← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

آ- أن يفيض عليهم بركات السماء وبركات الأرض. ب- وأن يكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلة. ج- وأن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار، يجنون ما تهدّل من رؤوس الشجر، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم. [سورة المائدة (٥) : آية ٦٧] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧) الإعراب: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ) تقدم إعرابها (بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) كلام مستأنف مسوق للتسرية عن النبي ﷺ لما ضاق ذرعه بالدعوة. وبلغ فعل أمر، وفاعله أنت، وما مفعول به، وجملة أنزل صلة الموصول، وإليك متعلقان بأنزل، ومن ربك متعلقان بمحذوف حال (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) الواو استئنافية، وإن شرطية، ولم تفعل فعل الشرط، والفاء رابطة للجواب، وما نافية، وجملة بلغت في محل جزم جواب الشرط، وفي اتحاد الشرط والجواب سرّ بديع، سوف نبسطه في باب البلاغة، ورسالته مفعول به (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) الواو استئنافية، والله مبتدأ، وجملة يعصمك خبره، ومن الناس متعلقان بيعصمك (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) إن واسمها، وجملة لا يهدي خبرها، والقوم مفعول به، والظالمين صفة.

стр. 1087

البلاغة: في اتحاد الشرط والجواب سرّ منقطع النظير، وذلك أنه لا بدّ أن يكون الجزاء مغايرا للشرط لتحصل الفائدة. ومتى اتحدا اختل الكلام لأنه يئول ظاها الى: وان لم تفعل فما فعلت، ولكنه أراد هنا أن يتحدا، لأن عدم تبليغ الرسالة أمر معلوم عند الناس، مستقرّ في الأفهام أنه عظيم شنيع ينقم على مرتكبه، ولأن عدم نشر العلم من العالم أمر يستوجب المذمة، فما بالك بالرسالة؟ فجعل الجزاء عين الشرط ليتضح مدى الاهتمام بالتبليغ. وقيل أيضا في هذا الصدد: أي إن تركت شيئا فقد تركت الكل، وصار ما بلغته غير معتدّ به، فصار المعنى: وإن لم تستوف ما أمرت بتبليغه فحكمك في العصيان وعدم الامتثال حكم من لم يبلغ شيئا أصلا. [سورة المائدة (٥) : آية ٦٨] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨) الإعراب: (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ) كلام مستأنف مسوق لنفي تخرّ صاتهم بأنهم يتبعون التوراة. وقل فعل أمر، ويا أهل الكتاب منادى مضاف، ولستم: فعل ماض ناقص، والتاء اسمها، وعلى شيء

стр. 1088

جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، وسيأتي مزيد عن ليس في باب الفوائد (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) حتى حرف غاية وجر، وتقيموا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى، والجار والمجرور متعلقان ب «لستم» والتوراة مفعول تقيموا، ولا بد من تقدير مضاف، أي: أحكامهما وما ينطويان عليه من مثل عليا (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً) الواو استئنافية واللام جواب قسم محذوف، ويزيدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم، وكثيرا مفعول به، ومنهم متعلقان بمحذوف صفة ل «كثيرا» وما اسم موصول فاعل يزيدن، ومن ربك متعلقان بمحذوف حال، وطغيانا مفعول به ثان أو تمييز، وكفرا عطف على طغيانا (فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) الفاء الفصيحة، أي: إذا علمت هذا فلا تأس، ولا ناهية، وتأس فعل مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وعلى القوم متعلقان بتأس، والكافرين صفة. البلاغة: التنوين في «شيء» يفيد التقليل والتحقير، أي: لستم على شيء يعتدّ به حتى تقيموا أحكام التوراة والإنجيل. الفوائد: (لَسْتُمْ) حذفت عين «ليس» وهي الياء، لالتقاء الساكنين، أي: الياء والسين، إذ أصله: ليس بكسر الياء، ثم سكنت الياء

стр. 1089

للتخفيف ولم تقلب الفاء على القياس، لأن التخفيف بالتسكين في الجامد أسهل من القلب، فلما اتصلت بضمير رفع متحرّك سكنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين. [سورة المائدة (٥) : آية ٦٩] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) اللغة: (الصَّابِئُونَ) من صبأ، أي: خرج عن دينه، وهم قوم كانوا يعبدون الكواكب، مقرهم في حرّان بين النهرين، خرج منهم علماء وفلاسفة ومنجمون، ومنهم الكاتب الشاعر أبو إسحق الصابىء. الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا) كلام مستأنف مسوق لبيان المؤمنين بالله والعاملين عملا صالحا. وإن واسمها، وجملة آمنوا صلة الموصول، والذين هادوا عطف على الذين آمنوا (وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً) الواو استئنافية، والصابئون رفع على الابتداء، وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في «إنّ» من اسمها وخبرها، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك. هذا ما رجّحه سيبويه في مخالفة الإعراب، وأنشد شاهدا له:

стр. 1090

وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم ... بغاة ما بقينا على شقاق أي: فاعلموا أنّا بغاة وأنتم كذلك. ويكون العطف من باب عطف الجمل، فالصابئون وخبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله: إن الذين آمنوا، ولا محل لها، كما لا محل للجملة التي عطفت عليها، وإنما قدّم «الصابئون» تنبيها على أن هؤلاء أشد إيغالا في الضلالة واسترسالا في الغواية، لأنهم جردوا من كل عقيدة. وسترد في باب الفوائد أوجه أخرى في هذه المخالفة الإعرابية. والنصارى عطف على الذين، ومن اسم موصول بدل من الذين، ولك أن تعرب النصارى مبتدأ خبره: «فلا خوف عليهم» ، والجملة خبر «إن» ، وجملة آمن بالله صلة الموصول، واليوم الآخر عطف على الله، وعمل عطف على آمن، وصالحا مفعول به أو صفة لمفعول مطلق محذوف، أي: عملا صالحا (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) الجملة خبر إن، ودخلت الفاء لما في الموصول من رائحة الشرط، وخوف مبتدأ ساغ الابتداء به لتقدم النفي، وعليهم متعلقان بمحذوف خبره، ولا هم يحزنون: عطف على ما تقدم. الفوائد: قدّمنا الوجه المختار الذي ذهب إليه الخليل وسيبويه ونحاة البصرة في إعراب «والصابئون» ، وهناك أوجه أخرى نوردها فيما يلي باقتضاب: آ- إن الواو عاطفة، والصابئون معطوف على موضع اسم إن لأنه قبل دخول «إن» كان في موضع رفع، وهذا مذهب الكسائي والفراء.

стр. 1091

ب- إنه مرفوع عطفا على الضمير المرفوع في «هادوا» وروي هذا عن الكسائي. ج- أن تكون «إن» بمعنى نعم، أي: حرف جواب، وما بعده مرفوع بالابتداء، فيكون «والصابئون» معطوفا على ما قبله. ما يقوله ابن هشام: وتخريج ابن هشام للآية يتلخص بأمرين: آ- إن خبر «إن» محذوف، أي: مأجورون أو آمنون أو فرحون، والصابئون مبتدأ وما بعده الخبر، ويشهد له قوله: خليليّ هل طبّ فإني وأنتما ... وإن لم تبوحا بالهوى نفان ويضعفه أنه حذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وإنما الكثير العكس. ب- الخبر المذكور ل «إن» ، وخبر «الصابئون» محذوف، ويشهد له قوله: فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب إذ لا تدخل اللام في خبر المبتدأ حتى يقدم نحو: القائم لزيد، ويضعفه تقديم الجملة المعطوفة على بعض الجملة المعطوف عليها.

стр. 1092

[سورة المائدة (٥) : الآيات ٧٠ الى ٧١] لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١) الإعراب: (لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) كلام مستأنف مسوق لبيان نماذج أخرى من جناياتهم التي تنادي باستبعاد الإيمان منهم. واللام جواب قسم محذوف، وقد حرف تحقيق، وأخذنا فعل وفاعل، وميثاق مفعول به، وبني إسرائيل مضاف اليه، (وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا) الواو حرف عطف، وأرسلنا فعل وفاعل، وإليهم متعلقان بأرسلنا، ورسلا مفعول به (كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ) كلما ظرف زمان متضمن معنى الشرط متعلق بجوابه المحذوف، أي: عصوه، وجاءهم فعل ومفعول به مقدم، ورسول فاعل مؤخر، وبما متعلقان بجاءهم، وجملة لا تهوى أنفسهم صلة الموصول (فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ) فريقا مفعول مقدم لكذبوا، وفريقا الثانية مفعول مقدّم ليقتلون، والجملة مستأنفة نشأت عن جواب سؤال ناشىء عن الجواب الأول، كأنه قيل: كيف فعلوا بهم؟ فقيل: فريقا منهم كذبوهم ولم يتعرضوا لهم بضرر، وفريقا آخر منهم قتلوهم (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ) الواو عاطفة، وحسبوا فعل وفاعل، وأن حرف مصدري ونصب، ولا نافية، فتكون فعل مضارع تام منصوب بأن، وفتنة فاعل، وأن وما بعدها سدت مسد مفعولي حسبوا. وقرىء برفع «تكون»

стр. 1093

فتكون «أن» مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن تقديره: أنه (فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) الفاء: عاطفة، وعموا معطوف على حسبوا، وصموا عطف على قوله: فعموا، وثم حرف عطف للترتيب مع التراخي، وتاب الله فعل وفاعل، والجملة عطف على قوله: فعموا وصموا، وعليهم متعلقان بتاب (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) ثم عموا وصموا عطف على ما تقدم، كثير بدل من الضمير في عموا أو صموا، ومنهم متعلقان بمحذوف صفة لكثير، والواو استئنافية، والله مبتدأ وبصير خبره، وبما جار ومجرور متعلقان ببصير، وجملة يعملون صلة الموصول. البلاغة: في الآية نوع من الالتفات البليغ بقوله: «فريقا كذبوا وفريقا يقتلون» ، وهو التفات من الإخبار بالفعل الماضي الى الإخبار بالفعل المضارع، وهذا من أدقّ الأمور، ولا يتاح في الاستعمال إلا للعارف برموز الفصاحة والبلاغة. وقد طفح القرآن الكريم به، فقد جاء بالفعل الماضي أولا فقرر أمرا وقع ثم جاء يقتلون على حكاية الحال الماضية استفظاعا للقتل واستحضارا لتلك الصورة الشنيعة للتعجب منها واستخلاص العبرة من مطاويها. وسيرد منه في القرآن الشيء العجيب، وعلى هذا ورد قول تأبط شرّا: بأنّي قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان فأضربها بلا دهش فخرّت ... صريعا لليدين وللجران فإنه قصد أن يصور لقومه الحال التي تهيأت له حتى تشجّع على ضرب الغول، كأنه يجسّدها لهم ليثير إعجابهم بجراءته على ذلك

стр. 1094

الهول. والأمثال على ذلك أكثر من أن تحصى. وعلى هذا الأسلوب ما ورد من حديث الزبير بن العوّام في غزوة بدر، فإنه قال: لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو على فرس، وعليه لأمة كاملة لا يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: أنا أبو ذات الكؤوس، وفي يدي عنزة- وهي مثل نصف الرمح- فأطعن بها في عينه، فوقع، وأطأ برجلي على خدّه، خرجت العنزة متعقّفة. فقوله: «فأطعن بها في عينه، وأطأ برجلي» معدول به عن لفظة الماضي الى المستقبل ليمثّل للسامع الصورة التي فعل فيها ما فعل من الإقدام والجراءة على قتل ذلك الفارس المستلئم. [سورة المائدة (٥) : آية ٧٢] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) الإعراب: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) اللام جواب قسم محذوف، وقد حرف تحقيق، وجملة القسم مستأنفة. وكفر الذين فعل وفاعل، والجملة لا محلّ لها لأنها جواب قسم محذوف، وجملة قالوا لا محل لها لأنها صلة الذين، وجملة إن الله في محل نصب مقول القول، وإن واسمها، وهو مبتدأ، والمسيح خبر هو، والجملة

стр. 1095

الاسمية خبر إن، وابن بدل من المسيح، ومريم مضاف إليه (وَقالَ الْمَسِيحُ: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) الواو حالية، وقال المسيح فعل وفاعل، والجملة في محل نصب على الحال من الواو في «قالوا» ، ويا بني إسرائيل منادى مضاف، وجملة اعبدوا الله في محل نصب مقول قول المسيح، وربي بدل من الله، وربكم عطف على ربي (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) الجملة مستأنفة، وإن واسمها، ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، ويشرك فعل الشرط، وبالله متعلقان بيشرك، والفاء رابطة لجواب الشرط، وجملة فقد حرم في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» ، والجملة الشرطية كلها في محل رفع خبر إنّ، وحرم الله فعل وفاعل، وعليه متعلقان بحرّم، والجنة مفعول به (وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) الواو استئنافية، ومأواه خبر مقدم، والنار مبتدأ مؤخر، ويجوز العكس، والواو عاطفة، وما نافية، وللظالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومن حرف جر زائد، وأنصار مجرور لفظا مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر. [سورة المائدة (٥) : الآيات ٧٣ الى ٧٥] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)

стр. 1096

اللغة: (يُؤْفَكُونَ:) يصرفون. الإعراب: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا: إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) الجملة مستأنفة، واللام جواب قسم محذوف، وجملة كفر الذين قالوا: لا محل لها لأنها جواب القسم، وجملة قالوا صلة الموصول، وإن واسمها، وثالث ثلاثة خبرها، والجملة المصدّرة بأن في محل نصب مقول القول (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ) الواو حالية، وما نافية، ومن حرف جر زائد، وإله مجرور لفظا مرفوع على الابتداء محلا، والخبر محذوف، أي موجود، وإله بدل من الضمير فيه، وإلا أداة حصر. وقد مرّ هذا الإعراب مفصلا في كلمة الشهادة، والمعنى: والحال ما إله كائن أو موجود إلا إله واحد (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ) الواو استئنافية، وإن شرطية، ولم ينتهوا فعل الشرط، وعما متعلقان بينتهوا، وجملة يقولون صلة الموصول (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) اللام واقعة في جواب قسم محذوف ويمسّن فعل مضارع مبني على الفتح، والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم، والذين مفعول به، وجملة كفروا صلة الموصول، ومنهم متعلقان بمحذوف حال، وعذاب أليم فاعل، وجواب الشرط محذوف سد مسده جواب القسم لأن التقدير: ولئن لم ينتهوا، والقاعدة أنه إذا اجتمع شرط وقسم

стр. 1097

فالجواب للسابق، وإنما لجأنا الى هذا لوجود اللام الموطئة للقسم (أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الجملة مستأنفة مسوقة للتعجب من إصرارهم. والهمزة للاستفهام التعجبي الإنكاري، والفاء عاطفة على مقدر، أي: ألا ينتهون فلا يتوبون، والى الله متعلقان بيتوبون، ويستغفرونه عطف على يتوبون، والواو حالية، والله مبتدأ، وغفور رحيم خبران له، والجملة في محل نصب على الحال (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) كلام مستأنف مسوق لتحقيق الحق. وما نافية، ولم تعمل عمل ليس لانتقاض النفي بإلا، والمسيح مبتدأ وابن مريم بدل أو نعت، وإلا أداة حصر، ورسول خبر المبتدأ، وجملت قد خلت صفة، ومن قبله متعلقان بخلت، أي: مضت وفنيت، والرسل فاعل (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) الواو عاطفة، وأمه مبتدأ، وصديقة خبر، وجملة كانا مفسرة لا محل لها. وألف الاثنين اسم كان، وجملة يأكلان خبر كانا، والطعام مفعول به (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) الجملة استئنافية، وكيف اسم استفهام في محل نصب حال، والجملة الاستفهامية في محل نصب مفعول انظر، وقد علقت «كيف» «انظر» عن العمل لفظا فيما بعدها، ونبين لهم الآيات فعل وفاعل مضمر ومفعول به، وثم حرف عطف للترتيب والتراخي، والمعنى أن بيان هذه الآيات كان عجبا وإعراضهم عنها وصدوفهم عن التأمل فيها كان أعجب، وأنى اسم استفهام بمعنى كيف، في محل نصب على الحال، ويؤفكون فعل مضارع والواو نائب فاعل. البلاغة: في قوله: «كانا يأكلان الطعام» كناية عن أنهما، صلوات الله

стр. 1098

عليهما، بشر، لأن أكل الطعام يستتبعه الهضم والنفض، فاكتفى بذكر أكل الطعام عن كل هذا تهذيبا وتصوّنا، وهذا من غريب الكنايات في اللغة العربية. وقد قدمنا عن الكناية كثيرا، ولا بد هنا من لفت النظر الى أن الكناية- حيث وردت- يتعاورها جانبا حقيقة ومجاز، وجاز حملها عليهما معا، كقوله تعالى: «أو لامستم النساء» فإنه يجوز حمل الكناية على الحقيقة والمجاز، وكلّ منهما يصح به المعنى، ولا تختل العبارة، فمن حمل على الحقيقة كالشافعي اعتبر أن اللمس هو مصافحة الجسد للجسد، فأوجب الوضوء، وتلك هي الحقيقة في اللمس، ومن حمل على المجاز كأبي حنيفة اعتبر أن اللمس هو الجماع فذلك هو المجاز. وسيرد معنى المزيد من الكناية وطرائفها في هذا الكتاب. ٢- التكرير في قوله: «انظر» أولا، ثم قال: «ثم انظر» ثانيا. وفي ذلك دليل على الاهتمام بالنظر والتدبر، وإن اختلفت النظرتان، فالأولى متعلقة بكيفية إيضاح الله لخلقه الآيات، والثانية متعلقة بانصرافهم عنها، وصدوفهم عن التأمل في مراميها وأهدافها. [سورة المائدة (٥) : الآيات ٧٦ الى ٧٧] قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧)

стр. 1099

اللغة: (لا تَغْلُوا) : لا تتجاوزوا الحدّ، والغلاء هو الارتفاع. قال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته: أو منعتم ما تسألون فمن حدّ ... ثتموه له علينا الغلاء (الأهواء) : جمع هوى، وهو ما تدعو اليه شهوة النفس، قال أبو عبيدة: «لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشرّ، لأنه لا يقال: فلان يهوى، إلا أنه يقال: يحب الخير» . والهاء مع الواو إذا كانتا فاء للكلمة وعينا لها دلتا على معنى السقوط والانحدار الى جانب، يقال: هوى من الجبل، وهوت الدلو من البئر هويّا بفتح الهاء، وطاح في المهواة والهاوية، وهي ما بين الجبلين، وتهاووا فيها: تساقطوا، وهذه هوة عميقة، «وأمه هاوية» وجلست عنده هويا، أي: مليا، ومضى هوي من الليل، و «استهوته الشياطين» . ومن المجاز قولهم للجبان: إنه الهواء، أي: خالي القلب من الجرأة، وقد تشبث شوقي بهذه الطرافة اللغوية فقال: فاتقوا الله في قلوب العذارى ... فالعذارى قلوبهنّ هواء ويقال: رجل أهوج: شجاع يرمي نفسه في المهالك والمتالف، وناقة هوجاء كأن بها هوجا، لسرعتها لا تتعهد موضع المناسم من الأرض، وريح هو جاء ورياح هوج، وهاد الرجل وتهوّد وهودّ ابنه جعله يهوديا، وهوّر البناء فتهوّر أي: تهدّم، إلى آخر هذه المادة. وهذا كله من خصائص لغتنا الشريفة.

стр. 1100

الإعراب: (قُلْ: أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) كلام مستأنف مسوق لأمر النبي ﷺ بتبكيتهم وإلزامهم بالحجة. وقل فعل أمر، والهمزة حرف استفهام توبيخي تعجبيّ، وجملة أتعبدون في محل نصب مقول القول، ومن دون الله متعلقان بمحذوف حال، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به واختار بعضهم أن تكون نكرة موصوفة، وجملة لا يملك صلة على الأول لا محل لها أو في محل نصب صفة، ولعل هذا أولى. ولكم متعلقان بيملك، وضرا مفعول به ليملك، ولا نفعا عطف على «ضرا» (وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الواو حالية، والرابط بين الحال وصاحبها هو الواو، ومجيء الحال بعد هذا الكلام مناسب لمقتضى الحال، والله مبتدأ، وهو ضمير فصل لا محل له، أو ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ، والسميع العليم خبران ل «الله» أو ل «هو» ، وقد تقدمت نظائره (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ) جملة القول استئنافية، وما بعدها في محل نصب مقول القول، ولا ناهية، وتغلوا فعل مضارع مجزوم بلا، وفي دينكم متعلقان بتغلوا، وغير الحق صفة لمفعول مطلق، أي: غلوا غير الحق، ويصح كونه حالا من ضمير الفاعل، وهو الواو، أي: مجاوزين الحق، وقيل: إن النصب على الاستثناء المتصل، وقيل: على المنقطع (وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً) الواو عاطفة، ولا ناهية، تتبعوا فعل مضارع مجزوم ب «لا» وأهواء مفعول به، وقوم مضاف اليه، وجملة قد ضلوا صفة لقوم، ومن قبل جار ومجرور متعلقان بضلوا، وبنيت قبل على الضم لانقطاع الظرف عن الإضافة لفظا لا معنى، وأضلوا

стр. 1101

عطف على قد ضلوا، وكثيرا مفعول به (وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ) عطف على ما تقدم. [سورة المائدة (٥) : الآيات ٧٨ الى ٧٩] لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) الإعراب: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) الكلام مستأنف، ولعن فعل ماض مبني للمجهول، والذين نائب فاعل، وجملة كفروا صلة الموصول، ومن بني إسرائيل جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وعلى لسان متعلقان بلعن، وفي إفراد اللسان بحث شيق سيأتي في باب الفوائد، وداود مضاف إليه، وعيسى عطف على داود، وابن بدل أو نعت، ومريم مضاف اليه (ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ) اسم الإشارة مبتدأ، وبما جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، وما مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر، أي: بسبب عصيانهم، والجملة استئنافية، ويجوز في «ما» أن تكون موصولة، وعلى كل حال جملة عصوا لا محل لها من الإعراب، وجملة كانوا عطف على عصوا، منتظمة في حكمها، والواو اسم كان، وجملة يعتدون خبرها (كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ) الجملة لا محل لها لأنها مفسرة للمعصية والاعتداء، وكان واسمها، وجملة لا يتناهون خبرها، وعن منكر متعلقان بيتناهون، وجملة فعلوه صفة لمنكر

стр. 1102

(لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) اللام جواب قسم محذوف، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وما نكرة تامة في محل نصب تمييز، أو موصولة فهي في محل رفع فاعل، أي: الذي فعلوه، وجملة كانوا صفة لما، أو لا محل لها لأنها صلة الموصول، وجملة يفعلون في محل نصب خبر كانوا. البلاغة: انطوى توبيخ اليهود على الإخبار بأمرين غاية في القبح والسماجة، أولهما: ما كانوا يجترحونه من المناكر، والثاني صدوفهم عن التناهي عن هذه المناكر، وعدم الجنوح إليها في المستقبل، وقد دل على ذلك قوله تعالى: «فعلوه» ، فلولا ذكرها لتوهّم متوهم أن النهي عن المنكر عند استحقاق النهي عنه والإشراف على تعاطيه، فانتظم ذكرها الأمرين معا بوجه بليغ وأسلوب رفيع، هو الذروة في البلاغة. وليس المراد بالتناهي أن ينهى كل واحد منهم الآخر عما يجترحه من المنكر، كما هو المتبادر والمشهور لصيغة التفاعل، بل المراد مجرد صدور النهي عن أشخاص متعددة، من غير اعتبار أن يكون كل واحد ناهيا ومنهيّا، فكان الإخلال بالتناهي بعد الأمر به معصية. الفوائد: القاعدة تقول: إن كل جزأين مفردين من صاحبيهما إذا أضيفا الى كليهما من غير تفريق جاز فيهما ثلاثة أوجه: ١- لفظ الجمع تقول: قطعت رؤوس الكبشين.

стр. 1103

٢- لفظ التثنية تقول: قطعت رأسي الكبشين. ٣- لفظ الإفراد تقول: قطعت رأس الكبشين. وقوله في الآية على لسان داود وعيسى بالإفراد دون التثنية والجمع. [سورة المائدة (٥) : الآيات ٨٠ الى ٨١] تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١) الإعراب: (تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) كلام مستأنف مسوق لمخاطبة النبي بشأن بني إسرائيل الذين يوالون الكفار من أهل مكة. وترى فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت، وكثيرا مفعول به، ومنهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ل «كثيرا» ، وجملة يتولون في محل نصب على الحال، لأن الرؤية هنا بصرية، والذين مفعول به، وجملة كفروا صلة الموصول (لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) اللام واقعة في جواب قسم محذوف، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مضمر فسرته كلمة «ما» و «ما» نكرة تامة في محل نصب على التمييز، ويجوز أن تكون «ما» موصولة في محل رفع فاعل، وجملة الذم لا محل لها لأنها جواب

стр. 1104

القسم، وجملة قدمت صفة على الأول، وصلة على الثاني. ولهم متعلقان بقدمت، وأنفسهم فاعل، وأن سخط: أن وما في حيزها في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر، خبره جملة القسم، كأنه قيل: بئس زادهم في الآخرة سخط الله عليهم. وقال بعضهم: ليس المصدر هو المخصوص بالذم، لأن نفس السخط المضاف الى البارئ لا يقال فيه هو المخصوص بالذم، وإنما هو سبب السخط، وعلى هذا أعربوه خبرا لمبتدأ محذوف (وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ) الواو عاطفة، وفي العذاب متعلقان ب «خالدون» ، وهم مبتدأ، وخالدون خبر (وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ) الواو استئنافية، ولو شرطية، وكان واسمها، وجملة يؤمنون خبرها، وبالله متعلقان بيؤمنون، والنبي عطف على الله، وما أنزل اليه عطف أيضا (مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وأولياء مفعول اتخذ الثاني، ولكن واسمها وخبرها. [سورة المائدة (٥) : آية ٨٢] لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) اللغة: (قِسِّيسِينَ) : جمع قسّيس، بكسر القاف وتشديد السين، المكسورة، بمعنى القسّ بفتح القاف وتشديد السين، وهو من كان

стр. 1105

بين الأسقف والشمّاس، وهو أيضا الكاهن، ويجمع على قسوس، والقسّيس يجمع أيضا على قسّان، بضم القاف، وأقسّة وقساوسة، قال الفرّاء: هو مثل مهالبة، كثرت السينات فأبدلوا إحداهن واوا. وقال الراغب: قسيسين جمع قسيس، على فعيّل، وهو مثال مبالغة كصدّيق، وهو هنا رئيس النصارى وعالمهم. وأصله من تقسّس الشيء إذا اتبعه وتطلّبه بالليل، يقال تقسّست أصواتهم أي: تتبّعتها بالليل. وقال غيره: القسّ بفتح القاف: تتبّع الشيء، ومنه سمي عالم النصارى قسيسا لتتبعه العلم، ويقال: قسّ الأثر وقصّه بالصاد أيضا، ويقال: قس وقس بفتح القاف وكسرها وقسيس. فأما قسّ بن ساعدة الإيادي بضم القاف فهو علم، ويجوز أن يكون ما غيّر عن طريق العلمية، ويكون أصله قس أو قس بفتح القاف وكسرها، وكان أعلم أهل زمانه. (رُهْباناً) يكون واحدا وجمعا، فأما إذا كان جمعا فإن واحدهم يكون راهبا، ويكون الراهب حينئذ فاعلا من قول القائل: رهب الله فلان بمعنى خافه يرهبه رهبا بفتحتين ورهبا بفتح الراء وسكون الهاء، ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب جمعا قول كثير عزّة: رهبان مدين والذين عهدتهم ... يبكون من حذر العذاب قعودا لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خرّوا لعزّة ركّعا وسجودا وقد يكون الرهبان واحدا، وإذا كان واحدا كان جمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، ويجوز جمعه أيضا على رهابنة إذا كان كذلك. ومن الدليل على انه قد يكون عند العرب جمعا قول الراجز: لو عاينت رهبان دير في القلل ... لانحدر الرهبان يمشي ونزل

стр. 1106

الإعراب: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) كلام مستأنف مسوق لتصنيف أهل الكتاب بالنسبة الى مودة المؤمنين، وتكرير قبائح اليهود، ولين عريكة النصارى، وسهولة انصياعهم للحق. واللام جواب لقسم محذوف، وتجدن فعل مضارع مبني على الفتح والجملة لا محل لها لأنها جواب للقسم، وأشد الناس مفعول أول لتجد، وعداوة تمييز، وللذين متعلقان بأشد، واليهود مفعول به ثان ويجوز العكس، والذين عطف على اليهود وجملة أشركوا صلة. (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا: إِنَّا نَصارى) الواو عاطفة، والجملة معطوفة على ما تقدم، وقد تقدم إعرابها، وجملة إنا نصارى في محل نصب مقول القول (ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً) الجملة مستأنفة مبينة، واسم الاشارة مبتدأ، والباء حرف جر، وأن وما في حيزها في تأويل مصدر مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ذلك، ومنهم متعلقان بمحذوف خبر أن المقدم، وقسيسين اسم أن، ورهبانا عطف على قسيسين (وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) عطف على «بأن منهم» ، وجملة لا يستكبرون خبر أن.

стр. 1107

[المجلد الثالث] [تتمة سورة المائدة] [سورة المائدة (٥) : الآيات ٨٣ الى ٨٤] وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) الإعراب: (وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ) الواو استئنافية، ويجوز أن تكون عاطفة، فتكون الجملة معطوفة على قوله: «لا يستكبرون» ، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة سمعوا في محل جر بإضافة الظرف إليها، والواو فاعل، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة أنزل لا محل لها لأنها صلة الموصول، والى الرسول متعلقان بأنزل (تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) الجملة لا محلّ لها لأنها جواب شرط غير جازم، وترى فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت، وأعينهم مفعول ترى البصرية، وجملة تفيض حالية، ومن الدمع جار ومجرور في محل نصب على التمييز، وسيأتي المزيد من بيان هذا الإعراب في باب البلاغة (مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) الجار والمجرور متعلقان بتفيض، وجملة عرفوا صلة الموصول، ومن الحق جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (يَقُولُونَ: رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ) جملة يقولون في محل نصب حال من الضمير في «عرفوا» وهو الواو، أو من الضمير المجرور في «أعينهم» ، وجاز مجيء الحال من المضاف اليه لأن المضاف جزؤه، ويجوز أن تكون مستأنفة مسوقة

стр. 1108

لجواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فما حالهم عند سماع القرآن؟ وربنا منادى مضاف، وآمنا فعل وفاعل، والجملة في محل نصب مقول القول، فاكتبنا الفاء استئنافية واكتبنا فعل أمر ومفعول به، والفاعل مستتر، ومع الشاهدين ظرف متعلق باكتبنا (وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ) الواو استئنافية، وما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، ولنا متعلقان بمحذوف خبر، وجملة لا نؤمن بالله في محل نصب على الحال، وبالله متعلقان بنؤمن، وما عطف على الله، وجملة جاءنا لا محل لها لأنها صلة، ومن الحق متعلقان بمحذوف حال (وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) الواو عاطفة ونطمع فعل مضارع، وفاعله نحن، وأن وما بعدها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بنطمع، وربنا فاعل، ومع القوم الصالحين الظرف متعلق بيدخلنا، والجملة كلها معطوفة على جملة نؤمن، ويجوز أن تكون الواو حالية والجملة نصب على الحال. البلاغة: ١- المجاز في فيض الأعين، والعلاقة هي الامتلاء. ٢- المبالغة في التمييز، وهي من أبلغ التراكيب، لأن الترقية فيه تترقى ثلاث مراتب، فالأولى فاض دمع عينه، والثانية في تحويل الفاعل تمييزا، والثالثة في إبراز التمييز في صورة التعليل، فأفاد الى جانب التمييز التعليل، وإنما كان الكلام مع التعليل أبعد عن الأصل منه مع التمييز، لأن التمييز في مثله قد استقرّ كونه فاعلا في الأصل، في مثل: طاب محمد نفسا، واشتعل الرأس شيبا، فإذا قلت: فاضت

стр. 1109

عينه دمعا، فهم هذا الأصل مع العادة في أمثاله، وأما التعليل فلم يعهد فيه ذلك. [سورة المائدة (٥) : الآيات ٨٥ الى ٨٦] فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦) الإعراب: (فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) الفاء عاطفة، وأثابهم فعل ومفعول به مقدم، والله فاعل، والجملة معطوفة على جملة قالوا آمنا، وبما متعلقان بأثابهم، وجملة قالوا صلة، ونسق الثواب على قولهم: «آمنا» ، لأن القول إذا اقترن بالعمل المخلص فهو الايمان. وجنات مفعول به ثان لأثابهم، لأنها تضمنت معنى الإعطاء، وجملة تجري صفة لجنات، ومن تحتها متعلقان بتجري، والأنهار فاعل تجري (خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ) خالدين حال من الضمير في: «أثابهم» ، وفيها متعلقان بخالدين، والواو حالية أو استئنافية، وذلك مبتدأ، وجزاء المحسنين خبره، والجملة نصب على الحال أو مستأنفة (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا) الواو استئنافية، والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة، وكذبوا عطف على كفروا، ونسق التكذيب على الكفر لأن الكذب ضرب منه، وبآياتنا متعلقان بكذبوا (أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) اسم الاشارة مبتدأ، وأصحاب الجحيم خبر اسم الإشارة، والجملة خبر الذين.

стр. 1110

[سورة المائدة (٥) : الآيات ٨٧ الى ٨٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) كلام مستأنف مسوق لخطاب بعض المؤمنين الذين اتفقوا على التقشّف والترهب، ولبس الصوف والصدوف عن اللذائذ المباحة، ونهيهم عن ذلك. ولا ناهية، وتحرموا فعل مضارع مجزوم بلا، والواو فاعل، وطيبات مفعول به، وما اسم موصول في محل جر بالاضافة، وجملة أحل صلة، والله فاعل، ولكم متعلقان بأحل (وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) الواو حرف عطف، ولا ناهية، وتعتدوا فعل مضارع مجزوم بلا، والجملة عطف على جملة لا تحرموا، ومعنى الاعتداء هنا تجاوز الحلال الى الحرام، وإن واسمها، وجملة لا يحب المعتدين خبرها، وجملة إن الله إلخ تعليلية لا محل لها (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً) الواو عاطفة، وكلوا فعل أمر مبني على حذف النون، ومما متعلقان بكلوا، وجملة رزقكم الله صلة الموصول، وحلالا مفعول به، أو حال من الموصول، أو من عائده المحذوف، أو مفعول مطلق، فهو صفة لمصدر محذوف، أي: أكلا حلالا، والأول أسهل (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) الواو عاطفة، واتقوا فعل أمر، معطوف على كلوا، والله مفعوله، والذي صفة لله، وأنتم مبتدأ،

стр. 1111

وبه متعلقان ب «مؤمنون» ، والجملة الاسمية لا محل لها لأنها صلة الموصول. [سورة المائدة (٥) : آية ٨٩] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) اللغة: (اللغو) من اليمين: الساقط الذي لا يتعلق به حكم، وحوله خلاف فقهي فعند الشافعي ما يبدو من المرء من غير قصد، كقوله: لا والله وبلى والله، وعند أبي حنيفة أن يحلف على الشيء يرى أنه كذلك، وليس كما ظن. (عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) قرئ بالتشديد والتخفيف، كما قرئ أيضا: «عاقدتم» . وتعقيد الأيمان توثيقها بالقصد والنية. وقد نظم الفرزدق هذا المعنى، فقد روي أن الحسن سئل عن لغو اليمين، وكان عنده الفرزدق، فقال: دعني أجب عنك يا أبا سعيد، وأنشد: ولست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمّد عاقدات العزائم

стр. 1112

أي: لست مؤاخذا باللغو الساقط من الكلام. وتعمد أصله: تتعمد، حذفت منه إحدى التاءين، وعاقدات العزائم: أي العزائم الجازمات، ونسبة الجزاء إليها مجاز عقلي. (فَكَفَّارَتُهُ) الكفّارة: الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة، أي تسترها. الإعراب: (لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ) كلام مستأنف لتقرير حكم اللغو في الأيمان، ولا نافية، ويؤاخذكم الله فعل مضارع ومفعول به وفاعل، وباللغو متعلقان بيؤاخذكم، وفي أيمانكم متعلقان بمحذوف حال (وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) الواو عاطفة، ولكن مهملة، وبما الباء حرف جر، وما مصدرية مؤولة مع عقدتم بمصدر مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلقان بيؤاخذكم، والأيمان مفعول به (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) الفاء الفصيحة، أي: إذا خنثتم فيما عقدتم الأيمان، فهي جواب شرط مقدر. وكفارته مبتدأ، والضمير يعود على الحنث المفهوم من الشرط المقدر كما تقدم، وارتأى الزمخشري أن يعود على ما الموصولية، ولا بد من تقدير مضاف، أي: كفارة حنثه. وهناك أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا لبعدها. وإطعام خبر، وعشرة مساكين مضاف اليه، ومن أوسط متعلقان بمحذوف صفة لعشرة مساكين، وما اسم موصول مضاف إليه، وجملة تطعمون صلة، والعائد محذوف، أي: تطعمونه، أي: لا هو بالعالي، ولا الدون وأهليكم مفعول تطعمون. (أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) عطف على طعام، وكذلك تحرير رقبة (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) الفاء استئنافية، ومن اسم شرط

стр. 1113

جازم مبتدأ، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويجد فعل مضارع مجزوم بلم، وهو فعل الشرط، والفاء رابطة لجوابه، وصيام مبتدأ خبره محذوف، أي: فعليه صيام، أو كفارته، وثلاثة أيام مضاف إليه (ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ) الجملة تفسيرية، واسم الاشارة مبتدأ، وكفارة خبر، وأيمانكم مضاف إليه، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب المحذوف والذي دل عليه ما قبله، وجملة حلفتم في محل جر بالإضافة (وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الواو عاطفة، واحفظوا فعل أمر وفاعل، وأيمانكم مفعول به، وكذلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول مطلق أو حال، ويبين الله فعل مضارع وفاعل، ولكم متعلقان بيبين، وآياته مفعول به، ولعلكم لعل واسمها، وجملة تشكرون خبرها وجملة الرجاء حالية. [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٠ الى ٩١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ

стр. 1114

رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) كلام مستأنف لبيان أن الخمر والميسر لا ينتظمان في الطيبات التي أحلّها الله. وإنما كافة ومكفوفة، والخمر مبتدأ، والميسر والأنصاب والأزلام عطف عليها، ورجس خبر، ومن عمل الشيطان متعلقان بمحذوف صفة لرجس، أو هو خبر ثان للخمر (فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) الفاء الفصيحة، واجتنبوه فعل أمر وفاعل ومفعول به، ولعل واسمها، وجملة تفلحون خبرها، وجملة الرجاء حالية (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) كلام مستأنف لزيادة التوضيح للأسباب المؤدية الى تحريمهما. وإنما كافة ومكفوفة، ويريد الشيطان فعل مضارع وفاعل، وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول ليريد، وبينكم ظرف متعلق بيوقع أو بمحذوف حال، والعداوة مفعول به، والبغضاء عطف على العداوة، وفي الخمر متعلقان بمحذوف حال، والميسر معطوف على الخمر. (وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) الواو حرف عطف، ويصدكم عطف على يوقع، وعن ذكر الله متعلقان بيصدكم، وعن الصلاة متعلقان أيضا بيصدكم، والفاء استئنافية، وهل حرف استفهام معناه الأمر، وأنتم مبتدأ، ومنتهون خبر. [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٢ الى ٩٣] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)

стр. 1115

الإعراب: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا) الواو عاطفة، والكلام معطوف على الاستفهام في الآية المتقدمة، لأن الاستفهام بمعنى الأمر كما تقدم. والمعنى انتهوا وأطيعوا. ولك أن تجعلها استئنافية، وأطيعوا الله فعل وفاعل ومفعول به، وأطيعوا الرسول عطف على أطيعوا الله، واحذروا عطف أيضا (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) الفاء استئنافية، وإن شرطية، وتوليتم فعل ماض وفاعل، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاء رابطة لجواب الشرط، والجواب محذوف تقديره: فجزاؤكم علينا، وجملة فاعلموا عطف على الجواب، وأنما كافة ومكفوفة، وهي مع مدخولها سدت مسد مفعولي اعلموا، وعلى رسولنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والبلاغ مبتدأ مؤخر، والمبين صفة (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على تساؤل بعض الصحابة الذين قالوا: يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم بشربون الخمر ويأكلون الميسر؟ فنزلت: ليس ... وليس فعل ماض ناقص، وعلى الذين متعلقان بمحذوف خبر ليس المقدم، وجملة آمنوا لا محل لها لأنها صلة الموصول، وجملة وعملوا الصالحات عطف على الصلة، وجناح اسم ليس المؤخر، وفيما متعلقان بمحذوف صفة لجناح، وجملة طعموا لا محل لها لأنها صلة الموصول (إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) إذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وما زائدة، وجملة اتقوا في محل جر بإضافة الظرف إليها، والعامل في إذا معنى النفي في ليس، أي: انتفى الإثم عنهم، وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله، أي: فليس عليهم جناح، وآمنوا عطف

стр. 1116

على اتقوا، وعملوا الصالحات عطف على ما تقدم أيضا (ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا) عطف أيضا، وسيأتي سر التكرير البديع في باب البلاغة (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) الواو استئنافية، والله مبتدأ، وجملة يحب خبر، والمحسنين مفعول به. البلاغة: تقدم البحث في التكرار أو التكرير، وهما مصدران لكرّر المضعفة، وقلنا: إن حده أن يكرر الكاتب أو الشاعر الكلمة أو الكلمتين فصاعدا، لتأكيد ما يتحدث عنه، ليزداد رسوخا في الذهن، أو لغرض آخر. وفي هذه الآية يحتمل أن يكون التكرار إشارة إلى العلاقات التي يرتبط بها الإنسان في حياته، وهي: علاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان بغيره، وعلاقة الإنسان بربه، ولذلك عقّب عليها بالإحسان في الكرة الثالثة، ويحتمل أن يكون إشارة إلى مراحل العمر الثلاث التي يجتازها الإنسان في رحلته الحياتية، وهي: مرحلة البدء بالحياة، ومرحلة الوسط في العمر، ومرحلة المنتهى. ولعل الاحتمالين مرادان في هذا التكرار البديع، زيادة في التقوى والتجمّل وإقامة الموازين القسط في جميع مراحل حياته وحالاته الثلاث، وسيأتي من التكرير في هذا الكتاب ما يسحر الألباب، واستمع الى قول البحتري متغزّلا: ويوم تثنّت للوداع وسلّمت ... بعينين موصول بلحظهما السحر توهمتها ألوى بأجفانها الكرى ... كرى النوم أو مالت بأعطافها الخمر

стр. 1117

فالكرى هو النوم، ولكن في تكريره هنا معنى يدرك بالبداهة، أشبه بأخذة السحر. واستمع الى قول المساور بن هند: جزى الله عنّي غالبا من عشيرة ... إذا حدثان الدهر نابت نوائبه فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت ... عليّ وموج قد علتني غواربه فصدر البيت الثاني وعجزه يدلّان على معنى واحد، لأن تلاحم الكرب عليه كتعالي الموج من فوقه، وإنما سوّغ ذلك أنه مقام مدح وإطراء، ألا ترى أنه يصف إحسان هؤلاء القوم عند حدثان دهره، في التكرير! وفي قبالته لو كان القائل هاجيا فإن الهجاء في هذا كالمدح. ونحب هنا أن نستدرك فنقول ليس كل تكرير حسنا، فبعضه يكون غثا كقول أبي الطيب المتنبي من قصيدته البديعة التي يقول في مطلعها: أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن وهذا من أجمل الشعر وأروعه، على أنه ما لبث أن قال: العارض الهتن ابن العارض ال ... هتن العارض الهتن ابن العارض الهتن

стр. 1118

فهذا ليس من التكرير المستحسن، لأنه كقولك: الموصوف بكذا ابن الموصوف بكذا وكذا، أي إنه عريق النسب بهذا الوصف، فلم يأت بجديد، ثم اللفظ ليس بمرضي على هذا الوجه الذي قد استعمل فيه، فإن استعمالها في حالة التركيب يذهب بحسنها. ومن طريف التكرير قول المقنع الكندي: وإنّ الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيّي هويت لهم رشدا وحسبنا ما تقدم الآن. [سورة المائدة (٥) : آية ٩٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) اللغة: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ) : ليختبرن طاعتكم.

стр. 1119

الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ) كلام مستأنف مسوق لاختبارهم بالنسبة لما يفهم العباد، أما حقيقة الاختبار فمحال في حقه تعالى، وليبلونكم اللام جواب لقسم محذوف، أي: والله ليبلونكم، فيبلون فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والله فاعله، وبشيء متعلقان بيبلونكم، ومن الصيد متعلقان بمحذوف صفة لشيء وجملة يبلونكم لا محل لها لأنها جواب القسم المحذوف (تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ) الجملة صفة لشيء، وأيديكم فاعل تناله، ورماحكم عطف على أيديكم، واللام للتعليل، ويعلم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والله فاعل يعلم، ومن اسم موصول مفعول يعلم، وجملة يخافه لا محل لها لأنها صلة الموصول، وبالغيب جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل يخاف، أي: يخاف الله حالة كونه غائبا عن الله، أو من المفعول به، أي يخاف الله حال كونه متلبسا بالغيب (فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) الفاء استئنافية، ومن اسم شرط جازم، واعتدى فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، وبعد ذلك الظرف متعلق باعتدى، واسم الاشارة مضاف اليه، فله الفاء رابطة للجواب، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وعذاب مبتدأ مؤخر، وأليم صفة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر «من» . البلاغة: في قوله: «بشيء من الصيد» تقليل واحتقار لهذا الابتلاء،

стр. 1120

كأنه يقول: إن هذا الابتلاء ليس من قبيل الفتن العظام، والمحن العظام، التي لا تثبت أمامها القوى ولا الأجسام، هذا ما ذكره المفسرون الكبار، وخاصة الزمخشري الذي نقل معظمهم عبارته بنصها تقريبا، وهي وثبة ذهنية قوية، ولكنها تضؤل وتشيل في الميزان عند ما نذكر أنه سبحانه استعملها في الفتن العظيمة والمحن الجسيمة، فقال في موضع آخر: «ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين» . وهذا اعتراض يطيح بما قاله الزمخشري وتناقله عنه الكثيرون من المفسرين كالخازن والنسفي والبيضاوي وغيرهم. وخير ما يقال في الاجابة عن هذا الاعتراض هو أن جميع المحن والأرزاء والبلاء والفتن ليست بالنسبة الى مقدور الله تعالى سوى جزء يسير خليق به أن يحقّر ويصغر، وأنه سبحانه جنح الى خطاب المؤمنين بهذه الصيغة تخفيفا لهم، وباعثا لهم على الصبر، وحافزا لهم على الاحتمال تلطفا بهم، وترفقا بما يكابدونه منه فسبحان المتفرد بهذه البلاغة. [سورة المائدة (٥) : آية ٩٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥)

стр. 1121

اللغة: (حُرُمٌ) : جمع حرام. والحرام يستوي فيه المذكر والمؤنث. تقول: هذا رجل حرام، وهذه امرأة حرام، فإذا قيل: محرم قيل للمرأة: محرمة، والإحرام هو الدخول فيه، يقال: أحرم القوم إذا دخلوا في الشهر الحرام أو في الحرم. فتأويل الكلام لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة. (عَدْلٍ) : مثل. (وَبالَ) الوبال: بفتح الواو: المكروه والضرر الذي يناله في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه، قال الراغب: الوابل: المطر الثقيل القطر، ولمراعاة الثقل قيل للأمر الذي يخاف ضرره: وبال، قال تعالى: «فذاقوا وبال أمرهم» . ويقال: طعام وبيل، وكلأ وبيل يخاف وباله، قال تعالى: «فأخذناه أخذا وبيلا» . واستوبلت الأرض: كرهتها خوفا من وبالها. الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان ما تنطوي عليه كلمة الاعتداء في الآية السابقة. ولا ناهية، وتقتلوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والواو فاعل، والصيد مفعول به، وأنتم الواو حالية، وأنتم مبتدأ، وحرم خبره، والجملة حال من فاعل تقتلوا (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) الواو استئنافية، ومن اسم شرط جازم في محل

стр. 1122

رفع مبتدأ خبره جملة الشرط والجواب، وقتله فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، وهو في محل جزم فعل الشرط، ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل قتل، ومتعمدا حال من فاعل قتل أيضا، أي: ذاكرا لإحرامه أو عالما أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، والتفاصيل في كتب الفقه. فجزاء: الفاء رابطة لجواب الشرط، وجزاء مبتدأ خبره محذوف، أي: فعليه جزاء، ويجوز العكس، أي: فالواجب عليه جزاء، والجملة في محل جزم جواب الشرط، ومثل صفة لجزاء، وما اسم موصول في محل جر بالاضافة لمثل، وجملة قتل صلة، ومن النعم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من مثل (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ) جملة يحكم صفة ثانية لجزاء، وبه متعلقان بيحكم، وذوا فاعل مرفوع وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، وعدل مضاف اليه، ومنكم متعلقان بمحذوف صفة ل «ذوا» ، وهديا حال من جزاء، أو منصوب على المصدرية، أي يهديه هديا، أو منصوب على التمييز، والأوجه الثلاثة متساوية الرّجحان، وبالغ الكعبة صفة ل «هديا» ، لأن الاضافة غير محضة، وهي لا تقيد تعريفا كما سيأتي في باب الفوائد (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً) أو عاطفة، وكفارة عطف على جزاء، وطعام مساكين بدل من كفارة، وأو حرف عطف، وعدل عطف على كفارة، وذلك مضاف اليه، وصياما تمييز للعدل، كقولك: لي مثله رجلا (لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) اللام للتعليل، ويذوق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالاستقرار المستكن في الخبر، أي: عليه الجزاء ليذوق، ويجوز أن يتعلقا بطعام أو صيام ويجوز أن يتعلقا ب «جزاء» ، أي:

стр. 1123

فعليه أن يجازى ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام، وجملة عفا الله استئنافية أي: لم يؤاخذ بما سلف لكم من الصيد في حال الإحرام قبل أن يحرم، وعما جار ومجرور متعلقان بعفا وجملة سلف صلة الموصول، (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ) الواو استئنافية، ومن أسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، وعاد فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والفاء رابطه، وينتقم الله فعل مضارع وفاعل، والجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أي: فهو ينتقم الله منه، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» ، ومنه متعلقان بينتقم، والواو استئنافية، والله مبتدأ، وعزيز خبر أول وذو انتقام خبر ثان. البلاغة: الذوق في الآية استعارة مكنية تبعية، شبّه سوء العاقبة الناجمة عن هتك حرمة الإحرام بطعام مستوبل مستوخم يذوقه، فحذف المشبه وأبقى شيئا من خصائصه وهو الذوق، وقد تقدمت نظائرها. الفوائد: الإضافة على ثلاثة أنواع: ١- نوع يفيد تعريف المضاف بالمضاف إليه إن كان معرفة، أو تخصيصه به إن كان نكرة، مثل كتاب علي، وكتاب تلميذ. ٢- نوع يفيد تخصيص المضاف دون تعريفه. وضابطه أن يكون المضاف متوغّلا في الإبهام، كغير ومثل وشبه، وتسمى

стр. 1124

الإضافة في هذين النوعين محضة أو حقيقية، ومعنى قولهم: محضة أنها خالصة من تقدير الانفصال. ٣- نوع لا يفيد شيئا من التعريف أو التخصيص، وهو أن يكون المضاف صفة تشبه الفعل المضارع في الدلالة على الحال أو الاستقبال، كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهه، وتوصف بها النكرة كالآية التي نحن بصددها فإنّ هديا نكرة منصوبة على الحال، وبالغ الكعبة صفتها، فمعنى «بالغ الكعبة» أن يذبح بالحرم ولا توصف النكرة بالمعرفة. ومن خصائصها أيضا أن تأتي حالا نحو: «ثاني عطفه» ، فثاني حال كما سيأتي، والحال واجبة التنكير، ومنه قول أبي كبير الهذلي: فأتت به حوش الفؤاد مبطّنا ... سهدا إذا ما نام ليل الهوجل فحوش صفة مشبهة معناها حديد الفؤاد، وقد نصبت على الحال لأنها لم تكتسب معرفة ولا تخصيصا. ومن خصائصها أيضا دخول «ربّ» عليها، كقول جرير: يا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مباعدة منكم وحرمانا فأدخل «ربّ» على «غابطنا» ، ولو كان معرفة لما صح ذلك، ولذلك سميت هذه الاضافة لفظية، لأنها أفادت أمرا لفظيا وهو حذف التنوين ونون التثنية والجمع، وهي أمور مردها الى اللفظ وحده. وهناك أبحاث أخرى تتعلق بالإضافة يرجع إليها في مظانها من الكتب النحوية.

стр. 1125

[سورة المائدة (٥) : آية ٩٦] أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) اللغة: (وَلِلسَّيَّارَةِ) أي المسافرين. جمع سيار، وأنّث على معنى الرفقة والجماعة. الإعراب: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) أحل فعل ماض مبني للمجهول، ولكم متعلقان بأحلّ، وصيد البحر نائب فاعل، وطعامه عطف على «صيد» ، ومتاعا مفعول لأجله، أي: لأجل تمتعكم، ويصح أن يكون مفعولا مطلقا، أي: متعكم تمتيعا. ولكم متعلقان ب «متاعا» ، وللسيارة عطف على «لكم» ، والجملة مستأنفة، (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً) الواو عاطفة، وحرم فعل ماض مبني للمجهول، وعليكم متعلقان بحرّم، والجملة عطف على الجملة السابقة، وصيد البر نائب فاعل، ما دمتم فعل ماض ناقص و «ما» وما بعدها في محل نصب على الظرفية، والظرف متعلق بحرم، والتاء اسم ما دام، وحرما خبرها (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) الواو عاطفة، واتقوا الله فعل أمر ومفعول به، والذي نعت، واليه متعلقان بتحشرون، وتحشرون فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، وجملة تحشرون صلة الموصول.
следующие страницы →