Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
الإعراب:
(قُلْ: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) كلام مستأنف مسوق لتوجيه الخطاب الى النبي ﷺ . وجملة النداء في محل نصب مقول القول، وقد تقدم إعرابها، وإن واسمها، ورسول الله خبرها، وإليكم جار ومجرور متعلقان برسول، وجميعا حال من ضمير إليكم (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) اسم الموصول نعت لله، ويجوز أن تقطعه فترفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، وملك السموات والأرض مبتدأ مؤخر، والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) هذه الجملة لا محل لها لأنها بدل من الصلة قبلها، وقد تقدم إعراب كلمة الشهادة مفصلة مع اختلاف الآراء (يُحيِي وَيُمِيتُ) الجملة بدل أيضا فلا محل لها (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ) الفاء الفصيحة، وآمنوا فعل أمر، وبالله جار ومجرور متعلقان بآمنوا، ورسوله عطف على الله، والنبي صفة، وكذلك الأميّ، وكذلك وجملة يؤمن بالله لا محل لها لأنها صلة الموصول، وكلماته عطف على الله، والمراد بها ما أنزل عليه (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) عطف على الله، والمراد بها ما أنزل عليه (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) عطف على آمنوا، ولعل واسمها، وجملة تهتدون خبرها، وجملة الرجاء حالية (وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) الواو استئنافية، ومن قوم موسى جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، وأمة مبتدأ مؤخر، وجملة يهدون بالحق صفة لحكاية الحال الماضية، وبالحق جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي:
ملتبسين بالحق، وبه جار ومجرور متعلقان بيعدلون (وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً) الواو عاطفة، وقطعناهم فعل وفاعل ومفعول به،
стр. 1577
واثنتي عشرة حال من مفعول قطعناهم، أي: فرقناهم معدودين بهذا العدد، وجوز الزمخشري وأبو البقاء أن يكون قطعناهم بمعنى صيرناهم، فيكون اثنتي عشرة مفعولا به ثانيا، وأسباطا بدل من اثنتي عشرة، أي فرقة. قال أبو إسحق الزّجاج: ولا يجوز أن يكون تمييزا، لأنه لو كان تمييزا لكان مفردا. وسيأتي مزيد من القول فيه في باب الفوائد. وأمما بدل من «أسباطا» ، فهو بدل من البدل وهو الأسباط (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ) عطف على قطعناهم، وإلى موسى جار ومجرور متعلقان بأوحينا، وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بأوحينا أيضا، وجملة استسقاه قومه في محل جر بالإضافة، واستسقاه قومه فعل ومفعول به وفاعل (أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ) يجوز أن تكون «أن» هي المفسرة للإيحاء، لأن فيه معنى القول دون حروفه، وأن تكون المصدرية، وقد تقدم نظيرها، وبعصاك جار ومجرور متعلقان باضرب، والحجر مفعول به (فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً) الفاء الفصيحة، أي: فضرب فانبجست، ومنه جار ومجرور متعلقان بانبجست، واثنتا عشرة فاعل انبجست، وعينا تمييز (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ) الجملة مستأنفة لا محل لها، وقد حرف تحقيق، وعلم كل أناس فعل وفاعل، وأناس مضاف إليه، وهو اسم جمع، واحده إنسان، وقيل: هو جمع تكسير له، ومشربهم مفعول به (وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى) وظللنا فعل وفاعل، وعليهم جار ومجرور متعلقان بظللنا، والغمام مفعول به، وأنزلنا عطف على ظللنا، وعليهم جار ومجرور متعلقان بأنزلنا والمن مفعول به، والسلوى عطف على المنّ (كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) جملة كلوا في محل نصب مقول قول محذوف، أي: وقلنا، وكلوا فعل أمر، والواو فاعل، ومن طيبات جار ومجرور متعلقان بكلوا،
стр. 1578
وما اسم موصول في محل جر بالإضافة لطيبات، وجملة رزقناكم لا محل لها لأنها صلة الموصول (وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) الواو استئنافية، وما نافية، وظلمونا فعل وفاعل ومفعول به، والواو حالية، ولكن مهملة مخففة، وكان واسمها، وأنفسهم مفعول مقدم ليظلمون، وجملة يظلمون في محل نصب خبر كانوا.
الفوائد:
بين الزمخشري وأبي حيان:
قال الزمخشري: فإن قلت مميز ما عدا العشرة مفرد فما وجه مجيئه مجموعا؟ وهلا قيل: اثني عشر سبطا؟ قلت: لو قيل ذلك لم يكن تحقيقا، لأن المراد: وقطّعناهم اثنتي عشرة قبيلة، وكل قبيلة أسباط لا سبط، فوضع «أسباطا» موضع «قبيلة» ، ونظيره: «بين رماحي مالك ونهشل» .
وردّ أبو حيّان هذا التنظير بقوله: ليس نظيره، لأن هذا من تثنية الجمع، وهو لا يجوز إلا في الضرورة. وكأنه يشير الى أنه لو لم يلحظ في الجمع كونه أريد به نوع من الرماح لم يصح تثنيته، كذلك هنا، لحظ الأسباط- وإن كان جمعا- معنى القبيلة، فميز به كما يميز بالمفرد» :
رأي الحوفي:
وقال الحوفيّ: «يجوز أن يكون على الحذف، والتقدير:
اثنتي عشرة فرقة، ويكون «أسباطا» نعتا لفرقة، ثم حذف الموصوف
стр. 1579
وأقيمت الصفة مقامه» . ونظير وصف التمييز المفرد بالجمع مراعاة للمعنى قول عنترة.
فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسحم
ولم يقل سوداء.
رأي التّوضيح والتّصريح:
وفي التوضيح والتصريح: «وأما قوله تعالى: «وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما» ف «أسباطا» ليس تمييز لأنه جمع، وإنما هو بدل من «اثنتي عشرة» بدل كلّ من كلّ، والتمييز محذوف، أي:
اثنتي عشرة فرقة، ولو كان «أسباطا» تمييزا عن اثنتي عشرة لذكر العددان ولقيل: اثني عشر، بتذكيرهما وتجريد هما من علامة التأنيث، لأن السبط- واحد الأسباط- مذكّر.
رأي ابن مالك:
وزعم ابن مالك في شرح الكافية أنه لا حذف، وأن «أسباطا» تمييز، وإن ذكرا مما رجح حكم التأنيث في «أسباطا» لكونه وصف ب «أمما» ، جمع أمة، كما رجحه أي التأنيث في «شخوص» ذكر «كاعبان ومعصر» في قول عمر بن أبي ربيعة:
فكان مجّني دون من كنت أتّقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
وكان القياس «ثلاثة شخوص» ، لأن الشخص مذكر، ولكنه
стр. 1580
لما فسره بكاعبان ومعصر- وهما مؤنثان- رجح تأنيثه، وما ذكره الناظم في الآية مخالف لما قاله في شرح التسهيل: إن «أسباطا» بدل لا تمييز» .
هذا القول بالبدلية من اثنتي عشرة مشكل على قولهم: إن المبدل منه في نية الطرح غالبا، ولو قيل: وقطعناها أسباطا، لفاتت فائدة كمية العدد، وحمله على غير الغالب، ولا يجوز تخريج القرآن عليه.
والقول بأنه تمييز مشكل على قولهم: إن تمييز العدد المركب مفرد، و «أسباطا» جمع، وقال الحوفي «يجوز أن يكون «أسباطا» نعت لفرقة، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، و «أمما» نعت ل «أسباطا» وأنت العدد وهو واقع على الأسباط وهو مذكر، لأنه بمعنى فرقة وأمة، كقوله: ثلاثة أنفس، يعني رجالا» اهـ. فارتكب الوصف بالجامد، والكثير خلافه. وذهب الفراء الى جواز جمع التمييز، وظاهر الآية يشهد له.
٢- حكم العدد المركب:
«أحد عشر» الى «تسعة عشر» مبني، إلا اثني عشر، وحكم آخر شطريه حكم نون التثنية، ولذلك لا يضاف إضافة أخواته، فلا يقال: هذه اثنا عشرك، كما قيل: هذه أحد عشرك. أما «اثنا عشر» فإن الاسم الأول معرب، لأن الاسم الثاني حلّ منه محل النون، فجرى التغيير على الألف مع الاسم الذي بني معه، كما جرى التغيير عليها مع النون، وتقول في تأنيث هذه المركبات: إحدى عشرة واثنتا عشرة أو ثنتا عشرة وثلاث عشرة وثماني عشرة، تثبت علامة التأنيث في أحد الشطرين لتنزلهما منزلة شيء واحد، وتعرب اثنتين كما أعربت الاثنين.
стр. 1581
وشين العشرة يسكّنها أهل الحجاز ويكسرها بنو تميم. والعرب على فتح الياء، «ثماني عشرة» ومنهم من يسكّنها.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦١ الى ١٦٢]
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)
الإعراب:
(وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ: اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ) الواو عاطفة، والظرف متعلق باذكر محذوفا، وجملة قيل في محل جر بإضافة الظرف إليها، ولهم جار ومجرور متعلقان بقيل، وجملة اسكنوا في محل نصب مقول القول، وهذه اسم إشارة في محل نصب مفعول به على السعة، والقرية بدل. وقد مرت هذه الآية بلفظها مع تغيير قليل في البقرة. ولا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض، ولا تناقض بين قوله:
«اسكنوا هذه القرية وكلوا منها» وبين قوله: «فكلوا» لأنهم إذا سكنوا القرية فتسببت سكناهم للأكل منها فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها. وسواء قدموا الحطّة على دخول الباب أو أخّروها فهم جامعون في الإيجاد بينهما. وترك ذكر الرغد لا يناقض
стр. 1582
إثباته (وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ) تقدم إعرابها في البقرة، فجدد به عهدا، وحطّة قلنا إنها خبر لمبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حطة، أي: أن تحطّ عنا خطايانا (وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ) تقدم إعرابها في سورة البقرة أيضا فلا داعي للإعادة.
(سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) الفاء عاطفة، وبدل الذين فعل وفاعل، وجملة ظلموا صلة الموصول لا محل لها، ومنهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وفي الكلام حذف، والمحذوف هو المفعول الثاني لبدّل، وتقديره: بالذي قيل لهم، وقولا مفعول به، وغير صفة والذي اسم موصول في محل جر بالإضافة. وجملة قيل لهم صلة لا محل لها، أي قالوا: حبة بدل حطّة، ولا داعي لهم الى ذلك إلا قصد السخرية من موسى وإغاظته (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ) فأرسلنا عطف على فبدّل، وعليهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة، وبما جار ومجرور متعلقان بأرسلنا، الباء سببية، وما اسم موصول أو مصدرية، وكانوا كان واسمها، وجملة يظلمون خبرها.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٣ الى ١٦٦]
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)
стр. 1583
اللغة:
(حاضِرَةَ الْبَحْرِ) مجاورة له، وقريبة منه، وراكبة لشاطئه.
واختلف في هذه القرية فقيل: هي أيلة، وقيل: مدين، وقيل: طبريا.
والعرب تسمي المدينة قرية. وعن أبي عمرو بن العلاء: ما رأيت قرويّين أفصح من الحسن والحجاج. يعني رجلين من أهل المدن.
وفي ضمن هذا السؤال فائدة جليلة، وهي تعريف اليهود بأن ذلك مما يعلمه رسول الله، وأن اطلاعه لا يكون إلا بإخبار من الله سبحانه، فيكون دليلا على صدقه.
(يَعْدُونَ) : يعتدون أو يتجاوزون.
(سَبْتِهِمْ) السبت: مصدر سبتت اليهود إذا عظّمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد. والسبت في اللغة: القطع. فكأنهم باختيارهم يوم السبت عيدا قد اختاروا ما فيه قطيعتهم. يقال: سبتوا سبتا من باب ضرب، وأسبتوا بالألف لغة فيه.
стр. 1584
(شُرَّعاً) : جمع شارع، من شرع عليه إذا دنا وأشرف، أي:
تأتيهم ظاهرة على وجه الماء، طافية فوقه، قريبة من الساحل.
(بَئِيسٍ) : شديد، فعيل من بؤس يبؤس إذا اشتد.
(عَتَوْا) تكبّروا.
(خاسِئِينَ) : صاغرين.
الإعراب:
(وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ) الواو عاطفة، واسألهم فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به، وعن القرية جار ومجرور متعلقان باسألهم، والتي اسم موصول نعت للقرية، وجملة كانت لا محل لها لأنها صلة الموصول، واسم كانت مستتر، أي: هي، وحاضرة البحر خبر كانت (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) إذ ظرف متعلق بالمضاف المحذوف والذي تقديره: عن حال القرية ويعدون فعل مضارع وفاعله والجملة في محل جر بالاضافة (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ) الظرف بدل من الظرف السابق أو متعلق بيعدون أي إذ عدوا في السبت إذ أتتهم وجملة تأتيهم في محل جر بالإضافة، وحيتانهم فاعل تأتيهم، وشرعا حال من حيتانهم، ويوم عطف على إذ، وجملة لا يسبتون في محل جر بالإضافة (كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) الكاف ومجروره في موضع نصب على أنه مفعول مطلق، أي: مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم، ويجوز أن يكون حالا، أي: لا يأتي مثل ذلك الإتيان، والأول أرجح. والباء سببية، وما مصدرية، أي: نبلوهم بسبب فسقهم، وجملة يفسقون
стр. 1585
خبر كانوا (وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ) عطف على إذ يعدون، وحكمه حكمه في الإعراب، أي: بدل من المحذوف، وهو حال القرية وخبرها أو أهلها، وجملة قالت في محل جر بالإضافة، وأمة فاعل، ومنهم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لأمة (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً) اللام حرف جر، وما الاستفهامية حذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها، وقد تقدم بحثها، والعلة في هذا الحذف الفرق بين الاستفهام والخبر، والجار والمجرور متعلقان بتعظون، وقوما مفعول به لتعظون، والله مبتدأ، ومهلكهم خبر، والجملة الاسمية صفة «قوما» ، وأو حرف عطف، ومعذبهم عطف على مهلكهم، وعذابا مفعول مطلق، وشديدا صفة (قالُوا: مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) جملة القول مستأنفة، مسوقة لبيان جوابهم. ومعذرة: قرأ حفص وحده بالنصب. وفيه ثلاثة أوجه قوية: الأول أنها مفعول لأجله، أي: وعظناهم لأجل المعذرة. والثاني أنها منتصبة نصب المصدر بفعل مقدر من لفظها، أي: نعتذر معذرة. والثالث أنها منتصبة انتصاب المفعول به، لأن المعذرة تتضمن كلاما، والمفرد المتضمن لكلام إذا وقع بعد القول نصب نصب المفعول به، كقلت خطبة. وقرأ العامة برفع معذرة. قال سيبويه في اختياره الرفع: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا، ولكنهم قيل لهم: لم تعظون؟
فقالوا موعظتنا معذرة. والمعذرة بمعنى الاعتذار، وهو التنصّل من الذنب. والى ربكم جار ومجرور متعلقان بمعذرة، ولعل واسمها، وجملة يتقون خبرها، وجملة الرجاء حالية (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ) الفاء استئنافية، ولما رابطة أو حينية، وجملة نسوا لا محل لها أو في محل جر بالإضافة، ونسوا فعل وفاعل، وما مفعول به، وجملة ذكروا بالبناء للمجهول لا محل لها لأنها صلة، والواو نائب فاعل، وبه جار
стр. 1586
ومجرور متعلقان بذكروا (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) جملة أنجينا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، والذين مفعول به، وجملة ينهون صلة الموصول، وعن السوء جار ومجرور متعلقان بينهون (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) عطف على ما تقدم (بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) بعذاب جار ومجرور متعلقان بأخذنا، وبئيس صفة لعذاب، بما الباء حرف جر للسبب، أي: بسبب فسقهم (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) الفاء عاطفة، ولما رابطة أو حينية، وعما جار ومجرور متعلقان بعتوا، وجملة قلنا لا محل لها، وجملة كونوا في محل نصب مقول القول، وقردة خبر كونوا، وخاسئين صفة.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٧ الى ١٧٠]
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)
стр. 1587
اللغة:
(تَأَذَّنَ) : عزم، تفعّل من الإيذان، أي الإعلام، لأن العازم على الأمر يحدّث نفسه به ويؤذنها به. قالوا: وأجري مجرى القسم كعلم الله وشهد الله، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم. قال الواحدي:
وأكثر أهل اللغة على أن التأذّن بمعنى الإيذان وهو الإعلام. وقيل:
إن معناه حتم وواجب. وفي القاموس: تأذن أقسم.
(عَرَضَ) بفتحتين مالا ثبات له، ومنه استعار المتكلمون العرض لمقابل الجوهر. وقال أبو عبيدة: العرض بالفتح جميع متاع الدنيا غير النقدين، وبالسكون المال والقيم، ومنه: «الدنيا عرض حاضر، وظلّ زائل» . وفسره الزمخشري بالحطام وقال: «أي حطام هذا الشيء الأدنى، يريد الدنيا وما يتمتع به منها. وفي قوله: هذا الأدنى تخسيس وتحقير. والأدنى إما من الدنو بمعنى القرب، لأنه عاجل قريب، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها. والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلم للتسهيل على العامة» . وقد اجتمع المعنيان في بيت لأبي الطيب:
стр. 1588
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان
فأدنى الأولى بمعنى أقل وأحقر، وأدنى الثانية بمعنى أقرب.
الإعراب:
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ) الظرف منصوب على المفعولية بفعل مقدر معطوف على واسألهم، والتقدير: واذكر وقت أن تأذّن ربك، وجملة تأذّن في محل جر بإضافة الظرف إليها، وربك فاعل (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ) اللام جواب القسم المفهوم من فعل تأذن، ويبعثن فعل مضارع مبني على الفتح، وعليهم جار ومجرور متعلقان بيبعثنّ أو بتأذّن، ومن اسم موصول مفعول يبعثن، وجملة يسومهم لا محل لها لأنها صلة الموصول، وسوء العذاب مفعول به ثان ليسومهم (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) جملة إن واسمها وخبرها تعليلية لا محل لها، وجملة وإنه لغفور رحيم عطف عليها، واللام المزحلقة (وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً) الواو عاطفة، وقطّعناهم فعل وفاعل ومفعول به، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بقطعناهم، وأمما حال، أو مفعول به ثان، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ) الجملة صفة ل «أمما» ، ومنهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
والصالحون مبتدأ مؤخر، ومنهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم أيضا، ودون ظرف متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف هو المبتدأ المؤخر، والمعنى: ومنهم ناس منحطّون عن الصلاح، ومثله
стр. 1589
قوله تعالى: «وما منا إلا له مقام معلوم» ، أي: وما منا أحد إلا له مقام، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، كقولهم: منّا ظعن ومنا أقام (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) وبلوناهم عطف على قطعناهم، وبالحسنات جار ومجرور متعلقان ببلوناهم، والسيئات عطف على الحسنات، ولعل واسمها، وجملة يرجعون خبرها (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ) الفاء عاطفة، وخلف فعل ماض، ومن بعدهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وخلف فاعل، والخلف- بسكون اللام وفتحها- من يخلف غيره، وجملة ورثوا الكتاب صفة لخلف (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى) الجملة صفة ثانية، وعرض مفعول يأخذون، هذا مضاف إليه، والأدنى بدل من اسم الإشارة (وَيَقُولُونَ: سَيُغْفَرُ لَنا) يجوز في الواو أن تكون عاطفة على ما قبلها أو حالية، وجملة سيغفر لنا في محل نصب مقول القول (وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) الواو حالية، أي: والحال انهم إن يأتهم، ويجوز أن تكون للاستئناف، وإن شرطية، ويأتهم فعل الشرط، والهاء مفعول به، وعرض فاعل، ومثله صفة، ويأخذوه جواب الشرط وعلامة جزمه حذف النون (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ) الهمزة للاستفهام التقريري، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويؤخذ فعل مضارع مجزوم بلم، وعليهم جار ومجرور متعلقان بيؤخذ، وميثاق الكتاب نائب فاعل (أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) أن مصدرية، وهي مع ما في حيزها مصدر محله الرفع على البدلية من ميثاق، لأن قول الحق هو ميثاق الكتاب، أو النصب على أنه مفعول من أجله، ومعناه لئلا يقولوا، ويجوز أن تكون «أن» مفسرة لميثاق الكتاب، لأنه في معنى القول دون حروفه، و «لا» عندئذ ناهية، ويقولوا فعل مضارع مجزوم بها، أما على أنها مصدرية ف «لا» نافية، والفعل
стр. 1590
منصوب بأن المصدرية، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بيقولوا، وإلا أداة حصر، والحق يجوز أن يكون مفعولا به أو مفعولا مطلقا، أي: القول الحق (وَدَرَسُوا ما فِيهِ) الواو عاطفة، ودرسوا فعل ماض معطوف على «ألم يؤخذ عليهم» ، كأنه قيل: أخذ عليهم ميثاق الكتاب، ودرسوا ما فيه. وما مفعول درسوا، وفيه جار ومجرور متعلقان بمحذوف لا محل له لأنه صلة الموصول (وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) الواو استئنافية أو حالية، والدار مبتدأ، والآخرة صفة، وخير خبر الدار، وللذين جار ومجرور متعلقان بخير، وجملة يتقون لا محل لها لأنها صلة الموصول، والهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء عاطفة على محذوف، وقد تقدمت له نظائر، ولا نافية، وتعقلون عطف على هذا المحذوف (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان مزية الصلاة وإنافتها في الفضل (إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) الجملة خبر الذين أو تجعلها اعتراضية فيكون الخبر محذوفا تقديره مأجورون. وإن واسمها، ولا نافية، وجملة لا نضيع أجر المصلحين خبر إن، ونعيد إعرابها لرسوخها في الذهن، فالذين مبتدأ وجملة يمسكون بالكتاب صلة الذين لا محل لها، وجملة وأقاموا الصلاة معطوفة على الصلة، وجملة إنا لا نضيع أجر المصلحين خبر المبتدأ، والرابط بينهما إعادة المبتدأ بمعناه، فإن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب، بالعطف على الذين يتقون ولئن سلم فالرابط العموم، لأن المصلحين أعمّ من المذكورين، أو ضمير محذوف، أي منهم.
стр. 1591
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧١ الى ١٧٣]
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)
اللغة:
(نَتَقْنَا) : نتق قلع ورفع، ومنه نتق السقاء إذا نفضه ليقتلع الزبدة منه. هذا وقد اختلف عبارات أهل اللغة في النتق، فقال أبو عبيدة: هو قلع الشيء من موضعه والرمي، ومنه نتق ما في الجراب:
إذا نفضه فرمى ما فيه، وامرأة ناتق ومنتاق: إذا كانت كثيرة الولادة.
وفي الحديث: «عليكم بزواج الأبكار، فإنهن أنتق أرحاما، وأطيب أفواها، وأرضى باليسير» . وقيل: النتق: الجذب بشدة، ومنه نتقت السقاء إذا جذبته بشدة لتقتلع الزبد من فمه. وقال الفراء: هو الرفع. وقال ابن قتيبة: هو الزعزعة. على أن هذه الاختلافات ترجع الى معنى واحد. والذي يلفتت النظر هو أن النون والتاء متى استعملا فاء وعينا للكلمة، فإن المعنى يحوم حول النزع والقلع والإخراج، وسنعرض كعادتنا، تركيب هذين الحرفين، فمن ذلك نتأ بمعنى رمى،
стр. 1592
ونتأ ثدي الجارية بمعنى برز ونهد، ونتأ الشيء: خرج من موضعه من غير أن ينفصل، ونتجت الناقة: وضعت ولدها، ومن المجاز:
الريح تنتج السحاب، قال الراعي:
أربّت بها شهري ربيع عليهم ... جنائب ينتجن الغمام المتاليا
وفي المثل: «إن العجز والتوائي تزاوجا فأنتجا الفقر» . وهذه المقدمة لا تنتج نتيجة صادقة إذا لم تكن لها عاقبة محمودة، ونتح العرق من مناتحه، ورشح من مراشحه، وتتخت الشوكة من رجلي بالمنتاخ: أي بالمنقاش، ونتخ البازي اللحم بمنسره، ونتخ فلان من أصحابه نزع منهم، ونتخته المنية من بين قومه، ونتر الثوب: جذبه في شدة، ونتر الوتر مدّه حتى كاد ينكسر القوس، وفي الحديث: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث نترات» ، ونتش الشوكة بالمنتاش، ونقشها بالمنقاش، وما نتش منه شيئا ما أخذ، وهو ينتش من كل علم، ونتف شعره وانتتفه، وفلان منتوف: مولع بنتف لحيته. ومن المجاز: أعطاه نتفة من الطعام وغيره: شيئا منه، فقول العامة: نتفة، صحيح ولكن بضم الميم، وكان أبو عبيدة يقول في الأصمعي: ذاك رجل نتفه. ونتن الشيء: ارتفع نتنه، وفي الحديث: «إذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليذكر مناتنها» ، وهذا من دقائق العربية، فتدبره.
(ظُلَّةٌ) الظّلة: بضم الظاء كل ما أظلك من سقيفة أو سحاب،
الإعراب:
(وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) الواو عاطفة، وإذ ظرف زمان
стр. 1593
متعلق باذكر المحذوفة والمعطوفة على ما تقدم، وجملة نتقنا في محل جر بالاضافة، ونا فاعل، والجبل مفعول به، وفوقهم ظرف مكان متعلق بمحذوف على أنه حال من الجبل، وهي حال مقدرة، لأنه حال النتق لم يكن فوقهم بالفعل بل صار فوقهم بالنتق، أو متعلق بنتقنا، وجملة كأنه ظلة حال من الجبل أيضا، فيكون الحال متعددا، وكأن واسمها وخبرها (وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ) يجوز أن تكون الجملة في محل جر عطفا على جملة نتقنا المجرورة بالاضافة، ويجوز أن تكون الواو حالية، وقد مقدرة، وقد تقدم مثل هذا التعبير والبحث فيه، وصاحب الحال الجبل، أي: كأنه ظلة في حال كونه مظنونا وقوعه بهم، ولك أن تجعل الواو استئنافية، فتكون الجملة مستأنفة لا محل لها، وأن وما في حيزها سدت مسدّ مفعولي ظنّ، وأن واسمها وخبرها، وبهم جار ومجرور متعلقان بواقع (خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ) جملة خذوا في محل نصب مقول قول محذوف، أي: وقلنا لهم: خذوا، وما اسم موصول مفعول به، وجملة آتيناكم لا محل لها لأنها صلة الموصول، وبقوة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي: عازمين على احتمال مشاقه وكثرة تكاليفه (وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) عطف على ما تقدم، ولعلكم لعل واسمها، وجملة تتقون خبرها، وجملة الرجاء حالية (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) عطف على ما تقدم، وقد سبق ذكره، وربك فاعل أخذ، ومن بني آدم جار ومجرور متعلقان بأخذ، ومن ظهورهم جار ومجرور في محل جر بدل اشتمال من بني آدم، أو بدل بعض من كل بإعادة الجار، ومعنى إخراج ذرياتهم من ظهورهم إخراجهم من أصلابهم نسلا وإشهادهم على أنفسهم. وسيأتي بحث ذلك في باب البلاغة. وذريتهم مفعول به (وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ) عطف على أخذ، وعلى أنفسهم جار ومجرور متعلقان بأشهدهم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى) الجملة
стр. 1594
مقول قول محذوف، أي: قائلا، وجملة القول حالية، والهمزة للاستفهام التقريري، والتاء اسم ليس، والباء حرف جر زائد وربكم مجرور لفظا خبر ليس محلا، وجملة قالوا مستأنفة، وبلى حرف جواب، وتختص بالنفي، وتفيد إبطاله سواء أكان مجردا أم مقرونا بالاستفهام التقريري، كما هنا. ولذلك قيل: قالوا: نعم كفروا، من جهة أن «نعم» تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب، فكأنهم أقروا بأنه ليس ربهم (شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ: إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ) شهدنا فعل وفاعل، وأن وما في حيزها في محل نصب مفعول من أجله، أي: فعلنا ذلك كراهة أن تقولوا، ويوم القيامة ظرف متعلق بتقولوا، وجملة إن وما في حيزها في محل نصب مقول القول، وجملة كنا خبر إنا، وغافلين خبر كنا، وعن هذا جار ومجرور متعلقان بغافلين (أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ) أو تقولوا عطف على أن تقولوا، أي: وكراهة أن تقولوا، وإنما كافة ومكفوفة، وجملة إنما أشرك آباؤنا في محل نصب مقول القول، ومن قبل جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) الواو عاطفة، وكان واسمها، وذرية خبرها، ومن بعدهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لذرية (أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء عاطفة، وتهلكنا فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والباء حرف جر، وتفيد السببية، وما مصدرية، وفعل المبطلون فعل وفاعل، والمصدر المؤول في محل جر بالباء.
البلاغة:
١- في قوله «وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة» تشبيه مرسل وفائدته هنا إخراج ما لم تجرية العادة الى ما جرت به العادة.
стр. 1595
٢- في قوله: «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم» الى آخر الآية، أجمع علماء البيان المتأخرون على أنه لا إخراج ولا قول ولا شهادة، وإنما هذا كله محمول على المجاز التمثيلي، فقد شبّه سبحانه حال النوع الإنساني بعد وجوده بالفعل بصفات التكليف من حيث نصب الأدلة الدالة على ربوبيته سبحانه، المقتضية لأن ينطق ويقرّ بمقتضاها بأخذ الميثاق عليه بالفعل بالإقرار بما ذكر. أما المتقدمون فيقولون: إنه تعالى أخرج بعضهم من صلب بعض، وجعل لهم العقل والمنطق، وألهمهم ذلك. ولكلّ وجهة نظرهم.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٤ الى ١٧٧]
وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)
стр. 1596
اللغة:
(أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ) الإخلاد الى الشيء الميل اليه من الاطمئنان به.
وفي المصباح: خلد بالمكان خلودا من باب قعد: أقام، وأخلد بالألف مثله، وخلد الى كذا وأخلد إليه: ركن.
(يَلْهَثْ) : يدلع لسانه، يقال: لهث يلهث بفتح العين في الماضي والمضارع لهثا ولهاثا، وهو خروج لسانه في حال راحته وإعيائه، وهي طبيعة لازمة للكلب، وأما غيره من الحيوان فلا يلهث إلا إذا أعيا أو عطش. وفي الصحاح لهث الكلب إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش، وقوله تعالى: «إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث» لأنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هاربا، وإن تتركه شدّ عليك ونبح، فيتعب نفسه في الحالين، فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان.
الإعراب:
(وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الواو عاطفة، والكاف ومدخولها صفة لمصدر محذوف، وقد تقدمت له نظائر كثيرة، والآيات مفعول به، ولعلهم الواو عاطفة على محذوف تقديره: ليتدبروها، ولعل واسمها، وجملة يرجعون خبرها، وجملة الرجاء حالية (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها) الواو عاطفة على متعلق «إذ» بقوله: «وإذ أخذ» ، واتل فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره أنت، وعليهم جار ومجرور متعلقان ب «اتل» ، ونبأ مفعول به، والذي مضاف إليه، وجملة آتيناه صلة الموصول، وآياتنا مفعول به ثان،
стр. 1597
فانسلخ عطف على آتيناه، ومنها جار ومجرور متعلقان بانسلخ (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ) أتبع فعل ماض رباعي يتعدى لواحد فيكون بمعنى أدركه، ويتعدى لاثنين، فتكون الهاء المفعول به الأول، والمفعول به الثاني محذوف تقديره: فأتبعه الشيطان خطواته، أي جعله تابعا لها، والشيطان فاعل، فكان عطف على أتبعه، واسمها مستتر، ومن الغاوين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها (وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها) والواو حالية، ولو شرطية غير جازمة، وشيئا فعل وفاعل، واللام جواب لو، وجملة رفعناه لا محل لها، وبها جار ومجرور متعلقان برفعناه (وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ) الواو عاطفة، ولكن واسمها، وجملة أخلد خبر لكن، وإلى الأرض جار ومجرور متعلقان بأخلد (وَاتَّبَعَ هَواهُ) عطف على أخلد، وهواه مفعول به (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) الفاء الفصيحة، ومثله مبتدأ، وكمثل الكلب خبره، وإن شرطية، وتحمل فعل الشرط، وعليه جار ومجرور متعلقان بتحمل، ويلهث جواب الشرط، وأو حرف عطف، وتتركه عطف على فعل الشرط وجوابه المتقدمين، وسيأتي مزيد من القول في محل الجملة الشرطية، لطول الكلام، في باب الفوائد (ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) ذلك مبتدأ، ومثل القوم خبره، والجملة حالية، والذين نعت للقوم، وجملة كذبوا لا محل لها لأنها صلة، وبآياتنا جار ومجرور متعلقان بكذبوا (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الفاء الفصيحة، أي: إذا تحققت أن المثل المذكور مثل هؤلاء المكذبين فاقصصه عليهم، واقصص فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره أنت، والقصص بمعنى المقصوص مفعول به، وجملة الرجاء في محل نصب حال من الضمير المخاطب المخاطب في «اقصص» ، والمعنى راجيا تفكيرهم (ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) ساء
стр. 1598
فعل ماض جامد لإنشاء الذم، ومثلا تمييز، والقوم مبتدأ، خبره جملة ساء، ولا بد من تقدير محذوف ليكون التمييز والفاعل والمخصوص بالذم كلها متحدة معنى، والتقدير: ساء مثل القوم أو ساء أصحاب مثل القوم، والذين نعت للقوم، وجملة كذبوا بآياتنا صلة. وسيأتي مزيد من القول في هذه الآية في باب البلاغة (وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ) الواو عاطفة، وأنفسهم مفعول به مقدم ليظلمون، وكان واسمها، وجملة يظلمون خبرها، ويجوز أن يكون ما بعد الواو العاطفة داخلا في الصلة معطوفا على كذبوا، بمعنى الذين جمعوا بين تكذيب الآيات وظلم أنفسهم، أو منقطعا عنها، بمعنى ما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم.
البلاغة:
في هذه الآيات فنون من البلاغة نجملها فيما يلي: وقد سماه الجاحظ:
١- المذهب الكلامي:
هذه التسمية كما ذكر ابن المعتز في كتابه وزعم الجاحظ أنه لا يوجد منه شيء في القرآن. والكتاب الكريم مشحون به. وتعريف هذا الباب هو أنه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند، وتفلّ سلاح المكابر المتعنت، على طريقة علماء الكلام. ومنه منطقيّ تستنتج فيه النتائج من المقدمات الصادقة. والآية المقصودة بهذا الفن هي قوله تعالى: «ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد الى الأرض واتبع هواه» وترتيب المقدمتين في هذه الكلمات والنتيجة أنا نقول: ما شاء
стр. 1599
الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولو شاء الله رفع بلعام بن باعوراء المقصود بهذه الآية، فقد بعثه الله الى ملك مدين ليدعوه الى الإيمان، فأعطاه وأقطعه، فاتبع دينه وترك دين موسى، ففيه نزلت هذه الآية وما بعدها.
هذا ولا يكون المقصود، بالمدح أو الذم إلا من جنس المرتفع بنعم وبئس، فإن وجد كلام ظاهره مخالف لهذا الحكم فليعلم أن هناك محذوفا يذكره يرجع الكلام الى هذا الأصل المقرر، فمن قوله سبحانه:
«ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا» والقوم ليسوا من جنس المثل، فالتقدير: ساء مثلا مثل القوم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وعلى هذا يقاس.
٢- التشبيه التّمثيليّ:
في قوله: «واتل عليهم نبأ الذي آتيناه» الى آخر الآية، فقد شبه حال من أعطي شيئا فلم يقبله بالكلب الذي إن حملت عليه نبح وولى ذاهبا، وإن تركته شدّ عليك ونبح، فإن الكلب يعطي الجد والجهد من نفسه في كل حالة من الحالات، وشبه رفضه وقذفه لها ورده لها بعد الحرص عليها، وفرط الرغبة فيها، بالكلب، إذا رجع ينبح بعد اطرادك له وواجب أن يكون رفض الأشياء الخطيرة النفيسة في خدن طلبها والحرص عليها، والكلب إذا أتعب نفسه في شدة النباح مقبلا عليك ومدبرا عنك لهث واعتراه ما يعتريه عند التعب والعطش.
الفوائد:
الجملة الشرطية في محل نصب على الحال، أي: لاهثا في الحالتين،
стр. 1600
قاله الزمخشري وأبو البقاء. قال بعضهم: «وأما الشرطية فلا تقع بتمامها موقع الحال، فلا يقال: جاء زيد إن يسأل يعط، على الحال بل لو أريد ذلك لجعلت الشرطية خبرا عن ضمير ما أريد الحال عنه، نحو: جاء زيد هو وإن يسأل يعط، فيكون الواقع موقع الحال، ولكن بعد ما أخرجوها عن حقيقة الشرط. وتلك الجملة لم تخل من أن يعطف عليها ما يناقضها أو لم يعطف، والأول ترك الواو مستمرا فيه، نحو: أتيتك إن أتيتني وإن لم تأتني، إذ لا يخفى أن النقيضين من الشرط في مثل هذا الموضع لا يبقيان على معنى الشرط، بل يتحولان الى معنى التسوية، كالاستفهامين المتناقضين في قوله: «أأنذرتهم أم لم تنذرهم» ، وأما الثاني فلا بد فيه من الواو، نحو: أتيتك وإن لم تأتني، ولو ترك الواو لالتبس بالشرط حقيقة، فقوله: «إن تحمل عليه يهلث أو تتركه يلهث» من قبيل الأول، لأن الحمل عليه والترك نقيضان. وهذا من أدق المباحث فتأمله لأنه جدير بالتأمل.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٨ الى ١٧٩]
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)
اللغة:
(ذَرَأْنا) : خلقنا.
стр. 1601
الإعراب:
(مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي) من اسم شرط جازم في محل نصب مفعول به مقدم ليهد، والله فاعله، والفاء رابطة لجواب الشرط، وهو مبتدأ، والمهتدي خبره، وقد راعى هنا لفظ «من» فأفرد المهتدي (وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) عطف على الجملة السابقة، وراعى هنا معنى «من» فجمع الخاسرين (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) الواو عاطفة ليتساوق كلام الله تعالى في وصفهم ووصف مآلهم. واللام جواب للقسم المحذوف، وذرأنا فعل وفاعل، ولجهنم جار ومجرور متعلقان بذرأنا، وكثيرا مفعول به، ومن الجن والإنس صفة ل «كثيرا» (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها) لهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وقلوب مبتدأ مؤخر، والجملة حال من «كثيرا» ، وإن كان نكرة لتخصيصه بالوصف، وجملة لا يفقهون صفة لقلوب.
ومثل ذلك يقال في الجملتين التاليتين (أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) أولئك مبتدأ، وكالأنعام جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، وبل حرف إضراب وعطف، وهم مبتدأ، وأضل خبر، وأولئك مبتدأ، وهم ضمير فصل لا محل له، والغافلون خبر أولئك، أو «هم» مبتدأ، والغافلون خبر «هم» ، وجملة هم الغافلون خبر أولئك.
البلاغة:
في الآية التشبيه التمثيلي، فقد شبه اليهود في عظم ما أقدموا عليه من تكذيب رسول الله ﷺ مع علمهم أنه النبي
стр. 1602
الموعود بمن عدموا فهم القلوب وإبصار العيون واستماع الآذان، وجعلهم لإغراقهم في الكفر وإصرارهم على الضلال بمثابة من خلقوا للنار لا ينفكون عنها أبدا، ثم شبههم بالأنعام بل بما هو دون الأنعام ارتكاسا وسفها وتدنيا في مهابط الرذيلة والآثام.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٠ الى ١٨٦]
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)
اللغة:
(الْحُسْنى) : مؤنث الأحسن، كالكبرى والصغرى، وقيل:
стр. 1603
الحسنى: مصدر وصف به كالرّجعى، وأفرده كما أفرد وصف ما لا يعقل في قوله: «ولي فيها مآرب أخرى» ، ولو طوبق به لكان التركيب الحسن كقوله: «من أيام أخر» .
(يُلْحِدُونَ) : مضارع ألحد بمعنى مال وانحرف.
(سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) : سنستدنيهم قليلا الى ما يهلكهم، والاستدراج النقل درجة بعد درجة، من الدرج وهو الطيّ، ومنه درج الثوب:
إذا طواه.
(وَأُمْلِي) : الإملاء: الإمهال والتطويل.
(جِنَّةٍ) : بكسر الجيم وتشديد النون: أي جنون.
الإعراب:
(وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها) الواو استئنافية، ولله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والأسماء مبتدأ مؤخر، والحسنى صفة، فادعوه الفاء الفصيحة، وادعوه فعل وفاعل ومفعول به، وبها جار ومجرور متعلقان بادعوه (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ) الواو عاطفة، وذروا فعل أمر وفاعل، والذين اسم موصول مفعول به، وجملة يلحدون صلة الموصول، وفي أسمائه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، والمعنى واتركوا تسمية الذين يميلون عن الحق والصواب فيه (سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) سيجزون فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، وما مفعول به ثان، وجملة كانوا يعملون صلة الموصول، وجملة يعملون خبر كانوا (وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) الواو عاطفة، وممن جار ومجرور
стр. 1604
متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وجملة خلقنا صلة الموصول، وأمة مبتدأ مؤخر، وجملة يهدون بالحق صفة لأمة، وبه جار ومجرور متعلقان بيعدلون (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) الواو عاطفة أو استئنافية، والذين مبتدأ وجملة كذبوا صلة الموصول، وبآياتنا جار ومجرور متعلقان بكذبوا، وجملة سنستدرجهم من حيث لا يعلمون خبر، ولك أن تنصب الذين بفعل محذوف على الاشتغال، والتقدير: سنستدرج الذين كذبوا أي سننقلهم درجة بعد درجة من علو الى سفل، أي نقربهم الى الهلاك بإمهالهم. ومن حيث جار ومجرور متعلقان بنستدرجهم، وجملة لا يعلمون في محل جر بالإضافة (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) يجوز أن تكون الواو عاطفة، وأملي معطوف على نستدرجهم، على نحو من الالتفات، والذي نراه أنها مستأنفة على أنها خبر لمبتدأ محذوف، أي: وأنا أملي لهم، ولهم جار ومجرور متعلقان بأملي، وإن كيدي متين الجملة بمثابة التعليل لقوته تعالى (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ) الهمزة للاستفهام الإنكاري، والواو عاطفة، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويتفكروا فعل مضارع مجزوم بلم، وما نافية، وبصاحبهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومن حرف جر زائد، وجنة مجرور لفظا مرفوع محلّا على أنه مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب معمولة ليتفكروا، فهو عامل فيها، لوجود المعلق له وهو «ما» النافية، ويجوز أن تكون «ما» استفهامية في محل رفع مبتدأ، والخبر بصاحبهم، ومن جنة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) إن نافية، وهو مبتدأ، وإلا أداة حصر، ونذير خبر، ومبين صفة (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) تقدم إعراب نظيرها، وفي ملكوت السموات والأرض جار ومجرور متعلقان بينظر،
стр. 1605
وما عطف على ملكوت، وجملة خلق صلة الموصول، ومن شيء جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) الواو عاطفة، والجملة في محل جر عطفا على «ما» قبلها، أي: في أن، وأن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن المحذوف، وخبرها جملة عسى، واسم عسى مستتر، وأن وما في حيزها خبرها، واسم يكون ضمير الشأن أيضا، وجملة قد اقترب أجلهم خبرها (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) الفاء استئنافية، وبأي جار ومجرور متعلقان بيؤمنون، والجملة مستأنفة مسوقة للتعجب، أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث فكيف يؤمنون بغيره! والضمير عائد على القرآن أو الرسول (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ) من اسم شرط جازم في محل نصب مفعول به مقدم ليضلل، والله فاعل، والفاء رابطة، ولا نافية للجنس، وهادي اسمها، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها (وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) الواو استئنافية، وجملة يذرهم مستأنفة، والهاء مفعول به، في طغيانهم جار ومجرور متعلقان بيعمهون، وجملة يعمهون حال من الهاء، وقرئ: «ويذرهم» بالجزم عطفا على محل قوله:
«فلا هادي له» المجزوم.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٧ الى ١٨٨]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)
стр. 1606
اللغة:
(السَّاعَةِ) : القيامة، وسميت بذلك لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها، أو على العكس لطولها، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق. وهي من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا.
(مُرْساها) مصدر ميمي من أرسى، والإرساء الاستقرار والإثبات، والثلاثي منه رسا، ورسا الشيء ثبت، ورست السفينة: وقفت عن الجري.
(يُجَلِّيها) : يظهرها.
(حَفِيٌّ) : مبالغ في السؤال، والمراد كأنك عالم بها، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه استحكم علمه فيه ورصن، وهذا التركيب معناه المبالغة ومنه إحفاء الشارب.
الإعراب:
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها) جملة مستأنفة مسوقة لبيان نمط من ضلالاتهم. ويسألونك فعل وفاعل ومفعول به، وعن الساعة جار ومجرور متعلقان بيسألونك، وأيان اسم استفهام في محل نصب على الظرفية الزمانية، وسيأتي في باب الفوائد اشتقاقه، وهو متعلق
стр. 1607
بمحذوف خبر مقدم، ومرساها مبتدأ مؤخر، والجملة بدل من الساعة.
وقيل: أيان متعلق بمحذوف، أي يسألونك، ومرساها فاعل لهذا الفعل المحذوف (قُلْ: إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ) إنما كافة ومكفوفة، وعلمها مبتدأ، والظرف متعلق بمحذوف خبر، وجملة لا يجليها حال، ولوقتها جار ومجرور متعلقان بيجلّيها، وجملة إنما وما في حيزها في محل نصب مقول القول وإلا أداة حصر، وهو فاعل يجليها، أو تأكيد للفاعل المستتر (ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الجملة مستأنفة، وفي السموات جار ومجرور متعلقان بثقلت، سواء أكان «في» بمعنى «على» أو على بابها من الظرفية، والمعنى حصل ثقلها، وهو شدتها أو المبالغة في إخفائها في هذين الظرفين أو عليهما (لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) الجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها، ولا تأتيكم فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وإلا أداة حصر، وبغتة حال أو مفعول مطلق (يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها) : الجملة مستأنفة، وسيأتي سر هذا التكرير في باب البلاغة. ويسألونك فعل وفاعل ومفعول به، وجملة كأنك حالية، وكأن واسمها، وحفي خبرها، وعنها جار ومجرور متعلقان بحفي (قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ) تقدم إعرابها قريبا (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) تقدم إعرابها (قُلْ: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ) الجملة مستأنفة مسوقة لحسم أطماعهم بعد إعلان نفض يده منهم. وجملة لا أملك في محل نصب مقول القول، ولا نافية وأملك فعل مضارع وفاعل مستتر، ونفعا مفعول به، ولنفسي جار ومجرور متعلقان بأملك، أو بمحذوف حال من «نفعا» ، لأنه كان في الأصل صفة له لو تأخر عنه، وإلا أداة استثناء، وما مستثنى من «نفعا وضرا» أو بدل منهما، وقيل:
الاستثناء منقطع، فهو متعين النصب على الاستثناء
стр. 1608
(وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) الواو استئنافية، ولو شرطية، وكان واسمها، وجملة أعلم خبرها، والغيب مفعول به، ولا ستكثرت اللام واقعة في جواب لو، واستكثرت فعل وفاعل، ومن الخير جار ومجرور متعلقان باستكثرت، والجملة لا محل لها (وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ) الواو عاطفة، وجملة ما مسني السوء عطف على استكثرت، وما نافية (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) إن نافية، وأنا مبتدأ، وإلا أداة حصر، ونذير خبر، وبشير عطف على نذير، ولقوم جار ومجرور متعلقان بنذير وبشير، وجملة يؤمنون صفة لقوم.
البلاغة:
في قوله تعالى: «يسألونك كأنك حفيّ عنها» نوع من التكرير لم يدونه علماء البلاغة في معرض حديثهم عن التكرير، وهو أن الكلام إذا بني على مقصد ما، واعترض في أثنائه عارض، فأريد الرجوع لتتميم المقصد الأول، وقد بعد عهده، طرّي بذكر المقصد الأول، لتتصل نهايته ببدايته، وقد تقدمت اليه الإشارة، وهذا منها. فإنه لما ابتدأ الكلام بقوله: «يسألونك عن الساعة أيان مرساها» ثم اعترض ذكر الجواب المضمن في قوله: «قل إنما علمها عند ربي» الى قوله «بغتة» أريد تتميم سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم، وهو المضمن في قوله: «كأنك حفيّ عنها» وهو شديد التعلق بالسؤال، وقد بعد عهده، فطرّي ذكره تطرية عامة، ولا نراه أبدا يطرّي إلا بنوع من الإجمال، كالتذكرة للأول مستغني عن تفصيله بما تقدم، فمن ثم قيل: «يسألونك» ولم يذكر المسئول عنه- وهو الساعة- اكتفاء بما تقدم. فلما كرر السؤال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا فقال: «قل إنما علمها عند الله» .
стр. 1609
الفوائد:
(أَيَّانَ) بمعنى متى، إن كانت اسم استفهام أو اسم شرط، وقيل اشتقاقه من «أي» وهي «فعلان» منه، لأن معناه: أي وقت وأي فعل، من أويت إليه، لأن البعض آو الى الكل متساند إليه.
قاله ابن جني، وأبى أن يكون من «أين» لأنه زمان و «أين» مكان.
وقال غيره: أصل أيان «أي آن» فهي مركبة من «أي» المتضمنة معنى الشرط و «آن» بمعنى حين، فصارتا بعد التركيب اسما واحدا، للشرط في الزمان المستقبل، مبني على الفتح، وكثيرا ما تلحقها «ما» الزائدة للتوكيد، كقوله:
إذا النعجة الأدماء بانت بقفرة ... فأيّان ما تعدل به الريح تنزل
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٩ الى ١٩٢]
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)
стр. 1610
الإعراب:
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) كلام مستأنف لخطاب أهل مكة. وهو مبتدأ، والذي خبره، وجملة خلقكم صلة، ومن نفس جار ومجرور متعلقان بخلقكم، وواحدة صفة (وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها) جعل بمعنى خلق معطوف على خلقكم، وفاعله ضمير مستتر، ومنها جار ومجرور متعلقان بجعل، وزوجها مفعول به، واللام للتعليل ويسكن فعل مضارع منصوب وفاعله هو، وإليها جار ومجرور متعلقان بيسكن والمراد بالنفس آدم، وتأنيث الضمير باعتبار لفظ النفس (فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ) الفاء عاطفة، ولما رابطة أو حينية، وجملة حملت لا محل لها، وحملا إن كانت مصدرا فهي معفول مطلق، وإن كانت بمعنى الجنين فهي مفعول به، وخفيفا نعت أتى به للإشعار بعدم التأذي به كما يصيب الحوامل عادة من آلام الحمل، أو إشارة الى ابتدائه وكونه نطفة لا تثقل البطن. والفاء عاطفة، ومرت عطف على حملت، وبه جار ومجرور متعلقان بمرت، أي:
ترددت في إنجاز مهامها وإظهارها من غير مشقة ولا إعنات (فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما) الفاء عاطفة، ولما رابطة أو حينية، ودعوا الله فعل ماض وفاعل ومفعول به وربهما بدل (لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) اللام موطئة للقسم، وجملة القسم مستأنفة لتدل على الجملة القسمية، وإن شرطية، وآتيتنا فعل وفاعل وهو فعل الشرط، ونا مفعول به، وصالحا صفة لمفعول محذوف نابت عنه، أي: ولدا صالحا، واللام واقعة في جواب القسم لتقدمه، ونكونن فعل مضارع ناقص، مبني على الفتح، واسمها ضمير مستتر تقديره نحن، ومن الشاكرين جار
стр. 1611
ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، وجملة لئن آتيتنا تفسيرية لجملة دعوا الله، كأنه قيل: فما كان دعاؤهما؟ ما قالاه، ولك أن تجعلها مقولا لقول محذوف تقديره: فقالا: لئن آتيتنا، وجملة لنكونن جواب القسم، وجواب الشرط محذوف على ما تقرر (فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما) شركاء مفعول جعلا، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة لشركاء وتقدّم، وفيما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لشركاء، وجملة آتاهما صلة، والمعنى: آتى أولادهما، وقد دل على ذلك قوله: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) حيث جمع الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك.
والفاء حرف عطف، وجملة تعالى الله عطف على خلقكم، وما بينهما اعتراض. ويجوز أن تكون الفاء استئنافية، والجملة مستأنفة، وسيأتي في باب الفوائد سرّ هذا الخطاب، وما قاله العلماء فيه. والله فاعله، وعما جار ومجرور متعلقان بتعالى، وجملة يشركون لا محل لها لأنها صلة الموصول (أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري، ويشركون فعل مضارع، والواو فاعل، وما مفعول به، وجملة لا يخلق صلة الموصول، والواو حالية، وهم مبتدأ، وجملة يخلقون بالبناء للمجهول خبر «هم» ، والواو نائب فاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لتوبيخهم على ما اقترفوه. وهذا الضمير يعود على الأصنام المعبر عنها ب «ما» ، وعبر عنها ب «ما» لاعتقاد الكفار فيها ما يعتقدونه في العقلاء، ويجوز أن يعود على الكفار، أي: وهم ومخلوقون لله، فلو تفكروا في ذلك لآمنوا (وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) الجملة معطوفة على سابقتها، وأنفسهم مفعول به مقدم لينصرون.
стр. 1612
الفوائد:
المراد في الخطاب الوارد في هذه الآيات شغل العلماء والمفسرين وخاضوا فيه كثيرا، ولا يتسع المجال لنقل ما قالوه في هذا الصدد.
وأسلم ما نراه وأقربه الى الصواب والمعقول أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى، لا يقصد فيه الى معين، ويكون المعنى حينئذ: خلقكم جنسا واحدا، وجعل أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى جرى من الجنسين كذا وكذا. وقيل: الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ وهم آل قصيّ- ألا ترى الى قوله في قصة أم معبد:
فيا لقصيّ ما زوى الله عنكم ... به من فخار لا يبارى وسؤدد
وقبل هذا البيت:
جزى الله ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين حلّا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبرّ ثمّ ترحّلا ... فيا فوز من أمسى رفيق محمد
وبعده:
ليهن بني سعد مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
стр. 1613
والقائل مجهول.
روى التاريخ أنه حين خرج رسول الله ﷺ من مكة مهاجرا يصحبه أبوبكر، وجهل أهلهما خبرهما بعد خروجها من الغار، هتف الهاتفون بهذا القول. وأم معبد امرأة من بني سعد، نزلا عندها. و «يا لقصيّ» أصله: يا آل قصي، أو تكون لام الاستغاثة، والجار والمجرور متعلقان بما في «يا» من معنى الفعل.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩٣ الى ١٩٥]
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥)
الإعراب:
(وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة لخطاب عبدة الأصنام، أي: وإن تدعوا آلهتكم الى طلب هدى ورشاد كما تطلبونه من الله لا يتابعوكم على مرادكم. وإن
стр. 1614
شرطية. وتدعوهم فعل الشرط، والواو فاعل. والهاء مفعول به يعود على الأصنام، والى الهدى جار ومجرور متعلقان بتدعوهم، ولا نافية، ويتبعوكم جواب الشرط المجزوم (سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ) سواء خبر مقدم، وعليكم جار ومجرور متعلقان بسواء، والهمزة للاستفهام، وهي همزة التسوية التي تؤوّل ما بعدها بمصدر، وقد مر ذكرها في البقرة، وهي وما في حيزها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، ولك أن تعرب «سواء» خبرا لمبتدأ محذوف، والمصدر المؤول فاعل لسواء الذي أجري مجرى المصادر، وأم عاطفة وتسمى متصلة، وقد سبق ذكرها، وأنتم مبتدأ، وصامتون خبر، والجملة معطوفة على الجملة السابقة (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما تقدمها، وإن واسمها، وجملة تدعون صلة، ومن دون الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال. وعباد خبر إنّ، وأمثالكم صفة لعباد، ووصف الأصنام بأنها عباد أمثالهم مع أنها جمادات، ولفظ العباد إنما يطلق على الأحياء العقلاء، وعبّر عنها بضرورة في قوله: «فادعوهم» ، وقوله:
«فليستجيبوا لكم» ، إنما ساغ ذلك كله لأنهم لما اعتقدوا ألوهيتها لزمهم كونها حية عاقلة وإن كانت في الواقع خلاف ذلك، ولكن وردت الألفاظ على مقتضى اعتقادهم. وسيأتي مزيد من التحقيق في هذا في باب الفوائد (فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الفاء الفصيحة، أي: إذا صح ذلك- وهو لم يصح إلا في اعتقادهم وعرفهم- فادعوهم. وادعوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به، وقوله:
«فليستجيبوا» الفاء عاطفة، واللام لام الأمر، ويستجيبوا فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، ولكم جار ومجرور متعلقان بيستجيبوا، وإن شرطية، وكنتم صادقين فعل الشرط، والجواب محذوف دلت
стр. 1615
عليه الفاء الفصيحة، أي: فادعوهم، وصادقين خبر كنتم (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها) كلام مستأنف بمثابة التوبيخ لهم على عقولهم القاصرة.
والهمزة للاستفهام الإنكاري مع النفي، ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وأرجل مبتدأ مؤخر وجملة يمشون بها صفة (أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها) أم عاطفة بمعنى بل، والجملة معطوفة على سابقتها، وكذلك قوله: (أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها؟ أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها) أي:
ليس لهم شيء من ذلك البتة مما هو لكم، فكيف تعبونهم؟ وأنتم أتمّ منهم وأكمل حالا (قُلِ: ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ) جملة ادعوا شركاءكم مقول القول، وثم حرف عطف وتراخ، وكيدون عطف على ادعوا، والفاء عاطفة ولا ناهية، تنظرون فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والنون للوقاية، وياء المتكلم محذوفة، وقد تقدم القول في جواز حذفها في البقرة.
البلاغة:
في قوله: «ألهم أرجل يمشون» بها الى قوله: «فلا تنظرون» فنّ بديعي معروف باسم نفي الشيء بإيجابه، وهو أن يثبت المتكلم شيئا في ظاهر كلامه بشرط أن يكون المثبت مستعارا، ثم ينفي ما هو من سببه مجازا، والمنفي حقيقة في باطن الكلام، وهو الذي أثبته لا الذي نفاه، وفي الآيات المتقدمة يقتضي نفي الإلهية جملة عمن يبصر ويسمع من الآلهة المتخذة من دون الله تعالى، فكيف من لا يسمع ولا يبصر منها. وقد تقدمت له أمثلة، وسيأتي المزيد منه.
الفوائد:
لم ير أشهر المفسرين إشكالا في إطلاق لفظ «عباد» على
следующие страницы →