Полный текст (5 784 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
مستتر تقديره هو أي إبليس ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر يكون والساجدين مضاف اليه. (قالَ: يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) يا حرف نداء وإبليس منادى مفرد علم وما اسم استفهام للتوبيخ مبتدأ ولك خبر وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور في محل نصب على الحال أي مالك غير كائن مع الساجدين، وأن لا تكون مع الساجدين تقدم اعرابها. (قالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) لم حرف نفي وقلب وجزم وأكن مضارع مجزوم بلم واسمها مستتر تقديره أنا واللام لام الجحود وهي لتأكيد النفي وأسجد فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعدها والجار والمجرور خبر أكن ولبشر متعلقان بأسجد وجملة خلقته صفة لبشر ومن صلصال من حمأ مسنون تقدم إعرابها. (قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) الفاء الفصيحة لأنها جواب شرط مقدر أي إن تماديت وعصيت فاخرج ومنها متعلقان باخرج والفاء تعليلية وان واسمها وخبرها والجملة لا محل لها. (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ) الواو عاطفة وان حرف مشبه بالفعل للتوكيد وعليك خبر ان المقدم واللعنة اسمها المؤخر والى يوم الدين حال أي مستقرة الى تلك الغاية. (قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) رب منادى محذوف منه حرف النداء وهو مضاف الى ياء المتكلم والفاء الفصيحة لأنها وقعت في جواب شرط مقدر أي إن قضيت علي بهذا الجزاء فأنظرني أي أمهلني، والى يوم متعلقان بأنظرني ويبعثون مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة يبعثون مضاف إليها وانما طلب الانظار الى اليوم الذي فيه يبعثون ليجد مندوحة وفسحة في الإغواء ونجاة عند الموت إذ لا موت بعد وقت البعث فأجابه الى الاول دون الثاني أي انظر الى آخر أيام التكليف كما
стр. 2417
سيأتي. (قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) الفاء عاطفة وإن واسمها ومن المنظرين خبرها. (إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) الى يوم جار ومجرور متعلقان بالمنظرين والوقت مضاف اليه والمعلوم صفة. (قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) رب منادى كما تقدم وبما الباء للقسم وما مصدرية أي أقسم باغوائك إياي وجملة لأزينن جواب القسم وقد تقدم نظيره في الأعراف وقيل الباء للسببية وكلاهما جائز، لأزينن اللام جواب القسم أو هي موطئة للقسم إن كانت الباء سببية وأزينن فعل مضارع مبني على الفتح ولهم متعلقان
بأزينن وفي الأرض حال ولأغوينهم عطف على لأزينن وأجمعين تأكيد للضمير. (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء وعبادك مستثنى والمخلصين صفة ومنهم حال. (قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) هذا مبتدأ وصراط خبر وعلي متعلقان بمحذوف صفة أي حق ومستقيم صفة ثانية أي هذا طريق حق علي أن أراعيه ولا أتجاوزه وهو: (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) فالجملة تفسيرية للصراط المستقيم الذي أوجبت على نفسي التزامه وان واسمها وجملة ليس خبر ولك خبر ليس المقدم وعليهم حال لأنه كان صفة لسلطان وسلطان اسم ليس المؤخر.
قال ابن هشام: «قول كثير من النحويين في قوله تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك» إنه دليل على جواز استثناء الأكثر من الأقل والصواب ان المراد بالعباد المخلصون لا عموم المملوكين وان الاستثناء منقطع بدليل سقوطه في الآية ٦٥ سورة الاسراء «ان عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا» وتعقبه الدماميني بقوله: «اختياره لكون الاستثناء منقطعا مقدوح
стр. 2418
فيه بأنه ارتكاب لخلاف الأصل من غير ضرورة لإمكان حمل الاستثناء على الاتصال وهو الأصل ويكون المراد بالعباد عموم المملوكين ولا يضر في ذلك أن آية الاسراء بدون استثناء لأنه أريد بالعباد فيها المخلصون فترك الاستثناء وقد يجاب بأنه القرآن يفسر بعضه بعضا فإذا تكرر لفظ فيه وكان له موضع محمل واحد وفي آخر ذلك المحمل وغيره حمل في الآخر على ذلك المحمل دون غيره والاستثناء المنقطع وإن كان خلاف الأصل إلا أنه فصيح شائع.
(إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) قيل هو استثناء من غير الجنس لأن المراد بعبادي الموحدون ومتبع الشيطان غير موحد وقيل هو من الجنس لأن عبادي جميع المكلفين ومن الغاوين حال. (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وموعدهم خبر إن وأجمعين تأكيد للضمير. (لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) لها خبر مقدم وسبعة أبواب مبتدأ مؤخر ولكل باب خبر مقدم ومنهم حال لأنه كان صفة لجزء وجزء مبتدأ مؤخر ومقسوم نعت لجزء أيضا والمراد بالجزء الطائفة.
البلاغة:
١- الإيجاز في قوله «قال هذا صراط علي مستقيم» ولعله من أبلغ الايجازات لأنه قسيم الإيجاز بالحذف فهو إيجاز بالتقدير وهو قسمان: أحدهما ما ساوى لفظه معناه، وثانيهما ما زاد معناه على لفظه ويسمى بالقصر إذ يدل لفظه على محتملات عديدة ومشتملات كثيرة ولا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها لا بل يستحيل ذلك
стр. 2419
فقوله «هذا» اشارة تدل على القرب فكأنه يشير إلى ما هو على مرأى من عيونهم، ومسمع من آذانهم، وبين متناول أيديهم، وصراط تدل على الطريق المسلوكة التي تفضي بسالكها إلى حيث يختار لنفسه من مذاهب ولكن الطريق قد تكون معوجة ملتوية كثيرة المنعطفات فيتيه السالك في متاهاتها وتلتبس عليه أوجه الاستهداء في سلوكها فجاء بكلمة «مستقيم» والمستقيم هو أقصر بعد بين نقطتين وأقل انحراف يخرجه عن سنن الاستقامة وحدودها وكلمة «علي» تعني الإلزام والإيجاب تقول علي عهد الله لأفعلن كذلك فتشعر أنك قد ألزمت نفسك بما هو حق مفروض الأداء ثم ان الاشارة تضمنت كل ما يحتويه الاستثناء فيما بعد وهو قوله «الا عبادك منهم المخلصين» فكأنه أخذ على نفسه وأوجب على ذاته حقا لا انفكاك له عنه وهو تخليص المخلصين من إغوائه، وقد تضمن تعريف المخلصين أيضا ما يؤكد هذا المعنى ويجعله مستقرا في الذهن لأن التعريف فيه مع تحقيق الصفة للموصوف وهي الإخلاص تفخيم لشأنهم وبيان لمنزلتهم ولانقطاع مخالب الإغواء عنهم، وفل معاول النقد ان تتوجه إليهم، فهذه الآية كلمات قليلة وقد احتوت على هذه الأغراض ولا بد لنا من أن نعرض نماذج من غير القرآن لا لأنها ترقى الى مستواه ولكن لأنها تدور في فلكه وتحوم حوله وتستقي من مناهله استمع الى هذه القصة العجيبة:
لما أرسل المهلب بن أبي صفرة أبا الحسن المدائني الى الحجاج ابن يوسف يخبره أخبار الأزارقة كلمه كلاما موجزا كالذي نحن بصدده هنا وذلك ان الحجاج سأله فقال كيف تركت المهلب؟ فقال أدرك ما أمّل وأمن مما خاف فقال: كيف هو لجنده؟ قال: والد رءوف، قال: كيف جنده له؟ قال: أولاد بررة، قال: كيف رضاهم عنه؟
стр. 2420
قال: وسعهم بفضله، وأغناهم بعدله، قال: كيف تصنعون إذا لقيتم العدو؟ قال: نلقاهم بجدنا ويلقوننا بجدهم، قال: كذلك الجد إذا لقي الجد، قال فأخبرني عن بني المهلب قال: هم أحلاس القتال بالليل، حماة السرج بالنهار قال: أيهم أفضل؟ قال: هم كحلقة مضروبة لا أيعرف طرفاها فقال الحجاج لجلسائه: هذا هو والله الكلام الفضل الذي ليس بمصنوع. وتأمل وصف الحجاج للكلام فقد وصف الكلام الموجز البليغ بما يدانيه في الإيجاز والبلاغة ولا غرو فالحجاج كان آية في إتقان اللغة ومعرفة خصائصها، روى الزجاج في أماليه قال: «أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم السجستاني عن الأصمعي قال: أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل:
الشعبي وعبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف وابن القريّة، والحجاج أفصحهم، قال يوما لطباخه: اطبخ لنا مخلّلة وأكثر عليها الفيجن (أي السذاب وهو نبات ورقه كالصعتر) واعمل لنا مزعزعا فلم يفهم عنه الطباخ فسأل بعض ندمائه فقال له: اطبخ له سكباجا وأكثر عليها من السذاب واعمل له فالوذا سلسا. وسترى نماذج من الإيجاز في أماكن كثيرة يتم بها شرط الكتاب.
٢- الاستثناء في قوله تعالى: «فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس» فإن هذا الاستثناء لو لم يتقدم لفظه هذا الاحتراس من قوله كلهم أجمعون لا حتمل- كما أشرنا في الاعراب- أن يكون في الملائكة من لم يسجد فيتأسى به إبليس ولا يكون منفردا بهذه الكبيرة لاحتمال أن تكون آلة التعريف للعهد لا للجنس فلما كان هذا الاشكال يتوجه على الكلام إذا اقتصر فيه على ما دون التوكيد وجب الإتيان بالتوكيد ليعلم أن آلة التعريف للجنس فيرتفع هذا الإشكال بهذا
стр. 2421
الاحتراس فحينئذ تعظم كبيرة إبليس لكونه فارق جميع الملأ الأعلى، وخرق إجماع الملائكة فيستحق أن يفرد بهذا اللعن إلى آخر الأبد، هذا والاستثناء الذي يطلقه البلاغيون هو غير الاستثناء المعروف عند النحاة فهو قسمان إذن لغوي وصناعي أما اللغوي فقد فرغ النحاة من تقريره وأما الصناعي فهو الذي نحن بصدده وهو المتعلق بعلم البيان وسترد له نماذج رائعة في هذا الكتاب العجيب.
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤٥ الى ٥٠]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)
وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)
اللغة:
(غِلٍّ) : الغل بكسر الغين الحقد الكامن في القلب من انغل في جوفه وتغلغل ويطلق على الشحناء والعداوة والبغضاء والحقد والحسد وتقول: جعل الله في كبده غلة وفي صدره غلّا وفي ماله غلو لا وفي رقبته غلا فالغل بالضم القيد وهي مادة تدل على التغلغل مطابقة للفظها يقال وبي وجد تغلغل في الحشا وأبلغ فلانا مغلغلة وهي الرسالة الواردة من بلد بعيد وغلغلت اليه رسالة قال الأخطل:
لأغلغلن إلى كريم مدحة ... ولأثنينّ بنائل وفعال
стр. 2422
الإعراب:
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) إن واسمها وفي جنات خبرها وعيون عطف على جنات. (ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ) الجملة مقول قول محذوف أي يقال لهم وادخلوها فعل أمر وفاعل ومفعول به وبسلام في محل نصب على الحال من الواو في ادخلوها أي سالمين من كل أذى أو مسلّما عليكم وآمنين حال ثانية من الواو في ادخلوها. (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) ونزعنا فعل وفاعل وما مفعول به وفي صدورهم صلة ومن غل حال بيان للذي استقر في صدورهم وإخوانا حال ثانية من هم وعلى سرر جار ومجرور متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال ثالثة من ضمير صدورهم وجاز ذلك لأن المضاف جزء من المضاف اليه والعامل فيها معنى الإلصاق وقيل متقابلين صفة لإخوانا وليس ببعيد والأول أولى أي لا ينظر بعضهم قفا بعض لدوران الأسرة بهم وهي صفة الجالسين على موائد الشراب والولائم لأن ذلك أبلغ في المؤانسة والإكرام. (لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة أو حالا من الضمير في متقابلين ولا نافية ويمسهم فعل مضارع ومفعول به مقدم ونصب فاعل مؤخر وما هم الواو عاطفة وما نافية حجازية وهم اسمها ومنها متعلقان بمخرجين والباء حرف جر زائد ومخرجين مجرور لفظا منصوب محلا لأنه خبر ما. (نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) نبىء فعل أمر والفاعل مستتر وعبادي مفعول به وأن وما في حيزها سدت مسد مفاعيل نبىء وأن واسمها وأنا ضمير فصل أو مبتدأ والغفور خبر أن أو خبر أنا والجملة خبر أن والرحيم خبر ثان. (وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ) عطف على سابقتها والاعراب واحد ولكن الأليم صفة للعذاب.
стр. 2423
الفوائد:
قوله «نبىء عبادي اني أنا الغفور الرحيم» هذا مما ورد منظوما في القرآن ولكنه ليس شعرا لأنه ليس مقصودا وقد تقدم القول في بعض الآيات التي وردت موزونة وهذه الآية تؤلف بيتا كاملا من البحر المجتث ولكننا لم نذكر هناك معاني أسماء الأبحر وفيما يلي بيان بالأسماء ومعانيها:
ذكر الزجاج أن ابن دريد أخبره عن أبي حاتم عن الأخفش قال:
سألت الخليل: لم سميت الطويل طويلا؟ قال لأنه طال بتمام أجزائه قلت: فالبسيط؟ قال: لأنه انبسط عن مدى الطويل وجاء وسطه فعلن وآخره فعلن، قلت: فالمديد؟ قال: لتمدد سباعيه حول حماسيه قلت: فالوافر؟ قال: لوفور أجزائه وتدا بوتد قلت: فالكامل؟
قال: لأن فيه ثلاثين حركة لم تجتمع في غيره من الشعر قلت: فالهزج؟
قال: لأنه يضطرب شبه بهزج الصوت قلت: فالرجز؟ قال: لاضطرابه كاضطراب قوائم الناقة عند القيام قلت: فالرمل؟ قال: لأنه برمل الحصير لضم بعضه الى بعض قلت: فالسريع؟ قال: لأنه يسرع على اللسان، قلت: فالمنسرح؟ قال: لانسراحه وسهولته، قلت: فالخفيف؟
قال: لأنه أخف السباعيات قلت: فالمقتضب؟ قال: لأنه اقتضب من السريع، قلت: فالمضارع؟ قال: لأنه ضارع المقتضب، قلت:
فالمجتثّ؟ قال: لأنه اجتث أي قطع من طويل دائرته، قلت:
فالمتقارب؟ قال: لتقارب أجزائه لأنها خماسية كلها يشبه بعضها بعضا.
стр. 2424
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٥١ الى ٦٤]
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥)
قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠)
فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤)
الإعراب:
(وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ) عطف على نبىء عبادي ليعتبروا بما حل بقوم لوط من عذاب ونبئهم فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وعن ضيف ابراهيم متعلقان بنبئهم وأصل الضيف مصدر ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع على أنه قد يجمع فيقال أضياف وضيوف وضيفان.
(إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ) الظرف متعلق
стр. 2425
بمحذوف تقديره اذكر وجملة دخلوا مضاف إليها وعليه متعلقان بدخلوا فقالوا عطف على دخلوا وسلاما مفعول مطلق لفعل محذوف أي نسلم سلاما أو مفعول به على المعنى أي اذكروا سلاما وقال فعل ماض وجملة إنا إلخ مقول القول وإن واسمها ومنكم متعلقان بوجلون ووجلون خبر إنا أي خائفون إما لامتناعهم من الأكل واما لأنهم دخلوا بغير إذن.
(قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) لا ناهية وتوجل مضارع مجزوم بلا الناهية وان واسمها وجملة نبشرك خبرها وبغلام متعلقان بنبشرك وعليم صفة والجملة تعليلية لعدم الوجل. (قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) الهمزة للاستفهام التعجبي وبشرتموني فعل وفاعل ومفعول به وعلى حرف جر وان وما في حيزها في محل جر بعلى والجار والمجرور في موضع نصب على الحال أي حالة كونه قد مسني والكبر فاعل مسني، فبم الباء حرف جر وما اسم استفهام حذفت ألفها لدخول حرف الجر والجار والمجرور متعلقان بتبشرون.
(قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ) جملة بشرناك مقول القول وهو فعل ماض وفاعل ومفعول به وبالحق متعلقان ببشرناك والفاء حرف عطف ولا ناهية وتكن مضارع مجزوم بلا الناهية واسم تكن مستتر تقديره أنت ومن القانطين خبرها. (قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) الواو عاطفة ومن اسم استفهام معناه النفي في محل رفع مبتدأ وجملة يقنط خبره ومن رحمة ربه متعلقان بيقنط وإلا أداة حصر والضالون بدل من الضمير المستتر في يقنط بدل بعض من كل ولم يؤت معه بضمير لقوة تعلق المستثنى بالمستثنى منه. (قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) الفاء عاطفة لتتساوق المحاورة وما اسم استفهام مبتدأ وخطبكم خبر أي ما شأنكم وأيها منادى نكرة مقصودة وحرف النداء محذوف والهاء للتنبيه والمرسلون بدل أو نعت لأيها. (قالُوا
стр. 2426
إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)
إن واسمها وجملة أرسلنا خبرها ونا نائب فاعل أرسل والى قوم متعلقان بأرسلنا ومجرمين صفة. (إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ) فيه وجهان أحدهما أنه مستثنى متصل على أنه مستثنى من الضمير المستكن في مجرمين والمعنى أنهم أجرموا كلهم إلا آل لوط فانهم لم يجرموا وجملة إنا لمنجوهم على هذا استئنافية مسوقة للإخبار بنجاتهم لأنهم لم يجرموا وثانيهما انه مستثنى منقطع لأن آل لوط لم يندرجوا في المجرمين البتة وعلى كل حال محله النصب ويبدو أن جعله منقطعا أولى وأمكن وذلك ان في استثنائهم من الضمير العائد على قوم مجرمين بعدا من حيث ان موقع الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل المستثنى في حكم الأول وهذا الدخول متعذر من التنكير ولذلك قلما تجد النكرة يستثنى منها إلا في سياق نفي لأنها حينئذ أعم فيتحقق الدخول لولا الاستثناء ومن ثم لم يحسن: رأيت قوما إلا زيدا، وحسن: ما رأيت أحدا إلا زيدا. وإن واسمها واللام المزحلقة ومنجوهم خبر إنا وأجمعين تأكيد للضمير، وعلى هذا تكون جملة إنا لمنجوهم متصلة بآل لوط كأنها خبر لكن المقدرة أي لكن آل لوط منجون. (إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ) اختلف المعربون في هذا الاستثناء وسننقل ما قاله الزمخشري وأبو البقاء، قال الزمخشري:
«فإن قلت فقوله إلا امرأته ممّ استثني وهل هو استثناء من استثناء؟
قلت استثنى من الضمير المجرور في قوله لمنجوهم وليس من الاستثناء من الاستثناء في شيء لأن الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه وان يقال: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته كما اتحد الحكم في قول المطلّق أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة وفي قول المقرّ: لفلان عليّ عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهما فأما في الآية فقد
стр. 2427
اختلف الحكمان لأن إلا آل لوط متعلق بأرسلنا أو بمجرمين وإلا امرأته قد تعلق بمنجوهم فأنى يكون استثناء من استثناء؟» .
وقال أبو البقاء: قوله تعالى: إلا امرأته فيه وجهان أحدهما هو مستثنى من آل لوط والاستثناء إذا جاء بعد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافا الى المبتدأ كقولك له عندي عشرة إلا أربعة لا درهما فإن الدرهم يستثنى من الأربعة فهو مضاف الى العشرة فكأنك قلت أحد عشر إلا أربعة أو عشرة إلا ثلاثة والوجه الثاني أن يكون مستثنى من ضمير المفعول في منجوهم وسيأتي في باب الفوائد مزيد.
وقدرنا فعل وفاعل وقد ضمن معنى العلم فلذلك علق باللام فكسرت إن وإنما أسند الملائكة التقدير لأنفسهم لما لهم من المكانة والقربى من الله كما تقول خاصة الملك نحن أمرنا ونحن رسمنا وان كانوا قد أمروا به ورسموه بأمر الملك، وان واسمها واللام المزحلقة ومن الغابرين خبر ان. (فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ) الفاء عاطفة على محذوف أي فخرجوا من عنده وسافروا مع قريته الى قرية قوم لوط ولما حينية أو رابطة وجاء فعل ماض وآل لوط مفعول به مقدم والمرسلون فاعل مؤخر. (قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وان واسمها وخبرها ومنكرون صفة لقوم. (قالُوا: بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) بل حرف إضراب وعطف وجئناك فعل وفاعل ومفعول به وبما متعلقان بجئناك وجملة كانوا صلة وفيه متعلقان بيمترون وجملة يمترون خبر كانوا.
(وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ) الواو عاطفة وأتيناك فعل وفاعل ومفعول به وبالحق متعلقان بمحذوف حال أي ملتبسين أو ملتبسا أنت لا بصارك له ويجوز تعليقه بآتيناك وان واسمها واللام المزحلقة وصادقون خبر إن.
стр. 2428
الفوائد:
وقفنا على مناظرة جرت بين الكسائي وأبي يوسف بصدد قوله تعالى «إلا امرأته» وحكم «إلا» إذا تكررت فقد سأل الكسائي أبا يوسف عمن قال: له عليّ مائة درهم إلا عشرة إلا اثنين فقال:
يلزمه ثمانية وثمانون فقال الكسائي بل يلزمه اثنان وتسعون واستدل بالآية فلم يخالفه وهذا يؤيد رأي أبي البقاء ويخطىء قول الزمخشري وقال ابن هشام: ونظيره قوله تعالى «إنا أرسلنا الى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته» فالمرأة مستثناة من الأول والآل مستثنون من القوم المجرمين وهو منقطع والثاني متصل كذا ظهر لي وبعد فلا يمتنع عندي في مثل عشرة إلا أربعة الا اثنين أن يستثنى الاثنان من الأصل لأن الحمل على الأقرب أرجح لا متعين وكفى بباب التنازع شاهدا وإن كلّا من الفريقين يجيز أعمال كل من العاملين إلا ما استثني لعارض والعارض يوجد هنا أيضا نحو عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة فإن قلت: ما المانع من أن يكون في الآية الاستثناء الثاني من القوم المجرمين ويرجحه الاتصال على هذا أيضا لأنها من الآل ومن المجرمين قلت: متى قيل هذا فقد أبعد القائل وأحال أما الأول فواضح وأما الثاني فلأن معنى أرسلنا بالعذاب فلا يصح إخراجها من المعذبين فان قلت: فما المانع من أن يستثنى من هم في إنا لمنجوهم وحينئذ تكون معذبة ويكون حملا على أقرب ما ذكرت وتخرج الآية عن الاستثناء من الاستثناء قلت هو قول الزمخشري وليس عندي كغالب أقواله الاعرابية لأن «إنا لمنجوهم أجمعين» إنما ذكرت توكيدا لا تأسيسا لاستفادة معناها من الإخراج من حكم المعذبين.
стр. 2429
وبعد نقل ما تقدم عثرت على اعتراض جميل وهو أنه تقدم أن المراد بالاجرام ذلك الفعل الشنيع فكيف يقولون إن المرأة من الآل ومن المجرمين وذلك الفعل لا يتصور منها وعلى هذا يطيح الرأيان جميعا ويمكن أن يجاب بأن الدلالة على الشيء كفعله أو السكوت على الاجرام والرضا به إجرام وانما أطلنا الكلام لأن هذه الآية مما كثر فيه الكلام وقل من أصاب الغرض من الأئمة الاعلام وسئل عنها الجلال السيوطي في الفتاوى فما أتى بالمرام والله أعلم.
وقد اضطرب أبو حيان في كلامه على الرأيين والموازنة بينهما فقال:
«ولما استسلف الزمخشري أن إلا امرأته مستثنى من الضمير المجرور في لمنجوهم لم يجوز أن يكون استثناء من استثناء ومن قال انه استثناء من استثناء فيمكن تصحيح كلامه بأحد وجهين أحدهما انه لما كان الضمير في لمنجوهم عائدا على آل لوط وقد استثنى منه المرأة صار كأنّه مستثنى من آل لوط لأن المضمر هو الظاهر في المعنى والوجه الآخر أن قوله إلا آل لوط لمّا حكم عليهم بغير الحكم على قوم مجرمين اقتضى ذلك نجاتهم فجاء قوله إنا لمنجوهم أجمعين تأكيدا لمعنى الاستثناء إذ المعنى إلا آل لوط فلم يرسل إليهم بالعذاب فصار نظير قولك قام القوم إلا زيدا فانه لم يقم أو إلا زيدا لم يقم فهذه الجملة تأكيد لما تضمنه الاستثناء من الحكم على ما بعد إلا بضد الحكم السابق على المستثنى منه فإلا امرأته على هذا التقرير الذي قررناه استثناء من آل لوط لأن الاستثناء مما جيء به للتأسيس أولى مما جيء به للتأكيد» .
стр. 2430
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٦٥ الى ٧٧]
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩)
قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)
اللغة:
(فَأَسْرِ) : بقطع الهمزة من أسرى وقرىء بوصلها من سرى يقال سرى بالليل وأسرى وسريت به وأسريت به وطال بهم السّرى وطالت يكون مصدرا كالهدى وجمع سرية يقال: سرينا سرية من الليل وسرية كالغرفة والغرفة وأنشد أبو زيد:
стр. 2431
وأرفع صدر العنس وهي شملّة ... إذا ما السرى مالت بلوث العمائم
(يَعْمَهُونَ) يتحيرون وقد تقدم ذكره.
(سِجِّيلٍ) طين طبخ بالنار.
(لِلْمُتَوَسِّمِينَ) للمتفرسين والمعتبرين المتأملين والتوسم تفعل من الوسم والتوسم أصله التثبت والتفكر مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البقر أو غيره، وقال ثعلب: الواسم الناظر إليك من فرقك الى قدمك.
(القطع) تقدم تفسيره ولا يكون إلا في آخر الليل، قال:
افتحي الباب وانظري في النجوم ... كم علينا من قطع ليل بهيم
الإعراب:
(فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) الفاء الفصيحة وأسر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وبأهلك حال وبقطع متعلقان بأسر ومن الليل صفة لقطع. (وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) واتبع عطف على فأسر وأدبارهم مفعول به والواو حرف عطف ولا ناهية ويلتفت مجزوم بلا ومنكم حال لأنه كان في الأصل صفة وأحد فاعل وامضوا عطف أيضا وحيث ظرف مبهم في محل نصب مفعول لأمضوا ولإبهامه تعدى إليه الفعل من غير واسطة وجملة تؤمرون
стр. 2432
مضاف إليها الظرف. (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) وقضينا فعل وفاعل واليه جار ومجرور متعلقان بقفينا لأنها تضمنت معنى أوحينا وذلك مفعول ففينا والأمر بدل من اسم الاشارة وأن وما في حيزها مصدر مؤول بدل من ذلك الأمر أو خبر لمبتدأ محذوف وفي إبهامه وتفسيره تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه وان واسمها ومقطوع خبرها ومصبحين حال من الضمير المستقر في مقطوع وجمعه على المعنى فيكون معنى مقطوع مقطوعين. (وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ) الواو عاطفة وجاء أهل المدينة فعل وفاعل وجملة يستبشرون حال. (قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ) إن واسمها وخبرها والفاء الفصيحة ولا ناهية وتفضحوني مجزوم بلا والواو فاعل والنون نون الوقاية والياء المحذوفة لمراعاة الفواصل مفعول به. (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ) عطف على ما تقدم وقد تقدم إعراب نظيرها. (قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ) الهمزة للاستفهام والواو عاطفة على محذوف ولم حرف نفي وقلب وجزم وننهك فعل مضارع مجزوم بلم والكاف مفعول به وعن العالمين متعلقان بننهك وأصح الأقوال في نهيه عن العالمين هو نهيه عن أن يجير أحدا منهم ويمنع بينهم وبين قومه. (قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) هؤلاء بناتي مبتدأ وخبر ولا بد من تقدير محذوف أي فانكحوهن ويجوز أن يكون هؤلاء مفعولا به بفعل مقدر أي انكحوا هؤلاء وبناتي بدل وإن شرطية وكنتم كان واسمها وهي في محل جزم فعل الشرط وفاعلين خبر كنتم وجواب إن محذوف دل عليه ما قبله المحذوفة أي فانكحوهن. (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) اللام للابتداء وعمرك مبتدأ محذوف الخبر وجوبا تقديره قسمي وجملة إنهم جواب القسم لا محل لها وان واسمها واللام المزحلقة وفي سكرتهم متعلقان بيعمهون وجملة يعمهون خبر إنهم وجملة لعمرك إنهم لفي
стр. 2433
سكرتهم يعمهون اعتراضية. (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) الفاء عاطفة وأخذتهم الصيحة فعل ومفعول به وفاعل ومشرقين حال أي داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس. (فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) الفاء عاطفة والعطف مرتب على أخذ الصيحة وجعلنا فعل وفاعل وعاليها مفعول جعلنا الأول وسافلها مفعول جعلنا الثاني وأمطرنا عطف على جعلنا وحجارة مفعول به وعليهم متعلقان بأمطرنا ومن سجيل صفة لحجارة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها وللمتوسمين صفة لآيات أو تتعلق بنفس الآيات لأنها بمعنى العلامات. (وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) ان واسمها والضمير يعود للمدينة وهي سدوم والمراد آثارها واللام المزحلقة وبسبيل خبرها ومقيم صفة أي ثابت مسلوك يعرفه الناس وفيه تنبيه لقريش انكم لتمرون عليها كل يوم. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) تقدم اعراب نظيرتها.
البلاغة:
شملت الآية الكريمة وهي «فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون» شملت على وجازتها آداب المسافرين لأمر مهم ديني أو دنيوي من الآمر والمأمور والتابع والمتبوع وسنلخص ما ورد فيها من آداب:
١- أمره بأن يقدمهم أمامه لئلا يشتغل بمن خلفه قلبه وليكون مطلعا عليهم وعلى أحوالهم.
٢- جعل السرى في آخر الليل لأنه أخفى للويل ولأن الإنسان يكون نشيطا فيه.
стр. 2434
٣- نهاهم عن الالتفات الذي يعوق الساري المسرع المغذ في سراه في تلك الحالة المهولة المحذورة ولئلا يروا ما حلّ بقومهم من العذاب فترق قلوبهم لهم.
٤- ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض فيصيبه العذاب ولأن المتلفت يقف دائما ويتذكر مرابعه ومراتعه فيتحسر ويأسى وقد يدوم النشيج كما حدث للصمة بن عبد الله.
تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا واخدعا
وكما حدث للشريف الرضي:
ولقد وقفت على ديارهم ... وطلولها بيد البلى نهب
وبكيت حتى ضج من لغب ... نضوي ولج بعذلي الركب
وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عني الطلول تلفت القلب
الفوائد:
وفي أمثال العرب: «أجور من قاضي سدوم» قالوا بفتح السين مدينة من مدائن قوم لوط، قال الأزهري قال أبو حاتم في كتابه الذي صنفه في المفسد والمذال: إنما هو سذوم بالذال المعجمة والدال خطأ قال الأزهري: وهذا عندي هو الصحيح قال الطبري: «هو ملك من بقايا اليونانية غشوم كان بمدينة سرمين من أرض قنسرين» وهذا هو الذي اعتمده صاحب القاموس فحمله على تغليط الجوهري وقال الثعالبي: إن سدوم من الملوك المتقدمين المتصفين بالجور «كالة» قاض
стр. 2435
أشد جورا منه قال الزبيدي: «وقد علم مما تقدم أن المثل مضبوط بالوجهين وان المشهور فيه إهمال الدال» ونقل عن الشهاب انه يمكن أن يكون بالمعجمة في الأصل قبل التعريب، فلما عرب أهملوا داله.
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٧٨ الى ٨٥]
وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢)
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)
اللغة:
(الْأَيْكَةِ) : هي غيضة شجر بقرب المدينة وأصحابها هم قوم شعيب وفي المختار: الأيك الشجر الملتف والكثير والواحدة أيكة مثل تمر وتمرة.
(الْحِجْرِ) : واد بين المدينة والشام وهم قوم ثمود.
الإعراب:
(وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ) الواو استئنافية أو عاطفة وإن
стр. 2436
مخففة من الثقيلة مهملة أو عاملة واسمها ضمير الشأن المحذوف أي وإن الشأن كان أصحاب الأيكة وكان واسمها والأيكة مضاف اليه واللام الفارقة وظالمين خبر كان. (فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ) فانتقمنا الفاء عاطفة على محذوف أي أمعنوا في الإثم فانتقمنا، وانتقمنا فعل وفاعل ومنهم متعلقان بانتقمنا وإنهما الواو حالية أو عاطفة وإنهما ان واسمها والميم والألف حرفان دالان على التثنية واختلف في عودتهما فقيل يعني قرى قوم لوط والأيكة وقيل يعودان على الأيكة ومدين لأن شعيبا كان مبعوثا إليهما فلما ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين فجاء بضميرهما وقيل يعود على لوط وشعيب وقيل يعود على الخبرين خبر إهلاك قوم لوط وخبر إهلاك قوم شعيب واللام المزحلقة وبإمام خبر إنهما وسمي الطريق إماما لأن السالك فيه يأتم به حتى يصل الى الموضع الذي يريده ومبين صفته. (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) عطف على ما تقدم لتتساوق القصص واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وكذب أصحاب الحجر فعل وفاعل والمرسلين مفعول به وهذا شروع في قصة صالح. (وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ) وآتيناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وآياتنا مفعول به ثان فكانوا عطف على آتيناهم وكان واسمها وعنها متعلقان بمعرضين ومعرضين خبر كانوا (وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ) وكانوا عطف وكان واسمها وجملة ينحتون خبرها ومن الجبال حال لأنه كان في الأصل صفة أو بينحتون وبيوتا مفعول به وآمنين حال من الضمير في ينحتون أي حال كونهم آمنين عليها من أن تتهدم لاستيثاق بنائها واستحكامها أو من الاستهداف للغارات والاعتداءات لأنها معاقل حصينة لهم. (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ) الفاء عاطفة وأخذتهم فعل ومفعول به مقدم والصيحة فاعل مؤخر ومصبحين حال أي داخلين في وقت الصباح. (فَما أَغْنى
стр. 2437
عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ)
الفاء عاطفة وما نافية وأغنى فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنى وما فاعل وجملة كانوا صلة وجملة يكسبون خبر كانوا ويجوز أن تكون ما استفهامية مفعولا مقدما لأغنى ويجوز أن تكون ما مصدرية والاعراب واحد. (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ) الواو عاطفة وما نافية وخلقنا السموات فعل وفاعل ومفعول به والأرض عطف على السموات وإلا أداة حصر وبالحق حال والباء للملابسة أي ملتبسا بالحق والحكمة والمصلحة. (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)
الواو عاطفة وإن واسمها واللام المزحلقة وآتية خبرها والفاء الفصيحة واصفح فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والصفح مفعول مطلق والجميل صفة.
البلاغة:
١- في قوله تعالى: «وان كان أصحاب الأيكة لظالمين» مجاز مرسل علاقته الحالية لأن الأيكة هي شجر ملتف مزدحم.
٢- في قوله «لبإمام مبين» استعارة تصريحية لأن الطريق سبيل للوصول والمسافر فيه يتبعه حتى النهاية فاستعمل المشبه به بدلا عن المشبه.
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٨٦ الى ٩٩]
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)
الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)
стр. 2438
اللغة:
(الْمَثانِي) : المراد بالمثاني هنا مختلف فيه فقيل الفاتحة لأنها تثنى في كل ركعة وهي سبع آيات وقيل هي السور السبع الطوال وهي جمع مثناة مؤنث مثنى وقد تقدم بحثه مفصلا في النساء وسميت السور السبع الطوال مثاني لما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد والكلام في ذلك مبسوط في المطولات.
(عِضِينَ) : جمع عضة وأصلها عضوة من عضي الشاة إذا جعلها أعضاء وقيل عضهة من عضهته إذا بهته وفي المختار: «قال الكسائي:
العضة الكذب والبهتان وجمعها عضون مثل عزة وعزون قال الله تعالى:
стр. 2439
«الذين جعلوا القرآن عضين» قيل نقصانه الواو وهو من عضوته أي فرقته لأن المشركين فرقوا أقاويلهم فيه فجعلوه كذبا وسحرا وكهانة وشعرا وقيل نقصانه الهاء وأصله عضهة لأن العضة والعضين في لغة قريش السحر يقولون للساحر عاضه» وسيأتي مزيد بحث عن الملحقات بجمع المذكر السالم في باب الفوائد.
(فَاصْدَعْ) : فاجهر به وأظهره يقال صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا كقولك صرح بها من الصديع وهو الفجر والصدع في الزجاجة الإبانة وقال الضحاك: وأصل الصدع الشق والفرق أي افرق بين الحق والباطل وسيأتي مزيد بحث عن هذا التعبير العجيب في باب البلاغة.
الإعراب:
(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) ان واسمها وخبرها، وهو ضمير فصل (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) كلام مستأنف مسوق لتنبيه المسلمين الى أن ما أنزل عليهم خبر من متاع الدنيا قيل:
وافت من بصرى وأذرعان سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجوهر وسائر الأمتعة فقال المسلمون لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله فقال لهم الله عز وعلا لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتيناك فعل ماض وفاعل ومفعول به أول وسبعا مفعول به ثان ومن المثاني صفة لسبعا والقرآن عطف على سبعا من قبيل عطف الصفات مع وحدة ذات الموصوف والعظيم صفة للقرآن. (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ) لا ناهية وتمدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد
стр. 2440
الثقيلة وهو في محل جزم بلا الناهية والفاعل مستتر تقديره أنت وعينيك مفعول به والى ما متعلقان بتمدن وجملة متعنا صلة وبه متعلقان بمتعنا وأزواجا مفعول متعنا ومنهم صفة لأزواجا والمراد بالأزواج الأصناف منهم أي أن ما أوتيته من نعماء سابغة يضؤل أمامه كل ما في الدنيا من بهارج الحياة وتزاويقها. (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) ولا تحزن عطف على لا تمدن وعليهم متعلقان بتحزن واخفض عطف أيضا وجناحك مفعول به وللمؤمنين متعلقان بأخفض. (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) إن واسمها وأنا مبتدأ أو ضمير فصل والنذير خبر أنا أو خبر إن والمبين صفة. (كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ) كما فيها وجهان أحدهما أن يتعلقا بقوله ولقد آتيناك أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون والثاني أن يتعلقا بالنذير أي ينزل عليك مثل الذي نزل بأهل الكتاب وعلى كل حال صفة لمفعول مطلق محذوف وعلى المقتسمين جار ومجرور متعلقان بأنزلنا وسيأتي بيانهم. (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) الذين صفة للمقتسمين وجملة جعلوا صلة والقرآن مفعول جعلوا وعضين مفعول به ثان أي قسموا القرآن أقساما فجعلوه سحرا وشعرا وأساطير وقد اختلف بهؤلاء المقتسمين وقصصهم اختلافا يخرج بنا عن النهج المقرر للكتاب فارجع اليه في المطولات.
(فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) الفاء عاطفة والواو للقسم وربك مجرور بواو القسم وهما متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم، واللام واقعة في جواب القسم ولنسئلنهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وأجمعين تأكيد (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) الفاء الفصيحة أي إن عرفت هذا فاصدع، واصدع فعل أمر وفاعله أنت وبما متعلقان به وما مصدرية أو موصولة وعن المشركين متعلقان بأعرض. وقد رجح ابن هشام في المغني أن تكون مصدرية وعلل ذلك ابن الشجري قال: فيه أي في الموصولية خمسة حذوف والأصل بما تؤمر بالصدع به فحذفت
стр. 2441
الباء فصار بالصدعة فحذفت أل لامتناع اجتماعها مع الاضافة فصار يصدعه ثم حذف المضاف كما في: واسأل القرية فصار به ثم حذف الجار كما قال عمرو بن معد يكرب:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
فصار تؤمره ثم حذفت الهاء كما حذفت في: أهذا الذي بعث الله رسولا وانما ارتكب خمسة حذوف لأجل أن يكون جاريا على القياس في حذف العائد المجرور لأنه لا يحذف العائد المجرور إلا إذا كان مجرورا بمثل الحرف الذي جر الموصول وأن يكون كل من الحرفين متعلقا بعامل مماثل لما تعلق به الآخر فقول ابن الشجري: والأصل بما تؤمر بالصدع به العائد متعلق بمثل ما تعلق به الجار للموصول ولو قال: اصدع بما تؤمر به لم توجد تلك الشروط لاختلاف المتعلق لأن الباء الأولى متعلقة بالصدع والثانية متعلقة بتؤمر. (إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) ان واسمها وجملة كفيناك خبرها وهو فعل وفاعل ومفعول به والمستهزئين مفعول به ثان. (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) الذين صفة للمستهزئين وجملة يجعلون صلة والواو فاعل ومع الله ظرف مكان متعلق بمحذوف مفعول به ثان ليجعلون وإلها مفعول به وآخر صفة والفاء استئنافية وسوف حرف استقبال ويعلمون فعل مضارع وفاعل والمفعول محذوف أي عاقبة أمرهم. (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تقليل والمراد به هنا التكثير والتحقيق ونعلم فعل مضارع فاعله مستتر تقديره نحن وأنك أن وما في حيزها سدت مسد مفعولي نعلم وان واسمها وجملة يضيق صدرك خبرها وصدرك فاعل يضيق وبما متعلقان بيضيق وجملة يقولون صلة والعائد محذوف أي يقولون من أقاويل ويرجفون به من أراجيف. (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ
стр. 2442
السَّاجِدِينَ)
الفاء الفصيحة وسبح بحمد ربك تقدم إعرابه قريبا وكن مع الساجدين كان واسمها ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف خبرها والساجدين مضاف اليه. (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) حتى حرف غاية وجر ويأتيك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والكاف مفعول به واليقين فاعل وسمي الموت يقينا لأنه متيقن الوقوع.
البلاغة:
١- في قوله «فاصدع بما تؤمر» استعارة مكنية فالمستعار منه الزجاجة والمستعار الصدع وهو الشق والمستعار له هو عقوق المكلفين وهو من استعارة المحسوس للمعقول وقد تقدمت الاشارة الى أقسام الاستعارة والمعنى صرح بجميع ما أوحي إليك وبين كل ما أمرت ببيانه وإن شق ذلك على بعض القلوب فانصدعت والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصديع في القلوب فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من التقبض والانبساط ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار كما يظهر ذلك على ظاهر الزجاجة المصدوعة فانظر الى هذه الاستعارة ما أروعها وما أبعد دلائلها ومراميها وما أوجزها لأنها وقعت في ثلاث كلمات انطوت على ما يستوعب الصفحات، قال عبد الله بن عبيدة ما زال النبي ﷺ مستخفيا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه.
ويروى أن بعض الأعراب لما سمع هذه اللفظات الثلاث سجد فقيل له: لم سجدت؟ فقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام لأنه أدرك منه بديها من غير تأمل كل ما أدركناه بعد الروية والنظر ومن هذا يتبين لك أن العرب تيقنت من أول ما سمعت القرآن أنه غير مقدور للبشر فلم تشتغل بالمعارضة ولا حدثت نفوسها بها.
стр. 2443
٢- في قوله «واخفض جناحك للمؤمنين» استعارة مكنية وسيأتي القول فيها مسهبا عند قوله «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» .
الفوائد:
الملحق بجمع المذكر السالم:
حملوا على جمع المذكر السالم أربعة أنواع أعربت بالحروف وليست جمعا مذكرا سالما وهي كما يلي:
الأول: أسماء جموع: وهي: أولو بمعنى أصحاب، وعالمون اسم جمع عالم بفتح اللام وليس جمعا له لأن العالم عام في العقلاء وغيرهم والعالمون مختص بالعقلاء والخاص لا يكون جمعا لما هو أعم منه، وعشرون وبابه وهو سائر العقود الى التسعين وقد وردت العقود كلها في القرآن وقد أحصيناها على الشكل التالي:
آ- «ان يكن منكم عشرون صابرون» .
ب- «وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة» .
ج- «فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما» .
د- «فإطعام ستين مسكينا» .
هـ- «ذرعها سبعون ذراعا» .
و «فاجلدوهم ثمانين جلدة» .
стр. 2444
ز- «إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة» .
الثاني: جموع تكسير تغير فيها بناء الواحد وأعربت بالحروف وهي: (بَنُونَ) جمع ابن وقياس جمعه جمع السلامة ابنون كما يقال في تثنيته ابنان ولكن خالف تصحيحه تثنيته لعلة تصريفية أدت الى حذف الهمزة وذلك أن ابن أصله بنو حذفت لامه للتخفيف وعوض عنها همزة الوصل والجمع يرد الأشياء إلى أصولها فلما جمع رجعت الواو فذهبت الهمزة ثم حذفت الواو والمحذوف لعلة كالثابت فلم تأت الهمزة وأما التثنية فلو رجعت الواو لم يكن هناك ما يقتضي حذفها لأنها متحركة بالفتح والفتح خفيف وقد حذفت أولا لغرض التخفيف فلو حذفت لزال ذلك الغرض والمانع من حذفها لو رجعت ومن قلبها ألفا سكون ما بعدها كما في بيان ولو حذفت لصار اللفظ بنان فيحصل اللبس ببنان الكف بخلاف بنون فليتأمل وأرضون بفتح الراء جمع أرض بسكونها وجمع هذا الجمع لأنه ربما يورد في مقام الاستعظام كقوله:
لقد ضجت الأرضون إذ قام من بني ... سدوس خطيب فوق أعواد منبر
إلا أنه سكن الراء للضرورة، وسنون بكسر السين جمع سنة بفتحها اسم للعام ولامها واو أو هاء لقولهم سنوات وسنهات وبابه وهو شائع في كل اسم ثلاثي حذفت لامه وعوض عنها هاء التأنيث ولم يكسر نحو عضة وعضين وأصل عضة عضه بالهاء من العضه وهو البهتان والكذب وفي الحديث: لا يعضه بعضكم بعضا وقيل أصله عضو من قولهم عضيته تعضية إذا فرقته فعلى الاول لامها هاء ويدل له تصغيرها على عضيهة وعلى الثاني واو ويدل له جمعها على عضوات فكل من التصغير
стр. 2445
والجمع يردان الأشياء الى أصولها، وعزة وعزين والعزة بكسر العين وفتح الزاي أصلها عزى فلامها ياء وهي الفرقة من الناس والعزين الفرق المختلفة لأن كل فرقة تعتزي الى غير من تعتزي إليه الأخرى، وثبة وثبين والثبة بضم الثاء وفتح الباء الجماعة وأصلها ثبو وقيل ثبي من ثبيت أي جمعت فلامها على الأول واو وعلى الثاني ياء ولا يجوز في نحو اسم واخت وبنت لأن العوض فيهنّ عن لامهنّ المحذوفة غير الهاء، أما اسم فأصله سمو فحذفت لامه وعوض عنها الهمزة في أوله وأما أخت وبنت فأصلهما أخو وبنو وحذفت لامهما وعوض منهما تاء التأنيث لا هاء التأنيث والفرق بينهما أن تاء التأنيث فيهما لا تبدل هاء في الوقف وتكتب مجرورة وهاء التأنيث يوقف عليها بالهاء وتكتب مربوطة ولا في نحو شاة وشفة لأنهما كسرا على شفاه وشياه، قال الجوهري: وإنما لم يجمعا بالحروف لأن العرب استغنت بتكسيرهما عن تصحيحهما.
الثالث: مما حمل على هذا الجمع جموع تصحيح لم تستوف شروط الجمع كأهلون ووابلون لأن أهلا ووابلا ليسا علمين ولا صفتين ولأن وابلا غير عاقل والمعروف أن شرط هذا الجمع أن يكون لعلم من يعقل أو صفته.
الرابع: ما سمي به من هذا الجمع ومما ألحق به فالأول نحو زيدون مسمى به شخص والثاني كعليون فإنه ملحق بهذا الجمع وسمي به أعلى الجنة قال تعالى: «إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون» وهناك تفاصيل أخرى لا حاجة إلى إثباتها لأنها دون الفصيح ولهذا أضربنا عن ذكرها ويرجع إليها في المطولات.
стр. 2446
(١٦) سورة النحل مكية وآياتها ثمان وعشرون ومائة
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١ الى ٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)
стр. 2447
اللغة:
(نُطْفَةٍ) : في المصباح: «نطف الماء ينطف من باب قتل سال، وقال أبو زيد: نطفت القربة تنطف وتنطف نطفانا إذا قطرت والنقطة ماء الرجل والمرأة وجمعها نطف ونطاف مثل برمة وبرام والنطفة أيضا الماء الصافي قلّ أو كثر ولا فعل للنطفة أي لا يستعمل لها فعل من لفظها» وفي المختار أن نطف من بابي قتل وضرب.
(خَصِيمٌ) : شديد الخصومة وفيه معنيان أحدهما أنه خصيم لربه منكر على خالقه قائل «من يحيي العظام وهي رميم» والثاني فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مكافح للخصوم باللدد والجدل والسفسطة وما إلى ذلك من ضروب الوقاحة والشرة وسيأتي المزيد من هذا في باب البلاغة.
(دِفْءٌ) : في المختار: «الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها قال الله تعالى: «لكم فيها دفء» وفي الحديث: «لنا من دفئهم ما سلموا بالميثاق» وهو أيضا السخونة اسم من دفىء الرجل: من باب طرب وسلم فالذكر دفآن والأنثى دفأى مثل غضبان وغضبى ورجل دفىء بالقصر ورجل دفيء بالمد» وفي المصباح: «دفيء البيت يدفأ مهموز من باب تعب قالوا: ولا يقال في اسم الفاعل دفيء وزان كريم بل وزان تعب ودفىء الشخص فالذكر دفآن والأنثى دفأى مثل غضبان وغضبى إذا لبس ما يدفئه ودفؤ اليوم مثل قرب والدفء وزان حمل خلاف البرد» وفي القاموس: «والدفء بالكسر ويحرك نقيض حدة البرد كالدفاءة والجمع أدفاء دفىء كفرح وكرم وتدفأ واستدفأ وادّفأ وأدفأه ألبسه الدفء والدفآن المستدفئ كالدفىء والدفء
стр. 2448
بالكسر نتاج الإبل وأوبارها والانتفاع بها وما أدفأ من الأصواف والأوبار» وقال الزمخشري: «والدفء اسم ما يدفأ به كما أن الملء اسم ما يملأ به وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر» فتلخص أن للدفء ثلاثة معان:
١- ضد البرودة أي السخونة.
٢- ما يتدفأ به من الثياب.
٣- ما يتحصل من الإبل من نتاج ولبن ومنافع.
(تُرِيحُونَ) : تردونها الى مراحها بالعشي.
(تَسْرَحُونَ) : تخرجونها الى المرعى بالغداة وسيرد المزيد من بحث الاراحة والتسريح في باب البلاغة وفي المصباح: سرحت الإبل سرحا من باب نفع وسروحا رعت بنفسها وسرحتها يتعدى ولا يتعدّى وسرحتها بالتثقيل مبالغة وتكثير.
(بِشِقِّ الْأَنْفُسِ) : بجهدها بكسر الشين وفتحها وهما لغتان في معنى المشقة وبينهما فرق وهو ان المكسور بمعنى النصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد وأما المفتوح فهو مصدر شق عليه الأمر شقا وحقيقته راجعة الى الشق وهو الصدع وفي المختار: «الشق بالكسر نصف الشيء والشق أيضا المشقة ومنه قوله تعالى: «إلا بشق الأنفس» وهذا قد يفتح» .
(قَصْدُ السَّبِيلِ) : القصد: مصدر بمعنى الفاعل وهو القاصد يقال سبيل قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه.
(جائِرٌ) : حائد عن الاستقامة.
стр. 2449
الإعراب:
(أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) أتى فعل ماض وأمر الله فاعله عبر عن المستقبل بالماضي لأنه بمثابة الأمر الواقع الذي لا محيد عنه، والفاء عاطفة ولا ناهية وتستعجلوه فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والواو فاعل والهاء مفعول به. (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) سبحانه مفعول مطلق لفعل محذوف وتعالى فعل ماض وعما تنازعه كل من وما يحتمل أن تكون مصدرية فلا تحتاج الى عائد ويحتمل أن تكون موصولة فتحتاج الى تقدير عائد وجملة يشركون لا محل لها على كل حال. (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) ينزل الملائكة فعل وفاعل مستتر ومفعول به وبالروح متعلقان بينزل أو بمحذوف حال أي ملتبسة بالروح ومن أمره متعلقان بمحذوف حال وعلى من يشاء متعلقان بينزل ومن عباده حال. (أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) أن مخففة وهي وما في حيزها بدل من قوله بالروح أي ينزل الملائكة بأن أنذروا وتقديره بأنه أنذروا فاسم أن ضمير الشأن وجملة أنذروا مقول قول محذوف أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا ولك أن تجعل أن مفسرة لأن الروح بمعنى الوحي الذي فيه معنى القول دون حروفه وأنه سدت مع ما في حيزها مسد مفعول أنذروا لأنه متضمن معنى أعلموا الناس أو تكون أنذروا على معناها الأصلي وأنه نصب بنزع الخافض أي أنذروا بأنه وجملة لا إله إلا أنا خبر أنه وقد تقدم القول مفصلا في «لا إله إلا الله» ، فاتقون: الفاء الفصيحة أي إذا كان الأمر كما ذكر من جريان عادته تعالى بتنزيل الملائكة على الأنبياء وأمرهم بأن ينذروا الناس أنه لا شريك له في الألوهية فاتقون في الإخلال بمضمونه، واتقون فعل أمر وفاعل والنون للوقاية وياء المتكلم
стр. 2450
حذفت لمراعاة الفواصل. (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) خلق السموات والأرض فعل وفاعل مستتر والسموات مفعول به والأرض عطف على السموات وبالحق في محل نصب على الحال أي محقا وتعالى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وعما متعلقان بتعالى وجملة يشركون صلة لما. (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) خلق الإنسان فعل وفاعل مستتر ومفعول به ومن نطفة متعلقان بخلق ومن للابتداء فإذا الفاء عاطفة وإذا الفجائية وهو مبتدأ وخصيم خبر ومبين صفة. (وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ) الواو عاطفة والأنعام منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده وخلقها فعل وفاعل مستتر ومفعول به والجملة مفسرة ولكم خبر مقدم وفيها حال ودفء مبتدأ مؤخر والجملة حالية ويجوز أن تكون مستأنفة ويجوز أن يكون لكم حالا من دفء وفيها الخبر، وقع الاسم المشتغل عنه وهو الانعام بعد عاطف غير مفصول من الاسم بأما مسبوق بفعل وهو خلق الإنسان من نطفة فترجح نصبه لأن المتكلم عاطف جملة فعلية على جملة فعلية والرافع عاطف جملة اسمية على جملة فعليه وتشاكل الجملتين أحسن من تخالفهما وقد يقال: إن في الرفع تخلصا من تقدير العامل فلكل مرجح فكان ينبغي التساوي لا أرجحية النصب ويجاب بأن مراعاة التشاكل أقوى مما ذكر ومنافع عطف على دفء ومنها متعلقان بتأكلون وتأكلون فعل مضارع وفاعل وتقديم الجار والمجرور وهو معمول للفعل يوجب حصره فيه. (وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) الواو عاطفة ولكم خبر مقدم وفيها حال وجمال مبتدأ مؤخر وحين ظرف متعلق بمحذوف صفة وجملة تريحون مضاف إليها وكذلك قوله وحين تسرحون وسيأتي مزيد بحث عن الإراحة والتسريح في باب البلاغة. (وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ)
стр. 2451
الواو عاطفة وتحمل أثقالكم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به والى بلد متعلقان بتحمل وجملة لم تكونوا بالغيه صفة لبلد وبالغيه خبر تكونوا وإلا أداة حصر وبشق الأنفس في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في بالغيه أي مشقوقا عليكم. (إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) ان واسمها واللام المزحلقة ورءوف رحيم خبران. (وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً)
والخيل وما بعده عطف على الانعام أي وخلق هؤلاء للركوب والزينة ولتركبوها مضارع منصوب
بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور في موضع نصب مفعول لأجله وزينة عطف على محل لتركبوها وجر الأول بالجر لاختلاف الفاعل لأن الركوب فعل المخاطبين وفاعل الخلق هو الله تعالى أما زينة فهي من فعله تعالى ولذلك نصبت فالمزين والخالق هو الله ويجوز أن تعرب نصبا على الحال من الهاء في تركبوها. (وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان إحاطته تعالى وقدرته وان ما تناهى إليهم علمه يعد ضئيلا جدا بالنسبة إلى علمه الواسع. (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ) على الله خبر مقدم وقصد السبيل مبتدأ مؤخر ومنها خبر مقدم وجائر صفة لموصوف هو المبتدأ المؤخر أي سبيل جائر أي حائد عن الاستقامة. (وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) الواو عاطفة ولو امتناعية شرطية ومفعول شاء محذوف أي شاء هدايتكم واللام رابطة لجواب لو وهداكم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وأجمعين تأكيد.
البلاغة:
١- الإيجاز في قوله تعالى «حين تريحون وحين تسرحون» فقد انطوت كلمتا «تريحون» و «تسرحون» على الكثير من المعاني والصور، مما يضفي على مقتني هذه الأنعام جمالا ورواء وأبهة ليس
стр. 2452
في المكنة تصوره لأن الرعاة إذا ردوا الأنعام بالعشي الى مراحها أي مأواها بالليل أو سرحوها عند الغداة إلى المراعي المعشوشبة وعرجوا على الأفنية والبيوت رغت الإبل وخارت البقر وثغت الشاء فتجاوب ذلك كله مع صياح الصبيان وحديث العقائل والأوانس وهن يتهادين متخطرات متوثبات شمل الفرح الجميع، ورقصت النعمة، ورفرفت السعادة وقدم الإراحة على التسريح لأن الجمال في الإراحة أكثر تقبل وهي ملأى البطون حافلة الضروع معسولة الحلب.
٢- المجاز المرسل في قوله «فإذا هو خصيم مبين» لأن الفاء تدل على التعقيب وكونه خصيما مبينا لا يكون عقب خلقه من نطفة ولكنه إشارة إلى ما تؤول إليه حاله فهو مجاز مرسل والعلاقة اعتبار ما سيكون كقوله تعالى «إني أراني أعصر خمرا» أي عنبا يئول إلى الخمر.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠ الى ١٧]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧)
стр. 2453
اللغة:
(تُسِيمُونَ) : ترعون دوابكم من سامت الماشية إذا رعت فهي سائمة وأسامها صاحبها وهي من السومة وهي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات في الأرض.
قال السيوطي: لم يأت اسم المفعول من أفعل على فاعل إلا في حرف واحد وهو قول العرب: أسمت الماشية من المرعى فهي سائمة ولم يقولوا مسامة وقوله تعالى: «فيه تسيمون» من أسام يسيم واجب المراد أسمتها أنا فسامت هي فهي سائمة كما تقول: أدخلته الدار فدخل فهو داخل.
(ذَرَأَ) : خلق وذرأنا الأرض وذروناها: بذرناها وذرأ الله الخلق وبرأ ومن الذارىء البارئ سواه واللهم لك الذّرء والبرء، ومنك السّقم والبرء، وقد علته ذرأة وهي بياض الشيب أول ما يبدو في الفودين وقد ذرىء رأسه ذرءا ورجل أذرأ وامرأة ذرءاء بيضاء الرأس أو بيضاء الوجه قال:
стр. 2454
فمرّ ولما تسخن الشمس غدوة ... بذرءاء تدري كيف تمشي المنائح
أي منحت كثيرا فاعتادت ذلك فهي تسامح بالمشي لا تأبى.
(طَرِيًّا) : الطراوة ضد اليبوسة أي غضا جديدا ويقال طريت كذا أي جددته وفي المصباح: طرو الشيء وزان قرب فهو طري أي غضّ بين الطراوة وطرىء بالهمز وزان تعب لغة فهو طريء بين الطراوة وطرأ فلان علينا يطرأ مهموز بفتحتين طروءا طلع فهو طارئ وطرأ الشيء يطرأ أيضا طرآنا مهموز حصل بغتة فهو طارئ وأطريت العسل بالياء عقدته وأطريت فلانا مدحته بأحسن ما فيه وستأتي النكتة في وصف اللحم بالطراوة أو الطراءة في باب البلاغة.
(حِلْيَةً) : في المصباح: «حلي الشيء بعيني وبصدري يحلى من باب تعب حسن عندي وأعجبني وحليت المرأة حليا ساكن اللام لبست الحلي وجمعه حلي والأصل على فعول مثل فلس وفلوس والحلية بالكسر الصفة والجمع حلى مقصور وتضم الحاء وتكسر وحلية السيف زينته، قال ابن فارس: ولا تجمع وتحلت المرأة لبست الحلي أو اتخذته وحليتها بالتشديد ألبستها الحلي أو اتخذته لها لتلبسه وحليت السويق جعلت فيه شيئا حلوا حتى حلا» وفي القاموس وشرحه وغيرهما: الحلي وجمعه حلي وحليّ والحلية وجمعها حليّ وحلى على غير القياس ما يزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة الكريمة وقول بعض المفسرين: اللؤلؤ والمرجان تفسير معنى للحلية لا تفسير لغة والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم ولأنهن إنما يتزين من أجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم.
стр. 2455
(مَواخِرَ) : جواري والمخر شق الماء بحيزومها وعن الفراء هو صوت جري الفلك بالرياح وفي المختار: «مخرت السفينة من باب قطع ودخل جرت تشق الماء مع صوت ومنه قوله تعالى: وترى الفلك مواخر فيه أي جواري» وفي الأساس: «فلك مواخر تمخر الماء تشقه مع صوت ونشأت بنات مخر وهي سحاب الصيف تمخر الجو مخرا واستمخرت الريح استقبلتها بأنفي وخرجت أتمخر الريح وأستنشئها ومخرت الأرض مخرا سقيتها لتطيب» .
(تَمِيدَ) : تميل بكم وفي المختار: «ماد الشيء يميد ميدا من باب باع ومادت الأغصان والأشجار تمايلت وماد الرجل: تبختر» وفي القاموس: «ماد يميد ميدا وميدانا تحرك وزاغ والسراب اضطرب والرجل تبختر وأصابه غثيان ودوار من سكر أو ركوب بحر ومنه المائدة: الطعام والخوان عليه الطعام كالميدة فيهما» (عَلاماتٍ) جمع علامة ففي المصباح: «وأعلمت على كذا بالألف من الكتاب وغيره جعلت عليه علامة وأعلمت الثوب جعلت له علما من طراز وغيره وهو العلامة وجمع العلم أعلام وجمع العلامة علامات وعلمت له علامة بالتشديد وضعت له أمارة يعرفها» .
الإعراب:
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ) هو مبتدأ والذي خبره وجملة أنزل صلة ومن السماء جار ومجرور متعلقان بأنزل وماء مفعول به ولكم خبر مقدم ومنه متعلقان بمحذوف حال من شراب وشراب مبتدأ مؤخر والجملة صفة لماء ومنه
следующие страницы →