Полный текст (5 784 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
الواو عاطفة وتحمل أثقالكم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به والى بلد متعلقان بتحمل وجملة لم تكونوا بالغيه صفة لبلد وبالغيه خبر تكونوا وإلا أداة حصر وبشق الأنفس في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في بالغيه أي مشقوقا عليكم. (إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) ان واسمها واللام المزحلقة ورءوف رحيم خبران. (وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً)
والخيل وما بعده عطف على الانعام أي وخلق هؤلاء للركوب والزينة ولتركبوها مضارع منصوب
بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور في موضع نصب مفعول لأجله وزينة عطف على محل لتركبوها وجر الأول بالجر لاختلاف الفاعل لأن الركوب فعل المخاطبين وفاعل الخلق هو الله تعالى أما زينة فهي من فعله تعالى ولذلك نصبت فالمزين والخالق هو الله ويجوز أن تعرب نصبا على الحال من الهاء في تركبوها. (وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان إحاطته تعالى وقدرته وان ما تناهى إليهم علمه يعد ضئيلا جدا بالنسبة إلى علمه الواسع. (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ) على الله خبر مقدم وقصد السبيل مبتدأ مؤخر ومنها خبر مقدم وجائر صفة لموصوف هو المبتدأ المؤخر أي سبيل جائر أي حائد عن الاستقامة. (وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) الواو عاطفة ولو امتناعية شرطية ومفعول شاء محذوف أي شاء هدايتكم واللام رابطة لجواب لو وهداكم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وأجمعين تأكيد.
البلاغة:
١- الإيجاز في قوله تعالى «حين تريحون وحين تسرحون» فقد انطوت كلمتا «تريحون» و «تسرحون» على الكثير من المعاني والصور، مما يضفي على مقتني هذه الأنعام جمالا ورواء وأبهة ليس
стр. 2452
في المكنة تصوره لأن الرعاة إذا ردوا الأنعام بالعشي الى مراحها أي مأواها بالليل أو سرحوها عند الغداة إلى المراعي المعشوشبة وعرجوا على الأفنية والبيوت رغت الإبل وخارت البقر وثغت الشاء فتجاوب ذلك كله مع صياح الصبيان وحديث العقائل والأوانس وهن يتهادين متخطرات متوثبات شمل الفرح الجميع، ورقصت النعمة، ورفرفت السعادة وقدم الإراحة على التسريح لأن الجمال في الإراحة أكثر تقبل وهي ملأى البطون حافلة الضروع معسولة الحلب.
٢- المجاز المرسل في قوله «فإذا هو خصيم مبين» لأن الفاء تدل على التعقيب وكونه خصيما مبينا لا يكون عقب خلقه من نطفة ولكنه إشارة إلى ما تؤول إليه حاله فهو مجاز مرسل والعلاقة اعتبار ما سيكون كقوله تعالى «إني أراني أعصر خمرا» أي عنبا يئول إلى الخمر.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠ الى ١٧]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧)
стр. 2453
اللغة:
(تُسِيمُونَ) : ترعون دوابكم من سامت الماشية إذا رعت فهي سائمة وأسامها صاحبها وهي من السومة وهي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات في الأرض.
قال السيوطي: لم يأت اسم المفعول من أفعل على فاعل إلا في حرف واحد وهو قول العرب: أسمت الماشية من المرعى فهي سائمة ولم يقولوا مسامة وقوله تعالى: «فيه تسيمون» من أسام يسيم واجب المراد أسمتها أنا فسامت هي فهي سائمة كما تقول: أدخلته الدار فدخل فهو داخل.
(ذَرَأَ) : خلق وذرأنا الأرض وذروناها: بذرناها وذرأ الله الخلق وبرأ ومن الذارىء البارئ سواه واللهم لك الذّرء والبرء، ومنك السّقم والبرء، وقد علته ذرأة وهي بياض الشيب أول ما يبدو في الفودين وقد ذرىء رأسه ذرءا ورجل أذرأ وامرأة ذرءاء بيضاء الرأس أو بيضاء الوجه قال:
стр. 2454
فمرّ ولما تسخن الشمس غدوة ... بذرءاء تدري كيف تمشي المنائح
أي منحت كثيرا فاعتادت ذلك فهي تسامح بالمشي لا تأبى.
(طَرِيًّا) : الطراوة ضد اليبوسة أي غضا جديدا ويقال طريت كذا أي جددته وفي المصباح: طرو الشيء وزان قرب فهو طري أي غضّ بين الطراوة وطرىء بالهمز وزان تعب لغة فهو طريء بين الطراوة وطرأ فلان علينا يطرأ مهموز بفتحتين طروءا طلع فهو طارئ وطرأ الشيء يطرأ أيضا طرآنا مهموز حصل بغتة فهو طارئ وأطريت العسل بالياء عقدته وأطريت فلانا مدحته بأحسن ما فيه وستأتي النكتة في وصف اللحم بالطراوة أو الطراءة في باب البلاغة.
(حِلْيَةً) : في المصباح: «حلي الشيء بعيني وبصدري يحلى من باب تعب حسن عندي وأعجبني وحليت المرأة حليا ساكن اللام لبست الحلي وجمعه حلي والأصل على فعول مثل فلس وفلوس والحلية بالكسر الصفة والجمع حلى مقصور وتضم الحاء وتكسر وحلية السيف زينته، قال ابن فارس: ولا تجمع وتحلت المرأة لبست الحلي أو اتخذته وحليتها بالتشديد ألبستها الحلي أو اتخذته لها لتلبسه وحليت السويق جعلت فيه شيئا حلوا حتى حلا» وفي القاموس وشرحه وغيرهما: الحلي وجمعه حلي وحليّ والحلية وجمعها حليّ وحلى على غير القياس ما يزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة الكريمة وقول بعض المفسرين: اللؤلؤ والمرجان تفسير معنى للحلية لا تفسير لغة والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم ولأنهن إنما يتزين من أجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم.
стр. 2455
(مَواخِرَ) : جواري والمخر شق الماء بحيزومها وعن الفراء هو صوت جري الفلك بالرياح وفي المختار: «مخرت السفينة من باب قطع ودخل جرت تشق الماء مع صوت ومنه قوله تعالى: وترى الفلك مواخر فيه أي جواري» وفي الأساس: «فلك مواخر تمخر الماء تشقه مع صوت ونشأت بنات مخر وهي سحاب الصيف تمخر الجو مخرا واستمخرت الريح استقبلتها بأنفي وخرجت أتمخر الريح وأستنشئها ومخرت الأرض مخرا سقيتها لتطيب» .
(تَمِيدَ) : تميل بكم وفي المختار: «ماد الشيء يميد ميدا من باب باع ومادت الأغصان والأشجار تمايلت وماد الرجل: تبختر» وفي القاموس: «ماد يميد ميدا وميدانا تحرك وزاغ والسراب اضطرب والرجل تبختر وأصابه غثيان ودوار من سكر أو ركوب بحر ومنه المائدة: الطعام والخوان عليه الطعام كالميدة فيهما» (عَلاماتٍ) جمع علامة ففي المصباح: «وأعلمت على كذا بالألف من الكتاب وغيره جعلت عليه علامة وأعلمت الثوب جعلت له علما من طراز وغيره وهو العلامة وجمع العلم أعلام وجمع العلامة علامات وعلمت له علامة بالتشديد وضعت له أمارة يعرفها» .
الإعراب:
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ) هو مبتدأ والذي خبره وجملة أنزل صلة ومن السماء جار ومجرور متعلقان بأنزل وماء مفعول به ولكم خبر مقدم ومنه متعلقان بمحذوف حال من شراب وشراب مبتدأ مؤخر والجملة صفة لماء ومنه
стр. 2456
شراب جملة مستأنفة متألفة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر وفيه متعلقان بتسيمون وجملة تسيمون صفة لشجر والباء للسببية أي بسببه ينبت الشجر. (يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) ينبت فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو ولكم متعلقان بينبت وبه متعلقان بينبت أيضا والباء للسببية والزرع مفعول به والزيتون والنخيل والأعناب عطف على الزرع ومن كل الثمرات عطف على ما تقدم أيضا ومن تبعيضية أي وبعض كل الثمرات.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسم إن المؤخر ولقوم صفة لآية وجملة يتفكرون صفة لقوم. (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) وسخر لكم الليل فعل وفاعل مستتر ومفعول به ولكم متعلقان بسخر والشمس والقمر معطوفان على الليل والنهار. (وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ) الواو عاطفة والنجوم مبتدأ ومسخرات خبر والجملة عطف على الجملة السابقة وبأمره متعلقان بمسخرات. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) تقدم اعراب نظيرتها. (وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ) الواو عاطفة وما عطف على الليل والنهار يعني ما خلق فيها من حيوان ونبات وجماد ويجوز أن تنصبه بفعل محذوف أي وخلق وأنبت والمعنى واحد ولكم متعلقان بذرأ وفي الأرض متعلقان بذرأ أيضا ومختلفا حال وألوانه فاعل مختلفا. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) تقدم اعرابها.
(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا) الواو عاطفة وهو مبتدأ والذي خبر وجملة سخر صلة والبحر مفعول به ولتأكلوا اللام للتعليل وتأكلوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بسخر ومنه متعلقان بتأكلوا ولحما مفعول به
стр. 2457
وطريا صفة. (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها) وتستخرجوا عطف على لتأكلوا ومنه متعلقان بتستخرجوا وحلية مفعول به وجملة تلبسونها صفة لحلية. (وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الواو اعتراضية وترى الفلك فعل وفاعل مستتر ومفعول به والجملة معترضة ومواخر حال لأن الرؤية بصرية وفيه متعلقان بمواخر ولتبتغوا عطف على لتأكلوا ولعل واسمها وجملة تشكرون خبرها.
(وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) وألقى عطف على وسخر وفي الأرض متعلقان بألقى ورواسي صفة لمفعول به محذوف أي جبالا رواسي وأن وما في حيزها مفعول لأجله أي كراهة أن تميل بكم وتضطرب كالمائد الذي يدار به إذا ركب البحر وبكم متعلقان بتميد.
(وَأَنْهاراً وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) وأنهارا وسبلا عطف على رواسي أو مفعول به لفعل محذوف والتقدير وجعل فيها لأن ألقى فيه معنى جعل قال تعالى: «ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا» ولعل واسمها وجملة تهتدون خبرها. (وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) وعلامات عطف على أنهارا وسبلا وبالنجم متعلقان بيهتدون وهم مبتدأ وجملة يهتدون خبره وقال ابن عطية: وعلامات نصب كالمصدر أي فعل هذه الأشياء لعلكم تعتبرون بها وعلامات أي عبرة واعلاما في كل سلوك فقد يهتدى بالجبال والأنهر وبالسبل، وهذا كلام غير مفهوم ولعل أبا البقاء كان على حق حين أعربها مفعولا لفعل محذوف أي ووضع فيها علامات.
(أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ومن مبتدأ وجملة يخلق صلة والكاف خبر من وجملة لا يخلق صلة لمن الثانية والهمزة انكار ثان والفاء عاطفة ولا نافية وتذكرون أصله تتذكرون فحذفت إحدى التاءين.
стр. 2458
البلاغة:
١- التتميم:
في قوله تعالى «لتأكلوا منه لحما طريا» تتميم احتياط وقد تقدم أن التتميم فن يشتمل على كلمة لو طرحت من الكلام نقص معناه كما تقدم أنه ثلاثة أنواع تتميم نقص وتتميم احتياط وتتميم مبالغة وتقدمت الأمثلة عليه ونقول هنا انه علم سبحانه انه إذا لم يصف اللحم بالطراوة لم يكن مظنة للفساد ولكن المعروف أن الفساد الى اللحم الطري أكثر من غيره فلزم وصفه بها ليسارع الى أكله خيفة الفساد عليه، وللفقهاء مباحث في لحم السمك تدل على ذكاء وألمعية وسنشير إليها في باب الفوائد إشارة سريعة، ولهذا التميم فائدة عامة وهي التعليم والإرشاد إلى أن اللحم لا ينبغي أن يتناول إلا طريا والأطباء يقولون: إن تناوله بعد ذهاب طراوته أضر شيء يكون.
٢- الالتفات:
في قوله تعالى: «وبالنجم هم يهتدون» التفات من الخطاب الى الغيبة والفائدة منه انه لما كانت الدلالة من النجم أنفع الدلالات وأوضحها في البر والبحر نبه على عظمها بالالتفات إلى مقام الغيبة لإفهام العموم ولئلا يظن أن المخاطب مخصوص بذلك وزاد التأكيد بتقديم الجار والمجرور كأنما يشير من طرف خفي الى أن دلالة غير النجم ضئيلة لا يؤبه لها.
٣- التشبيه المقلوب:
وذلك في قوله تعالى «أفمن يخلق كمن لا يخلق» إذ مقتضى
стр. 2459
الظاهر عكسه لأن الخطاب لعباد الأوثان حيث سموها آلهة تشبيها به تعالى فجعلوا غير الخالق كالخالق فجاءت المخالفة في الخطاب كأنهم لمبالغتهم في عبادتها ولا سفافهم- بالتالي- وارتكاس عقولهم صارت عندهم كالأصل وصار الخالق الحقيقي هو الفرع فجاء الإنكار على وفق ذلك. وللتشبيه المقلوب أسرار كثيرة ومنها هذا السر الذي ألمعنا اليه ومنها أن ينسى الإنسان أن المشبه به هو المقدّم لشدة ولعه بالمشبه فيعكس التشبيه كما فعل البحتري في وصف البركة التي بناها المتوكل على الله إذ قال:
كأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لمّا سال واديها
والمعهود أن تشبه يد الخليفة في تدفقها بالكرم بالبركة إذا تدفقت بالماء.
هذا وقد جرى الشعراء على مذهب القلب كثيرا فمنهم من أصاب كما أصاب أبو عبادة البحتري ومنهم من أخطأ وتعسف، وزعم أبو بكر الصولي أن أبا تمام قد أخطأ في قلبه بقوله:
طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا
قال أبو بكر: «أراد وكفى بأنه مضى حميدا شاهدا على اني رزئت وكان وجه الكلام أن يقول: وكفى برزئي شاهدا على أنه مضى حميدا لأن حمد أمر الطلل قد مضى وليس بشاهد ولا بمعلوم ورزؤه بما ظهر من تفجعه شاهد معلوم فلأن يكون الحاضر شاهدا على الغالب أولى من أن يكون الغائب شاهدا على الحاضر» ومضى الصولي في نقده منكرا أن يكون القلب قد ورد في القرآن وان ما احتج به أصحاب
стр. 2460
أبي تمام من قلب في القرآن على ما جاء به في بيته من قلب ليس صحيحا رغم قول المفسرين وانه لهذا لا يصحّ القياس عليه فلا يصح القلب في بيت أبي تمام.
وهذا تعسف وتحامل من الصولي حدا به الى انكار ما انعقد الإجماع ودل المنطق عليه وسنعود الى مناقشته في مكان آخر من هذا الكتاب.
٤- التغليب:
في قوله تعالى أيضا «أفمن يخلق كمن لا يخلق» إذ المراد بمن لا يخلق الأصنام وجاء بمن الذي هو للعقلاء ذوي العلم وذلك لأنهم لما عبدوها وسموها آلهة أجروها مجرى أولي العلم فجيء بمن على اعتقادهم ووفق ما هو مركوز في سلائقهم، وأيضا للمشاكلة بينها وبين الخالق الحقيقي وهو المعبر عنه بقوله «أفمن يخلق كمن لا يخلق» قال العز بن عبد السلام هذه الآية مشكلة لأن قاعدة التشبيه تقتضي أن يقال أفمن لا يخلق كمن يخلق ولا يقال انهم كانوا يعظمون الأصنام أكثر من الله لأنهم لم يقولوا ذلك وإنما قالوا: نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى بخلاف قوله تعالى: أفنجعل المسلمين كالمجرمين وقوله: أم نجعل المتقين كالفجار فإنهم لما كانوا يقولون نحن نسود في الآخرة كما سدنا في الدنيا جاء الجواب على وفق معتقدهم انهم أعلى والمؤمنون أدنى.
وأجاب شيخ الإسلام زكريا في فتح الرحمن: «بأن الخطاب لعباد الأوثان وهم بالغوا في عبادتها حتى صارت عندهم أصلا في العبادة والخالق فرعا فجاء الإنكار على وفق ذلك ليفهموا المراد على معتقدهم.
стр. 2461
الفوائد:
اللحم الطري ولحم السمك:
من طرائف الفقهاء أنهم يقولون: إذا حلف الرجل لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث فإذا اعترض عليهم معترض بأن الله تعالى سماه لحما قالوا إن الأمر مبني على العادة وعادة الناس إذا ذكر اللحم على إطلاقه لا يفهم منه السمك قالوا: ألا ترى أنه لو حلف لا يركب دابة فركب كافرا لا يحنث وإن سماه الله دابة في قوله: «إن شر الدواب عند الله الذين كفروا» وكذا لو خرب بيت العنكبوت لا يحنث بيمينه لا يخرب بيتا وكذلك الألية وشحم البطن ليسا بلحم لأنهما لا يستعملان استعمال اللحم ولا يتخذ منهما ما يتخذ من اللحم ولا يسميان لحما عرفا إلى آخر هذه المباحث التي يرجع إليها في المطولات من كتب الفقه.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٨ الى ٢٣]
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)
لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)
стр. 2462
الإعراب:
(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها) جملة مستأنفة مسوقة للتذكير الاجمالي بأنعم الله وآلائه وإن شرطية وتعدوا فعل الشرط والواو فاعل ونعمة الله مفعول به ولا نافية وتحصوها جواب الشرط والواو فاعل والهاء مفعول به. (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) إن واسمها واللام المزحلقة للتوكيد وغفور خبر إن الاول ورحيم خبرها الثاني. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ) الله مبتدأ وجملة يعلم خبر وفاعل يعلم مستتر تقديره هو وما مفعول به وجملة تسرون صلة وما تعلنون عطف على ما تسرون. (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ) والذين مبتدأ وجملة يدعون صلة ومن دون الله حال وجملة لا يخلقون خبر الذين وشيئا مفعول به والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ وجملة يخلقون خبر وهو بالبناء للمجهول. (أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) أي هم أموات فهو خبر لمبتدأ محذوف وهو أولى من جعله خبرا ثانيا للذين وان كان لا يمتنع وغير أحياء صفة لأموات قصد به التأكيد وما يشعرون عطف على أموات فهو بمثابة الجزء الثاني ل «هم» المقدرة أو خبر ثالث للذين وأيان ظرف ليبعثون فهو متعلق به واختلف في ضمير يبعثون فقيل هو للاصنام والمعنى وما يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء وفي ذلك من التهكم ما فيه وهذا أرجح ما قيل فيه ولهذا اقتصرنا عليه واجتزأنا به. (إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) إلهكم مبتدأ وإله خبر وواحد صفة والفاء الفصيحة والذين مبتدأ وجملة لا يؤمنون بالآخرة صلة وقلوبهم مبتدأ ومنكرة خبر لقلوبهم والجملة الاسمية خبر الذين وهم الواو حالية وهم مبتدأ ومستكبرون خبر والجملة في محل نصب على
стр. 2463
الحال. (لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ) لا جرم تقدم القول فيه في سورة هود ونضيف هنا ان لا نافية وجرم بمعنى بد وهذا بحسب الأصل أما هنا فقد ركبت لا مع جرم تركيب خمسة عشر وجعلا بمعنى فعل معناه حق وثبت وأن وما في حيزها فاعله وجملة يعلم خبر أن وجملة يسرون صلة وما يعلنون عطف على ما يسرون. (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) ان واسمها وجملة لا يحب خبرها والمستكبرين مفعول يحب.
الفوائد:
(أَيَّانَ) : اسم شرط للزمان يجزم فعلين ملحقا بما أو غير ملحق بها، كقول الشاعر:
أيان نؤمنك تأمن غيرنا وإذا ... لم تدرك الأمن منا لم تزل حذرا
وقول الآخر وقد ألحقها ما الزائدة للتوكيد:
إذا النعجة الأدماء باتت بقفره ... فأيان ما تعدل به الريح تنزل
وتكون اسم استفهام عن الزمان مثل متى وأصلها «أي آن» فهي مركبة من أي المتضمنة معنى الشرط وآن بمعنى حين فصارتا بعد التركيب اسما للشرط أو للاستفهام مبنيا على الفتح في محل نصب على الظرفية الزمانية.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٢٤ الى ٢٩]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)
فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)
стр. 2464
اللغة:
(أَساطِيرُ) : جمع أسطورة كأحاديث وأضاحيك وأعاجيب جمع أحدوثة وأضحوكة وأعجوبة وفي القاموس والتاج: الإسطار والأسطار والأسطور والأساطير وأيضا كلها بالهاء ما يكتب والجمع أساطير والحديث الذي لا أصل له.
(أَوْزارَهُمْ) جمع وزر وهو الذنب.
стр. 2465
الإعراب:
(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) إذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة قيل لهم مضاف إليها الظرف وجملة ماذا أنزل ربكم نائب فاعل لقيل والكلام مستأنف مسوق للشروع في ذكر نماذج من مثالب المشركين، وماذا: تقدم انه يجوز فيها وجهان فإما أن تكون كلها اسم استفهام في محل نصب مفعول مقدم لأنزل وإما أن تكون ما وحدها اسم استفهام وذا اسم موصول في محل رفع خبر، وأنزل ربكم فعل وفاعل وجملة قالوا لا محل لها وأساطير الأولين خبر لمبتدأ محذوف أي هي أساطير الأولين أو المنزل أساطير الأولين وفي تقديره المنزل بلاغة زائدة لأنه يكون تهكما أي على فرض أنه منزل فهو أساطير لا طائل تحتها. (لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ) اللام للتعليل ويحملوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل وأوزارهم مفعول به وكاملة حال ويوم القيامة ظرف متعلق بيحملوا ولك أن تجعل اللام للعاقبة وعلى كل حال هي متعلقة بقوله قالوا أساطير الأولين فإما أن يكون المعنى أنهم جنوا على أنفسهم بأيديهم وقالوا ما يسبب لهم حمل الأوزار أو أنهم فعلوا ذلك جاهلين غافلين فكانت عاقبتهم بذلك أن يحملوا أوزارهم يعني ذنوب أنفسهم التي اجترحوها سيأتي سر قوله «كاملة» في باب البلاغة. (وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ) ومن أوزار عطف على أوازرهم فالجار والمجرور متعلقان بيحملوا ومن للتبعيض أي وبعض أوزار من يضل بضلالهم وهذا ما ذهبت إليه طائفة من المفسرين على رأسهم الزمخشري والبيضاوي والجلال وقال الواحدي: «ولفظ من في قوله «ومن أوزار الذين يضلونهم» ليست للتبعيض لأنها لو كانت للتبعيض لنقص
стр. 2466
عن الاتباع بعض الأوزار وذلك غير جائز لقوله ﵊:
«لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» لكنها للجنس أي ليحملوا من جنس أوزار الكفار» وهو كلام جميل أيضا وجملة يضلونهم صلة الذين وبغير علم حال من المفعول به أي يضلون من لا يعلم انهم ضلال ويجوز أن تكون من الفاعل المسند إليه الإضلال والمعنى أنهم يقدمون على الإضلال جهلا منهم بما يترتب عليهم من العذاب الشديد. وألا أداة تنبيه وساء فعل ماض لانشاء الذم وما تمييز أي شيئا أو فاعل ساء وجملة يزرون صفة لما على الاول أو صلة لها على الثاني وعلى كل حال المخصوص بالذم محذوف تقديره وزرهم. (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ) جملة مستأنفة مسوقة لتسلية النبي ﷺ عما كابده من تعنتهم ومكرهم وقد حرف تحقيق ومكر الذين فعل وفاعل ومن قبلهم صلة الذين فأتى الله بنيانهم عطف على ما تقدم وهو فعل وفاعل ومفعول به ومن القواعد حال أو جار ومجرور متعلقان بأتى. (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) الفاء عاطفة وخر فعل ماض وعليهم جار ومجرور متعلقان بخر والسقف فاعل ومن فوقهم حال وأتاهم العذاب فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر ومن حيث متعلقان بأتاهم وجملة لا يشعرون مضافة إلى الظرف. (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ) ثم حرف عطف ويوم ظرف متعلق بيخزيهم والقيامة مضاف اليه ويخزيهم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به. (وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ) أين اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدم وشركائي مبتدأ مؤخر والذين صفة لشركائي وجملة كنتم صلة وجملة تشاقون خبر كنتم وفيهم متعلقان بتشاقون. (قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ) قال الذين فعل
стр. 2467
وفاعل وجملة أوتوا صلة والواو نائب فاعل والعلم مفعول به ثان وإن واسمها واليوم ظرف متعلق بالخزي لأنه مصدر يعمل عمل الفعل والسوء عطف على الخزي وعلى الكافرين خبر إن. (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) الذين نعت للكافرين أو بدل منه وجملة تتوفاهم الملائكة صلة والجملة فعل ومفعول به وفاعل وظالمي أنفسهم حال من مفعول تتوفاهم وأنفسهم مضاف اليه وتتوفاهم مضارع بمعنى الماضي.
(فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ) يجوز أن تكون الفاء عاطفة وألقوا معطوف على توفاهم لأنه بمعنى توفتهم ويجوز أن يكون ألقوا معطوفا على قال الذين أوتوا العلم ويجوز أن تكون للاستئناف، وألقوا فعل وفاعل والسلم مفعول به، والسلم المسالمة والإخبات وجملة ما كنا مقول لقول محذوف أي قائلين وما نافية وكنا كان واسمها وجملة نعمل خبر كنا ومن زائدة وسوء مجرور لفظا منصوب محلا على انه مفعول به.
(بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) بلى حرف جواب وان واسمها وخبرها وبما متعلقان بعليم وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم. (فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) الفاء الفصيحة وادخلوا فعل أمر وفاعل وأبواب مفعول به على السعة وجهنم مضاف اليه وخالدين حال من فاعل ادخلوا وفيها متعلقان بخالدين والفاء استئنافية واللام للابتداء وبئس فعل ماض لانشاء الذم ومثوى المتكبرين فاعل والمخصوص بالذم محذوف أي هي.
البلاغة:
١- في قوله تعالى: «قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم» استعارة تمثيلية فقد شبه حال
стр. 2468
جميع الماكرين المبطلين المدبرين للمكايد والمؤامرات والذين يحاولون إيقاع الضرر والمكر بالمؤمنين ونصب الشباك لهم بحال قوم بنوا بنيانا شامخا ودعموه بأساطين البناء وقواعده فطاح البنيان من الأساطين نفسها بأن وهنت ولم تقو على إمساك ما أقيم عليها فتهدم السقف وهوى عليها.
هذا وقد ذكر علماء البلاغة ان للتمثيل مظهرين أحدهما أن يظهر المعنى ابتداء في صورة التمثيل وثانيهما ما يجيء في أعقاب المعاني لإيضاحها وتقريرها في النفوس وهو على الحالين يكسو المعاني أبهة ويرفع من أقدارها ويضاعف قواها في تحريك النفوس لها ودعوة القلوب إليها. تأمل قول أبي الطيب:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
لو كان عبر عن المعنى بقوله مثلا: ان الجاهل لمفاسد الطبع يتصور المعنى بغير صورته ويخيل اليه في الصواب انه خطأ فهل كنت تجد هذه الروعة؟ وهل كان يبلغ من التهجين للجاهل والكشف عن نقصه ما بلغ التمثيل في البيت؟ ومهما بالغت في تصوير المؤامرات المبطلة يدبرها المبطلون، ويحوكونها من خلف ستار حتى إذا خيل لهم انها قد أحكمت واستطاعت أن توقع الخصوم في شراكها إذا بها تحبط فجأة فهل يبلغ ذلك من نفسك مبلغ مشهد البناء وقد تطاول وتسامق وتشامخ وأحكمه بانيه إحكاما خيل اليه معه أنه ضمن له الخلود فما عتم أن تزلزلت منه أواخيه وصياصيه وانهار بمن وعلى من فيه وفيما يلي طائفة من أبيات التمثيل لتقيس عليها:
قال ابن لنكك يهجو قوما حسنت مناظرهم وقبحت مخابرهم.
стр. 2469
في شجر السرو منهم مثل ... له رواء وما له ثمر
وقال ابن الرومي في المعنى نفسه:
فغدا كالخلاف يورق للعي ... ين ويأبى الإثمار كل الإباء
وتأمل كذلك قول أبي تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
مقطوعا عن البيت الذي يليه برغم أن البيت واضح المعنى ثم اتبعه بالبيت التالي:
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
وانظر هل نشر المعنى تمام حلته وأظهر المكنون من حليته وزينته واستحق التقديم كله إلا بالبيت الأخير، وما فيه من التمثيل والتصوير.
وسيأتي من روائع التمثيل في كتابنا ما يذهل الألباب.
عودة إلى الآية:
والآية التي نحن بصددها من أرقى ما يصل اليه التمثيل وهي خالدة لا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة فالبناء كان ولا يزال يمثل القوة والجدّة والثراء، وتداعيه وتطوحه يمثل قديما وحديثا زوال ذلك كله وفناءه ذلك لأن الاستعارة التمثيلية أساسها التشبيه فلا عجب أن تختلف فبها الأذواق باختلاف الأزمنة كما اختلفت في تقدير التشبيه وها نحن أولاء اليوم لا نستسيغ كثيرا من الاستعارات التي أوحت بها البيئة
стр. 2470
الماضية والتي تبقى رواسم جامدة يبهرنا لفظها أكثر مما يوضحه في نفوسنا معناها أما الاستعارة التي تتجاوز ظروف الزمان والمكان وتضمن لها الجدّة الباقية بقاء الدهر فهي الاستعارة التي تحقق غرض القائل وتكون فيها الصورة المشبهة بها واضحة معروفة تصور ما تريد أن تصوره بوضوح وتأثير وإيجاز وتضاف إليها روافد كهذه الآية عند ما قال «فخر عليهم السقف من فوقهم» فقد أكد التمثيل بقوله من فوقهم لأن السقف لا يخر إلا من فوق لأنه أشعر بخروره فوقهم أنهم تحته فأزال احتمال أن يكونوا غير موجودين تحته وأكد إبطال مؤامراتهم بموتهم متأثرين بما نصبوه للآخرين على حد قول المثل: «من حفر حفرة لأخيه وقع فيها» .
٢- الاحتراس:
في قوله تعالى «فخر عليهم السقف من فوقهم» فإن لقائل أن يقول: السقف لا يكون إلا من فوق فما معنى ذكر من فوقهم والجواب انه احتراس من احتمال أن السقف قد يكون أرضا بالنسبة لغيرهم، فإن كثيرا من السقوف يكون أرضا لقوم وسقفا لقوم آخرين فرفع الله تعالى هذا الاحتمال بجملتين وهما قوله «عليهم» وقوله «خر» لأنها لا تستعمل إلا فيما يهبط أو يسقط من العلو إلى السفل.
هذا وقد ساق بعض النقاد بيتا في شواهد العيوب وهو:
زياد بن عين عينه تحت حاجبه ... وبيض الثنايا تحت خضرة شاربه
فقال: وجه العيب فيه كون العين لا تكون إلا تحت الحاجب.
стр. 2471
والثنايا تحت الشارب، وقيل في الرد على هذا العائب: ان الشاعر أراد أن هذا الممدوح خلق في أحسن تقويم وولد كذلك ولم يولد مشوه الخلق ولا معيب الصورة ولم يطرأ عليه وهو جنين ما ينقص خلقه أو يشوهه.
وقال ابن الاعرابي: «وإنما قال: من فوقهم ليعلمك انهم كانوا حالين تحته والعرب تقول: خر علينا سقف ووقع علينا حائط إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه فجاء بقوله: من فوقهم ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب» وهو كلام لا بأس به.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٠ الى ٣٤]
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤)
стр. 2472
الإعراب:
(وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً) وقيل للذين قيل فعل ماض مبني للمجهول واختلف في ضميره وأقرب الأقوال انهم وفود العرب الذين كانت تبعثهم القبائل الى مكة وللذين متعلقان بقيل وجملة اتقوا صلة وماذا تقدم القول فيها كثيرا وأنزل ربكم فعل وفاعل وخيرا مفعول لفعل محذوف أي أنزل خيرا وعبارة الزمخشري «فإن قلت لم رفع الأول ونصب هذا قلت فرقا بين جواب المقر وجواب الجاحد يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للانزال فقالوا: خيرا أي أنزل خيرا وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين وليس من الانزال في شيء» . (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ) للذين خبر مقدم وجملة أحسنوا صلة وفي هذه متعلقان بأحسنوا والدنيا بدل وحسنة مبتدأ مؤخر والجملة مستأنفة ويجوز أن تكون مفسرة لقوله «خيرا» ولدار الآخرة اللام للابتداء ودار الآخرة مبتدأ وخير خبر ولنعم دار المتقين اللام للابتداء ايضا ونعم فعل ماض لإنشاء المدح ودار المتقين فاعل والمخصوص بالمدح محذوف أي هي (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها) جنات خبر لمبتدأ محذوف ويجوز أن تكون هي المخصوص بالمدح فتعرب مبتدأ خبره جملة نعم دار المتقين أو خبرا لمبتدأ محذوف والأول أرجح وأقل تكلفا وجملة يدخلونها حالية.
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ) جملة تجري من تحتهم الأنهار حال أيضا ولهم خبر مقدم وفيها حال وما مبتدأ مؤخر وجملة يشاءون صلة وجملة لهم فيها حال ثالثة. (كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ) الكاف نعت لمصدر محذوف ويجوز أن تعرب حالا وقد تقدم تقرير ذلك كثيرا ويجزي الله المتقين فعل وفاعل ومفعول به. (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ
стр. 2473
الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ)
الذين نعت للمتقين أو بدل منه وجملة تتوفاهم صلة والهاء مفعول به والملائكة فاعل وطيبين حال من المفعول في تتوفاهم أي طاهرين من الشوائب. (يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) جملة يقولون حال من الملائكة مقارنة أو مقدرة وسيأتي تعريفهما في باب الفوائد وسلام مبتدأ وعليكم خبر وادخلوا الجنة فعل أمر وفاعل ومفعول به وبما متعلقان بادخلوا وجملة كنتم صلة وجملة تعملون خبر كنتم ويجوز أن تكون ما مصدرية والاعراب واحد.
َلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ)
هل حرف استفهام ومعناه النفي وينظرون فعل مضارع وفاعل وإلا أداة حصر وأن وما في حيزها مصدر مؤول مفعول ينظرون وأو حرف عطف ويأتي أمر ربك عطف على تأتيهم الملائكة أي العذاب. َذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)
تقدم إعراب كذلك قريبا فجدد به عهدا وفعل الذين فعل وفاعل ومن قبلهم صلة الموصول. َ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
الواو عاطفة وما نافية وظلمهم الله فعل ومفعول به وفاعل والواو حالية أو اعتراضية ولكن مخففة مهملة وكان واسمها وجملة يظلمون خبرها وأنفسهم مفعول مقدم لقوله يظلمون. (فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا) الفاء عاطفة وأصابهم فعل ومفعول به مقدم وسيئات فاعل وما موصولة أو مصدرية وهي على كل مضافة لسيئات. (وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الواو عاطفة وبهم متعلقان بحاق وما فاعل وجملة كانوا صلة وبه متعلقان بيستهزئون وجملة يستهزئون خبر كانوا.
الفوائد:
الحال بالنسبة للزمان:
للحال بالنسبة للزمان ثلاثة أقسام:
стр. 2474
١- مقارنة وهي الغالبة نحو: «هذا بعلي شيخا» .
٢- مقدرة وهي المستقبلة نحو: «ادخلوها خالدين» .
٣- ومحكية وهي الماضية نحو: جاء زيد أمس راكبا.
وفي الآية التي نحن بصددها وهي «يقولون سلام عليكم» يجوز أن تكون مقارنة إن كان القول واقعا منهم في الدنيا وأن تكون مقدرة إن كان القول واقعا منهم في الآخرة.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٥ الى ٣٦]
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)
الإعراب:
(وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا) الواو استئنافية والجملة مستأنفة لتقرير مغالطتهم وقولهم كلمة حق أريد بها باطل واحتجاجهم على الله تعالى بمشيئته التي لا حجة
стр. 2475
لهم فيها مع ما خلق لها من اختيار النجدين وسلوك أحد الطريقين.
وقال الذين فعل وفاعل وجملة أشركوا صلة ولو امتناعية شرطية وشاء الله فعل وفاعل والمفعول محذوف أي لو شاء خلاف طريقتنا وما يصدر عنا وسيأتي مزيد بحث عن حذف المفعول به في باب البلاغة وما نافية وعبدنا فعل وفاعل ومن دونه حال ومن زائدة وشيء مجرور لفظا مفعول عبدنا محلا ونحن تأكيد لفاعل عبدنا والمعنى ما عبدنا شيئا حال كونه دونه ولا الواو عاطفة ولا نافية وآباؤنا عطف على نحن. (وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) الواو عاطفة وحرمنا فعل وفاعل ومن دونه حال من شيء ومن حرف جر زائد وشيء مجرور لفظا مفعول به منصوب محلا.
(كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) كذلك نعت لمصدر محذوف مفعول مطلق وفعل الذين فعل وفاعل ومن قبلهم صلة. (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) الفاء عاطفة وهل حرف استفهام معناه النفي وعلى الرسل خبر مقدم وإلا أداة حصر والبلاغ مبتدأ مؤخر والمبين صفته. (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وبعثنا فعل وفاعل وفي كل أمة متعلقان ببعثنا ورسولا مفعول به.
(أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) أن يجوز أن تكون مصدرية وهي مع مدخولها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان ببعثنا ويجوز أن تكون مفسرة لأن البعث فيه معنى القول واعبدوا فعل أمر وفاعل ولفظ الجلالة مفعول به واجتنبوا الطاغوت فعل أمر وفاعل ومفعول به.
(فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) الفاء تفريعية استئنافية ومنهم خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وهي نكرة موصوفة وجملة هدى الله صفة لمن ومنهم من حقت عليه الضلالة عطف على سابقتها وهي مثلها في الإعراب. (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ
стр. 2476
عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)
الفاء الفصيحة أي إن أردتم الاهتداء والاستدلال على الطريق المثلى فسيروا وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بسيروا فانظروا الفاء عاطفة وانظروا فعل أمر وفاعل وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعاقبة المكذبين اسمها المؤخر.
البلاغة:
إيجاز الحذف:
الحذف للايجاز فقد حذف مفعول شاء في قوله «لو شاء الله ما عبدنا من دونه» أي لو شاء هدايتنا، ولحذف المفعول به لطائف هي أكثر من أن تذكر، ذلك أن أغراض الناس تختلف في ذكر الأفعال المتعدية فتارة يذكرونها ويريدون أن يقتصروا على إثبات المعاني التي اشتقت منها للفاعلين من غير أن يتعرضوا لذكر المفعولين وعندئذ يكون الفعل المتعدي كغير المتعدي ومثال ذلك قول الناس: فلان يحلّ ويعقد، ويأمر وينهى، ويضر وينفع، والقسم الثاني أن يكون للفعل مفعول مقصود إلا أنه يحذف من اللفظ لدليل يدل عليه وقد يكون ذلك جليا لا صنعة فيه كقولهم: «أصغيت اليه» أي بأذني، والخفي منه ما تدخله الصنعة، فمن الخفي أن تذكر الفعل وفي نفسك له مفعول مخصوص إلا أنك تنساه وتخفيه عن نفسك وتوهم أنك إنما تذكر الفعل لتثبت نفس معناه من غير أن تعديه إلى مفعول كقول البحتري:
شجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع
المعنى أن يرى مبصر محاسنه ويسمع واع أخباره، ومن الخفي
стр. 2477
ايضا أن يكون معك مفعول معلوم مقصود قد علم انه ليس للفعل الذي ذكرت مفعول سواه بدليل الحال أو ما سبق من الكلام إلا أنك تطرحه وتتناساه لكي تتوفر العناية على إثبات الفعل للفاعل وتخلص له وتنصرف بجملتها اليه، قال طفيل الغنوي في بني جعفر بن كلاب:
جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبو أن يملونا ولو أن أمّنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملّت
هم خلطونا بالنفوس وألجئوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت
حذف المفعول في أربعة مواضع هي «لملت» و «ألجئوا» و «أدفأت» و «أظلت» لأن الأصل لملتنا وألجئونا الى حجرات أدفأتنا وأظلتنا وقول الشاعر «ولو أن أمنا تلاقي الذي لا قوه منا لملت» يتضمن أن ما لا قوه منا قد بلغ من القوة الى أن يجعل كل أم تملّ وتسأم وان المشقّة بلغت من ذلك حدا يجعل الأم له تمل الابن وتتبرم به مع ما في طباع الأمهات من الصبر على المكاره في مصالح الأولاد وذلك انه وإن قال «أمنا» فإن المعنى على أن ذلك حكم كل أم مع أولادها ولو قال لملتنا لم يصلح لأنه يراد به معنى العموم وان بحيث يملّ كل أم من كل ابن، ومن ذلك حذف المفعول بعد فعل المشيئة كقوله:
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد
والأصل: لو شئت أن تفسد سماحة حاتم لم تفسدها ثم حذف ذلك من الأول استغناء بدلالة في الثاني عليه ثم هو على ما تراه من الحسن والغرابة لأن الواجب في حكم البلاغة أن لا ينطق بالمحذوف
стр. 2478
فليس يخفى أنك لو رجعت إلى الأصل لصرت إلى كلام غث وإلى شيء يمجه السمع وتعافه النفس.
ويعلل عبد القاهر الجرجاني لجمال حذف المفعول بعد فعل المشيئة بأن في البيان بعد الإبهام وبعد تحريك النفس الى معرفته لطفا ونبلا لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك فأنت إذا قلت لو شئت علم السامع انك قد علقت هذه المشيئة في المعنى بشيء فهو يضع في نفسه أن هاهنا شيئا تقتضيه المشيئة فاذا قلت لم تفسد سماحة حاتم عرف ذلك الشيء.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٧ الى ٤٢]
إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)
الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)
الإعراب:
(إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) إن شرطية
стр. 2479
وتحرص فعل الشرط وعلى هداهم متعلقان بتحرص أي ترغب فيه، فإن الفاء رابطة لجواب الشرط وان واسمها وجملة لا يهدي خبرها ومن اسم موصول مفعول به وجملة يضل صلة وقيل جواب الشرط محذوف وجملة فإن الله لا يهدي تعليل للجواب والتقدير لا تقدر أنت ولا يقدر أحد على هدايتهم. (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) الواو عاطفة وما نافية حجازية ولهم خبر ما مقدم ومن حرف جر زائد وناصرين اسم ما محلا أو مبتدأ مؤخر ومجرور لفظا. (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) وأقسموا فعل وفاعل وبالله جار ومجرور متعلقان بأقسموا وجهد أيمانهم نصب على المصدرية وقيل مصدر في موضع الحال أي جاهدين والجملة عطف على وقال الذين أشركوا أو استئنافية إخبارية. (لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا) لا نافية ويبعث الله من يموت فعل وفاعل ومفعول والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم وسمي الحلف قسما لأنه يكون عند انقسام الناس الى مصدق ومكذب وبلى حرف جواب أي بلى يبعثهم لأنه إثبات لما بعد النفي ووعدا عليه حقا مصدران مؤكدان لما دل عليه بلى وقيل حقا صفة لوعدا وكذا عليه، وعليه متعلقان بحقا. (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) الجملة حالية ولكن واسمها وجملة لا يعلمون خبرها. (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) اللام للتعليل ويبين فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بما دل عليه بلى أي يبعثهم ليبين ولهم متعلقان بيبين والذي مفعول به وجملة يختلفون صلة وفيه متعلقان بيختلفون. (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ) وليعلم عطف على ليبين والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يعلم وان واسمها وجملة كانوا خبرها وكاذبين خبر كانوا. (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) إنما كافة ومكفوفة وقولنا مبتدأ ولشيء جار ومجرور متعلقان بقولنا وإذا ظرف متعلق بقولنا وجملة أردناه مضافة للظرف
стр. 2480
وأن ومدخولها مصدر مؤول خبر قولنا وله متعلقان بنقول وكن فعل أمر من كان التامة وجملة كن مقول القول، فيكون: الفاء عاطفة ويكون معطوف على مقدر تفصح منه الفاء وينسحب عليه الكلام أي فنقول له ذلك فيكون، واما جواب لشرط محذوف فتكون فصيحة أي فإذا قلنا ذلك فهو يكون وسيأتي مزيد بحث عن هذا القول والمقول والأمر والمأمور في باب البلاغة والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير القدرة على البعث أو كيفية التكوين على الإطلاق إبداء وإعادة. (وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا) والذين مبتدأ وجملة هاجروا صلة أي انتقلوا من مكة الى المدينة، ومنهم من هاجر الى الحبشة فجمع بين الهجرتين وفي الله متعلقان بهاجروا وفي للتعليل أي لإقامة دين الله ومن بعد حال وما مصدرية مؤولة مع مدخولها بمصدر مضاف الى بعد، أي من بعد ظلمهم بالأذى من أهل مكة. (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً) اللام موطئة للقسم وجملة نبوئنهم خبر الذين وفي الدنيا حال وحسنة صفة لمصدر محذوف أي تبوئة حسنة فهي نائب مفعول مطلق ولك أن تعربها مفعولا ثانيا لنبوئنهم لتضمن معناه نعطينهم فتكون صفة لمحذوف أي دارا حسنة (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) الواو حالية واللام للابتداء وأجر الآخرة مبتدأ وأكبر خبر ولو شرطية وكان واسمها وخبرها. (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) الذين خبر لمبتدأ محذوف أي هم الذين صبروا فمحله الرفع أو منصوب على المدح أي أعني الذين صبروا فمحله النصب وجملة صبروا صلة وعلى ربهم جار ومجرور متعلقان بيتوكلون ويتوكلون فعل مضارع وفاعل.
البلاغة:
١- إنما:
«إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون» عقد الامام
стр. 2481
عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الاعجاز فصلا ممتعا عن إنما ننقل خلاصته، فقد وقف يستلهم معاني «إنما» ويرى أن الوقوف فيها عند قول النحاة: انه ليس في انضمام «ما» إلى «ان» فائدة أكثر من أنها تبطل عملها خطأ بيّن، وأصل انما أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ولا ينكر صحته أو لما ينزل هذه المنزلة فمن الاول قوله تعالى «انما يستجيب الذين يسمعون» فكل عاقل يعلم انه لا تكون استجابة إلا ممن يعقل ما يقال له ويدعى اليه ومثال ما ينزل هذه المنزلة قول ابن الرقيات:
انما مصعب شهاب من الله تجلّت عن وجهه الظلماء وتفيد انما في الكلام الذي بعدها إيجاب الفعل لشيء ونفيه عن غيره وتجعل الأمر ظاهرا فإذا قلت إنما جاءني زيد عقل منه أنك أردت أن يكون الجائي غيره فمعنى الكلام معها شبيه بالمعنى في قولك: جاءني زيد لا عمرو إلا أن لها مزية وهي انك تعقل معها إيجاب الفعل لشيء ونفيه عن غيره دفعة واحدة وتجعل الأمر ظاهرا في أن الجائي زيد.
٢- الاستعارة التمثيلية: في قوله «كن فيكون» فهي استعارة للكينونة تمثل سرعة الإيجاد عند تعلق الارادة وليس هناك أمر حقيقة ولا كاف ولا نون وإلا لو كان هناك أمر لتوجه أن يقال إن كان الخطاب للشيء حال عدمه فلا يعقل لأن خطاب المعدوم لا يعقل وإن كان بعد وجوده ففيه تحصيل الحاصل وإنما القصد منه تصوير سرعة الحدوث بما لا يتجاوز أمده النطق بلفظ كن وما أسهلها.
٣- الاخبار عن الماضي بالمستقبل أبلغ من الاخبار بالفعل الماضي وذلك في قوله تعالى «وعلى ربهم يتوكلون» فالظاهر أن المعنى على
стр. 2482
المضي والتعبير بالمضارع لاستحضار تلك الصورة البديعة حتى كأن السامع يشاهدها وقد تقدم بحثه.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٣ الى ٤٧]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)
اللغة:
(الزُّبُرِ) : الكتب جمع زبور بمعنى مزبور.
(تَخَوُّفٍ) : تنقص وهو من قولك تخوفته وتخونته إذا تنقصته قال زهير بن أبي سلمى- وقيل هو لأبي كبير الهذلي-:
تخوف الرحل منها تامكا قردا ... كما تخوف عود النبعة السبفن
والمعنى يأخذهم على أن ينتقصهم شيئا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا وعن عمر بن الخطاب أنه سأل عن معنى التخوف
стр. 2483
في قوله تعالى «أو يأخذهم على تخوف» فيقوم له رجل من هذيل ويقول: هذه لغتنا التخوف التنقص قال عمر: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم وأنشد البيت الآنف فقال عمر: عليكم بديوانكم لا يضل، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم.
الصحابة والغريب في القرآن:
بدأت مدرسة الرسول ﷺ تترسّم خطاه في التفسير وتحفظ ما نقل عنه وترويه وقد تتزيد فيه بشرح لفظ غريب وعلى الرغم من هذا لا نعدم بعض الغريب في آيات الكتاب توفقوا عنده من ذلك ما أخرجه أبو عبيدة في الفضائل عن ابراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله تعالى: «وفاكهة وأبّا» فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ ونقل عن أنس أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر «وفاكهة وأبّا» فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأبّ؟ ثم رجع الى نفسه فقال: إن هذا لهو الكلف يا عمر، وقد انقسم الصحابة في صدر الإسلام الى قسمين: متحرج من القول في القرآن ومن هؤلاء أبو بكر وعمر وعبد الله بن عمر وكان عبد الله يأخذ على عبد الله بن عباس تفسيره القرآن بالشعر، والقسم الثاني الذين لم يتحرجوا وفسروا القرآن حسب ما فهموا من الرسول أو حسب فهمهم الخاص بالمقارنة الى الشعر العربي وكلام العرب ومن هؤلاء علي ابن أبي طالب وعبد الله بن عباس ومن أخذ عنهما وقد وقف ابن عباس على رأس المفسرين بالرأي المتخذين شعر العرب وسيلة الى كشف معاني القرآن وكان علي بن أبي طالب يثني على عبد الله بن عباس ويقول:
стр. 2484
كأنما ينظر الى الغيب من ستر رقيق ومن هؤلاء أيضا ابن مسعود وأبي ابن كعب وغيرهما وتبعهم الحسن البصري ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم ويقول أحمد أمين في كتابه الممتع فجر الإسلام ما خلاصته ان هؤلاء المفسرين من الصحابة والتابعين كانوا ينهجون منهجا يتلخص في الاسترشاد بحديث رسول الله وبروح القرآن وبالشعر العربي والأدب الجاهلي بوجه عام ثم عادات العرب في جاهليتها وصدر إسلامها وما قابلهم من أحداث وما لقي رسول الله من عداء ومنازعات وهجرة وحروب
لمحة عن ابن عباس ومدرسته:
وشق ابن عباس طريقه بين هؤلاء جميعا متزعما مدرسة خاصة تسلطت على التفسير وطبعته بطابعها وقد أورد السيوطي في «الإتقان» مسائل ابن الأزرق المائة في القرآن وجواب ابن عباس عليها بالشعر مفسرا غريب كل آية ببيت ويقول ابن عباس في تفسير القرآن بالشعر:
إذا تعاجم شيء من القرآن فانظروا في الشعر فإن الشعر عربي ويقول:
إذا سألتم عن شيء من غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب، وكان إلمام ابن عباس واسعا بلغة القرآن ومعانيه حتى انه قال: كل القرآن أعلم إلا أربعا: غسلين وحنانا والأواه والرقيم.
وقد بدأت بمحاولات ابن عباس مدرسة جديدة في التفسير تكشف عن أسلوب القرآن ومعانيه بمقارنته بالأدب العربي شعره ونثره ومهدت هذه المدرسة لقيام حركة واسعة لجمع اللغة والشعر من مضارب الخيام وبوادي العرب ليواجهوا ما في القرآن من الغريب الذي ابتعدت به الشقة عن الحجاز وقلب الجزيرة العربية في العراق وفارس والشام
стр. 2485
وغيرها من الأمصار الاسلامية وتلقط العلماء ما كانت تجود به ألسنة الأعراب من أمثلة توافق ما يجري في آيات القرآن وكانت هذه الحركة الكبرى سببا في حفظ العربية من الضياع.
الإعراب:
(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) الواو عاطفة ليتناسق الكلام يورد ناحية أخرى من نواحي تعنتهم وإصرارهم على القول: ان الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا فهلا بعث إلينا ملكا، ولك أن تجعلها استئنافية قائمة بنفسها والجملة مسوقة لما ذكرناه، وما نافية وأرسلنا فعل وفاعل ومن قبلك حال وإلا أداة حصر ورجالا مفعول أرسلنا وجملة نوحي إليهم صفة. (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الفاء الفصيحة أي إن شككتم فيما ذكر فاسألوا، واسألوا فعل أمر وفاعل وأهل الذكر مفعوله وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والجواب محذوف دل عليه فاسألوا وكان واسمها وجملة لا تعلمون خبرها. (بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ) بالبينات يحتمل متعلقات شتى فإما أن يتعلقا بأرسلنا داخلا تحت حكم الاستثناء مع رجالا أي وما أرسلنا إلا رجالا بالبينات ومثل له الزمخشري بقول القائل: ما ضربت إلا زيدا بالسوط لأن أصله ضربت زيدا بالسوط وإما متعلقان بمحذوف صفة لرجالا أي رجالا ملتبسين بالبينات أي مصاحبين لها وإما بأرسلنا مضمرا كأنما قيل بم أرسلوا فقيل بالبينات وإما بنوحي أي نوحي إليهم بالبينات وهناك أوجه أخرى ضربنا عنها صفحا، وأنزلنا عطف على أرسلنا وإليك متعلقان بأنزلنا والذكر مفعول به ولتبين اللام للتعليل وتبين منصوب
стр. 2486
بأن مضمرة وهو متعلق بأنزلنا وللناس جار ومجرور متعلقان بتبين.
(ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ما مفعول تبين وجملة نزل إليهم صلة ولعلهم لعل واسمها وجملة يتفكرون خبرها. (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على محذوف- كما تقدم- يرشد اليه النظم أي أنزلنا إليك الذكر لتبين لهم مضمونه ولم يتفكروا في ذلك فكأنه قيل ألم يتفكروا فأمن الذين مكروا السيئات؟ وأمن الذين فعل وفاعل وجملة مكروا صلة والسيئات صفة لمفعول مطلق محذوف أي المكرات السيئات ويجوز أن يكون مفعولا به لأمن أي أمنوا العقوبات السيئات أو منصوبا بنزع الخافض أي مكروا بالسيئات وان يخسف أن وما في حيزها مصدر مفعول أمن على الوجه الأول في السيئات وبدل من السيئات على الوجه الثاني والله فاعل يخسف، وبهم متعلقان بيخسف والأرض مفعول به. (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) عطف على أن يخسف ومن حيث حال وجملة لا يشعرون مضافة للظرف.
(أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ) عطف أيضا على أن يخسف وفي تقلبهم حال من المفعول أي حال كونهم متقلبين في الأسفار والمتاجر وأسباب الدنيا والفاء عاطفة وما نافية حجازية وهم اسمها والباء حرف جر زائد ومعجزين مجرور بالباء لفظا منصوب محلا على انه خبر ما.
(أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) عطف ثالث على أن يخسف وعلى تخوف حال أيضا من الفاعل أو المفعول أي يأخذهم متنقصا إياهم شيئا بعد شيء أو وهم متخوفون والفاء تعليل لما تقدم وان واسمها واللام المزحلقة ورؤوف خبر إن الاول ورحيم خبر إن الثاني.
стр. 2487
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٨ الى ٥٢]
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠) وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)
اللغة:
(يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ) تفيأ الظل تقلب وانتقل من جانب الى آخر والمصدر التفيؤ من فاء يفيء إذا رجع، وفاء لازم فإذا أريد تعديته عدي بالهمزة كقوله تعالى: «ما أفاء الله على رسوله» أو بالتضعيف نحو فيأ الله الظل فتفيأ، وتفيأ مطاوع فيها فهو لازم واختلف في الفيء فقيل هو مطلق الظل سواء كان قبل الزوال أو بعده وهو ينسجم مع الآية وقيل ما كان قبل الزوال فهو ظل فقط وما كان بعده فهو ظل وفيء فالظل أعم وقيل بل يختص الظل بما قبل الزوال والفيء بما بعده فالفيء لا يكون إلا في العشي وهو ما انصرفت عنه الشمس والظل ما يكون بالغداة وهو ما لم تنله. وفي القاموس والتاج وغيرهما: الظل: الفيء والجمع ظلال وأظلال وظلول وظل الليل سواده، يقال أتانا في ظل الليل، قال ذو الرمة:
стр. 2488
قد أسعف النازح المجهول مسعفه ... في ظل أخضر يدعو هامة البوم
وهو استعارة لأن الظل في الحقيقة إنما هو ضوء شعاع الشمس دون الشعاع فإذا لم يكن ضوء فهو ظلمة وليس بظل وقال أصحاب العلم: الظل مطلقا هو الضوء الثاني ومعنى ذلك أن النير إذا ارتفع عن الأفق استضاء الهواء بإثبات الشعاع فيه فهذا هو الضوء الأول فإذا حجب هذا الضوء حاجب كان ما وراء ذلك الحاجب ضوءا ثانيا بالنسبة إلى الضوء الاول لأنه مستفاد منه وهذا الضوء الثاني هو الظل وقد أوحى خيال الظل الى الشعراء طرائف بديعة فمن ذلك قول المناوي في راقصة:
إذا ما تغنت قلت: سكرى صبابة ... وإن رقصت قلنا احتكام مدام
أرتنا خيال الظل والستر دونها ... فأبدت خيال الشمس وهو غمام
وذكر ابن قتيبة في كتابه (أدب الكاتب) ما نصه: «يذهب الناس إلى أن الظل والفيء واحد وليس كذلك لأن الظل يكون من أول النهار إلى آخره، ومعنى الظل الستر والفيء لا يكون إلا بعد الزوال ولا يقال لما كان قبل الزوال فيء وانما سمي فيئا لأنه ظل فاء من جانب الى جانب أي رجع من جانب المغرب الى جانب المشرق والفيء الرجوع قال الله تعالى: «حتى تفيء إلى أمر الله» أي ترجع.
(الشَّمائِلِ) : جمع شمال أي عن جانبيهما أول النهار وآخره قال العلماء: إذا طلعت الشمس من المشرق وأنت متوجه إلى القبلة كان
стр. 2489
ظلك عن يمينك فإذا ارتفعت الشمس واستوت في وسط السماء كان ظلك خلفك فإذا مالت الشمس الى الغروب كان ظلك عن يسارك.
(داخِرُونَ) : خاضعون صاغرون.
الإعراب:
(أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي والواو عاطفة على محذوف مقدر يقتضيه السياق أي ألم ينظروا ولم يروا متوجهين الى ما خلق الله والى ما جار ومجرور متعلقان بيروا، وهذه الرؤية لما كانت بمعنى النظر وصلت بإلى لأن المراد منها الاعتبار وذلك الاعتبار لا يتأتى إلا بنفس الرؤية التي يكون معها النظر إلى الشيء لتدبره والتبصر فيه والتأمل بمغابه وعواقبه، وجملة خلق الله صلة ومن شيء حال من ما خلق الله وصح أن تكون مبنية لوصفها مع أن كلمة شيء مبهمة وجملة يتفيأ ظلاله صفة لشيء وظلاله فاعل يتفيأ وعن اليمين حال وعن الشمائل عطف ويصح أن تكون «عن» اسما بمعنى جانب فعلى هذا تنتصب على الظرف ويصح أن تتعلق بتتفيأ ومعناه المجاوزة أي تتجاوز الظلال عن اليمين الى الشمال، بقي هنا سؤال وهو لماذا أفرد اليمين وجمع الشمال وأجاب العلماء بأجوبة عديدة أقربها الى المنطق أن الابتداء يقع من اليمين وهو شيء واحد فلذلك وحد اليمين ثم ينتقص شيئا فشيئا وحالا بعد حال فهو بمعنى الجمع فصدق على كل حال لفظ الشمائل فتعدد بتعدد الحالات، وللفراء رأي طريف قال: كأنه إذا وحّد ذهب الى واحد من ذوات الظلال وإذا جمع ذهب إلى كلها لأن قوله «ما خلق الله من شيء» لفظه واحد ومعناه الجمع،
стр. 2490
فعبر عن أحدهما بلفظ الواحد كقوله تعالى «وجعل الظلمات والنور» وقال ابن الصائغ: «أفرد وجمع بالنظر الى الغايتين لأن ظل الغداة يضمحل حتى لا يبقي منه إلا اليسير فكأنه في جهة واحدة وهو بالعشي على العكس لاستيلائه على جميع الجهات فلحظت الغايتان في الآية، هذا من جهة المعنى وفيه من جهة اللفظ المطابقة لأن سجّدا جمع فطابقه جمع الشمائل لاتصاله به فحصل في الآية مطابقة اللفظ للمعنى ولحظهما معا وتلك الغاية في الإعجاز» . وقيل أفرد اليمين مراعاة للفظ ما وجمع ثانيا مراعاة لمعناها وقد أفرد السهيلي رسالة لطيفة على هذه الآية.
وسجّدا حال من ظلاله والواو للحال وهم مبتدأ وداخرون خبر والجملة حالية من الضمير المستتر في سجدا فهي حال متداخلة. (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ) لله جار ومجرور متعلقان بيسجد وما فاعل ليسجد وفي السموات صلة وما في الأرض عطف على ما في السموات ومن دابة في موضع نصب على الحال المبنية والملائكة عطف على ما، وخصهم بالذكر بعد العموم تنويها بفضلهم.
(وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) الواو عاطفة وهم مبتدأ وجملة لا يستكبرون خبر. (يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) جملة يخافون نصب على الحال من ضمير يستكبرون أو بدل من جملة لا يستكبرون لأن من خاف الله لم يستكبر عن عبادته ويخافون ربهم فعل مضارع وفاعل ومفعول به ومن فوقهم حال من ربهم أي يخافون ربهم عاليا عليهم في الرتبة على حد قوله «وهو القاهر فوق عباده» ويفعلون عطف على يخافون وما مفعول به وجملة يؤمرون صلة. (وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ) الواو استئنافية وقال الله فعل وفاعل ولا ناهية وتتخذوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وإلهين مفعول به واثنين صفة لإلهين ومن طريف المفارقات أن جميع المفسرين تقريبا يعربونها توكيدا
следующие страницы →