Полный текст (5 784 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٠٥ الى ١١٠]
أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠)
اللغة:
(شِقْوَتُنا) : أحد مصادر شقي، وفي المختار: «الشقاء والشقاوة بالفتح ضد السعادة وقرأ قتادة شقاوتنا بالكسر وهي لغة وقد شقي بالكسر شقاء وشقاوة أيضا وأشقاه الله فهو شقي بيّن الشقوة» وفي القاموس وشرحه «شقي يشقى من باب تعب شقا وشقاوة وشقاوة وشقوة وشقوة ضد سعد فهو شقي والجمع أشقياء» .
(اخْسَؤُا) : ذلوا فيها وانزجروا كما تنزجر الكلاب إذا زجرت وفي الصحاح: «خسأت الكلب وخسأ بنفسه يتعدى ولا يتعدى» وفي المختار: «خسأ الكلب طرده من باب قطع وخسأ هو بنفسه خضع» وللخاء مع السين فاء وعينا خاصة واحدة وهي أن الكلمة تدل على المهانة والمذلة وقد تقدم القول في خسأ، وخسر التاجر في بيعه خسرانا وخسرا وتاجر خاسر وأخسر الميزان وخسّره نقصه وميزان مخسور وأخسر فلان وأكسد وقع في الخسران والكساد وأخسرت الرجل نقيض
стр. 3362
أربحته وقيل لسلم الخاسر لأنه باع مصحفا ورثه واشترى بثمنه عودا يضرب به، والخسة معروفة وهي النذالة، تقول: خسست يا رجل تخس مثل مسست تمس خسة وخساسة ورجل خسيس وقوم أخسة وما رأيت أخسّ منه والخس ترياق ويقال: أين نبت الخس، من فصاحة قسّ وكلاهما من إياد، ولكن أين الأخامص من الأجياد، وخسف القمر وخسفت الأرض وانخسفت ساخت بما عليها وخسف الله بهم الأرض ومن المجاز سامه خسفا أي ذلا وهوانا ورضي بالخسف وبات على الخسف: على الجوع وشربوا على الخسف على غير ثقل وعين خاسفة فقئت حتى غابت حدقتها في الرأس وخسفت عينه وانخسفت وخسف بدنه: هزل، وفلان بدنه خاسف ولونه كاسف قال يصف صائدا:
أخو قترات قد تبين أنه ... إذا لم يصب لحما من الوحش خاسف
وخسفت إبلك وغنمك وأصابتها الخسفة وهي تولية الطرق وإن للمال خسفتين: خسفة في الحر وخسفة في البرد، وهو مخسول ومخسّل: وقد خسله وخسّله. وقال:
ونحن الثريا وجوزاؤها ... ونحن الذراعان والمرزم
وأنتم كواكب مخسولة ... ترى في السماء ولا تعلم
وقولهم أخسا أم زكا أي أوتر أم شفع، وتخاسى الصبيان تلاعبوا بذلك، وقال الممزق:
تخاس يداها بالحصى وترضّه ... بأسمر صرّاف إذا جمّ مطرق
وفي هذا القدر ما يكفي.
стр. 3363
(سِخْرِيًّا) : بالكسر والضم مصدر سخر كالسخر إلا أن في ياء النسب زيادة في قوة الفعل كما قيل الخصوصية في الخصوص وعن الكسائي والفراء أن المكسور من الهزء والمضموم من السخرة والعبودية والأول مذهب الخليل وسيبويه والمراد بهم الصحابة وقيل أهل الصفّة خاصة وفي المصباح: «سخرت منه سخرا من باب تعب هزئت به والسخري بالكسر لغة فيه والسخرة وزان غرفة ما سخرت من خادم أو دابة بلا أجر والسخري بالضم بمعناه وسخرته في العمل بالتثقيل استعملته مجانا وسخر الله الإبل ذللها وسهلها» .
الإعراب:
(أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ) الهمزة للاستفهام التقريري والتوبيخي ولم حرف نفي وقلب وجزم وتكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وآياتي اسمها وجملة تتلى خبرها وعليكم متعلقان بتتلى، فكنتم الفاء عاطفة وكان واسمها وبها متعلقان بتكذبون وجملة تكذبون خبر كنتم. (قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ) قالوا فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بالواو والواو فاعل وربنا منادى مضاف وغلبت فعل ماض والتاء للتأنيث وعلينا متعلقان بغلبت وشقوتنا فاعل غلبت، وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وقوما خبرها وضالين صفة. (رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ) ربنا منادى مضاف وكرره للعناية به وأخرجنا فعل أمر معناه الدعاء ومنها متعلقان بأخرج والفاء عاطفة وإن شرطية وعدنا فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والضمير فاعل والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه جملة اسمية وان واسمها وظالمون خبرها والجملة في محل جزم جواب الشرط.
стр. 3364
(قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) جملة اخسئوا مقول القول وهو فعل آمر والواو فاعل وفيها متعلقان باخسئوا ولا الواو عاطفة ولا ناهية وتكلمون فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية والياء المحذوفة مفعول به. (إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) جملة تعليلية لما قبلها من الزجر، وإن واسمها وجملة كان خبرها وفريق اسم كان ومن عبادي صفة لفريق وجملة يقولون خبر كان وربنا منادى مضاف وجملة آمنا مقول القول، فاغفر لنا الفاء عاطفة واغفر فعل أمر معناه الدعاء وارحمنا عطف عليه، وأنت الواو استئنافية وأنت مبتدأ وخير الراحمين خبر. (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) الفاء عاطفة واتخذتموهم فعل وفاعل ومفعول به والميم علامة جمع الذكور والواو لاشباع ضمة الميم وسخريا مفعول به ثان ومن هؤلاء المهاجرين بلال وصهيب وعمار وخباب وحتى حرف غاية وجر وأنسوكم فعل ماض وفاعل ومفعول به أول وذكرى مفعول به ثان وكنتم كان واسمها ومعهم متعلقان بتضحكون وجملة تضحكون خبر كنتم والمعنى لم يعد لكم شغل إلا الهزء بهم والضحك منهم.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١١١ الى ١١٨]
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١) قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥)
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)
стр. 3365
اللغة:
(الْعادِّينَ) : بتشديد الدال جمع عاد من عدّ الشيء يعدّه بضم العين في المضارع إذا أحصاه وحسبه.
(عَبَثاً) العبث بفتحتين: اللعب ومالا فائدة فيه وكل ما ليس فيه غرض صحيح يقال عبث يعبث عبثا إذا خلط عمله بلعب وأصله من قولهم عبثت الأقط أي خلطته والعبث طعام مخلوط ومنه العوبثاني لتمر وسويق وسمن مختلط.
الإعراب:
(إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ) كلام مستأنف مسوق لبيان حسن حالهم أنهم انتفعوا بإذايتهم إياهم. وان واسمها وجملة جزيتهم خبر إن وجزيتهم فعل ماض وفاعل ومفعول به أول واليوم ظرف لجزيتهم وبما متعلقان بجزيتهم والباء للسببية أي بسبب صبرهم وما مصدرية وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول ثان
стр. 3366
لجزيتهم أي جزيتهم فوزهم وأن واسمها وهم ضمير فصل والفائزون خبر ان. (قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) كم استفهامية في محل نصب على الظرفية الزمانية وهو متعلق بلبثتم، وفي الأرض متعلقان بلبثتم أو بمحذوف حال وعدد سنين تمييز كم وسنين مضاف اليه والمعنى كم لبثتم عددا من السنين. (قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ) جملة لبثنا مقول القول ويوما ظرف متعلق بلبثنا وأو حرف عطف وبعض يوم معطوف على يوما، فاسأل الفاء الفصيحة واسأل فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت والعادين مفعول به وقد قالوا هذا لأنهم- وقد غشيهم العذاب وأحاطت بهم أهواله- لم يعد بوسعهم أن يحصوا ذلك أو يذكروا فقالوا إن أردت معرفة الحقيقة فاسأل العادين أما نحن ففي معزل عن ذلك. (قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) قال فعل وفاعله مستتر يعود على الله سبحانه وإن نافية ولبثتم فعل وفاعل وإلا أداة حصر وقليلا صفة لظرف محذوف أي زمنا قليلا ولو حرف امتناع لامتناع وان واسمها وجملة كنتم خبرها وجملة تعلمون خبر كنتم ومفعول تعلمون محذوف أي مقدار لبثكم ويجوز اعراب قليلا صفة لمصدر محذوف أي لبثا قليلا. (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي وحسبتم فعل وفاعل والجملة مستأنفة مسوقة لتوبيخهم على تماديهم في الغفلة وصدوفهم عن النظر الصحيح، وأنما كافة ومكفوفة وهي وما بعدها في تأويل مصدر سدت مسد مفعولي حسبتم وخلقناكم فعل وفاعل ومفعول به وعبثا يجوز إعرابه نصبا على أنه مصدر واقع موقع الحال أي عابثين ويجوز إعرابه نصبا أيضا على المصدرية أو انه مفعول لأجله أي لأجل العبث وأنكم يجوز أن يكون معطوفا على أنما
стр. 3367
خلقناكم فيكون الحسبان منسحبا عليه وأن يكون معطوفا على عبثا أي للعبث وأن واسمها ولا نافية وجملة ترجعون خبر ان وهو فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. (فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) الفاء استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لاستعظام الله تعالى، وتعالى فعل ماض والله فاعله والملك الحق صفتان له وجملة لا إله إلا هو حال وقد تقدم اعرابها كثيرا ورب العرش صفة ثالثة والكريم نعت للعرش. (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ ويدع فعل الشرط مجزوم بحذف حرف العلة ومع الله ظرف متعلق بيدع وإلها مفعول به ليدع وآخر صفة ولا نافية للجنس وبرهان اسمها مبني على الفتح وله خبر لا والجملة صفة ثانية لإلها وهي صفة لازمة نحو قوله يطير بجناحيه وجيء بها للتوكيد، ويجوز أن تكون جملة معترضة بين فعل الشرط وجوابه فإن كانت صفة فالمقصود بها التهكم بمدعي إله مع الله كقوله «بل أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا» فنفى إنزال السلطان به وإن لم يكن في نفس الأمر سلطان لا منزّل ولا غير منزّل، ومن جنس مجيء الجملة بعد النكرة وصرفها عن أن تكون صفة لها ما تقدم عند قوله تعالى «فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت» فارجع اليه إن شئت.
فانما الفاء رابطة لجزاء الشرط لأن الجملة اسمية وإنما كافة ومكفوفة وحسابه مبتدأ وعند ربه الظرف متعلق بمحذوف خبر حسابه والجملة في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من.
(إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) الجملة تعليلية لا محل لها وان واسمها وجملة
стр. 3368
لا يفلح خبر انه والكافرون فاعل. (وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) الواو استئنافية ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة واغفر فعل أمر والمقصود منه الدعاء وارحم عطف عليه وأنت الواو استئنافية وأنت مبتدأ وخير الراحمين خبر.
البلاغة:
في خاتمة سورة «المؤمنون» قوله: «إنه لا يفلح الكافرون» وفي فاتحتها «قد أفلح المؤمنون» فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة.
стр. 3369
(٢٤) سورة النّور مدنيّة وآياتها اربع وستّون
[سورة النور (٢٤) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤)
إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
стр. 3370
اللغة:
(الزَّانِيَةُ) : بنية الزّنا والزناء بالمد والقصر، قال الفرزدق:
أبا خالد من يزن يعلم زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا
قال الفراء: المقصور من زنى والممدود من زانى، يقال زاناها مزاناة وزناء، وخرجت فلانة تزاني وتباغي وقد زنى بها، وجمع بين الزّناة والزواني وزنّاه تزنية: نسبه الى الزنا وهو ولد زنية بفتح الزاي وكسرها.
(رَأْفَةٌ) : في المختار: «والرأفة أشد الرحمة وقد رؤف بالضم رافة ورأف به يرأف مثل قطع يقطع ورئف به من باب طرب كله من كلام العرب فهو رءوف على فعول» .
الإعراب:
(سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) سورة خبر لمبتدأ محذوف أي هذه سورة أو مبتدأ والخبر محذوف أي فيما أوحينا إليك سورة، وساغ الابتداء بالنكرة لأنها وصفت بجملة أنزلناها، وفرضناها عطف على أنزلناها وأنزلنا عطف أيضا وفيها متعلقان بأنزلنا وآيات مفعول به وبينات صفة لآيات، ولعل واسمها وجملة تذكرون خبرها وجملة لعلكم تذكرون حال.
(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) جملة مستأنفة مسوقة للشروع في تفصيل ما ذكر من الآيات البينات. والزانية والزاني
стр. 3371
في رفعهما وجهان: أحدهما مذهب سيبويه أنه مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى عليكم حكم الزانية، وثانيهما مذهب الأخفش وغيره بأنه مبتدأ والخبر جملة الأمر ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط وقد تقدم الكلام على هذه المسألة مستوفى عند قوله «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما» فجدد به عهدا وسيأتي في باب الفوائد مزيد من هذا البحث.
وانما قدم الزانية على الزاني لأنها الأصل في الفعل لكون الداعية إليها أوفر ولولا تمكينها منه لم يقع وقد عكس الأمر في آية حد السرقة فقدم السارق على السارقة لأن الزنا يتولد بشهوة الوقاع وهي في المرأة أقوى وأكثر، والسرقة انما تتولد من الجسارة والقوة والجرأة وهي في الرجل أقوى وأكثر.
فاجلدوا الفاء رابطة لأن الألف واللام بمعنى الذي والموصول فيه رائحة من الشرط أي التي زنت والذي زنى فاجلدوهما كما تقول من زنى فاجلدوه، واجلدوا فعل أمر وفاعل وكل واحد مفعول به ومنهما صفة لواحد ومائة جلدة نائب مفعول مطلق لأن المفعول المطلق ينوب عنه عدده أي ضربة، يقال جلده: ضرب جلده. (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتأخذكم فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والفاعل مستتر تقديره أنت وبهما متعلقان بتأخذكم ورأفة فاعل وفي دين الله متعلقان بتأخذكم أيضا. (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص والتاء اسمها وهو في محل جزم فعل الشرط وجملة تؤمنون بالله واليوم الآخر خبر كنتم وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فلا تأخذكم بهما رأفة في دين الله وحكمه، والمراد بالشرط التهيج وإثارة الحفائظ على الزناة والغضب لله ولدينه.
وسيأتي في باب البلاغة المزيد من القول في هذه الآية. (وَلْيَشْهَدْ
стр. 3372
عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
الواو عاطفة واللام لام الأمر ويشهد فعل مضارع مجزوم باللام وعذابهما مفعول به مقدم وطائفة فاعل مؤخر ومن المؤمنين صفة لطائفة. وسيأتي القول عن المراد فيها.
(الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) جملة مستأنفة مسوقه لبيان أن الفاسق الخبيث الذي جعل الزنا ديدنه وهجيراه لا يرغب في نكاح الصوالح ذوات الصون والعفاف وكذلك شأن الفاسقة الخبيثة تأبى إلا الارتطام في مستوبل الأقذار. والزاني مبتدأ وجملة لا ينكح خبر وإلا أداة حصر، وسيأتي سر القصر في باب البلاغة. وزانية مفعول به وأو حرف عطف ومشركة عطف على زانية. (وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) جملة معطوفة على سابقتها ومثيلتها في الاعراب وزان فاعل حذفت ياؤه لأنه اسم منقوص تحذف ياؤه في حالة التنوين رفعا وجرا وتثبت نصبا. (وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان حكم المتشبهين بالفساق والمستهدفين لسوء القالة والطعن وسيأتي القول في سر التحريم في باب الفوائد.
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ) الواو استئنافية مسوقة لبيان نوع آخر من حدود الزنا، والذين مبتدأ سيأتي له ثلاثة أخبار وجملة يرمون صلة الموصول والمحصنات مفعول به ثم لم يأتوا عطف على يرمون وبأربعة متعلقان بيأتوا وشهداء مضاف اليه جر بالفتحة لمنعه من الصرف لمكان ألف التأنيث منه. (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) الفاء رابطة لجواب الموصول المتضمن معنى الشرط واجلدوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به وجملة فاجلدوهم خبر أول للذين وثمانين مفعول مطلق وجلدة تمييز، ولا تقبلوا عطف على فاجلدوهم وهي بمثابة الخبر الثاني للذين ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لشهادة
стр. 3373
وأبدا ظرف متعلق بتقبلوا وأولئك الواو عاطفة وأولئك مبتدأ وهم ضمير فصل أو خبر ثان والفاسقون خبر أولئك أو خبر هم والجملة بمثابة الخبر الثالث للذين. (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) إلا أداة استثناء والذين مستثنى من الفاسقين واختلف في هذا الاستثناء فقيل هو متصل لأن المستثنى منه في الحقيقة الذين يرمون والتائبون من جملتهم لكنهم مخرجون من الحكم وهذا شأن المتصل، وقيل هو منقطع لأنه لم يقصد إخراجه من الحكم السابق بل قصد إثبات أمر آخر له وهو أن التائب لا يبقى فاسقا ولأنه غير داخل في صدر الكلام لأنه غير فاسق وجملة تابوا صلة الموصول، ومن بعد ذلك متعلقان بتابوا، وأصلحوا عطف على تابوا، فإن الفاء تعليلية لما سبق وإن واسمها وغفور خبرها الاول ورحيم خبرها الثاني.
البلاغة:
١- الإيجاز بالحذف:
في قوله تعالى «سُورَةٌ أَنْزَلْناها» إيجاز بالحذف وهو كما يراه عبد القاهر الجرجاني باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الافادة أزيد للافادة وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن، ولكن عبد القاهر لم يصب كبد الحقيقة عند ما أردف يقول: «ما من اسم حذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره» ووجه عدم إصابته أن الذي ذكره لا يأتي في كل مبتدأ وإنما يحسن في مبتدأ خبره وصف يقتضي المدح أو القدح وتقبل المبالغة فيه وتكون تلك المبالغة تفيد الموصوف معنى، وفي
стр. 3374
المبتدءات ما هو بخلاف ذلك فان قولنا «زيد قائم» لا نجد في وصف زيد بالقيام خصوصية يمتاز بها زيد عن غيره فان القيام يوصف به كل أحد إذا أريد به ضد القعود ولا يقبل المبالغة، وليس هو من صفات المدح ولا من صفات الذم ولا هو مما يبلغ به الموصوف الى انه استحق الوصف به دون غيره، فإن كان القاضي، ﵀، أراد مبتدأ مخصوصا فيحتمل، وإن كان أطلق فالأمر مشكل والسبب فيما ذكر من حذفه غير معلوم.
ثم يعرض عبد القاهر أمثلة من الشعر الجيد لأبيات حذف المبتدأ فيها كقول الشاعر:
سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
والأصل: هو فتى.
٢- النهي والشرط للتهييج:
المقصود من النهي في قوله «ولا تأخذكم» والشرط في قوله «إن كنتم تؤمنون إلخ» التهييج وإثارة الغضب وإلهاب الحفاظ على دين الله، وإن على المؤمنين الحراص على الاتسام بهذه السمة المشرقة أن يتصلبوا في دينهم وأن لا تأخذهم هوادة أو لين في تنفيذ ما أمرهم الله
стр. 3375
به لاستيفاء حدوده، وقد ضرب رسول الله ﷺ المثل بنفسه وابنته فقال: «لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها» .
٣- الحصر بإلا:
ظاهر النظم يوحي بأن الزاني لا ينكح المؤمنة العفيفة وأن الزانية لا ينكحها المؤمن التقي، ولما كان ذلك غير ظاهر الصحة كان لا بد من حمل الاخبار على الأعم الأغلب كما لا يفعل الخير إلا الرجل التقي وقد يفعل الخير من ليس بتقي.
٤- استعار الرمي للشتم بفاحشة الزنا لكونه جناية بالقول كما قال النابغة:
وجرح اللسان كجرح اليد ويسمى الشتم بهذه الفاحشة قذفا، والمراد بالمحصنات النساء، وخصصهن بالذكر لأن قذفهن أشنع والعار فيهن أعظم، ويلحق الرجال بالنساء في هذا الحكم بلا خلاف بين علماء هذه الأمة.
الفوائد:
١- قوله تعالى «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا» الآية: إنما عدل الخليل وسيبويه الى هذا الذي نقلناه من الاعراب لوجهين: لفظي ومعنوي أما اللفظي فلأن الكلام أمر وهو يخيل اختيار النصب ومع ذلك فالرفع قراءة العامة فلو جعل الأمر خبرا وبنى المبتدأ عليه لكان خلاف المختار عند الفصحاء فالتجأ الى تقدير الخبر حتى لا يكون المبتدأ مبنيا على الأمر فخلص من مخالفة الاختيار، وقد مثلهما سيبويه في
стр. 3376
كتابه بقوله تعالى «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ» الآية ووجه التمثيل أنه صدر الكلام بقوله «مثل الجنة» ولا يستقيم أن يكون قوله «فيها أنهار» خبره فتعين تقدير خبره محذوفا وأصله فيما نقص عليكم مثل الجنة، ثم لما كان هذا إجمالا لذكر المثل فصل المجمل بقوله «فيها أنهار» الى آخرها فكذلك هاهنا كأنه قال:
وفيما فرض عليكم شأن الزانية والزاني، ثم فصل هذا المجمل بما ذكره من أحكام الجلد، هذا بيان المقتضى عند سيبويه لاختيار الحذف من حيث الصناعة اللفظية وأما من حيث المعنى فهو أن المعنى أتم وأكمل على حذف الخبر لأنه يكون قد ذكر حكم الزانية والزاني مجملا حيث قال: الزانية والزاني، وأراد: وفيما فرض عليكم حكم الزانية والزاني، فلما تشوّف السامع الى تفصيل هذا المجمل ذكر حكمهما مفصلا فهو أوقع في النفس من ذكره أول وهلة.
٢- قوله تعالى «وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» الطائفة الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة وأقلها ثلاثة أو أربعة وهي صفه غالبة كأنها الجماعة الحافة حول الشيء، وعن ابن عباس في تفسيرها هي أربعة الى أربعين رجلا من المصدقين بالله وعن الحسن عشرة وعن قتادة ثلاثة فصاعدا وعن عكرمة رجلان فصاعدا وعن مجاهد أقلها رجل فصاعدا، وقيل رجلان وفضل قول ابن عباس لأن الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها الحد والتفصيل في كتب الفقه.
٣- أقسام الزناة الأربعة:
أ- الزاني لا يرغب إلا في زانية.
ب- الزانية لا ترغب إلا في زان.
стр. 3377
ج- العفيف لا يرغب إلا في عفيفة.
د- العفيفة لا ترغب إلا في عفيف.
وهذه الأقسام الأربعة مختلفة المعاني وحاصرة للقسمة، فنقول اختصرت الآية من هذه الأربعة قسمين واقتصرت على قسمين أحرى من المسكوت عنهما فجاءت مختصرة جامعة، فالقسم الأول صريح في القسم الاول ويفهم الثالث والقسم الثاني صريح في القسم الثاني ويفهم الرابع والقسم الثالث والرابع متلازمان من حيث أن المقتضي لانحصار رغبة العفيف في العفيفة هو اجتماعهما في الصفة وذلك بعينه مقتض لانحصار رغبتها فيه، ثم يقصر التعبير عن وصف الزناة والإعفاء بما لا يقل عن ذكر الزناة وجودا وسلبا فان معنى الأول: الزانية لا ينكحها عفيف ومعنى الثانية: العفيفة لا ينكحها زان، والسر في ذلك أن الكلام في أحكامهم، فذكر الإعفاء لسلب نقائصهم حتى لا يخرج الكلام عما هو المقصود منه ثم بينه في اسناد النكاح في هذين القسمين للذكور دون الإناث بخلاف قوله الزانية والزاني فانه جعل لكل واحد منهما ثم استقلالا وقدم الزانية على الزاني- كما تقدم- والسبب فيه أن الكلام الاول في حكم الزنا والأصل فيه المرأة لما يبدو منها من الإيماض والإطماع والكلام الثاني في نكاح الزناة إذا وقع ذلك على الصحة والأصل في النكاح الذكور وهم المبتدءون بالخطبة فلم يسند إلا لهم لهذا وان كان الغرض من الآية تنفير الأعفاء من الذكور والإناث مناكحة الزناة ذكورا وإناثا زجرا لهم عن الفاحشة ولذلك قرن الزنا والشرك.
стр. 3378
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٦ الى ١٠]
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)
الإعراب:
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان أحكام اللعان وهو مبسوط في كتب الفقه.
والذين مبتدأ وجملة يرمون أزواجهم صلة وحذف التاء أفصح ولذلك جمع الزوج على أزواج ويتعين في الفرائض إثبات التاء، ومتعلق يرمون محذوف أي بالزنا، ولم الواو حالية أو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم ويكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم ولهم خبر مقدم وشهداء اسمها المؤخر وإلا أداة حصر وأنفسهم بدل من شهداء ويجوز أن تكون إلا بمعنى غير فتكون أنفسهم نعتا لشهداء وقد ظهر عليها إعراب إلا على حد قوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» . (فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) الفاء واقعة في جواب اسم الموصول لتضمنه معنى الشرط وشهادة مبتدأ وأحدهم مضاف اليه وأربع شهادات
стр. 3379
خبر المبتدأ، وقرأ العامة بنصب أربع، فيكون خبر شهادة مقدر التقديم أي فعليهم شهادة أو مؤخر أي فشهادة أحدهم كائنة أو واجبة أو هو خبر لمبتدأ محذوف أي فالواجب شهادة أحدهم، وأما نصب أربع فهو نصب على المصدر والعامل فيه مصدر مثله وقد ناب عن المصدر عدده، وبالله جار ومجرور متعلقان بشهادات أو بشهادة، فالمسألة من باب التنازع، وإن واسمها وكسرت همزة إن لوجود اللام، واللام المزحلقة ومن الصادقين خبر إن وان وما بعدها مفعول شهادات أو شهادة أي يشهد أنه صادق وجملة فشهادة أحدهم خبر الذين.
(وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ) الواو اعتراضية والخامسة مبتدأ أي الشهادة الخامسة وأن وما بعدها في تأويل مصدر خبر ولعنة الله اسم أن وعليه خبر أن وإن شرطية وكان فعل الشرط واسم كان مستتر ومن الكاذبين خبر كان وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، ويجوز أن تكون الواو عاطفة والخامسة عطف على شهادة وأن لعنة الله بدل من الخامسة أو نصب بنزع الخافض أي بأن لعنة الله والأول أسهل. (وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ) جملة ويدرأ عطف على ما سبق ويدرأ فعل مضارع معناه يدفع، عنها متعلقان به والعذاب مفعول به وأن تشهد في تأويل مصدر فاعل يدرأ وأربع شهادات نصب على المصدر فهو نائب مفعول مطلق وبالله متعلقان بشهادات أو بأن تشهد كما تقدم في الأولى وانه لمن الكاذبين تقدم اعرابها. (وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) تقدم اعراب مثيلتها فجدد به عهدا. (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ) لولا حرف امتناع لوجود وفضل الله مبتدأ وخبره محذوف وجوبا كما تقدم وعليكم متعلقان بفضل ورحمته عطف على فضل وان الله تواب ان واسمها وخبرها وهي معطوفة على
стр. 3380
فضل وجواب لولا محذوف للدليل على أمر محذوف لا يكتنه لعظمه وفداحته، ورب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به.
البلاغة:
اشتملت هذه الآيات بالاضافة الى ما انطوت عليه من الأحكام والتشريع الصالح على العديد من فنون البلاغة وقد تقدم البحث فيها فنجتزىء بالالماع إليها:
١- الالتفات: في قوله «ولولا فضل الله عليكم» فقد التفت من الغيبة الى الخطاب لتسجيل المنة، على المخاطبين بحيث لا تبقى لديهم أعذار واهية يتشبثون بها إذا هم تجاوزوا حدود ما بيّنه لهم.
٢- التغليب: فقد غلب صيغة الذكور على صيغة الإناث حيث لم يقل عليكم وعليكن لأنه بصدد مخاطبة الفريقين أي القاذفين والمقذوفات.
٣- الحذف: وقد تكرر حذف المبتدأ والخبر كما رأيت في الاعراب وحذف جواب لولا أي كأن يقول الله في بيانه: فلان صادق بالزنا لكون المقذوفة قد زنت في نفس الواقع، أو يقول فلان كاذب في قذفه لكون المقذوفة لم تزن في نفس الواقع، وسدل الستار على ذلك كله لأن الغرض الأسمى هو الصون، والصون يتطلب التحوّط، والتحوط يستدعي السكوت عما لا يحسن التصريح به.
стр. 3381
[سورة النور (٢٤) : آية ١١]
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١)
اللغة:
(الإفك) : أبلغ ما يكون من الكذب وقيل هو البهتان لا تشعر به حتى يفجأك وأصله الإفك وهو القلب لأنه قول مأفوك عن وجهه.
(كِبْرَهُ) : كبر الشيء بكسر الكاف وسكون الباء معظمه، قال فيس بن الخطيم يذكر امرأة:
تنام عن كبر شأنها فاذا ... قامت رويدا تكاد تنغرف
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) الجملة مستأنفة للشروع في سرد قصة الإفك وتقع في ثماني عشرة آية ستأتي باطراد وهي تتعلق بعائشة ﵂، وهي صالحة تستحق المديح والثناء فمن رماها بالسوء فكأنه قلب الحقائق وطمسها. وان واسمها وجملة جاءوا صلة الموصول وبالإفك متعلقان بجاءوا وعصبة خبر إن ومنكم صفة لعصبة أي من المؤمنين ولو ظاهرا، فقد كان عبد الله بن أبيّ وهو أحد الذين خاضوا في حديث الافك من كبار المنافقين، وجملة لا تحسبوه مستأنفة
стр. 3382
والخطاب هنا للنبي ﷺ وأبي بكر وعائشة وصفوان تسلية لهم، وستأتي قصة الافك في باب الفوائد . (لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) لا جازمة وتحسبوه مضارع مجزوم والواو فاعل والهاء مفعول به أول وشرا مفعول به ثان ولكم متعلقان بشر وبل حرف عطف وإضراب وهو مبتدأ وخير خبر ولكم متعقان بخير ووجه الخير فيه ما يناله صاحب الابتلاء من مثوبة ثم ظهور الكرامة ونصوع الحق بانزال ثماني عشرة آية في براءتكم والتهويل بالوعيد ان خاض فيه عن سوء نية وقصد.
(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ) لكل امرئ خبر مقدم ومنهم صفة لامرىء وما اسم موصول مبتدأ مؤخر وجملة اكتسب صلة ومن الإثم متعلقان باكتسب. (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ) الواو استئنافية والذي مبتدأ وجملة تولى كبره صلة أي بالغ فيه وضخّم الأمور وزوّقها لسوء دخيلته وشر طويته، ومنهم متعلقان بمحذوف حال وهو عبد الله بن أبيّ المنافق، وله خبر مقدم وعذاب عظيم مبتدأ مؤخر والجملة خبر الذي.
الفوائد:
حديث الافك:
جاء في صحيحي البخاري ومسلم على لسان عائشة قالت: «كنت مع النبي ﷺ في غزوة بعد ما أنزل الحجاب ففرغ منها ورجع ودنا من المدينة وأذن بالرحيل ليلة فمشيت وقضيت شأني وأقبلت الى الرحل فاذا عقدي انقطع فرجعت ألتمسه وحملوا هودجي
стр. 3383
يحسبونني فيه وكانت النساء خفافا إنما يأكلن العلقة من الطعام ووجدت عقدي وجئت بعد ما ساروا فجلست في المنزل الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ فغلبتني عيناي فنمت وكان صفوان قد عرس من وراء الجيش فأدلج للاستراحة فسار منه فأصبح في منزله فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي والله ما كلمني بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته ووطئ على يدها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك من هلك فيّ وكان الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي ابن سلول» .
تفسير غريب الحديث:
١- قوله في غزوة: قيل هي غزوة المريسيع وتسمى غزوة بني المصطلق وكانت في السنة الرابعة وقيل في السادسة وسببها أن رسول الله ﷺ بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم الحارث ابن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي ﷺ فلما سمع بذلك خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد الى الساحل فاقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وأمكن رسوله من أبنائهم ونسائهم وأموالهم فأفاءها وردها عليهم.
٢- يأكلن العلقة: بضم العين وسكون اللام القليل من الطعام.
٣- صفوان: هو الصحابي الجليل صفوان بن المعطل السلمي.
٤- عرس: بتشديد الراء المفتوحة أي نزل ليلا للاستراحة وهو خاص بآخر الليل.
стр. 3384
٥- أدلج: بتشديد الدال المفتوحة سار من أول الليل.
٦- باسترجاعه: أي بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون.
٧- خمرت وجهي بجلبابي: أي غطيته بالملاءة.
٨- ووطئ على يدها: أي وضع رجله على ركبتها.
٩- موغرين: في القاموس: الوغرة شدة الحر ووغرت الهاجرة كوعد وأوغروا دخلوا فيها، والوغر ويحرك: الحقد والضغن والعداوة والتوقد من الغيظ وقد وغر صدره كوعد ووجل وغرا ووغرا بالتحريك وفي المصباح: «ووقع في أرض فلاة صار فيها» .
رواية المستشرقين: هذا وقد شغل حديث الافك المستشرقين فصاغوه في روايات شتى نورد منها هنا للاطلاع رواية برو كلمن المستشرق الألماني صاحب كتاب «تاريخ الشعوب الاسلامية» وفيما يلي نص تعريبه:
«وقام النبي خلال سنة ٦٢٧ أيضا بحملات عدة على بعض القبائل البدوية ولقد أبعد في إحداها حتى لقارب مكة وكانت هذه الغزوات آمنة الى حد ساعده على أن يصطحب فيها اثنتين من أزواجه، فاتفق مرة أن أضاعت زوجه المفضلة عائشة بنت أبي بكر- وكانت آنذاك في الرابعة عشرة من عمرها- قلادتها فخرجت تبحث عنها مساء ففاتتها فوافل الغزاة ولم تعد الى المعسكر إلا في اليوم التالي وبرفقتها شاب كانت قد عرفته من قبل وتطرق الشك في إخلاص عائشة إلى نفس النبي فردها الى بيت أبويها ولكن الله لم يلبث أن برأها بعد شهر واحد في إحدى الآيات الموحاة الى النبي مضيفا في الوقت نفسه أن أي اتهام
стр. 3385
لامرأة بالخيانة الزوجية لا يؤيده أربعة شهود عيان يعتبر فرية أو قذفا يستحق عليه صاحبه مائة جلدة، وكان علي صهر النبي أحد خصوم عائشة الذين ألحوا عليه في طلاقها وليس من شك في أن جذور العداء الذي تكشفت عنه عائشة لعلي بعد أن استخلف على المسلمين ترجع الى هذه الحقبة، ومهما يكن من شيء، فلم يكن لحادثة العقد هذه أدنى تأثير على وضع المرأة الاجتماعي في الإسلام كما يظن: فالحجاب الذي تصطنعه النساء المتزوجات كان عادة عربية قديمة وكان النبي قد فرضه، قبل هذه الحادثة، لأسباب أخرى والواقع أن الحجاب لم يحل بين النساء في الجاهلية وفي الإسلام أيضا حتى عهد الأمويين وبين الظهور في الناس في كثير من الحرية والتأثير في المجتمع العربي تأثيرا مذكورا في بعض الأحيان، إن مؤسسة الحريم التي وضع قواعدها العباسيون على غرار النموذج المسيحي- البيزنطي هي وحدها المسئولة عن انحطاط المرأة في الشرق» ولا تخلو رواية برو كلمن، على دقتها من خلل وخطأ وتحامل خفي يحاول صاحبه إخفاءه ويأبى إلا أن يظهر ومن ذلك قوله «فردها الى بيت أبويها» .
العودة الى المدينة واللغط في الحديث:
ولنعد الى رواية عائشة نفسها في تتمة الحديث الآنف الذكر قالت:
«واشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا والناس يفيضون في قول أهل الافك ولا أشعر بشيء من ذلك، ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، انما يدخل رسول الله فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ فذاك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع ثم عدنا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح.
стр. 3386
قلت: بئس ما قلت!! أتسبين رجلا قد شهد بدرا؟
قالت: أي هنتاه أولم تسمعي ما قال؟
قلت: وماذا قال؟
فأخبرتني بقول أهل الافك فازددت مرضا الى مرضي فلما رجعت الى بيتي استأذنت أن آتي أبوي: أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما فأذن لي.
قالت أمي: هوّني عليك فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثّرن عليها.
قلت: سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم.
ودعا رسول الله عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد يستشيرهما في فراق أهله فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود وقال لرسول الله: هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا.
وأما عليّ بن أبي طالب فقال: لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك.
فدعا رسول الله بريرة يسألها: هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ قالت: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قد أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فنأكله.
стр. 3387
.. وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي.
فبينما نحن على ذلك دخل رسول الله فسلم ثم جلس وتشهّد ثم قال: أما بعد يا عائشة فإني قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألمحت بذنب فاستغفري الله وتوبي اليه فان العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه.
فلما قضى رسول الله مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة فقلت لأبي: أجب عني رسول الله فقال: والله ما أدري ماذا أقول لرسول الله، فقلت لأمي: أجيبي عني، فقالت: كذلك والله ما أدري ماذا أقول لرسول الله، قلت:- وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن-:
إني والله لقد عرفت أنكم سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به فان قلت لكم: إني بريئة لا تصدقوني، وإن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقوني واني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.
ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، فو الله ما رام رسول الله مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى انه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي.
стр. 3388
فلما سرّي عن رسول الله وهو يضحك كان أول كلمة تكلم بها أن قال: أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك.
قالت لي أمي: قومي اليه.
قلت: والله لا أقوم اليه ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي.
وكان أبو بكر ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره فأقسم لا ينفق عليه شيئا أبدا فأنزل الله : «ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ... الى قوله: ألا تحبون أن يغفر الله لكم» ؟
فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، ورجع الى مسطح النفقة التي كان ينفقها عليه.
هذا وسيأتي في بقية الآيات ما يتعلق بهذا الحديث.
[سورة النور (٢٤) : الآيات ١٢ الى ١٥]
لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)
стр. 3389
الإعراب:
(لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً) كلام مستأنفة للشروع في زجر الخائضين في الإفك وتوبيخهم على ما أرجفوا به وستأتي تسعه زواجر مترادفة وهذا هو الزاجر الأول. ولولا حرف تحضيض متضمن معنى الزجر والتوبيخ وذلك كثير في اللغة إذا دخلت على الفعل كقوله تعالى «لولا أخرتني» وإذا ظرف لما مضى من الزمن متعلق بظن وجملة سمعتموه في محل جر باضافة الظرف إليها وظن المؤمنون فعل وفاعل والمؤمنات عطف وبأنفسهم متعلقان بخيرا وخيرا مفعول به ثان. (وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ) وقالوا عطف على ظن وهذا مبتدأ وإفك خبر ومبين صفة والجملة الاسمية مقول القول وسيأتي القول في الالتفات الرائع بهذه الآية. (لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ) لولا حرف تخصيص ثان وهذا هو الزاجر الثاني وجاءوا فعل وفاعل وعليه متعلقان بشهداء وبأربعة متعلقان بجاءوا وشهداء مضاف اليه، فاذا الفاء عاطفة وإذا ظرف لما مضى من الزمن متعلق بالكاذبون ولم حرف نفي وقلب وجزم ويأتوا فعل مضارع مجزوم بلم والجملة في محل جر باضافة الظرف إليها وبالشهداء متعلقان بيأتوا. (فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ) الفاء رابطة وأولئك مبتدأ وعند الله متعلقان بمحذوف حال أي في حكمه وهم مبتدأ ثان أو ضمير فصل والكاذبون خبر أولئك أو خبر هم والجملة خبر أولئك.
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود وفضل الله مبتدأ حذف خبره وجوبا وهذا هو الزاجر الثالث، وعليكم متعلقان بفضل ورحمته عطف على فضل وفي الدنيا متعلقان بمحذوف حال والآخرة عطف على الدنيا. (لَمَسَّكُمْ فِيما
стр. 3390
أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ)
اللام واقعة في جواب لولا ومسكم فعل ومفعول به والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وفيما متعلقان بمسكم وجملة أفضتم فيه صلة و «ما» عبارة عن حديث الافك والافاضة الاندفاع والخوض ويصح أن تكون ما مصدرية أي لمسكم بسبب إفاضتكم وخوضكم في الإفك، وفيه متعلقان بأفضتم وعذاب فاعل وعظيم صفة. (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) وهذا هو الزاجر الرابع، وإذ ظرف متعلق بمسكم أو بأفضتم وتلقونه فعل مضارع حذفت إحدى تاءيه وهو مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعل والهاء مفعول به، والتلقي والتلقف والتلقن معان متقاربة، والجملة في محل جر بإضافة الظرف إليها والمراد يرويه بعضكم عن بعض وبألسنتكم متعلقان بتلقونه، وتقولون عطف على تلقونه وبأفواهكم متعلقان بتقولون وما مفعول تقولون وجملة ليس صلة الموصول وليس فعل ماض ناقص ولكم خبر وبه متعلقان بعلم وعلم اسم ليس. (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) وتحسبونه فعل مضارع وفاعل ومفعول به أول وهينا مفعول به ثان والواو للحال وهو مبتدأ وعند الله حال وعظيم خبر هو والجملة حالية.
البلاغة:
١- التعبير بالأنفس عن الآخرين:
التعبير بالأنفس عن الآخرين ينطوي على أبعد النكت مرمى وأكثرها حفولا بالمعاني السامية، فهو أولا يهيب بالمؤمنين الى التعاطف واجراء التوبيخ على النفس بدلا من أن يذكره بسوء وذلك أدعى الى اصطناعه وجعله محمولا على الموالاة والاصطفاء وذلك بتصويره بصورة من
стр. 3391
أخذ يقذف نفسه ويرميها بما ليس فيها من الفاحشة. وروي أن أبا أيوب الأنصاري قال لامرأته ألا ترين مقالة الناس؟ قالت له: لو كنت بدل صفوان أكنت تخون في حرمة رسول الله ﷺ سوءا؟ قال: لا، قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنته وصفوان خير منك وعائشة خير مني.
وهذا صحيح كل الصحة وبراءة عائشة واضحة ومفهومة بالبداهة لدى كل منصف يفهم أن امرأة كعائشة لا تعرض نفسها لهذه الريبة أمام جيش وفي وضح النهار ولغير ضرورة مع رجل من المسلمين يتقي ما يتقيه المسلم في هذا المقام من غضب النبي وغضب المسلمين وغضب الله، فتلك خلة تترفع عنها من هي أقل من عائشة منبتا ومنزلة وخلقا وأنفة فكيف بها في مكانها المعلوم، وهذا هو المفهوم للتعبير عن الآخرين من المؤمنين بالنفس، حدا بامرأة أبي أيوب الانصاري إلى أن تنزل زوجها منزلة صفوان ونفسها منزلة عائشة ثم تثبت لنفسها ولزوجها البراءة والامانة حتى تثبت لصفوان وعائشة بطريق الأولى.
وهو ثانيا يحتمل أن يكون التعبير بالأنفس حقيقة والمقصود إلزام سيىء الظن بنفسه لأنه لم يعتد بنوازع الايمان ووزائعه في حق غيره وألفاه واعتبره في حق نفسه وادعى لها البراءة قبل معرفته بحكم الهوى لا بحكم الهدى.
٢- الالتفات:
وفي الكلام عدول عن الخطاب الى الغيبة وعن الضمير الى الظاهر وسياق الحديث أن يقول «لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرا وقلتم» وانما اقتضت البلاغة هذا الالتفات والعدول عن الضمير الى
стр. 3392
الظاهر للمبالغة في التوبيخ وليصرح بلفظ الايمان دلالة على أن الاشتراك فيه مقتضى أن لا يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن، وهذا ما فعله النبي ﷺ وكان جديرا بالآخرين الاحتذاء به: سمع حديثا يلاك بين المنافقين ويسري الى المسلمين بل الى خاصة ذويه الأقربين، حديثا يسمعه رجل كعلي بن أبي طالب في بره نحيزته فلا يرى بعده حرجا من الطلاق والنساء كثيرات، سمع النبي ذلك الحديث المريب فلم يقبله بغير بينة ولم يرفضه بغير بينة وكان عليه أن يعود زوجه المريضة أو يجفوها الى حين فعادها وبه من الرفق والانصاف ما يأبى عليه أن يفاتحها في مرضها بما يخامر نفسه الكريمة، وبه من الموجدة والترقب ما أبى عليه أن يقابلها بما كان يقابلها به والنفس صافية كل الصفاء وظل يسأل عنها سؤال متعتب ينتظر أن تشفى وأن تأتيه البينة فيشتد كل الشدة أو يرحم كل الرحمة، ولا يعجله لغط الناس أن يأخذ في هذا الموقف الأليم بما توجبه الحمية وما توجبه المروءة في آن.
عبد الله بن أبيّ ومسطح:
وإذا قيل إن عبد الله بن أبيّ كان من أصحاب العصبية التي بحسب حسابها وتتقى بوادرها فماذا يقال في مسطح وهو مكفول أبي بكر وصنيعته الذي يأكل من ماله؟ ما الذي أنجاه من السخط والعقاب وكفل له دوام البر والمعونة لولا سماحة النبي الكريم وسماحة أبي بكر وسماحة القرآن؟
٣- المبالغة:
تقدم البحث في مثل هذا التعبير «تقولون بأفواهكم» والقول
стр. 3393
لا يكون إلا بالفم فما معنى ذكر الأفواه، ونعيد القول انه هنا للمبالغة والتعريض بأنه ربما يتمشدق ويقضي تمشدق جازم عالم وهذا أشد وأقطع ومعناه أن الشيء المعلوم يكون وعلمه في القلب فيترجم عنه اللسان وهذا الإفك ليس إلا قولا يجري على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب.
[سورة النور (٢٤) : الآيات ١٦ الى ٢٠]
وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠)
الإعراب:
(وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا) وهذا هو الزاجر الخامس، ولولا حرف تحضيض وتوبيخ وإذ ظرف متعلق بقلتم أي كان ينبغي لكم بمجرد السماع الأول أن تقولوا: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا وأن تقولوا سبحانك، وقال الزمخشري: «فإن قلت:
كيف جاز الفصل بين لولا وقلتم بالظرف؟ قلت للظروف شأن وهو
стр. 3394
تنزلها من الأشياء منزلة أنفسها لوقوعها فيها وانها لا تنفك عنها فبذلك يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها» ورد عليه أبو حيان فقال «وهذا يوهم اختصاص ذلك بالظرف وهو جار في المفعول به تقول لولا زيدا ضربت ولولا عمرا قتلت، وسيأتي سر تقديم الظرف في باب البلاغة.
وجملة سمعتموه مضاف إليها الظرف وجملة قلتم لا محل لها لأنها ابتدائية وما نافية ويكون فعل مضارع ناقص ولنا خبرها المقدم وأن وما في حيزها اسمها المؤخر وبهذا متعلقان بنتكلم وسبحانك مفعول مطلق وجملة سبحانك في محل نصب حال لأن معناه التعجب والمعنى هلا قلتم ما ينبغي لنا أن تتكلم بهذا حال كونكم متعجبين من هذا الأمر العجيب الغريب. (سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ) وهذا مبتدأ وبهتان خبر وعظيم صفة. (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وهذا هو الزاجر السادس ويعظكم وقد ضمن معنى فعل يتعدى بعن ثم حذف الجار أي ينهاكم عن العودة وهي فعل مضارع ومفعول به والله فاعل وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض ولمثله متعلقان بتعودوا وأبدا ظرف زمان متعلق بتعودوا أيضا، وقيل لا تضمين في معنى يعظكم، وأن وما بعدها مفعول لأجله على حذف مضاف أي كراهة أن تعودوا، وإن شرطية وكنتم كان واسمها ومؤمنين خبرها وجواب الشرط محذوف أي إن كنتم مؤمنين فلا تعودوا لمثله.
(وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الواو عاطفة ويبين الله فعل وفاعل ولكم متعلقان بيبين والآيات مفعول به والله مبتدأ وعليم حكيم خبر ان لله. (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) جملة مستأنفة مسوقة لا يراد الزاجر السابع وإن واسمها وجملة يحبون صلة وأن وما في حيزها مفعول يحبون والفاحشة فاعل وفي الذين آمنوا متعلقان بتشيع. (لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ
стр. 3395
لا تَعْلَمُونَ)
لهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر إن وأليم صفة وفي الدنيا والآخرة صفة ثانية، ففي الدنيا ثبت بالحد للقذف، وسيأتي في باب الفوائد تفصيل ذلك. والله مبتدأ وجملة يعلم خبر وأنتم مبتدأ وجملة لا تعلمون خبر. (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) وهذا هو الزاجر الثامن ولولا امتناعية وفضل الله عليكم مبتدأ محذوف الخبر وجوبا ورحمته عطف على فضل وإن الله رءوف رحيم عطف على فضل الله وجواب لولا محذوف أي لعاجلكم بالعقوبة.
الفوائد:
ثبت أن النبي ﷺ حد القاذفين الأربعة وهم عبد الله بن أبيّ وحسان بن ثابت ومسطح وحمنة بنت جحش، وقعد صفوان لحسان بن ثابت وضربه بالسيف فكف بصره وفي ذلك يقول:
توّق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا هو جيت لست بشاعر
ولكنني أحمي حماي وأتقى ... من الباهت الرامي البريء الظواهر
وأنشد حسان بن ثابت أبياتا يثني فيها على أم المؤمنين عائشة ﵂ ويبرئها مما نسب إليها ومنها:
حصان رزان ما تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
حليلة خير الناس دينا ومنصبا ... نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل
стр. 3396
عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير
زائل مهذّبة قد طيب الله جنيها ... وطهرها من كل شين
وباطل فإن كان ما بلغت عني قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي
وكيف وودي ما حييت ونصرتي ... بآل رسول الله زين الم
حافل له رتب عال على الناس فضلها ... تقاصر عنها سورة المتطاول
البلاغة:
١- التقديم والتأخير:
في قوله تعالى «وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ إلخ» قدم الظرف لفائدة هامة وهي بيان انه كان من الواجب أن يتفادوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به فلما كان ذكر الوقت أهم، وجب التقديم. ولعبد القاهر في دلائل الاعجاز بحث عن التقديم والتأخير يقول فيه: باب التقديم والتأخير من الأبواب التي تظهر بها مزية الكلام ويعلو بها أسلوب على أسلوب ويبدو بها إعجاز القرآن.
٢- سر التعجب:
في كلمة التعجب «سبحانك» سر عجيب وهو أن الأصل في ذلك أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه ثم كثر حتى استعمل عند كل متعجب منه.
стр. 3397
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٢١ الى ٢٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)
اللغة:
(خُطُواتِ) : جمع خطوة بفتح الخاء وضمها وسكون الطاء، وكل ما كان على وزن فعل بكسر الفاء أو فعل بفتح الفاء مع سكون
стр. 3398
العين جاز لنا إذا أردنا أن نجمعه جمعا مؤنثا سالما الاتباع والفتح والتسكين فنقول في خطوة خطوات وخطوات وخطوات.
(زَكى) : طهر من دنس.
(يَأْتَلِ) : في المختار «وآلى يؤلي إيلاء حلف وتألى وائتلى مثله قلت: ومنه قوله تعالى «وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ» والألية اليمين وجمعها ألايا» وقيل هو من قولهم ما ألوت جهدا إذا لم تدخر شيئا.
(الْغافِلاتِ) : السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر لأنهن لم يجربن الأمور ولم يرزن الأحوال فلا يفطن لما تفطن له المجربات العرافات. قال:
ولقد لهوت بطفلة ميالة ... بلهاء تطلعني على أسرارها
لهوت: تلاهيت ولعبت بطفلة بالفتح أي امرأة ناعمة لينة، يقال امرأة طفلة الأنامل أي رخصتها لينتها، وميالة: مختالة، وبلهاء: غافلة لا مكر عندها ولا دهاء فلذلك تطلعني على ضمائرها.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ) وهذا هو الزاجر التاسع والأخير، ولا ناهية وتتبعوا فعل مضارع مجزوم بلا وخطوات الشيطان مفعول به. (وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويتبع فعل الشرط وخطوات الشيطان مفعول به والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه جملة اسمية وان واسمها وجملة يأمر بالفحشاء والمنكر خبرها
стр. 3399
والضمير في انه يعود على الشيطان أو على المتبع والأول أظهر.
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً) لولا امتناعية وقد تقدم اعرابها وما نافية وزكى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله ومنكم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحد ومن حرف جر زائد وأحد مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول به وأبدا ظرف متعلق بزكى. (وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الواو عاطفة ولكن واسمها وجملة يزكي خبرها ومن يشاء مفعول يزكي والله مبتدأ وسميع خبر أول وعليم خبر ثان أي أنه سبحانه سميع لمقالهم عليم بنياتهم. (وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) تقدم القول مسهبا في سبب نزول هذه الآية وأنها نزلت في شأن مسطح بن أثاثة بضم الهمزة وفتحها.
ولا ناهية ويأتل فعل مضارع مجزوم بلا وأولو فاعل ملحق بجمع المذكر السالم والفضل مضاف اليه ومنكم حال والسعة عطف على الفضل، وأن يؤتوا: أن وما في حيزها نصب بنزع الخافض مع حذف لا النافية والتقدير على أن لا يؤتوا وأولي القربى مفعول وما بعدها عطف عليه.
(وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الواو عاطفة واللام لام الأمر ويعفوا مضارع مجزوم بلام الأمر وليصفحوا عطف والهمزة للاستفهام ولا نافية وتحبون فعل مضارع مرفوع وأن وما في حيزها مفعول تحبون والله فاعل ولكم متعلقان بيغفر والله مبتدأ وغفور خبر أول ورحيم خبر ثان. (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) كلام مستأنف مسوق لتقريع الخائضين في الإفك ووعيدهم الشديد وعتابهم البليغ. وإن واسمها وجملة يرمون المحصنات صلة والمحصنات مفعول به والغافلات المؤمنات عطف على المحصنات وجملة لعنوا خبر إن وفي الدنيا
стр. 3400
والآخرة متعلقان بلعنوا ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وعظيم صفة. (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) الظرف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به «ولهم» ويجوز تعليقه بالمصدر وهو عذاب لأن الظروف يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها، وجملة تشهد في محل جر باضافة الظرف إليها وعليهم متعلقان بتشهد وألسنتهم فاعل وأيديهم وأرجلهم عطف على ألسنتهم وبما جار ومجرور متعلقان بتشهد وجملة كانوا لا محل لها لأنها صلة ولك أن تجعل ما مصدر وكان واسمها وجملة يعملون خبرها وقد مرت لها نظائر. (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) الظرف متعلق بيعملون أو بيوفيهم وقد تقدم البحث في إضافة إذ للظرف والتنوين اللاحق لإذ، ويوفيهم الله فعل مضارع ومفعول به وفاعل ودينهم مفعول به ثان والحق نعت لدينهم والمراد بدينهم الحق جزاؤهم الواجب عليه وفي الحديث «كما تدين تدان» .
(وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) ويعلمون عطف على يوفيهم وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يعلمون وهو ضمير فصل أو مبتدأ والحق خبر أن أو خبر هو والجملة الاسمية خبر أن والمبين صفة.
(الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ) كلام مستأنف مسوق لبيان سنة الله في خلقه في أن يسوق كل صنف إلى صنفه وأن يقع كل طير على شكله. والخبيثات مبتدأ وللخبيثين خبره وما بعده عطف عليه وسيرد معنى ذلك في باب البلاغة.
(أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) أولئك مبتدأ والاشارة الى الطيبين وسيأتي المزيد من هذا المعنى في باب البلاغة، ومبرءون خبر أولئك ومما متعلقان بمبرءون لأنه اسم مفعول وجملة يقولون صلة ولهم خبر مقدم ومغفرة مبتدأ مؤخر والجملة خبر ثان لأولئك ورزق كريم عطف عليه.
следующие страницы →