← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21629

الزواجر عن اقتراف الكبائر

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (881 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي ذِكْرِ الْحِسَابِ وَغَيْرِهِ] ِ. أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَا عَمِلَ بِهِ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ» . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: «وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ» . وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إلَى يَوْمِ يَمُوتُ هَرَمًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَحَقَّرَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَيَوَدُّ أَنَّهُ لَوْ رُدَّ إلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يَزْدَادَ مِنْ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ» . وَالْبَزَّارُ: «يُخْرَجُ لِابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةُ دَوَاوِينَ دِيوَانٌ فِيهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَدِيوَانٌ فِيهِ ذُنُوبُهُ، وَدِيوَانٌ فِيهِ النِّعَمُ مِنْ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎ لِأَصْغَرِ نِعْمَةٍ، أَحْسَبُهُ قَالَ فِي دِيوَانِ النِّعَمِ خُذِي ثَمَنَك مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ فَتَسْتَوْعِبُ عَمَلَهُ الصَّالِحَ ثُمَّ يَتَنَحَّى وَيَقُولُ وَعِزَّتِك مَا اسْتَوْفَيْت وَتَبْقَى الذُّنُوبُ وَالنِّعَمُ وَقَدْ ذَهَبَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَ عَبْدًا قَالَ: يَا عَبْدِي قَدْ ضَاعَفْت لَك حَسَنَاتِك وَتَجَاوَزْت عَنْ سَيِّئَاتِك، أَحْسَبُهُ قَالَ وَوَهَبْت لَك نِعَمِي» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «إنَّ رَجُلًا مِنْ الْحَبَشَةِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنَا بِالْأَلْوَانِ وَالنُّبُوَّةِ أَفَرَأَيْت إنْ آمَنْت بِمِثْلِ مَا آمَنْت بِهِ وَعَمِلْت بِمِثْلِ مَا عَمِلْت بِهِ إنِّي لَكَائِنٌ مَعَك فِي الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَانَ لَهُ بِهَا عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَمَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَهْلِكُ بَعْدَ هَذَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِعَمَلٍ لَوْ وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ لَأَثْقَلَهُ فَتَقُومُ النِّعْمَةُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ فَتَكَادُ تَسْتَنْفِدُ ذَلِكَ كُلَّهُ لَوْلَا مَا يَتَفَضَّلُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رَحْمَتِهِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]- إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] فَقَالَ الْحَبَشِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ تَرَى عَيْنِي فِي الْجَنَّةِ

стр. 842

مِثْلَ مَا تَرَى عَيْنُك؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَعَمْ، فَبَكَى الْحَبَشِيُّ حَتَّى فَاضَتْ نَفْسُهُ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَأَنَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدَلِّيهِ فِي حُفْرَتِهِ» . وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدِي خَلِيلِي جِبْرِيلُ آنِفًا فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ عَبَدَ اللَّهَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ فِي الْبَحْرِ عَرْضُهُ وَطُولُهُ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا فِي ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَالْبَحْرُ مُحِيطٌ بِهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ فَرْسَخٍ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَأَخْرَجَ لَهُ عَيْنًا عَذْبَةً بِعَرْضِ الْأُصْبُعِ تَبِضُّ بِمَاءٍ عَذْبٍ فَيَسْتَنْقِعُ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ وَشَجَرَةَ رُمَّانٍ تُخْرِجُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً يَتَعَبَّدُ يَوْمَهُ فَإِذَا أَمْسَى نَزَلَ فَأَصَابَ الْوُضُوءَ وَأَخَذَ تِلْكَ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا ثُمَّ قَامَ لِصَلَاتِهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ عَنْ وَقْتِ الْأَجْلِ أَنْ يَقْبِضَهُ سَاجِدًا وَأَنْ لَا يَجْعَلَ لِلْأَرْضِ وَلَا لِشَيْءٍ يُفْسِدُهُ عَلَيْهِ سَبِيلًا حَتَّى يَبْعَثَهُ وَهُوَ سَاجِدٌ، قَالَ: فَفَعَلَ فَنَحْنُ نَمُرُّ عَلَيْهِ إذَا هَبَطْنَا وَإِذَا عَرَجْنَا فَنَجِدُ لَهُ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ ﷻ أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي فَيَقُولُ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى قَايِسُوا عَبْدِي بِنِعْمَتِي عَلَيْهِ وَبِعَمَلِهِ فَتُوجَدُ نِعْمَةُ الْبَصَرِ قَدْ أَحَاطَتْ بِعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ وَبَقِيَتْ نِعْمَةُ الْجَسَدِ فَضْلًا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: أَدْخِلُوا عَبْدِي النَّارَ فَيُجَرُّ إلَى النَّارِ فَيُنَادِي: رَبِّ بِرَحْمَتِك أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رُدُّوهُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ: يَا عَبْدِي مَنْ خَلَقَك وَلَمْ تَكُ شَيْئًا؟ فَيَقُولُ أَنْتَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ مَنْ قَوَّاك لِعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ؟ فَيَقُولُ أَنْتَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ مَنْ أَنْزَلَك فِي جَبَلٍ وَسَطِ اللُّجَّةِ وَأَخْرَجَ لَك الْمَاءَ الْعَذْبَ مِنْ الْمَاءِ الْمِلْحِ وَأَخْرَجَ لَك كُلَّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً وَإِنَّمَا تَخْرُجُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ وَسَأَلْته أَنْ يَقْبِضَك سَاجِدًا فَفَعَلَ؟ فَيَقُولُ أَنْتَ يَا رَبِّ، قَالَ فَذَلِكَ بِرَحْمَتِي وَبِرَحْمَتِي أُدْخِلُك الْجَنَّةَ أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ، فَنِعْمَ الْعَبْدُ كُنْت يَا عَبْدِي فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، قَالَ جِبْرِيلُ إنَّمَا الْأَشْيَاءُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ» . وَالشَّيْخَانِ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ وَلَا أَنَا إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ سَنَدُهَا حَسَنٌ: «وَلَا أَنَا إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَغَمَّدَنِي بِرَحْمَتِهِ وَقَالَ: أَيْ فَعَلَ بِيَدِهِ فَوْقَ رَأْسِهِ» . وَمُسْلِمٌ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ - أَيْ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا - مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» .

стр. 843

وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «يُقْتَصُّ لِلْخَلْقِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى لِلْجَمَّاءِ مِنْ الْقَرْنَاءِ وَحَتَّى لِلذَّرَّةِ مِنْ الذَّرَّةِ» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «لَيَخْتَصِمَنَّ كُلُّ شَيْءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى الشَّاتَانِ فِيمَا انْتَطَحَتَا» . وَمَرَّ الْحَدِيثُ الصَّحِيحْ: «أَنَّهُ ﷺ دَعَا وَصِيفَةً لَهُ أَوْ لِأُمِّ سَلَمَةَ فَلَمْ تُجِبْهُ فَغَضِبَ وَكَانَ بِيَدِهِ سِوَاكٌ فَقَالَ لَوْلَا خَشْيَةُ الْقَوَدِ لَأَوْجَعْتُك بِهَذَا السِّوَاكِ» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ أَوْ قَالَ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَنَسٍ رَاوِي الْحَدِيثِ ﵁ قَالَ قُلْنَا وَمَا بِهِمَا؟ قَالَ لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ أَنَا الدَّيَّانُ أَنَا الْمَلِكُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَعِنْدَهُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَعِنْدَهُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةُ، قَالَ: قُلْنَا كَيْفَ وَإِنَّمَا يَأْتِي النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا بِهِمَا؟ قَالَ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ» . وَمُسْلِم وَغَيْرُهُ: «الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «يَكُونُ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا دَيْنٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَتَعَلَّقَانِ بِهِ فَيَقُولُ أَنَا وَلَدُكُمَا فَيَوَدَّانِ أَوْ يَتَمَنَّيَانِ أَنْ لَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» . وَالشَّيْخَانِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ: «قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ، وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا. إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِتَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْصَابِ إلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ -. أَيْ بِمُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ

стр. 844

جَمْعُ غَابِرٍ: وَهُوَ الْبَاقِي - فَتُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرًا ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا فَيُشَارُ إلَيْهِمْ أَلَا تَرِدُونَ، فَيُحْشَرُونَ إلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ تُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا فَيُشَارُ إلَيْهِمْ أَلَا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ أَتَاهُمْ اللَّهُ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنْ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، قَالَ فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ لِتَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك لَا نُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ فَيُقَالُ هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إلَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ. وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي الصُّورَةِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ وَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ سَلَّمَ سَلَّمَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ دَحْضٌ - بِسُكُونِ الْحَاءِ: زَلِقٌ مَزْلَقٌ - أَيْ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ إلَّا زَلَّ، فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكَةٌ تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانَ - أَيْ وَهُوَ نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ مُعَقَّفٍ - فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرَفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ وَمَكْدُوشٌ - أَيْ بِمُعْجَمَةٍ مَدْفُوعٌ دَفْعًا عَنِيفًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ - حَتَّى إذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ تَعَالَى فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ إذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِي إخْوَانِهِمْ، فَيَقُولُونَ رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ فَيُقَالُ لَهُمْ أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّارُ نِصْفَ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، فَيَقُولُونَ رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، فَيَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ

стр. 845

خَلْقًا كَثِيرًا، فَيَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَاوِي الْحَدِيثِ يَقُولُ إنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] فَيَقُولُ اللَّهُ : شَفَعَتْ الْمَلَائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا - أَيْ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ فَفَتْحٍ جَمْعُ حُمَمَةٍ وَهِيَ الْفَحْمَةُ - فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهْرٍ عَلَى أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهْرُ الْحَيَاةِ فَيُخْرَجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ - أَيْ وَهِيَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: بَزْرُ الْبُقُولِ وَالرَّيَاحِينِ أَوْ بَزْرُ الْعُشْبِ أَوْ نَبْتٌ فِي الْحَشِيشِ صَغِيرٌ أَوْ جَمِيعُ بِزُورِ النَّبَاتِ أَوْ بَزْرُ مَا نَبَتَ مِنْ غَيْرِ بَزْرٍ وَمَا بَذَرَ تُفْتَحُ حَاؤُهُ أَقْوَالٌ - فِي حَمِيلِ السَّيْلِ - أَيْ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ زُبْدُهُ وَمَا يُلْقِيهِ عَلَى سَاحِلِهِ - أَلَا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إلَى الْحَجَرِ أَوْ إلَى الشَّجَرِ مَا يَكُونُ إلَى الشَّمْسِ أَصْفَرَ وَأَخْضَرَ وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّك كُنْت تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ، قَالَ: فَيُخْرَجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمْ الْخَوَاتِيمُ فَيَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَعْطَيْتنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ رَبَّنَا وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ رِضَايَ فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا» . وَمُسْلِمٌ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَضَحِكَ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنْ الظُّلْمِ، فَيَقُولُ بَلَى، فَيَقُولُ إنِّي لَا أُجِيزُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي شَاهِدًا إلَّا مِنِّي فَيَقُولُ كَفَى بِنَفْسِك الْيَوْمَ عَلَيْك حَسِيبًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا. قَالَ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ فَيَقُولُ بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْت أُنَاضِلُ» : أَيْ أُخَاصِمُ وَأُدَافِعُ.

стр. 846

وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا تَقُولُ عَمِلَ كَذَا وَكَذَا فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] قَالَ: يُدْعَى أَحَدُهُمْ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَيُبَيَّضُ وَجْهُهُ وَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ يَتَلَأْلَأُ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُ إلَى أَصْحَابِهِ فَيَرَوْنَهُ مِنْ بَعِيدٍ فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ ائْتِنَا بِهَذَا وَبَارِكْ لَنَا فِي هَذَا حَتَّى يَأْتِيَهُمْ، فَيَقُولُ لَهُمْ: أَبْشِرُوا فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مُسَوَّدًا وَجْهُهُ وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ نَارٍ فَيَرَاهُ أَصْحَابُهُ. فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا اللَّهُمَّ لَا تَأْتِنَا بِهَذَا. قَالَ: فَيَأْتِيهِمْ، فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ اخْزِهِ فَيَقُولُ أَبْعَدَكُمْ اللَّهُ فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا» .

стр. 847

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْحَوْضِ وَالْمِيزَانِ وَالصِّرَاطِ] أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ الْوَرِقِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «اللَّبَنِ» ، وَفِي أُخْرَى صَحِيحَةٍ أَيْضًا: «وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ» ، وَفِي أُخْرَى صَحِيحَةٍ: «وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَا يَظْمَأُ أَبَدًا» . وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: «وَلَا يَسْوَدُّ وَجْهُهُ أَبَدًا» . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ظَاهِرُهُ تَأَخُّرُ الشُّرْبِ مِنْهُ عَلَى الْحِسَابِ وَالْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ، إذْ هَذَا هُوَ الَّذِي يَأْمَنُ مِنْ الْعَطَشِ، وَقِيلَ: لَا يَشْرَبُ مِنْهُ إلَّا مَنْ قُدِّرَ لَهُ السَّلَامَةُ مِنْ النَّارِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَقُدِّرَ عَلَيْهِ دُخُولُ النَّارِ يُعَذَّبُ فِيهَا بِغَيْرِ الظَّمَأِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّ جَمِيعَ الْأُمَّةِ يَشْرَبُونَ مِنْهُ إلَّا مَنْ ارْتَدَّ، وَقِيلَ؛ جَمِيعُ مُؤْمِنِي الْأُمَمِ يَأْخُذُونَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ ثُمَّ يُعَذِّبُ اللَّهُ مَنْ شَاءَ مِنْ عُصَاتِهِمْ وَهَذَا مِثْلُهُ. انْتَهَى. وَقَالَ غَيْرُهُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ الْحَوْضُ فِي أَرْضِ الْمَحْشَرِ قَبْلَ جَوَازِ الصِّرَاطِ أَوْ فِي أَرْضِ الْجَنَّةِ الَّتِي لَا يَتَوَصَّلُ إلَيْهَا إلَّا بَعْدَ جَوَازِهِ؟ . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الْأَخْنَسُ: وَاَللَّهِ مَا أُولَئِكَ فِي أُمَّتِك إلَّا كَالذُّبَابِ الْأَصْهَبِ فِي الذُّبَابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ رَبِّي قَدْ وَعَدَنِي سَبْعِينَ أَلْفًا مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَزَادَنِي ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ. قَالَ: فَمَا سَعَةُ حَوْضِك يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: كَمَا بَيْنَ عَدَنَ إلَى عُمَانَ وَأَوْسَعُ يُشِيرُ بِيَدِهِ فِيهِ مَثْعَبَانِ» بِمِيمٍ فَمُثَلَّثَةٍ فَمُهْمَلَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَأَلِفٍ فَنُونٍ فَتْحَانِ مِنْ الْجَنَّةِ مِنْ وَرِقٍ وَذَهَبٍ. وَالْمَثْعَبُ مَسِيلُ الْمَاءِ. وَفِي رِوَايَةٍ: «أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَيْهِ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ الشُّعْثُ رُءُوسًا الدَّنَسُ ثِيَابًا الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُنَعَّمَاتِ وَلَا تُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السُّدُدِ» يَعْنِي أَبْوَابَ السَّلَاطِينِ. وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «حَوْضِي كَمَا بَيْنَ عَدَنَ وَعُمَانَ أَبْرَدُ مِنْ الثَّلْجِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ وَأَطْيَبُ رِيحًا مِنْ الْمِسْكِ وَأَكْوَابُهُ مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا أَوَّلُ النَّاسِ عَلَيْهِ وُرُودًا صَعَالِيكُ الْمُهَاجِرِينَ، قَالَ قَائِلٌ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ

стр. 848

اللَّهِ؟ قَالَ الشَّعِثَةُ رُءُوسُهُمْ - أَيْ بَعِيدَةُ عَهْدٍ بِدُهْنٍ وَغَسْلٍ وَتَسْرِيحِ شَعْرٍ - الشُّحْبَةُ وُجُوهُهُمْ - أَيْ مِنْ الشُّحُوبِ وَهُوَ تَغَيُّرُ الْوَجْهِ مِنْ جُوعٍ أَوْ هُزَالٍ أَوْ تَعَبٍ - الدَّنِسَةُ ثِيَابُهُمْ - أَيْ الْوَسِخَةُ - لَا تُفْتَحُ لَهُمْ السُّدُدُ - أَيْ الْأَبْوَابُ - وَلَا يَنْكِحُونَ الْمُنَعَّمَاتِ الَّذِينَ يُعْطُونَ كُلَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ لَا يُعْطَوْنَ كُلَّ الَّذِي لَهُمْ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنْ الْجَنَّة أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالْآخَرُ مِنْ فِضَّةٍ - وَيَغُتُّ بِمُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ فَفَوْقِيَّةٍ: أَيْ يَجْرِيَانِ فِيهِ جَرْيًا لَهُ صَوْتٌ - وَفِيهَا: إنِّي لَبِعُقْرِ - أَيْ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ فَقَافٍ سَاكِنَةٍ - مُؤَخِّرَةِ حَوْضِي أَذُودُ - أَيْ أَدْفَعُ - النَّاسَ عَنْهُ لِأَهْلِ الْيَمَنِ - أَيِّ لِأَجْلِ شُرْبِهِمْ أَضْرِبُ بِعَصَايَ حَتَّى يَرْفَضَّ عَلَيْهِمْ» أَيْ بِتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ: يَسِيلُ الْمَاءُ وَيَتَرَشَّشُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ: «فِيهِ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ» زَادَ فِي رِوَايَةٍ: «أَوْ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: «فِيهِ مِيزَابَانِ يَنْثَعِبَانِ مِنْ الْجَنَّةِ مِنْ وَرِقٍ وَذَهَبٍ» . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ الْحَسَنِ: «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا بَكَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ ذَكَرْت النَّارَ فَبَكَيْت فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ ﷺ أَمَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ تَطَايُرِ الصُّحُفِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ فِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ أَمْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَانِيْ جَهَنَّمَ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟» . وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: إنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا لَوْلَا إرْسَالٌ فِيهِ بَيْنَ الْحَسَنِ وَعَائِشَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: أَنَا فَاعِلٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قُلْت فَأَيْنَ أَطْلُبُك؟ قَالَ أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ، قُلْت: فَإِنْ لَمْ أَلْقَك عَلَى الصِّرَاطِ، قَالَ فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ، قُلْت فَإِنْ لَمْ أَلْقَك عِنْدَ الْمِيزَانِ، قَالَ: قَالَ فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مَوَاطِنَ» . وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ: «يُوضَعُ الْمِيزَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَوْ وُزِنَتْ أَوْ وُضِعَتْ فِيهِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ لَوُضِعَتْ فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ يَا رَبِّ لِمَنْ يَزِنُ هَذَا؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ شِئْت مِنْ خَلْقِي فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ سُبْحَانَك مَا عَبَدْنَاك حَقَّ عِبَادَتِك، وَيُوضَعُ

стр. 849

الصِّرَاطُ مِثْلُ حَدِّ الْمُوسَى فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ مَنْ يَجُوزُ عَلَى هَذَا؟ فَيَقُولُ مَنْ شِئْت مِنْ خَلْقِي فَيَقُولُونَ سُبْحَانَك مَا عَبَدْنَاك حَقَّ عِبَادَتِك» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «يُوضَعُ الصِّرَاطُ عَلَى سَوَاءِ جَهَنَّمَ مِثْلُ حَدِّ السَّيْفِ الْمُرْهِفِ مَدْحَضَةٌ مَزَلَّةٌ عَلَيْهِ كَلَالِيبُ مِنْ نَارٍ يَخْتَطِفُ بِهَا فَمُمْسِكٌ يَهْوِي فِيهَا وَمَصْرُوعٌ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ فَلَا يَنْشَبُ ذَلِكَ أَنْ يَنْجُوَ ثُمَّ كَالرِّيحِ فَلَا يَنْشَبُ ذَلِكَ أَنْ يَنْجُوَ ثُمَّ كَجَرْيِ الْفَرَسِ ثُمَّ كَسَعْيِ الرَّجُلِ ثُمَّ كَرَمَلِ الرَّجُلِ ثُمَّ كَمَشْيِ الرَّجُلِ، ثُمَّ يَكُونُ آخِرُهُمْ إنْسَانًا رَجُلٌ قَدْ لَوَّحَتْهُ النَّارُ وَلَقِيَ فِيهَا شَرًّا ثُمَّ يُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ فَيُقَالُ لَهُ تَمَنَّ وَسَلْ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ أَتَهْزَأُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعِزَّةِ؟ فَيُقَالُ لَهُ تَمَنَّ وَسَلْ حَتَّى إذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قَالَ لَك مَا سَأَلْت وَمِثْلُهُ مَعَهُ» . وَمُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ الْأَنْصَارِيَّةِ ﵂ «أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ ﵂: لَا يَدْخُلُ النَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا. قَالَتْ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَانْتَهَرَهَا فَقَالَتْ حَفْصَةُ ﵂: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] » . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «إنَّ جَمَاعَةً اخْتَلَفُوا فِي الْوُرُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَدْخُلُهَا مُؤْمِنٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَدْخُلُونَهَا جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَسَأَلَ بَعْضُهُمْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، فَقَالَ: تَرِدُونَهَا جَمِيعًا ثُمَّ أَهْوَى بِأُصْبُعَيْهِ إلَى أُذُنَيْهِ وَقَالَ صُمَّتَا إنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الْوُرُودُ الدُّخُولُ لَا يَبْقَى بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ إلَّا دَخَلَهَا فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا كَانَتْ عَلَى إبْرَاهِيمَ حَتَّى إنَّ لِلنَّارِ أَوْ قَالَ لِجَهَنَّمَ ضَجِيجًا مِنْ بَرْدِهِمْ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] » . وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ: «يَرِدُ النَّاسُ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ أَوَّلُهُمْ كَلَمْحِ الْبَرْقِ ثُمَّ كَلَمْحِ الرِّيحِ ثُمَّ كَحُضْرِ الْفَرَسِ ثُمَّ كَالرَّاكِبِ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ ثُمَّ كَمَشْيِهِ» . وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ أَيْضًا: «يَلْقَى رَجُلٌ أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ يَا

стр. 850

أَبَتِ: أَيُّ ابْنٍ كُنْت لَك؟ فَيَقُولُ خَيْرُ ابْنٍ فَيَقُولُ هَلْ أَنْتَ مُطِيعِي الْيَوْمَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيَقُولُ خُذْ بِأُزْرَتِي فَيَأْخُذُهُ بِأُزْرَتِهِ ثُمَّ يَنْطَلِقُ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ ﵎ أَيْ عَنْ صِفَاتِ الْمُحْدَثَاتِ فَالْإِتْيَانُ هُنَا مَجَازٌ - وَهُوَ يَعْرِضُ بَيْنَ الْخَلْقِ فَيَقُولُ يَا عَبْدِي اُدْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْت فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ وَأَبِي مَعِي فَإِنَّك وَعَدَتْنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي قَالَ فَيَمْسَخُ أَبَاهُ ضَبُعًا فَيَهْوِي فِي النَّارِ فَيَأْخُذُ بِأَنْفِهِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَبُوك هُوَ؟ فَيَقُولُ لَا وَعَزَّتِك» وَهُوَ فِي الْبُخَارِيُّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: «يَلْقَى إبْرَاهِيمُ ﵇ أَبَاهُ آزَرَ» فَذَكَر الْقِصَّةَ بِنَحْوِهِ.

стр. 851

[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الْإِذْنِ فِي الشَّفَاعَةِ وَوَضْعُ الصِّرَاطِ] الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الْإِذْنِ فِي الشَّفَاعَةِ وَوَضْعُ الصِّرَاطِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْإِذْنِ فِي الشَّفَاعَةِ الْعَامَّةِ: أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ: «كُلُّ نَبِيٍّ سَأَلَ سُؤَالًا، أَوْ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَاهَا لِأُمَّتِهِ وَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ: «رَأَيْت مَا تَلْقَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي وَسَفْكَ بَعْضِهِمْ دَمَ بَعْضٍ فَأَحْزَنَنِي وَسَبَقَ ذَلِكَ مِنْ اللَّهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُوَلِّيَنِي فِيهِمْ شَفَاعَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَفَعَلَ» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لَقَدْ أُعْطِيت اللَّيْلَةَ خَمْسًا مَا أُعْطِيهِنَّ أَحَدٌ قَبْلِي إلَى أَنْ قَالَ: وَالْخَامِسَةُ هِيَ مَا قِيلَ لِي سَلْ فَإِنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ سَأَلَ، فَأَخَّرْت مَسْأَلَتِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَهِيَ لَكُمْ وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا سَأَلْت رَبَّك مُلْكًا كَمُلْكِ سُلَيْمَانَ؟ فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ: فَلَعَلَّ لِصَاحِبِكُمْ عَبْدِ اللَّهِ أَفْضَلَ مِنْ مُلْكِ سُلَيْمَانَ، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ إلَّا أَعْطَاهُ دَعْوَةً، مِنْهُمْ مَنْ اتَّخَذَهَا دُنْيَا فَأُعْطِيهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ دَعَا بِهَا عَلَى قَوْمِهِ إذْ عَصَوْهُ فَأُهْلِكُوا بِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي دَعْوَةً فَاخْتَبَأْتُهَا عِنْدَ رَبِّي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مِنْ الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَالطَّبَرَانِيُّ بِأَسَانِيدَ أَحَدُهَا جَيِّدٌ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا خَيَّرَنِي رَبِّي آنِفًا؟ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: خَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ ثُلُثَيْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الَّذِي اخْتَرْت؟ قَالَ الشَّفَاعَةَ قُلْنَا جَمِيعًا يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ شَفَاعَتِك، قَالَ ﷺ إنَّ شَفَاعَتِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: «تُعْطَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَرَّ عَشْرِ سِنِينَ ثُمَّ تُدْنَى مِنْ جَمَاجِمِ النَّاسِ» قَالَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ «فَيَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيَقُولُونَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنْتَ الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ لَك وَغَفَرَ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ وَقَدْ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَاشْفَعْ لَنَا إلَى رَبِّك، فَيَقُولُ أَنَا صَاحِبُكُمْ فَيَخْرُجُ بِجَرَسٍ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَيَأْخُذُ بِحَلْقَةٍ بِالْبَابِ مِنْ ذَهَبٍ فَيَقْرَعُ الْبَابَ، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ فَيُفْتَحُ لَهُ حَتَّى يَقُومَ بَيْنَ يَدَيِّ اللَّهِ فَيَسْجُدُ فَيُنَادَى ارْفَعْ

стр. 852

رَأْسَك وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ: «إنِّي لَقَائِمٌ أَنْتَظِرُ أُمَّتِي تَعْبُرُ الصِّرَاطَ إذْ جَاءَ عِيسَى ﵇ فَقَالَ هَذِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَدْ جَاءَتْك يَا مُحَمَّدُ يَسْأَلُونَ أَوْ قَالَ يَجْتَمِعُونَ إلَيْك يَدْعُونَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَفْرُقَ بَيْنَ جَمِيعِ الْأُمَمِ إلَى حَيْثُ يَشَاءُ لِعِظَمِ مَا هُمْ فِيهِ فَإِنَّهُمْ مُلَجَّمُونَ بِالْعَرَقِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ عَلَيْهِ كَالزُّكْمَةِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَغْشَاهُ الْمَوْتُ قَالَ يَا عِيسَى انْتَظِرْ حَتَّى أَرْجِعَ إلَيْك. قَالَ: وَذَهَبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَلَقِيَ مَا لَمْ يَلْقَ مَلَكٌ مُصْطَفًى وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى جِبْرِيلَ ﵇ أَنْ أَذْهَبَ إلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَك سَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. قَالَ: فَشَفَعْت فِي أُمَّتِي أَنْ أُخْرِجَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ إنْسَانًا وَاحِدًا. قَالَ فَمَا زِلْتُ أَتَرَدَّدُ عَلَى رَبِّي جَلَّ وَعَلَا فَلَا أَقُومُ فِيهِ مَقَامًا إلَّا شَفَعْت حَتَّى أَعْطَانِي اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِك مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَوْمًا مُخْلِصًا وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «يَدْخُلُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقِبْلَةِ النَّارَ مَنْ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى بِمَا عَصَوْا اللَّهَ تَعَالَى وَاجْتَرَءُوا عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَخَالَفُوا طَاعَتَهُ فَيُؤْذَنُ لِي فِي الشَّفَاعَةِ فَأُثْنِي عَلَى اللَّهِ سَاجِدًا كَمَا أُثْنِي عَلَيْهِ قَائِمًا، فَيُقَالُ لِي ارْفَعْ رَأْسَك وَسَلْ تُعْطَهُ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» . وَأَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ هَذَا مِنْ أَشْرَفِ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَكَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: «أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَصَلَّى الْغَدَاةَ ثُمَّ جَلَسَ حَتَّى إذَا كَانَ مِنْ الضُّحَى ضَحِكَ ﷺ وَجَلَسَ مَكَانَهُ حَتَّى صَلَّى الْأُولَى وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ثُمَّ قَامَ إلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ النَّاسُ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا شَأْنُهُ صَنَعَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ يَصْنَعُهُ قَطُّ؟ قَالَ: فَسَأَلَهُ فَقَالَ: عُرِضَ عَلَيَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يُجْمَعُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ بِصَعِيدٍ وَاحِدٍ حَتَّى انْطَلَقُوا إلَى آدَمَ ﵇ وَالْعَرَقُ يَكَادُ يُلْجِمُهُمْ، فَقَالُوا يَا آدَم أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ اصْطَفَاك اللَّهُ تَعَالَى اشْفَعْ لَنَا إلَى رَبِّك، فَقَالَ لَقَدْ لَقِيت مِثْلَ الَّذِي لَقِيتُمْ انْطَلَقُوا إلَى أَبِيكُمْ بَعْدَ أَبِيكُمْ إلَى نُوحٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] فَيَنْطَلِقُونَ إلَى نُوحٍ ﵇ فَيَقُولُونَ اشْفَعْ لَنَا إلَى رَبِّك فَأَنْتَ الَّذِي

стр. 853

اصْطَفَاك اللَّهُ وَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَك فِي دُعَائِك فَلَمْ يَدَعْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، فَيَقُولُ لَيْسَ ذَاكُمْ عِنْدِي فَانْطَلِقُوا إلَى إبْرَاهِيمَ فَإِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا، فَيَنْطَلِقُونَ إلَى إبْرَاهِيمَ ﵇ فَيَقُولُ لَيْسَ ذَاكُمْ عِنْدِي فَانْطَلِقُوا إلَى مُوسَى فَإِنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، فَيَنْطَلِقُونَ إلَى مُوسَى ﵇ فَيَقُولُ لَيْسَ ذَاكُمْ عِنْدِي وَلَكِنْ انْطَلِقُوا إلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَإِنَّهُ كَانَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِى الْمَوْتَى، فَيَقُولُ عِيسَى لَيْسَ ذَاكُمْ عِنْدِي وَلَكِنْ انْطَلِقُوا إلَى سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، انْطَلِقُوا إلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَلْيَشْفَعْ لَكُمْ إلَى رَبِّكُمْ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ فَيَأْتِي جِبْرِيلُ رَبَّهُ فَيَقُولُ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇ فَيَخِرُّ سَاجِدًا قَدْرَ جُمُعَةٍ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ ﵎ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَك وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ فَإِذَا نَظَرَ إلَى رَبِّهِ خَرَّ سَاجِدًا قَدْرَ جُمُعَةٍ أُخْرَى فَيَقُولُ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَك وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَيَذْهَبُ لِيَقَعَ سَاجِدًا فَيَأْخُذُ جِبْرِيلُ بِضَبْعَيْهِ وَيَفْتَحُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ الدُّعَاءِ مَا لَمْ يَفْتَحْ عَلَى بَشَرٍ قَطُّ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ جَعَلْتنِي سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ، وَأَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، حَتَّى أَنَّهُ لَيَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ أَكْثَرُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَأَيْلَةَ ثُمَّ يُقَالُ اُدْعُوا الصِّدِّيقِينَ فَيَشْفَعُونَ، ثُمَّ يُقَالُ اُدْعُوَا الْأَنْبِيَاءَ قَالَ فَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الْعِصَابَةُ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، ثُمَّ يُقَالُ اُدْعُوا الشُّهَدَاءَ فَيَشْفَعُونَ فِيمَنْ أَرَادَ فَإِذَا فَعَلَتْ الشُّهَدَاءُ ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ أَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أَدْخِلُوا جَنَّتِي مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اُنْظُرُوا فِي النَّارِ هَلْ فِيهَا مِنْ أَحَدٍ عَمِلَ خَيْرًا قَطُّ فَيَجِدُونَ فِي النَّارِ رَجُلًا فَيُقَالُ لَهُ هَلْ عَمِلْت خَيْرًا قَطُّ؟ فَيَقُولُ لَا غَيْرَ أَنِّي كُنْت أُسَامِحُ النَّاسَ فِي الْبَيْعِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى اسْمَحُوا لِعَبْدِي كَإِسْمَاحِهِ إلَى عَبِيدِي، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ آخَرُ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ عَمِلْت خَيْرًا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا غَيْرَ أَنِّي كُنْت أَمَرْت وَلَدِي إذَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي بِالنَّارِ ثُمَّ اطْحَنُونِي حَتَّى إذَا كُنْت مِثْلَ الْكُحْلِ اذْهَبُوا إلَى الْبَحْرِ فَذَرُّونِي فِي الرِّيحِ، فَقَالَ اللَّهُ: لِمَ فَعَلْت ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ مَخَافَتِك، فَيَقُولُ اُنْظُرُوا إلَى مُلْكِ أَعْظَمِ مَلِكٍ فَإِنَّ لَك مِثْلَهُ وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ فَيَقُولُ لِمَ تَسْخَرُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ فَذَلِكَ الَّذِي ضَحِكْت بِهِ مِنْ الضُّحَى» . وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ بِنَحْوِ هَذَا مِنْهُمْ حُذَيْفَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمْ ﵃. وَمُسْلِمٌ: «يَجْمَعُ اللَّهُ ﵎ النَّاسَ فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمْ

стр. 854

الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ فَيَقُولُ وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ إلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ لَسْت بِصَاحِبِ ذَلِكَ اذْهَبُوا إلَى ابْنِي إبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ، قَالَ: فَيَقُولُ إبْرَاهِيمُ لَسْت بِصَاحِبِ ذَلِكَ إنَّمَا كُنْت خَلِيلًا مِنْ وَرَاءُ اعْمَدُوا إلَى مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ لَسْت بِصَاحِبِ ذَلِكَ اذْهَبُوا إلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ فَيَقُولُ عِيسَى لَسْت بِصَاحِبِ ذَلِكَ ائْتُوا مُحَمَّدًا فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَيَقُومَانِ جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ، قَالَ: قُلْت بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَالْبَرْقِ؟ قَالَ أَلَمْ تَرَوْا إلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ وَشَدِّ الرِّجَالِ تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ إلَّا زَحْفًا وَفِي حَافَّتَيْ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ تَأْخُذُ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوشٌ فِي النَّارِ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعِينَ خَرِيفًا» . وَالشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَعْوَةٍ فَرُفِعَ إلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً وَقَالَ أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيَبْصُرُهُمْ النَّاظِرُ وَيَسْمَعُهُمْ الدَّاعِي وَتَدْنُو مِنْهُمْ الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ فَيَقُولُ النَّاسُ أَلَا تَرَوْنَ إلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ - أَيْ إلَى مَا بَلَغَكُمْ - أَلَا تَنْتَظِرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ يَا آدَم أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَك اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيك مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَك وَأَسْكَنَك الْجَنَّةَ أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إلَى رَبِّك أَلَا تَرَى إلَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا، أَوْ قَالَ: أَلَا تَرَى إلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْته نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إلَى نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَقَدْ سَمَّاك اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا اشْفَعْ لَنَا إلَى رَبِّك أَفَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا بَلَغَنَا، فَيَقُولُ لَهُمْ نُوحٌ إنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْت بِهَا عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إلَى إبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ يَا إبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إلَى

стр. 855

رَبِّك أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ: إنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي كُنْت كَذَبْت ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ فَذَكَرَهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إلَى مُوسَى. فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِيمُهُ فَضَّلَك بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ اشْفَعْ لَنَا إلَى رَبِّك أَلَا تَرَى إلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى إلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ إنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْت نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إلَى عِيسَى، فَيَأْتُونَ إلَى عِيسَى فَيَقُولُونَ يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَكَلَّمْت النَّاسَ فِي الْمَهْدِ اشْفَعْ لَنَا إلَى رَبِّك أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا، فَيَقُولُ عِيسَى إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدَ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ اشْفَعْ لَنَا إلَى رَبِّك أَلَا تَرَى إلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَك وَسَلْ تُعْطَهُ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي، فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِك مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ ﷺ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى» . وَأَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» . وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: «خُيِّرْت بَيْنَ الشَّفَاعَةِ أَوْ يَدْخُلُ نِصْفُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ فَاخْتَرْت الشَّفَاعَةَ لِأَنَّهَا أَعَمُّ وَأَكْفَى، أَمَا إنَّهَا لَيْسَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ وَلَكِنَّهَا لِلْمُذْنِبِينَ الْخَاطِئِينَ الْمَنْكُوبِينَ» .

стр. 856

[الْأَمْرُ الثَّالِثُ فِي ذِكْرِ النَّارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ: «كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] » . وَأَبُو يَعْلِي أَنَّهُ ﷺ خَطَبَ فَقَالَ: «لَا تَنْسَوْا الْعَظِيمَتَيْنِ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ثُمَّ بَكَى حَتَّى جَرَى أَوْ بَلَّ دُمُوعُهُ جَانِبَيْ لِحْيَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ لَمَشَيْتُمْ عَلَى الصَّعِيدِ وَلَحَثَيْتُمْ عَلَى رُءُوسِكُمْ التُّرَابَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ: «جَاءَ جِبْرِيلُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي حِينٍ غَيْرِ حِينِهِ الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِ فِيهِ فَقَامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ مَا لِي أَرَاك مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ؟ فَقَالَ: مَا جِئْتُك حَتَّى أَمَرَ اللَّهُ بِمَنَافِحِ النَّارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا جِبْرِيلُ صِفْ لِي النَّارَ أَوْ انْعَتْ لِي جَهَنَّمَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ ﵎ أَمَرَ بِجَهَنَّمَ فَأُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفُ عَامٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ؛ ثُمَّ أَمَرَ فَأُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفُ عَامٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أَمَرَ فَأُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفُ عَامٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ لَا يُضِيءُ شَرَرُهَا وَلَا يُطْفَأُ لَهَبُهَا، وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَوْ أَنَّ قَدْرَ ثَقْبِ إبْرَةٍ فُتِحَ مِنْ جَهَنَّمَ لَمَاتَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا مِنْ حَرِّهِ، وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَوْ أَنَّ خَازِنًا مِنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ بَرَزَ إلَى أَهْلِ الدُّنْيَا لَمَاتَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا مِنْ حَرِّهِ، وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَوْ أَنَّ خَازِنًا مِنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ بَرَزَ إلَى أَهْلِ الدُّنْيَا لَمَاتَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا مِنْ قُبْحِ وَجْهِهِ وَمِنْ نَتْنِ رِيحِهِ، وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَوْ أَنَّ حَلْقَةً مِنْ حِلَقِ سَلْسَلَةِ أَهْلِ النَّارِ الَّتِي نَعَتَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وُضِعَتْ عَلَى جِبَالِ الدُّنْيَا لَارْفَضَّتْ وَمَا تَقَارَّتْ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَقَالَ

стр. 857

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : حَسْبِي يَا جِبْرِيلُ لَا يَنْصَدِعُ قَلْبِي فَأَمُوتُ، قَالَ: فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى جِبْرِيلَ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَ تَبْكِي يَا جِبْرِيلُ وَأَنْتَ مِنْ اللَّهِ بِالْمَكَانِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَأَنَا أَحَقُّ بِالْبُكَاءِ لَعَلِّي أَكُونُ فِي عِلْمِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا، وَمَا أَدْرِي لَعَلِّي أُبْتَلَى بِمَا اُبْتُلِيَ بِهِ إبْلِيسُ فَقَدْ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ. وَمَا أَدْرِي لَعَلِّي أُبْتَلَى بِمَا اُبْتُلِيَ بِهِ هَارُوتُ وَمَارُوتُ، قَالَ: فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَكَى جِبْرِيلُ فَمَا زَالَا يَبْكِيَانِ حَتَّى نُودِيَا أَنْ يَا جِبْرِيلُ وَيَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَّنَكُمَا أَنْ تَعْصِيَاهُ، فَارْتَفَعَ جِبْرِيلُ وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يَضْحَكُونَ وَيَلْعَبُونَ فَقَالَ: أَتَضْحَكُونَ وَوَرَاءَكُمْ جَهَنَّمُ؟ فَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَمَا أَسَغْتُمْ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَلَخَرَجْتُمْ إلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إلَى اللَّهِ ، فَنُودِيَ يَا مُحَمَّدُ لَا تُقَنِّطْ عِبَادِي إنَّمَا بَعَثْتُك مُبَشِّرًا وَلَمْ أَبْعَثْك مُعَسِّرًا، فَقَالَ ﷺ : سَدِّدُوا وَقَارِبُوا» . وَأَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ وَبَقِيَّةُ رُوَاتِهِ ثِقَاتٌ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِجِبْرِيلَ: مَا لِي لَا أَرَى مِيكَائِيلَ ضَاحِكًا قَطُّ؟ قَالَ مَا ضَحِكَ مِيكَائِيلُ مُنْذُ خُلِقَتْ النَّارُ» . وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «إنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَوْلَا أَنَّهَا أُطْفِئَتْ بِالنَّارِ مَرَّتَيْنِ لَمَا انْتَفَعْتُمْ بِهَا وَإِنَّهَا لَتَدْعُو اللَّهَ أَنْ لَا يُعِيدَهَا فِيهَا» . وَمُسْلِمٌ: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفِ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفِ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» . وَمَالِكٌ وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا: «نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ بِهَا بَنُو آدَمَ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، قَالُوا وَاَللَّهِ إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً، قَالَ إنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا» . زَادَ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ: «وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ» . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «إنَّ هَذِهِ النَّارَ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ جَهَنَّمَ» . وَأَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «لَوْ كَانَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَتَنَفَّسَ فَأَصَابَهُمْ نَفَسُهُ لَأَحْرَقَ الْمَسْجِدَ وَمَنْ فِيهِ» .

стр. 858

أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَاللَّفْظُ لَهُ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ إلَى الْجَنَّةِ، فَقَالَ اُنْظُرْ إلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْت لِأَهْلِهَا فِيهَا فَجَاءَ وَنَظَرَ إلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا فَرَجَعَ إلَيْهِ فَقَالَ: وَعِزَّتِك لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إلَّا دَخَلَهَا فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، فَقَالَ ارْجِعْ فَانْظُرْ إلَى مَا أَعْدَدْت لِأَهْلِهَا فِيهَا فَرَجَعَ إلَيْهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ فَرَجَعَ إلَيْهِ وَقَالَ: وَعِزَّتِك لَقَدْ خِفْت أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ، فَقَالَ اذْهَبْ إلَى النَّارِ فَانْظُرْ إلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْت لِأَهْلِهَا فِيهَا فَنَظَرَ إلَيْهَا فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَرَجَعَ إلَيْهِ فَقَالَ: وَعِزَّتِك لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ فَقَالَ ارْجِعْ إلَيْهَا فَرَجَعَ إلَيْهَا فَقَالَ: وَعِزَّتِك لَقَدْ خَشِيت أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إلَّا دَخَلَهَا» . وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] قَالَ: أَمَا إنِّي لَسْت أَقُولُ كَالشَّجَرِ وَلَكِنْ كَالْحُصُونِ وَالْمَدَائِنِ ". وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ» . وَالتِّرْمِذِيُّ: «وَيْلٌ وَادٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ» . وَابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالتِّرْمِذِيُّ: «تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ؟ قَالَ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَمِائَةِ مَرَّةٍ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ يَدْخُلُهُ؟ قَالَ أُعِدَّ لِلْقُرَّاءِ الْمُرَائِينَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ إلَى اللَّهِ الَّذِينَ يَزُورُونَ الْأُمَرَاءَ الْجَوَرَةَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ: «إنَّ فِي جَهَنَّمَ لَوَادِيًا تَسْتَعِيذُ جَهَنَّمُ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَمِائَةِ مَرَّةٍ أُعِدَّ لِلْمُرَائِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ » . وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: «إنَّ فِي النَّارِ سَبْعِينَ أَلْفِ وَادٍ فِي كُلِّ وَادٍ سَبْعُونَ أَلْفَ شِعْبٍ فِي كُلِّ شِعْبٍ سَبْعُونَ أَلْفَ حَجَرٍ فِي كُلِّ حَجَرٍ حَيَّةٌ تَأْكُلُ وُجُوهَ أَهْلِ النَّارِ» . وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِسَنَدٍ فِيهِ نَكَارَةٌ: «إنَّ فِي جَهَنَّمَ سَبْعِينَ أَلْفَ وَادٍ فِي كُلِّ وَادٍ سَبْعُونَ أَلْفَ شِعْبٍ فِي كُلِّ شِعْبٍ سَبْعُونَ أَلْفَ دَارٍ فِي كُلِّ دَارٍ سَبْعُونَ أَلْفَ بَيْتٍ فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ

стр. 859

أَلْفَ بِئْرٍ وَفِي كُلِّ بِئْرٍ سَبْعُونَ أَلْفَ ثُعْبَانٍ فِي شِدْقِ كُلِّ ثُعْبَانٍ سَبْعُونَ أَلْفَ عَقْرَبٍ لَا يَنْتَهِي الْكَافِرُ أَوْ الْمُنَافِقُ حَتَّى يُوَاقِعَ ذَلِكَ كُلَّهُ» . وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ انْقِطَاعٌ: «إنَّ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ لَتُلْقَى مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَتَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا وَمَا تُفْضِي إلَى قَرَارِهَا» . وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ: أَكْثِرُوا ذِكْرَ النَّارِ فَإِنَّ حُرَّهَا شَدِيدٌ وَإِنَّ قَعْرَهَا بَعِيدٌ وَإِنَّ مَقَامِعَهَا حَدِيدٌ. وَالْبَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ: «لَوْ أَنَّ حَجَرًا قُذِفَ بِهِ فِي جَهَنَّمَ لَهَوَى بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهَا» . وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعْنَا وَجْبَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا حَجَرٌ أَرْسَلَهُ اللَّهُ فِي جَهَنَّمَ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَالْآنَ حِينَ انْتَهَى إلَى قَعْرِهَا» . وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتًا هَالَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ صَخْرَةٌ هَوَتْ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ مِنْ سَبْعِينَ عَامًا فَهَذَا حِينَ بَلَغَتْ قَعْرَهَا فَأَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُسْمِعَك صَوْتَهَا. فَمَا رُئِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَاحِكًا مِلْءَ فِيهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ » . وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ: «لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ وَأَشَارَ إلَى الْجُمْجُمَةِ أُرْسِلَتْ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ لَبَلَغَتْ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا» . وَأَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «لَوْ أَنَّ مِقْمَعًا مِنْ حَدِيدِ جَهَنَّمَ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ فَاجْتَمَعَ لَهُ الثَّقَلَانِ مَا أَقَلُّوهُ مِنْ الْأَرْضِ» . وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «لَوْ ضُرِبَ الْجَبَلُ بِمِقْمَعٍ مِنْ حَدِيدِ جَهَنَّمَ لَتَفَتَّتَ فَصَارَ رَمَادًا» الْمِقْمَعُ الْمِطْرَاقُ، وَقِيلَ السَّوْطُ. وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: «إنَّ الْحَجَرَ الْوَاحِدَ مِنْهَا لَوْ وُضِعَ عَلَى جِبَالِ الدُّنْيَا لَذَابَتْ مِنْهُ وَإِنَّ مَعَ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ حَجَرًا وَشَيْطَانًا» .

стр. 860

وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «إنَّ الْأَرْضِينَ السَّبْعَ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ وَاَلَّتِي تَلِيهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ؛ فَالْعُلْيَا مِنْهَا عَلَى ظَهْرِ حُوتٍ قَدْ الْتَقَى طَرَفَاهُ فِي السَّمَاءِ، وَالْحُوتُ عَلَى صَخْرَةٍ وَالصَّخْرَةُ بِيَدِ مَلَكٍ، وَالثَّانِيَةُ سِجْنُ الرِّيحِ؛ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُهْلِكَ عَادًا أَمَرَ خَازِنَ الرِّيحِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا تُهْلِكُهُمْ. قَالَ: يَا رَبِّ أُرْسَلُ عَلَيْهِمْ مِنْ الرِّيحِ قَدْرَ مَنْخَرِ الثَّوْرِ؟ قَالَ لَهُ الْجَبَّارُ ﵎: إذَنْ تَكْفِيءُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ أَرْسِلْ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ خَاتَمٍ فَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] . وَالثَّالِثَةُ فِيهَا حِجَارَةُ جَهَنَّمَ، وَالرَّابِعَةُ فِيهَا كِبْرِيتُ جَهَنَّمَ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلِلنَّارِ كِبْرِيتٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ فِيهَا الْأَوْدِيَةَ مِنْ كِبْرِيتٍ لَوْ أُرْسِلَ فِيهَا الْجِبَالُ الرَّوَاسِي لَمَاعَتْ، وَالْخَامِسَةُ فِيهَا حَيَّاتُ جَهَنَّمَ إنَّ أَفْوَاهَهَا كَالْأَوْدِيَةِ تَلْسَعُ الْكَافِرَ اللَّسْعَةَ فَلَا يَبْقَى مِنْهُ لَحْمٌ عَلَى عَظْمٍ السَّادِسَةُ فِيهَا عَقَارِبُ جَهَنَّمَ إنَّ أَدْنَى عَقْرَبٍ مِنْهَا كَالْبِغَالِ الْمُوكَفَةِ تَضْرِبُ الْكَافِرَ ضَرْبَةً تُنْسِيهِ ضَرْبَتَهَا حَرُّ جَهَنَّمَ، وَالسَّابِعَةُ فِيهَا إبْلِيسُ مُصَفَّدٌ بِالْحَدِيدِ يَدٌ أَمَامَهُ وَيَدٌ خَلْفَهُ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُطْلِقَهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ أَطْلَقَهُ» . وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «إنَّ فِي النَّارِ حَيَّاتٍ كَأَمْثَالِ أَعْنَاقِ عَيَنٍ تَلْسَعُ إحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ فَيَجِدُ حَمْوَهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَإِنَّ فِي النَّارِ عَقَارِبَ كَأَمْثَالِ الْبِغَالِ الْمُوكَفَةِ تَلْسَعُ إحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ فَيَجِدُ حَرَّهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ «عَنْهُ ﷺ فِي قَوْلِهِ ﵎: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] قَالَ: كَعَكَرِ الزَّيْتِ فَإِذَا قُرِّبَ إلَى وَجْهِهِ سَقَطَ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ: «إنَّ الْحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ الْحَمِيمُ حَتَّى يَخْلُصَ إلَى جَوْفِهِ فَيَسْلُتُ مَا فِي جَوْفِهِ حَتَّى يَمْرُقَ مِنْ قَدَمَيْهِ وَهُوَ الصَّهْرُ ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ» ، وَالْحَمِيمُ الْمَاءُ الْحَارُّ الَّذِي يَحْرِقُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْحَمِيمُ يَغْلِي مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ إلَى يَوْمِ يُسْقَوْنَهُ وَيُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ، وَقِيلَ هُوَ مَا يَجْتَمِعُ مِنْ دُمُوعِ أَعْيُنِهِمْ فِي حِيَاضِ النَّارِ فَيُسْقَوْنَهُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ ﵎: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] . وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ

стр. 861

صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْهُ « ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧] قَالَ: يُقَرَّبُ إلَى فِيهِ فَيَكْرَهُهُ فَإِذَا دَنَا مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، قَالَ اللَّهُ : ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩] » . وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيَا» وَالْغَسَّاقُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٥] وَاخْتُلِفَ فِيهِ؛ فَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ هُوَ مَا يَسِيلُ مِنْ جِلْدِ الْكَافِرِ وَنَحْوِهِ، وَعِنْدَ الْآخَرِينَ هُوَ صَدِيدُهُمْ. وَقَالَ كَعْبٌ: هُوَ عَيْنٌ فِي جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْهَا حُمَةُ كُلِّ ذَاتِ حُمَةٍ مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَسْتَنْقِعُ فَيُؤْتَى بِالْآدَمِيِّ فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً وَاحِدَةً فَيَخْرُجُ وَقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ عَنْ الْعِظَامِ وَيَتَعَلَّقُ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ فِي عَقِبَيْهِ وَكَعْبَيْهِ فَيَجُرُّ لَحْمَهُ كَمَا يَجُرُّ الْمَرْءُ ثَوْبَهُ. وَالتِّرْمِذِيُّ: وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ: «أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] فَقَالَ ﷺ : لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لَأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «فَكَيْفَ بِمَنْ لَيْسَ لَهُ طَعَامٌ غَيْرَهُ» . وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ [المزمل: ١٣] شَوْكٌ يَأْخُذُ بِالْحَلْقِ لَا يَدْخُلُ وَلَا يَخْرُجُ. وَالشَّيْخَانِ: «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْ الْكَافِرِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ» - وَالْمَنْكِبُ مَجْمَعُ رَأْسِ الْكَتِفِ وَالْعَضُدِ. وَأَحْمَدُ: «ضِرْسُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وَفَخِذُهُ مِثْلُ الْبَيْضَاءِ - أَيْ وَهُوَ جَبَلٌ - وَمَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ كَمَا بَيْنَ قُدَيْدٍ وَمَكَّةَ - أَيْ نَحْوِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ - وَكَثَافَةُ جِلْدِهِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْجَبَّارِ» أَيْ مَلِكٌ بِالْيَمَنِ لَهُ ذِرَاعٌ مَعْرُوفُ الْمِقْدَارِ، كَذَا قَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ مَلِكٌ بِالْعَجَمِ. وَمُسْلِمٌ: «ضِرْسُ أَوْ قَالَ نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ» .

стр. 862

وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ وَفَخِذُهُ مِثْلُ الْبَيْضَاءِ وَمَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ مِنْ الرَّبَذَةِ» أَيْ كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالرَّبَذَةِ. وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: «ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ وَعَرْضُ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا وَعَضُدُهُ مِثْلُ الْبَيْضَاءِ وَفَخِذُهُ مِثْلُ الْبَيْضَاءِ وَمَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ الرَّبَذَةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «وَمَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ مِثْلُ الرَّبَذَةِ» . وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَإِسْنَادُهُ قَرِيبٌ مِنْ الْحَسَنِ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ. وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ يَزِيدَ: «إنَّ الْكَافِرَ لَيُسْحَبُ لِسَانُهُ الْفَرْسَخَ وَالْفَرْسَخَيْنِ يَتَوَطَّؤُهُ النَّاسُ» . وَالْفُضَيْلُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي جُمَّةِ: «إنَّ الْكَافِرَ لَيُجَرُّ لِسَانُهُ فَرْسَخَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَوَطَّؤُهُ النَّاسُ» . أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الصَّوَابُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَعْظُمُ أَهْلُ النَّارِ حَتَّى إنَّ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ إلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ، وَإِنَّ غِلَظَ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَتَدْرِي مَا سِعَةُ جَهَنَّمَ؟ قُلْت لَا. قَالَ: أَجَلْ وَاَللَّهِ مَا نَدْرِي إنَّ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ خَرِيفًا تَجْرِي فِيهِ أَوْدِيَةُ الْقَيْحِ وَالدَّمِ، قُلْت: أَنْهَارٌ؟ قَالَ: لَا بَلْ أَوْدِيَةٌ» . وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ عَنْهُ ﷺ قَالَ: « ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] ، قَالَ: تَشْوِيهُ النَّارُ فَتُقَلَّصُ شَفَتُهُ الْعُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ وَتَسْتَرْخِي السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ» . قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ وَرَدَ: «إنَّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يَعْظُمُ فِي النَّارِ كَمَا يَعْظُمُ فِيهَا الْكَافِرُ» ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «إنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، وَإِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَعْظُمُ لِلنَّارِ حَتَّى يَكُونَ أَحَدَ زَوَايَاهَا» . وَالشَّيْخَانِ: «إنَّ أَهْوَنَ النَّاسِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ وَمَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا» . وَمُسْلِمٌ: «إنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» .

стр. 863

وَمُسْلِمٌ: «مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إلَى حُجْزَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إلَى تَرْقُوَتِهِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: «إنَّ جَهَنَّمَ لَمَّا سِيقَ إلَيْهَا أَهْلُهَا تَلَقَّتْهُمْ فَلَفَحَتْهُمْ لَفْحَةً فَلَمْ تَدَعْ لَحْمًا عَلَى عَظْمٍ إلَّا أَلْقَتْهُ عَلَى الْعُرْقُوبِ» . وَالْبَيْهَقِيُّ: " إنَّ عُمَرَ ﵁ قَرَأَ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] قَالَ: يَا كَعْبُ أَخْبَرَنِي بِتَفْسِيرِهَا فَإِنْ صَدَقْت صَدَّقْتُك وَإِنْ كَذَبْت رَدَّدْت عَلَيْك، فَقَالَ: إنَّ جِلْدَ ابْنِ آدَمَ يُحْرَقُ وَيُجَدَّدُ فِي سَاعَةٍ أَوْ فِي يَوْمٍ سِتَّةَ آلَافِ مَرَّةٍ، قَالَ: صَدَقْت ". وَالْبَيْهَقِيُّ: " إنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ قَالَ فِي الْآيَةِ: تَأْكُلُهُمْ النَّارُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ كُلَّمَا أَكَلَتْهُمْ قِيلَ لَهُمْ عُودُوا فَيَعُودُونَ كَمَا كَانُوا ". وَمُسْلِمٌ: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صِبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْت خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِك نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّارِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صِبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ مَرَّ بِك شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْت شِدَّةً قَطُّ» . وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ احْتَجَّ بِرُوَاتِهِ إلَّا يَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ. الشَّيْخَانِ: «يُرْسَلُ الْبُكَاءُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ فَيَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ ثُمَّ يَبْكُونَ الدَّمَ حَتَّى يَصِيرَ فِي وُجُوهِهِمْ كَهَيْئَةِ الْأُخْدُودِ لَوْ أُرْسِلَتْ فِيهَا السُّفُنُ لَجَرَتْ» . وَأَبُو يَعْلَى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكُوا فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي خُدُودِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ فَيَسِيلُ - يَعْنِي الدَّمَ - فَتَقْرَحُ الْعُيُونُ» .

стр. 864

[الْأَمْرُ الرَّابِعُ فِي الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] َ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ: «إنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ وَإِنَّهُ لَا يَجِدُهَا عَاقٌّ وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ» . وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مَرْفُوعًا وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مَوْقُوفًا وَهُوَ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ عَنْ «عَلِيٍّ ﵁: أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْوَفْدُ إلَّا رَكْبٌ، قَالَ ﷺ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُمْ إذَا خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ اُسْتُقْبِلُوا بِنُوقٍ بِيضٍ لَهَا أَجْنِحَةٌ عَلَيْهَا رِحَالُ الذَّهَبِ شَرَكُ نِعَالِهِمْ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ كُلُّ خُطْوَةٍ مِنْهَا مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ وَيَنْتَهِي إلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا حَلْقَةٌ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ عَلَى صَفَائِحِ الذَّهَبِ، وَإِذَا شَجَرَةٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ يَنْبُعُ مِنْ أَصْلِهَا عَيْنَانِ، فَإِذَا شَرِبُوا مِنْ أَحَدِهَا جَرَتْ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ، فَإِذَا تَوَضَّئُوا مِنْ الْأُخْرَى لَمْ تَشْعَثْ شُعُورُهُمْ أَبَدًا، فَيَضْرِبُونَ الْحَلْقَةَ بِالصَّفِيحَةِ فَلَوْ سَمِعْت طَنِينَ الْحَلْقَةِ يَا عَلِيُّ فَيَبْلُغُ كُلَّ حَوْرَاءَ أَنَّ زَوْجَهَا قَدْ أَقْبَلَ فَتَسْتَخِفُّهَا الْعَجَلَةُ فَتَبْعَثُ قَيِّمَهَا فَيَفْتَحُ لَهُ الْبَابَ فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ عَرَّفَهُ نَفْسَهُ لَخَرَّ لَهُ سَاجِدًا مِمَّا يَرَى مِنْ النُّورِ وَالْبَهَاءِ، فَيَقُولُ: أَنَا قَيِّمُك الَّذِي وُكِّلْت بِأَمْرِك، فَيَتْبَعُهُ وَيَقْفُو أَثَرَهُ فَيَأْتِي زَوْجَتَهُ، فَتَسْتَخِفُّهَا الْعَجَلَةُ فَتَخْرُجُ مِنْ الْخَيْمَةِ فَتُعَانِقُهُ وَتَقُولُ: أَنْتَ حِبِّي وَأَنَا حِبُّك، وَأَنَا الرَّاضِيَةُ فَلَا أَسْخَطُ أَبَدًا، وَأَنَا النَّاعِمَةُ فَلَا أَبَأْسُ أَبَدًا، وَأَنَا الْخَالِدَةُ فَلَا أَظَعْنُ أَبَدًا، فَيَدْخُلُ بَيْتًا مِنْ أَسَاسِهِ إلَى سَقْفِهِ مِائَةُ أَلْفِ ذِرَاعٍ مَبْنِيٌّ عَلَى جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ طَرَائِقُ حُمْرٌ وَطَرَائِقُ صُفْرٌ وَطَرَائِقُ خُضْرٌ مَا مِنْهَا طَرِيقَةٌ تُشَاكِلُ صَاحِبَتَهَا. فَيَأْتِي الْأَرِيكَةَ

стр. 865

فَإِذَا عَلَيْهَا سَرِيرٌ عَلَى السَّرِيرِ سَبْعُونَ فِرَاشًا عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ سَبْعُونَ زَوْجَةً عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً يُرَى مُخُّ سَاقَيْهَا مِنْ وَرَاءِ بَاطِنِ الْحُلَلِ يَقْضِي جِمَاعَهُنَّ فِي مِقْدَارِ لَيْلَةٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِنَّ أَنْهَارٌ مُطَّرِدَةٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ صَافٍ لَيْسَ فِيهِ كَدَرٌ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بُطُونِ الْمَاشِيَةِ، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بُطُونِ النَّحْلِ، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لَمْ تَعْصِرْهُ الرِّجَالُ بِأَقْدَامِهَا، فَإِذَا اشْتَهُوا الطَّعَامَ جَاءَتْهُمْ طَيْرٌ بِيضٌ فَتَرْفَعُ أَجْنِحَتَهَا فَيَأْكُلُونَ مِنْ جُنُوبِهَا مِنْ أَيِّ الْأَلْوَانِ شَاءُوا ثُمَّ تَطِيرُ فَتَذْهَبُ، فِيهَا ثِمَارٌ مُتَدَلِّيَةٌ إذَا اشْتَهُوهَا انْبَعَثَ الْغُصْنُ إلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَ مِنْ أَيِّ الثِّمَارِ شَاءُوا إنْ شَاءَ قَائِمًا وَإِنْ شَاءَ قَاعِدًا وَإِنْ شَاءَ مُتَّكِئًا، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ خَدَمٌ كَاللُّؤْلُؤِ» . وَالشَّيْخَانِ: «إنَّ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ سَنَةً ثُمَّ يَنْزِلُ مَاءٌ مِنْ السَّمَاءِ فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ وَلَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ لَا يَبْلَى إلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ مِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَفِيهِ مَنْ تُكَلِّمَ فِيهِ، لَكِنْ أَخْرَجَ لَهُ الشَّيْخَانِ: «الْمَيِّتُ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا» . قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: قَدْ قَالَ كُلُّ مَنْ وَقَفْت عَلَى كَلَامِهِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ إنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا: أَيْ أَعْمَالُهُ. قَالَ الْهَرَوِيُّ وَكَذَا الْحَدِيثُ الْآخَرُ: «يُبْعَثُ الْعَبْدُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» ، قَالَ: وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْأَكْفَانِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْمَيِّتَ إنَّمَا يُكَفَّنُ بَعْدَ الْمَوْتِ. اهـ. وَفِعْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَاوِي الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى إجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا، وَفِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا: «إنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ عُرَاةً» انْتَهَى، وَهَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَقَعَ ذِكْرُهُمَا هُنَا سَهْوًا لَكِنَّ فِيهِمَا فَوَائِدَ. وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: «يُسَاقُ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إذَا انْتَهَوْا إلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا وَجَدُوا عِنْدَهُ شَجَرَةً يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ سَاقِهَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ، فَعَمَدُوا إلَى إحْدَاهُمَا كَأَنَّمَا مَرُّوا بِهَا فَشَرِبُوا مِنْهَا فَأَذْهَبَتْ مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنْ أَذًى أَوْ قَذًى أَوْ بَأْسٍ، ثُمَّ عَمَدُوا إلَى الْأُخْرَى فَتَطَهَّرُوا مِنْهَا فَجَرَتْ عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ فَلَنْ تُغَيَّرَ أَبْشَارُهُمْ بَعْدَهَا أَبَدًا وَلَنْ تَشْعَثَ أَشْعَارُهُمْ كَأَنَّمَا دُهِنُوا بِالدِّهَانِ، ثُمَّ انْتَهَوْا إلَى خَزَنَةِ

стр. 866

الْجَنَّةِ فَقَالُوا: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ، قَالَ: ثُمَّ تَلَقَّاهُمْ الْوِلْدَانُ يَطُوفُونَ بِهِمْ كَمَا يَطُوفُ وِلْدَانُ الدُّنْيَا بِالْحَمِيمِ - أَيْ الْقَرِيبِ يَقْدُمُ مِنْ غَيْبَتِهِ - فَيَقُولُونَ أَبْشِرُوا بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ الْكَرَامَةِ، قَالَ: ثُمَّ يَنْطَلِقُ غُلَامٌ مِنْ أُولَئِكَ الْوَلَدَانِ إلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، فَيَقُولُ قَدْ جَاءَ فُلَانٌ بِاسْمِهِ الَّذِي يُدْعَى بِهِ فِي الدُّنْيَا فَيَقُولُ أَنْتَ رَأَيْته، فَيَقُولُ أَنَا رَأَيْته وَهُوَ ذَا بِأَثَرِي فَيَسْتَخْفِ إحْدَاهُنَّ الْفَرَحُ حَتَّى تَقُومَ عَلَى أُسْكُفَّةِ بَابِهَا، فَإِذَا انْتَهَى إلَى بَابِ مَنْزِلِهِ نَظَرَ إلَى أَيِّ شَيْءٍ أَسَاسُ بُنْيَانِهِ فَإِذَا جَنْدَلُ اللُّؤْلُؤِ فَوْقَهُ صَرْحٌ أَخْضَرُ وَأَصْفَرُ وَأَحْمَرُ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَى سَقْفِهِ فَإِذَا مِثْلُ الْبَرْقِ لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَهُ لَهُ لَذَهَبَ بِبَصَرِهِ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَى أَزْوَاجِهِ. ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] أَيْ جَمْعُ كُوبٍ وَهُوَ كُوزٌ لَا عُرْوَةَ لَهُ وَقِيلَ لَا خُرْطُومَ لَهُ فَإِذَا كَانَ لَهُ خُرْطُومٌ فَهُوَ الْإِبْرِيقُ ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] أَيْ وَسَائِدُ ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦] أَيْ بُسُطٌ فَاخِرَةٌ فَنَظَرُوا فِي تِلْكَ النِّعَمِ ثُمَّ اتَّكَئُوا ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] الْآيَةَ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ تَحْيَوْنَ وَلَا تَمُوتُونَ أَبَدًا وَتُقِيمُونَ فَلَا تَظْعَنُونَ وَتَصِحُّونَ فَلَا تَمْرَضُونَ أَبَدًا» . وَالشَّيْخَانِ: «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ سَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ مُتَمَاسِكُونَ آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِيَدِ بَعْضٍ لَا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» . وَالشَّيْخَانِ: «إنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَاَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إضَاءَةً لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ، أَمْشَاطُهُمْ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمْ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمْ الْأَلُوَّةُ أَزْوَاجُهُمْ الْحُورُ الْعِينُ، أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى مُخُّ سَاقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا» . قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: خُلُقٌ بِضَمِّ الْخَاءِ وَأَبُو كُرَيْبٍ بِفَتْحِهَا، وَالْأَلُوَّةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا وَضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا مِنْ أَسْمَاءِ الْعُودِ الَّذِي يُتَبَخَّرُ بِهِ، وَقَالَ

стр. 867

الْأَصْمَعِيُّ: أَرَاهَا كَلِمَةً فَارِسِيَّةً عُرِّبَتْ، وَالْمَجَامِرُ جَمْعُ مِجْمَرٍ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ هَاءٍ الْبَخُورُ نَفْسُهُ وَبِهَاءٍ إنَاءُ الْبَخُورِ، وَاسْتَشْكَلَهُ السُّهَيْلِيُّ بِأَنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ: وَوُقُودُ مَجَامِرِهِمْ الْأَلُوَّةُ، قَالَ يَعْنِي الْعُودَ. اهـ. وَلَا إشْكَالَ إنْ حُمِلَ هَذَا عَلَى التَّجَوُّزِ. وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبُ: «يَدْخُلُونَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا بِيضًا جِعَادًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَهُمْ عَلَى خَلْقِ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ تِسْعَةِ أَذْرُعٍ» . وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ سَقْطًا وَلَا هَرَمًا وَأَيُّمَا النَّاسِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ إلَّا بُعِثَ ابْنَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَانَ عَلَى مَسْحَةِ آدَمَ وَصُورَةِ يُوسُفَ وَقَلْبِ أَيُّوبَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عَظُمُوا أَوْ فَخُمُوا كَالْجِبَالِ» . وَمُسْلِمٌ: «إنَّ مُوسَى ﵇ سَأَلَ رَبَّهُ مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَمَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ اُدْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ، فَيُقَالُ لَهُ أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَك مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ رَضِيت رَبِّ فَيَقُولُ لَهُ لَك مِثْلُ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ رَضِيت رَبِّ فَيَقُولُ هَذَا لَك وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ وَلَك مَا اشْتَهَتْ نَفْسُك وَلَذَّتْ عَيْنُك فَيَقُولُ رَضِيت رَبِّ، قَالَ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْت غَرَسْت كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْت عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي الْأَدْنَى: «أَنَّهُ إذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هُوَ لَك وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ وَأَنَّهُ يَقُولُ مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيت» . وَفِي رِوَايَةٍ سَنَدُهَا صَحِيحٌ بِرُوَاتِهَا فِي الصَّحِيحِ: «إلَّا وَاحِدًا إنَّهُ يَتَمَنَّى مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَيُلَقِّنُهُ اللَّهُ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ فَيَسْأَلُهُ وَيَتَمَنَّى فَإِذَا فَرَغَ قَالَ لَك مَا سَأَلْت» . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «وَمِثْلُهُ مَعَهُ» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵄ «وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ» فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: حَدِّثْ بِمَا سَمِعْت وَأُحْدِثُ بِمَا سَمِعْت، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ بِنَحْوِهِ إلَّا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ هُوَ الْقَائِلُ وَمِثْلُهُ وَأَبَا سَعِيدٍ هُوَ الْقَائِلُ: وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ عَلَى الْعَكْسِ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا. وَأَحْمَدُ: «إنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَ سَنَةٍ فَيَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ يَنْظُرُ إلَى أَزْوَاجِهِ وَخَدَمِهِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ: «وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إلَى

стр. 868

اللَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «إنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً وَيُنْصَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ كَمَا بَيْنَ الْجَابِيَةِ إلَى صَنْعَاءَ» . وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «إنَّ أَسْفَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَجْمَعِينَ دَرَجَةً لَمَنْ يَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ عَشَرَةُ آلَافِ خَادِمٍ بِيَدِ كُلِّ خَادِمٍ صَحْفَتَانِ وَاحِدَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَالْأُخْرَى مِنْ فِضَّةٍ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ لَوْنٌ لَيْسَ فِي الْأُخْرَى مِثْلُهُ يَأْكُلُ مِنْ آخِرِهَا مِثْلَ مَا يَأْكُلُ مِنْ أَوَّلِهَا يَجِدُ لِآخِرِهَا مِنْ الطِّيبِ وَاللَّذَّةِ مِثْلَ الَّذِي يَجِدُ لِأَوَّلِهَا ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ جُشَاءً كَرِيحِ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ إخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ» . قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ حَدِيثِ: «لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ» وَحَدِيثِ «يَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ عَشَرَةُ آلَافِ خَادِمٍ» وَحَدِيثِ «مَنْ يَغْدُو عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَيَرُوحُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ خَادِمٍ» فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ تَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْهُمْ عَشَرَةُ آلَافٍ وَيَغْدُو عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا ". انْتَهَى. وَأَقُولُ: لَا مَانِعَ أَنَّ الْأَدْنَى مَرَاتِبُ مُنَاسِبَةٌ وَكُلُّ أَدْنَى بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْمِهِ أَوْ أُمَّتِهِ لَهُ صِفَةٌ غَيْرُ صِفَةِ الْأُخْرَى، وَلَعَلَّ هَذَا أَوْلَى بِهِ تَجْتَمِعُ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّنَافِي فِي غَيْرِ هَذَا الْعَدَدِ أَيْضًا كَمَا يَعْلَمُ مَنْ تَأَمَّلَ مَا مَرَّ. وَالشَّيْخَانِ: «إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَمْلِكُهُمَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: بَلَى، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الْغَارِبَ» وَالْغَابِرُ بِمَعْنَاهُ إذْ هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ الذَّاهِبُ الَّذِي تَوَلَّى لِلْغُرُوبِ. وَصَحَّ: «إنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَفْشَى السَّلَامَ وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» . وَالْبُخَارِيُّ: «إنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» .

стр. 869

وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ: «فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنِ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنَا عَنْ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ ﷺ : لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ وَلَا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ» الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَوْقُوفًا قَالَ: «حَائِطُ الْجَنَّةِ لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَدَرَجُهَا الْيَاقُوتُ وَاللُّؤْلُؤُ» ، قَالَ: وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ رَضْرَاضَ أَنْهَارِهَا اللُّؤْلُؤُ وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، الرَّضْرَاضُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَبِمُعْجَمَتَيْنِ وَالْحَصْبَاءُ مَمْدُودٌ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَهُوَ الْحَصَى، وَقِيلَ الرَّضْرَاضُ صِغَارُهَا ". ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَحْيَا فِيهَا وَلَا يَمُوتُ، وَيَنْعَمُ فِيهَا وَلَا يَبْأَسُ لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ ﷺ : لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ» وَالْمِلَاطُ بِكَسْرِ الْمِيمِ هُوَ مَا يُبْنَى بِهِ: أَيْ إنَّ الطِّينَ الَّذِي يُجْعَلُ بَيْنَ لِبَنَاتِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْحَائِطِ مِسْكٌ. وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: «خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ - أَيْ بِقُدْرَتِهِ الْبَاهِرَةِ - وَدَلَّى فِيهَا ثِمَارَهَا وَشَقَّ أَنْهَارَهَا ثُمَّ نَظَرَ إلَيْهَا فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، فَقَالَ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يُجَاوِرُنِي فِيك بَخِيلٌ» ، زَادَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: «إنَّهَا لَبِنَةٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، وَلَبِنَةٌ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَلَبِنَةٌ مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ، وَمِلَاطُهَا مِسْكٌ حَشِيشُهَا الزَّعْفَرَانُ حَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ تُرَابُهَا الْعَنْبَرُ» . وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: «أَرْضُ الْجَنَّةِ بَيْضَاءُ عَرْصَتُهَا صُخُورُ الْكَافُورِ وَقَدْ أَحَاطَ بِهِ الْمِسْكُ مِثْلُ كُثْبَانِ الرَّمَلِ، فِيهَا أَنْهَارٌ مُطَّرِدَةٌ فَيَجْتَمِعُ فِيهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ أَدْنَاهُمْ وَآخِرُهُمْ فَيَتَعَارَفُونَ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ رِيحَ الرَّحْمَةِ فَتُهِيجُ عَلَيْهِمْ رِيحَ الْمِسْكِ فَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إلَى زَوْجَتِهِ وَقَدْ ازْدَادَ حُسْنًا وَطِيبًا فَتَقُولُ: لَقَدْ خَرَجْت مِنْ عِنْدِي وَأَنَا بِك مُعْجَبَةٌ وَأَنَا بِك الْآنَ أَشَدُّ إعْجَابًا» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «إنَّ فِي الْجَنَّةِ مَرَاغًا مِنْ مِسْكٍ مِثْلَ مَرَاغِ دَوَابِّكُمْ فِي الدُّنْيَا» .

стр. 870

وَالشَّيْخَانِ: «إنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلًا لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنُ فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا» ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا» . وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا: «الْخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ فَرْسَخٌ فِي فَرْسَخٍ لَهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ مِصْرَاعٍ مِنْ ذَهَبٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «حَوْلَهَا سُرَادِقٌ دُورُهُ خَمْسُونَ فَرْسَخًا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ بَابٍ مِنْهَا مَلَكٌ بِهَدِيَّةٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » . وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِهِمَا: «إنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، فَقَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَبَاتَ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِنَحْوِهِ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ بَيْضَاءَ فِيهَا سَبْعُونَ دَارًا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، فِي كُلِّ دَارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا، عَلَى كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِرَاشًا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ امْرَأَةٌ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مَائِدَةً، عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وَصَيْفًا وَوَصِيفَةً، يُعْطَى الْمُؤْمِنُ مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: «الْكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ وَأَبْيَضُ مِنْ الثَّلْجِ» . زَادَ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «فِيهِ طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ - أَيْ الْإِبِلِ - قَالَ عُمَرُ ﵁: إنَّ هَذِهِ لَنَاعِمَةٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَكْلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ تِلَالِ أَوْ جِبَالِ الْمِسْكِ» . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «إنَّ أَرْضَ الْجَنَّةِ مَرْمَرَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ فِضَّةٍ كَأَنَّهَا مِرْآةٌ» - أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ الْجَنَّاتِ حَتَّى لَا يُنَافِيَ مَا مَرَّ - «وَإِنَّ نُورَهَا مِثْلُ مَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَأَنْهَارُهَا لَتَجْرِي عَلَى الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أُخْدُودٍ مُسْكِفَةٍ لَا تَفِيضُ هَاهُنَا وَلَا هَاهُنَا، وَإِنَّ حُلَلَهَا مِنْ شَجَرَةٍ فِيهَا ثَمَرٌ كَأَنَّهُ رُمَّانٌ فَإِذَا أَرَادَ وَلِيُّ اللَّهِ مِنْهَا كِسْوَةً

стр. 871

انْحَدَرَتْ إلَيْهِ مِنْ أَغْصَانِهَا فَانْفَلَقَتْ لَهُ عَنْ سَبْعِينَ حُلَّةً أَلْوَانًا بَعْدَ أَلْوَانٍ ثُمَّ تَنْطَلِقُ فَتَرْجِعُ كَمَا كَانَتْ» . وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: «فِي الْجَنَّةِ بَحْرٌ لِلْمَاءِ وَبَحْرٌ لِلْعَسَلِ وَبَحْرٌ لِلْخَمْرِ ثُمَّ تَنْشَقُّ الْأَنْهَارُ مِنْهَا بَعْدُ» . وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَنَسٍ مَوْقُوفًا وَهُوَ أَشْبَهُ وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا: «لَعَلَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ أُخْدُودٌ فِي الْأَرْضِ لَا وَاَللَّهِ إنَّهَا لَسَائِحَةٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إحْدَى حَافَّتَيْهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْأُخْرَى الْيَاقُوتُ وَطِينُهُ الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ وَهُوَ الَّذِي لَا خِلْطَ لَهُ» . وَالْبُخَارِيُّ: «إنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا إنْ شِئْتُمْ فَاقْرَءُوا ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ - وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣٠ - ٣١] » . وَالشَّيْخَانِ: «إنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا» زَادَ التِّرْمِذِيُّ: «وَذَلِكَ الظِّلُّ الْمَمْدُودُ» . وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا: «الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْمُجِدُّ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ فِي نَوَاحِيهَا فَيَخْرُجُ أَهْلُ الْجَنَّةِ أَهْلَ الْغُرَفِ وَغَيْرَهُمْ فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنْ الْجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «أَنَّ أَصْلَ شَجَرَةِ طُوبَى شَبَهُ أَصْلِ شَجَرَةِ الْجَوْزَةِ يَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَنْتَشِرُ أَعْلَاهَا، وَإِنَّ أَعْظَمَ أَصْلِهَا أَنَّ الْجَذَعَةَ مِنْ الْإِبِلِ لَوْ ارْتَحَلَتْ لَمَا قَطَعَتْهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا، وَإِنَّ عِظَمَ عُنْقُودٍ مِنْ عِنَبِهَا مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ لَا يَقَعُ وَلَا يَنْثَنِي وَلَا يَفْتُرُ، وَإِنَّ عِظَمَ الْحَبَّةِ مِنْهُ كَالدَّلْوِ الْكَبِيرِ» . وَرَوَى أَبُو يَعْلَى هَذَا الْأَخِيرَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. وَجَاءَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ بِسَنَدٍ حَسَنٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الإنسان: ١٤] قَالَ: إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ قِيَامًا وَقُعُودًا وَمُضْطَجِعِينَ. وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: " إنَّ جُذُوعَ نَخْلِهَا مِنْ زُمُرُّدٍ أَخْضَرَ وَأُصُولُ سَعَفِهَا ذَهَبٌ

стр. 872

أَحْمَرُ وَسَعَفُهَا كِسْوَتُهُمْ وَثَمَرُهَا أَمْثَالُ الْقِلَالِ وَالدِّلَاءُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ وَأَلْيَنُ مِنْ الزُّبْدِ لَيْسَ فِيهَا عُجْمٌ ". وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: «يَأْكُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَكِنَّ طَعَامَهُمْ ذَلِكَ جُشَاءٌ كَرِيحِ الْمِسْكِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفْسَ» . وَصَحَّ: «إنَّ أَحَدَهُمْ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ تَكُونُ حَاجَةُ أَحَدِهِمْ رَشْحًا يُفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ كَرَشْحِ الْمِسْكِ فَيَضْمُرُ بَطْنُهُ» . وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «إنَّ أَسْفَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَجْمَعِينَ مَنْ يَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ عَشَرَةُ آلَافِ خَادِمٍ مَعَ كُلِّ خَادِمٍ صَحْفَتَانِ وَاحِدَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَوَاحِدَةٌ مِنْ ذَهَبٍ فِي كُلِّ صَحْفَةٍ لَوْنٌ لَيْسَ فِي الْأُخْرَى مِثْلُهَا يَأْكُلُ مِنْ آخِرِهِ كَمَا يَأْكُلُ مِنْ أَوَّلِهِ يَجِدُ لِآخِرِهِ مِنْ اللَّذَّةِ وَالطَّعْمِ مَا لَا يَجِدُ لِأَوَّلِهِ ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ رَشْحَ مِسْكٍ وَجُشَاءَ مِسْكٍ، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: «إنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ تَرْعَى فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فَقَالَ ﷺ : أَكْلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا قَالَهَا ثَلَاثًا وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا» . وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: «إنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؛ لَيَشْتَهِي الطَّيْرَ مِنْ طُيُورِ الْجَنَّةِ فَيَقَعُ فِي يَدِهِ مُنْفَلِقًا نَضِيجًا» . وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَشْتَهِي الطَّيْرَ فِي الْجَنَّةِ فَيَجِيءُ مِثْلَ الْبُخْتِيِّ حَتَّى يَقَعَ عَلَى خُوَانٍ لَمْ يُصِبْهُ دُخَانٌ وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ فَيَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى يَشْبَعَ ثُمَّ يَطِيرَ» . وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِسَنَدٍ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ: «إنَّ فِي الْجَنَّةِ طَائِرًا لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ رِيشَةٍ فَيَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَنْتَفِضُ فَيَقَعُ مِنْ كُلِّ رِيشَةٍ لَوْنٌ أَبْيَضُ مِنْ الثَّلْجِ وَأَلْيَنُ مِنْ الزُّبْدِ وَأَلَذُّ مِنْ الشَّهْدِ لَيْسَ فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ ثُمَّ يَطِيرُ» . وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِسَنَدٍ حَسَنٍ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِأَعْرَابِيٍّ زَعَمَ أَنَّ شَجَرَةَ السِّدْرِ مُؤْذِيَةٌ لِأَنَّ لَهَا شَوْكًا: «أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] خَضَدَ اللَّهُ

стр. 873

شَوْكَهُ فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَنْفَتِقُ الثَّمَرَةُ مِنْهَا عَنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ» . وَالشَّيْخَانِ: «وَلَنَصِيفُهَا - أَيْ خِمَارُهَا - عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ «لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ لُحُومِهِمَا وَحُلَلِهِمَا كَمَا يُرَى الشَّرَابُ الْأَحْمَرُ فِي الزُّجَاجَةِ الْبَيْضَاءِ» . وَذِكْرُ الزَّوْجَتَيْنِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ هُنَا لَا يُنَافِي ذِكْرَ أَكْثَرَ مِنْهُمَا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ كَحَدِيثِ أَحْمَدَ: «وَإِنَّ لَهُ - أَيْ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ - لَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً سِوَى أَزْوَاجِهِ مِنْ الدُّنْيَا، وَإِنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ لَتَأْخُذُ مَقْعَدَتِهَا قَدْرَ مِيلٍ» . وَصَحَّ عَنْ الْبَيْهَقِيّ: «إنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيَتَزَوَّجُ خَمْسَمِائَةِ حَوْرَاءَ وَأَرْبَعَةَ آلَافِ بِكْرٍ وَثَمَانِيَةَ آلَافِ ثَيِّبٍ يُعَانِقُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِقْدَارَ عُمُرِهِ فِي الدُّنْيَا» . وَرَوَى الشَّيْخَانِ: «وَلِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ» . وَفِي حَدِيثٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَالْبَيْهَقِيِّ «وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَزْوَاجِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ فَيَدْخُلُ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ تَعَالَى وَاثْنَتَيْنِ مِنْ وَلَدِ آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ بِعِبَادَتِهِمَا فِي الدُّنْيَا يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غَرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ بِاللُّؤْلُؤِ عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا - أَيْ صِنْفًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ثُمَّ يَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ، فَبَيْنَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ وَلَا يَأْتِيهَا مَرَّةً إلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ مَا يَفْتُرُ ذَكَرُهُ وَلَا يَشْتَكِي قُبُلَهَا فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ نُودِيَ إنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّك لَا تَمَلُّ وَلَا نَمَلُّ إلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنِيَّةَ أَلَا إنَّ لَك أَزْوَاجًا غَيْرَهَا فَيَخْرُجُ فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ وَاَللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْك أَوْ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْك» . وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ: «يُزَوَّجُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ بِكْرٍ وَثَمَانِيَةَ آلَافِ

стр. 874

أَيِّمٍ وَمِائَةَ حَوْرَاءَ فَيَجْتَمِعُونَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فَيَقُلْنَ بِأَصْوَاتٍ حِسَانٍ لَمْ تَسْمَعْ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهِنَّ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ» . وَوَجْهُ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْصُوفِينَ بِمَا ذُكِرَ مِنْ تِلْكَ الْخُلَلِ الْمَذْكُورَةِ اثْنَتَانِ وَالْبَاقِيَاتُ مِنْهُنَّ لَسْنَ كَذَلِكَ أَوْ أُعْلِمَ ﷺ بِالْقَلِيلِ فَأَخْبَرَ بِهِ ثُمَّ أُعْلِمَ بِالْكَثِيرِ فَأَخْبَرَ بِهِ نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِي حَدِيثِ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» . وَفِي رِوَايَةٍ «بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى: «وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ» . وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] قَالَ ﷺ حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ شَفْرُ الْحُورِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النِّسْرِ، قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] قَالَ ﷺ : صَفَاؤُهُنَّ كَصَفَاءِ الدُّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الْأَيْدِي، قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] قَالَ ﷺ : خَيْرَاتُ الْأَخْلَاقِ حِسَانُ الْوُجُوهِ، قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] قَالَ رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ، قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] قَالَ: هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمْطًا خَلَقَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ الْكِبَرِ فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى. عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُتَحَبِّبَاتٍ أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ. قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمْ الْحُورُ الْعِينُ؟ قَالَ: بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ، قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ ﷺ : بِصَلَاتِهِمْ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ لِلَّهِ أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ خُضْرُ الثِّيَابِ صُفْرُ الْحُلِيِّ مَجَامِرُهُنَّ الدُّرُّ وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ يَقُلْنَ: أَلَا نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ

стр. 875

النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا. قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ الزَّوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا مَنْ يَكُونُ زَوْجُهَا مِنْهُمْ؟ قَالَ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ إنَّهَا تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا فَتَقُولُ: أَيْ رَبِّ إنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَهُمْ مَعِي خُلُقًا فِي دَارِ الدُّنْيَا فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ، وَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ تَخْيِيرِهَا الظَّاهِرُ - وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَا يُنَافِي قَوْلَ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا إنَّهَا تَكُونُ لِآخِرِهِمْ لِأَنَّ مَا فِي الْحَدِيثِ مَحَلُّهُ فِيمَنْ مَاتَتْ لَا فِي عِصْمَةِ أَحَدٍ، وَمَا قَالَهُ ذَلِكَ الْإِمَامُ فِيمَنْ مَاتَتْ فِي عِصْمَةِ إنْسَانٍ فَهِيَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ بِخِلَافِ مَنْ مَاتَتْ لَا فِي عِصْمَةِ أَحَدٍ وَلَهَا أَزْوَاجٌ فَإِنَّ أَحَدًا لَيْسَ أَوْلَى بِهَا مِنْهُمْ فَخُيِّرَتْ. وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «إنَّ أَزْوَاجَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُغَنِّينَ أَزْوَاجَهُنَّ بِأَحْسَنِ أَصْوَاتٍ مَا سَمِعَهَا أَحَدٌ قَطُّ وَإِنَّ مِمَّا يُغَنِّينَ بِهِ: نَحْنُ الْخَيِّرَاتُ الْحِسَانُ أَزْوَاجُ قَوْمٍ كِرَامٍ يَنْظُرُونَ بِقُرَّةِ أَعْيَانٍ، وَإِنَّ مِمَّا يُغَنِّينَ بِهِ نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُتْنَهُ، وَنَحْنُ الْآمِنَاتُ فَلَا نَخَفْنَهُ، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظَعْنَهُ» . وَمُسْلِمٌ: «إنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا فَيَرْجِعُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدْ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاَللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا فَيَقُولُونَ وَأَنْتُمْ وَاَللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَك فِي سُوقِ الْجَنَّةِ، قَالَ سَعِيدٌ: أَوَ فِيهَا سُوقٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوا فِيهَا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ فَيُؤْذَنُ لَهُمْ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا فَيَزُورُونَ اللَّهَ وَيُبْرِزُ لَهُمْ عَرْشَهُ وَيَتَبَدَّى لَهُمْ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ فَتُوضَعُ لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ وَمَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَمَنَابِرُ مِنْ يَاقُوتٍ وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ، وَيَجْلِسُ أَدْنَاهُمْ وَمَا فِيهِمْ دَنِيءٌ عَلَى كُثْبَانِ مِسْكٍ وَكَافُورٍ، وَمَا يَرَوْنَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِيِّ أَفْضَلُ مِنْهُمْ مَجْلِسًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى

стр. 876

رَبَّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ هَلْ تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قُلْنَا لَا قَالَ ﷺ : كَذَلِكَ لَا تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ وَلَا يَبْقَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَحَدٌ إلَّا حَاضَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُحَاضَرَةً حَتَّى إنَّهُ لَيَقُولُ الرَّجُلُ أَلَا تَذْكُرَ يَا فُلَانُ يَوْمَ عَمِلْت كَذَا وَكَذَا يُذَكِّرُهُ بَعْضَ غَدَرَاتِهِ فِي الدُّنْيَا فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَلَمْ تَغْفِرْ لِي؟ فَيَقُولُ: بَلَى فَبِسَعَةِ مَغْفِرَتِي بَلَغْت مَنْزِلَتَك هَذِهِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ غَشِيَتْهُمْ سَحَابَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ طِيبًا لَمْ يَجِدُوا مِثْلَ رِيحِهِ شَيْئًا قَطُّ، ثُمَّ يَقُولُ رَبُّنَا ﵎: قُومُوا إلَى مَا أَعْدَدْت لَكُمْ مِنْ الْكَرَامَةِ فَخُذُوا مَا اشْتَهَيْتُمْ، قَالَ: فَنَأْتِي سُوقًا قَدْ حَفَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ فِيهِ مَا لَمْ تَنْظُرْ الْعُيُونُ إلَى مِثْلِهِ وَلَمْ تَسْمَعْ الْآذَانُ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى الْقُلُوبِ قَالَ: فَيُحْمَلُ لَنَا مَا اشْتَهَيْنَا لَيْسَ يُبَاعُ فِيهِ شَيْءٌ وَلَا يُشْتَرَى وَفِي ذَلِكَ السُّوقِ يَلْقَى أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَالَ: فَيُقْبِلُ الرَّجُلُ ذُو الْمَنْزِلَةِ الْمُرْتَفِعَةِ فَيَلْقَى مَنْ دُونَهُ وَمَا فِيهِمْ دَنِيءٌ فَيَرُوعُهُ مَا يَرَى عَلَيْهِ مِنْ اللِّبَاسِ فَمَا يَنْقَضِي آخِرُ حَدِيثِهِ حَتَّى يَتَمَثَّلَ لَهُ أَنَّ مَا عَلَيْهِ أَحْسَنُ مِنْهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحْزَنَ فِيهَا، ثُمَّ نَنْصَرِفُ إلَى مَنَازِلِنَا فَيَتَلَقَّانَا أَزْوَاجُنَا فَيَقُلْنَ مَرْحَبًا وَأَهْلًا لَقَدْ جِئْت وَإِنَّ بِك مِنْ الْجَمَالِ وَالطِّيبِ أَفْضَلَ مِمَّا فَارَقَتْنَا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ إنَّا جَالَسْنَا الْيَوْمَ رَبَّنَا الْجَبَّارَ وَيَحِقُّنَا أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: «إنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا مَا يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى لَيْسَ فِيهَا إلَّا الصُّوَرُ فَمَنْ أَحَبَّ صُورَةً مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ دَخَلَ فِيهَا» . وَابُنُّ أَبِي الدُّنْيَا: «إنَّ مِنْ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ عَلَى الْمَطَايَا وَالنُّجُبِ، وَأَنَّهُمْ يُؤْتَوْا إلَى الْجَنَّةِ بِخَيْلٍ مُسَرَّجَةٍ مُلَجَّمَةٍ لَا تَرُوثُ وَلَا تَبُولُ فَيَرْكَبُونَهَا حَتَّى يَنْتَهُوا إلَى حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ . فَيَأْتِيهِمْ مِثْلُ السَّحَابَةِ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ فَيَقُولُونَ أَمْطِرِي عَلَيْنَا فَمَا يَزَالُ الْمَطَرُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ فَوْقَ أَمَانِيِّهِمْ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا غَيْرَ مُؤْذِيَةٍ فَتَنْسِفُ كُثْبَانًا مِنْ الْمِسْكِ عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ فَيَأْخُذُونَ ذَلِكَ الْمِسْكَ فِي نَوَاصِي خُيُولِهِمْ وَفِي مَفَارِقِهَا وَفِي رُءُوسِهِمْ وَلِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ جُمَّةٌ: - أَيْ شَعْرٌ مِنْ رَأْسِهِ عَلَى مَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ - فَيَتَعَلَّقُ ذَلِكَ الْمِسْكُ فِي تِلْكَ الْجُمَّاتِ وَفِي الْخَيْلِ وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الثِّيَابِ ثُمَّ يُقْبِلُونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا الْمَرْأَةُ تُنَادِي بَعْضَ أُولَئِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَمَا لَك فِينَا حَاجَةٌ؟ فَيَقُولُ مَا أَنْتِ وَمَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ أَنَا زَوْجَتُك وَحِبُّك، فَيَقُولُ مَا كُنْت عَلِمْت بِمَكَانِك، فَتَقُولُ الْمَرْأَةُ

стр. 877

أَوَ مَا تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] فَيَقُولُ بَلَى وَرَبِّي فَلَعَلَّهُ يَشْتَغِلُ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْمَوْقِفِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا لَا يَلْتَفِتُ وَلَا يَعُودُ، مَا شَغَلَهُ عَنْهَا إلَّا مَا هُوَ فِيهِ مِنْ النَّعِيمِ وَالْكَرَامَةِ» . وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَزَّارُ: «إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيَشْتَاقُ الْإِخْوَانُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فَيَسِيرُ سَرِيرُ هَذَا إلَى سَرِيرِ هَذَا وَسَرِيرُ هَذَا إلَى سَرِيرِ هَذَا حَتَّى يَجْتَمِعَا جَمِيعًا فَيَتَّكِئُ هَذَا وَيَتَّكِئُ هَذَا فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ تَعْلَمُ مَتَى غَفَرَ اللَّهُ لَنَا؟ فَيَقُولُ صَاحِبُهُ نَعَمْ يَوْمَ كُنَّا فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَدَعَوْنَا اللَّهَ فَغَفَرَ لَنَا» . وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: «إنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَخْرُجُ مِنْ أَعْلَاهَا خَيْلٌ وَمِنْ أَسْفَلِهَا خَيْلٌ مِنْ ذَهَبٍ مُسَرَّجَةٌ مُلَجَّمَةٌ مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ لَا تَرُوثُ وَلَا تَبُولُ لَهَا أَجْنِحَةٌ خُطْوَتُهَا مَدُّ الْبَصَرِ فَيَرْكَبُهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فَتَطِيرُ بِهِمْ حَيْثُ شَاءُوا، فَيَقُولُ الَّذِينَ أَسْفَلُ مِنْهُمْ دَرَجَةً يَا رَبِّ بِمَ بَلَغَ عِبَادُك هَذِهِ الْكَرَامَةَ كُلَّهَا؟ قَالَ: فَيُقَالُ لَهُمْ إنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ وَكُنْتُمْ تَنَامُونَ، وَكَانُوا يَصُومُونَ وَكُنْتُمْ تَأْكُلُونَ، وَكَانُوا يُنْفِقُونَ وَكُنْتُمْ تَبْخَلُونَ، وَكَانُوا يُقَاتِلُونَ وَكُنْتُمْ تَجْبُنُونَ» . وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: «إذَا سَكَنَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ أَتَاهُمْ مَلَكٌ فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَزُورُوهُ فَيَجْتَمِعُونَ فَيَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى دَاوُد ﵊ فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ ثُمَّ تُوضَعُ مَائِدَةُ الْخُلْدِ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا مَائِدَةُ الْخُلْدِ؟ قَالَ ﷺ : زَاوِيَةٌ مِنْ زَوَايَاهَا أَوْسَعُ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَيُطْعَمُونَ ثُمَّ يُسْقَوْنَ ثُمَّ يُكْسَوْنَ، فَيَقُولُونَ لَمْ يَبْقَ إلَّا النَّظَرُ إلَى وَجْهِ رَبِّنَا فَيَتَجَلَّى لَهُمْ فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا فَيُقَال لَهُمْ لَسْتُمْ فِي دَارِ عَمَلٍ إنَّمَا فِي دَارِ جَزَاءٍ» . وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: «إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنْجِنَا مِنْ النَّارِ؟ قَالَ: فَكَشَفَ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إلَى رَبِّهِمْ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] » . وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ وَأَبُو يَعْلَى مُخْتَصَرًا وَرُوَاتُهُ رُوَاةُ الصَّحِيحِ وَالْبَزَّارُ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ وَفِي يَدِهِ مِرْآةٌ بَيْضَاءُ فِيهَا نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ،

стр. 878

فَقُلْت: مَا هَذِهِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذِهِ الْجُمُعَةُ يَعْرِضُهَا عَلَيْك رَبُّك لِتَكُونَ لَك عِيدًا وَلِأُمَّتِك مِنْ بَعْدِك، قَالَ: مَا لَنَا فِيهَا؟ قَالَ: لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ لَكُمْ فِيهَا سَاعَةٌ مَنْ دَعَا رَبَّهُ فِيهَا بِخَيْرٍ هُوَ لَهُ قَسْمٌ إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ أَوْ لَيْسَ لَهُ بِقَسْمٍ إلَّا اُدُّخِرَ لَهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، أَوْ تَعَوَّذَ فِيهَا مِنْ شَرٍّ هُوَ لَهُ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ إلَّا أَعَاذَهُ مِنْ أَعْظَمَ مِنْهُ. قُلْت: مَا هَذِهِ النُّكْتَةُ السَّوْدَاءُ فِيهَا؟ قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةُ تَقُومُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَهُوَ سَيِّدُ الْأَيَّامِ عِنْدَنَا وَنَحْنُ نَدْعُوهُ فِي الْآخِرَةِ يَوْمَ الْمَزِيدِ، قَالَ: قُلْت لِمَ تَدْعُونَهُ يَوْمَ الْمَزِيدِ؟ قَالَ: إنَّ رَبَّك اتَّخَذَ فِي الْجَنَّةِ وَادِيًا أَفَيْحَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ وَإِنَّهُ تَعَالَى يَتَجَلَّى فِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَقَدْ جَلَسَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ حُفَّتْ بِكَرَاسِيّ مِنْ ذَهَبٍ لِلصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَبَقِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى الْكُثُبِ، فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ تَعَالَى وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا الَّذِي صَدَقْتُكُمْ وَعْدِي وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي هَذَا مَحَلُّ كَرَامَتِي مَا سَأَلُونِي فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَا، فَيَقُولُ : رِضَايَ أَنْ أُحِلَّكُمْ دَارِي وَتَنَالَكُمْ كَرَامَتِي فَاسْأَلُونِي، فَيَسْأَلُونَهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ رَغْبَتُهُمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ إلَى مِقْدَارِ مُنْصَرَفِ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَالَ ﷺ : فَلَيْسُوا إلَى شَيْءٍ أَحْوَجَ مِنْهُمْ إلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِيَزْدَادُوا فِيهِ كَرَامَةً وَلِيَزْدَادُوا فِيهِ نَظَرًا لِلَّهِ ﵎ وَلِذَلِكَ دُعِيَ يَوْمَ الْمَزِيدِ» . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مُطَوَّلًا. وَفِيهِ: «إنَّ الْجَنَّةَ لَيْسَ فِيهَا لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ مِقْدَارَ ذَلِكَ وَسَاعَاتِهِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِي الْحِينِ الَّذِي يَبْرُزُ أَوْ يَخْرُجُ فِيهِ أَهْلُ الْجُمُعَةِ إلَى جُمُعَتِهِمْ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ اُخْرُجُوا إلَى دَارِ الْمَزِيدِ لَا يَعْلَمُ سَعَتَهُ وَعَرْضَهُ وَطُولَهُ إلَّا اللَّهُ فَيَخْرُجُونَ فِي كُثْبَانٍ مِنْ الْمِسْكِ، قَالَ حُذَيْفَةُ: وَإِنَّهُ لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ دَقِيقِكُمْ هَذَا فَيَخْرُجُ غِلْمَانُ الْأَنْبِيَاءِ بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ وَيَخْرُجُ غِلْمَانُ الْمُؤْمِنِينَ بِكَرَاسِيَّ مِنْ يَاقُوتٍ، فَإِذَا وُضِعَتْ لَهُمْ وَأَخَذَ الْقَوْمُ مَجَالِسَهُمْ بَعَثَ اللَّهُ ﵎ عَلَيْهِمْ رِيحًا تُدْعَى الْمُثِيرَةَ تُثِيرُ عَلَيْهِمْ الْمِسْكَ الْأَبْيَضَ فَتُدْخِلُهُ مِنْ تَحْتِ ثِيَابِهِمْ وَتُخْرِجُهُ فِي وُجُوهِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ فَتِلْكَ الرِّيحُ أَعْلَمُ كَيْفَ تَصْنَعُ بِذَلِكَ الْمِسْكِ مِنْ امْرَأَةِ أَحَدِكُمْ إذَا دَفَعَ إلَيْهَا كُلَّ طِيبٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَكَانَتْ تِلْكَ الرِّيحُ أَعْلَمَ كَيْفَ تَصْنَعُ بِذَلِكَ الْمِسْكِ مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا ذَلِكَ الطِّيبَ بِإِذْنِ اللَّهِ . قَالَ: ثُمَّ يُوحِي اللَّهُ سُبْحَانَهُ إلَى حَمَلَةِ الْعَرْشِ فَيُوضَعُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْجَنَّةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ الْحُجُبُ فَيَكُونُ أَوَّلُ مَا يَسْمَعُونَ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: أَيْنَ عِبَادِي الَّذِينَ أَطَاعُونِي بِالْغَيْبِ وَلَمْ يَرَوْنِي

стр. 879

وَصَدَّقُوا رُسُلِي وَاتَّبَعُوا أَمْرِي فَسَلُونِي، فَهَذَا يَوْمُ الْمَزِيدِ فَتَتَّفِقُ كَلِمَتُهُمْ رَبَّنَا رَضِينَا عَنْك فَارْضَ عَنَّا فَيُجِيبُهُمْ لَوْلَا رَضِيت عَنْكُمْ مَا أَسْكَنْتُكُمْ جَنَّتِي فَاسْأَلُونِي فَهَذَا يَوْمُ الْمَزِيدِ فَتَتَّفِقُ كَلِمَتُهُمْ رَبَّنَا أَرِنَا نَنْظُرْ إلَيْك فَيَكْشِفُ اللَّهُ ﵎ الْحُجُبَ وَيَتَجَلَّى لَهُمْ فَيَغْشَاهُمْ مِنْ نُورِهِ شَيْءٌ لَوْلَا أَنَّهُ قَضَى عَلَيْهِمْ أَلَّا يَحْتَرِقُوا لَاحْتَرَقُوا مِمَّا غَشِيَهُمْ مِنْ نُورِهِ ﵎، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ ارْجِعُوا إلَى مَنَازِلِكُمْ فَيَرْجِعُونَ إلَى مَنَازِلِهِمْ وَقَدْ خَفَوْا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ وَخَفَيْنَ عَلَيْهِمْ مِمَّا غَشِيَهُمْ مِنْ نُورِهِ ﵎، فَإِذَا صَارُوا إلَى مَنَازِلِهِمْ وَتَرَادَّ النُّورُ وَأَمْكَنَ وَتَرَادَّ وَأَمْكَنَ حَتَّى يَرْجِعُوا إلَى صُوَرِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فَيَقُولُ لَهُمْ أَزْوَاجُهُمْ لَقَدْ خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِنَا عَلَى صُورَةٍ وَرَجَعْتُمْ عَلَى غَيْرِهَا، فَيَقُولُونَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ ﵎ تَجَلَّى لَنَا فَنَظَرْنَا مِنْهُ إلَى مَا خَفَيْنَا بِهِ عَلَيْكُمْ فَلَهُمْ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ الضِّعْفَ عَلَى مَا كَانُوا وَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] » . وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ: «إنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إلَى جِنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] » . وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: «إنَّ أَفْضَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ إلَى وَجْهِ اللَّهِ ﵎ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» . وَالشَّيْخَانِ: «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْك، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبَّنَا وَقَدْ أَعْطَيْتنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِك، فَيَقُولُ أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» . وَالشَّيْخَانِ: «قَالَ اللَّهُ : أَعْدَدْت لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] » .

стр. 880

وَصَحَّ: «قَدْرُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمِثْلُهَا مَعَهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمِثْلُهَا مَعَهَا، وَلَنَصِيفُ امْرَأَةٍ مِنْ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمِثْلُهَا مَعَهَا» . وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ مِمَّا فِي الدُّنْيَا إلَّا الْأَسْمَاءَ» . وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: «إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ آنَ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَآنَ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَآنَ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَآنَ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] » . وَالشَّيْخَانِ «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ - أَيْ يَمُدُّونَ أَعْنَاقَهُمْ لِيَنْظُرُوا - فَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَأَوْهُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَأَوْهُ فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى الدُّنْيَا» ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ» . جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِينَ أَحَلَّ عَلَيْهِمْ رِضْوَانَهُ وَأَدَامَ لَهُمْ جُودَهُ وَكَرَمَهُ وَإِحْسَانَهُ، وَآمَنَنَا فِي الدَّارَيْنِ مِنْ سَائِرِ الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ آمِينَ آمِينَ آمِينَ. وَهَذَا آخِرُ مَا قَصَدْته وَتَمَامُ مَا أَرَدْته وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَبَاطِنًا وَظَاهِرًا. يَا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِك وَعَظِيمِ سُلْطَانِك سُبْحَانَك لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك، فَلَكَ الْحَمْدُ دَائِمًا أَبَدًا حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَك وَيُكَافِئُ مَزِيدَك عَدَدَ خَلْقِك وَرِضَاءَ نَفْسِك وَزِنَةَ عَرْشِك وَمِدَادَ كَلِمَاتِك، وَصَلِّ يَا رَبَّنَا وَسَلِّمْ وَبَارِكْ أَفْضَلَ صَلَاةٍ وَأَزْكَى سَلَامٍ وَأَعْظَمَ بَرَكَةٍ عَلَى عَبْدِك وَنَبِيِّك وَرَسُولِك أَشْرَفِ الْخَلْقِ وَرَسُولِ الْحَقِّ
следующие страницы →