← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

ما ومهما ظرفا زمان، وكفانا الرد عليه ابنه الشيخ بدر الدين بن محمد، وقد تأولنا نحن بعضها، وذكرنا ذلك في كتاب التكميل لشرح التسهيل من تأليفنا، وكفاه ردا نقله عن جميع النحويين خلاف ما قاله، لكن من يعاني علما يحتاج الى مثوله بين يدي الشيوخ، وأما من فسر «مهما» في الآية بأنها ظرف زمان فهو كما قال الزمخشري ملحد في آيات الله. وعبارة الزمخشري: «وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرّفها من لا يد له في علم العربية فيضعها غير موضعها، ويحسب «مهما» بمعنى «متى ما» ويقول مهما جئتني أعطيتك، وهذا من وضعه وليس من كلام واضعي العربية في شيء، ثم يذهب فيفسر: مهما تأتني به من آية، بمعنى الوقت فيلحد في آيات الله، وهو لا يشعر، وهذا وأمثاله مما يوجب الجثو بين يدي الناظر في كتاب سيبويه» . [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٣ الى ١٣٦] فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦)

стр. 1542

اللغة: (الطُّوفانَ) : اختلفت فيه أقوال علماء اللغة فقال بعضهم: هو اسم جنس كقمح وقمحة وشعير وشعيرة. وقيل بل هو مصدر كالنقصان والرجحان، وهذا قول المبرد. وهو يطلق في اللغة على الماء أو السيل المغرق، وعلى شدة ظلام الليل، وعلى الموت الذرّيع الجارف. والطوفان من كل شيء مهما كان كثيرا. (الْجَرادَ) : جمع جرادة، الذكر والأنثى فيه سواء، يقال: جرادة ذكر وجرادة أنثى، كنملة وحمامة. وهي صنفان الطيار وهو الذي يطير غالبا والزّحاف. (الْقُمَّلَ) : اختلفت فيه الأقوال كثيرا فقيل: هو القردان وقيل: دابة تشبهها أصغر منها، وقيل: هو السوس الذي يخرج من الحنطة، وقيل: هو نوع من الجراد أصغر منه وقيل: هو القمل بفتح القاف الذي يكون في بدن الإنسان وثيابه، فيكون فيه لغتان. (الضَّفادِعَ) : جمع ضفدع بوزن درهم، ويجوز كسر داله فيصير بزنة زبرج، والضفدع مؤنث وليس بمذكّر، فعلى هذا يفرق بين مذكره ومؤنثه بالوصف فيقال: ضفدع ذكر وضفدع أنثى، والجمع ضفادع وضفادي. (الرِّجْزُ) : العذاب.

стр. 1543

الإعراب: (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ) الفاء عاطفة، وأرسلنا فعل وفاعل، وعليهم: جار ومجرور متعلقان بأرسلنا، والطوفان مفعول به، وما بعده عطف عليه (آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ) آيات حال من الخمسة المذكورات: ومفصلات صفة، فاستكبروا عطف على أرسلنا، وكانوا قوما مجرمين كان واسمها، وقوما خبرها، ومجرمين صفة (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ) الواو عاطفة، ولما رابطة أو حينية، ووقع فعل ماض، وعليهم جار ومجرور متعلقان بوقع، والرجز فاعل، وجملة وقع لا محل لها أو في محل جر بالإضافة (قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ) جملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، ويا حرف نداء، وموسى منادى مفرد علم، وادع فعل أمر، ولنا جار ومجرور متعلقان ب «ادع» ، وربك مفعول به، وبما جار ومجرور متعلقان ب «ادع» وما مصدرية أو موصولة، وجملة عهد لا محل لها على كل حال، وعندك ظرف مكان متعلق بعهد (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) اللام موطئة للقسم، وإن شرطية وكشفت فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط، وعنا جار ومجرور متعلقان بكشفت، والرجز مفعول به، ولنؤمنن: اللام جواب للقسم، ونؤمنن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والجملة لا محل لها لأنها جواب للقسم، ولك جار ومجرور متعلقان بنؤمننّ (وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ) عطف على ما تقدم، ومعك ظرف مكان متعلق بنرسلن، وبني إسرائيل مفعول به (فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ) الفاء عاطفة، ولما رابطة أو حينية، وجملة كشفنا لا محل لها أو في محل جر بالإضافة،

стр. 1544

وكشفنا فعل وفاعل، والرجز مفعول به، وعنهم جار ومجرور متعلقان بكشفنا (إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ) الى أجل جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وهم مبتدأ، وبالغوه خبر، والجملة الاسمية صفة لأجل، وإذا الفجائية وقد تقدم أننا اخترنا الحرفية لها وجها، وهم مبتدأ، وجملة ينكثون خبره، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وقد استدل سيبويه بهذه الآية على أن «لما» حرف وجوب لوجوب، أي رابطة لا ظرف بمعنى حين- كما زعم بعضهم- لافتقاره الى عامل فيه، ولا يحتمل إضمارا، ولا يعمل ما بعد إذا الفجائية فيما قبلها (فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ) فانتقمنا عطف، ومنهم جار ومجرور متعلقان بانتقمنا، فأغرقناهم عطف أيضا، وفي اليم جار ومجرور متعلقان بأغرقناهم (بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ) بأنهم الباء وما في حيزها جار ومجرور متعلقان بأغرقناهم، ومعنى الباء السببية، أي: بسبب أنهم، وجملة كذبوا خبر أن، وكانوا عطف على كذبوا، وعنها جار ومجرور متعلقان بغافلين، وغافلين خبر كانوا. البلاغة: سر استعمال القمّل: وردت لفظة «القمّل» في آية من القرآن حسنة مستساغة، وقد وردت في بيت للفرزدق غير حسنة مستهجنة، وهو: من عزّه احتجزت كليب عنده ... زربا كأنهم لديه القمّل وإنما حسنت هذه اللفظة في الآية دون البيت لأنها جاءت في الآية

стр. 1545

مندرجة في ضمن كلام متناسب، ولم ينقطع الكلام عندها، وجاءت في الشعر قافية، أي: آخرا انقطع الكلام عندها، فقد تضمنت الآية خمسة ألفاظ هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وأحسن هذه الألفاظ الخمسة هي الطوفان والجراد والدم، فلما وردت هذه الألفاظ الخمسة بجملتها قدم منها الطوفان والجراد وأخرت لفظة الدم آخرا، وجعلت لفظة القمل والضفادع في الوسط، ليطرق السمع أولا الحسن من الألفاظ الخمسة، وينتهي إليه آخرا. ثم إن لفظة «الدم» أحسن من لفظتي «الطوفان» و «الجراد» ، وأخف في الاستعمال، ومن أجل ذلك جيء بها آخرا. ومراعاة مثل هذه الأسرار والدقائق في استعمال الألفاظ ليس من القدرة البشرية. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٧ الى ١٣٨] وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)

стр. 1546

اللغة: (كَلِمَتُ رَبِّكَ) نصّوا على رسم هذه بالتاء المجزورة (أي المبسوطة) وما عداها في القرآن بالهاء على الأصل، والمراد بالكلمة وعده تعالى لهم بقوله: «ونريد أن نمنّ» إلخ. (يَعْرِشُونَ) : بضم الراء وكسرها، وقد قرئ بهما في السبع. أي يرفعون من البنيان تمهيدا للشروع في قصة بني إسرائيل وما أحدثوه بعد إنقاذهم من فرعون من أنواع الكفر وأنماط التعنت والشطط مما لا تزال شواهده نواطق بحقائقهم. الإعراب: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا) الواو عاطفة أو استئنافية، وأورثنا القوم فعل وفاعل ومفعول به، والذين صفة للقوم، وجملة كانوا صلة الموصول، وجملة يستضعفون خبر كانوا، ويستضعفون فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، مشارق الأرض مفعول به ثان، ومغاربها عطف على مشارق (الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا) التي اسم موصول صفة للمشارق والمغارب، وجملة باركنا لا محل لها لأنها صلة الموصول، وفيها جار ومجرور متعلقان بباركنا، وتمت كلمة ربك عطف على «أورثنا» ، وكلمة فاعل، والحسنى صفة لكلمة، وعلى بني إسرائيل جار ومجرور متعلقان بتمت وبما جار ومجرور متعلقان بصبروا (وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) الواو عاطفة، ودمرنا فعل وفاعل، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة كان صلة، واسم كان

стр. 1547

ضمير مستتر، وجملة يصنع خبر كان، وفرعون فاعله، وقومه عطف على فرعون، و «ما» عطف على «ما» الأولى، وجملة كانوا يعرشون صلة «ما» وجملة يعرشون خبر كانوا (وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ) الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق للشروع في قصة بني إسرائيل وما أحدثوه من بدع للاعتبار والاتعاظ بحال الإنسان المفطور على الشرّ. وببني إسرائيل جار ومجرور متعلقان بجاوزنا، والبحر مفعول به، ويجوز أن يتعلق «ببني» بمحذوف حال (فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ) فأتوا عطف على جاوزنا، وعلى قوم جار ومجرور متعلقان بأتوا، وجملة يعكفون صفة لقوم، وعلى أصنام جار ومجرور متعلقان بيعكفون، ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لأصنام (قالُوا: يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ) كلام مستأنف مسوق لبيان تعنتهم وافتئاتهم وطلبهم الآلهة ورؤية الله جهرة، وغير ذلك من أنواع المعاصي. وجملة اجعل مقول القول، ولنا جار ومجرور متعلقان باجعل، أو بمحذوف مفعول به أول، وإلها مفعول به ثان. وكما الكاف حرف جر، وما اسم موصول بمعنى الذي، ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة، وآلهة بدل من الضمير المستكن في «لهم» والتقدير: كالذي استقر هو لهم آلهة، والكاف ومجرورها صفة لإلها، واختار الزمخشري أن تكون «ما» كافة للكاف، فهي كافة ومكفوفة، ولذلك وقعت الجملة بعدها (قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) كلام مستأنف لبيان جواب موسى لهم، وإن واسمها وخبرها، وجملة تجهلون صفة لقوم، وجملة إنكم مقول القول. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٩ الى ١٤١] إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)

стр. 1548

اللغة: (مُتَبَّرٌ) مكسّر، فهو اسم مفعول من تبر، أي: دمّر وأهلك، والمصدر التتبير. ومنه التبر وهو كسارة الذهب، لتهالك الناس عليه. الإعراب: (إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان مصيرهم الذي يئولون إليه. وإن حرف مشبه بالفعل، وهؤلاء اسم إشارة اسم إن، ومتبر يجوز أن يكون خبر إن، وما اسم موصول في محل رفع نائب فاعل لمتبر، وهم فيه مبتدأ وخبر، والجملة لا محل لها لإنها صلة، ويجوز أن يكون الموصول مبتدأ، ومتبر خبره المقدم عليه، والجملة خبر إن (وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) الواو حرف عطف، وباطل خبر مقدم، وما مبتدأ مؤخر، وكانوا يعملون من كان واسمها وخبرها صلة «ما» ، ولك أن تعطف «باطل» على «متبر» وتجعل «ما» فاعلا لباطل لأنه اسم فاعل (قالَ: أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان شئون الله الموجبة لتخصيص العبادة به. والهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، وغير مفعول به لفعل

стр. 1549

محذوف، أي: أأطلب لكم معبودا غير المستحق للعبادة؟ وجملة أبغيكم مقول القول، وإلها تمييز أو حال، ويجوز أن يكون «غير» مفعولا مقدما لأبغيكم، والكاف منصوبة بنزع الخافض، أي: أأبغي لكم غير الله؟ ويجوز على هذا الوجه إعراب «غير» حالا وإلها هو المفعول به (وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ) الواو حالية، وهو مبتدأ، وجملة فضلكم خبر، والجملة كلها حالية، وعلى العالمين جار ومجرور متعلقان بفضلكم، ويجوز أن تكون الواو للاستئناف، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب (وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) الواو عاطفة أو استئنافية، وإذ مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكروا وقت أنجيناكم، وجملة أنجيناكم في محل جر بالإضافة، ومن آل جار ومجرور متعلقان بأنجيناكم، وفرعون مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة لمنعه من الصرف (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ) الجملة نصب على الحال من آل فرعون، ويسومونكم فعل مضارع وفاعل ومفعول به أول، وسوء العذاب مفعول به ثان (يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ) جملة يقتلونكم بدل من جملة يسومونكم، ويستحيون نساءكم جملة معطوفة عليها (وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) الواو حالية أو استئنافية، وفي ذلكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وبلاء مبتدأ مؤخر، ومن ربكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لبلاء، وعظيم صفة ثانية.

стр. 1550

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٢ الى ١٤٣] وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) الإعراب: (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ) الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لتفصيل ما أجمله في سورة البقرة، وهو قوله تعالى: «وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة» ، وواعدنا موسى فعل وفاعل ومفعول به، وثلاثين مفعول به ثان لواعدنا، وفيه حذف مضاف تقديره: تمام ثلاثين، وليلة تمييز، وذلك ليصومها حتى نكلمه، وأتممناها عطف على واعدنا، وبعشر جار ومجرور متعلقان بأتممناها (فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) الفاء عاطفة، وتم ميقات فعل وفاعل، وربه مضاف إليه، وأربعين حال، أي تمّ بالغا هذا العدد، وليلة تمييز، وسيأتي في باب الفوائد تعليل نصبها على الحال. وقيل: هو مفعول «تم» لأن معناه بلغ، ولا يصح أن يكون ظرفا للتمام، لأن التمام إنما هو بآخر جزء من تلك الأزمنة (وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ) الواو عاطفة، وقال موسى فعل وفاعل، ولأخيه جار ومجرور متعلقان

стр. 1551

بقال. وهارون: بدل من أخيه أو عطف بيان (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) الجملة مقول قول موسى، واخلفني فعل أمر ومفعول به، وفي قومي جار ومجرور متعلقان باخلفني، وأصلح عطف على اخلفني، ولا تتبع الواو حرف عطف، ولا الناهية وتتبع فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وسبيل المفسدين مفعول به (وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا) الواو عاطفة، ولما رابطة أو حينية، متضمنة معنى الشرط، وجملة جاء موسى لا محل لها. أو في محل جر بالإضافة، ولميقاتنا جار ومجرور متعلقان بجاء، واللام للاختصاص، كما تقول: أتيته لعشر خلون من الشهر (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) وكلمه ربه عطف على جاء، وربه فاعل كلمه. وجملة قال لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، ورب منادى مضاف محذوف منه حرف النداء، وأرني فعل أمر للدعاء، وفاعله مستتر، والنون للوقاية، والياء مفعول به أول، ومفعول الرؤية الثاني محذوف تقديره: نفسك، وأنظر فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وجملة الطلب وجوابه مقول القول، وإليك جار ومجرور متعلقان بأنظر (قالَ لَنْ تَرانِي) الجملة مقول القول، ولن حرف نفي ونصب واستقبال، وتراني فعل مضارع منصوب بلن والياء مفعول به (وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي) الواو عاطفة، ولكن حرف استدراك مخفف مهمل، وانظر فعل أمر، والى الجبل جار ومجرور متعلقان بانظر، فإن الفاء عاطفة، وإن شرطية، واستقر فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، ومكانه ظرف مكان متعلق باستقر، فسوف الفاء رابطة لجواب الشرط، وسوف حرف استقبال، وتراني فعل مضارع، والجملة في محل جزم جواب الشرط (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) الفاء عاطفة، ولما رابطة أو حينية، وتجلى ربه فعل وفاعل،

стр. 1552

وللجبل جار ومجرور متعلقان بتجلى، وجعله فعل ومفعول به، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، ودكا مفعول به ثان لجعله، لأنه مصدر بمعنى مفعول، أي: مدكوك، ويجوز نصبه على المصدرية، إذ التقدير: دكه دكا (وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) صعقا حال (فَلَمَّا أَفاقَ قالَ: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) الفاء عاطفة، ولما رابطة أو حينية، وجملة أفاق لا محل لها، أو في محل جر بالإضافة، وجملة قال لا محل لها، وسبحانك مفعول مطلق لفعل محذوف، وتبت فعل وفاعل، وإليك جار ومجرور متعلقان بتبت، وأنا الواو عاطفة، وأنا مبتدأ، وأول المؤمنين خبر. الفوائد: رؤية الله في الآخرة: استدل الزمخشري وغيره من أئمة المعتزلة على عدم رؤية الله تعالى في الآخر ب «لن» ، قالوا: هي للتأكيد والتأبيد. ورد عليهم علماء السنة، وشجر خلاف طويل حول ذلك، وجر إلى التهاتر والتراشق بالحساب العسير والتهم، مما لا يتسع المجال له في كتابنا. فارجع إليه في المطولات. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٤ الى ١٤٦] قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦)

стр. 1553

الإعراب: (قالَ: يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي) كلام مستأنف مسوق لتسلية موسى ﵇ على ما فاته من الرؤية. وجملة النداء في محل نصب مقول القول، وإن واسمها، وجملة اصطفيتك خبر، وعلى الناس جار ومجرور متعلقان باصطفيتك، وبرسالاتي جار ومجرور متعلقان باصطفيتك أيضا، وجمع الرسالة لأن الذي أرسل به ضروب وأنواع مختلفة، وبكلامي عطف على برسالاتي، وقدم الرسالة تنويها بالترقي إلى الأشرف، لأن مكالمته مزية خاصة له، وأعاد حرف الجر تنويها بمغايرة الاصطفاء للكلام (فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) الفاء الفصيحة، والجملة بعدها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وجملة آتيتك صلة «ما» ، وكن من الشاكرين عطف على خذ، ومن الشاكرين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر «كن» (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) الواو استئنافية، وكتبنا فعل وفاعل، وله جار ومجرور متعلقان بكتبنا، وفي

стр. 1554

الألواح جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، ومن كل شيء جاء ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول به، والمراد ألواح التوراة (مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) موعظة بدل من محل «من كل شيء» ، لأنه مفعول به كما تقدم، ويجوز إعراب «موعظة» مفعولا من أجله، أي: كتبنا له تلك الأشياء للموعظة والتفصيل، ولكل شيء جار ومجرور متعلقان ب «تفصيلا» أو صفة له (فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ) الفاء الفصيحة أو عاطفة لمحذوف على كتبنا، والتقدير: فقلنا خذها، وخذ فعل أمر، والهاء مفعول به. وبقوة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل خذها، وجملة امر عطف على خذها، وقومك مفعول به، ويأخذوا فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب، وخص الأحسن بالأخذ، وكل ما فيها مطلوب، مبالغة في التحري وحسن الأخذ واختيار الأسدّ المحكم، أو ان التفضيل غير مراد كقولهم: الصيف أحر من الشتاء، أي هو في حرّه أبلغ من الشتاء في برده، فتفضيل حرارة الصيف على برد الشتاء غير مراد، فلما أريد بالأحسن المأمور به- لكونه أبلغ في الحسن من المنهي عنه في القبح- كان اللازم أن لا يجوز الأخذ بالمنهي عنه، وسأريكم دار الفاسقين جملة مستأنفة مسوقة للتأكيد للأمر بالأخذ بالأحسن والحث عليه، فهي بمثابة التعليل، ولا يخفى ما في الالتفات من زيادة في التأكيد والمبالغة للأخذ بالأحسن. أما دار الفاسقين فقيل: هي دار فرعون وأتباعه، للاعتبار بها، وقيل: هي غير ذلك، ولا محل للاجتهاد هنا (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) كلام مستأنف مسوق للتحذير من الاستكبار الصارف للأذهان عن التفكير الحق. وعن آياتي جار ومجرور متعلقان بأصرف، والذين اسم موصول في محل نصب مفعول

стр. 1555

به، وجملة يتكبرون صلة، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بيتكبرون، وبغير الحق جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الذين يتكبرون، أي: حال كونهم ملتبسين بالدين غير الحقّ (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها) الواو عاطفة، وإن شرطية، ويروا فعل الشرط، والواو فاعل، وكل آية مفعول به، وجملة لا يؤمنوا جواب الشرط، وبها جار ومجرور متعلقان بيؤمنوا (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) عطف على ما تقدّم، وسبيلا مفعول به ثان (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) عطف على ما سبق أيضا (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ) اسم الاشارة في محل رفع أو نصب: فالرفع على أنه مبتدأ خبره الجار والمجرور بعده، أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم، والنصب على أنه بمعنى صرفهم عن ذلك الصرف بعينه، فجعله مصدرا مفعولا به، وعلى كل حال فالجملة ابتدائية لا محل لها، وجملة كذبوا خبر أن، وبآياتنا جار ومجرور متعلقان بكذبوا، وكانوا عطف على كذبوا، والواو اسم كان، وعنها جار ومجرور متعلقان بغافلين، وغافلين خبر كانوا. البلاغة: ١- الالتفات في قوله: «سأريكم دار الفاسقين» لاسترعاء الاهتمام كما أسلفنا. ٢- الطباق بين سبيل الرشد وسبيل الغيّ. ولما كانت المقابلة بينهما بالسلب ظهر حسنها بصورة واضحة.

стр. 1556

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٧ الى ١٤٨] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) اللغة: (حُلِيِّهِمْ) : جمع حلي كثدي وثديّ، وأصله حلويّ، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت ياء وأدغمت في الياء وكسرت اللام لأجل الياء. والحلي اسم لما يتحلى به من الذهب والفضة. (خُوارٌ) : بضم الخاء كما هي القاعدة الأغلبية في أسماء الأصوات، إما على وزن فعال أو فعيل كزئير. الإعراب: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة لبيان نمط آخر من عصيانهم وافتئاتهم على الله. واسم الموصول في محل رفع مبتدأ، وجملة كذبوا بآياتنا صلة، ولقاء الآخرة عطف على بآياتنا، وجملة حبطت أعمالهم خبر المبتدأ (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) الهمزة للاستفهام، المراد به النفي، ولذلك دخلت بعدها «إلا» ، ويجزون فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، وإلا أداة حصر، وما اسم موصول

стр. 1557

في محل نصب مفعول به ثان، وجملة كانوا صلة الموصول، وجملة يعملون خبر، ولا أرى داعيا لتقدير محذوف، كما قال الواحديّ، ونصه: «وهنا لا بد من تقدير محذوف، أي إلا بما كانوا، أو على ما كانوا، أو جزاء ما كانوا» . قلت: والجزاء المقابل أوضح، فلا داعي لهذا التكلف. (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ) الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لسرد نمط آخر من أنماط تجنيهم، ويجوز أن تكون الواو عاطفة، من عطف قصة على قصة. وقوم موسى فاعل، ومن بعده جار ومجرور متعلقان باتخذ، ومن حليهم جار ومجرور متعلقان باتخذ، أو بمحذوف في موضع الحال، لأنه لو تأخر لكان صفة، كما هي القاعدة. وعجلا مفعول به، وجسدا بدل، وأتى بهذا البدل دفعا لتوهم أنه صورة عجل منقوشة، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وخوار مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب صفة لقوله: «عجلا» (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا) كلام مستأنف مسوق لتقريعهم على سوء اختيارهم، وإمعانهم في ركوب متن الشطط. والهمزة للاستفهام الإنكاري، ولم حرف نفي وقلب وجزم، والواو فاعل يروا، وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يروا، وجملة لا يكلمهم خبر، ولا يهديهم سبيلا عطف على لا يكلمهم، وسبيلا مفعول به ثان، أو منصوب بنزع الخافض (اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ) جملة مستأنفة مسوقة لتكون جوابا عن سؤال نشأ من سياق الكلام، أي: فكيف اتخذوه؟ والواو عاطفة، وكان واسمها، وظالمين خبرها.

стр. 1558

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٩ الى ١٥١] وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) اللغة: (سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) : اضطربت أقوال أهل اللغة في أصل هذه الكلمة، وهي تستعمل للندم والتّحيّر. فقال أبو مروان اللغوي: قول العرب: سقط في يده مما أعياني معناه. وقال الواحدي: قد بان من أقوال المفسرين وأهل اللغة أن سقط في يده: ندم. وأنه يستعمل في صفة النادم. فأما القول في مأخذه وأصله فلم أر لأحد من أئمة اللغة شيئا أرتضيه فيه. وقال الزّجّاج: قوله تعالى: «سقط في أيديهم» : بمعنى ندموا، وهذه اللفظة لم تسمع قبل القرآن، ولم تعرفها العرب في النظم والنثر، جاهلية وإسلاما. فلما سمعوه خفي عليهم وجه استعماله، لأنه لم يقرع أسماعهم، فقال أبو نواس: «في نشوة قد سقطت منها يدي» وهو العالم النحرير

стр. 1559

فأخطأ في استعماله. وعبارة الفراء: يجوز سقط وأسقط، وترك الهمزة هو الأكثر الأجود، وسقط بالفتح والبناء للفاعل لغة قليلة، قال الأخفش: وقد قرئ بها في الشواذّ كأنه أضمر الندم، أي: سقط الندم في أيديهم. وقال المطرزي: سقط في يده مثل يضرب للنادم المتحيّر، ومعناه ندم. لأن من شأن من اشتد ندمه أن يعضّ يده فتصير يده مسقوطا فيها، كأن فاه وقع فيها. هذا وترى مزيدا من القول في هذه اللفظة في باب البلاغة. الإعراب: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان مصيرهم بعد ارتكاب جريرتهم. ولما رابطة أو حينية، وسقط بالبناء للمجهول، وفي أيديهم قائم مقام نائب الفاعل، وفي بمعنى على، أي: على أيديهم (وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا) عطف على سقط في أيديهم، وأن وما في حيزها سدت مسدّ مفعولي رأوا، لأنها بمعنى علموا، وجملة قد ضلوا خبر أن (قالُوا: لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا) جملة قالوا لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم، واللام موطئة للقسم، وإن شرطية، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويرحمنا فعل مضارع مجزوم بلم، ونا مفعول به، وربنا فاعل مؤخر، ويغفر الواو حرف عطف، وجملة يغفر عطف على يرحمنا، ولنا جار ومجرور متعلقان بيغفر (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) اللام جواب للقسم، ونكونن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وجملة جواب القسم لا محل لها، وجملة القسم في محل نصب مقول القول، ومن الخاسرين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر نكونن (وَلَمَّا رَجَعَ

стр. 1560

مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً) الواو استئنافية، أو عاطفة، ولما رابطة أو حينية، وجملة رجع موسى لا محل لها، أو في محل جر بالإضافة، والى قومه جار ومجرور متعلقان برجع، وغضبان حال أولى، وأسفا حال ثانية من موسى (قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي) بئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وجوبا هنا خاصة. وما نكرة موصوفة في محل نصب تمييز، والمعنى خلافة، وجملة خلفتموني صفة لما، والمخصوص بالذم محذوف أي: خلافتكم، ومن بعدي جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) الهمزة للاستفهام الإنكاري التقريعي، وعجلتم أي: سبقتم فعل وفاعل، وأمر ربكم مفعول به، وكلها تتمة مقولهم (وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) الواو عاطفة، وألقى عطف على قال، والمراد هنا استيلاء الغضب، وأخذ عطف على ألقى، وبرأس جار ومجرور متعلقان بأخذ، وأخيه مضاف إليه، وجملة يجره إليه حال من ضمير موسى المستتر في أخذ، أي: أخذه جارّا برأسه إليه (قالَ ابْنَ أُمَّ) ابن أمّ اسمان مبنيان على الفتح لتركبهما تركيب الأعداد، مثل خمسة عشر أو الظروف مثل صباح مساء، فعلى هذا ليس ابن مضاف لأم بل هو مركب معها، فحركتهما حركة بناء. وذهب الكوفيون الى أن ابن مضاف لأمّ، وأمّ مضاف الى ياء المتكلم، وقد قلبت ألفا كما تقلب في المنادى المضاف الى ياء المتكلم، ثم حذفت الألف واجتزئ عنها بالفتحة كما يجتزأ بالياء عن الكسرة، وحينئذ فحركة ابن حركة إعراب، وهو مضاف لأمّ، فهي في محل جر بالإضافة، وعلى كل فحرف النداء محذوف أي: يا ابن أم، وانما اقتصر في خطابه على الأم مع أنه شقيقه لأن ذكر الأم أعطف لقلبه (إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي) الجملة بمثابة التعليل لما عاملوه به. وإن واسمها، وجملة استضعفوني خبرها،

стр. 1561

وكادوا عطف على استضعفوني، والواو اسم كاد، وجملة يقتلونني خبرها (فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ) الفاء الفصيحة، أي: إذا علمت عذري فلا تسرّ الأعداء بما تفعل بي من المكروه، وبي جار ومجرور متعلقان بتشمت، والأعداء مفعول به (وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتجعلني فعل مضارع مجزوم بلا، ومع ظرف مكان متعلق بتجعلني، والقوم مضاف إليه والظالمين صفة (قالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي) الجملة مستأنفة مسوقة لطلب المغفرة له ولأخيه، ورب منادى محذوف منه حرف النداء، واغفر فعل دعاء، ولي جار ومجرور متعلقان باغفر، ولأخي عطف على «لي» (وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) عطف على اغفر، وفي رحمتك جار ومجرور متعلقان بأدخلنا، وأنت الواو حالية أو استئنافية، وأنت مبتدأ، وأرحم الراحمين خبر. البلاغة: الكناية في قوله: «سقط في أيديهم» عن الندم فإن العادة أن الإنسان إذا ندم على شيء عضّ بفمه على أصابعه، فسقوط الأفواه على الأيدي لازم للندم، فأطلق اسم اللازم وأريد الملزوم على سبيل الكناية. وقال الزمخشري: «ولما سقط في أيديهم: ولما اشتد ندمهم، وحسرتهم على عبادة العجل، لأن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعضّ يده غما فتصير يده مسقوطا فيها لأن فاه قد وقع فيها» . وقال القطب في شرح الكشاف: إنه على تفسير الزّجّاج استعارة تمثيلية، لأنه شبه حال الندم في القلب بحال الشيء في اليد، وفيل: هو على تفسيره، استعارة بالكناية في الندم بتشبيهه ما يرى في العين.

стр. 1562

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٢ الى ١٥٤] إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) كلام مستأنف، مسوق لإخبار موسى بما سينالهم بعد هذه الكبائر المتتابعة. وإن واسمها، وجملة اتخذوا العجل لا محل لها لأنها صلة الموصول، وجملة سينالهم خبر إن، وغضب فاعل، ومن ربهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لغضب، وذلة عطف على غضب، وفي الحياة جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لذلة، والدنيا صفة للحياة (وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) أي: مثل ذلك الجزاء نجزيهم، وقد تقدمت له نظائر كثيرة (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا) عطف على الذين السابقة أو مبتدأ، وجملة عملوا السيئات صلة، ثم تابوا عطف على عملوا، ومن بعدها جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وآمنوا عطف على عملوا (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ

стр. 1563

رَحِيمٌ) إن واسمها، ومن بعدها جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، واللام المزحلقة، وغفور خبر أول لإنّ، ورحيم خبر ثان، والجملة كلها خبر الذين (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان المبالغة، ولما رابطة أو حينية، وقد تكررت مرارا، وسكت الغضب فعل وفاعل، وعن موسى جار ومجرور متعلقان بسكت، وجملة سكت لا محل لها أو في محل جر بالإضافة (أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، والواو حالية، وفي نسختها جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وهدى مبتدأ مؤخر، ورحمة عطف على هدى، وللذين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة، وهم مبتدأ، وجملة يرهبون خبر، ولربهم جار ومجرور متعلقان بيرهبون، ودخلت اللام لتقوية المفعول به لأن تأخر الفعل يكسبه ضعفا، ونحوه: للرؤيا تعبرون، وقال الكسائي: إنها زائدة. وقال المبرد: هي متعلقة بمصدر الفعل المذكور، والتقدير للذين رهبتهم لربهم يرهبون، وجملة هم لربهم يرهبون صلة. البلاغة: في قوله: «ولما سكت عن موسى الغضب» استعارتان: ١- استعارة تصريحية تبعية: بتشبيه السكون بالسكوت. ٢- استعارة مكنية: في تشبيه الغضب بإنسان ناطق يغري موسى ويقول له: قل

стр. 1564

لقومك كذا وكذا، وألق الألواح، وخذ برأس أخيك. ثم يقطع الإغراء ويترك الكلام. أقسام أخرى للاستعارة: وقد تقدم القول في الاستعارة، ونعود هنا فنقول: إن هذه الاستعارة، وهي إسناد السكوت الى الغضب فيها، هي استعارة معقول للمشاركة في أمر معقول، وهي واحدة من خمس للاستعارات: فالمستعار السكوت، والمستعار له الغضب، والمستعار منه الساكت، والمعنى «ولما زال عن موسى الغضب» لأن حقيقة السكوت زوال الكلام وحقيقة زوال الغضب عدم ما يدل عليه من الكلام أو غيره في تلك الحال، وغضب موسى إنما عرف هنالك من قوله: «بئسما خلفتموني من بعدي» فإن هذا الكلام كان مقدمة إلقاء الألواح، ولما زال الكلام الدال على الغضب، حسنت استعارة السكوت للغضب، ولا يلزم من سكوت الغضب حصول الرضا، فإن موسى لم يرض بمعصيتهم ولا ببقائهم على المعصية حتى تحصل التوبة، ولهذا أخبر سبحانه عنه بسكوت الغضب دون حصول الرضا، وهذه الاستعارة ألطف الاستعارات الخمس لأنها استعارة معقول لمعقول للمشاركة في أمر معقول. الأقسام الأربعة الأخرى: أما الأقسام الأربعة الأخرى فهي: ٢- استعارة المحسوس للمحسوس للاشتراك في أمر معقول، وهو الاستعارة المركبة من الكثيف اللطيف، ومثالها قوله تعالى:

стр. 1565

«إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم» فإن المستعار له: الريح، والمستعار منه: ذات النتاج، والمستعار العقيم، وهو عدم النتاج، والمشاركة بين المستعار له والمستعار منه في عدم النتاج وهو شيء معقول. ٣- استعارة المحسوس للمعقول وهي ألطف من المركّبة. ومثالها قوله تعالى: «بل نقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» . فالقذف والدفع مستعاران، وهما محسوسان، والحق والباطل مستعار لهما، وهما معقولان، ومثله قوله تعالى: «ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس» فالمستعار الحبل وهو محسوس، والمستعار له العهد وهو معقول، والمشاركة بينهما في الاتصال، لأن العهد يصل بين المعاهد والمسلم كما يصل الحبل بين المرتبطين، وهو شيء محسوس، ومن هذا القسم قوله تعالى: «فاصدع بما تؤمر» ، فالمستعار منه الزجاجة، والمستعار الصدع وهو الشقّ، والمستعار له هو عقوق المكلفين، والمعنى صرّح بجميع ما أوحي إليك، وبين كل ما أمرت ببيانه، وإن شق ذلك على بعض القلوب فانصدعت، والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصديع في القلوب، فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من التّقبّض والانبساط، ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار كما يظهر ذلك على ظاهر الزجاجة المصدوعة من المطروقة في باطنها. يروى أن بعض الأعراب لما سمع هذه اللفظات الثلاث سجد فقيل: لم سجدت؟ فقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام. ٤- استعارة المعقول للمحسوس بالاشتراك في أمر معقول. ومثالها قوله تعالى: «إنا لماطغى الماء حملناكم في الجارية» فالمستعار له كثرة الماء وهي حسّيّة، والمستعار منه التكبر وهو عقلي، والجامع

стр. 1566

الاستعلاء المفرط، وهو عقلي أيضا. وستأتي للاستعارة أبحاث أخرى في محلها من هذا الكتاب. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٥ الى ١٥٧] وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)

стр. 1567

اللغة: (هُدْنا) تبنا ورجعنا عن المعصية وجئناك معتذرين منها، من هاد يهود إذا رجع، وأصل الهود: الرجوع برفق، وبه سميت اليهود، وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم، وبعده صار اسم ذم لازما لهم أبدا يتّسمون به الى الأبد، والهود جمع هائد وهو التائب. ولبعضهم، يا راكب الذّنب هدهد ... واسجد كأنك هدهد شبه ملازمته للذنب بملازمة الراكب للمركوب، وشبه الساجد بالهدهد، لكثرة ما يطرق برأسه الى الأرض. (الْأُمِّيَّ) : نسبة الى الأم، كأنه باق على حالته التي ولد عليها. والمراد به الذي لا يقرأ الخط ولا يكتب، وهذا الوصف مما اختصّ به محمد ﷺ ، ويجوز أن تكون نسبته الى الأمة، وهي أمة العرب، وذلك لأن العرب لا تحسب ولا تكتب، ويجوز أن يكون نسبة الى الأم مصدر أمّ يؤمّ، أي قصد يقصد، والمعنى على هذا: أن هذا النبي العربي الكريم مقصود لكلّ أحد، فإن قيل: كان ينبغي أن يقال في النسبة أمّيّ بفتح الهمزة، قلنا إنه من تغيير النسب. وسيأتي مزيد من هذا الوصف في باب الفوائد. (الإصر) : الثقل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه عن الحركة

стр. 1568

لثقله. والمراد بالإصر هنا العهد والميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل أن يعملوا بأحكام التوراة. (الْأَغْلالَ) : جمع غلّ، والغل بالضمّ طوق من حديد يجعل في العنق. الإعراب: (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا) كلام مستأنف مسوق لسرد قصة الذين لم يعبدوا العجل، وقد أمره الله باختيار سبعين منهم. والتفاصيل في المطوّلات. واختار موسى فعل وفاعل، وقومه منصوب بنزع الخافض، أي من قومه، فحذف الجار وأوصل الفعل، وسبعين مفعول به لاختار، وقد تقدم حديث الأفعال التي تعدت الى اثنين أحدهما بنفسه والآخر بوساطة حرف الجر، وهي مقصورة على السماع، وهي: اختار واستغفر وأمر وكنى، ودعا وزوج وصدق، ثم يحذف حرف الجر ويتعدى إليه الفعل، فتقول: اخترت زيدا من الرجال، واخترت زيدا الرجال، قال الشاعر: اخترتك الناس إذ رثّت خلائقهم ... واعتلّ من كان يرجى عند السّول ورجلا تمييز، لميقاتنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي للوقت الذي وعدناه بإتيانهم فيه للاعتذار عن عبادة العجل (فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) الفاء عاطفة، ولما رابطة أو حينية، وقد تقدم إعرابها كثيرا، وأخذتهم الرجفة فعل ومفعول به وفاعل (قالَ: رَبِّ لَوْ شِئْتَ

стр. 1569

أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ) جملة القول مستأنفة لبيان ما قاله موسى، وجملة النداء في محل نصب مقول القول، ولو شرطية، وشئت فعل وفاعل، والمفعول به محذوف، أي لو شئت إهلاكهم، وأهلكتهم فعل وفاعل ومفعول به، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، ومن قبل جار ومجرور متعلقان بأهلكتهم، وإياي ضمير منفصل معطوف على الهاء (أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا) الاستفهام هنا معناه النفي مع الاستعطاف، أي: لا يمكن أن تعذبنا بما فعل غيرنا. وللمبرد عبارة جميلة قال: «والمراد بالاستفهام استفهام الإعظام، كأنه يقول، وقد علم موسى أنه لا يهلك أحد بذنب غيره، ولكنه من وادي قول عيسى: «إن تعذبهم فانهم عبادك» . وتهلكنا فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وبما جار ومجرور متعلقان بتهلكنا، وما موصولة أو مصدرية، أي بسبب الذي فعله السفهاء أو بسبب فعل السفهاء، ومنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) إن نافية، وهي مبتدأ، وإلا أداة حصر، وفتنتك أي: ابتلاؤك خبر (تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ) الجملة حالية، أي: مضلا بها وهاديا، ومن اسم موصول في محل نصب مفعول به، وكذلك «من» الثانية (أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ) أنت مبتدأ، وولينا خبر، فاغفر الفاء الفصيحة، واغفر فعل أمر للدعاء، ولنا جار ومجرور متعلقان باغفر، وارحمنا عطف على اغفر، وأنت الواو حالية أو استئنافية، وأنت مبتدأ، وخير الغافرين خبر (وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ) واكتب عطف على فاغفر، ولنا جار ومجرور متعلقان باكتب، وفي هذه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وحسنة مفعول به، وفي الآخرة عطف على «في هذه الدنيا» ، واكتفى بالمفعول الأول، أي: وفي الآخرة حسنة (إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتعليل

стр. 1570

الدعاء، لأن ذلك مما يوجب قبوله. وإن واسمها، وجملة هدنا إليك خبر إن (قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ) الجملة مستأنفة مسوقة لمعرفة جواب الله. وعذابي مبتدأ، خبره جملة أصيب، وإما خبر لمبتدأ محذوف، وجملة أصيب حالية، وبه جار ومجرور، ومن اسم موصول مفعول به، وجملة أشاء صلة (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) عطف على الجملة السابقة (فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ) الفاء استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة للتعريض بقومه، والسين حرف استقبال، واكتبها فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وللذين جار ومجرور متعلقان بسأكتبها، وجملة يتقون لا محل لها لأنها صلة الموصول، وجملة ويؤتون الزكاة عطف على جملة يتقون (وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ) والذين عطف على الذين السابقة، وهم مبتدأ، وجملة يؤمنون خبر، وبآياتنا جار ومجرور متعلقان بيؤمنون، والجملة الاسمية لا محل لها لأنها صلة الموصول (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) الذين نعت للذين أو بدل منه، وجملة يتبعون صلة الموصول، والرسول مفعول به والنبي صفة أولى والأمي صفة ثانية، والذي صفة ثالثة، وجملة يجدونه لا محل لها لأنها صلة الموصول، ومكتوبا مفعول به ثان ليجدونه، وعندهم ظرف متعلق ب «مكتوبا» ، وفي التوراة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) الجملة حالية، وبالمعروف جار ومجرور متعلقان بيأمرهم، وينهاهم عن المنكر عطف على الجملة السابقة (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ) عطف على ما تقدم (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ) عطف أيضا، وإصرهم مفعول به، والأغلال عطف على إصرهم، والتي نعت للأغلال، وجملة كانت عليهم صلة، وعليهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كانت (فَالَّذِينَ

стр. 1571

آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ) الفاء: استئنافية، والذين مبتدأ، وجملة آمنوا صلة، وبه جار ومجرور متعلقان بآمنوا، وعزروه ونصروه معطوفان على آمنوا (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) واتبعوا عطف أيضا، والنور مفعول به، والذي نعت، وجملة أنزل صلة، ومعه ظرف مكان متعلق بأنزل (أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الجملة الاسمية خبر اسم الموصول، واسم الاشارة مبتدأ، وهم ضمير فصل أو مبتدأ ثان، والمفلحون خبر أولئك، أو خبر «هم» ، والجملة الاسمية خبر أولئك. الفوائد: معنى الأميّ: تكلمنا في باب اللغة بإسهاب عن معنى الأمّيّ، ونتساءل الآن مع المتسائلين: هل كان النبي يعرف القراءة والكتابة؟ أما أكثر المستشرقين فيقولون: إن كلمة «أمّيّ» التي وصف بها النبي غامضة، ولا تدل دلالة قاطعة على أنه لم يكن يعرف القراءة، ويرجحون أن تكون نسبة إلى كلمة أمّة، كما ذكرنا ذلك في حينه. أراجيف دائرة المعارف الإسلامية: أما دائرة المعارف الإسلامية فتثير إشكالا آخر، وهو أنه ورد في سورة العنكبوت الآية: «وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون» قالت: «وهي تدل على أنه تعلم القراءة في الكبر، أي: بعد نزول القرآن، وإن كان التعبير غامضا» . وواضح أن التعبير ليس غامضا، ولكن التخريج الذي خرّجته الدائرة

стр. 1572

فاسد، فلفظ الآية صريح كل الصراحة، واضح كل الوضوح- كما سيأتي في حينه- وهو يدل، بلا لبس، على أن أهل مكة عرفوا قبل نزول الوحي عليه أنه لم يكن يتلو كتابا، ولا يكتب بيمينه، ولو أنه كان كذلك إذن لارتاب المبطلون بأن يذكروا أنه كان يخلو الى نفسه، فيكتب القرآن ويعدّه، ثم يخرج للناس فيتلوه عليهم. وآية أخرى أوردتها دائرة المعارف الإسلامية وهي: «وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا» ولا يفهم من هذه الآية شيء مما أريد حمله عليها، إذ أنها تدل ببساطة على أن كفار قريش كانوا يدّعون أن رسول الله يكتب ما يملى عليه من أساطير الأولين، وليس كل ما يدعي الكفار صوابا، بل هذا هو هجوم صريح وافتئات واضح يقصد منه التجريح وإضعاف شأن القرآن. ولعلّ القرآن نفسه تولى الكشف عن هذه الأراجيف في الآية السابقة لها وهي: «وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا، وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، قل: أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفورا رحيما» . الباجه جي ودعوى عدم الأمّيّة: وليست دائرة المعارف الإسلامية وغيرها من كتب المستشرقين وحدها التي تحاول اثارة هذه الشبهات، فقد تناثرت في كتب المسلمين إشارات تلمح الى هذا الموضوع، فقد ذكر ابن كثير: «ومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجيّ ومن تابعه أن النبي ﵇ كتب يوم الحديبية: «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله» ،

стр. 1573

فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: «ثم أخذ فكتب» ، وهذه محمولة على الرواية الأخرى: «ثم أمر فكتب» ، ولهذا اشتد النكير على من قال بقول الباجيّ، وتبرءوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالا وخطبوا به في محافلهم. على أن القول الفصل في هذا ما ورد في القرآن نفسه، فقد أكد في مواضع كثيرة أن القرآن أنزل على قلب رسول الله، وأنه كلّف بحفظه، وبأن يحفظه المسلمون لا أن يكتبوه، «فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدّقا لما بين يديه» ، وإذن فلم يكن النبي يكتب ما يوحى إليه، ولا نعلم على وجه دقيق كيف كان يكتب القرآن في العهد المكي. قصة إسلام عمر: ولكننا نذكر الرواية الشائعة التي تقصّ إسلام عمر بن الخطاب أنه وجد في يد أخته فاطمة صحيفة فيها آيات من القرآن، وعلى الرغم من أن هناك روايات أخرى تهمل قصة فاطمة وما حدث بينها وبين عمر، إلا أن من الممكن أن نعتمد عليها في أن نعلم أنه كانت هناك صحف تكتب فيها أجزاء من القرآن، سواء أكانت هذه الصحف عند فاطمة أخت عمر أو عند غيرها. وكلمة صحيفة لا تدل على الورق الذي نعرفه اليوم، ولكنها- على كل حال- شيء خفيف الحمل يكتب عليه في سهولة. وقد وردت في القرآن كلمة صحيفة، مثل قوله تعالى: «في صحف مكرّمة مرفوعة مطهرة» . على أن الحفظ كان أساس العلم بالقرآن، وليست التلاوة من صحف مسطورة، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم.

стр. 1574

هذا وسيرد المزيد من هذا المبحث الدقيق في مواضيع معينة من هذا الكتاب. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٨ الى ١٦٠] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) اللغة: (أَسْباطاً) : جمع سبط، وهو ولد الولد، فهو كالحفيد. هذا هو المفهوم اللغوي، وتخصيص السبط بولد البنت والحفيد بولد الابن

стр. 1575

أمر عرفي. وفي القاموس وغيره: ولد الولد، ويغلب على ولد البنت، مقابل الحفيد الذي هو ولد الابن. والسبط من اليهود بمنزلة القبيلة من العرب. (انبجست) : في المصباح: بجس الماء بجسا من باب قتل بمعنى فجرته فانفجر. وقال غيره: الانبجاس هو الانفتاح بسعة وكثرة، قال العجاج: وانحلبت عيناه من فرط الأسى ... وكيف غربي دالج تبجّسا والوكيف: مصدر نصب بانحلبت، لأن معناه وكفت، والغرب الدلو العظيمة، والدالج من يأخذ الدلو من البئر فيفرغها في الحوض، يقول: انصبّت دموع عينيه من شدة الحزن كانصباب دلوي رجل مفرغ لهما في الحوض، تفجّرا بسعة، وفيه تشبيه العينين بالغربين. (الْمَنَّ) : هو التّرنجبين، وهو شيء حلو كان ينزل عليهم مثل الثلج، من الفجر الى طلوع الشمس، فيأخذ كل إنسان صاعا. (السَّلْوى) : هو الطير السّمانى بتخفيف الميم المقصورة والقصر بوزن حبارى، وهو نوع من الطيور القواطع، للواحد والجمع، وقيل: الواحدة سماناة، وهو المعروف عندنا بالفري، ويسمى أيضا السلوى، ويجمع على سمانيات.

стр. 1576

الإعراب: (قُلْ: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) كلام مستأنف مسوق لتوجيه الخطاب الى النبي ﷺ . وجملة النداء في محل نصب مقول القول، وقد تقدم إعرابها، وإن واسمها، ورسول الله خبرها، وإليكم جار ومجرور متعلقان برسول، وجميعا حال من ضمير إليكم (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) اسم الموصول نعت لله، ويجوز أن تقطعه فترفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، وملك السموات والأرض مبتدأ مؤخر، والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) هذه الجملة لا محل لها لأنها بدل من الصلة قبلها، وقد تقدم إعراب كلمة الشهادة مفصلة مع اختلاف الآراء (يُحيِي وَيُمِيتُ) الجملة بدل أيضا فلا محل لها (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ) الفاء الفصيحة، وآمنوا فعل أمر، وبالله جار ومجرور متعلقان بآمنوا، ورسوله عطف على الله، والنبي صفة، وكذلك الأميّ، وكذلك وجملة يؤمن بالله لا محل لها لأنها صلة الموصول، وكلماته عطف على الله، والمراد بها ما أنزل عليه (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) عطف على الله، والمراد بها ما أنزل عليه (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) عطف على آمنوا، ولعل واسمها، وجملة تهتدون خبرها، وجملة الرجاء حالية (وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) الواو استئنافية، ومن قوم موسى جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، وأمة مبتدأ مؤخر، وجملة يهدون بالحق صفة لحكاية الحال الماضية، وبالحق جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي: ملتبسين بالحق، وبه جار ومجرور متعلقان بيعدلون (وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً) الواو عاطفة، وقطعناهم فعل وفاعل ومفعول به،

стр. 1577

واثنتي عشرة حال من مفعول قطعناهم، أي: فرقناهم معدودين بهذا العدد، وجوز الزمخشري وأبو البقاء أن يكون قطعناهم بمعنى صيرناهم، فيكون اثنتي عشرة مفعولا به ثانيا، وأسباطا بدل من اثنتي عشرة، أي فرقة. قال أبو إسحق الزّجاج: ولا يجوز أن يكون تمييزا، لأنه لو كان تمييزا لكان مفردا. وسيأتي مزيد من القول فيه في باب الفوائد. وأمما بدل من «أسباطا» ، فهو بدل من البدل وهو الأسباط (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ) عطف على قطعناهم، وإلى موسى جار ومجرور متعلقان بأوحينا، وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بأوحينا أيضا، وجملة استسقاه قومه في محل جر بالإضافة، واستسقاه قومه فعل ومفعول به وفاعل (أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ) يجوز أن تكون «أن» هي المفسرة للإيحاء، لأن فيه معنى القول دون حروفه، وأن تكون المصدرية، وقد تقدم نظيرها، وبعصاك جار ومجرور متعلقان باضرب، والحجر مفعول به (فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً) الفاء الفصيحة، أي: فضرب فانبجست، ومنه جار ومجرور متعلقان بانبجست، واثنتا عشرة فاعل انبجست، وعينا تمييز (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ) الجملة مستأنفة لا محل لها، وقد حرف تحقيق، وعلم كل أناس فعل وفاعل، وأناس مضاف إليه، وهو اسم جمع، واحده إنسان، وقيل: هو جمع تكسير له، ومشربهم مفعول به (وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى) وظللنا فعل وفاعل، وعليهم جار ومجرور متعلقان بظللنا، والغمام مفعول به، وأنزلنا عطف على ظللنا، وعليهم جار ومجرور متعلقان بأنزلنا والمن مفعول به، والسلوى عطف على المنّ (كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) جملة كلوا في محل نصب مقول قول محذوف، أي: وقلنا، وكلوا فعل أمر، والواو فاعل، ومن طيبات جار ومجرور متعلقان بكلوا،

стр. 1578

وما اسم موصول في محل جر بالإضافة لطيبات، وجملة رزقناكم لا محل لها لأنها صلة الموصول (وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) الواو استئنافية، وما نافية، وظلمونا فعل وفاعل ومفعول به، والواو حالية، ولكن مهملة مخففة، وكان واسمها، وأنفسهم مفعول مقدم ليظلمون، وجملة يظلمون في محل نصب خبر كانوا. الفوائد: بين الزمخشري وأبي حيان: قال الزمخشري: فإن قلت مميز ما عدا العشرة مفرد فما وجه مجيئه مجموعا؟ وهلا قيل: اثني عشر سبطا؟ قلت: لو قيل ذلك لم يكن تحقيقا، لأن المراد: وقطّعناهم اثنتي عشرة قبيلة، وكل قبيلة أسباط لا سبط، فوضع «أسباطا» موضع «قبيلة» ، ونظيره: «بين رماحي مالك ونهشل» . وردّ أبو حيّان هذا التنظير بقوله: ليس نظيره، لأن هذا من تثنية الجمع، وهو لا يجوز إلا في الضرورة. وكأنه يشير الى أنه لو لم يلحظ في الجمع كونه أريد به نوع من الرماح لم يصح تثنيته، كذلك هنا، لحظ الأسباط- وإن كان جمعا- معنى القبيلة، فميز به كما يميز بالمفرد» : رأي الحوفي: وقال الحوفيّ: «يجوز أن يكون على الحذف، والتقدير: اثنتي عشرة فرقة، ويكون «أسباطا» نعتا لفرقة، ثم حذف الموصوف

стр. 1579

وأقيمت الصفة مقامه» . ونظير وصف التمييز المفرد بالجمع مراعاة للمعنى قول عنترة. فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسحم ولم يقل سوداء. رأي التّوضيح والتّصريح: وفي التوضيح والتصريح: «وأما قوله تعالى: «وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما» ف «أسباطا» ليس تمييز لأنه جمع، وإنما هو بدل من «اثنتي عشرة» بدل كلّ من كلّ، والتمييز محذوف، أي: اثنتي عشرة فرقة، ولو كان «أسباطا» تمييزا عن اثنتي عشرة لذكر العددان ولقيل: اثني عشر، بتذكيرهما وتجريد هما من علامة التأنيث، لأن السبط- واحد الأسباط- مذكّر. رأي ابن مالك: وزعم ابن مالك في شرح الكافية أنه لا حذف، وأن «أسباطا» تمييز، وإن ذكرا مما رجح حكم التأنيث في «أسباطا» لكونه وصف ب «أمما» ، جمع أمة، كما رجحه أي التأنيث في «شخوص» ذكر «كاعبان ومعصر» في قول عمر بن أبي ربيعة: فكان مجّني دون من كنت أتّقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر وكان القياس «ثلاثة شخوص» ، لأن الشخص مذكر، ولكنه

стр. 1580

لما فسره بكاعبان ومعصر- وهما مؤنثان- رجح تأنيثه، وما ذكره الناظم في الآية مخالف لما قاله في شرح التسهيل: إن «أسباطا» بدل لا تمييز» . هذا القول بالبدلية من اثنتي عشرة مشكل على قولهم: إن المبدل منه في نية الطرح غالبا، ولو قيل: وقطعناها أسباطا، لفاتت فائدة كمية العدد، وحمله على غير الغالب، ولا يجوز تخريج القرآن عليه. والقول بأنه تمييز مشكل على قولهم: إن تمييز العدد المركب مفرد، و «أسباطا» جمع، وقال الحوفي «يجوز أن يكون «أسباطا» نعت لفرقة، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، و «أمما» نعت ل «أسباطا» وأنت العدد وهو واقع على الأسباط وهو مذكر، لأنه بمعنى فرقة وأمة، كقوله: ثلاثة أنفس، يعني رجالا» اهـ. فارتكب الوصف بالجامد، والكثير خلافه. وذهب الفراء الى جواز جمع التمييز، وظاهر الآية يشهد له. ٢- حكم العدد المركب: «أحد عشر» الى «تسعة عشر» مبني، إلا اثني عشر، وحكم آخر شطريه حكم نون التثنية، ولذلك لا يضاف إضافة أخواته، فلا يقال: هذه اثنا عشرك، كما قيل: هذه أحد عشرك. أما «اثنا عشر» فإن الاسم الأول معرب، لأن الاسم الثاني حلّ منه محل النون، فجرى التغيير على الألف مع الاسم الذي بني معه، كما جرى التغيير عليها مع النون، وتقول في تأنيث هذه المركبات: إحدى عشرة واثنتا عشرة أو ثنتا عشرة وثلاث عشرة وثماني عشرة، تثبت علامة التأنيث في أحد الشطرين لتنزلهما منزلة شيء واحد، وتعرب اثنتين كما أعربت الاثنين.
следующие страницы →