Полный текст (5 784 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير
زائل مهذّبة قد طيب الله جنيها ... وطهرها من كل شين
وباطل فإن كان ما بلغت عني قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي
وكيف وودي ما حييت ونصرتي ... بآل رسول الله زين الم
حافل له رتب عال على الناس فضلها ... تقاصر عنها سورة المتطاول
البلاغة:
١- التقديم والتأخير:
في قوله تعالى «وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ إلخ» قدم الظرف لفائدة هامة وهي بيان انه كان من الواجب أن يتفادوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به فلما كان ذكر الوقت أهم، وجب التقديم. ولعبد القاهر في دلائل الاعجاز بحث عن التقديم والتأخير يقول فيه: باب التقديم والتأخير من الأبواب التي تظهر بها مزية الكلام ويعلو بها أسلوب على أسلوب ويبدو بها إعجاز القرآن.
٢- سر التعجب:
في كلمة التعجب «سبحانك» سر عجيب وهو أن الأصل في ذلك أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه ثم كثر حتى استعمل عند كل متعجب منه.
стр. 3397
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٢١ الى ٢٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)
اللغة:
(خُطُواتِ) : جمع خطوة بفتح الخاء وضمها وسكون الطاء، وكل ما كان على وزن فعل بكسر الفاء أو فعل بفتح الفاء مع سكون
стр. 3398
العين جاز لنا إذا أردنا أن نجمعه جمعا مؤنثا سالما الاتباع والفتح والتسكين فنقول في خطوة خطوات وخطوات وخطوات.
(زَكى) : طهر من دنس.
(يَأْتَلِ) : في المختار «وآلى يؤلي إيلاء حلف وتألى وائتلى مثله قلت: ومنه قوله تعالى «وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ» والألية اليمين وجمعها ألايا» وقيل هو من قولهم ما ألوت جهدا إذا لم تدخر شيئا.
(الْغافِلاتِ) : السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر لأنهن لم يجربن الأمور ولم يرزن الأحوال فلا يفطن لما تفطن له المجربات العرافات. قال:
ولقد لهوت بطفلة ميالة ... بلهاء تطلعني على أسرارها
لهوت: تلاهيت ولعبت بطفلة بالفتح أي امرأة ناعمة لينة، يقال امرأة طفلة الأنامل أي رخصتها لينتها، وميالة: مختالة، وبلهاء: غافلة لا مكر عندها ولا دهاء فلذلك تطلعني على ضمائرها.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ) وهذا هو الزاجر التاسع والأخير، ولا ناهية وتتبعوا فعل مضارع مجزوم بلا وخطوات الشيطان مفعول به. (وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويتبع فعل الشرط وخطوات الشيطان مفعول به والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه جملة اسمية وان واسمها وجملة يأمر بالفحشاء والمنكر خبرها
стр. 3399
والضمير في انه يعود على الشيطان أو على المتبع والأول أظهر.
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً) لولا امتناعية وقد تقدم اعرابها وما نافية وزكى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله ومنكم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحد ومن حرف جر زائد وأحد مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول به وأبدا ظرف متعلق بزكى. (وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الواو عاطفة ولكن واسمها وجملة يزكي خبرها ومن يشاء مفعول يزكي والله مبتدأ وسميع خبر أول وعليم خبر ثان أي أنه سبحانه سميع لمقالهم عليم بنياتهم. (وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) تقدم القول مسهبا في سبب نزول هذه الآية وأنها نزلت في شأن مسطح بن أثاثة بضم الهمزة وفتحها.
ولا ناهية ويأتل فعل مضارع مجزوم بلا وأولو فاعل ملحق بجمع المذكر السالم والفضل مضاف اليه ومنكم حال والسعة عطف على الفضل، وأن يؤتوا: أن وما في حيزها نصب بنزع الخافض مع حذف لا النافية والتقدير على أن لا يؤتوا وأولي القربى مفعول وما بعدها عطف عليه.
(وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الواو عاطفة واللام لام الأمر ويعفوا مضارع مجزوم بلام الأمر وليصفحوا عطف والهمزة للاستفهام ولا نافية وتحبون فعل مضارع مرفوع وأن وما في حيزها مفعول تحبون والله فاعل ولكم متعلقان بيغفر والله مبتدأ وغفور خبر أول ورحيم خبر ثان. (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) كلام مستأنف مسوق لتقريع الخائضين في الإفك ووعيدهم الشديد وعتابهم البليغ. وإن واسمها وجملة يرمون المحصنات صلة والمحصنات مفعول به والغافلات المؤمنات عطف على المحصنات وجملة لعنوا خبر إن وفي الدنيا
стр. 3400
والآخرة متعلقان بلعنوا ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وعظيم صفة. (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) الظرف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به «ولهم» ويجوز تعليقه بالمصدر وهو عذاب لأن الظروف يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها، وجملة تشهد في محل جر باضافة الظرف إليها وعليهم متعلقان بتشهد وألسنتهم فاعل وأيديهم وأرجلهم عطف على ألسنتهم وبما جار ومجرور متعلقان بتشهد وجملة كانوا لا محل لها لأنها صلة ولك أن تجعل ما مصدر وكان واسمها وجملة يعملون خبرها وقد مرت لها نظائر. (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) الظرف متعلق بيعملون أو بيوفيهم وقد تقدم البحث في إضافة إذ للظرف والتنوين اللاحق لإذ، ويوفيهم الله فعل مضارع ومفعول به وفاعل ودينهم مفعول به ثان والحق نعت لدينهم والمراد بدينهم الحق جزاؤهم الواجب عليه وفي الحديث «كما تدين تدان» .
(وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) ويعلمون عطف على يوفيهم وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يعلمون وهو ضمير فصل أو مبتدأ والحق خبر أن أو خبر هو والجملة الاسمية خبر أن والمبين صفة.
(الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ) كلام مستأنف مسوق لبيان سنة الله في خلقه في أن يسوق كل صنف إلى صنفه وأن يقع كل طير على شكله. والخبيثات مبتدأ وللخبيثين خبره وما بعده عطف عليه وسيرد معنى ذلك في باب البلاغة.
(أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) أولئك مبتدأ والاشارة الى الطيبين وسيأتي المزيد من هذا المعنى في باب البلاغة، ومبرءون خبر أولئك ومما متعلقان بمبرءون لأنه اسم مفعول وجملة يقولون صلة ولهم خبر مقدم ومغفرة مبتدأ مؤخر والجملة خبر ثان لأولئك ورزق كريم عطف عليه.
стр. 3401
البلاغة:
١- المجاز العقلي في شهادة الأيدي والأرجل وقد تقدم بحثه مستوفى.
٢- أراد بالمحصنات العموم وان كان الحديث مسوقا عن عائشة والمقصود بذكرهن على العموم وعيد من وقع في عائشة على أبلغ الوجوه لأنه إذا كان هذا وعيد قاذف آحاد المؤمنات فما الظن بوعيد من وقع في قذف سيدتهن! على أن تعميم الوعد أبلغ وأقطع من تخصيصه، ولهذا عممت زليخا حين قالت «ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم» فعممت وأرادت يوسف تهويلا عليه وارجافا.
٣- يحتمل أن يراد بالخبيثات النساء وبالخبيثين الرجال فيكون الكلام جاريا على حقيقته ويجوز أن يراد الكلمات التي صيغ منها الإفك فيكون الكلام مجازا بالاستعارة التصريحية.
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٢٧ الى ٢٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩)
стр. 3402
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها) كلام مستأنف مسوق لبيان ما يترتب على مخالطة الرجال بالنساء ودخولهم عليهن في أوقات خلواتهن. ولا ناهية وتدخلوا فعل مضارع مجزوم بلا وبيوتا مفعول به على السعة وقد تقدم بحث ذلك وغير بيوتكم صفة لبيوتا وحتى حرف غاية وجر وتستأنسوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى ومعنى الاستئناس الاستئذان على طريق الكناية، وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة، وتسلموا عطف على تستأنسوا وعلى أهلها متعلقان بتسلموا. (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ذلكم مبتدأ وخير خبر ولكم متعلقان بخير ولعل واسمها وجملة تذكرون خبر لعل وجملة ذلكم مستأنفة وجملة لعلكم تذكرون حال معللة لفعل محذوف أي أنزل عليكم هذا آملين أن تتذكروا. (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ) الفاء استئنافية وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتجدوا مضارع مجزوم بلم وفيها متعلقان بتجدوا وأحدا مفعول به، فلا تدخلوها الفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتدخلوها مضارع مجزوم بلا الناهية وحتى حرف غاية وجر ويؤذن فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى ويؤذن مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر ولكم متعلقان بيؤذن.
(وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) الواو عاطفة وإن شرطية وقيل لكم فعل الشرط وجملة ارجعوا مقول القول، فارجعوا الفاء رابطة لجواب الشرط لأنه طلبي وهو مبتدأ وأزكى لكم خبر والجملة مستأنفة، والله الواو استئنافية والله مبتدأ وبما تعملون متعلقان بعليم وعليم خبر الله.
стр. 3403
(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ) ليس فعل ماض ناقص وعليكم خبر ليس المقدم وجناح اسمها المؤخر وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض أي في أن تدخلوا والجار والمجرور صفة لجناح وبيوتا مفعول به على السعة وغير مسكونة نعت لبيوتا وفيها خبر مقدم ومتاع لكم مبتدأ مؤخر والجملة صفة ثانية لبيوتا. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ) والله الواو ستئنافية والله مبتدأ وجملة يعلم خبر وما مفعول به وجملة تبدون صلة وما تكتمون عطف على ما تبدون.
البلاغة:
١- الكناية في قوله تستأنسوا: فإن أصل معناها الاستئناس وهو ضد الاستيحاش لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا فهو متردد مستطار القلب مستوحش، أو كالمستوحش من خفاء الحال عليه فإذا أذن له بالدخول استأنس وزايله تردّده واستطارة قلبه، وقد أريد المعنى البعيد منه وهو الاستئذان.
٢- الإرداف وقد تقدم أنه هو أن يريد المتكلم معنى فلا يعبر عنه بلفظه الموضوع له ولا بلفظ الاشارة الدال على المعاني الكثيرة بل لفظ هو ردف المعنى الخاص وتابعه قرب من لفظ المعنى الخاص قرب الرديف من الردف، وواضح أن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن فوضع موضع الإذن، ويجوز أن يكون من الاستئناس الذي هو الاستعلام والاستكشاف من أنس الشيء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا وعليه يكون المعنى حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم أم لا، والوجه الأول هو البين، وسر التجوز فيه والعدول اليه عن
стр. 3404
الحقيقة ترغيب المخاطبين في الإتيان بالاستئذان بواسطة، وسيأتي في باب الفوائد مزيد بحث عن الاستئذان.
الفوائد:
في القرطبي سبب نزول هذه الآية كما روى الطبراني وغيره عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد لا والد ولا ولد فيأتي الأب فيدخل علي، وانه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال، فنزلت هذه الآية، فقال أبو بكر: يا رسول الله أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن فأنزل الله ليس عليكم جناح ... الآية.
وعن أبي موسى الأشعري انه أتى باب عمر ﵄ فقال السلام عليكم أأدخل قالها ثلاثا ثم رجع وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول الاستئذان ثلاثا. واستأذن رجل على رسول الله ﷺ فقال: أألج؟ فقال ﷺ لامرأة يقال لها روضة قومي الى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن قولي له:
يقول السلام عليكم أأدخل فسمعها الرجل فقالها، فقال: ادخل.
وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته: حييتم صباحا وحييتم مساء ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد، فصدّ الله عن ذلك وعلم الأحسن والأجمل.
أما البيوت التي استثناها الله فهي غير المسكونة نحو الفنادق والربط المسبلة وحوانيت البياعين والمنازل المبنية للنزول وإيواء المتاع
стр. 3405
فيها واتقاء الحر والبرد وقيل بيوت التجار وحوانيتهم في الأسواق بدخلها للبيع والشراء.
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٠ الى ٣١]
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)
اللغة:
(يَغْضُضْنَ) : الغض: أطباق الجفن بحيث تمتنع الرؤية وفي المصباح: «غض الرجل صوته وطرفه ومن صوته ومن طرفه غضا من باب
стр. 3406
قتل خفض ومنه يقال غض من فلان غضا وغضاضة إذا انتقصه» وقد أدغم في الأول أحد المثلين في الثاني بخلاف الثاني لأن الثاني في يغضضن متحرك فادغم فيه الاول وفيما سيأتي ساكن فلم يتأت إدغام الاول فيه، قال جرير:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
(زِينَتَهُنَّ) : الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهرا منها كالخاتم والفتخة بالتحريك وهي حلقة من فضة لا فص فيها فإذا كان فيها فص فهو الخاتم، والكحل والخضاب فلا بأس بإبدائه للاجانب وما خفي منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل وهو- كما في الصحاح- يشبه عصابة تزين بالجوهر ويسمى التاج إكليلا والوشاح والقرط فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين.
(بِخُمُرِهِنَّ) الخمر بضم الخاء والميم جمع خمار بكسر الخاء وهو ما تغطي به المرأة رأسها والستر عموما ويجمع على أخمرة وخمر بضم الخاء وسكون الميم وخمر بضمتين.
(جُيُوبِهِنَّ) : جمع جيب والجيب من القميص طوقه والقلب والصدر وعند العامة الجيب هو كيس يخاط في جانب الثوب من الداخل ويجعل فمه من الخارج.
(أُولِي الْإِرْبَةِ) : أصحاب الإربة، والإربة الحاجة وفي المصباح:
«الأرب: بفتحتين والإربة بالكسر والمأربة بفتح الراء وضمها الحاجة والجمع المآرب والأرب في الأصل مصدر من باب تعب يقال أرب الرجل الى الشيء إذا احتاج اليه فهو آرب على فاعل والإرب بالكسر يستعمل في الحاجة وفي العضو والجمع آراب مثل حمل وأحمال» .
стр. 3407
الإعراب:
(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين كافة يندرج فيها حكم المستأذنين عند دخولهم البيوت اندراجا كليا. وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ومفعوله محذوف وهو أمر آخر مثله وقد حذف لدلالة جوابه عليه وهو يغضوا من أبصارهم ويغضوا فعل مضارع جزم لأنه جواب الأمر المحذوف وهو غضوا أو مقول القول، ومن أبصارهم: قال الزمخشري: «من للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار على ما يحل، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة وأباه سيبويه» ويجوز أن تكون للبيان أو لابتداء الغاية وعلى كل حال فهي متعلقة بيغضوا وسيأتي السبب في دخول من على الأبصار دون الفروج في باب البلاغة، ويحفظوا عطف على يغضوا وفروجهم مفعول به. (ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ) ذلك مبتدأ وأزكى خبره ولهم متعلقان بأزكى وان واسمها وخبرها وبما متعلقان بخبير وجملة يصنعون لا محل لها. (وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) تقدم اعراب نظيرتها، أي فلا يحل للرجل أن ينظر الى المرأة ولا للمرأة أن تنظر الى الرجل فإن علاقتها به كعلاقته بها وقصدها منه كقصده منها ومن طريف ما يلفت النظر أن هذه الآية اشتملت على عدد كبير من ضمائر الإناث وقد بلغت عدتها خمسة وعشرين ضميرا ما بين مرفوع ومجرور ولم يوجد لها نظير في القرآن في هذا الصدد. (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها) الواو حرف عطف ويبدين عطف على يغضضن فهو مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل جزم والنون فاعل وزينتهن مفعول به وإلا أداة
стр. 3408
حصر وما بدل من زينتهن وجملة ظهر منها صلة والمراد بالظاهر الوجه والكفان فيجوز أن ينظرها الأجنبي إن لم يخف فتنة كما هو مقرر في علم الفقه. (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ) الواو عاطفة واللام لام الأمر ويضربن فعل مضارع مبني على السكون في محل جزم باللام والنون فاعل وبخمرهن الباء زائدة أو تبعيضية أي يلقين خمرهن على جيوبهن أي يسترن الرءوس والأعناق والصدور بالمقانع جمع مقنعة أو مقنع بكسر الميم فيهما وهي ما يغطى به الرأس. (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) الواو عاطفة ولا ناهية ويبدين مضارع مبني في محل جزم والنون فاعل وزينتهن مفعول به وإلا أداة حصر ولبعولتهن متعلقان بيبدين وهذه المستثنيات اثنا عشر نوعا آخرها الطفل. (أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ) كلهن معطوفات.
(أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ) غير صفة للتابعين والمراد بالتابعين غير أولي الإربة موضع خلاف، قال ابن عباس: التابع هو العنين الأحمق، وقيل هو الذي لا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن وقيل هو المجبوب وقيل هو الشيخ الهرم الذي ذهبت شهوته وقيل هو المخنث. أقول: والعنين والمخنث هو المشبه بالنساء والشيخ الهرم وأما المجبوب فهو الذي بقي أنثياه والخصي هو الذي بقي ذكره. ومن الرجال حال وأو حرف عطف والطفل معطوف على ما تقدم وهو بمعنى الأطفال فأل جنسية والطفل يطلق على الواحد والمجموع فلذلك وصف بالجمع وقيل لما قصد الجنس روعي فيه الجمع، والذين صفة وجملة لم يظهروا صلة وعلى عورات النساء متعلقان بيظهروا. (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) الواو عطف على ما تقدم ولا ناهية ويضربن فعل
стр. 3409
مضارع مبني في محل جزم بلا والنون فاعل وبأرجلهن متعلقان بيضربن، كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال وقيل كانت تضرب بإحدى رجليها الأخرى ليعلم أنها ذات خلخالين فإن ذلك يورث الرجال ميلا إليهن ويوهم أن لهن ميلا الى الرجال، وقال الزجاج «وسماع صوت هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من ابدائها» . (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) الواو عاطفة وتوبوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والى الله متعلقان بتوبوا وجميعا حال وأيها المؤمنون منادى نكرة مفصودة وقد تقدم إعرابه ولعل واسمها وجملة تفلحون خبرها وقد رسمت في المصحف دون ألف والرسم سنة متبعة.
البلاغة:
- من الاسرار التي تدق على الافهام دخول من الجارة على غض الابصار دون الفروج في قوله تعالى «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ» والسر في ذلك أن أمر النظر واسع لا يني يسرح في مراتع الجمال ومواطن الفتنة، قال الزمخشري بهذا الصدد: «ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر الى شعورهن وصدورهن وثديهنّ وأعضادهن وسوقهن وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات للبيع وأما أمر الفروج فمضيق» .
- ومن هذه الأسرار تقديم غض الابصار على حفظ الفروج في الاية نفسها وفي الآية التي تليها، والسر فيه أن النظر بريد الزنا ورائده الذي لا يخطىء. وقد أفاض الشعراء في القديم والحديث فيما تحدثه
стр. 3410
النظرة من إلهاب نار الحب، وتأريث الحرقة التي تدفع الى ارتكاب المحرم ومن أجمل ما قيل فيه قول ابن زيدون:
حسن أفانين لم تستوف أعيننا ... غاياته بأفانين من النظر
وقال ابن الرومي:
عيني لعينك حين تنظر مقتل ... لكن لحظك سهم حتف مرسل
ومن العجائب أن معنى واحدا ... هو منك لحظ وهو مني مقتل
وسيرد في كتابنا العجيب منه.
وفيما يلي طائفة من الأحاديث الواردة بهذا الصدد:
«عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يعني عن ربه: النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من نركها من مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه» أي جعلت بدله إيمانا يشعر بلذاته في قلبه.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
«كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة: العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدّق ذلك الفرج أو يكذبه» . والمعنى أن الله تعالى يعذب العين بالنار يوم القيامة لتطلعها الى محرم بقصد بلا فجاءة، والخطا بفتح الخاء المشي الى المعصية.
стр. 3411
وعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار:
أفرأيت الحم؟ قال: الحم الموت» رواه البخاري ومسلم ثم قال:
ومعنى كراهية الدخول على النساء على نحو ما روي عن النبي ﷺ قال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» .
والحم بفتح الحاء وتخفيف الميم وبإثبات الواو أيضا وبالهمز أيضا هو أبو الزوج ومن أدلى به كالأخ والعم وابن العم ونحوهم وهو المراد هنا كذا فسره الليث بن سعد وغيره وأبو المرأة أيضا ومن أدلى به وقيل بل هو قريب الزوج فقط وقيل قريب الزوجة فقط. قال أبو عبيد في معناه يعني فليمت ولا يفعلنّ ذلك فاذا كان هذا رواية في أب الزوج وهو محرم فكيف بالغريب؟ ومعنى الحمو الموت: أي الخوف منه أكثر من غيره والشر يتوقع منه والفتنة أكثر لتمكنه من الوصول الى المرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه.
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٢ الى ٣٣]
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)
стр. 3412
اللغة:
(الْأَيامى) : جمع أيم وهي من ليس لها زوج بكرا كانت أو ثيبا ومن ليس له زوج وهذا في الأحرار والحرائر بقرينة قوله وإمائكم، وتجمع الأيم أيضا على أيائم وأيّمون وأيمات يقال آم يئيم الرجل من زوجه أو المرأة من زوجها فقدها أو فقدته، وأصل الأيامى أيائم كما قال الزمخشري ومثله يتامى في يتائم وأجاز سيبويه أن يكون غير مقلوب وانه جمع على فعالى، وقال الشاعر:
فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيم
يقول لمحبوبته: إن تتزوجي أتزوج وإن لم تتزوجي لم أتزوج، وجملة وان كنت أفتى منكم اعتراضية، والأفتى الأكثر فتية وشبابا، ورفع المضارع في جواب الشرط كما هنا قليل، وقد ورد في الشعر إذا كان الشرط فعلا ماضيا كما هنا، وفي الحديث: «اللهم إني أعوذ بك من العيمة والغيمة والأئمة والكزم والقرم» أما العيمة فهي شدة شهوة اللبن والغيمة شدة شهوة العطش والأئمة طول العزبة والكزم شدة شهوة الأكل، قال في الصحاح: كزم الشيء بمقدّم فيه أي كسره واستخرج ما فيه، والقرم شد شهوة اللحم.
стр. 3413
(الْكِتابَ) : والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة: هو أن يقول الرجل لمملوكه كاتبتك على ألف درهم فإن أداها عتق ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك أو كتبت لك الوفاء بالمال وكتبت علي العتق، وله أحكام مبسوطة في كتب الفقه. وفي الأساس واللسان: «كتب عليه كذا: قضي عليه، وكتب الله الأجل والرزق وكتب على عباده الطاعة وعلى نفسه الرحمة وهذا كتاب الله: قدره، قال الجعدي:
يا بنت عمي كتاب الله أخرني ... عنكم وهل أمنعن الله ما فعلا
(الْبِغاءِ) : الزناء وبغت فلانة بغاء وهي بغي: طلوب للرجال وهن بغايا ومنه قيل للإماء البغايا لأنهن كن يباغين في الجاهلية يقال قامت البغايا على رؤوسهم، قال الأعشى:
والبغايا يركضن أكسية الاضريج والشّرعبيّ ذا الأذيال وفي المصباح: «وبغت المرأة تبغي بغاء بالكسر والمد من باب رمى فجرت وهي بغي والجمع البغايا وهو وصف مختص بالمرأة فلا يقال للرجل بغي قاله الأزهري والبغي القينة وإن كانت عفيفة لثبوت الفجور لها في الأصل قاله الجوهري ولا يراد به الشتم لأنه اسم جعل كاللقب والأمة تباغي أي تزاني.
الإعراب:
(وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير حكم النكاح، والأمر
стр. 3414
للوجوب إن كانت المرأة محتاجة للنكاح خوف الزنا أو كان الرجل محتاجا للنكاح خوف الزنا فإن لم تكن ثمة حاجة كان الأمر للاباحة كما رأى الشافعي، أو للندب كما رأى أبو حنيفة ومالك، والتفصيل في كتب الفقه والأيامى مفعول به ومنكم حال والصالحين عطف على الأيامى ومن عبادكم حال وإمائكم عطف على عبادكم. (إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) إن شرطية ويكونوا فعل الشرط والواو اسمها وفقراء خبرها ويغنهم الله جواب الشرط ومن فضله متعلقان بيغنهم والله مبتدأ وواسع خبر أول وعليم خبر ثان. (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) الواو عاطفة واللام لام الأمر ويستعفف مضارع مجزوم بلام الأمر والذين فاعل وجملة لا يجدون صلة ونكاحا مفعول به وحتى حرف غاية وجر ويغنيهم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والله فاعل ومن فضله متعلقان بيغنيهم. (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) والذين نصب على الاشتغال أي منصوب بفعل مقدر يفسره المذكور ويجوز إعرابه مبتدأ وخبره جملة فكاتبوهم والأول أرجح لمكان الأمر وجملة يبتغون الكتاب صلة ومما حال وجملة ملكت أيمانكم صلة والفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وكاتبوهم فعل أمر والواو فاعل والجملة مفسرة على الوجه الاول وخبر على الوجه الثاني وإن شرطية وعلمتم فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وفيهم متعلقان بعلمتم وخيرا مفعول به والجواب محذوف دل عليه قوله فكاتبوهم (وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ) وآتوهم عطف على فكاتبوهم ومن مال الله متعلقان بآتوهم والذي صفة لله وجملة آتاكم صلة للموصول. (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا) الواو عاطفة ولا ناهية وتكرهوا فعل
стр. 3415
مضارع مجزوم بلا الناهية وعلى البغاء متعلقان بتكرهوا وإن شرطية وأردن فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وتحصنا مفعول له والجواب محذوف كما تقدم ولتبتغوا اللام للتعليل وتبتغوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل وعرض الحياة الدنيا مفعول به. (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الواو عاطفة ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويكرههن فعل الشرط والفاء رابطة لأن الجواب جملة اسمية وان واسمها ومن بعد إكراههن حال وغفور خبر إن الاول ورحيم خبرها الثاني.
البلاغة:
الاحتراس: في قوله تعالى «إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً» فقد أقحم هذا الاعتراض ليبشع ذلك عند المخاطب ويحذره من الوقوع فيه ولكي يتيقظ أنه كان ينبغي له أن يأنف من هذه الرذيلة وإن لم يكن زاجر شرعي، ووجه التبشيع عليه أن مضمون الآية النداء عليه بأن أمته خير منه لأنها آثرت التحصّن عن الفاحشة وهو يأبي إلا إكراهها، ولأبي السعود قول جميل في هذا الصدد: «وقوله تعالى إن أردن تحصنا ليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنا وإخراج ما عداها من حكمه كما إذا كان الإكراه بسبب كراهتهنّ الزنا لخصوص الزاني أو لخصوص الزمان أو لخصوص المكان أو لغير ذلك من الأمور المصحّحة للاكراه في الجملة بل للمحافظة على عادتهم المستمرة حيث كانوا يكرهوههنّ على البغاء وهن يردن التعفف عنه مع وفور شهوتهن الآمرة بالفجور وقصورهن في معرفة الأمور الداعية الى المحاسن الزاجرة عن تعاطي القبائح» .
стр. 3416
هذا ومن المفيد أن نذكر سبب نزول هذه الآية فقد ذكروا أنها نزلت في عبد الله بن أبيّ، كان يكره جواريه على الكسب بالزنا وكنّ ستا فشكا منهن اثنتان الى النبي ﷺ فنزلت الآية، وأسماء هذه الجواري هي: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة.
الفوائد:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» رواه البخاري ومسلم.
وانما خص الشباب لأن الغالب وجود قوة الداعي فيهم الى النكاح بخلاف الشيوخ، والباءة الجماع واستعمل لعقد النكاح، قال الجوهري: الباءة مثل الباعة ومنه سمي النكاح باءة، والوجاء أصله رض الخصيتين. قال النووي في شرح مسلم: «معناه من استطاع منكم الجماع لقدرته على مئونته وهي مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليقطع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء» وهناك قول آخر وهو أن المراد بالباءة مؤن النكاح، سميت باسم ما يلازمها وتقديره من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم، قالوا: والعاجز لا يحتاج الى الصوم لدفع الشهوة فوجب تأويل الباءة بالمؤن
стр. 3417
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٤ الى ٣٨]
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨)
اللغة:
(كَمِشْكاةٍ) : المشكاة: الكوة غير النافذة، وقيل هي الحديدة أو الرصاصة التي يوضع فيها الزيت، وقيل هي العمود الذي يوضع على رأسه المصباح، وقيل ما يعلق فيه القنديل من الحديدة، وفي القاموس وشرحه: المشكاة كل كوة غير نافذة وكل ما يوضع فيه أو
стр. 3418
عليه المصباح، وقيل المشكاة حبشية معربة، وسيأتي مزيد بحث عنها في باب البلاغة.
(زُجاجَةٍ) : الزجاج بفتح الزاي وضمها وكسرها: جسم شفاف يصنع من الرمل والقلى والإناء والقطعة منه زجاجة بتثليت الزاي أيضا وأراد قنديلا من زجاج شامي أزهر.
(دُرِّيٌّ) : مضيء، بضم الدال من غير همز وبالتشديد منسوب الى الدر شبّه به لصفائه وإضاءته، ويجوز أن يكون أصله الهمز ولكن خففت الهمزة وهو فعيل من الدر وهو دفع الظلمة بضوئه ويقرأ بالكسر على معنى الوجه الثاني ويكون على فعيل كسكيت وصديق وفي المختار: «الدرء الدفع وبابه قطع ودرأ طلع مفاجأة وبابه خضع ومنه كوكب دريء كسكيت لشدة توقده وتلألؤه، ودريّ بالضم منسوب الى الدر، وقرىء دريء بالضم والهمزة ودريء بالفتح والهمز، وتدارأتم وتدافعتم واختلفتم» وفي الأساس: «وكوكب درّي وطلعت الدراري نسبت الى الدار وهو كبار اللؤلؤ» وفيه أيضا: «ومن المجاز: درأ الكوكب: طلع كأنه يدرأ الظلام ودرأت النار أضاءت» .
(الْآصالِ) : جمع أصيل وهو الوقت بين العصر والمغرب وبجمع أيضا على أصائل وأصل وأصلان.
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان حقيقة الآيات المنزلة. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق
стр. 3419
وأنزلنا فعل وفاعل وإليكم متعلقان بأنزلنا وآيات مفعول به ومبينات صفة وهي بكسر الياء وفتحها ومثلا عطف على آيات ومن الذين صفة لمثلا وجملة خلوا صلة ومن قبلكم حال وموعظة عطف على مثلا وللمتقين صفة لموعظة. (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ) الله مبتدأ ونور السموات والأرض خبره ومثل مبتدأ ونوره مضاف اليه والكاف اسم بمعنى مثل خبر ومشكاة مضاف اليه، ويجوز اعراب الكاف حرف جر والجار والمجرور خبر مثل، وفيها خبر مقدم ومصباح مبتدأ مؤخر والجملة صفة لمشكاة وسيأتي تحقيق هذا الكلام في باب البلاغة وجملة مثل نوره تفسير لما قبلها فلا محل لها.
(الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ) مبتدأ وخبر والجملة تفسير لما قبلها فلا محل لها.
(الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ) الزجاجة مبتدأ وكأن واسمها وكوكب خبرها ودري صفة لكوكب والجملة خبر الزجاجة وجملة الزجاجة إلخ تفسير لما قبلها فلا محل لها وجملة يوقد صفة ثانية لكوكب ونائب الفاعل مستتر ومن شجرة جار ومجرور متعلقان بيوقد وهي لابتداء الغاية على حذف مضاف أي من زيت شجرة ومباركة صفة لشجرة وزيتونة بدل من شجرة ولا شرقية صفة ثانية لشجرة ودخلت لا لتفيد النفي فلا تحول بين الصفة والموصوف، ولا غربية عطف وسيأتي المزيد من بيان هذا المعنى في باب البلاغة. (يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ) هذه الجملة صفة ثالثة لشجرة ويكاد فعل مضارع ناقص من أفعال المقاربة وزيتها اسمها وجملة يضيىء خبرها، ولو الواو حالية ولو شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتمسسه فعل مضارع مجزوم بلم وجواب لو محذوف أي لأضاء بدلالة ما تقدم عليه والجملة حال فلو هنا تفيد استقصاء الأحوال أي حتى في هذه الحال ونار فاعل تمسسه ونور خبر
стр. 3420
لمبتدأ محذوف أي هذا الذي شبهت به الحق نور متضاعف وعلى نور متعلقان بمحذوف صفة لنور مؤكدة له وسيأتي سر تنكسير النور في باب البلاغة. (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير تنفيذ مشيئته سبحانه، ولنوره متعلقان بيهدي ومن يشاء مفعول يهدي وجملة يشاء صلة ويضرب الله فعل مضارع وفاعل والأمثال مفعول به وللناس متعلقان بيضرب، والله الواو استئنافية أو عاطفة والله مبتدأ وبكل شيء متعلقان بعليم وعليم خبر الله. (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) في بيوت صفة لمشكاة أي كمشكاة في بيوت أو لمصباح أو لزجاجة أو متعلقان بيوقد، وعلى هذا لا يوقف على عليم، ولك أن تقف على عليم فتعلقه بمحذوف تقديره سبحوه في بيوت أو بيسبح وقال ابن الأنباري: سمعت أبا العباس يقول: هو حال للمصباح والزجاجة والكوكب كأنه قيل: وهو في بيوت، وقيل متعلقان بتوقد أي توقد في بيوت، وجملة أذن الله صفة لبيوت وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض أي في أن ترفع، ويذكر عطف على ترفع بالبناء للمجهول وفيها متعلقان بيذكر واسمه نائب فاعل. (يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) (رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ) الجملة صفة ثانية لبيوت وله متعلقان بيسبح وبالغدو والآصال حال ورجال فاعل يسبح وجملة لا تلهيهم صفة لرجال وتجارة فاعل تلهيهم ولا بيع عطف على تجارة وعن ذكر الله متعلقان بتلهيهم وما بعده عطف على ذكر الله. (يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ) الجملة صفة ثانية لرجال أو حال من مفعول تلهيهم ويخافون فعل وفاعل ويوما مفعول به لا ظرف وجملة تتقلب صفة ليوما وفيه متعلقان بتتقلب والقلوب فاعل تتقلب والابصار عطف على القلوب. (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ
стр. 3421
ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)
اللام للتعليل ويجزيهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والهاء مفعول به أول والله فاعل وأحسن مفعول به ثان وما مضاف اليه وجملة عملوا صلة ويزيدهم عطف على ليجزيهم ومن فضله متعلقان بيزيدهم. (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) الواو استئنافية والله مبتدأ وجملة يرزق خبر ومن مفعول به وجملة يشاء صلة وبغير حساب حلل.
البلاغة:
حفلت هذه الآيات بأفانين شتى من البلاغة والبيان وسنسهب فيها بعض الشيء جريا على ما درجنا عليه في هذا الكتاب وسنوزع هذه المباحث نجوما متتالية.
١- التشبيه البليغ في قوله تعالى «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» والمراد به المضمر الأداة وقد سبق ذكره مع أقسام التشبيه وانما سمي بليغا لحذف واسطة الأداة ولو جازته بسبب هذا الحذف، وقد تكلم علماء البيان مطولا في هذا التشبيه وحاولوا تجسيد الكيفية التي ساغ فيها هذا التشبيه لأن النور كما هو معلوم كيفية أو عرض يدرك بالبصر فلا يصح حمله على الذات المقدسة، وأحسن ما يقال فيه أن التشبيه جار على التقريب للذهن، أي: به تعالى وبقدرته أنارت أضواء السماء والأرض واستقامت أمورها لأن ظهور الموجودات حصل به كما حصل بالضوء جميع المبصرات، أو انه على التجوز أي منور السماء والأرض، أو بتقدير مضاف كقولك زيد عدل أي ذو عدول.
٢- التشبيه المرسل في قوله «مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ... الآية» فقد جاء التشبيه هنا بواسطة الأداة وهي الكاف،
стр. 3422
والمراد أن النور الذي شبه به الحق نور متضاعف قد تناحر فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت حتى لم تبق بقية مما يقوي النور، واختلفوا في هذا التشبيه هل هو تشبيه تمثيلي أي مركب قصد فيه تشبيه جملة بجملة من غير نظر الى مقابلة جزء بجزء بل قصد تشبيه هداه وإتقانه صنعته في كل مخلوق على الجملة بهذه الجملة من النور الذي تتخذونه وهو أبلغ صفات النور عندكم، أو تشبيه غير تمثيلي أي غير مركب قصد فيه مقابلة جزء بجزء، وأجاز القرطبي الوجهين وهذا نص عبارته:
«قوله مثل نوره أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن والدلائل تسمى نورا وقد سمى الله تعالى كتابه نورا فقال: «وأنزلنا إليكم نورا مبينا» وسمى نبيه نورا فقال: «قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين» وهذا لأن الكتاب يهدي ويبين وكذلك الرسول، ووجه الاضافة الى الله تعالى أنه مثبت الدلالة ومبينها وواضعها، وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزء من المثل به بل وقع التشبيه فيه لجملة بجملة وذلك أن يريد مثل نور الله الذي هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق وبراهينه الساطعة على الجملة كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر» .
وأبدع الكرخي في تحديده هذا التشبيه التمثيلي فقال:
« ... ومثل الله نوره أي معرفته في قلب المؤمن بنور المصباح دون نور الشمس مع أن نورها أتم لأن المقصود تمثيل النور في القلب والقلب في الصدر والصدر في البدن بالمصباح والمصباح في الزجاجة والزجاجة في القنديل وهذا التمثيل لا يستقيم إلا فيما ذكر أو لأن نور المعرفة له آلات يتوقف هو على اجتماعها كالذهن والفهم والعقل واليقظة وغيرها
стр. 3423
ولأن نور الشمس يشرق متوجها الى العالم السفلي ونور المعرفة يشرق متوجها الى العالم العلوي كنور المصباح، ولكثرة نفع الزيت وخلوصه عما يخالطه غالبا وقع التشبيه في نوره دون نور الشمع مع أنه أتم من نور المصباح» .
٣- الطباق: في قوله تعالى «لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ» وقد تكلم علماء البيان كثيرا عن هذا الطباق والمقصود منه، قال الزمخشري:
«وقيل لا في مضحى ولا في مقنأة (وهو المكان الذي لا تطلع عليه الشمس) ولكن الشمس والظل يتعاقبان عليها وذلك أجود لحملها وأصفى لدهنها، قال رسول الله ﷺ : لا خير في شجرة في مقنأة ولا نبات في مقنأة ولا خير فيهما في مضحى وقيل ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط بل تصيبها بالغداة والعشي جميعا فهي شرقية وغربية» .
ولابن الأثير كلام لطيف في هذا الصدد قال: «أما تمثيل نور الله تعالى بمشكاة فيها مصباح فإن هذا مثال ضربه للنبي ﷺ ويدل عليه انه قال: «توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية» وإذا نظرت الى هذا الموضع وجدته تشبيها لطيفا عجيبا وذاك أن قلب النبي ﷺ وما ألقي فيه من النور وما هو عليه من الصفة الشفافة كالزجاجة التي كأنها كوكب لصفائها وإضاءتها، وأما الشجرة المباركة المباركة التي لا شرقية ولا غربية فانها عبارة عن ذات النبي ﷺ لأنه من أرض الحجاز التي لا تميل الى الشرق ولا الى الغرب وأما زيت هذه الزجاجة فإنه مضيء من غير أن تمسه نار والمراد بذلك أن فطرته فطرة صافية من الأكدار منيرة من قبل مصافحة الأنوار» .
стр. 3424
٤- التنكير: في تنكير قوله «نور على نور» ضرب من الفخامة والمبالغة لا أرشق ولا أجمل منه فليس هو نورا واحدا معينا أو غير معين فوق نور آخر مثله، وليس هو مجموع نورين اثنين فقط بل هو عبارة عن نور متضاعف من غير تحديد لتضاعفه بحد معين. وقد استهوى هذا التعبير شعراءنا العرب فرمقوا سماءه، قال أبو تمام يصف غربته في مصر:
أخمسة أعوام مضت لمغيبه ... وشهران بل يومان ثكل على ثكل
وقال أبو الطيب المتنبي:
أرق على أرق ومثلي يأرق ... وجوى يزيد وعبرة تترقرق
وقال شوقي في العصر الحديث يرثي المرحوم فوزي الغزي أحد أعلام دمشق:
جرح على جرح حنانك جلق ... حملت ما يوهي الجبال ويرهق
٥- تشابه الأطراف: وهو أن ينظر المتكلم الى لفظة وقعت في آخر جملة من الفقرة في النثر أو آخر لفظة وقعت في آخر المصراع الأول في النظم فيبتدىء بها ... تأمل في تشابه أطراف هذه الجمل المتلاحقة «الله نور السموات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنه كوكب دري» ومن أمثلة الشعر في قول ليلى الأخيلية في الحجاج بن يوسف:
إذا نزل الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
стр. 3425
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة س
قاها سقاها فرواها بشرب سجاله ... دماء رجال يحلبون حراها
وجميل قول أبي تمام:
هوى كان خلسا إن من أبرد الهوى ... هوى جلت في افنائه وهو خامل
أبا جعفر إنّ الجهالة أمها ... ولود وأم العلم حذاء حائل
فكن هضبة نأوى إليها وحرة ... يعدد عنها الاعوجي المناقل
فإن الفتى في كل ضرب مناسب ... مناسب روحانية من يشاكل
وينسب لأبي نواس قوله:
خزيمة خير بني حازم ... وحازم خير بني دارم
ودارم خير تميم وما ... مثل تميم في بني آدم
إلا البهاليل بني هاشم ... وهم سيوف لبني هاشم
стр. 3426
وقد يكون تشابه الأطراف معنويا وهو أن يختم المتكلم كلامه بما يناسب ابتداءه في المعنى لا في اللفظ كقول محمد بن عبيد الله السلامي:
بدائع الحسن فيه مفترقه ... وأعين الناس فيه متفقة
سهام ألحاظه مفوقه ... فكل من رام لحظه رشقه
قد كتب الحسن فوق عارضه ... هذا مليح وحق من خلقه
فالرشق في قافية البيت الثاني يناسب السهام في أوله.
وجميل قول السري الرفاء:
ابريقنا عاكف على قدح ... كأنه الأم ترفع الولدا
أو عابد من بني المجوس إذا ... توهم الكأس شعلة سجدا
فالسجود مناسب للعابد في أول البيت.
وبلغ ابن الرومي الغاية في وصف مغنية:
جاءت بوجه كأنه قمر ... على قوام كأنه غصن
غنت فلم تبق فيّ جارحة ... إلا تمنيت أنها أذن
فالأذن تناسب ذكر الغناء في أول البيت.
استدراك على بعض النقاد:
هذا وقد خفيت على بعض علماء البيان أسرار التشابه في الأطراف
стр. 3427
فجزم بأنه إذا ذكرت اللفظة في أول كلام يحتاج الى تمام فينبغي أن تعاد بعينها في آخره ومتى عدل عن ذلك كان معيبا ثم مثل ذلك بقول أبي تمام وقول أبي الطيب المتنبي فقال: إن أبا تمام أخطأ في قوله:
بسط الرجاء لنا برغم نوائب ... كثرت بهن مصارع الآمال
فحيث ذكر الرجاء في صدر البيت كان ينبغي أن يعيد ذكره أيضا في عجزه أو كان ذكر الآمال في صدر البيت وعجزه وكذلك أخطأ أبو الطيب في قوله:
اني لأعلم واللبيب خبير ... أن الحياة وان حرصت غرور
فإنه قال «إني لأعلم واللبيب خبير» وكان ينبغي أن يقول:
الي لأعلم واللبيب عليم ليكون ذلك تقابلا صحيحا.
هذا ما ذكره الناقد وليس بشيء لأن المعتمد عليه في هذا الصدد أنه إذا كانت اللفظة في معنى أختها جاز.
٦- المجاز العقلي: في قوله «يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار» فقد أسند الى القلوب والأبصار التقلب والاضطراب من الهول والفزع.
وفي قوله «يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار» فن الغلو وهو الافراط في وصف الشيء المستحيل عقلا وعادة وهو ينقسم الى قسمين مقبول وغير مقبول فالمقبول لا بد أن يقربه الناظم الى القبول بأداة التقريب، إلا أن يكون الغلو في مدح النبي ﷺ فلا غلو حينئذ ويجب على الناظم أن يسبكه في قالب التخيلات التي تدعو العقل الى قبولها في أول وهلة كالآية الكريمة فإن إضاءة الزيت من غير مس النار مستحيلة عقلا ولكن لفظة يكاد قربته فصار مقبولا.
стр. 3428
والقسم الثاني وهو الغلو غير المقبول، كقول ابي نواس:
وأخفت أهل الشرك حتى أنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٩ الى ٤٠]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)
اللغة:
(كَسَرابٍ) : السراب: ما يشاهد نصف النهار من اشتداد الحر كأنه ماء تنعكس فيه البيوت والأشجار وغيرها ويضرب به المثل في الكذب والخداع يقال: هو أخدع من السراب، وسمي سرابا لأنه يتسرب أي يجري كالماء، يقال سرب الفحل أي مضى وسار ويسمى الآل أيضا ولا يكون إلا في البرية والحر فيغتر به الظمآن.
(بِقِيعَةٍ) : القيعة بمعنى القاع أو جمع قاع وهو المنبسط المستوي من الأرض وفي الصحاح: «والقاع المستوي من الأرض والجمع أقواع وقيعان فصارت الواو ياء لكسر ما قبلها والقيعة مثل القاع وهو أيضا من الواوي وبعضهم يقول هو جمع» وقال الهروي:
«والقيعة جمع القاع مثل جيرة وجار» وفي الأساس: «هو كسراب
стр. 3429
بقيعة وبقاع ونزلوا بسراب قيعان ولهم قاعة واسعة وهي عرضة الدار وأهل مكة يسمون سفل الدار القاعة ويقولون: فلان قعد في العسية ووضع قماشه في القاعة، وقال:
سائل مجاور جرم هل جنيت لهم ... حربا تفرّق بين الجيرة الخلط
وهل تركت نساء الحي ضاحية ... في قاعة الدار يستوقدن بالغبط
وفي القاموس والتاج ما يفهم منه أن القاع أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام ويجمع على أقواع وأقوع وقيع وقيعان وقيعة.
(لُجِّيٍّ) : اللجي: العميق الكثير الماء منسوب الى اللج وهو معظم البحر هكذا قال الزمخشري، وقال غيره منسوب الى اللجة بالتاء وهي أيضا معظمه.
الإعراب:
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) كلام مستأنف مسوق لبيان حال عمل من لا يعتقد الايمان ولا يتبع الحق بعد أن بين حال المؤمنين بضرب مثل لهم وهو «مثل نوره كمشكاة» . والذين مبتدأ أول وجملة كفروا صلة الموصول وأعمالهم مبتدأ ثان وكسراب خبر الثاني والمبتدأ الثاني وخبره خبر الاول وجملة يحسبه الظمآن صفة لسراب وماء مفعول به
стр. 3430
ثان ليحسبه وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاءه في محل جر باضافة الظرف إليها وجملة لم يجده لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وشيئا في موضع المصدر أي لم يجده وجدانا وقيل شيئا هنا بمعنى ما قدّره وظنّه فهي مفعول به ثان ليجده وسيأتي مزيد بحث عنها في باب البلاغة. (وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ) الواو حرف عطف ووجد فعل ماض وفاعل مستتر ولفظ الجلالة مفعول به وعنده متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لوجد أي كائنا عند السراب أو العمل، فوفاه الفاء عاطفة ووفاه فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول وحسابه مفعول به ثان أي جازاه عليه في الدنيا والله مبتدأ وسريع الحساب خبر. (أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ) أو حرف عطف قيل هي للتقسيم أو للتخيير أي أن عمل الكافر قسمان: قسم كالسراب وهو العمل الصالح وقسم كالظلمات وهو العمل السيّء أو أن عمل الكافر لاغ لا منفعة له كالسراب ولكونه خاليا من نور الحق كالظلمات المتراكبة والحنادس المدلهمة. قال الزجاج: «أعلم الله سبحانه أن أعمال الكفار كما أنها تشبه السراب الموصوف بتلك الصفات فهي أيضا تشبه الظلمات، وانها ان مثلت بما يوجد فمثلها كمثل السراب، وان مثلت بما يرى فهي كهذه الظلمات التي وصف» وقال أيضا «إن شئت مثل بالسراب وان شئت مثل بهذه الظلمات، فأو للإباحة» والجار والمجرور نسق على كسراب على حذف مضاف تقديره أو كذي ظلمات ويدل على هذا المضاف قوله «إذا أخرج يده لم يكد يراها» أو على حذف مضافين تقديرهما كأعمال ذي ظلمات، وفي بحر صفة لظلمات ولجي صفة لبحر وجملة يغشاه موج صفة ثانية لبحر وموج فاعل ومن فوقه خبر مقدم وموج مبتدأ مؤخر والجملة صفة لموج الأولى وجملة من فوقه سحاب
стр. 3431
صفة لموج الثانية. (ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها) ظلمات خبر لمبتدأ محذوف أي هذه ظلمات والجملة تفسير لما قبلها فلا محل لها وبعضها مبتدأ وفوق بعض الظرف متعلق بمحذوف خبر والجملة صفة لظلمات وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وجملة أخرج في محل جر باضافة الظرف إليها وفاعل أخرج ضمير الواقع في البحر المرتطم فيه ويده مفعول به ولم حرف نفي وقلب وجزم ويكد فعل مضارع ناقص مجزوم بلم واسمها ضمير مستتر تقديره هو وجملة يراها خبر يكد وجملة لم يكد يراها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم. (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجعل فعل الشرط والله فاعل وله مفعول به ثان ونورا مفعول به أول ليجعل والفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وما نافية وله خبر مقدم ومن حرف جر زائد ونور مجرور لفظا مرفوع بالابتداء محلا والجملة في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ.
البلاغة:
وقد انطوت هذه الآية على أفانين من البلاغة ندرجها فيما يلي:
١- التشبيه المرسل: فقد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة الى ما تقع عليه الحاسة، ولو قيل يحسبه الرائي ماء لكان بليغا، وأبلغ منه لفظ القرآن لأن الظمآن أشد حرصا عليه وأكثر تعلق قلب به وتشبيه أعمال الكفار بالسراب من أحسن التشبيه وأبلغه فكيف وقد تضمن مع ذلك حسن النظم وعذوبة الألفاظ وصحة الدلالة وصدق التمثيل.
стр. 3432
٢- التشبيه التمثيلي: وقوله «ووجد الله عنده» تشبيه تمثيلي أي وجد عقابه وزبانية عذابه، ووجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر من أعمال البر ويعتقد أن له ثوابا عند الله تعالى وليس كذلك فاذا وافى عرصات القيامة لم يجد الثواب الذي كان يظنه بل وجد العقاب العظيم والعذاب الأليم فعظمت حسرته وتناهى غمه فشبه حاله بحال الظمآن الذي اشتدت حاجته الى الماء فإذا شاهد السراب في البر تعلق قلبه فإذا جاءه لم يجده شيئا فكذلك حال الكافر يحسب أن عمله نافعه فإذا احتاج الى عمله لم يجده أغنى عنه شيئا.
٣- العطف على محذوف: في قوله تعالى «وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ» عطف على مقدر وليست الجملة معطوفة على «لم يجده شيئا» بل على ما يفهم منه بطريق التمثيل من عدم وجدان الكفرة من أعمالهم المذكورة عينا ولا أثرا، كأنه قيل حتى إذا جاء الكفرة يوم القيامة أعمالهم التي كانوا في الدنيا يحسبونها نافعة لهم في الآخرة لم يجدوها شيئا ووجدوا حكم الله وقضاءه لهم بالمرصاد.
٤- المبالغة في التشبيه: وهذا في قوله: «إذا أخرج يده لم يكد يراها» وقد اختلف الناس في تأويل هذا الكلام ويكاد الإجماع ينعقد على أن المعنى أنه لا يرى يده فعلى هذا في التقدير ثلاثة أوجه:
أحدها أن التقدير لم يرها ولم يكد وهذا غير واضح لأنه نفي للرؤية ثم اتبات لها، ووجه ثان وهو أن كاد زائدة ولا مساغ له في القرآن فالوجه إذن انه لم يقرب أن يراها فضلا عن أن يراها، ومثله قول ذي الرمة:
إذا غيّر النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
стр. 3433
أي لم يقرب من البراح، والنأي: البعد، ويقال رس وأرس إذا لزم والرسيس بقية المرض، ويبرح يذهب، وروي أن ذا الرمة لما قدم الكوفة اعترض عليه ابن شبرمة في ذلك بأنه يدل على زوال رسيس الهوى فغيره بقوله لم أجد وقال ابن عتبة حدثت أبي بذلك فقال: أخطأ ابن شبرمة وأخطأ ذو الرمة في تغييره وانما هو كقوله تعالى: «لم يكد يراها» وبعد البيت:
فلا القرب يدنو من هواها ملالة ... ولا حبها إن تنزح الدار ينزح
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)
стр. 3434
اللغة:
(الطَّيْرُ) : قال أبو عبيدة وقطرب: الطير يقع على الواحد والجمع وقال ابن الانباري: الطير: جماعة وتأنيثها أكثر من التذكير وفي المصباح: «الطائر على صيغة اسم الفاعل من طار يطير طيرانا وهو له في الجو كمشي الحيوان في الأرض ويعدى بالهمزة والتضعيف فيقال:
طيرته وأطرته وجمع الطائر طير مثل صاحب وصحب وراكب وركب وجمع الطير طيور وأطيار» .
(صَافَّاتٍ) : باسطات أجنحتهن في الهواء.
(يُزْجِي) : يسوق وفي المختار: «زجى الشيء تزجية دفعه برفق وتزجّى بكذا اكتفى به وأزجى الإبل ساقها والمزجى الشيء القليل وبضاعة مزجاة قليلة والريح تزجي السحاب والبقرة تزجي ولدها تسوقه» وفي القاموس وشرحه: «زجا يزجو زجوا وزجّى تزجية وأزجى إزجاء وازدجاه ساقه ودفعه برفق يقال: كيف تزجي أيامك أي كيف تدفعها وزجّى فلان حاجتي أي سهّل تحصيلها وأزجى الأمر أخره وأزجى الدرهم روجه» ومنه قول النابغة:
إني أتيتك من أهلي ومن وطني ... أزجي حشاشة نفس ما بها رمق
(رُكاماً) : الركام بضم الراء المتراكم بعضه فوق بعض وفي المختار: «ركم الشيء إذا جمعه وألقى بعضه على بعض وبابه نصر وارتكم الشيء وتراكم: اجتمع والركام الرمل المتراكم والسحاب ونحوه» .
стр. 3435
(الْوَدْقَ) : المطر قيل هو خاص بالضعيف وقيل هو المطر ضعيفا كان أو شديدا وهو في الأصل مصدر يقال ودق السحاب يدق من باب وعد.
(سَنا) : في المختار: «السنا مقصور ضوء البرق والسنا أيضا هو نبت يتداوى به والسناء من الرفعة ممدود والشيء الرفيع وأسناه رفعه وسناه تسنية فتحه وسهله» .
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) كلام مستأنف مسوق لتقرير هذه الحقيقة، فالهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم والفاعل مستتر تقديره أنت وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي تر لأن الرؤية هنا قلبية لأن تسبيح المسبحين لا تتعلق به رؤية البصر أي قد علمت علما يشبه المشاهدة في اليقين، وجملة يسبح خبر وله متعلقان بيسبح ومن فاعل يسبح وفي السموات والأرض صلة من. (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ) الواو للعطف والطير عطف على من وصافات حال ومفعول صافات محذوف أي باسطات أجنحتها، وكل مبتدأ وساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم وجملة قد علم خبر كل وفاعل علم يعود على كل أو على الله، ويقول أبو البقاء إن عودته على «كل» أرجح لأن القراءة برفع كل على الابتداء، فيرجع ضمير الفاعل اليه ولو كان فيه ضمير اسم الله لكان الأولى نصب كل لأن الفعل الذي بعدها قد نصب ما هو من سببها فيصير كقولك زيدا ضرب
следующие страницы →