Полный текст (5 784 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ)
الفاء استئنافية وان شرطية وتولوا فعل ماض وهو فعل الشرط والواو فاعل والفاء رابطة لجواب الشرط وقل فعل أمر وآذنتكم فعل وفاعل ومفعول به والجملة في محل جزم جواب الشرط وعلى سواء متعلقان بمحذوف حال من التاء أي الفاعل أو من الكاف أي المفعول أي مستوين في العلم بالحرب وسيأتي تفصيل هذا الإيجاز في باب البلاغة. (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) الواو للحال وإن نافية وأدري فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره أنا والهمزة للاستفهام وقريب خبر مقدم وأم حرف عطف وبعيد عطف عليه وما مبتدأ مؤخر وجملة توعدون صلة وجوز أبو البقاء أن يرتفع ما توعدون فاعلا بقريب سد مسد خبره وقريب مبتدأ قال لأنه اعتمد على الهمزة أو ببعيد لأنه أقرب اليه فتكون المسألة من باب التنازع وجملة أقريب أم بعيد ما توعدون في محل نصب مفعول أدري المعلقة عن العمل. (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ) ان واسمها وجملة يعلم خبرها وفاعل يعلم ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والجهر مفعول به ومن القول حال من الجهر ويعلم عطف على يعلم الأولى وما مفعول به وجملة تكتمون صلة. (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) الواو عاطفة وإن نافية وأدري فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا ولعل واسمها وفتنة خبرها ولكم صفة ومتاع عطف على فتنة وإلى حين متعلقان بمحذوف صفة لمتاع أو يتعلق به وجملة لعله فتنة في محل نصب بأدري والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق عن العمل ولكن النحاة لم يذكروا لعل من المعلقات ولكنها وردت كثيرا في القرآن كقوله في هذه الآية وكقوله: «وما يدريك لعل الساعة قريب، وما يدريك لعله يزكى، وقيل ان قوله ومتاع ليس داخلا في حيز الترجي لأنه محقق فلا يصح عطفه على فتنة لأنه حيث
стр. 3187
كان معطوفا على خبرها كان معمولا لها وداخلا في حيزها وفي نطاق الترجي الذي تدل عليه فالأولى اذن أن يقال ان قوله ومتاع خبر لمبتدأ محذوف وتقديره وهذا متاع الى حين أي وتأخير عذابكم متاع لكم وتكون الجملة مستأنفة وليس هذا ببعيد. (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) رب منادى مضاف الى ياء المتكلم المحذوفة واحكم فعل دعاء وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وبالحق حال وربنا الواو استئنافية وربنا مبتدأ والرحمن يجوز أن يكون خبرا والمستعان خبرا ثانيا ويجوز أن يكون صفة لربنا والمستعان خبر لأنه المحدث به وعلى ما متعلقان بالمستعان وجملة تصفون صلة والعائد محذوف أي تصفونه مخالفا للواقع.
البلاغة:
١- القصر:
في قوله تعالى «قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» وقد تقدم بحث القصر مفصلا ونقول ان في هذه الآية قصرين الاول قصر الصفة على الموصوف وذلك في قصر الوحي على الوحدانية والمعنى لا يوحى إليّ إلا اختصاص الإله بالوحدانية لا لأنه لم يوح اليه بشيء غيرها ولكنها الأصل الرئيسي في كل عبادة وعمل وهي المطلوبة أولا وقبل كل شيء حتى كأن ما عداها غير منظور اليه أو غير جدير بالذكر والثاني قصر الموصوف على الصفة وذلك في قصر الله على الوحدانية وهو ظاهر.
٢- الإيجاز:
وذلك في قوله تعالى «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ» تقدم
стр. 3188
القول في الإيجاز كثيرا وفي هذه الآية إيجاز قصر لأنه تحدث بثلاث كلمات وهي «آذنتكم على سواء» عن كلام طويل أي إن تولوا بعد هذه الآيات والشواهد وأعرضوا وطووا كشحا فقل لهم لقد أعلمناكم على بيان أنا وإياكم في حرب لا مهادنة فيها ولا صلح بيننا ولكنني لا أدري متى يأذن الله. وآذنتكم منقول من اذن إذا علم قال الحارث ابن حلزة:
آذنتنا ببنيها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء
وقد سما الزمخشري في شرح هذا الإيجاز وهذه نبذة من كلامه:
«والمعنى اني بعد توليكم واعراضكم عن قبول ما عرض عليكم من وجوب توحيد الله وتنزيهه عن الأنداد والشركاء كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحسّ منهم بغدرة فنبذ إليهم العهد وشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعا بذلك «على سواء» أي مستوين في الاعلام به لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم وقشر العصا عن لحائه» .
٣- التوليد:
في قوله: «قل رب احكم بالحق» فن التوليد وسماه ابن منقذ فن التلطيف وهو على ضربين: من الألفاظ ومن المعاني:
١- التوليد من الألفاظ على ضربين أيضا:
آ- توليد المتكلم من لفظه ولفظ غيره صورة من الكلام.
ب- توليد المتكلم صورة من موضعين من لفظ نفسه.
والأول هو أن يزوج لفظة من لفظة للفظة من لفظ غيره فيتولد
стр. 3189
بينهما كلام مناقض غرض صاحب اللفظة الأجنبية وذلك في الألفاظ المفردة دون الجمل المؤتلفة ومثاله ما حكي عن مصعب بن الزبير انه كان قد وسم خيله بلفظ «عدّة» وهو يريد عدة الحرب فلما قتل وصارت خيله عند الحجاج ورأى ذلك الوسم أمر أن يوسم الى جانب عدة بلفظة «الفرار» فتولد بين اللفظين معنى غير ما أراده مصعب وانقلب المدح قدحا.
٢- التوليد من المعاني وستأتي أمثلته، أما الآية التي نحن بصددها فقد زوج فنا من فنون البديع لفن آخر فيه فتولد فن ثالث غيرهما وذلك انه يتوجه على ظاهر إشكال وهو أن يقال: ما الحكمة في كونه سبحانه أمر نبيه أن يسأله الحكم بالحق وهو يعلم أن نبيه متيقن انه سبحانه لا يحكم إلا بالحق فلو اقتصر على قوله احكم فقط كان ذلك كافيا فلم عدل عن الأوجز الموفي بالمعنى المراد مع سلامة الظاهر من الإشكال الى الأطول الموجب للإشكال، والجواب:
ان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يدعون على من خالفهم حتى يؤذن لهم في ذلك لأنهم بعثوا مؤلفين لا منفرين وهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم به الله فإذا أعلمهم بمن لا يمكن إيمانه من قومهم ساغ لهم الدعاء على ذلك، ألا ترى أن نوحا ﵇ لم يتجرأ أن يقول: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً» إلا بعد قوله تعالى له: «أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ» ولذلك احترس في الدعاء بقوله: على الأرض فإن من آمن معه كان في السفينة ولم يبق على الأرض إلا من حق عليه العذاب ولما علم سبحانه ان الذين عادوا نببه محمدا ﷺ لا يرجى فلاحهم أمره بالدعاء عليهم بيد أنه علمه كيف يدعو عليهم دعاء غير منفر لغيرهم فأراد سبحانه أن
стр. 3190
يقول: قل رب أهلك الظالمين فعدل عن هذا اللفظ الخاص لما فيه من التنفير الى لفظ الإرداف فقال: «قل رب احكم بالحق» فانه سبحانه إذا حكم بالحق وهو العدل عاقب من يستحق العقاب وأما قول مورد الاشكال: لم عدل عن الأوجز الى الأطول؟ ولو قال رب احكم لكان كافيا، فليس الأمر كما زعم لأن للحاكم المختار الذي لا شريك له أن يحكم بالفضل فينزل عن حق نفسه وله أن يحكم بالعدل ستوفي حقه وحق غيره وطلب مطلق الحكم لا يوفي بذلك فلهذا عدل من الأوجز الى الأطول ليوفي بالمعنى المراد.
وقد تنخّل عن هذا الجواب أربعة عشر ضربا من البديع اتفقت في هذه الألفاظ الثلاثة وهي:
١- الإرداف الذي قدمنا ذكره.
٢- الإيضاح لأن إيضاح الإشكال الوارد على ظاهر الكلام جاء مدمجا في الإرداف.
٣- التتميم إذ لو وقع الاقتصار على قوله: رب احكم لكان المعنى المراد ناقصا لأن مطلق الحكم لا يوفي بالمقصود كما بينا.
٤- المقارنة لأن الادماج والإيضاح اقترنا في التتميم.
٥ و٦- الافتنان لجمع هذه اللفظات الثلاث بين فنين من الفنون التي يقصدها المتكلمون وهما:
آ- فن الأدب في تعليم الحق سبحانه نبيه ﷺ كيف يدعو على من خالفه دعاء غير منفّر عنه.
стр. 3191
ب- فن الهجاء لأن عدل الله سبحانه يأبى أن يأمر نبيه بالدعاء إلا على من علم تصميمه على العصيان وبراءته من الايمان ومن كان كذلك كان مستحقا للذم فأدمج سبحانه في أمر الرسول بالدعاء عليهم هجاءهم بمقتضى ما تضمنه الكلام من استحقاق الملام.
٧- الإيجاز عن المعنى المراد بأقل ما يمكن من الحروف.
٨- السهولة فقد تركبت الكلمات تركيبا سليما من سوء الجوار، سهلة المخارج ولأن الكلمات جاءت في مقارها فلا تتقدم كلمة عن كلمة ولا تتأخر.
٩- التهذيب في كون تركيب الجملة وضع على أصح ترتيب وأسهل تهذيب إذ تقدم فيها ذكر المدعو وثنى بالطلب وثلث بالمطلوب.
١٠- حسن البيان لأن الذهن يسابق الى فهم معنى الكلام من غير توقف بمجرد سماعه أول وهلة لعدم التعقيد في اللفظ وخلوه من أسباب اللبس من التقديم والتأخير وسلوك الطريق الأبعد وإيقاع المشترك.
١١- التمزيج لامتزاج الفنون بمعاني البديع فإن فني الأدب والهجاء امتزجا بمعنى الإرداف والتتميم ولم يظهر في اللفظ لكل معنيين سوى صورة واحدة فظهر فن الأدب وأدمج فيه فن الهجاء وظهر الإرداف وأدمج فيه التتميم.
١٢- الإبداع لما تتضمن كل لفظة من الجملة الضرب والضربين فصاعدا من البديع.
стр. 3192
١٣- التمثيل: لأن قوة البلاغة ورونق الفصاحة أخرجت هذه اللفظات مخرج المثل السائر الذي يصلح لأن يتمثل به في كل واقعة تشبه واقعته.
١٤- التوليد: لأن الإرداف لما زوج بالتتميم تولد منهما الإيضاح وتولد من الإيضاح والارداف الادماج ولما ظهرت فائدة الإتيان بالجار والمجرور وثبت التتميم وظهرت العلة في العدول عن لفظ الدعاء الخاص الى لفظ الارداف وتولد من ذلك فن الأدب ومن فن الأدب فن الهجاء ولما ثبت الائتلاف والتهذيب وما وقع في النظم من حسن الترتيب تولد من ذلك المثل السائر ولذلك غلب التوليد على جميع ما فيها من الضروب الثلاثة عشر وأثبتت في بابه دون أبوابها.
التوليد في الشعر:
أما في الشعر فلا يستحسن إلا التوليد في المعاني أما التوليد في الألفاظ فيأتي دونه في المرتبة بل ربما غالى بعضهم فجعله غير مقبول لشبهه بالسرقة وذلك أن يستعذب الشاعر لفظه في شعر غيره فيأخذها ويضمنها معنى غير معناها الأول كقول أبي تمام:
لها منظر قيد الأوابد لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب
أخذ لفظة قيد الأوابد من بيت امرئ القيس في وصف فرس ونقلها الى الغزل وبيت امرئ القيس هو:
وقد اغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
стр. 3193
على أنه قد يكون عذبا كما فعل علي بن زريق البغدادي في قوله:
استودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
فقد أخذ الأزرار من قول عبد الله بن المعتز:
يا حسن أحمد إذ بدا متشمرا ... في قرطق يسعى بكأس عقاره
والغصن في أثوابه والدر في ... فمه وجيد الظبي في أزراره
ولقد عابوا على عمارة اليمني بيته يمدح الخليفة المصري الفاطمي عند قدومه عليه من اليمن وهو:
فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ماسرت من حرم إلا الى حرم
لأنه مأخوذ بلفظه من شعر أبي تمام مادحا:
يا من رأى حرما يسري الى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم
وهنا يحار الناقد في كثرة وقوع الشعراء الكبار بهذه المزالق، قال ابن الأثير: «ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا
стр. 3194
وهذا من عالي الشعر ثم وفقت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات معبد وهو:
لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا
وما أعلم كيف هذا» .
أما توليد المعاني فهو مستحسن على إطلاقه كقول أبي الطيب المتنبي:
همام إذا ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل
أخذه من قول أبي تمام:
يمدون بالبيض القواطع أيديا ... فهن سواء والسيوف القواطع
وقال المتنبي أيضا:
وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل
أخذه من قول أبي نواس في وصف الخمرة:
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدره برحيل
وجميل أخذ المتنبي من أبي تمام قوله:
ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام
وبيت أبي تمام:
هو الصنع إن تعجل فخير وإن ترث ... فللريث في بعض المواضع أنفع
стр. 3195
وبيت المتنبي أجمل وأرشق وفيه زيادة ضرب المثل:
وولد أحد الشعراء المولدين بيتا فارسيا فقال:
كأن عذاره في الخد لام ... ومبسمه الشهيّ العذب صاد
وطرة شعره ليل بهيم ... فلا عجب إذا سرق الرقاد
فقد ولد هذا الشاعر من تشبيه العذار باللام وتشبيه الفم بالصاد لفظة لص وولد من معناها ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر سرقة النجوم فحصل في البيت توليد وإغراب وادماج.
وقد أطلنا عنان القول ولكن الحسن غير مملول.
الفوائد:
التعليق:
للأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر أحكام عديدة منها التعليق وهو إبطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده والمعلقات عن العمل هي:
١- لام الابتداء نحو «لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ماله في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدارة فلا يتخطاها عامل وانما تخطاها
стр. 3196
في باب إن فرفع الخبر لأنها مؤخرة من تقديم لاصلاح اللفظ وأصلها التقديم على إن.
٢- لام القسم كقول لبيد:
ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها
فاللام في لتأتين لام القسم وتسمى جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم لا جملة الجواب فقط، فسقط ما قيل ان جملة جواب القسم لا محل لها وان الجملة المعلق عنها العامل لها محل فيتنافيان ولهذا قال أبو حيان «أكثر أصحابنا لا يذكرون لام القسم في المعلقات وفي العزة، ولام القسم لا تعلق كقوله:
لقد علمت أسد أننا ... لهم يوم نصر لنعم النصير
بفتح أن فهذه لام القسم ولم تعلق وتقول علمت أن زيدا ليقومن بفتح أن» اهـ وفي المغني أن أفعال القلوب لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم كقوله:
ولقد علمت لتأتين منيتي إلخ» اهـ.
فأخرج لام لتأتين عن كونها للقسم.
٣- ما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وجملة ينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية.
٤- لا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو
стр. 3197
مقدر فالملفوظ به نحو علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو وعلمت والله أن زيد في الدار والمقدر نحو علمت لا زيد في الدار ولا عمرو.
٥- الاستفهام كالآية التي نحن بصددها وهي «وإن أدري أقريب إلخ» وقول كثير:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت
فعطف موجعات بالنصب على الكسرة على محل قوله: ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري.
стр. 3198
(٢٢) سورة الحجّ مدنيّة وآياتها ثمان وسبعون
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤)
اللغة:
(مَرِيدٍ) : عات متجرّد للفساد قال الزجاج: المريد والمارد المرتفع الأملس وقال في القاموس وشرحه: المارد: العاتي المرتفع يقال بناء مارد أي مرتفع وهو مجاز وجمعه مردة وماردون ومرّاد، والمريد: الشديد المرادة والخبيث الشرير وجمعه مرد ومؤنثه مرداء يقال: مرد على جرد أي شبان مرد على خيول جرد.
стр. 3199
الإعراب:
(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) يا أداة نداء وأيها منادى نكرة مقصودة مبني على الضم والهاء للتنبيه والناس بدل من أي على اللفظ واتقوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وإن زلزلة الساعة إن واسمها وشيء خبرها وعظيم صفة لشيء وجملة إن زلزلة الساعة إلخ تعليلية لا محل لها من الإعراب وذلك لقوله اتقوا ربكم. وزلزلة الساعة من إضافة المصدر الى فاعله أو الى مفعوله فعلى الأول كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي وعلى الثاني على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى «بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ» . (يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها)
الظرف متعلق بتذهل وجملة ترونها مضاف إليها الظرف وأجازوا فيه أوجها أخرى منها أن يكون متعلقا بعظيم أو باذكر مقدرة أو انه بدل اشتمال من زلزلة لأن كلا من الحدث والزمان يصدق عليه انه مشتمل على الآخر والضمير في ترونها عائد على الساعة أي القيامة ولأنها بهذه المثابة التي تقطع نياط القلوب، ويجوز أن يعود على الزلزلة ولعله أقرب لأنه في الدنيا، وتذهل فعل مضارع مرفوع وكل مرضعة فاعل والجملة في محل نصب على الحال من ضمير ترونها أي الهاء فإن الرؤية هنا بصرية حتما هذا إذا لم نجعل يوم متعلقا بتذهل فإن تعلق به لم تجز الحال وصارت الجملة مستأنفة أو أنها حال من الزلزلة أو من الضمير المستتر في عظيم أو من الساعة وان كانت مضافا إليها لأنها إما فاعل واما مفعول به، كما تقدم، ولا بد عندئذ من تقدير ضمير محذوف أي تذهل فيها والمرضعة هي التي باشرت الإرضاع بأن ألقمت الرضيع ثديها والمرضع هي التي من شأنها أن ترضع سواء باشرت
стр. 3200
الإرضاع أم لم تباشره ففرقوا بينهما بالتاء المربوطة وسيأتي مزيد تفصيل لهذا السر في باب البلاغة وعما أرضعت متعلقان بتذهل وما موصولة أو مصدرية أي عن الذي أرضعته أو عن إرضاعها وتضع كل فعل مضارع وفاعل والجملة معطوفة على جملة تذهل وذات حمل مضاف لكل وحملها مفعول به لتضع والحمل بفتح الحاء المهملة ما كان في بطن أو على شجرة وبالكسرة ما كان على ظهر. (وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)
الواو عاطفة وترى فعل مضارع معطوف على ترونها وإنما جمع في الأول وأفرد في الثاني لأن الرؤية الأولى علقت بالزلزلة أو الساعة وكل الناس يرونها أما الثانية فهي متعلقة بكون الناس سكارى فلا بد من جعل كل أحد رائيا للباقي بقطع النظر عن اتصافه بالسكر وفاعل ترى مستتر تقديره أنت والناس مفعول به وسكارى حال والواو للحال وما نافية حجازية وهم اسمها والباء حرف جر زائد وسكارى مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما والجملة في محل نصب على الحال من الناس، ويجوز في سكارى ضم السين وفتحها فهما لغتان وبهما قرىء، ولكن الواو عاطفة على محذوف مخالفة لما بعد لكن وهذا حكم مطرد لها والتقدير كما في البحر لأبي حيان: «فهذه الأحوال وهي الذهول والوضع ورؤية الناس شبه السكارى هينة لينة ولكن عذاب الله شديد أي ليس لينا وسهلا فما بعد لكن مخالف لما قبلها» وسيأتي مزيد بحث لهذه الآية في باب البلاغة. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لذكر من غفل عن الجزاء في ذلك وكذب به والمناسبة بينها وبين ما تقدم من ذكر أهوال الساعة وزلزلتها واضحة ومن الناس خبر مقدم ومن نكرة موصوفة حتما وهي مبتدأ مؤخر أي ناس موصوفة بالجدل واللجاج والسفسطة والمكابرة لا تنفع فيهم
стр. 3201
العظات ولا تؤثر فيهم الدلائل وجملة يجادل في الله صفة لمن وأفرد الضمير مراعاة للفظ من ولو جمع مراعاة لمعناها لجاز وفي الله متعلقان بيجادل على حذف مضاف أي قدرته وصفاته ودينه وبغير علم حال من الضمير الفاعل في يجادل أي جاهلا متخبطا في متاهات الضلالة العمياء والجهالة النكراء (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ) ويتبع عطف على يجادل وكل مفعول به وشيطان مضاف اليه ومريد
صفة لشيطان ولا بد من تقدير مضاف أي خطوات كل شيطان. (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ) كتب فعل ماض مبني للمجهول وعليه متعلقان به وأن وما في حيزها في محل رفع نائب فاعل ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويجوز أن تكون من اسم موصول مبتدأ وفأنه الخبر ودخلت الفاء لما في الموصول من رائحة الشرط وجملة يضله خبر انه وجملة الشرط أو الموصول خبر أنه وأجاز الزمخشري أن تكون فأنه معطوفة على الأولى وتعقبه أبو حيان فقال: وهذا لا يجوز لأنك إذا جعلت فأنه عطفا على انه بقيت انه بلا استيفاء خبر على أن كثيرين أيدوا الزمخشري في إعرابه ونرى أن ما اخترناه هو الأقرب للصواب، ويهديه عطف على يضله والى عذاب السعير متعلقان بيهديه.
البلاغة:
١- في قوله تعالى «وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى»
تشبيه بليغ فقد شبه الناس في ذلك اليوم العصيب بحالة السكارى الذين فقدوا التمييز وأضاعوا الرشد، والعلماء يقولون: إن من أدلة المجاز صدق نقيضه كقولك زيد حمار إذا وصفته بالبلادة والغباء ثم يصدق أن تقول وما هو بحمار فتنفي عنه الحقيقة فكذلك الآية بعد
стр. 3202
أن أثبتت السكر المجازي نفى الحقيقة أبلغ نفي مؤكد بالباء والسر في تأكيده التنبيه على أن هذا السكر الذي هو بهم في تلك الحالة ليس من المعهود في شيء وإنما هو أمر لم يعهدوا قبله مثله والاستدراك بقوله «وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ»
راجع الى قوله وما هم بسكارى وكأنه تعليل لاثبات السكر المجازي كأنه قيل: إذا لم يكونوا سكارى من الخمر وهو السكر المعهود فما هذا السكر الغريب؟ وما سببه؟ فقيل شدة عذاب الله تعالى.
٢- وفي عدوله عن مرضع الى مرضعة سرّ قل من يتفطّن له وهو ان المرضعة هي التي باشرت الإرضاع فعلا فنزعها الثدي من فم طفلها عند حدوث الهول، ووقوع الارتباك أدل على الدهشة وأكثر تجسيدا لمواطن الذهول الذي استولى عليها وهناك فرق آخر وهو أن وروده على النسب أي مرضع لا يلاحظ فيه حدوث الصفة المشتق منها ولكن مقتضاه انه موصوف بها وعلى غير النسب أي مرضعة يلاحظ فيه حدوث الفعل وخروج الصفة عليه وهذا من أسرار لغتنا التي تندر في اللغات.
وقال في المفصل: «إن مذهب الكوفيين ان حذف التاء من حائض للاستغناء عنها وهذا يوجب إثبات التاء في محل الالتباس كضامر وعاشق وأيم وثيب وعانس» وهذا الاعتراض بيّن، وأما الاعتراض بإثبات التاء في الصفات المختصة بالإناث من امرأة معيبة وكلبة مجرية على ما في الصحاح فليس بسديد لأن ما ذكروه مجوز لا موجب لأنهم يقولون الإتيان بالتاء في صورة الاستغناء على الأصل كحاملة في المرأة قال في الصحاح: يقال امرأة حامل وحاملة إذا كانت حبلى فمن قال
стр. 3203
حامل قال هذا نعت ومن قال حاملة بناه على حملت فهي حاملة وأنشد لعمرو بن حسان:
تمخضت المنون له بيوم ... أتى ولكل حاملة تمام
فإذا حملت شيئا على ظهرها أو على رأسها فهي حاملة لا غير.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥ الى ٧]
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)
اللغة:
(النطفة) : ماء الرجل أو المرأة والجمع نطاف ونطف وهو ما يعرف بالمني كفني والمني كإلي والمنية كرمية ويجمع على مني كقفل.
стр. 3204
ومنى وأمنى ومنّى بمعنى واحد. والنطفة أيضا الماء الصافي قل أو كثر وسيأتي المزيد من الكلام عنه.
(عَلَقَةٍ) : العلقة: هي الدم الجامد وهو المراد هنا والذي يعلق باليد وكل ما يعلّق وما تتبلّغ به الماشية من الشجر ودويبة سوداء تمتص الدم والجمع علق.
(مُضْغَةٍ) : لحمة قدر ما يمضغ.
(مُخَلَّقَةٍ) : المخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب يقال خلق السواك والعود إذا سواه وملسه من قولهم صخرة خلقاء كأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة متباينة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك وعلى حسب ذلك التفاوت تتفاوت المخلوقات في الصور والخلق.
(طِفْلًا) : الطفل بكسر الطاء يطلق على الولد من حين الانفصال الى حين البلوغ وأما الطفل بالفتح فهو الناعم والمرأة طفلة وأما الطفل بفتح الطاء والفاء فهو وقت ما بعد العصر من قولهم طفلت الشمس إذا مالت للغروب وأطفلت المرأة أي صارت ذات طفل وفي المختار: الطفل يستعمل مفردا وجمعا وفي الحديث سئل ﷺ عن أطفال المشركين. وقال في الأساس واللسان ما خلاصته: هو طفل بين الطفولة، وفعل ذلك في طفولته وامرأة وظبية مطفل وطفّلت ولدها:
رشحته. قال الأخطل يصف سحابا:
إذا زعزعته الريح جرّ ذيولها ... كما زحفت عوذ ثقال تطفّل
وامرأة طفلة، وطفلة الأنامل: ناعمة وبنان طفل ناعمة
стр. 3205
قال ذو الرمة:
أسيلة مستنّ الوشاحين قانىء ... بأطرافها الحناء في سبط طفل
وقد طفل طفولة وطفالة وآتيه في طفل الغداة وطفل العشي وهو بعيد طلوع الشمس وقبيل غروبها قال:
باكرتها طفل الغداة بغارة ... والمبتغون خطار ذاك قليل
وقال لبيد:
فتدليت عليه قافلا ... وعلى الأرض غيابات الطّفل
وطفّلت الشمس إذا دنت للغروب وطفّل الليل أقبل وأظلّ وطفّل علينا وتطفّل وهو طفيلي وتقول: ما زال يطفّل على الناس، حتى نسخ طفيل الأعراس وهو رجل من الكوفة نسب اليه التطفيل.
(أشده) : تقدم بحثه ونقول هنا: الأشد كمال القول والعقل والتمييز وهو من ألفاظ الجمع التي لم يستعمل لها واحد وهو ما بين الثلاثين الى الأربعين.
(هامِدَةً) : الهمود السكون والخشوع وهمدت الأرض يبست ودرست وهمد الثوب بلي.
(اهْتَزَّتْ) : تحركت وتجوز به هنا عن إنبات الأرض نباتها بالماء.
(رَبَتْ) : زادت وارتفعت من ربا يربو.
стр. 3206
الإعراب:
(يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ) يا أيها الناس تقدم إعرابها وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص فعل الشرط والتاء اسمها وفي ريب خبرها ومن البعث متعلقان بمحذوف صفة لريب فإنا الفاء رابطة وان واسمها وجملة خلقناكم خبرها ومن تراب متعلقان بخلقناكم وانما ساغ وقوع قوله فانا خلقناكم جوابا على تأويل فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم. (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) عطف بثم للدلالة على وجود تراخ في تطور الخلق وتدرجه من حال الى حال وقوله مخلقة صفة لمضغة وغير مخلقة عطف على مخلقة والمراد تفصيل حال المضغة وكونها أولا قطعة لم يظهر فيها من الأعضاء شيء ثم ظهرت بعد ذلك شيئا فشيئا.
(لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) لنبين اللام للتعليل ونبين مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل واللام مع مدخولها متعلقة بخلقناكم أو اللام للصيرورة والعاقبة أي أن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه مالا يمكن اكتناهه أو الإحاطة به ولذلك حذف مفعول نبين، وذلك للاستدلال بهذه القدرة على ان من قدر على بدء الخلق قادر على إعادته فلا مجال للانكار ولا مساغ للتشكك، ونقر الواو استئنافية ونقر فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره نحن وفي الأرحام متعلقان بنقر وما مفعول به وجملة نشاء صلة والى أجل مسمى متعلقان بمحذوف حال وانما استأنف لأنه ليس المعنى خلقناكم لنقر، ومسمى صفة لأجل حرف أي ممتد الوقت خروجه. (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) ثم حرف عطف وتراخ أيضا ونخرجكم عطف على نقر وفاعل نخرجكم ضمير مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به
стр. 3207
وطفلا حال من مفعول نخرجكم ثم لتبلغوا لا بد من تقدير فعل وهو نعمركم، ولتبلغوا اللام للتعليل أو الصيرورة وتبلغوا منصوب بأن مضمرة بعد اللام والواو فاعل وأشدكم مفعول به. (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) الواو عاطفة ومنكم خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وجملة يتوفى صلة ومنكم خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وجملة يرد صلة والى أرذل العمر متعلقان بيرد، ونسب الى علي بن أبي طالب قوله أرذل العمر خمس وسبعون سنة وقيل ثمانون، وقال قتادة تسعون والصواب انه الهرم والخرف ووصول الإنسان الى مرحلة الاعياء والوهن أو يرتد إلى مرحلة الطفولة ضعيف البنية والعقل، بليد الفهم. (لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً) لكيلا متعلقان بيرد ويعلم منصوب بأن مضمرة بعد اللام وكي مصدرية ومن بعد علم متعلقان بمحذوف حال لأن علم بمعنى عرف وشيئا مفعول به ليعلم. (وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) وهذه الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير الدليل الثاني لأن الدليل الأول منه ما هو مرئي مشاهد ومنه ما ليس كذلك فعبر عنه بالخلق أما هذا الدليل فهو داخل في حيز النظر ومندرج في سلك المرئيات فلذلك عبر عنه بقوله وترى، والأرض مفعول به وهامدة حال من الأرض فإذا الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أنزلنا مضافة الى الظرف وعليها متعلقان بأنزلنا والماء مفعول به وجملة اهتزت لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وربت عطف على اهتزت وكذلك قوله وأنبتت ومن كل زوج صفة لمفعول به محذوف أي أشياء وأصنافا كائنة من كل صنف وبهيج صفة لزوج. (ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ذلك مبتدأ وبأن الله خبر وقيل ذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وعندئذ تكون الباء
стр. 3208
مع مدخولها في محل نصب على الحال وان واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والحق خبر ان أو خبر هو والمبتدأ الثاني وخبره خبر ان وانه عطف على بأن وان واسمها وجملة يحيي الموتى خبرها وانه على كل شيء قدير عطف أيضا ولا بأس هنا بأن نورد ملاحظة لأبي حيان خلاصتها أن الباء ليست للسببية وانما هي متعلقة بمحذوف تقديره شاهد بأن وهو ينطبق على ما ذكرنا من الوجهين المتقدمين. (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها) وان الساعة خبر لمبتدأ محذوف أي والأمر أن الساعة، وان واسمها وآتية خبرها ولا نافية للجنس وريب اسمها وفيها خبرها والجملة حالية أو خبر ثان لأن. (وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) عطف على ما تقدم وان واسمها وجملة يبعث خبرها ومن مفعول به وفي القبور متعلقان بمحذوف صلة من.
البلاغة:
في قوله تعالى «وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ» فنون لا يكاد يتسع لها صدر هذا الكتاب وسنحاول تلخيصها جهد المستطاع فأول ما فيها:
١- ائتلاف الطباق والتكافؤ:
لمجيء أحد الضدين أو أحد المتقابلين حقيقة والآخر مجازا فهمود الأرض واهتزازها ضدان لأن الهمود سكون فالاهتزاز هنا حركة خاصة وهما مجازان والربو والإنبات ضدان وهما حقيقتان وإنما قلنا ذلك لأن الأرض تربو حالة نزول الماء عليها وهي لا تنبت في تلك الحالة، فإذا انقطعت مادة السماء، وجفف الهواء رطوبة الماء خمد الربو وعادت الأرض الى حالها من الاستواء وتشققت وأنبتت فصدر الآية تكافؤ وما قابله في عجزها طباق.
стр. 3209
٢- الارداف:
وفيها مع هذين الفنين فن الارداف وهو كما ذكر قدامة في نقد الشعر أن يريد المتكلم معنى فلا يعبر عنه بلفظه الموضوع له ولا بلفظ الاشارة الدال على المعاني الكثيرة بل بلفظ هو ردف المعنى الخاص وتابعه قريب من لفظ المعنى الخاص قرب الرديف من الردف وقد تقدمت الاشارة اليه في هود، وهنا في هذه الآية عدل عن لفظي الحركة والسكون الحقيقيين الى أردافهما من لفظي الهمود والاهتزاز لما في لفظي الارداف من الملاءمة للمعنى المراد لأن الهمود يراد به الموت، والأرض في حال عطلها من السقي والنبات موات فكان العدول الى لفظ الهمود المعبر به عن الموت أولى من لفظ السكون والاهتزاز المجازي مشعر بالعطالة كاهتزاز الممدوح للمدح فلأجل ذلك عدل عن لفظ الحركة العام الى لفظ الحركة الخاص لما يشعر أن الأرض ستعطي عند سقيها ما يرضي من نباتها بتنزل السقي لها منزلة ما يسرها فاهتزت لتشعر بالعطاء فقد ظهرت فائدة العدول الى لفظ الارداف لما يعطيه من هذه المعاني التي لا يعطيها لفظ الحقيقة.
٣- التهذيب:
وقد جاء نظم هذه الآية مع ما تضمن من التكافؤ والطباق والارداف والائتلاف منعوتا بالتهذيب لما فيه من حسن الترتيب حيث تقدم فيه لفظ الاهتزاز على لفظ الربو ولفظ الربو على الإنبات لأن الماء إذ نزل على الأرض فرق أجزاءها ودخل في خلالها، وتفريق أجزاء الجواهر الجمادية هو حركتها حالة تفرق الاتصال لأن انقسام الجوهر يدل على انتقال قسميه أو أحدهما عن حيزه ولا معنى للحركة إلا هذا
стр. 3210
فالاهتزاز يجب أن يذكر عقيب السقي كما جاء الربو بعد الاهتزاز فإن التراب إذا دخله الماء ارتفع بالنسبة الى حاله قبل ذلك وهذا هو الربو بعينه وقد تقدم شرح كون الإنبات انما يكون بعد الربو وجفاف رطوبة الماء وعود التراب الى حاله وتشققه فحصل التهذيب في نظم هذه الآية بحصول حسن الترتيب واقترن بذلك حسن النسق لتقدم كل ما يجب أن يكون معطوفا عليه على كل ما يجب أن يكون معطوفا.
٤- المذهب الكلامي:
وفي قوله تعالى من أول سورة الحج الى قوله «وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ» فن المذهب الكلامي ففي هذه الآيات خمس نتائج تستنتج من عشر مقدمات وسياقها مفصلة على الترتيب:
آ- قوله تعالى «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ» ذلك لأنه قد ثبت عندنا بالخبر المتواتر أنه سبحانه أخبر بزلزلة الساعة معظما لها وذلك مقطوع بصحته لأنه خبر أخبر به من ثبت صدقه عمن ثبتت قدرته منقول إلينا بالتواتر فهو حق ولا يخبر بالحق عما سيكون إلا الحق فالله هو الحق.
ب- أخبر سبحانه أنه يحيي الموتى لأنه تعالى أخبر عن أهوال الساعة بما أخبر، وحصول فائدة هذا الخبر موقوفة على إحياء الموتى ليشاهدوا تلك الأهوال التي فعلها سبحانه من أجلهم وقد ثبت أنه قادر على كل شيء، ومن الأشياء إحياء الموتى فهو يحيي الموتى.
ج- وأخبر أنه على كل شيء قدير لأنه أخبر أنه من يتبع الشياطين ومن يجادل فيه بغير علم يذقه عذاب السعير ولا يقدر على ذلك إلا من هو على كل شيء قدير، فهو على كل شيء قدير.
стр. 3211
د- وأخبر أن الساعة آتية لا ريب فيها، لأنه أخبر بالخبر الصادق أنه خلق الإنسان من تراب الى قوله «لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً» وضرب سبحانه لذلك مثلا بالأرض الهامدة التي ينزل عليها الماء فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج، ومن خلق الإنسان على ما أخبر به فأوجده بالخلق ثم أعدمه بالموت ثم يعيده بالبعث وأوجد الأرض بعد العدم فأحياها بالخلق ثم أماتها بالمحل ثم أحياها بالخصب، وصدق خبره في ذلك كله بدلالة الواقع الشاهد على المتوقع الغائب حتى انقلب الخبر عيانا صدق خبره.
هـ- في الإتيان بالساعة ولا تأتي الساعة إلا ببعث من في القبور، إذ هي عبارة عن مدة تقوم فيها الأموات للمجازاة فالساعة آتية لا ريب فيها وهو سبحانه يبعث من في القبور.
٥- المجاز:
في قوله تعالى «وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ» فقد أسند الإنبات للأرض وهو مجاز عقلي لأن المنبت في الحقيقة هو الله تعالى وقد تقدم القول غير مرة في المجاز ونزيد هنا أن المجاز خلاف الحقيقة والحقيقة فعيلة بمعنى مفعولة من أحق الأمر يحقه إذا أثبته أو من حققته إذا كنت على يقين وانما سمي خلاف المجاز بذلك لأنه شيء مثبت معلوم بالدلالة والمجاز مفعل من جاز الشيء يجوزه إذا تعداه فإذا عدل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة وصف بأنه مجاز على أنهم جازوا به موضعه الأصلي أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولا.
شرطا المجاز:
المجاز لا يكون إلا بشرطين:
آ- أن يكون اللفظ منقولا عن معنى وضع اللفظ بإزائه أولا
стр. 3212
وبهذا يتميز عن اللفظ المشترك وعن الكذب الذي ادعي فيه أنه مجاز.
ب- والشرط الثاني أن يكون النقل لمناسبة بين الأصل والفرع وعلاقته، ولأجل ذلك لا توصف الأعلام المنقولة بأنها مجاز مثال ذلك تسميتك رجلا بالحجر ويقال ان ذلك مجاز وان كنت نقلت اسم الحجر الى الإنسان إلا أنه نقل لغير مناسبة إذ لا مناسبة بين حقيقة الحجر وحقيقة الإنسان ومتى تحقق هذان الشرطان في لفظ كان ذلك اللفظ مجازا.
قسما المجاز:
والمجاز مجازان: مجاز استعارة، ومجاز حذف. والأول قائم على التشبيه لأنها جعل الشيء للشيء للمبالغة في التشبيه كقولك لقيت أسدا، وأنت تعني أنك لقيت شجاعا ولكن ليس فيها نقل كما تقدم وسيأتي مزيد بسط لهذا البحث، فقوله تعالى «وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ» نقل الإنبات الى الأرض وجعل خضرتها ونضرتها وتعاشيبها وتعاجيب ألوانها لها والحقيقة أن كل ذلك لله.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٨ الى ١٣]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢)
يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)
стр. 3213
اللغة:
(ثانِيَ عِطْفِهِ) : الثني: اللي وفي القاموس ثنى يثني الشيء عطفه وطواه ورد بعضه على بعض وكفه والعطف: الجانب يعطفه الإنسان ويلويه ويميله عند الاعراض عن الشيء وهو تعبير يراد به التكبر.
(حَرْفٍ) : طرف وسيأتي تفصيل معناه في باب البلاغة.
الإعراب:
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ) ومن الناس من يجادل في الله بغير علم: تقدم القول فيها مفصلا فجدد به عهدا، ولا هدى عطف على علم ولا كتاب منير عطف أيضا وسيأتي القول في تكرير هذه الآية في باب البلاغة. (ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) ثاني حال من فاعل يجادل وانما نصبه على الحال والحال من شرطها أن تكون نكرة لأن إضافته بنية الانفصال والتنوين مراد كالمنطوق به وعطفه مضاف وثني العطف سيأتي بحثه في باب البلاغة،
стр. 3214
وليضل للام للتعليل أو للعاقبة والصيرورة ولعلها أولى لملاءمة السياق ويضل فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والفاعل مستتر تقديره هو وعن سبيل الله متعلقان بيضل أي عن دينه. (لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ) له خبر مقدم وفي الدنيا حال لأنه كان صفة لخزي وتقدم على القاعدة المشهورة وخزي مبتدأ مؤخر ونذيقه الواو عاطفة ونذيقه فعل وفاعل مستتر ومفعول به ويوم القيامة ظرف متعلق وعذاب الحريق مفعول به ثان وجملة له في الدنيا حالية. (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ذلك مبتدأ وبما خبر وجملة قدمت صلة ويداك فاعل وان عطف على قدمت فهي في محل جر وان واسمها وجملة ليس خبرها واسم ليس مستتر تقديره هو والباء حرف جر زائد وظلام اسم مجرور لفظا منصوب محلا خبر ليس وللعبيد جار ومجرور متعلقان بظلام وجملة ذلك بما قدمت يداك مقول قول محذوف وجملة القول حالية. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ) الواو عاطفة أو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان حال المرتابين في ايمانهم الشاكين في دينهم ومن الناس خبر مقدم ومن نكرة موصوفة وهي مبتدأ مؤخر أي موصوفة بالعبادة القلقة غير المستقرة ولا الثابتة، فهي عرضة للاهواء يعصف بها أقل ما يحدث لهم من بلاء أو ضر وجملة يعبد الله صفة لمن وعلى حرف حال من فاعل يعبد أي مضطربا مترجرجا وسيأتي مزيد بيان لهذا التعبير في باب البلاغة. (فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ) فإن الفاء عاطفة وإن شرطية وأصابه فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به وخير فاعل واطمأن فعل ماض في محل جزم جواب الشرط وبه متعلقان باطمأن وإن الواو عاطفة على إن الأولى وأصابته فتنة عطف على ما تقدم وانقلب جواب الشرط وعلى وجهه حال أيضا وجملة خسر
стр. 3215
الدنيا والآخرة حال أيضا من فاعل انقلب ولك أن تجعلها جملة مستأنفة أو تبدلها من جملة انقلب على وجهه، والدنيا مفعول خسر والآخرة عطف على الدنيا. (ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) ذلك مبتدأ وهو مبتدأ ثان والخسران خبر هو والجملة خبر ذلك والمبين نعت للخسران والجملة مستأنفة ولك أن تجعل هو ضمير فصل. (يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ)
يجوز أن تكون هذه الجملة حالا من فاعل يعبد ويجوز أن تكون مستأنفة ويدعو فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر تقديره هو ومن دون الله حال وما اسم موصول مفعول به ولا نافية وجملة لا يضره صلة وما لا ينفعه عطف على الجملة السابقة وذلك هو الضلال البعيد تقدم اعراب نظيرتها. (يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) الجملة بدل من جملة يدعو السابقة فهي بمثابة التكرير لها ولا محل لها، ويدعو فعل مضارع واللام للابتداء أو هي موطئة للقسم ومن اسم موصول مبتدأ وضره مبتدأ ثان وأقرب من نفعه خبر ضره وجملة ضره أقرب من نفعه صلة من، وجملة لبئس المولى خبر من ويرد على هذا الإعراب دخول لام الابتداء على الخبر وهو ضعيف من حيث القواعد النحوية إلا أن يقال أن اللام كررت للمبالغة ولك أن تجعل يدعو من أفعال القلوب متضمنة معنى يزعم لأن يزعم قول مع اعتقاد فتكون جملة لمن ضره أقرب من نفعه في محل نصب على المفعول به لأن لام الابتداء معلقة لها عن العمل أو يكون يدعو بمعنى يقول
ومن مبتدأ وضره مبتدأ ثان وأقرب خبره والجملة صلة من وخبر من محذوف تقديره إله أو إلهي وموضع الجملة نصب بالقول. وجملة لبئس مستأنفة لأنها لا يصح دخولها في الحكاية لأن الكفار لا يقولون عن أصنامهم لبئس المولى ولبئس العشير، وهناك وجه آخر مقبول وهو أن تكون اللام زائدة في المفعول به ليدعو ويؤيد
стр. 3216
هذا الوجه قراءة عبد الله يدعو من ضره بغير لام الابتداء فمن مفعول يدعو وضره مبتدأ وأقرب خبر والجملة صلة من وقد اختار الجلال السيوطي هذا الوجه ودعمه شارحوه أما الزمخشري فهذا نص عبارته:
«استعير الضلال البعيد من ضلال من أبعد في التيه ضالا فطالت وبعدت مسافة ضلالته فإن قلت: الضرر والنفع منفيان عن الأصنام مثبتان لها في الآيتين وهذا تناقض؟ قلت: إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم وذلك ان الله تعالى سفه الكافر بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا ولا نفعا وهو يعتقد فيه بجهله وضلاله أنه يستشفع به حين يستشفع به ثم قال: يوم القيامة يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها ولا يرى أثر الشفاعة التي ادعاها له «لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ» أو كرر يدعو كأنه قال يدعو يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ثم قال: «لمن ضره» بكونه معبودا أقرب من نفعه بكونه شفيعا لبئس المولى وفي حرف عبد الله من ضره بغير لام» فكأن الزمخشري ﵀ أجمل الأعاريب التي أوردناها على أن هناك أوجها عديدة سلكها المفسرون تربو على سبعة أوجه ولكنها كلها بعيدة عن المنطق نورد لك منها على سبيل المثال رأي الفراء قال: «إن التقدير يدعو من لضره ثم قدم اللام على موضعها» ولا يخفى ما فيه من التعسف وتقديم ما في صلة الذي عليها.
وثمة رأي لا يقل عن هذا غرابة وشذوذا وهو أن يكون ذلك بمعنى الذي في موضع نصب بيدعو أي يدعو الذي هو الضلال ولكنه قدم المفعول وهذا يتمشى على قول من جعل ذا مع غير الاستفهام بمعنى الذي مع انه منحصر في قولك ماذا ومن ذا؟
стр. 3217
وثمة رأي آخر أشد استحالة وهو أن يكون التقدير ذلك هو الضلال البعيد يدعوه. فذلك مبتدأ وهو مبتدأ ثان أو بدل أو ضمير فصل والضلال خبر المبتدأ ويدعوه حال والتقدير مدعوا وهو وجه يدعو على نفسه بالوهن كما ترى، وإنما أوردنا هذه الآراء لنخلص الى القول إن هذه الآية من المشكلات التي شغلت علماء النحو والتفسير ولم يأتوا فيها بما ينقع الغليل وكلام الله المعجز أسمى من أن تطاله القواعد التي وضعها الإنسان.
وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والمولى فاعل والمخصوص بالذم محذوف تقديره هو، ولبئس العشير معطوف على قوله لبئس المولى.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٤ الى ١٧]
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤) مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)
стр. 3218
اللغة:
(الْمَجُوسَ) : أطلق المجوس على فئة من الكهّان كان لهم الدور الخطير في الديانة الايرانية القديمة ولا سيما في العهد الساساني وقد أطلق الاسم على فئات من المنجمين والعلماء، وجاء ذكر المجوس في إنجيل متى، كانوا من رجال علم الفلك وقد استناروا بوحي خاص عن مجيء المسيح أتوا من منطقة لم تبعد عن فلسطين شرفا على ما يظن يهديهم نجم في السماء الى أن وصلوا الى بيت لحم وقدموا للمسيح الطفل هداياهم وقد ذكر التقليد الشعبي أنهم كانوا ثلاثة ومن سلالة ملوكية، وأطلق العرب المجوس على قرصان النورمان والسكندينافيين الذين حاولوا في القرون الوسطى اقتحام السواحل والحدود في بلاد الغرب الاسلامي، هذا وقد اختلف أهل العلم في المجوس فقيل هم قوم يعبدون النار وقيل الشمس وقيل هم القائلون بأن للعالم أصلين النور والظلمة، وقيل: هم قوم يستعملون النجاسات والأصل نجوس فأبدلت الميم نونا، هذا وقد تقدم تفسير ألفاظ هذه الآية إلا المجوس.
الإعراب:
(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) ان واسمها وجملة يدخل خبر والذين مفعول به وجملة عملوا الصالحات عطف على آمنوا والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير مصير المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وجنات مفعول به ثان على السعة أو نصب بنزع الخافض وجملة تجري من تحتها الأنهار صفة لجنات وجملة إن الله يفعل ما يريد مستأنفة لتعليل ما تقدم وان
стр. 3219
واسمها وجملة يفعل خبر وفاعل يفعل مستتر تقديره هو وما مفعول به وجملة يريد صلة. (مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) من شرطية مبتدأ أو موصولة فتكون الفاء فيما بعد رابطة للتشبيه بالشرط والأول أرجح، وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر يعود على من وجملة يظن خبر وفاعل يظن مستتر يعود على من وأن مخففة من الثقيلة واسمها محذوف ضمير الشأن وجملة لن ينصره الله خبرها وان وما بعدها سدت مسد مفعولي يظن وفي الدنيا متعلقان بينصره والآخرة عطف على الدنيا.
(فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ) الفاء رابطة لجواب الشرط واللام لام الأمر ويمدد فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والفاعل مستتر تقديره هو وبسبب متعلقان بيمدد والى السماء صفة لسبب والمراد بالسماء سقف البيت، ثم ليقطع عطف على فليمدد وهل حرف استفهام ويذهبن فعل مضارع مبني على الفتح وكيده مفعول به وما يغيظ فاعل يذهبن وجملة يغيظ صلة وجملة هل يذهبن في موضع نصب بينظر وسيأتي تفصيل واف لهذه الآية في باب البلاغة.
(وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ) الواو عاطفة وكذلك نعت لمصدر محذوف وأنزلناه فعل وفاعل ومفعول به وآيات حال من الهاء وبينات صفة وأن الله عطف على هاء أنزلناه والمعنى وأنزلنا أن الله يهدي من يريد هدايته ولك أن تجعل الواو للحال وأن وما في حيزها في محل رفع لمبتدأ مضمر أي والأمر أن الله يهدي من يريد وأن واسمها وجملة يهدي خبرها ومن مفعول يهدي وجملة يريد صلة من.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) ان واسمها وجملة آمنوا صلة وما بعده عطف على الذين والجملة ابتدائية. (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) إن الثانية واسمها وخبرها في محل رفع خبر ان الاولى وسيأتي السر في تصدير الجملتين
стр. 3220
بإن أو تجعل الثانية تأكيدا للأولى، ويكون قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) هو الخبر، وإن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بشهيد وشهيد خبر إن وقيل الخبر محذوف تقديره معترفون أو نحو ذلك وما ذكر تفسير له.
البلاغة:
١- الإيجاز والتمثيل:
في قوله تعالى «مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ» الى قوله «ما يغيظ» الإيجاز والتمثيل فأما الإيجاز فلأن معناه من كان يظن من حاسدي محمد ومبغضيه أن الله لن ينصره وانه يفعل شيئا مغايرا للنصر ومن كان يغيظه أن محمدا يظفر بمطلوبه ويبلغ ما هدف اليه من المثل العليا التي رسمناها له فليستقص وسعه وليستفرع جهده، فلن يكون مثله إلا مثل من يأخذ حبلا يمده الى سماء بيته فيخنق نفسه به ثم بعد ذلك كله ليعد النظر والتأمل مجددا ليرى هل ذهب نصر الله الذي يغيظه ويقض مضجعه، وهل ذهب عنه ما كان يساوره من حرقة وارتماض؟
وسمي الاختناق قطعا لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه ومنه قيل للبهر القطع والبهر تتابع النفس، وقال الجوهري في الصحاح: «وقوله تعالى: ثم ليقطع قالوا ليختنق لأن المختنق يمد السبب الى السقف ثم يقطع نفسه من الأرض حتى يختنق تقول منه: قطع الرجل أي اختنق ولبن قاطع أي حامض» قلت والعامة تستعمل هذا التعبير فيما يذهب خيره ويبلى وهو عربي فصيح. وسمي هذا الفعل كيدا لأنه وضعه موضعه إما لأنه لا يستطيع سواه ولا يملك غيره وإما على سبيل
стр. 3221
الاستهزاء وقد توسع المفسرون في هذه الآية وذهبوا بها مذاهب شتى فقالوا: «ويجوز أن يراد فليمد حبلا الى السماء المظلة وليصعد عليه ثم ليقطع الوحي» وقال آخرون «النصر هو الرزق وأن الأرزاق بيد الله لا تنال إلا بمشيئته ولا بد للعبد من الرضا بقسمته فمن ظن أن الله غير رازقه وليس به صبر ولا استسلام فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق فإن ذلك لا يقلب القسمة ولا يرده مرزوقا» وقيل غير ذلك وما ذكرناه أولى وأوفى بالمراد وهو ما يخالج كل حاسد وما يقال لكل من يعترض على ما ليس في طوقه ولا داخل في نطاق إرادته تقول له اشرب البحر، أو اقتل نفسك فليس لك حيلة في تبديل ما هو واقع راهن وارادة الله أقوى.
٢- تصدير الجملتين بان:
وفي تصدير الجملتين بإن زيادة في تأكيد الكلام وقد رمقه الشعراء في أشعارهم، قال جرير:
إن الخليفة إن الله سربله ... سربال ملك به تزجى الخواتيم
فقوله إن الله سربله خبر ان الاولى وكررها لتوكيد التوكيد وسربله كساه بالملك الشبيه بالسربال ويروى لباس ملك وقوله به أي بذلك اللباس أو الملك تزجى أي تساق الخواتيم جمع خاتم بالفتح والكسر والأصل خواتم فزيدت الباء والمراد بها عواقب الأمور الحميدة ومغابها وقال أبو حيان: «يحتمل أن خبر إن قوله به تزجى الخواتيم وجملة إن الله سربله اعتراضية» ويروى ترجى بالراء المهملة.
стр. 3222
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٨ الى ٢٢]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨) هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢)
اللغة:
(الدَّوَابُّ) : جمع دابة بتشديد الباء لأنه مشتق من الدبيب فأما من قرأ بتخفيف الباء فقد حذفها كراهية التضعيف والدابة مؤنث الدابّ ما دبّ من الحيوان أي مشى كالحية أو على اليدين والرجلين كالطفل وغلبت الدابة على ما يركب ويحمل عليه وتقع على المذكر والمؤنث والتاء فيه للوحدة وتصغير الدابة دويّبة والدباب الشديد الدبيب، والضعيف الذي يدب في المشي قال:
стр. 3223
زعمتني شيخا ولست بشيخ ... إنما الشيخ من يدبّ دبيبا
والدبابة مؤنث الدباب وسميت بها آلة كانت في الماضي تتخذ في الحصار وكانوا يدخلون في جوفها ثم تدفع في أصل الحصن فينقبونه وهم في أجوافها ثم أطلقت في العصر الحديث على سيارة مصفحة تهجم على صفوف الأعداء وترمى منها القذائف.
(الْحَمِيمُ) : الماء البالغ نهاية الحرارة واستحمّ الرجل: اغتسل واستحمّ دخل الحمام وبض حميمه أي عرقه ويقال للمستحم طابت حمّتك وحميمك وانما يطيب الغرق على المعافى ويخبث على المبتلى، فمعناه أصح الله جسمك وهو من باب الكناية وسخن الماء بالمحمّ وهو القمقم أو الرجل ومثل العالم كمثل الحمّة وهي العين الحارّة وذابوا ذوب الحمّ وهو ما اصطهرت إهالته من الألية وحمى الرجل حمّى شديدة وهو محموم، وهو حميمي وهي حميمتي أي وديدي ووديدتي وهم أحمّائي وتقول المرأة: هم أحمائي وليسوا بأحمّائي، وعرف ذلك العامة والحامّة أي الخاصة وهو مولاي الأحم أي الأخص والأحب قال:
وكفيت مولاي الأحم جريرتي ... وحبست سائمتي على ذي الخلّة
وحمّ الأمر قضي وحمّ حمامه ونزل به القدر المحموم والقضاء المحتوم.
(يُصْهَرُ) : يذاب يقال صهرت الشحم من باب قطع إذا أذبته والصهارة الألية المذابة وصهرته الشمس أذابته وفي الحديث «إن الحميم ليصب من فوق رؤوسهم فينفذ من جمجمة أحدهم حتى
стр. 3224
يخلص الى جوفه فيسلب ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان» .
(مَقامِعُ) : جمع مقمعة بكسر الميم لأنها آلة القمع يقال قمعه يقمعه من باب قطع إذا ضربه بشيء يزجره به ويذله والميقعة المطرقة وقيل: السوط وفي الأساس: «قمع خصمه قهره وأذله فاقمع وتقمع والناس على باب القاضي متقمّعون وانقمع في بيته وتقمع: جلس وحده وقمعته بالمقمع والمقمعة وبالمقامع وهي الجرزة، وتقمّعت الدواب ذبّبت عن رءوسها القمع وهي ذبّان كبار زرق من ذبان الكلأ التي تغنى الواحدة قمعة، وأنشد الجاحظ:
كأنّ مشافر النجدات منها ... إذا ما مسّها قمع الذباب
بأيدي مأتم متساعدات ... نعال السبت أو عذب الثياب
من النجد: العرق، وقال أوس:
ألم تر أن الله أرسل مزنة ... وعفر الظّباء في الكناس تقمّع
وهم يكللون الجفان بالقمع جمع قمعة وهي أعلى السنام، ومن المجاز «ويل لأقماع القول» وهم الذين يسمعون ولا يعون وفلان قمع الأخبار يتتبّعها ويتحدّث بها وتقول: ما لكم أسماع، إنما هي
стр. 3225
أقماع» وفي القاموس وشرحه «والقمع أيضا بتثليث القاف آلة توضع فوق الإناء فتصبّ فيه السوائل وجمعه أقماع» .
وللقاف مع الميم خاصة عجيبة وهي أنهما إذا اجتمعتا فاء وعينا للكلمة دلت على القهر والاذلال والغلبة تقول: قمؤ الرجل قماءة وقمأ قمأ إذا ذل وصغر في الأعين وهو صاغر قميء وأقمأ الرجل أذله، وقمحت السويق وغيره بكسر الميم واقتحمته إذا أخذته في راحتك الى فيك ومنه القمح وهو الحب الذي يطحن ويتخذ منه الخبز وشهر أقماح أشد أشهر الشتاء بردا، قال الهذلي:
فتى ما ابن الأغر إذا شتونا ... وحبّ الزاد في شهري قماح
ومن المجاز: أقمح المغلول فهو مقمح إذا لم يتركه عمود الغل الذي ينخس ذقنه أن يطأطىء رأسه «فهم مقمحون» وقمر الرجل غلبه وسلبه ماله وقمر الرجل بكسر الميم تحير بصره من الثلج وكأن القمر سمي بذلك لأنه متحير في سمائه، وقمز الشيء جمعه وأخذه بأطراف أصابعه، وقمسه في الماء غمسه وغرق في قاموس البحر: في قعره الأقصى وشبه القاموس بأعماق البحار لاشتماله على الكثير من مفردات اللغة وهو اسم لكتاب الفيروزبادي في اللغة ويطلق في زماننا على كل كتاب في اللغة فهو يرادف كلمة معجم وليس ذلك بعيدا، وقمص يقمص بكسر الميم وضمها في المضارع قماصا بالكسر كالنفار والشراد وتقامص الصبيان وبينهم مقامصة وقمص الفرس رفع يديه معا وطرحهما معا وعجن برجليه وتقمص مطاوع قمص لبس القميص ويقال على الاستعارة تقمص الولاية والإمارة وتقمصت الروح انتقلت من جسد الى جسد آخر على زعم بعضهم ومنه القميص وهو ما يلبس، وقمط الأسير جمع
следующие страницы →