Полный текст (5 784 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
فيكون في وقت واحد مخلصا لله ومخلصا لأعداء دينه، ومن هذا الباب قول الشاعر وقد رمق سماء هذا المعنى:
لو كان لي قلبان عشت بواحد ... وتركت قلبا في هواك يعذب
وخلاصة القول أن أشد ما ذكر فيه من التأويلات انهم كانوا يدعون لابن خطل قلبين فنفى الله صحة ذلك وقرنه بما كانوا يقولونه من الأقاويل المتناقضة كجعل الأدعياء أبناء والزوجات أمهات وهذه الأمور الثلاثة متنافية، أما الأول فإنه يلزم من اجتماع القلبين قيام أحد المعنيين بأحدهما وضده في الآخر وذلك كالعلم والجهل والأمن والخوف وغير ذلك، وأما الثاني فلأن الزوجة في مقام الامتهان والأم في محل الإكرام فنافى أن تكون الزوجة أما، وأما الثالث فلأن البنوّة أصالة وعراقة في النسب والدعوة لاصقة عارضة به فهما متنافيان وذكر الجوف ليصور به صورة اجتماع القلبين فيه حتى يبادره السامع بالإنكار.
هذا وقد قال تعالى هنا «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه» وقال في موضع آخر: «رب إني نذرت لك ما في بطني محررا» فاستعمل الجوف في الأولى والبطن في الثانية ولم يستعمل الجوف موضع البطن ولا البطن موضع الجوف واللفظتان سواء في الدّلالة وهما ثلاثيتان في عدد واحد ووزنهما واحد أيضا فانظر الى سبك الألفاظ كيف يفعل فعله؟
стр. 4097
٣- قصة زيد بن حارثة:
أجمع أهل التفسير على أن قوله تعالى «وما جعل أدعياءكم أبناءكم» أنزل في زيد بن حارثة، وكان من أمره ما رواه أنس بن مالك وغيره أنه سبي صغيرا فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد فوهبه لعمته خديجة بنت خويلد فوهبته خديجة لرسول الله ﷺ فأعتقه وتبناه فأقام عنده مدة ثم جاء عنده أبوه وعمه في فدائه فقال لهما رسول الله: خيّراه فإن اختراكما فهو لكما دون فداء فاختار زيد الرق مع رسول الله على حريته فقال النبي عند ذلك: يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني، ولما تزوج النبي زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد بن حارثة الذي تبناه النبي قالوا تزوج محمد امرأة ابنه فكذبهم الله في ذلك وسترد القصة مع مناقشتها قريبا في هذه السورة.
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦ الى ٨]
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٦) وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٧) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (٨)
стр. 4098
الإعراب:
(النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) النبي مبتدأ وأولى بالمؤمنين خبر ومن أنفسهم متعلقان بأولى أيضا. (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ) الواو عاطفة وأزواجه مبتدأ وأمهاتهم خبر وسيأتي معنى هذا التشبيه في باب البلاغة وأولو الأرحام مبتدأ أيضا والأرحام جمع رحم وهي القرابة وبعضهم مبتدأ ثان أو بدل من أولو وأولى ببعض خبر ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي بإرث بعض وفي كتاب الله متعلقان بأولى أو بمحذوف حال من الضمير في أولى ومن المؤمنين جار ومجرور متعلقان بأولى أيضا أي الأرقاب بعضهم أولى بإرث بعض من أن يرثهم المؤمنون والمهاجرون الأجانب ولك أن تعلقها بمحذوف على أنها حال لأنها بمثابة البيان لقوله أولو الأرحام. (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً) إلا أداة استثناء وأن تفعلوا مصدر مؤول مستثنى من أعم العام لأنه استثناء من غير الجنس أي إلا في الوصية وهي المعنية بفعل المعروف والى أوليائكم متعلقان بتفعلوا بعد تضمينها معنى تؤدوا أو تسدوا ومعروفا مفعول به وكان واسمها ومسطورا خبرها وفي الكتاب متعلقان بمسطورا.
(وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) الظرف متعلق بمحذوف أي اذكر والكلام مستأنف ولك أن تعطفه على محل في الكتاب فيتعلق بمسطورا والأول أولى وجملة أخذنا في محل جر بإضافة الظرف إليها ومن النبيين متعلقان بأخذنا وميثاقهم مفعول به والمراد به تبليغ الرسالة وما بعده عطف على من النبيين من عطف الخاص على العام كما سيأتي في باب البلاغة.
стр. 4099
(وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) عطف على أخذنا السابقة وسيأتي سر وصف الميثاق بالغلظ في باب البلاغة . (لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً) اللام للتعليل ويسأل فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بأخذ على طريق الالتفات وفاعل مستتر يعود على الله والصادقين مفعول به وعن صدقهم متعلقان بيسأل وأعد للكافرين عطف على أخذنا من النبيين وللكافرين متعلقان بأعد وعذابا مفعول به وأليما صفة.
البلاغة:
١- التشبيه البليغ:
في قوله «وأزواجه أمهاتهم» تشبيه بليغ ووجه الشبه متعدد يتعلق ببعض الأحكام وهي: وجوب تعظيمهن واحترامهن وتحريم نكاحهن ولذلك قالت عائشة: «لسنا أمهات النساء» تعني أنهن إنما كنّ أمهات الرجال لكونهن محرمات عليهم كتحريم أمهاتهم ولهذا كان لا بد من تقدير أداة التشبيه فيه.
٢- عطف الخاص على العام:
وفي قوله «وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك» الآية، عطف الخاص على العام لأن هؤلاء الخمسة المذكورين هم أصحاب الشرائع والكتب وأولو العزم من الرسل فآثرهم بالذكر للتنويه بإنافة فضلهم على غيرهم، وقدم النبي محمدا ﷺ مع أنه مؤخر عن نوح ومن بعده لأنه هو المخاطب من بينهم والمنزل عليه هذا المتلو فكان تقديمه لهذا السبب لا لأن التقديم في الذكر مقتض لكونه أفضلهم، فقد ورد في الشعر قوله:
стр. 4100
بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير
فأخر ذكر النبي ليختم به تشريفا.
٣- الاستعارة المكنية:
وفي وصف الميثاق بالغلظ استعارة مكنية، شبّه الميثاق بجرم محسوس واستعار له شيئا من صفات الأجرام وهو الغلظ للتنويه بعظم الميثاق وجلاله وهو المعني بقوله تعالى «وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة» الآية.
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٩ الى ١٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (١٣)
стр. 4101
اللغة:
(الْحَناجِرَ) : جمع حنجرة وهي الحلقوم أو رأس الغلصمة وهي منتهى الحلقوم وعبارة الزمخشري: «قالوا: إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع أو الغضب أو الغم الشديد ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة ومن ثمة قيل للجبان انتفخ سحره ويجوز أن يكون ذلك مثلا في اضطراب القلوب ووجيبها وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة» .
(زِلْزالًا) : بكسر الزاي وهي القراءة العامة ويجوز فتحها إذ هما لغتان في مصدر الفعل المضعف إذا جاء على فعلان نحو زلزال وقلقال وصلصال، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو صلصال بمعنى مصلصل وزلزال بمعنى مزلزل.
(يَثْرِبَ) : في القاموس: «يثرب وأثرب مدينة النبي ﷺ وهو يثربي وأثربي بفتح الراء وكسرها فيهما» قيل سميت باسم رجل من العمالقة كان نزلها في قديم الزمان وقيل يثرب اسم لنفس المدينة وقد نهى النبي أن تسمى بهذا الاسم لما فيه من التثريب وهو التقريع والتوبيخ فذكروها بهذا الاسم مخالفة للنبي وفي المختار:
التثريب التعبير والاستقصاء في اللوم وثرب عليه تثريبا قبح عليه فعله.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ) اذكروا فعل أمر وفاعل ونعمة الله مفعول به وعليهم متعلقان بنعمة أو بمحذوف حال وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق باذكروا فهو بمثابة
стр. 4102
بدل الاشتمال من نعمة الله والمراد بنعمة نصره في غزوة الأحزاب وسيأتي حديثها في باب الفوائد وجملة جاءتكم جنود في محل جر بإضافة الظرف إليها. (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً) فأرسلنا عطف على جاءتكم وعليهم متعلقان بأرسلنا وريحا مفعول به وجنودا عطف على ريحا وجملة لم تروها صفة لجنودا وكان الله كان واسمها وبما متعلقان ببصيرا وجملة تعملون صلة وبصيرا خبر كان. (إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) الظرف بدل من إذ جاءتكم وجملة جاءوكم مضاف إليها ومن فوقكم متعلقان بجاءوكم ومن أسفل منكم عطف على من فوقكم.
(وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) عطف على إذ السابقة وكذلك بلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا والظنونا مفعول مطلق والألف مزيدة تشبيها للفواصل بالقوافي وسيأتي سر الجمع مع أقوال النحاة في جمع المصدر في باب الفوائد.
(هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً) هنا لك اسم إشارة في محل نصب على الظرفية المكانية واللام للبعد والكاف للخطاب وهو متعلق بابتلي ويجوز أن يكون ظرف زمان وابتلي فعل ماض مبني للمجهول والمؤمنون نائب فاعل وزلزلوا عطف على ابتلي والواو نائب فاعل وزلزالا مصدر مبين للنوع وشديدا صفة. (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً) الظرف متعلق باذكر محذوفا وجملة يقول في محل جر بإضافة الظرف إليها والذين عطف على المنافقون وفي قلوبهم خبر مقدم ومرض مبتدأ مؤخر وجملة ما وعدنا مقول القول والله فاعل ورسوله عطف عليه
стр. 4103
وإلا أداة حصر وغرورا صفة لمفعول مطلق محذوف أي إلا وعد غرور (وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) عطف على ما تقدم وقالت طائفة فعل وفاعل ومنهم صفة لطائفة ويا حرف نداء وأهل يثرب منادى مضاف ويثرب منعت من الصرف للعلمية ووزن الفعل وفيها التأنيث أيضا ولا نافية للجنس ومقام اسمها المبني على الفتح ولكم خبرها ومقام بضم الميم وفتحها أي لا إقامة ولا مكانة، فارجعوا الفاء الفصيحة أي إن سمعتم نصحي فارجعوا والقائل هو أوس بن قيظي بكسر الظاء من رؤساء المنافقين.
(وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً) ويستأذن الواو الاستئنافية ويستأذن فريق فعل مضارع وفاعل ولك أن تعطف على ما تقدم فتكون صيغة المضارع لاستحضار الصورة ومنهم صفة لفريق والنبي مفعول به وجملة يقولون حالية أو مفسرة ليستأذن وهو قول جميل وجملة إن وما في حيزها مقول القول وإن واسمها وخبرها والمراد بعورة الخلل الذي يجعلها مستهدفة للعدو لأنها تكون غير حصينة والواو للحال وما نافية حجازية وهي اسمها والباء حرف جر زائد وعورة مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وإن نافية ويريدون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وإلا أداة حصر وفرارا مفعول به.
الفوائد:
١- غزوة الأحزاب:
كانت غزوة الأحزاب في شوال سنة أربع وقيل سنة خمس المصادف لآذار سنة ٦٢٧ م حيث تحرك الى المدينة جيش مؤلف من
стр. 4104
حوالي عشرة آلاف رجل بينهم أربعة آلاف قرشي بقيادة أبي سفيان وكانت حركة هذا الجيش سريعة فوق العادة، هذه المرة، وسببها فيما يذكر المؤرخون انه لما وقع اجلاء بني النضير من أماكنهم سار منهم جمع من أكابرهم بينهم حيي بن أخطب سيدهم الى أن قدموا مكة على قريش فحرضوهم على حرب رسول الله وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله فقال أبو سفيان: مرحبا وأهلا وأحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد ثم قالت قريش لأولئك اليهود: يا معشر اليهود إنكم أهل الكتاب الأول فأخبرونا أنحن على الحق أم محمد؟
فقالوا بل أنتم على الحق وفي موقف اليهود هذا من قريش وتفضيلهم وثنيتهم على محمد يقول الدكتور إسرائيل ولغنسون في كتابه «تاريخ اليهود في بلاد العرب» : «كان من واجب هؤلاء اليهود أن لا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش وأن لا يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الاسلامي ولو أدّى بهم الأمر الى عدم إجابة مطلبهم لأن بني إسرائيل الذين كانوا منذ عدة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتى من أدوار التاريخ كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم وكل عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين، هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم الى عبدة الأصنام إنما كانوا يحاربون أنفسهم بأنفسهم ويناقضون تعاليم التوراة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام والوقوف منهم موقف الخصومة» .
تحريض القبائل وتأليبها:
لم يكّف حيي بن أخطب واليهود الذين معه هذا الذي قالوا لقريش في تفضيل وثنيتها على توحيد محمد حتى تنشط لمحاربته بل
стр. 4105
خرج أولئك اليهود الى غطفان من قيس عيلان ومن بني مرة ومن بني فزارة ومن أشجع ومن سليم ومن بني سعد ومن أسد ومن كل من لهم عند المسلمين ثأر وما زالوا يحرضونهم على الأخذ بثأرهم ويذكرون لهم متابعة قريش إياهم على حرب محمد ويحمدون لهم وثنيتهم ويعدونهم النصر لا محالة وخرجت الأحزاب التي جمع اليهود لحرب محمد وأصحابه.
ما عسى أن يصنع المسلمون لمقابلة الألوف المؤلفة من رجال وخيل وإبل وأسلحة وذخيرة؟ لم يكن لهم غير التحصن بيثرب العذراء سبيل ولكن؟! أفيكفي هذا التحصن أمام تلك القوة الساحقة، وكان سلمان الفارسي يعرف من أساليب الحرب ما لم يكن معروفا في بلاد العرب فأشار بحفر الخندق حول المدينة وتحصين داخلها وسارع المسلمون الى تنفيذ نصيحته فحفر الخندق وعمل فيه النبي بيده فكان يرفع التراب ويشجع المسلمين بذلك أعظم تشجيع، وأقبلت قريش وأحزابها وهي ترجو أن تلقى محمدا بأحد فلم تجد عنده أحد فجاوزته الى المدينة حتى فاجأها الخندق فعجبت إذ لم تتوقع هذا النوع من الدفاع المجهول منها وبلغ منها الغيظ حتى زعمت الاحتماء وراءه جبنا لا عهد للعرب به ورأت قريش والأحزاب معها أن لا سبيل الى اجتياز الخندق فاكتفت بتبادل الترامي بالنبال عدة أيام.
وأيقن أبو سفيان والذين معه أنهم مقيمون أمام يثرب وخندقها طويلا دون أن يستطيعوا اقتحامها وكان الوقت آنئذ شتاء قارصا برده، عاصفة رياحه، يخشى في كل وقت مطره، وإذا كان يسيرا أن يحتمي أهل مكة وأهل غطفان من ذلك كله بمنازلهم في مكة وفي غطفان فالخيام التي ضربوا أمام يثرب لا تحميهم منه فتيلا وهم بعد
стр. 4106
جاءوا يرتجون نصرا ميسورا لا يكلفهم غير يوم كيوم أحد ثم يعودون أدراجهم ويستمتعون باقتسام الغنائم والأسلاب، وماذا عسى يمسك غطفان على أن تعود أدراجها وهي إنما اشتركت في الحرب لأن اليهود وعدتها متى تم النصر ثمار سنة كاملة من ثمار مزارع خيبر وحدائقه وهذه هي ترى النصر غير ميسور أو هو على الأقل غير محقق وهو يحتاج من المشقة في هذا الفصل القارص الى ما ينسيها الثمار والحدائق.
فأما انتقام قريش لنفسها من بدر ومما لحقها بعد بدر من هزائم فأمره مدرك على الأيام ما دام هذا الخندق يحول دون إمساك محمد بالتلابيب وما دامت بنو قريظة تمد أهل يثرب بالمئونة مددا يطيل أمد مقاومتهم شهورا وشهورا، أفليس خيرا للأحزاب أن يعودوا أدراجهم؟
بلى ولكن جمع هذه الأحزاب لحرب محمد مرة أخرى ليس بالميسور، وإن انتصر محمد بانسحاب الأحزاب فالويل لليهود، قدر حيي بن أخطب هذا كله وخاف مغبّته ورأى أن لا مندوحة له عن أن يغامر بآخر سهم عنده فأوحى الى الأحزاب انه مقنع بني قريظة بنقض عهد موادعتهم محمدا والمسلمين وبالانضمام إليهم، وان قريظة متى فعلت ذلك انقطع المدد والميرة عن محمد من ناحية وفتح الطريق لدخول يثرب من الناحية الأخرى، وسارع هو فذهب يريد كعب بن أسد صاحب عقد بني قريظة وما زال به حتى فتح باب الحصن وقال له:
ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام: جئتك بقريش وبغطفان وقد عاهدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه، وتردّد كعب وذكر وفاء محمد وصدقه لعهده وخشي مغبة ما يدعوه حيي إليه، بيد أن حييا ما زال به يذكر له ما أصاب اليهود من محمد
стр. 4107
وما يوشك أن يصيبهم منه إذا لم تنجح الأحزاب في القضاء عليه حتى لان كعب له فسأله: وماذا يكون إذا ارتدت الأحزاب؟ هناك أعطاه حيي موثقا إن رجعت غطفان وقريش ولم يصيبوا محمدا أن يدخل معه في حصنه فيشد أزره ويشاركه حظه وتحركت في نفس كعب يهوديته فقبل ما طلب حيي ونقض عهده مع محمد والمسلمين وخرج عن حياده.
وسمت روح الأحزاب المعنوية حتى دفعت بعض فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب أن يقتحموا الخندق فتيمموا مكانا منه ضيقا فضربوا خيلهم فاجتازت بهم في السبخة بين الخندق وسلع وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين فأخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها خيلهم وتقدم عمرو بن عبد ود ينادي من يبارز؟ ولما دعاه علي بن أبي طالب الى النزال قال في صلف: ارجع يا ابن أخي فو الله ما أحب أن أقتلك، قال علي: لكني والله أحب أن أقتلك فتنازلا فقتله علي وفرت خيل الأحزاب منهزمة حتى اقتحمت الخندق من جديد مولية الأدبار لا تلوي على شيء.
وأعظمت الأحزاب نيرانها مبالغة في تخويف المسلمين وأضعافا لووحهم وبدأ المتحمسون من قريظة ينزلون من حصونهم وآطامهم الى المدينة ومنازلها القريبة منهم يريدون إرهاب أهلها، كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت وكان حسان فيه مع النساء والصبيان فمر بهم يهودي فقالت صفية مخاطبة حسان: إن هذا اليهودي يطيف بالحصن فانزل إليه واقتله، قال حسان: يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا فأخذت صفية عمودا ونزلت من الحصن
стр. 4108
وضربت به اليهودي حتى قتلته فلما رجعت قالت يا حسان انزل اليه فاسلبه فانه لم يمنعني من سلبه إلا انه رجل، قال حسان مالي الى سلبه من حاجة.
وظل أهل المدينة في فزعهم بينا جعل محمد ﷺ يفكر في الوسيلة للخلاص ولم تكن الوسيلة مواجهة العدو بطبيعة الحيلة فلتكن الحيلة وليكن الرأي والتدبير فبعث الى غطفان يعدها ثلث ثمار المدينة إن هي ارتحلت وكانت غطفان قد بدأت تمل فأظهرت امتعاضا من طول هذا الحصار وما لقوا من العنت أثناءه، ولما كان الليل عصفت ريح شديدة وهطل المطر هاتنا وقصف الرعد واشتدت العاصفة فاقتلعت خيام الأحزاب وأدخلت الرعب الى نفوسهم وخيل إليهم أن المسلمين بدءوهم بشر فقام طليحة بن خويلة فنادى: أن محمد قد بدأكم بشر فالنجاة، وقال أبو سفيان يا معشر قريش: إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف وأخلقتنا بنو قريظة وبلغنا منهم ما نكره ولقينا من شدة الريح ما ترون فارتحلوا إني مرتحل، فاستخف القوم ما استطاعوا من متاع وانطلقوا وتبعتهم غطفان حتى إذا كان الصبح لم يجد محمد منهم أحدا فانصرف راجعا الى المدينة والمسلمون معه يرفعون أكف الضراعة شكرا أن رفع الله الضر عنهم وأن كفى الله المؤمنين شر القتال وحين انجلى الأحزاب قال رسول الله: الآن نغزوهم ولا يغزونا والبقية في السير والمطولات.
٢- هل يثنى المصدر ويجمع؟
المصدر المؤكد لعامله لا يثنى ولا يجمع بانفاق فلا يقال ضربت ضربين ولا ضربت ضروبا لأنه اسم جنس مبهم والمصدر المبهم
стр. 4109
لا يتأتى فيه ضمه الى شيء آخر لأنه يدل على مجرد الحقيقة والحقيقة من حيث هي حقيقة تدل على القليل والكثير فلم يبق شيء يضم إليها فتصح فيها التثنية والجمع وهذا أمر عقلي وإنما جاز تثنية المصدر المختوم بالتاء وجمعه لأنه بدخول التاء صار يدل على مرة واحدة من ذلك المصدر فيصح ضمه الى ما المرة الواحدة منه فيثنى ويجمع، واختلف في المصدر النوعي والمشهور الجواز فيقال ضربت ضربين ضربا عنيفا وضربا رفيقا وضربت ضروبا مختلفة، وظاهر مذهب سيبويه المنع وانه لا يقال منه إلا ما سمع، واحتج المجيز بمجيئه في الفصيح كقوله تعالى «وتظنون بالله الظنونا» قالوا: وانما جمع الظن لاختلاف أنواعه لأن من خلص إيمانه ظن أن ما وعدهم الله به من النصر حق ومن ضعف إيمانه اضطرب ظنه ومن كان منافقا ظن أن الدائرة تكون على المؤمنين فأخلفت ظنونهم، والى ذلك أشار ابن مالك بقوله في الخلاصة:
وما لتوكيد فوحد أبدا ... وثنّ واجمع غيره وأفردا
٣- اختلف القراء في هذه الألف في الظنونا فأثبتها وصلا ووقفا نافع وابن عامر وأبو بكر ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو والكسائي وتمسّكوا بخط المصحف العثماني وجميع المصاحف في جميع البلدان، فإن الألف فيها كلها ثابتة واختار هذه القراءة أبو عبيد إلا أنه قال: لا ينبغي للقارىء أن يدرج القراءة بعدهن بل يقف عليهن، وتمسكوا أيضا بما في أشعار العرب من مثل هذا، وقرأ أبو عمرو وحمزة والجحدري ويعقوب بحذفها في الوصل والوقف معا وقالوا هي من زيادات الخط فكتبت كذلك ولا ينبغي النطق بها وأما في الشعر فهو يجوز فيه للضرورة ما لا يجوز في غيره، وقرأ ابن كثير
стр. 4110
والكسائي وابن محيص بإثباتها وقفا وحذفها وصلا وهذه القراءة راجحة باعتبار اللغة العربية وهذه الألف هي التي تسميها النحاة ألف الإطلاق والكلام فيها معروف وهكذا اختلف القراء في الألف التي في قوله: الرسولا والسبيلا كما سيأتي في آخر هذه السورة.
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ١٤ الى ١٧]
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلاً (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧)
الإعراب:
(وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها) الواو عاطفة ودخلت فعل ماض مبني للمجهول وعليهم متعلقان به ونائب الفاعل مستتر أي المدينة أو بيوتهم ومن أقطارها حال أي من جميع جوانبها وثم حرف عطف وتراخ وسئلوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل والفتنة مفعول به ثان لسئلوا والمراد بالفتنة الردة والرجعة الى الكفر واللام واقعة في جواب لو وأتوها فعل
стр. 4111
وفاعل ومفعول به والجملة لا محل لها. (وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً) الواو عاطفة وما نافية وتلبثوا فعل ماض وفاعل وبها متعلقان بتلبثوا وإلا أداة حصر ويسيرا نعت لمصدر محذوف أو لوقت محذوف فيصح أن تكون مفعولا مطلقا أو ظرف زمان. (وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وكانوا فعل ماض ناقص والواو اسمها وجملة عاهدوا خبرها ولفظ الجلالة مفعول به ومن قبل متعلقان بعاهدوا وجملة يولون الأدبار لا محل لها لأنها جواب للقسم والأدبار مفعول به ثان ليولون والمفعول الاول محذوف أي لا يولون العدو الأدبار والواو عاطفة وكان واسمها وخبرها أي مطلوبا.
(قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا) لن حرف نفي ونصب واستقبال وينفعكم فعل مضارع منصوب بلن والكاف مفعول به والفرار فاعل وإن حرف شرط جازم يجزم فعلين وفررتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والجواب محذوف دل عليه ما قبله ومن الموت متعلقان بفررتم وإذن حرف جواب وجزاء مهمل لوقوعه بعد عاطف كما هو الغالب عليه ولا نافية وتمتعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وقليلا نعت لمصدر محذوف أي إلا تمتيعا قليلا أو صفة لظرف محذوف أي إلا زمانا قليلا فيصح أن تكون مفعولا مطلقا أو ظرف زمان. (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً) من اسم استفهام مبتدأ وذا اسم اشارة في محل رفع خبر والذي بدل وجملة يعصمكم من الله صلة وإن شرطية وأراد فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والجواب محذوف دل عليه
стр. 4112
ما قبله أي فمن ذا الذي يعصمكم وسوءا مفعول به أو أراد بكم رحمة عطف على ما تقدم ولا بد من تقدير محذوف أي أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة. (وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) الواو استئنافية أو حالية ولا نافية ويجدون فعل وفاعل ولهم في محل نصب مفعول ثان ليجدون ومن دون الله حال ووليا مفعول به أول ولا نصيرا عطف على وليا.
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ١٨ الى ١٩]
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٩)
اللغة:
(الْمُعَوِّقِينَ) : المثبطين الذين كانوا يخذلون المسلمين وفي الأساس:
«وعاقه واعتاقه وعوقه «قد يعلم الله المعوّقين منكم» وتقول:
فلان صحبه التعويق فهجره التوفيق، ورجل عوقة: ذو تعويق وترييث عن الخير وتقول: يا من عن الخير يعوق، إن أحق أسمائك أن تعوق» .
стр. 4113
(أَشِحَّةً) جمع شحيح وهو البخيل والحريص وهو جمع غير مقيس لأن قياس فعيل الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن تجمع على أفعلاء نحو خليل وأخلاء وظنين وأظناء وقد سمع أشحاء وهو القياس.
(سَلَقُوكُمْ) : آذوكم أو ضروكم وفي المختار: «سلقه بالكلام آذاه وهو شدة القول باللسان قال تعالى: «سلقوكم بألسنة حداد» وسلق البقل أو البيض أغلاه بالنار إغلاءة خفيفة وباب الكل ضرب» وفي المصباح أنه من باب قتل أيضا وعبارة الراغب: «السلق بسط بقهر إما باليد أو باللسان ويؤخذ من القاموس واللسان: سلق يسلق من باب قتل البيض أو البقل أغلاه بالنار وطبخه بالماء، وسلقه بالكلام:
آذاه ومنه سلقه بألسنة حداد، وسلقه بالرمح طعنه وسلقه بالسوط ضربه الى أن نزع جلده، وسلق اللحم عن العظم قشره، ويجوز أن يكون الكلام مجازيا كما سيأتي في باب البلاغة وعلى كل حال فالعامة تستعمل هذه الكلمة استعمالا لا غبار عليه.
الإعراب:
(قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا) كلام مستأنف مسوق لتصوير حال المنافقين، وقد حرف تكثير وأصله للتقليل إذا دخل على فعل المضارع وقد تقدم بحثه، ويعلم الله المعوقين فعل وفاعل ومفعول به ومنكم حال والقائلين عطف على المعوقين ولإخوانهم متعلقان بالقائلين وهلم اسم فعل أمر وإلينا متعلقان به وهي لغة أهل الحجاز يسوون فيه بين الواحد والجماعة ويستعمل لازما كما هنا ومتعديا كما في الأنعام وقد تقدم القول فيه. (وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ
стр. 4114
إِلَّا قَلِيلًا)
الواو حالية ولا نافية ويأتون البأس فعل مضارع مرفوع وفاعل ومفعول به أي القتال وإلا أداة حصر وقليلا مفعول مطلق أو ظرف زمان. (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ) أشحة حال من فاعل يأتون أو منصوب على الذم بفعل محذوف تقديره أذم وعبارة الزمخشري: «أشحة عليكم: في وقت الحرب أضناء بكم يترفرفون عليكم كما يفعل الرجل بالذابّ عنه المناضل دونه عند الخوف» فإذا الفاء استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاء الخوف في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة رأيتهم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة ينظرون إليك حال لأن الرؤية هنا بصرية وإليك متعلقان بينظرون.
(تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) جملة تدور أعينهم حال من فاعل ينظرون وهو الواو وكالذي نعت لمصدر محذوف أي تدور دورانا كدوران عين الذي، فبعد الكاف محذوفان وهما دوران وعين، وجملة يغشى صلة الذي ويغشى فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مصدر مختص بلام العهد أو بصفة محذوفة والمعنى ويغشى الغشيان المعهود وعليه متعلقان بيغشى ويجوز أن يكون نائب الفاعل هو الجار والمجرور وقد تقدم بحث ما ينوب عن نائب الفاعل فجدد به عهدا. (فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة ذهب الخوف في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة سلقوكم جواب شرط غير جازم لا محل لها وبألسنة متعلقان بسلقوكم وحداد نعت لألسنة.
(أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) أشحة نصب على الحال أو على الذم كما تقدم وعلى الخير
стр. 4115
متعلقان بأشحة أي على الغنيمة يطلبونها وأولئك مبتدأ وجملة لم يؤمنوا خبر، فأحبط عطف على لم يؤمنوا والله فاعل وأعمالهم مفعول به وكان الواو حالية أو استئنافية وكان واسمها وخبرها وعلى الله حال والاشارة للاحباط والمعنى أن أعمالهم جديرة بالإحباط لا يصرف عنه صارف وليس هو بالأمر الصعب العسير.
البلاغة:
١- فن التندير:
في قوله «فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه الموت» فن ألمع اليه صاحب نهاية الأرب وابن أبي الإصبع وهو فن «التندير» وحدّه أن يأتي المتكلم بنادرة حلوة أو نكتة مستطرفة وهو يقع في الجد والهزل فهو لا يدخل في نطاق التهكم ولا في نطاق فن الهزل الذي يراد به الجد ويجوز أن يدخل في نطاق باب المبالغة وذلك واضح في مبالغته تعالى في وصف المنافقين بالخوف والجبن حيث أخبر عنهم أنهم تدور أعينهم حالة الملاحظة كحالة من يغشى عليه من الموت ولو اقتصر على قوله كالذي يغشى عليه من الموت لكان كافيا بالمقصود ولكنه زاد شيئا بقوله «من الموت» إذ أن حالة المغشي عليه من الموت أشد وأنكى من حالة المغشي عليه من غير الموت ولو جاء سبحانه في موضع الموت بالخوف لكان الكلام بليغا لا محالة غير أن ما جاء في التنزيل أبلغ وهو مع ذلك خارج مخرج الحق متنزل منزلة الصدق فإن من كان قوي النفس شجاع القلب لا يرضى بالنفاق بل يظهر ما يبطنه الخائف لأنه لا يبالي بالموت.
стр. 4116
٢- الاستعارة المكنية:
وذلك في قوله «سلقوكم بألسنة حداد» فقد شبه اللسان بالسيف ثم حذف المشبه به واستعار شيئا من خصائصه وهو الضرب وهذه الاستعارة تتأتى على تفسير السلق بالضرب والحامل عليه وصف الألسنة بالحداد كما تقدم في باب اللغة .
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٢٠ الى ٢٢]
يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً (٢٠) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (٢١) وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيماناً وَتَسْلِيماً (٢٢)
اللغة:
(بادُونَ) : جمع باد وهو ساكن البادية يقال: لقد بدوت يا فلان أي نزلت البادية وصرت بدويا وما لك والبداوة؟ وتبدّى الحضري، ويقال: أين الناس؟ فتقول: لقد بدوا أي خرجوا الى البدو وكانت لهم غنيمات يبدون إليها.
(الْأَعْرابِ) : قال في القاموس وشرحه: العرب بالضم وبالتحريك خلاف العجم مؤنث وهم سكان الأمصار أو عام والأعراب
стр. 4117
منهم سكان البادية لا واحد له ويجمع أعاريب وعرب عاربة وعرباء وعربة صرحاء ومتعربة ومستعربة دخلاء.
الإعراب:
(يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ) الكلام مستأنف مسوق لتصوير خوفهم ولك أن تجعله حالا من أحد الضمائر المتقدمة أي هم من الخوف بمثابة من لا يصدقون أن الأحزاب قد ذهبوا عنهم وتخلوا عن نصرتهم.
ويحسبون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والأحزاب مفعول به أول وجملة لم يذهبوا مفعول به ثان وإن الواو عاطفة وإن شرطية ويأت فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والأحزاب فاعل ويودوا جواب الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف النون ولو مصدرية، ولو وما بعدها في تأويل مصدر مفعول يودوا أي يتمنون لخوفهم مما منوا به أشرتهم خارجين الى البدو، وأن وما في حيزها في تأويل مصدر فاعل لفعل محذوف تقديره يودوا لو ثبت أنهم بادون، وسيأتي مزيد بحث عن لو المصدرية في باب الفوائد، وأن واسمها وبادون خبرها وفي الأعراب متعلقان ببادون أو بمحذوف حال.
(يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا) جملة يسألون يجوز أن تكون مستأنفة أو أن تكون حالا من ضمير يحسبون، وعن أنبائكم متعلقان بيسألون والواو حالية ولو شرطية وكان واسمها وفيكم خبرها وما نافية وقاتلوا فعل وفاعل وجملة ما قاتلوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ويتمشى عليها ما أوردناه في قوله «ولو أن ما في البحر من شجرة أقلام» الآية،
стр. 4118
وإلا أداة حصر وقليلا نعت لمصدر محذوف أي إلا قتالا قليلا أو نعت لظرف محذوف أي إلا وقتا قليلا.
(لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) كلام مستأنف مسوق لعتاب المتخلفين عن القتال واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وكان فعل ماض ناقص ولكم خبرها المقدم وفي رسول الله حال لأنه كان في الأصل صفة لأسوة وأسوة اسم كان المؤخر وحسنة صفة لأسوة أي قدوة حسنة بضم الهمزة وقد تكسر.
(لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) لمن الجار والمجرور بدل من لكم وأعيدت اللام مع البدل للفصل أو يكون بدل اشتمال، وجملة كان صلة من واسم كان مستتر تقديره هو وجملة يرجو الله خبرها واليوم الآخر عطف على لفظ الجلالة وذكر عطف على كان ولفظ الجلالة مفعول به وكثيرا مفعول مطلق أو ظرف وقد تقدم نظيره قريبا.
(وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا: هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ) لما ظرفية حينية متعلقة بقالوا أو رابطة متضمنة معنى الشرط على كل حال ورأى المؤمنون الأحزاب فعل ماض وفاعل ومفعول به وجملة قالوا لا محل لها وهذا مبتدأ وما خبر والجملة مقول القول وجملة وعدنا الله ورسوله صلة ما. (وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً) الواو عاطفة وصدق الله فعل وفاعل وفيه وضع الظاهر موضع المضمر لتعظيمه والتنويه بوعدهما الكائن، وما زادهم عطف على صدق وإلا أداة حصر وإيمانا مفعول به ثان لزادهم وتسليما عطف على إيمانا وفاعل زادهم ضمير الوعد أو الصدق.
стр. 4119
البلاغة:
في قوله: «وصدق الله ورسوله» فن تكرير الظاهر تعظيما، ولو أنه أعادهما مضمرين لجمع بين اسم الله تعالى واسم رسوله في لفظة واحدة، فقال وصدقا، وقد كره النبي ذلك حين رد على أحد الخطباء الذين تكلموا بين يديه إذ قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال النبي له: بئس خطيب القوم أنت قل: ومن يعص الله ورسوله، قصدا الى تعظيم الله. وقد استشكل بعض العلماء قوله ﵊ حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فقال انه جمع بينهما في ضمير واحد وأجيب على هذا الاستشكال بأن النبي ﷺ أعرف بقدر الله منّا فليس لنا أن نقول كما يقول.
الفوائد:
لو المصدرية:
لو المصدرية ترادف أن المصدرية في المعنى والسبك إلا أنها لا تنصب، وأكثر وقوعها بعد مفهوم تمن مثل ودّ وأحب واختار وتمنى وقيل بل بعد ودّ وتمنى خاصة لأن الإنسان قد يحب الشيء ولا يتمنى حصوله لعارض في طلبه، وتقع بعد غير التمني قليلا كقول قتيلة بالتصغير بنت النضر بن الحارث الأسدية تخاطب النبي ﷺ حين قتل أباها النضر صبرا بعد أن انصرف من غزوة بدر:
ما كان ضرك المن لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
стр. 4120
أي ما كان ضرك المن وقبل هذا البيت:
أمحمد ولأنت فحل نجيبة ... في قومها والفحل فحل معرق
وسبب قتل النبي أباها أنه كان يقرأ أخبار العجم على العرب ويقول محمد يأتيكم بأخبار عاد وثمود وأنا آتيكم بخبر الأكاسرة والقياصرة يريد بذلك أذى النبي، فلما سمع النبي هذا البيت وهو من أبيات أنشدتها بين يديه قال: لو سمعته قبل قتله ما قتلته ولعفوت عنه ثم قال لا يقتل قرشي صبرا.
هذا وقد استدل بقوله ﷺ : «لو سمعته قبل قتله ما قتلته ولعفوت عنه» بعض الأصوليين على جواز تفويض الحكم الى المجتهد فيقال له: احكم بما شئت فهو صواب، وعلى وقوع ذلك فإن قوله قبل قتله يدل على أن القتل وعدمه مفوضان اليه، والمانعون من الوقوع يجيبون بأن يجوز أن يكون النبي خيّر فيهما معا فقيل له: لك أن تأمر بقتله وأن لا تأمر ونحو ذلك، ويجوز أن وحيا نزل بأنه لو شفع فيه ما قتله. والنجيبة الكريمة الحسنة والفحل الذكر من كل حيوان كما في القاموس والمعرق اسم فاعل من أعرق الرجل صار عريقا وهو الذي له عرق في الكرم ومعنى لو مننت لو أنعمت وأحسنت، ثم يحتمل أن يكون المصدر المؤول من لو ومننت أي المنّ اسم كان المؤخر وجملة ضرك خبرها المقدم ويحتمل أن يكون المصدر فاعل لضرك والجملة خبر كان واسمها ضمير الشأن ويحتمل أن تكون ما استفهامية محلها الرفع على الابتداء، وكان يحتمل أن
стр. 4121
تكون زائدة وأن لا تكون فعلى الأول تكون جملة ضرك خبرا عن ما الاستفهامية وعلى الثاني تكون جملة ضرك خبر كان وجملة كان خبر ما، هذا ويحتمل أن تكون لو شرطية على بابها وما تقدم دليل الجواب ويطيح هذا كله، والمغيظ بفتح الميم اسم مفعول من غاظه يغيظه بالغين والظاء المعجمتين الغضب أو شدته أو سورة أوله، والمحنق بضم الميم وفتح النون اسم مفعول من أحنقه بالحاء المهملة إذا أغاظه.
ونعود الى ذكر لو المصدرية فنقول: لو المصدرية لا جواب لها وإذا وليها فعل ماض بقي على مضيه وإذا وليها فعل مضارع محضته للاستقبال كما أن المصدرية كذلك.
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٢٣ الى ٢٧]
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢٧)
стр. 4122
اللغة:
(قَضى نَحْبَهُ) : مات والنحب النذر ووقع قولهم قضى نحبه عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته فإذا مات فقد قضى نحبه أي نذره والنذر بفتح النون، وقد وهم صاحب المنجد فضبطه بكسرها وهذا غريب، وفي المصباح:
«نحب نحبا من باب ضرب بكى والاسم النحيب ونحب نحبا من باب قتل: نذر وقضى نحبه مات أو قتل في سبيل الله وفي التنزيل: «فمنهم من قضى نحبه» .
(صَياصِيهِمْ) : حصونهم جمع صيصية وفي القاموس:
«والصيصية شوكة الحائط يسوّي بها السدى واللحمة وشوكة الديك التي في رجله وقرن البقر والظباء والحصن وكل ما امتنع به» .
الإعراب:
(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان حال الصالحين من الصحابة الذين نذروا أنهم إذا أدركوا حربا مع رسول الله ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا وتقسيمهم الى قسمين.
ومن المؤمنين خبر مقدم ورجال مبتدأ مؤخر وجملة صدقوا صفة لرجال وما اسم موصول مفعول به وعاهدوا الله عليه صلة ما وعليه متعلقان بعاهدوا. (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) الفاء تفريعية ومنهم خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وجملة قضى نحبه صلة من ومنهم من ينتظر عطف على ما سبقه والواو عاطفة وما
стр. 4123
نافية وبدلوا فعل وفاعل والمفعول به محذوف أي العهد وتبديلا مفعول مطلق. (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ) اللام لام التعليل ويجزي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بمضمر مستأنف مسوق لبيان ما دعا الى وقوع ما حكى من الأقوال والتقدير وقع جميع ما وقع ليجزي الله الصادقين وقيل هو متعلق بما قبله ومترتب عليه فيتعلق بصدقوا على أنه تعليل له وقيل غير ذلك وما ذكرناه أولى، والله فاعل والصادقين مفعول به وبصدقهم متعلقان بيجزي ويعذب المنافقين عطف على ليجزي الله الصادقين وان شرطية وشاء فعل ماض وهو فعل الشرط والجواب محذوف وكذلك مفعول شاء أي إن شاء تعذيبهم عذبهم.
(أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) أو حرف عطف ويتوب عطف على ما قبله وعليهم متعلقان بيتوب وجملة إن الله تعليل لما تقدم وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان ضمير مستتر تقديره هو وغفورا خبرها الأول ورحيما خبرها الثاني.
(وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً) الواو عاطفة ورد الله الذين كفروا عطف على ما تقدم وهو فعل ماض وفاعل ومفعول به وجملة كفروا صلة الموصول وهم الأحزاب وبغيظهم حال أي مغيظين ولك أن تجعله مفعولا ثانيا لرد وجملة لم ينالوا خيرا حال ثانية أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة. (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً) الواو عاطفة وكفى الله المؤمنين فعل وفاعل ومفعول به أول والقتال مفعول به ثان لأن كفى هنا بمعنى وقى وهي عندئذ متعدية لاثنين وقد مرّ القول مفصلا في كفى وكان واسمها وخبراها.
(وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ) الواو عاطفة
стр. 4124
وأنزل فعل ماض وفاعله مستتر يعود على الله والذين مفعول به وجملة ظاهروهم صلة ومن أهل الكتاب حال ومن صياصيهم جار ومجرور متعلقان بأنزل ولك أن تجعل الكلام مستأنفا مسوفا للشروع في سرد قصة غزوة بني قريظة وستأتي خلاصتها في باب الفوائد. (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً) وقذف عطف على أنزل وفي قلوبهم متعلقان بقذف والرعب مفعول به لقذف وفريقا مفعول مقدم لتقتلون وتأسرون فريقا فعل وفاعل ومفعول به (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً)
وأورثكم فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول وأرضهم مفعول به ثان وديارهم وأموالهم وأرضا معطوفة على أرضهم وجملة لم تطئوها صفة لأرضا وكان واسمها وخبرها والمراد بها البلاد التي فتحوها فيما بعد.
البلاغة:
في قوله «ورد الذين كفروا بغيظهم ... » الآية فن المناسبة وقد تقدم الإلماع الى هذا الفن وأنه ضربان: مناسبة في المعاني ومناسبة في الألفاظ، وما ورد في هذه الآية من الضرب الأول لأن الكلام لو اقتصر فيه على دون الفاصلة لأوهم ذلك بعض الضعفاء أن هذا الإخبار موافق لاعتقاد الكفار في أن الريح التي حدثت كانت سببا في رجوعهم خائبين وكفى المؤمنين قتالهم، والريح إنما حدث اتفاقا كما تحدث في بعض وقائعهم وقتال بعضهم لبعض وظنوا أن ذلك لم يكن من عند الله فوقع الاحتراس بمجيء الفاصلة التي أخبر فيها سبحانه أنه قوي عزيز قادر بقوته على كل شيء ممتنع وأن حزبه هو الغالب وأنه لقدرته يجعل النصر للمؤمنين أفانين متنوعة ليزيدهم إيمانا وتثبيتا فهو ينصرهم
стр. 4125
مرة بالقتال كيوم بدر وتارة بالريح كيوم الأحزاب وطورا بالرعب كبني النضير وأحيانا ينصر عليهم أولا ويجعل العاقبة لهم أخيرا كيوم أحد وحينا يريهم أن الكثرة لم تكن ولن تكون كل شيء في المعركة وأنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ليتحققوا بأن النصر إنما هو من عند الله كيوم حنين وهذا من أروع ما يتزين به الكلام.
الفوائد:
خلاصة قصة غزوة بني قريظة:
أوحى الله الى نبيه محمد ﷺ صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب أن الله يأمرك بالمسير الى بني قريظة فأذن في الناس أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة فما صلى كثير من الناس العصر إلا بعد العشاء الآخرة فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب فقال لهم النبي: أتنزلون على حكمي؟ فأبوا، فقال: أتنزلون على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس فرضوا به فحكم فيهم فقال: إني أحكم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء. فقال النبي لقد حكمت بحكم الله ثم استنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقا وقدمهم فضرب أعناقهم وهم من ثمانمائة إلى تسعمائة.
стр. 4126
[المجلد الثامن]
[تتمة سورة الأحزاب]
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٢٨ الى ٣٣]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢)
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣)
اللغة:
(ضِعْفَيْنِ) : مثنى ضعف بكسر الضاد، يقال ضعف الشيء مثله في المقدار أو مثله وزيادة غير محصورة فقولهم لك ضعفه يعني
стр. 4127
لك مثلاه أو ثلاثة أمثاله أو أكثر، وفي المصباح: «ضعف الشيء مثله وضعفاه مثلاه وأضعافه أمثاله وقال الخليل التضعيف أن يزاد على أصل الشيء فيجعل مثليه وأكثر وكذلك الأضعاف والمضاعفة، وقال الأزهري: الضعف في كلام العرب المثل هذا هو الأصل ثم استعمل الضعف في المثل وما زاد وليس للزيادة حد يقال هذا ضعف هذا أي مثله وهذان ضعفاه أي مثلاه، قال وجاز في كلام العرب أن يقال هذا ضعفه أي مثلاه وثلاثة أمثاله لأن الضعف زيادة غير محصورة فلو قال في الوصية أعطوه ضعف نصيب ولدي أعطي مثليه ولو قال ضعفيه أعطي ثلاثة أمثاله. حتى لو حصل للابن مائة أعطي مئتين في الضعف وثلاثمائة في الضعفين وعلى هذا جرى عرف الناس واصطلاحهم والوصية تحمل على العرف لا على دقائق اللغة» هذا وللضعف بفتح الضاد والضعف بكسرها والضعف بضمها معان نظمها بعضهم بقوله:
في الرأي والعقل يكون الضّعف ... والوهن في الجسم فذاك الضّعف
زيادة المثل كذا والضّعف ... جمع ضعيف وهو شاكي الضر
(كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ) أحد- كما يقول الزمخشري- في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد ثم وضع في النفي العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه وردّ عليه آخرون فقالوا: أما قوله أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد فصحيح وأما قوله وما وراءه فليس بصحيح لأن الذي يستعمل في النفي العام مدلوله غير مدلول
стр. 4128
واحد لأن واحدا يطلق على كل شيء اتصف بالوحدة واحد المستعمل في النفي العام مختص بمن يعقل وأيضا فيفرق بينهما بأن المختص بالنفي جامد وهذا وصف وأيضا المختص بالنفي مختص بالعقلاء وهذا لا يختص وأما معنى النفي فإنه ظاهر على ما قاله الزمخشري على المجموع.
وفي الإتقان: قال أبو حاتم: أحد اسم أكمل من الواحد، ألا ترى أنك إذا قلت فلان لا يقوم له واحد جاز في المعنى أن يقوم له اثنان بخلاف قولك: لا يقوم له أحد وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد تقول ليس في الدار أحد فيكون قد شمل عموم المخلوقين من الدواب والطير والوحش والإنس فيعم الناس وغيرهم بخلاف قولك ليس في الدار واحد فإنه مخصوص بالآدميين دون غيرهم قال: ويأتي الأحد في كلام العرب بمعنى الواحد فيستعمل في الإثبات والنفي نحو «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» أي واحد و: «أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ» و «فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ» ولا فضل لأحد على أحد. وأحد يستعمل في المذكر والمؤنث قال تعالى: «لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ» بخلاف الواحد فلا يقال كواحد من النساء بل كواحدة. قلت: ولهذا وصف به في قوله تعالى «فما منكم من أحد عنه حاجزين» بخلاف الواحد والأحد له جمع من لفظه وهو الأحدون والآحاد وليس للواحد جمع من لفظه فلا يقال واحدون بل اثنان وثلاثة والأحد ممتنع الدخول في الضرب والعدد والقسمة وفي شيء من الحساب. بخلاف الواحد.
(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) : من القرار أي الثبات وأصله اقررن بكسر الراء وفتحها من قررت بفتح الراء وكسرها نقلت حركة الراء الى القاف
стр. 4129
وحذفت مع همزة الوصل. وفي القاموس: «وقر بالمكان يقر بالكسر والفتح قرارا وقرورا وقرّا وتقرّة ثبت وسكن كاستقرّ» .
(تَبَرَّجْنَ) : بترك إحدى التاءين وأصله تتبرجن أي تتبخترن في مشيكن. وفي القاموس: «تبرجت المرأة: أظهرت زينتها ومحاسنها للأجانب» .
(الْجاهِلِيَّةِ) : حالة الجهل والوثنية في بلاد العرب قبل الإسلام أو الزمن الذي تقدمه وسيأتي المزيد من بحث الجاهلية الأولى في باب الفوائد.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها) كلام مستأنف مسوق لتقرير موقف الإسلام من أزواج النبي والمرأة عامة. وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولأزواجك متعلق بقل وستأتي أسماء أزواج النبي في باب الفوائد وإن شرطية وكنتن فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها والنون علامة التأنيث والتخيير لسبر أغوار نفوسهن حتى إذا اخترن الدنيا فارقهن وجملة تردن خبر كان والنون فاعل والحياة الدنيا مفعول به وزينتها عطف على الحياة. (فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا) الفاء رابطة لجواب الشرط لأنه أتى جملة طلبية وتعالين فعل أمر مبني على السكون والنون فاعل وأمتعكن مجزوم لأنه جواب الطلب وأسرحكن عطف على أمتعكن وسراحا مفعول مطلق وجميلا صفة وهذا أولى من القول بأن أمتعكن جزم لأنه جواب الشرط وما بين الشرط وجزائه
стр. 4130
معترض. (وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً) الواو عاطفة وإن شرطية وكنتن فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة تردن خبرها والنون فاعل تردن والله مفعول به ورسوله عطف عليه والدار الآخرة عطف أيضا والفاء رابطة وان واسمها وجملة أعد للمحسنات خبرها ومنكن حال وأجرا مفعول به وعظيما صفة.
(يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ) يا حرف نداء ونساء النبي منادى مضاف ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويأت فعل الشرط وعلامة جزمه حذف حرف العلة ومنكن حال وبفاحشة متعلقان بيأت ويضاعف جواب الشرط مجزوم وعلامة جزمه السكون ولها متعلقان بيضاعف والعذاب نائب فاعل ليضاعف وضعفين مفعول مطلق. (وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) الواو حالية أو استئنافية وكان واسمها وعلى الله متعلقان بيسيرا ويسيرا خبر كان. (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ) عطف على ما تقدم وهو مماثل لما قبله في إعرابه وأجرها مفعول به ثان لنؤتها ومرتين نصب على المفعولية المطلق أو الظرفية الزمانية. (وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً) الواو عاطفة وأعتدنا فعل ماض وفاعل ولها متعلقان. بأعتدنا ورزقا مفعول به وكريما صفة.
(يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) لستن: ليس والتاء اسمها والنون علامة جمع الإناث وكأحد خبر لستن ومن النساء صفة لأحد وإن شرطية واتقيتن فعل ماض وفاعله وهو في محل جزم فعل الشرط والجواب محذوف يدل عليه ما قبله أي فانكن أعظم ويكون قوله: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) مستأنفا لتعليل نفي المساواة ويجوز أن
стр. 4131
تكون الفاء رابطة وجملة لا تخضعن في محل جزم جواب الشرط وبالقول حال أو متعلقان بتخضعن.
(فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً) الفاء للسببية ويطمع فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية المسبوقة بالنهي والذي فاعل يطمع وفي قلبه متعلقان بمحذوف خبر مقدم ومرض مبتدأ مؤخر والجملة صلة وقلن الواو عاطفة وقلن فعل أمر والنون فاعل وقولا مفعول مطلق مبين للنوع ومعروفا صفة. (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى) عطف على ما تقدم وقرن فعل أمر وقد تقدم في باب اللغة وفي بيوتكن متعلقان به ولا تبرجن نهي وتبرج الجاهلية مفعول مطلق والأولى نعت للجاهلية. (وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) عطف على قرن في بيوتكن.
(إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) إنما كافة ومكفوفة ويريد الله فعل مضارع وفاعل وليذهب اللام للتعليل ويذهب فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وجملة إنما يريد تعليل لجميع ما تقدم والجار والمجرور أي ليذهب متعلقان بيريد وعنكم متعلقان بيذهب والرجس مفعول به وأهل البيت نصب على الاختصاص للمدح أي أخص أهل البيت ولك أن تجعله منادى محذوف الأداة أو على البدل من الكاف، واعترضه المبرد بأنه لا يجوز البدل من المخاطب، ويطهركم عطف على يذهب وتطهيرا مفعول مطلق.
الفوائد:
١- أراجيف المغرضين عن تعدد أزواج النبي:
سيطول بنا القول في هذا الصّدد لأنه أثار شكوكا لدى
стр. 4132
المغرضين وأصحاب الهوى من المستشرقين والمشهرين بالإسلام، فقد قالوا في معرض افتراءاتهم وأراجيفهم إن تعدد زوجات النبي مناف لشمائل النبوة ومخالف لما ينبغي أن يتسم به أصحاب الدعوة وهداة الأرواح، وقال بعض المستشرقين ما نصه بالحرف: إن تسع زوجات لدليل على فرط الميول الجنسية، ونسوا أو تناسوا أنه لا غضاضة على العظيم أن يحب المرأة ويشعر بمنتها وما من فطرة هي أعمق في طبائع الأحياء عامة من فطرة الجنسين والتقاء الذكر والأنثى، نعم قد تكون الغضاضة إذا طغى هذا الحب حتى أخرج العظيم عن سواء السبيل وشغله عما هو معني به من هداية وليس أبعد به ﷺ عن الاستسلام لنزوات اللذة الجنسية من أنه أوشك أن يطلق نساءه أو يخيرهن في الطلاق لأنهن طلبن إليه المزيد من النفقة، حدث التاريخ أن أبا بكر ذهب إليه يوما يستأذن عليه فوجد الناس جلوسا لا يؤذن لأحد منهم ثم دخل أبو بكر وعمر من بعده فوجد النبي جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا فأراد أبو بكر أن يقول شيئا يسرّي عنه فقال:
يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة!! سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك النبي وقال: هن حولي، كما ترى، يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر الى حفصة يجأ عنقها، ويقولان: تسألن رسال الله ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله شيئا ليس عنده، ثم اعتزلهن الرسول شهرا أو تسعة وعشرين يوما نزلت بعدها الآية التي فيها التخيير وهي «يا أيها النبي قل لأزواجك» الآية. فبدأ الرسول بعائشة فقال لها:
يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ثم خيّر نساءه كلهن فأجبن كما أجابت عائشة وقنعن بما هن
стр. 4133
فيه من معيشة كان كثير من زوجات المسلمين يظفرن بما هو أنعم منها فعلام يدل هذا؟ لو شاء النبي لأغدق عليهن النعمة ولأغرقهن بتهاويل الزينة وتعاجيب الحلي وأطايب اللذات، وهل هذا الصدوف عن ذلك فعل مستسلم للذات الحسية المتهالك على حب النساء؟ ولما بنى بأولى زوجاته- خديجة- لم تكن لذات الحسن هي التي سيطرت على هذا الزواج ولا الباعثة عليه لأنه نبى بها وهي في نحو الأربعين وهو في نحو الخامسة والعشرين ونيف على الخمسين وأوتي الفتح المبين وليس له من زوجة غيرها ولم تبدر عنه أية رغبة في الزواج بأخرى.
قالت له عائشة مرة: هل كانت خديجة إلا عجوزا بدّلك الله خيرا منها فقال لها مغضبا: لا والله ما أبدلني الله خيرا منها: آمنت بي إذ كفر الناس وصدقت إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء.
ولو كانت لذات الحسن هي التي سيطرت على زواج النبي بعد بعد وفاة خديجة لكان الأحجى بإرضاء هذه اللذات أن يجمع إليه تسعا من الفتيات الأبكار اللائي اشتهرن بفتنة الجمال في مكة والمدينة وشبه الجزيرة العربية فيسرعن إليه راضيات فخورات وأولياء أمورهن أرضى منهن وأفخر بهذه المصاهرة التي لا تسمو إليها مصاهرة، بيد أن محمدا لم يتزوج بكرا قط غير عائشة ولم يكن زواجه بها مقصودا في بداية الأمر حتى رغبته فيه خولة بنت حكيم التي عرضت عليه الزواج بعد وفاة خديجة.
قالت عائشة: لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون للنبي: أي رسول الله ألا تتزوج؟ قال: من؟
стр. 4134
قالت: إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا قال: فمن البكر؟ قالت: بنت أحبّ الناس إليك عائشة بنت أبي بكر قال: فمن الثيب؟ قالت:
سودة بنت زمعة آمنت بك واتبعتك.
ثم كانت سودة هي أولى النساء اللاتي بنى بهن بعد وفاة خديجة وكان زوجها الأول- ابن عمها- قد توفي بعد رجوعه من الهجرة الى الحبشة وكانت هي من أسبق النساء الى الإسلام فآمنت وهجرت أهلها ونجا بها زوجها الى الحبشة فرارا من إعنات المشركين له ولها فلما مات لم يبق لها إلا أن تعود الى أهلها فتصبأ وتؤذى أو تتزوج بغير كفء فضمها النبي إليه حماية لها وتأليفا لأعدائه من آلها وكان غير هذا الزواج أولى به لو نظر الى لذات حسن ومال الى متاع.
وكان للنبي زوجة أخرى اتسمت بالوضاءة والحداثة والغضاضة وهي زينب بنت جحش ابنة عمته التي زوجها زيدا بن حارثة بأمره وعلى غير رضى منها لأنها أنفت- وهي ما هي في الحسب والقرابة الى رسول الله- من أن يتزوجها غلام عتيق، هذه أيضا لم يكن للذات الحسن سلطان في بناء النبي بها بعد تطليق زيد إياها وتعذر التوفيق بينهما وستأتي قصتها كاملة مدعومة بالتحليل التام لها.
أما سائر زوجاته فما من واحدة منهن إلا كان لزواجه بهن سبب من المصلحة العامة.
إجمال أسماء زوجاته:
قال ابن الكلبي: إن النبي ﷺ تزوج خمس عشرة امرأة ودخل بثلاث عشرة وجمع بين احدى عشرة وتوفي عن تسع فأولهن خديجة
стр. 4135
بنت خويلدو كانت قبله تحت عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ومات عنها وتزوجها بعده أبو هالة بن زرارة بن النباش التميمي فولدت له هند ثم مات عنها وتزوجها بعده النبي فولدت له ثمانية:
القاسم والطيب والطاهر وعبد الله وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة.
فأما الذكور فماتوا وهم صغار وأما الإناث فبلغن ونكحن وولدن ولم يتزوج على خديجة أحدا وكان موتها قبل الهجرة بثلاث سنين، ثم بعدها سودة بنت زمعة وقيل عائشة وكانت بنت ست سنين فدخل بها في المدينة وهي ابنة تسع ومات عنها وهي ابنة ثماني عشرة وماتت سنة ثمان وخمسين، وأما سودة فكانت امرأة ثيبا وكانت قبله عند السكران بن عمرو بن عبد شمس ومات عنها فخلف عليها رسول الله ودخل بها بمكة، ثم تزوج بعدها حفصة بنت عمر بن الخطاب وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمي وكان بدريا وماتت بالمدينة في خلافة عثمان، ثم تزوج بعدها أم سلمة ابنة أبي أمية المخزومية وكانت قبله تحت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي شهد بدرا وأصابته جراحة يوم أحد فمات عنها فتزوجها رسول الله قبل الأحزاب، ثم تزوج زينب بنت خزيمة من بني عامر بن صعصعة ويقال لها أم المساكين وتوفيت في حياته ولم يمت غيرها وغير خديجة في حياته وكانت زينب قبله تحت الطفيل بن الحارث بن عبد المطلب، ثم تزوج جورية ابنة الحارث بن أبي ضرار الخزاعية من بني المصطلق وكانت تحت مالك بن صفوان، ثم تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش وكان من مهاجرة الحبشة فتنصر ومات بها فأرسل رسول الله الى النجاشي فخطبها عليه وتزوجها وهي بالحبشة وساق النجاشي المهر لها عن رسول الله وماتت في خلافة أخيها معاوية، ثم تزوج زينب بنت جحش (وستأتي قصتها) ثم تزوج عام
следующие страницы →