← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

تعاليت ان تعزى الى الانس جلة ... وللإنس من يعزوك فهو كذوب أي لست منسوبا لإنسي ولكن لملك وبالغ في ذلك حتى جعله نازلا من جهة السماء يصوب أي يقصد الى جهة معينة والملأك معفل بتقديم العين من الألوكة بالفتح وهي الرسالة وقال أبو عبيدة هو مفعل على اسم المكان من لأك إذا أرسل ولعله جاء على مفعل لتصوير أن الرسول مكان الرسالة وقال ابن كيسان: هو فعأل من الملك فالهمزة زائدة وعلى كل يخفف بالنقل فيقال ملك. (لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ) له خبر مقدم وما موصول مبتدأ مؤخر والجملة حال من ربك والظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول وأيدينا مضافة للظرف وما خلفنا عطف على ما بين أيدينا وما بين ذلك عطف أيضا. (وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) الواو حرف عطف وما نافية وكان واسمها وخبرها. (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما) رب السموات والأرض خبر لمبتدأ محذوف أي هو رب السموات والأرض ويجوز أن يعرب بدلا من ربك. (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) الفاء هي الفصيحة ولا حاجة لتأويل الكلام بجعلها عاطفة من باب عطف الإنشاء على الخبر أي إذا عرفت ربوبيته الكاملة فاعبده واصطبر عطف على اعبده ولعبادته متعلقان باصطبر وقد أحسن الزمخشري في الفهم حيث جعل العبادة بمنزلة القرن تقول للمحارب اصطبر لقرنك أي اثبت له فيما يورد عليك من شداته وصولاته والمراد لا تضق ذرعا ولا تهن قوة إذا تأخر عنك الوحي ولا تبتئس لشماتة الكافرين فما هي إلا غمرة ثم تنجلي، وظلمة ثم تنحسر وهل حرف

стр. 2942

استفهام معناه النفي وتعلم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت وسميا مفعول به والسمي هو الشريك في الاسم. الفوائد: عطف الإنشاء على الخبر وبالعكس: منعه البيانيون وبعض النحاة وأجازه بعض النحاة قال أبو حيان: وأجاز سيبويه ذلك واستدل بقول امرئ القيس: وإن شفائي عبرة مهراقة ... وهل عند رسم دارس من معول فجملة إن شفائي إلخ خبرية وجملة وهل عند رسم إلخ جملة انشائية عطفا على الخبرية وقول الآخر: تناغي غزالا عند باب ابن عامر ... وكحّل مآقيك الحسان بإثمد وقول الآخر: وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيين خلوكما هيا ورد ابن هشام هذه الأقوال فقال ردا على أبي حيان: «وأما ما نقله أبو حيان عن سيبويه فغلط عليه وأما بيت امرئ القيس فالاستفهام خرج معناه الى النفي كما ذكرنا، وأما قوله فانكح فتاتهم فهو معطوف على فعل أمر محذوف مفهوم من المبتدأ أي تنبه لخولان وأما وكحل مآقيك إلخ فيتوقف على النظر فيما قبله من الأبيات وقد

стр. 2943

يكون معطوفا على أمر مقدر يدل على المعنى أي فافعل كذا وكحل كما قيل في لأرجمنك واهجرني ان التقدير فاحذرني واهجرني مليا لدلالة لأرجمنك. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٦٦ الى ٧٢] وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) اللغة: (جِثِيًّا) : بضم الجيم وكسرها وبهما قرئ جمع جاث من جثا يجثو أجثى ويجثي لغتان: أي جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه فهو جاث. (صِلِيًّا) : بكسر الصاد وضمها وبهما قرئ مصدر صلي بكسر اللام وفتحها النار أي دخلها.

стр. 2944

الإعراب: (وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) الواو استئنافية ويقول الإنسان فعل مضارع وفاعل وأل فيه للجنس والهمزة للاستفهام بمعنى النفي وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متعلق بفعل محذوف دل عليه قوله لسوف أخرج لأن اللام تمنع من تعليقه بأخرج المذكورة لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها وما زائدة وجملة مت صلة واللام لام الابتداء وسوف حرف استقبال واخرج فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره أنا وحيا حال وساغ اجتماع اللام وهي نمحض الفعل للحال وسوف وهي تمحضه للاستقبال ان اللام هنا لمجرد التوكيد وإنما جردت اللام من معناها لتلائم سوف دون أن تجرد سوف من معناها لتلائم اللام لأنه لو عكس هذا للغت سوف إذ لا معنى لها سوى الاستقبال وأما اللام فانها إذا جردت من الحال بقي لها التوكيد فلم تلغ. (أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً) أولا: الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة ولا نافية ويذكر فعل مضارع معطوف على يقول ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف والإنسان فاعل وأنّا: ان واسمها وجملة خلقناه خبر أنا وان وما بعدها في تأويل مصدر مفعول يذكر ومن قبل الجار والمجرور متعلقان بيذكر ولم الواو حالية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويك فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسمها ضمير مستتر تقديره هو، وشيئا خبر يك والمضاف الى قبل محذوف تقديره قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه وقدره بعضهم قبل بعثه. (فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ) الفاء عاطفة والواو للقسم وربك مجرور بواو القسم وهما متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وفائدة هذا القسم سترد في باب البلاغة

стр. 2945

واللام واقعة في جواب القسم ونحشرنهم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به والشياطين عطف على الهاء أو الواو بمعنى مع والشياطين مفعول معه. (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا) ثم حرف عطف للتراخي ولنحضرنهم عطف على لنحشرنهم وحول ظرف مكان متعلق بنحضرنهم وجهنم مضاف اليه وجثيا حال. (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا) ثم لننزعن عطف على لنحضرنهم ومن كل شيعة متعلقان بننزعن وأيهم اسم موصول بمعنى الذي وحركتها عند سيبويه حركة بناء لخروجها عن النظائر أي لأنها أضيفت وحذف صدر صلتها وهي في محل نصب مفعول به لننزعن وأشد خبر لمبتدأ محذوف والجملة صلة أي وعتيا تمييز وعلى الرحمن متعلقان بأشد أو بمحذف حال وسيأتي مزيد بحث في هذه الآية في باب الفوائد. (ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا) ثم حرف عطف للترتيب والتراخي واللام للابتداء ونحن مبتدأ وأعلم خبر وبالذين متعلقان بأعلم وهم مبتدأ وأولى خبر والجملة صلة وبها متعلقان بأولى وصليا تمييز وقيل صليا جمع صال فانتصب على الحال وفي التمييز فائدة وهي التخصيص بشدة العذاب لا التخصيص بأصل العذاب لاشتراكهم فيه. (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا) الواو عاطفة وإن نافية ومنكم صفة لمبتدأ محذوف تقديره أحد أي ما منكم أحد وإلا أداة حصر وواردها خبر وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو أي الورود وحتما خبرها ومقضيا صفة لحتما. (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا) ثم ننجي عطف على ما تقدم وفاعل ننجي مستتر تقديره نحن والذين موصول مفعول واتقوا صلة ونذر عطف على ننجي والفاعل مستتر تقديره نحن والظالمين مفعول به وفيها متعلقان بنذر أو

стр. 2946

بجثيا ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من جثيا لأنه في الأصل صفة لنكرة قدم عليها فنصب على الحال، وجثيا حال أو تجعلها مفعولا ثانيا لنذر أي نتركهم فيها جثيا. البلاغة: ١- فن القسم: في قوله تعالى «فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ» فن القسم وهو أن يريد المتكلم الحلف على شيء فيحلف بما يكون فيه فخر له وتعظيم لشأنه أو تنويه لقدره أو ما يكون ذما لغيره أو جاريا مجرى الغزل والترقق أو خارجا مخرج الموعظة والزهد فقد أفاد القسم هنا أمران أحدهما أن العادة جرت بتأكيد الخبر باليمين والثاني أن في إقسام الله تعالى باسمه مضافا الى رسوله ﷺ رفعا منه لقدره وتنويها بشأنه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله «فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ» وسيأتي تحقيق ذلك في مواضعه. وقد توسّع الشعراء في القسم لأن فيه حلاوة ورفعا لشأن المتغزل به، وما ألطف قول عبد المحسن الصوري وهو من أبرع ما سمغنا: يا غزالا قد رمى باللحظ ... قلبي فأصابا بالذي ألهم تعذيبي ... ثناياك العذابا والذي ألبس خديك ... من الورد نقابا والذي أودع في فيك من الشهد شرابا والذي صيّر حظي ... منك هجرا واجتنابا

стр. 2947

ما الذي قالته عينا ... ك لقلبي فأجابا ولابن خفاجة الاندلسي: لا وسحر بين أجفانكم ... فتن الحب به من فتنا وحديث من مواعيدكم ... تحسد العين عليه الأذنا ما رحلت العيس عن أرضكم ... فرأت عيناي شيئا حسنا وبلغ العباس بن الأحنف الغاية بقوله: واني ليرضيني قليل نوالكم ... وإن كان لا أرضى لكم بقليل بحرمة ما قد كان بيني وبينكم ... من الود إلا عدتم بجميل وأبدع أبو الطيب بقوله: أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا ... والبين جار على ضعفي وما عدلا والوجد يقوى كما تقوى النوى أبدا ... والصبر ينحل في جسمي كما نحلا لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا بما بجفنيك من سحر صلي دنفا ... يهوى الحياة وأما إن صددت فلا

стр. 2948

٢- الافتنان: وذلك في قوله تعالى «ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» والافتنان هو أن يفتن المتكلم فيأتي في كلامه بفنين إما متضادين أو مختلفين أو متفقين والآية التي نحن بصددها جمعت بين المتضادين: جمعت بين الوعد والوعيد، بين التبشير والتحذير وما يلزم من هذين الفنين من المدح للمختصين بالبشارة والذم لأهل النذارة وستأتي منه أمثلة عديدة في القرآن الكريم. ومن الجمع بين المتضادين في الشعر قول عبد الله بن طاهر بن الحسين ونسبهما في الكامل لأبي دلف: أحبك يا ظلوم وأنت مني ... مكان الروح من جسد الجبان ولو أني أقول مكان روحي ... خشيت عليك بادرة الطعان فانظر كيف جمع في هذا الشعر بين الغزل والحماسة والغزل لين والحماسة شدة وقال عنترة وأبدع: إن تغد في دوني القناع فانني ... طب بأخذ الفارس المستلئم وهذا من أحسن ما قيل في هذا الباب فإنه جمع فيه بين الغزل والحماسة والجد والهزل فأتى فيه بنادرة طريفة وطرفة غريبة حيث قال بعد وصفها بستر وجهها دونه بالقناع حتى صار ما بين بصره وبين وجهها كالليل المغدف الذي يحول بين الأبصار والمبصرات: انني طب بأخذ الفارس المستلئم يقول: إن تتبرقعي دوني فانني خبير لدربتي بالحرب بأخذ الفارس الذي سترته لأمته، وحالت دوني ودون مقاتلته فأبرز

стр. 2949

الجد في صورة الهزل فجاء في بيته مع الافتنان التندير الطريف وعبر عن معناه اللطيف بهذا اللفظ الشريف. وجمع الحطيئة بين المدح والهجاء في بيت واحد من قصيدة يمدح بها بغيضا ويهجو الزبرقان وقد شكاه الزبرقان بسببها الى عمر بن الخطاب: قد ناضلونا وسلوا من كنانتهم ... مجدا تليدا ونبلا غير أنكاس ومعنى هذا البيت لا يعرفه إلا من عرف أن عادة العرب إذا منوا على أسير أعطوه نبلا من نبلهم عليها اشارة تدلّ على أنها لأولئك القوم لا تزال في كنانته، فقال الحطيئة لهذا الممدوح الذي عناه بهذا المدح: إن عداك لما فاخروك سلوا من كنانتهم تلك التي أعطيتها لهم حتى مننت عليهم تشهد لك بأنهم عتقاؤك فكان هذا مجدا تليدا لك لا يقدرون على جحده تثبته لك هذه النبل التي ليست بأنكاس يعني الصائبات التي لا تنكب إذا ناضلت بها عن الغرض وهذا غاية المدح للمدوح ونهاية الهجاء لعداه إذ أخبر بأنهم مع معرفتهم بفضله عليهم يفاخرونه بما إذا أظهروه أثبت له الفضل عليهم وهذا غاية الجهل منهم والغباوة. ومن الجمع بين الهجاء والمدح أو الفخر قول أبي العلاء المعري: بأي لسان ذامني متجاهل ... عليّ وخفق الريح فيّ ثناء تكلم بالقول المضلّل حاسد ... وكل كلام الحاسدين هراء أتمشي القوافي تحت غير لوائنا ... ونحن على قوالها أمراء

стр. 2950

ولا سار في عرض السماوة بارق ... وليس له من قومنا خفراء فهو إذ يفخر بنفسه يهجو أبناء جنسه الذين يتطاولون وهم قصار ويدعون المعرفة والجهل يكتنفهم أولم يقل لهم مخاطبا: غدوت مريض العقل والدين فالقني ... لتخبر أبناء العقول الصحائح والروح العلائية معروفة فلا لزوم للشرح والتبسط. أما الجمع بين التهنئة والتعزية فهو غريب حقا وهو يحتاج الى الكثير من شفوف الطبع ورهافة الحس للاجادة فيه ومن أجمل ما سمعنا منه مثل قول المعزّي ليزيد بن معاوية عند ما جلس في دست الخلافة وأتت الوفود مهنئة معزية بأبيه فلما اجتمعوا لم يفتح على أحد بما فتح به لهم باب القول حتى تقدم هذا المتقدم ذكره فاستأذن في الكلام فلما أذن له قال: آجرك الله يا أمير المؤمنين على الرزية وبارك الله لك في العطية فلقد رزئت عظيما وأعطيت جسيما، رزئت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، فاصبر على ما رزئت، واشكر على ما أعطيت وأنشد: اصبر يزيد فقد فارفت ذا ثقة ... واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا لا رزء أصبح في الأقوام تعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا أصبحت راعي أمور الناس كلهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا

стр. 2951

وفي معاوية الباقي لنا خلف ... إذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا ففتح للناس باب القول: فقالوا وكان له فضل السبق. وقال أبو نواس للعباس بن الفضل يعزيه بالرشيد ويهنئه بخلافة الأمين: تعزّ أبا العباس عن خير هالك ... بأكرم حي كان أو هو كائن حوادث أيام تدور صروفها ... لهنّ مساو مرة ومحاسن وفي الحيّ بالميت الذي غيّب الثرى ... فلا أنت مغبون ولا الموت غابن ٣- فن الالتفات: في قوله تعالى: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ... الخ» التفات على أحد القولين وهو مفرع على إرادة العموم من الأول فيكون المخاطبون أولا هم المخاطبين ثانيا إلا أن الخطاب الاول بلفظ الغيبة والثاني بلفظ الحضور واما إذا بنينا على أن الأول إنما أريد منه خصوص على التقديرين جميعا فالثاني ليس التفاتا وإنما هو عدول عن خطاب خاص لقوم معينين الى خطاب العامة والقول في الورود على جهنم طويل يرجع فيه الى المطولات.

стр. 2952

الفوائد: نقاش طويل حول أيهم: وعدناك بمزيد من البحث حول أيهم في قوله تعالى «ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا» قال أبو حيان في شرح التسهيل: «وسأل الكسائي في حلقة يونس لم لا يجوز أعجبني أيهم قام فقال: أي كذا خلقت» أي كذا وضعت وقال ابن السراج موجها قول الكسائي بالمنع ما معناه إن أيا وضعت على العموم والإبهام فإذا قلت يعجبني أيهم يقوم فكأنك قلت يعجبني الشخص الذي يقع منه القيام كائنا من كان ولو قلت أعجبني أيهم قام لم يقع إلا على الشخص الذي قام فأخرجها ذلك عما وضعت له من العموم ولذلك يشترط في عاملها أن يكون مستقبلا متقدما عليها نحو «لننزعن من كل شيعة أيهم أشد» وذلك لأجل الفرق بين الشرطية والاستفهامية وبين الموصولة لأن الشرطية والاستفهامية لا يعمل فيهما إلا متأخر والمشهور عند الجمهور افرادها وتذكيرها وقد تؤنث وتثنى وتجمع عند بعضهم فتقول أية وأيان وأيتان وأيون وأيات وهي معربة فقيل مطلقا وهو قول الخليل ويونس والأخفش والزجاج والكوفيين وقال سيبويه تبنى على الضم إذا أضيفت لفظا وكان صدر صلتها ضميرا محذوفا وقال الزجاج مستنكرا: ما تبين لي أن سيبويه غلط إلا في موضعين هذا أحدهما فإنه يسلم انها تعرب إذا أفردت فكيف يقول ببنائها إذا أضيفت. وزعم المانعون أن أيا في الآية استفهامية وانها مبتدأ وأشد خبره ثم اختلفوا في مفعول ننزع فقال الخليل محذوف والتقدير لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد وقال يونس المفعول الجملة وعلقت ننزع عن العمل فيها وقال الكسائي والأخفش المفعول كل شيعة ومن زائدة وقد رد

стр. 2953

ابن هشام هذه الأقوال كلها حيث قال ويرد أقوالهم أن التعليق مختص بأفعال القلوب وانه لا يجوز أن يقال لأضربن الفاسق بالرفع بتقدير الذي يقال فيه هو الفاسق وانه لم يثبت زيادة من في الإيجاب. ونورد هنا ما قاله أبو البقاء لوجازته وشموله قال «قوله أيهم أشد يقرأ بالنصب شاذا والعامل فيه لننزعن وهي بمعنى الذي ويقرأ بالضم وفيه قولان: أحدهما انها ضمة بناء وهو مذهب سيبويه وهي بمعنى الذي وانما بنيت هاهنا لأن أصلها البناء لأنها بمعنى الذي ومن الموصولات إلا أنها أعربت حملا على كل أو بعض فإذا وصلت بجملة تامة بقيت على الاعراب وإذا حذف العائد عليها بنيت لمخالفتها بقية الموصولات فرجعت الى حقها من البناء بخروجها عن نظائرها وموضعها نصب بنزع الخافض، والقول الثاني هي ضمة الاعراب وفيه خمسة أقوال أحدها انها مبتدأ وأشد خبره وهو على الحكاية والتقدير لننزعن من كل شيعة الفريق الذي يقال أيهم فهو على هذا استفهام وهو قول الخليل والثاني كذلك في كونه مبتدأ وخبرا واستفهاما إلا أن موضع الجملة نصب بننزعن وهو فعل معلق عن العمل ومعناه التمييز وهو قريب من معنى العلم الذي يجوز تعليقه كقولك علمت أيهم في الدار وهو قول يونس والثالث أن الجملة مستأنفة وأي استفهام ومن زائدة أي لننزعن كل شيعة وهو قول الأخفش والكسائي وهما يجيزان زيادة من في الواجب، والرابع أن أيهم مرفوع بشيعة لأن معناه تشيع والتقدير: لننزعن من كل فريق يشيع أيهم وهو على هذا بمعنى الذي وهو قول المبرد والخامس أن ننزع علقت عن العمل لأن معنى الكلام معنى الشرط والشرط لا يعمل فيما قبله والتقدير لننزعنهم تشيعوا أم لم يتشيعوا أو ان تشيعوا ومثله لأضربن أيهم غضب أي ان غضبوا أو لم يغضبوا وهو قول يحيى عن الفراء وهو أبعدها عن الصواب» .

стр. 2954

[سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٣ الى ٧٦] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) اللغة: (مَقاماً) : بفتح الميم اسم مكان من قام أو مصدر ميمي وقرئ مقاما بالضم فيكون أيضا اسم مكان أو مصدرا ميميا من أقام الرباعي المزيد والمراد هنا موضع القوم. (نَدِيًّا) : الندي المجلس ومجتمع القوم وحيث ينتدون ويقال النادي. (أَثاثاً) : الأثاث: متاع البيت والمال ويقال أثّ يئث ويأث ويؤث أثاثا وأثوثا وأثاثة النبات أو الشعر: التفّ وكثر فهو أث وأثيث.

стр. 2955

(رِءْياً) : فعل بمعنى مفعول ومعناه المنظر فهو كالطحن والذبح بمعنى المطحون والمذبوح من رأيت على القلب كقولهم راء في رأى أو من الري الذي هو النعمة والترف من قولهم ريان النعيم. الإعراب: (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) الواو استئنافية وإذا شرط مستقبل وجملة تتلى مضافة للظرف وعليهم متعلقان بتتلى وآياتنا نائب فاعل وبينات حال من آياتنا أي واضحات مبينات المقاصد والمعاني وجملة قال الذين كفروا لا محل لها لأنها جواب. (لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) للذين آمنوا متعلقان بقال وجملة آمنوا صلة وأي استفهامية مبتدأ وخير خبر ومقاما تمييز وأحسن عطف على خير ونديا تمييز. (وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً) كم خبرية في محل نصب مفعول أهلكنا وأهلكنا فعل وفاعل ومن قرن تمييز غير صريح لكم لأن تمييز كم الخبرية كثير ما يكون مجرورا بمن وسيأتي تفصيل لذلك وهم مبتدأ وأحسن خبر والجملة في محل نصب صفة لكم الخبرية ألا ترى أنك لو تركت هم لم يكن لك بد من نصب أحسن على الوصفية هذا ما ذكره الزمخشري وتابعه أبو البقاء على أن هم أحسن صفة لكم ونص أصحابنا على أن كم الاستفهامية والخبرية لا توصف ولا يوصف بها، وأثاثا تمييز ورئيا عطف عليه ويجوز أن يكون صفة لقرن. (قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا) من اسم شرط جازم مبتدأ وكان فعل الشرط وهو فعل ماض ناقص واسمها مستتر يعود على من وفي الضلالة خبر كان والفاء رابطة للجواب واللام لام الأمر ويمدد

стр. 2956

فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وله متعلقان بيمدد والرحمن فاعل ومدا مفعول مطلق. (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ) حتى حرف غاية وجر متعلق بالجواب وهو فسيعلمون وقيل مستأنفة أي تبدأ بعدها الجمل قال الشهاب في حاشية البيضاوي: وحتى هنا حرف ابتداء أي تبدأ بعدها الجمل أي تستأنف فليست جارة ولا عاطفة، وهكذا حيث دخلت على إذ الشرطية، وجملة رأوا مضافة للظرف وما مفعول به وجملة يوعدون صلة وإما حرف شرط وتفصيل والعذاب والساعة بدل من ما والمعنى: يستمرون في الطغيان إلى أن يعلموا إذا رأوا العذاب أو الساعة من هو شر مكانا وأضعف جندا. (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً) الفاء واقعة في جواب إذا وهذا ما يرجح جعل إذا للغاية وسيعلمون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومن موصولة مفعول به وهو مبتدأ وشر خبر والجملة صلة ويجوز أن تكون من استفهامية في محل رفع بالابتداء وهو مبتدأ ثان وشر خبر المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر من وعندئذ تكون الجملة معلقة لفعل الرؤية فالجملة في محل نصب مفعول يعلمون. (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً) لك أن تجعل الواو استئنافية فتكون الجملة مستأنفة ولك أن تجعلها عاطفة فتعطف الجملة على جملة الشرط المحكية بالقول أي وقل يزيد الله ويزيد الله الذين اهتدوا فعل مضارع وفاعل ومفعول به وجملة اهتدوا صلة وهدى تمييز أو مفعول به ثان ليزيد. (وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا) والباقيات مبتدأ والصالحات صفة وخير خبر الباقيات وعند ربك الظرف متعلق بخير وثوابا تمييز وخير مردا عطف على خير ثوابا أي مرجعا وعاقبة ومغبة.

стр. 2957

الفوائد: ١- من الداخلة على التمييز: اختلف في معنى من التي يصرح بها مع التمييز فقيل للتبعيض ولذلك لم تدخل في نحو طاب نفسا لأن نفسا ليست أعم من المبهم الذي انطوت عليه الجملة وقال الشلوبين: زائدة عند سيبويه لمعنى التبعيض ويدل على صحته انه عطف على موضعها نصبا قال الحطيئة: طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنه من قوام ما ومنتقبا وأمامة بضم الهمزة اسم امرأة وآونة بالمد نصب على الظرفية والشاهد في قوله من قوام فإنه تمييز جر بمن الزائدة في الكلام الموجب ولهذا عطف منتقبا على محلها بالنصب وما زائدة لتوكيد الكلام وقال ابن هشام: انها لبيان الجنس وقد سبقه الزمخشري الى ذلك لأن المشهور من مذاهب النحويين ما عدا الأخفش أن من لا تزاد إلا في غير الإيجاب. ٢- معنى التفضيل: قيل: ما معنى التفضيل في قوله «وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا» وهل ثمة من شك وهل للمفاخر شرك في الثواب والمرد وأجيب بجوابين أو لهما انه من وجيز كلامهم يقولون الصيف أحر من الشتاء أي أبلغ في حره من الشتاء في برده وثانيهما أن اسم التفضيل ذكر على سبيل المشاكلة لكلامهم السابق وقال الشهاب في حاشيته على البيضاوي: «وهذا جواب عما تخيل كيف فضلوا عليهم في خيرية الثواب والعاقبة والتفضيل يقتضي المشاركة وهم لا ثواب لهم وعاقبتهم لا خير فيها» .

стр. 2958

[سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٧ الى ٨٤] أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) اللغة: (أَطَّلَعَ) أصله أاطلع حذفت همزة الوصل وبقيت همزة الاستفهام المفتوحة واطلع يتعدى بنفسه وبحرف الجر يقال اطلع الأمر وعليه: علمه ويقال أيضا: اطّلع طلمع العدو بكسر الطاء وسكون اللام عرف باطن أمرهم وقد توهم بعضهم انه لا يتعدى إلا بعلى فأعرب الغيب بنزع الخافض وإنما هو من قولهم اطلع الجبل إذا ارتقى الى أعلاه وطلع الثنية قال جرير: إني إذا مضر عليّ تحدثت ... لاقيت مطلع الجبال وعورا فمطلع اسم مكان من اطّلع المشدّد أصله اطتلع على بناء الافتعال فقلبت التاء طاء وأدغمت فيما قبلها وهو في البيت نصب على الظرفية والوعور جمع وعر أي صعب مفعول لاقيت أو مطلع هو المفعول به

стр. 2959

ووعورا حال يقول: إذا تقولت على مضر مالا أرتضيه أو حدثتها نفسها بقتلي تمرست بالصعاب ولا أبالي بها وسيأتي مزيد بحث عن استعمالها في الآية في باب البلاغة. (وَنَمُدُّ) : مضارع مد الشيء يمده من باب نصر أطاله وبسطه وجذبه ومدّ الحبل فامتدّ وهذا ممدّ الحبل قال ابن مقبل: وللشمس أسباب كأن شعاعها ... ممدّ حبال في خباء مطنّب وتمدّد الأديم وطراف ممدّد وأمد الجيش وضم إليه ألف رجل مددا وللميم مع الدال خاصة التمدد كأن أصل المادة يشمل غيرها من الفروع وهذه من ميزات لغتنا العربية الخالدة ويقال مدحه وامتدحه أطال الثناء عليه، ومدخ فلانا بالخاء المعجمة أمده بالعون خيرا كان أم شرا عمله، وتمدخ تكبر وتطاول ولا يخفى ما في الكبرياء والتطاول من تمدد وانتفاخ، ومدر المكان طاله وامتد اليه ومدر الحوض شد خصاص حجارته بالمدر وهو الطين العلك الذي لا يخالطه رمل وهو سريع الامتداد إذا طينت به الحائط أو سيعته، ومدس الجلد ونحوه دلكه ليمتد، ومدشت عينه: امتد عليها الظلام وارتخى عصبها ومدشت يده نحلت وضؤلت فظهرت للرائي ممتدة لقلة اللحم عليها. والمدش بفتحتين ظلمة تمتد على العين من جوع ورخاوة عصب اليد وتمدل بالمنديل شده على رأسه أو اعتم به وهو قريب من معنى الامتداد، ومدّن المدائن بناها ومصرها وجدد بناءها فامتدت عرضا وطولا والمدينة مجتمع بيوت زادت وامتدت فسميت مدينة ومنها سميت مدينة بيثرب ومدينة السلام أي بغداد والمدائن مدينة قرب بغداد كان فيها إيوان كسرى وسميت بالجمع لكبرها وامتدادها وفيها يقول البحتري سينيته ويشير إليها بقوله:

стр. 2960

حضرت رحلي الهموم فوجهت الى أبيض المدائن عنسي أتسلى عن الهموم وآسى ... لمحلّ من آل ساسان درس ومدهه أي مدحه وقد تقدم والمدى الغاية الطويلة الممتدة وأمدى فلانا وماداه أمهله وأمدى الرجل تقدمت به السن وامتدت وتمادى في عيه دام على فعله وامتد في فجوره والمدية بضم الميم الشفرة الكبيرة الممتدة وهذا من غريب أمر لغتنا الشريفة. (وَنَرِثُهُ) : أي نسلبه منه ونأخذه بأن نخرجه من الدنيا خاليا من ذلك والمراد نزوي عنه ما يقوله من أنه سيناله في الآخرة. (تَؤُزُّهُمْ) : الأز: الاستفزاز والتهيج وشدة الإزعاج وهذه من أغراب مواد اللغة العربية كلها تدل على هذا المعنى والأز أيضا شدة الصوت ومنه أز المرجل أزا وأزيزا أي غلا واشتد غليانه حتى سمع له صوت وفي الحديث «فكان له أزيز» وفي القاموس: وأزّت القدر تؤز بالضم وتئز بالكسر أزا وأزيزا وأزازا بالفتح اشتد غليانها وأز النار أوقدها وأز الشيء حركه شديدا» وفي اللسان والأساس وغيرهما: هالني أزيز الرعد وصدّعني أزيز الرحى وهزيزها وأزه على كذا: أغراه به وحمله عليه بإزعاج وهو يأتز من كذا: يمتعض منه وينزعج وتأزر المجلس هاج بمن فيه جميع ذلك يدل على الحركة والانزعاج، وأزب الماء يأزب بالضم والكسر جرى مسرعا والميزاب مجرى الماء والجمع مآزيب، وأزج البيت بناه طولا وعرضا، وأزحت قدمه زلت، وأزر يأزر بالكسر بالشيء أحاط به والنبات التف وآزره مؤازرة عاونه وبادر الى إغاثته والأزر القوة والظهر يقال شد به أزره أي ظهره والمئزر معروف ويقال شد للأمر مئزره إذا تشمر له وسارع اليه. وأزف

стр. 2961

يأزف بالفتح أزفا وأزوفا اقترب وأزف الرجل عجل وآزفه إنزافا أعجله وأزفت الآزفة اقتربت القيامة وفلان يمشي الأزفى بثلاث حركات أي يمشي سريعا، والمأزق المضيق وموضع الحرب، وأزل يأزل وقع في ضيق وشدة، وأزمه أزما وأزوما عضه والحبل أحكم فتله وتأزم القوم أصابتهم أزمة والأزمة بفتح الهمزة وسكون الزاي والآزمة الشدة والضيقة وأزمى الرجل حاذاه وداناه وجلس ازاءه أي أمامه وفي كل ذلك ما يدل على الحركة وحرف الزاي اجمالا يدل على ذلك وما هو قريب منه وسيأتيك ما هو معجب من غريب أمره. (وَوَلَداً) : الولد اسم مفرد قائم مقام الجمع والولد بضم الواو وسكون وقد قرئ بها بمعنى الولد فهما لغتان وقيل بل هي جمع لولد نحو أسد وأسد وعرب وعرب. الإعراب: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً) الهمزة للاستفهام التعجبي والفاء على حالها من التعقيب كأنه قال أخبرك أيضا بقصة هذا الكافر عقب حديث أولئك ورأيت هنا بمعنى أخبرني وقد تقدم بحثها مفصلا والذي هو مفعولها الأول وجملة كفر بآياتنا صلة وقال عطف على كفر، لأوتين اللام جواب لقسم مقدر ونائب الفاعل مضمر تقديره أنا وما لا مفعول به ثان لأوتين وولدا عطف على ما لا. (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً) الهمزة للاستفهام واطلع فعل ماض وفاعله هو يعود على الكافر قيل هو العاصي بن وائل وستأتي قصته في باب الفوائد وأم حرف عطف معادل للهمزة واتخذ فعل ماض وفاعله مستتر يعود عليه وعند الرحمن مفعول به ثان لاتخذ وعهدا مفعول به أول.

стр. 2962

(كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا) كلا حرف ردع وزجر وفيها أقوال كثيرة سنوردها في باب الفوائد وسنكتب فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره نحن وصدره بالسين من باب ما يقوله المتوعد لخصمه سوف أنتقم منك يعني لا تغتر بطول الزمان فإن الانتقام آتيك أو سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا، وما مفعول به وجملة يقول صلة ونمد عطف على نكتب وله متعلقان بنمد ومن العذاب حال لأنه كان صفة لمدا ومدا مفعول مطلق أو مفعول به ان كان بمعنى المدد. (وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً) ونرثه عطف على نمد والفاعل نحن والهاء منصوب بنزع الخافض وما مفعول به والتقدير ونرث منه ما يقوله ويجوز أن تكون الهاء هي المفعول به وما بدل اشتمال من الهاء والمعنى نرث ما عنده من المال والأهل والولد وجملة يقول صلة ويأتينا عطف على ما تقدم والفاعل مستتر تقديره هو ونا ضمير فصل فاعل وفردا حال (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) واتخذوا فعل وفاعل وحذف المفعول الأول وهي الأوثان المفهومة من سياق الحديث ومن دون الله حال وآلهة هي المفعول الثاني، ليكونوا اللام لام التعليل ويكونوا فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد اللام والواو اسمها ولهم حال وعزا خبر يكونوا. (كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) كلا تقدم أنها حرف ردع وزجر لتعززهم بها سيكفرون فعل مضارع مرفوع وبعبادتهم متعلقان بيكفرون أي سيجحدون عبادتها وينكرونها، فالمصدر أضيف الى مفعوله ويكونون عطف على يكفرون والواو اسمها وعليهم حال وضدا خبر يكونون ووحّده وهم جمع لمحا لأصله لأنه في الأصل مصدر والمصادر لا تثنى ولا تجمع أو لأنه مفرد في معنى الجمع وللزمخشري في توحيد الضد كلام حسن سننقله في باب البلاغة. (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى

стр. 2963

الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) ألم الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله أنت وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي تر وأن واسمها وجملة أرسلنا خبرها والشياطين مفعول به وجملة تؤزهم حالية وأزا مفعول مطلق. (فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) الفاء الفصيحة أي إن عرفت هذا كله فلا تعجل وعليهم متعلقان بتعجل وإنما كافة ومكفوفة وجملة نعد لهم حالية وعدا مفعول مطلق. البلاغة: ١- الاستعارة المكنية: ١- الاستعارة المكنية في قوله «اطلع الغيب» فقد شبه الغيب المجهول الملثم بالاسرار بجبل شامخ الذرا لا يرقى الطير الى مداه فهو مجهول تتحطم عليه آمال الذين يريدون استشفاف آفاقه وادراك تهاويله ثم حذف الجبل أي المشبه به وأخذ شيئا من خصائصه ولوازمه وهو الاطلاع والارتقاء واستشراف مغيباته والغرض من هذه الاستعارة السخرية البالغة كأنه يقول أو بلغ هذا مع حقارته وتفاهة أمره وصغار شأنه أن ارتقى الى الغيب المحجب بالاسرار المطلسم بالخفاء؟ ٢- توحيد الضد: قال الزمخشري: «فإن قلت: لم وحّد؟ قلت وحّد توحيد قوله ﵊ «وهم يد على من سواهم» لاتفاق كلمتهم وانهم كشيء واحد لفرط تضامنهم وتوافقهم» والواو في يكفرون يجوز أن تعود على الآلهة أي يجحدون عبادتهم لها أو للمشركين أي ينكرونها لسوء المغبة والمصير.

стр. 2964

الفوائد: أوجه كلّا: للنحاة في هذه اللفظة مذاهب ستة: ١- مذهب جمهور البصريين كالخليل وسيبويه وأبي الحسن الأخفش وأبي العباس المبرد أنها حرف ردع وزجر وهذا معنى لائق بها حيث وقعت في القرآن الكريم وقد زجر بها العشاق لائميهم فقال أحدهم وهو عروة بن أذينة على الأرجح: يقلن لقد بكيت فقلت: كلّا ... وهل يبكي من الطرب الجليد؟ ولكن أصاب سواد عيني ... عويد قذى له طرف حديد فقلن فما لدمعهما سواء ... أكلتا مقلتيك أصاب عود؟ ٢- مذهب النضر بن شميل أنها حرف تصديق بمعنى نعم فتكون جوابا ولا بد حينئذ من شيء يتقدمها لفظا أو تقديرا. ٣- مذهب الكسائي وأبي بكر بن الأنباري ونصر بن يوسف وابن واصل انها بمعنى حقا. ٤- مذهب أبي عبد الله الباهلي أنها رد لما قبلها وهذا قريب من الأول. ٥- انها صلة في الكلام بمعنى إي كذا قيل وفيه نظر فإن إي حرف جواب مختص بالقسم. ٦- انها حرف استفتاح وهو قول أبي حاتم.

стр. 2965

هذا وقد ذكرت كلا في خمس عشرة سورة مكية وجملة ما ذكرت ثلاث وثلاثون مرة. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٨٥ الى ٩٨] يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) اللغة: (وَفْداً) : الوفد مصدر وفد يفد وفدا ووفودا ووفادة وإفادة.

стр. 2966

إلى أو على الأمير قدم وورد رسولا فهو وافد، وجمع وافد وهم القوم يجتمعون فيردون البلاد ويفدون على الأمير ونحوه. (وِرْداً) : القوم الواردون الى الماء عطاشا قد تقطعت أعناقهم من العطش. (إِدًّا) : بالكسر والفتح العجب وقيل العظيم المنكر ولادة الشدة وآدني الأمر أثقلني وعظم علي إدا وفي القاموس «الإد والإدة بكسرهما العجب والأمر الفظيع والداهية والمنكر كالأد بالفتح وأدته الداهية تؤده بالضم وتئده بالكسر وتأده بالفتح دهته» . (وُدًّا) : مودة ومحبة وفي المصباح «وودته أوده من باب تعب ودّا بفتح الواو وضمها أجببته والاسم المودة وودت لو كان كذا أيضا ودا وودادة تمنيته» وفي المختار: «الود بضم الواو وفتحها وكسرها المحبة فهي مثلثة الواو والأرجح الضم وبها قرأ السبعة وقرئ في غير السبعة بفتحها وكسرها ويحتمل أن يكون المفتوح مصدرا والمضموم والمكسور اسمين» . (لُدًّا) : جمع ألد أي شديد الخصومة وجميل قول الزمخشري: «اللد الشداد والخصومة بالباطل الآخذون في كل لديد أي في كل شق من المراء والجدال لفرط لجاجهم» وفي الأساس: «رجل ألد وألندد ويلندد وفيه لدد وقوم لدّ ولادّه ملادة ولدادا وهو شديد اللداد وتركت فلانا يتردد ويتلدد يتلفت وضربه على لديدي عنقه وهما صفحتاها وضربه على متلدّده على عنقه قال: ولو شئت نجتني من القوم جسرة ... بعيدة بين العجب والمتلدّد

стр. 2967

(رِكْزاً) : الركز الصوت الخفي ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون. و (تُحِسُّ) : بضم التاء مضارع أحسّ وفي المصباح: «الحس والحسيس الصوت الخفي وحسه حسا فهو حسيس مثله قتله قتلا فهو قتيل وأحس الرجل الشيء إحساسا علم به يتعدى بنفسه مع الألف قال تعالى: «فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ» ، وربما زيدت فيه الباء فقيل أحس به على معنى شعر به وحسست به من باب قتل لغة فيه والمصدر الحس بالكسر يتعدى بالباء على معنى شعرت أيضا» . الإعراب: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً) الظرف منتصب بفعل محذوف قدره بعضهم باذكر وقدره الزمخشري بقوله «نصب يوم بمضمر أي يوم نحشر ونسوق نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف» وقال غيره العامل فيه قوله فيما بعد «لا يملكون» وجملة نحشر مضافة الى الظرف وفاعل نحشر ضمير مستتر تقديره نحن والمتقين مفعول به والى الرحمن متعلقان بنحشر ووفدا حال وقد تكرر ذكر الرحمن في هذه السورة ست عشرة مرة. (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً) عطف على الجملة السابقة ووردا حال أيضا أي واردين كما يرد العطاش إليهم مشاة عطاشا يكاد يقتلهم الظمأ. (لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير حال الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم ولا علاقة لها بالفريقين المتقدمين فلا نافية ويملكون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل تعود على الناس كلهم والشفاعة مفعول به وإلا أداة حصر ومن اسم موصول محله الرفع على البدل من

стр. 2968

الواو أو النصب على الاستثناء المتصل وجملة اتخذ صلة وعند الرحمن ظرف متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لاتخذ وعهدا هو المفعول الأول واختار أبو البقاء والزمخشري أن يكون الاستثناء منقطعا هذا وقد اضطربت الأقوال في هذه الآية ولهذا سنفرد بها بحثا خاصا في باب الفوائد. (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً) جملة اتخذ الرحمن ولدا مقول القول واتخذ الرحمن ولدا فعل وفاعل ومفعول به. (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا) اللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وجئتم فعل وفاعل وشيئا مفعول به وإدا صفة. (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا) تكاد من أفعال المقاربة العاملة عمل كان والسموات اسمها وجملة يتفطرن خبرها والنون فاعل ومنه جار ومجرور متعلقان بيتفطرن وتنشق الأرض فعل مضارع وفاعل وتخر الجبال فعل مضارع وفاعل وهدا مصدر في موضع الحال أي مهدودة أو مفعول مطلق لأنه مصدر على غير لفظ الفعل وانما هو مرادفه لأن الخرور هو السقوط والهدم واختار الزمخشري أيضا أن يكون مفعولا لأجله أي لأن تهد وهدّ يستعمل متعديا ولازما فعلى الوجه الاول هو متعد لأنه صيغ منه معنى اسم المفعول وعلى الثاني هو لازم لأن خر لازم ومرادفه يجب أن يكون مثله فتأمل هذا فانه دقيق. (أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً) أن وما في حيزها مصدر فيه ثلاثة أوجه البدلية من الهاء في منه فهو كقوله: على حالة لو أن في القوم حاتما ... على جوده لضنّ بالماء حاتم فقد روي حاتم مجرورا لأنه بدل من ضمير جوده وسنتحدث في باب الفوائد عن هذا البيت والنصب بنزع الخافض والجار والمجرور في محل نصب مفعول لأجله علل الهدّ بدعاء الولد للرحمن والرفع بأنه فاعل هدا أي هدها دعاء الولد للرحمن.

стр. 2969

ودعوا فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين وللرحمن متعلقان بدعوا وولدا مفعول دعوا الثاني والأول محذوف تقديره معبودهم لأن معنى دعوا سموا وهي تتعدى لاثنين ويجوز دخول الباء على الثاني تقول دعوت ولدي بزيد ودعوت ولدي زيدا، وقال الشاعر: دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبان وقال آخر: ألا رب من يدعى نصيحا وإن يغب تجده بغيب منك غير نصيح وقال الزمخشري: «اقتصر على أحدهما الذي هو الثاني طلبا للعموم والإحاطة بكل ما دعا له ولدا، أو من دعا بمعنى الذي مطاوعه ما في قوله ﵇: من ادعى إلى غير مواليه وقول الشاعر: إنا بني نهشل لا ندعي لأب ... عنه ولا هو لا بالأبناء يشرينا أي لا تنسب إليه» . (وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً) الواو حالية أو عاطفة وما نافية وينبغي فعل مضارع وللرحمن متعلقان به وأن يتخذ مصدر مؤول في محل رفع فاعل وولدا مفعول به. (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً) إن نافية وكل مبتدأ ومن مضاف اليه وفي السموات والأرض متعلقان بمحذوف صلة من ويجوز أن تكون من نكرة موصوفة بالجار والمجرور لأنها وقعت بعد كل نكرة ولعله أولى وإلا أداة حصر وآتي الرحمن خبر وعبدا حال

стр. 2970

من الضمير المستتر في آتي. (لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا) اللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وأحصاهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وعدهم عطف على أحصاهم وعدا مفعول مطلق. (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً) الواو عاطفة وكلهم مبتدأ وآتيه خبر، وكل إذا أضيف الى معرفة ملفوظ بها نحو كلهم وكل الناس فالمنقول أنه يجوز أن يعود الضمير مفردا على لفظ كل فتقول كلكم ذاهب ويجوز أن يعود جمعا مراعاة للمعنى فتقول كلكم ذاهبون أما إن حذف المضاف المعرفة فالمسموع من العرب الوجهان لأن الأول أنكره بعضهم، ويوم القيامة ظرف متعلق بآتيه وفردا حال. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا) ان واسمها وجملة آمنوا صلة وجملة عملوا الصالحات عطف على آمنوا وجملة سيجعل خبر ان ولهم مفعول يجعل الثاني والرحمن فاعل وودا مفعول يجعل الاول وهذا الجعل بالنسبة للدنيا طبعا أي يزرع في قلوبهم مودة من غير تودد منهم. (فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا) الفاء الفصيحة لأنها عطفت على مقدر كأنه قيل بلغ هذا المنزل عليك وبشر به وأنذر فإنما يسرناه وانما كافة ومكفوفة وقد أفادت التعليل لهذا المقدر ويسرناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وبلسانك متعلقان بمحذوف حال أي جاريا، لتبشر اللام للتعليل وتبشر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وبه متعلقان بتبشر والمتقين مفعول به وتنذر معطوف وبه متعلقان بتنذر وقوما مفعول به ولدا صفة. (وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ) كم خبرية مفعول مقدم لأهلكنا وقبلهم ظرف متعلق بأهلكنا ومن قرن تمييز وقد تقدم تقريره والمراد أمة. (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً) هل حرف للاستفهام الانكاري وتحس فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت ومنهم حال لأنه كان صفة لأحد ومن حرف جر زائد وأحد

стр. 2971

مجرور بمن لفظا مفعول به منصوب محلا أو حرف عطف وتسمع عطف على تحس ولهم حال وركزا مفعول به. البلاغة: انطوت خواتيم سورة مريم على فنون عديدة: أولها: التكرار فقد تكرر ذكر الرحمن كما قلنا ست عشرة مرة في السورة معظمها في خواتيمها والفائدة فيه انه هو الرحمن وحده لا يستحق هذا الاسم غيره وخلق لهم جميع متطلباتهم التي بها قوام معايشهم فهل اعتبر الإنسان؟ أم لا يزال الغطاء مسدولا على عينيه والوقر يغشى أذنيه؟ فمن أضاف اليه ولدا جعله كالاناسي المخلوقة وأخرجه بذلك عن استحقاق هذا الاسم الجدير به وحده. وثانيها: الالتفات في قوله «لقد جئتم» التفت من الغيبة الى الخطاب لمشافهتهم بالأمر المنكر الذي اجترحوه، والبدع العجيب الذي ارتكبوه. الفوائد: ١- قلنا ان أقوال المعربين اضطربت في قوله تعالى لا يملكون الشفاعة الى آخر الآية وقد اخترنا ما رأيناه- في نظرنا- أمثل الأوجه وننقل فيما يلي لمعا من أقوالهم مع التعليق عليها بما يناسب المقام فقد تورط الزمخشري، وجلّ المعصوم، بقوله «ويجوز أن تكون- أي الواو في يملكون- علامة للجمع كالتي في أكلوني البراغيث» من جهتين الأولى إنه نسب الى القرآن وهو أبلغ الكلام أردأ اللغات

стр. 2972

وأشدها نكرا حتى لقد ضرب المثل بقبحها والثانية انه إذا جعله علامة لمن فقد كشف معناه وأفصح بأنها متناولة جمعا ثم أعاد على لفظها بالإفراد ضمير اتخذ ففيه الاعادة على لفظها بعد الاعادة على معناها بما يخالف ذلك وهو مستنكر عندهم لأنه إجمال بعد إيضاح وذلك تعكيس على طريق البلاغة وانما محجتها الواضحة الإيضاح بعد الإجمال. وقال البيضاوي: «إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا» إلا من تحلى بما يستعد به ويستأهل أن يشفع للعصاة من الايمان والعمل الصالح على ما وعد الله تعالى أو إلا من اتخذ من الله إذنا فيها كقوله تعالى: «لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ» من قولهم عهد الأمير الى فلان بكذا إذا أمره به ومحل الرفع على البدل من الضمير أو النصب على تقدير مضاف أي إلا شفاعة من اتخذ» وهو شبيه بالرأي الذي جنحنا اليه إلا أنه جنح الى القول بأن الاستثناء منقطع. وعبارة أبي حيان: «والضمير في لا يملكون عائد على الخلق الدال عليهم ذكر المتقين والمجرمين إذ هم قسماه والاستثناء متصل ومن بدل من ذلك الضمير أو نصب على الاستثناء ولا يملكون استئناف اخبار» ثم أورد أقوالا عديدة نضرب عنها صفحا. وقال أبو البقاء «لا يملكون حال إلا من اتخذ في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وقيل هو متصل على أن يكون الضمير في يملكون للمتقين والمجرمين وقيل هو في موضع رفع بدلا من الضمير في يملكون» . وفي الكرخي شارح الجلالين «قوله أي الناس قدره تمهيدا لجعل الاستثناء في قوله إلا من اتخذ منصلا لدلالة ذكر الفريقين المتقين والمجرمين إذ هما قسماه وقيل ضمير يملكون عائد على المجرمين المراد بهم الكفار، قال بعضهم لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم كما يملك المؤمنون» وحسبنا ما تقدم فقد طال مجال القول.

стр. 2973

٢- عودة الى بيت الفرزدق: ونعود الى بيت الفرزدق وهو من أبيات له يعتذر عما وقع منه في السفر مع دليله عاصم العنبري حين ضل عن الطريق والأبيات هي: فلما تصافنا الأداوة أجهشت ... الى غضون العنبري الجراضم فجاء بجلمود له مثل رأسه ... ليشرب ماء القوم بين الصرائم على حالة لو أن في القوم حاتما ... على جوده لضنّ بالماء حاتم والتصافن اقتسام الماء القليل بالصفن وهو وعاء صغير لنحو الوضوء والأداوة ظرف الماء وجمعها أداوى وإيقاع التصافن عليها مجاز لأنها محل الماء والمراد تقاسمنا الماء فهو مجاز مرسل علاقته المحلية والجهش والإجهاش تضرع الإنسان الى غيره وتهيئته للبكاء اليه كالصبي الى أمه، وغضون الجلد مكاسره، وإسناد الإجهاش إليها مجاز عقلي أو مجاز مرسل علاقته المحلية أيضا لأنها محل ظهور أثره والجراضم واسع البطن كثير الأكل والمراد بالجلمود إناء صلب كبير مثل رأسه أي رأس العنبري وفيه إشارة بارعة إلى حمقه لأن افراط الرأس في العظم أمارة البلادة وفي الصلابة أيضا اشارة الى ذلك وقوله بين الصرائم جمع صريمة وهي منقطع الرمل إشارة الى أنهم كانوا في مفازة عمياء لا ماء بها على حالة ضنكة بحيث لو ثبت في تلك الحالة أن حاتما في القوم مع جوده المشهور لبخل بالماء وعلى بمعنى في ورواية المبرد في كامله على ساعة.

стр. 2974

(٢٠) سورة طه مكيّة وآياتها خمس وثلاثون ومائة [سورة طه (٢٠) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) اللغة: (الْعُلى) : ويجوز كتابتها بالياء والألف لأن الفعل علا يعلو وعلي يعلى وهي المرتبة والرفعة وقال السيوطي وأبو البقاء: هي جمع عليا ككبرى وكبر فكتبت بالياء. (اسْتَوى) : لها في اللغة معان كثيرة قال في القاموس: «استوى الشيء اعتدل واستقام يقال: سويت الشيء فاستوى واستوى الرجل:

стр. 2975

استقام أمره وانتهى شبابه وبلغ أشده، واستوى عليه: ظهر واستولى واستوى على ظهر الدابة استقر، يقال: استوى على سرير الملك كناية عن التملك واستوى الى الشيء قصده واستوت به الأرض هلك ودفن فيها واستوى الطعام نضج. وأصل الفعل الثلاثي سوي يسوى سوى الرجل: استقام أمره. وقال في الأساس: «استوى الشيئان وتساويا وساوى أحدهما صاحبه وفلان يساويك في العلم وساوى بين الشيئين وسوّى بينهما وساويت هذا بهذا وسويته قال الراعي: بجرد عليهنّ الأجلّة سوّيت ... بضيف الشتاء والبنين الأصاغر أي يصونها صيانة الضيوف والأطفال وسويت المعوج فاستوى ورزقك الله تعالى ولدا سويا لا داء به ولا عيب وهما على سوية من الأمر وسواء وفيه النصفة والسوية وهما سواء وهم سواسية في الشر وأنتما سيان وما هو بسيّ لك وفعل القوم كذا ولا سيما زيد ومكان سوى: وسط بين الحدين وجاءوا سوى فلان وسواءه «فرآه في سواء الجحيم» في وسطها وضرب سواءه وسطه وضربه على مستوى مفرقه قال بعض بني أزنم: نحن من خير معدّ نسبا ... ولنا قدما على الناس المهل إذ ضربنا الصّمة الخير على ... مستوى مفرقه حتى انجدل ورجل سواء القدم: مستويها ليس لها أخمص، ومن المجاز: إذا صليت الفجر استويت إليك قصدتك قصدا لا ألوي على شيء

стр. 2976

«ثم استوى الى السماء» واستوى على الدابة والفراش والسرير وانتهى شبابه واستوى واستوى على البلد» وسيأتي المراد به في الآية في باب البلاغة. (الثَّرى) : في المصباح: «الثرى وزان الحصى ندى الأرض، وأثرت الأرض بالألف كثر ثراها والثرى أيضا: التراب الندي فإن لم يكن نديا فهو تراب ولا يقال له حينئذ ثرى» وفيه أيضا: «نديت الأرض ندى من باب تعب فهي ندية مثل تعبة ويعدّى بالهمز والتضعيف وأصابها نداوة وندوة بالضم والتثقيل» وفي الأساس واللسان وغيرهما: «شهر ثرى، وشهر ترى، وشهر مرعى أي تكون الأرض ندية أولا ثم ترى الخضرة ثم يطول النبات حتى يصلح للراعية وثرى المطر التراب يثريه وهو مثري وثري التراب فهو ثرّ وثرّيت التراب نديته وثرّيت السويق» . (وَأَخْفى) سيأتي الكلام فيها في باب الإعراب . الإعراب: (طه) تقدم القول في فواتح السور واعرابها. (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) ما نافية وأنزلنا فعل وفاعل وعليك متعلقان بأنزلنا والقرآن مفعول به ولتشقى اللام للتعليل وتشقى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وسيأتي المراد بالشقاء في باب الفوائد. (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى) إلا أداة حصر وتذكرة مفعول لأجله والاستثناء منقطع، قال أبو البقاء ولا يجوز أن يكون مفعولا من أجله لأنزلنا المذكورة لأنها قد تعدت الى مفعول له وهو لتشقى فلا تتعدى الى آخر من جنسه ولا يصح أن يعمل فيها لتشقى لفساد المعنى، وقيل تذكرة

стр. 2977

مصدر في موضع الحال واختار الزمخشري أن تكون تذكرة مفعولا لأجله قال: «وكل واحد من لتشقى وتذكرة علة للفعل إلا أن الأول وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولية والثاني جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماع الشرائط» وعلى هذا جرى معظم المعربين والمفسرين، قال الكرخي في تعليقه على عبارة الجلال السيوطي: «أشار الى أن الاستثناء منقطع وأن تذكرة مفعول من أجله والعامل أنزلناه المقدر لا المذكور وكل واحد من لتشقى وتذكرة علة لقوله ما أنزلنا وتعدى في لتشقى باللام لاختلاف العامل لأن ضمير أنزلنا لله وضمير لتشقى للنبي فلم يتحد الفاعل واتحد في تذكرة لأن المذكر هو الله تعالى وهو المنزل فنصب بغير لام» وأنكر أبو علي الفارسي أن يكون مفعولا لأجله أو بدلا من لتشقى قال وانما هو منصوب على المصدرية أي أنزلناه لتذكر به تذكرة، وإنما أوردنا هذه الأقوال على تباينها وتدافعها لأننا لم نستطع الترجيح بينها. (تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى) مفعول مطلق لفعل محذوف وتقديره نزلناه تنزيلا فحذف وجوبا على حد قول ابن مالك: والحذف حتم مع آت بدلا ... من فعله كندلا اللذ كاندلا وأجاز الزمخشري فيه وجوها كلها واردة فقال «في نصب تنزيلا وجوه: أن يكون بدلا من تذكرة إذا جعل حالا لا إذا كان مفعولا له لأن الشيء لا يعلل بنفسه وأن ينصب بنزل مضمرا وأن ينصب بأنزلنا لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة أنزلناه تذكرة، وأن ينصب على المدح والاختصاص، وأن ينصب بيخشى مفعولا به أي أنزله الله تذكرة لمن يخشى تنزيل الله وهو معنى حسن واعراب بين» وممن متعلقان بتنزيلا وجملة خلق الأرض والسموات صلة والعلى صفة. (الرَّحْمنُ

стр. 2978

عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) الرحمن خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو أو مبتدأ وعلى العرش متعلقان باستوى وجملة استوى خبر ثان ل «هو» المقدرة أو خبر الرحمن وسيأتي معنى الاستواء على العرش في باب الفوائد. (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى) له خبر مقدم وما مبتدأ مؤخر وفي السموات صلة وما في الأرض عطف على ما في السموات وما بينهما كذلك وما عطف على ما وتحت الثرى ظرف متعلق بمحذوف صلة ما. (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى) الواو استئنافية مسوقة لبيان شرع الله تعالى في دعائه وان شرطية وتجهر فعل الشرط وفاعله مستتر تقديره أنت وبالقول جار ومجرور متعلقان بتجهر فإنه الفاء رابطة لأن الجواب جملة اسمية وان واسمها وجملة يعلم السر خبرها وأخفى عطف على السر أي أخفى منه فهو اسم تفضيل من خفي بمعنى استتر وغاب وأجاز بعضهم أن يكون فعلا ماضيا أي وأخفى الله عن عباده غيبه وعندنا أن ذلك غير جائز لأنه من جهة اللفظ يلزم منه عطف الفعلية على الاسمية إن كان المعطوف عليه هو الجملة الكبرى أو عطف الماضي على المضارع إن كان المعطوف عليه الجملة الصغرى وكلاهما دون الأحسن ومن جهة المعنى واضح أن المقصود الحض على ترك الجهر بإسقاط فائدته من حيث إن الله يعلم السر وما هو أخفى منه فكيف يبقى للجهر فائدة وكلاهما على هذا التأويل مناسب لترك الجهر وأما إذا جعل فعلا فيخرج عن مقصود السياق، واعلم أنهم قد يحذفون من من افعل إذا أريد به التفضيل ومعنى الفعل وهم يريدونها فتكون كالمنطوق بها نحو زيد أكرم وأفضل فلم تأت بألف ولام كما لم تأت بها مع من لأن الموجود حكما كالموجود لفظا أي: يعلم السرّ وأخفى منه والذي يدل على ارادة من أن أخفى لا ينصرف كما لا ينصرف آخر من قولك مررت برجل آخر إذا أردت من معه وإن لم تذكره وانما

стр. 2979

نكره للمبالغة في الخفاء. (اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) الله مبتدأ وجملة لا إله إلا هو الاسمية خبر وقد تقدم اعراب لا إله إلا هو مفصلا وله خبر مقدم والأسماء مبتدأ مؤخر والحسنى صفة للأسماء والجملة خبر ثان. ومعلوم أن جمع التكسير في غير العقلاء يعامل معاملة المؤنثة الواحدة. الفوائد: ١- روى التاريخ: ان أبا جهل والنضر بن الحارث قالا له: إنك شقي لأنك تركت دين آبائك فأريد رد ذلك بأن دين الإسلام وهذا القرآن هو السلّم الى نيل كل فوز والسبب في ادراك كل سعادة وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها وروي انه ﵊ صلى بالليل حتى اسمغدّت قدماه أي تورمت كما في الصحاح فقال له جبريل ﵇ أبق على نفسك فإن لها عليك حقا ويحتمل أن يراد لا تتعب نفسك بفرط أسفك على كفر قريش إذ ما عليك إلا البلاغ، ولم يكتب عليك أن يؤمنوا بعد ان لم تفرط في أداء الرسالة وإسداء الموعظة الحسنة. والشقاء يجيء في معنى التعب قال ابن كيسان: «وأصل الشقاء في اللغة العناء والتعب ومنه قول المتنبي: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم ٢- الاستثناء المنقطع: استثناء الشيء من غير جنسه لا معنى له ولا مورد من ذلك فليست فيه «إلا» للاستثناء على سبيل الأصل وانما هي بمعنى «لكن» وهو

стр. 2980

ما يسونه «الاستثناء المنقطع» ومع ذلك فلا بد من الارتباط بين المستثنى منه والمستثنى ومن ذلك قوله تعالى «ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى» أي لكن أنزلناه تذكرة فتذكرة مستثنى من المصدر المؤول من تشقى بأن المضمرة بعد لام التعليل لأن المعنى ما أنزلنا القرآن لشقائك. [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩ الى ١٦] وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) اللغة: (آنَسْتُ) : أبصرت والإيناس الإبصار البين الذي لا شبهة فيه ومنه إنسان العين لأنه يبصر به الأشياء وقال جرير:
следующие страницы →