← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

٢- الاستعارة: في قوله «لباس التقوى» وقد تقدمت الإشارة إليها، ومثلها كثير الوقوع في كلام الشعراء، ومنه: إذا المرء لم يلبس لباسا من التقى ... تقلّب عريانا وإن كان كاسيا وقول الآخر: تغطّ بأثواب السّخاء فإنني ... أرى كلّ عيب والسّخاء غطاؤه والاستعارة في الريش، والريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته. أي: أنزلنا عليكم لباسين لباسا يواري سوءاتكم ولباسا يزينكم، لأن الزينة غرض صحيح. ٣- الطباق: بين قوله «تحيون» وقوله «تموتون» . ٤- التشبيه التمثيلي: في تمثيل فتنة الشيطان لهم بقصة آدم وحواء حين أخرجهما الشيطان بأحابيله من الجنة، وجاء بالمضارع في قوله: «ينزع عنهما لباسهما» لاستحضار الصورة التي وقعت في أوغل العصور وتجسيدها أمام السامع.

стр. 1437

الفوائد: روابط الخبر الجملة: يشترط في الجملة الواقعة خبرا أن تكون مشتملة على رابط يربطها بالمبتدأ، والروابط أربعة: آ- الضمير البارز، نحو: الظلم مرتعه وخيم، أو المستتر نحو: «الحق يعلو» . ب- الإشارة إليه، نحو: «ولباس التقوى ذلك خير» . ج- إعادة المبتدأ بلفظه، نحو: «الحاقّة ما الحاقّة» ، وقول كعب: أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللقاء هيوب د- العموم، نحو: زيد نعم الرجل، فزيد مبتدأ، وجملة نعم خبره، والرابط بينهما العموم. ومنه قول ابن ميّادة: ألا ليت شعري هل الى أمّ معمر ... سهيل فأمّا الصّبر عنها فلا صبرا فالصبر مبتدأ، وعنها جار ومجرور متعلقان به، ولا نافية للجنس، وصبرا اسمها مبني على الفتح، والخبر محذوف تقديره «لي» ، وجملة لا صبر لي خبر المبتدأ، والرابط بينهما العموم الذي في اسم «لا» لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم.

стр. 1438

وقد لا تحتاج الجملة الى رابط: هذا وقد تكون الجملة الواقعة خبرا نفس المبتدأ في المعنى. فلا تحتاج الى رابط، لأنها ليست أجنبية عنه، كقوله تعالى: «قل هو الله أحد» ، ف «هو» ضمير الشأن مبتدأ، والجملة الاسمية بعده هي الخبر، لا تحتاج الى رابط لأنها عينه. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٨ الى ٣٠] وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) الإعراب: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا: وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا) الواو للاستئناف، ولعله أظهر، ويجوز أن تكون عاطفة على الصلة قبلها، وفيها على الحالين تأكيد على إصرارهم على الفاحشة، وإذا ظرف مستقبل متضمن

стр. 1439

معنى الشرط، متعلق بالجواب وهو قالوا، وجملة فعلوا في محل جر بالإضافة، وفاحشة مفعول به، وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وجملة وجدنا عليها آباءنا في محل نصب مقول القول (وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها) والله الواو عاطفة، والله مبتدأ، وجملة أمرنا بها خبر، والجملة معطوفة على الجملة المتقدمة، داخلة في حيّز القول، أي: وقالوا: الله أمرنا بها (قُلْ: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) جملة القول مستأنفة مسوقة لردّ قولهم، وإن التقليد ليس حجة، وجملة إن وما في حيزها نصب مقول القول، وإن واسمها، وجملة لا يأمر خبرها، وبالفحشاء جار ومجرور متعلقان بيأمر، والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي، وتقولون فعل مضارع مرفوع، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بتقولون، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة لا تعلمون صلة (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) كلام مستأنف مسوق لبيان ما أمر الله به حقيقة، وجملة أمر ربي في محل نصب مقول القول، وبالقسط جار ومجرور متعلقان بأمر، وأقيموا الواو عاطفة، وأقيموا فعل أمر معطوف على الأمر المقدر الذي ينحلّ اليه المصدر، وهو القسط، على حد قول ميسون: ولبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف كأنه قال: أقسطوا وأقيموا، تفاديا لعطف الإنشاء على الخبر، وهو ضعيف. ووجوهكم مفعول به لأقيموا، وعند ظرف مكان متعلق بأقيموا، وكل مسجد مضاف إليه (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) عطف على ما تقدم، وادعوه فعل أمر وفاعل ومفعول به، ومخلصين حال، وله جار ومجرور متعلقان بمخلصين، والدين مفعول لمخلصين لأنه اسم

стр. 1440

فاعل (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) كما نعت لمصدر محذوف تقديره: تعودون عودا مثلما بدأكم، وجملة بدأكم لا محل لها لوقوعها بعد موصول حرفي (فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) فريقا مفعول به مقدم لهدى، وفريقا الثاني منصوب بإضمار فعل يفسره قوله: حق عليهم الضلالة، من حيث المعنى والتقدير، وأضلّ فريقا حق عليهم، وقدره الزمخشري: وخذل فريقا، هادفا الى تأييد مذهبه الاعتزالي. والجملة الفعلية والجملة المعطوفة عليها في محل نصب على الحال من فاعل بدأكم، أي: بدأكم حال كونه هاديا فريقا ومضلا فريقا، أو تكون الجملتان مستأنفتين، ومن التكلف إعراب «فريقا» حالا كما ورد لبعض المعربين، وجملة حق عليهم الضلالة صفة ل «فريقا» (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) الجملة تعليلية لا محل لها، وإن واسمها، وجملة اتخذوا الشياطين خبر، والشياطين مفعول به أول لاتخذوا، وأولياء مفعوله الثاني، ومن دون الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، والواو عاطفة أو حالية، وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يحسبون، ومهتدون خبر أنهم. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣١ الى ٣٢] يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)

стр. 1441

الإعراب: (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) كلام مستأنف مسوق لخطاب العرب وحملهم على الإقلاع عن التشدد وحرمان أنفسهم من الزينة. ويا حرف نداء، وبني منادى مضاف، وخذوا فعل أمر مبني على حذف النون، وزينتكم مفعول به، وعند كل مسجد الظرف متعلق بخذوا (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) عطف على خذوا، ولا ناهية، وتسرفوا فعل مضارع مجزوم بلا، وإن واسمها، وجملة لا يحب المسرفين خبرها، والجملة تعليلية لا محل لها (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ) جملة القول مستأنفة مسوقة لتأكيد الإباحة والاستمتاع بالزينة، والأكل والشرب، مع عدم الإسراف. ومن اسم استفهام للإنكار، مبتدأ، وجملة حرم زينة الله خبر من، والجملة الاستفهامية في محل نصب مقول القول، والطيبات عطف على زينة، ومن الرزق جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وخالصة حال ثانية، ويوم القيامة ظرف متعلق بخالصة (كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) تقدمت أعاريب مماثلة لهذه الجملة. الفوائد: قال ابن عباس: كان العرب يطوفون بالبيت عراة، الرجال بالنهار

стр. 1442

والنساء بالليل، يقولون: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها، فنزلت. ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصرانيّ حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطبّ شيء؟ فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه. قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: «كلوا واشربوا ولا تسرفوا» ، فقال الطبيب: ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطبّ؟ فقال: قد جمع رسولنا الطب في ألفاظ يسيرة. قال: وما هي؟ قال: قوله: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء» . فقال الطبيب: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) اللغة: (أجل) الأجل بفتحتين: مدة العمر من أولها الى آخرها. وأعاد ذكره بقوله: «فإذا جاء أجلهم» للاشارة الى آخر المدة. وفي المصباح: «أجل الشيء مدته ووقته الذي يحل فيه، وهو مصدر أجل الشيء إجلالا من باب تعب، وأجل أجولا من باب قعد لغة، وأجّلته

стр. 1443

تأجيلا: جعلت له أجلا، وجمع الأجل آجال، مثل سبب وأسباب» . ومن أقوالهم: ابن آدم قصير الأجل، طويل الأمل، يؤثر العاجل ويذر الآجل. ومن أقوالهم أيضا: «أجلن عيون الآجال، فأصبن النفوس بالآجال» . الإعراب: (قُلْ: إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ) كلام مستأنف مسوق لخطاب الذين يحرمون ويحللون، إن الله لم يحرّم ما تحرمونه من أجله وإنما حرم الفواحش. وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت، وإنما كافة ومكفوفة، وجملة حرم ربي الفواحش مقول القول، وما اسم موصول في محل نصب بدل من الفواحش، وجملة ظهر صلة، ومنها جار ومجرور متعلقان بظهر، وما بطن عطف على ما ظهر (وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) من عطف الخاص على العام، للاعتناء به. وبغير الحق جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أو بالبغي لأنه مصدر (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً) المصدر المؤول من أن وما في حيزها عطف أيضا، وبالله جار ومجرور متعلقان بتشركوا، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة لم ينزل صلة. وبه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وسلطانا مفعول به لينزل (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) عطف أيضا، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بتقولوا، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة لا تعلمون صلة الموصول (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) كلام مستأنف مسوق للدلالة على أن الآجال مكتوبة، والأعمار محسوبة، لئلا يغتر الإنسان أفاويق اللذات وتعاجيبها الخلوب. ولكل جار ومجرور متعلقان

стр. 1444

بمحذوف خبر مقدم، وأمة مضاف اليه، وأجل مبتدأ مؤخر (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) الفاء استئنافية، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة جاء أجلهم في محل جر بالإضافة، وجملة لا يستأخرون لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، والمضارع المنفي بلا إذا وقع جوابا لإذا جاز أن يقترن بالفاء، وأن لا يقترن بها. وساعة ظرف زمان متعلق بيستأخرون، وهي أقل الأوقات في حساب الناس، يقول المستعجل: أفي ساعة تريد ذلك؟ يريد غاية القلة في الزمان. ولا يستقدمون عطف على قوله: لا يستأخرون، أو الواو استئنافية، كما ترى في باب الفوائد . الفوائد: وفيما يلي خلاصة لأقوال الأئمة حول هذا الكلام: رأي الواحدي: قال الواحدي بعد كلام طويل: إن قيل ما معنى هذا مع استحالة التقدم على الأجل وقت حضوره؟ قيل: هذا مبني على المقاربة، تقول: إذا جاء الشتاء إذا قرب وقته، ومع مقاربة الأجل يتصور التقدم، وإن كان لا يتصور مع الانقضاء، والمعنى لا يستأخرون عن آجالهم إذا انقضت، ولا يستقدمون عليها إذا قاربت الانقضاء. وهذا بناء على أنه معطوف على قوله: لا يستأخرون. رأي الكرخي: وقال الكرخي: «قوله: ولا يستقدمون معطوف على الجملة الشرطية لا على جواب الشرط، لأن إذا الشرطية لا يترتب عليها إلا

стр. 1445

المستقبل، أي: فلا يترتب على مجيء الأجل إلا مستقبل، أو لاستقدام سابق، فالوجه انقطاع «لا يستقدمون» عن الجواب استئنافا، كما حققه التفتازاني. رأي البيضاوي: وحاصل كلام القاضي البيضاوي أن هذا بمنزلة المثل، أي: لا يقصد من مجموع الكلام إلا أن الوقت لا يتغير ولا يتبدل، وهو نظير قولهم: الرمان حلو حامض، يعني فالجزاء مجموع الأمرين لا كل واحد على حدته. وهذا كلام لطيف من البيضاوي، ولعل فيه حسما للخلاف. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٥ الى ٣٧] يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧)

стр. 1446

الإعراب: (يا بَنِي آدَمَ) تقدم إعرابها كثيرا (إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) الكلام مستأنف مسوق لبيان مسألة إرسال الرسل، وإن شرطية أدغمت في «ما» المزيدة المؤكدة لمعنى الشرط، ولذلك لزمت فعلها النون الثقيلة أو الخفيفة، ويأتينكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ورسل فاعل، ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لرسل، وجعل الرسل منهم أقطع للحجة، وأبعد عن العذر (يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي) الجملة صفة لرسل أيضا، وعليكم جار ومجرور متعلقان بيقصون، وآياتي مفعول به (فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) هذه الجملة الشرطية جواب للشرط السابق، والفاء رابطة، ومن اسم شرط مبتدأ، والفاء في قوله: فلا خوف، رابطة، وقد تقدم إعراب ما بعد ذلك كثيرا (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) الواو عاطفة، والذين اسم موصول مبتدأ، وجملة كذبوا بآياتنا صلة، واستكبروا عنها معطوفة، وأولئك مبتدأ، وأصحاب النار خبره، والجملة خبر الذين، والرابط اسم الاشارة كما تقدم، وهم مبتدأ، وفيها جار ومجرور متعلقان بالخبر «خالدون» ، والجملة حالية أو خبر ثان للذين (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ) الفاء استئنافية، ومن اسم استفهام معناه النفي، أي: لا أحد أظلم، وأظلم خبر «من» ، وممن جار ومجرور متعلقان بأظلم، وجملة افترى لا محل لها لأنها صلة الموصول، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بافترى، وكذبا مفعول به، أو مفعول مطلق، وجملة كذب بآياته عطف على جملة افترى (أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ) اسم الاشارة مبتدأ،

стр. 1447

وجملة ينالهم خبر، ونصيبهم فاعل ينالهم، ومن الكتاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ) حتى حرف غاية وجر أو ابتدائية، وقد تقدم الكلام عن هذا التعبير فجدد به عهدا، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة جاءتهم رسلنا في محل جر بالإضافة، وجملة يتوفونهم حال من رسلنا، أي: متوفية إياهم (قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) جملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وأين اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية، وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم، وما اسم موصول في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجملة الاستفهام في موضع نصب مقول القول، وجملة كنتم صلة الموصول، والتاء اسم كان، وجملة تدعون خبرها، ومن دون الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أو متعلقان بتدعون (قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ) الجملة جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: ما فعل معبودكم ومن كنتم تدعونه؟ فأجابوا بأنهم ضلوا. وجملة ضلوا مقول القول، وجملة شهدوا معطوفة على جملة قالوا، أو مستأنفة، وعلى أنفسهم جار ومجرور متعلقان بشهدوا، وأن وما في حيزها في موضع نصب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بشهدوا، وجملة كانوا كافرين خبر «أن» .

стр. 1448

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٨ الى ٤١] قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) اللغة: (ادَّارَكُوا) : أي: تداركوا، بمعنى تلاحقوا في النار، وأصله تداركوا، فأدغمت التاء في الدال بعد قلبها دالا وتسكينها ثم اجتلبت همزة الوصل، وسيأتي في باب الفوائد كيفية ذلك. (أخراهم وأولاهم) : يحتمل أن تكون «فعلى» أنثى «أفعل» الدال على المفاضلة، والمعنى على هذا أخراهم منزلة، وهم الأتباع والسفلة، لأولاهم منزلة، وهم القادة والسادة والرؤساء. ويحتمل أن تكون «أخرى» بمعنى آخرة، تأنيث «آخر» ، مقابل «أول» ، لا تأنيث «آخر» الذي للمفاضلة، ومنها قوله تعالى: «ولا تزر وازرة وزر أخرى» . ولعلها الأظهر في الآية.

стр. 1449

(الضِّعْفِ) : قال أبو عبيدة الضعف مثل الشيء مرة واحدة، وقال الأزهري: هو ما يستعمله الناس في مجاري كلامهم. والضعف في كلام العرب: المثل الى ما زاد، ولا يقتصر به على مثلين، بل تقول: هذا ضعفه أي: مثلاه وثلاثة أمثاله، لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، ألا ترى الى قوله تعالى: «فأولئك لهم جزاء الضعف» ، لم يرد به مثلا ولا مثلين، وأولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله، كقوله تعالى: «من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها» فأقلّ الضعف محصور وهو المثل، وأكثره غير محصور. وفي القاموس: «وضعف الشيء بالكسر مثله، وضعفاه مثلاه، والضعف المثل الى ما زاد، ويقال: لك ضعفه، يريدون مثليه، وثلاثة أمثاله، لأنه زيادة غير محصورة» . (يَلِجَ) : في المصباح: «ولج الشيء في غيره يلج، من باب وعد، ولوجا، وأولجته إيلاجا أدخلته» . (سَمِّ) السم: بتثليث السين، وفي المصباح: «السم ما يقتل، بالفتح في الأكثر، وجمعه سموم وسمام مثل: فليس وفلوس، وسمام أيضا، مثل: سهم وسهام. والضم لغة لأهل العالية، والكسر لغة لبني تميم ... والسم: ثقب الإبرة، وفيه اللغات الثلاث، وجمعه سمام» . وهو المراد في الآية، ولكن السبعة على الفتح، وقرئ شاذا بالكسر والضم. وسم الإبرة مثل في ضيق المسلك، يقال: أضيق من خرت الإبرة، وقالوا للدليل الماهر: خرّيت، للاهتداء به في المضايق المشبهة بأخرات الإبر، والجمل مثل في عظم الجرم، قال حسان ابن ثابت: لا بأس في القوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير

стр. 1450

أي: لا بأس ولا ضرر يعتري هؤلاء من جهة الطول والغلظ. وفيه تهكم بهم، فأجسامهم كأجسام البغال، وعقولهم كعقل العصافير، ان كان لها عقول، يعني أنهم لا عقل لهم. (غَواشٍ) : جمع غاشية، وهي الغطاء. الإعراب: (قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ) الكلام مستأنف لحكاية قول الله لهم يوم القيامة. وقال فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو، وجملة ادخلوا في محل نصب مقول القول، وفي أمم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي كائنين في جملة أمم، وفي غمارهم مصاحبين لهم، وقيل: هما متعلقان بادخلوا، والمعنى في جملة أمم، وجملة قد خلت صفة لأمم، ومن قبلكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية، ومن الجن والإنس جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثالثة، وفي النار جار ومجرور بدل من قوله: «في أمم» ، والظروف مجاز، وسيأتي الحديث عنها. وقال أبو حيان: وفي النار جار ومجرور متعلقان ب «خلت» ، على أن المعنى تقدم دخولها، أو بمحذوف صفة الأمم، أي في أمم سابقة في الزمان كائنة من الجن والإنس، كائنة في النار، وأطال أبو حيان فيما لا طائل تحته (كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها) كلما ظرف زمان متضمن معنى الشرط، وجملة دخلت أمة في محل جر بالإضافة أو لا محل لها إذا اعتبرنا «ما» موصولا حرفيا، وجملة لعنت أختها لا محلّ لها لأنها جواب شرط غير جازم والجملة الظرفية من تتمة مقول القول (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً) حتى حرف غاية وجر، أو ابتدائية، وإذا ظرف مستقبل

стр. 1451

متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب، أي: بقالت الآتية، وجملة اداركوا في محل جر بالإضافة، وفيها جار ومجرور متعلقان باداركوا، وجميعا حال (قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ) الجملة لا محل لها لأنها جواب إذا، ولأولاهم اللام حرف جر للتعليل أي: لأجلهم، أو للتبليغ، والجار والمجرور متعلقان بقالت (رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ) ربنا منادى مضاف حذف منه حرف النداء، واسم الاشارة مبتدأ، وجملة أضلونا خبره، وجملة ربنا هؤلاء في محل نصب مقول القول فآتهم الفاء الفصيحة، وآتهم فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والهاء مفعول به، وعذابا مفعول به ثان، وضعفا صفة ل «عذابا» ، من النار جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية (قالَ: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ) جملة القول مستأنفة، ولكل جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وضعف مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول قوله تعالى، ولكن الواو حالية، أو استئنافية، ولكن حرف استدراك مهمل، ولا نافية، وتعلمون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون (وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ) عطف على ما تقدم، والفاء عاطفة، عطفت ما بعدها من الكلام على قول الله تعالى للسفلة: لكل ضعف، فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا. وما نافية، وكان فعل ماض ناقص، ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان الناقصة، ومن حرف جر زائد، وفضل مجرور لفظا اسم كان محلا، وعلينا جار ومجرور، أي: إنا وإياكم سيان في الضلال واستحقاق العذاب (فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) الفاء الفصيحة، أي: إذا تبين لكم وعلمتموه ثم أصررتم على موقفكم المغاير فذوقوا، والعذاب مفعوله، وبما الباء سببية جارّة، وما مصدرية، أي بسبب كسبكم، وجملة تكسبون خبر كنتم

стр. 1452

(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ) كلام مستأنف مسوق لتأكيد مصير الكافرين، وإن واسمها، وجملة كذبوا بآياتنا صلة الموصول لا محل لها، وجملة استكبروا عطف على جملة كفروا، وعنها جار ومجرور متعلقان باستكبروا، وجملة لا تفتح خبر إن، ولهم جار ومجرور متعلقان بتفتح، وأبواب السماء نائب فاعل، (وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ) هذه الجملة معطوفة على جملة لا تفتح لهم، وحتى حرف غاية وجر، وفي سم الخياط جار ومجرور متعلقان بيلج (وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) الواو استئنافية، وكذلك نعت لمصدر محذوف، أي: جزاء مثل ذلك، والمجرمين مفعول به (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ) الجملة الاسمية تحتمل الحالية والاستئنافية، ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومهاد مبتدأ مؤخر، ومن جهنم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة لجهنم (وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) عطف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وغواش مبتدأ مؤخر، والضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وسيأتي مزيد من الكلام عنه في باب الفوائد. البلاغة: في قوله تعالى: «حتى يلج الجمل سم الخياط» فن بلاغي يسمى المذهب الكلامي. ويقول ابن المعتز في كتابه البديع: إن الجاحظ سماه هذه التسمية، وعرفوه بأنه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تفلّ سلاح المعاند المكابر، وتقطع بينته، على طريقة علماء الكلام. لأن علم الكلام عبارة عن إثبات أصول الدين بحجج عقلية وبراهين

стр. 1453

قاطعة تدحض اللجاج، ومنه نوع منطقي تستنتج فيه النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة. وفي الآية التي نحن بصددها وجه استنتاج النتيجة من المقدّمتين أن يقال: إن الكفار لا يدخلون الجنة أبدا حتى يلج الجمل في خرم الابرة، والجمل لا يدخل في خرم لإبرة أبدا، فهم لا يدخلون الجنة أبدا، لأن تعليق الشرط على مستحيل يلزم منه استحالة وقوع المشروط. وسيرد الكثير منه في القرآن الكريم. المذهب الكلامي في الشعر: وقد جاء هذا الفن في كثير من الشعر العربي، ولهم فيه روائع فمن ذلك قول أبي تمام: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود والقطعة التالية لبهاء الدين زهير حافلة بضروب من هذا الفن، وتجتزئ بإيرادها: يا من أكابد فيه ما أكابده ... مولاي أصبر حتى يحكم الله سمّيت غيرك محبوبي مغالطة ... لمعشر فيك قد فاهوا بما فاهوا

стр. 1454

أقول زيد، وزيد لست أعرفه ... وإنما هو لفظ أنت م عناه وكم ذكرت مسمّى لا اكتراث به ... حتى يجرّ إلى ذكراك ذ كراه أتيه فيك على العشاق كلهم ... قد عزّ من أنت يا مولاي مولاه والناس فينا ببعض القول قد لهجوا ... لو صحّ ما ذكروا ما كنت آباه كادت عيونهم بالبغض تنطق لي ... حتى كأنّ عيون الناس أفواه فإن جميع هذه العلل المذكورة ضمن هذه الأبيات علل حقيقية أصلية يسلم بها الخصم المعاند عند سماعها من غير مجادلة، ولا لجوء إلى اللجاج والمكابرة، وذلك لا يخفى على من له مسكة من ذوق. الفوائد: ١- إبدال التاء: في ادّكر: وجهان: أولهما: أن الأصل تداركوا، كما ذكرنا في باب اللغة. وما كانت فاؤه ثاء أو ذالا أو دالا أو زايا أو صادا أو

стр. 1455

ضادا أو طاء أو ظاء مما هو على وزن تفاعل أو تفعّل أو تفعلل، بحيث تجتمع التاء وهذه الأحرف جاء فيه إبدال التاء حرفا من جنس ما بعدها مع إدغامها فيه، وذلك نحو: اثّاقل وادّكر وازّيّن واصتبر واضّرع واطّرب واظّلم، والأصل: تثاقل وتذكّر وتزيّن وتصبّر وتضرّع وتطرّب وتظلّم، فأبدلت التاء حرفا من جنس ما بعدها، ثم أسكن لإدغامه. فتعذر الابتداء بالساكن، فأتي بهمزة الوصل تخلصا من ذلك. وثانيهما أنه إذا أبدلت تاء افتعل الى حرف مجانس لما بعدها تلفظ في الوزن بأصل تاء الافتعال، ولا تلفظ بما صارت إليه من طاء أو دال، فنقول وزن اصطبر افتعل لا افطعل، ووزن ازدجر افتعل لا افدعل، فكذلك نقول هنا وزن ادّاركوا اتفاعلوا لا افّاعلوا، فلا فرق بين تاء الافتعال والتفاعل في ذلك. ٢- الجمع المنقوص على وزن مفاعل: للنحاة في الجمع الذي على وزن مفاعل- إذا كان منقوصا- مذهبان، فبعضهم قال: هو منصرف، لأنه قد زالت عنه صيغة منتهى الجموع، فصار وزنه وزن جناح، وقد زال فانصرف. وقال الجمهور: هو ممنوع من الصرف، والتنوين تنوين عوض، وقد تقدم بحثه. واختلفوا في المعوض عنه ماذا؟ فالجمهور على أنه عوض عن الياء المحذوفة، وذهب المبرد الى أنه عوض عن حركتها، والكسر ليس كسر إعراب.

стр. 1456

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٢ الى ٤٣] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) اللغة: (الوسع) بتثليث الواو: الطاقة يقال: ليس في وسعه أن يفعل كذا، أي: لا يقدر عليه. وقال الزجاج: الوسع: ما يقدر عليه. (الغل) : الحقد. الإعراب: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) كلام مستأنف مسوق للشروع في ذكر وعد المؤمنين وما أعدّ لهم في الآخرة، بعد أن ذكر وعيد الكافرين وما أعد لهم في الآخرة. واسم الموصول مبتدأ، وجملة آمنوا صلة، وجملة عملوا الصالحات عطف على الصلة (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) الجملة معترضة بين المبتدأ وخبره، وقد حسن الاعتراض هنا لأنه من جنس الكلام، فإنه تعالى لما نوه بعملهم الصالح ذكر أن ذلك العمل من وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن نطاق قدرتهم، ولا نافية، ونكلف فعل مضارع مرفوع، وفاعله مستتر تقديره نحن،

стр. 1457

ونفسا مفعول نكلف الأول، وإلا أداة حصر، ووسعها مفعول نكلف الثاني (أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) الجملة الاسمية خبر الذين، واسم الاشارة مبتدأ، وأصحاب الجنة خبره، وهم مبتدأ، وخالدون خبره، وفيها جار ومجرور متعلقان بقوله: خالدون، وجملة هم فيها خالدون خبر ثان لأولئك، أو حال من أصحاب الجنة (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ) الواو عاطفة، ونزعنا فعل وفاعل، وما اسم موصول مفعول به، وفي صدورهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول ومن غلّ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وجملة تجري حال من الضمير (وَقالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا) الواو عاطفة، وقالوا فعل وفاعل، والحمد مبتدأ، ولله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والذي اسم موصول نعت لله، وجملة هدانا لهذا لا محل لها لأنها صلة الموصول (وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ) يجوز أن تكون الواو للاستئناف أو للحال، وما نافية، وكان واسمها واللام لام الجحود، ونهتدي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر، ولولا حرف امتناع لوجود، وأن مصدرية، وهي مع مدخولها في موضع رفع مبتدأ، وخبر المبتدأ محذوف، كما هي القاعدة: وبعد لولا غالبا حذف الخبر ... حتم وفي نص يمين ذا استقر وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: لولا هداية الله لنا موجودة ما اهتدينا أو لشقينا، والجملة كلها مستأنفة أو حالية (لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) اللام جواب قسم محذوف، وقد حرف تحقيق، وجاءت رسل ربنا فعل وفاعل، وبالحق جار ومجرور متعلقان

стр. 1458

بجاءت (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو استئنافية، ونودوا فعل ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، وأن يحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة أو مفسرة، وتلكم الجنة اسم الاشارة مبتدأ، والجنة خبر أو بدل من اسم الاشارة، والخبر جملة أورثتموها. وعلى الأول تكون جملة أورثتموها حالية، وبما كنتم تعملون تقدم إعراب نظائرها كثيرا. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٤ الى ٤٧] وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) اللغة: (العوج) بكسر العين: في المعاني وفي الأعيان، ما لم يكن

стр. 1459

منتصبا، وبالفتح فيما كان منتصبا كالرمح والحائط. وسيرد المزيد من البحث لهذه المادة اللغوية. (الْأَعْرافِ) : سور مضروب بين الجنة والنار، وهي أعاليه، جمع عرف، استعير من عرف الديك والفرس، وقد أفاض أصحاب المطوّلات في وصفه، وأنهى بعضهم الأقوال فيه الى ثلاثة عشر قولا. أما مادة عرف اللغوية فهي عجيبة، ونورد هنا بعض خصائصها ومعانيها جريا على ما توخيناه في هذا الكتاب. يقال عرف الشيء يعرفه من باب ضرب عرفة وعرفانا ومعرفة علمه، وعرف يعرف بالضم من باب نصر عرافة على القوم دبرهم وساس أمرهم، وعرف يعرف بالضم في الماضي والمضارع عرافة: صار عريفا وأكثر من الطيب. ومن المستعار: أعراف الريح والسحاب والضباب لأوائلها، واعرورف البحر: أي ارتفعت أمواجه، واعرورف فلان للشرّ: اشرأب له، وقلة عرفاء مرتفعة، قال زهير: ومرقبة عرفاء أوفيت مقصرا ... لأستأنس الأشباح فيه وأنظرا ومقصرا من القصر وهو العشيّ. والعرّاف: دون الكاهن، قالوا: إذا سال بك الغراف لم ينفعك العراف. وقال عروة: جعلت لعرّاف اليمامة حكمه ... وعرّاف نجد إذ هما شفياني (السّيمى) والسّيمة والسّومة والسّيماء والسيمياء: العلامة والهيئة والبهجة والحسن.

стр. 1460

الإعراب: (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ) الجملة استئنافية مسوقة للتقرير والتبكيت. وأصحاب الجنة فاعل نادى، وأصحاب النار مفعوله (أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا) أن مخففة من الثقيلة، فيكون اسمها ضمير الشأن، وجملة قد وجدنا خبرها، أو تكون «أن» مفسرة، فتكون جملة قد وجدنا لا محل لها لأنها مفسره، وما مفعول به، وجملة وعدنا ربنا صلة لا محل لها، وحقا مفعول به ثان لوجدنا (فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ) الفاء عاطفة، وهل حرف استفهام، ووجدتم وما بعدها تقدم إعرابه، قالوا فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ونعم حرف جواب، وجملة الجواب المحذوفة في محل نصب مقول القول (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) الفاء عاطفة، وأذن مؤذن فعل وفاعل، وأن مخففة من الثقيلة، وهي مع مدخولها في محل جر بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بأذن، ويجوز أن تكون «أن» مفسرة فجملة أن وما في حيزها لا محل لها، ولعنة الله مبتدأ، وعلى الظالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لعنة وان كانت أن مخففة من الثقيلة فتعرب «لعنة» مبتدأ أيضا (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً) الذين اسم موصول في محل جر صفة للظالمين، ولك أن تعربه خبرا لمبتدأ محذوف، أي: هم الذين يصدون، وجملة يصدون لا محل لها لأنها صلة الموصول، وعن سبيل الله جار ومجرور متعلقان بيصدون، ويبغونها عطف على يصدون، وهي فعل مضارع وفاعل ومفعول به، وعوجا حال، أي: معوجة، ومعنى الاعوجاج هنا الميل عن الحق، وذلك بتشويه الدين والتلبيس على الناس وإيهامهم أن فيه انحرافا عن الجادة وميلا عن الحق (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ) الواو حالية، و «هم» مبتدأ

стр. 1461

وبالآخرة جار ومجرور متعلقان ب «كافرون» ، وكافرون خبر «هم» ، والجملة في محل نصب على الحال (وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ) الواو عاطفة، وبينهما الظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وحجاب مبتدأ مؤخر، أي: وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وكذلك قوله: وعلى الأعراف رجال، وجملة يعرفون في محل رفع صفة لرجال، وكلا مفعول به، وبسيماهم جار ومجرور متعلقان بيعرفون (وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة للحديث عن أهل الأعراف، والقول فيهم، وعن منزلتهم. مرجعه في المطوّلات، فارجع إليها إن شئت. ونادوا فعل وفاعل، والضمير يعود على أصحاب الأعراف، وأصحاب الجنة مفعوله، وأن مخففة من الثقيلة أو مفسرة، وقد تقدّمت، وسلام مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى الدعاء فتخصص، وعليكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، وجملة لم يدخلوها مستأنفة مسوقة لتكون بمثابة جواب عن سؤال سائل عن أصحاب الأعراف، فكأنه قيل: ما صنع بهم؟ فقيل لم يدخلوها، والواو حالية، وهم مبتدأ، وجملة يطمعون خبر، وجملة وهم إلخ في محل نصب على الحال (وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ) الواو عاطفة لاستكمال حديث أصحاب الأعراف، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وهو قالوا، وجملة صرفت في محل جر بالإضافة، وأبصارهم نائب فاعل، وتلقاء ظرف مكان متعلق بصرفت، ويأتي مصدرا ولم يأت من المصادر على تفعال بكسر التاء غير مصادر محددة. (قالُوا: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الجملة جواب شرط غير جازم، فلا محل لها، وربنا منادى مضاف، ولا ناهية المقصود بها هنا الدعاء، ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به، ومع ظرف مكان

стр. 1462

متعلق بمحذوف مفعول به ثان، والقوم مضاف إليه، والظالمين نعت للقوم. الفوائد: المصادر كلها من هذا الوزن على تفعال بفتح التاء، وإنما تجيء تفعال في الأسماء، وليست كثيرة، ذكر بعض أئمة اللغة منها ستة عشر اسما، ومنها التبيان والتلقاء، ومر تهواء من الليل، وتبراك وتعشار وترباع وهي مواضع، وتمساح للدابة المعروفة، والتمساح الرجل الكذاب أيضا، والزلزال وتجفاف وتمثال وتمراد والتمراد بيت صغير في بيت الحمام لمبيضه، وتلفاق وهما ثوبان يلفقان، وتلقام أي: سريع اللقم، ويقال أتت الناقة على تضرابها أي: على الوقت الذي ضربها الفحل فيه، وتضراب كثير الضرب، وتقصار وهي المخنفة، وتنبال وهو القصير. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٨ الى ٥١] وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)

стр. 1463

الإعراب: (وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ) الواو عاطفة أو استئنافية، مسوقة لبيان ما يقوله أصحاب الأعراف لأهل النار. ونادى أصحاب الأعراف فعل وفاعل، ورجالا مفعول به، وجملة يعرفونهم صفة ل «رجالا» ، وبسيماهم جار ومجرور متعلقان بيعرفونهم، أي: ممن كانوا في الدنيا موسومين بالعظمة والخيلاء (قالُوا: ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) جملة القول لا محل لها لأنها مفسرة، فسرت النداء. وما اسم استفهام للتوبيخ، أي: أيّ شيء أغنى عنكم؟ ويصح أن تكون نافية، وعلى الأول تكون مفعولا مقدما لأغنى، أي نفعكم ودفع عنكم جمعكم في الدنيا، وجمعكم فاعل، وما مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر معطوف على جمعكم، أي: واستكباركم، المفهوم قوله «وكنتم تستكبرون» ، وجملة تستكبرون خبر كنتم، والجملة مقول القول (أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، وهؤلاء مبتدأ، والذين اسم موصول خبر، وجملة أقستم صلة الموصول، وجملة لا ينالهم الله برحمة لا محل لها لأنها جواب للقسم، ولا نافية، وينالهم الله فعل ومفعول به وفاعل، وبرحمة جار ومجرور متعلقان بينالهم (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) الجملة الأمرية مقول قول محذوف، أي: قد قيل لهم، والجملة القولية

стр. 1464

المحذوفة خبر ثان لاسم الاشارة، أو حال منه، أي مقولا لهم ذلك، ولا نافية مهملة وخوف مبتدأ، ساغ الابتداء به لدخول النفي عليه، وعليكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، وجملة ولا أنتم تحزنون عطف على الجملة المتقدمة (وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ) تقدم إعراب نظيرها (أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) أن مخففة من الثقيلة أو مفسرة، وقد تقدمت لها نظائر، وأفيضوا فعل أمر والواو فاعل، وعلينا جار ومجرور متعلقان بأفيضوا، ومن الماء جار ومجرور متعلقان بأفيضوا أيضا، لأن معنى الإفاضة هنا متضمن معنى الإلقاء، وأو حرف عطف، ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف معطوف من الماء، ولا بد من تقدير فعل، أي: وأطعمونا، على حدّ قولهم: «علفتها تبنا وماء باردا» ، أو بتضمين أفيضوا معنى ألقوا يصح تعلق المعطوف به، وجملة رزقكم الله صلة، والأولى أن تكون «أو» بمعنى الواو ليصح، ولها نظائر في اللغة (قالُوا: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ) الجملة مستأنفة لتقرير جوابهم، وجملة إن واسمها وخبرها في محل نصب مقول قولهم، وجملة حرمهما خبر إن، وعلى الكافرين جار ومجرور متعلقان بحرمهما، والمراد بالتحريم لازمه وهو المنع (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً) اسم موصول في محل جر صفة للكافرين، وجملة اتخذوا صلة، ودينهم مفعول اتخذوا الأول، ولهوا مفعوله الثاني، ولعبا عطف على «لهوا» (وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا) الواو عاطفة، وغرتهم الحياة فعل ومفعول به وفاعل، والدنيا صفة للحياة، أي: استهوتهم بزخارفها وشغلتهم بالأطماع (فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا) الفاء هي الفصيحة، واليوم ظرف زمان متعلق بننساهم، والكاف حرف جر، وما مصدرية، أي: كنسيانهم، والجار والمجرور في محل نصب صفة

стр. 1465

لمفعول مطلق محذوف، ولقاء مفعول به لنسوا، ويومهم مضاف إليه، وهذا نعت ليومهم أو بدل منه (وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ) الواو حرف عطف، وما مصدرية، والمصدر المنسبك معطوف على المصدر الأول وكان واسمها، وجملة يجحدون خبرها، والجار والمجرور متعلقان بيجحدون. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٢ الى ٥٣] وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) الإعراب: (وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ) كلام مستأنف مسوق لتقرير ما ورد في الكتاب من تفصيل ما فعلوه. واللام جواب قسم محذوف، وقد حرف تحقيق، وجئناهم فعل وفاعل ومفعول به، والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم، وبكتاب جار ومجرور متعلقان بجئناهم، وجملة فصلناه نعت للكتاب، وعلى علم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال إما من الفاعل في «فصلناه» ، أي: فصلناه عالمين

стр. 1466

بتفصيله، وإما من المفعول، أي: فصلناه مشتملا على علم (هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) هدى ورحمة حال من مفعول فصلناه، أي: هاديا وراحما. ويجوز أن يعربا مفعولا من أجله، أي: فصلناه لأجل الهداية والرحمة، ولقوم جار ومجرور متعلقان بالمصدر، وجملة يؤمنون نعت لقوم (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) كلام مستأنف لبيان موقفهم من الكتاب الذي يجحدون، وفي نفس الوقت ينتظرون ما يؤول إليه وعاقبة أمره. وهل حرف استفهام بمعنى النفي والإنكار، أي: ما ينتظرون ويتوقعون غير ذلك، وإلا أداة حصر، نزلهم منزلة المتوقع المنتظر، وهم ليسوا كذلك لجحودهم له، وتأويله مفعول به (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ) كلام مستأنف مسوق لتقرير ما يقولونه في ذلك اليوم. والظرف متعلق بيقول، وجملة يأتي تأويله في محل جر بالإضافة، وتأويله فاعل يأتي، ويقول الذين فعل وفاعل، وجملة نسوه صلة الموصول، ومن قبل جار ومجرور متعلقان بنسوة، أي: من قبل إتيان تأويله (قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) الجملة في محل نصب مقول قولهم، وجاءت رسل ربنا فعل وفاعل: وبالحق جار ومجرور متعلقان بجاءت (فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا) الفاء عاطفة، وهل حرف استفهام، ولنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومن حرف جر زائد، وشفعاء مجرور بمن لفظا في محل رفع مبتدأ مؤخر، والفاء فاء السببية لوقوعها في جواب الاستفهام، ويشفعوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء، ولنا جار ومجرور متعلقان بيشفعوا (أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) أو حرف عطف ونرد فعل مضارع مبني للمجهول، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، داخلة معها في حكم الاستفهام، كأنه قيل: هل لنا من شفعاء أو هل نرد؟ ورفع نرد لوقوعه موقع الاسم، فيكون من

стр. 1467

باب عطف الاسم المؤول على الاسم الصريح، أي: فهل لنا شفعاء فشفاعة منهم لنا؟ والفاء للسببية أيضا، ونعمل فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء في جواب الاستفهام الثاني، وغير مفعول نعمل، والذي مضاف إليه، وجملة كنا نعمل صلة، وكان واسمها، وجملة نعمل خبر كان (قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) كلام مستأنف مسوق لتقرير الإجابة عن الاستفهامين السابقين، وقد حرف تحقيق، وخسروا فعل وفاعل، وأنفسهم مفعول به، وضل عنهم عطف على خسروا، وعنهم جار ومجرور متعلقان بضل، وما اسم موصول فاعل، وجملة كانوا يفترون صلة الموصول، وجملة يفترون خبر كانوا. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٤ الى ٥٥] إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) اللغة: (يُغْشِي) : يغطّي، وانجلت عنه غشية الحمّى أي: لمّتها، ونزلت به غشية الموت، وغشي عليه، وأصابه غشي، قال ذو الرّمة:

стр. 1468

وردت وأغباش السّواد كأنها ... سمادير غشي في العيون النواظر وعلى قلبه غشاوة فما يقبل الحق، واستغش ثوبك كي لا تسمع ولا ترى، وكثرت غاشية فلان. وللغين مع الشين فاء وعينا للفعل معنى يكاد يكون متشابها، وهو التغطية والستر، وغشّ معروف كأنه أخفى كيده، وغشم الوالي الرعية وهو غشوم إذا خبطهم بعسفه، وغشمر السيل: أقبل، والرجل: ركب رأسه في الحق والباطل فلا يبالي بما صنع، وهذا من دقيق اللغة فتدبره. الإعراب: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) كلام مستأنف مسوق لتقرير خلق السموات والأرض. وإن واسمها، والله خبرها، والذي اسم موصول في محل رفع نعت الله، وجملة خلق السموات والأرض صلة، وفي ستة أيام جار ومجرور متعلقان بخلق (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي، واستوى فعل ماض، وفاعله مستتر تقديره هو، أي: تمكن واستقرّ استقرارا مجردا عن الكيفية، وعلى العرش جار ومجرور متعلقان باستوى (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) الجملة حال، والليل مفعول به أول ليغشي، والنهار مفعول به ثان، أو بالعكس، أي: يلحق الليل بالنهار أو النهار بالليل (يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ) الجملة حال من الليل، لأنه هو المحدّث عنه، أي: يغشي النهار طالبا له، ويجوز أن تكون حالا من النهار، أي: مطلوبا،

стр. 1469

ويطلبه فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وحثيثا حال من فاعل يطلبه. أو من مفعوله، أي: حاثا أو محثوثا، ويجوز أن يعرب نعتا لمصدر محذوف، فهو مفعول مطلق، أي طلبا حثيثا، والشمس والقمر والنجوم والألفاظ الثلاثة منصوبة عطفا على السموات والأرض، ومسخرات حال منها، أي: مذللات لما يراد منها من طلوع وأفول، وبأمره جار ومجرور متعلقان بمسخرات أو بمحذوف حال، وتكون الباء للمصاحبة، أي: مصاحبة لأمره غير خارجة عنه في تسخيره (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) كلام مستأنف مسوق للتنويه بالرد على القائلين بأن لهذه الأمور تأثيرات في هذا العالم العجيب. وألا أداة استفتاح وتنبيه، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والخلق مبتدأ مؤخر، والأمر عطف عليه (تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) استئناف آخر مسوق للتنويه بكثرة خيره تعالى وتبارك وتقديسه وتنزيهه. وتبارك فعل ماض، أي: تقدس وتنزه، وهو فعل جامد لا يتصرف، أي لا يأتي منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل، والله فاعل، ورب العالمين صفة أو بدل من الله (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) كلام مستأنف مسوق للتنويه بأن الدعاء يجب أن يكون مصروفا إليه تعالى وحده. وادعوا فعل أمر، والواو فاعل، وربكم مفعول به، وتضرعا نصب على الحال، أي: ذوي تضرع، وخفية، عطف عليه، ويجوز أن يعرب صفة لمصدر محذوف، أي ادعوه دعاء تضرع ودعاء خفية، وأيهما أفضل؟ هناك خلاف يرجع إليه في المطولات. ويجوز أن يعربا مفعولا لأجله، وجملة إنه لا يحب المعتدين تعليلية داخلة في حكم الاستئنافية، لا محل لها، ومعنى الاعتداء هنا تجاوز الحدّ، وجملة لا يحب المعتدين خبر «إن» .

стр. 1470

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٦ الى ٥٨] وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) اللغة: (بُشْراً) بضمّ الباء وسكون الشين جمع بشير، أي مبشرات. وفيه أربع قراءات سبعية، والثانية بشرا بضمتين، والثالثة فشرا بالنون وبضمتين، والرابعة نشرا بفتح النون وسكون الشين، ومعنى نشرا متفرقة. (أَقَلَّتْ) : حملت ورفعت، واشتقاق الإقلال من القلة، لأن الرافع المطيق يرى الذي يرفعه قليلا. (نَكِداً) النكد: بكسر الكاف الذي لا خير فيه، أو الذي اشتدّ وعسر، وقوم أنكاد ومناكيد، قال أبو الطيب:

стр. 1471

لا تشتر العبد إلا والعصا معه ... إنّ العبيد لأنجاس مناكيد الإعراب: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها) كلام مستأنف مسوق لتحذير البشر من الفساد في الأرض. ولا ناهية، وتفسدوا فعل مضارع مجزوم بلا، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بتفسدوا، وبعد ظرف متعلق بتفسدوا أيضا، وإصلاحها مضاف إليه (وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً) عطف على ما تقدم، وخوفا وطمعا منصوبان على الحال، أي: خائفين وطامعين، أو على أنهما صفة لمصدر محذوف، أو على أنهما مفعولان لأجلهما (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الجملة تعليل لما ذكر، وإن واسمها، وقريب خبرها، ومن المحسنين جار ومجرور متعلقان بقريب (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) الواو عاطفة، والكلام معطوف على ما قبله، وهو: إن ربكم إلخ، وهو مبتدأ، والذي اسم موصول في محل رفع خبر، وجملة يرسل الرياح صلة لا محل لها، وبشرا حال، أي: مبشرات بالخصب والنماء، فهو من المفعول به، وبين ظرف مكان متعلق بيرسل، وإضافته الى يدي مجاز مرسل، (حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) حتى حرف غاية وجر، والغاية للإرسال، وإذا ظرف زمان مستقبل، وجملة أقلت في محل جر بالإضافة، والظرف متعلق بسقناه الذي هو جواب الشرط، وسحابا مفعول به، وثقالا صفة، وجملة سقناه لا محل لها، ولبلد جار ومجرور متعلقان بسقناه، وميت صفة لبلد (فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) الفاء عاطفة، وأنزلنا فعل وفاعل، وبه جار ومجرور متعلقان بأنزلنا، والباء للسببية،

стр. 1472

والضمير يعود على البلد الميت، أو السحاب، فعلى الأول تكون الباء للظرفية بمعنى أنزلنا في ذلك البلد الميت الماء، وعلى الثاني تكون الماء للسببية، أي فأنزلنا الماء بسبب السحاب، والماء مفعول به، والفاء عاطفة، وأخرجنا عطف على أنزلنا، والضمير في «به» يعود على الماء أو البلد أو السحاب أيضا كما تقدم، ومن كل الثمرات جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة للمفعول به المحذوف، أي: رزقا أو نباتا (كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) كلام مستأنف مسوق بأسلوب بلاغي على طريق التشبيه بمعنى أن من قدر على إخراج الثمر الرطب من الخشب اليابس قادر على إحياء الموتى. وكذلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لمصدر محذوف، فهو مفعول مطلق مقدم، ونخرج الموتى فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وجملة الرجاء حالية، وجملة تذكرون خبر لعل (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) كلام مستأنف مسوق لتتميم التشبيه. والبلد مبتدأ، والطيب صفة، وجملة يخرج نباته خبر، وبإذن ربه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، كأنه قيل: يخرج نباته حسنا وافيا، لأنه في مقابلة قوله: «نكدا» فيما بعد، ففي الكلام حذف لفهم المعنى، ولدلالة البلد الطيب، ولمقابلتها بقوله: نكدا (وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً) الواو عاطفة، والذي مبتدأ، وهو وصف لمحذوف، أي البلد الذي خبث، وجملة خبث صلة، وجملة لا يخرج خبر، وإلا أداة حصر لتقدّم النفي، ونكدا حال، أي: عسرا مبطئا، ويجوز أن ينتصب على المصدرية، أي أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إلا خروجا نكدا (كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) كذلك نعت لمصدر محذوف، وقد تقدم إعراب نظائر له، والآيات مفعول نصرف، ولقوم جار ومجرور متعلقان بنصرف، وجملة يشكرون نعت لقوم.

стр. 1473

البلاغة: ١- المجاز المرسل في قوله: «بين يدي رحمته» التي هي الغيث، والعلاقة هي السببية، لأن اليد سبب الإنعام، والإنعام الرحمة. ٢- التشبيه المرسل في قوله: «كذلك نخرج الموتى» . وقد تقدمت الإشارة إليه في الإعراب. الفوائد: قال الزمخشري: «وإنما ذكّر «قريب» على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم، أو لأنه صفة موصوف محذوف، أي: شيء قريب، على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول، أو لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي» وقال أبو عبيدة: تذكير «قريب» على تذكير المكان، أي: مكان قريب. ورد عليه الأخفش فقال: هذا خطأ، ولو كان كما قال لكان «قريب» منصوب، كما تقول إن زيدا قريبا منك. وقال الفراء: إن القريب إذا كان بمعنى المسافة يذكر ويؤنث، وإن كان بمعنى النسب فيؤنث بلا اختلاف بينهم، فيقال: دارك منا قريب، وفلانة منا قريب، قال تعالى: «لعل الساعة تكون قريبا» . ومنه قول امرئ القيس: لك الويل إن أمسى ولا أمّ هاشم ... قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا

стр. 1474

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٩ الى ٦٤] لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤) اللغة: (الْمَلَأُ) : الأشراف والسادة، وقيل: الرجال ليس معهم نساء. وفي المصباح: «الملأ مهموز: أشراف القوم، سموا بذلك لملاءتهم بما يلتمس عندهم من المعروف وجودة الرأي، أو لأنهم يملئون العيون أبهة والصدور هيبة، والجمع أملاء، مثل سبب وأسباب» . وفي الأساس: وقام به الملأ والأملاء: الأشراف الذين يتمالئون في النوائب. قال: وقال لها الأملاء من كل معشر ... وخير أقاويل الرجال سديدها

стр. 1475

وما كان هذا الأمر عن ملأ منّا: أي ممالأة ومشاورة. ومنه هو مليء بكذا: مضطلع به. وعليها ملاءة الحسن. قال ابن ميّادة: بذّتهم ميالة تميد ... ملاءة الحسن لها جديد وجمّش فتى من العرب حضرية فتشاحّت عليه، فقال لها: والله مالك ملاءة الحسن ولا عموده ولا برنسه، فما هذا الامتناع؟ الإعراب: (لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) كلام مستأنف مسوق لذكر قصص عن الأنبياء السابقين تسلية للنبي ﷺ ، وليتأسّى بمن قبله، فلا يتحيّفه يأس، ولا يخالجه فتور أو وهن في أداء رسالته. واللام جواب للقسم المحذوف، ولا يكاد العرب ينطقون بهذه اللام إلا مع قد، وأرسلنا نوحا فعل وفاعل ومفعول به، وإلى قومه جار ومجرور متعلقان بأرسلنا (فَقالَ: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) الفاء عاطفة، ويا أداة نداء، وقوم منادى مضاف الى ياء المتكلم المحذوفة بدليل الكسرة، واعبدوا فعل أمر، والواو فاعله، والله مفعوله، وما نافية، ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومن حرف جر زائد، وإله مبتدأ مؤخر محلا، وغيره صفة ل «إله» على المحل، كأنه قيل: ما لكم إله غيره، وجملة اعبدوا الله في محل نصب مقول القول، وجملة مالكم من إله غيره استئنافية (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) الجملة تعليل للأمر بالعبادة لا محل لها، وإن واسمها، وجملة أخاف خبرها، وعليكم جار ومجرور متعلقان بأخاف، وعذاب مفعول به، ويوم مضاف إليه، وعظيم صفة (قالَ الْمَلَأُ مِنْ
следующие страницы →