Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وعلى عبدنا جار ومجرور متعلقان بأنزلنا ويوم الفرقان ظرف متعلق بأنزلنا أيضا والمراد به يوم بدر الفارق بين الحق والباطل. (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) الظرف بدل من الظرف الأول، وجملة التقى الجمعان مضافة للظرف (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وقدير خبره وعلى كل شيء جار ومجرور متعلقان بقدير. (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى) الظرف بدل من يوم الأول أو الثاني وأنتم مبتدأ وبالعدوة خبر والجملة مضافة للظرف والدنيا صفة للعدوة وهم بالعدوة القصوى عطف على سابقتها. (وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) الواو حالية من الظرف وهو قوله «بالعدوة القصوى» ويجوز أن تكون عاطفة على «أنتم» لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوهم، والركب مبتدأ وأسفل نصب على الظرف في محل رفع على الخبرية وسيأتي مزيد بحث له في باب الفوائد. ومنكم جار ومجرور متعلقان بأسفل لأنه في الأصل اسم تفضيل استعمل بمعنى صفة لمكان محذوف أقيم مقامه، وللزمخشري فصل في تعليل هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين سنورده في باب الفوائد لأنه بلغ الذروة في التنقيب عن أسرار الكتاب العزيز. (وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ) الواو عاطفة ولو شرطية وهي الدالة على الامتناع وتواعدتم فعل الشرط واللام الرابطة واختلفتم جملة لا محل لها لأنها جواب الشرط وفي الميعاد متعلق باختلفتم، أي امتنع اختلافكم في موعد الخروج الى القتال لامتناع تواعدكم وإعلام بعضكم بعضا بالخروج للقتال لأنكم قد تضعفون عند ما تعلمون شكيمتهم ومنعة مكانهم مما يؤيد فصل الزمخشري البديع. (وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا) لكن حرف استدراك مهمل وليقضي اللام للتعليل وهي مع مجرورها المؤول متعلقان بمحذوف أي جمعكم بغير ميعاد والله فاعل وأمرا مفعول به، وجملة كان مفعولا
стр. 1682
صفة لأمرا وكان واسمها المستتر وخبرها. (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ) يجوز تعليق ليهلك بما تعلق به ليقضي أي فهو بدل منه، ويجوز أن يتعلق بمفعولا، ويهلك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل ومن اسم موصول فاعل وجملة هلك صلة وعن بينة حال.
(وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) عطف على الجملة السابقة، وحي أصلها حيي أدغمت الياء بالياء. (وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) الواو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وسميع خبر أول لإن وعليم خبر ثان.
البلاغة:
في قوله: «إذ أنتم بالعدوة الدنيا» الى قوله: «ويحيا من حي عن بينة» فن الاستدراك فإن الحق سبحانه أخبر عن الأمر الواقع بخبر أخرجته الفصاحة مجرى المثل، وذلك أن الرسول ﷺ لما أخبرته عيونه بقفول ركب قريش من الشام الى مكة على الجادة المعروفة التي لا بد لسالكها من ورود «بدر» ، أمر أصحابه بالخروج وخرج معهم يريد العير، وكان وعد الله قد تقدم له بإحدى الطائفتين، إما العير وإما النفير، وبلغ أبا سفيان، وهو على الركب، خروج رسول الله ﷺ فأمر الركب أن يأخذ على سيف البحر، ومضى أبو سفيان على وجهه لمكة، فاستنفر قريشا، فخرجوا الى بدر ليشغلوا وجه رسول الله ﷺ عن تتبّع العير، فصادفوه ببدر، وهو يظن أن الركب يمر على بدر، فوقعت اللقيا من غير ميعاد، فأخبر الله سبحانه بموضع المسلمين من بدر وموضع المشركين منه بقوله:
«إذ أنتم بالعدوة الدنيا» أي القريبة، «وهم بالعدوة القصوى» :
стр. 1683
أي البعيدة، «والركب أسفل منكم» لأن سيف البحر في غور، وبدر في نجد بالنسبة إليه، وأراد أن يخبر عن وقوع اللقاء بغير ميعاد، وعدل عن لفظ المعنى الى لفظ الارداف فلم يقل فالتقوا من غير ميعاد، بل قال: «ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد» لخروج لفظ الإرداف مخرج المثل ليكون أسير وأشهر ولو وقع الاقتصار على هذا المقدار لاحتمل أن يقال: فما الحكمة في حرمان الله رسوله والمسلمين هذه الغنيمة الباردة لأجل منها. وهي فتح مكة واستئصال أموال أهلها، فإن اختياره لهم لقاء النفير دون العير ليقتل حماة مكة وصناديدها فيتمكن المسلمون من فتحها وكذلك كان، وقد كان مراد المسلمين لقاء العير دون النفير بدليل إخباره سبحانه عنهم بذلك في قوله:
«ويودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم» يعني العير، فإن ذات الشوكة: النفير، لأن الشوكة السلاح، فأرادوا هم ذلك، وأراد الله خلافه لعلمه بالعواقب، فأوقع اللقاء من غير ميعاد لهذه المصلحة، وأخرج الإخبار به مخرج المثل لما بينّا من فائدة ذلك، ثم قوى دليل الكلام بذكر العلة في تقويت تلك المصلحة الظاهرة، حيث قال بلفظ الاستدراك: «ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا» ، ثم فصل ما أجمله في الاستدراك بقوله: «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» ، فاتضح الإشكال، وارتفع ما قدر من الاحتمال وأبان عن المعنى أحسن بيان، فحصل في هذه الكلمات أربعة عشر نوعا من البلاغة وهي: الإيجاز، والترشيح، والإرداف، والتمثيل، والمقارنة، والاستدراك، والإدماج، والإيضاح، والتهذيب، والتعليل، والتنكيت، والمساواة، وحسن النسق، وحسن البيان.
стр. 1684
الفوائد:
١ لم نجر في هذا الكتاب على الخوض في المسائل العلمية والفقهية إلا نادرا، وإلا فيما له علاقة بالإعراب أو البيان، وقد خاض العلماء كثيرا في كيفية تقسيم الخمس ونلخص آراء الأئمة بما لا يخرج عن أسلوبنا.
قسمة الخمس عند أبي حنيفة أنها كانت في عهد رسول الله ﷺ على خمسة أسهم: سهم لرسول الله، وسهم لذوي قرباه، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل.
أما عند الشافعي فيقسم على خمسة أسهم: سهم لرسول الله يصرف الى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين، كعدة الغزاة من السلاح والكراع ونحو ذلك، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم، والباقي للفرق الثلاث.
وأما عند مالك بن أنس فالأمر مفوض الى اجتهاد الإمام، إن رأى قسمه بين هؤلاء، وإن رأى أعطاه بعضهم دون بعض، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فغيرهم. وهناك أقوال أخرى يرجع إليها في المطولات.
٢- يقع الخبر ظرفا نحو «والركب أسفل منكم» ، وجارا ومجرورا نحو «الحمد لله» ، وشرطهما أن يكونا تامّين كما مثل، فلا يجوز زيد مكافا، ولا زيد بك، لعدم الفائدة ويتعلقان بمحذوف وجوبا هو الخبر، واختلف في تقديره فقيل تقديره استقر أو مستقر.
стр. 1685
قال ابن هشام: في المغني: والحق عندي أنه لا يترجح تقديره اسما ولا فعلا بل بحسب المعنى. وقال ابن مالك في الخلاصة:
وأخبروا لظرف أو بحرف جر ... ناوين معنى كائن أو استقر
وهناك ملاحظات هامة نلفت إليها الانتباه:
آ- يخبر بالمكان عن أسماء الذوات والمعاني نحو: زيد خلفك والخير أمامك.
ب- يخبر بالزمان عن أسماء المعاني فقط نحو: الصوم اليوم والسفر غدا.
ج- لا يخبر بالزمان عن أسماء الذوات فلا يقال: زيد اليوم، والفرق أن الأحداث أفعال وحركات، فلا بد لكل حدث من زمان يختص به بخلاف الذوات.
د- إذا حصلت فائدة جاز الإخبار بالزمان عن الذوات، كأن يكون المبتدأ عاما والزمان خاصا، باضافة أو وصف، نحو: نحن في شهر كذا، فنحن مبتدأ وهو عام لصلاحيته في نفسه لكل متكلم إذ لا يختص به متكلم دون غيره، وفي شهر كذا خبره، وهو خاص بالمضاف إليه، ونحن في زمن طيب اختص بالوصف.
هـ- وأما نحو قولهم «الورد في أيار» و «اليوم خمر» و «الليلة الهلال» ، فالتأويل فيها: خروج الورد، واليوم شرب خمر، والليلة رؤية الهلال، فالإخبار في الحقيقة إنما هو عن اسم المعنى لا عن اسم الذات.
стр. 1686
٣- وقد آن أن نورد فصل الزمخشري بحروفه وفيه يسمو هذا الامام الى أبعد أفق، ويبرهن على قوة ملاحظته وسداد تفكيره قال:
«فإن قلت: ما فائدة هذا التوقيت وذكر مراكز الفريقين، وان العير كانت أسفل منهم؟ قلت: الفائدة فيه: الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدو وشوكته وتكامل عدته وتمهد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين والتياث أمرهم وأن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعا من الله سبحانه، ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته، وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء وكانت أرضا لا بأس بها، ولا ماء بالعدوة الدنيا وهي خبار تسوخ فيها الأرجل «أي رخوة» ، ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشفقة، وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم، ولهذا كانت العرب تخرج الى الحرب بظعنهم وأموالهم ليبعثهم الذّبّ عن الحريم والغيرة على الحرم على بذل جهدهم في القتال، وأن لا يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز اليه فيجمع ذلك قلوبهم ويضبط همهم ويوطن نفوسهم على أن لا يبرحوا مواطنهم، ولا يخلوا مراكزهم ويبذلوا منتهى نجدتهم وقصارى شدتهم، وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر وقعة بدر ليقضي أمرا كان مفعولا من إعزاز دينه وإعلاء كلمته حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين في الخروج.
стр. 1687
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤٣ الى ٤٤]
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)
الإعراب:
(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا) الظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر أو هو بدل ثان من يوم الفرقان، أو متعلق بسميع عليم أي يعلم المصالح إذ يقللهم في عينك. ويريكهم فعل مضارع والكاف مفعول أول والهاء مفعول ثان والله فاعل وفي منامك حال وقليلا مفعول ثالث لأن رأى الحلمية تنصب مفعولين بلا همزة فإذا دخلت عليها الهمزة نصب ثلاثة. (وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) الواو عاطفة ولو شرطية وأراكهم فعل ماض والكاف مفعول أول والهاء مفعول ثان وكثيرا مفعول ثالث، واللام رابطة وفشلتم فعل وفاعل ولتنازعتم عطف على لفشلتم وفي الأمر جار ومجرور متعلقان بتنازعتم (وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) الواو عاطفة ولكن واسمها وجملة سلّم خبرها وإنه إن واسمها وعليم خبرها وبذات الصدور جار ومجرور متعلقان بعليم (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا) إذ بدل من الظرف قبله ويريكموهم فعل مضارع والكاف مفعول أول والميم
стр. 1688
علامة الجمع والواو لإشباع الميم والهاء مفعول ثان وإذ متعلق بيريكموهم، وجملة التقيتم مضافة للظرف وفي أعينكم متعلق بقليلا وقليلا حال من الهاء لأن الرؤية هنا بصرية فهي مع الهمزة تنصب مفعولين فقط. (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا) عطف على ما تقدم، وفي أعينهم حال وليقضي لام التعليل مع مجرورها متعلقان بيقللكم لأنه علة التعليل، وكرره لاختلاف الفعل المعلل به إذ الفعل المعلل به أولا اجتماعهم بغير ميعاد، وثانيا تقليل المؤمنين قبل الالتحام، ثم تكثيرهم في أعين الكفار، أما الغرض في تقليل الكفار في أعين المؤمنين فهو ظاهر، وأما تقليل المؤمنين في أعينهم قبل اللقاء فذلك ليجترئوا عليهم قلة مبالاة بهم، حتى إذا فاجأتهم الكثرة بهتوا وهابوا وأسقط في أيديهم، وجملة كان مفعولا صفة الأمر.
(وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) الواو عاطفة والى الله جار ومجرور متعلقان بترجع والأمور نائب فاعل.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤٥ الى ٤٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)
стр. 1689
اللغة:
(رِيحُكُمْ) الريح: الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمشيه بالريح وهبوبها فقيل: هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره، قال سليك بن سلكة:
يا صاحبيّ ألا لا حيّ بالوادي ... إلا عبيد مقود بين أذواد
أتنظران قليلا ريث غفلتهم ... أم تعدوان فإن الريح للعادي
فقد استعار الشاعر الريح للدولة بجامع النفوذ والأمر النافذ من كل فهي من المجاز، وإذا هبت رياحك فاغتنمها، ورجل ساكن الريح:
وقور، وفي القاموس والمختار: ان الريح يطلق ويراد به: القوة، والغلبة، والرحمة، والنصرة، والدولة.
(البطر) والأشر بفتحتين: الطغيان في النعمة بترك شكرها وجعلها وسيلة الى ما لا يرضاه الله، وقيل: معناهما الفخر بالنعمة ومقابلتها بالتكبر والخيلاء بها.
(الرئاء) مصدر راءى كقاتل قتالا، والأصل: رياء فالهمزة الأولى بدل من ياء هي عين الكلمة، والثانية بدل من ياء هي لام الكلمة لأنها وقعت ظرفا بعد ألف زائدة.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا) إذا حرف لما يستقبل من الزمن خافض لشرطه منصوب بجوابه وجملة لقيتم مضافة وفئة
стр. 1690
مفعول به والفاء رابطة واثبتوا فعل أمر وفاعل والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) واذكروا عطف على اثبتوا وهو فعل أمر وفاعل ولفظ الجلالة مفعول به وكثيرا مفعول مطلق لأنه صفة لمصدر محذوف ويجوز إعرابه ظرفا أي وقتا كثيرا ولعلكم تفلحون: لعل واسمها وجملة تفلحون خبرها. (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) وأطيعوا عطف على اذكروا ولفظ الجلالة مفعول به ورسوله عطف عليه ولا ناهية وتنازعوا أصله تتنازعوا مجزوم بلا الناهية والفاء فاء السببية لأنها وقعت في جواب النهي وتفشلوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية وتذهب ريحكم عطف على فتفشلوا ويجوز أن تكون الواو عاطفة وتفشلوا مجزوم لأنه داخل في حكم النهي وقد قرىء بذلك.
(وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) عطف على ما تقدم وإن واسمها والظرف خبرها (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ) ولا تكونوا عطف على ما تقدم وتكونوا فعل مضارع ناقص والواو اسمها وكالذين الكاف اسم بمعنى مثل خبرها والذين مضاف إليه أو هما جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر تكونوا والمراد بهم أهل مكة حين خرجوا لحماية العير، فأتاهم رسول أبي سفيان، وهم بالحجفة، أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال حتى نقدم بئرا نشرب بها الخمور، وتعزف علينا القيان، ونطعم من حولنا من العرب، فذلك بطرهم ورئاؤهم، فوافوها، فسقوا كأس المنايا، وناحت عليهم النوائح مكان القيان. وبطرا مصدر في موضع الحال ويجوز أن يعرب مفعولا لأجله وكذلك رئاء الناس. (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) الواو عاطفة وجملة يصدون معطوفة على بطرا أي
стр. 1691
وصدا عن سبيل الله وانما عدل عن الاسمية الى الفعلية في الصد لأن البطر والرئاء كانا ديدنهم ودأبهم بخلاف الصد فإنه تجدد لهم في زمن النبوة والواو استئنافية والله مبتدأ ومحيط خبره وبما يعملون جار ومجرور متعلقان بمحيط.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤٨ الى ٤٩]
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)
اللغة:
(نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ) رجع القهقرى يمشي الى ظهره قال الشاعر:
ليس النكوص على الأعقاب مكرمة ... إن المكارم إقدام على الأصل
والعقب بكسر القاف وسكونها: مؤخر القدم والولد وولد الولد، والجمع أعقاب، وأعقاب الأمور أواخرها، يقال: جاء عقبه وبعقبه أي خلفه، ورجع على عقبه أي على الطريق التي جاء منها سريعا،
стр. 1692
ووطئ عقبه أي مشى في أثره، وسافر على عقب الشهر أي في آخره.
الإعراب:
(وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) الظرف إذ منصوب باذكر محذوفا وجملة زين مضاف إليها ولهم متعلق بزين والشيطان فاعل وأعمالهم مفعول به. (وَقالَ: لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ) وقال عطف على زين ولا نافية للجنس وغالب اسمها مبني على الفتح ولكم خبرها ومن الناس حال من الضمير في لكم لتضمنه معنى الاستقرار.
(وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ) الواو عاطفة للجملة التي في حيز القول ولذلك كسرت همزتها، وإن واسمها وجار خبرها ولكم متعلق بجار لأنها بمعنى مجير ومعين وناصر لكم، قيل أتاهم الشيطان في صورة سراقة بن مالك سيد ناحية كنانة. (فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ) الفاء عاطفة ولما ظرف بمعنى حين أو رابطة وتراءت الفئتان فعل وفاعل ونكص عطف على تراءت والجملة لا محل لها وعلى عقبيه حال أي هاربا. (وَقالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ) وقال عطف على نكص وان واسمها وخبرها ومنكم جار ومجرور متعلقان ببريء والجملة مقول القول. (إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ) إن واسمها وجملة أرى خبرها وما مفعول به وجملة لا ترون صلة والعائد محذوف. (إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ) إن واسمها وجملة أخاف الله خبرها والله مبتدأ وشديد العقاب خبر والجملة عطف على ما في حيز القول. (إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) الظرف معمول اذكر أو نكص وجملة يقول المنافقون مضافة والذين عطف على المنافقون وفي قلوبهم خبر مقدم ومرض مبتدأ مؤخر والجملة صلة (غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ) الجملة مقول القول وهؤلاء
стр. 1693
مفعول غر ودينهم فاعله، يعني هؤلاء المنافقون ومرضى القلوب: ان المسلمين اغتروا بدينهم، وسولت لهم أنفسهم لقاء زهاء ألف وهم لا يتجاوزون ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فقال الله لهم مبكتا: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ ويتوكل فعل الشرط وعلى الله متعلق بيتوكل وجواب الشرط محذوف تقديره يغلب والفاء رابطة للتعليل وان الله عزيز حكيم إن واسمها وخبراها.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٠ الى ٥٤]
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)
стр. 1694
الإعراب:
(وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ) الواو استئنافية وترى فعل مضارع وهي بصرية والفاعل مستتر تقديره أنت والمفعول به محذوف أي الكفرة أو حالهم وإذ ظرف لترى أي: ولو ترى الكفرة أو حال الكفرة حين تتوفاهم الملائكة ببدر. ولو الامتناعية تردّ الفعل المضارع ماضيا كما أن «إن» ترد الماضي مضارعا، وجملة يتوفى مضافة والذين مفعول به والملائكة فاعل وجملة كفروا صلة، وقد تقدم سر الحذف لجواب لو والمفعول به وقد اجتمعا هنا وتقدير الجواب:
لرأيت شيئا عظيما. (يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) جملة يضربون حال من الملائكة أو من الذين كفروا لأن فيهما ضميريهما، ويجوز أن يكون فاعل يتوفى هو ضمير الله تعالى لتقدمه في قوله ومن يتوكل على الله، وعندئذ فالملائكة مبتدأ خبره ما بعده والجملة حال من الذين كفروا وذوقوا، معطوف على يضربون على إرادة القول أي ويقولون ذوقوا، وعذاب الحريق مفعول به. (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ذلك رفع بالابتداء وبما قدمت خبره وما مصدرية أو موصولة وأيديكم فاعل وأن الله عطف على ما أي: ذلك العذاب بسببين: بسبب كفركم ومعاصيكم، وبأن الله، وجملة ليس خبر إن وبظلام الباء حرف جر زائد وظلام خبر ليس محلا وللعبيد جار ومجرور متعلقان بظلام وظلام صيغة مبالغة تفيد النسب. (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الكاف في محل رفع خبر مبتدأ محذوف أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون سواء كانت اسمية أم حرفية وآل مضاف وفرعون مضاف إليه والذين عطف على آل ومن قبلهم صلة الذين والجملة استئنافية مسوقة لبيان ما حل بهم
стр. 1695
من العذاب بسبب كفرهم قال ابن عباس: والمعنى أن آل فرعون أيقنوا أن موسى ﵊ نبي فكذبوه، فكذلك حال هؤلاء لما جاءهم محمد ﷺ بالصدق كذبوه، فأنزل الله بهم عقوبته كما أنزلها بآل فرعون. (كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ) جملة كفروا بآيات الله تفسيرية لدأب آل فرعون، وبآيات الله جار ومجرور متعلقان بكفروا (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ) عطف على كفروا وأخذهم الله فعل ومفعول به وفاعل وبذنوبهم متعلق بأخذهم أي بسبب ذنوبهم وإن واسمها وقوي خبرها الأول وشديد العقاب خبرها الثاني.
(ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ) اسم الاشارة مبتدأ وبأن الله خبره وجملة لم يك خبر أن ويك مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون المقدرة على النون المحذوفة للتخفيف. وسترد في باب الفوائد خصائص كان، واسم يك مستتر تقديره: الله تعالى ومغيرا خبرها ونعمة مفعول به لمغيرا لأنه اسم فاعل وجملة أنعمها صفة لنعمة والهاء مفعول به وعلى قوم جار ومجرور متعلقان بأنعمها (حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) حتى حرف غاية وجر ويغيروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والجار والمجرور متعلقان بمغيرا وما مفعول به وبأنفسهم صلة ما. (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) عطف على ما سبقه ولذلك فتحت همزة أن، أي وبسبب أن الله، وسميع خبر أن الأول وعليم خبرها الثاني. (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) كرره لفوائد نلخصها بما يلي:
١- ان الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول فتكون الجملة تفسيرية.
٢- ذكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله وجحدوها وفي الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها وكفرهم بها.
стр. 1696
٣- ان التكرير للتأكيد فتكون الجملة مؤكدة تابعة للأولى، وقد تقدم إعرابها على كل حال.
(كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) الجملة تفسيرية أيضا كما تقدم في سابقها وجملة فأهلكناهم بذنوبهم عطف على كذبوا.
(وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ) عطف على ما تقدم وفي ذكر الإغراق بيان للأخذ بالذنوب (وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ) كل مبتدأ ساغ الابتداء فيها لإضافتها ونيابة التنوين عن المضاف إليه كما تقدم في بحث تنوين العوض ولما فيها من معنى العموم أي وكلهم من غرقى القبط وقتلى قريش، وجملة كانوا ظالمين خبر كل وجمع الضمير في كانوا وفي ظالمين مراعاة لمعنى كل، لأن «كل» متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاة لفظها تارة، ومراعاة معناها أخرى، وإنما اختير هنا مراعاة المعنى لأجل الفواصل، ولو روعي اللفظ فقط فقيل: وكل كان ظالما، لم تتفق الفواصل.
البلاغة:
١- المجاز المرسل في قوله «بما قدمت أيديكم» فإن هذا العذاب إنما حاق بهم بسبب كفرهم، ومحل الكفر هو القلب لا اليد لأنها ليست موضعا للمعرفة، فلا يتوجه التكليف عليها حتى يمكن إيصال العذاب إليها، ولكن اليد هنا معناها القدرة، والعلاقة السببية، لأن اليد آلة النعمة كما استعملت مجازا بمعنى النعمة.
٢- عدل عن ظالم إلى ظلام وقد كان ظاهر الكلام يقضي بنفي الأدنى لأنه أبلغ من نفي الأعلى، لأن نفي الأعلى لا يستلزم نفي الأدنى، وبالعكس ولكنه عدل عن ذلك لأجل العبيد أو لأن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذب بمثله ظلاما بليغ الظلم متفاقمه.
стр. 1697
الفوائد:
١- صيغة فعّال وفاعل وفعل في النسب:
قد يستغنى عن ياء النسب بصوغ المنسوب إليه على فعّال بتشديد ثانيه، وذلك غالب في الحرف جمع حرفة كبزّاز بزايين معجمتين لبائع البز، ونجار لمن حرفته النجارة، وعوّاج لبياع العاج، وعطّار لبياع العطر، ومن غير الغالب قول امرئ القيس:
وليس بذي رمح فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبّال
أي بذي نبل بدليل ما قبله فاستعمل فعال في غير الحرف، وحمل عليه قوم من المحققين قوله تعالى: «وما ربك بظلام للعبيد» أي بذي ظلم، والذي حملهم على ذلك أن النفي منصب على المبالغة فثبت أصل الفعل، والله تعالى منزه عن ذلك وأمثلة فعّال كثيرة ومع كثرتها قال سيبويه: غير مقيسة فلا يقال لصاحب الدقيق دقّاق، ولا لصاحب الفاكهة فكّاه، ولا لصاحب البر برار، ولا لصاحب الشعير شعّار، والمبرد يقيس هذا.
- هذا ويصاغ المنسوب إليه أيضا على فاعل أو على فعل بفتح أوله وكسر ثانيه بمعنى ذي كذا، فالأول كتامر أي ذي تمر، ولابن أي ذي لبن، وطاعم أي ذي طعام، وكاس أي ذي كساء، والثاني كطعم أي ذي طعام، ونهر أي ذي نهار، قال الراجز:
لست بليلى ولكني نهر ... لا أدلج الليل ولكن أبتكر
стр. 1698
أنشده سيبويه في كتابه، أي ولكنني نهاريّ أي عامل بالنهار.
واختلفوا في قول الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فانك أنت الطاعم الكاسي
فقال قوم: هو فاعل بمعنى مفعول، أي مطعوم ومكسو على حد قوله تعالى «فهو في عيشة راضية» ، وقال آخرون: هو من باب النسب أي ذي طعام وذي كسوة، وفي كلتا الحالين فهو ذم أي أنه ليس له فضل غير أنه يأكل ويشرب.
٢- خصائص كان:
تختص «كان» بأمور:
آ- جواز زيادتها بشرطين:
أحدهما: كونها بلفظ الماضي لتعين الزمان فيه دون المضارع وشذّ قول أم عقيل بن أبي طالب وهي ترقصه:
أنت تكون ما جد نبيل ... إذا تهب شمأل بليل
فأنت مبتدأ وماجد خبره وتكون زائدة بين المبتدأ والخبر.
والثاني: كونها بين شيئين متلازمين ليسا جارا ومجرورا وليس المراد بزيادتها أنها لا تدل على معنى البتة، بل أنها لم يؤت بها للإسناد، وإلا فهي دالة على المضيّ، ولهذا كثر زيادتها بين ما التعجبية وفعل التعجب لكونه سلب الدلالة على المضي نحو: ما كان أحسن زيدا، فكان زائدة بين المبتدأ وخبره وقال الشاعر:
حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقّلها
стр. 1699
وقد تزاد بين الفعل ومرفوعه نحو قول بعضهم: لم يوجد كان مثلهم، فزاد كان بين الفعل ونائب الفاعل، واختلف في قول الفرزدق:
فكيف إذا مررت بدار قوم ... وجيران لنا، كانوا، كرام
فقال قوم منهم المبرد: إنها في البيت ليست بزائدة بل هي الناقصة والواو اسمها ولنا خبرها والجملة في موضع الصفة لجيران وكرام صفة بعد صفة، فهو نظير قوله تعالى: «هذا كتاب أنزلناه مبارك» ، وذهب سيبويه والخليل الى أنها في البيت زائدة ولاتباعهما في تخريج اتصالها بالواو أقوال يرجع إليها في المطولات.
ب- ومنها أنها تحذف ويبقى اسمها وخبرها، وكثر ذلك بعد أن المصدرية الواقعة في موضع المفعول لأجله في كل موضع أريد فيه تعليل فعل بفعل، نحو: أمّا أنت منطلقا انطلقت، فانطلقت معلول وما قبله علة له مقدمة عليه، والأصل: انطلقت لأن كنت منطلقا، ثم قدمت اللام التعليلية وما بعدها المجرور بها على «انطلقت» فصار: لأن كنت منطلقا انطلقت، ثم حذفت كان لذلك فانفصل الضمير الذي هو اسم كان، فصار: أن أنت منطلقا، ثم زيدت ما للتعويض من كان فصار:
أن ما أنت، ثم أدغمت النون في الميم للتقارب في المخرج، فصار أما أنت، وعليه قول عباس بن مرداس:
أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع
أي لأن كنت ذا نفر فخرت، ثم حذف «فخرت» وهو متعلق الجار لأن وما بعدها وأبا خراشة منادى ودخلت الفاء في فإن قومي لأن
стр. 1700
الثاني مستحق بالأول، فهو مسبّب عنه، والأول سبب فأشبه الشرط والجزاء.
ج- ومنها أنها تحذف مع اسمها ويبقى الخبر ويكثر ذلك بعد إن ولو الشرطيتين فمثال لو:
لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا ... جنوده ضاق عنها السهل والجبل
أي ولو كان صاحب البغي ملكا ذا جنود كثيرة وقول النبي ﷺ : «التمس ولو خاتما من حديد» أي التمس شيئا ولو كان ما تلتمسه خاتما من حديد.
ومثال إن:
قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا
أي إن كان ما قيل صدقا وإن كان ما قيل كذبا، وقولهم: «الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر» بنصب الأول على الخبرية لكان المحذوفة مع اسمها، ورفع الثاني على الخبرية لمبتدأ محذوف أي إن كان عملهم خيرا فجزاؤهم خير وإن كان عملهم شرا فجزاؤهم شر.
د- ومنها أن لام مضارعها وهي النون يجوز حذفها تخفيفا، وصلا لا وفقا، وذلك بشرط أن يكون مجزوما بالسكون غير متصل
стр. 1701
بضمير نصب ولا بساكن نحو: «ولم أك بغيا» وكالآية التي نحن بصددها.
هـ- ومنها، وهذه الخاصة تشاركها فيها أخواتها إلا ثلاثة، أن تستعمل تامة أي مستغنية بمرفوعها نحو: «وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة» وقول أبي تمام:
قد كان ما خفت أن يكونا ... إنا إلى الله راجعونا
ومعناها عندئذ حصل، أما الثلاثة التي لزمت النقص فهي: فتىء وزال وليس.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٥ الى ٥٩]
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩)
اللغة:
(تَثْقَفَنَّهُمْ) : تصادفهم وتظفر بهم، وفي المصباح: ثقفت الشيء
стр. 1702
ثقفا من باب تعب أخذته، وثقفت الرجل في الحرب أدركته، وثقفته ظفرت به، وثقفت الحديث فهمته بسرعة والفاعل ثقيف.
(فَانْبِذْ) : فاطرح إليهم العهد، والنبذ الطرح، وهو هنا مجاز عن إعلامهم بأن لا عهد لهم بعد اليوم، فشبّه العهد بالشيء الذي يرمى لعدم الرغبة فيه، وأثبت النبذ له تخييلا، ومفعوله محذوف أي عهدهم. وسيأتي مزيد من هذا البحث الهام في باب البلاغة.
الإعراب:
(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) إن واسمها والدواب مضاف لشر وعند الله ظرف متعلق بمحذوف حال والذين خبر إن وجملة كفروا صلة، والجملة كلها استئنافية سيقت بعد شرح أحوال المهلكين من شرار الكفرة للشروع في بيان أحوال الباقين منهم وتفصيل أحكامهم.
(فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) الفاء الفصيحة وهم مبتدأ وجملة لا يؤمنون خبر، أي لا يتوقع منهم إيمان بعد أن أصروا على الكفر ولجوا فيه. (الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ) بدل من الذين كفروا فمحله الرفع، أي الذين عاهدتهم من الذين كفروا، وجعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار، وشر الكفار المصرون منهم، وشر المصرين الذين نكثوا العهود، وجملة عاهدت صلة ومنهم حال. (ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ) ثم عطف للترتيب مع التراخي وعهدهم مفعول به وفي كل مرة جار ومجرور متعلقان بينقضون والواو عاطفة وهم مبتدأ وجملة لا يتقون خبر. (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ) الفاء رابطة لشبه المبتدأ بالشرط لأن الموصول فيه رائحة منه وإن شرطية وما زائدة، وأدغمت
стр. 1703
النون بالميم، وتثقفنهم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به وفي الحرب جار ومجرور متعلقان بتثقفنهم. (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) الفاء رابطة وشرد فعل أمر وبهم جار ومجرور متعلقان بشرد والباء بمعنى السببية أي بسبب تنكيلك بهم، ومن مفعول به لشرد وخلفهم ظرف متعلق بمحذوف صلة، والمعنى انك إذا ظفرت بهؤلاء الكفار الذين نقضوا العهد، فافعل بهم أنماطا من التنكيل تفرق بها جمع كل ناقض للعهد خافر للذمام، حتى يخافك من وراءهم. (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) لعل واسمها وجملة يذكرون خبرها أي لعلهم يتعظون بهم. (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً) الواو عاطفة وإن شرطية أدغمت بما الزائدة وتخافن فعل الشرط ولكنه مبني لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره أنت ومن قوم جار ومجرور متعلقان بتخافن وخيانة مفعول به.
(فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ) الفاء رابطة وانبذ فعل أمر وإليهم جار ومجرور متعلقان بانبذ وعلى سواء في موضع الحال من الفاعل والمفعول معا أي فاعل الفعل وهو ضمير النبي ومفعوله وهو المجرور بإلى أي حال كونهم مستوين في العلم بنقض العهد وسيأتي مزيد بحث في هذه الآية العجيبة الأسلوب. (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) إن واسمها وجملة لا يحب الخائنين خبرها، والجملة تعليلية للأمر بالنبذ، والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال على طريقة الاستئناف. (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ) الواو عاطفة ولا ناهية ويحسبن مضارع مبني في محل جزم بلا الناهية والذين كفروا فاعل والمفعول الأول محذوف أي أنفسهم وجملة سبقوا مفعول يحسبن الثاني أي فاتوا عذابه ونجوا منه وان واسمها وجملة لا يعجزون خبرها.
стр. 1704
البلاغة:
فن الاشارة:
في قوله تعالى: «وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء» ، فن يقال له: «فن الاشارة» ، وبعضهم يدرجه في باب الإيجاز لأنه متفرع عنه، ولكن قدامة فرعه من ائتلاف اللفظ مع المعنى، وشرحه فقال، هو أن يكون اللفظ القليل دالا على المعنى الكثير حتى تكون دلالة اللفظ على المعنى كالإشارة باليد فإنها تشير بحركة واحدة إلى أشياء كثيرة لو عبّر عنها بأسمائها احتاجت الى عبارة طويلة وألفاظ كثيرة. والفرق بينه وبين الإيجاز أن الإيجاز بألفاظ المعنى الموضوعة له، وألفاظ الاشارة لمحة دالة، فدلالة اللفظ على الإيجاز دلالة مطابقة، ودلالة اللفظ في الإشارة إما دلالة تضمين أو دلالة التزام، فقوله تعالى:
«فانبذ إليهم على سواء» تشير الى الأمر بالمقاتلة بنبذ العهد كما نبذوا عهدك، مع ما يدل عليه الأمر بالمساواة في الفعل من العدل، فإذا أضفت الى ذلك ما تشير إليه كلمة خيانة من وجود معاهدة سابقة، تبين لك ما انطوت عليه هذه الإشارات الخفية من دلالات كأنها أخذة السحر.
وقد افتن العلماء في بناء حكم الآية، فقالوا: إنه إذا ظهرت آثار نقض العهد ممن هادنهم الإمام من المشركين بأمر ظاهر مستفيض، استغنى الامام عن نبذ العهد وإعلامهم بالحرب، وإن ظهرت الخيانات بأمارات تلوح وتتضح له من غير أمر مستفيض، فحينئذ يجب عليه أن ينبذ إليهم ويعلمهم بالحرب، وأما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا، فلا حاجة للإمام الى نبذ العهد، بل يفعل كما فعل رسول الله ﷺ بأهل مكة لما نقضوا العهد بقتل خزاعة، وهم في
стр. 1705
ذمة رسول الله ﷺ فلم يرعهم إلا وجيشه بمر الظهران وذلك على أربعة فراسخ من مكة.
فن الاشارة في الشعر:
أما فن الاشارة في الشعر فهو شائع في شعرنا العربي كثيرا ومن أطرفه قول بهاء الدين زهير:
عفا الله عنكم أين ذاك التودّد؟ ... وأين جميل منكم كنت أعهد؟
بما بيننا لا تنقضوا العهد بيننا ... فيسمع واش أو يقول مفند
فقد أشار بما إلى ما لا يحصى من دواعي الهوى، ونوازع الشوق، وجميل قول أبي الطيب المتنبي:
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحب ما لم يبق مني وما بقي
فقد أشار بما الأولى وما الثانية الى ما لا يخفى مما يلقاه قلبه من الوجد فيما يستأنفه، وما لقيه من قبل ذلك فيما أسلفاه، ومما أحدثه الحب فيه من ندوب سواء ما لم يبقه السقم منه مما أفناه، وما بقي منه مما أنحله وأضناه، ولأبي فراس في الإشارة:
وما لك لا تلقى بمهجتك القنا ... وأنت من القوم الذين هم هم
стр. 1706
وما أبدع قول أبي العلاء المعري:
منك الصدود ومني بالصّدود رضا ... من ذا عليّ بهذا في هواك قضى
بي منك ما لو بعين الشمس ما طلعت ... من الكآبة أو بالبرق ما ومضا
أما خالد الكاتب فقد بلغ نهاية الحسن بقوله:
رقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر
ولم تدر بعد ذهاب الرقا ... د ما فعل الدمع بالناظر
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦٠ الى ٦١]
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)
اللغة:
(رِباطِ الْخَيْلِ) هي ما يرتبط منها، ورباط الخيل حبسها واقتناؤها قال:
стр. 1707
فينا رباط جياد الخيل معلمة ... وفي كليب رباط اللؤم والعار
وقال الزمخشري: «والرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن تسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال، والمصدر هنا مضاف لمفعوله» .
وفي المصباح، ربطه ربطا- من باب ضرب ومن باب قتل- لغة شده، والرباط ما يربط به القربة وغيرها، والجمع ربط مثل كتاب وكتب، ويقال للمصاب: ربط الله على قلبه بالصبر، كما يقال: أفرغ الله عليه الصبر أي ألهمه، والرباط اسم من رابط مرابطة- من باب قاتل- إذا لازم ثغر العدو، والرباط الذي يبنى للفقراء، مولد ويجمع في القياس على ربط بضمتين ورباطات اهـ. ونرى أن المطابق للقوة التي هي الرمي أن يكون الرباط على بابه والله أعلم.
(جنح) له وإليه: مال، وجنحت الإبل أمالت أعناقها، والمصدر الجنوح، ويقال: جنح الليل أقبل، قال النضر بن شميل: جنح الرجل إلى فلان ولفلان إذا خضع له، والجنوح الاتباع أيضا لتضمنه الميل، ومنه الجوانح للأضلاع لميلها على حشوة الشخص، والجناح من ذلك لميلانه على الطائر. قال ذو الرمة:
إذا مات فوق الرحل أحييت روحه ... بذكراك والعيس المراسيل جنح
وقال النابغة:
جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب
стр. 1708
(السلم) بكسر السين وفتحها الصلح، ففي المصباح: والسلم بكسر السين وفتحها الصلح ويذكر ويؤنث، وقال الزمخشري: والسلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، قال عباس بن مرداس يخاطب خفاف بن ندبة:
السلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع
الإعراب:
(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ) الواو عاطفة وأعدوا فعل أمر والواو فاعل ولهم جار ومجرور متعلقان بأعدوا، والمراد ناقضو العهد كما يقتضيه سياق الكلام أو للكفار مطلقا، وما مفعول به وجملة استطعتم صلة ومن قوة في موضع نصب على الحال من الموصول أو من العائد عليه ومن رباط الخيل عطف عليه.
(تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ) جملة ترهبون حال من فاعل أعدوا أي حال كونكم مرهبين أو حال من مفعول أعدوا وهو الموصول أي حال كونه مرهبا به، وبه متعلق بترهبون وعدو الله مفعول ترهبون وعدوكم عطف على عدو الله وآخرين عطف على عدوكم، والمراد بهم اليهود ومن دونهم صفة لآخرين. (لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ)
جملة لا تعلمونهم صفة لآخرين والله مبتدأ وجملة يعلمهم خبر والمفعول الثاني محذوف تقديره محاربين. (وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) الواو استئنافية وما اسم شرط جازم في محل نصب مفعول مقدم لتنفقوا وتنفقوا فعل الشرط ومن شيء حال
стр. 1709
وفي سبيل الله جار ومجرور متعلقان بتنفقوا ويوف جواب الشرط ونائب الفاعل مستتر وإليكم جار ومجرور متعلقان بيوف، وأنتم مبتدأ وجملة لا تظلمون خبر والجملة معطوفة. (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الواو عاطفة وإن شرطية وجنحوا فعل ماض وهو فعل الشرط وللسلم جار ومجرور متعلقان بجنحوا والفاء رابطة واجنح فعل أمر ولها جار ومجرور متعلقان باجنح وتوكل عطف على اجنح وعلى الله متعلق بتوكل، وان واسمها، وهو ضمير فصل والسميع خبر أول والعليم خبر ثان، ويجوز أن يكون هو مبتدأ والسميع العليم خبراه والجملة خبر إنه.
الفوائد:
بحث في المؤنث
اعلم أن العرب قد أنثوا أسماء كثيرة بتاء مقدرة، ويستدل على ذلك التقدير: بالضمير العائد عليها، نحو: «النار وعدها الله الذين كفروا» ، «حتى تضع الحرب أوزارها» ، «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها» . وبالاشارة إليها نحو: «هذه جهنم» . وبثبوت التاء في تصغيرها نحو: أذينة وعيينة مصغر أذن وعين من الأعضاء المزدوجة، فإن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، وغير المزدوج مذكر كالرأس والقلب. أو بثبوت التاء في فعلها نحو: «ولما فصلت العير» وبسقوطها من عددها كقول حميد الأرقط يصف قوما عربية:
أرمي عليها وهي فرع أجمع ... وهي ثلاث أذرع وأصبع
стр. 1710
فأذرع جمع ذراع وهي مؤنثة بدليل سقوط التاء من عددها وهو ثلاث.
هذا، والقاعدة المشهورة، هي أنه ما كان من الأعضاء مزدوجا، فالغالب عليه التأنيث إلا الحاجبين والمنخرين والخدين فإنها مذكرة، والمرجع السماع، وعد المنخرين من المزدوج لا ينافي عد الأنف من غيره لأن الأنف اسم للمنخرين معا وكل واحد يسمى منخرا لا أنفا، ومن المزدوج الكف فهي مؤنثة وزعم المبرد أنها قد تذكر وأنشد:
ولو كفي اليمين تقيك خوفا ... لأفردت اليمين عن الشمال
ولم يقل اليمنى، كذا قال المبرد، وهو وهم لأن اليمين مؤنثة بمنزلة اليمنى. وقال ابن يسعون: ذكر حملا على العضو ثم رجع الى التأنيث، فقال: تقيك.
وما كان من الأعضاء غير مزدوج فالغالب عليه التذكير، ومن غير الغالب اللسان والقفا فإنهما قد يؤنثان.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦٢ الى ٦٤]
وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)
стр. 1711
اللغة:
(حَسْبَكَ) الحسب: بسكون السين الكفاية، يقال حسبك درهم، وتزاد عليه الباء فيقال بحسبك درهم أي كفايتك، وهذا رجل حسبك من رجل، وزيد صديقي فحسبي، أو فحسب، أي يكفيني ويغني عن غيره، وقال جرير:
إني وجدت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا
فإذا تذوكرت المكارم مرة ... في مجلس أنتم به فتقنعوا
الإعراب:
(وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ) الواو عاطفة وإن شرطية ويريدوا فعل الشرط والواو فاعل، وأن وما في حيزها مصدر مفعول به، فإن الفاء رابطة وإن واسمها وخبرها والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) هو مبتدأ والذي خبره وجملة أيدك صلة وبنصره جار ومجرور متعلقان بأيدك وبالمؤمنين عطف على بنصره. (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) وألف عطف على أيدك وبين ظرف متعلق بألف وقلوبهم مضاف اليه. (لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) لو شرطية وأنفقت فعل وفاعل وما مفعول به وفي الأرض صفة وجميعا حال وما نافية وألفت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم. (وَلكِنَّ اللَّهَ
стр. 1712
أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
الواو عاطفة أو استئنافية ولكن واسمها وجملة ألف بينهم خبر لكن وإن واسمها وخبراها والجملة تعليلية.
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) حسبك خبر مقدم والله مبتدأ مؤخر أو بالعكس ومن عطف على الله وجملة اتبعك صلة ومن المؤمنين حال.
والمعنى حسبك الله وحسبك المؤمنين، أي كافيك الله وكافيك المؤمنون ويحتمل أن تكون بمعنى مع وما بعده منصوب، كما تقول: حسبك وزيدا درهم، والمعنى كافيك وكافي المؤمنين الله، لأن عطف الظاهر على المضمر في مثل هذه الصورة ممتنع كما تقرر في علم النحو، وأجازه الكوفيون، قال الفراء: ليس بكثير في كلامهم أن تقول: حسبك وأخيك، بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك، بإعادة الجار فلو كان قوله ومن اتبعك مجرورا لقيل: حسبك الله وحسب من اتبعك، واختار النصب على المفعول معه النحاس.
الفوائد:
حسب: قال أبو حيان: وحسبك مبتدأ مضاف الى الضمير وليس مصدرا ولا اسم فاعل.
قال سيبويه: «قالوا حسبك وزيدا درهم لما كان فيه من معنى كفاك وقبح أن يحملوه على المضمر نووا الفعل كأنه قال: حسبك وبحسب أخاك درهم ولذلك كفيك» كفيك وهو من كفاه يكفيه، وكذلك قطك تقول: كفيك وزيدا درهم، وقطك وزيدا درهم، وليس هذا من باب المفعول معه وإنما جاء سيبويه به حجة للحمل على الفعل
стр. 1713
للدلالة. فحسبك يدل على كفاك ويحسبني مضارع أحسبني فلان إذا أعطاني حتى أقول حسبي. فالناصب في هذا فعل يدل عليه المعنى، وهو في: كفيك وزيدا درهم. أوضح لأنه مصدر للفعل المضمر أي ويكفي زيدا. وفي قطك وزيدا درهم التقدير فيه أبعد، لأن قطك ليس في الفعل المضمر شيء من لفظه، إنما هو مفسر من حيث المعنى فقط. وفي ذلك الفعل المضمر فاعل يعود على الدرهم، والنية بالدرهم التقديم، فيصير من عطف الجمل، ولا يجوز أن يكون من باب الإعمال لأن طلب المبتدأ للخبر وعمله فيه ليس من قبيل طلب الفعل أو ما جرى مجراه ولا عمله، فلا يتوهم ذلك فيه.
وقال الزجاج: «حسب اسم فعل والكاف نصب والواو بمعنى مع» ، فعلى هذا يكون الله فاعلا لحسبك، وعلى هذا التقدير يجوز في: ومن أن يكون معطوفا على الكاف لأنها مفعول باسم الفعل لا مجرور، لأن اسم الفعل لا يضاف، إلا أن مذهب الزجاج خطأ لدخول العوامل على حسبك، تقول: بحسبك درهم وقال تعالى:
«فإن حسبك الله» ولم يثبت كونه اسم فعل في مكان فيعتقد فيه أنه يكون اسم فعل واسما غير اسم فعل كرويد.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦٥ الى ٦٦]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)
стр. 1714
اللغة:
(حَرِّضِ) التحريض في اللغة: المبالغة في الحث على الأمر من الحرض، وهو أن ينهكه المرض ويتبالغ فيه حتى يشفي على الموت، أو أن تسميه حرضا وتقول له: ما أراك إلا حرضا في هذا الأمر ومحرضا فيه ليهيجه ويحرّك منه، ويقال: حركه وحرضه وحرصه وحرشه وحربه بمعنى، وفي المصباح: حرض حرضا- من باب تعب- أشرف على الهلاك، فهو حرض بفتح الراء تسمية بالمصدر مبالغة، وحرضته على الشيء تحريضا. وفي المختار: والتحريض على القتال الحث والاحماء عليه.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ) حرض فعل أمر وفاعله أنت والمؤمنين مفعول به وعلى القتال جار ومجرور متعلقان بحرض.
(إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) إن شرطية ويكن فعل الشرط ومنكم خبر يكن المقدم وعشرون اسمها المؤخر وصابرون صفة ويغلبوا جواب الشرط ومئتين مفعول به، ويجوز أن تعرب يكن هنا تامة فيكون عشرون فاعلا ومنكم حال. (وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا
стр. 1715
أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا)
عطف على ما تقدم والإعراب مماثل ومن الذين كفروا صفة ل «ألفا» . (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) بأنهم جار ومجرور متعلقان بيغلبوا والباء للسببية وأن واسمها وقوم خبرها وجملة لا يفقهون صفة ل «قوم» . (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) الآن ظرف متعلق بخفف والله فاعل وعنكم متعلق بخفف. (وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً) عطف على خفف وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي علم وفيكم خبر أن المقدم وضعفا اسمها المؤخر. (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) فيها ما تقدم من الإعراب. (وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ) عطف على ما تقدم. (بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) بإذن الله جار ومجرور متعلقان بيغلبوا والله مبتدأ ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر والصابرين مضاف إليه.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦٧ الى ٦٩]
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)
اللغة:
(يُثْخِنَ) في المصباح «أثخن في الأرض إثخانا سار الى العدو وأوسعهم قتلا، وأثخنته أو هنته بالجراحة وأضعفته» وأثخنه المرض
стр. 1716
إذا أثقله، من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة، والمعنى حتى يذل الكفر ويضعفه بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام ويقويه بالاستيلاء والقهر ثم الأسر بعد ذلك.
(عَرَضَ الدُّنْيا) حطامها، سمي بذلك لأنه قليل اللبث يريد الفداء، وقد سمى المتكلمون الأعراض أعراضا لأنها لا ثبات لها، فإنها تطرأ على الأجسام ثم تزول عنها.
الإعراب:
(ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى) ما نافية وكان فعل ماض ناقص ولنبي خبر مقدم وأن وما في حيزها اسمها ويجوز أن تكون تامة بمعنى ما حصل وما استقام فيتعلق الجار والمجرور بها وتكون أن وما في حيزها فاعلا لها. ويكون وخبرها المقدم واسمها المؤخر. (حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) حتى حرف غاية وجر ويثخن فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بيثخن. (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا) الجملة استئنافية وعرض الدنيا مفعول تريدون. (وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الواو استئنافية أو عاطفة والله مبتدأ وجملة يريد الآخرة خبر، والله مبتدأ وعزيز خبر أول وحكيم خبر ثان.
(لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) لولا حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط وكتاب مبتدأ محذوف الخبر ومن الله نعت لكتاب وكذا سبق والخبر محذوف تقديره موجود ولمسكم اللام واقعة في جواب لولا ومسكم فعل ومفعول به وفيما جار ومجرور متعلقان بمسكم أي: بسبب ما أخذتم وما مضافة وأخذتم صلة وعذاب فاعل وعظيم صفة. (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
стр. 1717
غَفُورٌ رَحِيمٌ)
الفاء الفصيحة أي ما دمت قد أبحت لكم الغنائم فكلوا، وكلوا فعل أمر وفاعل ومما جار ومجرور متعلقان بكلوا وجملة غنمتم صلة وحلالا نصب على الحال من المغنوم أو صفة للمصدر أي أكلا حلالا، واتقوا عطف على كلوا ولفظ الجلالة مفعول به وإن واسمها وخبراها.
البلاغة:
حسن التعليل:
في قوله تعالى: «لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم» فن يدعى «فن التعليل» ، وهو أن يريد المتكلم ذكر حكم واقع أو متوقع، فيقدم قبل ذكره علة وقوعه لكون رتبة العلة التقدم على المعلول، وسبق الكتاب من الله تعالى هو العلة في النجاة من العذاب.
هذا وبالنسبة للعلة والوصف المعلل ينقسم هذا الفن الى أربعة أقسام:
١- ثابت ظاهر العلة ولكنها مخالفة للعلة الأصلية ومثاله قول ابن المعتز:
قالوا: اشتكت عينه، فقلت لهم: ... من كثرة القتل نالها الوصب
حمرتها من دماء من قتلت ... والدم في السيف شاهد عجب
стр. 1718
فإن العلة الحقيقية في حمرة العين هي الرمد وهي ظاهرة تركها الشاعر، وعلل بعلة غير حقيقية وهي: أن حمرتها من دماء من قتلت من العشاق.
٢- ثابت خفي العلة كقول أبي الطيب المتنبي:
لم يحك نائلك السحاب وإنما ... حمّت به فصبيبها الرّحضاء
يعني أن السحاب لم يحك نائلك، أي عطاءك، وإنما صارت محمومة بسبب نائلك وتفوقه عليها، فالمصبوب منها هو عرق الحمى، فنزول المطر من السحاب صفة ثابتة لا يظهر لها في العادة، وقد علله بأنه عرق حماها الحادثة بسبب عطاء الممدوح.
٣- ثابت وهو متمكن كقول مسلم بن الوليد المعروف بصريع الغواني:
يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجى حذارك إنساني من الغرق
فاستحسان إساءة الواشي وصف غير ثابت إلا أنه ممكن، وقد خالف الناس في استحسانها معللا بأن حذره من الواشي كان سببا لسلامة إنسان عينه من الغرق في الدموع حيث ترك البكاء خوفا منه.
٤- القسم الرابع ليس بثابت ولا ممكن كقول الشاعر:
لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق
فنسبة النية الى الجوزاء غير ثابتة ولا ممكنة، فإن الارادة لا تكون إلا من حي، والجوزاء جماد ليس فيه حياة ولا إرادة لها
стр. 1719
ولا نية وقد نسب الشاعر ذلك إليها وعلله بأمارة الخدمة وهي عقد النطاق. لأن الجوزاء صورتها صورة شخص قد انتطق. والنطاق الزنار وكل ما يشد به الوسط.
وواضح أن الآية الكريمة ليست داخلة في نطاق هذه الأقسام الأربعة التي لا تخلو من تكلف. وإنما هي من مطلق التعليل لحكم من الأحكام.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٧٠ الى ٧٢]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)
стр. 1720
الإعراب:
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى) لمن متعلقان بقل وفي أيديكم صلة لمن ومن الأسرى حال. (إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً) إن شرطية ويعلم فعل الشرط والله فاعل وفي قلوبكم مفعول به ليعلم وخيرا مفعول به ثان والجملة الشرطية مقول القول. (يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يؤتكم جواب الشرط والكاف مفعول به أول وخيرا مفعول به ثان ومما متعلقان ب «خيرا» وجملة أخذ صلة ومنكم متعلقان بأخذ ويغفر لكم عطف على يؤتكم والله مبتدأ وغفور خبر أول ورحيم خبر ثان. (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ) الواو عاطفة وإن شرطية ويريدوا فعل الشرط والواو فاعل وخيانتك مفعول به والفاء رابطة للجواب وقد حرف تحقيق وخانوا الله فعل وفاعل ومفعول به ومن قبل متعلقان بخانوا وبنيت قبل على الضم لانقطاعها عن الاضافة لفظا لا معنى أي قبل بدر بالكفر. (فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الفاء عاطفة وأمكن فعل ماض وفاعل مستتر ومنهم متعلقان بأمكن ومفعول أمكن محذوف أي أمكنك منهم والله مبتدأ وخبراه. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ان واسمها وجملة آمنوا صلة وما بعده من الأفعال عطف عليه. (وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) والذين عطف على الذين وجملة آووا صلة ونصروا عطف على آووا وأولئك مبتدأ وبعضهم مبتدأ ثان وأولياء بعض خبره والمبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول وجملة أولئك ... إلخ خبر إن.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا) والذين عطف جملة على جملة، والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة ولم
следующие страницы →