Полный текст (5 784 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
الاستهزاء وقد توسع المفسرون في هذه الآية وذهبوا بها مذاهب شتى فقالوا: «ويجوز أن يراد فليمد حبلا الى السماء المظلة وليصعد عليه ثم ليقطع الوحي» وقال آخرون «النصر هو الرزق وأن الأرزاق بيد الله لا تنال إلا بمشيئته ولا بد للعبد من الرضا بقسمته فمن ظن أن الله غير رازقه وليس به صبر ولا استسلام فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق فإن ذلك لا يقلب القسمة ولا يرده مرزوقا» وقيل غير ذلك وما ذكرناه أولى وأوفى بالمراد وهو ما يخالج كل حاسد وما يقال لكل من يعترض على ما ليس في طوقه ولا داخل في نطاق إرادته تقول له اشرب البحر، أو اقتل نفسك فليس لك حيلة في تبديل ما هو واقع راهن وارادة الله أقوى.
٢- تصدير الجملتين بان:
وفي تصدير الجملتين بإن زيادة في تأكيد الكلام وقد رمقه الشعراء في أشعارهم، قال جرير:
إن الخليفة إن الله سربله ... سربال ملك به تزجى الخواتيم
فقوله إن الله سربله خبر ان الاولى وكررها لتوكيد التوكيد وسربله كساه بالملك الشبيه بالسربال ويروى لباس ملك وقوله به أي بذلك اللباس أو الملك تزجى أي تساق الخواتيم جمع خاتم بالفتح والكسر والأصل خواتم فزيدت الباء والمراد بها عواقب الأمور الحميدة ومغابها وقال أبو حيان: «يحتمل أن خبر إن قوله به تزجى الخواتيم وجملة إن الله سربله اعتراضية» ويروى ترجى بالراء المهملة.
стр. 3222
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٨ الى ٢٢]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨) هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢)
اللغة:
(الدَّوَابُّ) : جمع دابة بتشديد الباء لأنه مشتق من الدبيب فأما من قرأ بتخفيف الباء فقد حذفها كراهية التضعيف والدابة مؤنث الدابّ ما دبّ من الحيوان أي مشى كالحية أو على اليدين والرجلين كالطفل وغلبت الدابة على ما يركب ويحمل عليه وتقع على المذكر والمؤنث والتاء فيه للوحدة وتصغير الدابة دويّبة والدباب الشديد الدبيب، والضعيف الذي يدب في المشي قال:
стр. 3223
زعمتني شيخا ولست بشيخ ... إنما الشيخ من يدبّ دبيبا
والدبابة مؤنث الدباب وسميت بها آلة كانت في الماضي تتخذ في الحصار وكانوا يدخلون في جوفها ثم تدفع في أصل الحصن فينقبونه وهم في أجوافها ثم أطلقت في العصر الحديث على سيارة مصفحة تهجم على صفوف الأعداء وترمى منها القذائف.
(الْحَمِيمُ) : الماء البالغ نهاية الحرارة واستحمّ الرجل: اغتسل واستحمّ دخل الحمام وبض حميمه أي عرقه ويقال للمستحم طابت حمّتك وحميمك وانما يطيب الغرق على المعافى ويخبث على المبتلى، فمعناه أصح الله جسمك وهو من باب الكناية وسخن الماء بالمحمّ وهو القمقم أو الرجل ومثل العالم كمثل الحمّة وهي العين الحارّة وذابوا ذوب الحمّ وهو ما اصطهرت إهالته من الألية وحمى الرجل حمّى شديدة وهو محموم، وهو حميمي وهي حميمتي أي وديدي ووديدتي وهم أحمّائي وتقول المرأة: هم أحمائي وليسوا بأحمّائي، وعرف ذلك العامة والحامّة أي الخاصة وهو مولاي الأحم أي الأخص والأحب قال:
وكفيت مولاي الأحم جريرتي ... وحبست سائمتي على ذي الخلّة
وحمّ الأمر قضي وحمّ حمامه ونزل به القدر المحموم والقضاء المحتوم.
(يُصْهَرُ) : يذاب يقال صهرت الشحم من باب قطع إذا أذبته والصهارة الألية المذابة وصهرته الشمس أذابته وفي الحديث «إن الحميم ليصب من فوق رؤوسهم فينفذ من جمجمة أحدهم حتى
стр. 3224
يخلص الى جوفه فيسلب ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان» .
(مَقامِعُ) : جمع مقمعة بكسر الميم لأنها آلة القمع يقال قمعه يقمعه من باب قطع إذا ضربه بشيء يزجره به ويذله والميقعة المطرقة وقيل: السوط وفي الأساس: «قمع خصمه قهره وأذله فاقمع وتقمع والناس على باب القاضي متقمّعون وانقمع في بيته وتقمع: جلس وحده وقمعته بالمقمع والمقمعة وبالمقامع وهي الجرزة، وتقمّعت الدواب ذبّبت عن رءوسها القمع وهي ذبّان كبار زرق من ذبان الكلأ التي تغنى الواحدة قمعة، وأنشد الجاحظ:
كأنّ مشافر النجدات منها ... إذا ما مسّها قمع الذباب
بأيدي مأتم متساعدات ... نعال السبت أو عذب الثياب
من النجد: العرق، وقال أوس:
ألم تر أن الله أرسل مزنة ... وعفر الظّباء في الكناس تقمّع
وهم يكللون الجفان بالقمع جمع قمعة وهي أعلى السنام، ومن المجاز «ويل لأقماع القول» وهم الذين يسمعون ولا يعون وفلان قمع الأخبار يتتبّعها ويتحدّث بها وتقول: ما لكم أسماع، إنما هي
стр. 3225
أقماع» وفي القاموس وشرحه «والقمع أيضا بتثليث القاف آلة توضع فوق الإناء فتصبّ فيه السوائل وجمعه أقماع» .
وللقاف مع الميم خاصة عجيبة وهي أنهما إذا اجتمعتا فاء وعينا للكلمة دلت على القهر والاذلال والغلبة تقول: قمؤ الرجل قماءة وقمأ قمأ إذا ذل وصغر في الأعين وهو صاغر قميء وأقمأ الرجل أذله، وقمحت السويق وغيره بكسر الميم واقتحمته إذا أخذته في راحتك الى فيك ومنه القمح وهو الحب الذي يطحن ويتخذ منه الخبز وشهر أقماح أشد أشهر الشتاء بردا، قال الهذلي:
فتى ما ابن الأغر إذا شتونا ... وحبّ الزاد في شهري قماح
ومن المجاز: أقمح المغلول فهو مقمح إذا لم يتركه عمود الغل الذي ينخس ذقنه أن يطأطىء رأسه «فهم مقمحون» وقمر الرجل غلبه وسلبه ماله وقمر الرجل بكسر الميم تحير بصره من الثلج وكأن القمر سمي بذلك لأنه متحير في سمائه، وقمز الشيء جمعه وأخذه بأطراف أصابعه، وقمسه في الماء غمسه وغرق في قاموس البحر: في قعره الأقصى وشبه القاموس بأعماق البحار لاشتماله على الكثير من مفردات اللغة وهو اسم لكتاب الفيروزبادي في اللغة ويطلق في زماننا على كل كتاب في اللغة فهو يرادف كلمة معجم وليس ذلك بعيدا، وقمص يقمص بكسر الميم وضمها في المضارع قماصا بالكسر كالنفار والشراد وتقامص الصبيان وبينهم مقامصة وقمص الفرس رفع يديه معا وطرحهما معا وعجن برجليه وتقمص مطاوع قمص لبس القميص ويقال على الاستعارة تقمص الولاية والإمارة وتقمصت الروح انتقلت من جسد الى جسد آخر على زعم بعضهم ومنه القميص وهو ما يلبس، وقمط الأسير جمع
стр. 3226
بين يديه ورجليه بالحبل وهو القماط وقمط الصبي بقماطة وهي الخرقة التي تلف عليه في المهد والعامة تستعمله كثيرا وهو عربي فصيح والقمّاط اللص وقمط الطائر انثاه والرجل امرأته فعل بها، وقمقم ما على المائدة تتبع ما عليها وجمعه، وقمل رأسه صار ذا قمل يفلّيه، وقمّ الشيء يقمه بضم القاف استأصله وقممه جففه، والقمن بفتحتين الجدير بالأمر كأنه يغلبه ويتحكم به ويكون بلفظ واحد مع المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع ويقال: هذا المنزل لك موطن قمن أي جدير بأن تسكنه، وقمه البعير يقمه قموها رفع رأسه فلم يشرب الماء كأن شيئا غلبه وهذا من الغريب بمكان.
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) : الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم والفاعل مستتر تقديره أنت والرؤية هنا علمية وذلك لأن رؤية سجود هذه الأمور إنما تتأتى عن طريق العقل لا عن طريق البصر وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي تر وأن واسمها وجملة يسجد خبرها وله متعلقان بيسجد ومن فاعل وفي السموات ومن في الأرض متعلقان بمحذوف صلة الموصول والشمس وما بعدها عطف خاص على قوله من في السموات ومن في الأرض ونص على هذه الأمور لما ورد من أن بعضهم كان يعبدها، والسجود يشمل الملائكة والآدميين والجبال والشجر والدواب وغيرها وأفرد الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب بالذكر لشهرتها واستبعاد السجود منها.
стр. 3227
(وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ) شغلت هذه الآية المفسرين والمعربين كثيرا فمن منع استعمال المشترك في معنييه الحقيقي والمجازي لم ينظم كثيرا في المفردات المتناسقة الداخلة تحت حكم الفعل وجعله مرفوعا بفعل مضمر يدل عليه قوله يسجد أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة وذلك أن السجود المسند لغير العقلاء غير السجود المسند للعقلاء فلا يسوغ عطفه عندهم على ما قبله لاختلاف الفعل المسند إليهما في المعنى فسجود العقلاء هو الكيفية المخصوصة المعرفة وسجود غير العقلاء هو الإذعان والطاعة وأما الذين أجازوا استعمال المشترك في معنييه الحقيقي والمجازي فهم ينسقونه على ما تقدم ولهم في تبرير ذلك تأويلات ثلاثة وهي:
آ- ان المراد بالسجود هو المعنى العام المشترك بين العقلاء وغيرهم وهو الخضوع والإذعان فيكون الاشتراك معنويا.
ب- انه لا يمنع الاشتراك اللفظي وقد يشترك المجاز والحقيقة.
ج- انه يجوز الجمع بين المجاز والحقيقة وسيأتي مزيد بسط لهذا الموضوع في باب البلاغة.
ووقف فريق من المعربين موقفا ثالثا فلم يرفعوه بفعل مضمر لأن حذف فعل الفاعل غير وارد عندهم ولم ينسقوه على ما تقدم بل أعربوه مبتدأ وخبره محذوف تقديره مطيعون أو مجزيون أو مثابون أو نحو ذلك، ومن الناس صفة كثير وكثير حق عليه العذاب عطف على سابقه.
(وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ) الواو استئنافية أو عاطفة ومن شرطية في محل نصب مفعول به مقدم ليهن والله فاعل وما نافية وله خبر مقدم ومن حرف جر زائد ومكرم مجرور بمن لفظا
стр. 3228
مبتدأ مرفوع محلا وإن واسمها وجملة يفعل خبرها والجملة تعليلية.
(هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لسرد قصة المتبارزين يوم بدر وهم حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وقيل هم المختصمون من أهل الكتاب والمسلمين في دين الله وهذان مبتدأ وخصمان خبره وجملة اختصموا صفة لخصمان ولك أن تجعل الجملة خبرا وخصمان بدل من هذان وفي ربهم متعلقان باختصموا وهو على حذف مضاف أي في دينه وقال خصمان ثم جمع الفعل لأن الخصم في الأصل مصدر ولذلك يوحّد ويذكر غالبا ويجوز أن يثنى ويجمع أو الجمع مراعاة للمعنى لأن المتخاصمين كانوا فرقا شتى وطوائف كثيرة. (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ) الفاء عاطفة والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة وجملة قطعت خبر ولهم متعلقان بقطعت وثياب نائب فاعل ومن نار صفة لثياب وسيأتي تفصيل معنى الثياب هنا في باب البلاغة وجملة يصب خبر ثان لاسم الموصول أو حالية من الضمير في لهم أو تجعلها مستأنفة ويصب فعل مضارع مبني للمجهول ومن فوق رءوسهم متعلقان بيصب والحميم نائب فاعل. (يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) جملة يصهر حالية من الحميم وهو بالبناء للمجهول وبه متعلقان به وما نائب فاعل وفي بطونهم متعلقان بمحذوف صلة ما والجلود عطف على ما واختار بعضهم أن يكون الجلود مرفوعا بفعل مضمر أي وتحرق الجلود قالوا لأن الجلود لا تذاب وانما تنقبض إذا صليت بالنار فهو من باب: علفتها تبنا وماء باردا أي وسقيتها ماء لأن الماء لا يكون علفا. (وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) الواو عاطفة ولهم خبر مقدم ومقامع مبتدأ مؤخر ومن حديد صفة لمقامع واختلف في عودة الضمير في لهم فقيل يعود على الذين كفروا واللام للاستحقاق، وقيل
стр. 3229
يعود على أعوان جهنم أي الزبانية ولم يتقدم لهم ذكر ولكن سياق الكلام يدل عليه. (كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) كلما ظرف متضمن معنى الشرط وقد تقدم كثيرا وأرادوا فعل وفاعل وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول به لأرادوا ومنها متعلقان بيخرجوا ومن غم بدل من الجار والمجرور قبله بدل اشتمال لأنها تشمل عليه ويجوز أن تكون من للتعليل فتتعلق بيخرجوا أيضا أي يخرجوا من النار من أجل الغم الذي لحق بهم وجملة أعيدوا لا محل لها لأنها جواب كلما وفيها متعلقان بأعيدوا والواو حرف عطف والمعطوف محذوف تقديره وقيل لهم وجملة ذوقوا عذاب الحريق مقول القول المحذوف.
البلاغة:
١- الحقيقة والمجاز:
الحقيقة هي اللفظ الدال على موضعه الأصلي وأما المجاز فهو ما أريد به غير المعنى الموضوع في أصل اللغة كما تقدم وقد وعدناك أن نقول قولا شافيا في جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز فالواقع أن كل مجاز له حقيقة لأنه لم يصح أن يطلق عليه اسم المجاز إلا لنقله عن حقيقة موضوعة له، وبديه أن المخلوقات كلها تفتقر الى أسماء يستدل بها عليها ليعرف كل منها باسمه من أجل التفاهم الذي لا بد منه فالاسم الموضوع بإزاء المسمى هو حقيقة له فاذا نقل الى غيره صار مجازا والفرق الدقيق بينهما هو أن الحقيقة جارية على العموم في نظائر ألا ترى أنا إذا قلنا فلان «عالم» صدق على كل ذي علم بخلاف «واسأل القرية» لأنه لا يصح إلا في بعض الجمادات دون بعض إذ المراد أهل القرية
стр. 3230
لأنهم ممن يصح السؤال لهم ولا يجوز أن يقال واسأل الحجر والتراب وقد يحسن أن يقال واسأل الربع والطلل قال الأعشى:
ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل تخبرنك اليوم بيداء سماق
٢- الاستعارة التمثيلية في قطعت لهم ثياب:
في قوله تعالى: «قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ» استعارة تمثيلية جعل تقطيع الثياب وتفصيلها على قدود الكفار بمثابة الإحاطة بهم مع التهكم الذي ينطوي عليه أي أنها تشتملهم وتحتويهم كما تشتمل الثياب لابسها وتحتويه أما الروعة فهي كامنة في قوله «يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ» وهو ما يسمى بالارداف فإن الثياب تشمل جميع الجسد غير الرأس، أفرد الرؤوس بالذكر بقوله: يصب.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢٣ الى ٢٥]
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥)
стр. 3231
الإعراب:
(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) تقدم إعراب نظيرها فجدد به عهدا. (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ) يحلون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفيها متعلقان بيحلون ومن أساور اضطربت أقوال المعربين فيها كما استشهد بها جميع النحويين على مجيء من لبيان الجنس وهي قوله من ذهب وعلامتها أن يصح الإخبار بما بعدها عما قبلها فتقول الأساور هي من ذهب، ومن البيانية ومجرورها في موضع نصب على الحال مما قبلها إن كان معرفة كقوله تعالى «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ» وفي موضع النعت كقوله من ذهب، ولم أر بينهم جميعا من تعرض لإعراب من أساور إلا بقول مبهم لا يبل أواما ولا يشفي غليلا ولعل أقرب ما أراه فيها أن تكون نعتا لمفعول محذوف أي حليا ناشئا من أساور كائنة من ذهب، واكتفى ابن هشام بقوله هي للابتداء وقال أبو البقاء مثل قولنا ولم يتعرض الزمخشري لها وقال شهاب الدين الحلي «وقوله من أساور من ذهب، في من الأولى ثلاثة أوجه أحدها أنها زائدة والثاني أنها للتبعيض أي بعض أساور والثالث أنها لبيان الجنس ومن في من ذهب لابتداء الغاية وهي نعت لأساور» وقوله متهافت متدافع كما ترى.
ولؤلؤا عطف على محل من أساور لأن محلها النصب، كذا قال المعربون ولكن الزمخشري لم يرتض هذا القول فجعلها منصوبة بفعل محذوف تقديره ويؤتون لؤلؤا، وجملة يحلون حالية أو خبر ثان لإن ولباسهم الواو عاطفة ولباسهم مبتدأ وفيها حال وحرير خبر.
وفي هذا العدول عن الفعلية الى الاسمية دلالة على الديمومة حيث لم يقل ويلبسون حريرا فقد دل على أن الحرير ثيابهم المعتادة والدائمة في
стр. 3232
الجنة كما أن فيه رعاية للمحافظة على الفواصل لأنه لو قال ويلبسون حريرا لكان في آخر الفاصلة الألف في الكتابة والوقف بخلاف البقية (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ) الواو عاطفة وهدوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل والى الطيب متعلقان بهدوا ومن القول متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستكن في الطيب وهدوا الى صراط الحميد عطف على الجملة السابقة أي الى طريق الله المحمود ودينه القويم. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) إن واسمها وجملة كفروا صلة والجملة مستأنفة ويصدون الواو حرف عطف ويصدون عطف على كفروا وفي عطفه على الماضي تأويلات أولها أن لا يقصد بالمضارع الدلالة على زمن معين من حال أو استقبال وإنما يراد به مجرد الاستمرار ومثله «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ» أو انه مؤول بالماضي لعطفه على الماضي أو انه على بابه وان الماضي قبله مؤول بالمستقبل وقد أجاز أبو البقاء وغيره أن تكون الواو حالية والجملة في محل نصب على الحال من فاعل كفروا وهو قول متهافت لأنه مضارع مثبت وما كان كذلك لا تدخل عليه الواو وما ورد منه على قلته مؤول فلا يسوغ حمل القرآن عليه وعن سبيل الله متعلقان بيصدون والمسجد الحرام عطف على سبيل الله والذي صفة ثانية للمسجد وجملة جعلناه صلة ونا فاعل والهاء مفعول به أول وللناس حال لأنه كان صفة وتقدم، وسواء مفعول به ثان ان كانت جعل متعدية لاثنين وان كانت متعدية لواحد أعربت سواء حالا من هاء جعلناه والعاكف فاعل سواء لأنه مصدر وصف فهو في قوة اسم الفاعل المشتق أي بمعنى مستو أي جعلناه مستويا فيه العاكف أي المقيم، والباد بحذف الياء تبعا لرسم المصحف معطوف على العاكف ومعناه الطارئ، وقد انفرد حفص بقراءة النصب في سواء والجمهور على رفعها على انه
стр. 3233
خبر مقدم والعاكف والباد مبتدأ مؤخر والجملة في محل نصب مفعول به ثان أو حال وخبر إن محذوف تقديره خسروا أو هلكوا أو نحو ذلك وقدره الزمخشري نذيقهم من عذاب أليم واعترض عليه بأنه يكون بعد المسجد الحرام وفيه فصل بين الصفة والموصوف. (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) الواو عاطفة ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويرد فعل الشرط وفيه متعلقان بيرد ومفعول يرد محذوف ليتناول كل ما يمكن تناوله وبإلحاد حال وبظلم حال أيضا فهما حالان مترادفتان كأنه قال ومن يرد فيه مرادا عادلا عن القصد ظالما وهذا أولى من تقدير زيادة الباء في إلحاد وجعله هو المفعول، قال أبو عبيدة: «مفعول يرد هو بإلحاد والباء زائدة في المفعول قال الأعشى: ضمنت برزق عيالنا أرماحنا أي رزق» وقال أبو حيان: «والأحسن أن يضمن معنى يرد يلتبس فيتعدى بالباء» ونذقه جواب الشرط والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به ومن عذاب متعلقان بنذقه وأليم صفة وقدر أبو حيان الخبر مستنتجا من قوله نذقه، وهو إعراب تفسيري لا صناعي فالأولى أن يقدر تقديرا أي نذيقهم عذابا أليما.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢٦ الى ٢٩]
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)
стр. 3234
اللغة:
(رِجالًا) : مشاة جمع راجل كقائم وقيام يقال رجل يرجل بفتح الجيم رجلا بفتحتين: سار على رجليه لا راكبا، ويقال هذا رجل أي كامل في الرجال بين الرّجولية والرّجولية وهذا أرجل الرجلين وهو راجل ورجل بين الرّجلة وحملك الله عن الرّجلة ومن الرّجلة وقوم رجّال ورجال ورجّالة ورجل ورجلى ورجالى وأراجيل وترجلوا في القتال نزلوا عن دوابهم للمنازلة ورآه فترجل له ورجل أرجل عظيم الرجل ورجل رجيل وذو رجلة مشّاء.
(ضامِرٍ) : في المختار ضمر الفرس من باب دخل وضمر أيضا بالضم ضمرا بوزن فقل فهو ضامر، وناقة ضامر وضامرة وتضمير الفرس أيضا أن تعلفه حتى يسمن ثم ترده الى القوت وذلك في أربعين يوما. والبعير يطلق على الجمل والناقة.
(فَجٍّ) : الفج بفتح الفاء ويجمع على فجاج بكسر الفاء والفجاج بضم الفاء: الطريق الواسع الواضح بين الجبلين.
(تَفَثَهُمْ) : أوساخهم وقضاء التفث المراد به قص الأظافر ونتف الإبط وفي المصباح: تفث تفثا فهو تفث مثل تعب تعبا فهو تعب إذا ترك الأدهان والاستحداد فعلاه الوسخ وقوله تعالى: «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ» قيل هو استباحة ما حرم عليهم بالإحرام بعد التحلل» وقال غيره: «التفث قيل أصله من التف وهو وسخ الأظفار قلبت الفاء كمعثور في معفور وقيل هو الوسخ والعذر يقال: ما نفثك؟ وحكى قطرب: تفث الرجل إذا كثر وسخه في سفره ومعنى ليقضوا ليصنعوا ما يصنعه المحرم من ازالة شعر وشعث ونحوهما عند حله» .
стр. 3235
الإعراب:
(وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً) الواو استئنافية والظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر وجملة بوأنا مضافة إليها الظرف وبوأنا فعل وفاعل ولابراهيم متعلقان ببوأنا ومكان البيت مفعول بوأنا واختار أبو البقاء وغيره أن تكون اللام زائدة أي أنزلناه مكان البيت والدليل عليه قوله تعالى «وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ» اما على الاول فيكون معنى بوأنا هيأنا وان هي المفسرة لأنها واقعة بعد قول مقدر أي قائلين له لا تشرك ولا ناهية وتشرك فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وقيل هي مصدرية فعلنا ذلك لئلا تشرك وجعل النهي صلة لها وبي متعلقان بتشرك وشيئا مفعول تشرك، وعبارة أبي حيان: وأن مخففة من الثقيلة قاله ابن عطية والأصل أن يليها فعل تحقيق أو ترجيح كحالها إذا كانت مشددة أو حرف تفسير قاله الزمخشري وابن عطية وشرطها أن يتقدمها جملة في معنى القول وبوأنا ليس فيه معنى القول والأولى عندي أن تكون أن الناصبة للمضارع إذ يليها الفعل المتصرف من ماض ومضارع وأمر والنهي كالأمر. (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) وطهر الواو عاطفة وطهر فعل أمر فاعله مستتر تقديره أنت وبيتي مفعول طهر وللطائفين متعلق بطهر والقائمين والركع عطف على ما تقدم والسجود صفة للركع والأولى أن تجعل الكلمتين بمثابة الكلمة الواحدة لأنهما عملان في عمل واحد وهو الصلاة. (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) وأذن فعل أمر أي ناد بدعوة الحج والأمر به والخطاب لابراهيم كما يقتضيه السياق وعليه المفسرون جميعا وعن الحسن انه خطاب لرسول الله ﷺ أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع
стр. 3236
وهو أقوى من جهة التشريع، وفي الناس متعلقان بأذن وبالحج متعلقان بمحذوف حال أي معلنا ويأتوك مضارع مجزوم لأنه وقع جوابا للطلب والواو فاعل والكاف مفعول به ورجالا حال وعلى كل ضامر عطف على رجالا أي مشاة وركبانا ويأتين فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة والنون فاعل وجملة يأتين صفة لكل ضامر لأنه في معنى الجمع وقرىء يأتون صفة للرجال والركبان ومن كل فج متعلقان بيأتين وعميق صفة لفج. (لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ) اللام للتعليل ويشهدوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعدها وهي متعلقة مع مجرورها بيأتوك أو بأذّن ومنافع مفعول به ولهم صفة لمنافع ويذكروا عطف على يشهدوا والواو فاعل واسم الله مفعول به وفي أيام متعلقان بيذكروا ومعلومات صفة لأيام وسيأتي ذكر هذه الأيام في باب الفوائد. (عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ) على ما رزقهم متعلقان بيذكروا أيضا ومعنى على هنا التعليل ومثله قوله تعالى «وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ» وقول الشاعر:
علام تقول الرمح يثقل عاتقي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
ومن بهيمة الأنعام متعلقان برزقهم، فكلوا الفاء الفصيحة وكلوا فعل أمر وفاعل ومنها متعلقان بكلوا وأطعموا عطف على كلوا والبائس مفعول به والفقير صفة. (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) ثم حرف عطف واللام لام الأمر وسيأتي بحث مفيد عنها في باب الفوائد ويقضوا مضارع مجزوم بلام الأمر وتفثهم مفعول به وليوفوا نذورهم عطف على يقضوا تفثهم وليطوفوا بالبيت العتيق عطف أيضا وبالبيت متعلقان بيطوفوا والعتيق صفة للبيت وسيأتي السر في تسميته بالعتيق في باب الفوائد.
стр. 3237
الفوائد:
١- لام الأمر:
لام الأمر ويسميها النجاة اللام الطلبية سواء أكانت أمر أم دعاء فالأول نحو «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ» والثاني نحو «لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ» وتكون للالتماس، فالأمر من الأعلى والدعاء من الأدنى والالتماس من المساوي، ولام الأمر مكسورة إلا إذا وقعت بعد الواو والفاء فالاكثر تسكينها نحو «فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي» وقد تسكن بعد ثم، وتدخل لام الأمر على فعل الغائب معلوما ومجهولا وعلى المخاطب والمتكلم المجهولين.
٢-لماذا سمي البيت العتيق:
اختلف المفسرون في هذه التسمية فرجح الزمخشري انه القديم لأنه أول بيت وضع للناس، وقال ابن عباس: سمي عتيقا لأن الله أعتقه من تسلط الجبابرة عليه فكم من جبار سار اليه ليهدمه فمنعه الله، وقال الزمخشري في تأييد هذا الوجه «فإن قلت: قد تسلط عليه الحجاج فلم يمنع؟ قلت: ما قصد التسلّط على البيت وانما تحصن به ابن الزبير فاحتال لاخراجه ثم بناه ولما قصد التسلط عليه أبرهة فعل به ما فعل» كما سيأتي، وقيل بيت كريم من قولهم عتاق الخيل والطير.
стр. 3238
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٠ الى ٣٣]
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)
اللغة:
(حُرُماتِ اللَّهِ) : الحرمات بضمتين ويقال في الجمع أيضا حرمات بضم ففتح وحرم بضم ففتح جمع حرمة بضم فسكون وحرمة بضمتين وحرمة بضم ففتح وهي الذمة والمهابة وما وجب القيام به من حقوق الله وحرم التفريط به ومالا يحل انتهاكه وتفاصيل الحرمات تؤخذ من كتب الفقه.
(الرِّجْسَ) : بتشديد الراء المكسورة وسكون الجيم والرّجس بتشديد الراء المفتوحة وفتح الجيم والرجس بتشديد الراء المفتوحة وكسر الجيم: القذر والأوساخ وسمى الأوثان رجسا على طريق التشبيه لأنها قذر معنوي.
(الزُّورِ) : الشرك بالله والباطل والكذب ومن معانيه أيضا العقل والقوة يقال ماله زور ولا صيّور أي لا قوة له ولا مرجع اليه والرأي والسيد والزعيم ولذة الطعام وطيبه ولين الثوب ونقاؤه ومجلس الغناء وهو من الزور أو هو الازورار وهو الانحراف وفي الأساس «وكلمة زوراء دنية معوجة ومنارة زوراء: مائلة عن السمت ورمى بالزوراء: بالقوس
стр. 3239
وفلاة زوراء وهو أزور عن مقام الذل وتقول: قوم عن مواقف الحق زور، فعلهم رياء وقولهم زور، وما لكم تعبدون الزور وهو كل ما عبد من دون الله وأنا أزيركم ثنائي وأزرتكم قصائدي» هذا وقد نظم بعضهم معاني هذه المادة بالأبيات التالية:
الصّدر والزائر فهو زور ... وكلّ زوار النساء زير
في جمع أزور يقال زور ... أعني به ذا ميل في الصدر
زيارة أي مرة فزوره ... وهيئة الزيارة ادع زيره
وقطعة الكتان أما الزّوره ... فموضع ذو شجر وطين
وسميت بغداد بالزوراء لانحراف قبلتها قال الطغرائي:
فيم الإقامة بالزوراء لا سكني ... بها ولا ناقتي فيها ولا جملي
(فَتَخْطَفُهُ) : في القاموس: خطف يخطف من باب تعب خطفا الشيء استلبه بسرعة وخطف البرق البصر ذهب به بسرعة.
(سَحِيقٍ) : بعيد أي فهو لا يرجى خلاصه.
(شَعائِرَ اللَّهِ) : جمع شعيرة أو شعارة بالكسر وفي المصباح:
«والشعائر أعلام الحج وأفعاله الواحدة شعيرة أو شعارة بالكسر والمشاعر مواضع المناسك» .
الإعراب:
(ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) ذلك قال الزمخشري: «خبر مبتدأ محذوف أي الأمر والشأن ذلك كما يقدم
стр. 3240
الكاتب جملة من كتابه في بعض المعاني ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال: هذا وقد كان كذا» ومعنى هذا انه يذكر للفصل بين كلامين أو بين وجهي كلام واحد، وقيل مبتدأ محذوف الخبر أي ذلك الأمر الذي ذكرته وقيل في موضع نصب تقديره امتثلوا ذلك ونظير هذه الاشارة البليغة قول زهير في وصف هرم بن سنان:
هذا وليس كمن يعيا بخطبته ... وسط النديّ إذا ما ناطق نطقا
وكان وصفه قبل هذا بالكرم والشجاعة ثم وصفه في هذا البيت بالبلاغة فكأنه قال: هذا خلقه وليس كمن يعيا بخطبته.
والواو استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويعظم فعل الشرط وفاعله مستتر يعود على من وحرمات الله مفعول به والفاء رابطة وهو مبتدأ وخير خبر وله متعلقان بخير والجملة في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من وعند ربه الظرف متعلق بمحذوف حال. (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ) الواو عاطفة وأحلت فعل ماض مبني للمجهول ولكم متعلقان بأحلت والأنعام نائب فاعل وإلا أداة استثناء وما يستثنى يجوز فيه الاتصال والانقطاع وقد تقدم اعراب هذه الآية وما استثناه الله في كتابه فالانقطاع على انه ذكر في آية المائدة ما ليس من جنس الأنعام كالدم ولحم الخنزير والاتصال على صرفه الى ما يحرم من الأنعام بسبب عارض كالموت ونحوه وجملة يتلى صلة ونائب الفاعل ضمير مستتر وعليكم متعلقان بيتلى. (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) الفاء تفريع على قوله ومن يعظم حرمات الله، واجتنبوا الرجس فعل أمر وفاعل ومفعول به ومن الأوثان بيان للرجس فهو في محل نصب على الحال واختار الزمخشري أن يكون
стр. 3241
تمييزا ومثل لذلك بقولك: عندي عشرون من الدراهم لأن الرجس منهم يتناول غير شيء كأنه قيل فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وليس قوله ببعيد واجتنبوا قول الزور عطف على ما تقدم. (حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) حنفاء لله حال مؤسسة من ضمير اجتنبوا وغير مشركين حال مؤكدة منه أيضا وبه متعلقان بمشركين وسيأتي بحثهما في باب الفوائد. (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ) هذه الجملة مستأنفة مسوقة لضرب المثل لمن يشرك بالله ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويشرك بالله فعل الشرط، فكأنما الفاء رابطة وكأنما كافة ومكفوفة وخر فعل ماض وفاعل مستتر ومن السماء متعلقان بخرّ، فتخطفه عطف على خرّ وإنما عدل الى المضارع لسر سيأتي في باب البلاغة ، والطير فاعل أو تهوي به الريح عطف أيضا وفي مكان متعلقان بتهوي أيضا وسحيق نعت لمكان.
(ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) ذلك خبر لمبتدأ محذوف كما تقدم ومن يعظم شعائر الله تقدم اعرابها والفاء رابطة وان واسمها ومن تقوى القلوب خبرها. (لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) لكم خبر مقدم وفيها حال ومنافع مبتدأ مؤخر والى أجل صفة لمنافع ومسمى صفة لأجل ثم حرف عطف ومحلها مبتدأ وهو اسم مكان من حل يحل أي صار حلالا والى البيت خبر والعتيق صفة.
البلاغة:
١- التشبيه المركب والتمثيلي وقد تقدم انه ما كان وجه الشبه فيه صورة منتزعة من متعدد وبيان ذلك انه لما انقسمت حال الكافر الى قسمين لا مزيد عليهما الاول منهما المتذبذب الشاكّ المتمادي
стр. 3242
على الشك وعدم التصميم على ضلالة واحدة فهذا القسم من المشركين شبه بمن اختطفته الطير وتوزعته فلا يستولي طائر على مزعة منه إلا انتهبها منه آخر وذلك حال المذبذب لا يلوح له خيال إلا اتبعه ونزل عما كان عليه والثاني مشرك مصمم على معتقد باطل لو نشر بالمناشير لم يتراجع عن تصميمه لا سبيل الى تشكيكه ولا مطمع في نقله عما هو عليه فهو فرح مبتهج لضلالته فهذا مشبه في إقراره على كفره باستقرار من هوت به الريح الى واد سحيق سافل فاستقر فيه ونظير تشبيهه بالاستقرار في الوادي السحيق الذي هو أبعد ما يكون عن السماء.
وأجاز الزمخشري أن يكون هذا التشبيه من المركب والمفرق قال «فإن كان تشبيها مركبا فكأنه قال من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده نهاية بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق مزعا في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة وان كان مفرقا فقد شبه الايمان في علوه بالسماء والذي ترك الايمان وأشرك بالله بالساقط من السماء والأهواء التي تتوزّع أفكاره بالطير المتخطفة والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصف به في بعض المهاوي المتلفة» .
وكلام الزمخشري فيه نظر لأن التشبيه التمثيلي ما في ذلك شك ولا مساغ لجعله مفرقا.
٢- العدول الى لفظ المضارع:
سياق الكلام يقتضي أن يعطف فتخطفه على مضارع مع أنه في الآية معطوف على خر وهو ماض، وإنما عدل عن ذلك لتصوير الواقع والتقدير فهي تخطفه فيكون من عطف الجملة على
стр. 3243
الجملة ولكنه آثر المخالفة لاستحضار الصورة الغريبة التي تصوره مزعا في حواصل الطير.
الفوائد:
١- الحال إما مؤسسة وإما مؤكدة فالمؤسسة هي التي لا يستفاد معناها بدونها نحو جاء خالد راكبا، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع، والمؤكدة هي التي يستفاد معناها بدونها وانما يؤتى بها للتوكيد، وهذه أنواع ثلاثة:
آ- ما يؤتى بها لتوكيد عاملها وهي التي توافقه معنى فقط أو معنى ولفظا فالأول نحو «تبسم ضاحكا» ومنه قوله تعالى «وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» والثاني كقوله تعالى: «وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا» وقول الشاعر:
أصخ مصيخا لمن أبدى نصيحته ... والزم توقي خلط الجد باللعب
ب- ما يؤتى بها لتوكيد صاحبها كقوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً» .
ج- ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين نحو: هو الحق بينا أو صريحا، وقول الشاعر:
أنا ابن دارة معروفا بها نسبي ... وهل بدارة يا للناس من عار
٢-لماذا أنث الضمير في فإنها:
في قوله تعالى: «وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ»
стр. 3244
سؤال مهم وهو لماذا أنث الضمير؟ وعلى أي شيء يعود؟ والجواب لا يستقيم إلا بتقدير مضافات محذوفة ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأن الضمير يعود على الشعائر أي فإن تعظيمها من أفعال تقوى القلوب والعائد على من محذوف أي منه ويجوز أن الضمير ضمير مصدر مؤنث تقديره فإن العظمة أو الحرمة أو الخصلة.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٤ الى ٣٨]
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)
стр. 3245
اللغة:
(مَنْسَكاً) : بفتح السين وكسرها فالفتح على أنها مصدر ميمي والكسر على أنها اسم مكان وفي المصباح نسك لله ينسك من باب قتل تطوع بقربة والنسك بضمتين اسم منه وفي التنزيل: «إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي» والمنسك بفتح السين وكسرها يكون زمانا ومصدرا ويكون اسم المكان الذي تذبح فيه النسيكة وهي الذبيحة وزنا ومعنى، ومناسك الحج عباداته وقيل مواضع العبادات ومن فعل كذا فعليه نسك أي دم يريقه، ونسك تزهد وتعبد فهو ناسك والجمع نساك مثل عابد وعباد» وفي القاموس: «المنسك بفتح السين المكان المألوف والمنسك بالفتح أيضا مصدر نسك والمنسك بالكسر شرعة النسك وموضع تذبح فيه النسيكة» .
(الْمُخْبِتِينَ) : المطيعين المتواضعين والإخبات نزول الخبت وهو المكان المنخفض وسيأتي في باب البلاغة بحث قيم حول هذا الوصف.
(الْبُدْنَ) : بضم الباء جمع بدنة سميت بذلك لعظم بدنها وهي خاصة بالإبل كما قال الأزهري أو هي تشمل الإبل والبقر كما قال صاحب الصحاح قال القسطلاني: «البدن عند الشافعي خاصة بالإبل وعند أبي حنيفة من الإبل والبقر فكلام الشافعية موافق لكلام الأزهري وكلام الحنفية موافق لكلام الصحاح» .
(صَوافَّ) : قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن وقرىء صوافن من صفون الفرس وهو أن يقوم على ثلاث وينصب الرابعة على طرف سنبكه لأن البدنة تعقل احدى يديها.
стр. 3246
(وَجَبَتْ جُنُوبُها) : وجوب الجنوب وقوعها على الأرض من وجب الحائط وجبة إذا سقط ووجبت الشمس وجبة غربت قال أبو تمام:
فالشمس طالعة من ذا وقد غربت ... والشمس واجبة من ذا ولم تجب
(الْقانِعَ) : السائل المتذلل والخارج من مكان الى مكان وخادم القوم وأجيرهم والجمع قانعون وقنّع أو بمعنى القنع أي الراضي بما قسم له يقال قنع يقنع من باب تعب تعبا قنعا وقناعة وقنعانا:
رضي بما قسم له يقال قنع يقنع من باب تعب تعبا: قنعا وقناعة وقنعانا:
رضي بما قسم له وقنع يقنع من باب فتح قنوعا: سأل وتذلل وفي الأساس واللسان: «العز في القناعة والذل في القنوع وهو السؤال وفلان قنع بالمعيشة وقنيع وقنوع وقانع، أنشد الكسائي:
فإن ملكت كفاك قوطا فكن به ... قنيعا فإن المتقي الله قانع
وقنع بالشيء واقتنع وتقنّع، وأقنعك الله بما أعطاك، وفلان حريص ما يقنعه شيء وبيت شوقي المشهور:
شباب قنع لا خير فيهم ... وبورك بالشباب الطامحينا
يدل على ضلاعته باللغة وتمكنه منها.
(الْمُعْتَرَّ) : المعترض بسؤال وعرّه وعرّاه بمعنى واحد وقيل القانع السائل والمعتر المعترض من غير سؤال وقال قوم بالعكس وفي المصباح: «المعتر الضيف الزائر والمعتر: المعترض للسؤال من غير طلب يقال عره واعتره وعراه واعتراه إذا تعرض للمعروف من غير مسألة»
стр. 3247
وفي القاموس «والمعتر الفقير والمعترض للمعروف من غير أن يسأل عرّه، عرّا واعتره وبه» وفي الأساس واللسان: «وعن عائشة ﵂: مال اليتيم عرة لا أدخله في مالي ولا أخلطه به» . ولا تفعل هذا لا تصبك منه معرّة وفي الحديث «كلما تعاررت ذكرت الله» وكان سلمان ﵁ إذا تعارّ في الليل قال: سبحان رب النبيين وإله المرسلين، وهو أن يهب من النوم مع كلام من عرار الظليم وهو صياحه و «أطعموا القانع والمعتر» أي المعترض بسؤاله» .
الإعراب:
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير التشريع الخاص بكل أمة ونوع التعبد الذي يتقربون به الى الله ولكل أمة متعلقان بمحذوف مفعول جعلنا الثاني المقدم وجعلنا فعل وفاعل ومنسكا مفعول جعلنا الأول وليذكروا اللام للتعليل ويذكروا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بجعلنا واسم الله مفعول به وعلى ما رزقهم متعلقان بيذكروا وجملة رزقهم صلة ومن بهيمة الأنعام متعلقان برزقهم. (فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) الفاء الفصيحة وإلهكم مبتدأ وإله خبره وواحد صفة فله الفاء عاطفة وله متعلقان بأسلموا وأسلموا فعل أمر وفاعل وبشر الواو عاطفة وبشر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والمخبتين مفعول به.
(الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) الذين نعت للمخبتين أو بدل منه وإذا
стр. 3248
ظرف لما يستقبل من الزمن خافض لشرطه منصوب بجوابه وجملة ذكر الله مضاف إليها وجملة وجلت قلوبهم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وإذا وفعلها وجوابها لا محل لها لأنها صلة والصابرين عطف على الذين وعلى ما متعلقان بالصابرين وجملة أصابهم صلة للموصول والمقيمي الصلاة عطف أيضا وحذفت النون للاضافة ومما متعلقان بينفقون وجملة رزقناهم صلة وجملة ينفقون صلة أيضا. (وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ) الواو عاطفة والبدن مفعول لفعل محذوف فهي منصوبة على الاشتغال أي وجعلنا البدن، وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به ولكم متعلقان بجعلناها ومن شعائر الله مفعول به ثان لجعلناها التي هي بمعنى التصيير. (لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ) لكم خبر مقدم وفيها حال وخير مبتدأ مؤخر والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها ويجوز جعلها حالا من الهاء في جعلناها، فاذكروا الفاء الفصيحة واذكروا فعل أمر وفاعل واسم الله مفعول به وعليها متعلقان باذكروا وصواف حال من الهاء أي بعضها الى جنب بعض.
(فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل وجملة وجبت جنوبها مضافة الى الظرف والفاء رابطة لجواب إذا وجملة كلوا منها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وأطعموا القانع والمعتر عطف على جملة كلوا منها. (كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) كذلك الكاف نعت لمصدر محذوف أي سخرها تسخيرا مثل ذلك التسخير وسخرناها فعل وفاعل ومفعول به والجملة حال ولكم متعلقان بسخرناها ولعل واسمها وجملة تشكرون خبرها والجملة في محل نصب على الحال من الكاف في لكم.
(لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ) لن حرف
стр. 3249
نفي ونصب واستقبال وينال فعل مضارع منصوب بلن ولفظ الجلالة مفعول به مقدم ولحومها فاعل ينال ولا دماؤها عطف على لحومها والمعنى لن تبلغ مرضاته ولن تقع منه موقع القبول والمراد أصحاب اللحوم والدماء قال أبو حيان في البحر: «أراد المسلمون أن يفعلوا فعل المشركين من الذبح وتشريح اللحم منصوبا حول الكعبة وتضميخ الكعبة بالدم تقربا الى الله تعالى فنزلت هذه الآية» ولكن الواو عاطفة ولكن حرف استدراك مهمل لأنه مخفف ويناله فعل مضارع ومفعول به والتقوى فاعل ومنكم حال من التقوى أي يرفع إليه منكم العمل الصالح الخالص له مع الايمان. (كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) الكاف نعت لمصدر محذوف وقد تقدمت نظائره وسخرها فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به ولكم متعلقان بسخرها ولتكبروا اللام للتعليل وتكبروا منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل واللام وما في حيزها متعلقة بسخرها وتكبروا فعل مضارع وفاعل ولفظ الجلالة مفعول به، على ما هداكم: ما مصدرية أو موصولة أي على هدايته إياكم أو على ما هداكم اليه وعلى متعلقة بتكبروا لتضمينه معنى الشكر وبشر الواو استئنافية وبشر فعل أمر وفاعل مستتر والمؤمنين مفعول به. (إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)
جملة مستأنفة مسوقة لتأكيد البشرى للمؤمنين بالنصر المحتوم وإن الله ان واسمها وجملة يدافع خبر وعن الذين متعلقان بيدافع وجملة آمنوا صلة ومفعول يدافع محذوف تقديره: عوادي المشركين وغوائلهم، وجملة إن الذين تعليل للجملة السابقة وان واسمها وجملة لا يحب خبرها وكل خوان مفعول به وكفور صفة لخوان.
стр. 3250
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٩ الى ٤١]
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)
اللغة:
(صَوامِعُ) : الصوامع جمع صومعة وصومع وهو جبل أو مكان مرتفع يسكنه الراهب أو المتعبد قصد الانفراد ثم أطلقت الكلمة على الدير، والصومعة أيضا: العقاب والبرنس وأعلى كل جبل إذا كان مستدقّ الرأس.
(بِيَعٌ) : جمع بيعة بكسر الباء المعبد للنصارى واليهود والجمع بيع وبيعات بكسر الباء وفتح الياء وبيعات بكسر الباء وسكون الياء.
(وَصَلَواتٌ) : بفتح الصاد واللام جمع صلاة وسميت الكنيسة صلاة لأنه يصلّى فيها وقيل هي كلمة معربة أصلها بالعبرية صلوثا بفتح الصاد والثاء المثلثة كما في الخفاجي على البيضاوي قال: وبه قرىء في الشواذ ومعناه في لغتهم المصلى فلا يكون مجازا.
стр. 3251
الإعراب:
(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) الجملة مستأنفة مسوقة للإذن بقتال المشركين، كان المؤمنون يأتون رسول الله ﷺ من بين مضروب ومشجوج يشكون فيقول لهم اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال حتى هاجر فنزلت هذه الآية وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهي عنه في نيف وسبعين آية.
وأذن فعل ماضي مبني للمجهول والمأذون فيه محذوف للعلم به أي أذن للذين يقاتلون في القتال وللذين متعلقان بأذن وجملة يقاتلون صلة ويقاتلون مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وبأنهم متعلقان بأذن أيضا والباء للسببية أي بسبب ظلمهم وجملة ظلموا خبر أنهم وإن الله على نصرهم لقدير الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للوعد لهم بالنصر على طريق الرمز والكناية، وان واسمها وقدير خبرها واللام المزحلقة وعلى نصرهم متعلقان بقدير. (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) الذين نعت أو بدل من الموصول الأول، ولك أن ترفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف تنويها بقدرهم ورفعا لشأنهم، وجملة أخرجوا صلة والواو نائب فاعل ومن ديارهم متعلقان بأخرجوا وبغير حق حال وإلا أداة استثناء وأن يقولوا المصدر المؤول مستثنى منقطع في محل نصب واختار الزمخشري وغيره أن يكون الاستثناء مفرغا لوجود النفي بغير فإلا أداة حصر وان يقولوا في محل جر على الابدال من حق أي بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين لا موجب الإخراج والتسيير ومثله «هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ» وربنا مبتدأ والله خبر والجملة في محل نصب مقول القول. (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً) الواو استئنافية ولولا
стр. 3252
حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط ودفع الله مبتدأ محذوف الخبر وجوبا والناس مفعول به لدفع لأنه مصدر مضاف الى فاعله وهو الله والمعنى ولولا أن دفع الله الناس بعضهم ببعض لغلب المفسدون وتعطلت المصالح ويقل عمله عكسه وهو أن يضاف المصدر الى مفعوله ثم يأتي فاعله مرفوعا كقول الاقيشر الاسدي:
أفنى تلادي وما جمعت من نشب ... قرع القواقيز أفواه الأباريق
فقرع بالقاف والعين المهملة مرفوع على الفاعلية بأفنى وهو مصدر مضاف الى مفعوله وهو القواقيز بقافين وزاي معجمة: أقداح يشرب بها الخمر واحدها قاقوزة بزاءين معجمتين فجمعها قوازيز، وأفواه فاعل المصدر وهو جمع فم وأصله فوه فلذلك ردت في الجمع على أنه روي البيت بنصب الأفواه فيكون من القسم الأول.
وبعضهم بدل بعض من الناس وببعض متعلق بدفع واللام واقعة في جواب لولا وهدمت فعل ماض مبني للمجهول وصوامع نائب فاعل وبيع وصلوات ومساجد عطف على صوامع وأخر ذكر المساجد لأن الصوامع والبيع والكنائس أقدم منها في الوجود وجملة يذكر صفة للمواضع المذكورة وفيها متعلقان بيذكر واسم الله نائب فاعل وكثيرا صفة لمصدر محذوف أي ذكرا كثيرا أو صفة لظرف محذوف أي وقتا كثيرا. (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) الواو استئنافية واللام موطئة للقسم وينصرن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. والله فاعل ومن موصول مفعول به وجملة ينصره صلة وجملة ان وما بعدها تأكيد لتعليل النصر والله اسمها واللام المزحلقة وقوي خبرها الأول وعزيز خبرها الثاني. (الَّذِينَ إِنْ
стр. 3253
مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ)
الذين بدل من الذين السابقة أو نعت ثان للذين الأولى أو خبر لمبتدأ محذوف ولك وجه آخر وهو أن تعربها بدلا من «من ينصره» ذكر هذا الوجه الزجاج قال: أي لينصرن الله الذين إن مكناهم، وإن شرطية ومكناهم فعل ماض وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط وفي الأرض متعلقان بمكناهم وأقاموا فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم جواب الشرط والصلاة مفعول به وما بعده عطف عليه. (وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ)
الواو استئنافية أو عاطفة ولله خبر مقدم وعاقبة الأمور مبتدأ مؤخر.
الفوائد:
الجهاد ذروة سنام الإسلام:
والأحاديث في الجهاد كثيرة نورد منها ما يسمو الى ذروة البلاغة جريا على نهجنا في هذا الكتاب فعن أبي هريرة ﵁: سئل رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله قيل: ثم ماذا؟ قال الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال:
حجّ مبرور» رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن خزيمة في صحيحه.
وعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج بالناس قبل غزوة تبوك فلما أن صبح صلى بالناس صلاة الصبح ثم إن الناس ركبوا فلما أن طلعت الشمس نعس الناس على إثر الدّلجة ولزم معاذ رسول الله ﷺ يتلو إثره والناس تفرقت بهم ركابهم على جوادّ الطرق تأكل وتسير فبينا معاذ على إثر رسول الله صلى
стр. 3254
الله عليه وسلم وناقته تأكل مرة وتسير أخرى عثرت ناقة معاذ فحنكها بالزمام فهبت حتى نفرت منها ناقة رسول الله ﷺ ثم ان رسول الله ﷺ كشف عنه قناعه فالتفت فإذا ليس في الجيش أدنى اليه من معاذ فناداه رسول الله ﷺ فقال:
يا معاذ فقال لبيك يا رسول الله قال: ادن دونك فدنا منا حتى لصقت راحلتاهما إحداهما بالأخرى فقال رسول الله ﷺ :
ما كنت أحسب الناس منا بمكانهم من البعد فقال معاذ: يا نبيّ الله نعس الناس فتفرقت ركابهم ترتع وتسير فقال رسول الله ﷺ : وأنا كنت ناعسا فلما رأى معاذ بشر رسول الله ﷺ وخلوته له فقال: يا رسول الله: ائذن لي أن أسألك عن كلمة أمرضتني وأسقمتني وأحزنتني فقال رسول الله ﷺ :
سل عما شئت، قال: يا نبي الله حدثني بعمل يدخلني الجنة لا أسألك عن شيء غيره؟ قال رسول الله ﷺ : بخ بخ بخ لقد سألت لعظيم ثلاثا وإنه ليسير على من أراد الله به الخير، وانه ليسير على من أراد الله به الخير وإنه ليسير على من أراد الله به الخير فلم يحدثه بشيء إلا أعاده رسول الله ﷺ ثلاث مرات حرصا لكيما يتقنه عنه فقال نبي الله ﷺ : تؤمن بالله واليوم الآخر وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتعبد الله وحده لا تشرك به شيئا حتى تموت وأنت على ذلك، قال يا رسول الله أعدلي فأعادها ثلاث مرات ثم قال نبي الله ﷺ : إن شئت يا معاذ حدثتك برأس هذا الأمر وقوام هذا الأمر وذروة السّنام؟ فقال معاذ: بلى يا رسول الله حدثني بأبي أنت وأمي فقال نبي الله ﷺ إن رأس هذا
стр. 3255
الأمر: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وإن قوام هذا الأمر: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وان ذروة السّنام منه الجهاد في سبيل الله، انما أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فاذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقّها وحسابهم على الله وقال رسول الله ﷺ والذي نفس محمد بيده ما شحب وجه ولا اغبرّت قدم في عمل تبتغى به درجات الآخرة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله ولا ثقّل ميزان عبد كدابّة تنفق في سبيل الله أو يحمل عليها في سبيل الله.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٢ الى ٤٦]
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)
стр. 3256
اللغة:
(بِئْرٍ) : في المختار: «بأر بئرا بهمزة بعد الباء حفرها ربابه قطع» والبئر فعل بمعنى مفعول كالذبح بمعنى المذبوح حفرة في الأرض عظيمة يستقى منها الماء والجمع آبار وأبآر وبئار وأبؤر وهي مؤنثة. وفي الأساس: «الفاسق من ابتأر، والفويسق من ابتهر يقال:
ابتأرت الجارية إذا قال فعلت بها وهو صادق وابتهرتها إذا قال ذلك وهو كاذب وأنشد الكميت:
قبيح بمثلي نعت الفتا ... ة إما ابتهارا وإما ابتئارا
(مُعَطَّلَةٍ) متروكة بموت أهلها مع أنها عامرة فيها الماء ومعها آلات الاستقاء.
(مَشِيدٍ) : مرتفع مجصص من شاد البناء أي رفعه ويقال شيّد وأتى به في النساء من شيّد لأنه هناك وقع بعد جمع أما هنا فقد وقع بعد مفرد فناسب التخفيف.
الإعراب:
(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتسلية النبي ﷺ وانه ليس بأوحدي في التكذيب، وإن شرطية ويكذبوك فعل الشرط والواو فاعل والكاف مفعول به، فقد الفاء رابطة للجواب لاتصاله بقد وقد حرف تحقيق وكذبت فعل ماض والتاء تاء التأنيث الساكنة والجملة في محل جزم جواب الشرط وقبلهم ظرف زمان متعلق بكذبت وقوم
стр. 3257
نوح فاعل وعاد وثمود معطوفان على قوم وأنّث القوم باعتبار معنى الأمة أو القبيلة ولم يقل قوم عاد وثمود استغناء بشهرتهما بهذين الاسمين. (وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ) عطف على ما تقدم.
(وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ) وأصحاب مدين عطف وعدل عن قوم شعيب لأن أصحاب مدين أعرق من أصحاب الأيكة في التكذيب فلذلك خصهم بالذكر، وكذب فعل ماض مبني للمجهول وموسى نائب فاعل وخالف في الكلام فلم يقل قوم موسى لأنه لما صدر الكلام بحكاية تكذيبهم ثم عدد أصناف المكذبين وطوائفهم ولم ينته الى موسى إلا بعد طول الكلام حسن تكريره ليلي قوله فأمليت فيتصل المسبب بالسبب كما قال في آية «ق» بعد تعديدهم: «كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ» فربط العقاب والوعيد ووصلهما بالتكذيب بعد أن جدد ذكره، فأمليت: الفاء عاطفة وأمليت فعل وفاعل وللكافرين متعلقان بأمليت. (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وأخذتهم فعل وفاعل ومفعول به، فكيف الفاء عاطفة وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم ونكير اسم كان أي إنكاري فحذفت الياء والنكير مصدر بمعنى الإنكار والتغيير حيث أبدلهم بالنعمة نقمة وبالحياة هلاكا وبالبناء خرابا وسيأتي معنى الاستفهام في باب البلاغة. (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ) الفاء استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتأكيد ما تقدم بضرب الأمثلة والشواهد وكأين خبرية ومحلها الرفع على الابتداء ومن قرية تمييز كأين وقد تقدم تحقيقه وجملة أهلكناها من الفعل والفاعل والمفعول به خبر كأين ويجوز نصب كأين على الاشتغال بفعل محذوف يفسره أهلكناها فتكون جملة أهلكناها مفسرة، وهي ظالمة الواو للحال وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة نصب على الحال. (فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
стр. 3258
وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ)
الفاء عاطفة وهي مبتدأ وخاوية خبر والجملة معطوفة على جملة أهلكناها وعلى عروشها إما متعلقان بخاوية فيكون المعنى انها ساقطة على سقوفها أي خرت سقوفها على الأرض ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف واما أن يكون خبرا ثانيا لهي كأنه قيل هي خالية وهي على عروشها أي قائمة مطلة على عروشها بمعنى أن السقوف سقطت الى الأرض فصارت في سمت الحيطان وبقيت الحيطان مواثل باهتة مشرفة على السقوف الساقطة وكلا التقديرين جميل ووارد، وبئر عطف على قرية أي وكم من بئر، ومعطلة صفة لبئر وقصر مشيد عطف أيضا وهل هي بئر معينة وقصر معين أم هما واردان مورد المثل، سيأتي الكلام عن هذا كله في باب الفوائد. (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها) الهمزة للاستفهام الانكاري إن كانوا قد سافروا أو للحث على السفر ليروا مصارع من تقدمهم، والفاء عاطفة على مقدر يقتضيه المقام أي أغفلوا وأهملوا وسافروا فلم ينتفعوا، ولم حرف نفي وقلب وجزم ويسيروا فعل مضارع مجزوم بلم والواو فاعله وفي الأرض متعلقان بيسيروا فتكون الفاء للسببية وتكون فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية ولهم خبر تكون المقدم وقلوب اسمها المؤخر وجملة يعقلون صفة لقلوب وبها متعلقان بيعقلون وأو حرف عطف وآذان عطف على قلوب وجملة يسمعون بها صفة لآذان وواضح أن التفريع على المنفي يوجب النفي أيضا. (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الفاء للتعليل وان واسمها والضمير يعود على القصة أو الشأن وجملة لا تعمى الأبصار خبر ولكن الواو عاطفة ولكن حرف استدراك أهمل لأنه خفف وتعمى القلوب فعل مضارع وفاعل والتي صفة القلوب وفي الصدور متعلقان بمحذوف صلة الموصول وسيأتي سر قوله في الصدور في باب البلاغة.
стр. 3259
البلاغة:
١- الاستفهام في قوله تعالى «فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ» معناه التقرير وهو حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه ويماري فيه، ويلجأ الى المكابرة والسفسطة في مخالفته، وقال أبو حيان: «ويصحب هذا الاستفهام معنى التعجب فكأنه قيل ما أشد ما كان انكاري عليهم» وهذا واضح أيضا فالاستفهام إذن للتقرير التعجبي.
٢- الانفصال في قوله تعالى «وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» فإن لقائل أن يقول ان القلوب لا تكون إلا في الصدور فأية فائدة في ذكر ما هو متعارف وكائن لأنه معلوم والانفصال عن ذلك أن يقال ان المتعارف ان العمى الحقيقي مكانه البصر لأنه إصابة الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب مجاز فلما أريد نقله من الحقيقة الى المجاز كان الكلام بمثابة إثبات ما هو خلاف المتعارف وما هو الأصل فاحتاج الى زيادة تعيين ليتقرر أن العمى مكانه هو القلوب لا الأبصار كما تقول ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك فقوله بين فكيك تقرير لما ادعيته للسانه ونفي المضاء عن السيف وهو المتعارف وهذا من أوابد البيان فافهمه، وجملة الأمر ان الخلل ليس في مشاعرهم فهي سليمة لا عيب فيها وإنما الخلل في عقولهم المرتكسة وأحلامهم المعطلة.
الفوائد:
البئر المعطلة والقصر المشيد: قيل هما خاصان قال الخطيب الشربيني في تفسيره: «روي أن هذه البئر نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم الله تعالى من العذاب وهي بحضرموت
стр. 3260
وإنما سميت بذلك لأن صالحا حضرها حين مات وثم بلدة عبد البئر اسمها حاضورا بناها قوم صالح وأمّروا عليهم جلهس بن جلاس وأقاموا بها زمانا ثم كفروا وعبدوا صنما وأرسل الله إليهم حنظلة بن صفوان نبيا فقتلوه فأهلكهم الله تعالى وعطل بئرهم وخرب قصورهم والأولى أن تكون البئر عامة وأن يكون القصر عاما أي كم من قرية أهلكناها وكم من بئر عطلناها من سقاتها وكم من قصر مشيد تفرق عنه أهلوه وتحمل عنه ساكنوه.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٧ الى ٥٣]
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)
следующие страницы →