Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
الفوائد:
التنوين: هو نون ساكنة تلحق الآخر لفظا لا خطّا لغير توكيد، وأنواعه المشهورة أربعة وهي:
١- تنوين التمكين:
وهو اللاحق للأسماء المعربة، وفائدته الدلالة على تمكن الاسم في الاسمية، نحو: جاء زيد، ورأيت زيدا، ومررت بزيد.
٢- تنوين التنكير:
وهو اللاحق لبعض الأسماء المبنية للفرق بين ما هو معرفة منها وما هو نكرة، وذلك قياسي في باب العلم المختوم بويه، نحو: مررت بسيبويه وسيبويه آخر، وسماعي في باب أسماء الأفعال إذا نكرت، نحو إيه بكسر الهمزة وكسر الهاء بلا تنوين، وكقول حافظ ابراهيم في رثاء سعد زغلول:
إيه يا ليل هل شهدت المصابا ... كيف ينصبّ في النفوس انصبابا
فإذا أردت الاستزادة من حديث ما نوّنته فقلت: إيه.
٣- تنوين المقابلة:
وهو اللاحق لجمع المؤنث السالم، نحو: رأيت مؤمنات. وسمّي كذلك لأنه في مقابلة النون من جمع المذكر السالم.
стр. 1332
٤- تنوين العوض:
وهو ما يأتي به إما عوضا عن كلمة هي مضاف إليه في كل وبعض، نحو الآية المتقدمة «ولكلّ» أي: لكل فريق، وإما عوضا عن حرف يقضي القياس بحذفه، وهو اللاحق للاسم المنقوص غير المنصرف، نحو: جوار وغواش. وإما عوضا عن جملة، وهو اللاحق لفظة «إذ» عند وقوعها مضافا إليه، نحو: وأنتم حينئذ تنظرون، فالتنوين عوض عن جملة، أي حين إذ بلغت الروح الحلقوم.
وهذه الأقسام الأربعة هي الأصل في التنوين، وزاد جماعة- منهم ابن هشام في مغني اللبيب، وابن الخباز في شرح الجزولية- على هذه الأنواع الأربعة:
١- تنوين التّرنّم:
وهو اللاحق للقوافي المطلقة، أي: التي آخرها حرف مد، وهي الألف والواو والياء المولّدات من إشباع الحركة، وتسمى أحرف الإطلاق، كقول جرير:
أقلّى اللوم عاذل والعتابن ... وقولي إن أصبت لقد أصابن
فلحق التنوين العروض والقافية، وهما: العتابن وأصابن، والأصل العتابا وأصابا، فجيء بالتنوين بدلا من الألف، والأول اسم، والثاني فعل. وقد يدخل الحرف أيضا كقول النّابغة الذّبيانيّ:
أزف التّرحّل غير أنّ ركابنا ... لمّا تزل برحالنا وكأن قد
والأصل: قدي، فجيء بالتنوين بدلا من الياء.
стр. 1333
٢- التنوين الغالي:
وهو الّلاحق للقوافي المقيّدة، أي: التي يكون حرف رويّها ساكنا ليس حرف مدّ، زيادة على الوزن، ومن أجل هذا سمّي غاليا، اي: لتجاوزه حدّ الوزن، كقول رؤبة الرّجّاز:
وقاتم الأعماق خاوي المخترقن ... مشتبه الأعلام لمّاع الخفقن
٣- تنوين الضرورة:
وهو اللاحق لما لا ينصرف كقول امرئ القيس:
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت: لك الويلات إنّك مرجلي
وللمنادى المضموم كقول الأحوص:
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام
٤- التنوين الشاذّ:
كقول بعضهم حكاه أبو زيد: هؤلاء قومك.
٥- تنوين الحكاية:
مثل أن تسمي رجلا بعاقلة، فإنك تحكي اللفظ المسموع، فقد نحصّل تسعة أنواع. وجعل ابن الخباز كلا من تنوين المنادى المضموم
стр. 1334
وتنوين الممنوع من الصرف قسما برأسه، فتحصّل لديه عشرة أنواع أوردناها لمجرد الاطلاع والطرافة، وإلا فبعضها غير سائغ، ولا يقبله الذوق، وذلك مدرك بالبداهة.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٣٥ الى ١٣٦]
قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥) وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦)
اللغة:
(مَكانَتِكُمْ) : اختلف في ميم «مكان» و «مكانة» ، فقيل:
هي أصلية، وهما من مكن يمكن. وقيل: هي زائدة، وهما من الكون، فالمعنى على القول الأول: على ممكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، فالمكانة مصدر. وعلى الثاني: اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها.
(ذَرَأَ) : خلق، وذرأ الله الخلق وذرأنا الأرض وذروناها، أي:
بذرناها. وقد علته ذرأة، وهي: بياض الشيب أول ما يبدو في الفودين منه، ورجل أذرأ، وامرأة ذرآء، قال:
فمرّ ولمّا تسخن الشمس غدوة ... بذرآء تدري كيف تمشي المنائح
стр. 1335
أي: منحت كثيرا فاعتادت ذلك، فهي تسامح بالمشي لا تأبى.
(الزعم) بفتح الزاي وضمها، وفي المصباح: زعم زعما من باب قتل، وفي الزعم ثلاث لغات: فتح الزاي لأهل الحجاز، وضمها لبني أسد، وكسرها لبعض قيس. ويطلق الزعم بمعنى القول، ومنه:
زعمت الحنفية، وزعم سيبويه، أي: قال، وعليه قوله تعالى: «أو تسقط السماء كما زعمت» أي: قلت. ويطلق على الظنّ، يقال: في زعمي كذا. وعلى الاعتقاد، ومنه قوله تعالى: «زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا» . قال الأزهري: وأكثر ما يكون الزعم فيما يشكّ فيه، ولا يتحقق. وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب، وقال في أساس البلاغة: «وزعموا مطيّة الكذب، وفي قوله مزاعم: إذا لم يوثق به، وأفعل ذلك ولا زعماتك» وهذا القول: ولا زعماتك، أي: ولا أتوهم زعماتك. قال ذو الرمة:
لقد خطّ رومي ولا زعماته ... لعتبة خطّا لم تطبّق مفاصله
روميّ: عريف كان بالبادية، قضى عليه لعتبة بن طرثوث، رجل كان يخاصمه في بئر، وكتب له سجلا.
الإعراب:
(قُلْ: يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) كلام مستأنف مسوق للوعيد والتهديد والمبالغة في الزجر عما هم عليه. ويا حرف نداء، وقوم منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة، وقد تقدّم بحثه.
стр. 1336
واعملوا فعل أمر، والمقصود منه التهديد والزجر، وعلى مكانتكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وإن واسمها، وعامل خبرها، والجملة بمثابة التعليل للأمر (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) الفاء للتعليل، والجملة تعليلية لا محل لها، وإنما أتت لتأكيد مضمون الجملة وفحواها، ومن اسم موصول في محل نصب مفعول به لتعلمون التي هي بمعنى العرفان، فهي تتعدى لواحد، وجملة تكون لا محل لها لأنها صلة الموصول، ويجوز أن تكون «من» استفهامية في محل رفع مبتدأ، وخبرها جملة تكون، والجملة في محل نصب مفعول تعلمون، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر تكون المقدم، وعاقبة الدار اسمها المؤخر، وإن واسمها، وجملة لا يفلح الظالمون خبرها، والجملة تعليلية أيضا، وكأنها في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: وما عاقبتهم؟ (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً) كلام مستأنف مسوق لبيان نوع أو نمط من أحكامهم الفاسدة، وجعل هنا بمعنى: صير، فهي تنصب مفعولين، ولله جار ومجرور متعلقان بمحذوف هو المفعول به الثاني، والمفعول الأول نصيبا، ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه كان صفة ل «نصيبا» ، وتقدمت عليه، وجملة ذرأ لا محل لها لأنها صلة الموصول، ومن الحرث جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أيضا من «نصيبا» ، والأنعام عطف على الحرث (فَقالُوا: هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا) الفاء حرف عطف، وقالوا عطف على جعلوا، واسم الإشارة مبتدأ، والله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وبزعمهم جار ومجرور متعلقان بما تعلق به الاستقرار من قوله «لله» ، وهذا لشركائنا مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على: هذا لله (فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ) الفاء
стр. 1337
تفريعية، والجملة لا محل لها لأنها بمثابة الاستئنافية، وما اسم موصول في محل رفع مبتدأ، وجملة كان صلة لا محل لها، وكان فعل ماض ناقص، واسمها مستتر، ولشركائهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، والفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط، ولا نافية، وجملة لا يصل إلى الله في محل رفع خبر «ما» (وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ) الواو عاطفة، وما كان لله تقدم إعرابها، والفاء رابطة، وهو مبتدأ، وجملة يصل إلى شركائهم خبره (ساءَ ما يَحْكُمُونَ) الجملة مستأنفة، وساء فعل ماض جامد من أفعال الذم، وما اسم موصول فاعل، وقيل: ما نكرة تامة بمعنى شيء منصوبة على التمييز، والتقدير: ساء حكما حكمهم، وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد .
الفوائد:
اختلف النحاة في كلمة «ما» بعد أفعال المدح والذم: نعم وبئس وساء، فقال ابن مالك في الخلاصة:
و «ما» مميّز، وقيل: فاعل ... في نحو: نعم ما يقول الفاضل
وتفصيل ذلك أن يقال: إنّ «ما» هذه على ثلاثة أقسام:
١- مفردة: أي غير متلوّة بشيء.
٢- متلوّة بمفرد.
٣- متلوّة بجملة فعلية.
فالأولى: نحو: دققته دقّا نعمّا، وفيها قولان:
стр. 1338
آ- معرفة: فهي اسم موصول فاعل.
ب- نكرة تامة: وعليها فالمخصوص محذوف أي: نعم الدقّ.
والثانية نحو: فنعمّا هي وبئسما تزويج بلا مهر، وفيها ثلاثة أقوال:
معرفة تامة فاعل، ونكرة تامة، ومركبة مع الفعل قبلها تركيب «ذا» مع «حبّ» ، فلا موضع لها، وما بعدها فاعل.
والثالثة المتلوّة بجملة فعلية، نحو: «نعمّا يعظكم به» ، و «بئسما اشتروا به أنفسهم» ، وفيها أقوال، أهمها أربعة:
آ- أنها نكرة في موضع نصب على التمييز.
ب- أنها في موضع رفع على الفاعلية.
ج- أنها هي المخصوص.
د- أنها كافّة.
فأما القائلون بأنها في موضع نصب على التمييز فاختلفوا فيها على ثلاثة أقوال:
آ- أنها نكرة موصوفة بالفعل بعدها، والمخصوص محذوف.
ب- أنها نكرة موصوفة والفعل بعدها صفة لمخصوص محذوف.
ج- أنها تمييز، والمخصوص «ما» أخرى موصولة محذوفة، والفعل صلة ل «ما» الموصولة المحذوفة، وهذا ما نختاره للسهولة في الإعراب.
стр. 1339
وأما القائلون بأنها في موضع رفع على الفاعلية فاختلفوا فيها على خمسة أقوال:
آ- أنها اسم معرفة تام، أي: غير مفتقر إلى صلة، والفعل بعدها صفة لمحذوف.
ب- أنها موصولة، والفعل صلتها، والمخصوص محذوف.
ج- أنها موصولة، والفعل صلتها، مكتف بها وبصلتها عن المحذوف.
د- أنها مصدرية سادة بصلتها- لاشتمالها على المسند والمسند إليه- مسد الفاعل والاسم المخصوص جميعا.
هـ- أنها نكرة موصوفة، والمخصوص محذوف.
وأما القائلون بأنها هي المخصوص فقالوا: إنها موصولة، والفاعل مستتر، و «ما» أخرى محذوفة هي التمييز وأما القائلون بأنها كافّة كفّت «نعم» عن العمل كما كفت: قلّ وطال وكثر وشدّ عنه، فصارت تدخل على الجملة الفعلية.
تطبيق الخلاف على الآية:
فإذا أردنا تطبيق ما أجملناه على «ساء ما يحكمون» فإن جعلنا «ما» تمييزا فهي نكرة موصوفة، أي: ساء شيئا يحكمونه، وإن جعلناها فاعلا فهي معرفة ناقصة، أي ساء الذي يحكمونه، وعليهما فالمخصوص بالذم محذوف دائما. أطلنا في هذا النقل لأن النحاة اضطرب كلامهم فيه اضطرابا شديدا.
стр. 1340
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٣٧]
وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧)
الإعراب:
(وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان التأثر بأقوال دعاة السوء المرجفين بالأكاذيب. وكذلك جار ومجرور في محل نصب نعت لمصدر محذوف كنظائره، ولكثير جار ومجرور متعلقان ب «زيّن» ، ومن المشركين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لكثير، وقتل مفعول به مقدم، وأولادهم مضاف إليه، وشركاؤهم فاعل زين المؤخر (لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) اللام للتعليل، ويردوهم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والجار والمجرور متعلقان بزيّن، وليلبسوا عطف على ليردوهم، وعليهم جار ومجرور متعلقان بيلبسوا، ودينهم مفعول به، فعلل التزيين بشيئين: بالإرداء، أي: بالإهلاك، وبإدخال الشبهة عليهم في دينهم. والجملة مستأنفة على الأصح، أي: وهكذا زين.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ) الواو استئنافية، ولو شرطية، وشاء الله فعل وفاعل والمفعول به محذوف، أي: عدم فعلهم، وما نافية، وفعلوه فعل وفاعل ومفعول به، والضمير المرفوع يعود على «كثير» ، والضمير المنصوب يعود على القتل، لأنه هو المسوق للحديث عنه، فذرهم الفاء الفصيحة، وذرهم فعل أمر وفاعل مستتر
стр. 1341
ومفعول به، والواو حرف عطف أو للمعية، وما اسم موصول أو مصدرية، أي: ذرهم والذي يفترونه من الكذب، أو ذرهم وافتراءهم.
الفوائد:
في هذه الآية قراءات كثيرة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب، وقد درجنا على عدم الإشارة الى قراءة ما إلا إذا كانت تنطوي على بحث هام، فاكتفينا في باب الإعراب بقراءة العامة وقرأ ابن عامر وهو من السبعة:
«وكذلك زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم» برفع «قتل» على النيابة عن الفاعل بزين المبني للمجهول، ونصب «أولادهم» وجر «شركائهم» . ف «قتل» على قراءة ابن عامر مصدر مضاف وشركائهم مضافة الى «قتل» من إضافة المصدر الى فاعله، وأولادهم مفعوله، وفصل به بين المضاف والمضاف إليه، وحسن ذلك ثلاثة أمور:
١- كون الفاصل فضلة، فإن ذلك مسوغ لعدم الاعتداد به.
٢- كونه غير أجنبي لتعلّقه بالمضاف.
٣- كونه مقدر التأخير من أجل أن المضاف إليه مقدر التقديم بمقتضى الفاعلية المعنوية.
وبذلك يتبين مدى تهافت الزمخشري في قوله:
ما قاله الزمخشري:
«وأما قراءة ابن عامر «قتل أولادهم شركائهم» برفع القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء، على إضافة القتل الى الشركاء والفصل
стр. 1342
بينهما بغير الظرف، فشيء لو كان في مكان الضرورات- وهو الشعر- لكان سمجا مردودا، فكيف به في الكلام المنثور؟ فكيف به في القرآن المعجز بحسب لفظه وجزالته» ؟.
الفصل بين المتضايفين:
هذا وقد زعم كثير من النحويين أنه لا يفصل بين المتضايفين إلا في الشعر خاصة، لأن المضاف منزل من المضاف إليه منزلة جزئه، لأنه واقع موقع تنوينه، فكما لا يفصل بين أجزاء الاسم لا يفصل بينه وبين ما نزّل منزلة الجزء منه، وهذا قول البصريين. وعند الكوفيين أن مسائل الفصل سبع، منها ثلاث جائزة في السعة، أي: النثر، وهي:
١- أن يكون المضاف مصدرا والمضاف إليه فاعله، والفاصل إما مفعوله كقراءة ابن عامر الآنفة الذكر، وقول الشاعر:
عتوا إذ أجبناهم الى السلم رأفة ... فسقناهم سوق البغاث الأجادل
فسوق مصدر مضاف، والأجادل مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله، والبغاث مفعوله، وفصل به بين المضاف والمضاف إليه، والأصل: سوق الأجادل البغاث. وإما ظرفه كقول بعضهم:
«ترك يوما نفسك وهواها موبق لها» ، فترك مصدر مضاف، ونفسك مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله، ومفعوله محذوف، ويوما ظرف للمصدر، بمعنى أنه متعلق به، وفصل به بين المضاف والمضاف إليه.
стр. 1343
٢- أن يكون المضاف وصفا والمضاف إليه مفعوله الأول، والفاصل مفعوله الثاني، كقراءة بعضهم: «فلا تحسبنّ الله مخلف وعده رسله» بنصب وعده وجر رسله، فمخلف اسم فاعل وهو متعد لاثنين، وهو مضاف، ورسله مضاف إليه، من إضافة الوصف إلى مفعوله الأول، ووعده مفعوله الثاني، وفصل به بين المضاف والمضاف إليه.
٣- أن يكون الفاصل قسما كقولهم: «هذا غلام والله زيد» ، يجر زيد بإضافة الغلام إليه وفصل بينهما بالقسم.
والمسائل الأربع الباقية من السبع تختص بالشعر وهي:
١- الفصل بالأجنبي كقول جرير:
تسقي امتياحا ندى المسواك ريقتها ... كما تضمّن ماء المزنة الرّصف
فتسقي مضارع سقى متعد لاثنين، وفاعله ضمير يرجع الى المحبوبة في البيت قبله، وندى مفعوله الأول وهو مضاف، وريقتها مضاف إليه والمسواك مفعوله الثاني، فصل به بين المضاف والمضاف إليه، أي: تسقي ندى ريقتها المسواك، والمسواك أجنبي من «ندى» لأنه ليس معمولا له وإن كان عاملهما واحدا.
٢- الفصل بفاعل المضاف كقوله:
ما إن وجدنا للهوى من طبّ ... ولا عدمنا قهر وجد صبّ
فأضاف «قهر» الى مفعوله وهو «صب» ، وفصل بينهما بفاعل المصدر وهو «وجد» .
стр. 1344
٣- الفصل بنعت المضاف، بنعت المضاف، كقول معاوية بن أبي سفيان، لما اتفق ثلاثة من الخوارج على أن يقتل كل واحد منهم واحدا من علي بن أبي طالب وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان، فقتل علي، وسلم عمرو ومعاوية:
نجوت وقد بل المرادي سيفه ... من ابن أبي شيخ الأباطح طالب
ففصل بين المتضايفين، وهما: أبي وطالب، بنعت المضاف وهو:
شيخ الأباطح، أي: من ابن أبي طالب شيخ الأباطح. والمرادي بفتح الميم نسبة الى مراد، بطن من مذحج، وهو عبد الرحمن بن ملجم، بضم الميم وفتح الجيم، على صيغة اسم المفعول.
٤- الفصل بالنداء كقوله:
كأن برذون أبا عصام ... زيد حمار دقّ باللجام
فأضاف برذون الى زيد، وفصل بينهما بالمنادى الساقط حرفه، وحمار خبر كأن، والأصل كأن برذون زيد حمار يا أبا عصام. والى هذا كله أشار ابن مالك في الخلاصة بقوله:
فصل مضاف شبه فعل ما نصب ... مفعولا أو ظرفا أجز ولم يعب
فصل يمين واضطرارا وجدا ... بأجنبي أو بنعت أو ندا
بين أبي حيّان والزمخشري:
هذا وقد رد أبو حيان على الزمخشري، وأغلظ في الردّ، قال
стр. 1345
بعد أن أورد كلام الزمخشري الذي أوردناه في مستهل هذا البحث:
«وأعجب لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح محض قراءة متواترة، وأعجب لسوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيّرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقا وغربا» .
بين أبي حيان والفارسي:
ومضى أبو حيان يرد على أبي علي الفارسي قال: «ولا التفات أيضا لقول أبي علي الفارسي: هذا قبيح قليل في الاستعمال، ولو عدل عنها- يعني ابن عامر- كان أولى، لأنهم لم يجيزوا الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الكلام مع اتساعهم في الظرف، وإنما أجازوه في الشعر» .
لمحة عن عقبة بن عامر:
أما عقبة فهو الصحابي الجليل والقائد الأمير الذي اشترك في فتح مصر، ثم حكمها نيابة وأصالة. وهو رجل مستنير ذكي يتمتع بمزايا فكرية واضحة، وقد كلفه النبي ﷺ أن يقضي بين خصمين اختصما إليه، وكان شاعرا قارئا كاتبا.
أبو الطيّب المتنبي فصل بين المتضايفين:
هذا وقد استعمل أبو الطيب المتنبي الفصل بين المتضايفين، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، فقال من قصيدة يمدح بها أبا القاسم طاهر بن الحسين:
стр. 1346
حملت إليه من لساني حديقة ... سقاها الحجا سقي الرياض السحائب
فقد فصل بالمفعول. ومعنى البيت أنه جعل القصيدة حديقة لما فيها من المعاني كما يكون في الروضة من الزهر والنبات، وجعل العقل ساقيا لها، لأن المعاني التي فيها إنما تحسّن بالعقل، فجعل العقل ساقيها كما تسقي الرياض السحاب، وهو جمع سحابة.
كلمة ابن جنّي:
وقال أبو الفتح ابن جني: «إذا اتفق شيء من ذلك نظر في حال العربي وما جاء به، فإن كان فصيحا وكان ما أورده يقبله القياس، فالأولى أن يحسن به الظنّ، لأنه يمكن أن يكون ذلك وقع إليه من لغة قديمة قد طال عهدها وعفا رسمها» .
كلمة أبي عمرو بن العلاء:
وقال أبو عمرو بن العلاء: «ما انتهي إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير» .
رواية عن عمر بن الخطاب:
وروى ابن سيرين عن عمر بن الخطاب أنه حفظ أقل ذلك، وذهب عنهم كثيره. يعني الشعر، في حكاية فيها طول.
стр. 1347
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٣٨ الى ١٣٩]
وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)
اللغة:
(حِجْرٌ) : فعل بكسر الفاء، بمعنى مفعول، كالذبح والطحن، ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث، والواحد، والجمع، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، ولذلك وقع صفة لأنعام وحرث، ومعناه الحجر، أي: المنع. كانوا إذا عينوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلتهم قالوا: لا يطعمها إلا من نشاء، فجعلوا نصيب الآلهة أقساما ثلاثة: الأول ما ذكره بقوله: حجر، أي: ممنوعة محرّمة. والثاني ما ذكره بقوله: «وأنعام حرمت ظهورها» . والثالث قوله: «لا يذكرون اسم الله عليها» فجعلوها أجناسا بهواهم، ونسبوا ذلك التجنيس الى الله.
(خالِصَةٌ) التاء في خالصة للمبالغة، مثلها في راوية وعلامة ونسّابة والخاصة والعامة، أو تكون مصدر على وزن فاعلة، كالعافية والعاقبة.
стр. 1348
الإعراب:
(وَقالُوا: هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة لحكاية نوع آخر من أنواع كفرهم. وهذه اسم اشارة في محل رفع مبتدأ، وأنعام خبر، والجملة الاسمية مقول القول، وحرث عطف على أنعام، وحجر وصف لهما، أي: محجورة ممنوعة محرّمة، وجملة لا يطعمها صفة ثانية لأنعام، ويطعمها فعل مضارع ومفعول به، وإلا أداة حصر، ومن اسم موصول في محل رفع فاعل يطعمها، وجملة نشاء لا محل لها لأنها صلة الموصول، وبزعمهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل قالوا، أي:
قالوا ذلك ملتبسين بزعمهم الباطل (وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها) الواو عاطفة، وأنعام خبر لمبتدأ محذوف، أي: هذه والجملة معطوفة على قوله: «هذه أنعام» ، أي قالوا مشيرين الى طائفة أخرى من أنعامهم، ويريدون بها البحائر والسوائب والحوامي. وقد تقدمت في المائدة.
وجملة حرمت ظهورها صفة، أي: لا تركب، وظهورها نائب فاعل حرمت (وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ) الواو حرف عطف، وأنعام خبر لمبتدأ محذوف أيضا، والجملة عطف على ما تقدم، فالمقولات ثلاث، وجملة لا يذكرون صفة لأنعام، واسم الله مفعول به، وعليها جار ومجرور متعلقان بيذكرون، وافتراء يجوز فيه أن يكون مفعولا لأجله، أي: فعلوا ذلك كله لأجل الافتراء، ويجوز أن يكون حالا، أي: مفترين، ويجوز أن يكون مصدرا مؤكدا، لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء، فهو نظير قولك: رجع القهقرى، وقعد القرفصاء. وعليه جار ومجرور متعلقان بافتراء، أو بمحذوف صفة له (سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير جزائهم،
стр. 1349
وبما جار ومجرور متعلقان بيجزيهم، ويجوز في «ما» أن تكون مصدرية أو موصولة، والباء للسببية، أي: بسبب افترائهم أو بسبب الذي كانوا يفترونه على الله (وَقالُوا: ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا) كلام مستأنف مسوق للشروع في قول آخر من مفترياتهم وأباطيلهم، فقد كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب: ما ولد منها حيا فهو خالص للذكور، ولا تأكل منه الإناث، وما ولد منها ميتا اشترك فيه الذكور والإناث. وما اسم موصول في محل رفع مبتدأ، وفي بطون جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وهذه اسم إشارة في محل جر بالإضافة، والأنعام بدل من اسم الإشارة، وخالصة خبر عن «ما» ولذكورنا جار ومجرور متعلقان بخالصة، ومحرم عطف على خالصة، وعلى أزواجنا جار ومجرور متعلقان بمحرّم (وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ) الواو حرف عطف، وإن شرطية، ويكن فعل الشرط، واسم يكن مستتر تقديره: وإن يكن ما في بطونها، وميتة خبر، والفاء رابطة لجواب الشرط، وهم ضمير منفصل في محلّ رفع مبتدأ، وشركاء خبر، وفيه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة لشركاء، ولك أن تعلقه بشركاء (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) كلام مستأنف بمثابة التعليل، مسوق لبيان تلاعبهم بأحكام التحريم والتحليل بما تقتضيه حكمته، ويتطلبه علمه. والسين حرف استقبال، ويجزيهم فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر يعود على الله تعالى، والهاء مفعول به أول، ووصفهم مفعول به ثان ليجزيهم، وجملة إنه حكيم عليم تعليلية لا محل لها، ولا بد من تقدير مضاف، والتقدير: سيجزيهم جزاء وصفهم الكذب على الله في التحليل والتحريم.
стр. 1350
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٤٠]
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)
الإعراب:
(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ) كلام مستأنف مسوق لبيان نمط آخر من جهالاتهم، فقد كان بعض العرب من ربيعة ومضر يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر. وقد حرف تحقيق، وخسر الذين فعل وفاعل، وجملة قتلوا أولادهم لا محل لها لأنها صلة الموصول، وسفها مفعول لأجله، أي لخفة عقولهم وجهلهم، وبغير علم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل قتلوا، أي: جاهلين أن الله هو الرازق لهم ولأولادهم (وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ) الواو عاطفة، وحرموا فعل وفاعل، وما اسم موصول مفعول به، وجملة رزقهم الله صلة، وافتراء مفعول لأجله أو حال، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بافتراء (قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) الجملة تأكيد لقوله: «قد خسر الذين» ، والواو حرف عطف، وما نافية، وكانوا مهتدين: كان واسمها وخبرها.
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٤١]
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)
стр. 1351
اللغة:
(مَعْرُوشاتٍ) : عرش يعرش ويعرش من بابي تعب ونصر بنى بناء من خشب. وعرش البيت: بناه. وعرش العرش عمله. والعرش سرير الملك، وركن الشيء. وأصل العرش في اللغة: شيء مسقّف يجعل عليه الكرم، وجمعه عروش. واستوى على عرشه إذا ملك. وثلّ عرشه:
إذا هلك. قال زهير:
تداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها ... وذبيان إذ زلّت بأقدامها النّعل
والعروش: البيوت، قال القطامي:
وما لمثابات العروش بقيّة ... إذا استلّ من تحت العروش الدّعائم
ومكتنسات في العرائش: أي الهوادج. واختلفوا في معناها فقال ابن عباس: «المعروشات ما انبسط على الأرض وانتشر، مثل الكرم والقرع والبطيخ ونحو ذلك، وغير معروشات: ما قام على ساق.
كالنخل والزرع وسائر الشجر» ، وقال الضحاك: «كلاهما في الكرم خاصة، لأن منه ما يعرش ومنه مالا يعرش، بل يبقى على وجه الأرض منبسطا» . وقال في الكشاف: «معروشات: مسموكات. وغير
стр. 1352
معروشات، متروكات على وجه الأرض لم تعرش. وقيل: المعروشات ما في الأرياف والعمران مما غرسه الناس واهتموا به، فعرّشوه.
وغير معروشات مما أنبته الله وحشيا في البراري والجبال، فهو غير معروش» .
الإعراب:
(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ) الواو استئنافية، وهو مبتدأ، والذي خبره، وجملة أنشأ لا محل لها لأنها صلة الموصول، وجنات مفعول به، ومعروشات صفة، وغير معروشات عطف على معروشات (وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ) والنخل والزرع:
عطف على جنات، ومختلفا حال مقدرة، لأن النخل والزرع وقت خروجه لا أكل منه حتى يكون مختلفا أو متفقا، وأكله فاعل «مختلفا» لأنه اسم فاعل (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ) عطف على ما سبقه أيضا، وخصّ هذه الأجناس لما فيها من الفضيلة على سائر ما ينبت في الجنات، ومتشابها حال، وغير متشابه عطف عليه (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان إباحته. وكلوا فعل أمر والواو فاعل، ومن ثمره جار ومجرور متعلقان بكلوا، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وآتوا فعل أمر معطوف على كلوا، وحقه مفعول به، ويوم ظرف زمان متعلق بآتوا، وحصاده مضاف إليه، والمراد بالحق هنا الزكاة، ولا يشكل كون السورة مكية، والزكاة فرضت بالمدينة، لأن هذه الآية مدنية، والمراد به أيضا ما كان يتصدق به على المساكين وقت الحصاد، وكان ذلك معروفا (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الواو عاطفة، ولا ناهية،
стр. 1353
وتسرفوا فعل مضارع مجزوم بلا، أي: لا تجاوزوا الحدّ، قال الزّجاج: وعلى هذا لو أعطى الإنسان كل ماله، ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف. وإن واسمها، وجملة لا يحب المسرفين خبرها، وجملة إن وما في حيزها تعليل لما تقدم.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤٢ الى ١٤٤]
وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)
اللغة:
(حَمُولَةً) الحمولة بفتح الحاء: ما أطاق الحمل عليه من الإبل.
стр. 1354
(فَرْشاً) والفرش: صغارها. هذا هو المشهور في اللغة، قال في الأساس: «ومرت الحمولة: وهي الإبل التي يحمل عليها، «ومن الأنعام حمولة وفرشا» ، وقال عنترة:
ما راعني إلّا حمولة أهلها ... وسط الديار تسفّ حبّ الخمخم
قال شارحه الزوزني: «الحمولة: الإبل التي تطيق أن يحمل عليها» . وقيل: «الحمولة: كبار النعم، أعني الإبل والبقر والغنم، والفرش صغارها» . وقال الزّجّاج: «أجمع أهل اللغة على أن الفرش صغار الإبل» . وقال أبو زيد: «يحتمل أن يكون تسميته بالمصدر، لأن الفرش في الأصل مصدر، والفرش لفظ مشترك بين معان كثيرة، منها: متاع البيت، والفضاء الواسع، واتساع خفّ البعير قليلا، والأرض الملساء، ونبات يلتصق بالأرض» . وقيل: الحمولة: كل ما حمل عليه من إبل وبقر وبغل وحمار. والفرش: ما اتخذ من صوفه ووبره وشعره ما يفرش» . وقال الزمخشري: «أي وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال، وما يفرش للذبح، أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش. وقيل: الحمولة التي تصلح للحمل، والفرش الصغار، كالفصلان والعجاجيل والغنم، لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها، مثل: الفرش المفروش عليها» .
(الضَّأْنِ) : قيل: هو جمع ضائن للذكر وضائنة للمؤنث، وقيل:
اسم جمع، وكذا يقال في المعز، سواء سكّنت عينه أو فتحت. وفي القاموس: أضئن ضأنك: اعزلها من المعز. والضأن اسم جنس بخلاف الماعز من الغنم، والضائن: ذو الصوف، خلاف الماعز من الغنم،
стр. 1355
وجعمه ضأن وضأن وضئين وضئين. وفي الأساس: ماله الضّأن والمعز والضّئين والمعز، وعنده ضأئنة من الغنم ولحم وجلد ضائن وماعز، وأضأن فلان وأمعز كثر ضأنه ومعزه، وتقول العرب: اضأن ضأنك وامعز معزك أي: اعزلها» .
(الْمَعْزِ) في المصباح: المعز اسم جنس لا واحد له من لفظه، وهي ذوات الشعر من الغنم، الواحدة: شاة، وهي مؤنثة، وتفتح العين وتسكن، وجمع الساكن أمعز ومعيز مثل: عبد: أعبد وعبيد، والمعزى ألفها للإلحاق لا للتأنيث، ولهذا ينوّن في النكرة، ويصغر على معيز، ولو كانت الألف للتأنيث لم تحذف. والذكر ماعز، والأنثى ماعزة.
الإعراب:
(وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً) الواو حرف عطف، ومن الأنعام جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة ل «حمولة وفرشا» ، وتقدم عليهما، وحمولة عطف على جنات، أي:
وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) كلام مستأنف مسوق لبيان ما جمجموا به واضطربت به أقوالهم، وذلك أنهم كانوا يحرمون ذكورة الأنعام تارة، وإناثها تارة، فأنكر عليهم ذلك. وكلوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، ومما جار ومجرور متعلقان بكلوا، وجملة رزقكم الله لا محل لها لأنها صلة الموصول، ولا ناهية، وتتبعوا فعل مضارع مجزوم بلا، والواو فاعل، وخطوات الشيطان مفعول به، والجملة معطوفة على جملة كلوا، وإن واسمها، ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وعدو خبر إن، ومبين صفة، والجملة
стр. 1356
تعليلية لا محل لها (ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) ثمانية أزواج بدل من حمولة وفرشا، وقيل: هو منصوب بكلوا مما رزقكم الله، أو ب «أنشأ» مقدرة، وإلى هذا ذهب الكسائي.
والزوج: ما معه آخر من جنسه يزاوجه ويحصل منهما النسل، والمراد أربعة ذكور من كل من الإبل والبقر والغنم، وأربع إناث كذلك، ومن الضأن جار ومجرور متعلقان بفعل أنشأ مقدرا، واثنين بدل من ثمانية أزواج، وقد عطف على بقية الثمانية (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ) قل فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره أنت، والجملة معترضة لا محل لها، والهمزة للاستفهام الإنكاري، والذكرين مفعول به مقدم لحرّم، وأم حرف عطف، والأنثيين عطف على الذكرين، والجملة في محل نصب مقول القول (أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ) أم الثانية عاطفة، عطفت «ما» الموصولية بعدها على الأنثيين، فهي في محل نصب، فلما التقت ميم ساكنة مع ما بعدها وجب الإدغام، وسيأتي مزيد بيان لذلك في باب الفوائد (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الجملة معترضة أيضا مسوقة لتعجيزهم، وقد وقعت هاتان الجملتان الاعتراضيتان بين المعدودات للتأكيد على بطلان أقوالهم، ونبئوني فعل أمر وفاعل ومفعول به، وبعلم جار ومجرور متعلقان بنبئوني، وإن شرطية، وكان واسمها، وهي فعل الشرط، وصادقين خبرها، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ) تقدم إعراب نظيرها تماما (أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا) أم منقطعة وهي تقدر ببل والهمزة والتقدير: بل أكنتم شهداء، وإذ ظرف متعلق بشهداء وجملة وصاكم الله في محل جر بالاضافة وبهذا متعلقان بوصاكم (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الفاء هي الفصيحة، أي:
стр. 1357
إذا عرفتم هذا ورسخ في عقولكم، ومن اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، وأظلم خبر، والجملة لا محل لها، والاستفهام معناه النفي، أي: لا أحد أظلم، وممن جار ومجرور متعلقان بأظلم، وجملة افترى لا محل لها لأنها صلة الموصول، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بافترى، وكذبا مفعول به أو مفعول مطلق، وقد تقدم إعراب نظيره. واللام للتعليل، ويضل فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والناس مفعول به، ولام التعليل ومدخولها متعلقان بافترى، وبغير علم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل افترى، أي: افترى عليه تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) إن واسمها، وجملة لا يهدي خبرها، والقوم مفعول به والظالمين نعت للقوم، والجملة الاسمية تعليلية لا محل لها من الإعراب.
الفوائد:
الإدغام: هو إدخال حرف في حرف آخر من جنسه، بحيث يصيران حرفا وأحدا مشددا، وله ثلاث أحوال:
١- وجوب الإدغام:
وذلك إذا كانا متجانسين في كلمة واحدة، وأما قول الشاعر:
الحمد لله العليّ الأجلل ... الواسع الفضل الوهوب المجزل
فمن الضرورات الشعرية. ويجب إدغام المثلين المتجاورين أولهما إذا كانا في كلمتين، كما كانا في كلمة واحدة، مثل: سكتّ وسكّنا وعنّي وعليّ، واكتب بالقلم، واستغفر ربك، وكالآية التي نحن
стр. 1358
بصددها «أمّا اشتملت عليه» . وشذت ألفاظ لا يقاس عليها، مثل:
ألل السّقاء والأسنان إذا تغيرت رائحتها وفسدت، ودبب الإنسان إذا نبت الشعر في جبينه، وضببت الأرض إذا كثر ضبابها، وقطط الشعر إذا كان قصيرا جعدا، ويقال قطّ بالإدغام، ولححت العين إذا ألصقت أجفانها بالرّمص، والخخت إذا كثر دمعها وغلظت أجفانها.
٢- جواز الإدغام وتركه:
ويكون في أربعة مواضع:
آ- أن يكون الحرف الأول من المثلين متحركا والثاني ساكنا بسكون عارض للجزم، أو للبناء في الأمر المفرد، فتقول: لم يمدّ ومدّ بالإدغام، ولم يمدد وامدد، والفكّ أجود، وبه نطق القرآن، قال تعالى: «يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار» . وقال:
«واشدد على قلوبهم» . وتكون حركة ثاني المثلين المدغمين في المضارع المجزوم والأمر اللذين لم يتصل بهما شيء تابعة لحركة فائه، وهذا هو الأكثر، ونرى أن يحرك بالفتح للتخفيف.
ب- أن يكون عين الكلمة ولامها ياءين، لازما تحريك ثانيهما، مثل: عيي وحيي. فتقول: عيّ وحيّ، فإن كانت حركة الثانية عارضة للإعراب مثل: لن يحيي، امتنع إدغامه.
ج- أن يكون في أول الفعل الماضي تاءان مثل: تتابع وتتبّع، فيجوز الإدغام مع زيادة همزة وصل في أوله، دفعا للابتداء بالساكن،
стр. 1359
مثل: اتّابع واتّبع، فإن كان مضارعا لم يجز الإدغام، بل يجوز تخفيفه، بحذف إحدى التاءين فتقول في: تتلظّى: تلظّى، وفي تتجلّى: تجلّى، قال تعالى: «تنزّل الملائكة والرّوح» وقال:
«نارا تلظّى» وقال أبو تمّام يصف الربيع:
أضحت تصوغ بطونها لظهورها ... نورا تكاد له القلوب تنوّر
د- أن يتجاوز مثلان متحركان في كلمتين، مثل: جعل لي، وكتب بالقلم، فيجوز الإدغام بإسكان المثل الأول، فتقل: جعل لي وكتب بالقلم، غير أن الإدغام يجوز هنا لفظا لا خطّا.
٣- امتناع الإدغام:
وذلك في سبعة مواضع:
آ- أن يتصدر المثلان كددن، أي: لعب.
ب- أن يكونا في اسم على وزن فعل (بضم ففتح) كدرر، أو فعل (بضمتين) كسرر، أو فعل (بكسر ففتح) كلمم، أو فعل (بفتحتين) كطلل.
ج- أن يكون المثلان في وزن مزيد فيه للإلحاق كجلبب وهيلل.
د- أن يتصل بأول المثلين مدغم فيه، كهلّل. وذلك لأن الإدغام الثاني بمثابة تكرّر الإدغام، وهو ممنوع.
стр. 1360
هـ- أن يكون المثلان على وزن (افْعَلْ) في التعجب، نحو:
أحبب بالعلم.
وأن يعرض سكون أحد المثلين لا تصاله بضمير رفع متحرك كمددت.
ز- أن يكون مما شذت العرب في فكه اختيارا، وهي ألفاظ محفوظة تقدم ذكرها في مستهل البحث.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤٥ الى ١٤٦]
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦)
اللغة:
(مَسْفُوحاً) : السفح: الصبّ، وسفح يأتي لازما ومتعديا، يقال: سفح فلان دمعه ودمه أي: أهرقه، إلا أن الفرق بينهما وقع
стр. 1361
باختلاف المصدر، ففي المتعدي يقال: سفحا، وفي اللازم يقال: سفوحا، وفي هذه الآية وقع متعديا لأن اسم المفعول لا يبنى إلا من متعد، ومن اللازم ما أنشده أبو عبيدة لكثيّر عزة:
أقول ودمعي واكف عند رسمها ... عليك سلام الله والدمع يسفح
ومن المجاز في هذه المادة: وبينهم سفاح: أي قتال أو معاقرة، لأنهم يتسافحون الدماء، وسافحها مسافحة زاناها، لأن كلّا منهما يسفح ماءه ويضيعه. ومن أقوالهم: «في النكاح غنية عن السفاح» .
وقد مر ذكر هذه المادة وخصائص اجتماع السين والفاء فاء وعينا للكلمة.
(الْحَوايا) : الأمعاء والمصارين.
الإعراب:
(قُلْ: لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ) كلام مستأنف مسوق لبيان ما حرمه الله تعالى عليهم، وجملة لا أجد مقول القول، وفيما جار ومجرور متعلقان بأجد، وجملة أوحي إليّ لا محل لها لأنها صلة الموصول، وإليّ جار ومجرور في موضع رفع على أنه نائب فاعل أوحي، ومحرما مفعول به لأجد، أي: شيئا محرما، وعلى (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ) الاستثناء متصل، طاعم جار ومجرور متعلقان بمحرّم، وجملة يطعمه صفة لطاعم لأنه استثناء من الجنس، وموضعه نصب، ويجوز أن يكون استثناء
стр. 1362
منقطعا، لأنه كون وما قبله عين، وموضعه نصب أيضا، وميتة خبر يكون. واسمها مستتر يعود على قوله: «محرما» وجملة الاستثناء نصب على الحال، ودما منسوق على ميتة، ومسفوحا صفة، أي:
سائلا كالدم في العروق لا كالكبد والطحال، وأو لحم خنزير معطوف عطف نسق أيضا (فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) الفاء للتعليل، وإن واسمها، ورجس خبرها، وأو حرف عطف، وفسقا معطوف عطف نسق على لحم خنزير، وجملة أهل صفة، وأهل فعل ماض، ولغير الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وبه جار ومجرور متعلقان بأهل، وجملة «فإنه رجس» تعليلية لا محل لها (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الفاء استئنافية، ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، واضطر فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط، والجواب محذوف، أي: فلا مؤاخذة عليه. ومعنى اضطر أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شيء مما ذكر، وغير باغ حال، أي: غير ظالم. ولا عاد عطف على باغ، أي غير معتد. وقد سبق تحقيق كلام مماثل له في سورة البقرة. والفاء تعليلية وإن واسمها، وغفور خبر أول، ورحيم خبر ثان، وجملة فعل الشرط وجوابه خبر «من» (وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) كلام مستأنف مسوق لبيان سبب تحريم كل ذي ظفر على اليهود لظلمهم، وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة البقرة، وليشمل كل ذي ظفر، وهو النعامة والبعير ونحو ذلك من الدواب، وكل ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير، مثل البعير والنعامة والأوز والبط. وعلى الذين جار ومجرور متعلقان بحرمنا، وهادوا فعل وفاعل، وحرمنا فعل وفاعل أيضا، وكل مفعول به، وذي مضاف إليه، وظفر مجرور بإضافة «ذي» إليه (وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما) الواو عاطفة، ومن البقر
стр. 1363
جار ومجرور متعلقان بحرمنا والغنم عطف على البقر، وعليهم جار ومجرور متعلقان بحرمنا، وشحومهما مفعول به، والمعنى أنه حرم عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه، وكل شيء منه، وترك البقر والغنم على التحليل، ولم يحرم منهما إلا الشحوم الخالصة، وهي الثروب، أي: الشحوم الرقيقة التي تغشى الكرش والأمعاء وشحم الكلى. جمع كلية أو كلوة، بضم الكاف فيهما. (إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) إلا أداة استثناء، وما اسم موصول في محل نصب على الاستثناء المتصل من الشحوم، وجملة الاستثناء حالية، وجملة حملت لا محل لها لأنها صلة، وأو حرف عطف والحوايا عطف على ظهورهما، أو ما اختلط بعظم أو حرف عطف، وما اسم موصول معطوف على ظهورهما، واختلط فعل ماض وفاعله هو، وبعظم جار ومجرور متعلقان باختلط (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ) الجملة لا محل لها لأنها مفسرة لبيان علة التحريم، وذلك اسم الاشارة مبتدأ، وجملة جزيناهم خبر، وببغيهم جار ومجرور متعلقان بجزيناهم، ولا بد من تقدير ضمير، أي: جزيناهم به، بسبب بغيهم. وسيأتي مزيد من إعراب هذا التعبير. والواو استئنافية أو حالية، وإن واسمها، واللام المزحلقة، وصادقون خبر إن.
الفوائد:
قال أبو البقاء: «ذلك في موضع نصب بجزيناهم، وقيل: مبتدأ، والتقدير جزينا هموه، وقيل: هو خبر لمحذوف، أي الأمر ذلك» ويلاحظ أن أبا البقاء لم يبّين على أي شيء انتصب؟ هل على المصدر أو على المفعول به؟ وقال الزمخشري: «ذلك الجزاء جزيناهم، وهو
стр. 1364
تحريم الطيبات» : وظاهره أنه منتصب انتصاب المصدر. وقال أبو حيّان: «وزعم ابن مالك أن اسم الاشارة لا ينتصب مشارا به الى المصدر إلا وأتبع بالمصدر، فتقول: قمت هذا القيام، وقعدت ذلك القعود. ولا يجوز قمت هذا، ولا قعد ذلك» فعلى هذا لا يصح انتصاب «ذلك» على أنه إشارة الى المصدر. قلت: وذهب سيبويه والجمهور الى أن ذلك لا يشترط، ومن كلام العرب: «ظننت ذلك» ، يشيرون به الى الظنّ.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤٧ الى ١٤٨]
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨)
الإعراب:
(فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) الفاء استئنافية، وإن شرطية، وكذبوك فعل وفاعل ومفعول به، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاء رابطة لجواب الشرط، وقل فعل أمر، وربكم مبتدأ
стр. 1365
مرفوع، وذو رحمة خبر، وواسعة صفة لرحمة، والجملة في محل نصب مقول القول، وجملة القول وما في حيزه في محل جزم جواب الشرط (وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) الواو عاطفة، والجملة معطوفة على الجملة الاسمية داخلة في حيز القول، ويرد فعل مضارع مبني للمجهول، وبأسه نائب فاعل، وعن القوم جار ومجرور متعلقان بيرد، والمجرمين نعت للقوم، (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) الجملة مستأنفة مسوقة للإخبار بما يصدر عنهم من قول. والسين حرف استقبال، ويقول فعل مضارع، والذين فاعل، وجملة أشركوا لا محل لها لأنها صلة الموصول، وجملة لو شاء الله في محل نصب مقول القول، ولو شرطية، وشاء الله فعل وفاعل، ومفعول المشيئة محذوف، أي: لو شاء عدم إشراكنا، وقد تقدمت له نظائر. ولا آباؤنا عطف على الضمير في أشركنا، وجاز العطف لوجود «لا» (وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ) عطف على ما أشركنا، ومن زائدة في المفعول به (كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الكاف نعت لمصدر محذوف، وقد تقدم، أي: كذب الذين من قبلهم تكذيبا مثل ذلك التكذيب (حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا) حتى حرف غاية وجر، أي: استمروا على التكذيب حتى ذاقوا، وبأسنا مفعول به، وهل حرف استفهام، والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومن زائدة في المبتدأ المؤخر، والجملة مقول القول. والفاء فاء السببية، وتخرجوه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعدها، والواو فاعل، والهاء مفعول به، ولنا جار ومجرور متعلقان بتخرجوه (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) الجملة استئنافية، وإن نافية، وتتبعون فعل مضارع مرفوع، والواو فاعل، وإلا أداة حصر،
стр. 1366
والظن مفعول به، وإن الواو عاطفة، وإن نافية، وأنتم مبتدأ، وإلا أداة حصر، وجملة تخرصون خبر أنتم.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤٩ الى ١٥٠]
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)
الإعراب:
(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) جملة القول مستأنفة، والفاء هي الفصيحة، لأنها أفصحت عن شرط مقدر، أي قل: فإن لم تكن لكم حجة فلله الحجة البالغة، ولله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والحجة مبتدأ مؤخر، والبالغة صفة، أي: التي بلغت غاية النهاية والوضوح، وقطعت كل عذر للمحجوج والجملة مقول القول (فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) الفاء عاطفة، ولو شرطية، وشاء فعل وفاعل مستتر، والمفعول به محذوف، أي: هدايتكم، واللام واقعة في جواب لو، وهداكم فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وأجمعين تأكيد للضمير، وسيأتي حكم التأكيد بأجمع في باب الفوائد (قُلْ: هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ
стр. 1367
يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا)
الجملة مستأنفة، وقل فعل أمر، وهلم اسم فعل أمر، وسيأتي بحث عنها في باب الفوائد، وشهداءكم مفعول به، فان اسم الفعل يعمل عمل مسماه من تعد ولزوم، والذين صفة، وجملة يشهدون صلة، وأن الله أن واسمها في محل نصب بنزع الخافض، وجملة حرم هذا خبر أن (فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) الفاء عاطفة، وإن شرطية، وشهدوا فعل ماض، والواو فاعل، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاء رابطة لجواب الشرط، ولا ناهية، وتشهد فعل مضارع مجزوم بلا، والجملة في محل جزم جواب الشرط، ومعهم ظرف مكان متعلق بتشهد (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتتبع فعل مضارع مجزوم بلا، وأهواء مفعول به، والذين اسم موصول في محل جر بالإضافة، وبآياتنا جار ومجرور متعلقان بكذبوا والجملة صلة (وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) الواو عاطفة، والذين عطف على اسم الموصول المتقدم، والغرض تعداد صفاتهم القبيحة. والمعنى: ولا تتّبع أهواء الذين يجمعون بين تكذيب آيات الله وبين الكفر بالآخرة والإشراك به.
وجملة لا يؤمنون صلة الموصول، وبالآخرة جار ومجرور متعلقان بيؤمنون، والواو حرف عطف، وهم مبتدأ، وجملة يعدلون خبره، وبربهم جار ومجرور متعلقان بيعدلون.
البلاغة:
في إطلاق اسم الشهادة على التسليم لهم وموافقتهم وتصديقهم في الشهادة الباطلة، استعارة تصريحية تبعية ويصح أن يكون مجازا مرسلا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، لأن الشهادة من لوازم التسليم.
стр. 1368
الفوائد:
إذا أريد تقوية التوكيد يؤتى بكلمة «أجمع» بعد كلمة «كله» ، وبعد كلمة «كلها» بكلمة «جمعاء» ، وبعد كلمة «كلهم» بكلمة «أجمعين» ، وبعد كلمة «كلهنّ» بكلمة «جمع» ، تقول: جاء الصفّ كله أجمع، وجاءت القبيلة كلها جمعاء، وقال تعالى: «فسجد الملائكة كلهم أجمعون» ، وجاءت النساء كلهن جمع. وقد يؤكّد بأجمع وجمعاء وأجمعين وجمع وإن لم يتقدمهن لفظ «كلّ» ، ومنه قوله تعالى: «لأغوينهم أجمعين» .
هذا، ولا يجوز تثنية أجمع وجمعاء، استغناء عن ذلك بلفظي:
كلا وكلتا. قال ابن مالك في ألفيته مجملا قاعدة أجمع:
وبعد كل أكدوا بأجمعا ... جمعاء أجمعين ثم جمعا
ودون كل قد يجيء أجمع ... جمعاء أجمعون ثم جمع
هلمّ: كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، فتكون لازمة وقد تستعمل متعدية، نحو: هلم شهداءكم، أي: أحضروهم، وهي من أسماء الأفعال، يستوي فيها الواحد والجمع، والتذكير والتأنيث، ويصرفونها بأن يجعلوها فعلا ويلحقوها الضمائر، فيقولون في المثنى: هلما، وفي المؤنث: هلمي، وفي الجمع للذكور: هلموا، وللنساء: هلممن والأول أفصح. وقد توصل باللام، فيقال: هلمّ لك، كقولهم: هيت لك. وقد تلحقها نون التوكيد الثقيلة، فيقال: هلمّنّ يا رجل، وهلمنّ يا امرأة، وهلمّانّ يا رجلان، ويا امرأتان، وهلمّنّ يا رجال، وهلمنانّ يا نسوة.
стр. 1369
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٥١]
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)
اللغة:
(تعال) من الخاصّ الذي صار عاما، وأصله أن يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه، ثم كثر واتسع حتى عم. وهو فعل أمر مفتوح الآخر دائما، ومن ثم لحنوا أبا فراس الحمداني بقوله:
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي
الإعراب:
(قُلْ: تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) كلام مستأنف مسوق لأمره ﷺ بأن يتلو عليهم ما حرم ربهم عليهم حقيقة لا ظنا، ويقينا لا حدسا. وجملة تعالوا في محل نصب مقول القول، وهو فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وأتل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب، وابن هشام يؤثر أن يقال: إنه جواب الشرط مقدّر، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة
стр. 1370
حرم عليكم لا محلّ لها لأنها صلة الموصول، والعائد محذوف، أي:
الذي حرّمه. ويجوز أن تكون «ما» مصدرية، أي: اتل تحريم ربكم. والتحريم لا يتلى، ولكنه مصدر واقع موقع المفعول به.
وربكم فاعل حرم، وعليكم جار ومجرور متعلقان بحرم أو بأتل، على أن المسألة من باب التنازع (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) في «أن» أوجه عديدة، والمختار منها وجهان: أولهما أنها مفسرة، لأنه تقدمها ما هو معنى القول دون حروفه، ولا ناهية، وتشركوا فعل مضارع مجزوم بها، والجملة لا محل لها لأنها مفسّرة. والوجه الثاني أنها مصدرية، وهي وما في حيزها بدل من «ما حرم» ، وبه جار ومجرور متعلقان بتشركوا، وشيئا مفعول به أو بمعنى المصدر، فهي مفعول مطلق. وقد تقدمت الإشارة إلى مثيله. وبالوالدين جار ومجرور متعلقان بفعل المصدر المحذوف، أي أحسنوا بالوالدين، وإحسانا مفعول مطلق للفعل المحذوف، وسيأتي بحث هام لابن هشام في إعراب هذه الآية في باب الفوائد (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتقتلوا فعل مضارع مجزوم بلا، وأولادكم مفعول به، ومن إملاق جار ومجرور متعلقان بتقتلوا، أي: لأجل الإملاق، فمن سببية، ولم ينصب المفعول لأجله لاختلال شرطه، لأن الإملاق مصدر غير قلبي، وسيأتي مزيد بحث عنه في باب البلاغة. ونحن مبتدأ وجملة نرزقكم خبر، وجملة نحن نرزقكم مستأنفة لتعليل النهي قبله، وإياهم عطف على الضمير في نرزقكم، وقدم المخاطبين على ضمير الأولاد بعكس آية الإسراء لسرّ بلاغي، سيأتي في باب البلاغة (وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ) الواو حرف عطف، ولا ناهية، وتقربوا فعل مضارع مجزوم بلا، والواو فاعل، والفواحش مفعول به، وما اسم موصول في محل
следующие страницы →