذَا دَأْبَهُ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا أَذْنَبَ كَانَتْ تَوْبَتُهُ وَاسْتِغْفَارُهُ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ فَلَا يَضُرُّهُ لَا أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُذْنِبُ فَيَسْتَغْفِرُ مِنْهُ بِلِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ إقْلَاعٍ ثُمَّ يُعَاوِدُهُ فَإِنَّ هَذِهِ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ. وَجَمَاعَةٌ وَصَحَّحُوهُ: «إنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ مِنْهَا، وَإِنْ زَادَتْ زَادَ حَتَّى يُغْلَقُ بِهَا قَلْبُهُ فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] » . وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ: «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» : أَيْ تَبْلُغُ رُوحُهُ حُلْقُومَهُ. وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٌ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: «أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى مِيلًا ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ

стр. 830

وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَوَفَاءِ الْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ، وَرَحْمَةِ الْيَتِيمِ، وَحِفْظِ الْجِوَارِ، وَكَظْمِ الْغَيْظِ، وَلِينِ الْكَلَامِ، وَبَذْلِ السَّلَامِ، وَلُزُومِ الْإِمَامِ، وَالتَّفَقُّهِ فِي الْقُرْآنِ، وَحُبِّ الْآخِرَةِ وَالْجَزَعِ مِنْ الْحِسَابِ، وَقِصَرِ الْأَمَلِ، وَحُسْنِ الْعَمَلِ، وَأَنْهَاك أَنْ تَشْتُمَ مُسْلِمًا أَوْ تُصَدِّقَ كَاذِبًا أَوْ تُكَذِّبَ صَادِقًا أَوْ تَعْصِيَ إمَامًا عَادِلًا، وَأَنْ تُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ، يَا مُعَاذُ اُذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحَجَرٍ وَأَحْدِثْ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةً، السِّرُّ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ» . وَالْأَصْفَهَانِيُّ: «إذَا تَابَ الْعَبْدُ مِنْ ذُنُوبِهِ أَنْسَى اللَّهُ حَفَظَتَهُ ذُنُوبَهُ، وَأَنْسَى ذَلِكَ جَوَارِحَهُ وَمَعَالِمَهُ مِنْ الْأَرْضِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ مِنْ اللَّهِ بِذَنْبٍ» . وَالْأَصْفَهَانِيُّ أَيْضًا: «النَّادِمُ يَنْتَظِرُ مِنْ اللَّهِ الرَّحْمَةَ، وَالْمُعْجَبُ يَنْتَظِرُ الْمَقْتَ، وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ سَيَقْدَمُ عَلَى عَمَلِهِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى يَرَى حُسْنَ عَمَلِهِ وَسُوءَ عَمَلِهِ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مَطِيَّتَانِ فَأَحْسِنُوا السَّيْرَ عَلَيْهِمَا إلَى الْآخِرَةِ، وَاحْذَرُوا التَّسْوِيفَ فَإِنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً، وَلَا يَغْتَرَّنَّ أَحَدُكُمْ بِحِلْمِ اللَّهِ فَإِنَّ النَّارَ أَقْرَبُ إلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] » . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ: «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَزَادَ: «وَالْمُسْتَغْفِرُ مِنْ الذَّنْبِ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» أَيْ أَنَّهُ مُعْظَمُ أَرْكَانِهَا كَخَبَرِ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» . وَلَا بُدَّ فِي النَّدَمِ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْصِيَةِ وَقُبْحِهَا وَخَوْفِ عِقَابِهَا بِخِلَافِهِ لِنَحْوِ هَتْكٍ أَوْ ضَيَاعِ مَالٍ عَلَى الْمَعْصِيَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ لَكِنْ فِيهِ سَاقِطٌ: «مَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ عَبْدٍ نَدَامَةً عَلَى ذَنْبٍ إلَّا غَفَرَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ مِنْهُ» . وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا وَتَسْتَغْفِرُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ غَيْرِكُمْ يُذْنِبُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» .

стр. 831

وَمُسْلِمٌ: «لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إلَيْهِ الْمَدْحُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، وَلَيْسَ، أَحَدٌ أَحَبَّ إلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ» . وَمُسْلِمٌ: «إنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْت حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَلِيَّهَا فَقَالَ: أَحْسِنْ إلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا فَفَعَلَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ، قَالَ ﷺ : لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْت أَفْضَلَ مِمَّنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ » . وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَلَكِنْ سَمِعْته أَكْثَرَ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كَانَ الْكِفْلُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ لَا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا، فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ أَرْعَدَتْ وَبَكَتْ، فَقَالَ مَا يُبْكِيك أَكْرَهْتُك؟ قَالَتْ: لَا وَلَكِنَّهُ عَمَلٌ مَا عَمِلْته قَطُّ وَمَا حَمَلَنِي عَلَيْهِ إلَّا الْحَاجَةُ، فَقَالَ: تَفْعَلِينَ أَنْتِ هَذَا وَمَا فَعَلْتِيهِ قَطُّ اذْهَبِي فَهِيَ لَك، وَقَالَ لَا وَاَللَّهِ لَا أَعْصِي بَعْدَهَا أَبَدًا فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ إنَّ اللَّه قَدْ غَفَرَ لِلْكِفْلِ» . وَصَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ قَرْيَتَانِ إحْدَاهُمَا صَالِحَةٌ وَالْأُخْرَى طَالِحَةٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ الْقَرْيَةِ الطَّالِحَةِ يُرِيدُ الْقَرْيَةَ الصَّالِحَةَ فَأَتَاهُ الْمَوْتُ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، فَاخْتَصَمَ فِيهِ الْمَلَكُ وَالشَّيْطَانُ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ وَاَللَّهِ مَا عَصَانِي قَطُّ، وَقَالَ الْمَلَكُ: إنَّهُ قَدْ خَرَجَ يُرِيدُ التَّوْبَةَ فَقَضَى اللَّهُ بَيْنَهُمَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى أَيِّهِمَا أَقْرَبُ فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ.» قَالَ مَعْمَرٌ: وَسَمِعْت مَنْ يَقُولُ قَرَّبَ اللَّهُ إلَيْهِ الْقَرْيَةَ الصَّالِحَةَ. وَالشَّيْخَانِ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: إنَّهُ قَتَلَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ

стр. 832

عَالِمٍ فَقَالَ: إنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إلَى أَرْضِك فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إذَا بَلَغَ نِصْفَ الطَّرِيقِ أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا هُوَ أَدْنَى كَانَ لَهُ فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «فَكَانَ إلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَحُمِلَ مِنْ أَهْلِهَا» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَوَجَدُوهُ إلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ قَتَادَةُ: قَالَ الْحَسَنُ: «ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ نَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: «أَنَّ رَجُلًا أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَقِيَ رَجُلًا فَقَالَ إنَّ الْآخَرَ قَتَلَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ نَفْسًا كُلَّهُمْ ظُلْمًا فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لَا فَقَتَلَهُ، وَأَتَى آخَرَ فَقَالَ: إنَّ الْآخَرَ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ كُلَّهَا ظُلْمًا فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: إنْ حَدَّثْتُك أَنَّ اللَّهَ لَا يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ كَذَبْتُك، هَاهُنَا قَوْمٌ يَتَعَبَّدُونَ فَأْتِهِمْ تَعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ فَتَوَجَّهَ إلَيْهِمْ فَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَاخْتَصَمَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ مَلَكًا فَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَ الْمَكَانَيْنِ فَأَيُّهُمْ كَانَ أَقْرَبَ فَهُوَ مِنْهُمْ فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إلَى دَيْرِ التَّوَّابِينَ بِأُنْمُلَةٍ فَغُفِرَ لَهُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «ثُمَّ أَتَى رَاهِبًا آخَرَ فَقَالَ: إنِّي قَتَلْت مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ أَسْرَفْت مَا أَدْرِي وَلَكِنْ هُنَا قَرْيَتَانِ إحْدَاهُمَا يُقَالُ لَهَا نَصْرَةُ وَالْأُخْرَى يُقَالُ لَهَا كَفَرَةُ، فَأَمَّا أَهْلُ نَصْرَةَ فَيَعْمَلُونَ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يَثْبُتُ فِيهَا غَيْرُهُمْ، وَأَمَّا أَهْلُ كَفَرَةَ فَيَعْمَلُونَ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ لَا يَثْبُتُ فِيهَا غَيْرُهُمْ، فَانْطَلِقْ إلَى نَصْرَةَ فَإِنْ ثَبَتَّ فِيهَا وَعَمِلَتْ عَمَلَ أَهْلِهَا فَلَا شَكَّ فِي تَوْبَتِك، فَانْطَلَقَ يُرِيدُهَا حَتَّى إذَا كَانَ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَسَأَلَتْ الْمَلَائِكَةُ رَبَّهَا عَنْهُ، فَقَالَ: اُنْظُرُوا إلَى أَيِّ الْقَرْيَتَيْنِ كَانَ أَقْرَبَ فَاكْتُبُوهُ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إلَى نَصْرَةَ بِقَيْدِ أُنْمُلَةٍ فَكُتِبَ مِنْ أَهْلِهَا» . وَمُسْلِمٌ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالْبُخَارِيُّ بِنَحْوِهِ: قَالَ اللَّهُ «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي، وَاَللَّهِ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالْفَلَاةِ، وَمَنْ

стр. 833

تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ بَاعًا، وَإِذَا أَقْبَلَ يَمْشِي أَقْبَلْتُ إلَيْهِ أُهَرْوِلُ» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ اللَّهُ : «يَا ابْنَ آدَمَ قُمْ إلَيَّ أَمْشِ إلَيْك وَامْشِ إلَيَّ أُهَرْوِلْ إلَيْك» . وَالشَّيْخَانِ: «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ» . وَمُسْلِمٌ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْ يَدِهِ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةٌ عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّك أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» . وَالشَّيْخَانِ: «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ فِي أَرْضٍ دَوِيَّةٍ مُهْلِكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ فَطَلَبَهَا حَتَّى إذَا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ: أَرْجِعُ إلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْت فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ فَاسْتَيْقَظَ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ عَلَيْهَا زَادُهُ وَشَرَابُهُ، فَاَللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ» الدَّوِّيَّةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ الْفَلَاةُ الْقَفْرُ وَالْمَفَازَةُ. وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «مَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَقِيَ غُفِرَ لَهُ مَا مَضَى وَمَنْ أَسَاءَ فِيمَا بَقِيَ أُخِذَ بِمَا مَضَى وَبِمَا بَقِيَ» . وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «إنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ ضَيِّقَةٌ قَدْ خَنَقَتْهُ ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً أُخْرَى فَانْفَكَّتْ أُخْرَى حَتَّى تَخْرُجَ إلَى الْأَرْضِ» وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَرَادَ سَفَرًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي. قَالَ ﷺ : اُعْبُدْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ إذَا أَسَأْت فَأَحْسِنْ وَلْتُحَسِّنْ خُلُقَكَ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ: «سِتَّةُ أَيَّامٍ ثُمَّ اعْقِلْ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا يُقَالُ

стр. 834

لَك بَعْدُ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّابِعُ قَالَ: أُوصِيك بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سَرَائِرِك وَعَلَانِيَتِك، وَإِذَا أَسَأْت فَأَحْسِنْ، وَلَا تَسْأَلَنَّ أَحَدًا شَيْئًا وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُك، وَلَا تَقْبِضْ أَمَانَةً» . وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي عَالَجْت امْرَأَةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَإِنِّي أَصَبْت مِنْهَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا فَأَنَا هَذَا فَاقْضِ فِي مَا شِئْت، فَقَامَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَك اللَّهُ لَوْ سَتَرْت نَفْسَك، قَالَ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا. فَقَالَ الرَّجُلُ: فَانْطَلَقَ فَأَتْبَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا دَعَاهُ فَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً» . وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ وَاللَّفْظُ لَهُ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْت مَنْ عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ حَاجَّةً - أَيْ وَهُوَ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْحَاجِّ إذَا تَوَجَّهُوا - وَلَا دَاجَّةً - أَيْ وَهُوَ الَّذِي يَقْطَعُ عَلَيْهِمْ إذَا رَجَعُوا - إلَّا أَتَاهَا فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: فَهَلْ أَسْلَمْت؟ قَالَ أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّك رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: تَفْعَلْ الْخَيْرَاتِ وَتَتْرُكْ السَّيِّئَاتِ فَيَجْعَلُهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى خَيْرَاتٍ كُلَّهُنَّ، قَالَ: وَغَدَرَاتِي وَفَجَرَاتِي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى» . تَتِمَّةٌ: أَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «إنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ عَقَبَةً كَئُودًا لَا يَنْجُو مِنْهَا إلَّا كُلُّ مُخِفٍّ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «إنَّ وَرَاءَكُمْ عَقَبَةً كَئُودًا لَا يَجُوزُهَا الْمُثْقِلُونَ» . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَاوِيهِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَتَخَفَّفَ لِتِلْكَ الْعَقَبَةِ وَالْكَئُودُ بِفَتْحٍ فَضَمِّ الْهَمْزَةِ الْعَقَبَةُ الصَّعْبَةُ ". وَالطَّبَرَانِيُّ: «خَرَجَ ﷺ يَوْمًا وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَلِمْت أَنَّ بَيْنَ أَيْدِينَا عَقَبَةً كَئُودًا لَا يَصْعَدُهَا إلَّا الْمُخِفُّونَ؟ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنَ الْمُخِفِّينَ أَنَا أَمْ مِنْ الْمُثْقِلِينَ؟ قَالَ: أَعْنَدَك طَعَامُ يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ وَطَعَامُ غَدٍ؟ قَالَ: وَطَعَامُ بَعْدَ غَدٍ قَالَ لَا، قَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدَك طَعَامُ ثَلَاثٍ كُنْت مِنْ الْمُثْقِلِينَ» .

стр. 835

وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ » . وَالْبُخَارِيُّ: «الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ» . وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَلَا يَزْدَادُ النَّاسُ عَلَى الدُّنْيَا إلَّا حِرْصًا وَلَا يَزْدَادُونَ مِنْ اللَّهِ إلَّا بُعْدًا» . وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ مَاجَهْ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا، وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا، وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ، وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ تُرْزَقُوا وَتُنْصَرُوا وَتُجْبَرُوا» . وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ شَبَابَك قَبْلَ هَرَمِك، وَصِحَّتَك قَبْلَ سَقَمِك، وَغِنَاك قَبْلَ فَقْرِك، وَفَرَاغَك قَبْلَ شُغْلِك، وَحَيَاتَك قَبْلَ مَوْتِك» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إلَّا نَدِمَ، قَالُوا وَمَا نَدَامَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ نَزَعَ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ: «إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا عَسَلَهُ، قَالُوا: وَمَا عَسَلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يُوَفِّقُ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا بَيْنَ يَدَيْ رِحْلَتِهِ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ جِيرَانُهُ أَوْ قَالَ مَنْ حَوْلَهُ» . عَسَلَهُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ: مِنْ الْعَسَلِ وَهُوَ طَيِّبُ الثَّنَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا مَثَلٌ أَيْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ يُتْحِفُهُ بِهِ كَمَا يُتْحِفُ الرَّجُلُ أَخَاهُ إذَا أَطْعَمَهُ الْعَسَلَ. وَالتِّرْمِذِيُّ وَآخَرُونَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «إنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَضَنُّ بِهِمْ عَنْ الْقَتْلِ، وَيُطِيلُ أَعْمَارَهُمْ فِي حُسْنِ الْعَمَلِ وَيُحْسِنُ أَرْزَاقَهُمْ وَيُحْيِيهِمْ فِي عَافِيَةٍ وَيَقْبِضُ أَرْوَاحَهُمْ فِي عَافِيَةٍ عَلَى الْفُرُشِ وَيُعْطِيهِمْ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ» وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «لَا تَمَنَّوْا الْمَوْتَ فَإِنَّ هَوْلَ الْمَطْلَعِ شَدِيدٌ، وَإِنَّ مِنْ

стр. 836

السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمُرُ الْعَبْدِ وَيَرْزُقُهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ» . وَالشَّيْخَانِ: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ إمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ فِي إحْسَانِهِ أَوْ مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ» . وَالشَّيْخَانِ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ فَذَكَرَهُمْ إلَى أَنْ قَالَ: وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إنِّي أَخَافُ اللَّهَ» . وَالشَّيْخَانِ: «كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُونِي فِي الرِّيحِ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا، فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَقَالَ اجْمَعِي مَا فِيك فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت؟ قَالَ خَشِيتُك يَا رَبِّ أَوْ قَالَ مَخَافَتُك فَغَفَرَ لَهُ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ: «يَقُولُ اللَّهُ أَخْرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ ذَكَرَنِي يَوْمًا أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامٍ» . وَالشَّيْخَانِ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً» الْحَدِيثَ. وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «قَالَ اللَّهُ : وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلَا أَمْنَيْنِ إذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْته فِي الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْته فِي الْقِيَامَةِ» . وَمُسْلِمٌ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ رَحْمَتِهِ أَحَدٌ» . وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] تَلَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ فَخَرَّ فَتًى مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى فُؤَادِهِ فَإِذَا هُوَ يَتَحَرَّكُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا فَتَى قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَالَهَا فَبَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ بَيْنِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَوَ مَا سَمِعْتُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] » .

стр. 837

الْأَمْرُ الثَّانِي فِي ذِكْرِ الْحَشْرِ وَالْحِسَابِ وَالشَّفَاعَةِ وَالصِّرَاطِ وَمُتَعَلِّقَاتهَا وَيَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ [الْأَمْرُ الثَّانِي فِي ذِكْرِ الْحَشْرِ وَالْحِسَابِ وَالشَّفَاعَةِ وَالصِّرَاطِ وَمُتَعَلِّقَاتهَا وَيَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ] [الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْحَشْرِ وَغَيْرِهِ] الْأَمْرُ الثَّانِي فِي ذِكْرِ الْحَشْرِ وَالْحِسَابِ وَالشَّفَاعَةِ وَالصِّرَاطِ وَمُتَعَلِّقَاتهَا وَيَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الْحَشْرِ وَغَيْرِهِ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ: «إنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» : أَيْ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ جَمْعُ أَغْرَلَ وَهُوَ الْأَقْلَفُ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ " مُشَاةً "، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَقُلْت الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ قَالَ: الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَلِكَ» . وَفِي أُخْرَى صَحِيحَةٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: «فَقُلْت وَاسَوْأَتَاهُ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ ﷺ : شُغِلَ النَّاسُ، قُلْت: وَمَا يَشْغَلُهُمْ؟ قَالَ: نَشْرُ الصَّحَائِفِ فِيهَا مَثَاقِيلُ الذَّرِّ وَمَثَاقِيلُ الْخَرْدَلِ» . وَفِي أُخْرَى صَحِيحَةٍ عَنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ﵂ «فَقَالَتْ: يُبْصِرُ بَعْضُنَا بَعْضًا؟ قَالَ شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] » . وَفِي أُخْرَى صَحِيحَةٍ أَيْضًا: «فَقَالَتْ امْرَأَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا؟ فَقَالَ: إنَّ الْأَبْصَارَ شَاخِصَةٌ فَرَفَعَ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتِي، قَالَ اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَوْرَتَهَا» . وَالشَّيْخَانِ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ - أَيْ لَيْسَ بَيَاضُهَا بِالنَّاصِعِ - كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ - وَهُوَ الْخُبْزُ الْأَبْيَضُ - لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ: " مَعْلَمٌ " وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَا يُجْعَلُ عَلَامَةً لِلطَّرِيقِ أَوْ الْحَدِّ، وَقِيلَ الْمَعْلَمُ الْأَثَرُ؛ وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لَمْ تُوطَأْ قَبْلُ فَيَكُونُ بِهَا أَثَرٌ أَوْ عَلَامَةٌ لِأَحَدٍ.

стр. 838

وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «إنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] أَيُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَيْسَ الَّذِي أَمَشَاهُ عَلَى رِجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ قَتَادَةُ حِينَ بَلَغَهُ: بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ: «إنَّكُمْ تُحْشَرُونَ رِجَالًا وَرُكْبَانًا وَتُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِكُمْ» . وَالشَّيْخَانِ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ - أَيْ حَالَاتٍ - رَاغِبِينَ وَرَاهِبِينَ وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ النَّارُ تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي حَيْثُ أَمْسَوْا» . وَالشَّيْخَانِ: «يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَإِنَّهُ يُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ، وَرَوَيَا أَنَّهُ ﷺ قَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قَالَ: يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ» . وَمُسْلِمٌ: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ، قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ أَمَسَافَةَ الْأَرْضِ أَوْ الْمِيلَ الَّذِي تَكْحَلُ بِهِ الْعَيْنَ؟ قَالَ: فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إلْجَامًا وَأَشَارَ ﷺ بِيَدِهِ إلَى فِيهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ صَحَّحَهَا الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ الْعَجُزَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ الْخَاصِرَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ عُنُقَهُ، وَمِنْهُمْ يَبْلُغُ وَسَطَ فِيهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ أَلْجَمَهَا فَاهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُغَطِّيهِ عَرَقُهُ» . وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَطَّارِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ لَا أَعْلَمُ إلَّا رَفْعَهُ قَالَ: «لَمْ يَلْقَ ابْنُ آدَمَ شَيْئًا مُنْذُ خَلَقَهُ اللَّهُ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ، ثُمَّ إنَّ الْمَوْتَ أَهْوَنُ مِمَّا بَعْدَهُ، وَإِنَّهُمْ لَيَلْقَوْنَ مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ شِدَّةً حَتَّى يُلْجِمَهُمْ الْعَرَقُ حَتَّى إنَّ السُّفُنَ لَوْ أُجْرِيَتْ فِيهِ لَجَرَتْ» .

стр. 839

وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيُلْجِمُهُ الْعَرَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَرِحْنِي وَلَوْ إلَى النَّارِ» . وَأَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ « ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] مِقْدَارُ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَيَهُونُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَتَدَلِّي الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ» . وَفِي رِوَايَةٍ صَحَّحَهَا ابْنُ حِبَّانَ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «تَجْتَمِعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ أَيْنَ فُقَرَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَمَسَاكِينُهَا؟ فَيَقُومُونَ فَيُقَالُ لَهُمْ مَاذَا عَمِلْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا ابْتَلَيْتنَا فَصَبَرْنَا وَآتَيْت الْأَمْوَالَ وَالسُّلْطَانُ غَيْرَنَا فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا صَدَقْتُمْ، قَالَ: وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ النَّاسِ وَتَبْقَى شِدَّةُ الْحِسَابِ عَلَى ذَوِي الْأَمْوَالِ وَالسُّلْطَانِ قَالُوا فَأَيْنَ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: يُوضَعُ لَهُمْ كَرَاسِي مِنْ نُورٍ وَيُظَلِّلُ عَلَيْهِمْ الْغَمَامُ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَقْصَرَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ» . وَصَحَّ: «إنَّ الْفُقَرَاءَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ» . وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ أَحَدُهَا صَحِيحٌ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «إنَّ النَّاسَ يُعْطَوْنَ فِي الْمَوْقِفِ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى مِثْلَ النَّخْلَةِ بِيَدِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ رَجُلًا يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إبْهَامِ قَدَمَيْهِ يُضِيءُ مَرَّةً وَيُطْفَأُ مَرَّةً فَإِذَا أَضَاءَ قَدَّمَ قَدَمَهُ وَإِذَا طَفِئَ قَامَ» . وَفِيهِ أَيْضًا: «إنَّ النَّاسَ يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ عَلَى قَدْرِ نُورِهِمْ؛ مِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَطَرْفَةِ الْعَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالسَّحَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَانْقِضَاضِ الْكَوَاكِبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الْفَرَسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرَّحْلِ حَتَّى يَمُرَّ الَّذِي يُعْطَى نُورَهُ عَلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ يَحْبُو عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ تَجُرُّ يَدٌ وَتَعْلَقُ يَدٌ وَتَجُرُّ رِجْلٌ وَتَعْلَقُ رِجْلٌ وَتُصِيبُ جَوَانِبَهُ النَّارُ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَخْلُصَ، فَإِذَا خَلَصَ وَقَفَ عَلَيْهَا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَانِي مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا إذْ نَجَّانِي مِنْهَا بَعْدَ إذْ رَأَيْتهَا، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إلَى غَدِيرٍ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ فَيَغْتَسِلُ فَيَعُودُ

стр. 840

إلَيْهِ رِيحُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَلْوَانِهِمْ فَيَرَى مَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ فَيَقُولُ رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ فَيَقُولُ اللَّهُ أَتَسْأَلُ الْجَنَّةَ وَقَدْ نَجَّيْتُك مِنْ النَّارِ؟ فَيَقُولُ رَبِّ اجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابًا حَتَّى لَا أَسْمَعَ حَسِيسَهَا فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَرَى أَوْ يُرْفَعُ لَهُ مَنْزِلٌ أَمَامَ ذَلِكَ كَأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ حُلْمٌ فَيَقُولُ رَبِّ أَعْطِنِي ذَلِكَ الْمَنْزِلَ، فَيَقُولُ لَعَلَّك إنْ أُعْطِيتَهُ تَسْأَلُ غَيْرَهُ فَيَقُولُ لَا وَعِزَّتِك يَا رَبِّ لَا أَسْأَلُ غَيْرَهُ وَأَيُّ مَنْزِلٍ أَحْسَنُ مِنْهُ؟ . فَيُعْطَاهُ فَيَنْزِلُهُ، وَيَرَى أَمَامَ ذَلِكَ مَنْزِلًا فَيَقُولُ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَنْزِلُهُ ثُمَّ يَسْكُتُ فَيَقُولُ اللَّهُ مَا لَك لَا تَسْأَلُ؟ فَيَقُولُ رَبِّ قَدْ سَأَلْتُك حَتَّى اسْتَحْيَيْتُك فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ أَلَمْ تَرْضَ أَنْ أُعْطِيَك مِثْلَ الدُّنْيَا مُنْذُ خَلَقْتهَا إلَى يَوْمِ أَفْنَيْتهَا وَعَشَرَةَ أَضْعَافِهِ فَيَقُولُ أَتَهْزَأُ بِي وَأَنْتَ رَبُّ الْعِزَّةِ؟ فَيَقُولُ الرَّبُّ جَلَّ ذِكْرُهُ: لَا وَلَكِنِّي عَلَى ذَلِكَ قَادِرٌ سَلْ فَيَقُولُ أَلْحِقْنِي بِالنَّاسِ فَيَقُولُ الْحَقْ بِالنَّاسِ، قَالَ فَيَنْطَلِقُ فَيَرْمُلُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى إذَا دَنَا مِنْ النَّاسِ رُفِعَ لَهُ قَصْرٌ مِنْ دُرَّةٍ فَيَخِرُّ سَاجِدًا فَيُقَالُ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَك مَا لَك؟ فَيَقُولُ رَأَيْت رَبِّي أَوْ تَرَاءَى لِي رَبِّي فَيُقَالُ إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ مِنْ مَنَازِلِك ثُمَّ يَلْقَى رَجُلًا فَيَتَهَيَّأُ لِلسُّجُودِ، فَيُقَالُ لَهُ مَهْ فَيَقُولُ رَأَيْت أَنَّك مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، فَيَقُولُ إنَّمَا أَنَا خَازِنٌ مِنْ خُزَّانِكَ وَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدِك تَحْتَ يَدِي أَلْفُ قَهْرَمَانٍ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ، فَيَنْطَلِقُ أَمَامَهُ حَتَّى يَفْتَحَ لَهُ بَابَ الْقَصْرِ وَهُوَ مِنْ دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ سَقَائِفُهَا وَأَبْوَابُهَا وَأَغْلَاقُهَا وَمَفَاتِيحُهَا مِنْهَا تَسْتَقْبِلُهُ جَوْهَرَةٌ خَضْرَاءُ مُبَطَّنَةٌ بِحَمْرَاءَ فِيهَا سَبْعُونَ بَابًا كُلُّ بَابٍ يُفْضِي إلَى جَوْهَرَةٍ خَضْرَاءَ مُبَطَّنَةٍ. كُلُّ جَوْهَرَةٍ تُفْضِي إلَى جَوْهَرَةٍ عَلَى غَيْرِ لَوْنِ الْأُخْرَى فِي كُلِّ جَوْهَرَةٍ سُرُرٌ وَأَزْوَاجٌ وَوَصَائِفُ أَدْنَاهُنَّ حَوْرَاءُ عَيْنَاءُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ حُلَّةً يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ حُلَلِهَا، كَبِدُهَا مَرَآتُهُ وَكَبِدُهُ مَرَآتُهَا، إذَا أَعْرَضَ عَنْهَا إعْرَاضَةً ازْدَادَتْ فِي عَيْنِهِ سَبْعِينَ ضِعْفًا عَمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَقُولُ لَهَا: وَاَللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْت فِي عَيْنِي سَبْعِينَ ضِعْفًا وَتَقُولُ لَهُ أَنْتَ لَقَدْ ازْدَدْت فِي عَيْنِي سَبْعِينَ ضِعْفًا فَيُقَالُ لَهُ أَشْرِفْ فَيُشْرِفُ فَيُقَالُ لَهُ مُلْكُك مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ يَنْفُذُهُ بَصَرُك» . فَقَالَ عُمَرُ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ ابْنِ مَسْعُودٍ لِكَعْبٍ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يُحَدِّثُنَا بِهِ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ يَا كَعْبُ عَنْ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا فَكَيْفَ أَعْلَاهُمْ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

стр. 841

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي ذِكْرِ الْحِسَابِ وَغَيْرِهِ] ِ. أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَا عَمِلَ بِهِ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ» . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: «وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ» . وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إلَى يَوْمِ يَمُوتُ هَرَمًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَحَقَّرَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَيَوَدُّ أَنَّهُ لَوْ رُدَّ إلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يَزْدَادَ مِنْ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ» . وَالْبَزَّارُ: «يُخْرَجُ لِابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةُ دَوَاوِينَ دِيوَانٌ فِيهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَدِيوَانٌ فِيهِ ذُنُوبُهُ، وَدِيوَانٌ فِيهِ النِّعَمُ مِنْ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎ لِأَصْغَرِ نِعْمَةٍ، أَحْسَبُهُ قَالَ فِي دِيوَانِ النِّعَمِ خُذِي ثَمَنَك مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ فَتَسْتَوْعِبُ عَمَلَهُ الصَّالِحَ ثُمَّ يَتَنَحَّى وَيَقُولُ وَعِزَّتِك مَا اسْتَوْفَيْت وَتَبْقَى الذُّنُوبُ وَالنِّعَمُ وَقَدْ ذَهَبَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَ عَبْدًا قَالَ: يَا عَبْدِي قَدْ ضَاعَفْت لَك حَسَنَاتِك وَتَجَاوَزْت عَنْ سَيِّئَاتِك، أَحْسَبُهُ قَالَ وَوَهَبْت لَك نِعَمِي» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «إنَّ رَجُلًا مِنْ الْحَبَشَةِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنَا بِالْأَلْوَانِ وَالنُّبُوَّةِ أَفَرَأَيْت إنْ آمَنْت بِمِثْلِ مَا آمَنْت بِهِ وَعَمِلْت بِمِثْلِ مَا عَمِلْت بِهِ إنِّي لَكَائِنٌ مَعَك فِي الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَانَ لَهُ بِهَا عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَمَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَهْلِكُ بَعْدَ هَذَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِعَمَلٍ لَوْ وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ لَأَثْقَلَهُ فَتَقُومُ النِّعْمَةُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ فَتَكَادُ تَسْتَنْفِدُ ذَلِكَ كُلَّهُ لَوْلَا مَا يَتَفَضَّلُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رَحْمَتِهِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]- إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] فَقَالَ الْحَبَشِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ تَرَى عَيْنِي فِي الْجَنَّةِ

стр. 842

مِثْلَ مَا تَرَى عَيْنُك؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَعَمْ، فَبَكَى الْحَبَشِيُّ حَتَّى فَاضَتْ نَفْسُهُ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَأَنَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدَلِّيهِ فِي حُفْرَتِهِ» . وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدِي خَلِيلِي جِبْرِيلُ آنِفًا فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ عَبَدَ اللَّهَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ فِي الْبَحْرِ عَرْضُهُ وَطُولُهُ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا فِي ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَالْبَحْرُ مُحِيطٌ بِهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ فَرْسَخٍ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَأَخْرَجَ لَهُ عَيْنًا عَذْبَةً بِعَرْضِ الْأُصْبُعِ تَبِضُّ بِمَاءٍ عَذْبٍ فَيَسْتَنْقِعُ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ وَشَجَرَةَ رُمَّانٍ تُخْرِجُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً يَتَعَبَّدُ يَوْمَهُ فَإِذَا أَمْسَى نَزَلَ فَأَصَابَ الْوُضُوءَ وَأَخَذَ تِلْكَ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا ثُمَّ قَامَ لِصَلَاتِهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ عَنْ وَقْتِ الْأَجْلِ أَنْ يَقْبِضَهُ سَاجِدًا وَأَنْ لَا يَجْعَلَ لِلْأَرْضِ وَلَا لِشَيْءٍ يُفْسِدُهُ عَلَيْهِ سَبِيلًا حَتَّى يَبْعَثَهُ وَهُوَ سَاجِدٌ، قَالَ: فَفَعَلَ فَنَحْنُ نَمُرُّ عَلَيْهِ إذَا هَبَطْنَا وَإِذَا عَرَجْنَا فَنَجِدُ لَهُ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ ﷻ أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي فَيَقُولُ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى قَايِسُوا عَبْدِي بِنِعْمَتِي عَلَيْهِ وَبِعَمَلِهِ فَتُوجَدُ نِعْمَةُ الْبَصَرِ قَدْ أَحَاطَتْ بِعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ وَبَقِيَتْ نِعْمَةُ الْجَسَدِ فَضْلًا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: أَدْخِلُوا عَبْدِي النَّارَ فَيُجَرُّ إلَى النَّارِ فَيُنَادِي: رَبِّ بِرَحْمَتِك أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رُدُّوهُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ: يَا عَبْدِي مَنْ خَلَقَك وَلَمْ تَكُ شَيْئًا؟ فَيَقُولُ أَنْتَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ مَنْ قَوَّاك لِعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ؟ فَيَقُولُ أَنْتَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ مَنْ أَنْزَلَك فِي جَبَلٍ وَسَطِ اللُّجَّةِ وَأَخْرَجَ لَك الْمَاءَ الْعَذْبَ مِنْ الْمَاءِ الْمِلْحِ وَأَخْرَجَ لَك كُلَّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً وَإِنَّمَا تَخْرُجُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ وَسَأَلْته أَنْ يَقْبِضَك سَاجِدًا فَفَعَلَ؟ فَيَقُولُ أَنْتَ يَا رَبِّ، قَالَ فَذَلِكَ بِرَحْمَتِي وَبِرَحْمَتِي أُدْخِلُك الْجَنَّةَ أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ، فَنِعْمَ الْعَبْدُ كُنْت يَا عَبْدِي فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، قَالَ جِبْرِيلُ إنَّمَا الْأَشْيَاءُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ» . وَالشَّيْخَانِ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ وَلَا أَنَا إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ سَنَدُهَا حَسَنٌ: «وَلَا أَنَا إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَغَمَّدَنِي بِرَحْمَتِهِ وَقَالَ: أَيْ فَعَلَ بِيَدِهِ فَوْقَ رَأْسِهِ» . وَمُسْلِمٌ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ - أَيْ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا - مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» .

стр. 843

وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «يُقْتَصُّ لِلْخَلْقِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى لِلْجَمَّاءِ مِنْ الْقَرْنَاءِ وَحَتَّى لِلذَّرَّةِ مِنْ الذَّرَّةِ» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «لَيَخْتَصِمَنَّ كُلُّ شَيْءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى الشَّاتَانِ فِيمَا انْتَطَحَتَا» . وَمَرَّ الْحَدِيثُ الصَّحِيحْ: «أَنَّهُ ﷺ دَعَا وَصِيفَةً لَهُ أَوْ لِأُمِّ سَلَمَةَ فَلَمْ تُجِبْهُ فَغَضِبَ وَكَانَ بِيَدِهِ سِوَاكٌ فَقَالَ لَوْلَا خَشْيَةُ الْقَوَدِ لَأَوْجَعْتُك بِهَذَا السِّوَاكِ» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ أَوْ قَالَ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَنَسٍ رَاوِي الْحَدِيثِ ﵁ قَالَ قُلْنَا وَمَا بِهِمَا؟ قَالَ لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ أَنَا الدَّيَّانُ أَنَا الْمَلِكُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَعِنْدَهُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَعِنْدَهُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةُ، قَالَ: قُلْنَا كَيْفَ وَإِنَّمَا يَأْتِي النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا بِهِمَا؟ قَالَ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ» . وَمُسْلِم وَغَيْرُهُ: «الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «يَكُونُ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا دَيْنٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَتَعَلَّقَانِ بِهِ فَيَقُولُ أَنَا وَلَدُكُمَا فَيَوَدَّانِ أَوْ يَتَمَنَّيَانِ أَنْ لَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» . وَالشَّيْخَانِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ: «قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ، وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا. إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِتَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْصَابِ إلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ -. أَيْ بِمُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ

стр. 844

جَمْعُ غَابِرٍ: وَهُوَ الْبَاقِي - فَتُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرًا ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا فَيُشَارُ إلَيْهِمْ أَلَا تَرِدُونَ، فَيُحْشَرُونَ إلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ تُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا فَيُشَارُ إلَيْهِمْ أَلَا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ أَتَاهُمْ اللَّهُ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنْ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، قَالَ فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ لِتَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك لَا نُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ فَيُقَالُ هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إلَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ. وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي الصُّورَةِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ وَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ سَلَّمَ سَلَّمَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ دَحْضٌ - بِسُكُونِ الْحَاءِ: زَلِقٌ مَزْلَقٌ - أَيْ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ إلَّا زَلَّ، فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكَةٌ تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانَ - أَيْ وَهُوَ نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ مُعَقَّفٍ - فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرَفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ وَمَكْدُوشٌ - أَيْ بِمُعْجَمَةٍ مَدْفُوعٌ دَفْعًا عَنِيفًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ - حَتَّى إذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ تَعَالَى فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ إذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِي إخْوَانِهِمْ، فَيَقُولُونَ رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ فَيُقَالُ لَهُمْ أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّارُ نِصْفَ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، فَيَقُولُونَ رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، فَيَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ

стр. 845

خَلْقًا كَثِيرًا، فَيَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَاوِي الْحَدِيثِ يَقُولُ إنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] فَيَقُولُ اللَّهُ : شَفَعَتْ الْمَلَائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا - أَيْ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ فَفَتْحٍ جَمْعُ حُمَمَةٍ وَهِيَ الْفَحْمَةُ - فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهْرٍ عَلَى أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهْرُ الْحَيَاةِ فَيُخْرَجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ - أَيْ وَهِيَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: بَزْرُ الْبُقُولِ وَالرَّيَاحِينِ أَوْ بَزْرُ الْعُشْبِ أَوْ نَبْتٌ فِي الْحَشِيشِ صَغِيرٌ أَوْ جَمِيعُ بِزُورِ النَّبَاتِ أَوْ بَزْرُ مَا نَبَتَ مِنْ غَيْرِ بَزْرٍ وَمَا بَذَرَ تُفْتَحُ حَاؤُهُ أَقْوَالٌ - فِي حَمِيلِ السَّيْلِ - أَيْ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ زُبْدُهُ وَمَا يُلْقِيهِ عَلَى سَاحِلِهِ - أَلَا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إلَى الْحَجَرِ أَوْ إلَى الشَّجَرِ مَا يَكُونُ إلَى الشَّمْسِ أَصْفَرَ وَأَخْضَرَ وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّك كُنْت تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ، قَالَ: فَيُخْرَجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمْ الْخَوَاتِيمُ فَيَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَعْطَيْتنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ رَبَّنَا وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ رِضَايَ فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا» . وَمُسْلِمٌ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَضَحِكَ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنْ الظُّلْمِ، فَيَقُولُ بَلَى، فَيَقُولُ إنِّي لَا أُجِيزُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي شَاهِدًا إلَّا مِنِّي فَيَقُولُ كَفَى بِنَفْسِك الْيَوْمَ عَلَيْك حَسِيبًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا. قَالَ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ فَيَقُولُ بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْت أُنَاضِلُ» : أَيْ أُخَاصِمُ وَأُدَافِعُ.
следующие страницы →