← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

لا تشتر العبد إلا والعصا معه ... إنّ العبيد لأنجاس مناكيد الإعراب: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها) كلام مستأنف مسوق لتحذير البشر من الفساد في الأرض. ولا ناهية، وتفسدوا فعل مضارع مجزوم بلا، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بتفسدوا، وبعد ظرف متعلق بتفسدوا أيضا، وإصلاحها مضاف إليه (وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً) عطف على ما تقدم، وخوفا وطمعا منصوبان على الحال، أي: خائفين وطامعين، أو على أنهما صفة لمصدر محذوف، أو على أنهما مفعولان لأجلهما (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الجملة تعليل لما ذكر، وإن واسمها، وقريب خبرها، ومن المحسنين جار ومجرور متعلقان بقريب (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) الواو عاطفة، والكلام معطوف على ما قبله، وهو: إن ربكم إلخ، وهو مبتدأ، والذي اسم موصول في محل رفع خبر، وجملة يرسل الرياح صلة لا محل لها، وبشرا حال، أي: مبشرات بالخصب والنماء، فهو من المفعول به، وبين ظرف مكان متعلق بيرسل، وإضافته الى يدي مجاز مرسل، (حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) حتى حرف غاية وجر، والغاية للإرسال، وإذا ظرف زمان مستقبل، وجملة أقلت في محل جر بالإضافة، والظرف متعلق بسقناه الذي هو جواب الشرط، وسحابا مفعول به، وثقالا صفة، وجملة سقناه لا محل لها، ولبلد جار ومجرور متعلقان بسقناه، وميت صفة لبلد (فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) الفاء عاطفة، وأنزلنا فعل وفاعل، وبه جار ومجرور متعلقان بأنزلنا، والباء للسببية،

стр. 1472

والضمير يعود على البلد الميت، أو السحاب، فعلى الأول تكون الباء للظرفية بمعنى أنزلنا في ذلك البلد الميت الماء، وعلى الثاني تكون الماء للسببية، أي فأنزلنا الماء بسبب السحاب، والماء مفعول به، والفاء عاطفة، وأخرجنا عطف على أنزلنا، والضمير في «به» يعود على الماء أو البلد أو السحاب أيضا كما تقدم، ومن كل الثمرات جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة للمفعول به المحذوف، أي: رزقا أو نباتا (كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) كلام مستأنف مسوق بأسلوب بلاغي على طريق التشبيه بمعنى أن من قدر على إخراج الثمر الرطب من الخشب اليابس قادر على إحياء الموتى. وكذلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لمصدر محذوف، فهو مفعول مطلق مقدم، ونخرج الموتى فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وجملة الرجاء حالية، وجملة تذكرون خبر لعل (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) كلام مستأنف مسوق لتتميم التشبيه. والبلد مبتدأ، والطيب صفة، وجملة يخرج نباته خبر، وبإذن ربه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، كأنه قيل: يخرج نباته حسنا وافيا، لأنه في مقابلة قوله: «نكدا» فيما بعد، ففي الكلام حذف لفهم المعنى، ولدلالة البلد الطيب، ولمقابلتها بقوله: نكدا (وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً) الواو عاطفة، والذي مبتدأ، وهو وصف لمحذوف، أي البلد الذي خبث، وجملة خبث صلة، وجملة لا يخرج خبر، وإلا أداة حصر لتقدّم النفي، ونكدا حال، أي: عسرا مبطئا، ويجوز أن ينتصب على المصدرية، أي أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إلا خروجا نكدا (كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) كذلك نعت لمصدر محذوف، وقد تقدم إعراب نظائر له، والآيات مفعول نصرف، ولقوم جار ومجرور متعلقان بنصرف، وجملة يشكرون نعت لقوم.

стр. 1473

البلاغة: ١- المجاز المرسل في قوله: «بين يدي رحمته» التي هي الغيث، والعلاقة هي السببية، لأن اليد سبب الإنعام، والإنعام الرحمة. ٢- التشبيه المرسل في قوله: «كذلك نخرج الموتى» . وقد تقدمت الإشارة إليه في الإعراب. الفوائد: قال الزمخشري: «وإنما ذكّر «قريب» على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم، أو لأنه صفة موصوف محذوف، أي: شيء قريب، على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول، أو لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي» وقال أبو عبيدة: تذكير «قريب» على تذكير المكان، أي: مكان قريب. ورد عليه الأخفش فقال: هذا خطأ، ولو كان كما قال لكان «قريب» منصوب، كما تقول إن زيدا قريبا منك. وقال الفراء: إن القريب إذا كان بمعنى المسافة يذكر ويؤنث، وإن كان بمعنى النسب فيؤنث بلا اختلاف بينهم، فيقال: دارك منا قريب، وفلانة منا قريب، قال تعالى: «لعل الساعة تكون قريبا» . ومنه قول امرئ القيس: لك الويل إن أمسى ولا أمّ هاشم ... قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا

стр. 1474

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٩ الى ٦٤] لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤) اللغة: (الْمَلَأُ) : الأشراف والسادة، وقيل: الرجال ليس معهم نساء. وفي المصباح: «الملأ مهموز: أشراف القوم، سموا بذلك لملاءتهم بما يلتمس عندهم من المعروف وجودة الرأي، أو لأنهم يملئون العيون أبهة والصدور هيبة، والجمع أملاء، مثل سبب وأسباب» . وفي الأساس: وقام به الملأ والأملاء: الأشراف الذين يتمالئون في النوائب. قال: وقال لها الأملاء من كل معشر ... وخير أقاويل الرجال سديدها

стр. 1475

وما كان هذا الأمر عن ملأ منّا: أي ممالأة ومشاورة. ومنه هو مليء بكذا: مضطلع به. وعليها ملاءة الحسن. قال ابن ميّادة: بذّتهم ميالة تميد ... ملاءة الحسن لها جديد وجمّش فتى من العرب حضرية فتشاحّت عليه، فقال لها: والله مالك ملاءة الحسن ولا عموده ولا برنسه، فما هذا الامتناع؟ الإعراب: (لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) كلام مستأنف مسوق لذكر قصص عن الأنبياء السابقين تسلية للنبي ﷺ ، وليتأسّى بمن قبله، فلا يتحيّفه يأس، ولا يخالجه فتور أو وهن في أداء رسالته. واللام جواب للقسم المحذوف، ولا يكاد العرب ينطقون بهذه اللام إلا مع قد، وأرسلنا نوحا فعل وفاعل ومفعول به، وإلى قومه جار ومجرور متعلقان بأرسلنا (فَقالَ: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) الفاء عاطفة، ويا أداة نداء، وقوم منادى مضاف الى ياء المتكلم المحذوفة بدليل الكسرة، واعبدوا فعل أمر، والواو فاعله، والله مفعوله، وما نافية، ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومن حرف جر زائد، وإله مبتدأ مؤخر محلا، وغيره صفة ل «إله» على المحل، كأنه قيل: ما لكم إله غيره، وجملة اعبدوا الله في محل نصب مقول القول، وجملة مالكم من إله غيره استئنافية (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) الجملة تعليل للأمر بالعبادة لا محل لها، وإن واسمها، وجملة أخاف خبرها، وعليكم جار ومجرور متعلقان بأخاف، وعذاب مفعول به، ويوم مضاف إليه، وعظيم صفة (قالَ الْمَلَأُ مِنْ

стр. 1476

قَوْمِهِ: إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) كلام مستأنف مسوق لبيان جواب قومه. وقال الملأ فعل وفاعل، ومن قومه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وجملة إن وما في حيزها في محل نصب مقول القول، وإن واسمها، واللام المزحلقة، ونراك فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة خبر «إن» ، وفي ضلال جار ومجرور متعلقان بنراك على أنه مفعول به ثان للرؤية، والرؤية هنا قلبية، ومبين صفة (قالَ: يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ) كلام مستأنف مسوق لبيان ردّ نوح عليهم، وهو من أحسن الكلام وأبلغه. ليس فعل ماض ناقص، وبي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ليس المقدّم، وضلالة اسمها المؤخر. (وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) الواو عاطفة، ولكن واسمها، وقد جاءت في أحسن موقع لأنها بين نقيضين، ورسول خبر لكن، ومن رب العالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لرسول (أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ) كلام مستأنف مسوق لتقرير رسالته وتفصيل أحكامها ومهمتها. ويجوز أن تكون الجملة صفة ثانية لرسول، ولكنه راعى الضمير السابق الذي للمتكلم، فقال: أبلغكم، ولو راعى الاسم الظاهر بعده لقال: يبلغكم، والكاف مفعول أبلغكم الأول، ورسالات ربي مفعوله الثاني، وأنصح لكم عطف على أبلغكم، ومعلوم أن «نصح» يتعدى بنفسه وباللام، يقال نصحه ونصح له (وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) عطف على أبلغكم، ومن الله جار ومجرور متعلقان بأعلم، ولا بد من تقدير محذوف، أي: جهته، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة لا تعلمون صلة الموصول لا محل لها (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ) عطف على ما تقدم مسوق في أسلوب الاستفهام الإنكاري في الهمزة، والواو عاطفة، وعجبتم معطوف على محذوف لا بد من تقديره، أي: أكذبتم

стр. 1477

وعجبتم، وأن حرف مصدري ونصب، وهي مع مدخولها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، أي: من أن جاءكم، وذكر فاعل، ومن ربكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لذكر أو بجاءكم، وعلى رجل صفة لذكر، ولا بد من تقدير محذوف، أي: على لسان رجل، ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لرجل، أي من جملتكم ومن جنسكم، لأنهم كانوا يتعجبون من إرسال البشر، ويقولون: «لو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين» (لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) اللام علة للمجيء، وينذركم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، ولتتقوا عطف على لينذركم، وجملة الرجاء حالية، وجملة ترحمون خبر لعل. جعل العلل لمجيء الذكر على لسان رجل منهم ثلاثا: أولاها لينذركم، وثانيتها لتتقوا، وثالثتها لعلكم ترحمون. وهو ترتيب حسن بالغ موقعه من الإجادة والحسن (فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ) الفاء الفصيحة لأنها وقعت جواب شرط محذوف، أي: إذا أردت أن تعلم مغبة أمرهم فقد كذبوه. وكذبوه فعل وفاعل ومفعول به، وفأنجيناه عطف على فكذبوه، والواو للمعية، والذين اسم موصول في محل نصب مفعول معه، ولك أن تعطفه على الهاء، ومعه ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، أي: استقروا معه في الفلك، وفي الفلك جار ومجرور متعلقان بما في الملك من الاستقرار، أي بمتعلق الظرف أو بأنجيناه (وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) عطف على ما تقدم، وأغرقنا الذين فعل وفاعل ومفعول به، وجملة كذبوا صلة، وبآياتنا جار ومجرور متعلقان بكذبوا (إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ) الجملة تعليل لما سبق من هلاكهم، أي: هلكوا لعمى في بصيرتهم. وإن واسمها، وجملة كانوا خبرها، وقوما خبر كانوا، وعمين صفة ل «قوما» .

стр. 1478

البلاغة: ١- المجاز المرسل: في قوله تعالى: «إنا لنراك في ضلال مبين» وقوله: «ليس بي ضلالة» فقد جعل الضلال ظرفا والضلال ليس ظرفا يحل فيه الإنسان. لأنه معنى من المعاني، وإنما يحل في مكانه فاستعمال الضلال في مكانه مجاز مرسل أطلق فيه الحال وأريد المحل، فعلاقته الحاليّة، وفائدته المبالغة في وصفه بالضلال وإيغاله فيه، حتى كأنه مستقر في ظلماته لا يتزحزح عنها. وزادوا في المبالغة بأن أكدوا ذلك بأن صدّروا الجملة بأن وزادوا اللام في خبرها. ٢- نفي الأخصّ والأعمّ: وأردف ذلك بقوله: «ليس بي ضلالة» للإطاحة بما زعموه، وتفنيد ما توهموه، وهو من أحسن الرد وأبلغه وأفلجه للخصم، لأنه نفى أن تلتبس به ضلالة واحدة، فضلا عن أن يحيط به الضلال، فلم يقل: ضلال، كما قالوا، كما يقتضيه السياق. وقد توثّب خيال الزمخشري فقرر أن الضلالة أخص من الضلال، فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه، كأنه قال: ليس بي شيء من الضلال، كما لو قيل لك: ألك تمر؟ فقلت: مالي ثمرة. ولكن الزمخشري غفل عن نقطة هامة جدا في هذا البحث العظيم، لأن نفي الأخص أعم من نفي الأعم، فلا يستلزمه ضرورة أن الأعم لا يستلزم الأخص، بخلاف العكس، ألا ترى أنك إذا قلت: هذا ليس بإنسان، لم يستلزم ذلك أن لا يكون حيوانا، ولو قلت: هذا ليس بحيوان، لاستلزم أن لا يكون إنسانا.

стр. 1479

فنفي الأعم كما ترى أبلغ من نفي الأخص، إذا تقرر هذا فالتحقيق في الجواب أن يقال: الضلالة أدنى من الضلال وأقل، لأنها لا تطلق إلا على الفعلة الواحدة منه، وأما الضلال فينطلق على القليل والكثير من جنسه، ونفي الأدنى أبلغ من نفي الأعلى، لا من حيث كونه أخص بل من حيث التنبيه بالأدنى على الأعلى، كما قررنا في مستهل هذا البحث. الفوائد: ١- الاسم إذا كان سبقه الضمير: كل اسم سبقه ضمير حاضر من متكلم أو مخاطب يجوز فيه وجهان، أولهما: مراعاة الضمير السابق، وثانيهما مراعاة الاسم الظاهر، تقول: أنا رجل أفعل كذا، مراعاة للضمير «أنا» ، وان شئت قلت: يفعل كذا، مراعاة لرجل. ومثله: أنت رجل تفعل العجائب، ويفعل العجائب، بالخطاب والغيبة. قال الإمام علي بن أبي طالب: أنا الذي سمّتن أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظرة قاله حين بارز اليهودي «مرحبا» يوم خيبر فقال اليهودي: قد علمت خيبر أنّي مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب فأجابه علي بذلك. وكانت أمه فاطمة بنت أسد سمته كاسم أبيها، لأن حيدرة من أسماء الأسد. فلما حضر أبو طالب سماه عليا. وسمّي الأسد حيدرة لشدة انحداره على من يصول عليه، والليث اسم جامد للأسد، واشتقوا منه: لايثه أي: عامله معاملة الليث.

стр. 1480

والغاب بيته الذي يغيب فيه. وكان الظاهر أن يقول: إن الذي سمته أمه، ليطابق الضمير مرجعه، وهو الموصول في الغيبة، ولكنه أتى بضمير المتكلم ذهابا الى المعنى، وحسنه تقدم ضمير المتكلم، أي: أنا الشجاع الذي ظهرت عليّ أمارات الشجاعة من صغري فسمتني أمي باسم الأسد. ولا أكذبها ظنا. وقد استدرك ابن جني على أبي الطيب المتنبي قوله: أنا الذي نظر الأعمى الى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم عدولا عن لفظ الغيبة، ولكن الآية الكريمة كفيلة بتسويغ ما استعمله أبو الطيب. ٢- اللام الداخلة على قد: لا يكاد العرب ينطقون بهذه اللام إلا مع «قد» ، وقل عنهم نحو قول امرئ القيس: حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال وذلك لأنه لما كانت الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التي هي جوابها كانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى «قد» عند استماع المخاطب كلمة القسم، وقد جرى ابن الرومي الشاعر العباسي على غرار امرئ القيس بقوله: لرأينا مستيقظين أمورا ... حسبنا أن تكون رؤيا منام وقيل: إذا أجيب القسم بماض متصرف مثبت فإن كان قريبا من

стр. 1481

الحال جيء باللام وقد جميعا، نحو: «تالله لقد آثرك الله علينا» ، وإن كان بعيدا جيء باللام وحدها، كقول امرئ القيس الآنف الذكر وقول ابن الرومي. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٦٥ الى ٦٨] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) اللغة: (سَفاهَةٍ) : جهالة وخفة حلم وسخافة عقل. الإعراب: (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) الواو حرف عطف، والى عاد جار ومجرور متعلقان بالفعل المعطوف على أرسلنا، وأخاهم مفعول به لأرسلنا، وهودا بدل مطابق من «أخاهم» (قالَ: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ) حذف العاطف من «قال» خلافا للآية الأولى في قصة نوح، والسر في ذلك أن العاطف ينتظم الجمل حتى يصيرها كالجملة الواحدة، فاجتنب لإرادة استقلال كل واحدة منها في معناها. وجملة النداء والأمر مقول

стр. 1482

القول (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) الجملة مستأنفة، وقد تقدم إعراب نظيرها بحروفه (أَفَلا تَتَّقُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري، والاستعباد لعدم اتقائهم العذاب بعد ما علموا ما حل بقوم نوح. والفاء للعطف على مقدر، أي: ألا تتفكرون؟ أو أتغفلون فلا تتقون؟ ولا نافية، وتتقون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعل (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان ماذا أجابه قومه على دعوته. وقال الملأ فعل وفاعل، والذين نعت، وجملة كفروا صلة، ومن قومه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، ووصف الملأ هنا ولم يصف الملأ في قصة نوح، لأنه كان في أشراف هود من آمن به، منهم فيما يروى مرثد بن سعد الذي أسلم، وكان يكتم إسلامه، فأريدت التفرقة بالوصف، ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن. ويجوز أن يكون إيراد الوصف تسجيلا للذمّ، ونعتهم بالكفران المجرد والإنحاء عليهم بما يتبرأ منه العقلاء (إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ) جملة إن وما في حيزها في محل نصب مقول قول الملأ، وإن واسمها، واللام المزحلقة، وجملة نراك خبر إن، وفي سفاهة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أو مفعول به ثان إن كانت الرؤية قلبية، ولعلها الأولى (وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ) عطف على ما تقدم، وقد سبق إعراب مثيله (قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ) كلام مستأنف مساق لبيان جواب هود، وما بعده مقول لقوله، وليس فعل ماض ناقص، وبي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها المقدم وسفاهة اسمها المؤخر (وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) الواو حالية، ولكن واسمها، ورسول خبرها، وهو استدراك على ما قبله باعتبار ما يستلزمه من كونه في الغاية القصوى من الرشد، ومن رب العالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لرسول (أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي) سبق إعرابها

стр. 1483

قريبا (وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ) الواو عاطفة، وأنا مبتدأ، ولكم جار ومجرور متعلقان بناصح، وناصح خبر أنا الأول. وأمين خبر أنا الثاني، ويجوز إعرابه صفة لناصح. البلاغة: ١- المجاز المرسل: في جعل السفاهة ظرفا على طريق المجاز المرسل، وعلاقته الحاليّة كما تقدم في آية نوح، وهي «إنا لنراك في ضلال مبين» . ويقال في تصدير الجملة بإن وزيادة اللام المزحلقة في خبرها ما قيل هناك، فجدّد به عهدا. ٢- العدول إلى الاسمية: أتى في قصة هود بالجملة الاسمية، فقال: «وأنا لكم ناصح أمين» ، وأتى في قصة نوح بالجملة الفعلية، حيث قال: «وأنصح لكم» ، وذلك لأن صيغة الفعل تدل على تجدده ساعة بعد ساعة، وكان نوح يكرر دعاءه ليلا ونهارا من غير تراخ، فناسب التعبير بالفعلية، وأما هود فلم يكن كذلك وقتا بعد وقت وقت، فلهذا عبر عنه بالاسمية. ٣- الكناية: وذلك في قوله: «قال: يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين» ، فقد كنى عن تكذيبهم بقوله لهود ﵇: إنا لنراك في سفاهة وقد تقدم البحث عنها كثيرا فجدد به عهدا.

стр. 1484

[سورة الأعراف (٧) : آية ٦٩] أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) اللغة: (بَصْطَةً) : بفتح الباء: أي قوة وطولا، وفي معاجم اللغة: البسطة: بفتح الباء التوسع والطول والكمال، وبسطة العيش: سعته. (آلاءَ) جمع مفرده إلي بكسر الهمزة وسكون اللام كحمل وأحمال، أو ألي بضم الهمزة وسكون اللام كقفل وأقفال، وإلى بكسر الهمزة وفتح اللام كعنب وأعناب، أو ألى بفتح الهمزة واللام كقفا وأفقاء. الإعراب: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ) الهمزة للاستفهام الإنكاري المراد به النهي، أي: لا تعجبوا وتدبروا في أمركم. والواو حرف عطف، وعجبتم فعل ماض معطوف على محذوف دل عليه سياق الكلام، أي: أفكذبتم أو عجبتم، والمحذوف مستأنف مسوق لنهيهم عن الإمعان فيما هم عليه، وأن جاءكم مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بعجبتم، أي: أو عجبتم من مجيء ذكر من ربكم، وذكر فاعل جاءكم، ومن ربكم

стр. 1485

جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لذكر، وعلى رجل جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لذكر، أي: مقول على لسان رجل، ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لرجل، ولينذركم اللام لام التعليل، وينذركم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والمصدر مجرور باللام، والجار والمجرور متعلقان بجاءكم (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) الواو عاطفة، والجملة منسوقة على ما قبلها لبيان ترتيب أحكام المناصحة والأمانة والإنذار، وإذ نصب على المفعولية لا على الظرفية، أي: واذكروا وقت الجعل المذكور، لأن المقام مقام تجسيد واستحضار للصورة بكامل تفاصيلها، وكأنما هي منصوبة أمامهم يستجلبون منه شتى العظات والعبر، والجملة عطف على مقدر على كل حال، كأنه قيل: لا تعجبوا أو تدبّروا في أمركم واستبصروا واذكروا، وجملة جعلكم في محل جر بالإضافة، والكاف مفعول به أول لجعلكم وخلفاء مفعول به ثان، ومن بعد قوم نوح جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لخلفاء (وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً) عطف على جعلكم، وفي الخلق جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وبسطة مفعول به ثان لزادكم أو تمييز والكاف هي المفعول الأول، (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) الفاء هي الفصيحة، لأنها وقعت جواب شرط مقدر، أي: إذا عرفتم هذا حق المعرفة وتدبرتموه وتبصّرتم في مغابّه وخوافيه، فاذكروا، وآلاء الله مفعول به، وجملة الرجاء حالية، وجملة تفلحون خبر لعل.

стр. 1486

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٧٠ الى ٧٢] قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) اللغة: (الدابر) : الآخر، وقطع الدابر يعني الاستئصال، لأنه إذا قطع الآخر فقد قطع ما قبله، فحصل الاستئصال. الإعراب: (قالُوا: أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا) كلام مستأنف مسوق لينكروا عليه مجيئه، وقد أرادوا المجيء من متعبّده، أي: المكان الذي اعتزل فيه للعبادة، أو أنهم لم يريدوا حقيقة المجيء ولكنهم أرادوا به مطلق التعرض والتصدي، كما يقال: ذهب ليشتمني، وليس المراد حقيقة الذهاب، ولعل هذا أبلغ وأبين. والهمزة للاستفهام الإنكاري، وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به، واللام للتعليل، ونعبد فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والجار والمجرور متعلقان بجئتنا، والله مفعوله، ووحده حال مؤولة، أي: منفردا، ونذر فعل مضارع معطوف على نعبد، وما اسم موصول في محل نصب مفعول

стр. 1487

به، وكان فعل ماض ناقص، واسمها مستتر، وجملة بعبد آباؤنا في محل نصب خبر كان، وجملة كان وما في حيزها صلة الموصول (فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) الفاء الفصيحة، وات فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره أنت، ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول، وبما جار ومجرور متعلقان ب «اتنا» وجملة تعدنا صلة الموصول، وإن شرطية. وكنت فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، وكان واسمها، ومن الصادقين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، وجواب إن محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي: فأتنا. (قال: قد وقع عليكم رجس من ربكم وغضب) كلام مستأنف مسوق لبيان جواب هود لقومه. وقد حرف تحقيق، ووقع فعل ماض، وعليكم جار ومجرور متعلقان بوقع، ورجس فاعل، ومن ربكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لرجس، وغضب معطوف على رجس، وجملة قد وما في حيزها مقول القول، أي: حق عليكم العذاب ووجب، أو قد نزل عليكم، جعل المتوقع بمثابة الواقع المتحقق، ومن هذا الوادي ما يروى عن حسان بن ثابت أن ابنه لسعه زنبور وهو طفل، فجاء يبكي، فقال: يا بني ما لك؟ قال: قد لسعني طوير كأنه ملتف في بردي حبرة، فضمه الى صدره وقال له: يا بنيّ قد قلت الشعر (أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ) الهمزة للاستفهام الإنكاري، ولاستقباح إنكارهم مجيئه داعيا إياهم إلى عبادة الله وترك الأصنام. وتجادلونني فعل مضارع وفاعل ومفعول به، وفي أسماء جار ومجرور متعلقان بتجادلونني، وجملة سميتموها صفة لأسماء، والواو لاسباغ الضمة، وأنتم تأكيد، وآباؤكم عطف على أنتم (ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) جملة ما نزّل صفة ثانية لأسماء، وبها جار ومجرور متعلقان بنزل، أو بمحذوف حال، لأنه

стр. 1488

كان في الأصل صفة لسلطان فلما تقدمت أعربت حالا، ومن حرف جر زائد، وسلطان مجرور لفظا منصوب على المفعولية محلا، فانتظروا الفاء الفصيحة، وانتظروا فعل أمر وفاعل، وإن واسمها، ومعكم ظرف متعلق بالمنتظرين، ومن المنتظرين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر إن (فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) الفاء الفصيحة، كما في قوله فانفجرت، أي: فوقع ما وقع فأنجيناه، وأنجيناه فعل وفاعل ومفعول به، والذين عطف على الهاء في أنجيناه، أو مفعول معه، ومعه ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة، وبرحمة جار ومجرور متعلقان بأنجيناه، ومنّا جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لرحمة (وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ) عطف على أنجيناه، ودابر مفعول به، والذين اسم موصول في محل جر بالاضافة، وجملة كذبوا صلة لا محل لها، وما كانوا عطف على كذبوا، ومؤمنين خبر كانوا. الفوائد: قصة عاد: روى التاريخ أن عادا قد تبسّطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت، وكانت لهم أصنام يعبدونها، وهي صدّاء وصمود والهباء، فبعث الله إليهم هودا نبيا من أوسطهم وأفضلهم حسبا، فكذّبوه وازدادوا عتوّا وتجبّرا، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا، وكان الناس إذا نزل بهم بلاء طلبوا الى الله تعالى الفرج منه عند بيته المحرّم، وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وسيدهم معاوية بن بكر، فهجّرت عاد الى مكة من أماثلهم سبعين رجلا، منهم قيل بن عتر ومرثد بن سعد الذي كان

стр. 1489

يكتم إسلامه، فلما قدموا نزلوا على معاوية بن بكر، وهو بظاهر مكة خارجا من الحرم، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنّيهم الجرادتان. أسطورة الجرادتين: وهما قينتان كانتا لمعاوية، فلما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا له أهمّه ذلك، وقال: قد هلك أخوالي وأصهاري، وهؤلاء على ما هم عليه، وكان يستحيي أن يكلمهم خيفة أن يظنوا ثقل مقامهم عليه، فذكر ذلك للقينتين فقالتا: قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله، فقال معاوية بن بكر: ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعلّ الله يسقينا غماما فيسقي أرض عاد إنّ عادا ... قد أمسوا ما يبينون الكلاما فلما غنتا به قالوا: إن قومكم يتغوّثون من البلاء الذي نزل بهم، وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم. فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وتبتم إلى الله سقيتم، وأظهر إسلامه. فقالوا لمعاوية: احبس عنا مرثدا لا يقدمنّ معنا مكة، فإنه قد تبع دين هود وترك ديننا ثم دخلوا مكة. فقال قيل بن عتر: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله سحابا ثلاثا: بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء:

стр. 1490

يا قيل اختر لنفسك ولقومك! فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء. فخرجت على عاد من واد لهم يقال له المغيث، فاستبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم، ونجا هود والمؤمنون معه، فأتوا مكة فعبدوا الله فيها حتى ماتوا. [سورة الأعراف (٧) : آية ٧٣] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) اللغة: (ثَمُودَ) ثمود بمنع الصرف بتأويل القبيلة، وبالصرف بتأويل الحيّ، أو باعتبار الأصل، لأنه اسم أبيهم الأكبر، وهو ثمود بن عامر بن إرم بن سام بن نوح. وقيل: سميت ثمود لقلة مائها، من الثمد، وهو الماء القليل، قال النابغة: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثّمد وكانت مساكنهم الحجر، بين الشام والحجاز. الإعراب: (وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً) تقدم إعراب نظيرها، وصالحا بدل

стр. 1491

من «أخاهم» (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تقدم إعراب نظيرها، والجملة مقول قوله (قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) الجملة مندرجة في مقول قوله، وجاءتكم فعل ماض ومفعول به، وبينة فاعل، ومن ربكم جار ومجرور متعلقان بجاءتكم أو بمحذوف صفة لبيّنة (هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان البينة. واسم الاشارة مبتدأ، وناقة الله خبر، والإضافة لتعظيم أمر الناقة، ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان أو حال، وآية حال والعامل فيها ما دل عليه اسم الإشارة من معنى الفعل، ويجوز أن تعرب هذه الجملة بدلا من بيّنة، لأنها بمثابة التفسير لها، وجاز إبدال جملة من مفرد لأنها في قوته (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) الفاء تفريعية، لأنها جاءت تفريعا على كونها آية من آيات الله، مما يستوجب عدم التعرض لها بسوء، وذروها فعل أمر وفاعل ومفعول به، وتأكل فعل مضارع، وهو مجزوم لأنه جواب الطلب، وفي أرض الله جار ومجرور متعلقان بتأكل أو بقوله: فذروها، على أنه من باب التنازع (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتمسوها فعل مضارع مجزوم، والواو فاعل، والهاء مفعول به، وبسوء جار ومجرور متعلقان بتمسوها، فيأخذكم: الفاء فاء السببية، ويأخذكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء لأنه جواب النهي، والكاف مفعول به، وعذاب فاعل، وأليم صفة.

стр. 1492

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٧٤ الى ٧٥] وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) اللغة: (تَنْحِتُونَ) في القاموس: «نحته ينحته كيضربه وينصره ويعلمه: براه» . الإعراب: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ) عطف على ما تقدم، وإذ منصوب على المفعولية لا الظرفية، أي اذكروا وقت الجعل، وجملة جعلكم في محل جرّ بالإضافة، والكاف مفعول به أول، وخلفاء مفعول به ثان، ومن بعد عاد جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لخلفاء (وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً) عطف على جعلكم، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان ببوأكم، وجملة تتخذون حالية من المفعول، ومن سهولها جار ومجرور متعلقان بتتخذون أو بمحذوف حال من «قصورا» ، إذ هو في الأصل صفة لها لو تأخر، وقصورا مفعول به، وسمي القصر قصرا لقصور الفقراء عن تحصيله (وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً) الواو عاطفة، وتنحتون فعل مضارع وفاعل، والجبال يجوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض، أي: من الجبال، كقوله تعالى: «واختار موسى قومه سبعين رجلا» ، فيكون «بيوتا»

стр. 1493

مفعولا به، ويجوز أن يضمن معنى ما يتعدى لاثنين، أي: وتتخذون الجبال بيوتا بالنحت أو تصيرونها بيوتا بالنحت، ويجوز أن يكون الجبال هو المفعول به، و «بيوتا» حالا مقدّرة، كما تقول: خط هذا الثوب قميصا. وابر هذه القصبة قلما. وإنما قلنا مقدرة لأن الجبل لا يكون بيتا في حال النحت، ولا الثوب قميصا، ولا القصبة قلما في حال الخياطة والبري. و «بيوتا» وإن لم يكن مشتقا فإنه في معنى المشتقّ، أي: مسكونة (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الفاء الفصيحة، واذكروا فعل أمر، والواو فاعل، وآلاء الله مفعول به، والواو حرف عطف، ولا ناهية، وتعثوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بتعثوا، ومفسدين حال (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) كلام مستأنف مسوق ليكون جوابا عن استفهام، وقال الملأ فعل وفاعل، والذين اسم موصول في محل رفع صفة، وجملة استكبروا لا محل لها لأنها صلة الموصول، ومن قومه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) الجار والمجرور متعلقان بقال، وجملة استضعفوا صلة، ولمن جار ومجرور متعلقان بمحذوف بدل من الذين استضعفوا، بإعادة العامل، وفيه وجهان: أحدهما أنه بدل كل من كل إن عاد الضمير في «منهم» على «قومه» ، ويكون المستضعفون كلهم المؤمنين فقط، كأنه قيل: قال المستكبرون للمؤمنين من قوم صالح، وإما بدل بعض من كلّ إن عاد الضمير على المستضعفين، ويكون المستضعفون ضربين: مؤمنين وكافرين، كأنه قيل: قال المستكبرون من الضعفاء دون الكافرين من الضعفاء، ومنهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ) الهمزة للاستفهام التهكمي، أي: قالوا ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء، والجملة

стр. 1494

المستفهمة في محل نصب مقول القول، وأن واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي تعلمون، ومن ربه جار ومجرور متعلقان بمرسل (قالُوا: إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتكون جوابهم، وقد استبقوا الحوادث، فمقتضى السياق أن يقولوا: نعم أو نعلم أنه مرسل. وإن واسمها، وبما جار ومجرور متعلقان بالخبر «مؤمنون» ، وجملة أرسل صلة، وإن وما بعدها جملة في محل نصب مقول القول، وبه جار ومجرور متعلقان بأرسل. البلاغة: في هذه الآية فن طريف اسمه فنّ التغاير، وقد مرّ طرف منه، ونعيد الآن تعريفه للذكرى، وهو تغاير المذهبين إما في المعنى الواحد بحيث يمدح إنسان شيئا أو يذمه، أو يذمّ ما مدحه غيره وبالعكس، أو يفضل شيئا أو يذمه أو يذم ما مدحه غيره وبالعكس، أو يفضل شيئا على شيء، ثم يعود فيجعل المفضول فاضلا والفاضل مفضولا، فقد غاير بعضهم في باب الطاعة والعصيان بعد التغاير في مقالهم واعتقادهم في نيّاتهم، وهذا ما يغاير به الإنسان فيه غيره. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٧٦ الى ٧٩] قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)

стр. 1495

اللغة: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ) العقر أصله كشف العراقيب في الإبل وهو- كما قال الأزهري- أن يضرب قوائم البعير أو الناقة فيقع، وكانت هذه سنتهم في الذبح، ثم أطلق على كل نحر عقر، وإن لم يكن فيه كشف عراقيب، تسميته للشيء بما يلازمه غالبا، إطلاقا للسبب على مسببه. وقال ابن قتيبة: العقر: القتل كيف كان، يقال عقرتها فهي معقورة، وقيل: العقر الجرح. (عَتَوْا) تولوا عن أمر ربهم واستكبروا عن الامتثال له. (جاثِمِينَ) : جثم: أي لزم مكانه ولم يبرح، أو وقع على صدره. وقال أبو عبيدة: الجثوم للناس وللطير كالبروك للإبل. الإعراب: (قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) فعل وفاعل وصلة الموصول (إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) تقدم إعراب نظيره، والجملة مقول قولهم، ولم يقولوا: إنا بما أرسل به كافرون، كما هو ظاهر السياق، إظهارا لمخالفتهم، وإصرارا على عنادهم، وتحاشيا مما يوهم ظاهره إثباتهم لرسالته، وهم يجحدونها (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) الفاء الفصيحة، وعقروا الناقة فعل وفاعل ومفعول به، وعقروا عطف على

стр. 1496

عتوا، وعن أمر ربهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي: مستكبرين أو صادرين عما يوحيه العتو إليهم، ومثله: «وما فعلته عن أمري» ، وأسند العقر إلى الجميع، لأنه كان برضاهم، وإن لم يباشر القيام به إلا بعضهم (وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) عطف على ما تقدم، وجملة ائتنا في محل نصب مقول القول، وبما جار ومجرور متعلقان بائتنا، وجملة تعدنا صلة الموصول، وإن شرطية، والجواب محذوف دل عليه ما قبله، أي: فائتنا، ومن المرسلين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كنت (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) الفاء عاطفة، وأخذتهم الرجفة فعل ومفعول به وفاعل، فأصبحوا عطف على فأخذتهم، والواو اسم أصبحوا، وفي دارهم جار ومجرور متعلقان بجاثمين، وجاثمين خبر أصبحوا (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ: يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي) الفاء عاطفة للتعقيب، والظاهر أنه كان مشاهدا بعينه ما حصل لهم، فتولى مغتمّا متحزّنا لإصرارهم على الكفر. وعنهم جار ومجرور متعلقان بتولي، وقال عطف على فتولى، ويا حرف نداء، وقوم منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة، ولقد اللام جواب قسم محذوف، وقد حرف تحقيق، وأبلغتكم فعل ماض وفاعل ومفعول به أول، ورسالة ربي مفعول به ثان (وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) عطف على أبلغتكم، ولكم جار ومجرور متعلقان بنصحت، والواو حالية، ولكن حرف استدراك مخفف مهمل، ولا نافية، وجملة لا تحبون الناصحين حالية، لأنها حكاية حال ماضية.

стр. 1497

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٠ الى ٨١] وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) الإعراب: (وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ) الواو عاطفة على ما تقدم من القصص، أي: واذكر لوطا في ذلك الوقت. ولوطا مفعول به لفعل محذوف، أي: واذكر لوطا، وإذ ظرف مبدل من قوله: «ولوطا» ، أي: واذكر وقت قال لقومه، وجملة قال في محل جر بالإضافة، ولقومه جار ومجرور متعلقان بقال، والهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، وتأتون الفاحشة فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل نصب مقول القول (ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) هذه الجملة يصح فيها أن تكون مستأنفة مسوقة لتأكيد النكر وتشديد التوبيخ والتقريع، فإن مباشرة القبيح قبيحة، واختراعه أقبح، ويصح أن تكون حالية إما من الفاعل بمعنى أتأتونها مبتدئين بها، وإما من المفعول به معنى أتأتونها مبتدأ بها غير مسبوقة من غيركم. وسبقكم فعل ماض ومفعول به، وبها جار ومجرور متعلقان بسبقكم، أو بمحذوف حال، أي: ما سبقكم أحد مصاحبا لها، أي ملتبسا بها، ومن حرف جر زائد، وأحد فاعل سبقكم، ومن العالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لأحد (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان النوع من الفاحشة التي ابتدعوها، وإن واسمها، واللام المزحلقة، وجملة تأتون خبر إن، والرجال مفعول به، وشهوة مفعول لأجله، أي: لا دافع لكم إلا الشهوة المجردة، وهو ذم بليغ، لأنه إلحاق لهم بالبهيمية المرتطمة

стр. 1498

بالأقذار، ويجوز أن تعرب حالا بمعنى مشتهين، أي: تابعين لدواعي الشهوة وحوافزها، غير آبهين لسماجتها. ومن دون النساء جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الواو في «تأتون» ، أي، متجاوزين النساء، أو من الرجال (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) بل حرف إضراب عن الإنكار الى الإخبار عنهم بالحال التي توجب اقتران الفضائح والمذامّ. وأنتم مبتدأ، وقوم خبر، ومسرفون صفة. الفوائد: (بَلْ) تكون للإضراب والعطف والعدول عن شيء الى آخر، إن وقعت بعد كلام مثبت، خبرا كان أو أمرا، أو للاستدراك بمنزلة «لكن» إن وقعت بعد نفي أو نهي. ولا يعطف بها إلا بشرط أن يكون معطوفها مفردا غير جملة، وهي إن وقعت بعد الإيجاب أو الأمر كان معناها سلب الحكم عما قبلها، حتى كأنه مسكوت عنه، وجعله لما بعدها، نحو: قام علي بل خالد، ونحو: ليقم عليّ بل سعيد، وإن وقعت بعد النفي أو النهي كان معناها إثبات النفي أو النهي لما قبلها، وجعل ضدّه لما بعدها، نحو: ما قام علي بل خالد، ونحو: لا يذهب عليّ بل خالد. وإن تلاها جملة لم تكن للعطف بل تكون حرف ابتداء مفيدا للإضراب الإبطالي أو الانتقالي. فالأول كقوله تعالى «وقالوا: اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون» ، أي: بل هم عباد. والثاني كما في الآية الآنفة. وقد تزاد قبلها «لا» بعد إثبات أو نفي، فالأول كقول الشاعر: وجهك البدر لا بل الشمس لو لم ... يقض للشمس كسفنة أو أفول

стр. 1499

والثاني كقول الآخر: وما هجرتك لا بل زادني شغفا ... هجر وبعد تراخ لا إلى أجل [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٢ الى ٨٤] وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) اللغة: (الْغابِرِينَ) : الباقين، أي: الذين غبروا في ديارهم، أي بقوا فيها. والتذكير لتعليب الذكور على الإناث. وكانت امرأته كافرة مولية لأهل سدوم، بالدال المهملة، وقيل: هي بالمعجمة. وهي مدينة واقعة على شاطئ بحيرة طبرية. الإعراب: (وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا:) الواو عاطفة، وما نافية، وكان فعل ماض ناقص، وجواب خبرها المقدم، وقومه مضاف إليه، وإلا أداة حصر. وأن المصدرية وما في حيزها في تأويل مصدر اسم كان المؤخر، أي: إلا قولهم (أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ)

стр. 1500

الجملة في محل نصب مقول قولهم، ومن قريتكم جار ومجرور متعلقان بأخرجوهم، وإن واسمها، وأناس خبرها، والجملة تعليلية لا محل لها، أوردها تعبيرا عن سخريتهم واستهزائهم بلوط وقومه، وجملة يتطهرون صفة لأناس (فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) الفاء عاطفة على محذوف مفهوم من سياق الكلام، أي: فحل عليهم العذاب فأنجيناه. وأنجيناه فعل وفاعل ومفعول به، وأهله عطف على الهاء، أو مفعول معه، وإلا أداة استثناء، وأهله مستثنى، وجملة كانت من الغابرين استئنافية مسوقة للرد على سؤال نشأ عن استثنائها، كأنه قيل: فماذا كانت حالها؟ فقيل: كانت من الغابرين. أي الذين غبروا في ديارهم، أي: بقوا فيها فهلكوا (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً) الواو عاطفة، وأمطر فعل ماض، مثل مطر، ونا ضمير متصل في محل رفع فاعل، وعليهم جار ومجرور متعلقان بأمطرنا، ومطرا مفعول به، لأنه يراد به الحجارة، ولا يراد به المطر أصلا. وضمن أمطرنا معنى أرسلنا، ولذلك عدّي بعلى، ولو أراد المصدر لقال: إمطارا، كما هو القياس (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) الفاء استئنافية، وانظر فعل أمر، وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم، وعاقبة اسمها، والمجرمين مضاف إليه. الفوائد: شجر خلاف بين أهل اللغة حول مطر وأمطر، فقال أبو عبيدة: يقال: مطر في الرحمة، وأمطر في العذاب. وهذا مردود بقوله تعالى: «هذا عارض ممطرنا» ، فإنهم إنما عنوا الرحمة بذلك، وقال الزمخشري: «أي فرق بين مطر وأمطر» ؟ وأجاب عن هذا السؤال قائلا: يقال: مطرتهم السماء، وواد ممطور. وفي نوابغ الكلم:

стр. 1501

حرى ممطور، حرى أن يكون غير ممطور» ، وحرى الأول بمعنى ناحية وجانب، والثاني بمعنى جدير وحقيق، وممطور الأول مصاب بالمطر، والثاني بمعنى مذهوب فيه. «ومعنى مطرتهم: أصابتهم بالمطر، كقوله: غاثتهم وبلتهم وجادتهم ورهمتهم، ويقال: أمطرت عليهم كذا بمعنى أرسلته إليهم إرسال المطر، «فأمطر علينا حجارة من السماء» ، «وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل» ، ومعنى «وأمطرنا عليهم مطرا» وأرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا، يعني الحجارة» . وغاية الزمخشري من ذلك كله الرد على من يقول: مطرت السماء في الخير، وأمطرت في الشر، ويتوهم أنها تفرقة وضعية، فبيّن أن «أمطرت» معناه أرسلت شيئا على نحو المطر وإن لم يكن ماء، حتى أرسل الله من السماء أنواعا من الخيرات والأرزاق مثلا كالمن والسلوى لجاز أن يقال فيه: أمطرت السماء خيرات، أي: أرسلتها إرسال المطر، فليس للشر خصوصية في هذه الصيغة الرباعية، ولكن اتفق أن السماء لم ترسل شيئا سوى المطر، وإلا كان عذابا، فظن الواقع اتفاقا مقصودا في الوضع، فنبه الزمخشري على تحقيق الأمر فيه. وممن فرّق بين الثلاثي والرباعي الفيروزبادي صاحب القاموس، قال: وأمطرهم الله لا يقال إلا في العذاب.

стр. 1502

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٧] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) اللغة: (مَدْيَنَ) : اسم أعجمي، وهو اسم قبيلة، سموا باسم أبيهم مدين بن إبراهيم، وشعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين، وهو اسم قبيلة، فهو أخوهم في النسب، وليس من أنبياء بني إسرائيل. ومدين أيضا اسم قرية شعيب، فهو اسم مشترك بين القرية والقبيلة وأبيها. (تَبْخَسُوا) : تنقصوا، يقال: بخسته حقه إذا نقصته إياه، وفي المثل: تحسبها حمقاء وهي باخس. ومن غريب أمر الباء والخاء أنها إذا اجتمعا فاء وعينا للكلمة عبرنا عن التأثير في الأشياء، فمن ذلك البخت، وهو الحظ، وأثره أشهر من أن يذكر، وبخ لك كلمة إعجاب ومدح للشيء، وهي بالكسر والتنوين، وقد تشدد الخاء وتكرر،

стр. 1503

فيقال: بخّ بخّ، وتبنيان عندئذ على السكون، وبخر الثوب أحدث فيه رائحة طيبة، والبخر بفتحتين نتن الفم، فهو من الأضداد. والبخار وهو الماء في الحالة الغازية، وكل ما ارتفع من السوائل الحارّة كالدخان. وأثره في تسيير القواطر وغيرها مشهور متعارف، وبخص عينه قلعها، وبخع نفسه أهلكها، وبخل أمسك ومنع. الإعراب: (وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تكررت هذه الآية مرارا وقد تقدم إعرابها (قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) الجملة داخلة في حيز القول، منصوبة به، وبينة فاعل جاءتكم، ومن ربكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لبينة (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ) الفاء الفصيحة. وأوفوا فعل أمر، والواو فاعل، والكيل مفعول به، والميزان عطف على الكيل (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتبخسوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والواو فاعله، والناس مفعول به، وأشياءهم مفعول به ثان، يقال: بخسته حقه إذا أنقصته إياه (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها) عطف على ما تقدم، ولا ناهية، وتفسدوا فعل مضارع مجزوم بلا، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بتفسدوا، وبعد إصلاحها ظرف زمان متعلق بمحذوف حال، ولا بد من تقدير مضاف، أي: إصلاح أهلها (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الجملة مستأنفة، واسم الإشارة مبتدأ، وخير خبر، ولكم جار ومجرور متعلقان بخير، وإن شرطية، وكنتم كان واسمها في محل جزم فعل الشرط، ومؤمنين خبر كنتم، وجواب إن محذوف، أي: فبادروا الى الايمان (وَلا تَقْعُدُوا

стр. 1504

بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ) عطف أيضا، وبكل جار ومجرور متعلقان بتقعدوا، وصراط مضاف إليه، وجملة توعدون في محل نصب على الحال، أي: ولا تقعدوا موعدين (وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ) عطف أيضا، وعن سبيل الله جار ومجرور متعلقان بتصدون، ومن مفعول لتصدون، وجملة آمن به صلة، وبه جار ومجرور متعلقان بآمن (وَتَبْغُونَها عِوَجاً) وتبغونها فعل وفاعل ومفعول به، وعوجا حال وقع فيها المصدر موضع الاسم المشتق، أي: معوجة. ويجوز أن تكون الهاء في محل نصب بنزع الخافض، وعوجا مفعول به. وهو قول سليم تقدم في آل عمران، فجدد عهدا به (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ) عطف أيضا، وإذ ظرف لما مضى من الزمن في محل نصب مفعول به، أي: واذكروا شاكرين وقت كونكم قليلا عددكم. ويجوز أن تكون ظرفا، والمفعول به محذوفا، فيكون الظرف معمولا لذلك المحذوف، أي: واذكروا نعمته عليكم في ذلك الوقت، وجملة كنتم في محل جر بالإضافة، وكان واسمها وخبرها، فكثركم عطف على كنتم، أي: كثركم بالغنى بعد الفقر، وبالقدرة بعد الضعف (وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) عطف أيضا، وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم، وعاقبة المفسدين اسمها، وقد علق الاستفهام النظر فالجملة في محل نصب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بانظروا (وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) الواو عاطفة، وإن شرطية، وكان واسمها، منكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لطائفة، وجملة آمنوا خبر كان، وبالذي جار ومجرور متعلقان بآمنوا، وجملة أرسلت به صلة (وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا) طائفة عطف على طائفة الأولى، وجملة لم يؤمنوا معطوفة على جملة آمنوا التي هي خبر كان، من عطف الاسم وعطف الخبر على الخبر، وحذف متعلق لم يؤمنوا

стр. 1505

اكتفاء بمتعلق آمنوا (فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا) الفاء رابطة لجواب الشرط، وحتى حرف غاية وجر، ويحكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى، والجار والمجرور متعلقان باصبروا، وبيننا ظرف متعلق بيحكم (وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) الواو للحال أو الاستئناف، وهو مبتدأ، وخير الحاكمين خبره. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٨ الى ٨٩] قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) اللغة: (لَتَعُودُنَّ) : لفعل «عاد» في لغة العرب استعمالان: أحدهما وهو الأصل: الرجوع الى ما كان عليه من الحال الأول، وثانيهما: استعمالها بمعنى صار، وحينئذ ترفع الاسم وتنصب الخبر. وقد جرينا على الإعرابين.

стр. 1506

الإعراب: (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) تقدم هذا الإعراب بنصه، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان ما قالوه بعد ما سمعوا من المواعظ (لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا) اللام موطئة للقسم، ونخرجنك فعل مضارع مبني على الفتح، والكاف مفعول به، والذين عطف على الكاف أو مفعول معه، وجملة آمنوا صلة، ومعك ظرف مكان متعلق بالإخراج لا بالإيمان، وتوسيط النداء باسم شعيب زيادة بيان إغراقهم في الوقاحة والطغيان، ومن قريتنا جار ومجرور متعلقان بنخرجنك (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) أو عاطفة، ولتعودن عطف على جواب القسم الأول، أي: والله لنخرجنك والمؤمنين أو لتعودن، وتعودن هنا معرب لأنه لم يتصل مباشرة بنون التوكيد الثقيلة، وأصله تعودونن، فحذفت النون لتوالي الأمثال، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين، والواو إما فاعل وإما اسم تعود على الاستعمالين، وفي ملتنا جار ومجرور متعلقان بتعودن أو بمحذوف خبر تعودن (قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ) جملة القول مستأنفة مسوقة لبيان ردّ شعيب ﵇، والهمزة للاستفهام الإنكاري، أي إنكار، ولو شرطية لمجرد الربط لا لانتفاء الشيء في الزمن الماضي لانتفاء غيره فيه، وكان واسمها وخبرها، وجملة لو كنا كارهين في محل نصب حال من ضمير الفعل المقدر، أي: أنعود ولو كنا كارهين (قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ) الجملة مستأنفة مسوقة للتعجب من إصرارهم على موقفهم، وقد حرف تحقيق، وافترينا فعل وفاعل، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بافترينا، وكذبا مفعول به أو صفة لمصدر محذوف، وإن شرطية، وعدنا في ملتكم في محل جزم فعل الشرط، وتقدم إعراب الباقي على

стр. 1507

الاستعمالين، وجواب إن محذوف دل عليه ما قبله، أي: فقد افترينا الكذب (بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها) بعد ظرف زمان متعلق بمحذوف حال، والظرف مضاف الى ظرف آخر، وجملة نجانا في محل جر بالإضافة والله فاعل، ومنها جار ومجرور متعلقان بنجانا (وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها) الواو استئنافية مسوقة لاستبعاد العود، وما نافية، ويكون فعل مضارع، ولنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، وأن وما في حيزها هو اسم يكون، وفيها جار ومجرور متعلقان بنعود أو بمحذوف خبرها، على الاستعمالين (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا) في هذا الاستثناء وجهان: أحدهما أنه متصل، فعلى هذا يكون الاستثناء من أعم الأوقات أو الأحوال، وثانيهما أنه منقطع، فيكون التقدير: لكن إذا شاء الله العود، والله فاعل يشاء، وربنا بدل من الله (وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان سعة علم ربنا، ووسع فعل ماض، وربنا فاعل، وكل شيء مفعول به، وعلما تمييز محوّل عن الفاعل، أي وسع علمه كل شيء (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا) الجملة في موضع نصب على الحال، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بتوكلنا، وتوكلنا فعل وفاعل (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) الجملة مستأنفة، وربنا منادى مضاف، وافتح فعل أمر، وبيننا ظرف مكان متعلق بافتح، أي: احكم بيننا وبين قومنا، والواو للحال أو للاستئناف أيضا، وأنت مبتدأ، وخير الفاتحين خبر. الفوائد: اشتملت هاتان الآيتان على: كثير من الفوائد نلخصها فيما يلي:

стр. 1508

١- الشبهة في العود: إذا كانت «عاد» على معناها الأصلي فكيف يحسن أن يقال: «أو لتعودنّ» أي: ترجعنّ الى حالتكم الأولى، مع أن شعيبا ﵇ لم يكن قط على دينهم ولا في ملتهم؟ وقد أجيب عن هذه الشبهة بأمور: ١- إن هذا القول من رؤسائهم قصدوا به التلبيس والإيهام على العوام بأنه كان على دينهم وفي ملتهم. ٢- أن يراد بعوده رجوعه الى حاله قبل بعثته، وهي السكوت لأنه قبل أن يبعث يخفي إيمانه وهو ساكت. ٣- تغليب الجماعة على الواحد، لأنهم لما أصحبوه مع قومه في الإخراج أجروا عليهم حكم العود الى الملة تغليبا لهم عليه. على أن استعمال عاد بمعنى صار لا يستدعي العود الى حالة سابقة بل العكس من ذلك، وهو الانتقال من حالة سابقة الى حال مؤتنفة، وحينئذ تندفع الشبهة تماما. وثمة وجه لطيف فني لردّ الشبهة ليس بعيدا وهو أن تبقى عاد على معناها الأصلي، وهو أن يكون الكلام من وادي قوله تعالى: «الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات» والإخراج يستدعي دخولا سابقا فيما وقع الإخراج منه، ونحن نعلم أن المؤمن

стр. 1509

الناشئ في الإيمان المترعرع على ذراه لم يدخل قط في ظلمة الكفر ولا كان فيها، وكذلك الكافر الأصلي لم يدخل قط في نور الايمان ولا كان فيه، ولكن لما كان الايمان والكفر من الأفعال الاختيارية كان تعبيرا عن السبب بالمسبب لإقامة حجة الله على عباده. ٢- لزوم ما لا يلزم: وفي الآية الأولى لزوم ما لا يلزم وهي قوله تعالى: «لنخرجنك يا شعيب والذين معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا» فقد لزمت التاء قبل النون، وهذا ما يسمى «لزوم ما لا يلزم» ، وهو أن يلتزم الشاعر في شعره والناثر في نثره حرفا أو حرفين فصاعدا قبل حرف الرّويّ على قدر طاقته، ومقدار قوة عارضته، مشروطا بعدم الكلفة. وسيرد في القرآن الكثير منه. أبو العلاء المعرّي واللّزوم: وقد قال أبو العلاء: كثيّر أنا في حرفي أهبت له ... في التاء يلزم حرفا غير يلتزم فقد أرخ شاعرنا الفيلسوف في بيته الفنّ الذي أحبه ونذر له نفسه أولا وهو «لزوم ما لا يلزم» . ومعنى البيت أنه حذا حذو كثيّر عزة الذي التزم اللام في تائيته التي يقول في مستهلها: خليليّ هذا ربع عزّة فاعقلا ... قلوصيكما ثم احللا حيث حلّت

стр. 1510

وهذه القصيدة المستجادة تعدّ حسب رواية القالي خمسة وثلاثين بيتا، بناها من أولها الى آخرها على التزام حرف معين قبل الرّويّ، وهو أمر لم يسبق إليه شاعر من شعراء العرب في استخدام هذا النوع، فقلّده الشعراء، وهل أراد المعري ذلك؟ الجواب: لا، ومن رأينا أن المعري في اقتدائه بكثير عزّة لم يفعل ذلك، لأن كثيّرا أول من استخدم هذا الفن- كما توهم فريق من علماء البيان- بل لأن لزوم ما لا يلزم لم يرد إلا نادرا في شعر العرب قبل عصر كثير، كما أنه ورد في نبذ ومقطوعات قصيرة، أما كثير فقد نظم أشهر وأطول قصيدة لزومية تناقلتها الرواة. وقد أكثر شعراء العرب قبل كثير وبعده من التزام ما لا يلزم قبل تاء التأنيث هذه. هذا وقد بلغ أبو العلاء الغاية في لزومياته، فقد بنى قافية على دارهم، صدارهم، ملتزما فيها أربعة أحرف، وبنى أخرى على ضرائرهم، صرائرهم، سرائرهم، ملتزما فيها خمسة أحرف. ويطول بنا الحديث إن أردنا الاستشهاد فحسبنا ما تقدم. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٩٠ الى ٩٣] وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣)
следующие страницы →