Полный текст (5 784 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
الفوائد:
للأفعال التي تنصب مفعولين ثلاثة أحكام (وهي أفعال القلوب) :
١- الإعمال: وهو الأصل فيها وهو نصب مفعولين.
٢- الإلغاء: وهو إبطال العمل لفظا ومحلا لضعف العامل بتوسطه بين المبتدأ والخبر أو تأخره عنهما فلتوسط كزيد ظننت قائم والتأخر نحو زيد قائم ظننت.
قال منازل بن ربيعة المنقري:
أبالأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور
فوسط خلت بين المبتدأ المؤخر وهو اللؤم والخبر المقدم وهو في الأراجيز.
وقال أبو سيده الدبيري:
وإن لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيين لا يجري علينا غناهما
هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا إن أيسرت غنماهما
وإلغاء العامل المتأخر أقوى من إعماله والعامل المتوسط بالعكس فالإعمال فيه أقوى من إهماله.
٣- التعليق: وهو ابطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده وهو:
стр. 2067
لام الابتداء نحو «لقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من حلاق» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي الآخرة متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ما له في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدر فلا يتخطاها عامل.
ولام القسم كقول لبيد:
ولقد علمت لتأتينّ منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها
فاللام في لتأتين لام جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم.
وما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية.
ولا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالقسم الملفوظ نحو: علمت والله لا زيد في ولا عمرو وعلمت والله إن زيد قائم.
والاستفهام وله صورتان:
آ- أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة بعده نحو «وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون» فقريب مبتدأ وأم بعيد معطوف عليه وما اسم موصول في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه وجملة توعدون صلة الموصول والعائد محذوف وجملة المبتدأ وخبره في موضع نصب بأدري المعلق بالهمزة.
стр. 2068
ب- أن يكون في الجملة اسم استفهام عمدة كان نحو «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» فأي اسم استفهام مبتدأ وأحصى خبره وهو فعل ماض وقيل اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها نعلم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا فرق في العمدة بين المبتدأ كما مر والخبر نحو علمت متى السفر والمضاف إليه نحو علمت أبو من زيد أو الخبر نحو علمت صبيحة أي يوم سفرك أو فضلة نحو «سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» فأي منقلب مفعول مطلق منصوب بينقلبون مقدم من تأخير والأصل ينقلبون أي انقلاب وليست أي مفعولا به ليعلم كما قد يتوهم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وجملة ينقلبون معلق عنها العامل فهي في محل نصب.
تنبيه هام:
إنما يعطف على محل الجملة المعلق عنها العامل مفرد فيه معنى الجملة فنقول علمت لزيد قائم وغير ذلك من أموره ولا تقول علمت لزيد قائم وعمرو لأن مطلوب هذه الأفعال إنما هو مضمون الجمل فإن كان في الكلام مفرد يؤدي معنى الجملة صح أن تتعلق به وإلا فلا.
قال كثير عزة:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت
стр. 2069
فعطف موجعات بالنصب بالكسرة على محل ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري وأبحاث الإلغاء والتعليق تضيق عن استيعابها هذه الفوائد فحسبنا ما ذكرناه ومن شاء المزيد فليرجع الى المطولات.
[سورة هود (١١) : الآيات ٦٩ الى ٧٦]
وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)
стр. 2070
اللغة:
(العجل) : ولد البقرة ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة ويجمع على عجول وعجلة وعجال وعجاجيل قيل: سمي بذلك لتعجيل أمره بقرب ميلاده.
(حَنِيذٍ) : المشوي على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض وهو من فعل أهل البادية وكان سمينا يسيل منه الودك وكان عامة مال ابراهيم البقر وفي المختار حنذ الشاة شواها وجعل فوقها حجارة محماة لينضجها فهي حنيذ وبابه ضرب.
(نَكِرَهُمْ) : في المختار: نكره بالكسر نكرا بضم النون وأنكره كله بمعنى، وعبارة الأساس: «أنكر الشيء ونكره واستنكره وقيل نكر أبلغ من أنكر وقيل: نكر بالقلب وأنكر بالعين. قال الأعشى:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
وفيهم العرف والنّكر، والمعروف والمنكر، وشتم فلان فما كان عنده نكير، وهم يركبون المنكرات والمناكير، وهو من مناكير قوم لوط» .
(أَوْجَسَ) : الإيجاس: الاحساس وحديث النفس وأصله من الدخول كأن الخوف داخله والوجيس ما يعتري النفس أو ان الفزع ووجس في نفسه كذا أي: خطر بها يجس وجسا ووجوسا ووجيسا.
стр. 2071
(بَعْلِي) : البعل هو المستعلي على غيره ولما كان زوج المرأة مستعليا عليها قائما بأمرها سمي بعلا، ويقولون للنخل الذي يستغني بماء السماء عن سقي الأنهار والعيون بعل لأنه قائم بالأمر في استغنائه عن تكلف السقي له ويجمع البعل على بعول وبعال وبعولة والبعل الرب أيضا والسيد، يقولون: من بعل هذه الناقة أي ربها وبهذا المعنى استعملها الكنعانيون وغيرهم من عبدة الأصنام للدلالة على أعظم آلهتهم.
(أَوَّاهٌ) : تقدمت معانيه في سورة التوبة.
الإعراب:
(وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى) ثم شرع سبحانه في القصة الرابعة من قصص السورة وهي قصة ابراهيم توطئة لقصة لوط لا استقلالا ولهذا خولف في أسلوب القصة عن سابقاتها فلم يقل وأرسلنا. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجاءت رسلنا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به وبالبشرى متعلقان بجاءت.
(قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ) قالوا فعل وفاعل وسلاما مصدر معمول لفعل محذوف كما تقدم أي سلمنا سلاما وقال فعل ماض وسلام مبتدأ خبره محذوف أي عليكم وسوغ الابتداء به معنى الدعاء وهو أولى من جعله خبرا لمبتدأ محذوف أي قولي سلام وستأتي مسوغات الابتداء بالنكرة في باب الفوائد. (فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) الفاء عاطفة وما لبث يجوز في ما أن تكون نافية ولبث فعل ماض فاعله أن وما في حيزها أي مجيئه أو الفاعل مستتر تقديره إبراهيم وان
стр. 2072
وما في حيزها خبره والتقدير فلبثه أو الذي لبثه قدر مجيئه.
(فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) الفاء عاطفة على محذوف والتقدير فقربه إليهم فلم يمدوا أيديهم فقال ألا تأكلون فلما رأى أيديهم والرؤية هنا بصرية، وأيديهم مفعول به وجملة لا تصل إليه حالية وجملة نكرهم لا محل لها لأنها جواب لمّا وأوجس منهم عطف على نكرهم وخيفة مفعول به ومنهم حال لأنه كان صفة لخيفة. (قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ) لا تخف لا ناهية وتخف مجزوم بها وان واسمها وجملة أرسلنا خبرها ونا نائب فاعل والى قوم لوط جار ومجرور متعلقان بأرسلنا. (وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) وامرأته الواو حالية أو استئنافية وامرأته مبتدأ وقائمة خبر، فضحكت فعل ماض وفاعله هي فبشرناها عطف أيضا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبإسحاق متعلقان ببشرناها ومن وراء اسحق خبر مقدم ويعقوب مبتدأ مؤخر. (قالَتْ: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) يا ويلتا كلمة تقال للتعجب من أمر عجيب خارق للعادة من خير أو شر وهو منادى مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفا وكذلك في يا لهفا ويا عجبا وقيل هي ألف الندبة التي يوقف عليها بهاء السكت وسيأتي الكلام عنها في حينه، أألد: الاستفهام مقصود به التعجب والواو حالية وأنا مبتدأ وعجوز خبر والجملة نصب على الحال من الضمير المستتر في أألد. (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) الواو حالية وهذا مبتدأ وبعلي خبر وشيخا حال والعامل فيه ما في اسم الاشارة من معنى الفعل، قال الزجاج: الحال هاهنا نصبها من لطيف النحو وذلك انك إذا قلت هذا زيد قائما يصلي فإن كنت تقصد أن تخبر من لا يعرف زيدا انه زيد لم يجز أن تقول هذا زيد قائما لأنه يكون «زيدا» ما دام قائما فإذا زال عن القيام فليس بزيد
стр. 2073
وانما تقول للذي يعرف زيدا: هذا زيد قائما فيعمل في الحال التنبيه والمعنى انتبه لزيد في حال قيامه أو أشير لك الى زيد في حال قيامه.
وإن واسمها واللام المزحلقة وشيء خبرها وعجيب صفة. (قالُوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام والمقصود به النهي أي لا تعجبي ولم ينكروا عليها لأن عجبها ليس إنكارا وانما هو دهشة بما هو خارق للعادة، وتعجبين فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والياء فاعل ومن أمر الله جار ومجرور متعلقان بتعجبين. (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) رحمة الله مبتدأ وبركاته عطف على رحمة وعليكم خبر رحمة وأهل البيت نصب على الاختصاص المراد به المدح ويجوز أن يكون منادى محذوفا منه حرف النداء أي يا أهل البيت وان واسمها وخبراها.
وبين النصب على المدح والنصب على الاختصاص فرق ولذلك جعلهما سيبوية في بابين وهو أن المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح كما أن المنصوب على الذم يتضمن بوضعه الذم والمنصوب على الاختصاص لا يكون إلا لمدح أو ذم لكن لفظه لا يتضمن بوضعه المدح ولا الذم كقوله «بنا تميما يكشف الضباب» وقوله «ولا الحجاج عيني نبت ماء» (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وذهب عن ابراهيم الروع فعل وفاعل وجاءته البشرى عطف على ذهب وجواب لما محذوف تقديره أقبل أو فطن لمجادلتهم.
(يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) جملة يجادلنا حالية أو مستأنفة وفي قوم لوط متعلقان بيجادلنا (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) ان واسمها واللام المزحلقة وحليم وأواه ومنيب أخبار ثلاثة. (يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا)
стр. 2074
الجملة مقول قول محذوف أي قالت الملائكة، وأعرض فعل أمر وعن هذا متعلقان به والاشارة الى الجدال. (إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) ان واسمها وجملة قد جاء أمر ربك خبر وانهم ان واسمها وآتيهم خبرها وعذاب فاعل آتيهم وغير صفة ومردود مضاف إليه.
البلاغة:
الاستعارة التمثيلية في قوله «فلما رأى أيديهم لا تصل إليه» جعل عدم الوصول استعارة لامتناعهم عن الأكل والمعنى لا يمدون أيديهم الى أكله فهو لا يريد أن ينفي الوصول الناشئ عن المدّ.
الفوائد:
مسوغات الابتداء بالنكرة:
الواجب في المبتدأ أن يكون معرفة ويسوغ الابتداء بالنكرة إذا أفادت وذلك في مواضع أهمها:
١- بالاضافة اللفظية نحو «خمس صلوات كتبهن الله» وقد تكون الاضافة بالمعنى نحو «قل كلّ يعمل على شاكلته» أي كل أحد.
٢- بالوصف لفظا نحو «لعبد مؤمن خير من مشرك» أو تقديرا نحو: أمر أتى من ربك أي عظيم، أو معنى بأن تكون النكرة مصغرة نحو: رجيل عندنا أي رجل حقير.
стр. 2075
٣- بأن يكون خبرها ظرفا أو جارا ومجرورا مقدما عليها نحو «وفوق كل ذي علم عليم» «ولكل أجل كتاب» .
٤- بأن تقع بعد نفي أو استفهام أو لولا أو إذا الفجائية نحو:
ما أحد عندنا ونحو «أإله مع الله» وقول الشاعر:
لولا اصطبار الأودى كل ذي مقة ... لما استقلّت مطاياهنّ للظّعن
ونحو: خرجت فاذا أسد رابص.
٥- بأن تكون عاملة نحو: إعطاء قرشا في سبيل العلم ينهض بالأمة.
٦- بأن تكون مبهمة كأسماء الشرط والاستفهام وما التعجبية وكم الخبرية.
٧- بأن تكون مفيدة للدعاء بخير أو شر فالأول نحو: «سلام عليكم» والثاني: «ويل للمطففين» .
٨- بأن تكون خلفا عن موصوف نحو: عالم خير من جاهل.
٩- بأن تقع صدر جملة حالية نحو:
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محياك أخفى ضوءه كلّ شارق
١٠- بأن يراد بها التنويع أي التفصيل والتقسيم كقول امرئ القيس:
فأقبلت زحفا على الركبتين ... فثوب نسيت وثوب أجر
стр. 2076
١١- بأن تعطف على معرفة أو يعطف عليها معرفة نحو: خالد ورجل يتعلمان النحو، أو رجل وخالد يتعلمان النحو.
١٢- بأن تعطف على نكرة موصوفة نحو: «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى» .
١٣- بأن يراد بها حقيقة الجنس لا فرد واحد منه نحو: ثمرة خير من جرادة.
١٤- بأن تقع جوابا نحو: رجل، في جواب من قال:
من عندك؟
[سورة هود (١١) : الآيات ٧٧ الى ٨٣]
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)
стр. 2077
اللغة:
(سِيءَ بِهِمْ) أصله سوىء بهم من السوء فأسكنت الواو وقلبت كسرتها الى السين ويقال: سؤته فسيء كما يقال شغلته فشغل وسررته فسرّ.
(ذَرْعاً) : من أقوالهم ضاق فلان ذرعا: والذرع يوضع موضع الطاقة والأصل فيه أن البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طوقه ضاق ذرعه عن ذلك وضعف ومدّ عنقه فجعل ضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع والطاقة فمعنى قوله تعالى «وضاق بهم ذرعا» أي لم يجد من ذلك المكروه مخلصا، وقال بعض علماء اللغة: معناه وضاق بهم قلبا وصدرا ولا يعرف أصله إلا أن يقال إن الذرع كناية عن الوسع، والعرب تقول: ليس هذا في يدي، يعنون ليس هذا في وسعي لأن الذراع من اليد، وقال آخرون: ويقال ضاق فلان ذرعا بكذا إذا وقع في مكروه ولا يطيق الخروج منه.
стр. 2078
وفي القاموس والتاج ما ملخصه: «الذّرع مصدر، بسط اليد، وضقت بالأمر ذرعا: أي لم أقدر عليه وهو واسع الذرع أي مقتدر وهو خالي الذرع أي قلبه خال من الهموم والغموم» .
(يُهْرَعُونَ) : أي يسوق بعضهم بعضا وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء فيهما للمفعول إذا أعجل على الإسراع. وفي القاموس: والهرع محرك وكغراب والاهراع مشي في اضطراب وسرعة وأقبل يهرع بالضم واهرع بالبناء للمجهول فهو مهرع مرعد من غضب أو خوف وقد هرع كفرح ورجل هرع سريع البكاء.
(عَصِيبٌ) : العصيب الشديد في الشر خاصة وأصله من الشد يقال عصبت الشيء شددته وعصبت فخذ الناقة لثدر وناقة عصوب ويوم عصيب وعصبصب كأنه التف على الناس بالشر أو يكون التف شره بعضه ببعض قال الشاعر:
فإنك إن لم ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب
وقال الراجز:
يوم عصيب ويعصب الأبطالا ... عصب القوي السلم الطوالا
(رُكْنٍ) الركن: معتمد البناء بعد الأساس وركنا الجبل جانباه قال الراجز:
يأوي الى ركن من الأركان ... في عدد طلس ومجد بان
(فَأَسْرِ) : من أسرى بمعنى سرى أي سار ليلا قال النابغة:
стр. 2079
أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليه جامد البرد
ويروى سرت، وقال امرؤ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
(سِجِّيلٍ) : قال الزمخشري: «قيل هي كلمة معربة من سنككل بدليل قوله حجارة من طين وقيل هي من أسجله إذا أرسله لأنها ترسل على الظالمين وقيل مما كتب الله أن يعذب به من السجل وسجل لفلان» وقال أبو عبيدة: «هو الحجارة الشديدة» وأنشد لابن مقبل:
ورجلة يضربون البيض ضاحية ... ضربا تواصى به الأبطال سجينا
وسجين وسجيل بمعنى واحد والعرب تعاقب بين النون واللام فقلبت النون هاهنا لاما» واكتفى صاحب القاموس بقوله: «السجيل الطين اليابس» .
(مَنْضُودٍ) : متراكب والنضد جعل الشيء بعضه فوق بعض والمراد وصف الحجارة بالكثرة.
(مُسَوَّمَةً) : معلمة للعذاب، والتسويم العلامة.
الإعراب:
(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاءت رسلنا لوطا فعل وفاعل ومفعول به وجملة سيء بهم لا محل لها ونائب الفاعل يعود الى لوط وبهم جار ومجرور متعلقان
стр. 2080
به وذرعا تمييز محول عن الفاعل. (وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ) وقال عطف على ضاق وهذا مبتدأ ويوم خبر وعصيب صفة والجملة مقول القول. (وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) الواو عاطفة وجاءه قومه فعل ومفعول به وفاعل وجملة يهرعون في محل نصب على الحال واليه متعلقان بيهرعون. (وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) الواو حالية ومن قبل من حرف جر وقبل ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الاضافة لفظا لا معنى والجار والمجرور متعلقان بيعملون وكان واسمها وجملة يعملون السيئات خبر كانوا. (قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) هؤلاء مبتدأ وبناتي خبر وكذلك قوله هن أطهر لكم، وجوزوا في بناتي أن يكون بدلا أو عطف بيان، وهن ضمير فصل لا محل له وأطهر خبر هؤلاء، ولكم متعلقان بأطهر لأنه اسم تفضيل ولا يرد اعتراض خلاصته ان اسم التفضيل يعني المشاركة ليصح التفضيل فيقتضي أن يكون الذي يطلبونه من الرجال طاهرا والجواب أن هذا جار مجرى:
أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ومعلوم أن شجرة الزقوم لا خير فيها على الإطلاق. (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) الفاء الفصيحة واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به ولا تخزوني عطف على اتقوا الله ولا ناهية وتخزوني مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف النون والنون للوقاية والواو فاعل والياء مفعول به وفي ضيفي جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، والضيف في الأصل مصدر ثم أطلق على الطارق ليلا إلى المضيف ولذلك يقع على المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع وقد يثنى فيقال ضيفان وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف وضيفان. (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) الاستفهام للانكار والتوبيخ وليس فعل ماض ناقص ومنكم خبر ليس للمقدم ورجل اسمها المؤخر ورشيد صفة. (قالُوا:
стр. 2081
لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ)
علمت معلقة عن العمل بما النافية ولنا خبر مقدم وفي بناتك حال لأنه كان في الأصل صفة لحق وتقدمت ومن حرف جر زائد وحق مبتدأ مؤخر محلا. (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجملة تعلم خبرها، وما:
يجوز أن تكون مصدرية وأن تكون موصولة أي تعرف الذي نريد أو تعلم إرادتنا (قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) لو شرطية وأن وما في حيزها فاعل لفعل محذوف تقديره ثبت واستقر وأما سيبويه فيرى انه مبتدأ لا خبر له وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد. وأن حرف مشبه بالفعل ولي خبرها المقدم وبكم حال من قوة إذ هو في الأصل صفة للنكرة وقوة اسم ان وجواب لو محذوف تقديره لفعلت بكم وصنعت وأو حرف عطف وآوي معطوف على المعنى وتقدير الكلام أو أني آوي، ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة ثبت المحذوفة إذا أعربت أن وما في حيزها فاعلا لفعل محذوف، ويجوز أن تعطف على قوة لأنه منصوب في الأصل بتقدير «ان» فلما حذفت «أن» رفع الفعل كقوله تعالى «ومن آياته يريكم» واستضعف أبو البقاء هذا الوجه. والى ركن متعلق بآوي وشديد صفة.
(قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) إن واسمها ورسل ربك خبرها ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويصلوا مضارع منصوب بأن وإليك متعلقان بيصلوا (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) الفاء عاطفة وبأهلك حال أي مصاحبا لهم وبقطع حال من أهلك أي مصاحبين لقطع، ولك أن تجعل الباء للتعدية فتعلقها بأسر والقطع هنا نصف الليل لأنه قطعة منه مساوية لباقيه وقد تقدم الكلام على القطع في سورة يونس، ومن الليل صفة لقطع. (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ
стр. 2082
إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ)
الواو حرف عطف ولا ناهية ويلتفت فعل مضارع مجزوم بلا ومنكم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحد وأحد فاعل وإلا أداة استثناء وامرأتك مستثنى من قوله فأسر بأهلك وفي قراءة بالرفع بدل من أحد وسيأتي تفصيل مسهب لهذا الاستثناء والمعنى لا تسر بها وخلّفها مع قومها وقيل هي مستثنى من أحد وان واسمها والهاء ضمير الشأن والحديث ومصيبها خبر مقدم وما اسم موصول مبتدأ مؤخر وجملة أصابهم صلة والجملة خبر ان لأن ضمير الشأن يفسر بجملة مصرح بجزأيها. (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) إن واسمها والصبح خبرها والهمزة للاستفهام التقريري وليس واسمها والباء حرف جر زائد وقريب مجرور لفظا خبر ليس محلا (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) لما ظرفية حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل وجملة جعلنا جواب لما ونا فاعل وعاليها مفعول جعل الاول وسافلها مفعول جعلنا الثاني. (وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) وأمطرنا عطف على جعلنا وعليها متعلقان بأمطرنا وحجارة مفعول به ومن سجيل صفة لحجارة ومنضود صفة لسجيل ومسومة صفة ثانية لحجارة وعند ربك الظرف متعلق بمسومة. (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) ما حجازية وهي اسمها واختلف في هذا الضمير فقيل يعود على العقوبة المفهومة السياق وقيل يعود على الحجارة وهي أقرب مذكور وقيل يعود على القرى المهلكة وكل ما ذكروه جائز وسائغ. ومن الظالمين متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور لفظا خبر ما محلا ولم يؤنث بعيدا إما لأنه في الأصل نعت لمكان محذوف تقديره وما هي بمكان بعيد بل قريب وإما لأن العقوبة والعقاب شيء واحد وإما لتأويل الحجارة بعذاب.
стр. 2083
الفوائد:
١- عود إلى «لو» :
تقدم بحث لو في البقرة وغيرها ونزيد هنا بحث الاسم الواقع بعد لو الشرطية والمعروف أنها تختص بالفعل شرطية كانت أم مصدرية ويجوز أن يليها الاسم فيعرب فاعلا لفعل محذوف يفسره ما بعده وعلى ذلك يتخرج قول عمر بن الخطاب لأبي عبيدة وقد كان في طريقة الى الشام وبلغه في أثناء الطريق قبل الوصول إليها انه وقع بها وباء فاستشار في التوجه اليه أو الرجوع الى المدينة فاختلفوا عليه ثم أجمع أمره على الرجوع بعد أن أشار به جماعة من الصحابة فقال له أبو عبيدة ابن الجراح أفرارا من قدر الله تعالى؟ فقال له عمر بن الخطاب: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفرّ من قدر الله إلى قدره. فغيرك فاعل لفعل محذوف يفسره قالها والتقدير لو قالها غيرك وجواب لو محذوف أي لعذرناه.
وقال الغطمش الضبي:
أقول وقد فاضت لعيني عبرة ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
أخلاي لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الدهر معتب
فغير فاعل بفعل محذوف يفسره أصابكم والتقدير لو أصابكم غير الحمام- وهو بكسر الحاء الموت- عتبت، ومن ملاحظات التبريزي على هذا البيت الثاني قوله: الناس ينشدون أخلاي بياء
стр. 2084
مفتوحة وكأنهم حملوه على قصر المحدود وأجود من ذلك في حكم العربية أن ينشد أخلاء بهمزة مكسورة ويراد يا أخلائي فحذفت ياء الاضافة وتركت الهمزة كما تقول يا غلام، ومن ذلك أيضا قولهم في المثل «لو ذات سوار لطمتني» أخذا من قول حاتم الطائي حين لطمته جارية وهو مأسور في بعض أحياء العرب فذات سوار فاعل بفعل محذوف على شريطة التفسير والتقدير لو لطمتني ذات سوار وذات السوار الحرة لأن الإماء عند العرب لا تلبس السوار وجواب لو محذوف والتقدير لهان الأمر علي، أو يكون منصوبا بفعل محذوف أو خبرا لكان محذوفة فمثال الاول: لو زيدا رأيته أكرمته والثاني:
نحو التمس ولو خاتما من حديد وقد تقدم ذلك.
ويجوز أن يلي «لو» كثيرا أن المشددة وصلتها نحو «ولو أنهم صبروا» والآية التي نحن بصددها وهي «لو أن لي قوة» واختلف في اعراب أن وما في حيزها بعد أن اتفق الجميع على أنه مرفوع الموضع فقال سيبويه وجمهور البصريين مبتدأ لا خبر له أو خبره محذوف والتقدير ولو صبرهم ثابت وذهب الكوفيون والزمخشري والمبرد والزجاج من البصريين الى انه فاعل بثبت مقدرا كما تقدم أي ولو ثبت صبرهم وسيأتي المزيد من أحكام «لو» في مواضع أخرى من هذا الكتاب.
٢- أقوال النحاة في «إلا امرأتك» :
والفائدة الثانية هي أقوال النحاة في استثناء امرأتك قالوا:
«ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك» بالرفع في قراءة أبي عمرو وابن كثير فامرأتك بدل من أحد بدل بعض من كل والنصب عربي جيد وقد
стр. 2085
قرىء به في السبع لكنه خلاف المنتخب الراجح والذي قرىء به أكثر ومن هنا جعل الزمخشري النصب على الاستثناء من أهلك ليكون من تام موجب، والرفع على البدلية من أحد، واعترض بأنه يستلزم التناقض بين القراءتين فإن المرأة تكون مسريا بها على قراءة الرفع وغير مسري بها على قراءة النصب وأجاب أنصار الزمخشري بأن إخراجها من جملة النهي لا يدل على أنها مسري بها بل على أنها معهم وقد روي انها تبعتهم، وقد فنّد ابن هشام اعراب الزمخشري وقال إنه خلاف الظاهر وأسهب في الحديث عن هذا الاستثناء في الجهة الثانية من الباب الخامس.
أقول: والأظهر من هذا كله أن الاستثناء من جملة الأمر أي فأسر بأهلك والاستثناء منقطع على القراءتين ووجه الرفع انه على الابتداء وخبره الجملة بعده وعندئذ تكون قراءة النصب جيدة غير مرجوحة وتتفادى بذلك وقوع غير المرجوح في القرآن، وقد تقدم في ابن نوح «انه ليس من أهلك» لأن المراد بالأهل المؤمنون وعلى هذا تكون امرأته من غير أهله.
البلاغة:
في قوله تعالى: «أليس الصبح بقريب» إرسال المثل أو التمثيل وهو فن يمكن تعريفه بأن يكون ما يخرجه المتكلم ساريا مسير الأمثال السائرة وقد تقدمت الاشارة إليه وسيرد المزيد منه وقد عني علماؤنا الأقدمون باستقصاء جميع أمثال الكتاب العزيز من السور على ترتيبها، أما في الشعر العربي فقد أوردنا فيما تقدم أمثالا ضمنها شاعر الخلود أبو الطيب المتنبي أبياته فجاءت آية في الإبداع كما أوردنا قصيدة
стр. 2086
لابن زيدون، ويحكى انه كان بعض مشايخ الأنبار في زمن الرشيد يؤذن ويصلي في مسجد وكان إذا حضر أوان الورد دفع مفتاح المسجد الى أهل المحلة ثم انغمس في لجة لهوه فلم يظهر وفي الدنيا وردة وكان إذا جلس الى شرابه يغني بصوت عال ويقول:
يا صاحبي اسقياني ... من قهوة خندريس
خذا من الورد حظا ... بالقصف غير حبيس
على وجينات ورد ... يذهبن همّ النفوس
ما تنظران فهذا ... زمان حث الكؤوس
فبادروا قبل فوت ... «لا عطر بعد عروس»
[سورة هود (١١) : الآيات ٨٤ الى ٩٥]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)
وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)
стр. 2087
اللغة:
(يَجْرِمَنَّكُمْ) : مضارع جرم وبابه ضرب كما في المختار ويتعدى لواحد أو اثنين ومعناه يكسبنكم.
(رَهْطِي) : الرهط: جماعة الرجل وقيل الرهط والراهط لما دون العشرة من الرجال ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال وقال الزمخشري: من الثلاثة الى العشرة وقيل الى التسعة ويجمع على أرهط وأرهط على أراهط. وفي القاموس والتاج: الرّهط والرّهط: قوم الرجل وقبيلته، وعدد يجمع من الثلاثة الى العشرة وليس فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه والجمع أرهط وأرهاط وجمع الجمع أراهط وأراهيط وإذا أضيف الى الرهط عدد كان المراد به الشخص والنفس نحو: عشرون رهطا أي شخصا ويقال: ذوو رهط أي مجتمعون.
(ظِهْرِيًّا) : منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب والقياس فتح الظاء وقد قالوا في أمس إمسيّ بكسر الهمزة وفي الدهر دهري بضم الدال وسيأتي في باب الفوائد ما يطرأ على النسب من تغيير وللظهر في لغتنا تعابير نوردها ملخصة من معاجم اللغة: يقال ساروا في طريق الظهر أي
стр. 2088
طريق البر وقرأ الكتاب على ظهر قلبه أو على ظهر لسانه أي حفظا وأعطاه عن ظهر يد أي ابتداء بلا مكافأة وهو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم وبين أظهرهم أي وسطهم وفي معظمهم ورأيته بين ظهراني الليل أي بين العشاء والفجر وقلب له ظهر المجن أي تغير عليه وعاداه وقلب الأمر ظهرا لبطن أي أنعم تدبيره وقتله ظهرا أي غيلة وهو يأكل على ظهر يدي أي إنني أنفق عليه وهذا من غريب لغتنا ونادره وما أجمل قول عمر بن أبي ربيعة:
وضربنا الحديث ظهرا لبطن ... وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
(مَكانَتِكُمْ) : المكانة إما بمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة وإما مصدر من مكن فهو مكين.
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) جرت العادة أن يستهل كل قصة من قصص هذه السورة بهذه الجملة وهذه هي القصة السادسة وقد تقدم اعراب هذه الجملة بلفظها.
(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) الواو عاطفة ولا ناهية وتنقصوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف على المكيال وان واسمها وجملة أراكم خبرها وجملة إني أراكم تعليلية للنهي. (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) الواو عاطفة وان واسمها وجملة أخاف عليكم خبرها وعذاب مفعول به ويوم مضاف إليه ومحيط صفة. (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ)
стр. 2089
أوفوا فعل أمر والواو فاعل والمكيال مفعول به والميزان عطف عليه وبالقسط حال أي عادلين. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتبخسوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والناس مفعول به وأشياءهم مفعول به ثان أي لا تنقصوهم أموالهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين عطف أيضا ومفسدين حال. (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) بقية الله مبتدأ أي رزقه الباقي بعد إيفاء الكيل والوزن، وخير خبر ولكم متعلقان بخير وان شرطية وكنتم فعل الشرط ومؤمنين خبر كنتم والجواب محذوف أي فبقية الله خير، وما الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنا اسمها وعليكم متعلقان بحفيظ والباء حرف جر زائد وحفيظ مجرور لفظا منصوب محلا. (قالُوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام ومعناه الهزء والسخرية وصلاتك مبتدأ وجملة تأمرك خبر وأن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض ومتعلقان بتأمرك أي تأمرك بترك، وما موصولية أو مصدرية وعلى كل حال هي مفعول الترك وجملة يعبد لا محل لها على الحالين وآباؤنا فاعل. (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) أو حرف عطف وأن نفعل مصدر مؤول معطوف على ما في حالتيها فالترك مسلط عليه أي هل تأمرك بتكليف لنا ترك ما يعبد آباؤنا وترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
هذا وقد أورد ابن هشام في مغني اللبيب هذه الآية في الباب الخامس من الكتاب في الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها قال «وبعض هذه الأمثلة وقع للمعربين فيه وهم بهذا السبب وسترى ذلك معينا فأحدها قوله تعالى: «أصلاتك تأمرك أن نترك
стр. 2090
ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، فإنه يتبادر الى الذهن عطف أن نفعل على أن نترك وذلك باطل لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون وانما هو معطوف على «ما» فهو معمول للترك، والمعنى أن نترك ان نفعل» الى أن يقول:
«وموجب هذا الوهم المذكور أن المعرب يرى أن والفعل مرتبين وبينهما حرف العطف» واختلف في «أو» فقيل هي بمعنى الواو وقيل هي على بابها للتخيير بمنزلتها في قولك جالس الحسن أو ابن سيرين.
وما اسم موصول نفعل وجملة نشاء صلة.
(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) إما أن يكونوا قد أرادوا الهزء به الى أقصى درجة فعكسوا ليتهكموا وإما أن يكون على حقيقته وان ما يأمرهم به لا يتفق مع ما يتسم به وإن واسمها واللام المزحلقة وأنت مبتدأ والحليم الرشيد خبراه والجملة خبر إنك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أرأيتم تقدم انها بمعنى أخبروني فينصب مفعولين وقد حذفا معا وتقدير الأول أخبروني فياء المتكلم هي المفعول الأول والثاني يقدر غالبا بجملة استفهامية أي أفأشوب رزقي بالحرام من البخس والتطفيف، وإن شرطية وكنت كان واسمها وهي فعل الشرط وعلى بينة خبر كنت ومن ربي صفة لبينة وجواب الشرط محذوف يدل عليه المفعول الثاني المحذوف ورزقني فعل وفاعل مستتر ومفعول به ورزقا مفعول به أو مفعول مطلق وحسنا صفة. (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) ما نافية وأريد فعل مضارع وفاعله أنا وأن وما في حيزها مفعول أريد وإلى ما متعلقان بأخالفكم وجملة أنهاكم عنه صلة والمعنى ما أريد أن أسبقكم الى أهوائكم التي نهيتكم عنها، يقال خالفه الى كذا إذا قصده وهو مول عنه. (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ان نافية وأريد فعل
стр. 2091
مضارع فاعله مستتر تقديره أنا وإلا أداة حصر والإصلاح مفعول به وما ظرفية زمانية متعلقة بأريد. (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ما نافية وتوفيقي مبتدأ وإلا أداة حصر وبالله خبر وعليه متعلقان بتوكلت وإليه متعلقان بأنيب والجملتان حاليتان. (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ) لا يجرمنكم لا ناهية ويجرمنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في موضع جزم بلا والكاف مفعوله الأول وشقاقي فاعل وأن وما في حيزها مفعول يجرمنكم الثاني والكاف مفعول يصيبكم ومثل فاعل يصيبكم وهو في الأصل صفة لفاعل محذوف أي عذاب مثل، وما مضاف إليه أي مثل الذي وجملة أصاب صلة وقوم نوح مفعول به. (أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) أو قوم هود عطف على قوم نوح وكذلك قوم صالح وما نافية حجازية وقوم اسمها ولوط مضاف إليه ومنكم جار ومجرور متعلقان ببعيد والباء حرف جر زائد وبعيد مجرور بالباء لفظا خبر ما محلا وأتى ببعيد مفردا وإن كان خبرا عن جمع لأحد أمور منها حذف مضاف تقديره وما إهلاك قوم لوط واما باعتبار زمان أي بزمان بعيد أو مكان أي بمكان بعيد أو لأن صيغة فعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث مما سيرد معنا في تضاعيف هذا الكتاب الجامع. (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) واستغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم توبوا إليه عطف على استغفروا وان واسمها وخبراها.
(قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) ما نافية ونفقه فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وكثيرا مفعول به ومما صفة لكثيرا وجملة تقول صلة. (وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ
стр. 2092
عَلَيْنا بِعَزِيزٍ)
وانا ان واسمها واللام المزحلقة وجملة نراك خبر ان والكاف مفعول به وفينا حال وضعيفا مفعول به ثان لأن الرؤية علمية وان روي انه كان أعمى وألثغ لأنه لو قيل انا لنراك فينا أعمى لم يكن كلاما لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولولا حرف امتناع لوجود ورهطك مبتدأ محذوف الخبر واللام رابطة لجواب لولا وجملة رجمناك لا محل لها وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء زائدة وعزيز خبرها وقد تقدمت نظائره كثيرا. (قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي ورهطي مبتدأ وأعز خبر وعليكم ومن الله متعلقان بأعز. (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) الواو حاليا بتقدير قد أي والحال انكم اتخذتموه وراءكم واتخذ يجوز أن يتعدى لاثنين أولهما الهاء والثاني ظهريا، ووراءكم متعلقان باتخذتموه أو حال من ظهريا ويجوز أن يتعدى لواحد فيكون الهاء مفعوله وظهريا حال والواو في اتخذتموه لاشباع ضمة الميم. (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ان واسمها وبما متعلقان بمحيط وجملة تعملون صلة ومحيط خبر إن (وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) اعملوا فعل أمر وفاعل وعلى مكانتكم حال أي حال كونكم موصوفين بالمكانة العالية والقدرة البعيدة وان واسمها وخبرها. (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) سوف حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة استئناف بياني وسيأتي المزيد منه في باب البلاغة ومن اسم موصول مفعول به لتعلمون وهذا أرجح من جعلها استفهامية كما أعرابها بعضهم لتتساوق مع من الثانية وهي موصولة باتفاق وجملة يأتيه صلة والهاء مفعول يأتي وعذاب فاعل يأتي وجملة يخزيه صفة لعذاب.
(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ومن اسم موصول عطف
стр. 2093
على من الأولى وهو مبتدأ وكاذب خبر والجملة صلة وارتقبوا عطف على المعنى وارتقبوا فعل أمر وفاعل وإن واسمها ومعكم ظرف متعلق برقيب ورقيب خبر ان. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تقدم إعراب نظيرها تماما. (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) الذين مفعول مقدم لأخذت وجملة ظلموا صلة الموصول والصيحة فاعل أخذت. (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أصبح واسمها وجاثمين خبرها وفي ديارهم متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) كأن مخففة واسمها محذوف وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا وألا أداة تنبيه وبعدا مفعول مطلق لفعل محذوف ولمدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف وقد تقدم وكما نعت لبعد وما مصدرية أي كبعد ثمود.
البلاغة:
١- التكرار:
فقد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا تنقصوا المكيال والميزان وهذا عين الاول وليس فيه إلا التعبير تبخسوا الناس أشياءهم والفائدة فيه أن القول لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح احتيج في المنع منه الى المبالغة في التأكيد، والتكرير يفيد شدة الاهتمام بالشيء وقد نهوا أولا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ثم ورد الأمر بالإيفاء مصرحا بلفظه ليكون أهيج عليه وأدعى الى الترغيب فيه.
стр. 2094
٢- الاستئناف البياني:
إذا كان الكلام المسوق أولى مما سبقه بالانتباه وأجدر بلفت الأسماع اليه قطع عما قبله بما يلفت النظر اليه وذلك في قوله تعالى:
«ويا قوم اعلموا على مكانتكم اني عامل سوف تعلمون» فقد حذفت الفاء التي يتطلبها السياق لتلفت نظر السامع وانتباهه الى أن ثمة سؤالا وهو فماذا يكون بعد ذلك وهو أبلغ في التهويل لأن قوله سوف تعلمون ينطوي على ما لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره من أعمال الانتقام والتهديد.
قال الزمخشري في صدد هذا الحذف: «أي فرق بين إدخال الفاء وتركها في سوف؟» وأجاب بقوله: «إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وتركها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت على مكانتك فقيل سوف تعلمون وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف لأنه أكمل في باب الفصاحة والتهويل.
٣- التعريض:
وفي قوله إني عامل تعريض وقد تقدمت الاشارة الى هذا الفن فقد ذكر لهم احدى العاقبتين دون ذكر الثانية تعريض أبلغ من التصريح وقد تقدم نظير هذا في سورة الانعام إذ قال «قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار» فذكر هناك إحدى العاقبتين لأن المراد بهذه العاقبة عاقبة الخير واستغنى عن
стр. 2095
ذكر مقابلتها، أما في آية هود فقد ذكر عاقبتهم وهي «سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» واستغنى بها عن عاقبته وقد لا يذكر عاقبته فتنصرف الى المخاطب كقولك لمن تهدده: ستعلم من يهان ومن يعاقب وانما تعني المخاطب في الكلامين.
الفوائد:
النسبة المعدولة عن القياس:
نسبت العرب إلى أشياء كثيرة فغيروا لفظ المنسوب اليه فاستعمل ذلك كما استعملته العرب ولا يقاس عليه غيره، وقواعد النسبة معروفة في كتب النحو، وإنما أتت هذه النسبة معدولة عن القياس فمن ذلك قولهم بدوي نسبة الى البادية والقياس بادي أو بادوي وقالوا بصري بكسر الباء نسبة الى البصرة والقياس فتحها وقالوا طائي والقياس طيئي وقالوا سهلي ودهري بضم السين والدال والقياس سهلي ودهري وقالوا بحراني في النسب الى البحرين وصنعاني في النسب الى صنعاء وقد قسموا ذلك الى تسعة أقسام نوردها باختصار:
١- بالتحريف فقط كقولهم أموي بالفتح في الهمزة نسبة الى أمية بضمها ودهري للشيخ الكبير.
٢- بالزيادة كقولهم مروزي نسبة الى مرو وفوقاني وتحتاني ورباني نسبة الى فوق وتحت ورب.
٣- بالنقص كقولهم بدوي بحذف الألف وجلولي نسبة الى البادية وجلولاء.
стр. 2096
٤- بالحذف والتحريف كشتوي في شتاء.
٥- بالزيادة والتحريف كأنافي في أنف.
٦- بالزيادة والحذف نحو رازي نسبة الى الري.
٧- بالقلب نحو طائي وصنعاني وروحاني نسبة الى طي وصنعاء وروحاء.
٨- بالقلب والتحريف نحو ثوب حاري نسبة الى الحيرة.
٩- بتوقير ما يستحق التغيير نحو أميتي نسبة الى أمية.
[سورة هود (١١) : الآيات ٩٦ الى ١٠٨]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)
стр. 2097
اللغة:
(يَقْدُمُ) : يقال قدمت القوم أقدمهم قدما إذا مشيت أمامهم واتبعوك قال الأزهري قدم يقدم وتقدم وقدم واقدم واستقدم بمعنى.
(الْوِرْدُ) ورود الماء الذي يورد والإبل الواردة والجمع أوراد، والإيراد إيجاب الورود في الماء أو ما يقوم مقامه، قال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إن من وردي تغليس النهل
стр. 2098
وأصل الورود الاشراف على الدخول وليس بالدخول قال زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتوسم
(الرِّفْدُ) : العون على الأمر يقال: رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها، قال الزجاج كل شيء جعلته عونا لشيء وأسندت به شيئا فقد رفدته به، يقال عمدت الى الحائط وأسندته وأرفدته ورفدته بمعنى واحد يقال رفده وأرفده إذا أعطاه والاسم الرفد لأن العطاء عون المعطي.
(الحصيد) : بمعنى المحصود والحصد قطع الزرع من الأصل وهذا زمن الحصاد بفتح الحاء وكسرها يقال حصدهم بالسيف إذا قتلهم.
(تَتْبِيبٍ) : من تبت يده أي خسرت وهلكت قال جرير:
عرابة من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما فعلوه تبا
(الزفير والشهيق) : الزفير ترديد النفس حتى تتفتح منه الأضلاع والشهيق رد النفس الى الصدر وقال ابن فارس: الزفير ضد الشهيق لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته وقيل الشهيق النفس الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي عال وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس، والشهيق أن يخرج ذلك النفس. وهو قريب من قولهم: تنفس الصعداء، وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر
стр. 2099
وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقال الثعالبي في ترتيب الأصوات:
إذا أخرج المكروب أو المريض صوتا رقيقا فهو الرنين فإذا أخفاه فهو الهنين فإذا أظهره فخرج خافيا فهو الخنين فإذا زفر به وقبح الأنين فهو الزفير فإذا مد النفس ثم رمى به فهو الشهيق فإذا تردد نفسه في الصدر عند خروجه فهو الحشرجة.
(مَجْذُوذٍ) مقطوع والجذّ القطع يقال جذه يجذه وبابه رد كما في المختار وجذ الله دابرهم قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) وهذه هي القصة السابعة والأخيرة في هذه السورة وقد تقدمها قصة نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وشعيب على هذا الترتيب وهذه قصة موسى. وبآياتنا حال أي حال كونه ملتبسا بآياتنا التسع وقد تقدمت الاشارة إليها وسلطان عطف على آياتنا ومبين صفة. (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) الى فرعون جار ومجرور متعلقان بأرسلنا وملئه عطف على فرعون فاتبعوا عطف على أرسلنا والواو فاعل وأمر فرعون مفعول به والواو حالية وما نافية حجازية وأمر اسمها وبرشيد خبرها على زيادة الباء وقد تقدم نظيره. (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) جملة يقدم قومه مستأنفة والفاء عاطفة وأوردهم النار فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول والنار مفعول به ثان وجاء بلفظ الماضي وسياق الكلام يقتضي أن
стр. 2100
يكون مضارعا لإراءة الصورة كأنها أمر بت فيه وفرغ منه، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والورد فاعل والمورود نعت والمخصوص بالذم محذوف أي وردهم. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) اتبعوا فعل ماض بالبناء للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه متعلقان باتبعوا والاشارة للحياة الدنيا ويوم القيامة عطف على موضع في هذه والمعنى انهم الحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة، وبئس الرفد المرفود تقدم إعرابها. (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) ذلك مبتدأ ومن أنباء القرى خبره الاول وجملة نقصه خبره الثاني وعليك متعلقان بنقصه ومنها خبر مقدم وقائم مبتدأ وحصيد عطف على قائم والجملة مستأنفة أي بعضها عفا أثره وامحى رسمه وبعضها باق ماثل للعيان والاستئناف بياني كأنه جواب لسؤال سائل عنها. وقال أبو البقاء: منها قائم ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي ومنها حصيد ورجح أبو حيان أن تكون الجملة حالية قال «والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين» . (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به ولكن مهملة للاستدراك وظلموا أنفسهم فعل وفاعل ومفعول به (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء عاطفة وما نافية وأغنت فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنت وآلهتهم فاعل والتي صفة وجملة يدعون صلة ومن دون الله حال ومن زائدة وشيء مجرور لفظا منصوب محلا مفعول به. (لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) لما ظرفية حينية متعلقة بأغنت أو رابطة وجاء أمر ربك فعل وفاعل وما زادوهم عطف على ما أغنت وعبر بواو العقلاء عن الآلهة لأنهم نزلوها منزلتهم وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به وغير تتبيت مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ
стр. 2101
أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ)
محل الكاف الرفع على الابتداء وأخذ ربك خبر وإذا أخذ القرى إذا ظرف مستقبل وجملة أخذ القرى في محل جر باضافة الظرف إليها. والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال وتجدر الاشارة الى أن المسألة هنا من باب التنازع فقد تنازع المصدر وأخذ في القرى فأعمل الفعل وحذف الضمير من المصدر وجواب إذا الذي هو ناصبه محذوف والتقدير فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) إن واسمها وخبراها.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولمن صفة لآية وجملة خاف عذاب الآخرة صلة (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ذلك مبتدأ ويوم خبر ومجموع صفة وله متعلقان بمجموع والناس نائب فاعل وذلك يوم مشهود عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير جار ومجرور أي مشهود فيه وسيأتي في باب البلاغة السر في ذلك. (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الواو استئنافية وما نافية ونؤخره فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر ولأجل متعلقان بنؤخره ومعدود صفة. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وخبطوا في متاهات يضل معها رائد الحقيقة والسهولة غير المتكلفة وسنختار الأجوبة التي لا معدى عن إيرادها ضاربين صفحا عن التطويل فنقول الظرف متعلق بقوله لا تكلم أي لا تتكلم في نفس ذلك اليوم وجملة يأتي مضافة الى الظرف وفاعل يأتي ضمير يعود على ذلك اليوم المتقدم ذكره لا ضمير اليوم المضاف الى يأتي واختار الزمخشري أن يكون فاعل يأتي هو الله لأن ضمير بإذنه يعود عليه وهو قول وجيه ولكن الأول أقرب الى سياق الكلام، ولا نافية وتكلم مضارع أصله تتكلم فحذفت إحدى
стр. 2102
تاءيه ونفس فاعل تكلم وإلا أداة حصر وباذنه حال. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) الفاء للتفريع ومنهم خبر مقدم وشقي مبتدأ مؤخر وسعيد مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومنهم سعيد. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الفاء للتفريع أيضا وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة شقوا صلة والفاء رابطة وفي النار خبر الذين (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال لأنه كان صفة لزفير وزفير مبتدأ مؤخر وشهيق مبتدأ حذف خبره أيضا. (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) خالدين حال من الذين شقوا وفيها متعلقان بخالدين وما دامت السموات ما مصدرية زمنية ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت والسموات فاعل دامت والأرض عطف. (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) إلا أداة استثناء وما مستثناة وسيأتي القول في هذا الاستثناء المشكل في باب الفوائد وجملة شاء ربك صلة. (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ان واسمها وخبرها ولما متعلقان بفعال وجملة يريد صلة (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) تقدم اعرابها آنفا.
قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص سعدوا بضم السين وباقي السبعة والجمهور بفتحها وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه وقد احتج الكسائي بقولهم مسعود قيل ولا حجة فيه لأنه يقال مكان مسعود فيه ثم حذف فيه وسمي به وقال الثعلبي: «سعد وأسعد بمعنى واحد» وفي الأساس: «وسعدت به وسعدت وهو سعيد ومسعود» وفي القاموس «وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود ولا يقال مسعد» وقال أبو عمرو بن العلاء: «يقال
стр. 2103
سعد الرجل كما يقال حسن وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين» وهي قراءة حفص وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال: سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود وقرىء في السبعة بهذه اللغة في قوله: وأما الذين سعدوا بالبناء للمجهول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.
(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) عطاء نصب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما، وغير مجذوذ صفة لعطاء.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على أفانين من البلاغة، ومجموعة من الفوائد:
١- فأولها استعمال اسم المفعول مكان فعله في قوله تعالى:
«ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود» والسر في إيثار المفعول هو وصف اليوم بمعنى الجمع والثبات المستقر والديمومة لذلك الثبات فيه وانه يوم أعد ليكون ميعادا مضروبا لا محيد عنه ولا مساغ لتبديله لجميع الناس على السواء ولو انه عبر بالفعل لم يقع ذلك الموقع ولأشعر بالتجدد والتبدل ونظيره قول المتهدّد: انك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من ثبات الوصف وديمومته ما ليس في الفعل والاتساع في الظرف.
٢- ٣ وثانيها وثالثها الجمع مع التفريق فالجمع في قوله «لا تكلم نفس إلا بإذنه» والتفريق في قوله «فمنهم شقي وسعيد» .
стр. 2104
٤- التقسيم في قوله «فأما الذين شقوا» الى آخر الآية. ومن أمثله الجمع مع التفريق في الشعر قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدّر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أما التقسيم فقد طفح به الشعر العربي فقال أبو نواس مقسما الزمن الى يوم وأمس وغد:
أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
وانما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس
وافتنوا فيه كثيرا فأطلقه أبو الطيب على أحوال الشيء المراد تقسيمه مضافا الى كل من تلك الأحوال ما يليق به فقال:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدوا
وله أيضا:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وله في الغزل:
стр. 2105
وأغيد يهوى نفسه كلّ عاقل ... ظريف ويهوى جسمه كل فاسق
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
وما أحلى قول عمر بن الفارض:
يقولون لي: صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
الفوائد:
الاستثناء الموجود في قوله تعالى «إلا ما شاء ربك» تقدم بحثه في سورة الانعام فجدد به عهدا وقد رجحنا هناك ما ذهب اليه الزجاج ونضيف اليه هنا أن الفراء ذهب الى ما ذهب اليه الزجاج وقال كلاما لطيفا في صدده ننقله ليضاف الى ما تقدم قال: «انه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما في وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل ورأيت لعلي بن عيسى المعروف بالرماني كلاما بهذا المعنى وحاصل ما تقدم أن الا في
следующие страницы →