Полный текст (5 784 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ)
محل الكاف الرفع على الابتداء وأخذ ربك خبر وإذا أخذ القرى إذا ظرف مستقبل وجملة أخذ القرى في محل جر باضافة الظرف إليها. والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال وتجدر الاشارة الى أن المسألة هنا من باب التنازع فقد تنازع المصدر وأخذ في القرى فأعمل الفعل وحذف الضمير من المصدر وجواب إذا الذي هو ناصبه محذوف والتقدير فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إن واسمها وخبراها.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولمن صفة لآية وجملة خاف عذاب الآخرة صلة (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ذلك مبتدأ ويوم خبر ومجموع صفة وله متعلقان بمجموع والناس نائب فاعل وذلك يوم مشهود عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير جار ومجرور أي مشهود فيه وسيأتي في باب البلاغة السر في ذلك. (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الواو استئنافية وما نافية ونؤخره فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر ولأجل متعلقان بنؤخره ومعدود صفة. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وخبطوا في متاهات يضل معها رائد الحقيقة والسهولة غير المتكلفة وسنختار الأجوبة التي لا معدى عن إيرادها ضاربين صفحا عن التطويل فنقول الظرف متعلق بقوله لا تكلم أي لا تتكلم في نفس ذلك اليوم وجملة يأتي مضافة الى الظرف وفاعل يأتي ضمير يعود على ذلك اليوم المتقدم ذكره لا ضمير اليوم المضاف الى يأتي واختار الزمخشري أن يكون فاعل يأتي هو الله لأن ضمير بإذنه يعود عليه وهو قول وجيه ولكن الأول أقرب الى سياق الكلام، ولا نافية وتكلم مضارع أصله تتكلم فحذفت إحدى
стр. 2102
تاءيه ونفس فاعل تكلم وإلا أداة حصر وباذنه حال. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) الفاء للتفريع ومنهم خبر مقدم وشقي مبتدأ مؤخر وسعيد مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومنهم سعيد. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الفاء للتفريع أيضا وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة شقوا صلة والفاء رابطة وفي النار خبر الذين (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال لأنه كان صفة لزفير وزفير مبتدأ مؤخر وشهيق مبتدأ حذف خبره أيضا. (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) خالدين حال من الذين شقوا وفيها متعلقان بخالدين وما دامت السموات ما مصدرية زمنية ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت والسموات فاعل دامت والأرض عطف. (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) إلا أداة استثناء وما مستثناة وسيأتي القول في هذا الاستثناء المشكل في باب الفوائد وجملة شاء ربك صلة. (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ان واسمها وخبرها ولما متعلقان بفعال وجملة يريد صلة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) تقدم اعرابها آنفا.
قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص سعدوا بضم السين وباقي السبعة والجمهور بفتحها وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه وقد احتج الكسائي بقولهم مسعود قيل ولا حجة فيه لأنه يقال مكان مسعود فيه ثم حذف فيه وسمي به وقال الثعلبي: «سعد وأسعد بمعنى واحد» وفي الأساس: «وسعدت به وسعدت وهو سعيد ومسعود» وفي القاموس «وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ولا يقال مسعد» وقال أبو عمرو بن العلاء: «يقال
стр. 2103
سعد الرجل كما يقال حسن وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين» وهي قراءة حفص وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال: سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود وقرىء في السبعة بهذه اللغة في قوله: وأما الذين سعدوا بالبناء للمجهول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.
(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) عطاء نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما، وغير مجذوذ صفة لعطاء.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على أفانين من البلاغة، ومجموعة من الفوائد:
١- فأولها استعمال اسم المفعول مكان فعله في قوله تعالى:
«ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود» والسر في إيثار المفعول هو وصف اليوم بمعنى الجمع والثبات المستقر والديمومة لذلك الثبات فيه وانه يوم أعد ليكون ميعادا مضروبا لا محيد عنه ولا مساغ لتبديله لجميع الناس على السواء ولو انه عبر بالفعل لم يقع ذلك الموقع ولأشعر بالتجدد والتبدل ونظيره قول المتهدّد: انك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من ثبات الوصف وديمومته ما ليس في الفعل والاتساع في الظرف.
٢- ٣ وثانيها وثالثها الجمع مع التفريق فالجمع في قوله «لا تكلم نفس إلا بإذنه» والتفريق في قوله «فمنهم شقي وسعيد» .
стр. 2104
٤- التقسيم في قوله «فأما الذين شقوا» الى آخر الآية. ومن أمثله الجمع مع التفريق في الشعر قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدّر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أما التقسيم فقد طفح به الشعر العربي فقال أبو نواس مقسما الزمن الى يوم وأمس وغد:
أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
وانما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس
وافتنوا فيه كثيرا فأطلقه أبو الطيب على أحوال الشيء المراد تقسيمه مضافا الى كل من تلك الأحوال ما يليق به فقال:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدوا
وله أيضا:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وله في الغزل:
стр. 2105
وأغيد يهوى نفسه كلّ عاقل ... ظريف ويهوى جسمه كل فاسق
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
وما أحلى قول عمر بن الفارض:
يقولون لي: صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
الفوائد:
الاستثناء الموجود في قوله تعالى «إلا ما شاء ربك» تقدم بحثه في سورة الانعام فجدد به عهدا وقد رجحنا هناك ما ذهب اليه الزجاج ونضيف اليه هنا أن الفراء ذهب الى ما ذهب اليه الزجاج وقال كلاما لطيفا في صدده ننقله ليضاف الى ما تقدم قال: «انه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما في وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل ورأيت لعلي بن عيسى المعروف بالرماني كلاما بهذا المعنى وحاصل ما تقدم أن الا في
стр. 2106
المعنى بمعنى حرف العطف والاستثناء منقطع فكأنه قيل خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وزيادة على هذه المدة فكأن إلا بمعنى الواو وأنشد الفراء مستدلا على ذلك:
وأرى لها دارا بأغدر السيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا رفعت ... عنه الرياح خوالد سحم
وهذا الوجه الذي وقع عليه اختيارنا وذهب اليه الزجاج والفراء هو الثالث عشر فهناك اثنا عشر مذهبا متفاوتة.
ويطول بنا القول إذا ما حاولنا نقل هذه الأوجه فليرجع إليها من شاء في التفاسير الكبرى ليرى كيف تتفاوت الأفهام ويطيب لنا أن ننقل هنا رأيا يحتاج الى التأويل وهو لفيلسوف الصوفية محيي الدين ابن عربي قال: انهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد. وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فاذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم.
ولبدوي الجبل في العصر الحديث قصيدة عصماء قال فيها يصف أهل النار:
لا يألمون ولا تشكو جسومهم ... من اللظى فهي نيران بنيران
وقد علق ابن القيم على هذا القول قائلا: وهذا في طرف والمعتزلة القائلون بأن الله يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف آخر
стр. 2107
فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وقد استرسل الزمخشري في التشنيع على أهل السنة في هذا الصدد مما يطول بحثه وانما نقلنا هذه اللمح للاطلاع.
[سورة هود (١١) : الآيات ١٠٩ الى ١١٢]
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)
اللغة:
(مِرْيَةٍ) : المرية بكسر الميم وضمها الشك مع ظهور الدلائل للتهمة وهي مأخوذة من مرى ضرع الناقة ليدرّ بعد دروره وامترى في الشيء شك واستمرى اللبن ونحو استخرجه واستدره.
стр. 2108
الإعراب:
(فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) الفاء استئنافية والجملة مسوقة للدلالة على ما أحدثته القصص السالفة في نفسه ﷺ من أثر وان عكوف كفار قريش على عبادة أصنامهم ليست من دواعي المثبطات لعزيمته. ولا ناهية وتك فعل مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه السكون المقدرة على النون المحذوفة للتخفيف وقد سبق ذكر خصائص كان، واسمها ضمير مستتر تقديره أنت وفي مرية خبرها ومما صفة وجملة يعبد صلة وهؤلاء فاعل ويجوز أن تكون ما مصدرية (ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ) ما نافية ويعبدون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وإلا أداة حصر والكاف نعت لمصدر محذوف وما يجوز أن تكون موصولة أو مصدرية ومن قبل متعلقان بمحذوف حال. (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وموفوهم خبر ان والهاء مضاف اليه ونصيبهم مفعول به وغير منقوص حال مبينة للنصيب الموفى وقيل بل حال مؤكدة لأن التوفية تستلزم عدم نقصان الموفى كاملا كان أو ناقصا فقولك وفيته نصف حقه تستلزم عدم نقصان فما وجه انتصابه حالا عنه والأوجه أن يقال استعملت التوفية بمعنى الإعطاء ومن قال أعطيت فلانا حقه كان جديرا بأن يوكده بقوله غير منقوص.
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) الواو استئنافية واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وآتينا موسى الكتاب: فعل وفاعل ومفعول به، فاختلف: الفاء حرف عطف واختلف فعل ماض مبني للمجهول وفيه سد مسد نائب الفاعل ومعنى في الظرفية أي من شأنه وقيل هي سببية. (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) الواو عاطفة ولولا
стр. 2109
حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت صفة ومن ربك جار ومجرور متعلقان بسبقت واللام جواب لو وقضي بينهم فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر والظرف متعلق به أي وقضي الأمر بينهم. (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) الواو حالية وان واسمها وفي شك خبرها ومنه صفة لشك ومريب صفة ثانية.
(وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ) هذه الآية مشكلة جدا ويزداد الاشكال في قراءتنا وهي تشديد إن وتثقيل لما وقد اعترف المعربون القدامى بعجزهم فقال السمين ما نصه: «هذه الآية الكريمة مما تكلم الناس فيها قديما وحديثا وعسر على أكثرهم تلخيصها قراءة وتخريجا وقد سهل الله تعالى ذلك فذكرت أقاويلهم وما هو الراجح منها» ثم هام في متاهات سحيقة يضيع الطالب فيها وسنتجاوز جريا على عادتنا تلك الاوجه المتشعبة والمسالك المتباينة ونكتفي بقراءتنا وهي قراءة حفص وأبي جعفر وابن عامر وحمزة فنقول: إن واسمها ولمّا ذكروا فيها أوجها أربعة أسهلها وأبعدها عن التكلف ما اختاره الزجاج انها بمعنى إلا كقولهم سألتك لما فعلت بمعنى إلا وهو وجه سهل يزول به كل إشكال لولا أنه يتعارض مع ما قاله الفراء: هذا لا يجوز إلا في التمني كما قال الخليل أو بعد النفي كقوله تعالى «إن كل نفس لما عليها حافظ» ولكنه على ما فيه أسهل من الأوجه الثلاثة الباقية وهي أن تكون بمعنى لمن ما فحذفت الميمات الثلاث واختاره الفراء وأنشد:
وإني لمما أصدر الأمر وجهه ... إذا هو أعيا بالسبيل مصادره
والثاني أن تكون مخففة وشددت للتأكيد واختياره المازني ولكن هذا مردود لانه إنما يجوز تخفيف المشددة عند الضرورة فأما تشديد المخففة فلا يجوز بحال ورابع الأوجه انها مصدر لم من لمت الشيء إذا جمعته
стр. 2110
إلا أنها بنيت فلم تصرف فكأنه قال وإن كلا جميعا ليوفينهم وفي هذا ما فيه والله أعلم. وليوفينهم اللام جواب للقسم المقدر ويوفينهم فعل مضارع مبني على الفتح والهاء مفعول وربك فاعل والجملة خبر ان وأعمالهم مفعول به ثان (إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) إن واسمها وبما يعملون متعلقان بخبير وخبير خبر ان (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ) الفاء الفصيحة واستقم فعل أمر وكما نعت لمصدر محذوف أي فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادة الحق غير منحرف عنها، ومن: الواو عاطفة ومن موصول معطوف على الضمير في استقم وانما جاز العطف عليه من غير تأكيد بالمنفصل لقيام الفاصل مقامه ومعك ظرف متعلق بمحذوف صلة للموصول ويجوز أن يكون مفعولا معه والواو للمعية. (وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) لا ناهية وتطغوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وان واسمها وبما تعملون خبرها وقد تقدم نظيره.
البلاغة:
الإيجاز في قوله تعالى «فاستقم» ذلك لأن الاستقامة هي الاستمرار في جهة واحدة وأن لا يعدل يمينا أو شمالا ومعروف أن الخط المستقيم هو أقصر بعد بين نقطتين فأقل انحراف يخرجه عن استقامته واذن فقد انتظم في كلمة الاستقامة جميع مكارم الأخلاق، ومحاسن الأحكام الأصلية والفرعية والكمالات التي ينشدها العارفون والمقربون، والتحلل من ذلك خطير واجتناب التحلل عسير ولذلك قال رسول الله ﷺ في حديث رواه ابن عباس عند ما قال له أصحابه: لقد أسرع فيك الشيب: «شيبتني هود والواقعة وأخواتهما» .
стр. 2111
الفوائد:
ما يقوله أبو حيان:
وقال أبو حيان: «وأما القراءة الثانية فتشديد إن وإعمالها في كل واضح وأما تشديد لما فقال المبرد: هذا لحن لا تقول العرب إن زيدا لما خارج، وهذه جسارة من المبرد على عادته وكيف تكون قراءة متواترة لحنا، وليس تركيب الآية كتركيب المثال الذي قال وهو إن زيدا لما خارج، هذا المثال لحن وأما في الآية فليس لحنا ولو سكت وقال كما قال الكسائي: ما أدري ما وجه هذه القراءة لكان قد وفق وأما غير هذين من النحويين فاختلفوا في تخريجها» .
ثم أورد أبو حيان سيلا من التخريجات وشجبها كلها ومنها الوجه الذي اخترناه وقال أخيرا:
«وهذه كلها تخريجات ضعيفة جدا ينزه عنها القرآن وكنت قد ظهر لي فيها وجه جار على قواعد العربية وهو ان «لما» هذه هي لما الجازمة حذف فعلها المجزوم لدلالة المعنى عليه كما حذفوه في قولهم:
قاربت المدينة ولما يريدون ولما أدخلها وكذلك هنا التقدير: وإن كلا لما ينقص من جزاء عمله، ويدل عليه قوله تعالى: ليوفينهم ربك أعمالهم لما أخبر بانتفاء نقص أجزاء أعمالهم أكده بالقسم فقال ليوفينهم ربك أعمالهم وكنت اعتقدت اني سبقت الى هذا التخريج السائغ العاري من التكلف وذكرت ذلك لبعض من يقرأ علي فقال: قد ذكر ذلك أبو عمرو ابن الحاجب ولتركي النظر في كلام هذا الرجل لم أقف عليه ثم رأيت في كتاب التحرير نقل هذا التخريج عن ابن الحاجب قال: «لما» هذه
стр. 2112
هي الجازمة حذف فعلها للدلالة عليه لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم: خرجت ولما سافرت ولما ونحوه وهو سائغ فصيح فيكون التقدير لما يتركوا لما تقدم من الدلالة عليه من تفصيل المجموعين في قوله: فمنهم شقي وسعيد ثم ذكر الأشقياء والسعداء ومجازاتهم ثم بين ذلك بقوله: ليوفينهم ربك أعمالهم قال: ما أعرف وجها أشبه من هذا وان كانت النفوس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع في القرآن» .
[سورة هود (١١) : الآيات ١١٣ الى ١١٧]
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧)
اللغة:
(تَرْكَنُوا) : الركون الى الشيء هو السكون إليه بالمحبة له
стр. 2113
والإنصات اليه وفي المصباح: «ركنت الى زيد اعتمدت عليه وفيه لغات احداها من باب تعب وعليه قوله تعالى: «ولا تركنوا الى الذين ظلموا» وركن ركونا من باب قعد قال الأزهري وليست بالفصيحة، والثالثة ركن يركن بفتحتين وليسب بالأصل بل من باب تداخل اللغتين لأن باب فعل يفعل يكون حلقي العين أو اللام» . وقال الراغب:
«والصحيح انه يقال ركن يركن بالفتح فيهما وركن يركن بالكسر في الماضي والفتح في المضارع وبالفتح في الماضي والضم في المضارع» ويؤخذ من القاموس وشرحه وغيره من معاجم اللغة انه من باب دخل ومن باب تعب أما اللازم منه فبابه ركن بضم الكاف أي كان رزينا وقورا.
(زُلَفاً) بضم الزاي وفتح اللام: جمع زلفة من الليل أي طائفة وفي القاموس: الزلفى الطائفة من الليل والجمع زلف وزلفات كغرف وغرفات، قال العجاج:
تاج طواه الأين مما رجفا ... طيّ الليالي زلفا فزلفا
(أُتْرِفُوا) نعموا وترف كفرح تنعم وأترفته النعمة أبطرته وأطغته
الإعراب:
(وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) الواو استئنافية ولا ناهية وتركنوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والى الذين جار ومجرور متعلقان بتركنوا وجملة ظلموا صلة، فتمسكم: الفاء السببية وتمسكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء الواقعة
стр. 2114
بعد النهي والكاف مفعول به والنار فاعل. (وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) الواو حالية أو استئنافية أيضا والجملة حالية أي تمسكم النار حال انتفاء ناصركم أو مستأنفة وما نافية ولكم خبر مقدم ومن دون الله حال لأنه كان في الأصل صفة لأولياء ومن حرف جر زائد وأولياء مجرور لفظا بالفتحة مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر وثم حرف عطف ولا نافية وتنصرون فعل مضارع ولم ينصبه نسقا على تركنوا لأنه من عطف الجمل عطف جملة فعلية على جملة اسمية (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) الواو عاطفة وأقم فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والصلاة مفعول به وطرفي النهار نصب على الظرفية بأقم والمراد بطرفي النهار الغداة والعشي وزلفا منصوب على الظرفية أيضا بأقم ومن الليل صفة. (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ) إن واسمها وجملة يذهبن خبرها والنون فاعل يذهبن والسيئات مفعول به وذلك مبتدأ وذكرى خبر وللذاكرين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لذكرى (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) واصبر عطف على أقم والفاء تعليلية وان واسمها وجملة لا يضيع خبرها وأجر المحسنين مفعول به. (فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ) الفاء استئنافية ولولا تحضيضية ولعل اعراب كان تامة أولى إذا المعنى فهلا وجد أو حدث فيتعلق من القرون بها أو بمحذوف حال ومن قبلكم حال من القرون وأولو فاعلها وعلامة رفعه الواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم وبقية مضاف اليه وجملة ينهون عن الفساد صفة لأولو بقية وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بالفساد وإذا جعلنا كان ناقصة فيكون من القرون متعلقان بمحذوف حال وتكون جملة ينهون خبرها وأولو بقية اسمها والمصدر المقترن بأل يعمل في المفاعيل
стр. 2115
الصريحة فيكون في المؤولة والظروف أولى ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الفساد. (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ) إلا أداة استثناء وقليلا مستثنى منقطع لئلا يفسد المعنى وننقل هنا عبارة الزمخشري وهي: «معناه ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تركوا النهي» ثم قال: «فإن قلت هل لوقوع هذا الاستثناء متصلا وجه يحمل عليه؟ قلت: ان جعلته متصلا على ما هو عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسدا لأنه يكون تحضيضا لأولي البقية على النهي عن الفساد لا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، يريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن وإن قلت في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا كان استثناء متصلا ومعنى صحيحا وكان انتصابه على أصل الاستثناء وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل» وممن صفة لقليلا وجملة أنجينا صلة ومنهم حال. (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ) واتبع عطف على مضمر دل عليه الكلام تقديره فلم ينهوا عن الفساد واتبع، والذين فاعل وجملة ظلموا صلة وما مفعول به وجملة أترفوا صلة وفيه متعلقان بأترفوا وكانوا مجرمين كان واسمها وخبرها والجملة عطف على أترفوا. (وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) الواو استئنافية وما نافية وكان فعل ماض ناقص وربك اسمها وليهلك اللام للجحود وهي المسبوقة بكون منفي ويهلك منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف أي مريدا ليهلك وقد سبق تقرير ذلك والقرى مفعول به وبظلم حال من الفاعل وأهلها الواو حالية وأهلها مبتدأ ومصلحون خبر والجملة حالية من المفعول به أي القرى.
стр. 2116
البلاغة:
في قوله تعالى: «ولا تركنوا الى الذين ظلموا» الى آخر الآية فنون عديدة من البلاغة التي تتقطع دونها الأعناق وسنبسطها بما يلي:
١- ائتلاف اللفظ مع المعنى:
إذ لما كان الركون الى الذين ظلموا دون فعل الظالمين وجب أن يكون العقاب عليه دون عقاب الظالمين ومسّ النار في الحقيقة دون الإحراق ولما كان الإحراق عقابا للظالم أوجب العدل أن يكون المسّ عقاب الراكن الى الظالم فلهذا عدل عن قوله مثلا ...
فندخلوا النار، لكون الدخول مظنة الإحراق وخصّ المسّ ليشير به الى ما يقتضي الركون من العقاب ويميز بين ما يستحق الظالم وبين ما يستحق الراكن له من العقاب وإن كان مس النار قد يطلق ويراد به الإحراق لكن هذا الإطلاق مجاز والحقيقة ما ذكرناه لأن حقيقة المس أول ملاقاة الجسم حرارة النار وإذا احتمل اللفظ احتمالات صرف منها الى ما تدل عليه القرائن والائتلاف في هذه الآية معنوي.
٢- الادماج:
فقد أدمج الله سبحانه وصفه بالعدل فتعلق فن الفخر بفن الأدب إذ ظاهر الآية التأديب ومن أجله جاءت في هذا الباب الموعظة ووصف الحق بالعدل.
стр. 2117
٣- البسط:
فلم يقل الظالمين وعدل عن ذلك الى قوله «الذين ظلموا» لما يحتمل الاول من استمرار الظلم الذي لا يلائم المساس ولا تحصل به المبالغة التي تحصل من لفظ الثاني من وقوع الظلم على سبيل الندور ليلائم المعنى معنى الركون ومعنى المساس وتحصل المبالغة الحقة لأنه سبحانه إذا نهى عن الركون الى من استمر منه الظلم بطريق أولى وإذا نهى عن الركون إلى الظالم كان النهي عن فعل الظلم أحرى.
ونثبت هنا بهذه المناسبة كتاب آية في البلاغة وهو يتناسب مع المقام: لما خالط الزهري السلاطين كتب اليه أخ في الدين: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك الله من كتابه وعلمك من سنة نبيه وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال سبحانه: «لتبيننه للناس ولا تكتمونه» واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت انك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي، بدنوك ممن لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذوك قطبا تدور عليه رحى باطلهم، وجسرا يعبرون عليك الى بلائهم، وسلما يصعدون فيك الى ضلالهم، يدخلون الشك بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: «فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا» فانك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل، فدا ودينك فقد دخله سقم،
стр. 2118
وهيء زادك فقد حضر السفر البعيد «وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء» والسلام.
[سورة هود (١١) : الآيات ١١٨ الى ١٢٣]
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)
الإعراب:
(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) الواو استئنافية ولو شرطية امتناعية وشاء ربك فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو وجعل الناس أمة جعل ومفعوليها وواحدة صفة. (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ)
стр. 2119
الواو عاطفة ولا يزالون فعل مضارع ناقص والواو اسمها ومختلفين خبرها وإلا من رحم ربك قال الزجاج استثناء منقطع على معنى لكن وتقديره لكن من رحم ربك فإنه غير مختلف واكتفى أبو البقاء بقوله هو مستثنى من ضمير الفاعل في يزالون. (وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) لذلك متعلق بخلقهم والاشارة الى الاختلاف والرحمة وخلقهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وتمت كلمة ربك فعل وفاعل والمراد بكلمته قضاؤه الأزلي وحكمه المبرم. (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لأملأن جهنم جواب قسم مقدر تقديره يمينا لأملأن وأملأن فعل مضارع مبني على الفتح وجهنم مفعول به ومن الجنة جار ومجرور متعلقان بأملأن، والجنة هي الجن والتاء للمبالغة وأجمعين تأكيد. (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) يجوز أن تنصب كلا نصبا على المصدر وتقديره وكل القصص نقص عليك وجملة نقص عليك في موضع الصفة لقوله وكلا، ويجوز أن ينصب على المفعولية والمضاف اليه محذوف عوض منه التنوين تقديره كل نبأ نقص عليك ومن أنباء صفة لكلا وما اسم موصول في محل نصب بدل من كلا وقيل زائدة، وعلى الوجه الاول تعرب مفعولا وجملة نثبت به فؤادك صلة ومعنى تثبيت القلب زيادة يقينه وما فيه طمأنينة قلبه. (وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) وجاءك فعل ومفعول به وفي هذه متعلقان بجاءك والاشارة الى السورة أو الأنباء المقتصة فيها والحق فاعل جاءك وما بعده عطف عليه. (وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) للذين جار ومجرور متعلقان بقل وجملة لا يؤمنون صلة واعملوا فعل أمر والواو فاعل والجملة مقول القول وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم ثابتين على مكانتكم وقد سبق القول في المكانة. (إِنَّا عامِلُونَ) ان واسمها
стр. 2120
وخبرها. (وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) انتظروا فعل أمر والواو فاعل وإنا منتظرون ان واسمها وخبرها والتهديد واضح. (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) لله خبر مقدم وغيب السموات مبتدأ مؤخر واليه متعلقان بيرجع والأمر نائب فاعله وكله تأكيد. (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) الفاء الفصيحة واعبده فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وتوكل عطف على اعبده وعليه متعلقان بتوكل وما حجازية وربك اسمها والباء حرف جر زائد وغافل مجرور لفظا منصوب محلا خبرها وعما متعلقان بغافل ويعملون صلة ما.
стр. 2121
(١٢) سورة يوسف مكية وآياتها احدى عشرة ومائة
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤)
قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)
стр. 2122
اللغة:
(الْقَصَصِ) : على وجهين: أحدهما يكون مصدرا بمعنى الاقتصاص تقول قصّ الحديث يقصّه قصصا وثانيهما يكون فعلا بمعنى مفعول كالنفض بمعنى المنفوض واشتقاقه من قصّ أثره إذا تبعه لأن الذي يقصّ الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا.
الإعراب:
(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) الر: تقدم اعرابها والقول فيها وتلك مبتدأ وآيات خبر والكتاب مضاف اليه والمبين صفة للكتاب.
(إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ان واسمها وجملة أنزلناه خبرها وقرآنا حال من ضمير أنزلناه أي الهاء وقيل انتصب على البدلية من الضمير، وعربيا صفة ولعلكم تعقلون: لعل واسمها وجملة تعقلون خبرها. (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) نحن مبتدأ وجملة نقص خبر والفاعل مستتر تقديره نحن وعليك متعلقان بنقص وأحسن مفعول به إذا كان القصص مصدرا بمعنى المفعول ومفعول مطلق إذا كان القصص مصدرا غير مراد به المفعول والقصص مضاف اليه والباء للسببية وما مصدرية وهي مع ما في حيزها مجرورة بالباء والجار والمجرور متعلقان بنقص أيضا أي بسبب ايحائنا وإليك متعلقان بأوحينا وهذا مفعول به والقرآن بدل من اسم الاشارة. (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) الواو للحال وان مخففة من الثقيلة وكان واسمها ومن قبله حال واللام الفارقة ومن الغافلين خبر كنت. (إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ: يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ
стр. 2123
عَشَرَ كَوْكَباً)
يجوز لك أن تعلق إذ الظرفية بفعل مضمر أي اذكر ولك أن تجعله بدل اشتمال من أحسن القصص ويجوز أن يتعلق بنقص ولكن في هذا إخراجا لاذ عن المضي، وجملة قال يوسف مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال ويا حرف نداء وأبت منادى مضاف الى ياء المتكلم التي حذفت وعوضت عنها التاء المكسورة أو المفتوحة وسيرد المزيد عنها في باب الفوائد وكسرت همزة إن بعد القول والياء اسم ان وجملة رأيت خبرها وأحد عشر جزءان عدديان مبنيان على الفتح في محل نصب مفعول به لرأيت وكوكبا تمييز ورأيت من الرؤيا أي المنام وهي تنصب مفعولين. (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) الواو حرف عطف والشمس والقمر معطوفان على أحد عشر كوكبا ورأيتهم فعل وفاعل ومفعول به وليست تأكيدا لرأيتهم الأولى ولي متعلقان بساجدين وساجدين مفعول به ثان لرأيتهم وأعربها أبو البقاء حالا وقال ان الرؤية عينية وسيأتي تحقيق هذا في باب البلاغة. (قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ) يا بني تقدم أعربها في هود ولا ناهية وتقصص فعل مضارع مجزوم بلا ورؤياك مفعول به وعلى إخوتك جار ومجرور متعلقان بتقصص. (فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) الفاء سببية ويكيدوا منصوب بأن مضمرة لأنه وقع جوابا للنهي والواو فاعل ولك متعلقان بيكيدوا وكيدا يحتمل أن يكون مفعولا مطلقا مؤكدا ويحتمل أن يكون مفعولا به أي يصنعوا لك كيدا وإن الشيطان إن واسمها وللانسان حال وعدو خبر إن ومبين صفة.
(وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) كذلك نعت لمصدر محذوف أي كما اجتباك واختارك لهذه الرؤيا العظيمة يجتبيك لأمور عظام، والكاف مفعول يجتبيك وربك فاعل ويعلمك ليس عطفا على يجتبيك ولكنه كلام مستأنف كأنه قيل وهو يعلمك ويتم
стр. 2124
نعمته، ومن تأويل جار ومجرور متعلقان بيعلمك والأحاديث مضاف اليه. (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ) عطف على يعلمك ونعمته مفعول به وعليك جار ومجرور متعلقان بنعمته أو بيتم وعلى آل يعقوب عطف عليه. (كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) كما أنها نعت لمصدر محذوف أي إتماما مثل إتمامها على أبويك وعلى أبويك متعلقان بأتمها ومن قبل حال وابراهيم بدل من أبويك أو عطف بيان واسحق عطف على ابراهيم وان واسمها وخبراها.
البلاغة:
١- في قوله تعالى «رأيتهم» تكرار يظنّه الناظر أنه تأكيد لأول وهلة وليس هو بالتأكيد وانما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابا له ويجوز أن تكون للتوكيد باعتبار أن طول الفصل بالمفاعيل استدعى ذلك فجيء برأيتهم تطرية وتنويعا للحديث.
٢- في قوله تعالى «ساجدين» أجرى الكواكب الأحد عشر والشمس والقمر مجرى العقلاء وهو الذي يسميه النحاة تغليبا وهذا الوصف صناعي، أما السر البياني فأمر كامن وراء هذا الوصف ذلك لأنه لما وصف الكواكب والشمس والقمر بما هو خاص بالعقلاء وهو السجود أجرى عليها حكمهم كأنها عاقلة وهذا كثير شائع في كلامهم وسيأتي الكثير منه في القرآن.
٣- براعة التخلص:
وهو فن مشهور ذائع في كلام البلغاء، وهو امتزاج ما يقدمه الكاتب أو للشاعر من البسط بأول ما استهل به كلامه كالبيت
стр. 2125
الاول من القصيدة والفقرة الاولى من المقالة على أن يختلس ذلك اختلاسا رشيقا دقيق المعنى بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع في الثاني لشدة الممازجة والالتئام كأنهما أفرغا في قالب واحد، أو يوطىء الكاتب فيه بفصل لفصل يريد أن يأتي به بعده وإما بنكتة تشير الى معنى الفصل المستقبل كقوله تعالى: «نحن نقص عليك أحسن القصص» فإنه سبحانه وطأ بهذا الفصل الى ما يأتي بعده من سرد قصة يوسف ﵇ فتخلص به الى ذكر القصة تخلصا بارعا فإن النكتة التي أشارت الى وصف هذه القصة بنهاية الحسن دون سائر قصص الأنبياء المذكورة في القرآن وهي قوله:
«أحسن القصص» فإن المخاطب إذا قرع سمعه هذا الوصف للقصة تنبه الى تأملها فيجد كل قضية فيها ختمت بخير وكل ضيق انتهى الى سعة، وكل شدة آلت الى رخاء وذلك أمر عجيب يستحيل أن يأتي على القصة الحديثة «العقدة» تختم بالخير أو ما يسمّى في عرف القصة الحديثة بالحل:
١- رمي يوسف في الجب واستحكمت عقدته فنجا.
٢- بيع بالثمن البخس الذي يشير في مدلوله الى الضعة والمهانة واستحكمت العقدة ثانية فإذا الذي اشتراه يستصفيه وينزله منه بمنزلة الولد.
٣- راودته التي هو في بيتها عن نفسه ووثبت الشهوة، وصرخت اللذة، وكاد العقل يقصف والرشد يغزب واستحكمت العقدة ثالثة فإذا هو يكبح جماح نفسه ويستعصم.
٤- ودخل السجن، ورانت عليه ظلمته واقتمت معالمه واستحكمت العقدة رابعة فخرج منه ملكا.
стр. 2126
٥- وظفر بإخوته بعد أن عرف غدرهم به ومحاولتهم إهلاكه فلم يذهب مع هوى النفس التي تثأر وتنتقم وطأمن من غلوائه.
٦- وسره الله بلقاء شقيقه بعد اليأس فأتنس به.
٧- فارقه أبوه وحزن من أجله حتى عمي واستحكمت العقدة مرة أخرى ثم اجتمع به وسر بلقائه وارتد الوالد بصيرا.
٨- جاء الله به من البدو وأحله بمصر على سرير الملك.
٩- غضب هو وأبوه على بقية الأولاد ثم رضيا عنهم.
١٠- ثم وأخيرا سجد له أبواه واخوته تحقيقا لرؤياه فناسب الختام البدء وكانت براعة التخلص من أجمل ما عرف في الكتابة.
حسن التخلص في الشعر:
على أنه لا يفوتنا أن نورد بعض ما ورد من حسن التخلص في شعرنا العربي ومن المؤسف أن ينتهي غالبا بالمديح ونحن لا نقر هذا المديح ولا نعترف به إلا من حيث انه تقليد بحث أو تسجيل لما جرى على يد الممدوح من نفع عام، قال أبو تمام يمدح أبا دلف وهو بطل عربي اشتهر بجهاده:
ودع فؤادك توديع الفراق فما ... أراه من سفر التوديع منصرفا
يجاذب الشوق طورا ثم يجذبه ... جهاده للقوافي في أبي دلفا
ومن ألطف المخالص قول أبي العلاء المعري:
ولو أن المطيّ لها عقول ... وجدك لم تشد لها عقالا
стр. 2127
مواصلة لها رحلي كأني ... من الدنيا أريد بها ان
فصالا سألن فقلت مقصدنا سعيد ... فكان اسم الأمير لهن فالا
الفوائد:
١- «رأى» من الرؤيا:
اختلف النحاة واللغويون في «رأى» الحلمية، والمحققون على أنها ملحقة برأى العلمية في التعدي لاثنين بجامع ادراك الحس في الباطن كقوله تعالى: «إني أراني أعصر خمرا» فأرى عملت في ضميرين متصلين لمسمى واحد وأحدهما فاعل والثاني مفعول أول وجملة أعصر حمرا المفعول الثاني وكقول عمرو بن أحمر الباهلي يذكر جماعة من قومه لحقوا بالشام فرآهم في منامه:
أراهم رفقتي حتى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالا
فالهاء مفعول أول ورفقتي بضم الراي وكسرها مفعول ثان والرؤيا هنا حليمة بدليل قوله: حتى إذا ما تجافى الليل وانخزل انخزالا أي انطوى وانقطع، والى هذا أشار في الخلاصة:
ولرأى الرؤيا الم ما لعلما ... طالب مفعولين من قبل انتمى
وذهب بعضهم الى أن رأى الحلمية لا تنصب مفعولين من قبل انتمى وذهب بعضهم الى أن الحلمية لا تنصب مفعولين وان ثاني المنصوبين حال ورد بوقوعه معرفة هنا كما هنا واعترض بأن الرفقة وهم المخالطون والمرافقون فهو بمعنى اسم الفاعل فالاضافة فيه غير محضة.
стр. 2128
٢- حديث اليهودي وكواكب يوسف:
ونرى من المفيد التنبيه الى ما يرويه المفسرون من أحاديث عن كواكب يوسف فقد أخرج الحاكم في مستدركه أن يهوديا جاء الى النبي ﷺ فقال أخبرني بأسماء الكواكب التي رآها يوسف ﵇ فقال: إن أخبرتك بأسمائها أتسلم؟ قال: نعم.
قال ﷺ : الذيال والوثاب والطارق والفيلق والصبح والقابس والضروح والخرثان والكتفان والعمودان وذو الفرع. قال:
صدقت يا محمد ولم يسلم» والوضع ظاهر على هذا الحديث وفي سنده جماعة متكلم فيهم. وقال ابن الجوزي هو موضوع.
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٧ الى ١٤]
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١)
أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (١٤)
стр. 2129
اللغة:
(غَيابَتِ الْجُبِّ) : الغيابة: سدّ أو طاق في البئر قريب الماء يغيب ما فيه عن العيون وقال الزمخشري: هي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله قال المنخل:
إذا أنا يوما غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها، والجب: البئر التي لم تطو وسمي بذلك إما لكونه محفورا في جيوب الأرض أي ما غلظ منها وإما لأنه قطع في الأرض ويجمع على أجباب وجباب وجببة.
(السَّيَّارَةِ) : جمع سيار أي المبالغ في السير وفي المختار والسيارة القافلة، فتسميتهم السيارة المعروفة اليوم صحيح لا غبار عليه لأنه مؤنث سيار.
الإعراب:
(لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ) اللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق وكان فعل ماض ناقص وفي يوسف خبر
стр. 2130
مقدم واخوته عطف على يوسف وآيات اسم كان المؤخر وللسائلين صفة لآيات. (إِذْ قالُوا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بمحذوف تقديره اذكر وقيل الظرف متعلق بكان وجملة قالوا مضاف إليها الظرف واللام للابتداء وفيها تأكيد لتحقيق مضمون الجملة وأخوه عطف على يوسف وهو بنيامين شقيقه وأحب خبر والى أبينا جار ومجرور متعلقان بأحب وقد تقدم أن الحب والبغض إذا بني منهما أفعل التفضيل أو فعلا التعجب تعدى الفعل منهما الى الفاعل المعنوي بإلى والى المفعول المعنوي باللام فاذا قلت زيد أحب إلي من بكر كان معناها أنك تحب زيدا أكثر من بكر، ومنا متعلقان بأحب كذلك ولم يطابق أحب في الاثنين لأن أفعل التفضيل يلزم الافراد والتذكير إذا كان معه من ولا بد من الفرق مع ال وإذا أضيف جاز الأمران. (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الواو للحال ونحن مبتدأ عصبة خبر وان واسمها واللام المزحلقة وفي ضلال خبرها ومبين صفة. والعصبة: الجماعة، قيل: هي ما بين الواحد الى العشرة. (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) اقتلوا فعل أمر والواو فاعل ويوسف مفعول به أو اطرحوه عطف على اقتلوا وأرضا نصبت نصب الظروف المبهمة أي أرضا منكرة مجهولة بعيدة عن العمران. قال الزمخشري وقال ابن عطية: «وذلك خطأ لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهما وهذه ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك فزال بذلك ابهامها ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في أرض فتبين أنهم أرادوا أرضا بعيدة غير التي هو فيها قريب من أبيه» وصحح أبو حيان هذا الرد.
ويجوز أن تنصب بنزع الخافض أي في أرض وهو بمعنى الظرف، وقيل مفعول ثان لاطرحوه المتضمنة معنى أنزلوه ويخل جواب الأمر ولكم متعلقان بيخل ووجه فاعل وأبيكم مضاف اليه وسيأتي معنى يخل
стр. 2131
لكم وجه أبيكم في باب البلاغة، (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ) وتكونوا عطف على يخل والواو اسم كان ومن بعده حال وقوما خبر وصالحين صفة. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة ولا ناهية وتقتلوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل ويوسف مفعول به وألقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به وفي غيابة الجب متعلقان بألقوه. (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) يلتقطه جزم لوقوعه جوابا للأمر وبعض السيارة فاعل وإن شرطية وكنتم فاعلين كان واسمها وخبرها وجواب ان محذوف أي ان كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به الغرض فهذا هو الرأي الصواب (قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ) قالوا فعل وفاعل ويا أبانا منادى مضاف وما اسم استفهام مبتدأ ولك خبر ما ولا نافية وتأمنا فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت ونا مفعول به وقد أدغمت نون تأمن بنا وقد قرىء على أشكال مختلفة وعلى يوسف متعلقان بتأمنا وجملة لا تأمنا حال وجملة مالك لا تأمنا مقول القول والتقدير أي شيء ثبت لك منا. (وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ) الواو للحال وان واسمها وله متعلقان بناصحون واللام المزحلقة وناصحون خبر إنا والجملة حال من نا فيكون حالا من حال. (أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) أرسله فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به ومعنا ظرف مكان متعلق بأرسله ونا مضاف اليه وغدا ظرف متعلق بأرسله أيضا ويرتع مجزوم لأنه جواب الأمر ويلعب عطف عليه وجملة إنا له لحافظون حالية وقد تقدم إعرابها. (قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة يحزنني خبر إن والياء مفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر فاعل يحزنني وبه جار ومجرور متعلقان بتذهبوا.
(وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) أن وما في حيزها مفعول أخاف والذئب
стр. 2132
فاعل يأكله ولا يغرب عنك أنه لقّنهم العلة التي يعتلون بها على حد قول المثل «إن البلاء موكل بالمنطق» . (وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ) الواو للحال وأنتم مبتدأ وغافلون خبره وعنه متعلقان بغافلون (قالُوا: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ) اللام موطئة للقسم وان شرطية وأكله الذئب فعل ومفعول به وفاعل والواو حالية ونحن مبتدأ وعصبة خبر والجملة حالية وان واسمها وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وخاسرون خبر إنا والجملة جواب القسم وجملة جواب الشرط محذوفة لأن الجواب يعطى للمتقدم كما قررنا سابقا.
البلاغة:
١- المجاز في قوله تعالى «يخل لكم وجه أبيكم» وانما ذكر الوجه لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل عليه بوجهه لأن أول ما يستقبل الإنسان الوجه فعبر به عن إقباله عليهم وعدم الالتفات الى غيرهم وانتفاء المشارك لهم في حب والدهم.
٢- وفي قوله «لخاسرون» مجاز عن الضعف والعجز والعلاقة هي السببية.
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٥ الى ٢٠]
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨) وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩)
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)
стр. 2133
اللغة:
(أَجْمَعُوا) : يقال أجمعوا الأمر وأجمعوا عليه يتعدى بنفسه وبالباء أي عزموا عليه عزما مصمما.
(سَوَّلَتْ) : أصل التسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه وقال الزمخشري سولت سهلت من السول وهو الاسترخاء وفي القاموس: سولت له نفسه كذا: زينته له وسهلته له وهوّنته وقيل هو من السول بفتحتين أي استرخاء العصب ونحوه فكأن المسول بذله فيما حرص عليه.
(دَلْوَهُ) : في المختار الدلو التي يستقى بها ودلا الدلو نزعها وبابه عدا وأدلاها أرسلها في البئر وفي القاموس ودلوت الدلو ودليتها أرسلتها في البئر ودلّاها جذبها ليخرجها والدلو مؤنث وقد يذكر.
стр. 2134
الإعراب:
(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على محذوف يفهم من سياق القصة تقديره فأرسله معهم، ولما حينية أو رابطة وذهبوا فعل وفاعل وبه جار ومجرور متعلقان يذهبوا وأجمعوا عطف على ذهبوا، أو الواو للحال والجملة حالية بتقدير: قد، وان وما في حيزها مفعول أجمعوا أو منصوب بنزع الخافض وفي غيابة الجب متعلقان بيجعلوه وجواب لما محذوف تقديره فعلوا به ما فعلوه من الأذى. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) اختلف في هذه الواو فقيل عاطفة وان الإيحاء الى يوسف كان في الجب وله سبع عشرة سنة أو دونها تطمينا لقلبه ولم يكن ايحاء نبوة وقيل زائدة وانها جواب لو أي جملة أوحينا وهو قول جيد لو ساعدت اللغة على زيادة الواو واليه متعلقان بأوحينا، اللام موطئة للقسم وتنبئنهم فعل مضارع مبني على الفتح والهاء مفعول به وبأمرهم متعلقان بتنبئنهم وهذا صفة لأمرهم والواو للحال وهم مبتدأ وجملة لا يشعرون خبر والجملة حالية. (وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ) الواو عاطفة وجاءوا فعل وفاعل وأباهم مفعول به وعشاء ظرف زمان متعلق بجاء وجملة يبكون حال من الواو أي وقت العشاء باكين. قيل: وانما جاءوا عشاء ليكونوا أقدر على الاعتذار في الظلمة. (قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) جملة إنا ذهبنا مقول القول وان واسمها وجملة ذهبنا خبر إن وجملة نستبق حال والاستباق يكون بالعدو والترامي والتناضل (وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) وتركنا يوسف عطف على ذهبنا والظرف متعلق بتركنا فأكله عطف والهاء مفعول به والذئب فاعل. قال ثعلب «والذئب مأخوذ من تذأبت الريح إذا هاجت
стр. 2135
من كل وجه» قال «والذئب مهموز لأنه يجيء من كل وجه» .
(وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء حرف جر زائد ومؤمن مجرور لفظا خبر ما محلا ولنا متعلقان بمؤمن ولو الواو عاطفة ولو شرطية وهي في هذا الموضع لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع غيره من الأحوال بطريق الأولوية ولا يذكر معه شيء من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها الشاملة لجميع الأحوال المغايرة لها عند تعددها، وكنا كان واسمها وصادقين خبرها. (وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) الواو عاطفة وجاءوا فعل وفاعل وعلى قميصه محله النصب على الظرفية كأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم وهذا الظرف معمول لحال محذوفة من دم والتقدير وجاءوا بدم كذب حال كونه كائنا فوق قميصه وقد منع ذلك الزمخشري وسترى في باب الفوائد بحثا مفيدا ممتعا بهذا الصدد. وبدم متعلقان بجاءوا وكذب صفة وسيرد في باب البلاغة معنى وصف الدم بالكذب. (قالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) بل حرف إضراب وسولت لكم أنفسكم فعل وفاعل وأمرا مفعول به فصبر جميل خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف وساغ الابتداء بالنكرة لوصفه. (وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) الواو عاطفة والله مبتدأ والمستعان خبر وعلى ما متعلقان بالمستعان وجملة تصفون صلة والعائد محذوف أي تصفونه. (وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ) الواو استئنافية وجاءت سيارة فعل وفاعل فأرسلوا عطف على جاءت والواو فاعل وواردهم مفعول به وهو رجل يقال له
стр. 2136
مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء لأن الوارد هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم فأدلى عطف ودلوه مفعول به. (قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ) يا حرف نداء وبشرى منادى نكرة مقصودة نادى البشرى حيث كانت كأنه يقول لها تعالي فهذا وقتك وهذا مبتدأ وغلام خبر قيل عبر بالغلام للجمال الذي بهره لما رآه وانما سمي الغلام غلاما لاشتقاقه من الغلمة لأنه بريد الشهوة يقال اغتلم الشراب اشتدت سورته واغتلمت الأمواج اشتدت والغلامة أنثى الغلام وأبو نواس كان يتظرف ويقول عن الفتاة الجميلة غلامية. (وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ) وأسروه فعل وفاعل ومفعول أي أخفوه والضمير يعود للوارد وأصحابه وقيل لأخوة يوسف الذين عادوا وكانوا يظنون أن يوسف مات فقالوا هذا عبد أبق منا فإن أردتم بعناه لكم فاشتراه مالك بن ذعر الخزاعي.
وبضاعة نصب على الحال أي أخفوه متاعا للتجارة، والبضاعة ما بضع من المال للتجارة. (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) الواو عاطفة وشروه فعل وفاعل ومفعول أي باعوه وبثمن متعلقان بشروه وبخس صفة ودراهم بدل من ثمن ومعدودة صفة ووصفها بامكان عدها كناية عن قلتها لأن الكثيرة يتعذر عدها. (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) كان واسمها وفيه متعلقان بمحذوف حال وقال أبو حيان: «متعلقان بأعني مضمرة أو بمحذوف يدل عليه من الزاهدين أو بالزاهدين لأنه يتسامح في الجار والمجرور والظرف» ومن الزاهدين خبر كانوا. وقال ابن هشام: وقول آخر «وكانوا فيه من الزاهدين» إن في متعلقة بزاهدين المذكور وهذا ممتنع إذا قدرت ال موصولة وهو الظاهر لأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول فيجب حينئذ تعلقها بأعني محذوفة أو بزاهدين محذوفا مدلو لا عليه بالمذكور أو بالكون المذكور الذي تعلق به من الزاهدين وأما إن قدرت أل للتعريف فواضح.
стр. 2137
البلاغة:
وصف الدم بالكذب مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته والفاعل والمفعول يسميان بالمصدر كما يقال ماء سكب أي مسكوب والفاعل كقوله «إن أصبح ماؤكم غورا» أي غائرا كما سموا المصدر بهما قالوا للعقل المعقول وللجلد المجلود ومنه قوله تعالى «بأيكم المفتون» .
الفوائد:
هل تتقدم الحال على الجار والمجرور:
منع النحاة تقديم الحال على صاحبها إذا كان مجرورا كمررت بهند جالسة فجالسة حال من هند ولا يجوز تقديمها عليها. لا تقول مررت جالسة بهند وهذا تقريبا مذهب الجمهور وعللوا ذلك بأن تعلق العامل بالحال ثان لتعلقه بصاحبه فحقه إذا تعدى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة لكن منع من ذلك أن الفعل لا يتعدى بحرف واحد الى شيئين فجعلوا عوضا عن الاشتراك في الواسطة التزام التأخير وخالف في هذه الفارسي وابن جني وابن كيسان وابن برهان وغيرهم فأجازوا التقديم مستدلين بقوله تعالى «وجاءوا على قميصه بدم كذب» قالوا في الرد على الزمخشري القائل: إنه ليس بحال لأن حال المجرور لا يتقدم قالوا: فيه ان المعنى لا يساعد على نصبه على الظرف بمعنى لأن العامل فيه إذ ذاك جاءوا وليس الفوق ظرفا بل يستحيل أن يكون ظرفا وبقوله تعالى «وما أرسلناك إلا كافة للناس» فكافة حال من المجرور وهو الناس وقد تقدم على صاحبه المجرور باللام وبنحو
стр. 2138
قول الشاعر:
تسليت طرا عنكم بعد بينكم ... بذكراكم حتى كأنكم عندي
فطرا بمعنى جميعا حال من الكاف والميم وقد تقدم على صاحبه المجرور بعن ورد الزمخشري والمانعون بقولهم ان هذا البيت ضرورة أو طرا حال من عنكم محذوفة مدلولا عليها بعنكم المذكورة وإن كافة في الآية حال من الكاف في أرسلناك وان التاء للمبالغة لا للتأنيث، هذا ولا يحتمل هذا الباب ما استفاض فيه هؤلاء العلماء من ردود ومناقشات فحسبنا ما تقدم.
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٢١ الى ٢٤]
وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)
стр. 2139
اللغة:
(مَثْواهُ) : مقامه يقال ثوى بالمكان وأثوى أقام وفلان أكرم مثواي وطال بي الثواء وهو أبو مثواي وهي أم مثواي لمن أنت نازل به قال:
أفي كل يوم أم مثوى تسوسني ... تنفّض أثوابي وتسألني ما اسسي
(أَشُدَّهُ) : في الأشد ثلاثة أقوال أحدها قول سيبويه: انه جمع مفرده شدة نحو نغمة وأنعم، والثاني قول الكسائي: ان مفرده شد بوزن قفل، والثالث انه جمع لا واحد له من لفظه وهو قول أبي عبيدة وهو من الشد وهو الربط على الشيء والعقد عليه. وقال الراغب: وفيه تنبيه على أن الإنسان إذا بلغ هذا القدر يتقوّى خلقه الذي هو عليه فلا يكاد يزايله، وقيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون وثلاث، وثلاث وأربعون وقيل أقصاه ثنتان وستون.
(راوَدَتْهُ) المراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب كأن المعنى خادعته عن نفسه أي فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهي عبارة عن التحيل لمواقعته إياها ومنه الرائد لطالب الماء والكلأ وهي مفاعلة من واحد نحو مطالبة الدائن ومماطلة المدين ومداواة الطبيب ونظائرها مما يكون من أحد الجانبين الفعل ومن الآخر سببه فإن هذه الأفعال وإن كانت صادرة عن الجانبين لكن لما كانت أسبابها صادرة
стр. 2140
عن الجانب الآخر جعلت كأنها صادرة عنهما وهذا باب لطيف المسلك مبني على اعتبار دقيق تحقيقه أن سبب الشيء يقوم مقامه ويطلق عليه اسمه كما في قولهم «كما تدين تدان» أي كما تجزي تجرى فإن فعل البادي وان لم يكن جزاء لكونه سببا للجزاء أطلق عليه اسمها وكذلك إرادة القيام إلى الصلاة وارادة القرآن حيث كانتا سببا للقيام والقراءة عبر عنهما بهما فقيل إذا قمتم الى الصلاة، فإذا قرأت القرآن وهذه قاعدة مطردة مستمرة. ويجوز أن يراد بصيغة المفاعلة مجرد المبالغة، وقيل الصيغة على بابها بمعنى أنها طلبت منه الفعل وهو طلب منها الترك، ويجوز أن تكون من الرويد وهو الرفق والتجمل وتعديتها بعن لتضمينها معنى المخادعة فالمعنى خادعه عن نفسه أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه عن شيء لا يريد إخراجه من يده وهو يحتال أن يأخذه منه.
(هَيْتَ لَكَ) : اسم للفعل وفيه ضمير المخاطب كصه ومه ومسماه أسرع يقال هيت إذا دعاه، قال الشاعر:
أبلغ أمير المؤمنين أخا ... العراق إذا أتيتا
أن العراق وأهله ... سلم عليك فهيت هيتا
يريد أمير المؤمنين على بن أبي طالب وهو لازم لا يتعدى الى مفعول كما أن مسماه كذلك وفيه ثلاث لغات هيت بالفتح وهيت بالضم وهيت بالكسر، و «لك» من قولك هيت لك تبيين للمخاطب جيء به بعد استغناء الكلام عنه كما كان كذلك في سقيا لك، ألا ترى أن سقيا غير محتاجة إلى لك لأن معناه سقاك الله سقيا وإنما جيء بلك تأكيدا وزيادة فهي في هيت لك كذلك. وقيل هيت اسم فعل ماض بمعنى تهيأت، وفي القاموس: وهيت لك مثلثة الآخر وقد يكسر أوله
следующие страницы →