← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

«ثم استوى الى السماء» واستوى على الدابة والفراش والسرير وانتهى شبابه واستوى واستوى على البلد» وسيأتي المراد به في الآية في باب البلاغة. (الثَّرى) : في المصباح: «الثرى وزان الحصى ندى الأرض، وأثرت الأرض بالألف كثر ثراها والثرى أيضا: التراب الندي فإن لم يكن نديا فهو تراب ولا يقال له حينئذ ثرى» وفيه أيضا: «نديت الأرض ندى من باب تعب فهي ندية مثل تعبة ويعدّى بالهمز والتضعيف وأصابها نداوة وندوة بالضم والتثقيل» وفي الأساس واللسان وغيرهما: «شهر ثرى، وشهر ترى، وشهر مرعى أي تكون الأرض ندية أولا ثم ترى الخضرة ثم يطول النبات حتى يصلح للراعية وثرى المطر التراب يثريه وهو مثري وثري التراب فهو ثرّ وثرّيت التراب نديته وثرّيت السويق» . (وَأَخْفى) سيأتي الكلام فيها في باب الإعراب . الإعراب: (طه) تقدم القول في فواتح السور واعرابها. (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) ما نافية وأنزلنا فعل وفاعل وعليك متعلقان بأنزلنا والقرآن مفعول به ولتشقى اللام للتعليل وتشقى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وسيأتي المراد بالشقاء في باب الفوائد. (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى) إلا أداة حصر وتذكرة مفعول لأجله والاستثناء منقطع، قال أبو البقاء ولا يجوز أن يكون مفعولا من أجله لأنزلنا المذكورة لأنها قد تعدت الى مفعول له وهو لتشقى فلا تتعدى الى آخر من جنسه ولا يصح أن يعمل فيها لتشقى لفساد المعنى، وقيل تذكرة

стр. 2977

مصدر في موضع الحال واختار الزمخشري أن تكون تذكرة مفعولا لأجله قال: «وكل واحد من لتشقى وتذكرة علة للفعل إلا أن الأول وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولية والثاني جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماع الشرائط» وعلى هذا جرى معظم المعربين والمفسرين، قال الكرخي في تعليقه على عبارة الجلال السيوطي: «أشار الى أن الاستثناء منقطع وأن تذكرة مفعول من أجله والعامل أنزلناه المقدر لا المذكور وكل واحد من لتشقى وتذكرة علة لقوله ما أنزلنا وتعدى في لتشقى باللام لاختلاف العامل لأن ضمير أنزلنا لله وضمير لتشقى للنبي فلم يتحد الفاعل واتحد في تذكرة لأن المذكر هو الله تعالى وهو المنزل فنصب بغير لام» وأنكر أبو علي الفارسي أن يكون مفعولا لأجله أو بدلا من لتشقى قال وانما هو منصوب على المصدرية أي أنزلناه لتذكر به تذكرة، وإنما أوردنا هذه الأقوال على تباينها وتدافعها لأننا لم نستطع الترجيح بينها. (تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى) مفعول مطلق لفعل محذوف وتقديره نزلناه تنزيلا فحذف وجوبا على حد قول ابن مالك: والحذف حتم مع آت بدلا ... من فعله كندلا اللذ كاندلا وأجاز الزمخشري فيه وجوها كلها واردة فقال «في نصب تنزيلا وجوه: أن يكون بدلا من تذكرة إذا جعل حالا لا إذا كان مفعولا له لأن الشيء لا يعلل بنفسه وأن ينصب بنزل مضمرا وأن ينصب بأنزلنا لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة أنزلناه تذكرة، وأن ينصب على المدح والاختصاص، وأن ينصب بيخشى مفعولا به أي أنزله الله تذكرة لمن يخشى تنزيل الله وهو معنى حسن واعراب بين» وممن متعلقان بتنزيلا وجملة خلق الأرض والسموات صلة والعلى صفة. (الرَّحْمنُ

стр. 2978

عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) الرحمن خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو أو مبتدأ وعلى العرش متعلقان باستوى وجملة استوى خبر ثان ل «هو» المقدرة أو خبر الرحمن وسيأتي معنى الاستواء على العرش في باب الفوائد. (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى) له خبر مقدم وما مبتدأ مؤخر وفي السموات صلة وما في الأرض عطف على ما في السموات وما بينهما كذلك وما عطف على ما وتحت الثرى ظرف متعلق بمحذوف صلة ما. (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى) الواو استئنافية مسوقة لبيان شرع الله تعالى في دعائه وان شرطية وتجهر فعل الشرط وفاعله مستتر تقديره أنت وبالقول جار ومجرور متعلقان بتجهر فإنه الفاء رابطة لأن الجواب جملة اسمية وان واسمها وجملة يعلم السر خبرها وأخفى عطف على السر أي أخفى منه فهو اسم تفضيل من خفي بمعنى استتر وغاب وأجاز بعضهم أن يكون فعلا ماضيا أي وأخفى الله عن عباده غيبه وعندنا أن ذلك غير جائز لأنه من جهة اللفظ يلزم منه عطف الفعلية على الاسمية إن كان المعطوف عليه هو الجملة الكبرى أو عطف الماضي على المضارع إن كان المعطوف عليه الجملة الصغرى وكلاهما دون الأحسن ومن جهة المعنى واضح أن المقصود الحض على ترك الجهر بإسقاط فائدته من حيث إن الله يعلم السر وما هو أخفى منه فكيف يبقى للجهر فائدة وكلاهما على هذا التأويل مناسب لترك الجهر وأما إذا جعل فعلا فيخرج عن مقصود السياق، واعلم أنهم قد يحذفون من من افعل إذا أريد به التفضيل ومعنى الفعل وهم يريدونها فتكون كالمنطوق بها نحو زيد أكرم وأفضل فلم تأت بألف ولام كما لم تأت بها مع من لأن الموجود حكما كالموجود لفظا أي: يعلم السرّ وأخفى منه والذي يدل على ارادة من أن أخفى لا ينصرف كما لا ينصرف آخر من قولك مررت برجل آخر إذا أردت من معه وإن لم تذكره وانما

стр. 2979

نكره للمبالغة في الخفاء. (اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) الله مبتدأ وجملة لا إله إلا هو الاسمية خبر وقد تقدم اعراب لا إله إلا هو مفصلا وله خبر مقدم والأسماء مبتدأ مؤخر والحسنى صفة للأسماء والجملة خبر ثان. ومعلوم أن جمع التكسير في غير العقلاء يعامل معاملة المؤنثة الواحدة. الفوائد: ١- روى التاريخ: ان أبا جهل والنضر بن الحارث قالا له: إنك شقي لأنك تركت دين آبائك فأريد رد ذلك بأن دين الإسلام وهذا القرآن هو السلّم الى نيل كل فوز والسبب في ادراك كل سعادة وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها وروي انه ﵊ صلى بالليل حتى اسمغدّت قدماه أي تورمت كما في الصحاح فقال له جبريل ﵇ أبق على نفسك فإن لها عليك حقا ويحتمل أن يراد لا تتعب نفسك بفرط أسفك على كفر قريش إذ ما عليك إلا البلاغ، ولم يكتب عليك أن يؤمنوا بعد ان لم تفرط في أداء الرسالة وإسداء الموعظة الحسنة. والشقاء يجيء في معنى التعب قال ابن كيسان: «وأصل الشقاء في اللغة العناء والتعب ومنه قول المتنبي: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم ٢- الاستثناء المنقطع: استثناء الشيء من غير جنسه لا معنى له ولا مورد من ذلك فليست فيه «إلا» للاستثناء على سبيل الأصل وانما هي بمعنى «لكن» وهو

стр. 2980

ما يسونه «الاستثناء المنقطع» ومع ذلك فلا بد من الارتباط بين المستثنى منه والمستثنى ومن ذلك قوله تعالى «ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى» أي لكن أنزلناه تذكرة فتذكرة مستثنى من المصدر المؤول من تشقى بأن المضمرة بعد لام التعليل لأن المعنى ما أنزلنا القرآن لشقائك. [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩ الى ١٦] وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) اللغة: (آنَسْتُ) : أبصرت والإيناس الإبصار البين الذي لا شبهة فيه ومنه إنسان العين لأنه يبصر به الأشياء وقال جرير:

стр. 2981

إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا وفي قوله إنسانا تورية بديعة. (بِقَبَسٍ) : القبس: الجذوة من النار. (طُوىً) : اسم علم للوادي ويقرأ بغير تنوين على أنه معرفة مؤنث علم للبقعة وقيل هو معدول وإن لم يعرف لفظ المعدول عنه فكأن أصله طاوي فهو في ذلك كجمع وكتع وقال في القاموس: «وطوى بالضم والكسر وينون واد بالشام» وقال علماء النحو: وأما طوى فمن منع صرفه فالمعتبر فيه التأنيث باعتبار البقعة لا العدل عن طاو ولأنه أي العدل قد أمكن غيره وهو التأنيث فلا وجه لتكلف العدل. (أُخْفِيها) : سيأتي الكلام عنها في الاعراب . (فَتَرْدى) : في المختار: ردى من باب صدى أي هلك وأرداه غيره وردى في البئر تردى يردي إذا سقط فيها أو تهور من جبل. الإعراب: (وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى) الواو للاستئناف والجملة استئنافية مسوقة لسرد قصة موسى ليتأسى به النبي ﷺ في تحمل

стр. 2982

أعباء النبوة وتكاليف الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد ومعاناة الأهوال، وأتاك فعل ومفعول به وحديث موسى فاعل والاستفهام للتقرير ومعناه أليس قد أتاك حديث موسى؟ وقيل معناه: قد أتاك حديث موسى. (إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ: امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً) الظرف متعلق بالحديث لأنه حدث أو بمضمر تقديره اذكر وجملة رأى مضاف إليها الظرف ونارا مفعول به فقال عطف على رأى ولأهله متعلقان بقال وجملة امكثوا مقول القول وجملة إني تعليل للأمر بالمكوث وان واسمها وجملة آنست خبرها ونارا مفعول به. (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) لعل واسمها وجملة آتيكم خبرها ومنها متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لقبس أو حرف عطف وأجد معطوف على آتيكم وفاعل أجد مستتر تقديره أنا وعلى النار جار ومجرور متعلقان بأجد وهي على مكانها للاستعلاء على حد قول الأعشى: لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرق تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق أي أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها كما قال سيبويه في مررت بزيد انه لصوق بمكان يقرب من زيد. وهدى مفعول به أي يهديني الطريق ويدلني عليها قال الفراء: أراد هاديا فذكره بلفظ المصدر أو عبر بالمصدر لقصد المبالغة على حذف المضاف أي ذا هدى. (فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى) الفاء عاطفة على محذوف والتقدير فيمم شطر النار ولما ظرفية حينية أو رابطة وأتاها فعل وفاعل مستتر ومفعول به وجملة نودي لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ويا موسى حرف نداء ومنادى. (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً) إن واسمها وأنا تأكيد للضمير أو مبتدأ وربك خبر إني أو خبر أنا

стр. 2983

والجملة خبر إن والأول أولى، فاخلع الفاء الفصيحة واخلع فعل أمر وفاعل مستتر ونعليك مفعول به وجملة إنك تعليل للخلع وان واسمها وبالوادي خبرها والمقدس صفة وطوى بدل أو عطف بيان وقد تقدم القول في منعه من الصرف أو عدم منعه في باب اللغة. (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى) الواو عاطفة وأنا مبتدأ وجملة اخترتك من الفعل والفاعل والمفعول به خبر، فاستمع الفاء عاطفة واستمع فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت ولما متعلقان باستمع وجملة يوحى صلة ويوحى بالبناء للمجهول. (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) الجملة بدل من «ما» في لما يوحى وان واسمها وأنا تأكيد للضمير أو مبتدأ والله خبر إنني أو خبر أنا والجملة خبر إن وجملة لا إله إلا أنا خبر ثان فاعبدني الفاء الفصيحة واعبدني فعل أمر وفاعل مستتر والنون للوقاية والياء مفعول وأقم الصلاة عطف على اعبدني ولذكري متعلقان بأقم وهو مصدر مضاف لمفعول أي لتذكرني فيها وقيل المصدر مضاف للفاعل أي لذكري إياك. (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى) إن واسمها وخبرها وأكاد فعل مضارع ناقص من أفعال المقاربة واسمها مستتر تقديره أنا وجملة أخفيها خبر أي أريد إخفاء وقتها أو أقرب أن أخفيها فلا أقول إنها آتية ويجوز أن يراد أكاد أظهرها وفعل أخفى من الأضداد وسيرد له مزيد بحث في باب البلاغة، ولتجزى اللام للتعليل وتجزى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وهو متعلق بأخفيها أو بآتية وجملة أكاد أخفيها اعتراضية بينهما وكل نفس نائب فاعل وبما متعلقان بتجزى وجملة تسعى صلة ويجوز أن تكون ما مصدرية أي بجزاء سعيها على حذف مضاف. (فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى) الفاء الفصيحة ولا ناهية ويصدنك فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد

стр. 2984

وهو في محل جزم بلا الناهية والكاف مفعول به وعنها متعلقان بيصدنك ومن فاعل وجملة لا يؤمن صلة وبها متعلقان بيؤمن واتبع هواه فعل وفاعل مستتر ومفعول به فتردى الفاء فاء السببية وتردى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء بفتحة مقدرة على الألف. البلاغة: فن الإبهام: في قوله تعالى «لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً» وهو فن رفيع ينطوي على الكثير من جلائل المعاني ودقائقها وهو ضد الإيجاز وضد الاطناب وحدّه أن يأتي المتكلم الى المعنى الواحد الذي يمكنه الدلالة عليه باللفظ القليل فيدل عليه باللفظ الكثير لا لقصد إفهام البليد وسماع البعيد ولا للتقرير والتوكيد، بل للاتيان بمعنى يتشعب إلى عدة أمور كل واحد منها مستقل المفهومية فقد قال لعلي آتيكم منها بقبس ولم يبت في الأمر لئلا يعد ما ليس بمستيقن من الوفاء به وما أجملها حكمة تكون درسا للذين يكيلون الوعود جزافا ولا يفكرون في الوفاء بها ثم قال لعلي أجد على النار هدى وهذا يحتوي على معنى آخر ثم يتشعب فالهداية هي المعنى الرئيسي ثم ان الهداية قد تكون بالنار نفسها بخاصة الاضاءة الكامنة فيها وإما بواسطة القوم الذين يقومون بإيقادها ويفهم من هذا ضمنا أنه ضل مع أهله الذين يرافقونه وهم امرأته بنت شعيب وقد ولدت في الطريق ابنا في ليلة شاتية مظلمة باردة وقيل مثلجة فلما أسقط في يده آنس النار فقال ما قال ثم قد يقصد بالهداية معناها المجازي الآخر أي لعلي أهتدي بنور العلم لأن أفكار الأبرار مغمورة بالهمم فتبارك قائل هذا الكلام.

стр. 2985

وفي قوله تعالى: «إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى» إبهام وهو فن عجيب يقول فيه المتكلم كلاما يحتمل معنيين متغايرين لا يتميز أحدهما عن الآخر فكلمة أخفيها أولا تعني أمورا منها: آ- أي أكاد أخفيها فلا أقول هي آتية لفرط إرادتي إخفاءها ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به. ب- أكاد أخفيها عن نفسي. ثم انه جاء في بعض اللغات أخفاه بمعنى خفاه فهي من الأضداد أي أكاد أظهرها لقرب وقتها وبه فسر قول امرئ القيس: فإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد أي إن تكتموا الضغائن التي بيننا نكتمها نحن أيضا ولا نظهرها. على أن أحسن محامل الآية الكريمة هو أن يكون المراد أكاد أزيل خفاءها أي أظهرها إذ الخفاء الغطاء وهو أيضا ما تجعله المرأة فوق نيابها يسترها ثم تقول العرب أخفيته إذا أزلت خفاءه كما تقول أشكيته وأعتبته إذا أزلت شكايته وعتبه. قال أبو علي القالي: «وقال اللحياني: خفيت الشيء أخفيه خفيا وخفيا إذا استخرجته وأظهرته وأنشد لامرئ القيس: خفاهنّ من أنفاقهنّ كأنما ... خفاهن ورق من سحاب مركب قال أبو علي: وغيره يروي: من عشني مجلّب أي مصوت ويقال: اختفيت الشيء أي أظهرته وأهل الحجاز يسمون النباش

стр. 2986

المختفي لأنه يستخرج أكفان الموتى وأخفيت الشيء أخفيه إخفاء إذا سترته قال الله : «أَكادُ أُخْفِيها» وهي قراءة العامة أي أظهرها وقال أبو عبيدة: أخفيت الشيء كتمته وأظهرته ويقال دعوت الله خفية وخفية أي في خفض. مجموعة من الاضداد في اللغة: هذا ومن الاضداد الجلل للعظيم وللهين فمن الأول قول الشاعر: ولئن عفوت لا عفون جللا ... ولئن سطوت لأوهننّ عظمي ومن الثاني قول امرئ القيس لما قتل أبوه: بقتل بني أسد ربهم ... ألا كل شيء سواه جلل ومنها: غابر للذاهب والآتي، والجون للأبيض والأسود والبين للبعد والقرب، والصريم: الليل والنهار، والناصع الأبيض والأسود، والأمم للعظيم واليسير، والناهل للريان والظمآن، ووراء بمعنى قدام وخلف، وبعت الشيء إذا بعته من غيرك وبعته اشتريته، وشعبت الشيء: أصلحته وشققته، والصارخ للمستغيث والمغيث، والهاجد للمصلي بالليل والنائم، والوهدة: الارتفاع والانحدار، والتعزير للاكرام والاهانة، والتقريظ للمدح والذم، وترب للغني والفقير، والاهماد للسرعة في السير والاقامة، وعسعس: إذا أقبل وإذا أدبر، والقرء للحيض والطهر. [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٧ الى ٢٣] وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣)

стр. 2987

اللغة: (أَهُشُّ) : في المصباح: هشّ الرجل هشّا من باب رد: صال بعصاه وفي التنزيل «وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي» وهش الشجرة هشا ضربها ليتساقط ورقها وهش الشيء يهش من باب تعب هشاشة لان واسترخى فهو هش وهش العود يهشّ أيضا هشوشا صار هشا سريع الكسر وهش الرجل هشاشة إذا ابتسم من بابي تعب وضرب. (جَناحِكَ) : سيأتي تفسيرها في باب البلاغة. الإعراب: (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى) الواو عاطفة وما اسم استفهام للتقرير مبتدأ وتلك خبره وبيمينك متعلق بمحذوف حال وهي تشبه قوله تعالى «وَهذا بَعْلِي شَيْخاً» والعامل في الحال المقدرة اسم الاشارة ويا موسى نداء فما اسم نكرة في موضع رفع بالابتداء والتقدير أي شيء تلك بيمينك وهي مبنية لتضمنها همزة الاستفهام وإنما جيء بها لضرب من الاختصار وذلك أنك إذا قلت ما بيدك فكأنك قلت: أعصا بيدك أم سيف أم خنجر ونحو ذلك مما يكون بيده وليس عليه إجابتك

стр. 2988

عما بيده إذا لم تأت على المقصود فجاءوا بما وهو اسم واقع على جميع مالا يعقل مبهم فيه وضمنوه همزة الاستفهام فاقتضى الجواب من أول وهلة فكان فيه من الإيجاز ما ترى. (قالَ: هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي) هي مبتدأ وعصاي خبره وجملة أتوكأ عليها حالية وقيل مستأنفة وأهش بها على غنمي عطف على أتوكأ عليها وبها متعلقان بأهش وكذلك على غنمي وتعدية أهش بعلى يفيد معنى التهويل والتخويف للغنم. (وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى) هذا هو الجواب الرابع الذي أجاب به موسى عن سؤال واحد وسيأتي سر ذلك في باب البلاغة ولي خبر مقدم وفيها حال ومآرب جمع مأربة بتثليث الراء مبتدأ مؤخر وأخرى صفة لمآرب، وهذه المآرب الأخرى سيرد قسم كبير منها في باب البلاغة كما يرد تلخيص مفيد لكتاب العصا للجاحظ. (قالَ: أَلْقِها يا مُوسى) جملة ألقها مقول القول ويا موسى نداء. (فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى) ألقاها فعل وفاعل ومفعول به والفاء عاطفة وإذا للمفاجأة وهل هي ظرف أم حرف؟ تقدم بحث ذلك مفصلا، وهي مبتدأ وحية خبر وجملة تسعى حال أو خبر ثان وقد تقدم ذكر المسألة الزنبورية بين سيبويه والكسائي. (قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى) جملة خذها مقول القول والواو حرف عطف ولا ناهية وتخف فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والسين حرف استقبال ونعيدها فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره نحن وسيرتها منصوب بنزع الخافض أي الى سيرتها وهذا أسهل الأعاريب وقيل هي ظرف قالوا «السيرة من السير كالركبة من الركوب يقال سار فلان سيرة حسنة ثم اتسع فيها فنقلت الى معنى المذهب والطريقة وقيل سير الأولين فنصبت على الظرف أي سنعيدها في طريقتها الأولى» وأجاز آخرون كأبي البقاء وبه بدأ أن تكون بدل اشتمال من ضمير المفعول لأن معنى سيرتها صفتها وطريقتها

стр. 2989

وأتي الزمخشري بإعراب آخر مهد له وحسنه قال «ووجه ثالث حسن وهو أن يكون سنعيدها مستقلا بنفسه غير متعلق بسيرتها بمعنى أنها أنشئت أول ما أنشئت عصا ثم ذهبت وبطلت بالقلب حية فسنعيدها بعد ذهابها كما أنشأناها أولا ونصب سيرتها بفعل مضمر أي تسير سيرتها الأولى» والأولى صفة لسيرتها على كل حال. (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى) واضمم عطف على ألقها ويدك مفعول به والفاعل مستتر تقديره أنت والى جناحك جار ومجرور متعقان باضمم وتخرج جزم لأنه جواب الطلب وبيضاء حال ومن غير سوء متعلقان ببيضاء لما فيها من معنى الفعل نحو ابيضت من غير سوء وليكون الاحتراس كاملا كما سيأتي في باب البلاغة أو متعلقان بتخرج وآية حال ثانية من فاعل تخرج أيضا وأخرى صفة لآية واختار الزمخشري وجها آخر لنصب آية وهو «بإضمار نحو خذأ ودونك وما أشبه ذلك» ولا نرى داعيا لذلك. (لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى) اللام للتعليل ونريك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وهو تعليل لمحذوف متعلق به أي أمرناك بما ذكرنا لنريك بها أي بيدك ومن آياتنا متعلقان بمحذوف على أنه حال من الكبرى وتكون الكبرى على هذا مفعولا ثانيا لنريك أو صفة للمفعول الثاني على الأصح والتقدير لنريك الآية الكبرى من آياتنا أي حال كونها من آياتنا وقيل غير ذلك وما ذكرناه أولى فلا داعي لذكره. البلاغة: قد تستوعب هذه الآية أجلادا ضخمة لما انطوت عليه من ضروب البلاغة وذلك ما نهدف اليه من كتابنا، ولكننا سنجتزئ بقدر الإمكان فنقول:

стр. 2990

١- فن التلفيف: في قوله تعالى «وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى» الى آخر ما أجاب به موسى صلوات الله عليه من الاجوبة الاربعة فن طريف لم يرد ذكره حتى الآن وهو فن التلفيف، وحدّه إخراج الكلم مخرج التعليم بحكم أو أدب لم يرد المتكلم ذكره وانما قصد ذكر حكم خاص داخل في عموم الحكم المذكور الذي صرح بتعليمه. وهذا التعريف المطول نعتقد أنه يحتاج الى بيان وهو أن يسأل السائل عن حكم هو نوع من أنواع جنس تدعو الحاجة الى بيانها كلها أو أكثرها فيعدل المسئول عن الجواب الخاص عما سئل عنه من تبيين ذلك النوع ويجيب بجواب عام يتضمن الإبانة على الحكم المسئول عنه وعن غيره بدعاء الحاجة الى بيانه فقول موسى جوابا عن سؤال الله تعالى له «هِيَ عَصايَ» هو الجواب الحقيقي للسؤال ثم قال: «أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى» فأجاب عن سؤال مقدر كأنه توهم أن يقال له: وما تفعل بها؟ فقال معددا منافعها ولم يقع ذلك من موسى ﵇ إلا لأمور ثلاثة: آ- بغية الشكر لله تعالى الذي رزقه تلك العصا التي وجد فيها من المآرب ما لا يوجد في مثلها. ب- ان المقام مقام خطاب الحبيب وهو يقتضي البسط والإسهاب. ح- تعظيم مساءلة ربه له عن منافعها فابتدأه بالجواب عن السؤال المقدر قبل وقوعه أدبا مع ربه. والواقع أن السؤال إذا كان واردا على شيء ظاهر فذلك السؤال إنما يتوجه الى أمر يتعلق به بحسب مقتضى الحال وإلا كان عبثا لظهوره

стр. 2991

كما إذا سألت شخصا عن لبس ثياب السفر بقولك: ما هذا الثوب؟ فإنك لا تسأل عن نفس الثوب وما هيته بل إنما سألت عن سبب لبسه فكأنك قلت: ما سبب عزيمتك؟ فجواب اللابس حينئذ أن يقول: أريد سفر كذا ولو أجاب بأنه كتان مثلا عدّ لاغيا فكذلك هاهنا لما كان السؤال عن أمر ظاهر فيكون متوجها الى ما يتعلق بالعصا من منافعها فكأنه قال: ما تفعل بما في يمينك با موسى؟ فلذلك قال: هي عصاي أتوكأ عليها ... الآية فإن قلت: لو كان قوله تعالى: وما تلك بيمينك سؤالا عما لا يتعلق بالعصا فكان حقّ الجواب أن بقول: أريد أن أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولكان قوله: هي عصاي ضائعا غير مطابق للسؤال كما في السؤال عن نبس السفر. قلت: هذا السؤال وإن كان عما يتعلق بالعصا لكنه تعالى لما علم أنه سيرد عليها الصورة الثعبانية عند سحر السحرة وكان ذلك مقام أن يخاف موسى بمشاهدة الصورة المنكرة التي ليس يعهدها فأراد تثبيت ماهيتها وعوارضها في نفسه لئلا يدهش عند ورودها عليه فلذلك قال: ما تلك ليجيب عن ماهيتها أيضا كما يجيب عن منافعها لزيادة التثبيت فحاصل معنى الجواب حينئذ هي عصاي أعرفها بالذات والعوارض وإن صورتها مقررة في نفسي لا تنفع إلا منافع أمثالها فإني قديما أتوكأ عليها وأهش بها على عنمي ولي فيها مآرب أخرى. واختار «تلك» مع قرب المشار اليه إما لتحقيره بالنسبة الى جناب كبريائه أو للتعظيم لاشتمالها على الأمور العجيبة والمنافع الكثيرة. ٢- التقرير: وفيها أيضا التقرير وهو بالاستفهام فإنه سبحانه عالم بما بيمينه وإنما أراد أن يقر موسى ويعترف بكونها عصا ويزداد علمه بما يمنحه الله

стр. 2992

في عصاه فلا يعتريه شك إذا قلبها الله ثعبانا بل يعرف أن ذلك كائن بقدرة الله وانه هين عليه يسير. عصا موسى وما فيها من أقوال: هذا وقد صنف الجاحظ كتابا سماه كتاب العصا وهو جزيل الفائدة ونورد فيما يلي أضاميم منه، فقد جمع الله لموسى بن عمران في عصاه من البرهانات العظام والعلامات الجسام ما عسى أن يفي ذلك بعلامات عدة من المرسلين قال الله ﵎ فيما يذكر في عصاه: «إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما» الى قوله «ولا يفلح الساحر حيث أتى» فلذلك قال الحسن بن هانئ- أبو نواس- في شأن خصيب وأهل مصر حين اضطربوا عليه: منحتكم يا أهل مصر نصيحتي ... ألا فخذوا من ناصح بنصيب ولا تثبوا وثب السفاه فتركبوا ... على حد حامي الظهر غير ركوب فإن يك باق إفك فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب رماكم أمير المؤمنين بحية ... أكول لحيات البلاد شروب

стр. 2993

ألم تر أن السحرة لم يتكلفوا تغليط الناس والتمويه عليهم إلا بالعصا ولا عارضهم موسى إلا بعصاه، ألا ترى أنهم لما سحروا أعين الناس واسترهبوهم بالعصي والحبال لم يجعل الله للحبال من الفضيلة في إعطاء البرهان ما جعل للعصا؟ وقدرة الله على تصريف الحبال في الوجوه كقدرته على تصريف العصا. ثم تحدث الجاحظ بأسلوبه العذب السمح عن الشجر ومنافعها مما تأتي الاشارة إليه في حينه، وأورد قصصا مأثورة عن الانتفاع بالعصا، وما كان لها عند العرب من شأن فأورد قصة عامر بن الظرب العدواني- حكم العرب في الجاهلية- لما أسنّ واعتراه النسيان أمر بنته «عمرة» أن تقرع بالعصا إذا هو فهّ عن الحكم وجار عن القصد وكانت من حكيمات بنات العرب، حتى جاوزت في ذلك مقدار صحر بنت لقمان، وهند بنت الخس وخمعة بنت حابس وكان يقال لعامر ذو الحلم ولذلك قال الحارث بن وعلة: وزعمتم أن لا حلوم لنا ... إن العصا قرعت لذي الحلم وقال الفرزدق: فإن كنت أنساني حلوم مجاشع ... فإن العصا كانت لذي الحلم تقرع قلت: قلت: هذا ما رواه الجاحظ بصدد قرع العصا، وليس هذا القول حاسما ففي أول من قرعت له العصا خلاف طويل فقيل هو عامر

стр. 2994

ابن الظرب كما ذكر الجاحظ وقيل هو قيس بن خالد ذو الجدين وقيل هو عمرو بن حممة الدوسي ولكن الأشهر ما رواه الجاحظ. وذكر العصا عندهم يجري في معان كثيرة تقول العرب: «العصا من العصية، والأفعى بنت حية» تريد أن الأمر الكبير يحدث عن الأمر الصغير، ويقال: طارت عصا فلان شققا ويقال: فلان شق عصا المسلمين ولا يقال شق ثوبا ولا غير ذلك مما يقع عليه اسم الشق وقال المضرّس الأسدي: وألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر ويقال لبني أسد «عبيد العصا» يعنى أنهم ينقادون لكل من حالفوا من الرؤساء وتسمي العرب كل صغير الرأس «العصا» وكان عمرو بن هبيرة صغير الرأس قال سويد بن كراع العكلي: فمن مبلغ رأس العصا أن بيننا ... ضغائن لا تنسى وإن قدم الدهر وكان والبة بن الحباب الأسدي أحد من أخذ عنهم أبو نواس وكان شاعرا ماجنا صغير الرأس فقال أبو العتاهية في رأس والبة ورؤوس قومه: رؤوس عصي كنّ من عود أثلة ... لها قادح يفري وآخر مخرب

стр. 2995

قلت: قلت: هذا وكان والبة قد هاجى بشارا وأبا العتاهية فغلباه وفر الى الكوفة منهما ومما قاله في أبي العتاهية: كان فينا يكنى أبا اسحق ... وبها الركب سار في الآفاق فتكنى معتها بعتاه ... يا لها كنية أتت باتفاق حلق الله لحية لك لا تنفك معقودة بداء الحلاق ودخل عمرو بن سعد بن أبي وقاص على عمر بن الخطاب حين رجع اليه من عمل حمص وليس معه إلا جراب وإداوة وقصعة وعصا فقال له عمر: ما الذي أرى بك من سوء الحال، أم ما تصنع؟ فقال: وما الذي تراني؟ ألست تراني صحيح البدن، معي الدنيا بحذافيرها؟ قال: وما معك من الدنيا؟ قال معي جرابي أحمل فيه زادي، ومعي قصعتي أغسل فيها ثوبي، ومعي إداوتي أحمل فيها مائي لشرابي، ومعي عصاي إن لقيت عدوا قاتلته، وإن لقيت حية قتلتها، وما بقي من الدنيا تبع لما معي. ومن جميل القول في العصا وما يجوز فيها من المنافع والمرافق تفسير شعر غنيه الاعرابية في شأن ابنها وذلك انها كان لها ابن شديد العرامة كثير التلفت الى الناس مع ضعف أسر، ودقة عظم، فواثب مرة فتى من الأعراب فقطع الفتى أنفه وأخذت غنية دية أنفه فحسنت حالها بعد فقر مدقع ثم واثب آخر فقطع أذنه فأخذت الدية فزادت دية أذنه في المال وحسن الحال ثم واثب بعد ذلك آخر فقطع شفته فلما رأت

стр. 2996

ما قد صار عندها من الإبل والغنم والمتاع والكسب بجوارح ابنها حسن رأيها فيه فذكرته في أرجوزة لها تقول فيها: أحلف بالمروة حقا والصفا ... أنك خير من تفاريق العصا فقيل لابن الأعرابي: ما تفاريق العصا؟ قال: العصا تقطع ساجورا وتقطع عصا الساجور فتصير أوتادا ويفرق الوتد فتصير كل قطعة شظاظا فإن كان رأس الشظاظ كالعلكة صار للبختي مهارا وهو العود الذي يدخل في أنف البختي (والبختي الجمل الخراساني) وإذا فرق المهار جاءت منه تواد والسواجير تكون للكلاب والأسرى من الناس. وسئل عن قوله «ولي فيها مآرب أخرى» قال: لست أحيط بجميع مآرب موسى ﵇ ولكني سأنبئكم جملا تدخل في باب الحاجة الى العصا من ذلك: انها تحمل للحية والعقرب والذئب والفحل الهائج ولعير العانة في زمن هيج الفحول وكذلك فحول الجحور في المروج ويتوكأ عليها الكبير الدانف والسقيم المدنف والأقطع الرجل والأعرج فإنها تقوم مقام رجل أخرى، وقال أعرابي مقطوع الرجل: الله يعلم أني من رجالهم ... وإن تخدّد عن متنيّ أطماري وإن رزئت يدا كانت تجمّلني ... وإن مشيت على زج ومسمار والعصا تنوب للأعمى عن قائده وهي للقصار والفاشكار والدباغ ومنها المفأد للملّة (أي الخشبة يحرك بها الرماد الحار) والمحراك للتنور وهي لدق الجص والجبسين والسمسم ولخبط الشجر وللفيج (ساعي البريد والدولة) وللمكاري فانهما يتخذان المخاصر فإذا طال

стр. 2997

الشوط وبعدت الغاية استعانا في حضرهما وهرولتهما في أضعاف ذلك بالاعتماد على وجه الأرض وهي تعدل من ميل المفلوج وتقيم من ارتعاش المبرسم (المصاب بمرض البرسام) ويتخذها الراعي لغنمه، وكل راكب لمركبه، ويدخل عصاه في عروة المزود ويمسك بيده الطرف الآخر وربما كان أحد طرفيها بيد رجل والطرف الآخر بيد صاحبه وعليها حمل ثقيل، وتكون- إن شئت- وتدا في حائط وإن شئت ركزتها في الفضاء وجعلتها قبلة وإن شئت جعلتها مظلة وإن جعلت فيها زجا كانت عنزة وإن زدت فيها شيئا كانت عكازا، وإن زدت فيها شيئا كانت مطردا وإن زدت فيها شيئا كانت رمحا، والعصا تكون سوطا وسلاحا. ونجتزئ بما تقدم من كتاب الجاحظ ونعود الى مآرب موسى فقد ذكر في الكشاف «وقيل في المآرب كانت ذا شعبتين ومحجن فإذا طال الغصن حناه بالمحجن وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والحلاب وغيرها وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل، وإذا قصر رشاؤه وصله بها وكان يقاتل بها السباع عن غمه» . ٣- الاستعارة المكنية: في قوله «وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ» الجناح معروف وقيل لكل ناحيتين جناحان كجناحي العسكر، وجناحا الإنسان جنباه والأصل المستعار منه جناحا الطائر سميا جناحين لأنه يجنحهما عند الطيران أي يميلها والمراد الى جنبك تحت العضد دل على ذلك قوله تخرج.

стр. 2998

٤- الاحتراس والكناية: وفي قوله «تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ» فن الاحتراس وقد تقدم ذكره والسوء الرداءة والقبح في كل شيء فكني به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوءة وكان جذيمة بن الوضاح أبرص فكنوا عنه بالأبرش لأن البرص أبغض شيء الى العرب وبهم عنه نفرة عنبسة فكان جديرا أن يكنى عنه ولا أحسن ولا ألطف من كنايات القرآن كما يأتي ولو أنه لم يذكر من غير سوء لتوهم أن البياض قد ازداد حتى صار برصا فأتى بقوله من غير سوء دفعا لذلك التوهم. [سورة طه (٢٠) : الآيات ٢٤ الى ٣٥] اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥) اللغة: (وَزِيراً) : مشتق من الوزر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره أي أثقاله فهو معين على أمر الملك وقائم بأمره وقيل بل هو مشتق من الوزر بفتحتين وهو الملجأ ومنه قوله تعالى: «كَلَّا لا وَزَرَ» وقيل بل

стр. 2999

هو مشتق من المؤازرة وهي المعاونة وفي القاموس الأزر الإحاطة والقوة والضعف فهو من الأضداد، والتقوية والظهر. الإعراب: (اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى) اذهب فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت والى فرعون متعلقان باذهب وان واسمها وجملة طغى خبرها وجملة إنه طغى تعليلية لا محل لها. (قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) قال فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة واشرح فعل دعاء ولي متعلقان باشرح وصدري مفعول به وذكر كلمة لي لفائدة سترد في باب البلاغة. (وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) عطف على اشرح لي صدري. (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي) عطف على اشرح وعقدة مفعول به ومن لساني متعلقان بمحذوف صفة لعقدة كأنه قيل عقدة من عقد لساني وسيأتي ما قيل في العقدة في باب البلاغة. (يَفْقَهُوا قَوْلِي) يفقهوا فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والواو فاعل وقولي مفعول به. (وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي) (هارُونَ أَخِي) الواو عاطفة واجعل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولي في محل نصب مفعول ثان ووزيرا مفعول به أول ومن أهلي صفة لوزيرا وهارون بدل من وزيرا وأخي بدل من هارون ويجوز أن يكون وزيرا مفعولا ثانيا وهارون مفعولا أول وقدم الثاني عليه اعتناء بأمر الوزارة ولي متعلقان بمحذوف حال أو بنفس الجعل ومن أهلي صفة ويجوز أن يكون وزيرا هو المفعول الاول ومن أهلي هو الثاني وجميع هذه الأوجه متساوية الرجحان. (اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) اشدد فعل دعاء وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وبه متعلقان باشدد وأزري مفعول به وأشركه عطف على اشدد والهاء مفعول به وفي أمري

стр. 3000

متعلقان باشركه وقرئ اشدد وأشركه مضارعين مجزومين بالطلب. (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً) (وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً) كي حرف مصدرية ونصب واستقبال وسيأتي بحثها في باب الفوائد ونسبحك فعل مضارع منصوب بكي وفاعل نسبحك ضمير مستتر تقديره نحن وكثيرا صفة لمصدر محذوف أو صفة لظرف محذوف فهي مفعول مطلق أو مفعول فيه ونذكرك كثيرا عطف على نسبحك كثيرا. (إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً) إن واسمها وجملة كنت خبر والتاء اسم كنت وبنا متعلقان ببصيرا وبصيرا خبر كنت. البلاغة: ١- الزيادة: زيادة «لي» في قوله تعالى «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي» والكلام تام بدونها وقد ذكر الزمخشري سرا ونذكر الثاني فيما بعد قال: «فإن قلت «لي» من قوله اشرح لي صدري ويسر لي أمري ما جدواه والكلام مستتب بدونه، قلت: قد أبهم الكلام أولا فقيل اشرح لي ويسر لي فعلم أن ثم مشروحا وميسرا ثم بين ورفع الإبهام بذكرهما فكان آكد لطلب الشرح والتيسير لصدره وأمره» أما السر الثاني فهو أن تكون فائدتها الاعتراف بأن منفعة شرح الصدر وتيسير الأمر راجعة إليه وعائدة عليه فإن الله لا ينتفع بإرساله ولا يستعين بشرح صدره تعالى وتقدس. ٢- التنكير: وفي تنكير العقدة من قوله تعالى «وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي» دلالة

стр. 3001

على أنه لم يسأله حل جميع عقد لسانه بل حل بعضها الذي يمنع الافهام بدليل قوله «يفقهوا قولي» كأنه قال واحلل عقدة من عقد لساني وهذه العقدة ناشئة كما يروى عن جمرة وضعها في فمه وهو صغير وقصتها في المطولات. الفوائد: بحث كي: (كَيْ) أحد أحرف النصب وهي قسمان: ١- المصدرية وهي الداخل عليها اللام لفظا نحو لكي لا تأسوا أو تقديرا نحو جئتك كي تكرمني إذا قدرت الأصل لكي وانك حذفت اللام استغناء عنها بنيتها فإن لم تقدر اللام فهي: ٢- التعليلية، فأما المصدرية فناصبة بنفسها وأما التعليلية فجارة والناصب بعدها أن مضمرة لزوما في النثر وقد تظهر في الشعر: فقالت أكل الناس أصبحت مانحا ... لسانك كيما ان تغرّ وتخدعا وهذا مذهب سيبويه والخليل وجمهور البصريين أما الكوفيون فيرون أن كي ناصبة دائما تقدمتها اللام أو لم تتقدمها. قال أبو حيان: وأجمعوا على أنها يجوز الفصل بينها وبين معمولها بلا النافية وما الزائدة وأما الفصل بغير ما ذكر فلا يجوز عند البصريين.

стр. 3002

[سورة طه (٢٠) : الآيات ٣٦ الى ٤٠] قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) اللغة: (السؤل) : الطلبة وهو فعل بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز والأكل بمعنى المأكول. (التَّابُوتِ) : الصندوق من خشب. (الْيَمِّ) : البحر وأراد به نهر النيل. الإعراب: (قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى) جملة قد أوتيت مقول القول وأوتيت فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل وسؤلك مفعول

стр. 3003

به ثان لأوتيت. (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى) الواو استئنافية واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق ومننا فعل وفاعل وعليك متعلقان بمننا ومرة ظرف أو مفعول مطلق وأخرى صفة لمرة. (إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى) إذ ظرف يفيد هنا التعليل وهو متعلق بمننا وجملة أوحينا مضافة إليها الظرف والى أمك متعلقان بأوحينا وما مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر هو مفعول مطلق أو موصولة فهي نائب فاعل وجملة يوحى صلة وهي تفيد الإبهام وسترد في باب البلاغة. (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ) أن مفسرة لأن الوحي بمعنى القول واقذفيه فعل أمر وفاعل ومفعول به وفي التابوت متعلقان باقذفيه، فاقذفيه في اليم عطف على فاقذفيه في التابوت ولم تختلف الضمائر لأن المقذوف هو موسى ﵇. (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ) الفاء عاطفة واللام لام الأمر ويلقه فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه حذف حرف العلة والهاء مفعول به واليم فاعل وهذا أمر معناه الخبر ولكونه أمرا لفظا جزم جوابه في قوله يأخذه وسيأتي مزيد بيان له في باب البلاغة وبالساحل متعلقان بيلقه أو بمحذوف حال أي ملتبسا به ويأخذه جواب الطلب والهاء مفعول وعدو فاعل ولي صفة وعدو له عطف على عدو لي. (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) الواو حرف عطف وألقيت فعل وفاعل وعليك متعلقان بألقيت ومحبة مفعول به ومني صفة لمحبة أي محبة عظيمة كائنة مني فلا جرم أحبك كل من رآك ويجوز تعليق مني بألقيت ولتصنع عطف على علة مضمرة مفهومة من سياق الكلام أي لتحب من الناس، ولتصنع: اللام للتعليل وتصنع فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن مضمرة بعد اللام وعلى عيني حال أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك وكالئك وسيأتي بحث المجاز المرسل هنا في

стр. 3004

باب البلاغة. (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ؟) إذ ظرف للتعليل متعلق بألقيت أو بتصنع أو بمحذوف تقديره اذكر وجملة تمشي مضاف إليها الظرف وأختك فاعل فتقول عطف على تمشي وهل حرف استفهام وأدلكم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وعلى من متعلقان بأدلكم وجملة يكفله صلة. (فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ) الفاء عاطفة على محذوف للايجاز تقديره فأجيبت الى طلبها فجاءت أمه فقبل موسى ثديها. ورجعناك فعل وفاعل ومفعول به والى أمك متعلقان برجعناك وكي حرف ناصب وتقر منصوب بكي وعينها فاعل ولا تحزن عطف على كي تقر. (وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً) وقتلت فعل وفاعل ونفسا مفعول قتل وقد قتل موسى القبطي بمصر واسمه قاب قان وكان طباخا لفرعون وكانت سن موسى إذ ذاك ثلاثين سنة، فنجيناك الفاء عاطفة ونجيناك فعل وفاعل ومفعول به ومن الغم متعلقان بنجيناك وفتناك فعل وفاعل ومفعول به وفتونا مفعول مطلق إذا كان مصدرا وهو الأرجح كالقعود والجلوس والشكور والثبور واللزوم أو منصوب بنزع الخافض إذا كان جمع فتنة أي بضروب من الفتن والمعنى ابتليناك وامتحناك بأنواع من الشدائد. (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى) الفاء عاطفة ولبثت فعل وفاعل وسنين ظرف زمان متعلق بلبثت قيل مكث عند النبي شعيب في مدين عشر سنوات وتزوج خلالها ابنته وقيل ثمانيا وعشرين سنة منها مهر ابنته وهو عشر حجج حيث قضى أوفى الأجلين، وفي أهل مدين متعلقان بلبثت ومدين مضاف لأهل ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث ثم حرف عطف وجئت فعل وفاعل وعلى قدر حال أي موافقا لما قدر لك أو مستقرا على قدر معين

стр. 3005

ويا موسى نداء، وقد اقتبس هذا التركيب جرير بقوله مادحا عمر ابن عبد العزيز: أتى الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر البلاغة: فنون هذه الآيات البيانية كثيرة جدا نورد أهمها فيما يلي: ١- التفسير بعد الإبهام: فأولها التفسير بعد الإبهام وهذا النوع يؤتى به لتفخيم أمر المبهم وإعظامه لأنه يطرق السمع بعد أن كان متعلقا بشيء مبهم فتترنح الجوارح، ويذهب بلب السامع كل مذهب وعلى هذا النحو جاء قوله تعالى «قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى، وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى» فابهم الكلام وأتى به مجملا ليتعلق الذهن، ويتطلع ما عسى أن يكون السؤال؟ وما هي المنة الأخرى؟ وما عسى أن يردفها من منن وآلاء؟ انه يتشوف للمعرفة، ويحاول اكتناه الحقيقة فيأتي قوله بعد ذلك مفسرا ما أبهم، فيقول «إذ أوحينا الى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم» فإن قلت ما هي المنة الأولى؟ وما هي المنة الثانية؟ وهل بعد ذلك من منن؟ قلت ان مجموع المنن التي امتن الله بها على نبيه موسى ثماني منن: آ- قوله إذ أوحينا إلى قوله «وعدو له» . ب- قوله: «وألقيت عليك محبة مني» إلخ.. ج- قوله: «ولتصنع على عيني» الى قوله «من يكفله» .

стр. 3006

د- قوله: «فرجعناك الى أمك» الى قوله «ولا تحزن» . هـ- قوله: «وقتلت نفسا فنجيناك من الغم» . وقوله: «وفتناك فتونا» . ز- قوله: «فلبثت في أهل مدين» الى قوله «يا موسى» . ح- قوله: «واصنعتك لنفسي» . ٢- الإبهام: أما الإبهام المجرد فقوله «ما يوحى» وهو كثير شائع في القرآن الكريم ومثله في الشعر قول دريد بن الصمة في رثاء أخيه: صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل: ابعد وسيرد منه المزيد المطرب. ٣- المجاز العقلي: المجاز العقلي: في قوله تعالى «فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ» أسند الإلقاء الى اليم وهو لا يعقل ولكنه يمثل مشيئة الله وإرادته التي لا تخطئ ولا يعزب عنها شيء، أسند اليه الإفضاء المقرر في عالم الغيب ودنيا المشيئة كأنه ذو تمييز يطيع الأمر ويمتثل رسمه. ٤- التنكير: نكر المحبة وأسندها اليه سبحانه، لأمرين هامين:

стр. 3007

١- ما في التنكير من الفخامة الذاتية كأنها محبة تعلو على الحب المتعارف المتبادل بين المخلوقات. ٢- ما في إسنادها اليه من الفخامة الاضافية أي محبة عظيمة مني وقد زرعتها في القلوب وركزتها في السرائر ومنطويات الضمائر فسبحان المتكلم بهذا الكلام. ٥- المجاز المرسل: في قوله على عيني مجاز مرسل فقد أراد بالعين المحبة أي على المحبة مني لأن العين رائدها وسببها فالعلاقة السببية قال أبو عبيدة وابن الأنباري: إن المعنى لتغذى على محبتي وإرادتي تقول أتخذ الأشياء على عيني أي على محبتي، قال ابن الأنباري: العين في هذه الآية يقصد بها قصد الارادة والاختيار، من قول العرب: فلان على عيني أي على المحبة مني قيل واللام متعلقة بمحذوف أي فعلت ذلك لتصنع وقيل متعلقة بألقيت. [سورة طه (٢٠) : الآيات ٤١ الى ٤٧] وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧)

стр. 3008

اللغة: (وَاصْطَنَعْتُكَ) : اخترتك لي من بين الناس جميعا، وسيأتي المزيد من بحث المجاز في هذا التعبير الرشيق. (تَنِيا) : تفترا والونى الفتور والتقصير يقال ونى يني ونيا كوعد يعد وعدا إذا فتر والاسم الونى وهو الفتور وونى فعل لازم لا يتعدى وزعم بعض النحاة انه يكون من أخوات زال وانفك فيعمل عملهما بشرط النفي يقال: ما وني زيد قائما أي ما زال زيد قائما وفي المصباح: وني في الأمر ونيا من باب تعب ووعد ضعف وفتر فهو وان وفي التنزيل «ولا تنيا في ذكري» وتوانى في الأمر توانيا: لم يبادر الى ضبطه ولم يهتم به فهو متوان أي غير مهتم ولا محتفل» وهو في الآية من باب وعد لأجل كسر النون إذ لو كان من باب تعب لكان بفتحها وقد أشار في الأساس إلى إمكان عمل هذا الفعل عمل لا يزال قال: «ولا يني يفعل: لا يزال يفعل وامرأة وناة: فيها فتور» وفي القاموس: «الونى كفتى التعب والفترة ضد ويمد ونى يني ونيا وونيا ووناء وونية ونية وونى وأوناه وتوانى هو وناقة وانية: فاترة طليح وامرأة وناة وأناة وإنية: حليمة بطيئة القيام والقعود والمشي والمينا مرفأ السفينة ويمد وجوهر الزجاج والونية كاللؤلؤة كالوناة أو العقد من الدر» . (يَفْرُطَ) : يقال فرط يفرط من باب قعد علينا فلان إذا عجل بمكروه.

стр. 3009

الإعراب: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) فعل ماض وفاعل ومفعول به ولنفسي متعلقان به. (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي) اذهب فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأنت ضمير منفصل تأكيد للضمير المستتر والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير المراد بالاصطناع وأخوك عطف على الضمير المرفوع وعلامة رفعه الواو والكاف مضاف اليه وبآياتي حال لأن الباء للمصاحبة أي مصحوبين بآياتي ومعتصمين بها وليست للتعدية لأن المراد إظهار الآيات للناس لا مجرد الذهاب الى فرعون والواو حرف عطف ولا ناهية وتنيا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والألف فاعل وفي ذكري متعلقان بتنيا، قيل «في» هنا بمعنى عن أي عن عبادتي ولم أره لأحد فالأولى أن تبقى على حقيقتها من الظرفية كأنه اشتمل على التقصير، لكن قال في المغني «والظاهر أن معنى ونى عن كذا جاوزه ولم يدخل فيه وونى فيه دخل فيه وفتر» وهذا يرجح انها للظرفية لا للمجاوزة. (اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى) اذهبا فعل وفاعل والى فرعون متعلقان باذهبا وان واسمها وجملة طغى خبرها. (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) الفاء عاطفة وقولا فعل أمر وفاعل وله متعلقان بقولا وقولا مفعول مطلق ولينا صفة ولعل واسمها وجملة يتذكر خبرها أو حرف عطف ويخشى عطف على يتذكر وسيأتي معنى الترجي هنا وبصورة عامة في باب الفوائد. (قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى) قالا فعل ماض وفاعل وربنا منادى مضاف وإن واسمها وجملة نخاف خبرها وأن وما في حيزها مفعول نخاف وعلينا متعلقان بيفرط أو حرف عطف أن يطغى عطف على أن يفرط. (قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى) لا ناهية وتخافا فعل مضارع

стр. 3010

مجزوم بلا والألف فاعل وجملة لا تخافا مقول القول وجملة إنني معكما تعليلية لعدم الخوف وان واسمها والظرف متعلق بمحذوف خبرها وجملة أسمع خبر ثان أو حالية وأرى عطف على أسمع. (فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ) فأتياه الفاء هي الفصيحة وأتياه فعل أمر وفاعل ومفعول به فقولا عطف على فأتياه وإن واسمها ورسولا خبرها وربك مضاف اليه. (فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ) الفاء هي الفصيحة أيضا وأرسل فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت ومعنا ظرف مكان متعلق بأرسل وبني إسرائيل مفعول به ولا تعذبهم لا ناهية وتعذبهم مجزوم بلا والهاء مفعول به. (قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى) جملة قد جئناك حالية جرت من جملة إنا رسولا ربك مجرى البيان والتفسير لأن دعوى الرسالة لا تثبت إلا مدعومة بالآيات والدلائل الظاهرة الدالة عليها وقد حرف تحقيق وجئناك فعل ماض وفاعل ومفعول به وبآية متعلقان بجئناك ومن ربك صفة لآية والواو استئنافية والسلام مبتدأ وعلى من اتبع الهدى خبر. الفوائد: اهتم العلماء اللغويون والنحاة بمعنى الرجاء في قوله تعالى «لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى» وسنلخص الأوجه التي ذكرها هؤلاء لأن إيرادها بنصوصها لا يتسع له المجال، فالرجاء يحتمل الأمور التالية: ١- أن يكون الترجي هنا على بابه وذلك بالنسبة الى المرسل وهو موسى وهارون أي اذهبا على رجائكما في إيمانه وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله فهو يفرغ جهده ويبذل ما في وسعه ويستحيل أن يرد ذلك في حق الله تعالى

стр. 3011

إذ هو عالم بالعواقب والمغاب وعن سيبويه «كل ما ورد في القرآن من لعل وعسى فهو من الله واجب» وهذا صريح في أن الترجي يستحيل بقاؤه على معناه في حق الله تعالى. ٢- ان لعل تفيد التعليل فهي بمثابة كي وهذا قول الفراء قال: كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك أي كي تأخذ أجرك. ٣- انها استفهامية أي هل يتذكر ويخشى وهذا قول مردود لأنه يستحيل الاستفهام في حق الله تعالى. ما يقوله النحاة: ويقول النحاة إن لعل للتوقع وعبر عنه قوم بالترجي في الشيء المحبوب نحو لعل الحبيب قادم ومنه قوله تعالى: «لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً» والإشفاق في الشيء المكروه نحو «فلعلك باخع نفسك» أي قاتل نفسك والمعنى أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إسلام قومك وقد تقدم بحثه والإشفاق لغة الخوف يقال أشفقت عليه بمعنى خفت عليه وأشفقت منه بمعنى خفت منه وحذرته. وقال الأخفش والكسائي: وتأتي لعل للتعليل نحو: ما يقول الرجل لصاحبه: افرغ من عملك لعلنا نتغدى واعمل عملك لعلك تأخذ أجرك أي لنتغدى ولتأخذ، ومنه «لعله يتذكر» أي ليتذكر وقال في المغني: ومن لم يثبت ذلك يحمله على الرجاء ويصرفه للمخاطبين أي اذهبا على رجائكما.

стр. 3012

[سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٨ الى ٥٥] إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥) الإعراب: (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) إن واسمها وجملة قد أوحي خبر وإلينا متعلقان بأوحي وأن وما في حيزها في تأويل مصدر نائب فاعل لأوحى وأن واسمها وعلى من خبرها وجملة كذب صلة وتولى عطف على كذب. (قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى) أي فأتياه وقالا جميع ما ذكر، فالفاء عاطفة على مقدر ومن اسم استفهام مبتدأ وربكما خبر والجملة مقول القول ولم يذكر هارون لأنه تبع وردء ووزير له وقيل غير ذلك مما لا طائل تحته. (قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ

стр. 3013

ثُمَّ هَدى) ربنا مبتدأ والذي خبره وجملة أعطى صلة وكل شيء مفعول به أول وخلقه مفعول به ثان وقيل خلقه أول مفعولي أعطى وكل شيء ثانيهما وقدم للاهتمام أي أعطى خليقته «وهي جمع الخلائق» كل شيء يحتاجون اليه وقرئ خلقه على أنه فعل والمفعول الثاني محذوف للعلم. ثم هدى عطف على أعطى أي أعطى كل شيء صورته وأفرغه في مسلاخه الخليق بما نيط به من خصائص ومنافع وهدى كل مخلوق إلى ما خلق له، وفي هذا الإيجاز كلام طويل يطالعه القارئ في باب البلاغة. (قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى) الفاء عاطفة وما استفهام مبتدأ وبال خبر والقرون مضاف اليه والأولى صفة. (قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى) علمها مبتدأ وعند ربي الظرف متعلق بمحذوف خبر وفي كتاب حال أو في كتاب هو الخبر وعند ربي حال أو هما خبران أو هما خبر واحد على حد قولك الرمان حلو حامض أي مز وجملة لا يضل مستأنفة وقيل صفة لكتاب والعائد محذوف تقديره في كتاب لا يضله ربي أو لا يضل حفظه ربي، وربي فاعل يضل ولا ينسى عطف على لا يضل وسيأتي في باب الفوائد ما قاله العلماء في معنى هذه الآية. (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا) الذي خبر لمبتدأ محذوف أي هو وجملة جعل صلة ولكم حال لأنه كان صفة لمهادا والأرض مفعول به أول ومهادا مفعول به ثان وسلك فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو ولكم متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لسبلا وفيها متعلقان بسلك وسبلا مفعول به. (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى) وأنزل عطف على ما تقدم ومن السماء متعلقان بأنزل وماء مفعول به فأخرجنا الفاء عاطفة وأخرجنا فعل وفاعل وبه متعلقان بأخرجنا وأزواجا مفعول به ومن نبات صفة لأزواجا وشتى صفة لأزواجا أو حال منه لأنه وصف وأجاز الزمخشري

стр. 3014

أن يكون صفة للنبات. (كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) كلوا فعل أمر وفاعل والجملة معمولة لحال محذوفة أي قائلين أو آذنين في الانتفاع بها، مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها وارعوا عطف على كلوا وأنعامكم مفعول به لارعوا وإن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبر إن المقدم ولآيات اللام المزحلقة وآيات اسم إن المؤخر ولأولي النهى صفة لآيات والنهى مضاف لأولي وهي جمع نهيه وقيل اسم مفرد. (مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى) منها متعلقان بخلقناكم وفيها متعلقان بنعيدكم ومنها متعلقان بنخرجكم وتارة ظرف متعلق بنخرجكم وأخرى صفة لتارة. البلاغة: ١- الإيجاز: في قوله تعالى «ثُمَّ هَدى» إيجاز بليغ لأنه حذف جملا لا يقع عليها الحصر لأنه ليس بالمتاح إحصاء المخلوقات الحية وغير الحية، العاقلة وغير العاقلة التي خلقها الله ولكل منها عمله الميسر له على حد قوله ﷺ «كل ميسر لما خلق له» فمن العسير بل من المستحيل أن يتحدث أحد عن المرتفقات العامة وإعطاء كل مرتفق الى صاحبه المخلوق له الذي عرف كيف يرتفق بما أعطي وكيف يتوصل اليه ولهذا أحسن الزمخشري بقوله: «ولله در هذا الجواب ما أحصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الانصاف وكان طالبا للحق» ثم إن للايجاز فائدة أخرى وهي أن فرعون أراد أن يصرف موسى ﵇ بعد أن أوشك أن يفضحه ويبطل خرافاته، الى ما لا يعنيه من الأمور التي لا تعلق لها بالرسالة من الحكايات

стр. 3015

والأساطير فأجابه موسى بأن ذلك ليس من خصائص الرسالة وانما علمه عند ربي فلما سأله عن ربه أوجز الكلام على هذا الشكل البديع. ٢- الالتفات: من الغيبة الى لفظ التكلم على الحكاية لكلام الله والفائدة منه التنبيه على ظهور ما في الأرض من الدلالة على كمال القدرة الإلهية والحكمة التي لا تطيش وانقياد المخلوقات جميعا لمشيئته وقيل لا التفات في الكلام لأنه يشترط في الالتفات أن يكون في كلام المتكلم الواحد يصرف كلامه على وجوه شتى وما نحن فيه ليس من ذلك فإن الله تعالى حكى عن موسى ﵇ قوله لفرعون: علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ثم قوله: الذي جعل لكم الأرض مهادا الى قوله فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى فإما أن يجعل من قول موسى فيكون من باب قول خواص الملك: أمرنا وعمرنا وانما يريدون الملك وليس هذا بالتفات وإما أن يكون كلام موسى قد انتهى عند قوله: ولا ينسى ثم ابتدأ الله تعالى وصف ذاته بصفات انعامه على خلقه فليس التفاتا أيضا وانما هو انتقال من حكاية الى إنشاء خطاب. وقد يبدو هذا الرد وجيها لأول وهلة ولكن نذكر أن موسى وصف الله تعالى بهذه الصفات على لفظ الغيبة فقال: الذي جعل لكم الأرض مهادا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرج به أزواجا من نبات شتى فلما حكاه الله تعالى عنه أسند الضمير الى ذاته لأن الحاكي هو المحكي في كلام موسى فمرجع الضميرين واحد وهذا الوجه دقيق وهو أقرب الوجوه الى الالتفات.
следующие страницы →