← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

الصلب إنما يحسن من أجل العجز والوسط والتمطي من أجل الصلب والكلكل لمجموع ذلك استعارة مبنية على استعارة أخرى» . هذا ما قاله الرجلان بصدد الاستعارة المبنية على استعارة أخرى وقد غفل ابن سنان على سموه في البلاغة عن آية القرآن وإلا ما كان أساغ لنفسه أن يذم هذه الاستعارة. وروي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب: هل يذاق اللباس؟ فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمدا ما كان نبيا أما كان عربيا؟ كأنه طعن في الآية بأن المناسب أن يقال فكساها الله لباس الجوع أو فأذاقها الله طعم الجوع فرد عليه ابن الأعرابي، وقد أجاب علماء البلاغة أن هذا من تجريد الاستعارة وذلك انه استعار اللباس لما خشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال الثوب على اللابس ثم ذكر الوصف ملائما للمستعار له وهو الجوع والخوف لأن اطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره فكانت الاستعارة مجردة ولو قال فكساها كانت مرشحة، قيل وترشيح الاستعارة وان كان مستحسنا من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحا من حيث أنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحا. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٤ الى ١١٧] فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧)

стр. 2557

الإعراب: (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً) الفاء الفصيحة أي إذا استبان لكم حال من كفر وما آل إليه أمرهم فانتهوا عما أنتم عليه وأقلعوا عن كفران النعم وكلوا واشربوا ومما متعلقان بكلوا وجملة رزقكم صلة وحلالا حال ولك أن تجعله مفعولا به لكلوا وطيبا صفة. (وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) واشكروا نعمة الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وإن شرطية وكنتم فعل الشرط وكان واسمها وإياه مفعول مقدم لتعبدون وجملة تعبدون خبر كنتم. (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) إنما كافة ومكفوفة وحرم فعل وفاعل مستتر وعليكم جار ومجرور متعلقان بحرم والميتة مفعول به والدم والخنزير عطف على الميتة وما عطف أيضا وجملة أهل صلة ولغير الله حال وبه متعلقان بأهل وقد تقدمت هذه الآية. (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الفاء تفريعية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ واضطر فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط ونائب الفاعل مستتر يعود على من وغير باغ حال ولا عاد عطف على باغ والفاء رابطة وان واسمها وغفور خبرها الأول ورحيم خبرها الثاني والجملة في محل جزم جواب الشرط. (وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)

стр. 2558

لا ناهية وتقولوا مضارع مجزوم بلا والواو فاعل ولما تصف اللام حرف جر وما مصدرية وهي مع مدخولها في محل جر باللام والجار والمجرور متعلقان بتقولوا وألسنتكم فاعل تصف والكذب مفعول تصف وجملة هذا حلال مقول القول فيكون المعنى ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب أي لتعودها عليه وجريانها به أي لا تحللوا ولا تحرموا لأجل قول تنطق به ألسنتكم وهو قول مدفوع لا تقوم به حجة وهذا حرام عطف على هذا حلال ولتفتروا بدل من قوله لما تصف، وعلى الله متعلقان بتفتروا والكذب مفعول به لتفتروا ويجوز أن ينتصب الكذب مفعولا لتقولوا ولكون جملة هذا حلال بدل منه وعندئذ تكون ما موصولة أي ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقولوا هذا حرام وهذا حلال وكلا الاعرابين صحيح وسائغ وأورد ابن هشام في المغني هذه الآية وعبارته: قيل في ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب وفي كما أرسلنا فيكم رسولا منكم، أن الكذب بدل من مفعول تصف المحذوف أي لما تصفه وكذلك في رسولا بناء على أن «ما» في «كما» موصول اسمي ويرده أن فيه إطلاق ما على الواحد من أولي العلم والظاهر أن ما كافة وأظهر منه أنها مصدرية لإبقاء الكاف حينئذ على عمل الجر وقيل في الكذب إنه مفعول لتقولوا والجملتان بعده بدل منه أي لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل أو الحرمة وإما لمحذوف أي فتقولون الكذب وإما لنصف على أن ما مصدرية والجملتان محكيتا القول أي لا تحللوا وتحرموا لمجرد قول تنطق به ألسنتكم. وسيأتي معنى وصف الألسنة بالكذب في باب البلاغة. (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) ان واسمها وجملة يفترون صلة وعلى الله متعلقان بيفترون والكذب مفعول يفترون وجملة لا يفلحون خبر ان. (مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ

стр. 2559

أَلِيمٌ) متاع خبر مبتدأ محذوف أي ذلك العمل الذي هو ديدنهم متاع قليل الفائدة أو مبتدأ محذوف الخبر أي لهم متاع وقليل صفة متاع ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم صفة عذاب. البلاغة: وصف الألسنة للكذب تعبير عربي مبين للمبالغة جعلت الألسنة لاستساغتها الكذب وجريانه عليها وتردده فيما تنطق به دائما كأنها تصفه وتجسده للسامع ومن ذلك قولهم وجهها يصف الجمال وعينها توحي بالسحر أو كأن الكذب أمر مجهول وعليهم تبيانه للناس وكشف الغطاء عن خوافيه فهو مجاز عقلي. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٨ الى ١٢٣] وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)

стр. 2560

الإعراب: (وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ) وعلى الذين متعلقان بحرمنا وهادوا صلة الذين وما مفعول به وقصصنا صلة وعليك متعلقان بقصصنا ومن قبل متعلقان بحرمنا وقد تقدمت الاشارة الى ما خص اليهود بتحريمه وذلك في قوله تعالى: «وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر» الى آخر الآية من سورة الأنعام (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) الواو عاطفة وما نافية وظلمناهم فعل وفاعل ومفعول به والواو حالية ولكن مخففة مهملة فهي حرف استدراك وكانوا كان واسمها وأنفسهم مفعول مقدم ليظلمون وجملة يظلمون خبر كانوا. (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا) ثم حرف عطف للتراخي وان واسمها وللذين خبرها أي غفور للذين وعملوا صلة والسوء مفعول به وبجهالة في موضع الحال من الواو أي عملوا السوء جاهلين ثم تابوا عطف على عملوا ومن بعد متعلقان بتابوا وذلك مضافة لبعد وأصلحوا عطف على تابوا. (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) إن واسمها ومن بعدها متعلقان بغفور واللام المزحلقة وغفور خبر إن ورحيم خبر ثان. (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) إن واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو أي ابراهيم وأمة خبر كان أي كان وحده أمة بذاتها لأنه اجتمعت فيه من صفات الكمال ما يجتمع في أمة فصدق فيه قول أبي نواس: ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد وقانتا خبر ثان لكان ولله متعلقان بقانتا وحنيفا خبر ثالث. ولم

стр. 2561

بك: لم حرف نفي وقلب وجزم ويك فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون وحذفت النون للتخفيف وقد مر ذلك في بحث خصائص كان واسم يك مستتر تقديره هو ومن المشركين خبر يك. (شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) شاكرا خبر رابع لكان ولأنعمه منعلقان بشاكرا وجملة اجتباه خبر خامس وهداه عطف على اجتباه والى صراط جار ومجرور متعلقان بهداه ومستقيم صفة لصراط. (وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) عطف على ما تقدم على طريق الالتفات عن الغيبة الى التكلم لزيادة الاعتناء بشأنه وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به وفي الدنيا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لحسنة وحسنة مفعول به ثان وانه ان واسمها وفي الآخرة متعلقان بمحذوف حال واللام المزحلقة ومن الصالحين خبر ان. (ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ثم حرف عطف وأوحينا فعل وفاعل وعطفها بثم الدالة على التراخي والتباعد إشعار بالمكانة السميا والمنزلة العليا لمحمد ﷺ وان أجلّ ما أوتي ابراهيم من النعمة اتباع محمد لشريعته، وإليك متعلقان بأوحينا وأن اتبع أن مفسرة أو مصدرية فتكون منصوبة بنزع الخافض وملة ابراهيم مفعول اتبع وحنيفا حال من ابراهيم وسيأتي بحث مجيء الحال من المضاف اليه والواو عاطفة وما نافية وكان واسمها المستتر ومن المشركين خبرها. الفوائد: مجيء الحال من المضاف اليه: تأتي الحال من المضاف اليه بشروط ثلاثة:

стр. 2562

١- أن يكون المضاف جزءا من المضاف اليه نحو «ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا» فإخوانا حال من المضاف اليه وهو الضمير والصدور بعضه ونحو «أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه» فميتا حال من الأخ المضاف اليه اللحم واللحم بعض الأخ ٢- أو كالجزء منه مثل هذه الآية فحنيفا حال من ابراهيم المضاف اليه الملة والملة كبعضه في صحة حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه إذ لو قيل واتبع ابراهيم لكان صحيحا. ٣- أن يكون المضاف عاملا في الحال كأن يكون مصدرا أو وصفا نحو «إليه مرجعكم جميعا» فجميعا حال من الكاف والميم المضاف اليه مرجع ومرجع مصدر ميمي عامل في الحال النصب. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٢٤ الى ١٢٨] إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)

стр. 2563

الإعراب: (إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) إنما كافة ومكفوفة وجعل فعل ماض مبني للمجهول والسبت نائب فاعل وعلى الذين جار ومجرور متعلقان بجعل فهو بمثابة المفعول الثاني وجملة اختلفوا صلة وفيه متعلقان باختلفوا وقد تقدم أن اليهود خالفوا نبيهم موسى حيث أمرهم أن يعظموا يوم الجمعة بالتفرغ للعبادة فيه وترك الأشغال فقالوا لا نريده واختاروا السبت فشدد عليهم فيه. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) الواو عاطفة أو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وجملة يحكم خبر إن وبينهم متعلقان بيحكم وكذلك الظرف وهو يوم القيامة وفيما متعلقان بمحذوف حال وجملة كانوا صلة وفيه متعلقان بيختلفون وجملة يختلفون خبر كانوا. (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) ادع فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والمفعول محذوف أي الناس والى سبيل ربك متعلقان بادع وبالحكمة حال أي ملتبسا بها والموعظة الحسنة عطف على الحكمة. (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وجادلهم عطف على ادع والهاء مفعول به وبالتي متعلقان بادع وهي مبتدأ وأحسن خبر والجملة الاسمية صلة التي. (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) إن واسمها وهو مبتدأ وأعلم خبر والجملة خبر إن وبمن متعلقان بأعلم وجملة ضل صلة وعن سبيله متعلقان بضل وهو مبتدأ وأعلم خبر وبالمهتدين متعلقان بأعلم. (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ) الواو استئنافية وان شرطية وعاقبتم فعل ماض والتاء فاعل وهو في محل جزم فعل الشرط فعاقبوا الفاء رابطة وعاقبوا فعل أمر وفاعل وبمثل جار ومجرور متعلقان بعاقبوا وما مضاف اليه وجملة عوقبتم صلة وبه

стр. 2564

متعلقان بعوقبتم وجملة فعاقبوا في محل جزم جواب الشرط. (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) اللام موطئة للقسم وان شرطية وصبرتم في محل جزم فعل الشرط واللام واقعة في جواب القسم لتقدمه وقد تقدم ذلك وهو مبتدأ وخير خبر وللصابرين متعلقان بخير. (وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) واصبر الواو استئنافية واصبر فعل أمر وفاعله مستتر وما صبرك الواو حالية وما نافية وصبرك مبتدأ وإلا أداة حصر وبالله خبر والواو عاطفة ولا ناهية وتحزن فعل مضارع مجزوم بلا وعليهم متعلقان بتحزن. (وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتك فعل مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسم تك مستتر تقديره أنت وفي ضيق خبر تك ومما صفة لضيق وجملة يمكرون صلة. (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) إن واسمها ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر والذين مضاف اليه واتقوا صلة والذين عطف على الذين وهم مبتدأ ومحسنون خبر والجملة صلة. البلاغة: خواتم سورة النحل: قوله تعالى «ولا تك في ضيق» يجوز أن يكون من الكلام المقلوب لأن الضيق وصف يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه ويجوز أن يراد أن في الكلام تشبيها فقد شبه الضيق بالشيء الذي يحيط بالإنسان وهو من روائع التعبير وجوامع الكلم ولذلك روي عن ابراهيم بن حيان عند ما احتضر أنه قيل له: أوص، فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي ولكني أوصيكم بخواتم سورة النحل.

стр. 2565

(١٧) سورة الإسراء مكية وآياتها إحدى عشرة ومائة [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣) وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨)

стр. 2566

اللغة: (سُبْحانَ) : علم جنس للتنزيه والتقديس وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحانه أو سبحت الله سبحان أي فهو مفعول مطلق ومعناه ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص ولذا لا يستعمل إلا فيه تعالى. (أَسْرى) : سرى بمعنى سار في الليل وهما لازمان ومصدر الأول الإسراء ومصدر الثاني السرى بضم السين. (مَرَّتَيْنِ) : تثنية مرة وفي القاموس مرمرا ومرورا جاز وذهب واستمر ومره وبه جاز عليه وامترّ به وعليه كمر والمرة الفعلة الواحدة والجمع مرّ ومرار ومرر بكسرهما ومرور بالضم ولقيه ذات مرة ولا يستعمل إلا ظرفا» . (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ) : في القاموس: «الجوس بالجيم طلب الشيء باستقصاء والتردد خلال الدور والبيوت في الغارة والطوف فيها كالجوسان والاجتياس وبابه قال وخلال الديار فيه وجهان أحدهما أنه اسم مفرد بمعنى وسط والثاني انه جمع خلل كجبل وجبال وجمل وجمال.

стр. 2567

وقال الجوهري: الجوس مصدر جاسوا خلال الديار أي تخللوا فطلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها. وحكى الهروي في الغريبين عن الأزهري أن معنى جاسوا وطئوا. وحكي عن الأصمعي انه يقال تركت فلانا يجوس بني فلان ويحوسهم ويدوسهم أي يضؤهم. وقال أبو عبيد كل موضع خالطته ووطئته فقد جسته وحسته. (الْكَرَّةَ) : الغلبة والدولة وهي في الأصل مصدر كريكر أي رجع ثم استعملت تعبيرا عن الدولة والقهر والغلبة. (نَفِيراً) : النفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفر كالعبيد والمعيز وفيه أوجه أحدها انه فعيل بمعنى فاعل أي نافر والثاني أنه جمع نفر نحو عبيد والثالث انه مصدر أي أكثر خروجا الى الأعداء وفد قدمنا أن النون والفاء إذا كاتنا فاء للكلمة وعينا لها، دلتا على الخروج والنفاذ. (يتبروا) : التتبير: الهلاك. (حَصِيراً) : محبسا وسجنا. قال لبيد: ومقامه غلب الرجال كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام وقال الحسن: يعني فراشا، وعنه أيضا: وهو مأخوذ من الحصر والذي يظهر انها حاصرة لهم أي محيطة بهم من جميع جهاتهم فحصير معناه ذات حصر إذ لو كان للمبالغة لزمته التاء لجريانه على مؤنث كما تقول: رحيمة وعليمة، ولكنه على معنى النسب كقوله: السماء منفطر به، أي ذات انفطار.

стр. 2568

الإعراب: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف وقد تقدم بحثه في باب اللغة والذي مضاف اليه وجملة أسرى صلة، وبعبده متعلقان بأسرى وليلا ظرف متعلق بأسرى وسيأتي في باب البلاغة سر ذكره مع أن السرى لا يكون إلا في الليل وبعبده جار ومجرور متعلقان بأسرى وليلا ظرف زمان متعلق بأسرى أيضا ومن المسجد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي مبتدئا وإلى المسجد الأقصى حال أيضا أي منتهيا الى المسجد والأقصى نعت للمسجد والذي نعت ثان وباركنا صلة وهي فعل وفاعل وحوله ظرف متعلق بباركنا. (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) اللام للتعليل ونريه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به والأولى أن تجعل الجار والمجرور خبرا لمبتدأ محذوف أي وذلك لنريه ومن آياتنا جار ومجرور متعلقان بنريه ومن حرف جر للتبعيض وان واسمها وهو مبتدأ أو ضمير فصل والسميع خبر هو أو خبر إن والبصير خبر ثان وسيأتي سر هذه الالتفاتات في باب البلاغة. (وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) الواو استئنافية أو عاطفة على جملة سبحان الذي أسرى ونا فاعل وموسى مفعول به أول والكتاب مفعول به ثان وجعلناه هدى فعل وفاعل والهاء مفعول به أول وهدى مفعول به ثان ولبني متعلقان بهدى وإسرائيل مضاف اليه. (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) يصح في أن أن تكون مصدرية منصوبة مع مدخولها بنزع الخافض أي بأن لا تتخذوا والجار والمجرور متعلقان بكتبنا ويجوز أن تكون مفسرة لأن الإتيان فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتتخذوا مضارع

стр. 2569

مجزوم بلا ووكيلا مفعول تتخذوا الأول ومن دوني هو المفعول الثاني لتتخذوا. (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً) ذرية: اضطربت أقوال المعربين في نصبها المتفق عليه بين القراء جميعا فقيل: نصبت على الاختصاص وبه بدأ الزمخشري وقيل على النداء وقيل بدل من وكيلا وقيل مفعول ثان لتتخذوا، على أن النفس لا تطمئن لواحد منها والله أعلم ومن مضاف الى ذرية وحملنا صلة ومع ظرف مكان متعلق بحملنا ونوح مضاف إليه وان واسمها وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو وعبدا خبرها وشكورا صفة ومما يرجح إعراب ذرية على الاختصاص أو النداء قول الزمخشري في إعراب جملة: «إنه كان عبدا شكورا» انها تعليلية لاختصاصهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فكأنه قيل: «لا تتخذوا من دوني وكيلا ولا تشركوا بي لأن نوحا ﵇ كان عبدا شكورا وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم» وهذه فطنة من الزمخشري تسترعي الانتباه وتستحق الاعجاب. (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ) الواو عاطفة وقضينا فعل وفاعل وإلى بني إسرائيل متعلقان بقضينا وقضينا في الأصل فعل يتعدى بنفسه ولكنه تعدى هنا بإلى لتضمنه معنى أوحينا، ومعنى قضينا أعلمنا وأخبرنا أو حكمنا وأتممنا، وأصل القضاء الإحكام للشيء والفراغ منه وقيل أوحينا ويدل عليه قوله إلى بني إسرائيل ولو كان بمعنى الإعلام والاخبار لقال قضينا بني إسرائيل ولو كان بمعنى حكمنا لقال على بني إسرائيل ولو كان بمعنى أتممنا لقال لبني إسرائيل. وفي الكتاب حال والمراد به التوراة. (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) اللام جواب للقسم المحذوف أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن، وتفسدن فعل مضارع معرب لأنه لم يتصل مباشرة بنون التوكيد الثقيلة وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي النونات

стр. 2570

وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين هي الفاعل والأصل لتفسدونن وقد تقدمت له نظائر وفي الأرض متعلقان بتفسدن ومرتين نصب على الظرفية وأعربه أبو البقاء مفعولا مطلقا على أنه صفة لمصدر محذوف أو على أنه في نفسه مصدر عمل فيه ما هو من غير جنسه وسيأتي المراد بالمرتين في باب الفوائد. (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً) الواو عطف ولتعلن عطف على لتفسدن وهي مماثلة لها في إعرابها وعلوا مفعول مطلق وكبيرا صفة. (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاء مضاف إليها الظرف ووعد فاعل وأولاهما مضافة لوعد ولما كان الوعد على إطلاقه خاصا بالخير كان لا بد من تقدير مضاف محذوف أي وعد عقاب أولاهما وجملة بعثنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليكم متعلقان ببعثنا وعبادا مفعول به وأولي صفة لعبادا وهي من الأسماء الخمسة بمعنى أصحاب وبأس مضاف اليه وشديد صفة لبأس. (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا) الفاء عاطفة وجاسوا عطف على بعثنا وخلال ظرف مكان متعلق بجاسوا والديار مضاف اليه والواو عاطفة وكان عطف على الجوس واسمها ضمير يعود على الجوس أو الوعد بالعقاب ووعدا خبر كان ومفعولا صفة لوعدا. (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) ثم حرف عطف للتراخي ورددنا فعل وفاعل ولكم متعلقان برددنا والكرة مفعول به وعليهم متعلقان بالكرة أي الغلبة عليهم أو حال منها. (وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) وأمددناكم عطف على رددنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبأموال جار ومجرور متعلقان بأمددناكم وبنين عطف على أموال وجعلناكم فعل وفاعل ومفعول به وأكثر مفعول به ثان ونفيرا تمييز. (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) إن شرطية وأحسنتم فعل وفاعل وهو في محل جزم

стр. 2571

فعل الشرط وأحسنتم جوابه وإن أسأتم عطف على إن أحسنتم والفاء رابطة للجواب ولها متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي فإساءتكم، وكان القياس يقتضي أن يقول فعليها ولكنه عدل الى اللام للمشاكلة مع قوله لأنفسكم، وقيل اللام بمعنى على أي فعليها كما في قول عنترة: فخرّ صريعا لليدين وللفم (فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل، وجاء وعد فعل وفاعل والآخرة مضاف لوعد وأراد المرة الآخرة وليسوءوا اللام للتعليل ويسيئوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وهو متعلق بجواب إذا المحذوف أي بعثناهم ليسوءوا وقد دل على الجواب جواب إذا الأولى ووجوهكم مفعول به والمعنى ليجعلوا وجوهكم بادية المساءة منكسفة المعالم. (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وليدخلوا عطف على ليسوءوا أي فهو متعلق بمحذوف هو بعثناهم والمسجد منصوب على السعة وكما نصب على المصدرية أي دخولا مثل دخولهم وأول مرة نصب على الظرفية. (وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً) وليتبروا عطف على ليسوءوا وواو الجماعة فاعل وما مفعول به ليتبروا أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه ويجوز أن تجعل ما مصدرية ظرفية ومفعول يتبروا محذوف ولعله أولى لإفساح المجال أمام الخيال ليتصور مدى إهلاكهم الحرث والنسل مدة علوهم على البلاد ويكون الظرف متعلقا بيتبروا وتتبيرا مفعول مطلق. (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً) عسى فعل ماض من أفعال الرجاء ترفع الاسم وتنصب الخبر وربكم اسمها وأن مع مدخولها في محل نصب خبر والواو حرف عطف وإن

стр. 2572

شرطية وعدتم فعل ماض وفاعل في محل جزم فعل الشرط وعدنا فعل ماض وفاعل في محل جزم جواب الشرط وجعلنا عطف على عدنا ونا فاعل وجهنم مفعول به أول وللكافرين متعلقان بحصيرا وحصيرا مفعول به ثان هذا إذا اعتبرنا حصيرا فعيلا بمعنى فاعل وان اعتبرناه اسما جامدا أي مكان الحبس المعروف فتكون للكافرين حالا منه. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على ضروب من البلاغة ندرجها فيما يلي: ١- الذكر: ذكر الليل مع أن السرى لا يكون إلا بالليل يحتمل أمرين: آ- أولهما أن الاسراء لما دل على أمرين أحدهما السير والآخر كونه ليلا أريد إفراد أحدهما بالذكر تثبيتا في نفس المخاطب وتنبيها على أنه مقصود بالذكر وقد مرت الاشارة الى هذه النكتة في قوله تعالى «وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد» فالاسم الحامل للتثنية دال عليها وعلى الجنسية وكذلك المفرد فأريد التنبيه لأن أحد المعنيين وهو التثنية مقصود مراد. ب- وثانيهما الإشارة بتنكير الليل إلى تقليل مدته لأن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية وهذا بخلاف ما لو قيل أسرى بعبده الليل فإن التركيب مع التعريف يفيد استغراق السير لجميع أجزاء الليل. ٢- الوصل والفصل: ومن الفنون البعيدة المنال التي تطول على من رامها الفصل

стр. 2573

والوصل فإن القارئ ليشعر أن بين آية الاسراء وقوله «وآتينا موسى الكتاب» إلى آخر الآية تباينا شديدا في ظاهر الأمر حتى إذا تمعّن وتدبر وجد الوصل بين الفعلين فإنه تعالى أخبر أنه أسرى بمحمد ﷺ الى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله الى عباده كما أسرى بموسى من مصر إلى مدين حين خرج خائفا يترقب وأسرى به وبابنه شعيب الى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله الى فرعون وملئه وآتاه الكتاب فهذا هو الوصل بين الفصلين المذكورين وأما الوصل بين قوله تعالى: «ذرية من حملنا مع نوح» وبين ما قبله فتذكار بني إسرائيل بأول نعمه عليهم بنجاة آبائهم مع نوح في السفينة من الغرق إذ لو لم ينج آباؤهم لما وجدوا فكأنما النعم السابغة عليهم سلسلة متعاقبة الحلقات أولها نجاة آبائهم من غرق الطوفان الذي عم العالم بأسره وآخرها نجاتهم من الغرق حين شق لهم البحر ليغرق فرعون وجنوده وملؤه وينجوا هم وإذن كان يترتب عليهم أن يشكروا من أسبغ عليهم هذه الآلاء والعوارف وأن يتأسوا بنوح جدهم الأكبر الذي كان عبدا شكورا، أليس الولد سر أبيه؟ بيد أن هؤلاء نسيج وحدهم من الجحود والإنكار، وغمط النعمة، ومقابلة الحسنات بالسيئات. ٣- الالتفات: تحدثنا عن الالتفات كثيرا في هذا الكتاب وتقدمت له شواهد متعددة وفي هذه الآية، آية الاسراء، تعاقب الالتفات كثيرا على قصر متنه وتقارب طرفيه، فقد قال أولا «سبحان الذي أسرى» بلفظ الواحد الغائب ثم قال «الذي باركنا» بلفظ الجمع المتكلم ثم قال «إنه هو السميع البصير» بلفظ الواحد الغائب ولو جاء الكلام على

стр. 2574

مساق الأول لكان «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير» وهذا جميعه محمول على أسرى فلما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة الى صيغة كان ذلك اتساعا في الكلام، وتفننا فيه، وتنويعا لأساليبه والفائدة منه فضلا عن تطرية نشاط الذهن، واستحضاره، واسترعائه لعرض الحقائق المملوءة بالعظات والعبر، أنه لما بدأ الكلام بسبحانه ردفه بقوله الذي أسرى إذ لا يجوز أن يقال الذي أسرينا فلما جاء بلفظ الواحد، والله تعالى أعظم العظماء وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع استدرك الاول بالثاني فقال: «باركنا» ثم قال «لنريه من آياتنا» فجاء بذلك على نسق «باركنا» ثم قال «إنه هو» عطفا على أسرى وذلك موضع متوسط الصفة لأن السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، بصرف النظر عن التفاوت بين السمعين والبصريين وتلك حال متوسطة فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه الى خطاب غائب وهذه مرام بعيدة المدى، جليلة الغرض لا يسبر غورها ولا يكتنه فحواها إلا المطبوع. الفوائد: ١- «من» و «إلى» الجارتين: ل «من» الجارة معان كثيرة يمكن الرجوع إليها في معني اللبيب وغيره من الكتب المطولة في النحو ولكننا نريد أن نشير إلى المعنى الرئيسي لها الوارد في آية الاسراء وهو الابتداء أي ابتداء الغاية المكانية باتفاق جميع النحاة بصريهم وكوفيهم بدليل انتهاء الغاية بعدها وهي قوله «الى المسجد الأقصى» أما ابتداء الغاية الزمانية فقد اختلف النحاة فأقرها الكوفيون وأقرها من البصريين المبرد والأخفش وابن

стр. 2575

درستويه وهذا هو الصحيح لورودها في الكتاب العزيز وهو قوله «من أول يوم أحق أن تقوم فيه رجال» وفي الحديث وهو قول أنس «فمطرنا من الجمعة الى الجمعة» وفي الشعر وهو قول النابغة الذبياني يصف السيوف: تخيرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب أما «إلى» الجارة فهي تفيد انتهاء الغاية مكانية وزمانية فمثالها في المكان «الى المسجد الأقصى» ومثالها في الزمان «ثم أتموا الصيام إلى الليل» ولإلى سبعة معان أخرى حكاها في مغني اللبيب وغيره ومما أشكل من معاني إلى قول النابغة الذبياني أيضا يعتذر الى النعمان ابن المنذر: فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب ذكر في المغني أنها هنا بمعنى في وهو غريب وقال الدماميني: «إلى متعلقة بمحذوف وهو حال من اسم كأن، أي: كأنني مبغضا إلى الناس بسبب الوعيد كجمل أجرب طلي به القار أي جعل فيه أو اتصف به» وقد ذهل الدماميني عن القلب في مطلي به القار أو انه تكلفه ليجعل مطليا بمعنى مبغض فالقار يطلى به ولا يطلي هو ولهذا كان لا بد من الرجوع الى رأي ابن هشام وهو ان الى بمعنى في وان الجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي كأنني كائنا في الناس بعير طلي بالقار وهو مبغض. ٢- معنى مرتين: اختلف المفسرون في تفسير المرتين الواردتين في قوله تعالى «لتفسدن في الأرض مرتين» فذهب بعضهم الى أن المرة الأولى هي قتل

стр. 2576

زكريا وحبس أرميا والثانية قتل يحيى وقصد قتل عيسى وقال البيضاوي: «أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا وقيل أرميا وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسلام» على أن فساد اليهود في الأرض لا يمكن حصره بمرتين وإنما أتى القرآن الكريم بالمرتين مثالا سريعا لفسادهم الذي لا يحصى والذي يستمر مدى الدهور. ويمكن الرجوع الى المطولات لهذا الغرض. [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩ الى ١٥] إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (١١) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (١٢) وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥)

стр. 2577

الإعراب: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) إن واسمها والقرآن بدل من اسم الاشارة ويهدي فعل وفاعل مستتر والمفعول به محذوف أي يهدي الناس والجملة خبر إن وللتي جار ومجرور متعلقان بيهدي وهي مبتدأ وأقوم خبر والجملة الاسمية صلة التي وأقوم اسم تفضيل على قول الزجاج إذ قدر أقوم الحالات، وقدره غيره أقوم مما عداها أو من كل حال ورجح أبو حيان انها ليست للتفضيل إذ قال لا مشاركة بين الطريقة التي يرشد إليها القرآن وطريقة غيرها وفضلت هذه عليها وانما المعنى التي هي قيمة أي مستقيمة كما قال: وذلك دين القيمة، وفيها كتب قيمة، أي مستقيمة الطريقة، قائمة بما يحتاج إليه من أمر الدين. (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) ويبشر عطف على يهدي والمؤمنين مفعول به والذين صفة المؤمنين وجملة يعملون صلة والصالحات مفعول به وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر أن المقدم وأجرا اسمها المؤخر وكبيرا صفة. (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) وان الذين عطف على أن لهم أجرا كبيرا أي يبشر المؤمنين ببشارتين عظيمتين الأولى بثوابهم والثانية بعقاب أعدائهم ويجوز أن يعطف على يبشر بإضمار ويخبر بأن الذين لا يؤمنون معذبون وجملة أعتدنا خبر أن ولهم متعلقان بأعتدنا وعذابا مفعول به وأليما صفة. (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) الواو استئنافية ويدعو الإنسان فعل وفاعل وبالشر متعلقان بمحذوف حال أو بيدعو ودعاءه مفعول مطلق وبالخير حال أيضا أو متعلقان بالدعاء لأنه مصدر والواو عاطفة أو حالية وكان واسمها وخبرها. (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ) وجعلنا فعل وفاعل

стр. 2578

والليل مفعول به والنهار عطف على الليل وآيتين مفعول به ثان فمحونا الفاء عاطفة ومحونا عطف على جعلنا وآية الليل مفعول به. (وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) وجعلنا فعل وفاعل وآية النهار مفعول به أول ومبصرة مفعول به ثان ولتبتغوا اللام للتعليل وتبتغوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل والجار والمجرور متعلقان بقوله وجعلنا، وفضلا مفعول به ومن ربكم متعلقان بتبتغوا وصفة لقوله فضلا. (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا) ولتعلموا عطف على ولتبتغوا وعدد السنين مفعول به والحساب عطف على عدد ولا تكرار فيهما وكل شيء نصب على الاشتغال ورجح نصبه لتقدم جملة فعلية كما سيأتي في باب الفوائد وفصلناه فعل وفاعل ومفعول به وتفصيلا مفعول مطلق. (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) وكل انسان نصب على الاشتغال أيضا وألزمناه فعل وفاعل ومفعول به وطائره مفعول به ثان وفي عنقه حال أي كائنا وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة. (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً) الواو عاطفة ونخرج فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وله جار ومجرور متعلقان بنخرج وكتابا مفعول به وجملة يلقاه صفة لكتابا ومنشورا اما صفة ثانية لكتابا وإما حال. (اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) جملة اقرأ كتابك في موضع نصب مقول قول محذوف أي يقال له واقرأ فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكتابك مفعول به وكفى فعل ماض وبنفسك الباء حرف جر زائد ونفسك فاعل مرفوع محلا مجرور بالباء لفظا واليوم ظرف متعلق بمحذوف حال وعليك متعلقان بحسيبا، وحسيبا تمييز وهو بمعنى حاسب كما ذكر سيبويه، قال سيبويه: «ضريب القداح

стр. 2579

بمعنى ضاربها وصريم بمعنى صارم» وأجاز بعضهم إعرابه حالا لأنه مشتق وليس ببعيد. (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) من شرطية مبتدأ واهتدى فعل ماض في محل جزم فعل الشرط فإنما الفاء رابطة وإنما كافة ومكفوفة ويهتدي فعل مضارع مرفوع والفاعل هو ولنفسه متعلقان بيهتدي والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط. (وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) عطف على الجملة السابقة وعليها في موضع نصب على الحال أي واقعا ضلاله عليها. (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) الواو عاطفة ولا نافية وتزر فعل مضارع وفاعل ووزر مفعول لتزر أي تحمل وأخرى مضاف اليه. (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الواو عاطفة وما نافية وكنا كان واسمها ومعذبين خبرها، حتى حرف غاية وجر ونبعث فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى ورسولا مفعول به. البلاغة: ١- المجاز العقلي في قوله تعالى «وجعلنا آية النهار مبصرة» لأن النهار لا يبصر بل يبصر فيه فهو من إسناد الفعل إلى زمانه وقد تقدم ذكره كثيرا. ٢- «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه» تعبير مسوق على عادة العرب كانوا لا يباشرون عملا من الأعمال الهامة إلا إذا اعتبروا أحوال الطير ليتبينوا إذا كانت مغبة العمل خيرا أم شرا فإذا طارت الطير بنفسها أو بإزعاج من أحد متيامنة تفاءلوا وأقدموا على عملهم وإذا طارت متياسرة تشاءموا وأحجموا عن عملهم ولما كثر منهم ذلك سموا نفس

стр. 2580

الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه على طريق المجاز المرسل وقد تقدم ذكره كثيرا. وإنما خص العنق بالذكر لأنه محل القلادة التي تزين الجيد وتبدو لأول وهلة وتسم المتقلد بها بالوسامة فكان ذلك كناية عن اتصافه بالخير والشر المقدرين له في لوح الأزل وإيثاره باختياره جانب واحد منهما كالذي يتبع السوانح وهي الطير الذاهبة متيامنة والذي يتبع البوارح وهي الطير الذاهبة متياسرة وأجاز بعضهم أن يكون الكلام من باب الاستعارة التصريحية أي استعير الطائر لما هو سبب الخير والشر من قدر الله وعمل العبد أي لما جعلوا الطائر سببا للخير والشر وأسندوهما اليه باعتبار سنوحه وبروحه استعير الطائر لما كان سببا لهما وهما قدرة الله الكائنة وعمل العبد المختار وكما أن الطائر الحقيقي يأتي الى كل مكان بعد مزايلة وكناته وأعشاشه فكذلك الحوادث تنتهي إلى الإنسان. ٣- الطباق بين الهدى والضلال وقد تقدم. ٤- في قوله «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة» فن الجمع مع التفريق وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين في حكم واحد ثم يفرق بينهما في ذلك الحكم، ومما ورد منه في الشعر قول البحتري البديع: ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدرّ منّا ولا قطه فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه

стр. 2581

الفوائد: الاشتغال: الاشتغال عرفه النحاة بأنه اسم تقدم على عامل من حقه أن ينصبه لولا اشتغاله عنه بالعمل في ضميره نحو: خالد أكرمته، والأفضل في الاسم المتقدم الرفع على الابتداء والجملة بعده خبره ويجوز نصبه بفعل محذوف يفسره المذكور بعده وجملة رأيته مفسرة للجملة المقدرة ولا محل لها من الإعراب ولا يجوز إظهار الفعل المقدر ويقدر بلفظ الفعل المذكر إلا إذا كان لازما فيقدر بمعناه نحو حمص مررت بها فيقدر بجاوزت مثلا وله أحوال: ١- وجوب النصب: وذلك إذا وقع بعد أدوات التحضيض والشرط والاستفهام غير الهمزة نحو هلّا الخير فعلته، وإن عليا لقيته فسلم عليه، وهل خالدا أكرمته؟ غير أن الاشتغال بعد أدوات الاستفهام والشرط لا يكون إلا في الشعر. ٢- ترجيح النصب: ويترجح النصب في خمسة أمور: آ- أن يقع بعد الاسم أمر نحو خالدا أكرمه وقد استثنيت من ذلك مسألة «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما» وقد تقدم الكلام عليها مستوفى.

стр. 2582

ب- أن يقع بعد الاسم نهي نحو: الكريم لا تهنه. ج- أن يقع بعد الاسم دعاء نحو: اللهم أمري يسره. د- أن يقع الاسم بعد همزة الاستفهام كقوله تعالى «أبشرا منا واحدا نتبعه» . هـ- أن يقع الاسم جوابا لمستفهم عنه كقولك: عليا أكرمته، في جواب من قال: من أكرمت؟ ٣- وجوب الرفع: ويجب الرفع في موضعين: ١- أن يقع بعد إذا الفجائية نحو: خرجت فإذا الجو يملؤه الضباب، لأن إذا الفجائية لا تدخل على الأفعال. ٢- أن يقع قبل أدوات الاستفهام أو الشرط أو التحضيض أو ما النافية أو لام الابتداء أو ما التعجبية أو كم الخبرية أو إن وأخواتها نحو: علي هل أكرمته، وسعيد إن لقيته فسلم عليه، وخالد هلّا دعوته، والشر ما فعلته، والخير لأنا أفعله، والخلق الحسن ما أطيبه، وزهير كم أكرمته، وخالد إني أحبه، فالاسم في ذلك كله مبتدأ والجملة بعده خبر وإنما لم يجز نصبه لأن هذه الأدوات لها الصدارة وما بعدها لا يعمل فيما قبلها. ٤- ترجيح الرفع: ويترجح الرفع إذا لم يكن هناك ما يوجب نصبه أو يرجحه أو يوجب رفعه نحو الكتاب قرأته لأن عدم التقدير أولى من التقدير.

стр. 2583

وهناك مسائل تتعلق بالاشتغال يرجع إليها في المطولات وستأتي نكت طريفة منه في هذا الكتاب. [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٦ الى ٢١] وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١) اللغة: (مُتْرَفِيها) : منعميها بمعنى رؤسائها وفي القاموس «الترفه بالضم النعمة والطعام الطيب والشيء الظريف تخصّ به صاحبك، وترف كفرح تنعّم، وأترفته النعمة أطغته أو نعمته كترفته تتريفا والمترّف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع والمتنعم لا يمنع من تنعمه

стр. 2584

وتترف تنعم» وفي أساس البلاغة: «أترفته النعمة: أبطرته وأترف فلان وهو مترف وأعوذ بالله من الإتراف والإسراف واستترفوا: تعفرتوا وطغوا ولم أزل معهم في ترفة أي في نعمة» . (مَدْحُوراً) : مطرودا وفي القاموس: «الدحر: الطرد والإبعاد والدفع كالدحور فعلهن كجعل وهو داحر ودحور» . الإعراب: (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها) الواو استئنافية مسوقة لبيان الأسباب التي تهلك بها القرى، وتدول الشعوب، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أردنا مضاف إليها الظرف وان وما في حيزها مصدر مؤول في محل نصب مفعول به لأردنا وقرية مفعول به وجملة أمرنا لا محل لها لأنها جواب إذا ومترفيها مفعول، ففسقوا الفاء عاطفة وفسقوا فعل وفاعل وفيها متعلقان بفسقوا (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) الفاء عاطفة وحق فعل ماض وعليها متعلقان بحق والقول فاعل، فدمرناها فعل وفاعل ومفعول به وتدميرا مفعول مطلق وسيأتي تفصيل لهذه الآية البليغة في باب البلاغة. (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ) كم خبرية في محل نصب مفعول أهلكنا ومن القرون في محل نصب تمييز ل «كم» ومن بعد نوح متعلقان بمحذوف حال أو بأهلكنا فمن للابتداء. (وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) الباء زائدة في الفاعل وقد تقدم ذلك قريبا وبذنوب عباده متعلقان بخبيرا بصيرا. (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) من شرطية مبتدأ وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل

стр. 2585

الشرط وجملة يريد العاجلة خبر كان وعجلنا فعل وفاعل وهو في محل جزم جواب الشرط وله متعلقان بعجلنا وفيها متعلقان بمحذوف حال وما موصول مفعول به وجملة نشاء صلة ولمن الجار والمجرور بدل من له بإعادة العامل وجملة نريد صلة ومفعول نريد محذوف أي لمن نريد تعجيله وفعل الشرط وجوابه خبر من. (ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً) ثم حرف عطف لتراخي المدة وجعلنا فعل وفاعل وله في محل نصب مفعول جعلنا الثاني وجهنم مفعول جعلنا الأول وجملة يصلاها حال من الضمير في له ومذموما حال من الضمير في يصلاها وكذلك مدحورا. (وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الواو عاطفة والجملة معطوفة على سابقتها وهي مماثلة لها في الإعراب وسعى لها عطف على أراد وسعيها مفعول مطلق أي حق سعيها ومن سقطات معظم المفسرين كأبي البقاء والكرخي وغيرهما انهم أجازوا إعراب سعيها مفعولا به ونسوا أن سعى فعل لازم، هذا بالاضافة الى أن المصدرية واضحة تماما. والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والجملة نصب على الحال من الضمير في سعى. (فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) الفاء رابطة لجواب من وأولئك اسم إشارة مبتدأ وكان واسمها وخبرها والجملة خبر أولئك وجملة أولئك كان إلخ في محل جزم جواب الشرط. (كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ) كلّا مفعول به مقدم لنمد والتنوين عوض عن الإضافة أي كل واحد، وفاعل نمد مستتر تقديره نحن وهؤلاء بدل من كلّا وهؤلاء عطف على هؤلاء الأولى ومن عطاء ربك جار ومجرور متعلقان بنمد. (وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) الواو عاطفة أو حالية وما نافية وكان واسمها وخبرها.

стр. 2586

(انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) انظر فعل أمر والفاعل مستتر وكيف اسم استفهام في محل نصب على الحال وفضلنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بفضلنا. (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الواو للحال واللام للابتداء والآخرة مبتدأ وأكبر خبر ودرجات تمييز نصب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم وأكبر عطف على أكبر الأولى وتفضيلا تمييز. البلاغة: في هذه الآية «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» فنون شتى: أولها: الالتزام، أو لزوم ما لا يلزم، وقد تقدم البحث عنه مستفيضا وهو التزام حرف أو حرفين فصاعدا قبل الروي على قدر طاقة الشاعر أو الكاتب من غير كلفة وإنما قيدناه بعدم الكلفة لأنه يستحيل صنعة باهتة لا أثر فيها لجمال ويسف عن درجة البلاغة ولا ينتظم في سلكها، فقد التزم في قوله «مترفيها» و «فيها» الفاء قبل ياء الردف ولزمت الياء وسيأتي الكثير منه في القرآن وهو من أرشق الاستعمالات ومما ورد فيه التزام سين قبل ألف الردف قول أبي العلاء صاحب اللزوميات: رويدك قد غررت وأنت حر ... بصاحب حيلة يعظ النساء يحرم فيكم الصهباء صبحا ... ويشربها على عمد مساء يقول لقد غدوت بلا كساء ... وفي لذاتها رهن الكساء

стр. 2587

وثانيها: المجاز المرسل في قوله «أمرنا مترفيها» لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا وهذا باطل فبقي أن يكون مجازا وإنما جعل الترف وهو الاتساع في العيش والبلهنية التي لا حدود لها ذريعة الى المعاصي والانجرار وراء الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لا مناص لهم عنه ولا انفكاك لهم منه وليس ثمة أمر ولا آمر وإنما هو المال رائد الشهوة، وبريد الغفلة، يزين للنفوس الموبقات فتسترسل فيها وتتعامى عن رؤية واقعها، وقد يكون واقعها عاليا وفوق المستويات بيد أنه لا يعتم أن يهوي بعد أن غفل عنه حارسوه وكالئوه كما حدث للعرب بعد استبحار مجدهم واتساع سلطانهم فهووا من حالق وأضاعوا ملكا لم يحافظوا عليه مثل الرجال على حد قول أم أبي عبد الله آخر ملوك بني الأحمر في الأندلس: ابك مثل النساء ملكا مضاعا ... لم تحافظ عليه مثل الرجال وثالثها: الحذف: فقد حذف المأمور به ولم يقل بماذا أمرهم إيجازا في القول واعتمادا على بديهة السامع لأن قوله ففسقوا فيها يدل عليه وهو كلام مستقيض. تقول أمرته فقام وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام وقراءة ولو أردت تقدير غيره لتكلفت شططا وحذفت ما لا دليل عليه هذا في حين توفر الدلائل على نقيضه كما بيّنا لك. هذا وقد تورط بعضهم فزعم في مجازفة لا حدود لها أن أمرنا معناها كثّرنا وفي مقدمة هؤلاء المتورطين أبو علي القالي في كتابه الممتع «الأمالي» فقد قال: «وقال الله تعالى: «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها» أي كثرنا ولا أدري كيف ساغ له هذا التفسير لأن أمر من باب فرح بكسر الميم والقراءة أمر بفتحها وهو أيضا لازم ولا يجوز

стр. 2588

أن تفسر بمعنى كثر المشددة الثاء إلا إذا ضعفت الميم وقد قرىء بها فكان الأولى به أن يشير إلى ذلك قال أبو البقاء: «أمرنا» يقرأ بالقصر والتخفيف أي أمرناهم بالطاعة وقيل كثرنا نعمهم وهو في معنى القراءة بالمد ويقرأ بالتشديد والقصر أي جعلناهم أمراء وقيل هي بمعنى الممدودة لأنه تارة يعدى بالهمزة وتارة بالتضعيف. وفي قوله «كلّا نمد هؤلاء وهؤلاء» لف ونشر مرتب فهؤلاء الأولى للفريق الأول أي مريد الدنيا وهؤلاء الثانية للفريق الثاني أي مريد الآخرة. الفوائد: تساءل بعضهم عن معنى قوله تعالى: «كيف فضلنا بعضهم على بعض» وكيف يصح التفاوت بين أبناء البشر وهم سواسية والجواب هو أن التفاوت منوط بالفضل ومبلغ ما يؤديه المرء لأبناء جلدته وللمجتمع عامة، روى التاريخ أن قوما من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر بن الخطاب فخرج الاذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن عمرو: إنما أتينا من قبلنا انهم دعوا ودعينا يعني الى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا. وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكثر. [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٢٢ الى ٢٥] لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (٢٢) وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (٢٥)

стр. 2589

الإعراب: (لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا) لا ناهية وتجعل فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت ومع الله ظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وإلها مفعول تجعل الأول وآخر صفة، فتقعد: الفاء فاء السببية وتقعد فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والفاعل مستتر تقديره أنت ومذموما حال ومخذولا حال ثانية وسيأتي ما في تقعد من أقوال. (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان منزلة الوالدين ووجوب معاملتهما من قبل الأبناء معاملة لائقة وقضى ربك فعل وفاعل ومعنى قضى أمر أمرا قاطعا وقيل أوصى و «أن» يحتمل أن تكون مصدرية فلا نافية وتعبدوا منصوب بها والمصدر منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بقضى وقيل مفسرة لأن قضى فيه معنى القول دون حروفه أو مخففة من الثقيلة فلا على الحالين ناهية وتعبدوا مجزوم بها وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وإلا أداة حصر وإياه مفعول وبالوالدين جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره وأحسنوا، وإحسانا مفعول مطلق ناصبه الفعل المحذوف، وإنما علقناهما بالفعل المحذوف لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته (إِمَّا يَبْلُغَنَّ

стр. 2590

عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما) إن شرطية زيدت عليها ما تأكيدا لها ويبلغن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في محل جزم فعل الشرط وعندك ظرف متعلق بمحذوف حال وأحدهما فاعل يبلغن والميم والألف حرفان دالان على التثنية وأو حرف عطف وكلاهما عطف على أحدهما وعلامة رفعه الألف لأنه ملحق بالمثنى ومعنى عندك أي حالة كونهما في كفالتك يتولى منهما ما كانا يتوليان منه إبان الطفولة وفي ذلك منتهى التوصية باستعمال لين الجانب ودماثة الخلق معهما في هذه الحال. (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً) الفاء رابطة للجواب ولا ناهية وتقل فعل مضارع مجزوم بلا ولهما متعلقان بتقل وأف اسم فعل مضارع بمعنى التضجر وفاعله مستتر تقديره أنا والجملة مقول القول وسيأتي تحقيق واسع في هذه الكلمة وفي أسماء الأفعال في باب الفوائد، ولا تنهرهما عطف على لا تقل لهما والنهر الزجر، وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولهما متعلقان بقل وقولا مفعول مطلق وكريما صفة. (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) واخفض لهما عطف على وقل لهما وجناح الذل مفعول به ومن الرحمة متعلقان بأخفض فمن للتعليل أي من أجل الرحمة أو الابتداء أي أن هذا الخفض ناشىء من الرحمة المركوزة في الطبع ولك أن تعلقها بمحذوف حال. (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً) وقل عطف على ما تقدم ورب منادى مضاف لياء المتكلم محذوف منه حرف النداء وارحمهما فعل دعاء وكما نعت لمصدر محذوف أي ارحمهما رحمة مثل تربيتهما لي أو رحمة مثل رحمتهما لي فتكون التربية بمعنى الرحمة وربياني فعل ماض والألف ضمير الاثنين فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به وصغيرا حال من الياء. (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ) ربكم مبتدأ وأعلم خبر

стр. 2591

وبما متعلقان بأعلم وفي نفوسكم صلة ما. (إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً) الجملة حالية وإن شرطية وتكونوا فعل الشرط والواو اسمها وصالحين خبرها والفاء رابطة للجواب وإن اسمها وجملة كان خبرها وللأوابين أي التوابين متعلقان بغفورا، وغفورا خبر كان. البلاغة: ١- في قوله تعالى «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» استعارة شغلت علماء البيان وقد وعدناك أن تتحدث عن هذه الاستعارة مطولا فلنبحث هذا الموضوع ولنورد ما قاله البيانيون في صددها: فهي استعارة مكنية لأن إثبات الجناح للذل يخيل للسامع أن ثمة جناحا يخفض والمراد ألن لهما جانبك، وتواضع لهما تواضعا يلصقك بالتراب، والجامع بين هذه الاستعارة والحقيقة أن الجناح الحقيقي في أحد جانبي الطائر وان الطائر إذا خفض جناحه وهو الذي به يتقوى وينهض، انحط إلى الأرض وأسف الى الحضيض ولصق بالتراب فالاستعارة مكنية إذ شبهت إلانة الجانب بخفض الجناح بجامع العطف والرقة وهذه أجمل استعارة وأحسنها وكلام العرب جاء عليها. وذكر الصولي في كتابه أخبار أبي تمام: وعابوا عليه- أي على أبي تمام- قوله: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي فقالوا ما معنى ماء الملام؟ وهم يقولون: كلام كثير الماء وما أكثر ماء شعر الأخطل، قاله يونس بن حبيب ويقولون: ماء الصبابة وماء الهوى يريدون الدمع. قال ذو الرمة: أأن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم

стр. 2592

وقال أيضا: أدارا بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق وقال عبد الصمد- وهو محسن عند من يطعن على أبي تمام: أي ماء لماء وجهك يبقى ... بعد ذل الهوى وذل السؤال فصير لماء الوجه ماء، وقالوا ماء الشباب يجول في وجناته، فما يكون أن استعار أبو تمام من هذا كله حرفا فجاء به في صدر بيته لما قال في آخر بيته: «فانني صب قد استعذبت ماء بكائي» قال في أوله: لا تسقني ماء الملام، وقد تحمل العرب اللفظ على اللفظ فيما لا يستوي معناه قال الله : «وجزاء سيئة سيئة مثلها» والسيئة الثانية ليست بسيئة لأنها مجازاة ولكنه لما قال: وجزاء سيئة قال: سيئة فحمل على اللفظ وكذلك «ومكروا ومكر الله» وكذلك: «فبشرهم بعذاب أليم» لما قال بشر هؤلاء بالجنة قال: بشر هؤلاء بالعذاب، والبشارة انما تكون في الخير لا في الشر فحمل اللفظ على اللفظ ويقال: إنما قيل لها البشارة لأنها تبسط الوجه فأما الشر والكراهة فانهما يقبضانه، وقال الأعشى: يزيد بغضّ الطرف دوني كأنما ... زوى بين عينيه عليّ المحاجم وقال الله : «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» فهذه أجمل استعارة وأحسنها وكلام العرب جاء عليها فما يكون أن قال أبو تمام: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي

стр. 2593

أما ابن الأثير فيقول في كتابه «المثل السائر» : «وقد عيب عليه قوله: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي وقيل: انه جعل للملام ماء وذلك تشبيه بعيد وما بهذا التشبيه عندي من بأس بل هو من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم وهو قريب من وجه، بعيد من وجه، أما سبب قربه فهو ان الملام هو القول الذي يعنف به الملوم لأمر جناه وذاك مختص بالسمع فنقله أبو تمام إلى السقيا التي هي مختصة بالحلق كأنه قال لا تذقني الملام ولو تهيأ له ذلك مع وزن الشعر لكان تنبيها حسنا ولكنه جاء بذكر الماء فحط من درجته شيئا ولما كان السمع يتجرع الماء أولا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به وهو تشبيه معنى بصورة. وأما سبب بعد هذا التشبيه فهو أن الماء مستلذّ والملام مستكره فحصل بينهما مخالفة من هذا الوجه فهذا التشبيه إن بعد من وجه فقد قرب من وجه فيغفر هذا لهذا ولذلك جعلته من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم، وقد روي أن بعض أهل المجانة أرسل إلى أبي تمام قارورة وقال: ابعث في هذه شيئا من ماء الملام فأرسل اليه أبو تمام وقال: إذا بعثت إليّ ريشة من جناح الذل بعثت إليك شيئا من ماء الملام، وما كان أبو تمام ليذهب عليه الفرق بين هذين التشبيهين فانه ليس جعل الجناح للذل كجعله الماء للملام، فإن الجناح للذل مناسب وذاك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط جناحه وخفضه وألقى نفسه على الأرض وللانسان أيضا جناح فإن يديه جناحاه وإذا خضع واستكان طأطأ من رأسه وخفض

стр. 2594

من يديه فحسن عند ذلك جعل الجناح للذل وصار تشبيها مناسبا وأما الماء للملام فليس كذلك في مناسبة التشبيه» . هذا ما أورده الصولي وابن الأثير وقد عقب عليهما كثير من نقاد القرن الرابع الهجري ووفقوا منهما بين مؤيد ومعاكس فأخذ الآمدي برأي الصولي في كتابه الموازنة ولكن على أساس آخر من الفهم وعاب على أبي تمام استعماله استعارات شبيهة بماء الملام قال: «فمن مرذول ألفاظه وقبيح استعاراته قوله: يا دهر قوّمّ أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك وقال: سأشكر فرجة الليت الرخي ... ولين أخادع الدهر الأبي وقال: أنزلته الأيام عن ظهرها ... من بعد إثبات رجله في الركاب وقال: كأنني حين جردت الرجاء له ... غضّا صببت به ماء على الزمن ثم قال: «وأشباه هذا مما إذا تتبعته في شعره وجدته فجعل كما ترى مع غثاثة هذه الألفاظ للدهر أخدعا ويدا تقطع من الزند وكأنه يصرع ويحل ويشرق بالكرام ويبتسم وان الأيام تنزلع والزمان أبلق وجعل للممدوح يدا وجعل للأيام ظهرا يركب والزمان كأنه صب عليه ماء» ولننظر الآن في ماء الملام- عند أبي تمام- أهو تعبير طبيعي؟ أهو

стр. 2595

تعبير سائغ مستحسن؟ إن إطلاق الماء وإضافته الى البكاء يثب بالذهن أولا الى الصورة المباشرة المعروفة للماء الذي يشرب والماء في البحار والمحيطات والأنهار ثم ماء المطر ومجرد أن تنطلق كلمة بكاء يتضاءل المعنى الأول فجأة وينكمش الى صورة جزئية هي بضع قطرات من الدمع ولكن على أية حال هناك صلة تجعل الصورة محتملة، أما ماء الملام فلا صلة البتة بين الماء والملام وإذا انطلقت كلمة ماء بمعانيها الاصلية والربطية ومعها كلمة الملام ومعانيها الربطية فلا يجمع بينهما صلة أو رابط مشترك من الصور الجزئية لذلك كان التعبير باردا مختلا لا يدل في الذهن على شيء لأنه لا صلة بين الملام والماء، أما ما احتج به الصولي من القرآن فلا يبرر ما اعتمده فإن كلمة السيئة اقترنت بكلمة الجزاء فأثارت معنى آخر مقابلا هو القصاص وقد سماه القرآن سيئة ولكن أصحاب البديع يحاولون الاستشهاد بالشاهد القرآني ليبرروا صناعة أبي تمام ومن نحا نحوه. ووجدت للسكاكي رأيا يستهجن فيه قول أبي تمام قال فيه: «إن الاستعارة التخييلية فيه منفكة عن الاستعارة بالكناية وصاحب الإيضاح يمنع الانفكاك فيه مستندا بأنه يجوز أن يكون قد شبه الملام بظرف شراب مكروه فيكون استعارة بالكناية واضافة الماء تخييلية أو انه تشبيه من قبيل لجين الماء لا استعارة قال: ووجه الشبه ان اللوم يسكن حرارة الغرام كما أن الماء يسكن غليل الأوام، وقال الفاضل الجلبي في حاشية المطول: فيه نظر لأن المناسب للعاشق أن يدعي أن حرارة غرامه لا تسكن بالملام ولا بشيء آخر فكيف يجعل ذلك وجه شبهه» اهـ كلامه.
следующие страницы →