Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
فهو مردوده، وحسنا صفة، وإن الله سميع عليم عطف على ما تقدم، وإن واسمها وخبراها (ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ) تقدم إعراب نظير اسم الإشارة، فهو مبتدأ، وخبره محذوف، أي ذلكم الإبلاء حق، وأن الله أن وما في حيزها عطف على ذلكم، وموهن خبر «أن» ، وكيد الكافرين مضاف لموهن، والإشارة للقتل والرمي والإبلاء، ويجوز أن تكون «أن» وما في حيزها عطف على «وليبلي» أو في محل نصب بفعل مقدر، أي: واعلموا أن الله.
البلاغة:
١- فن التعريض:
في قوله تعالى «ومن يولهم يومئذ دبره» فن يقال له: فن التعريض وبعضهم يدخله في ضمن الكناية، قال السعد التفتازاني:
«الكناية إذا كانت عرضية مسوقة لأجل موصوف غير مذكور كان المناسب أن يطلق عليها اسم التعريض، فقال عرضت لفلان وعرضت بفلان، إذا قلت قولا وأنت تعنيه فكأنك أشرت الى جانب وتريد جانبا آخر، ومنه المعاريض في الكلام، وهي التورية بالشيء عن الشيء» وقال الزمخشري: «الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض أن تذكر شيئا تدل به على شيء لم تذكره كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك، فكأنه أمال الكلام الى عرض يدل على المقصود، وعرض الشيء بالضم ناصيته من أي وجه جئته» .
وقال ابن الأثير في المثل السائر: «الكناية ما يدل على معنى يجوز حمله على جانب الحقيقة والمجاز بوصف جامع بينهما، ويكون في المفرد
стр. 1647
والمركب، والتعريض هو اللفظ الدال على معنى لا من جهة الوضع الحقيقي أو المجازي بل من جهة التلويح والإشارة، فيختص باللفظ المركب، كقول من يتوقع صلة: والله إني. محتاج، فإنه تعريض بالطلب مع أنه لم يوضع له حقيقة ولا مجازا، وإنما فهم منه المعنى، من عرض اللفظ، أي: جانبه» .
إذا عرفت هذا سهل عليك أن تعرف سر التعريض في هذا التعبير الرشيق بالآية، فقد ذكر لهم حالة تستهجن من فاعلها، فأتى بلفظ الدبر دون الظهر.
وقد ولع أبو الطيب بهذا الفن، فقد قال يعرض بكافور الاخشيدي:
ومن ركب الثور بعد الجوا ... د أنكر أظلافه والغبب
يريد أن من ركب الثور وكان من عادته أن يركب الجواد ينكر أظلاف الثور وغببه، وأما من كان مثل كافور وقد سبق له ركوب الثور فلا ينكر ذلك إن ركبه بعد الجواد. وقال أيضا يستزيد كافورا من الجوائز بعد مدحه:
أبا المسك هل في الكأس فضل أناله ... فإني أغني منذ حين وتشرب
يقول مديحي إياك يطربك كما يطرب الغناء الشارب، فقد حان أن تسقيني من فضل كأسك. ثم قال بعده:
وهبت على مقدار كفّي زماننا ... ونفسي على مقدار كفّيك تطلب
стр. 1648
٢- فن الاستدراك والرجوع:
وهو الكلام المشتمل على لفظة «لكن» ، وهو قسمان: قسم يتقدم الاستدراك فيه تقرير، وقسم لا يتقدمه، ومن القسم الثاني قوله تعالى: «فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» ، فقد أتى الاستدراك في هذه الكلمات في موضعين كل منهما مرشح للتعطف، فان لفظة تقتلوهم وقتلهم، ورميت ورمى، تعطف.
وهذا أقرب استدراك وقع في الكلام لتوسط حرفه بين لفظي التعطف في الموضعين. وسيأتي مثال القسم الأول قريبا.
ومما ورد منه شعرا قول أبي الطيب:
هم المحسنون الكرّ في حومة الوغى ... وأحسن منه كرّهم في المكارم
ولولا احتقار الأسد شبّهتها بهم ... لكنّها معدودة في البهائم
وما أحسن قول بعضهم في الرأس المصلوب على الرمح:
وعاد لكنّه رأس بلا جسد ... يمشي ولكن على ساق بلا قدم
إذا تراءى على الخطي أسفر في ... حال العبوس لنا عن ثغر مبتسم
стр. 1649
الفوائد:
روى التاريخ أنه لما كان يوم أحد أخذ أبيّ بن خلف يركض فرسه حتى دنا من رسول الله ﷺ ، واعترض رجال من المسلمين لأبي بن خلف ليقتلوه، فقال لهم رسول الله ﷺ : استأخروا، فاستأخروا. فأخذ رسول الله ﷺ حربته في يده فرمى بها أبيّ بن خلف وكسر ضلعا من أضلاعه، فرجع أبيّ بن خلف الى أصحابه ثقيلا، فاحتملوه حين ولّوا قافلين، فطفقوا يقولون: لا بأس. فقال أبيّ حين قالوا له ذلك: والله لو كانت بالناس لقتلتهم، ألم يقل إني أقتلك إن شاء الله. فانطلق به أصحابه ينعشونه حتى مات ببعض الطريق فدفنوه. قال ابن المسيب وفي ذلك أنزل الله:
«وما رميت إذ رميت» .
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ١٩ الى ٢٣]
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
стр. 1650
اللغة:
(تَسْتَفْتِحُوا) : تطلبوا الفتح، أي: القضاء والحكم بينكم وبين محمد بنصر المحق وخذلان المبطل، روي أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة، وقالوا: اللهم أينا كان أقطع للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. أي: أهلكه.
(الدَّوَابِّ) : جمع دابّة. والمراد بها هنا الإنسان. وإطلاق الدابة على الإنسان حقيقي لما ذكروه في كتب اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو آدميا. وفي المصباح: الدابة كل حيوان في الأرض مميز أو غير مميز.
الإعراب:
(إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ) إن شرطية، وتستفتحوا فعل مضارع مجزوم لأنه فعل الشرط، والفاء رابطة لاقتران الجواب بقد، وقد حرف تحقيق، وجاءكم الفتح فعل ومفعول به وفاعل (وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) عطف على ما تقدم، والإعراب مماثل لما قبله، واقتران الجواب بالفاء لأنه جملة اسمية مؤلفة من مبتدأ وخبر. وجملة الجواب في الموضعين في محل جزم (وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ) عطف أيضا.
وجملة الجواب لا محل لها. (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ)
стр. 1651
عطف أيضا، وفئتكم فاعل تغني، وشيئا مفعول مطلق أو مفعول به، والواو حالية، ولو شرطية، وكثرت فعل الشرط، والجواب محذوف.
(وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) عطف أيضا، وفتح همزة «أن» بتقدير اللام، والتقدير ولأن الله مع المؤمنين، والله اسم أن ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف هو الخبر (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها (أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) أطيعوا فعل أمر وفاعل، والله مفعول به، ورسوله عطف على الله، وجملة ولا تولوا عطف على جملة أطيعوا، ولا ناهية، وتولوا مضارع مجزوم بلا الناهية، والواو فاعل، وعنه جار ومجرور متعلقان بتولوا، وأنتم: الواو حالية، وأنتم مبتدأ، وجملة تسمعون خبر (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) عطف على ما تقدم، والكاف اسم بمعنى مثل خبر تكونوا، وهي حرف جر، والجار والمجرور خبر، وجملة قالوا صلة، وجملة سمعنا مقول القول، والواو حالية، وجملة هم لا يسمعون في محل نصب على الحال.
(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) إن واسمها، وعند الله الظرف متعلق بمحذوف حال، والصم خبر إن، والبكم خبر ثان، والذين صفة، وجملة لا يعقلون صلة (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ) الواو استئنافية، ولو حرف امتناع لامتناع متضمن معنى الشرط، وعلم الله فعل وفاعل، وفيهم جار ومجرور متعلقان بعلم، وخيرا مفعول به، ولأسمعهم: اللام رابطة لجواب لو، وأسمعهم فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به. (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) الواو عاطفة، ولو لمجرد الربط ولا يصح أن تكون امتناعية، لأنه يصير المعنى: انتفى توليهم لانتفاء إسماعهم، وهذا خلاف الواقع فهي حينئذ لمجرد الربط بمعنى إن، وأسمعهم فعل ماض والهاء مفعول به، لتولوا: اللام رابطة، وتولوا فعل ماض وفاعل، والواو حالية، وهم
стр. 1652
معرضون مبتدأ وخبر والجملة حالية، والفرق بين الإسماعين أن يراد بالإول: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم إسماعا يخلق لهم به الهداية والقبول، ولو أسمعهم لا على أنه يخلق لهم الاهتداء بل إسماعا مجردا من ذلك لتولوا وهم معرضون.
الفوائد:
قال ابن هشام:
«لهجت الطلبة بالسؤال عن قوله تعالى: «ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا» وتوجيهه أن الجملتين يتركب معهما قياس، وحينئذ فنتج: لو علم الله فيهم خيرا لتولوا، وهذا مستحيل.
والجواب من ثلاثة أوجه: اثنان يرجعان الى نفي كونه قياسا، وذلك بإثبات اختلاف الوسط، أحدهما أن التقدير لأسمعهم إسماعا نافعا ولو أسمعهم إسماعا لتولوا. والثاني أن يقدر: ولو أسمعهم، على تقدير عدم علم الخير فيهم. الثالث بتقدير كونه قياسا متحد الوسط صحيح الانتاج، والتقدير: ولو علم الله فيه خيرا وقتا ما لتولوا بعد ذلك الوقت.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٢٤ الى ٢٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)
стр. 1653
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ) استجيبوا فعل أمر وفاعل، ولله جار ومجرور متعلقان باستجيبوا، وللرسول عطف على لله، وإذا ظرف مستقبل، وجملة دعاكم في محل جر بالإضافة، ولما جار ومجرور متعلقان بدعاكم، وجملة يحييكم صلة ما. واختلفوا في قوله «لما يحييكم» ، والأصح أنه عام شامل لكل ما فيه حياة القلوب والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) واعلموا عطف على استجيبوا، وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي اعلموا، وجملة يحول خبر أن، وبين ظرف متعلق بيحول، والمرء مضاف إليه، وقلبه عطف على المرء. وسيأتي معنى المجاز في حيلولة الله بين المرء وقلبه في باب البلاغة (وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) عطف على أنّ الله، وإليه جار ومجرور متعلقان بتحشرون، وجملة تحشرون خبر أنّ (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) واتقوا عطف على استجيبوا واعلموا، وفتنة مفعول به، وجملة لا تصيبن صفة لفتنة، و «لا» على ذلك نافية، ويجوز أن تكون معمولا لقول محذوف، وتكون لا ناهية، وذلك القول هو الصفة، أي: فتنة مقولا فيها: لا تصيبن، والنهي في
стр. 1654
الصورة للمصيبة، وفي المعنى للمخاطبين، وقد أعربها الزمخشري إعرابا جميلا حيث قال: ما نصه بالحرف: وقوله: «لا تصيبن» لا يخلو من أن يكون جوابا للأمر أو نهيا بعد أمر، أو صفة لفتنة. فإذا كان جوابا فالمعنى إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة ولكنها تعمكم.
وهذا كما يحكى أن علماء بني إسرائيل نهوا عن المنكر تعذيرا فغمهم الله بالعذاب. وإذا كانت نهيا بعد أمر فكأنه قيل واحذروا ذنبا أو عقابا ثم، قيل: لا تتعرضوا للظلم فيصيب العقاب أو أثر الذنب ووباله من ظلم منكم خاصة، وكذلك إذا جعلته صفة على إرادة القول، كأنه قيل، واتقوا فتنة مقولا فيها لا تصيبن، ونظيره قوله:
حتى إذا جنّ الظلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قطّ
والذين مفعول به، وجملة ظلموا صلة، ومنكم حال، وخاصة منصوبة على الحال من الفاعل المستتر في قوله: لا تصيبن، وأصلها أن تكون صفة لمصدر محذوف، تقديره: إصابة خاصة (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) أن وما في حيزها سدت مسد مفعولي اعلموا (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ) واذكروا عطف على اعلموا، وإذ نصب الظرف هنا على أنه مفعول به لا ظرف، أي: اذكروا وقت كونكم أقلة مستضعفين، وجملة أنتم قليل مضافة للظرف، وأنتم مبتدأ أخبر عنه بثلاثة أخبار، وهي قليل ومستضعفون وفي الأرض (تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ) جملة تخافون صفة كالتي قبلها، أي: خائفون، ويجوز أن تكون حالا من الضمير في «قليل» و «مستضعفون» ،
стр. 1655
وأن وما في حيزها مفعول تخافون، والناس فاعل يتخطفكم (فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الفاء عاطفة، وآواكم فعل ماض وفاعل مستتر، وعطف عليه ما بعده، ولعل واسمها، وجملة تشكرون خبرها.
الفوائد:
قال ابن هشام في المغني ما نصه: «قوله تعالى: «لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة» فإنه يجوز أن تقدر لا ناهية أو نافية، وعلى الأول فهي مقولة لقول محذوف هو الصفة، أي: فتنة مقولا فيها ذلك، ويرجحه أن توكيد الفعل بالنون بعد لا الناهية قياس، نحو:
«ولا تحسبن الله غافلا» وعلى الثاني فهي صفة لفتنة، ويرجحه سلامته من تقدير القيد الثاني صلاحيتها للاستغناء عنها، وخرج بذلك الصلة، وجملة الخبر، والجملة المحكية بالقول، فإنها لا يستغنى عنها، بمعنى أن معقولية القول متوقفة عليها.
وقال أبو حيان: «والجملة من قوله «لا تصيبن» خبرية صفة لقوله: «فتنة» ، أي: غير مصيبة الظالم خاصة. إلا أن دخول نون التوكيد على المنفي ب «لا» مختلف فيه، فالجمهور لا يجيزونه، ويحملون ما جاء منه على الضرورة أو الندور. والذي نختاره الجواز، وإليه ذهب بعض النحويين. وإذا كان قد جاء لحاقها الفعل منفيا ب «لا» مع الفصل، نحو قوله:
فلا ذا نعيم يتركن لنعيمه ... وإن قال قرّظني وخذ رشوة أبى
стр. 1656
ولا ذا بئيس يتركنّ لبؤسه ... فينفعه شكوى إليه إن اشتكى
فلأن تلحقه مع غير الفصل أولى، نحو: ولا تصيبن.
البلاغة:
١- المجاز في قوله تعالى: «يحول بين المرء وقلبه» . فأصل الحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره، وباعتبار التغير قيل: حال الشيء يحول، وباعتبار الانفصال قيل: حال بينهما فحقيقة كون الله يحول بين المرء وقلبه أنه يفصل بينهما، فهو مجاز مرسل عن غاية القرب من العبد، لأن من فصل بين شيئين كان أقرب الى كل منهما من الآخر لاتصاله بهما، فالعلاقة المحلية أو السببية. ويجوز أن يكون الكلام استعارة تمثيلية لغاية قربه من العبد، واطلاعه على مكنونات القلوب وسرائر النفوس.
٢- واختلف في «لا» من قوله تعالى: «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة» على قولين:
أ- أن «لا» ناهية، وهو نهي بعد أمر، أي: إنه كلام منقطع عما قبله، كقولك: صلّ الصبح ولا تضرب زيدا، فالأصل: اتقوا فتنة، أي: عذابا، ثم قيل: لا تتعرضوا للفتنة فتصيب الذين ... إلخ، وعلى هذا فالاصابة بالمتعرضين. وتوكيد الفعل بالنون واضح لاقترانه بحرف الطلب، مثل: «ولا تحسبنّ الله غافلا» ، ولكن وقوع الطلب صفة للنكرة ممتنع، فوجب إضمار القول، أي: واتقوا فتنة مقولا فيها ذلك، كما قيل في قوله:
стр. 1657
حتى إذا جن الظلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط
ب- أنها نافية، واختلف القائلون بذلك على قولين: أحدهما أن الجملة صفة لفتنة، ولا حاجة إلى إضمار قول، لأن الجملة خبرية.
فلا الجارة الدنيا بها تلحينّها ... ولا الضيف فيها إن أناخ محوّل
بل هو في الآية أسهل، لعدم الفصل، وهو فيهما سماعي. والذي جوزه تشبيه لا النافية بلا الناهية، وعلى هذا الوجه تكون الاصابة عامة للظالم وغيره لا خاصة بالظالمين، كما ذكره الزمخشري، لأنها قد وصفت بأنها لا تصيب الظالمين، خاصة، فكيف تكون مع هذا خاصة بهم! والثاني أن الفعل جواب الأمر، وعلى هذا فيكون التوكيد أيضا خارجا عن القياس وشاذا. وممن ذكر هذا الوجه الزمخشري، وهو فاسد، لأن المعنى حينئذ: فإنكم إن تتقوها لا تصب الظالم خاصة. وقوله: إن التقدير:
إن أصابتكم لا تصيب الظالم خاصة، مردود، لأن الشرط إنما يقدر من جنس الأمر، لا من جنس الجواب.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
стр. 1658
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) لا ناهية، وتخونوا مضارع مجزوم بلا الناهية، والواو فاعل، ولفظ الجلالة مفعول به، والرسول عطف على الله (وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الواو يجوز فيها أن تكون واو المعية، فيكون «تخونوا» منصوبا بأن مضمرة بعدها، لأنها وقعت جوابا للنهي، ويجوز أن تكون عاطفة فيكون «تخونوا» مجزوما داخلا في حكم النهي. ولعل الثاني أولى، لأن فيه النهي عن كل واحد على حدته، بخلاف الأول، فإن فيه النهي عن الجمع بينهما. ولا يترتب على النهي عن الجمع بين الشيئين النهي عن كل واحد على حدته. وأماناتكم مفعول به على تقدير محذوف، أي أصحاب أماناتكم. وسيأتى بحث استعارة الخيانة في باب البلاغة، وأنتم الواو للحال، وأنتم مبتدأ، وجملة تعلمون خبر، وجملة أنتم تعلمون حالية، وحذف مفعول يعلمون للعلم به، أي تعلمون أن ما وقع منكم خيانة.
(وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)
واعلموا عطف على مقدم، وأنما كافة ومكفوفة، وقد سدت مسد مفعولي اعلموا، ولذلك فتحت همزتها، وسيأتي بحث فتح همزة إن وكسرها في باب الفوائد، وأموالكم مبتدأ، وأولادكم عطف على «أموالكم» ، وفتنة خبر، وجعل الأموال والأولاد فتنة لأنهم سبب الوقوع في الفتنة، وهي الإثم والعذاب، أو محنة وابتلاء من الله ليسبر، غوركم، ويكتنه حقيقتكم،
стр. 1659
فما عليكم- والأمر بهذه المثابة- إلا توطين النفس على الإخلاص والتزهد في زخارف الدنيا، وعدم الاغترار بأباطيلها وأفاويقها، وأن الله عطف على أنما أموالكم وأولادكم، وأن واسمها، وعنده الظرف خبر مقدم، وأجر مبتدأ مؤخر، والجملة خبر «أن» ، وفي هذا صارف لكم عن حب الدنيا وإيثارها على ما عند الله، وهو خير وأبقى. وفي هذا كله حث على اكتساب الأجر، وحسن الأحدوثة، وخلود الذكر.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) إن شرطية، وتتقوا فعل الشرط، ولكم جار ومجرور متعلقان بيجعل، وفرقانا مفعول به، أي: نصرا يفرق بين الحق والباطل، وبين الكفر بإذلال مشايعيه، والإسلام بتعزيز مناجديه، أو منجاة من الشبهات التي تزيغ فيها الضمائر، وتضل الأفهام، وتعشو النواظر عن رؤية الحق.
هذا وقد اختلف في «الفرقان» هنا، فقال بعضهم: هو ما يفرق به بين الحق والباطل، والمعنى أنه يجعل لهم من ثبات القلوب، وثقوب البصائر، وحسن الهداية، ما يفرقون به بينهما عند الالتباس. وقيل:
الفرقان المخرج من الشبهات، والنجاة من كل ما يخافونه، ومنه قول الشاعر:
مالك من طول الأسى فرقان ... بعد قطين رحلوا وبانوا
ومنه قول الآخر:
وكيف أرجّي الخلّ والموت طالبي ... ومالي من كأس المنية فرقان
стр. 1660
وقال الفرّاء: المراد بالفرقان: الفتح والنصر. وقال ابن اسحق:
الفرقان الفصل بين الحق والباطل. وقال السّدّيّ: الفرقان النجاة.
(وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) عطف على ما تقدم (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) الواو استئنافية، والله مبتدأ، وذو الفضل خبره، والعظيم صفة للفضل.
البلاغة:
الاستعارة في «لا تخونوا أماناتكم» فالخون في الأصل هو النقص، ومنه تخوّنه إذا تنقّصه، ثم استعير فيما هو ضد الأمانة والوفاء، لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت النقصان عليه.
وقد استعير أيضا في قولهم خان الدلو الكرب. والكرب هو- كما في الصحاح- حبل يشد في رأس الدلو. وخان المشتار السبب، والمشتار مجتني العسل، والسّبب الحبل، وإذا انقطع الحبل فيهما فكأنه لم يقف. والاستعارة هنا تصريحية تبعية.
الفوائد:
مواضع كسر همزة إن:
يجب أن تكسر همزة (إن) حيث لا يصح أن يسدّ المصدر مسدها ومسد معمولها، وذلك في اثني عشر موضعا:
١- أن تقع في ابتداء الكلام حقيقة كقوله تعالى: «إنا أنزلناه في ليلة القدر» أو حكما كقوله تعالى: «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» .
стр. 1661
٢- أن تقع بعد «حيث» ، نحو: اجلس حيث إن العلم موجود.
٣- أن تقع بعد «إذ» ، نحو جئتك إذ إن الشمس تطلع.
٤- أن تقع تالية للموصول، نحو «وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة» .
٥- أن تقع جوابا للقسم نحو: والله إن العلم نور، وقوله تعالى: «والعصر إن الإنسان لفي خسر» .
٦- أن تقع بعد القول محكية به، كقوله تعالى: «قال: إني عبد الله» فإن كان القول بمعنى الظن لم تكسر، مثل أتقول أن عبد الله يقول كذا؟ أي: أتظن. وإن كانت غير محكية بالقول لم تكسر أيضا، نحو: أخصك بالقول أنك فاضل، فهي هنا بمعنى التعليل، أي: لأنك فاضل، فهي مع ما في حيزها منصوبة بنزع الخافض.
٧- أن تقع مع ما بعدها حالا، نحو: جئت وإن الشمس تغرب، ومنه قوله تعالى: «كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقا من المؤمنين لكارهون» .
٨- أن تقع مع ما بعدها صفة لما قبلها، نحو: جاء رجل إنه فاضل.
٩- أن تقع صدر جملة استئنافية، نحو: فلان يزعم أني أسأت إليه، إنه لكاذب. وهذه من الواقعة ابتداء.
١٠- أن تقع في خبرها لام الابتداء أو اللام المزحلقة، كما
стр. 1662
يسميها النحاة كقوله تعالى «والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون» .
١١- أن تقع مع ما في حيزها خبرا عن اسم ذات، نحو علي إنه فهفل. ومنه قوله تعالى: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم» ، فجملة:
«إن الله يفصل بينهم» خبر إنّ الذين آمنوا، وما عطف عليه، لأنها أسماء.
١٢- أن تقع بعد «كلّا» الرادعة، كقوله تعالى: «كلا إن الإنسان ليطغى» .
مواضع فتح همزة أن:
ويجب فتح همزة (أن) حيث يصح أن يسد المصدر مسدها ومسد معموليها، وذلك في أحد عشر موضعا:
١- أن تكون وما في حيزها في موضع الفاعل، نحو: بلغني أنك مجتهد، ومنه قوله تعالى: «أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب» .
ومن ذلك أن تقع بعد «لو» ، نحو «ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير» فما بعد «أن» في تأويل مصدر مرفوع فاعل لفعل محذوف تقديره ثبت، واللام لام الجواب فالجملة بعدها جواب «لو» .
٢- أن تكون وما في حيزها في موضع نائب الفاعل، نحو قوله تعالى «قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن» أي استماع نفر.
стр. 1663
٣- أن تكون هي وما في حيزها في موضع المبتدأ، كقوله تعالى: «ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة» فالجار والمجرور خبر مقدم، وما بعد «أن» في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر، أي: رؤيتك الأرض خاشعة من آياته.
٤- أن تكون هي وما بعدها في موضع الخبر عن اسم معنى غير قول ولا صادق عليه، أي على اسم المعنى خبرها نحو: اعتقادي أنه فاضل، فيجب فتحها لأنها خبر «اعتقادي» ، وهو اسم معنى، غير قول ولا صادق، على اعتقادي خبرها، لأن «فاضل» لا يصدق على الاعتقاد.
وانما فتحت لسد المصدر مسدها ومسد معموليها، والتقدير، اعتقادي فضله أي معتقدي ذلك. ولم يجز كسرها على أن تكون مع معموليها جملة مخبرا بها عن اعتقادي، لعدم الرابط، لأن اسم «أن» لا يعود على المبتدأ الذي هو اعتقادي، لأن خبرها غير صادق عليه، فهو يعود على غيره، فتبقى الجملة بلا رابط، بخلاف: قولي: إنه فاضل، فيجب كسرها، لأنها وقعت خبرا عن «قولي» ولا تحتاج الى رابط لأن الجملة إذا قصد حكاية لفظها كانت نفس المبتدأ في المعنى، والتقدير: قولي هذا اللفظ لا غيره، وبخلاف: «اعتقاد زيد إنه حق» فيجب كسر همزة «إنه» أيضا، لأن خبرها وهو صادق على الاعتقاد، ولا مانع من وقوع جملة إن ومعموليها خبرا عن المبتدأ، لأن اسم إن رابط بينهما، ولا يصح فتحها لأنه يصير اعتقاد زيد كون اعتقاده حقا، وذلك لا يفيد، لأن الخبر لا بد أن يستفاد منه مالا يستفاد من المبتدأ.
٥- أن تكون هي وما في حيزها في موضع تابع لمرفوع على أنه معطوف عليه أو بدل منه، نحو بلغني اجتهادك وأنك حسن الخلق، والتأويل: بلغني اجتهادك وحسن خلقك، فهو معطوف عليه، ونحو:
стр. 1664
يعجبني سعيد أنه مجتهد، والتأويل يعجبني سعيد اجتهاده فالمصدر المؤول بدل اشتمال من «سعيد» .
٦- أن تكون هي وما في حيزها في موضع المفعول به، كقوله تعالى «ولا تخافون أنكم أشركتم بالله» والتأويل: ولا تخافون إشراككم ٧- أن تكون هي وما في حيزها في موضع خبرا لكان أو إحدى أخواتها، نحو: كان يقيني أنك تتبع الحق، والتأويل: كان يقيني اتباعك للحق.
٨- أن تكون هي وما في حيزها في موضع تابع لمنصوب بالعطف أو بالبدلية، كقوله تعالى: «اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين» والتقدير: اذكروا نعمتي عليكم وتفضيلي إياكم.
وقوله تعالى «وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم» ، والتقدير- كما تقدم- يعدكم إحدى الطائفتين كونها لكم، فما بعد أن في تأويل مصدر منصوب بدل اشتمال من إحدى.
٩- أن تقع بعد حرف الجر كقوله تعالى: «ذلك بأن الله هو الحق» .
١٠- أن تقع هي وما في حيزها في موضع المضاف إليه، كقوله تعالى: «إنه لحق مثلما أنكم تنطقون» ، أي مثل نطقكم.
١١- أن تقع هي وما في حيزها في موضع تابع لمجرور بالعطف أو بالبدلية، نحو سررت من أدب علي وأنه عاقل، والتقدير: سررت من أدب علي وعقله. ونحو: عجبت منه أنه مهمل، والتقدير: عجيب منه إهماله، والمعنى: عجبت من إهماله. فما بعد «أن» في تأويل مصدر مجرور بدل اشتمال من الهاء في «منه» .
стр. 1665
المواضع التي يجوز فيها الكسر والفتح:
ويجوز الأمران: كسر همزة إن وفتحها حيث يصح الاعتباران:
التأويل بمصدر، وعدم التأويل، وذلك في تسعة مواضع:
١- بعد «إذا» الفجائية، نحو: خرجت فإذا أن سعيدا واقف، فالكسر على معنى: فاذا سعيد واقف، والفتح على تأويل ما بعدها بمصدر مبتدأ محذوف الخبر، والتأويل: فإذا وقوفه حاصل.
وقد روي بالوجهين قول الشاعر:
وكنت أرى زيدا، كما قيل سيدا ... إذا أنه عبد القفا واللهازم
أنشده سيبويه ولم يعزه الى أحد، وأرى بضم الهمزة، وأصله:
يريني الله، فعمل فيه العمل المشهور من ضم أوله وفتح ما قبل آخره وحذف الفاعل، وزيد على ذلك هنا ابدال الياء همزة للاحتياج الى ذلك، لأنه لما حذف الفاعل وأنيب المفعول به لزم إسناد الفعل الى ضمير المتكلم، ولا يسندله إلا المبدوء بالهمزة، فحذفت الياء واتي بالهمزة عوضها، وهو متعد الى ثلاثة مفاعيل، الأول هو النائب عن الفاعل، والثاني «زيدا» ، والثالث «سيدا» ، وجملة «كما قيل» اعتراضية، فالكسر على معنى الجملة، أي فإذا هو عبد القفا، والفتح على معنى الإفراد، أي: فالعبودية حاصلة، على جعلها مبتدأ حذف خبره، كما تقول: خرجت فإذا الأسد، أي: حاضر. واللهازم جمع لهزمة، بكسر اللام والزاي، وهي عظم ناتئ تحت الأذن. والمعنى: كنت أظن سيادته فلما نظرت الى قفاه ولهازمه تبين لي عبوديته وكنى عن ذلك بأنه يضرب على قفاه ولهزمتيه، والقفا موضع الصفع.
стр. 1666
٢- بعد فاء الجزاء، كقوله تعالى: «من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم» ، قرى بكسر «إن» وفتحها، فالكسر على جعل ما بعد فاء الجزء جملة تامة، والمعنى: فالغفران والرحمة حاصلان، والفتح على تقدير أن ومعموليها خبرا لمبتدأ محذوف، والمعنى: فالحاصل الغفران والرحمة، أو مبتدأ والخبر محذوف، والمعنى: فالغفران والرحمة حاصلان.
٣- أن تقع مع ما في حيزها في موضع التعليل كقوله تعالى:
«صل عليهم إن صلاتك سكن لهم» ، فالكسر على أنها جملة تعليلية، والفتح على تقدير لام التعليل الجارة، أي: لأن صلاتك سكن لهم.
ومنه الحديث الشريف: «لبيك إن الحمد والنعمة لك» ، يروى بكسر «إن» وفتحها، فالكسر على أنه تعليل مستأنف، والفتح على تقدير لام العلة.
٤- أن تقع بعد فعل قسم ولا لام بعدها، كقول رؤبه:
أو تحلفي بربك العليّ ... أني أبو ذيّالك الصّبي
يروى بكسر «إن» وفتحها فالكسر على الجواب للقسم، والفتح بتقدير «على» .
٥- أن تقع خبرا عن قول، ومخبرا عنها بقول، والقائل للقولين واحد، نحو: قولي أني أحمد الله، بفتح همزة «أن» وكسرها. فالفتح على حقيقته من المصدرية، أي قولي حمدا لله، والكسر على معنى المقول، أي: مقولي إني أحمد الله.
стр. 1667
٦- أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه، كقوله تعالى: «إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ ولا تضحى» ، قرأ نافع وأبو بكر بالكسر في «وإنك لا تظمأ» إما على الاستئناف أو العطف على جملة «إن» الأولى، وعليهما فلا محل لها من الإعراب.
وقرأ الباقون من السبعة بالفتح بالعطف على «أن لا يجوع» من عطف المفرد على مثله، والتقدير: أن لك عدم الجوع وعدم الظمأ.
٧- أن تقع بعد «حتى» ، ويختص الكسر بالابتدائيه، نحو:
مرض زيد حتى إنهم لا يرجونه، ويختص الفتح بالجارة والعاطفة، نحو: عرفت أمورك حتى أنك فاضل ف «حتى» في هذا المثال تصلح لأن تكون جارة ولأن تكون عاطفة، وأن فيهما مفتوحة.
٨- أن تقع بعد «أما» بفتح الهمزة وتخفيف الميم، نحو:
أما أنك فاضل فالكسر على أن «أما» حرف استفتاح بمنزلة «ألا» وتلك تكسر «إن» بعدها، والفتح على أنها مركبة من همزة الاستفهام و «ما» العامة بمعنى شيء، وصارا بعد التركيب بمعنى: أحقا.
٩- أن تقع بعد «لا جرم» ، نحو قوله تعالى: «لا جرم أن الله يعلم ما يسرون» ، والغالب الفتح، ووجهه أن تجعل ما بعد «أن» مؤولا بمصدر مرفوع فاعل لجرم، وجرم معناه ثبت وحق، وأصل الجرم القطع، وعلم الله بالأشياء مقطوع به، لأنه حق وثابت، ولا حرف نفي للجواب يراد به كلام سابق، فكأنه قال: لا، أي: ليس الأمر كما زعموا، ثم قال جرم ان الله يعلم، أي حق وثبت علمه.
وسيأتي مزيد من القول في «لا جرم» عند الكلام عليها في موضعها.
стр. 1668
تنبيه لا بد منه:
حيث جاز فتح «إن» وكسرها فالكسر أولى وأكثر لعدم تكلفه، إلا إذا وقعت بعد «لا جرم» كما علمت.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٣٠ الى ٣١]
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)
اللغة:
(أَساطِيرُ) : جمع أسطورة، كأحدوثة وأحاديث: ما سطر وكتب من القصص والأخبار.
الإعراب:
(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) الظرف مفعول به لأذكر مقدرة، والمعنى: واذكر يا محمد إذ يمكر بك الذين كفروا. والمكر الاحتيال في إيصال الضرر للآخرين. وقصة هذا المكر في المطولات. وجملة يمكر مضاف إليها الظرف، وبك متعلق بيمكر، والذين فاعل يمكر، وجملة كفروا صلة الموصول، واللام للتعليل، ويثبتوك منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، أو يقتلوك عطف عليه، أو يخرجوك عطف أيضا. والمعنى: اذكر إذ اجتمعوا في
стр. 1669
دار الندوة- وهي أول دار بنيت بمكة- ليثبتوك، أي: يوثقوك ويحبسوك، أو يقتلوك كلهم قتلة رجل واحد، أو يخرجوك من مكة (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ)
الواو استئنافية، ويمكرون فعل مضارع، والواو فاعل، ويمكر الله عطف، والله مبتدأ، وخير الماكرين خبره، وسيأتي بحث هذا في باب البلاغة (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا) الواو استئنافية، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة تتلى مضاف إليها الظرف، وعليهم جار ومجرور متعلقان بتتلى، وآياتنا نائب فاعل، وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وجملة قد سمعنا مقول القول (لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا) لو شرطية، ونشاء فعل الشرط، واللام رابطة، وجملة قلنا لا محل لأنها جواب شرط غير جازم، ومثل صفة لمفعول مطلق، أي: قولا مثل هذا (إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) إن نافية، وهذا مبتدأ، وإلا أداة حصر، وأساطير الأولين خبر هذا.
البلاغة:
١- يحتمل قوله «ويمكر الله» أن يكون استعارة تبعية من إطلاق المكر على الرد، لأنه لما كان معنى المكر حيلة يجلب بها مضرة الى الآخرين، وهو ما لا يجوز في حقه تعالى، كان المراد بمكر الله رد مكرهم، أي عاقبته ووخامته عليهم. ويجوز أن يكون من باب المشاكلة، وقد تقدم نظيره، كما تقدم الحديث عن هذا الفن، أي:
ان المراد بمكر الله مجازاتهم على مكرهم بجنسه، على سبيل المجاز المرسل، والعلاقة السببية. ويحتمل أن يكون الكلام استعارة تمثيلية، بتشبيه حالة تعليل المسلمين في أعينهم الحامل لهم على هلاكهم بمعاملة الماكر المحتال الذي يظهر خلاف ما يبطن.
стр. 1670
٢- في قوله تعالى «قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا» فن يسمى التغاير، وهو تغاير المذهبين، أما في المعنى الواحد بحيث يمدح إنسان شيئا أو يذمه أو يذم ما مدحه غيره، أو بالعكس أو يفضل شيئا على شيء، ثم يعود فيجعل المفضول فاضلا، والفاضل مفضولا. وقد تقدمت الإشارة اليه مع ذكر نماذج منه. ونقول إن التغاير هنا المقصود مغايرتهم أنفسهم، فقد قالت قريش عن القرآن: «ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين» إنكارا منهم لغرابة أسلوبه وما بهرهم من فصاحته. ويلزم هذا الكلام إقرارهم بالعجز عن محاكاته، ثم غايرت قريش نفسها فقالت قد سمعنا «لو نشاء لقلنا مثل هذا» ، ولو كان القولان في وقت واحد لكان ذلك تناقضا، وهو عيب، ولم يعد في المحاسن، لكن وقوعه في زمنين مختلفين ووقتين متباينين اعتد من المحاسن، ولذلك سمي تغايرا لا تناقضا.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٣٢ الى ٣٤]
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤)
стр. 1671
الإعراب:
(وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ) إذ منصوب باذكر محذوفة، وقد تقدم القول فيها مشبعا، وجملة قالوا مضاف إليها الظرف، واللهم منادى مفرد علم حذفت منه «يا» وعوضت عنها الميم المشددة، وإن شرطية، وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، وهذا اسمها، وهو ضمير فصل، والحق خبر كان ومن عندك جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ) الفاء رابطة، وأمطر فعل أمر، وعلينا جار ومجرور متعلقان بأمطر، وحجارة مفعول به، ومن السماء صفة لحجارة، والجملة في محل جزم جواب الشرط (أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) أو حرف عطف، وائت فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والفاعل مستتر، وبعذاب جار ومجرور متعلقان بائتنا، وأليم صفة. (وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) الواو استئنافية، وما نافية، وكان واسمها، واللام لام الجحود، ويعذبهم منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر كان، وأنت فيهم الواو للحال، والجملة الاسمية من المبتدأ والخبر حالية (وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) عطف على الجملة السابقة، وهم يستغفرون في موضع الحال، ومعناه نفي الاستغفار عنهم، أي: ولو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم، ولكنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون، ولا يتوقع ذلك منهم.
(وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) الواو عاطفة، وما اسم استفهام إنكاري للنفي مبتدأ، ولهم خبر، وأن لا يعذبهم الله أن وما في حيزها مصدر منصوب بنزع الخافض، متعلق بما تعلق به الجار والمجرور السابق، أو بمحذوف حال، على حد قوله:
стр. 1672
تقول سليمى ما لجسمك شاحبا ... كأنك يحميك الطعام طبيب
والمعنى: وكيف لا يعذبون، وأي شيء ثبت واستقر لهم في أن لا يعذبوا، أي: ليس ثمة ما يمنع من حيلولة عذابه بهم (وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) الواو للحال، وجملة هم يصدون حالية، والمعنى وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله ﷺ عام الحديبية (وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ) الواو عاطفة أو حالية، وكانوا أولياءه كان واسمها وخبرها (إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) إن نافية، وأولياءه مبتدأ، وإلا أداة حصر، والمتقون خبر «أولياؤه» (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) لكن واسمها، والجملة خبرها، والواو حالية أو استئنافية.
البلاغة:
في قوله تعالى «وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم» إلخ فن عجيب يسمى «فن التنكيت» . وحدّه أن يقصد المتكلم الى شيء بالذكر دون غيره مما يسد مسده، لأجل نكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه، فإن لقائل أن يقول: ما النكتة التي رجحت اختلاف الصيغتين من الفعل وهو «يعذبهم» ، واسم الفاعل وهو «معذبهم» على اتفاقهما، مع اتفاق زمانيهما، فإن مدة مقام الرسول ﷺ في المخاطبين منقسمة على الحال والاستقبال، وكذلك مدة الاستغفار، وهل يجوز مجيء كل واحدة من الصيغتين في مجاز الأخرى أم لا يجوز إلا ما جاء به الرسل؟ أو هل يجوز الاقتصار على الفعل الدال على الزمانين دون اسم الفاعل أم لا؟ والجواب أن معرفة النكتة رجحت مجيء الكلام على ما جاء عليه بحيث لا يجوز غيره أن المخاطبين به هم المنافقون الذين لم يؤذن النبي ﷺ في إمهالهم مدة مقامه
стр. 1673
فيهم، لا من قبل نزول الآية ولا من بعدها. والخبر الصادق يجب أن يكون طبق المخبر، ولما كان الرابع الذي أمر الخبير به نفي تعذيبهم في الماضي والحال دون الاستقبال فإن الخبر الصادق قد أخبر بهم في الاستقبال حيث قال: «وما لهم أن لا يعذبهم الله» اقتضت البلاغة مجيء الفعل المضارع الدال- مع الإطلاق- على الزمانين مع القرينة على أحدهما بحسب ما يدل عليه واقترن به قوله تعالى: «وأنت فيهم» فأفاد دلالته على الحال دون الاستقبال، ونفي حصول العلم بنفي تعذيبهم فيما مضى من الزمان قبل نزول الآية، فأتى سبحانه بصيغة اسم الفاعل المضاف ليدل على الماضي، فاقتضى حسن الترتيب أن يقدم صيغة الفعل لدلالتها على الحال الذي هو مدة مقامه فيهم، لأن نفي العذاب فيما هو الأهم. وسيرد من التنكيت في القرآن ما يبهر العقول.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٣٥ الى ٣٧]
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧)
стр. 1674
اللغة:
(المكاء) : بضم الميم كالثغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر، ومنه المكّاء كأنه سمي بذلك لكثرة مكائه. قال عنترة:
وحليل غانية تركت مجدّلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم
أي: ورب زوج امرأة بارعة الجمال، مستغنية بجمالها عن التزين، قتلته وألقيته على الأرض، وكانت فريصته تمكو بانصباب الدم منها، كشدق الأعلم.
(التصدية) : التصفيق، وقد اختلف في أصله، فقيل: هو من الصدى وهو ما يسمع من رجع الصوت في الأمكنة الصلبة الخالية، يقال منه: صدّى يصدّي تصدية، والمراد بها هنا ما يسمع من صوت التصفيق بإحدى اليدين على الأخرى. وقيل: هو مأخوذ من التصدد، وهو الضجيج والصياح والتصفيق، فأبدلت إحدى الدالين ياء تخفيفا.
وقيل هو من الصدّ أي المنع، والأصل تصددة بدالين أيضا، فأبدلت ثانيتهما ياء.
وقال ابن يعيش: «فأما التصدية من قوله تعالى: «وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية» فالياء بدل من الدال، لأنه من صد يصد، وهو التصفيق والصوت، ومنه قوله تعالى: «إذا قومك منه يصدّون» أي: يضجّون ويعجّون، فحوّل إحدى الدالين ياء، هذا قول أبي عبيدة، وأنكر الرّستمي هذا القول، وقال: إنما هو من الصدى، وهو الصوت. والوجه الأول غير ممتنع لوقوع يصدون على الصوت أو ضرب منه، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يكون تصدية
стр. 1675
منه، فتكون «تفعلة» كالتحة والتعلة، فلما قلبت الدال الثانية ياء امتنع الإدغام لاختلاف اللفظين» .
(ركمه) : يجمعه متراكما بعضه على بعضه. وفي المختار:
«ركم الشيء إذا جمعه وألقى بعضه على بعض، وبابه نصر. وارتكم الشيء وتراكم اجتمع، والركام بالضم الرمل المتراكم والسحاب ونحوه» .
الإعراب:
(وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً) الواو استئنافية أو عاطفة، وما نافية، وكان واسمها، وعند البيت الظرف متعلق بمحذوف حال، وإلا أداة حصر، ومكاء خبر كان، وتصدية عطف على مكاء، والمعنى أنهم وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء، وهم مشبكون بين أصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون. وهذا أسلوب بليغ من أساليب العرب على حد قول الفرزدق:
وما كنت أرجو أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة حمرا
أي: ما كنت أظن أن يكون عطاؤه قيودا سودا أو سياطا مفتولة حمرا، ويروى: «سمرا» ، فوضع القيود والسياط موضع العطاء، ووضع الشاعر الرجاء موضع الظن، وأطلق العطاء على العقاب مجازا.
(فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) الفاء الفصيحة، وذوقوا فعل أمر وفاعل، والعذاب مفعول به، والباء للسببية، وما مصدرية، أي:
سبب كفركم، وقد تقدمت له نظائر (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ
стр. 1676
لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)
إن واسمها، وجملة كفروا صله، وجملة ينفقون أموالهم خبر الذين، وليصدوا اللام للتعليل، ويصدوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة، والواو فاعل، وعن سبيل الله متعلق بيصدوا (فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) الفاء عاطفة، والسين حرف استقبال، وينفقونها فعل مضارع وفاعل ومفعول به، ثم حرف عطف للتراخي والترتيب، وتكون معطوف على ينفقونها، واسمها مستتر تقديره هي، وعليهم متعلقان بمحذوف حال، لأنها كانت في الأصل صفة لحسرة وتقدمت، وحسرة خبر تكون، ثم يغلبون عطف على ثم تكون، والواو نائب فاعل (وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) الذين مبتدأ، وكفروا صلة، وجملة يحشرون خبر الذين، والى جهنم متعلق بيحشرون (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) اللام للتعليل ويميز منصوب بأن مضمرة، والجار والمجرور متعلقان بأحد الأفعال المتقدمة، والله فاعل، والخبيث مفعول به، ومن الطيب متعلق بيميز، أي الفريق الخبيث من الفريق الطيب (وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ) ويجعل عطف على يميز، والخبيث مفعوله، وبعضه بدل من الخبيث بدل بعض من كل، وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أو في محل نصب مفعول به ثان ليجعل، والتقدير:
ويجعل بعض الخبيث عاليا على بعض (فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ) الفاء عاطفة، ويركمه عطف على يجعل، والهاء مفعوله، وجميعا حال من الهاء في يركمه، أو توكيد لها، فيجعله عطف على يركمه، وفي جهنم مفعول به ثان (أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) مبتدأ وخبر، وهم ضمير فصل، أو مبتدأ أول وثان، والخاسرون خبر الثاني، والجملة الاسمية خبر أولئك.
стр. 1677
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)
الإعراب:
(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ) الجار والمجرور متعلقان بقل، واختلف في معنى هذه اللام، والأرجح أنها للتبليغ، أمر أن يبلغهم بالجملة المحكية بالقول، سواء أوردوها بهذا اللفظ أم بلفظ آخر مؤدّ لمعناها ومضمونها، واختار الزمخشري أن تكون للتعليل، أي: قل لأجلهم هذا القول، وهو: إن ينتهوا إلخ.
وحجة الزمخشري أنه لو كان بمعنى خاطبهم لقيل: إن انتهوا يغفر لكم.
وإن شرطية، وينتهوا فعل الشرط، ويغفر بالبناء للمجهول جواب الشرط، ولهم جار ومجرور متعلقان بيغفر، وما اسم موصول نائب فاعل، وجملة قد سلف صلة. (وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) الواو عاطفة، وإن شرطية، ويعودوا فعل الشرط، ومتعلقة محذوف، أي لقتاله أو للكفر، وكلاهما مراد فقد الفاء رابطة للجواب، وقد حرف تحقيق، ومضت سنة الأولين فعل وفاعل ومضاف إليه (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) عطف على قل للذين، وأفرد الأمر في الأول لأن الخطاب للنبي وحده بما هو داخل في نطاق مهمته، وجمع الأمر في الثاني لأن الخطاب للمؤمنين جميعا، لتهييجهم الى
стр. 1678
المحاربة، ومقاتلة عدوهم، ومثيري الفتن عامة، وحتى حرف غاية وجر، ولا نافية، وتكون منصوبة بأن مضمرة بعد حتى، والجار والمجرور متعلقان بقاتلوهم، وتكون هنا تامة، وفتنة فاعل، ويكون عطف على تكون، وهي هنا ناقصة، والدين اسمها، وكله توكيد، ولله خبر (فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) الفاء عاطفة. وإن شرطية، وانتهوا فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والفاء رابطة، وإن واسمها، وبصير خبرها، وبما يعملون جار ومجرور متعلقان ببصير، وجملة يعملون صلة (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) عطف على سابقه، والإعراب مماثل، وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي فاعلموا، ونعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح، والمولى فاعل، والمخصوص بالمدح محذوف، أي: هو، ومثله ونعم النصير.
стр. 1679
[المجلد الرابع]
[تتمة سورة الأنفال]
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤١ الى ٤٢]
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)
اللغة:
(العدوة) بضم العين ويجوز كسرها وفتحها: شط الوادي وشفيره، سسيت بذلك لأنها عدت ما في الوادي من ماء ونحوه أن يتجاوزها، أي منعته، وفي مختار الصحاح: العدوة بضم العين وكسرها: جانب الوادي وحافته، وقال أبو عمرو: هي المكان المرتفع.
(الدنيا والقصوى) تأنيث الأدنى والأقصى، وجاءت إحداهما بالياء والثانية بالواو مع أن كلتيهما فعلى من بنات الواو لأن القياس قلب الواو ياء كالعليا، وأما القصوى كالعود في مجيئه على الأصل
стр. 1680
وقد جاءت القصيا إلا أن استعمال القصوى أكثر، هذا والعدوة الدنيا مما يلي المدينة، والقصوى مما يلي مكة.
(الرَّكْبُ) في القاموس: والركب ركبان. الإبل وهو اسم جمع لراكب أو جمع له وهم العشرة فصاعدا وقد يكون للخيل والجمع أركب وركوب.
الإعراب:
(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) أن وما في حيزها سدت مسد مفعولي اعلموا وما موصولة ولذلك نصبت في الرسم من، ولكن ثبت وصلها في خط بعض المصاحف وثبت فصلها في بعضها الآخر، وهي اسم أن، وجملة غنمتم صلة ومن شيء في محل نصب حال من عائد الموصول المقدر والمعنى: ما غنمتموه كائنا من شيء أي قليلا كان أو كثيرا. (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) الفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وفتحت همزة «أن» لأنها وما في حيزها خبر مبتدأ محذوف تقديره فحكمه أن لله خمسه، والجار والمجرور خبر أن المقدم وخمسه اسمها المؤخر والتقدير: فإن خمسه لله، ويجوز أن تكون أن وما في حيزها مبتدأ خبره محذوف تقديره فحق أو فواجب أن لله خمسه، وللرسول وما بعده عطف على قوله لله وسيأتي في باب الفوائد تفصيل القسمة. (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ) إن شرطية وكنتم فعل الشرط والجواب محذوف تقديره فاعلموا ذلك، وجملة آمنتم خبر كنتم وبالله جار ومجرور متعلقان بآمنتم وما عطف على الله وجملة أنزلنا صلة
стр. 1681
وعلى عبدنا جار ومجرور متعلقان بأنزلنا ويوم الفرقان ظرف متعلق بأنزلنا أيضا والمراد به يوم بدر الفارق بين الحق والباطل. (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) الظرف بدل من الظرف الأول، وجملة التقى الجمعان مضافة للظرف (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وقدير خبره وعلى كل شيء جار ومجرور متعلقان بقدير. (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى) الظرف بدل من يوم الأول أو الثاني وأنتم مبتدأ وبالعدوة خبر والجملة مضافة للظرف والدنيا صفة للعدوة وهم بالعدوة القصوى عطف على سابقتها. (وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) الواو حالية من الظرف وهو قوله «بالعدوة القصوى» ويجوز أن تكون عاطفة على «أنتم» لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوهم، والركب مبتدأ وأسفل نصب على الظرف في محل رفع على الخبرية وسيأتي مزيد بحث له في باب الفوائد. ومنكم جار ومجرور متعلقان بأسفل لأنه في الأصل اسم تفضيل استعمل بمعنى صفة لمكان محذوف أقيم مقامه، وللزمخشري فصل في تعليل هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين سنورده في باب الفوائد لأنه بلغ الذروة في التنقيب عن أسرار الكتاب العزيز. (وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ) الواو عاطفة ولو شرطية وهي الدالة على الامتناع وتواعدتم فعل الشرط واللام الرابطة واختلفتم جملة لا محل لها لأنها جواب الشرط وفي الميعاد متعلق باختلفتم، أي امتنع اختلافكم في موعد الخروج الى القتال لامتناع تواعدكم وإعلام بعضكم بعضا بالخروج للقتال لأنكم قد تضعفون عند ما تعلمون شكيمتهم ومنعة مكانهم مما يؤيد فصل الزمخشري البديع. (وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا) لكن حرف استدراك مهمل وليقضي اللام للتعليل وهي مع مجرورها المؤول متعلقان بمحذوف أي جمعكم بغير ميعاد والله فاعل وأمرا مفعول به، وجملة كان مفعولا
стр. 1682
صفة لأمرا وكان واسمها المستتر وخبرها. (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ) يجوز تعليق ليهلك بما تعلق به ليقضي أي فهو بدل منه، ويجوز أن يتعلق بمفعولا، ويهلك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل ومن اسم موصول فاعل وجملة هلك صلة وعن بينة حال.
(وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) عطف على الجملة السابقة، وحي أصلها حيي أدغمت الياء بالياء. (وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) الواو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وسميع خبر أول لإن وعليم خبر ثان.
البلاغة:
في قوله: «إذ أنتم بالعدوة الدنيا» الى قوله: «ويحيا من حي عن بينة» فن الاستدراك فإن الحق سبحانه أخبر عن الأمر الواقع بخبر أخرجته الفصاحة مجرى المثل، وذلك أن الرسول ﷺ لما أخبرته عيونه بقفول ركب قريش من الشام الى مكة على الجادة المعروفة التي لا بد لسالكها من ورود «بدر» ، أمر أصحابه بالخروج وخرج معهم يريد العير، وكان وعد الله قد تقدم له بإحدى الطائفتين، إما العير وإما النفير، وبلغ أبا سفيان، وهو على الركب، خروج رسول الله ﷺ فأمر الركب أن يأخذ على سيف البحر، ومضى أبو سفيان على وجهه لمكة، فاستنفر قريشا، فخرجوا الى بدر ليشغلوا وجه رسول الله ﷺ عن تتبّع العير، فصادفوه ببدر، وهو يظن أن الركب يمر على بدر، فوقعت اللقيا من غير ميعاد، فأخبر الله سبحانه بموضع المسلمين من بدر وموضع المشركين منه بقوله:
«إذ أنتم بالعدوة الدنيا» أي القريبة، «وهم بالعدوة القصوى» :
стр. 1683
أي البعيدة، «والركب أسفل منكم» لأن سيف البحر في غور، وبدر في نجد بالنسبة إليه، وأراد أن يخبر عن وقوع اللقاء بغير ميعاد، وعدل عن لفظ المعنى الى لفظ الارداف فلم يقل فالتقوا من غير ميعاد، بل قال: «ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد» لخروج لفظ الإرداف مخرج المثل ليكون أسير وأشهر ولو وقع الاقتصار على هذا المقدار لاحتمل أن يقال: فما الحكمة في حرمان الله رسوله والمسلمين هذه الغنيمة الباردة لأجل منها. وهي فتح مكة واستئصال أموال أهلها، فإن اختياره لهم لقاء النفير دون العير ليقتل حماة مكة وصناديدها فيتمكن المسلمون من فتحها وكذلك كان، وقد كان مراد المسلمين لقاء العير دون النفير بدليل إخباره سبحانه عنهم بذلك في قوله:
«ويودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم» يعني العير، فإن ذات الشوكة: النفير، لأن الشوكة السلاح، فأرادوا هم ذلك، وأراد الله خلافه لعلمه بالعواقب، فأوقع اللقاء من غير ميعاد لهذه المصلحة، وأخرج الإخبار به مخرج المثل لما بينّا من فائدة ذلك، ثم قوى دليل الكلام بذكر العلة في تقويت تلك المصلحة الظاهرة، حيث قال بلفظ الاستدراك: «ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا» ، ثم فصل ما أجمله في الاستدراك بقوله: «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» ، فاتضح الإشكال، وارتفع ما قدر من الاحتمال وأبان عن المعنى أحسن بيان، فحصل في هذه الكلمات أربعة عشر نوعا من البلاغة وهي: الإيجاز، والترشيح، والإرداف، والتمثيل، والمقارنة، والاستدراك، والإدماج، والإيضاح، والتهذيب، والتعليل، والتنكيت، والمساواة، وحسن النسق، وحسن البيان.
стр. 1684
الفوائد:
١ لم نجر في هذا الكتاب على الخوض في المسائل العلمية والفقهية إلا نادرا، وإلا فيما له علاقة بالإعراب أو البيان، وقد خاض العلماء كثيرا في كيفية تقسيم الخمس ونلخص آراء الأئمة بما لا يخرج عن أسلوبنا.
قسمة الخمس عند أبي حنيفة أنها كانت في عهد رسول الله ﷺ على خمسة أسهم: سهم لرسول الله، وسهم لذوي قرباه، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل.
أما عند الشافعي فيقسم على خمسة أسهم: سهم لرسول الله يصرف الى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين، كعدة الغزاة من السلاح والكراع ونحو ذلك، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم، والباقي للفرق الثلاث.
وأما عند مالك بن أنس فالأمر مفوض الى اجتهاد الإمام، إن رأى قسمه بين هؤلاء، وإن رأى أعطاه بعضهم دون بعض، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فغيرهم. وهناك أقوال أخرى يرجع إليها في المطولات.
٢- يقع الخبر ظرفا نحو «والركب أسفل منكم» ، وجارا ومجرورا نحو «الحمد لله» ، وشرطهما أن يكونا تامّين كما مثل، فلا يجوز زيد مكافا، ولا زيد بك، لعدم الفائدة ويتعلقان بمحذوف وجوبا هو الخبر، واختلف في تقديره فقيل تقديره استقر أو مستقر.
стр. 1685
قال ابن هشام: في المغني: والحق عندي أنه لا يترجح تقديره اسما ولا فعلا بل بحسب المعنى. وقال ابن مالك في الخلاصة:
وأخبروا لظرف أو بحرف جر ... ناوين معنى كائن أو استقر
وهناك ملاحظات هامة نلفت إليها الانتباه:
آ- يخبر بالمكان عن أسماء الذوات والمعاني نحو: زيد خلفك والخير أمامك.
ب- يخبر بالزمان عن أسماء المعاني فقط نحو: الصوم اليوم والسفر غدا.
ج- لا يخبر بالزمان عن أسماء الذوات فلا يقال: زيد اليوم، والفرق أن الأحداث أفعال وحركات، فلا بد لكل حدث من زمان يختص به بخلاف الذوات.
د- إذا حصلت فائدة جاز الإخبار بالزمان عن الذوات، كأن يكون المبتدأ عاما والزمان خاصا، باضافة أو وصف، نحو: نحن في شهر كذا، فنحن مبتدأ وهو عام لصلاحيته في نفسه لكل متكلم إذ لا يختص به متكلم دون غيره، وفي شهر كذا خبره، وهو خاص بالمضاف إليه، ونحن في زمن طيب اختص بالوصف.
هـ- وأما نحو قولهم «الورد في أيار» و «اليوم خمر» و «الليلة الهلال» ، فالتأويل فيها: خروج الورد، واليوم شرب خمر، والليلة رؤية الهلال، فالإخبار في الحقيقة إنما هو عن اسم المعنى لا عن اسم الذات.
следующие страницы →