Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
والظن مفعول به، وإن الواو عاطفة، وإن نافية، وأنتم مبتدأ، وإلا أداة حصر، وجملة تخرصون خبر أنتم.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤٩ الى ١٥٠]
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)
الإعراب:
(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) جملة القول مستأنفة، والفاء هي الفصيحة، لأنها أفصحت عن شرط مقدر، أي قل: فإن لم تكن لكم حجة فلله الحجة البالغة، ولله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والحجة مبتدأ مؤخر، والبالغة صفة، أي: التي بلغت غاية النهاية والوضوح، وقطعت كل عذر للمحجوج والجملة مقول القول (فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) الفاء عاطفة، ولو شرطية، وشاء فعل وفاعل مستتر، والمفعول به محذوف، أي: هدايتكم، واللام واقعة في جواب لو، وهداكم فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وأجمعين تأكيد للضمير، وسيأتي حكم التأكيد بأجمع في باب الفوائد (قُلْ: هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ
стр. 1367
يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا)
الجملة مستأنفة، وقل فعل أمر، وهلم اسم فعل أمر، وسيأتي بحث عنها في باب الفوائد، وشهداءكم مفعول به، فان اسم الفعل يعمل عمل مسماه من تعد ولزوم، والذين صفة، وجملة يشهدون صلة، وأن الله أن واسمها في محل نصب بنزع الخافض، وجملة حرم هذا خبر أن (فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) الفاء عاطفة، وإن شرطية، وشهدوا فعل ماض، والواو فاعل، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاء رابطة لجواب الشرط، ولا ناهية، وتشهد فعل مضارع مجزوم بلا، والجملة في محل جزم جواب الشرط، ومعهم ظرف مكان متعلق بتشهد (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتتبع فعل مضارع مجزوم بلا، وأهواء مفعول به، والذين اسم موصول في محل جر بالإضافة، وبآياتنا جار ومجرور متعلقان بكذبوا والجملة صلة (وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) الواو عاطفة، والذين عطف على اسم الموصول المتقدم، والغرض تعداد صفاتهم القبيحة. والمعنى: ولا تتّبع أهواء الذين يجمعون بين تكذيب آيات الله وبين الكفر بالآخرة والإشراك به.
وجملة لا يؤمنون صلة الموصول، وبالآخرة جار ومجرور متعلقان بيؤمنون، والواو حرف عطف، وهم مبتدأ، وجملة يعدلون خبره، وبربهم جار ومجرور متعلقان بيعدلون.
البلاغة:
في إطلاق اسم الشهادة على التسليم لهم وموافقتهم وتصديقهم في الشهادة الباطلة، استعارة تصريحية تبعية ويصح أن يكون مجازا مرسلا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، لأن الشهادة من لوازم التسليم.
стр. 1368
الفوائد:
إذا أريد تقوية التوكيد يؤتى بكلمة «أجمع» بعد كلمة «كله» ، وبعد كلمة «كلها» بكلمة «جمعاء» ، وبعد كلمة «كلهم» بكلمة «أجمعين» ، وبعد كلمة «كلهنّ» بكلمة «جمع» ، تقول: جاء الصفّ كله أجمع، وجاءت القبيلة كلها جمعاء، وقال تعالى: «فسجد الملائكة كلهم أجمعون» ، وجاءت النساء كلهن جمع. وقد يؤكّد بأجمع وجمعاء وأجمعين وجمع وإن لم يتقدمهن لفظ «كلّ» ، ومنه قوله تعالى: «لأغوينهم أجمعين» .
هذا، ولا يجوز تثنية أجمع وجمعاء، استغناء عن ذلك بلفظي:
كلا وكلتا. قال ابن مالك في ألفيته مجملا قاعدة أجمع:
وبعد كل أكدوا بأجمعا ... جمعاء أجمعين ثم جمعا
ودون كل قد يجيء أجمع ... جمعاء أجمعون ثم جمع
هلمّ: كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، فتكون لازمة وقد تستعمل متعدية، نحو: هلم شهداءكم، أي: أحضروهم، وهي من أسماء الأفعال، يستوي فيها الواحد والجمع، والتذكير والتأنيث، ويصرفونها بأن يجعلوها فعلا ويلحقوها الضمائر، فيقولون في المثنى: هلما، وفي المؤنث: هلمي، وفي الجمع للذكور: هلموا، وللنساء: هلممن والأول أفصح. وقد توصل باللام، فيقال: هلمّ لك، كقولهم: هيت لك. وقد تلحقها نون التوكيد الثقيلة، فيقال: هلمّنّ يا رجل، وهلمنّ يا امرأة، وهلمّانّ يا رجلان، ويا امرأتان، وهلمّنّ يا رجال، وهلمنانّ يا نسوة.
стр. 1369
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٥١]
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)
اللغة:
(تعال) من الخاصّ الذي صار عاما، وأصله أن يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه، ثم كثر واتسع حتى عم. وهو فعل أمر مفتوح الآخر دائما، ومن ثم لحنوا أبا فراس الحمداني بقوله:
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي
الإعراب:
(قُلْ: تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) كلام مستأنف مسوق لأمره ﷺ بأن يتلو عليهم ما حرم ربهم عليهم حقيقة لا ظنا، ويقينا لا حدسا. وجملة تعالوا في محل نصب مقول القول، وهو فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وأتل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب، وابن هشام يؤثر أن يقال: إنه جواب الشرط مقدّر، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة
стр. 1370
حرم عليكم لا محلّ لها لأنها صلة الموصول، والعائد محذوف، أي:
الذي حرّمه. ويجوز أن تكون «ما» مصدرية، أي: اتل تحريم ربكم. والتحريم لا يتلى، ولكنه مصدر واقع موقع المفعول به.
وربكم فاعل حرم، وعليكم جار ومجرور متعلقان بحرم أو بأتل، على أن المسألة من باب التنازع (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) في «أن» أوجه عديدة، والمختار منها وجهان: أولهما أنها مفسرة، لأنه تقدمها ما هو معنى القول دون حروفه، ولا ناهية، وتشركوا فعل مضارع مجزوم بها، والجملة لا محل لها لأنها مفسّرة. والوجه الثاني أنها مصدرية، وهي وما في حيزها بدل من «ما حرم» ، وبه جار ومجرور متعلقان بتشركوا، وشيئا مفعول به أو بمعنى المصدر، فهي مفعول مطلق. وقد تقدمت الإشارة إلى مثيله. وبالوالدين جار ومجرور متعلقان بفعل المصدر المحذوف، أي أحسنوا بالوالدين، وإحسانا مفعول مطلق للفعل المحذوف، وسيأتي بحث هام لابن هشام في إعراب هذه الآية في باب الفوائد (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتقتلوا فعل مضارع مجزوم بلا، وأولادكم مفعول به، ومن إملاق جار ومجرور متعلقان بتقتلوا، أي: لأجل الإملاق، فمن سببية، ولم ينصب المفعول لأجله لاختلال شرطه، لأن الإملاق مصدر غير قلبي، وسيأتي مزيد بحث عنه في باب البلاغة. ونحن مبتدأ وجملة نرزقكم خبر، وجملة نحن نرزقكم مستأنفة لتعليل النهي قبله، وإياهم عطف على الضمير في نرزقكم، وقدم المخاطبين على ضمير الأولاد بعكس آية الإسراء لسرّ بلاغي، سيأتي في باب البلاغة (وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ) الواو حرف عطف، ولا ناهية، وتقربوا فعل مضارع مجزوم بلا، والواو فاعل، والفواحش مفعول به، وما اسم موصول في محل
стр. 1371
نصب بدل من الفواحش، وهو بدل اشتمال، وجملة ظهر لا محل لها لأنها صلة الموصول، ومنها جار ومجرور متعلقان بظهر، وما بطن عطف على ما ظهر (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) عطف على ما تقدم، داخل في حيزه، لاستيفاء المحرمات، وهي عشرة أشياء.
ولا ناهية، وتقتلوا فعل مضارع مجزوم بلا، والنفس مفعول به، والتي اسم موصول في محل نصب صفة، وجملة حرم الله لا محل لها لأنها صلة الموصول، وإلا أداة حصر، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي: لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا حال ملابستكم بالحق، فالباء للملابسة، وهي ومجرورها متعلقان بمحذوف حال من الواو في «تقتلوا» ويجوز أن يكون الاستثناء المفرّغ من الفعل نفسه، فيكون الجار والمجرور مفعولا مطلقا، أي: إلا القتل الملتبس بالحق: كالقود وحدّ الرّدّة ورجم المحصن (ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) اسم الاشارة مبتدأ، والجملة مستأنفة مسوقة للاشارة إلى ما تقدم، وجملة وصاكم خبر ذلكم، وبه جار ومجرور متعلقان بوصاكم، ولعلكم تعقلون لعل واسمها وخبرها، وجملة الرجاء حالية، أي: لعلكم تستعملون عقولكم التي تعقل نفوسكم، وتحبسها عن اجتراح هذه المنهيّات.
البلاغة:
اشتملت هذه الآية على أفانين عجيبة من البلاغة، تستلزم التطويل، ولكنه التطويل غير المملول، فحديث الجمال يطول، وكلما طال ازداد حسنا، كالجمال نفسه كلما أمعنت النظر فيه ازدادت معالم حسنه:
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا
стр. 1372
١- التوهيم:
فالفن الأول في هذه الآية هو فن التوهيم وقد سبقت الاشارة إليه في سورة «آل عمران» ، ونجدد العهد به هنا فنقول: هو أن يأتي المتكلم بكلمة يوهم ما بعدها من الكلام أن المتكلم أراد تصحيفها، وهو يريد غير ذلك، وذلك في قوله: «أن لا تشركوا به شيئا» .
فإن ظاهر الكلام يدل على تحريم نفي الشرك، وملزومه تحليل الشرك، وهذا محال، وخلاف المعنى المراد، والتأويل الذي يحلّ الإشكال هو أن في الوصايا المذكورة في سياق الآية وما بعدها ما حرّم عليهم وما هم مأمورون به فإن الشرك بالله، وقتل النفس المحرمة، وأكل مال اليتيم، مما حرّم ظاهرا وباطنا، ووفاء الكيل والميزان بالقسط والعدل في القول، فضلا عن الفعل والوفاء بالعهد واتباع الصراط المستقيم من الأفعال المأمور بها أمر وجوب، ولو جاء الكلام بغير «لا» لانبتر واختل وفسد معناه، فإنه يصير المعنى حرّم عليكم الشرك، والإحسان للوالدين، وهذا ضد المعنى المراد. ولهذا جاءت الزيادة التي أوهم ظاهرها فساد المعنى ليلجأ إلى التأويل الذي يصح به عطف بقية الوصايا على ما تقدم.
٢- التّغاير:
والفنّ الثاني فيها هو التغاير، وذلك في قوله: «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق» . وحدّه تغاير المذهبين، إما في المعنى الواحد بحيث يمدح إنسان شيئا أو يذمه، أو يذم ما مدحه غيره، وبالعكس، ويفضل شيئا على شيء، ثم يعود فيجعل المفضول فاضلا. ومن التغاير
стр. 1373
تغاير المعنى لمغايرة اللفظ، مثل قوله: «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم» فإن ذلك غير قوله في هذا المعنى عينه في بني إسرائيل: «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم» فقدّم في آية «الأنعام» للفقراء بدليل قوله تعالى: «من إملاق» ، فاقتضت البلاغة تقديم وعدهم- أعني الآباء المملقين- بما يغنيهم من الرزق، واقتضت البلاغة تكميل المعنى بعدة الأبناء بعد عدة الآباء ليكمل سكون الأنفس. وفي بني إسرائيل الخطاب للأغنياء، بدليل قوله تعالى: «خشية إملاق» ، فإنه لا يخشى الفقر إلا الغني، أما الفقير ففقره حاصل. فاقتضت البلاغة تقديم وعد الأبناء بالرزق ليشير هذا التقديم إلى أنه سبحانه هو الذي يرزق الأبناء ليزول ما توهم الأغنياء من أنهم بإنفاقهم على الأبناء يصيرون الى الفقر بعد الغنى، ثم كمل هذا الطمأنينة بعدتهم بالرزق بعد عدة أبنائهم. فسبحان قائل هذا الكلام!
التّغاير في الشّعر العربيّ:
هذا وقد افتنّ الشعراء في هذا المعنى وتلاعبوا به وسلكوا به كل واد، وسنورد لك فيما يلي طائفة مختارة مما تمّ به التغاير، ومدح الشعراء ما هو مشتهر بالذّم، وذمّوا ما من حقه المدح. وأول من أشار إلى ذلك عنترة بن شداد الشاعر العبسي والفارس المشهور عند ما اشتهى تقبيل السيوف لأنها التمعت كبارق ثغر من يهواها، فقال بيتيه المشهورين:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... منّي وبيض الهند تقطر من دمي
стр. 1374
فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسّم
وما أجمل قول أبي فراس الحمدانيّ وقد سلك مسلكا آخر فقال:
مسيء محسن طورا وطورا ... فما أدري عدّوي أم حبيبي
يقلّب مقلة ويدير طرفا ... به عرف البريء من المريب
وبعض الظالمين وإن تناهى ... شهيّ الظلم مغتفر الذنوب
وولع البحتريّ بهذا الفن فقال:
عيّرتني بالشيب من بدآته ... في عذاري بالهجر والاجتناب
لا تريه عارا فما هو بالشيب ولكنه جلاء الشباب
وبياض البازيّ أصدق حسنا ... إن تأمّلت من سواد الغراب
وقال في المعنى نفسه وأجاد:
عذلتنا في عشقها أمّ عمرو ... هل سمعتم بالعاذل المعشوق؟
ورأت لمّة ألمّ بها الشّيب فريعت من ظلمة في شروق
ولعمري لولا الأقاحي لأبصر ... ت أنيق الرياض غير أنيق
ومزاج الصهباء بالماء أولى ... بصبوح مستحسن وغبوق
وسواد العيون لو لم يكمّل ... ببياض ما كان بالموموق
أيّ ليل يبهى بغير نجوم؟ ... وسماء تندى بغير بروق؟
стр. 1375
ووصف البحتري يوم الفراق بالقصر وقد أجمع الناس على طوله حيث قال:
ولقد تأمّلت الفراق فلم أجد ... يوم الفراق على امرئ بطويل
قصرت مسافته على متزوّر ... منه لدهر هن صبابة وغليل
أما ابن الرومي فقد سما على المتقدمين والمتأخرين في ذمّ ما تواضع الناس على مدحه، فقال يهجو البدر:
لو أراد الأديب أن يهجو البد ... ر رماه بالخطة الشنعاء
قال: يا بدر أنت تغدر بالسا ... ري وتغري بزائر الحسناء
يعتريك المحاق في كل شهر ... فترى كالقلامة الحجناء
نمش في بياض وجهك يحكي ... كلفا فوق وجنة برصاء
لا لأجل المديح بل خيفة الهجر أخذنا جوائز الخلفاء وقال الشريف الرضي يهجو الشمس:
في خلقة الشمس وأخلاقها ... شتى عيوب ستة تذكر
رمداء عمشاء إذا أصبحت ... عمياء عند الليل لا تبصر
ويغتدي البدر لها كاسفا ... وجرمه من جرمها أصغر
حرورها في القيظ لا يتّقى ... ودفؤها في القر مستحقر
وخلقها خلق الملول الذي ... ينكث للعهد ولا يبصر
ليست بحسناء وما حسن من ... يحسر منه الطرف إذ ينظر
стр. 1376
ولو أردنا الاستفاضة لملأنا الكتاب كله من هذا الشعر المستطاب الفريد، ولكن حسبنا من القلادة ما أحاط بالجيد.
٣- المجاز المرسل:
في قوله تعالى: «من إملاق» فهو جار مجرى الكناية، لأنه إذا خرج ماله من يده ركبه الفقر فاستعمل لفظ السبب في موضع المسبب، قال في أساس البلاغة: «ومن المجاز أملق الدهر ماله: أذهبه وأخرجه من يده، وأملق الرجل: أنفق ماله حتى افتقر، ورجل مملق. وقال أعرابي: قاتل الله النساء كيف يمتلقن العلل لكأنها تخرج من تحت أقدامهن، أي: يستخرجنها» .
الفوائد:
لابن هشام كلام مطوّل في هذه الآية قال: «وقوله تعالى:
«قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا» فقيل:
إن لا نافية، وقيل: ناهية، وقيل: زائدة، والجميع محتمل. وحاصل القول في الآية أن «ما» خبرية بمعنى الذي، منصوبة ب «أتل» وحرم ربكم: صلة، وعليكم متعلقة بحرم. هذا هو الظاهر. وأجاز الزجاج كون «ما» استفهامية منصوبة بحرم، والجملة محكية ب «أتل» لأنه بمعنى أقول، ويجوز أن يعلق «عليكم» ب «أتل» ، ومن رجح إعمال أول المتنازعين- وهم الكوفيون- رجحه على تعلقه بحرّم. وفي أن وما بعدها أوجه: أن يكونا في موضع نصب بدلا من «ما» ، وذلك على أنهما موصولة لا استفهامية، إذ لم يقترن البدل بهمزة الاستفهام. الثاني أن يكونا في موضع رفع خبر
стр. 1377
ل «هو» محذوفا، أجازهما بعض المعريين. وعليهما ف «لا» زائدة، قال ابن الشجري: والصواب أنها نافية على الأول، وزائدة على الثاني.
والثالث أن يكون الأصل: بيّن لكم ذلك لئلا تشركوا، وذلك لأنهم إذا حرم عليهم رؤساؤهم ما أحله الله سبحانه تعالى فأطاعوهم أشركوا، لأنهم جعلوا غير الله بمنزلته. والرابع أن الأصل: أوصيكم بأن لا تشركوا، بدليل أن وبالوالدين إحسانا، معناه وأوصيكم بالوالدين، وإن في آخر الآية «ذلكم وصّاكم به» ، وعلى هذين الوجهين فحذفت الجملة وحرف الجر. والخامس أن التقدير: «أتل عليكم أن لا تشركوا» ، مدلولا عليه بما تقدم. وأجاز هذه الأوجه الثلاثة الزجاج. والسادس أن الكلام تم عند «حرم ربكم» ثم ابتدئ «عليكم أن لا تشركوا وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا وأن لا تقتلوا ولا تقربوا» ، فعليكم على هذا اسم فعل بمعنى الزموا، و «أن» في الأوجه الستة مصدرية، و «لا» في الأوجه الأربعة الأخيرة نافية. والسابع أنّ «أن» مفسرة بمعنى أي، ولا ناهية، والفعل مجزوم لا منصوب، وكأنه قيل: أقول لكم لا تشركوا به شيئا وأحسنوا بالوالدين إحسانا. وهذان الوجهان أجازهما ابن الشجري» . وقال ابن هشام في موضع آخر من المغني:
«وأما قول بعضهم في: «قل تعالوا أتل ما حرم عليكم ربكم أن لا تشركوا به شيئا» إن الوقف قبل «عليكم» ، وإن «عليكم» إغراء، فحسن، ويتخلص من إشكال ظاهر في الآية محوج للتأويل» .
وإنما أطلنا في الاقتباس لأن الآية كثر فيها الخوض، فتدبر والله يعصمك.
стр. 1378
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٥٢ الى ١٥٣]
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)
اللغة:
(الأشد) : يقال: بلغ فلان أشدّه: أي قوّته، بمعنى الإدراك والبلوغ. وهو ما بين الثماني عشرة إلى الثلاثين من العمر، وهو جمع لا واحد له. أو واحد جاء على بناء الجمع، هذا ما يتلخص من القاموس.
وقال غيره: «والأشدّ قيل: هو اسم مفرد لفظا ومعنى. وقيل: هو اسم جمع. وعلى هذا فمفرده: شدّة، كنعمة، أو شدّ ككلب، أو شدّ كضر، أقوال ثلاثة في مفرده» ويمكن أن يقال فيه: هو استحكام قوة الشباب والسنّ حتى يتناهى في الشباب إلى حد الرجال.
(الْكَيْلَ)
هي الآلة التي يكال فيها، وأصله مصدر أطلق على الآلة.
(الْمِيزانَ)
في الأصل: مفعال، من الوزن، وقد تقدم إعلاله في:
ميقات، بالبقرة، من الوزن، فأصله مصدر نقل إلى الآلة. ومثله المصباح والمقياس، لما يستصبح به ويقاس.
стр. 1379
الإعراب:
(وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)
الواو عاطفة، ولا ناهية، وتقربوا فعل مضارع مجزوم بلا، والواو فاعل، ومال اليتيم مفعوله، وإلا أداة حصر، وبالتي اسم الموصول نعت لمصدر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بتقربوا. أي: إلا بالخصلة التي هي أحسن. وهي مبتدأ، وأحسن خبره، والجملة الاسمية لا محل لها لأنها صلة الموصول، وأتى بصيغة اسم التفضيل تنبيها على أن يتحرى في ذلك غاية التحرّي ويفعل الأحسن. وحتى حرف غاية وجر، ويبلغ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى، والجار والمجرور متعلقان بتقربوا، وأشده مفعول به (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ)
الجملة معطوفة وأوفوا الكيل فعل وفاعل ومفعول به والميزان مفعول به معطوف على الكيل، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل أوفوا، أي: مقسطين عادلين، ويجوز أن يكون حالا من المفعول به، أي: تامّين (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها)
الجملة معترضة بين المتعاطفين لا محل لها، للتنبيه على أن أمر الكيل والميزان ومراعاة العدل فيهما يتطلب دقة ومغالبة للهوى. ولا نافية، ونكلف فعل مضارع مرفوع، ونفسا مفعول به، وإلا أداة حصر، ووسعها مفعول به ثان، كأنه قيل: اعملوا كل ما في وسعكم وطاقتكم (وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا)
الواو عاطفة، وإذا شرطية ظرفية، وجملة قلتم في محل جر بالإضافة، والفاء رابطة، واعدلوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو حالية، ولو شرطية غير جازمة، وكان فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر، وذا قربى خبرها، وبعهد الله جار ومجرور متعلقان بأوفوا، وأوفوا فعل أمر
стр. 1380
مبني على حذف النون (ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)
تقدم إعراب نظيرها (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ) عطف على ما تقدم، وأن واسمها، وصراطي خبرها، ومستقيما حال مؤكدة من صراطي، والعامل فيها معنى الإشارة، والفاء الفصيحة، واتبعوه فعل أمر وفاعل ومفعوله، والجملة لا محل لها، والمعنى إذا أردتم الفوز والنجاة من مهاوي البدع ومساقط الضلالات. واتبعوه فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة لا محل لها (وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتتبعوا فعل مضارع مجزوم بلا، والواو فاعل، والسبل مفعول به، فتفرّق الفاء السببية، وتفرق أصله تتفرق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء في جواب النهي، وبكم جار ومجرور متعلقان بتفرق، وعن سبيله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي: متنائية عن سبيله. (ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) تقدم إعرابها.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٥٤ الى ١٥٧]
ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)
стр. 1381
اللّغة:
(دِراسَتِهِمْ) : مصدر درس العلم، من باب قتل، ودرسا أيضا، وهذا المعنى هو المراد هنا. ولهذه المادة معان عجيبة، يقال: درس الحنطة دراسا: داسها. ودرس الناقة راضها وأذلها. ورجل مدرّس ودرس الكتاب للحفظ كرّر قراءته، درسا ودراسة. ودرس المرأة نكحها. ودرست المرأة حاضت. ودرس الثوب: أخلق، فهو درس ودريس. وبسط دريسا أي: ثوبا وبساطا خلقا. وقتل رجل في مجلس النعمان بن المنذر رجلا فأمر بقتله، فقال الرجل: أيقتل الملك جاره؟ ويضيع ذماره؟ قال: نعم إذا قتل جليسه، وخضب دريسه.
أي: بساطه. وطريق مدروس: كثر مشي الناس فيه حتى ذلّلوه.
وربع دارس ومدروس. فأنت ترى أنها تشير الى معنى الرياضة والتذليل والتعبيد بجميع معانيها، وهذا من الدقة بمكان.
(صَدَفَ) : أعرض، ويستعمل لازما في الأكثر، وقد استعمل هنا لازما. وفي القاموس: صدف عنه: أعرض، وبابه ضرب أو جلس، وصدف فلانا: صرفه كأصدفة، ومن هنا يتبين الخطأ في استعمال صدفة بمعنى المصادفة.
стр. 1382
الإعراب:
(ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) الأصل في ثم أن تكون للترتيب مع المهلة والتراخي في الزمان، ومن ثم توقف المفسرون والنحاة في حقيقة العطف بها هنا، ولم أجد فيما قالوه مقنعا، وسأنقل ما قالوه أولا ثم أشير الى ما هو أولى بالأرجحية. فقال بعضهم: إن «ثمّ» تأتي للترتيب في الإخبار، كأن هذا القائل أراد تفادي سبق موسى ﵇ في الزمان. وزعم الأخفش: أن «ثم» قد تتخلف عن التراخي، بدليل قولك: أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب. لأن «ثم» في ذلك لترتيب الإخبار ولا تراخي بين الإخبارين. وجعل ابن مالك من ذلك قوله تعالى: «ثم آتينا موسى الكتاب» وقال في المغني: «والظاهر أن «ثمّ» واقعة موقع الفاء» وقد نصّ النحاة على أن «ثم» توضع موضع الفاء كقول أبي دواد جارية بن الحجاج:
كهزّ الرّدينيّ تحت العجاج ... جرى في الأنابيب ثم اضطرب
وقال الزّجّاج: هو معطوف على «أتل» ، تقديره. أتل ما حرّم ثم أتل ما آتينا.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: علام عطف قوله: «ثم آتينا موسى الكتاب» ؟ قلت: على «وصّاكم به» . فإن قلت: كيف صحّ عطفه عليه ب «ثم» والإيتاء قبل التوصية بزمن طويل؟ قلت: هذه التوصية قديمة، ولم تزل توصاها كل أمة على لسان نبيهم، فكأنه قيل:
ذلكم وصّيناكم به يا بني آدم قديما وحديثا، ثم أعظم من ذلك أنّا آتينا
стр. 1383
موسى الكتاب. ولعل هذا أقرب ما يقال فيه. وآتينا موسى الكتاب فعل وفاعل ومفعولاه، وتماما مفعول لأجله، أي: لأجل تمام النعمة والكرامة، ويجوز أن يكون مصدرا نصب على المفعولية المطلقة، لأنه بمعنى آتيناه إيتاء تمام لا نقصان، أو مصدرا نصب على الحالية من فاعل آتينا، أي: متممين، أو من الكتاب، أي: حال كونه ماما. وعلى الذي جار ومجرور متعلقان ب «تماما» ، أي: على من أحسن القيام به، وجملة أحسن صلة لا محل لها، وتفصيلا عطف على «تماما» ، ولكل شيء جار ومجرور متعلقان ب «تفصيلا» (وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) هدى ورحمة معطوفان على تماما وتفصيلا، ولعل واسمها، وجملة الرجاء حالية، وبلقاء ربهم جار ومجرور متعلقان بيؤمنون، وجملة يؤمنون خبر لعل (وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة لتعظيم شأن القرآن، وهذا مبتدأ، وكتاب خبره، وجملة أنزلناه صفة أولى، ومبارك صفة ثانية، فاتبعوه الفاء الفصيحة، أي: إذا أردتم أن تنتفعوا ببركته، فهي لترتيب ما بعدها على ما قبلها، واتبعوه فعل وفاعل ومفعول به، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، واتقوا عطف على فاتبعوه، وجملة الرجاء حالية (أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا) أن وما في حيزها في تأويل مصدر مفعول لأجله، على حذف مضاف، أي: كراهية أن تقولوا، وإنما كافة ومكفوفة، وأنزل فعل ماض مبني للمجهول، والكتاب نائب فاعل، وعلى طائفتين جار ومجرور متعلقان بأنزل، والمراد بهما اليهود والنصارى، والجملة في محل نصب مقول القول، ومن قبلنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لطائفتين (وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ) الواو حالية، وإن مخففة من الثقيلة، وهي مهملة، وقد تقدم بحثها، وكان واسمها، وعن
стр. 1384
دراستهم جار ومجرور متعلقان بغافلين، واللام هي الفارقة بين إن المخففة وإن النافية، وغافلين خبر كنا (أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ) عطف على أن تقولوا، ولو شرطية، وأن واسمها، وجملة أنزل علينا الكتاب خبرها، والكتاب نائب فاعل، وعلينا جار ومجرور متعلقان بأنزل، واللام واقعة في جواب لو، وكان واسمها، وأهدى خبرها، ومنهم جار ومجرور متعلقان بأهدى (فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ) الفاء الفصيحة، لأنها جواب محذوف معلل به، أي: لا تعتذروا فقد فاتتكم أسباب العذر. فقد جاءكم: قد حرف تحقيق، وجاءكم فعل ومفعول به مقدم وبينة فاعل، ويجوز أن يكون المحذوف شرطا، أي: إذا صدقتم فيما تمنون به أنفسكم من وعود مزيفة وأحلام طائشة، ومن ربكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لبينة أو بجاءكم، وهدى ورحمة معطوفان على بينة، وكلا الوجهين جميل سائغ (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها) الفاء عاطفة لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن نزول القرآن- مشتملا على جميع عوامل الهدى والرحمة- يقتضي أن يكون من يكذب به ويشيح بوجهه عنه أظلم الناس. ومن استفهامية متضمنة معنى النفي، أي: لا أحد، وهي في محل رفع مبتدأ، وأظلم خبر، وممن جار ومجرور متعلقان بأظلم، وجملة كذب صلة الموصول، وبآيات الله جار ومجرور متعلقان بكذّب، وصدف عنها عطف على كذب (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير الجزاء المترتب على هذا الموقف المتعنت، ونجزي فعل مضارع، وفاعله مستتر، والذين مفعوله، وجملة يصدفون صلة الموصول، وسوء العذاب منصوب على أنه مفعول به ثان لنجزي، أو منصوب بنزع الخافض، وإضافة السوء الى العذاب من إضافة الصفة
стр. 1385
للموصوف، أي: العذاب السيّء (بِما كانُوا يَصْدِفُونَ) الباء حرف جر، وما مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلقان بنجزي، وكان واسمها، وجملة يصدفون خبرها، أي: بسبب صدوفهم وإعراضهم.
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٥٨]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)
الإعراب:
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ) الجملة مستأنفة مسوقة لاستبعاد تأتّي الإيمان منهم، وهل حرف استفهام متضمن معنى النفي، لأنهم كانوا بمثابة المنتظرين لذلك، وينظرون فعل مضارع مرفوع، والواو فاعل، وإلا أداة حصر، وأن تأتيهم الملائكة مصدر مؤول مستثنى مفرّغ، فهو في محل نصب مفعول به، وأو حرف عطف، ويأتي ربك عطف على تأتيهم الملائكة، وأو يأتي بعض آيات ربك عطف أيضا، والمعنى أنهم ينتظرون أن يأتي كل آيات ربك أو بعضها لتنبئهم بالساعة (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ
стр. 1386
لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً)
الظرف متعلق بقوله لا ينفع، وجملة يأتي بعض آيات ربك في محل جر بالإضافة، ولا نافية، وينفع نفسا إيمانها فعل ومفعول به وفاعل، وجملة لم تكن آمنت صفة ل «نفسا» ، وجاز الفصل بين الموصوف وصفته لأن الفاعل ليس بأجنبي، والجملة يجوز أن تكون مستأنفة أو حالية، ومن قبل جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وجملة آمنت خبر تكن، وأو حرف عطف، وكسبت عطف على آمنت، وخيرا مفعول به (قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) الجملة مستأنفة، مسوقة لتهديدهم.
وجملة انتظروا في محل نصب مقول القول، والأمر هنا للوعيد، وحذف المفعول به المنتظر لزيادة التخويف والترويع، كأن أكبر من أن يدخل في حدود الحدس والتخمين، والنفس أرهب من المجهول. وإنا منتظرون إن واسمها وخبرها، والجملة مستأنفة أيضا، مسوقة لمقابلة، انتظارهم بمثله.
البلاغة:
في الآية لفّ، وقد تقدم الحديث عن اللف والنشر. وأصل الكلام: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة من قبل إيمانها بعد ولا نفسا لم تكسب في إيمانها خيرا قبل ما تكسبه من الخير بعد. إلا أنه لف الكلامين فجعلها كلاما واحدا إيثارا للبلاغة والإعجاز، ولم يعقب عليه بالنشر لأن المآل واحد، وهو معروف لكليهما.
стр. 1387
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٥٩ الى ١٦١]
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) كلام مستأنف مسوق للحث على الوحدة التي أمر الله بها، والنهي عن التفرقة.
وإن واسمها، وجملة فرقوا صلة الموصول، ودينهم مفعول به، وجملة وكانوا عطف على جملة الصلة، وشيعا خبر كانوا، وجملة لست خبر إن، وليس واسمها، ومنهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لتمام الفائدة به، وفي شيء جار ومجرور متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به منهم، أي: لست مستقرا منهم في شيء، ويجوز أن يكون في شيء هو الخبر ومنهم حال مقدمة عليه (إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ) كلام مستأنف مسوق للدلالة على أن مردّ الأمور الى الله تعالى. وإنما كافة ومكفوفة، وأمرهم مبتدأ، والى الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، وثم حرف عطف، وينبئهم فعل مضارع، والهاء مفعوله، وبما الجار والمجرور في موضع نصب على أنه المفعول الثاني، وجملة كانوا صلة «ما» ، وجملة يفعلون خبر كانوا (مَنْ جاءَ
стр. 1388
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها)
كلام مستأنف مسوق لبيان أجر العاملين، والتقيد بالعشرة لأنه أقل مراتب التضعيف، وإلا فالجزاء لا يحصى.
ومن اسم شرط جازم مبتدأ، وجاء فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، وبالحسنة جار ومجرور متعلقان بجاء، والفاء رابطة لجواب الشرط، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وعشر مبتدأ مؤخر، وأمثالها مضاف إليه. ويلاحظ أن «عشر» لم تراع فيها القاعدة وهي معاكسة المعدود إذا أفردت، وسنتكلم عن ذلك في باب الفوائد (وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها) عطف على ما تقدم، وإلا أداة حصر، ومثلها مفعول به ثان أو منصوب بنزع الخافض (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) الواو حرف عطف، وهم مبتدأ، ولا نافية، ويظلمون فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، والجملة خبر «هم» (قُلْ: إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) الجملة مستأنفة لتكرير ما يجب فعله وقوله. وإن واسمها، وجملة هداني خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وإلى صراط جار ومجرور متعلقان بهداني على أنه مفعول به ثان (دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) دينا نصب على البدل من محل «إلى صراط» ، لأن معناه: هداني صراطا، وهدى كما قلنا سابقا يتعدى تارة ب «إلى» كما هنا وتارة بنفسه كما في قوله. «ويهديكم صراطا مستقيما» ويجوز أن يكون نصبا على المصدرية، أي: هداني هداية دين قيم. ولا أدري كيف ساغ أبو البقاء أن يعرب «دينا» مفعولا ثانيا، مع أن المفعول الثاني هو «إلى صراط» ، وقيما صفة، أي: مستقيما. وملة إبراهيم بدل من دينا، وحنيفا حال من إبراهيم، وما الواو عاطفة، وما نافية، وكان واسمها المستتر، ومن المشركين
стр. 1389
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، والجملة معطوفة على الحال، فهي حال بعد حال.
الفوائد:
تذكير العدد وتأنيثه:
إنما ذكّر العدد والمعدود مذكّر لأوجه:
١- إن الإضافة لها تأثير كما تقدم، فاكتسب المذكر من المؤنث التأنيث، فأعطي حكم المؤنث في سقوط التاء من عدده، ولذلك يؤنث فعله في حال إضافته، نحو: «يلتقطه بعض السيارة» وقال قيس:
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديار
٢- إن هذا المذكر عبارة عن مؤنث، فروعي المراد منه دون اللفظ، فالمعتبر في التذكير والتأنيث حال الموصوف المنوي لا حالها، والتقدير: فله عشر حسنات أمثالها، ثم حذف الموصوف، وأقيمت صفته مقامه، وترك العدد على حاله.
٣- انه اقترن باللفظ ما يعضد المعنى المراد وهو التأنيث، وعلى هذا يحمل قول عمر بن أبي ربيعة:
فكان مجني دون من كنت أتّقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
وكان القياس فيه: ثلاثة شخوص، ولكنه كنّى بالشخوص عن
стр. 1390
النساء. والذي سهل ذلك قوله: كاعبان ومعصر، أي: هن كاعبان ومعصر.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٦٢ الى ١٦٥]
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)
اللغة:
(النسك) : بتثليث النون وسكون السين، وبضم النون والسين، ومثله النّسوك والنّسكة والمنسكة: التزهّد والتّعبّد والتقشف. والناسك: العابد المتزهّد، ويجمع على نسّاك، قال أبو العلاء:
стр. 1391
صم ثمّ صلّ وطف بمكّة زائرا ... سبعين لا سبعا فلست بناسك
جهل الديانة من إذا عرضت له ... أطماعه لم يلف بالمتماسك
(خَلائِفَ الْأَرْضِ) الإضافة على معنى «في» والخلائف جمع خليفة، كصحيفة وصحائف، فهو من باب قوله:
والمدّ زيد ثالثا في الواحد ... همزا يرى في مثل كالقلائذ
وقد تقدم ذكر الخليفة في البقرة.
الإعراب:
(قُلْ: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) استئناف مسوق لتأكيد القيام بالشرائع الأصولية والفرعية. وجملة إن وما بعدها في محل نصب مقول القول، وان واسمها، ونسكي ومحياي ومماتي معطوفة، وسيأتي حكم المنادى المضاف الى ياء المتكلم في باب الفوائد، ولله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، ورب صفة، والعالمين مضاف إليه لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وقد تقدم في الفاتحة (لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) لا النافية للجنس، وشريك اسمها، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، والجملة حالية من رب العالمين أو صفة له، والواو حرف عطف، وبذلك جار ومجرور متعلقان بأمرت، وأنا الواو عاطفة أيضا، وأنا مبتدأ،
стр. 1392
وأول المسلمين خبره (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) الجملة مستأنفة مسوقة لتكون بدا على دعوة هؤلاء الكفار عند ما قالوا له: ارجع إلى ديننا وعبادة آلهتنا. والهمزة للاستفهام المتضمن معنى النفي، أي: لا أطلب ربا غيره، وغير الله مفعول به مقدم، وربا تمييز، ويجوز إعرابه حالا (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) الواو للحال، وهو مبتدأ، ورب كل شيء خبره، والجملة نصب على الحال (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها) الواو عاطفة، ولا نافية، وتكسب كل نفس فعل وفاعل ومضاف إليه، وإلا أداة حصر، وعليها جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي: إلا حالة كون ذنبها مستعليا عليها بما يضرها ولا ينفعها (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) الواو عاطفة أيضا، ولا نافية أيضا، وتزر وازرة فعل مضارع وفاعل، وزر مفعول به، وأخرى مضاف إليه (ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) ثم حرف عطف، وإلى ربكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومرجعكم مبتدأ مؤخر، والفاء حرف عطف، وينبئكم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والباء حرف جر للسببية، وما اسم موصول في محل جر بالباء، والجار والمجرور في موضع المفعول الثاني، وجملة كنتم صلة الموصول، وكان واسمها، وفيه جار ومجرور متعلقان بتختلفون، وجملة تختلفون خبر كنتم (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ) الواو عاطفة، وهو مبتدأ، والذي خبره، وجملة جعلكم صلة، وخلائف الأرض مفعول به ثان لجعلكم (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ) الواو عاطفة، ورفع فعل ماض، وبعضكم مفعول به، وفوق بعض ظرف مكان متعلق برفع، ودرجات ظرف، وقد تقدم إعرابها والقول فيها (لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) اللام للتعليل، ويبلوكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والجار والمجرور متعلقان برفع،
стр. 1393
وفيما جار ومجرور متعلقان بيبلوكم، وجملة آتاكم لا محل لها لأنها صلة الموصول، وإن واسمها، وسريع العقاب خبرها، والجملة مستأنفة للتعليل، وإنه لغفور رحيم عطف على ما تقدم، وقد تقدم إعراب ذلك كثيرا.
البلاغة:
الكناية في قوله: «ورفع بعضكم فوق بعض درجات» عن الشرف والفضل، وهذا التفاوت ليس ناشئا عن عجز عن المساواة بينهم ولكن للابتلاء والامتحان.
الفوائد:
المضاف إلى ياء المتكلم:
يجب كسر آخر المضاف إلى ياء المتكلم لمناسبة الياء ويجوز فتح الياء وإسكانها، ويستثنى من ذلك المقصور والمنقوص والمثنى وجمع المذكر السالم، فهذه الأربعة آخرها واجب السكون والياء معها واجبة الفتح، قال في الخلاصة:
آخر ما يضاف للياء اكسر إذا ... لم يك معتلا كرام وقذى
أو يك كابنين وزيدين ففي ... جميعها اليا بعد فتحها احتذي
وندر إسكانها بعد الألف.
стр. 1394
حملة على أبي العلاء المعري:
وقد قرأ نافع: محياي ومماتي، في الوصل بسكون ياء «محياي» كما ندر كسرها بعد الألف، وقد قرأ الأعمش والحسن البصري: «هي عصاي» بكسر الياء، على أصل التقاء الساكنين، والكسر مطرد في لغة بني يربوع في الياء المضاف إليها جمع المذكر السالم، وعليه قراءة حمزة والأعمش: «وما أنتم بمصرخيّ» بكسر الياء، وبذلك سقط ما قاله المعري في رسالته: «أجمع أصحاب العربية على كراهة قراءة حمزة» . وقد رد عليه ابن هشام فقال: «والمعري له قصد في الطعن على الإسلام، ولعل الذين كسروا لغتهم على إسكان ياء الإضافة فالتقى معهم ساكنان» . وقال المرادي في شرح التسهيل: «إن المعري لم بنفرد بما قاله في رسالته، فما قاله ابن هشام تحامل عليه وإن كان قد رمي بالإلحاد» .
بين أبي العلاء والنحاة:
ونرى من المفيد أن نعرض لهذه الخصومة التي اشتجرت بين أبي العلاء والنحاة، فأبو العلاء كان نحويا ولكنه لم يرد أن يكون نحويا. وكان إماما من أئمة النحو، ولكن أسلوب النحو لم يرضه، فنقدهم نقدا مرا، وتهكم بإمامهم سيبويه، وتعرّض له بالنقد والتخطئة في مواضع من رسائله، مما لا يتسع له المجال في كتابنا، فاكتفينا بالإشارة. وسيأتي في هذا الكتاب المزيد من هذه الخصومة.
стр. 1395
(٧) سورة الأعراف
مكيّة وآياتها ستّ ومائتان
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣)
اللغة:
(المص) : تقدم القول مفصلا في سورة البقرة عن فواتح السّور، ونضيف إليه الآن ما أورده السيوطي في إحدى رواياته، ومؤدّاه أن هذه الحروف صوت الوحي عند أول نزوله على النبي ﷺ ، وإنما لم يستعمل الكلمات المشهورة في التنبيه كألا وأما،، لأنها من الألفاظ التي يتعارفها الناس في كلامهم، والقرآن كلام لا يشبه الكلام، فناسب أن يؤتى فيه بألفاظ تنبيه لم
стр. 1396
تعهد، لتكون أبلغ في قرع الأسماع. وذكر أيضا أن العرب إذا سمعوا القرآن لغوا فيه، فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا منه، ويكون تعجبهم منه سبيلا لاستمالتهم، وسماعهم له سبيلا لاستماع ما بعده فترقّ القلوب، وتلين الأفئدة. وفي هذا الذي أورده السيوطي الكثير من الحصافة، ودقة النظر، فالنفس إلى المعجب أهشّ، وإلى المفاجئ غير المألوف المعتاد أشوق.
الإعراب:
(المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) : المص:
تقدم إعراب فواتح السور في سورة البقرة، فجدّد به عهدا. وكتاب خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو كتاب، وجملة أنزل إليك صفة لكتاب، وإليك جار ومجرور متعلقان بأنزل، والفاء عاطفة لتأكيد المبالغة في النهي عن الجرح، وهو هنا الشك والامتراء، والنهي عن السبب نهي عن المسبب بالطريق البرهاني، فالمراد نهيه عما يورث الحرج. ولا ناهية، ويكن فعل مضارع مجزوم بلا، وفي صدرك جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكن المقدم، وحرج اسمها المؤخر، ومنه جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لحرج، فمن الجارة سببية (لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) اللام للتعليل، وتنذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بأنزل، وبه جار ومجرور متعلقان بتنذر، وذكرى: يحتمل أن تكون معطوفة على «لتنذر» ، وامتنع نصبه على المفعولية لأجله لاختلاف زمنه مع زمن المعلل، ولاختلاف الفاعل، ففاعل الإنزال هو الله، وفاعل الإنذار هو النبي، ويجوز عطفه على محل «لتنذر» ، على غرار عطف الحال
стр. 1397
الصريحة على الحال المؤوّلة، كقوله تعالى « ... دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما» ، ويجوز رفع «ذكرى» على أنها خبر لمبتدأ محذوف أو العطف على «كتاب» ، وقد سها أبو البقاء فأجاز أن تكون حالا، وهذا لا يجوز لدخول الواو على حال صريحة. ويجوز جره عطفا على المصدر المؤول من أن المقدرة والفعل، والتقدير: للإنزال والتذكير.
وقال الكوفيون: هو مجرور عطفا على الضمير في «به» ، وللمؤمنين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لذكرى (اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) كلام مستأنف مسوق لمخاطبة المكلفين عامة، وخاصة الكافرين، بدليل قوله: ولا تتبعوا من دونه أولياء. واتبعوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة أنزل صلة الموصول، وإليكم جار ومجرور متعلقان بأنزل، ومن ربكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الموصول (وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتتبعوا فعل مضارع مجزوم بلا، ومن دونه جار ومجرور متعلقان بتتبعوا، أو بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لأولياء وتقدمت، وأولياء مفعول به، وقليلا نعت لمصدر محذوف، أي تذكرا قليلا، أو نعت لزمان، أي زمانا قليلا، وما مزيدة للإيغال في التوكيد للقلة، وتذكرون: أصله تتذكرون، فعل مضارع حذفت إحدى تاءيه، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعل.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤ الى ٧]
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧)
стр. 1398
اللغة:
(بَياتاً) أي: ليلا، وهو في الأصل مصدر، يقال: بات يبيت ويبات بيتا وبيتة وبياتا وبيتوتة ومبيتا ومباتا من بابي فتح وجلس في المكان: أقام فيه الليل.
(قائِلُونَ) نائمون وقت الظهيرة، والقيلولة هي نوم نصف النهار أو استراحة نصفه، وإن لم يكن معها نوم. وهذا مقيل طيب، وهو شروب للقيل، وهو شراب القائلة: وهي نصف النهار. وقالت أمّ تأبّط شرّا: «ما سقيته غيلا، ولا حرمته قيلا» ، وهي رضعة نصف النهار. واقتال الرجل كما تقول: اصطبح واغتبق.
الإعراب:
(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة للتحدث عن الأمم الماضية، وماذا كان مصيرها؟ بسبب إعراضها عن الحق وصدوفها عن استماع تعاليمه.
وكم خبرية في موضع رفع على الابتداء، ومن قرية تمييز كم الخبرية، وقد تقدّم حكمه، وجملة أهلكناها خبر «كم» . ويجوز إعراب «كم» على أنها في موضع نصب على الاشتغال بإضمار فعل يفسره
стр. 1399
ما بعده، وجملة أهلكناها لا محل لها لأنها مفسرة، والفاء عاطفة للترتيب والتعقيب، وسيأتي بحث طريف عنها في باب الفوائد، وجاءها بأسنا فعل ومفعول به وفاعل، والجملة معطوفة على أهلكناها، وبياتا يجوز أن يكون ظرفا باعتبار المعنى، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال، بمعنى بائتين، وعليه أكثر المعربين، والأول أمكن في المعنى، والثاني أقيس في الإعراب. وأو حرف عطف، وهم مبتدأ، وقائلون خبر، والجملة معطوفة على «بياتا» ، فهي حالية. وهنا يرد اعتراض وهو: كيف أتت الجملة حالية من دون واو؟ إذ لا يقال: جاءني زيد هو فارس، بغير واو؟ والجواب سيأتي في باب الفوائد (فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا) الفاء استئنافية، وما نافية، وكان واسمها، وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بدعواهم، وجملة جاءهم بأسنا في محل جر بالإضافة (إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) إلا أداة حصر، وأن وما بعدها في تأويل مصدر كان، وإن واسمها، وجملة كنا ظالمين خبر إن، وجملة إنا وما في حيزها في محل نصب مقول القول (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) الفاء عاطفة، والمقصود منها ترتيب الأحوال الأخروية على الأحوال الدنيوية في الذكر حسب ترتيبها عليها في الوجود. واللام موطّئة للقسم، ونسألن فعل مضارع مبني على الفتح لاقترانه بنون التوكيد الثقيلة وجوبا، كما ستعلم في باب الفوائد، والفاعل مستتر تقديره نحن وجملة لنسألنّ معطوفة والذين اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة أرسل صلة الموصول، وهو بالبناء للمجهول، ونائب الفاعل الجار والمجرور وهو إليهم، ولنسألن المرسلين عطف على ما تقدم. ومعنى سؤل المرسل إليهم التسجيل على الكفار إحجامهم عن الاستماع لما قالوه لهم وأبلغوهم إياه (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ) عطف على ما تقدم، وعليهم جار ومجرور
стр. 1400
متعلقان بنقصنّ، أي: على كل من الرسل والمرسل إليهم ما كان من أمرهم، وبعلم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل نقصنّ، أي: عالمين بمكنونات أحوالهم، ومنطويات سرائرهم، وما ندّت عنه شفاههم. والواو للحال، وما نافية، وكان واسمها، وغائبين خبرها، والجملة في محل نصب على الحال. وجميع هذه الأسئلة والقصص للتوبيخ والتقريع كما يفعل المحقق مع المجرم لإدانته بما فعلته يداه أمامه.
البلاغة:
المجاز المرسل بقوله وكم من قرية أهلكناها فقد ذكر القرية وأراد أهلها، وهو مجاز علاقته المحلية. وقد تقدمت له نظائر.
الفوائد:
واو الحال:
هي واو يصحّ وقوع الظرف موقعها، ولها ثلاث أحوال: وجوب الذكر وامتناعه وجوازه. وفيما يلي مواقع تلك الأحوال:
١- وجوب الذّكر:
آ- أن تكون جملة الحال اسمية مجردة من ضمير يربطها بصاحبها، نحو قوله تعالى: «لئن أكله الذئب ونحن عصبة» .
ب- أن تكون جملة الحال مصدرة بضمير صاحبها، نحو:
«لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى» .
стр. 1401
٢- امتناع الذكر في سبع صور:
آ- أن تقع بعد عاطف نحو: «وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون» .
ب- أن تكون مؤكدة لمضمون الجملة قبلها نحو: «ذلك الكتاب لا ريب فيه» إذا أعربنا جملة «لا ريب» حالية.
ج- أن تكون ماضية بعد إلا نحو: «وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون» .
د- أن تكون ماضية قبل «أو» نحو:
كن للخليل نصيرا جاد أو عدلا ... ولا تشحّ عليه جار أم بخلا
هـ- أن تكون مضارعة مثبتة غير مقترنة ب «قد» ، وحينئذ تربط بالضمير وحده، نحو: «ولا تمنن تستكثر» . وأما قول عنترة:
علقتها عرضا وأقتل قومها ... قسما لعمر أبيك ليس بمزعم
فجملة: «وأقتل قومها» حال من التاء في «علقتها» ، وهي مقترنة بالواو مع المضارع المثبت، واختلف في تخريجها، فقيل:
ضرورة، وقيل: الواو عاطفة، والمضارع مؤوّل بالماضي، والتقدير:
وقتلت قومها، فعدل عن لفظ الماضي إلى لفظ المضارع لحكاية الحال الماضية، ومعناها أن يفرض ما كان في الزمن الماضي واقعا في هذا الزمان، فيعبر عنه بلفظ المضارع. وقيل: هي واو الحال، والمضارع خبر مبتدأ محذوف، أي: وأنا أقتل قومها.
стр. 1402
وأن تكون مضارعة منفية ب «ما» ، نحو قوله:
عهدتك ما تصبو وفيك شبيبة ... فما لك بعد الشّيب صبّا متيّما
ز- أن تكون مضارعة منفية ب «لا» نحو: «وما لنا لا نؤمن بالله» ، فإن كانت الجملة المضارعة منفية ب «لم» جاز ارتباطها بالواو كقول النابغة:
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد
وجاز عدم ارتباطها بها، ولكن بالضمير وحده، نحو: «فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء» ، وقول زهير:
كأنّ فتات العهن في كلّ موطن ... نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم
وإن كانت منفية ب «لما» فالمختار ربطها بالواو نحو: «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين» ، وقول الشاعر:
أشوقا ولما يمض لي غير ليلة ... فكيف إذا جدّ المطيّ بنا عشرا
٣- جواز الذكر وعدمه:
وذلك في غير ما تقدم من صور وجوبها وامتناعها. وهناك تفاصيل أعرضنا عنها، يرجع إليها من شاء في كتب النحو المفصلة.
إذا عرفت هذا أدركت أن اعتراض الزمخشري غير وارد، وإليك التفصيل.
стр. 1403
مناقشة ممتعة:
ما يقوله الزمخشري:
ويقول الزمخشري: «فإن قلت: يقال: «جاء زيد هو فارس» بغير واو فما بال قوله تعالى: «أو هم قائلون» ؟ قلت: قدّر بعض النحويين الواو المحذوفة، ورده الزّجّاج وقال: لو قلت: جاءني زيد راجلا أو هو فارس، أو جاءني زيد هو فارس، لم يحتج فيه إلى واو، لأن الذكر قد عاد إلى الأول. والصحيح أنها إذا عطفت على حال قبلها حذفت الواو استثقالا لاجتماع حرفي عطف، لأن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل، فقولك: جاز زيد راجلا، أو هو فارس، كلام فصيح وارد على حدّه. وأما: جاءني زيد هو فارس، فخبيث» .
ردّ أبي حيّان على الزمخشري والزجاج:
وقد رد أبو حيان يقول: «فأما بعض النحويين الذي اتهمه الزمخشري فهو الفراء، وأما قول الزمخشري في التمثيلين: لم يحتج فيه إلى الواو لأن الذكر قد عاد إلى الأول، ففيه إبهام، وتعيينه لم يجز دخولها في المثال الثاني، فانتفاء الاحتياج ليس على حدّ سواء، لأنه في الأول لامتناع الدخول، وفي الثاني لكثرة الدخول، ولا لامتناعه.
وأما قول الزمخشري: والصحيح إلى آخره، فتعليله ليس بصحيح، لأن واو الحال ليست حرف عطف فيلزم من ذكرها اجتماع حرفي عطف، لأنها لو كانت للعطف للزم أن يكون ما قبل الواو حالا حتى يعطف حال على حال، فمجيئها فيما لا يمكن أن يكون حالا دليل على أنها ليست واو عطف ولا لحظ فيها معنى العطف. تقول: جاءني زيد
стр. 1404
والشمس طالعة، فجاء زيد ليس بحال، فتعطف عليه جملة حال، وإنما هذه الواو مغايرة لواو العطف بكل حال، وهي قسم من أقسام الواو، كما تأتي للقسم، وليست فيه للعطف إذا قلت: والله لتخرجنّ. أما قوله: «فخبيث» فليس بخبيث، وذلك أنه بناه على أن الجملة الاسمية إذا كان فيها ضمير ذي الحال فإن حذف الواو منها شاذ، وتبع في ذلك الفراء، وليس بشاذّ، بل هو كثير وقوعه في القرآن وفي كلام العرب، نثرها ونظمها، وهو أكثر من رمل يبرين وفلسطين.
وقد ذكرنا كثرة مجيء ذلك في شرح التسهيل. وقد رجع الزمخشري عن هذا المذهب إلى مذهب الجماعة» .
تعقيب على كلام أبي حيان:
أقول: لا يخلو ردّ أبي حيان من تهافت، فقد تعقب عليه بأن أصل الواو العطف، ثم استعيرت لربط الحال بعاملها، كما أن الفاء أصلها العطف، ثم استعيرت لربط الجزاء بالشرط.
الفاء العاطفة:
الفاء للترتيب. وهو إما معنوي كما في: «قام زيد فعمرو» وهو أن يكون ما بعدها حاصلا بعد ما قبلها في الواقع. أو ذكريّ وهو عطف مفصّل على مجمل، نحو: «فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه» . وهو أن يكون ما بعدها حاصلا بعد ما قبلها في اللفظ فقط، وأما في الواقع فتارة يكون حاصلا معه في آن واحد أو قبل ما قبلها. وقال الفراء: إنها لا تفيد الترتيب مطلقا.
стр. 1405
واحتج بقوله تعالى: «أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون» .
وأجيب بأن المعنى: أردنا إهلاكها. ولا شك أن إرادة الإهلاك قبل مجيء البأس، فيكون ترتيبا ذكريا إذ هو بيان لقوله: «أهلكناها» إذ هو مجمل. والحاصل أن الجمهور يقولون بإفادتها الترتيب مطلقا، والفراء يمنع ذلك مطلقا. وقال الجرمي: لا تفيد الترتيب في البقاع ولا في الأمصار، بدليل: «بين الدخول فحومل» ، وقولهم: «مطرنا بنوء بمكان كذا» فمكان كذا إذا كان وقوع الأمطار فيهما واحدا.
عودة الضمير:
قد أعربوا المضاف إليه بإعراب المضاف، ولذلك عاد الضمير مؤنثا ومذكرا، والمراد: وكم من أهل قرية، ثم حذف المضاف الذي هو الأهل، وعاد الضمير على الأمرين، فأنّث في قوله: «فجاءها بأسنا» نظرا إلى التأنيث في اللفظ، وهو القرية. وذكّر في قوله: «أو هم قائلون» ملاحظة للمحذوف، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه فباشره العامل فانتصب انتصاب المفعول به، وإن لم يكن إياه في الحقيقة كذلك أعطوه حكمه في غير الإعراب من التأنيث والتذكير، فمن ذلك قول حسان بن ثابت:
يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفّق بالرحيق السلسل
والشاهد فيه تذكير الضمير الراجع إلى بردى، وهو مؤنث.
والبريض موضع بأرض دمشق.
следующие страницы →