Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
اللغة:
(حُرُمٌ) : جمع حرام. والحرام يستوي فيه المذكر والمؤنث.
تقول: هذا رجل حرام، وهذه امرأة حرام، فإذا قيل: محرم قيل للمرأة: محرمة، والإحرام هو الدخول فيه، يقال: أحرم القوم إذا دخلوا في الشهر الحرام أو في الحرم. فتأويل الكلام لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة.
(عَدْلٍ) : مثل.
(وَبالَ) الوبال: بفتح الواو: المكروه والضرر الذي يناله في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه، قال الراغب: الوابل: المطر الثقيل القطر، ولمراعاة الثقل قيل للأمر الذي يخاف ضرره: وبال، قال تعالى:
«فذاقوا وبال أمرهم» . ويقال: طعام وبيل، وكلأ وبيل يخاف وباله، قال تعالى: «فأخذناه أخذا وبيلا» . واستوبلت الأرض: كرهتها خوفا من وبالها.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان ما تنطوي عليه كلمة الاعتداء في الآية السابقة.
ولا ناهية، وتقتلوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والواو فاعل، والصيد مفعول به، وأنتم الواو حالية، وأنتم مبتدأ، وحرم خبره، والجملة حال من فاعل تقتلوا (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) الواو استئنافية، ومن اسم شرط جازم في محل
стр. 1122
رفع مبتدأ خبره جملة الشرط والجواب، وقتله فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، وهو في محل جزم فعل الشرط، ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل قتل، ومتعمدا حال من فاعل قتل أيضا، أي: ذاكرا لإحرامه أو عالما أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، والتفاصيل في كتب الفقه. فجزاء: الفاء رابطة لجواب الشرط، وجزاء مبتدأ خبره محذوف، أي: فعليه جزاء، ويجوز العكس، أي: فالواجب عليه جزاء، والجملة في محل جزم جواب الشرط، ومثل صفة لجزاء، وما اسم موصول في محل جر بالاضافة لمثل، وجملة قتل صلة، ومن النعم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من مثل (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ) جملة يحكم صفة ثانية لجزاء، وبه متعلقان بيحكم، وذوا فاعل مرفوع وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، وعدل مضاف اليه، ومنكم متعلقان بمحذوف صفة ل «ذوا» ، وهديا حال من جزاء، أو منصوب على المصدرية، أي يهديه هديا، أو منصوب على التمييز، والأوجه الثلاثة متساوية الرّجحان، وبالغ الكعبة صفة ل «هديا» ، لأن الاضافة غير محضة، وهي لا تقيد تعريفا كما سيأتي في باب الفوائد (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً) أو عاطفة، وكفارة عطف على جزاء، وطعام مساكين بدل من كفارة، وأو حرف عطف، وعدل عطف على كفارة، وذلك مضاف اليه، وصياما تمييز للعدل، كقولك: لي مثله رجلا (لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) اللام للتعليل، ويذوق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالاستقرار المستكن في الخبر، أي: عليه الجزاء ليذوق، ويجوز أن يتعلقا بطعام أو صيام ويجوز أن يتعلقا ب «جزاء» ، أي:
стр. 1123
فعليه أن يجازى ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام، وجملة عفا الله استئنافية أي: لم يؤاخذ بما سلف لكم من الصيد في حال الإحرام قبل أن يحرم، وعما جار ومجرور متعلقان بعفا وجملة سلف صلة الموصول، (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ) الواو استئنافية، ومن أسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، وعاد فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والفاء رابطه، وينتقم الله فعل مضارع وفاعل، والجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أي: فهو ينتقم الله منه، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» ، ومنه متعلقان بينتقم، والواو استئنافية، والله مبتدأ، وعزيز خبر أول وذو انتقام خبر ثان.
البلاغة:
الذوق في الآية استعارة مكنية تبعية، شبّه سوء العاقبة الناجمة عن هتك حرمة الإحرام بطعام مستوبل مستوخم يذوقه، فحذف المشبه وأبقى شيئا من خصائصه وهو الذوق، وقد تقدمت نظائرها.
الفوائد:
الإضافة على ثلاثة أنواع:
١- نوع يفيد تعريف المضاف بالمضاف إليه إن كان معرفة، أو تخصيصه به إن كان نكرة، مثل كتاب علي، وكتاب تلميذ.
٢- نوع يفيد تخصيص المضاف دون تعريفه. وضابطه أن يكون المضاف متوغّلا في الإبهام، كغير ومثل وشبه، وتسمى
стр. 1124
الإضافة في هذين النوعين محضة أو حقيقية، ومعنى قولهم: محضة أنها خالصة من تقدير الانفصال.
٣- نوع لا يفيد شيئا من التعريف أو التخصيص، وهو أن يكون المضاف صفة تشبه الفعل المضارع في الدلالة على الحال أو الاستقبال، كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهه، وتوصف بها النكرة كالآية التي نحن بصددها فإنّ هديا نكرة منصوبة على الحال، وبالغ الكعبة صفتها، فمعنى «بالغ الكعبة» أن يذبح بالحرم ولا توصف النكرة بالمعرفة. ومن خصائصها أيضا أن تأتي حالا نحو:
«ثاني عطفه» ، فثاني حال كما سيأتي، والحال واجبة التنكير، ومنه قول أبي كبير الهذلي:
فأتت به حوش الفؤاد مبطّنا ... سهدا إذا ما نام ليل الهوجل
فحوش صفة مشبهة معناها حديد الفؤاد، وقد نصبت على الحال لأنها لم تكتسب معرفة ولا تخصيصا. ومن خصائصها أيضا دخول «ربّ» عليها، كقول جرير:
يا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مباعدة منكم وحرمانا
فأدخل «ربّ» على «غابطنا» ، ولو كان معرفة لما صح ذلك، ولذلك سميت هذه الاضافة لفظية، لأنها أفادت أمرا لفظيا وهو حذف التنوين ونون التثنية والجمع، وهي أمور مردها الى اللفظ وحده.
وهناك أبحاث أخرى تتعلق بالإضافة يرجع إليها في مظانها من الكتب النحوية.
стр. 1125
[سورة المائدة (٥) : آية ٩٦]
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)
اللغة:
(وَلِلسَّيَّارَةِ) أي المسافرين. جمع سيار، وأنّث على معنى الرفقة والجماعة.
الإعراب:
(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) أحل فعل ماض مبني للمجهول، ولكم متعلقان بأحلّ، وصيد البحر نائب فاعل، وطعامه عطف على «صيد» ، ومتاعا مفعول لأجله، أي: لأجل تمتعكم، ويصح أن يكون مفعولا مطلقا، أي: متعكم تمتيعا. ولكم متعلقان ب «متاعا» ، وللسيارة عطف على «لكم» ، والجملة مستأنفة، (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً) الواو عاطفة، وحرم فعل ماض مبني للمجهول، وعليكم متعلقان بحرّم، والجملة عطف على الجملة السابقة، وصيد البر نائب فاعل، ما دمتم فعل ماض ناقص و «ما» وما بعدها في محل نصب على الظرفية، والظرف متعلق بحرم، والتاء اسم ما دام، وحرما خبرها (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) الواو عاطفة، واتقوا الله فعل أمر ومفعول به، والذي نعت، واليه متعلقان بتحشرون، وتحشرون فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، وجملة تحشرون صلة الموصول.
стр. 1126
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٧ الى ٩٨]
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)
الإعراب:
(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ) كلام مستأنف مسوق لتوضيح الكعبة التي هي البيت الحرام. و «جعل» : لك أن تعتبرها بمعنى «صيّر» ، وأن تعتبرها بمعنى «خلق» . وجعل الله فعل وفاعل، والكعبة مفعول به، والبيت الحرام بدل من الكعبة، والفائدة من البدلية المديح، وقياما على الأول مفعول به ثان، وعلى الثاني حال من الكعبة، وهو من ذوات الواو، وقيل: قياما لكسرة القاف، وإنما هي في الأصل قواما وصواما. وللناس متعلقان ب «قياما» أي: يقومون بقصدها بأمر معايشهم ومنافعهم. والشهر عطف على الكعبة، والحرام صفة، والهدي والقلائد عطف على الكعبة أيضا. (ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) الجملة مستأنفة، واسم الاشارة مبتدأ.
والاشارة الى مجموع ما تقدم ذكره، ولتعلموا اللام لام التعليل، وتعلموا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ذلك أي: ذلك الحكم هو الحق لا غيره، وقيل: ذلك في موضع خبر لمبتدأ محذوف، أي: الحكم الذي قررناه ذلك. ويجوز أن يكون اسم الاشارة منصوبا بفعل مقدّر،
стр. 1127
ولتعلموا متعلقان به، أي: شرعنا ذلك. والأوجه كلها متساوية الرجحان. وأن وما بعدها سدت مسد مفعولي تعلموا، وأن واسمها، وجملة يعلم خبرها، وما اسم موصول مفعول به، وفي السموات متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وما في الأرض عطف على «ما في السموات» (وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) عطف على «أن» الأولى، وأن واسمها، وبكل شيء متعلقان ب «عليم» ، وعليم خبر أن (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) عطف على ما تقدم، وغفور رحيم خبران لأن.
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٩ الى ١٠٠]
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)
اللغة:
(الْخَبِيثُ) ضد الطيب، والجمع خبث بضمتين، وخبثاء وأخباث وخبثة بفتحتين. وخبثت نفسه: ثقلت وغثّت. وللخاء والباء فاء وعينا للفعل خاصة عجيبة، وهي أنهما تدلان على التأثير والسرعة في الإخفاء، يقال: خبّ أي خدع وأفسد، ولا يخفى ما فيه من معنى التأثير في المخدوع وإفساده، والخبب ضرب من العدو والسير، وخبأ الشيء ستره وأخفاه، وخبر الشيء يخبر وخبرا، بضم الخاء، وخبرا بكسرها: علمه عن تجربة، وخبز الخبز عمله، وخبس
стр. 1128
فلانا حقه أي ظلمه وغشمه، وخبش الأشياء تناولها من هاهنا وهاهنا، وخبص الشيء بالشيء خلطه، وخبّص بالتشديد عمل الخبيصة أو الخبيص، أي: الحلواء المخبوصة، وخبطه خبطا أي: ضربه ضربا شديدا، وخبله وخبّله بالتشديد: أفسده، وخبن الثوب عطفه وخاطه، وخبن الشاعر أتى بالخبن في شعره، وهو حذف الثاني الساكن. وهذا من غريب أمر لغتنا الشريفة وخصائصها التي تنفرد بها.
الإعراب:
(ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ) الكلام مستأنف مسوق للتشديد على إيجاب القيام بما أمر به، أي: لقد قامت عليكم الحجة، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم إذا تجاوزتم الحدود. وقد جرى هذا الكلام مجرى المثل، وسيأتي الحديث عنه مفصلا في باب البلاغة. وما نافية، وعلى الرسول جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وإلا أداة حصر، والبلاغ مبتدأ مؤخر (وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ) الواو استئنافية، والله مبتدأ، وجملة يعلم خبر، وما اسم موصول مفعول تعلمون، وجملة تبدون صلة الموصول، وما تكتمون عطف على قوله ما تبدون (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) الجملة مستأنفة، وقل فعل أمر، وجملة لا يستوي الخبيث والطيب في محل نصب مقول القول، وهذه الجملة مما سارت مسير الأمثال أيضا (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) الواو حالية، ولو شرطية، وأعجبك فعل ماض ومفعول به، وكثرة الخبيث فاعل أعجبك، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل لا يستوي، أي: لا يستويان حالة كونهما على كل حال، وجواب لو محذوف دل عليه ما قبله، أي: فلا يستويان (فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي
стр. 1129
الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
الفاء الفصيحة، أي: إذا تبين لكم هذا فاتقوا الله، واتقوا الله فعل وفاعل ومفعول به، ويا حرف نداء، وأولي الألباب منادى مضاف، ولعلكم: لعل واسمها، وجملة تفلحون خبرها.
البلاغة:
في الآية إرسال المثل، وهو عبارة عن أن يأتي المتكلم في بعض كلامه بما يجري مجرى المثل السائر من حكمة أو نعت أو غير ذلك، ومنه قول أبي الطيب المتنبي:
لأن حلمك حلم لا تكلفه ... ليس التكحل في العينين كالكحل
وقد اشتهر أبو الطيب بهذه الميزة حتى صارت مضرب المثل، قال:
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
وسيأتي من أمثاله ما يذهل العقول، وحسبنا الآن أن نورد مختارات من قصيدة ابن زيدون:
ما على ظني بأس ... يجرح الدهر وياسو
ولقد ينجيك إغفا ... ل ويرديك احتراس
ولكم أجدى قعود ... ولكم أكدى التماس
وكذا الحكم إذا ما ... عزّ ناس ذلّ ناس
لا يكن عهدك وردا ... إن عهدي لك آس
стр. 1130
فأدر ذكري كأسا ... ما امتطت كفّك
كاس واغتنم صفو الليالي ... إنما العيش اختلاس
٢- الطباق بين «تبدون» و «تكتمون» .
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠١ الى ١٠٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢)
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) كلام مستأنف مسوق للنهي عن كثرة السؤال عن أمور لا تعنيهم، لأن التكليف بها مما يشق على النفوس. وفي ذلك من السموّ ما هو حريّ بالاتعاظ والتأدّب. ولا ناهية، وتسألوا فعل مضارع مجزوم بلا، والواو فاعل، وعن أشياء جار ومجرور متعلقان بتسألوا، وأشياء ممنوعة من الصرف، وسيأتي الحديث عنها مسهبا في باب الفوائد، وإن شرطية، وتبد فعل الشرط، وهو مبني للمجهول، ونائب الفاعل بعود على أشياء، ولكم متعلقان ب «تبد» ، وتسؤكم جواب الشرط، والكاف مفعول به، وجملة الشرط صفة ل «أشياء» (وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) الواو عاطفة، وإن شرطية، وتسألوا
стр. 1131
فعل الشرط، وحين ظرف زمان متعلق بتسألوا، وجملة ينزل القرآن في محل جر بالإضافة، وتبد جواب الشرط، ولكم متعلقان ب «تبد» .
(عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) جملة عفا الله عنها مستأنفة، مسوقة لبيان أن النهي عنها إنما جرى لاستقصائها وتعذر القيام بها على الوجه الأكمل، وقد عفا الله عنها. ويجوز أن تكون الجملة صفة ثانية ل «أشياء» ، والواو استئنافية، والله مبتدأ، وغفور خبر أول، وحليم خبر ثان. (قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ) .
الجملة إما مستأنفة وهو الأولى، ولك أن تجعلها نعتا ثانيا ل «أشياء» ، وسألها فعل ماض ومفعول به مقدم، والضمير يعود على «أشياء» ، ولا بد من تقدير مضاف، أي: سأل مثلها، باعتبارها مماثلة لها في المغبّة وجرّ الوبال. وقد أطالوا الكلام في عودة الضمير من غير فائدة. وقوم فاعل، ومن قبلكم متعلقان بمحذوف صفة قوم، وثم حرف عطف للترتيب مع التراخي، وأصبحوا فعل ماض ناقص، والواو اسمها، وبها جار ومجرور متعلقان ب «كافرين» وكافرين خبر أصبحوا.
الفوائد:
١- روي أن سراقة بن مالك أو عكاشة بن محصن قال:
يا رسول الله، الحج علينا كل عام؟ فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، حتى أعاد مسألته ثلاث مرات. فقال ﷺ :
«ويحك ما يؤمنك أن أقول نعم! والله لو قلت نعم لوجبت، ولو
стр. 1132
وجبت ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» .
٢- أشياء: ممنوعة من الصرف، وقد خاض علماء اللغة والنحو في سبب منعها، ويتلخص مما أوردوه في المذاهب الآتية:
١- مذهب سيبويه والخليل وجمهور البصريين:
أنها منعت من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي اسم جمع ل «شيء» والأصل «شيئاء» بوزن فعلاء، فقدمت اللام على الألف كراهية اجتماع همزتين بينهما ألف.
٢- مذهب الفرّاء:
وهو أن أشياء جمع ل «شيء» وإن أصلها «أشيئاء» ، فلما اجتمع همزتان بينهما ألف حذفوا الهمزة الأولى تخفيفا.
٣- مذهب الكسائي:
فقد ذهب الى أن وزن أشياء: أفعال، وإنما منعوا صرفه تشبيها له بما في آخره ألف التأنيث.
وهناك مذاهب أخرى أضربنا عنها لأنها لا تخرج عن هذه الفحوى.
стр. 1133
[سورة المائدة (٥) : آية ١٠٣]
ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣)
اللغة:
(بَحِيرَةٍ) : بفتح الباء وكسر الحاء، فعيلة بمعنى مفعولة، ولحقتها التاء على غير قياس، لأنها جردت من الوصفية وأصبحت بمعنى الجوامد. وقد اختلف أهل اللغة فيها اختلافا كثيرا، وأقوى الأقوال فيها أن أهل الجاهلية كانوا إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن، آخرها ذكر، شقّوا أذنها وحرموا ركوبها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، وإذا لقيها المعيي لم يركبها، وهي تختلف باختلاف عادات العرب.
(سائِبَةٍ) : كان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة. وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبدا قال: هو سائبة. فهي اسم فاعل من ساب يسيب أي: سرح، كسيّب الماء فهو مطاوع سيّبته، يقال: سيّبه فساب وانساب.
(وَصِيلَةٍ) وقد اختلفوا في معناها اختلافا شديدا لا يتسع له المقام، وأقرب ما قيل فيها أن الجاهلية كانوا إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم، فهي فعيلة بمعنى فاعلة، فتاؤها على القياس.
(حامٍ) : اسم فاعل من حمى يحمي إذا منع، والخلاف شديد حولها فقد كانوا يقولون: إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قد حمى ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء، ولا مرعى. وكلها عادات لم يأمر الله بشيء منها، وما شرعها.
стр. 1134
الإعراب:
(ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ) كلام مستأنف مسوق لشجب عادات وأعمال من عاداتهم وأعمالهم مبتدعة، لم يأمر الله بها ولم يشرعها. وما نافية، وجعل بمعنى خلق، فهي تتعدى لواحد، أو بمعنى صيّر فتتعدى لاثنين، ويكون الثاني محذوفا، أي: صيرها مشروعة. والله فاعل، ومن حرف جر زائد، وبحيرة مجرورا لفظا مفعول به منصوب محلا، وما بعده عطف عليه (وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) الواو عاطفة أو حالية، ولكن واسمها، وجملة كفروا صلة الموصول لا محل لها.
وجملة يفترون خبر لكن، وعلى الله متعلقان بيفترون، والكذب مفعول به. والواو عاطفة أو حالية، وأكثرهم مبتدأ، وجملة لا يعقلون خبر أكثرهم.
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٥]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)
стр. 1135
الإعراب:
(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ) الواو استئنافية أو عاطفة، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب الآتي، وجملة تعالوا في محل نصب مقول القول، والى ما أنزل الله الجار والمجرور متعلقان بتعالوا، وأنزل الله فعل وفاعل، والجملة صلة، والى الرسول عطف عليه (قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا) جملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وحسبنا مبتدأ، وما اسم موصول في محل رفع خبر، وجملة وجدنا لا محل لها لأنها صلة الموصول، وعليه متعلقان بوجدنا، وآباءنا مفعول به (أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والواو عاطفة على مقدر، تقديره: أحسبهم ذلك؟ أو حالية، أي: ولو كان آباؤهم جهلة ضالين. ولو شرطية وجوابها محذوف تقديره: يقولون ذلك. وكان واسمها، وجملة لا يعلمون خبرها، وشيئا مفعول به، وجملة لا يهتدون عطف على جملة لا يعلمون (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان أن كل إنسان مسئول عن نفسه، ولا يرد على هذا أن فيه مندوحة لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن ذلك مرهون بالطاقة.
قال ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه» . وعليكم اسم فعل أمر منقول بمعنى الزموا، وأنفسكم مفعول به لاسم الفعل (لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) الجملة مستأنفة، ولا نافية، يضركم فعل مضارع، والكاف مفعول به، ومن اسم موصول في محل رفع فاعل بضركم. وجملة ضل صلة الموصول، وإذا ظرف مستقبل متضمن
стр. 1136
معنى الشرط متعلق بالجواب المقدر، أي: فلا يضركم، وجملة اهتديتم في محل جر بالاضافة (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الجملة مستأنفة، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومرجعكم مبتدأ مؤخر، وجميعا حال، فينبئكم الفاء عاطفة، وينبئكم فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وبما متعلقان بينبئكم، وجملة كنتم صلة الموصول، والتاء اسم كان، وجملة تعملون خبرها.
الفوائد:
اختلف النحاة في الضمير المتصل ب «عليكم» و «إليكم» و «لديكم» و «مكانكم» ، والصحيح أنه في موضع جر، كما كان قبل أن تنقل الكلمة الى الإغراء، فإما أن يكون مجرورا بالحرف نحو:
«عليكم» بحسب ما كان، أو بالإضافة نحو: «لديكم» . وقيل:
إن الكاف حرف خطاب، وهذا القول عندي أسهل، وقد أيده ابن بابشاذ، ونورد هنا تلخيصا هاما لأسماء الأفعال، فهي ضربان:
١- مرتجل: وهو ما وضع من أول الأمر كذلك، أي: اسما للفعل، كشتان وأفّ وصه.
٢- منقول: وهو ما وضع من أول الأمر لغير اسم الفعل، ثم نقل من غيره إليه، وهو ثلاثة أنواع:
آ- من جار ومجرور نحو: عليك بمعنى الزم.
ب- من ظرف المكان نحو: دونك الكتاب، أي: خذه، ومكانك، أي: اثبت، وأمامك، أي: تقدم، ووراءك، أي: تنح.
стр. 1137
ج- منقول من مصدر نحو: رويد خالدا، أي: أمهله، وبله هذا الأمر، أي: دعه.
قال يصف السيوف:
تذر الجماجم ضاحيا هاماتها ... بله الأكفّ كأنها لم تخلق
واستعمله أبو الطيب المتنبي فقال:
أقلّ فعالي بله أكثره مجد ... وذا الجد فيه نلت أم لم أنل جدّ
ولأسماء الأفعال تفاصيل أخرى يرجع إليها في مظانها.
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٦ الى ١٠٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)
стр. 1138
اللغة:
(ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) أي: سافرتم.
(الْأَوْلَيانِ) : مثنى الأولى، أي: الأحق بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان أحكام تتعلق بأمور الدنيا بعد بيان الأحوال المتعلقة بأمور الآخرة. وشهادة مبتدأ، وبينكم مضاف اليه، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب المحذوف، أي: فشهادة اثنين، وجملة حضر أحدكم الموت في محل جر بالاضافة، وحين الوصية ظرف متعلق بحضر، واثنان خبر شهادة، ولا بد من تقدير مضاف محذوف، وذلك ليتطابق المبتدأ
стр. 1139
والخبر، وذلك لأن الشهادة لا تكون هي الاثنان، إذ الجثة لا تكون خبرا عن المصدر. وجوّز الزمخشري أن تكون شهادة مبتدأ، والخبر محذوف، أي: فيما فرض عليكم شهادة، واثنان فاعل بشهادة، أي:
أن يشهد اثنان. وهذا ما جرى عليه ابن هشام أيضا. وذوا عدل صفة ل «اثنان» ، ومنكم صفة أيضا (أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) أو حرف عطف، وآخران عطف على «اثنان» ، ومن غيركم متعلقان بمحذوف صفة ل «آخران» أي: من غير ملتكم، وإن شرطية، وأنتم فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي: فالشاهدان آخران، وجملة ضربتم مفسرة لا محل لها، وفي الأرض متعلقان بضربتم، وجملة الشرط معترضة لا محل لها (فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ) الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب، وأصابتكم عطف على ضربتم، ومصيبة الموت فاعل أصابتكم، وتحبسونهما فعل مضارع ومفعول به، وقد اختلفوا في موضع هذه الجملة، والأظهر أنها صفة ل «آخران» .
وقال الزمخشري: «فإن قلت: ما موضع تحبسونهما؟ قلت: هو استئناف كلام: كأنه قيل بعد اشتراط العدالة فيهما: فكيف نعمل إن ارتبنا بهما؟ فقيل: تحبسونهما» . وعقب أبو حيّان على ذلك فقال:
وما قاله الزمخشري من الاستئناف أظهر من الوصف لطول الفصل بالشرط والمعطوف عليه بين الموصوف وصفته، ولا موجب لهذا الزعم.
ومن بعد الصلاة متعلقان بتحبسونهما (فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى) الفاء عاطفة، ويقسمان عطف على تحبسونهما، وبالله متعلقان بيقسمان، وإن شرطية، وارتبتم فعل وفاعل في محل جزم فعل الشرط، والجواب محذوف دل عليه ما قبله، وتقديره: إن ارتبتم فيهما فحلفوهما. وفعل الشرط وجوابه المقدر
стр. 1140
جملة لا محل لها لأنها معترضة بين القسم وجوابه، وليست هذه الآية مما اجتمع فيه شرط وقسم فأجيب بالمتقدم منهما، وحذف جواب الآخر لدلالة جواب الشرط عليه، لأن تلك المسألة مشروطة بأن يكون القسم صالحا لأن يكون جوابا للشرط، حتى يسدّ مسد جوابه، نحو: والله إن تزرني لأكرمنّك، لأنك إن قدّرت: «إن تزرني أكرمك» صح، وهنا لا يقدر جواب الشرط ما هو جواب للقسم، بل يقدر جوابه قسما برأسه. ألا ترى أن تقديره هنا: «إن ارتبتم فحلفوهما» ، ولو قدرته غير ذلك لم يصحّ! وقال آخرون: إن ثمّ قولا محذوفا تقديره: فيقسمان بالله ويقولان هذا القول في أيمانهما.
والعرب تضمر كثيرا القول، كقوله تعالى: «والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام» ، أي: يقولون: «سلام عليكم» ، ولا نافية، ونشتري فعل مضارع مرفوع، والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم، وبه متعلقان بنشتري، وثمنا مفعول به، والواو حالية، ولو شرطية، وكان فعل ماض ناقص، واسمها مستتر، أي: المقسم له، وذا قربى خبر كان، وجواب «لو» محذوف دل عليه ما قبله، أي:
فلا نشتري به، وجملة لو الشرطية وما في حيزها في محل نصب حال (وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ) الواو عاطفة، وجملة لا نكتم عطف على منتظم معه في حكم القسم، وشهادة الله مفعول به، وإن واسمها، وإذن حرف جواب وجزاء مهملة، واللام المزحلقة، ومن الآثمين متعلقان بمحذوف خبر إن، وجملة إن وما في حيزها لا محل لها بمثابة التعليل لعدم الكتمان (فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً) الفاء استئنافية، وإن شرطية، وعثر فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط، وعلى أنهما جار ومجرور نائب فاعل، أي: فإن اطلع
стр. 1141
على استحقاقهما الإثم، وأن واسمها، وجملة استحقا في محل رفع خبر أن، والألف فاعل استحقا، وإثما مفعول استحقا (فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ) الفاء رابطة لجواب الشرط، وآخران مبتدأ، ساغ الابتداء به لأنه وصف، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، وجملة يقومان في محل رفع خبر على الأول أو صفة على الثاني، ومقامهما مفعول مطلق، ومن الذين صفة ل «آخران» وجملة استحق لا محل لها لأنها صلة الموصول، وعليهم متعلقان باستحق، والأوليان خبر لمبتدأ محذوف، أي: هما الأوليان، أو فاعل استحق، وجملة فآخران في محل جزم جواب الشرط (فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما) الفاء عاطفة، ويقسمان فعل مضارع مرفوع عطفا على يقومان، والألف فاعل، وبالله متعلقان بيقسمان، واللام واقعة في جواب القسم، وشهادتنا مبتدأ، وأحق خبر، ومن شهادتهما متعلقان بأحق، وجملة شهادتنا لا محل لها لأنها واقعة في جواب القسم (وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) الواو استئنافية، وما نافية، واعتدينا فعل ماض وفاعل، وإن واسمها، وإذن حرف جواب وجزاء مهمل، ومن الظالمين خبر إن، والجملة تعليلية لا محل لها (ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها) اسم الإشارة مبتدأ، وأدنى خبر، والجملة مستأنفة، وأن وما بعدها في تأويل مصدر مضاف لأدنى، وبالشهادة متعلقان بيأتوا، وعلى وجهها متعلقان بمحذوف حال (أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ) أو حرف عطف، ويخافوا عطف على يأتوا، وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول ليخافوا، وأيمان نائب فاعل ترد، والظرف بعد متعلق ب «ترد» ، وأيمانهم مضاف إليه (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) الواو
стр. 1142
استئنافية، واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به، واسمعوا عطف على اتقوا، والواو استئنافية والله مبتدأ، وجملة لا يهدي خبر، والقوم مفعول به، والفاسقين صفة للقوم.
الفوائد:
هذه الآيات الثلاث شغلت المفسرين والمعربين كثيرا فأطالوا الحديث، وليس ثمة ما يستدعي الإطالة، فقد ذكر مكي بن أبي طالب في كتابه المسمى ب «الكشف» أن هذه الآيات في قراءاتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصعب آي القرآن. وقال السخاوي:
لم أر أحدا من العلماء تخلص كلامه فيها من أولها إلى آخرها. وقال السمين الحلبي: وأنا أستعين الله في توجيه إعرابها واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراءاتها ومعرفة تأليفها، وأما بقية علومها فنسأل الله العون في تهذيبه. وقد حاولنا نحن الاختصار جهد الطاقة، واكتفينا بقراءة حفص، أما بقية أحكامها فلا بد من النظر في كتب الحديث وكتب التفسير المطوّلة.
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٩ الى ١١٠]
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)
стр. 1143
اللغة:
(الْأَكْمَهَ) : الأعمى المطموس البصر.
الإعراب:
(يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ: ماذا أُجِبْتُمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان ما جرى بينه وبين الرسل جميعا. ويوم ظرف زمان متعلق بمحذوف تقديره: اذكر، وجملة يجمع في محل جر بالاضافة، والله فاعل، والرسل مفعول به، والفاء حرف عطف، ويقول فعل مضارع معطوف على يجمع، ماذا اسم استفهام في محل نصب مفعول مطلق، أي: أيّ إجابة أجبتم، ولك أن تعرب «ما» اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، و «ذا» اسم موصول خبر «ما» ، وجملة أجبتم لا محل لها على كل حال، وقد تقدمت نظائره، وجملة ماذا أجبتم مقول القول.
(قالُوا: لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) قالوا فعل وفاعل، والجملة
стр. 1144
مستأنفة، ولا نافية للجنس، وعلم اسمها المبني على الفتح، ولنا متعلقان بمحذوف خبرها، وجملة لا علم لنا في محل نصب مقول القول، وإن واسمها، وأنت مبتدأ وعلام الغيوب خبر أنت، والجملة في محل رفع خبر إن، وجملة إن وما في حيزها تعليلية لا محل لها (إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بما تعلق به يوم لأنه بدل منه، وجملة قال في محل جر بالإضافة، ويا حرف نداء وعيسى منادى مفرد علم مبني على الضم المقدر على الألف في محل نصب، وابن بدل أو نعت لعيسى، ومريم مضاف إليه (اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ) الجملة كلها في محل نصب مقول القول، واذكر فعل أمر، ونعمتي مفعول به، وعليك متعلقان بنعمتي، وعلى والدتك عطف على «عليك» (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) الظرف بدل من نعمتي بدل اشتمال، ويجوز أن يتعلق بنعمتي أيضا، وجملة أيدتك في محل جر بالإضافة، وبروح القدس متعلقان بأيدتك، وجملة تكلم الناس في محل نصب حال من الكاف في أيدتك، وفي المهد متعلقان بمحذوف حال، أي: حالة كونك طفلا، وكهلا عطف عليه، فهو حال أيضا، والمعنى: إلحاق حالة الطفولة بحالة الكهولة، في كمال العقل، وتمام الرّويّة (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) الواو حرف عطف، والظرف معطوف على إذ أيدتك، وجملة علمتك في محل جر بالإضافة، وهي فعل وفاعل ومفعول به أول، والكتاب مفعول به ثان، أي: الكتابة، وما بعده عطف عليه (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي) الظرف معطوف على ما سبقه، وجملة تخلق في محل جر بالإضافة، ومن الطين متعلقان بتخلق، وكهيئة الكاف اسم بمعنى مثل في محل نصب مفعول به لتخلق، وهيئة مضاف إليه وهو مضاف، والطير مضاف إليه، وبإذني متعلقان بمحذوف حال (فَتَنْفُخُ
стр. 1145
فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي)
الفاء حرف عطف، وتنفخ عطف على تخلق، وفيها متعلقان بتنفخ، فتكون عطف على فتنفخ، وطيرا خبر تكون، وبإذني متعلقان بمحذوف حال (وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي) عطف على ما تقدم (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي) عطف أيضا (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ) عطف أيضا، وبني إسرائيل مفعول كففت، وعنك متعلقان ب «كففت» (إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) الظرف متعلق بكففت لا باعتبار المجيء بالبينات فقط بل باعتبار ما يعقب ذلك ويترتب عليه حين همّهم بقتله، وجملة جئتهم في محل جر بالإضافة، وبالبينات متعلقان بجئتهم، فقال: الفاء عاطفة، وقال فعل ماض معطوف على جئتهم، والذين فاعل وجملة كفروا صلة، ومنهم متعلقان بكفروا، وإن نافية، وهذا اسم إشارة في محل رفع مبتدأ، وإلا أداة حصر، وسحر خبر هذا، ومبين صفة، والجملة في محل نصب مقول القول.
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١١١ الى ١١٣]
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)
стр. 1146
اللغة:
(مائِدَةً) المائدة: الخوان إذا كان عليه الطعام، فإن لم يكن عليه طعام فليس بمائدة، وهذا هو المشهور كما نصّ عليه الثعالبي، غير أن الراغب قال: المائدة الطبق الذي عليه الطعام. وتقال أيضا المطعام نفسه. إلا أن هذا مخالف لما هو مشهور متعالم عند علماء اللغة.
وهذه المسألة لها نظائر في اللغة: لا يقال للخوان مائدة إلا إذا كان عليه طعام وإلا فهو خوان، بتثليث الخاء. ولا يقال: كأس إلا وفيها خمر، وإلا فهي قدح. ولا يقال ذنوب وسجل إلا وفيه ماء، وإلا فهو دلو، ولا يقال: جراب إلا وهو مدبوغ، وإلا فهو إهاب. ولا يقال:
قلم إلا وهو مبريّ، وإلا فهو أنبوب. ولا يقال: كوز إلا إذا كانت له عروة، وإلا فهو كوب. ولا يقال: فرو إلا إذا كان عليه صوف. وإلا فهو جلده ولا يقال: ريطة إلا إذا كانت ذات لفقين وإلا فهي ملاءة. ولا يقال:
رمح إلا إذا كان عليه سنان، وإلا فهو قناة. ولا يقال: لطيمة إلا إذا كان عليها طيب، وإلا فهي عير. ولا يقال: خاتم إلا إذا كان فيه فصّ، وإلا فهو فتخة. هذا ما ذكره الثعالبي نقلا عن أبي عبيدة.
ونقل عن غير أبي عبيدة من أئمة اللغة: أنه لا يقال: نفق إلا إذا كان له منفذ، وإلا فهو سرب. ولا يقال: عهن إلا إذا كان مصبوغا، وإلا فهو صوف. ولا يقال خدر إلا إذا كان مشتملا على جارية، وإلا فهو ستر. ولا يقال: ركيّة إلا إذا كان فيها ماء قلّ أو كثر، وإلا فهي بئر. ولا يقال: وقود إلا إذا تقدمت فيه النار، وإلا فهو حطب.
ولا يقال: سياع إلا إذا كان فيه تبن، وإلا فهو طين. ولا يقال: عويل إلا إذا كان فيه رفع صوت، وإلا فهو بكاء. ولا يقال: ثرى إلا إذا
стр. 1147
كان نديا، وإلا فهو تراب. ولا يقال للعبد: آبق إلا إذا كان ذهابه من غير خوف ولا كدّ عمل، وإلا فهو هارب. ولا يقال لماء الفم: رضاب إلا ما دام في الفم، وإلا فهو بزاق. ولا يقال للشجاع: كميّ إلا إذا كان شاكي السلاح، وإلا فهو بطل. ولا يقال للمرأة ظعينه إلا ما دامت راكبة في الهودج. هذا وقد اختلف اللغويون في اشتقاق المائدة، فقال أبو عبيدة. واختاره الزمخشريّ: هي فاعلة بمعنى مفعولة، مشتقة من: ماده أي أعطاه، وامتاده بمعنى استعطاه، فهي بمعنى مفعولة كعيشة راضية.
الإعراب:
(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي) الواو حرف عطف، والكلام معطوف على ما تقدم، وجملة أوحيت في محل جر بالإضافة، وأن مفسرة، لأنها وردت بعد ما هو بمعنى القول دون حروفه، وجملة آمنوا لا محل لها لأنها مفسرة (قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ) الجملة مستأنفة، وجملة آمنا في محل نصب مقول القول، والباء حرف جر وأن وما في حيزها في تأويل مصدر مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب «اشهد» ، ومسلمون خبر أنّ (إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) الجملة مستأنفة لحكاية حال ماضية، والظرف متعلق بمحذوف تقديره: اذكر، وجملة قال في محل جرّ بالإضافة، والحواريون فاعل، ويا حرف نداء، وعيسى منادى مفرد علم مبني على الضم، وابن بدل من «عيسى» على اللفظ أو على المعنى، فيجوز ضم النون وفتحها، كما سيأتي في باب الفوائد، ومريم مضاف إليه (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ) الجملة في
стр. 1148
محل نصب مقول القول، وهل حرف استفهام، ويستطيع ربك فعل مضارع وفاعل، وأن ينزل أن المصدرية وما بعدها في تأويل مصدر مفعول يستطيع، ومائدة مفعول ينزل، ومن السماء جار ومجرور متعلقان بينزل، ولا بأس بأن يتعلقان بمحذوف صفة لمائدة (قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان ما قاله لهم بصدد سؤالهم. وجملة اتقوا الله في محل نصب مقول القول، وإن شرطية، وكان واسمها وخبرها، وكان فعل الشرط، والجواب محذوف يفهم من سياق الكلام، أي إن كنتم مؤمنين بقدرته تعالى وبصحة نبوتي فتجنبوا هذه السؤالات المتعنتة (قالُوا: نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا) الكلام مستأنف مسوق لبيان ما قالوه تسويفا لسؤالهم، وجملة نريد في محل نصب مقول القول، وأن وما في حيزها مصدر مؤول مفعول نريد، ومنها متعلقان بنأكل، وتطمئن قلوبنا الجملة معطوفة على «أن نأكل منها» (وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ) الواو عاطفة، ونعلم عطف على نأكل وتطمئن وتكون حجة لنا أمام الذين لم يشهدوها من بني إسرائيل ليزداد المؤمنون رسوخا في الإيمان، ويزول الشك من صدور الشّاكّين والمرتابين، ويؤمن الكافرون. وأن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن المحذوف، وجملة قد صدقتنا خبرها، ونكون عطف على نعلم، واسم نكون مستتر تقديره نحن، ومن الشاهدين متعلقان بمحذوف خبر نكون، وعليها متعلقان بالشاهدين.
الفوائد:
إذا كان المنادى مفردا علما متبوعا ب «ابن» ولا فاصل بينهما
стр. 1149
و «ابن» مضافا الى علم جاز في المنادى وجهان: ضمه للبناء ونصبه لاتباع حركة «ابن» ، قال عمرو بن كلثوم:
بأي مشيئة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١١٤ الى ١١٥]
قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥)
اللغة:
(عِيداً) العيد: معروف، وهو مشتق من العود، لأنه يعول كل سنة. وإنما كسرت عينه لأن الواو وقعت بعد كسرة، والأصل:
عويد، كميزان أصلها: موزان، فقلبت الواو ياء لوقوعها بعد الكسرة.
الإعراب:
(قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) كلام مستأنف مسوق لشروعه بالدعاء بعد أن تبيّن له صدقهم. وقال عيسى فعل وفاعل، وابن بدل أو نعت، ومريم مضاف إليه (اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ)
стр. 1150
اللهم أصله: يا الله، فحذف حرف النداء وعوضت منه الميم المشددة، وقد تقدم بحثه. وربنا نداء ثان، وأنزل فعل أمر للدعاء، وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت، وعلينا متعلقان بأنزل، ومائدة مفعول به ومن السماء متعلقان بمحذوف صفة لمائدة، أو متعلقان بأنزل أيضا.
(تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ) جملة تكون صفة ثانية لمائدة، أي: يكون يوم نزولها عيدا، واسم تكون مستتر تقديره هي، وعيدا خبر تكون، ولنا متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة تقدمت على موصوفها، وهو قوله: «عيدا» ، ولأولنا الجار والمجرور متعلقان بمحذوف بدل من «لنا» بتكرير العامل، وآخرنا عطف على «أولنا» ، وآية عطف على «عيدا» ، ومنك متعلقان بمحذوف صفة لآية (وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) الواو حرف عطف، وارزقنا فعل أمر للدعاء، وفاعله مستتر، ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والواو استئنافية أو حالية، وأنت مبتدأ، وخير الرازقين خبر، والجملة لا محل لها لأنها مستأنفة أو في محل نصب على الحال (قالَ اللَّهُ: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان استجابة الله لدعائه. وإني وما في حيزها في محل نصب مقول القول، وإن واسمها، ومنزلها خبر، وعليكم جار ومجرور متعلقان بمنزلها لأنه اسم فاعل (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ) الفاء استئنافية، ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويكفر فعل الشرط، وبعد ظرف قطع عن الإضافة لفظا لا معنى فبني على الضمّ وهو متعلق بيكفر، ومنكم متعلقان بمحذوف حال (فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ) الفاء رابطة للجواب، وإن واسمها، وجملة أعذبه خبرها، وجملة إني أعذبه في محل جزم جواب الشرط، وعذابا مفعول مطلق وهو اسم مصدر بمعنى التعذيب،
стр. 1151
ولا نافية، وأعذبه فعل مضارع، والضمير في «أعذبه» الثانية ناب عن المفعول المطلق لأنه يعود عليه، والتقدير فإني أعذبه تعذيبا لا أعذب مثل ذلك التعذيب أحدا، وأحدا مفعول به، والجملة المنفية صفة ل «عذابا» ، ومن العالمين متعلقان بمحذوف صفة ل «أحدا» .
وجملة فعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ «من» .
الفوائد:
ينوب عن المصدر ثلاثة عشر شيئا فتعطى حكمه وهي:
١- اسم المصدر: أعطيتك عطاء.
٢- صفته: اذكروا الله كثيرا.
٣- ضميره العائد اليه: كالآية المتقدمة.
٤- مرادفه: فرح جذلا.
٥- مصدر يلاقيه في الاشتقاق: أنبتكم نباتا.
٦- ما يدل على نوعه: رجع القهقرى، وقول الأعشى:
غراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهويني كما يمشي الوجي الوحل
٧- ما يدل على آلته: ضربت اللص سوطا.
٨- أيّ الاستفهامية وكم الاستفهامية أو الخبرية نحو: «وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون» ، وقول المتنبي:
стр. 1152
كم قد قتلت وكم قد متّ عندكم ... ثم انتفضت فزال القبر والكفن
٩- ما يدل على عدده: «فاجلدوا كلّ واحد منهما مئة جلدة» .
١٠- ما ومهما وأي الشرطيات: ما تفعل أفعل، ومهما تقف أقف وأي عمل تعمله تجاز عليه.
١١- لفظا كل وبعض مضافين إلى المصدر: «فلا تميلوا كل الميل» واجتهد بعض الاجتهاد.
١٢- اسم الاشارة مشارا به إلى المصدر: اجتهدت ذلك الاجتهاد.
١٣- أيّ الكمالية: وهي التي تدل على معنى الكمال إذا وقعت مضافة للمصدر، نحو: اجتهدت أي اجتهاد. وإذا وقعت بعد النكرة كانت صفة لها، كقول أبي العتاهية:
إنّ الشّباب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء أيّ مفسده
ف «أي» صفة ل «مفسدة» ، وإذا وقعت بعد المعرفة كانت حالا، نحو: مررت بعبد الله أيّ رجل.
стр. 1153
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١١٦ الى ١٢٠]
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١١٦) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)
الإعراب:
(وَإِذْ قالَ اللَّهُ: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) الواو حرف عطف، والكلام منسوق على «إذ قال الحواريون» فالظرف متعلق بمحذوف تقديره:
اذكر، وجملة قال الله في محل جر بالإضافة وجملة يا عيسى بن مريم في محل نصب مقول القول (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي
стр. 1154
إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)
الهمزة للاستفهام، وأنت مبتدأ، وجملة قلت للناس خبر، والجملة الاستفهامة مقول القول، وجملة اتخذوني من فعل الأمر والفاعل والمفعول به في محل نصب مقول القول، وأمي الواو للمعية أو العطف، وأمي مفعول معه أو معطوف على الياء، وإلهين مفعول به ثان لاتخذوني، ومن دون الله متعلقان بمحذوف صفة لإلهين، أي:
كائنين من دونه تعالى، ولا مانع من تعليقهما بمحذوف حال من فاعل اتخذوني، أي: متجاوزين (قالَ: سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) الجملة مستأنفة مسوقة للتبرؤ مما نسب إليه.
وقال فعل ماض، وسبحانك مفعول مطلق والجملة مقول القول، وما نافية ويكون فعل مضارع ناقص، ولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون المقدم، وأن وما بعدها في تأويل مصدر اسم يكون المؤخر، وجملة ما يكون لي استئنافية، وجملة ليس لا محل لها لأنها صلة الموصول، واسم ليس مستتر تقديره هو، وبحق الباء حرف جر زائد، وحق خبر ليس، ولي متعلقان بمحذوف حال لأنه تقدم على موصوفه، وما اسم موصول مفعول أقول لأنها متضمنة معنى الجملة وهناك أعاريب أخرى ضربنا عنها صفحا (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) الجملة مستأنفة، وإن شرطية، وكنت فعل ماض ناقص، والتاء اسمها، والفعل الناقص هو فعل الشرط، وجملة «قلته» خبر كنت، والفاء رابطة، وجملة قد علمته في محل جزم جواب الشرط الجازم، وعلمته فعل وفاعل ومفعول به (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ) الجملة مستأنفة، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وفي نفسي جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وجملة ولا أعلم ما في نفسك عطف على ما تقدم (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) إن واسمها، وأنت
стр. 1155
مبتدأ وعلام الغيوب خبر، والجملة خبر «إن» ، أو «أنت» ضمير فعل، وعلام خبر «إن» ، والجملة الاسمية خبر إن وجملة إنك وما بعدها لا محل لها لأنها تعليلية (ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ) ما نافية، وقلت فعل وفاعل، ولهم متعلقان بقلت، وإلا أداة حصر، وما اسم موصول مفعول قلت، وجملة أمرتني به صلة الموصول (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) المصدر المؤول بدل من «ما» ، أو من الهاء في «به» ، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره «هو» ، وجعلها بعضهم مفسرة، وأكد أن عيسى ﵇ نقل معنى كلام الله بهذه العبارة، كأنه قال: ما قلت لهم شيئا سوى قولك لي: قل لهم أن اعبدوا الله ربي وربكم. وربي بدل من الله أو صفة، وسيأتي في باب الفوائد مزيد من إعراب هذا الكلام (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ) الواو حرف عطف، وكان واسمها، وشهيدا خبرها، وعليهم متعلقان ب «شهيدا» وما دمت فعل ماض ناقص، والتاء اسمها، وفيهم متعلقان بمحذوف خبرها، والظرف المنسبك من ما دمت متعلقان ب «شهيدا» ، أي مدة دوامي مستقرا فيهم (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) الفاء استئنافية، ولما حينية أو رابطة، فهي ظرف أو حرف متضمن معنى الشرط، وجملة توفيتني في محل جرّ بالإضافة أو لا محل لها، وتوفيتني فعل وفاعل ومفعول به، أي:
أخذتني أخذا وافيا بالرفع إلى السماء، وهو الأصل في معنى الوفاة، وجملة كنت لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وكان واسمها، وأنت ضمير منفصل في محل رفع تأكيد للضمير في كنت، ولك أن تعربه ضمير منفصل لا محل له، والرقيب خبر كنت، وعليهم متعلقان بالرقيب، والواو استئنافية أو حالية، وأنت مبتدأ، وشهيد خبر،
стр. 1156
وعلى كل شيء متعلقان بشهيد (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) إن شرطية وتعذبهم فعل الشرط والهاء مفعول به والفاء رابطة لجواب الشرط والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وإن واسمها وخبرها والجملة الشرطية مستأنفة مسوقة على وجه الاستعطاف ولهذا لم يقل إن تعذبهم فإنهم عصوك (قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) كلام مستأنف مسوق لاختتام ما بدأ الحديث به عند ما قال: يوم يجمع الله الرسل، وجملة الاشارة في محل نصب مقول القول وهذا مبتدأ ويوم خبر وجملة ينفع في محل جر بالاضافة، والصادقين مفعول به مقدم، وصدقهم فاعل مؤخر (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان النفع المذكور، ولهم متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وجنات مبتدأ مؤخر، وجملة تجري صفة لجنات، ومن تحتها متعلقان بتجري، والأنهار فاعل، وخالدين حال، وأبدا ظرف زمان متعلق بخالدين (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الجملة دعائية معترضة لا محل لها، وجملة ورضوا عنه عطف عليها، وذلك مبتدأ، والفوز خبر، والعظيم صفة (لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الجملة مستأنفة مسوقة لتحقيق الحق، والله متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وملك السماوات والأرض مبتدأ مؤخر، والواو عاطفة، وما اسم موصول معطوف على الملك، وفيهن متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وأتى ب «ما» تغليبا لغير العاقل لأنه أدل على العظمة، وهو مبتدأ، وقدير خبره، وعلى كل شيء متعلقان بقدير.
البلاغة:
في قوله: «إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت
стр. 1157
العزيز الحكيم» فن من فنون البلاغة، منقطع النظير، صعب الإدراك، يحتاج المتأمل فيه الى الكثير من رهافة الحسّ، وشعوف الطبع، ويسمى فن التخيير. وحدّده علماء البلاغة بأن يأتي الشاعر أو الناثر بفصل من الكلام أو بيت من الشعر يسوغ أن يقفّى بقواف شتى فيتخير منها قافية مرجحة على سائرها، ويستدل بإيثاره إياها على حسن اختياره وصدق حسه، وقد تقضي البداهة الأولى بأن تكون غير ما اختاره، ولكنه عزف عن ذلك لسرّ دقيق كقول أحدهم:
إنّ الغريب الطويل الذيل ممتهن ... فكيف حال غريب ما له قوت
فإنه يسوغ أن يقول: ما له نشب، أو ما له سيد، أو ما له أحد.
وإذا نظرت الى ما قاله وهو: «ماله قوت» وجدتها أبلغ من الجميع، وأدلّ على الفاقة والعوز، وأمسّ بذكر الحاجة، وأشجى للقلوب، وأدعى للاستعطاف. فذلك رجحت على ما سواها.
القول في الآية:
ونعود بعد هذا التعريف السريع لهذا الفن الى الآية التي نحن بصددها فنقول: إن البداهة البدائية تقضي بأن تكون الفاصلة:
«إنك أنت الغفور الرحيم» لملاءمتها لقوله: «إن تغفر» ولمناسبته ما بين الغفران والغفور، ولكنّ هذا الوهم الناجم عن هذه البداهة سرعان ما يزول أثره عند ما يذكر المتوهم أن هؤلاء قد استحقوا العذاب دون الغفران، فيجب أن تكون الفاصلة: «العزيز الحكيم» إذ لو
стр. 1158
جاءت «الغفور الرحيم» بعد ذكر الغفران- وهو لا يغفر لهم- فوجب أن تكون الفاصلة كما وردت، لأن الله سبحانه ممتنع عن القهر والمعارضة، والعزيز هو الممتنع، ولا بد من أن يصف نفسه بعد وصفه بالعزة بالحكمة، لأنه الحكيم الذي يضع كل شيء موضعه.
طرفة الأصمعي:
وقد مرت معنا في السابق طرفة الأصمعي، وهي ما ذكره أنه كان يقرأ يوما فقرأ: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم» وكان يسمعه أعرابي، فاعترضه وغلّطه، فراجع الأصمعي الآية، فإذا بها «والله عزيز حكيم» ، فقال للأعرابيّ: كيف عرفت ذلك؟ فقال: يا هذا عزّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع. فدهش الأصمعي وأفحم.
وخفي هذا السر على أبي حيان:
وقد خفي سر هذا الفن على أبي حيان- على جلالة قدره- فقال في «البحر» محاولا تعليل الاعتراض ما نصه: «وقال أبو بكر ابن الأنباري: وقد طعن على القرآن من قال: إن قوله: «فإنك أنت العزيز الحكيم» لا يناسب قوله: «وإن تغفر لهم» لأن المناسب «فإنك أنت الغفور الرحيم» . والجواب أنه لا يحتمل إلا ما أنزله الله تعالى، ومتى نقل إلى ما قاله هذا الطاعن ضعف معناه، فإن ينفرد الغفور الرحيم بالشرط الثاني ولا يكون له بالشرط الأول تعلّق.
وهو ما أنزله الله تعالى وأجمع على قراءته المسلمون» . ونقول: ولو
стр. 1159
عرف أبو حيّان هذا الفنّ لأجاب بما قدّمناه، ولم يتكلّف الأجوبة البعيدة.
الفوائد:
بين ابن هشام والزمخشريّ:
ذكر ابن هشام في مغني اللبيب ما يلي: «وذكر الزمخشري في قوله تعالى: «ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله» أنه يجوز أن تكون مفسرة للقول على تأويله بالأمر، أي: ما أمرتهم إلا بما أمرتني أن اعبدوا الله، وهو حسن. وعلى هذا فيقال في الضابط: أن يكون فيها حروف القول إلا والقول مؤوّل بغيره، ولا يجوز في الآية أن تكون مفسرة لأمرتني، لأنه لا يصح أن يقال: اعبدوا الله ربي وربكم مقولا لله تعالى، فلا يصح أن تكون مفسرة لأمره لأن المفسر عين تفسيره.
عبارة ابن يعيش:
وعبارة ابن يعيش: ف «أن» بمعنى «أي» ، وهو تفسير «ما أمرتني به» ، لأن الأمر في معنى القول، ولأن هذه إذا كانت تفسيرا ثلاث شرائط:
١- أولها أن يكون الفعل الذي تفسره وتعبر عنه فيه معنى القول وليس بقول.
стр. 1160
٢- والثاني أن لا يتصل ب «أن» شيء من صلة الفعل الذي تفسره، لأنه إذا اتصل بها شيء من ذلك صارت جملته، ولم تكن تفسيرا له، وذلك نحو: أوعزت إليه بأن قم، وكتبت إليه بأن قم، لأن الباء هاهنا متعلقة بالفعل، وإذا كانت متعلقة به صارت من جملته، والتفسير إنما يكون بجملة غير الأولى.
٣- والثالث أن يكون ما قبلها كلاما تاما لما ذكرناه من أنها وما بعدها جملة مفسرة جملة قبلها، ولذلك قالوا في قوله تعالى:
«أن الحمد لله رب العالمين» أنّ «أن» فيه مخففة من الثقيلة، والمعنى:
أنه الحمد لله، ولا يكون تفسيرا لأنه ليس ما قبلها جملة تامة، ألا ترى أنك لو وقفت على قوله: «وآخر دعواهم» لم يكن كلاما» .
قلت: ولهذا جنحنا الى ما اخترناه في إعرابها مصدرية تفاديا للوقوع في هذه المزالق.
٢- إذا وقعت «ما» قبل «ليس» أو «لم» أو «لا» أو بعد «إلّا» فهي موصولة، وإذا وقعت بعد كاف التشبيه فهي مصدرية، وإذا وقعت بعد الباء فهي تحتملهما، وإذا وقعت بين فعلين والأول علم أو دراية أو نظر احتملت الموصولية والاستفهامية.
٣- كل ما كان من أسماء الزمان مبهما لما مضى تجوز إضافته الى الجملة، فإن كان ما بعده مبنيا فالبناء على الفتح أرجح للتناسب، قال النابغة:
следующие страницы →