← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة غشيهم في محل جر باضافة الظرف اليه وغشيهم فعل ماض ومفعول به وموج فاعل وكالظلل صفة لموج وجملة دعوا الله لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومخلصين حال وله متعلقان بمخلصين والدين مفعول لمخلصين لأنه اسم فاعل. (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) الفاء عاطفة ولما حينية ظرفية أو رابطة ونجاهم فعل ماض ومفعول به وفاعل مستتر تقديره هو والى البر متعلقان بنجاهم والفاء تفريعية ومنهم خبر مقدم ومقتصد مبتدأ مؤخر أي متوسط في الكفر والظلم لأنه انزجر بعض الانزجار، وقيل المقتصد المتوسط بين السابق بالخيرات والظالم لنفسه وفي الكلام إيجاز سيأتي في باب البلاغة . (وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) الواو استئنافية وما نافية ويجحد فعل مضارع مرفوع وبآياتنا متعلقان بيجحد وإلا أداة حصر وكل فاعل وختار مضاف اليه وكفور صفة لختار. البلاغة: المخالفة في الصيغة وفي حرفي الجر: في قوله «وسخر الشمس والقمر» مخالفة في الصيغة بين سخر المعطوف ويولج المعطوف عليه لأن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد كل حين فعبر عنه بالصيغة المتجددة حينا بعد حين وأما تسخير النيرين فهو أمر لا يتجدد ولا يتعدد بل هو ديمومة متصلة متتابعة فعبر عنه بالصيغة الماضية الكائنة.

стр. 4062

وفي قوله: «إلى أجل غير مسمى» مخالفة بين حرف الجر «إلى» المستعمل هنا وحرف الجر «اللام» المستعمل في مكان آخر فليس هو من تعاقب الحرفين فالاول للانتهاء والثاني للاختصاص وكل واحد منهما واقع موقعه ملائم لصحة الغرض الذي هدف اليه، لأن قولك يجري الى أجل مسمى معناه يبلغه وينتهي إليه وقولك يجري لأجل مسمى معناه يجري لإدراك أجل مسمى، فما ينتهي هنا غاية ما ينتهي اليه الخلق فناسب ذكر «الى» ، وما في فاطر والزمر ليس من هذا الوادي فناسب ذكر اللام وهذا من الدقائق البديعة فتأمل. [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) الإعراب: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ) اتقوا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به واخشوا عطف على اتقوا ويوما مفعول به وجملة لا يجزي والد عن ولده صفة ليوما. (وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) ولا مولود عطف على والد

стр. 4063

وهو مبتدأ وجاز خبر وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين والجملة صفة ليوما وشيئا مفعول جاز أو يجزي فالمسألة من باب التنازع وإن وعد الله حق ان واسمها وخبرها. (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) الفاء الفصيحة ولا ناهية وتغرنكم فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا الناهية والحياة فاعل تغرنكم والكاف مفعوله والدنيا صفة للحياة ولا يغرنكم بالله الغرور عطف على ما تقدم مماثل له في إعرابه والغرور بفتح الغين كل ما يسبب الانخداع والافتتان. (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ) كلام مستأنف مسوق لتقرير تفرد الله بالاحاطة بالمغيبات، وسبب نزولها ان الحارث بن عمرو بن حارثة أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرني عن الساعة متى قيامها وإني قد ألقيت حياتي في الأرض وقد أبطأت عنا السماء فمتى تمطر؟ وأخبرني عن امرأتي فقد اشتملت ما في بطنها أذكر أم أنثى؟ وإني علمت ما علمت أمس فما أعمل غدا؟ وهذا مولدي قد عرفته فأين أموت؟. وان واسمها وعنده ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وعلم الساعة مبتدأ مؤخر والجملة خبر إن وينزل الغيث عطف على عنده علم الساعة فهو بمثابة خبر ثان ويعلم ما في الأرحام عطف أيضا. (وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً) الواو حرف عطف وما نافية وتدري فعل مضارع ونفس فاعله وماذا اسم استفهام مركب في محل نصب مفعول مقدم لتكسب وجملة تكسب سادة مسد مفعولي تدري المعلقة بالاستفهام وغدا ظرف متعلق بتكسب ويجوز أن تكون ما مبتدأ وذا اسم موصول في محل رفع خبر، وقد تقدم القول في ماذا.

стр. 4064

(وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الواو حرف عطف وما نافية وتدري فعل مضارع مرفوع ونفس فاعل وبأي أرض متعلق بتموت وهو معلق للدراية فالجملة في محل نصب والباء ظرفية بمعنى في أي في أي أرض وان واسمها وخبرها. البلاغة: للضمائر شأن كبير في الفصاحة والبلاغة ولها تأثير في قوة الكلام وضعفه، أو توكيده وعدم توكيده، ومن ذلك قوله «ولا مولود هو جاز عن والده شيئا» فقد ورد الضمير بعد مولود ولم يرد بعد والد في قوله «لا يجزي والد عن ولده شيئا» وذلك لسر يتجاوز الاعراب، وقد أجاب الامام الزمخشري بجواب في غاية الدقة ولكنه أغفل أمرا هاما يرد عليه، وفيما يلي نص قوله: «فإن قلت: قوله ولا مولود هو جاز عن والده شيئا وارد على طريق من التوكيد لم يرد عليه ما هو معطوف عليه؟ قلت الأمر كذلك لأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية وقد انضم الى ذلك قوله هو وقوله مولود والسبب في مجيئه على هذا السنن أن الخطاب للمؤمنين وعليتهم قبض آباؤهم على الكفر وعلى الدين الجاهلي فأريد حسم أطماعهم وأطماع الناس فيهم أن ينفعوا آباءهم في الآخرة وأن يشفعوا لهم وأن يغنوا عنهم من الله شيئا فلذلك جيء به على الطريق الآكد» وواضح من هذا التعليل الجميل أنه يتمشى على الموجودين في زمن النبي ﷺ أو أنه خاص بهم والصحيح أنه عام لهم ولكل من ينطبق عليهم اسم الناس فالأولى أن يقال في جواب السؤال ان الله تعالى

стр. 4065

لما أكد الوصية على الآباء وقرن شكرهم بوجوب شكره وأوجب على الولد أن يكفي والده ما يسوءه بحسب نهاية إمكانه وغاية طوقه قطع هنا وهم الوالد في أن يكون الولد في القيامة مظنة لأنه يجزيه حقه عليه ويكفيه ما يلقاه من أهوال القيامة كما أوجب الله عليه في الدنيا ذلك في حقه، ولما كان إجزاء الولد عن الوالد ظنة الوقوع وموطن الأمل لأن الله حضه عليه في الدنيا كان جديرا بتأكيد النفي لإزالة هذا الوهم وهذا غير وارد في حق الولد على الوالد وهذا من الحسن بمكان فتأمله.

стр. 4066

(٣٢) سورة السجدة مكيّة وآياتها ثلاثون [سورة السجده (٣٢) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) الإعراب: (الم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) ألم خبر لمبتدأ محذوف وقد تقدم القول مفصلا في ذلك وتنزيل الكتاب مبتدأ ولا نافية للجنس وريب اسمها وفيه خبرها والجملة حال من الكتاب ومن

стр. 4067

رب العالمين خبر تنزيل وهناك أعاريب أخرى ضربنا صفحا عنها وقد تقدم في أول البقرة ما يشبه هذا. (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أم هي المنقطعة الكائنة بمعنى بل الاضرابية وهمزة الاستفهام الانكارية ويقولون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وجملة افتراه مقول القول وافتراه فعل ومفعول به والفاعل مستتر تقدير هو يعود على محمد وبل إضراب ثان يفيد ابطال قولهم وهو مبتدأ ولحق خبر ومن ربك حال. (لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) اللام للتعليل وتنذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوان بعد لام التعليل وفاعل تنذر مستتر تقديره أنت وقوما مفعول به أول والمفعول الثاني محذوف إذ التقدير لتنذر قوما العقاب، وما نافية وآتاهم فعل ومفعول به ومن حرف جر زائد والجملة صفة لقوما ومن قبلك صفة لنذير ويجوز أن يتعلق بآتاهم وجملة ما آتاهم المنفية في محل نصب صفة لقوما ويجوز العكس، ومفعول تنذر الثاني محذوف أي لتنذر قوما العقاب، وجوز بعضهم أن تكون ما موصولة والتقدير لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك، ومن نذير متعلقان بأتاهم أي أتاهم على لسان نذير من قبلك وبواسطته فما مفعول به ثان وانذر يتعدى الى اثنين قال تعالى: «فقل أنذرتكم صاعقة» ولعل واسمها وجملة يهتدون خبرها وجملة الترجي حال من فاعل لتنذر أي لتنذرهم راجيا لاهتدائهم. (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) الله مبتدأ والذي خبره وجملة خلق السموات والأرض صلة وما عطف على السموات وبينهما ظرف متعلق بمحذوف صلة لما وفي ستة أيام متعلقان بخلق. (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ

стр. 4068

وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) ثم حرف عطف وتراخ واستوى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله وعلى العرش متعلقان باستوى وما نافية ولكم خبر مقدم ومن دونه حال لأنه كان في الأصل صفة لولي ومن حرف جر زائد وولي مجرور لفظا مرفوع محلّا على أنه مبتدأ مؤخر ولا شفيع عطف على ولي، ويجوز أن تكون ما حجازية على رأي بعض النحاة، والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على مقدر يقتضيه السياق ولا نافية وتتذكرون فعل مضارع مرفوع والواو فاعله. (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) الجملة حالية والأمر مفعول يدبر ومن السماء متعلقان بيدبر والى الأرض متعلقان بيدبر أيضا ومن ابتدائية والى انتهائية، ثم حرف عطف وتراخ ويعرج فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو أي الأمر أي يرجع اليه واليه متعلقان بيعرج وفي يوم حال من فاعل يعرج أي كائنا في يوم وجملة كان واسمها وخبرها صفة ليوم وسيأتي مزيد بيان لمعنى هذا الزمان في باب البلاغة ، ومما صفة لألف سنة وجملة تعدون صلة. البلاغة: قال النحاس: اليوم في اللغة بمعنى الوقت، فاندفع الإشكال الذي أورده بعضهم مع قوله تعالى في سورة سأل «خمسين ألف سنة» فالعرب تعبر عن مدة العصر باليوم، ويوم القيامة فيه أيام متباينة الأوقات فمنها ما هو مقداره ألف سنة ومنها ما مقداره خمسون ألف سنة فالمراد من ذكر الألف والخمسين التنبيه على طوله والتخويف منه لا العدد بخصوصه ومن شواهد التعبير باليوم عن المدة قول الشاعر: يومان: يوم مقامات وأندية ... ويوم سير الى الأعداء تأويب

стр. 4069

[سورة السجده (٣٢) : الآيات ٦ الى ١١] ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩) وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) الإعراب: (ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) ذلك مبتدأ والاشارة إلى الله الخالق المدبر وعالم الغيب والشهادة خبر أول والعزيز خبر ثان والرحيم خبر ثالث. (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) يجوز في اسم الموصول أن يكون خبرا رابعا أو نعتا أو خبرا لمبتدأ مضمر وأن يكون منصوبا على المدح وجملة أحسن صلة وكل شيء مفعول به وخلقه فعل ماض ومفعول به والفاعل ضمير مستتر تقديره يعود على الله وجملة خلقه صفة لشيء في محل جر أو صفة لكل فهي في محل نصب وقرئ خلقه بسكون اللام فيكون بدل اشتمال من كل شيء والضمير عائد على كل شيء. (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ) وبدأ عطف على أحسن وخلق الإنسان مفعول به ومن طين متعلقان بخلق والمراد بالإنسان آدم. (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ) ثم حرف عطف للترتيب مع

стр. 4070

التراخي وجعل نسله فعل وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول به ومن سلالة متعلقان بجعل أو في محل نصب على أنه مفعول ثان، وسميت الذرية نسلا لأنها تنسل منه كما سميت النطفة سلالة لأنها تسل منه، وفي الصحاح: النجل: النسل ونجله أبوه أي ولده فالولد سليل ونجل، ومن ماء صفة لسلالة ومهين صفة لماء وهي النطفة الضعيفة. (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ) ثم حرف ترتيب وتراخ وسواه فعل وفاعل مستتر ومفعول به والمراد بالتسوية تقويمه في أحسن تقويم ونفخ عطف على سواه وفيه متعلقان بنفخ ومن روحه متعلقان بنفخ أيضا وجعل عطف ولكم متعلقان بجعل والسمع مفعول به والأبصار والأفئدة معطوفان على السمع وقليلا مفعول مطلق وما زائدة مؤكدة للقلة وتشكرون فعل مضارع مرفوع، ويجوز أن يعرب قليلا ظرف زمان فعلى الأول يكون التقدير شكرا قليلا وعلى الثاني زمانا قليلا. (وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) كلام مستأنف مسوق لبيان ضروب من أباطيلهم وسيأتي سر الالتفات في باب البلاغة والهمزة للاستفهام الانكاري وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بمحذوف تقديره نبعث وهو جواب إذا أو نخرج بدلالة خلق جديد عليه وجملة ضللنا في محل جر بإضافة الظرف إليها، وفي الأرض متعلقان بضللنا والهمزة للاستفهام الانكاري أيضا وان واسمها واللام المزحلقة وفي خلق خبرها وجديد صفة لخلق. (بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ) إضراب انتقالي من بيان كفرهم بالبعث إلى ما هو أطم وأدل على سوء ما هم مترددون فيه، وهم مبتدأ وبلقاء ربهم متعلقان بكافرون وكافرون خبر هم. (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) يتوفاكم فعل مضارع والكاف مفعول به

стр. 4071

مقدم وملك الموت فاعل والذي نعت لملك الموت وجملة وكل بكم صلة، ثم حرف عطف وتراخ والى ربكم متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. الفوائد: التفعل والاستفعال: قال الزمخشري: «والتوفي استيفاء النفس وهي الروح قال الله تعالى: «الله يتوفي الأنفس» ومعلوم أن التفعل والاستفعال يلتقيان في مثل تقضيته واستقضيته وتعجلته واستعجلته» وللتفعل معان أخرى ندرجها فيما يلي: ١- مطاوعة الرباعي المضعف نحو نبّهته فتنبّه وجمعته فتجمّع. ٢- التكلف نحو تصبّر وتكرّم أي تكلّف الصبر والكرم. ٣- الاتخاذ نحو توسّد ذراعه أي اتخذه وسادة وتورّك البعير أي اتخذ وركه مطية. ٤- التجنّب نحو تأثّم أي تجنب الإثم وتهجّد أي تجنب الهجود وهو النوم. ٥- التدريج نحو تحفّظت الدرس أي حفظته قسما بعد قسم وتجرعت الدواء أي أخذته جرعة بعد جرعة. وأشهر معاني الاستفعال ما يأتي: ١- الطلب نحو استقدمت فلانا أي طلبت قدومه واستخرجت حل المسألة أي حصلت عليه بعد طلب.

стр. 4072

٢- الصيرورة نحو استحجر أي صار حجرا واستنوق الجمل أي صار كالناقة واسترجلت المرأة أي صارت كالرجل. ٣- النسبة نحو استصوبت رأيه أي نسبت اليه الصواب واستقبحت فعله أي نسبت اليه القبح. ٤- اختصار اللفظ نحو استرجع القوم أي قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. ٥- القوة نحو استهتر أي اشتد هتاره واستكبر أي قوي كبره. وقد تأتي هذه الصيغة بمعنى أفعل نحو استجاب وأجاب وقد تكون مطاوعا له نحو أحكمت البناء فاستحكم وأقمت اعوجاجة فاستقام. [سورة السجده (٣٢) : الآيات ١٢ الى ١٧] وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)

стр. 4073

اللغة: (تَتَجافى) : تجافى: تنحى ولم يلزم مكانه يقال تجافى السرج عن ظهر الفرس وتجافى جنبه عن الفراش وقال في الأساس: «جفاني فلان: فعل بي ما ساءني واستجفيته، والأدب صناعة مجفوّ أهلها، وجفت المرأة ولدها فلم تتعاهده، وثوب جاف: غليظ وقد جفا ثوبه، وهو من جفاة العرب، وجفا السرج عن ظهر الفرس، وجنب النائم عن الفراش وتجافى «تتجافى جنوبهم عن المضاجع» وأجفاه صاحبه وجافاه، قال: وتشتكي لو أننا نشكيها ... غمز حوايا قلّما نجفيها ومن المجاز: أصابته جفوة الزمان وجفاوته. وللجيم مع الفاء خاصة الانكماش والجفاف يقال جف يجف من باب تعب جفافا وجفوفا: يبس ونشف والانكماش واضح في هذا المعنى، واجتف مافي الإناء: أتى عليه، وجفأ يجفأ من باب فتح النهر رمى بالزبد والقذى وجفجف الإبل: ساقها بشدة حتى ركب بعضها بعضا أي انكمش بعضها على بعض، وجفخ تكبر والمتكبر منكمش عن الناس ترفعا وتيها منه، وجفل القوم وأجفلوا هربوا مسرعين ووقعت في الناس جفلة إذا خافوا فانجفلوا وليس مثل الخائف في الانكماش والاسراع، وجفن الناقة: نحرها وأطعم لحمها في الجفان وجفن نفسه كفها عن الخبائث وتجفّن الكرم صار له أصل والجفنة بفتح الجيم القصعة الكبيرة والخمرة والبئر الصغيرة فما تطلقه العامة على جفنة الكرم له أصل صحيح.

стр. 4074

الإعراب: (وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) كلام مستأنف مسوق لاستحضار صورة المجرمين عامة يوم القيامة والخطاب لمحمد ﷺ أو لكل أحد ممن يصلح له ولتجسيد الفظاعة التي حلت بهم. ولو شرطية وترى فعل مضارع فاعله مستتر تقديره أنت وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بتري وانما جاز ذلك لترقب وقوعه وتحققه نحو أتى أمر الله، وجعله أبو البقاء مما وقعت فيه إذ موقع إذا، والمجرمون مبتدأ وناكسو رءوسهم خبر وسيأتي سر التعبير بالجملة الاسمية في باب البلاغة وعند ربهم ظرف متعلق بمحذوف حال ومفعول ترى محذوف لأن الرؤية بصرية أي لو ترى المجرمين، وقد أغنى عن ذكره المبتدأ، وجواب لو محذوف أي لرأيت أمرا فظيعا لا يمكن وصفه، وأجاز الزمخشري أن تكون لو للتمني والمضي فيها وفي إذ لأن الثابت في علم الله بمثابة الواقع، وناكسو رءوسهم اسم فاعل مضاف الى مفعوله. (رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ) الكلام مقول قول محذوف في موضع الحال أي قائلين وربنا منادى مضاف حذف منه حرف النداء وأبصرنا فعل وفاعل والمفعول محذوف أي أبصرنا صدق وعدك ووعيدك وسمعنا منك تصديق رسلك، وسمعنا عطف على أبصرنا ويجوز عدم تقدير مفعول أي صرنا ممن ببصر ويسمع وكنا من قبل صما وعميانا وهو جميل، فأرجعنا الفاء الفصيحة وارجعنا فعل أمر المقصود منه الدعاء ومفعول به ونعمل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وصالحا مفعول به أو مفعول مطلق وان واسمها وخبرها.

стр. 4075

(وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها) الواو عاطفة ولو شرطية وشئنا فعل وفاعل ولآتينا اللام واقعة في جواب لو وآتينا فعل وفاعل وكل نفس مفعول آتينا الاول وهداها مفعول آتينا الثاني. (وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) الواو حالية ولكن مخففة مهملة فهي لمجرد الاستدراك وحق القول فعل وفاعل ومني حال ولأملأنّ اللام موطئة للقسم وأملأن فعل مضارع مبني على الفتح والفاعل مستتر تقديره أنا وجهنم مفعول به ومن الجنة متعلقان بأملأن والناس عطف على الجنة وقدم الجن لأن المقام مقام تحقير لهم وأجمعين تأكيد وسيأتي القول في معنى أجمعين هنا في باب الفوائد. (فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا) الفاء الفصيحة أي إن نسيتم هذا كله فذوقوا، وذوقوا فعل أمر وفاعله وبما الباء حرف جر للسببية وما مصدرية والمصدر الاول مجرور بالباء والجار والمجرور متعلقان بذوقوا ومفعول ذوقوا محذوف تقديره العذاب ولقاء يومكم مفعول نسيتم وهذا صفة ليومكم أي المشار اليه. (إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) كلام مستأنف لزيادة إيلامهم ومقابلة نسيانهم اللقاء بنسيان أمضى وأنكى، وان واسمها وجملة نسيناكم خبرها وذوقوا فعل أمر والواو فاعل والجملة مقول قول محذوف أي ونقول ذوقوا وعذاب الخلد مفعول ذوقوا، وكرر الذوق مع مفعوله للتأكيد وتبيين المفعول المطوي للذوق، وبما جار ومجرور متعلقان بذوقوا وقدمر قريبا وكنتم كان واسمها وجملة تعملون خبرها. (إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً) كلام مستأنف مسوق لبيان الذين إذا قرئ عليهم القرآن خروا سجدا وإنما كافة ومكفوفة ويؤمن فعل مضارع مرفوع وبآياتنا متعلقان به

стр. 4076

والذين فاعل وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة ذكروا في محل جر بإضافة الظرف إليها والواو نائب فاعل وبها متعلقان بذكروا وجملة خروا جواب إذا وسجدا حال من فاعل خروا. (وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) وسبحوا عطف على خروا وبحمد ربهم حال والواو حالية وهم مبتدأ وجملة لا يستكبرون خبر والجملة في محل نصب على الحال. (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ) الجملة مستأنفة أو حالية أيضا وجنوبهم فاعل وعن المضاجع متعلقان بتتجافى. (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) جملة يدعون إما مستأنفة وإما حالية أيضا ويدعون ربهم فعل مضارع وفاعل ومفعول به وخوفا وطمعا إما مفعول من أجله وإما حالان وإما مصدران لفعل محذوف ومما متعلقان بينفقون وجملة رزقناهم صلة ما. (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) يجوز أن تكون الفاء عاطفة أي تتجافى جنوبهم ويدعون ربهم فلا، ويجوز أن تكون فصيحة أي إن حلول أحد أن يعلم مصيرهم وما أعد الله لهم من قرة أعين فلا يعلم. ولا نافية وتعلم نفس فعل مضارع وفاعل وما اسم موصول مفعول تعلم أي لا تعلم الذي أخفاه الله ويجوز أن تكون استفهامية في محل رفع مبتدأ وأخفي لهم خبره وعلى قراءة أخفي بسكون الياء تكون ما مفعول أخفي لأنه فعل مضارع وفاعله أنا وتكون ما الاستفهامية معلقة لمتعلم ولهم متعلقان بأخفي ومن قرة أعين حال من ما وجزاء مفعول مطلق لفعل محذوف أي جوزوا جزاء أو مفعول لأجله أي أخفي لهم لأجل جزائهم وبما متعلقان بجزاء وكان واسمها وجملة يعملون خبرها.

стр. 4077

البلاغة: العدول عن الفعلية الى الاسمية: في قوله «ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم» عدول عن الجملة الفعلية الى الجملة الاسمية لتقرير ثباتهم على نكس رءوسهم خجلا وحياء وخزيا عند ما تبدو مثالبهم وهناتهم بصورة دميمة شوهاء تبعث على الهزء بهم والسخرية منهم كأنما استمر ذلك منهم، لا يرتفع لهم رأس، ولا يمتد منهم طرف. وكذلك عدل عن الفعلية الى الاسمية المؤكدة في قوله «إنا موقنون» أي انهم ثابتون على الإيقان راغبون فيه بعد أن ظهرت لهم المغاب منادية عليهم بالويل والثبور. الفوائد: التوكيد بأجمعين: يجوز إذا أريد تقوية التوكيد أن يتبع كله بأجمع وكلها بجمعاء وكلهم بأجمعين وكلهن بجمع فتقول جاء الجنس كله أجمع والقبيلة كلها جمعاء والقوم كلهم أجمعون والنساء كلهن جمع، وقد يؤكد بهن وإن لم يتقدم كل نحو الآية المتقدمة وقوله «لأغوينهم أجمعين» . [سورة السجده (٣٢) : الآيات ١٨ الى ٢٢] أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)

стр. 4078

الإعراب: (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف يقتضيه السياق ومن مبتدأ وجملة كان صلة واسمها مستتر تقديره هو ومؤمنا خبرها وكمن خبر من وجملة كان صلة من الثانية وفاسقا خبر كان وجملة لا يستوون مستأنفة لا موضع لها من الاعراب ويستوون فعل مضارع مرفوع وفاعل ومتعلقه محذوف أي في المآل، وروي أنه ﷺ كان يتعمّد الوقف على قوله فاسقا ثم يبتدىء بقوله لا يستوون. قال الزجاج: جعل الاثنين جماعة حيث قال: لا يستوون، لأجل معنى من، وقيل لكون الاثنين أقل الجمع. (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) أما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وجملة عملوا الصالحات معطوفة على الصلة داخلة في حيزها فلهم الفاء رابطة ولهم خبر مقدم وجنات المأوى مبتدأ مؤخر، والمأوى المكان تلجأ إليه ويقال المأواة والمأوي، ونزلا حال من جنات المأوى أي حالة كونها مهيأة ومعدة

стр. 4079

لهم، والنزل بضمتين عطاء النازل ثم صار عاما فاستعماله بمعنى الفندق لا غبار عليه بل لعله أولى بالنسبة للفنادق الرفيعة لأن الفندق كقنفذ هو الخان كما في القاموس ويقال فيه الفنتق، قال ابن عباد هو خان السبيل لغة في الفندق وأنكره الخفاجي في شفاء الغليل قال شارح القاموس: «وهو- أي كلام الخفاجي- غير متجه فقد قال الفراء سمعت أعرابيا من قضاعة يقول فتق للفندق وهو الخان» ، وبما صفة لنزلا وما مصدرية أو موصولية وكان واسمها وجملة يعملون خبرها. (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ) الواو عاطفة وأما شرطية تفصيلية كما تقدم والغالب تكريرها وسيرد في باب الفوائد إلماع إليها والذين مبتدأ وفسقوا صلة والفاء رابطة ومأواهم النار ابتداء وخبر والجملة خبر الذين. (كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) كلما ظرف زمان متضمن معنى الشرط وقد تقدم القول في كلما كثيرا وأرادوا فعل وفاعل والجملة مستأنفة لبيان كيفية مأواهم فيها وأن وما في حيزها مفعول أرادوا ومنها متعلقان بيخرجوا وجملة أعيدوا لا محل لها وفيها متعلقان بأعيدوا وقيل عطف على أعيدوا والواو نائب فاعل ولهم متعلقان بقيل وجملة ذوقوا عذاب النار مقول القول والذي صفة للعذاب وجملة كنتم صلة وبه متعلقان بتكذبون وجملة تكذبون خبر كنتم. (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم ونذيقنهم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به ومن العذاب جار ومجرور متعلقان بنذيقنهم والأدنى صفة للعذاب

стр. 4080

والمراد بالأدنى عذاب الدنيا وما يستهدفون له من محن ونكبات، ودون ظرف زمان بمعنى قبل متعلق بمحذوف حال والعذاب مضاف إليه والأكبر نعت والمراد بالأكبر عذاب الآخرة ولعل واسمها وخبرها وجملة الترجي حالية والمراد بها ترجي المخاطبين كما قال سيبويه في تفسيرها. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ) كلام مستأنف مسوق لبيان حال من قابل النعمة بالإعراض والإشاحة عنها ومن اسم استفهام معناه النفي مبتدأ وأظلم خبر وممن متعلقان بأظلم وجملة ذكر صلة لمن وبآيات ربه متعلقان بذكر وثم حرف عطف وتراخ وأعرض عطف على ذكر وعنها متعلقان بأعرض وسيأتي معنى التراخي في باب البلاغة وإنا ان واسمها ومن المجرمين متعلقان بمنتقمون ومنتقمون خبر إن. البلاغة: ١- ذكرنا فيما سبق أن لحروف العطف أسرارا لا يدركها إلا المبين، فلا يصح وضع بعضها موضع بعض للفوارق بينها، وكلمة «ثم» خاصة بالاستبعاد والتطاول في المدة وقد ناسب ذكرها في قوله «ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها» لأن الإعراض عن الآيات مع غاية وضوحها وإشراقها مستبعد في حكم البداءة الثابتة وموازين العقول الراجحة. وقد رمق الشعراء سماء هذه البلاغة فقال جعفر بن علبة الحارثي فيما يرويه ديوان الحماسة: ولا يكشف الغمّاء إلا ابن حرّة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها

стр. 4081

نقاسمهم أسيافنا شر قسمة ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها فقد شبه الداهية الغماء بأمر محسوس يغشي الناس ويغطيهم على طريق الاستعارة المكنية، وقال ابن حرة ليكون حفزا للسامع وتهييجا له على خوض الهيجاء وغمرات الموت شدائده وأهواله، والشاهد في قوله ثم يزورها استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها لأن بين رؤية الأهوال المفزعة وبين الانحدار إليها برغبة تشبه الرغبة في لقاء المحبوب بونا بعيدا في العادة والعقل، وشبه السيوف ممتدة متوسطة بينهم بشيء تجري فيه المقاسمة على طريق الاستعارة المكنية ثم فرع على تلك المقاسمة أن لهم غواشيها أي ما يغشاهم منها وهي مقابضها أو لأنها زائدة على النصل فهي غاشية له ولأعدائه صدورها أي أطرافها المتقدمة منها وصدر كل شيء مقدمه، وعبر بفي دون اللام لأن «في» تفيد مجرد اشتمال الأعداء على الصدور لدخولها في أجسامهم واللام تفيد التملك وليس مرادا وإن كان مقتضى القسمة فلعله دفع توهمه بالعدول الى «في» وذكرها أولا تمهيدا للثانية. ٢- في قوله «وأما الذين فسقوا فمأواهم النار» الآية، فن من فنون البديع لم يذكره أحد من الذين كتبوا في فنون البديع ما عدا ابن أبي الإصبع وهو الشماتة، وهو ذكر ما أصاب عدوك من آفات ومحن جزاء ما اقترفت يداه مع المبالغة في تصوير غمائه وما يتخبط به من أهوال وإظهار اغتباطك بما أصابه شماتة به وتشفيا منه، وفي هذه الآية من ضروب التشفي والشماتة ما لا يخفى، وهو شائع في القرآن وفي الشعر ومنه قصيدة «فتح الفتوح» لأبي تمام.

стр. 4082

الفوائد: عود على أمّا: (أَمَّا) بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف شرط وتوكيد وتفصيل غالبا ويدل على معنى الشرط مجيء الفاء بعدها غالبا، ويدل على معنى التفصيل استقراء مواقعها وعطف مثلها عليها، ولا بد لها من فاء تالية لتاليها إلا ان دخلت الفاء على قول قد طرح استغناء عنه بالمقول فيجب حذفها منه. [سورة السجده (٣٢) : الآيات ٢٣ الى ٣٠] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)

стр. 4083

اللغة: (الْجُرُزِ) : يقال: جرزه الزمان: اجتاحه، قال تبع: لا تسقني بيديك إن لم ألقها ... جرزا كأن أشاءها مجروز وأرض مجروزة وقد جرزت: قطع نباتها وأرض جرز وأرضون أجراز وسنون أجراز: جدبة ومفازة مجراز. قال الراعي: وغبراء مجراز يبيت دليلها ... مشيحا عليها للفراقد راعيا وسيف جراز و «لن ترضى شانئة إلا بجرزة» مثل في العداوة وأن المبغض لا يرضى إلا باستئصال من يبغضه وضربه بالجرز وخرجوا بأيديهم الجرزة وجاء بجرزة من قت وبجرز منه وهي الحزمة والعامة تستعمل هذه الكلمة كثيرا ولا غبار عليها كما ترى، ومن المجاز رجل جروز: أكول لا يدع على المائدة شيئا، وامرأة جارز: عاقر. وفي المختار: «أرض جرز وجرز كعسر لا نبات بها» أي قطع وأزيل بالمرة وقيل هو اسم موضع باليمن، وفي المصباح: «الجرزة: القبضة من القت ونحوه أو الحزمة والجمع جرز كغرفة وغرف وأرض جرز بضمتين قد انقطع الماء عنها فهي يابسة لا نبات فيها.

стр. 4084

الإعراب: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ) كلام مستأنف مسوق لتسليته ﷺ وانما اختار موسى لأن اليهود والنصارى كانوا مؤمنين به فتمسك بالمجمع عليه ليكون ألزم لإيقاع الحجة عليهم. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وموسى مفعول به أول لآتينا والكتاب مفعول به ثان والفاء الفصيحة ولا ناهية وتكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلا واسمها ضمير مستتر تقديره أنت وفي مرية خبرها أي شك ومن لقائه صفة لمرية والضمير في لقائه يعود على موسى فيكون المصدر وهو لقاء مضافا الى مفعوله أو على الكتاب وحينئذ تكون الاضافة للفاعل أي من لقاء الكتاب لموسى، وهناك أقوال كثيرة في عودة الضمير ضربنا عنها صفحا لتهافتها. (وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) وجعلناه فعل وفاعل ومفعول به والضمير يعود على موسى والكتاب أيضا وهدى مفعول به ثان ولبني إسرائيل متعلقان بهدى أو صفة له. (وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ) وجعلنا عطف على جعلنا الأول ومنهم مفعول جعلنا الثاني وأئمة مفعول جعلنا الأول وجملة يهدون صفة لأئمة وبأمرنا حال ولما ظرف بمعنى حين متعلق بجعلنا أي جعلناهم أئمة حين صبروا وجواب لما محذوف دل عليه ما قبله والتقدير ولما صبروا جعلنا منهم أئمة وكانوا عطف على صبروا وبآياتنا متعلقان بيوقنون ويوقنون خبر كانوا (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) إن واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ وجملة يفصل خبر إن أو خبر هو والجملة خبر إن وبينهم ظرف متعلق بيفصل ويوم القيامة متعلق بمحذوف حال

стр. 4085

وفيما متعلقان بيفصل وجملة كانوا صلة وفيه متعلقان بيختلفون وجملة يختلفون خبر كانوا. (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو للعطف على مقدر يقتضيه السياق أي أغفلوا ولم يهد لهم أي يتبين، ولم حرف نفي وقلب وجزم ويهد فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل ما دل عليه «لم يهد» لأن كم لا تقع فاعلة والتقدير أولم يهد لهم كثرة إهلاكنا القرون، ولك أن تقدره بهذا الكلام، وكم خبرية في محل نصب مفعول به مقدم لأهلكنا ومن قبلهم حال من القرون ومن القرون حال أيضا من كم وجملة يمشون إما أن تكون استئنافية مسوقة لبيان وجه هدايتهم وإما أن تكون حالا من الضمير في لهم والتقدير يمشون أي يمرون في أسفارهم للتجارة على ديارهم وبلادهم ويشاهدون آثار هلاكهم وفي مساكنهم متعلقان بيمشون. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسم إن المؤخر والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على مقدر يقتضيه أسلوب الحديث أي أصموا فلا يسمعون ولا نافية ويسمعون فعل مضارع مرفوع. (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر أيضا ولم حرف نفي وقلب وجزم ويروا فعل مضارع مجزوم بلم والواو فاعل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعول يروا وان واسمها وجملة نسوق خبرها والماء مفعول به والى الأرض متعلقان بنسوق والجرز نعت للأرض.

стр. 4086

(فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ) فنخرج عطف على نسوق وفاعل نخرج ضمير مستتر تقديره نحن وبه متعلقان بنخرج وزرعا مفعول به وجملة تأكل صفة لزرعا ومنه متعلقان بتأكل وأنعامهم فاعل تأكل وأنفسهم عطف على أنعامهم والهمزة للاستفهام الانكاري، فلا يبصرون تقدم إعراب نظيره. (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) كلام مستأنف مسوق للرد على استهزائهم فقد كانوا يسخرون من المسلمين الذين يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين ويفصل بيننا وبينهم فيقولون متى هذا الفتح؟ ومتى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية الزمانية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم وهذا مبتدأ مؤخر والفتح بدل من اسم الاشارة وإن شرطية وكنتم كان واسمها في محل جزم فعل الشرط وصادقين خبر كان وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله. (قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) يوم الفتح مبتدأ وجملة لا ينفع خبره والذين كفروا مفعول ينفع المقدم وإيمانهم فاعل ينفع المؤخر والواو عاطفة وهم مبتدأ وجملة ينظرون خبر وينظرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل أي يمهلون. (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ) الفاء الفصيحة وأعرض فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعنهم متعلقان بأعرض وانتظر فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت ومفعوله محذوف تقديره النصر عليهم وإن واسمها ومنتظرون خبرها ومفعول منتظرون الذي هو اسم فاعل محذوف أيضا تقديره النصر عليكم.

стр. 4087

البلاغة: في قوله تعالى «أو لم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم» الآية، فن المناسبة. والمناسبة قسمان: إما مناسبة في المعاني وإما مناسبة في الألفاظ أما الأولى فهي أن يبتدىء المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ وقد مرت أمثلته في الأنعام والقصص وهذه الآية، فقد قال تعالى في صدرها أولم يهد لهم وهي موعظة سمعية لكونهم لم ينظروا الى القرون الهالكة وإنما سمعوا بها فناسب أن يأتي بعدها بقوله «أفلا يسمعون» أما بعد الموعظة المرئية وهي قوله «أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز» فقد ناسب أن يقول «أفلا يبصرون» لأن الزرع مرئي لا مسموع ليناسب آخر كل كلام أوله، وأما المناسبة اللفظية فهي الإتيان بألفاظ متزنات مقفاة وغير مقفاة، فالمقفاة مع الاتزان مناسبة تامة وغير المقفاة مع الاتزان مناسبة ناقصة وشيوع هذه في الكلام الفصيح أكثر لعدم التكلف ولأن التقفية غير لازمة فيها فإن وقعت مندرجة في الكلام من غير تكلف ساغت وكانت آية في الجمال وستأتي أمثلتها في القرآن الكريم وسبق مثالها في قوله في يونس: «لهم شراب من حميم وعذاب أليم» ومن شواهد التامة في الحديث قوله ﷺ فيما روي عنه من الدعاء مما كان يرقي به الحسن والحسين «أعيذ كما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامّة» ولم يقل ملمة وهي القياس لمكان المناسبة، ومما ورد من المناسبة اللفظية التامة قول ابن هانىء الأندلسي من أبيات: وعوانس وقوانس وفوارس ... وكوانس وأوانس وعقائل

стр. 4088

ومن المناسبة اللفظية غير التامة: مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الحظ إلا أن تلك ذوابل فقد ناسب بين مها وقنا مناسبة غير تامة وبين الوحش والحظ وأوانس وذوابل.

стр. 4089

(٣٣) سورة الأحزاب مدنية وآياتها ثلاث وسبعون [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٣) ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥)

стр. 4090

اللغة: (تُظاهِرُونَ) : مضارع ظاهر ومصدره الظهار بكسر الظاء وهو- كما في القاموس- قول الرجل لامرأته أنت عليّ كظهر أمي وقد ظاهر منها وتظهّر وظهّر، وخصوا الظهر دون غيره لأنه موضع الركوب والمرأة مركوب الزوج ففي قول المظاهر أنت عليّ كظهر أمي كناية تلويحية لأنه ينتقل من الظهر الى المركوب ومن المركوب إلى المرأة لأنها مركوب الزوج فكأن الظاهر يقول: أنت محرمة عليّ لا تركبين كتحريم ركوب أمي. ومن المفيد أن نورد ما قاله الزمخشري في معنى أنت عليّ كظهر أمي قال: «أرادوا أن يقولوا أنت عليّ حرام كبطن أمي فكنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي ذكره يقارب ذكر الفرج وإنما جعلوا الكناية عن البطن بالظهر لأنه عمود البطن ومنه حديث عمر ﵁: يجيء به أحدهم على عمود بطنه أراد على ظهره ووجه آخر وهو أن إتيان المرأة وظهرها الى السماء كان محرما عندهم محظورا وكان أهل المدينة يقولون: إذا أتيت المرأة ووجهها الى الأرض جاء الولد أحول فلقصد المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه شبهها بالظهر ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمه فلم يترك ظهر الأم» وأحكام الظهار مبسوطة في كتب الفقه. (أَدْعِياءَكُمْ) : جمع دعي وهو من يدعى لغير أبيه، فعيل بمعنى مفعول ولكن جمعه على أدعياء غير مقيس لأن أفعلاء إنما يكون جمعا لفعيل المعتل اللام إذا كان بمعنى فاعل نحو تقي وأتقياء وغني وأغنياء، وهذا وإن كان فعيلا معتل اللام إلا أنه بمعنى مفعول فكان القياس جمعه على فعلى كقتيل وقتلى وجريح وجرحى.

стр. 4091

الإعراب: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) يا حرف نداء وأي منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب يا والهاء للتنبيه والنبي بدل واتق فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت ولفظ الجلالة: مفعول به ولا الواو حرف عطف ولا ناهية وتطع فعل مضارع مجزوم بلا وفاعل تطع ضمير مستتر تقديره أنت والكافرين مفعول به والمنافقين عطف على الكافرين وجملة إن الله تعليل للأمر والنهي لا محل لها وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وعليما خبر كان الأول وحكيما خبرها الثاني. (وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) واتبع عطف على اتق وما مفعول به وجملة يوحى صلة ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وإليك متعلقان بيوحى ومن ربك حال وجملة إن الله تعليل للأمر أيضا وقد تقدم اعرابها قريبا. (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا) عطف على ما تقدم وعلى الله متعلقان بتوكل وكفى فعل ماض والباء حرف جر زائد والله فاعل كفى محلا ووكيلا تمييز وأجازوا إعرابه حالا. (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) كلام مستأنف مسوق للرد على مزاعم المشركين بأن لبعضهم قلبين فهو أعقل من محمد وسيأتي المزيد من هذا البحث في باب الفوائد. وما نافية وجعل الله فعل وفاعل ولرجل متعلقان بمحذوف مفعول جعل الثاني أو بنفس جعل وقلبين مفعول جعل محلا مجرور بمن الزائدة لفظا وفي جوفه صفة لقلبين. (وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي

стр. 4092

تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ) الواو عاطفة وما نافية وجعل فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله وأزواجكم مفعول جعل الأول واللائي اسم موصول صفة وجملة تظاهرون صلة ومنهن متعلقان بتظاهرون وإنما عدي بمن لأنه ضمن معنى التباعد كأنه قيل متباعدين من نسائهم بسبب الظهار، وأمهاتكم مفعول جعل الثاني. (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ) عطف على ما تقدم وأدعياءكم مفعول جعل الاول وأبناءكم مفعول جعل الثاني وستأتي قصة زيد بن حارثة في باب الفوائد، وذلكم مبتدأ والاشارة للنسب وقولم خبر وبأفواهكم حال أي كائنا بأفواهكم فقط من غير أن تكون له حقيقة. (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) الواو للحال أو للاستئناف والله مبتدأ وجملة يقول خبر والحق صفة لمصدر محذوف أي القول الحق وهو مبتدأ وجملة يهدي السبيل خبر والسبيل منصوب بنزع الخافض أو مفعول ثان ليهدي كما تقدم. (ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ) كلام مستأنف لبيان أن نسبة كل مولود الى والده أقوم وأعدل. وادعوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به ولآبائهم متعلقان بادعوهم وهو مبتدأ وأقسط خبر وعند الله ظرف متعلق بمحذوف حال. (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ) الفاء عاطفة وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتعلموا فعل مضارع مجزوم بلم والواو فاعله وآباءهم مفعوله، فإخوانكم الفاء رابطة للجواب وإخوانكم خبر لمبتدأ محذوف أي فهم إخوانكم وفي الدين حال ومواليكم عطف على إخوانكم أي أبناء عمومتكم، والمولى يطلق على عدة معان منها ابن العم.

стр. 4093

(وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ) الواو عاطفة وليس فعل ماض ناقص وعليكم خبر ليس المقدم وجناح اسمها المؤخر وفيما صفة لجناح وجملة أخطأتم صلة وبه متعلقان بأخطأتم. (وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الواو عاطفة ولكن حرف استدراك مهمل لأنه خفف وما عطف على ما في قوله فيما فمحله الجر، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي تؤاخذون به أو عليكم الجناح فيه وجملة كان الله حالية أو استئنافية. الفوائد: اشتملت هذه الآيات على فوائد كثيرة نوردها فيما يلي على سبيل الاختصار ونحيل من أراد المزيد منها على المطولات. ١- معنى ولا تطع الكافرين والمنافقين: قال الزمخشري: «لا تساعدهم على شيء ولا تقبل لهم رأيا ولا مشورة وجانبهم واحترس منهم فانهم أعداء الله وأعداء المؤمنين لا يريدون إلا المضارّة والمضادّة، وروي أن النبي ﷺ لما هاجر الى المدينة وكان يحب اسلام اليهود قريظة والنضير وبني قينقاع وقد بايعه ناس منهم على النفاق فكان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه وكان يسمع منهم فنزلت» وروي أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا عليه فنزلوا على عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين بعد قتال أحد وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن

стр. 4094

أبيرق فقالوا للنبي وعنده عمر بن الخطاب: أرفض ذكر آلهتنا وقل إن لها شفاعة لمن عبدها وندعك وربّك فشقّ ذلك على النبي فقال عمر: يا رسول الله ائذن لنا في قتلهم فقال: إني أعطيتهم الأمان فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه فأمر النبي أن يخرجوا من المدينة. ٢- معنى جمع القلبين: قام النبي ﷺ يوما يصلي فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترى أن له قلبين: قلبا معكم وقلبا معهم، وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان رجل من قريش يسمى ذا القلبين يقول: لي نفس تأمرني ونفس تنهاني فأنزل الله فيه ما تسمعون. وروي أنه وجد من المشركين من ادعى أن له قلبين يفهم بكل منهما أو يعقل أفضل من عقل محمد وانه هو أو غيره كان يدعى ذا القلبين وأن الآية ردت هذا الزعم كما أبطلت مزاعم التبني والظهار من ضلالات العرب ومعنى القلب اللحمي غير مراد على كل حال. هذا ويطلق لفظ القلب اسما لمضغة من الفؤاد معلقة بالنياط أو بمعنى الفؤاد مطلقا، ويقول بعضهم: ان القلب هو العلقة السوداء في جوف هذه المضغة الصنوبرية الشكل المعروفة كأنه يريد أن هذا هو الأصل ثم جعله بعضهم اسما لهذه المضغة وبعضهم توسع فسمى هذه اللحمة كلها حتى شحمها وحجابها قلبا ويطلق اسما لما في جوف الشيء وداخله واسما لشيء معنوي وهو النفس الانسانية التي تعقل وتدرك وتفقه وتؤمن وتكفر وتتقي وتزيغ وتطمئن وتلين وتقسو وتخشى وتخاف، وقد نسبت إليه كل هذه المعاني في القرآن، والأصل في هذا أن أسماء الأشياء المعنوية مأخوذة من أسماء الأشياء الحسية

стр. 4095

وقد أطلق على الشيء الذي يحيا به الإنسان ويدرك العقليات والوجدانيات كالحب والبغض والخوف والرجاء، عدة أسماء منها القلب والروح والنفس واللب، وهناك مناسبة أخرى للقلب وهي أن قلب الحيوان هو مظهر حياته الحيوانية ومصدرها وللوجدانات النفسية والعواطف تأثير في القلب الحسي يشعر به الإنسان ومهما كانت المناسبة التي كانت سبب التسمية فلفظ القلب يطلق في القرآن بمعنى النفس المدركة والروح العاقلة التي يموت الإنسان بخروجها منه قال تعالى «وبلغت القلوب الحناجر» أي الأرواح لا هذه المضغ اللحمية التي لا تنتقل من مكانها وقال «فتكون لهم قلوب فيعقلون بها» أي نفوس وأرواح وليس المراد أن القلب الحسي آلة العقل وقال «نزل به الروح الأمين على قلبك» أي على نفسك الناطقة وروحك المدركة وليس المراد بالقلب هنا المضغة اللحمية ولا العقل، لأن العقل في اللغة ضرب خاص من ضروب العلم والإدراك ولا يقال ان الوحي نزل عليه ولكن قد تسمى النفس العاقلة عقلا كما تسمى قلبا، وقد يعزى الى القلب ويسند اليه ما هو من أفعال النفس أو انفعالاتها التي يكون لها أثر في القلب الحسي كقوله تعالى: «إذا ذكر الله وجلت قلوبهم» وقوله: «ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم» وقوله: «ويذهب غيظ قلوبهم» . وقد افتتحت السورة بالأمر بتقوى الله والنهي عن طاعة الكافرين والمنافقين واتباع الوحي المنزل خاصة وجاء بعد ذلك قوله تعالى «ما جعل الله لرجل من قلبين» فكان المراد منه أن الإنسان لا يمكن أن يكون له قلبان يجمع بهما بين الضدين وهما ابتغاء مرضاة الله وابتغاء مرضاة الكافرين والمنافقين بل له قلب واحد إذا صدق في التوجه الى شيء لا يمكنه أن يتوجه الى ضده بالصدق والإخلاص

стр. 4096

فيكون في وقت واحد مخلصا لله ومخلصا لأعداء دينه، ومن هذا الباب قول الشاعر وقد رمق سماء هذا المعنى: لو كان لي قلبان عشت بواحد ... وتركت قلبا في هواك يعذب وخلاصة القول أن أشد ما ذكر فيه من التأويلات انهم كانوا يدعون لابن خطل قلبين فنفى الله صحة ذلك وقرنه بما كانوا يقولونه من الأقاويل المتناقضة كجعل الأدعياء أبناء والزوجات أمهات وهذه الأمور الثلاثة متنافية، أما الأول فإنه يلزم من اجتماع القلبين قيام أحد المعنيين بأحدهما وضده في الآخر وذلك كالعلم والجهل والأمن والخوف وغير ذلك، وأما الثاني فلأن الزوجة في مقام الامتهان والأم في محل الإكرام فنافى أن تكون الزوجة أما، وأما الثالث فلأن البنوّة أصالة وعراقة في النسب والدعوة لاصقة عارضة به فهما متنافيان وذكر الجوف ليصور به صورة اجتماع القلبين فيه حتى يبادره السامع بالإنكار. هذا وقد قال تعالى هنا «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه» وقال في موضع آخر: «رب إني نذرت لك ما في بطني محررا» فاستعمل الجوف في الأولى والبطن في الثانية ولم يستعمل الجوف موضع البطن ولا البطن موضع الجوف واللفظتان سواء في الدّلالة وهما ثلاثيتان في عدد واحد ووزنهما واحد أيضا فانظر الى سبك الألفاظ كيف يفعل فعله؟

стр. 4097

٣- قصة زيد بن حارثة: أجمع أهل التفسير على أن قوله تعالى «وما جعل أدعياءكم أبناءكم» أنزل في زيد بن حارثة، وكان من أمره ما رواه أنس بن مالك وغيره أنه سبي صغيرا فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد فوهبه لعمته خديجة بنت خويلد فوهبته خديجة لرسول الله ﷺ فأعتقه وتبناه فأقام عنده مدة ثم جاء عنده أبوه وعمه في فدائه فقال لهما رسول الله: خيّراه فإن اختراكما فهو لكما دون فداء فاختار زيد الرق مع رسول الله على حريته فقال النبي عند ذلك: يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني، ولما تزوج النبي زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد بن حارثة الذي تبناه النبي قالوا تزوج محمد امرأة ابنه فكذبهم الله في ذلك وسترد القصة مع مناقشتها قريبا في هذه السورة. [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦ الى ٨] النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٦) وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٧) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (٨)

стр. 4098

الإعراب: (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) النبي مبتدأ وأولى بالمؤمنين خبر ومن أنفسهم متعلقان بأولى أيضا. (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ) الواو عاطفة وأزواجه مبتدأ وأمهاتهم خبر وسيأتي معنى هذا التشبيه في باب البلاغة وأولو الأرحام مبتدأ أيضا والأرحام جمع رحم وهي القرابة وبعضهم مبتدأ ثان أو بدل من أولو وأولى ببعض خبر ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي بإرث بعض وفي كتاب الله متعلقان بأولى أو بمحذوف حال من الضمير في أولى ومن المؤمنين جار ومجرور متعلقان بأولى أيضا أي الأرقاب بعضهم أولى بإرث بعض من أن يرثهم المؤمنون والمهاجرون الأجانب ولك أن تعلقها بمحذوف على أنها حال لأنها بمثابة البيان لقوله أولو الأرحام. (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً) إلا أداة استثناء وأن تفعلوا مصدر مؤول مستثنى من أعم العام لأنه استثناء من غير الجنس أي إلا في الوصية وهي المعنية بفعل المعروف والى أوليائكم متعلقان بتفعلوا بعد تضمينها معنى تؤدوا أو تسدوا ومعروفا مفعول به وكان واسمها ومسطورا خبرها وفي الكتاب متعلقان بمسطورا. (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) الظرف متعلق بمحذوف أي اذكر والكلام مستأنف ولك أن تعطفه على محل في الكتاب فيتعلق بمسطورا والأول أولى وجملة أخذنا في محل جر بإضافة الظرف إليها ومن النبيين متعلقان بأخذنا وميثاقهم مفعول به والمراد به تبليغ الرسالة وما بعده عطف على من النبيين من عطف الخاص على العام كما سيأتي في باب البلاغة.

стр. 4099

(وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) عطف على أخذنا السابقة وسيأتي سر وصف الميثاق بالغلظ في باب البلاغة . (لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً) اللام للتعليل ويسأل فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بأخذ على طريق الالتفات وفاعل مستتر يعود على الله والصادقين مفعول به وعن صدقهم متعلقان بيسأل وأعد للكافرين عطف على أخذنا من النبيين وللكافرين متعلقان بأعد وعذابا مفعول به وأليما صفة. البلاغة: ١- التشبيه البليغ: في قوله «وأزواجه أمهاتهم» تشبيه بليغ ووجه الشبه متعدد يتعلق ببعض الأحكام وهي: وجوب تعظيمهن واحترامهن وتحريم نكاحهن ولذلك قالت عائشة: «لسنا أمهات النساء» تعني أنهن إنما كنّ أمهات الرجال لكونهن محرمات عليهم كتحريم أمهاتهم ولهذا كان لا بد من تقدير أداة التشبيه فيه. ٢- عطف الخاص على العام: وفي قوله «وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك» الآية، عطف الخاص على العام لأن هؤلاء الخمسة المذكورين هم أصحاب الشرائع والكتب وأولو العزم من الرسل فآثرهم بالذكر للتنويه بإنافة فضلهم على غيرهم، وقدم النبي محمدا ﷺ مع أنه مؤخر عن نوح ومن بعده لأنه هو المخاطب من بينهم والمنزل عليه هذا المتلو فكان تقديمه لهذا السبب لا لأن التقديم في الذكر مقتض لكونه أفضلهم، فقد ورد في الشعر قوله:

стр. 4100

بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير فأخر ذكر النبي ليختم به تشريفا. ٣- الاستعارة المكنية: وفي وصف الميثاق بالغلظ استعارة مكنية، شبّه الميثاق بجرم محسوس واستعار له شيئا من صفات الأجرام وهو الغلظ للتنويه بعظم الميثاق وجلاله وهو المعني بقوله تعالى «وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة» الآية. [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٩ الى ١٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (١٣)
следующие страницы →