← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

فالغسل موضوع لما يغتسل به والوضوء لما يتوضأ به ويعمل عند الكوفيين وجماعة من البصريين وعليه قول القطامي: أكفرا بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا فعطاء اسم مصدر مضاف الى فاعله والمائة مفعوله الثاني أما الأول فهو محذوف أي عطائك إياي المائة الرتاع أي الراتعة وهي الإبل التي ترتعي والواقع أن البصريين اضطربت أقوالهم فقال بعضهم بالجواز وقال بعضهم بالمنع. قصة بيت العرجي: غنت جارية بحضرة الواثق من شعر العرجي: أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم فاختلف من بالحضرة في إعراب رجلا فمنهم من نصبه وجعله اسم ان ومنهم من رفعه على انه خبرها والجارية مصرة على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها إياه بالنصب فأمر الواثق بأشخاصه قال أبو عثمان: فلما مثلت بين يديه قال: ممن الرجل؟ قلت من مازن، قال: من أي الموازن؟ قلت: من مازن ربيعة فكلمني بكلام قومي وقال با اسمك؟ لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما إذا كانت في أول الأسماء فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلا أواجهه بالمكر فقلت: بكر يا أمير المؤمنين ففطن لما قصدته وأعجبه مني ذلك ثم قال: ما تقول في قول الشاعر: أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم

стр. 2522

أترفع رجلا أم تنصبه فقلت الوجه النصب قال ولم ذلك؟ فقلت: لأن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم وهو بمنزلة قولك: إن ضربك زيدا ظلم فالرجل مفعول مصاب ومنصوب به والدليل عليه ان الكلام متعلق الى أن تقول ظلم فيتم فاستحسنه الواثق وأمر له بألف دينار. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٧ الى ٨٢] وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢)

стр. 2523

اللغة: (ظَعْنِكُمْ) : سفركم يقال ظعن يظعن من باب فتح ظعنا وظعنا وظعونا ومظعنا سار ورجل قال: أقاطن قوم سلمى أم نووا ظعنا ... إن يظعنوا فعجيب عيش من قطنا والقاعدة هي: كل ما كان بوزن فعل مما عينه حرف حلق يجوز تسكينه كبحر ونحر ونهر وشعر وشهر، وقال ابن درستويه في شرح الفصيح: أهل اللغة وأكثر النحويين يقولون: كل ما كان الحرف الثاني منه حرف حلق جاز فيه التسكين والفتح وقال الحذاق: ليس ذلك صحيحا ولكن هي كلمات فيها لغتان فمن سكن من العرب لا يفتح ومن فتح لا يسكن إلا في ضرورة شعر والدليل على ذلك انه قد جاء عنهم مثل ذلك في كلام كثير ليس في شيء منه من حروف الحلق شيء مثل القبض والقبض فإنه جاء فيهما الفتح والإسكان، قال: ومما يدل على بطلان ما ذهبوا اليه أنه قد جاء في النطع أربع لغات فلو كان ذلك من أجل حروف الحلق لجازت هذه الأربع في الشعر والنهر وكل ما كان فيه شيء من حروف الحلق قال: ومما جاء فيه الوجهان مما ثانية حرف حلق: الشعر والشعر والنهر والنهر والصخر والصخر والبعر والبعر والظعن والظعن والدأب والدأب والفحم والفحم والسحر والسحر للرئة، ومما جاء فيه الوجهان وليس ثانيه حرف حلق نشز من الأرض ونشز مرتفع ورجل صدع وصدع خفيف اللحم وليلة النفر والنفر وسطر وسطر وقدر وقدر ولفظ ولفظ وشمع وشمع ونطع ونطع وغذل وغذل وطرد وطرد وطرد وغبن وغبن ودرك ودرك وشبح وشبح للشخص، وهو صريح في أن طريق ذلك السماع.

стр. 2524

(أَثاثاً) : الأثاث: متاع البيت الكبير وأصله من أث أي تكاثف وكثر ومنه شعر أثيث أي كثير مجتمع قال امرؤ القيس: وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل وقال الخليل: الأثاث والمتاع واحد وجمع بينهما لاختلاف لفظيهما، فإن قلت لا بد من فرق بين الأثاث والمتاع حتى يصح ذكر واو العطف والعطف يوجب المغايرة فما هو هذا الفرق؟ قلت الأثاث ما كثر من آلات البيت وحوائجه فيدخل فيه جميع أصناف المال، والمتاع ما ينتفع به في البيت خاصة فظهر الفرق بين اللفظين. (أكنان) : جمع كن وهو ما يستكن فيه من البيوت المنحوتة في الجبال والغيران والكهوف وفي المختار: «الكنّ السترة والجمع أكنان قال تعالى: «وجعل لكم من الجبال أكنانا» والأكنة الأغطية قال تعالى: «وجعلنا على قلوبهم أكنة» الواحد كنان وقال الكسائي كنّ الشيء ستره وبابه رد» وقد تقدم ذكر الأكنة. (سَرابِيلَ) هي القمصان والثياب المتخذة من الصوف والكتان والقطن ومنه قول لبيد: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا الإعراب: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) الواو استئنافية ولله خبر مقدم وغيب السموات والأرض مبتدأ مؤخر والواو عاطفة وما نافية وأمر مبتدأ والساعة مضاف إليه وإلا أداة حصر وكلمح البصر خبره وأو حرف عطف وهو مبتدأ وأقرب خبره. (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) إن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بقدير

стр. 2525

وقدير خبر إن. (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ) الله مبتدأ وجملة أخرجكم خبر ومن بطون أمهاتكم جار ومجرور متعلقان بأخرجكم. (لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) الجملة في محل نصب على الحال من الكاف أي غير عالمين شيئا، وشيئا مفعول به. (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وجعل عطف على أخرجكم والفاعل مستتر تقديره هو ولكم في موضع المفعول الثاني لجعل والسمع مفعوله الأول والأبصار والأفئدة عطف عليه ولعل واسمها وجملة تشكرون خبرها. (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويروا فعل مضارع مجزوم بلم والواو فاعل والى الطير متعلقان بيروا ومسخرات حال أي مذللة للطيران بما خلق لها من أجنحة وأسباب مواتية له وفي جو السماء متعلقان بمسخرات أي للتحليق في سمت العلو وسكاكه. و (ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ) الجملة حالية وما نافية ويمسكهن فعل وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر والله فاعل. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر ولقوم صفة لآيات وجملة يؤمنون صفة لقوم. (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً) والله مبتدأ وجملة جعل خبر مفعوله الأول سكنا ومفعوله الثاني أحد الجارين والثاني حال لأنه كان صفة لسكنا وتقدم عليه وإذا كانت جعل بمعنى خلق تعلق أحد الجارين به واكتفى بمفعول واحد وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك. (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ) وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تقدم إعراب نظيرتها والمراد بالبيوت هنا القباب والأبنية من الأدم والأنطاع كالخيام وغيرها وجملة تستخفونها صفة لبيوتا ويوم ظعنكم الظرف متعلق بتستخفونها ويوم إقامتكم عطف على يوم ظعنكم.

стр. 2526

(وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ) ومن أصوافها عطف على من جلود الأنعام وأثاثا معطوف على بيوتا أي وجعل لكم من أصوافها أثاثا فيكون من باب عطف الجار والمجرور والمنصوب على مثله ومتاعا عطف على أثاثا وإلى حين متعلقان بمتاعا أو صفة له. (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا) تقدم إعرابها. (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً) تقدم إعرابها أيضا. (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) جملة تقيكم الحر صفة لسرابيل وحذف المعطوف للعلم به أي والبرد. (وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ) وسرابيل عطف على سرابيل الأولى وجملة تقيكم صفة وتقيكم فعل مضارع وفاعل مستتر والكاف مفعوله الأول وبأسكم مفعوله الثاني والمراد بها الدروع والجواشن. (كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) كذلك نعت مصدر محذوف وقد تقدم كثيرا ويتم نعمته فعل وفاعل مستتر ومفعول به ولعل واسمها وجملة تسلمون خبرها. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) الفاء استئنافية وان شرطية وتولوا فعل الشرط وأصله تتولوا فحذفت إحدى التاءين ويجوز أن يكون فعلا ماضيا والكلام فيه التفات ولعله أولى وجواب إن محذوف أي فلا غضاضة عليك والفاء تعليلية وإنما أداة حصر كافة ومكفوفة وعليك البلاغ خبر مقدم ومبتدأ مؤخر والمبين صفة. البلاغة: معنى التشبيه هنا التمثيل، أي ان الساعة لما كانت آتية ولا بد جعلت من القرب بمثابة لمح البصر، واللمح النظر بسرعة، ولا بد فيه من زمان تنقلب فيه الحدقة نحو المرئي، وكل زمان قابل للتجزئة، وقال الزجاج: «لم يرد ان الساعة تأتي في لمح البصر وانما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها لأنه يقول للشيء كن فيكون» وقيل: المعنى هي عند الله كذلك وان لم تكن عند المخلوقين بهذه الصفة.

стр. 2527

[سورة النحل (١٦) : الآيات ٨٣ الى ٨٦] يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) اللغة: (يُسْتَعْتَبُونَ) : يسترضون وقد اختلفت عبارات المفسرين فيها فلنرجع الى كتب اللغة. قال في المختار: عتب عليه وجد وبابه ضرب ونصر ومعتبا أيضا بفتح التاء والتعتب كالعتب والاسم المعتبة بفتح التاء وكسرها وقال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة وعاتبه معاتبة وعتابا وأعتبه سره بعد ما أساءه والاسم منه العتبى واستعتب وأعتب بمعنى. واستعتب أيضا طلب أن يعتب تقول استعتبه فأعتبه أي استرضاه فأرضاه» وفي الأساس: «واستعتبه استرضاه «وما بعد الموت مستعتب» وبينهم أعتوبة إذا كانوا يتعاتبون. تقول: سمعت منها أعتوبة، لم تكن إلا أعجوبة. وعتابك السيف وعاتبت المشيب قال النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت: ألمّا أصح والشيب وازع

стр. 2528

أي قلت للشيب: ما أقبح بك أن تصبو وعلى: من صلة عاتبت كما تقول عاتبته على الذنب» . (نَبْعَثُ) : نرسل، وفي القاموس وغيره: بعثه يبعثه من باب فتح بعثا وتبعاثا أرسله وحده وبعث به أرسله مع غيره وبذلك يتضح صواب أبي الطيب المتنبي في قوله: فآجرك الإله على عليل ... بعثت إلى المسيح به طبيبا وقد أخطأ الصاحب في نقده لهذا البيت لأنه عدى بعث بالباء بحجة أن بعث يتعدى الى العاقل بنفسه والى غير العاقل بالباء وقد صرفه تحامله على أبي الطيب عن التأمل في قصة البيت فقد ذكر الواحدي في كتابه قال سمعت الشيخ كريم بن الفضل قال سمعت والدي أبا بشر قاضي القضاة قال: أنشدني أبو الحسين الشامي الملقب بالمشوق قال كنت عند المتنبي فجاء وكيل علي بن محمد بن سيار بن مكرم وكان يحب الرمي فلما دخل عليه أنشده أبياتا سخيفة فنظم المتنبي قصيدته الرائعة في مديح علي بن مكرم والتي مطلعها: ضروب الناس عشاق ضروبا ... فأعذرهم أشفهم حبيبا وفيها يصف نفسه بأبيات ما لحسنها نهاية نثبتها فيما يلي: أعزمي طال هذا الليل فانظر ... أمنك الصبح يفرق أن يئوبا كأن الفجر حبّ مستزار ... يراعي من دجنته رقيبا كأن نجومه حلي عليه ... وقد حذيت قوائمه الجبوبا كأن الجو قاسى ما أقاسي ... فصار سواده فيه شحوبا

стр. 2529

كأن دجاه يجذبها سهادي ... فليس تغيب إلا أن ت غيبا أقلب فيه أجفاني كأني ... أعد به على الدهر ألذ نوبا وما ليل بأطول من نهار ... يظل بلحظ حسادي م شوبا وما موت بأبغض من حياة ... أرى لهم معي فيها نصيبا ثم يتطرق إلى مديح علي بن مكرم ويشير الى قصة وكيله الشاعر السخيف: تيممني وكيلك مادحا لي ... وأنشدني من الشعر الغريبا فآجرك الإله على عليل ... بعثت الى المسيح به طبيبا وعبر عنه بما لا يعقل لأنه عدى البعث بحرف الجر أو انه من جملة الهدايا التي بعث بها اليه ولكنها هدية منكرة إذ يقول: ولست بمنكر منك الهدايا ... ولكن زدتني فيها أديبا أما أبيات الوكيل فهي تافهة غير مستقيمة الوزن ولهذا أعرضنا عنها. الإعراب: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ) يعرفون نعمة الله يعرفون فعل مضارع والواو فاعل ونعمة الله مفعول به وثم حرف عطف للتراخي ينكرونها عطف على يعرفون وعطف بثم للدلالة على أن إنكارهم أمر مستبعد بعد توفر دلائل المعرفة، وأكثرهم الواو

стр. 2530

للحال وأكثرهم مبتدأ والكافرون خبره أو بالعكس أي انهم كانوا يعرفون وينحرفون. (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً) الظرف متلق بمحذوف أي اذكر وجملة نبعث مضاف إليها الظرف ومن كل أمة حال لأنه كان في الأصل صفة لشهيدا وشهيدا مفعول به. (ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) ثم حرف عطف للتراخي ولا نافية ويؤذن فعل مضارع مبني للمجهول وللذين متعلقان به وقد اختلفت الآراء في هذا الإذن وأصحها أنه لا يؤذن لهم في الاعتذار لا سيما وان لها مثيلا في القرآن وهو قوله «ولا يؤذن لهم فيعتذرون» ولا الواو عاطفة ولا نافية وهم مبتدأ وجملة يستعتبون خبر وإنما عطف بثم لطول المدة التي كانت مغبتها منعهم من الكلام. (وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة رأى مضافة الى الظرف والذين فاعل رأى وجملة ظلموا صلة والعذاب مفعول به والفاء رابطة لجواب إذا. (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) الفاء رابطة لجواب إذا ولا نافية ويخفف فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر أي العذاب ولا عاطفة وهم مبتدأ وجملة ينظرون خبر. (وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ) تقدم نظيرتها وشركاءهم مفعول رأى. (قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ) جملة قالوا لا محل لها لأنها جواب إذا وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وهؤلاء مبتدأ وشركاؤنا خبر والذين صفة شركاؤنا وجملة كنا صلة وكان واسمها وجملة ندعو خبر كنا ومن دونك حال من مفعول ندعو المحذوف أي ندعوهم ونعبدهم من دونك. (فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ) الفاء عاطفة وألقوا فعل وفاعل وهو الشركاء وإليهم متعلقان بألقوا والقول مفعول به وإنكم لكاذبون ان واسمها واللام المزحلقة وخبرها والجملة مقول القول.

стр. 2531

[سورة النحل (١٦) : الآيات ٨٧ الى ٩٠] وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) الإعراب: (وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ) الواو عاطفة وألقوا فعل وفاعل وهو الكفار والى الله جار ومجرور متعلقان بألقوا ويومئذ ظرف أضيف إلى ظرف مثله والتنوين عوضا عن جملة وقد مرّ مثاله كثيرا والسلم مفعول به. (وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) الواو عاطفة وضل فعل ماض وعنهم متعلقان به وما فاعل ضل وجملة كانوا صلة وكان واسمها وجملة يفترون خبر كانوا. (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ) الذين مبتدأ خبره جملة زدناهم وجملة كفروا صلة وصدوا عن سبيل الله عطف على كفروا، وزدناهم فعل وفاعل ومفعول به وعذابا مفعول به ثان وفوق العذاب ظرف متعلق

стр. 2532

بمحذوف صفة لعذابا وبما متعلقان بزدناهم والباء للسببية وما مصدرية أي بسبب صدهم وإفسادهم وكان واسمها وجملة يفسدون خبرها. (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) الظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر وقد تكررت هذه الجملة مبالغة في التهديد والوعيد وجملة نبعث مضافة للظرف وفي كل أمة متعلقان بنبعث وشهيدا مفعول به وعليهم متعلقان بشهيدا ومن أنفسهم صفة لشهيدا (وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ) وجئنا الواو عاطفة وجئنا فعل وفاعل وبك جار ومجرور متعلقان بجئنا وشهيدا حال وعلى هؤلاء متعلقان بشهيدا. (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) ونزلنا عطف على جئنا ونا فاعل وعليك متعلقان بنزلنا والكتاب مفعول به وتبيانا مفعول لأجله أو حال أي مبينا ولكل شيء متعلقان بتبيانا وهدى ورحمة وبشرى عطف على تبيانا وللمسلمين متعلقان ببشرى وهو متعلق بالمصادر الأخرى المتقدمة من حيث المعنى. (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى) إن واسمها وجملة يأمر خبر إن وبالعدل متعلقان بيأمر والإحسان عطف على العدل وكذلك إيتاء وذي القربى مضاف لإيتاء. (وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وينهى عطف على يأمر والفاعل مستتر وعن الفحشاء متعلقان بينهى وما بعده عطف عليه وجملة يعظكم حال من فاعل يأمر وينهى ولعل واسمها وجملة تذكرون أي تتذكرون خبرها. البلاغة: اتفق علماء البلاغة والمفسرون جميعا على أن هذه الآية أجمع آية في القرآن للخير والشر وهي قوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان إلخ» وقد أمر عمر بن عبد العزيز الخليفة الصالح بتلاوتها

стр. 2533

بدلا من القذف الذي كان يعقب خطب الجمعة بالإمام علي بن أبي طالب وبسببها أسلم عثمان بن مظعون، وروي أن النبي ﷺ قرأها على الوليد بن المغيرة فقال له: يا ابن أخي أعد فأعاد النبي ﷺ قراءتها عليه فقال له: إن له لحلاوة. وإن عليه لطلاوة. وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق وما هو بقول البشر. وقد اشتملت في الواقع على أفانين من البلاغة نبينها فيما يلي: ١- الإيجاز: فقد أمر في أول الآية بكل معروف ونهى بعد ذلك عن كل منكر وختم الآية بأبلغ العظات وصاغ ذلك في أوجز العبارات. ٢- صحة التقسيم: فقد استوفى فيها جميع أقسام المعنى فلم يبق معروف إلا وهو داخل في نطاق الأمر ولم يبق منكر إلا وهو داخل في حيز النهي، وقدم ذكر العدل لأنه واجب وتلاه بالإحسان لأنه مندوب ليقع نظم الكلام على أحسن ترتيب وقرنهما في الأمر لأن الفرض لا يخلو من خلل وتفريط يجبره الندب والنوافل وخص ذا القربى بالذكر بعد دخوله في عموم من أمر بمعاملته بالعدل والإحسان لبيان فضل ذي القربى وفضل الثواب عليه. ٣- الطباق اللفظي والمقابلة بين يأمر وينهى وبين العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وبين الفحشاء والمنكر والبغي. ٤- حسن النسق: في ترتيب الجمل وعطفها بعضها على بعض كما بنبغي حيث قدم العدل وعطف عليه الإحسان لكون الإحسان اسما عاما وإيتاء ذي القربى خاص فكأنه نوع من ذلك الجنس ثم أتى بجملة الأمر مقدمة وعطف عليها جملة النهي. ٥- التسهيم: لأن صدر الكلام يدل على عجزه كدلالة صدر البيت المسهم على عجزه.

стр. 2534

٦- حسن البيان: لأن لفظ الآية لا يتوقف من سمعه في فهم معناه إذ سلم من التعقيد في لفظه ودل على معناه دلالة واضحة بأقرب الطرق وأسهلها واستوى في فهمه الذكي والغبي. ٧- الائتلاف: لأن كل لفظة لا يصلح مكانها غيرها. ٨- المساواة: لأن ألفاظ الكلام قوالب لمعانيه لا تفضل عنها ولا تقصر دونها. ٩- تمكين الفاصلة: لأن مقطع الآية مستقر في حيزه ثابت في مقره وقراره معناه متعلق بما قبله الى أول الكلام ولأنه لا تحسن الموعظة إلا بعد التكليف ببيان الأمر والنهي ولأن أي لفظة حذفتها من ألفاظ الآية يختل المعنى بحذفها اختلالا ظاهرا وينقص نقصا بيّنا. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٩١ الى ٩٣] وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)

стр. 2535

اللغة: (تَوْكِيدِها) : توثيقها والتوكيد مصدر وكد يوكد بالواو وفيه لغة أخرى أكد يؤكد بالهمز ومعناه التقوية وهذا كقولهم ورخت الكتاب وأرخته وليست الهمزة بدلا من واو كما زعم بعضهم لأن الاستعسالين في المادتين متساويان فليس ادعاء كون أحدهما أصلا أولى من الآخر. (أَنْكاثاً) : جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث فتله وفي المصباح: «نكث الرجل العهد نكثا من باب قتل نقضه ونبذه فانتكث مثل نقضه فانتقض ونكث الكساء وغير نقضه أيضا والنكث بالكسر ما نقض ليغزل ثانية والجمع أنكاث مثل حمل وأحمال وفي القاموس: «النكث بالكسر ما نقض من الأكسية والأخبية ليغزل ثانية وجمعه أنكاث، يقال: حبل نكث وأنكاث أي منكوث» . (دَخَلًا) : مفسدة ودغلا وفي الصحاح الدغل بالتحريك الفساد مثل الدخل وفي المعاجم الدخل العيب وفي القاموس والتاج: «الدخل بفتحتين ما داخل الإنسان من فساد في العقل أو الجسم والخديعة والعيب في الحسب والقوم الذين يتسبون إلى من ليسوا منهم ومن غريب أمر الدال والخاء أنهما لا تجتمعان إلا دلتا على فساد أو ظلام فالدّخ والدّخ بفتح الدال وضمها الدخان وناهيك بظلمته واربداده قالت امرأة أعرابية لزوجها وكان قد كبر: لا خير في الشيخ إذا ما اجلخا ... وسال غرب عينه ولخا وكان أكلا قاعدا وشخا ... تحت رواق البيت يغشى الدخا وانثنت الرجل فصارت فخا ... وصار وصل الغانيات أخا

стр. 2536

ودخر: ذل وصغر وأدخره أذله ودخس الحافر بكسر الخاء أصابه داء الدخس بسكون الخاء وهو ورم في الحافر والدخس بضم الدال وسكون الخاء دابة في البحر والدخيس الملتف من الكلأ وإذا التف فقد قارب السواد والعدد الكثير واللحم المكتنز وتداخلت الأمور التبست وتشابهت والدخل بفتح الدال وسكون الخاء ما دخل عليك من مالك ويقابله الخرج وهو مفسدة لصاحبه ما لم يؤدّ زكاته وما يترتب عليه ومنه سميت ضريبة الدخل ودخلة الرجل بتثليث الدال داخلته وهي محتجبة بظلمة الخفاء والدخيل من دخل في قوم وانتسب إليهم وليس منهم فهو في لبس من أمره وقلما يكون صالحا وداء دخيل أي داخل في أعماق البدن وكل كلمة أعجمية أدخلت في كلام العرب ودخمه دفعه بإزعاج ودخن الطعام واللحم وغيرهما أصابه الدخان في حال طبخه أو شيه فتغلبت رائحة الدخان على طعمه فهو دخن والدخن بفتحتين الحقد والفساد وتغير العقل والدين والحسب يقال: «لست أصالحه على دخن» أي على مكر وفساد والدخي بفتح الدال المشددة الظلمة وليلة دخياء مظلمة وهذا من عجائب اللغات. (أَرْبى) أزيد عددا وأوفر مالا. الإعراب: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ) الواو عاطفة وأوفوا فعل أمر وفاعل وبعهد الله جار ومجرور متعلقان بأوفوا وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة عاهدتم مضاف إليها الظرف. (وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) الواو عاطفة ولا ناهية وتنقضوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والأيمان مفعول به

стр. 2537

وبعد ظرف متعلق بتنقضوا وتوكيدها مضاف اليه والواو حالية والجملة حال من فاعل تنقضوا وقد حرف تحقيق وجعلتم الله فعل وفاعل ومفعول به وعليكم متعلقان بكفيلا وكفيلا مفعول به ثان لجعلتم. (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ) تقدم إعراب مثيلتها كثيرا. (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً) الواو عاطفة ولا ناهية وتكونوا مجزوم بها وكان واسمها والكاف خبرها وجملة نقضت صلة وغزلها مفعول به ومن بعد قوة حال من فاعل نقضت أو من مفعوله أي محكمة له أو محكمأ وأنكاثا منصوب بفعل محذوف أي فجعلته أنكاثا أو بتضمين نقضت معنى صيرت فهو مفعول ثان وجوّز الزجاج فيه وجها آخر وهو النصب على المصدرية لأن معنى نقضت نكثت فهو مطابق لعامله في المعنى وقيل هو حال من غزلها أي منقوضا وستأتي قصة هذه المرأة في باب الفوائد. (تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ) جملة تتخذون حال من ضمير تكونوا أي لا تكونوا مثلها متخذين أيمانكم دخلا وتتخذون فعل مضارع وفاعل وأيمانكم مفعول به أول ودخلا مفعول به ثان وبينكم صفة لدخلا وأن وما في حيزها مصدر في محل نصب مفعول لأجله أي مخافة أن تكون وأمة اسم تكون وهي مبتدأ وأربى خبر والجملة خبر تكون ومن أمة جار ومجرور متعلقان بأربى، كانوا يحالفون الحلفاء ويقطعون العهود والمواثيق فإذا وجدوا أكثر منهم وأعز جانبا نقضوا حلف أولئك وحالفوا هؤلاء. (إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) إنما كافة ومكفوفة وهي للحصر ويبلوكم الله فعل ومفعول مقدم وفاعل مؤخر وبه متعلقان بيبلوكم وليبيننّ الواو عاطفة واللام موطئة للقسم ويبينّ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وجوبا ولكم متعلقان بيبينن ويوم القيامة ظرف متعلق بمحذوف حال

стр. 2538

وما مفعول به وكنتم صلة وهي كان واسمها وفيه جار ومجرور متعلقان بتختلفون وجملة تختلفون خبر كنتم. (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) الواو عاطفة ولو شرطية وشاء الله فعل وفاعل واللام واقعة في جواب لو وجعلكم فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول وأمة مفعول به ثان وواحدة صفة. (وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) الواو حالية ولكن حرف استدراك مهملة لأنها خففت، ويضل فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو ومن مفعول به ويشاء صلة ويهدي من يشاء عطف على ما تقدم. (وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وتسألن فعل مضارع معرب لأن النون لم تباشره فهو مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين نائب فاعل والنون المشددة هي نون التوكيد الثقيلة وعما متعلقان بتسألن وجملة كنتم تعملون خبر كنتم. الفوائد: روى التاريخ أن امرأة حمقاء اسمها ريطة بنت سعد بن تميم من مكة اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل إصبع وفلكة عظيمة على قدرها فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن فالكلام تشبيه تمثيلي مرسل والمشبه به معين. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٩٤ الى ٩٧] وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)

стр. 2539

الإعراب: (وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ) كرره تأكيدا مع التصريح بالنهي عنه مبالغة في قبحه (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها) الفاء فاء السببية المسبوقة بالنهي وتزل مضارع منصوب بإضمار أن وقدم فاعل وبعد ظرف متعلق بتزل وثبوتها مضاف اليه. (وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) وتذوقوا عطف على تزل والسوء مفعول به والباء حرف جر وهي للسببية وما مصدرية وهي مع مدخولها في محل جر بالباء والجار والمجرور متعلقان بتذوقوا وعن سبيل الله متعلقان بصددتم ولكم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وعظيم صفته. (وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا) الواو عاطفة ولا ناهية وتشتروا فعل مضارع مجزوم بلا وبعهد الله متعلقان بتشتروا فالباء داخلة على المتروك وثمنا مفعول به وقليلا صفة (إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) إن واسمها والظرف صلة ما وهو مبتدأ وخير خبر والجملة خبر ان ولكم متعلقان به وإن شرطية وكنتم في محل جزم فعل الشرط

стр. 2540

والتاء اسم كان وجملة تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فلا تنقضوا (ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ) ما اسم موصول مبتدأ وعندكم ظرف متعلق بالصلة وجملة ينفد خبر ما ومثلها وما عند الله باق. (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) اللام موطئة للقسم ونجزين فعل مضارع مبني على الفتح لتأكيده بالنون المشددة والفاعل مستتر تقديره نحن والذين صبروا مفعوله وأجرهم مفعول ثان لنجزين وبأحسن جار ومجرور متعلقان بنجزين وهو صفة لمحذوف أي بجزاء أحسن، وما مصدرية وكان واسمها وجملة يعملون خبرها ولك أن تجعل ما موصولة والتقدير بجزاء أحسن من عملهم الذي كانوا يعملونه في الدنيا أو نجعل الأجر متناسبا مع الأحسن من أعمالهم. (مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) من اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وعمل فعل ماض في محل جزم فعل الشرط ومن ذكر متعلقان بمحذوف حال من فاعل عمل وأو حرف عطف وأنثى عطف على ذكر وهو الواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والجملة حالية فلنحيينه الفاء رابطة واللام موطئة للقسم ونحيينه فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والهاء مفعول به وحياة مفعول مطلق وطيبة صفة وجملة فلنحيينه جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من ولك أن تجعل من اسما موصولا والفاء الداخلة لما في الموصوف من رائحة الشرط فتكون جملة فلنحيينه خبره. (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) تقدم إعرابها وسيأتي مزيد بيان لهذه الآيات في باب البلاغة.

стр. 2541

البلاغة: ١- في قوله تعالى «من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن إلى آخر الآية» فنون شتى أبرزها التتميم وقد تقدم القول فيه وتكرر في هذه الآية مرتين الأولى في قوله من ذكر أو أنثى لأن من الشرطية أو الموصولية تفيد العموم فكان لا بد من تتميمها بذلك للتأكيد وإزالة لوهم التخصيص جريا على معتقدات العرب القديمة في تفضيل الذكر على الأنثى وإيثاره بكل ما هو خير والثانية في قوله وهو مؤمن وقد اختلفت الآراء في هذا التميم وما هو المراد بالحياة الطيبة التي ينالها من هو بهذه المثابة وأحسن ما نختاره منها قول الزمخشري وننقله بنصه لفائدته قال وأبدع: «وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسرا كان أو معسرا يعيش عيشا طيبا إن كان موسرا فلا مقال فيه وإن كان معسرا فمعه ما يطيب عيشه وهو القناعة والرضا بقسمة الله وأما الفاجر فأمره على العكس إن كان معسرا فلا إشكال في أمره على حد قول أبي دلامة: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس في الرجل وإن كان موسرا فالحرص لا يدعه أن يهنأ بعيشه» ويؤيد هذا ما نراه من انهماك النوع البشري في ابتكار وسائل التدمير والخراب للاستعلاء والاستغلال والسيطرة على العالم وهيهات!! ٢- وفي قوله «فتزل قدم بعد ثبوتها استعارة تمثيلية للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ويسقط فيه لأن القدم إذا زلت نقلت الإنسان

стр. 2542

من حال خير الى حال شر ويقال لمن أخطأ في شيء زلت به قدمه ومنه قول زهير: تداركتما عبسا وقد ثل عرشها ... وذبيان قد زلت بأقدامها النعل ٣- وفي قوله «فتزل قدم بعد ثبوتها إلخ» توحيد القدم وتنكيرها والسر في ذلك استعظام أن تزلّ قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن توطأ لها مهاده وثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة وفيه تقليل للواعي من الناس لما يقضي بسداد الرأي واستقامته ومن جنس إفادة التنكير هنا للتقليل إفادته له في قوله تعالى: «وتعيها اذن واعية» وفي قوله «اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد» فنكر الاذن والنفس تقليلا للواعي من الناس لما يقضي بسداده. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٩٨ الى ١٠٢] فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)

стр. 2543

الإعراب: (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) الفاء استئنافية وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متعلق باستعذ وجملة قرأت مضاف إليها الظرف والقرآن مفعول به أي إذا أردت قراءة القرآن، والفاء رابطة للجواب واستعذ فعل أمر وفاعله أنت وبالله متعلقان باستعذ وكذلك يتعلق باستعذ من الشيطان، والرجيم صفة. (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) الجملة تعليلية للأمر وان واسمها وجملة ليس خبرها وله خبر مقدم لليس وسلطان اسمها المؤخر وعلى الذين جار ومجرور متعلقان بسلطان لأنه مصدر بمعنى التسلط أي الاستيلاء والقهر والتمكن وآمنوا صلة وعلى ربهم متعلقان بيتوكلون. (إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) إنما كافة ومكفوفة وسلطانه مبتدأ وعلى الذين خبر وجملة يتولونه من الفعل والفاعل والمفعول به صلة الموصول وعائده والذين عطف على الذين الأولى وجملة هم مشركون صلة وهم مبتدأ وبه متعلقان بمشركون ومشركون خبرهم. (وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل وبدلنا فعل وفاعل وآية مفعول به ومكان مفعول ثان لبدلنا أو ظرف مكان متعلق ببدلنا وآية مضاف إليه. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا) الواو اعتراضية والجملة معترضة بين شرط إذا وجوابها لا محل لها والله مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وينزل صلة وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب إذا. (إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) الجملة مقول القول وإنما كافة ومكفوفة وأنت مبتدأ ومفتر خبر وبل حرف إضراب وأكثرهم مبتدأ وجملة لا يعلمون خبر وحذف مفعول يعلمون للعلم به أي حقيقة التبديل والنسخ وفائدتهما. (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ

стр. 2544

الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا) جملة نزله مقول قل وهو فعل ومفعول به مقدم وروح فاعل مؤخر والقدس مضاف اليه من إضافة الموصوف لصفته أي الروح المقدس وهو جبريل ومن ربك متعلقان بنزله وبالحق حال أي ملتبسا بالحق، وليثبت اللام لام التعليل ويثبت فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والفاعل هو والذين مفعول به وآمنوا صلة وليثبت في محل نصب مفعول لأجله وجر باللام لأن المصدر ليس بقلبي ولاختلاف الفعل لأن المنزل هو جبريل والمثبت هو القرآن. (وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) هذان المصدران معطوفان على محل ليثبت أي تثبيتا وهداية وبشرى. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٦] وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) اللغة: (يُلْحِدُونَ) : يميلون ولحدت القبر وألحدته وقبروه في لحد وملحود ولحد للميت وألحد له حفر له لحدا ولحد الميت وألحده جعله

стр. 2545

في اللحد ولحد السهم عن الهدف وألحد، وألحد في دين الله ولحد عن القصد عدل عنه وألحد في الحرم ولحد إليه مال إليه والتحد اليه: التجأ ومالي دونه ملتحد قال ذو الرمة: إذا استوسجت آذانها استأنست لها ... أناسيّ ملحود لها في الحواجب الإعراب: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف يراد به التكثير هنا ونعلم فعل مضارع وفاعل مستتر وان وما في حيزها سدت مسدّ مفعولي نعلم وأن واسمها وجملة يقولون خبرها. (إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) الجملة مقول قولهم وإنما كافة ومكفوفة ويعلمه بشر فعل ومفعول به مقدم وبشر فاعل مؤخر وهو قين أي حداد رومي اسمه جبر بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة وهو غلام عامر بن الحضرمي وقيل يعنون جبرا ويسارا وكانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل وكان الرسول ﷺ يمر عليهما ويسمع ما يقرأانه وقيل غير ذلك مما لا يخرج عن الصدد. (لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) لسان مبتدأ والذي مضاف إليه وجملة يلحدون إليه صلة وأعجمي خبر لسان أي غير مبين وهذا مبتدأ وعربي خبر ومبين صفة وهذا تأكيد على عروبة لغة القرآن ووجه الجواب ان الذي يعزون إليه أنه يعلم النبي القرآن رجل أعجمي في لسانه لكنة وعجمة تمنعانه من الإفصاح والإبانة ومحمد ﷺ الذي جاءكم بهذا القرآن المبين الذي عجزتم عن الإتيان بسورة

стр. 2546

من مثله. (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) إن واسمها وجملة لا يؤمنون صلة وبآيات الله متعلقان بيؤمنون وجملة لا يهديهم الله خبر إن والواو عاطفة ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم صفته. (إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ) إنما كافة ومكفوفة ويفتري فعل مضارع والكذب مفعول به مقدم والذين فاعل مؤخر وجملة لا يؤمنون بآيات الله صلة. (وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ) الواو اعتراضية وأولئك مبتدأ وهم ضمير فصل أو مبتدأ ثان والكاذبون خبر أولئك أو خبرهم والجملة خبر أولئك وجملة أولئك هم الكاذبون معترضة. (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) أولى الأعاريب التي ذكرها المعربون لمن أن تكون بدلا من الذين لا يؤمنون بآيات الله وتكون جملة وأولئك هم الكاذبون اعتراضا بين البدل والمبدل منه والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه ويجوز على بعد أن تعربه مبتدأ خبره جملة فعليهم والفاء زيدت لتضمن الموصول معنى الشرط وجملة كفر بالله صلة كما يجوز أن تعرب من شرطية وبالله جار ومجرور متعلقان بكفر ومن بعد إيمانه حال وإلا أداة استثناء ومن مستثنى متصل لأن الكفر يكون بالقول من غير اعتقاد وقيل هو منقطع لأن الكفر اعتقاد والإكراه على القول دون الاعتقاد كالمكره وجملة أكره صلة الموصول، وقلبه الواو حالية وقلبه مبتدأ ومطمئن خبر وبالايمان متعلقان بمطمئن. (وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) ولكن الواو استئنافية ولكن حرف مشبه بالفعل واسمها ضمير الشأن ومن مبتدأ وشرح فعل الشرط إن جعلتها صلة وصلة إن جعلتها موصولا والله فاعل وصدرا

стр. 2547

تمييز أي طاب به نفسا واعتقده، فعليهم الفاء رابطة وعليهم خبر مقدم وغضب مبتدأ مؤخر ومن الله صفة ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وعظيم صفة. البلاغة: الإلجاء: في قوله تعالى: «ولقد نعلم انهم يقولون انما يعلمه بشر إلخ» وقول الله تعالى جوابا لهذا القول: «لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين» والإلجاء فن لم يذكره علماء البديع كثيرا وقد تكلم عنه أسامة بن منقذ في بديعه تحت اسم الالتجاء والمغالطة، وهو أن تكون صحة الكلام المدخول ظاهرة موقوفه على الإتيان فيه بما يبادر الخصم إلى رده بشيء يلجئه الى الاعتراف بصحته، أو بعبارة أوضح: لكل كلام يرد فيه على المعترض عليه جواب مدخول إذا دخله الخصم به التجأ إلى تصحيح الجواب كقوله تعالى الآنف الذكر فإن للخصم أن يقول: نحن أردنا القصص والاخبار ونحن نعلم أن الأعجمي إذا ألقى الكلام إلى العربي لا يخرجه عن كونه تعلم معانيه من الأعجمي فظاهر الكلام لا يصح أن يكون ردا على المشركين فيقال لهم: هب الأعجمي علّمه المعاني فهذه العبارة الهائلة التي قطعت أطماعكم عن الإتيان بمثلها من علمها له؟ فإن كان هو الذي أتى بها من قبل نفسه فقد أقررتم أن رجلا واحدا منكم أتى بهذا المقدار من الكلام الذي هو مائة سورة وأربع عشرة سورة وقد عجزتم بأجمعكم وكل من تدعون من دون الله عن الإتيان بأقصر سوره فإن قلتم إن الأعجمي علمه المعاني والألفاظ فهذا أشد عليكم لأنه إقرار بأن رجلا أعجميا قدر على بين الآيات المتضمنة للأخبار والقصص وقد عجزتم عن ثلاث آيات منهن، يلجئهم ذلك الى الإقرار بأنه من عند الله.

стр. 2548

الفوائد: قصة عمار بن ياسر: روى التاريخ أن ناسا من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان منهم عمار بن ياسر وأبواه ياسر وسمية وصهيب وبلال وخباب وسالم عذبوا فأما سمية أم عمار فربطوها بين بعيرين وضربها أبو جهل بحربة في قلبها فماتت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام وأما عمار فإنه أعطاهم بعض ما أرادوا بلسانه مكرها فقيل يا رسول الله إن عمارا كفر، فقال: كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول الله يبكي فقال رسول الله ﷺ : ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله نلت منك فذكرت فجعل النبي ﷺ يمسح عينيه وقال: إن عادوا لك فقل لهم ما قلت إلى آخر هذه القصة الممتعة التي يرجع إليها في المطولات. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠٧ الى ١١١] ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)

стр. 2549

اللغة: (النفس) يؤخذ من مجموع أقوال المعاجم العربية أن النفس مصدر وهي أيضا الروح والدم يقال دفق نفسه أي دمه والجسد يقال هو عظيم النفس أي الجسد والعين يقال أصابته نفس أي عين وشخص الإنسان، ونفس الشيء عينه ويؤكد به فيقال: جاءني هو نفسه وبنفسه ونفس الأمر حقيقته والنفس أيضا العظمة والهمة والعزة والأنفة والإرادة والرأي والعقوبة والماء، والنفس مؤنث إن أريد بها الروح نحو خرجت نفسه ومذكر إن أريد بها الشخص نحو عندي خمسة عشر نفسا والجمع أنفس ونفوس ويقال في نفسي أن أفعل شيئا أي قصدي ومرادي أن أفعل كذا وفلان يؤامر نفسيه ويشاورهما أي يتردد في الأمر ويتجه له رأيان لا يدري على أيهما يثبت وخرجت نفسه وجاد بنفسه إذا مات، أما معنى النفس عند الفلاسفة فمرجعه علم النفس وليس هذا مكانه والخلاف فيه طويل وقد أصاب أبو الطيب حيث قال: تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلا على شجب والخلف في الشجب فقيل تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل تشرك جسم المرء في العطب

стр. 2550

ومن تفكر في الدنيا ومهجته ... أقامه الفكر بين الهمّ والتعب من قصيدة الرئيس ابن سينا في النفس: هذا ومن المفيد أن نقتبس هنا أبياتا مختارة من قصيدة الشيخ الرئيس أبي علي بن سينا في النفس: هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزّز وتمنع محجوب عن كل مقلة عارف ... وهي التي سفرت ولم تتبرقع وصلت على كره إليك وربما ... كرهت فراقك وهي ذات توجع أنفت وما أنست فلما واصلت ... ألفت مجاورة الغراب الأبقع وأظنها نسيت عهودا بالحمى ... ومنازلا بفراقها لم تقنع حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها ... عن ميم مركزها بذات الاجرع

стр. 2551

علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت ... بين المعالم والطلول ا لخضع تبكي وقد ذكرت عهودا بالحمى ... بمدامع تهمي ولما تقلع وتظل ساجعة على الدمن التي ... درست بتكرار الرياح الأربع ويطول بنا القول إن حاولنا شرح ما رمزت إليه هذه الأبيات المقتبسة من العينية الرائعة وحاصل ما أراده أنه يتساءل: لم تعلقت النفس بالبدن؟ إن كان رائدها غير الكمال فهي حكيمة خفية على الأذهان وإن كان رائدها الكمال فلم ينقطع تعلقها به قبل حصوله. الإعراب: (ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ) الاشارة الى ما تقدم من ذكر الغضب والعذاب واسم الاشارة مبتدأ خبره بأنهم أي ثابت بسبب أنهم فالباء للسببية وان واسمها وجملة استحبوا خبرها أي اختاروا والحياة مفعول به والدنيا صفة وعلى الآخرة جار ومجرور متعلقان باستحبوا. (وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) وأن عطف على بأنهم وأن واسمها وجملة لا يهدي خبرها والقوم مفعول به والكافرين صفة القوم. (أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) أولئك مبتدأ والذين خبره وجملة

стр. 2552

طبع الله صلة وعلى قلوبهم جار ومجرور متعلقان بطبع وسمعهم وأبصارهم عطف على قلوبهم وأولئك مبتدأ وهم مبتدأ ثان أو ضمير فصل والغافلون خبر هم أو خبر أولئك. (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ) لا جرم تقدم القول فيها وأن واسمها وفي الآخرة متعلقان بالخاسرون وهم مبتدأ والخاسرون خبره والجملة خبر ان. (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا) ثم للترتيب مع التراخي لتباعد حال هؤلاء عن حال أولئك وإن واسمها وللذين خبر إن بمعنى أنه وليهم وناصرهم وجملة هاجروا صلة ومن بعد متعلقان بهاجروا وما مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر مضاف للظرف أي من بعد فتنتهم ثم حرف عطف وتراخ وجاهدوا وصبروا عطف على هاجروا (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) إن واسمها ومن بعدها حال واللام المزحلقة وغفور خبر إن الأول ورحيم خبرها الثاني، هذا وقد أسهب المعربون في إعراب هذه الآية واضطربت أقوالهم اضطرابا شديدا لفرط عنايتهم وتحريهم مواقع الصواب فجهدهم مشكور ولكن لا حاجة لذلك كله والكلام واضح لا لبس فيه. (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها) الظرف متعلق بمحذوف أي اذكر وجملة تأتي مضافة للظرف وكل نفس فاعل تأتي وجملة تجادل حال وعن نفسها متعلقان بتجادل وإنما جازت إضافة النفس الى النفس ومن شرط المتضايفين أن يكونا متغايرين ان المراد بالنفس الأولى الإنسان وبالثاني ذاته فكأنه قال يوم يأتي كل إنسان يجادل على ذاته أي يعتذر عنها لا يهمه شأن غيره. (وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) وتوفى عطف على تجادل وكل نفس نائب فاعل وما عملت مفعول توفى الثاني وهم الواو حالية أو عاطفة وهم متدأ وجملة لا يظلمون خبر.

стр. 2553

[سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٢ الى ١١٣] وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) الإعراب: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ) الواو استئنافية وضرب الله مثلا فعل وفاعل ومفعول به وقرية بدل من مثلا أي جعل القرية الموسومة بهذه السمات مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا، وجملة كانت صفة لقرية وكان واسمها المستتر وآمنة خبرها ومطمئنة خبر ثان وجملة يأتيها خبر ثالث وهو فعل مضارع ومفعول به مقدم ورزقها فاعل مؤخر ورغدا وصف للمصدر أي اتيانا رغدا فهو مفعول مطلق أو بمعنى راغدا فهو حال ومن كل مكان متعلقان بيأتيها. (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) الفاء عاطفة وكفرت فعل ماض والفاعل مستتر يعود على القرية وبأنعم الله متعلقان بكفرت فأذاقها الفاء عاطفة للتعقيب وأذاقها فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر ولباس الجوع والخوف مفعول ثان والباء حرف جر للسببية وما مصدرية أو موصولة والعائد محذوف أي بسبب صنعهم أو بسبب الذي كانوا يصنعونه. (وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ) الواو عاطفة واللام

стр. 2554

موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وجاءهم رسول فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر ومنهم صفة لرسول فكذبوه الفاء حرف عطف وكذبوه فعل ماض وفاعل ومفعول به. (فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ) فأخذهم عطف على فكذبوه والعذاب فاعل والواو حالية وهم مبتدأ وظالمون خبر والجملة حالية. البلاغة: في قوله تعالى «وضرب الله مثلا قرية» مجاز مرسل واستعارتان مكنيتان، أما المجاز المرسل ففي قوله قرية والمراد أهلها فعلاقة المجاز المحلية إذ أطلق المحل وأريد الحال وأما الاستعارة الأولى فهي استعارة الذوق للباس فأما الإذاقة فقد كادت تجري عند العرب مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا فيقولون ذاق فلان البؤس والضرر شبّه ما يدرك منهما من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المرّ البشع وأما اللباس فقد صح التشبيه به لأنه يشتمل على لابسه وأما الاستعارة الثانية فهي استعارة اللباس للجوع والخوف كأنما قد أحاط بهم واشتمل عليهم كما يشتمل اللباس على لابسه، وبناء الاستعارة على الاستعارة ميدان فسيح تضل فيه الأفكار وقد ينغلق فهمه كما انغلق على ابن سنان الخفاجي في نقده للآمدي حين تناول بيت امرئ القيس: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل فقد قال الآمدي في كتاب الموازنة «وقد عاب امرأ القيس بهذا المعنى من لم يعرف موضوعات المعاني ولا المجازات وهو في غاية الحسن والجودة والصحة وهو إنما قصد وصف أجزاء الليل الطويل فذكر

стр. 2555

امتداد وسطه وتثاقل صدره للذهاب والانبعاث وترادف اعجازه وأواخره شيئا فشيئا وهذا عندي منتظم لجميع نعوت الليل الطويل على هيئته وذلك أشد ما يكون على من يراعيه ويترقب تصرمه فلما جعل له وسطا يمتد وأعجازا رادفة للوسط وصدرا متثاقلا في نهوضه حسن أن يستعير للوسط اسم الصلب وجعله متمطيا من أجل امتداده لأن تمطّى وتمدّد بمنزلة واحدة وصلح أن يستعير للصدر اسم الكلكل من أجل نهوضه وهذه أقرب الاستعارات من الحقيقة وأشد للاءمته هنا لما استعيرت له وكذلك قول زهير: وعرّي أفراس الصبا ورواحله لما كان من شأن ذي الصّبا أن يوصف أبدا بأن يقال: ركب جواده وجرى في ميدانه، وجمح في عنانه، ونحو هذا، حسن أن يستعار للصبا اسم الأفراس وأن يجعل النزوع عنه أن تعرى أفراسه ورواحله وكانت هذه الاستعارة أيضا من أليق شيء بما استعيرت له» . وقال ابن سنان الخفاجي في كتابه «سر الفصاحة» : حول قول امرئ القيس: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل «إن هذا الذي ذكره الآمدي ليس بمرضي غاية الرضا وإن بيت امرئ القيس ليس من الاستعارة الجيدة ولا الرديئة بل هو وسط فإن الآمدي قد أفصح بأن امرأ القيس لما جعل لليل وسطا ممتدا استعار له اسم الصلب وجعل متمطيا من أجل امتداده وحيث جعل له أولا وآخرا استعار له عجزا وكلكلا وهذا كله إنما يحسن بعضه مع بعض فذكر

стр. 2556

الصلب إنما يحسن من أجل العجز والوسط والتمطي من أجل الصلب والكلكل لمجموع ذلك استعارة مبنية على استعارة أخرى» . هذا ما قاله الرجلان بصدد الاستعارة المبنية على استعارة أخرى وقد غفل ابن سنان على سموه في البلاغة عن آية القرآن وإلا ما كان أساغ لنفسه أن يذم هذه الاستعارة. وروي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب: هل يذاق اللباس؟ فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمدا ما كان نبيا أما كان عربيا؟ كأنه طعن في الآية بأن المناسب أن يقال فكساها الله لباس الجوع أو فأذاقها الله طعم الجوع فرد عليه ابن الأعرابي، وقد أجاب علماء البلاغة أن هذا من تجريد الاستعارة وذلك انه استعار اللباس لما خشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال الثوب على اللابس ثم ذكر الوصف ملائما للمستعار له وهو الجوع والخوف لأن اطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره فكانت الاستعارة مجردة ولو قال فكساها كانت مرشحة، قيل وترشيح الاستعارة وان كان مستحسنا من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحا من حيث أنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحا. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٤ الى ١١٧] فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧)

стр. 2557

الإعراب: (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً) الفاء الفصيحة أي إذا استبان لكم حال من كفر وما آل إليه أمرهم فانتهوا عما أنتم عليه وأقلعوا عن كفران النعم وكلوا واشربوا ومما متعلقان بكلوا وجملة رزقكم صلة وحلالا حال ولك أن تجعله مفعولا به لكلوا وطيبا صفة. (وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) واشكروا نعمة الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وإن شرطية وكنتم فعل الشرط وكان واسمها وإياه مفعول مقدم لتعبدون وجملة تعبدون خبر كنتم. (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) إنما كافة ومكفوفة وحرم فعل وفاعل مستتر وعليكم جار ومجرور متعلقان بحرم والميتة مفعول به والدم والخنزير عطف على الميتة وما عطف أيضا وجملة أهل صلة ولغير الله حال وبه متعلقان بأهل وقد تقدمت هذه الآية. (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الفاء تفريعية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ واضطر فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط ونائب الفاعل مستتر يعود على من وغير باغ حال ولا عاد عطف على باغ والفاء رابطة وان واسمها وغفور خبرها الأول ورحيم خبرها الثاني والجملة في محل جزم جواب الشرط. (وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)

стр. 2558

لا ناهية وتقولوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل ولما تصف اللام حرف جر وما مصدرية وهي مع مدخولها في محل جر باللام والجار والمجرور متعلقان بتقولوا وألسنتكم فاعل تصف والكذب مفعول تصف وجملة هذا حلال مقول القول فيكون المعنى ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب أي لتعودها عليه وجريانها به أي لا تحللوا ولا تحرموا لأجل قول تنطق به ألسنتكم وهو قول مدفوع لا تقوم به حجة وهذا حرام عطف على هذا حلال ولتفتروا بدل من قوله لما تصف، وعلى الله متعلقان بتفتروا والكذب مفعول به لتفتروا ويجوز أن ينتصب الكذب مفعولا لتقولوا ولكون جملة هذا حلال بدل منه وعندئذ تكون ما موصولة أي ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقولوا هذا حرام وهذا حلال وكلا الاعرابين صحيح وسائغ وأورد ابن هشام في المغني هذه الآية وعبارته: قيل في ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب وفي كما أرسلنا فيكم رسولا منكم، أن الكذب بدل من مفعول تصف المحذوف أي لما تصفه وكذلك في رسولا بناء على أن «ما» في «كما» موصول اسمي ويرده أن فيه إطلاق ما على الواحد من أولي العلم والظاهر أن ما كافة وأظهر منه أنها مصدرية لإبقاء الكاف حينئذ على عمل الجر وقيل في الكذب إنه مفعول لتقولوا والجملتان بعده بدل منه أي لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل أو الحرمة وإما لمحذوف أي فتقولون الكذب وإما لنصف على أن ما مصدرية والجملتان محكيتا القول أي لا تحللوا وتحرموا لمجرد قول تنطق به ألسنتكم. وسيأتي معنى وصف الألسنة بالكذب في باب البلاغة. (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) ان واسمها وجملة يفترون صلة وعلى الله متعلقان بيفترون والكذب مفعول يفترون وجملة لا يفلحون خبر ان. (مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ

стр. 2559

أَلِيمٌ) متاع خبر مبتدأ محذوف أي ذلك العمل الذي هو ديدنهم متاع قليل الفائدة أو مبتدأ محذوف الخبر أي لهم متاع وقليل صفة متاع ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم صفة عذاب. البلاغة: وصف الألسنة للكذب تعبير عربي مبين للمبالغة جعلت الألسنة لاستساغتها الكذب وجريانه عليها وتردده فيما تنطق به دائما كأنها تصفه وتجسده للسامع ومن ذلك قولهم وجهها يصف الجمال وعينها توحي بالسحر أو كأن الكذب أمر مجهول وعليهم تبيانه للناس وكشف الغطاء عن خوافيه فهو مجاز عقلي. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٨ الى ١٢٣] وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)

стр. 2560

الإعراب: (وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ) وعلى الذين متعلقان بحرمنا وهادوا صلة الذين وما مفعول به وقصصنا صلة وعليك متعلقان بقصصنا ومن قبل متعلقان بحرمنا وقد تقدمت الاشارة الى ما خص اليهود بتحريمه وذلك في قوله تعالى: «وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر» الى آخر الآية من سورة الأنعام (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به والواو حالية ولكن مخففة مهملة فهي حرف استدراك وكانوا كان واسمها وأنفسهم مفعول مقدم ليظلمون وجملة يظلمون خبر كانوا. (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا) ثم حرف عطف للتراخي وان واسمها وللذين خبرها أي غفور للذين وعملوا صلة والسوء مفعول به وبجهالة في موضع الحال من الواو أي عملوا السوء جاهلين ثم تابوا عطف على عملوا ومن بعد متعلقان بتابوا وذلك مضافة لبعد وأصلحوا عطف على تابوا. (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) إن واسمها ومن بعدها متعلقان بغفور واللام المزحلقة وغفور خبر إن ورحيم خبر ثان. (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) إن واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو أي ابراهيم وأمة خبر كان أي كان وحده أمة بذاتها لأنه اجتمعت فيه من صفات الكمال ما يجتمع في أمة فصدق فيه قول أبي نواس: ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد وقانتا خبر ثان لكان ولله متعلقان بقانتا وحنيفا خبر ثالث. ولم
следующие страницы →