Полный текст (5 784 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
بين المعاني أو صحة التفسير وهو أن يأتي المتكلم في أول كلامه بمعنى لا يستقل الفهم بمعرفة فحواه، فإما أن يكون مجملا يحتاج إلى تفصيل أو موجها يفتقر إلى توجيه أو محتملا يحتاج المراد منه إلى ترجيح لا يحصل إلا بتفسيره وتبيينه، ووقوع التفسير في الكلام على أنحاء تارة يأتي بعد الشرط أو بعد ما فيه معنى الشرط وطورا بعد الجار والمجرور وآونة بعد المبتدأ الذي التفسير خبره، وقد أتت صحة التفسير في هذه الآية مقترنة بصحة التقسيم واندمج فيهما الترتيب والتهذيب فكان فيها أربعة فنون فقد قدم سبحانه النبات كما ذكرنا في الإعراب وانتقل على طريق البلاغة إلى الأعلى فثنى بأشرف الحيوان وهو الإنسان ليستلزم ذكره بقية الحيوان ثم ثلث بقوله:
«ومما لا يعلمون» فانتقل من الخصوص إلى العموم ليندرج تحت العموم فسبحان منزل القرآن.
الفوائد:
ذكر الزمخشري أن الثمر يجمع على ثمر بفتحتين وثمر بضمتين وثمر بضمة فسكون ولم يذكر غيره الاثنين الأولين.
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٣٧ الى ٤٠]
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)
стр. 4307
اللغة:
(نَسْلَخُ) : نفصل يقال سلخ جلد الشاة إذا كشطه عنها وأزاله، وسلخ الحية. وفي معاجم اللغة: سلخ يسلخ من باب نصر وفتح سلخا الخروف كشط جلده وسلخت المرأة درعها: نزعته وسلخت الحية انكشفت عن سلختها وسلخها أي قشرها فاستعير السلخ لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وملقى ظله.
(العرجون) : بضم العين ويقال له أيضا العرجد والعرجد بتشديد الدال أصل العذق الذي يعوج ويبقى على النخل يابسا بعد أن تقطع عنه الشماريخ، والجمع عراجين. وقال الزجاج: هو فعلون من الانعراج وهو الانعطاف. وسيأتي سر تشبيه القمر به في باب البلاغة.
الإعراب:
(وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ) الواو عاطفة وآية خبر مقدم ولهم صفة والليل مبتدأ مؤخر وجملة نسلخ حالية ومنه متعلقان بنسلخ والنهار مفعول والفاء عاطفة وإذا فجائية وهم مبتدأ ومظلمون خبر ومعنى مظلمون أي داخلون في الظلام. يقال أظلمنا كما يقال أعتمنا وأدجينا وأظهرنا وكذلك أصبحنا وأضحينا وأمسينا.
(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها) الشمس مبتدأ وجملة تجري خبر ولمستقر متعلقان بتجري وسيرد في باب الفوائد معنى المستقر ولها
стр. 4308
متعلقان بمحذوف صفة. (ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) ذلك مبتدأ والاشارة الى جريها وتقدير خبره والعزيز مضاف اليه والعليم صفة ثانية. (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) الواو عاطفة والقمر مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده أي فهو منصوب على الاشتغال وجملة قدرناه من الفعل والفاعل والمفعول به مفسرة وقرىء بالرفع على أنه معطوف على المبتدأ المقدم أو على انه مبتدأ خبره قدرناه ومنازل فيه أوجه: أحدها أنه حال على حذف مضاف أي ذا منازل لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل وثانيها أنه مفعول ثان لقدرناه أي صيّرناه منازل والثالث انه ظرف أي قدرنا سيره في منازل وقد جنح الى هذا الوجه الزمخشري والجلال، وحتى حرف غاية وجر وعاد فعل ماض وفاعله هو أي القمر في آخر منازله ولك أن تجعل عاد ناقصة فيكون الاسم مستترا والكاف اسم بمعنى مثل خبر عاد وان اعتبرتها تامة كانت في محل نصب على الحال والقديم صفة للعرجون وسيأتي سر هذا التشبيه في باب البلاغة.
(لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) لا نافية والشمس مبتدأ وجملة ينبغي خبر ولها متعلقان بينبغي وأن وما في حيزها فاعل ينبغي والقمر مفعول ومعنى ادراك الشمس للقمر الإخلال بالسير المقدر والنظام المتبع لئلا يختل تكوين الكون ونظامه. (وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ) عطف على ما تقدم والليل مبتدأ وسابق خبر والنهار مضاف اليه وسيأتي المزيد من معناه. (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) كل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ولأن التنوين عوض عن كلمة مضافة أي كل واحد من الشمس والقمر والنجوم والكواكب، وفي فلك متعلقان بيسبحون وجملة يسبحون خبر والواو فاعل لأنه نزلها منزلة العقلاء وسيأتي السر في ذلك في باب البلاغة.
стр. 4309
البلاغة:
اشتملت هذه الآيات على العديد من فنون البلاغة:
١- الاستعارة:
فأولها الاستعارة المكنية في قوله «وآية لهم الليل نسلخ منه النهار» فقد شبه تبرؤ الليل من النهار بانسلاخ الجلد عن الجسم المسلوخ وذلك انه لما كانت هوادي الصبح عند طلوعه ملتحمة بأعجاز الليل أجرى عليها اسم السلخ وكان ذلك أولى من أن يقال نخرج مثلا لأن السلخ لا يتأتى إلى بجهد ومشقة لفرط التحامه باللحم والعظام، والجامع بينهما الإزالة والتعرية فكما أن الشاة تتعرى حين يسلخ إهابها كذلك الليل إذا انسلخ عنه النهار زال ضوءه وبدت ظلمته الحالكة تغمر الكون بسوادها.
٢- التوشيح:
وفي قوله: «وآية لهم الليل نسلخ منه النهار» الآية فن التوشيح وهو أن يكون في أول الكلام معنى إذا علم علمت منه القافية إن كان شعرا أو السجع إن كان نثرا بشرط أن يكون المعنى المتقدم بلفظه من جنس معنى القافية أو السجعة بلفظه أو من لوازم لفظه فإن من كان حافظا للسورة متفطنا إلى أن مقاطع آيها النون المردفة وسمع في صدر الآية انسلاخ النهار من الليل علم أن الفاصلة تكون مظلمون لأن من انسلخ النهار عن ليله أظلم أي دخل في الظلمات ما دامت تلك الحال.
стр. 4310
٣- التشبيه المرسل:
وذلك في قوله «حتى عاد كالعرجون القديم» فقد مثل الهلال بأصل عذق النخلة والعذق بكسر العين وهو الكباسة والكباسة عنقود النخل وهو تشبيه بديع للهلال فإن العرجون إذا قدم دق وانحنى واصفر وهي وجوه الشبه بين الهلال والعرجون فهو يشبهه في رأي العين في الدقة لا في المقدار والاستقواس والاصفرار.
٤- الاستعارة أيضا:
واستعار الإدراك للشمس والسبق لليل والنهار ليبين ما هو مقرر في علم الجغرافيا من دورات الشمس والقمر والأرض وتكون الليل والنهار، وجعل الشمس غير مدركة والقمر غير سابق لأن الشمس ثابتة لا تدور إلا دورة لم تعرف مدتها حول شيء مجهول لنا بالكلية ولها أيضا دورة على محورها كالأرض تقطعها في خمسة وعشرين يوما أو هي بالضبط خمسة وعشرون يوما وست ساعات وست عشرة دقيقة وثماني ثوان، أما القمر فله حركتان: إحداهما حول محوره وثانيتهما حول الأرض وكل منهما يتجه من المغرب إلى المشرق ويقطع مداره حول الأرض في تسعة وعشرين يوما ونصف تقريبا وهذا هو المسمى بالشهر القمري فكانت الشمس جديرة بأن توصف بالإدراك لتباطؤ سيرها والقمر خليق بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره.
٥- التغليب:
وغلب العقلاء لأنه نزل الشمس والقمر والنجوم والكواكب
стр. 4311
منزلتهم والسر فيه انه لما وصفهم بالسباحة وهي من أوصاف العقلاء ساغ له ذلك.
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٤١ الى ٤٦]
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦)
اللغة:
(الْمَشْحُونِ) : شحن السفينة ملأها وأتم جهازها كله «في الفلك المشحون» وبينهما شحناء: عداوة وهو مشاحن لأخيه ويقال للشيء الشديد الحموضة انه ليشحن الذباب أي يطرده وبابه فتح إذا كان بمعنى الملء وإذا كان بمعنى الطرد فهو من باب فتح ونصر، يقال:
شحنت الكلاب أي أبعدت الطرد ولم تصد شيئا وإذا كان بمعنى الحقد فهو من باب تعب.
(صَرِيخَ) : مغيث ويطلق أيضا على الصارخ أي المستغيث فهو من الأضداد ويكون مصدرا بمعنى الإغاثة وكل منهما مراد هنا وفي الأساس: «وصرخ يصرخ صراخا وصريخا وهو صارخ وصريخ وقد نقع الصريخ قال:
стр. 4312
قوم إذا نقع الصريخ رأيتهم ... من بين ملجم مهره أو سافع
والصراخ: صوت المستغيث وصوت المغيث إذا صرخ بقومه للإغاثة.
قال سلامة:
إنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب
أي كان الغياث له وتقول: جاء فلان صارخا وصريخا ومستصرخا: مستغيثا وأقبل صارخا وصارخة وصريخا ومصرخا:
مغيثا قال:
وكانوا مهلكي الأبناء لولا ... تداركهم بصارخة شفيق
وفي المثل: «عبد صريخه أمة» أي مغيثه وأصرخته أغثته، واستصرخني استغاثني وتصارخوا واصطرخوا: تصايحوا» .
(الذرية) : سيأتي بحثها في باب الإعراب .
الإعراب:
(وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) اختلف في عود الضمير ونرى أن الأصوب أن يكون عاما وأن يكون بمثابة امتنان عليهم بأصناف من النعم منها حملهم في السفن فتكون الألف واللام في الفلك للجنس لا لسفينة نوح خاصة. وآية خبر مقدم ولهم صفة وأنا أن وما في حيزها مبتدأ مؤخر وأن واسمها وجملة حملنا خبرها
стр. 4313
وحملنا فعل وفاعل وذريتهم مفعول به وفي الفلك متعلقان بحملنا والمشحون صفة وقد أطلقت الذرية على الأصول وهي تطلق أيضا على الفروع لأن لفظ الذرية مشترك بين الضدين لأن الذرية من الذرء أي الخلق والفروع مخلوقون من الأصول والأصول خلقت منها الفروع وقال البغوي: «واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد» وفي القاموس: «ذرأ كجعل خلق والشيء كثره ومنه الذرية مثلثة لنسل الثقلين» واستدرك في التاج فقال: «وقد يطلق على الآباء والأصول قال الله تعالى: أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون والجمع ذراري كسراري» فليس في الآية إشكال كما زعم القرطبي وسيأتي نص عبارته في باب الفوائد.
(وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ) الواو عاطفة وخلقنا فعل وفاعل ولهم متعلقان بخلقنا ومن مثله في محل نصب على الحال من المفعول المؤخر وهو ما وجملة يركبون صلة ما والضمير في مثله يعود على الفلك فإما أن يراد بالمثل ما اصطنعوه بعد ذلك من وسائل الركوب أو أنه مقتصر على الإبل لأنهم كانوا يسمونها سفائن الصحراء وهناك أقوال يرجع إليها في المطولات. (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ) الواو عاطفة وإن شرطية ونشأ فعل الشرط وفاعله مستتر تقديره نحن ونغرقهم جواب الشرط والفاء عاطفة واختار ابن عطية أن تكون استئنافية وفي ذلك قطع للكلام، ولا نافية للجنس وصريخ اسمها مبني على الفتح ولهم خبرها والواو عاطفة ولا نافية وهم مبتدأ وجملة ينقذون خبر وينقذون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل. (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ) إلا أداة حصر ورحمة مفعول لأجله فهو استثناء مفرغ من أعم العلل وقيل هو
стр. 4314
استثناء منقطع وقيل هو مفعول مطلق لفعل محذوف وقيل منصوب بنزع الخافض ومتاعا عطف على رحمة وإلى حين صفة وسيأتي معنى هذا الكلام في باب البلاغة .
(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) كلام مستأنف مسوق لبيان إعراضهم عن هذه الآيات الآنفة الذكر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بإضافة الظرف إليها ولهم متعلقان بقيل وجملة اتقوا مقول القول واتقوا فعل أمر وفاعل وما مفعول به والظرف متعلق بمحذوف صلة ما وأيديكم مضاف إليه وما خلفكم عطف على ما بين أيديكم ولعلكم لعل واسمها وجملة ترحمون خبرها وجواب إذا محذوف مدلول عليه بقوله الآتي والتقدير أعرضوا وأشاحوا. (وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ) الواو عاطفة وما نافية وتأتيهم فعل مضارع ومفعول به ومن حرف جر زائد وآية مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه فاعل ومن آيات ربهم صفة ومعنى من التبعيض وإلا أداة حصر وجملة كانوا عنها معرضين في محل نصب حال وكان واسمها وعنها متعلقان بمعرضين ومعرضين خبرها.
البلاغة:
في قوله: «وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم» إلى قوله:
«ومتاعا إلى حين» سلامة الاختراع وهي الإتيان بمعنى لم يسبق إليه فإن نجاتهم من الغرق برحمة منه تعالى هي في حد ذاتها متاع يستمتعون به ولكنه على كل حال إلى أجل مقدر يموتون فيه لا مندوحة لهم عنه، فهم إن نجوا من الغرق فلن ينجوا مما يشبهه أو يدانيه، والموت
стр. 4315
لا تفاوت فيه. وقد رمق أبو الطيب، كعادته، سماء هذا المعنى فقال من قصيدة قالها بمصر يذكر بها حماه التي كانت تغشاه:
وإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام
يقول: فإن أسلم من مرض لم أبق خالدا ولكن سلمت من الموت بهذا المرض إلى الموت بمرض آخر وهذا معنى بديع تداوله الشعراء، فقال آخر:
إذا بلّ من داء به خال أنه ... تجاذبه الداء الذي هو قاتله
وقد دندن أبو الطيب لتصوير المتاع المستعجل ببيتين ولم يسم إلى الآية فقال:
تمتع من سهاد أو رقاد ... ولا تأمل كرى تحت الرجام
فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام
أراد بثالث الحالين الموت يقول ما دمت حيا تمتع من حالتي النوم والسهاد فإنك لا تنام في القبر، والموت غير اليقظة والرقاد فلا تحسبن الموت نوما.
الفوائد:
عبارة القرطبي في تفسير الآية:
وعدناك أن ننقل لك عبارة القرطبي وبرا بهذا الوعد نوردها لك: «هذه الآية من أشكل ما في هذه السورة لأنهم هم المحمولون
стр. 4316
فقيل: المعنى وآية لأهل مكة أنا حملنا ذرية القرون الماضية في الفلك المشحون فالضميران مختلفان، ذكره المهدوي وحكاه النحاس عن علي ابن سليمان انه سمعه يقوله وقيل الضميران جميعا لأهل مكة على أن يكون المراد بذرياتهم أولادهم وضعفاءهم فالفلك على القول الأول سفينة نوح وعلى الثاني يكون اسما للجنس أخبر تعالى بلطفه وامتنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يضعف عن المشي والركوب من الذرية والضعفاء فيكون الضميران على هذا متفقين، وقيل الذرية الآباء والأجداد حملهم الله تعالى في سفينة نوح ﵇ فالآباء ذرية والأبناء ذرية بدليل هذه الآية قاله أبو عثمان وسمي الآباء ذرية لأنه ذرأ منهم الأبناء، وقول رابع أن الذرية النطف حملها الله تعالى في بطون النساء تشبيها بالفلك المشحون قاله علي بن أبي طالب ﵁، ذكره الماوردي» والقول الصحيح والوجيه ما أسلفناه.
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٤٧ الى ٥٠]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)
стр. 4317
اللغة:
(يَخِصِّمُونَ) : بفتح الياء وكسر الخاء وكسر الصاد المشددة وأصله يختصمون فلما حذفت حركة التاء صارت ساكنة فالتقت ساكنة مع الخاء فحركت الخاء بالكسر على أصل التخلص من التقاء الساكنين وهناك قراءات أخرى يرجع إليها في المطولات.
الإعراب:
(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) عطف على ما تقدم وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة وجملة أنفقوا مقول القول ومما جار ومجرور متعلقان بأنفقوا وجملة رزقكم الله صلة. (قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) جملة قال لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والذين فاعل وجملة كفروا صلة وللذين متعلقان بقال وجملة آمنوا صلة والهمزة للاستفهام ومعناه الاستهزاء: كان بمكة زنادقة فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا لا والله أيفقره الله ونطعمه نحن؟
وقيل نزلت في مشركي قريش حين قال فقراء أصحاب رسول الله:
أعطونا مما زعمتم من أموالكم إنها لله يعنون قوله: «وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا» فحرموهم وقالوا: لو شاء الله لأطعمكم استهزاء منهم بالمؤمنين أي فلا نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا. ونطعم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن ومن مفعول به ولو شرطية ويشاء الله فعل مضارع وفاعل وجملة أطعمه لا محل لها وجملة لو يشاء الله أطعمه لا محل لها لأنها صلة من.
стр. 4318
(إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) إما أن يكون تتمة كلام المشركين وإما أن يكون من قول أصحاب النبي ﷺ لهم وإما أن يكون من قول الله تعالى لهم، وروى القرطبي أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يطعم مساكين المسلمين فلقيه أبو جهل فقال: يا أبا بكر أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء؟ قال: نعم، قال: فما باله لم يطعمهم؟ قال: ابتلى قوما بالفقر وقوما بالغنى وأمر الفقراء بالصبر وأمر الأغنياء بالإعطاء، فقال أبو جهل: والله يا أبا بكر إن أنت إلا في ضلال أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمهم ثم تطعمهم أنت فنزلت الآية. (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) كلام مستأنف لبيان ضرب آخر من تعسفهم وركوبهم متن الضلالة ويقولون فعل مضارع وفاعل ومتى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وهذا مبتدأ مؤخر والوعد بدل من اسم الإشارة وإن شرطية وكنتم صادقين كان واسمها وخبرها وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه أي فمتى هذا الوعد؟
(ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) ما نافية وينظرون فعل مضارع وفاعل ومعناه ينتظرون: جعلهم منتظرين وقوعها مع أنهم كانوا قاطعين بعدمها محاكاة لكلامهم. وإلا أداة حصر وصيحة مفعول به وواحدة صفة وجملة تأخذهم صفة ثانية أو حالية والواو حالية وهم ضمير منفصل مبتدأ وجملة يخصمون خبر والجملة نصب على الحال والمعنى أنها تبغتهم وهم سادرون في الغفلة مسترسلون في الخصومات حول المتاجر والمعاملات. (فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) الفاء عاطفة ولا نافية ويستطيعون فعل
стр. 4319
مضارع وفاعل وتوصية مفعول به والواو عاطفة ولا نافية وإلى أهلهم جار ومجرور متعلقان بيرجعون والجملة معطوفة على فلا يستطيعون.
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٥١ الى ٥٤]
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)
اللغة:
(الصُّورِ) : هو القرن أو ما يسمى اليوم البوق وهو شيء مجوف مستطيل ينفخ فيه ويزمر ويجمع على أبواق وبيقان وبوقات.
قال أبو الفتح بن جني: عاب على أبي الطيب من لا خبرة له بكلام العرب جمع بوق على بوقات في قوله:
إذا كان بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول
والقياس يعضده إذ له نظائر كثيرة مثل حمام وحمامات وسرادق وسرادقات وجواب وجوابات وهو كثير في جميع ما لا يعقل من المذكر.
стр. 4320
(الْأَجْداثِ) : القبور جمع جدث كفرس وأفراس وقرىء من الأجداف بالفاء وهي لغة في الأجداث يقال جدث وجدف.
(يَنْسِلُونَ) : يعدون بكسر السين وضمها يقال نسل الذئب ينسل من باب ضرب يضرب وقيل ينسل بالضم أيضا وهو الاسراع في المشي وفي القاموس: «نسل ينسل وينسل بكسر السين وضمها نسلا ونسلا ونسلانا في مشيه أسرع» .
ومنه قول امرئ القيس:
فإن تك ساءتك مني خليقة ... فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل
الإعراب:
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) كلام مستأنف مسوق لتقرير البعث يوم القيامة. ونفخ فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وفي الصور متعلقان بنفخ والفاء حرف عطف وإذا الفجائية وهم مبتدأ ومن الأجداث متعلقان بينسلون وإلى ربهم متعلقان بينسلون أيضا وجملة ينسلون خبرهم. (قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا) قالوا فعل وفاعل ويا حرف تنبيه أو حرف نداء والمنادى محذوف وويلنا مصدر لا فعل له من لفظه ونا مضاف إليه ويجوز أن يكون منادى مضافا من النداء المجازي أي يا ويل احضر فهذا أوانك، ومن اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة بعثنا خبر ومن مرقدنا متعلقان ببعثنا ويجوز في المرقد أن يكون مصدرا ميميا أي من رقادنا ويجوز أن يكون اسم مكان
стр. 4321
وقد أقيم المفرد مقام الجمع. (هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) هذا مبتدأ وما اسم موصول خبر وجملة وعد الرحمن فعل وفاعل ومفعول وعد محذوف أي وعدنا وصدق المرسلون فعل وفاعل والمفعول محذوف وعلى هذا الإعراب يكون الوقوف على مرقدنا تاما، ويجوز أن تكون ما مصدرية وهي مع مدخولها خبر هذا، وأجاز الزمخشري وغيره أن يكون اسم الاشارة نعتا لمرقدنا فيوقف عليه وما وعد مبتدأ محذوف الخبر أو خبرا لمبتدأ محذوف والتقدير على الأول حق وعلى الثاني هذا أو بعثنا.
(إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) إن نافية وكانت فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره الصيحة وإلا أداة حصر وصيحة خبر كانت والفاء حرف عطف وإذا الفجائية وهم مبتدأ وجميع خبر ولدينا ظرف متعلق بمحضرون ومحضرون خبر ثان أو صفة لجميع. (فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الفاء استئنافية واليوم ظرف متعلق بتظلم ولا نافية وتظلم فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وشيئا مفعول مطلق ولا تجزون عطف على لا تظلم على طريق الالتفات وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان لتجزون وجملة كنتم صلة وجملة تعملون خبر كنتم.
البلاغة:
في قوله: «قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا» استعارة تصريحية أصلية فقد استعار الرقاد للموت والجامع بينهما عدم ظهور الفعل لأن كلّا من النائم والميت لا يظهر فيه فعل والمراد الفعل الاختياري المعتد به فلا يرد أن النائم يصدر منه فعل وإنما قلنا انها
стр. 4322
أصلية لأن المرقد مصدر ميمي كما تقدم وأما إذا جعلناه اسم مكان فتكون الاستعارة تبعية.
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٥٥ الى ٦١]
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)
اللغة:
(شُغُلٍ) : بسكون الغين وضمها وقد قرىء بهما معا وفي القاموس: «الشغل بالضم وبضمتين وبالفتح وبفتحتين ضد الفراغ وجمعه أشغال وشغول وشغله كمنعه شغلا ويضم، وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة واشتغل به وشغل كعني ويقال منه ما أشغله وهو شاذ لأنه لا يتعجب من المجهول» وأنكر شارح القاموس أشغل وقال:
لا يعرف نقله عن أحد من أئمة اللغة.
(فاكِهُونَ) : ناعمون أو متلذذون في النعمة من الفكاهة بالضم وهي التمتع والتلذذ مأخوذ من الفاكهة. قال الجوهري في صحاحه:
الفكاهة بالضم: المزاح والفكاهة بالفتح مصدر فكه الرجل بالكسر فهو فكه
стр. 4323
إذا كان طيب العيش فرحانا ذا نشاط من التنعم فإذا فسرنا قوله «فاكهون» بأنهم ناعمون كانت من الفكاهة بالفتح وفي القاموس: «الفاكهة: الثمر كله وقول مخرج التمر والعنب والرمان منها مستدلا بقوله تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان باطل مردود وقد بينت ذلك مبسوطا في اللامع المعلم العجاب، والفاكهاني بائعها وكخجل: آكلها والفاكه صاحبها وفكههم تفكيها أتاهم بها والفاكهة: النخلة المعجبة واسم والحلواء وفكههم بملح الكلام تفكيها أطرفهم بها والاسم: الفكيهة والفكاهة بالضم وفكه كفرح فكها وفكاهة فهو فكه وفاكه طيب النفس ضحوك أو يحدث صحبه فيضحكهم ومنه تعجب كتفكه والتفاكه التمازح» .
(الْأَرائِكِ) : جمع أريكة وهي السرير في الحجلة وقيل الفرش الكائن في الحجلة بفتحتين أو بسكون الجيم مع ضم الحاء وقيل مع كسرها والمراد بها نحو قبة تغلق على السرير وتزين به العروس.
(يَدَّعُونَ) مضارع ادعى بوزن افتعل من دعا يدعو وقد اشرب معنى التمني، قال أبو عبيدة: «العرب تقول: ادع علي ما شئت أي تمن وفلان في خير ما يدعي أن يتمنى» وقال الزجاج: «هو من الدعاء أي ما يدعونه يأتيهم، وقيل افتعل بمعنى تفاعل أي ما يتداعونه» وقال الزمخشري: «يدعون يفتعلون من الدعاء أي يدعون به لأنفسهم كقولك اشتوى واجتمل إذا شوى وجمل لنفسه قال لبيد:
وغلام أرسلته أمه ... بألوك فبذلنا ما سأل
أرسلته فأتاه رزقه ... فاشتوى ليلة ريح واجتمل»
стр. 4324
أي ورب غلام أرسلته أمه إلينا برسالة وهي هنا السؤال فبذلنا ما سأله من الطعام عقب سؤاله وبين ذلك بقوله: أرسلته فأتاه رزقه وفيه دلالة على انه لم يكن عندهم طعام حين أتاهم الغلام أي فأتاه رزقه من الصيد فاشتوى لنفسه من اللحم في ليلة ريح مظلمة يقل فيها الجود واجتمل أي أذاب الشحم، وفي الصحاح: حميت الشحم واجتملته إذا أذبته.
الإعراب:
(إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ) كلام مستأنف مسوق لتقرير أحوال أهل الجنة إغاظة للكفار وتقريعا لهم وزيادة في ندامتهم وحسرتهم. وإن واسمها واليوم ظرف متعلق بمحذوف حال وفي شغل خبر إن الثاني وفاكهون خبرها الأول ويجوز العكس، ويجوز أن يتعلق في شغل بفاكهون أو في محل نصب على الحال، وسيأتي معنى الشغل والفكاهة في باب البلاغة. (هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ) هم مبتدأ وأزواجهم عطف على هم وفي ظلال خبر أي لا تصيبهم الشمس لانعدامها بالكلية وعلى الأرائك متعلقان بمتكئون ومتكئون خبر ثان لهم، ويجوز أن يتعلق قوله في ظلال بمحذوف حال. (لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ) لهم خبر مقدم وفيها متعلقان بمحذوف حال وفاكهة مبتدأ مؤخر ولهم خبر مقدم وما مبتدأ مؤخر والجملة معطوفة على الجملة السابقة ويجوز في ما أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة أو مصدرية وجملة يدعون لا محل لها أو صفة.
стр. 4325
(سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) اختلفت أقوال المعربين في إعراب هذه الآية وأوصل بعضهم القول فيها إلى ستة أوجه، ونرى أن نثبت نص عبارة الشهاب السمين لوجاهتها قال: «قوله سلام: العامة على رفعه وفيه أوجه أحدها أنه خبر ما يدعون. الثاني أنه بدل من ما، قاله الزمخشري، قال الشيخ: وإذا كان بدلا كان ما يدعون خصوصا والظاهر أنه عموم في كل ما يدعونه وإذا كان عموما لم يكن بدلا منه.
الثالث أنه صفة لما وهذا إذا جعلتها نكرة موصوفة أما إذا جعلتها بمعنى الذي أو مصدرية تعذر ذلك لتخالفهما تعريفا وتنكيرا، الرابع أنه خبر ابتداء مضمر أي هو سلام. الخامس أنه مبتدأ خبره الناصب لقولا أي سلام يقال لهم قولا وقيل تقديره سلام عليكم. السادس أنه مبتدأ وخبره من رب» وقولا مصدر مؤكد لمضمون الجملة وهو مع عامله معترض بين المبتدأ والخبر وقال الزمخشري «والأوجه أن ينتصب على الاختصاص وهو من مجازه» وجعله السيوطي الجلال منصوبا بنزع الخافض وقال آخرون هو مصدر منصوب بفعل محذوف وهو مع عامله صفة لسلام أي يقول لهم وجملة سلام قولا من رب رحيم في محل نصب معموله لقول محذوف ومن رب صفة لقولا ورحيم صفة لرب.
(وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) وهذه الجملة معمولة لقول محذوف أيضا أي ويقول لهم الله. وامتازوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل أي وانفردوا عن المؤمنين، واليوم ظرف متعلق بامتازوا وأيها منادى نكرة مقصودة محذوف منه حرف النداء والهاء للتنبيه والمجرمون بدل. (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ) جملة منتظمة في سلك المقول لهم جارية مجرى التقريع والتوبيخ والتبكيت والإلزام.
стр. 4326
والهمزة للاستفهام المتضمن هذه المعاني ولم حرف نفي وقلب وجزم وأعهد فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره أنا وإليكم متعلق بأعهد ويا حرف نداء وبني منادى مضاف وآدم مضاف إليه.
(أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) أن مفسرة لأنها وقعت بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتعبدوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والواو فاعل والشيطان مفعول به ويجوز أن تكون أن مصدرية فتكون هي ومدخولها في محل نصب بنزع الخافض، أي ألم أعهد إليكم بترك عبادة الشيطان. وان واسمها ولكم متعلقان بعدو أو بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفه له وتقدمت وعدو خبر إن ومبين صفة والجملة تعليلية للنهي لا محل لها. (وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) عطف على أن لا تعبدوا واعبدوني فعل أمر وفاعل ومفعول به وهذا مبتدأ وصراط خبر ومستقيم صفة والجملة تعليلية للأمر وسيأتي سر تقديم النهي على الأمر في باب البلاغة .
البلاغة:
في هذه الآيات ضروب من أفانين البلاغة نشير إليها فيما يلي:
١- تنوين شغل وفيه تنويه بأن ما هم فيه من شغل أعلى من أن ترقى إليه رتبة البيان أو يستطيع وضعه اللسان كما أن في إبهامه إيجازا انطوى تحته مالا يعد ويحصى من ضروب الملاذ التي يستمتعون بها في الجنان، وأن ما عداها يعتبر كلا شيء كما أن فيه تصويرا لما أعده الله لعباده المتقين من ضروب المتعة وأفانين اللذة من افتضاض أبكار، وسماع أوتار، وتزاور في العشايا والأسحار، وقد أكده بأنهم فاكهون ناعمون لا يشغل بالهم ما يشغل بال أهل الدنيا من تصاريف
стр. 4327
الحياة ومشاغل السنين ولا ينغص صفوهم همّ طارئ أو غم نازل، وان كل ما تمتد إليه الأعين وتسافر نحوه الظنون من صنوف الملاذ حاضر لديهم ينالونه وهم متكئون على الأرائك متمددون تحت الظلال مما ورد وصفه مجسّدا. وذلك كله على طريق الكناية وقد تقدم القول فيها مطولا.
٢- تنوين صراط وفيه تفخيم كما تقدم وإيجاز يشير إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان وطاعة الرحمن إذ لا صراط أقوم منه ومن نماذج هذا التنوين في الشعر قول كثير عزة:
لئن كان يهدي برد أنيابها العلا ... لأفقر مني انني لفقير
وقيل هذا البيت من أبيات المجنون وقبله:
دعوت إلهي دعوة ما جهلتها ... وربي بما تخفي الصدور بصير
وبعده:
فما أكثر الأخبار أن قد تزوجت ... فهل يأتيني بالطلاق بشير
وقوله لئن كان يهدي بيان للدعوة التي دعاها عن قصد وحضور قلب وما بينهما اعتراض للتأكيد وإفادة أن الدعوة كانت في السر أي لئن كان يعطي برد أسنانها العليا وخصها بالذكر لأنها أول ما يبدو عند التبسم لأحوج مني إنني لبليغ الفقر حقيق بأن أوصف به لكمال
стр. 4328
شرائطه فيّ، ويجوزان «برد أنيابها» كناية عن ذاتها كلها و «إنني لفقير» خبر مؤكد يدل على شدة الاحتياج وعظم الفاقة وأي فاقة أشد على العاشق من احتياجه إلى من يعشق يداوي أوصابه. وان في قوله «أن قد تزوجت» مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وهي على تقدير حرف الجر أي أتعجب من كثرة الأخبار المخبرة بزواجها وهل استفهام بمعنى التمني أو التعجب مجازا مرسلا لعلاقة مطلق الطلب أي أتمنى ذلك أو أتعجب من عدمه.
٣- تقديم النهي على الأمر في قوله «ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وان اعبدوني هذا صراط مستقيم» وذلك لأن حق التخلية التقديم على التحلية كما هو مقرر في علم التوحيد وليتصل به قوله «هذا صراط مستقيم» .
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٦٢ الى ٦٧]
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦)
وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧)
стр. 4329
اللغة:
(جِبِلًّا) : بكسر الجيم والباء وتشديد اللام كسجل، وجبلا بضم الجيم وسكون الباء وتخفيف اللام، وجبلا بضم الجيم وسكون الباء، وجبلا بكسر الجيم وسكون الباء وهذه اللغات في الجبل بمعنى الخلق أو طائفة منه أقلها عشرة آلاف والكثير لا يتناهى.
(اصْلَوْهَا) : ذوقوا حرّها.
(مَكانَتِهِمْ) : المكانة والمكان واحد كالمقامة والمقام والمعنى لمسخناهم مسخا يجمدهم مكانهم لا يقدرون على مبارحته.
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) كلام مستأنف مسوق لتشديد التوبيخ وتأكيد التقريع واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأضل فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ومنكم جار ومجرور متعلقان بأضل وجبلا مفعول به وكثيرا صفة والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم وتكونوا فعل مضارع ناقص مجزوم بلم والواو اسمها وجملة تعقلون خبرها. (هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) كلام مستأنف مسوق لمجابهتهم بالمصير الهائل الذي يصيرون اليه بعد أن بلغ الغاية في توبيخهم وتقريعهم. واسم الاشارة مبتدأ وجهنم خبره والتي صفة وجملة كنتم صلة والتاء اسم كان وجملة توعدون خبرها.
стр. 4330
(اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) اصلوها فعل أمر وفاعل ومفعول به واليوم ظرف متعلق باصلوها وبما متعلقان باصلوها أيضا والباء للسببية وما مصدرية أي بسبب كفركم وكنتم تكفرون كان واسمها وخبرها وجملة كنتم تكفرون لا محل لها. (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ) اليوم ظرف زمان متعلق بنختم ونختم فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره نحن وعلى أفواههم متعلقان بنختم أيضا.
(وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) وتكلمنا أيديهم فعل مضارع ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر وسيأتي سر تكليم الأيدي، وتشهد أرجلهم عطف على تكلمنا أيديهم وبما متعلقان بتكلمنا وما مصدرية أو موصولة وكانوا كان واسمها وجملة يكسبون خبرها.
(وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ) الواو عاطفة ولو شرطية ونشاء فعل مضارع وفاعل والمفعول به محذوف أي لو نشاء طمسها واللام واقعة في جواب لو وجملة طمسنا لا محل لها وعلى أعينهم متعلقان بطمسنا والطمس شق العين حتى تعود ممسوحة وفي المصباح «طمست الشيء طمسا من باب ضرب محوته» .
(فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) الفاء عاطفة واستبقوا فعل وفاعل والجملة عطف على لطمسنا والصراط قال الزمخشري: «لا يخلو من أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل، والأصل فاستبقوا الى الصراط أو يضمن معنى ابتدروا أو يجعل الصراط مسبوقا لا مسبوقا إليه أو ينتصب على الظرف، والمعنى أنه لو شاء لمسح أعينهم فلو راموا أن يستبقوا إلى الطريق المهيع الذي اعتادوا سلوكه الى مساكنهم والى مقاصدهم المألوفة التي ترددوا إليها كثيرا كما كانوا يستبقون إليه ساعين في متصرفاتهم موضعين في أمور دنياهم لم يقدروا وتعايا عليهم أن يبصروا ويعلموا جهة السلوك فضلا عن غيره أو لو شاء
стр. 4331
لأعماهم فلو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف كما كان ذلك هجيراهم لم يستطيعوا أو لو شاء لأعماهم فلو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوا المشي فيه لعجزوا ولم يعرفوا طريقا» وقال السمين: «والصراط ظرف مكان مختص عند الجمهور فلذلك تأولوا وصول الفعل إليه إما بأنه مفعول به مجازا جعله مسبوقا له وتضمين استبقوا معنى بادروا وإما على حذف الجار أي إلى الصراط» والفاء عاطفة وأنى اسم استفهام بمعنى كيف في محل نصب على الحال ويبصرون فعل مضارع وفاعل والاستفهام هنا معناه النفي أي لا يبصرون.
(وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ) عطف على ما ولو شرطية ونشاء فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن ومفعول نشاء محذوف أيضا أي لو نشاء مسخهم واللام واقعة في جواب لو وجملة مسخناهم لا محل لها وعلى مكانتهم حال أي لمسخناهم على حالتهم فهم ممسوخون في محالهم وفي منازلهم، فما الفاء عاطفة وما نافية واستطاعوا فعل وفاعل ومضيا مفعول به ولا يرجعون عطف أيضا أي فما يبرحون مكاناتهم ولا يستطيعون الفرار منها بإقبال ولا بإدبار.
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٦٨ الى ٧٦]
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢)
وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦)
стр. 4332
اللغة:
(نُعَمِّرْهُ) : نطيل أجله، وعمره الله بالتشديد أبقاه وقد تقدم ذكر هذه المادة بتفصيل واف.
(نُنَكِّسْهُ) نقلبه أي فنجعله على عكس ما خلقناه فيتناقص حتى يرجع إلى حال شبيهة بحال الصبي. وفي القاموس وغيره «نكسه تنكيسا بالتشديد بمعنى نكسه ونكسه ينكسه من باب نصر نكسا قلبه على رأسه وجعل أسفله أعلاه ومقدمه مؤخره» وفي المصباح:
«نكسته نكسا من باب قتل قلبته ومنه قيل ولد منكوس إذا خرج رجلاه قبل رأسه لأنه مقلوب مخالف للعادة، ونكس المريض نكسا بالبناء للمجهول عاوده المرض كأنه قلب الى المرض» وقد جمع بعضهم معاني هذه المادة فقال:
قلب على رأس فهذا نكس ... والرجل الفسل الضعيف نكس
стр. 4333
رجوع داء بعد برء نكس ... والناكس المرخي لرأس فادر
ومن ريب أمر النون مع الكاف أنهما إذا وقعتا فاء وعينا للكلمة دلت على أثر في الشيء ويكون مصحوبا بالايلام والايجاع: فنكأ القرحة قشرها قبل أن تبرأ فنكسها قال:
ولم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
ونكب عنه عدل ونكب الإناء أراق ما فيه والنكبة المصيبة وأثرها بليغ ومنه الريح النكباء وهي التي تهب بين الصبا والشمال خاصة. ونكت الأرض بقضيبه أو بأصبعه ومرّ الفرس ينكت إذا نبا عن الأرض في عدوه ونكت العظم أخرج مخه وفلان نكّات في الأعراض أي طعّان فما يستعمله العامة قريب من الصحيح. ونكث الحبل والسواك والسأف في أصول الأظفار وقد انتكث بنفسه أي انتقض واختل وهذه نكاثة الحبل: لما انتكثت من طرفه ونكاثة السواك لما تشعّث من رأسه، ومن مجازه نكث العهد والبيعة نقضهما وهو نكاث للعهود. ونكح المرأة واستنكحها. قال النابغة:
وهم قتلوا الطائي بالحجر عنوة ... أبا جابر واستنكحوا أم جابر
واستنكح النوم عيونهم. قال عمر بن أبي ربيعة:
стр. 4334
واستنكح النوم الذين تخافهم ... ورمى الكرى بوّابهم فتجدّلا
ونكد فلانا حاجته منعه إياها أو لم يعطه إلا القليل منها ونكد الغراب استقصى في شحيحه ونكد العيش بكسر الكاف اشتد وعسر ونكد عيشه بالتشديد أي جعله نكدا وعطاء منكود ومنكّد أي قليل غير مهنأ. قال:
وأعط ما أعطيته طيبا ... لا خير في المنكود والناكد
ونكّد عطاءه بالمنّ. وأنكر الشيء ونكره واستنكره وقيل نكر بالكسر أبلغ من أنكره وهذا غريب وقيل: نكر بالقلب وأنكر بالعين، قال الأعشى:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
ونكزت الحية تنكز بأنفها ونكز البحر غاض. ونكش البئر نزفها أو أخرج ما فيها من الطين فما تستعمله العامة لا غبار عليه.
ونكص على عقبيه معروف ويقال: فلان حظه ناقص، وجده ناكص.
ونكف منه بكسر الكاف واستنكف: امتنع وانقبض أنفا وحمية.
ونكل عن اليمين وعن العدو نكولا ونكلته عن كذا فطمته ونكلت به بالتشديد أصبته بنازلة أو جعلت غيره ينكل أن يفعل مثل فعله والقعاب النكال. ونكهته تشممت ريح فيه ونكه الشارب في وجهه ولا يخفى ما يحدثه من أثر وقد يأتي بمعنى الطيب يقال هو طيب النكهة وقد
стр. 4335
استعملها أبو الشمقمق في المعنيين بقوله يهجو داود بن بكر وكان والي الأهواز:
وله لحية تيس ... وله منقار نسر
وله نكهة ليث ... خالطت نكهة صقر
ونكيت في العدو نكاية إذا أكثرت الجراح، تقول: فلان قليل النكاية طويل الشكاية، قال:
قليل النكاية أعداءه ... يراعي الفرار يراخي الأجل
الإعراب:
(وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ) كلام مستأنف مسوق لاستعراض حال الإنسان كيف يستحيل إلى ضعف بعد قوة وإلى نقص بعد تمام. ومن اسم شرط جازم ونعمره فعل الشرط والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به وننكسه جواب الشرط والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به وفي الخلق متعلقان بننكسه أو بمحذوف حال والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف يقتضيه السياق ولا نافية ويعقلون فعل مضارع مرفوع وفاعله. (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ) كلام مستأنف مسوق للرد على من زعموا أن القرآن شعر. وما نافية وعلمناه فعل ماض وفاعل ومفعول به والشعر مفعول به ثان وما عطف وينبغي فعل مضارع معطوف على علمناه وله متعلقان بينبغي وسيأتي مزيد بيان حول هذا الموضوع.
стр. 4336
(إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) إن نافية وهو مبتدأ وإلا أداة حصر وذكر خبر وقرآن عطف على ذكر ومبين صفة. (لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ) اللام للتعليل وينذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بمحذوف تدل عليه قرينة الكلام أي أنزل عليه لينذر ومن مفعول به وجملة كان صلة واسم كان ضمير مستتر تقديره هو وحيا خبرها ويحق عطف على لينذر والقول فاعل والمراد به العذاب وعلى الكافرين متعلقان بيحق.
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ) الهمزة للاستفهام التقريري وقد تقدم أن في هذا التركيب وجهين صحيحين أو لهما أن أصل التركيب وألم يروا ولكن لما كان الاستفهام له الصدارة قدمت الهمزة على الواو، والوجه الثاني أن يكون الكلام على حاله والواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق وقد جرينا على هذا الوجه في أكثر ما قدمناه والتقدير ألم يتفكروا ولم يروا وقد أعدناه هنا لطول العهد به. ولم حرف نفي وقلب وجزم ويروا فعل مضارع مجزوم بلم والواو فاعل والرؤية علمية وأنا وما في حيزها سدت مسد مفعولي يروا وأن واسمها وجملة خلقنا خبرها وخلقنا فعل وفاعل ولهم متعلقان بخلقنا أي لأجلهم وانتفاعهم ومما متعلقان بمحذوف حال وجملة عملت صلة والعائد محذوف أي عملته وأيدينا فاعل وأنعاما مفعول خلقنا والفاء عاطفة وهم مبتدأ ولها متعلقان بمالكون ومالكون خبر هم وهي كالابل والبقر والغنم والخيل والحمير.
(وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ) وذللناها فعل ماض وفاعل ومفعول ولهم متعلقان بذللناها والفاء للتفريع ومنها خبر مقدم
стр. 4337
وركوبهم مبتدأ مؤخر وفيها متعلقان بيأكلون ويأكلون فعل مضارع مرفوع وفاعل. (وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ) الواو عاطفة ولهم خبر مقدم وفيها حال ومنافع مبتدأ مؤخر ومشارب عطف على منافع وهو جمع مشرب مصدر ميمي واسم مكان والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة كما تقدم ولا نافية ويشكرون فعل مضارع وفاعل. (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ) الواو عاطفة على مقدر يستدعيه السياق أي ما فعلوا الشكر. واتخذوا فعل أمر وفاعل ومن دون الله في موضع المفعول الثاني لاتخذوا وآلهة مفعوله الأول ولعل واسمها وجملة ينصرون خبرها والواو نائب فاعل وجملة الرجاء حالية أي حال كونهم راجين النصر من آلهتهم.
(لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ) لا نافية ويستطيعون فعل مضارع وفاعل، أسند ضمير العقلاء إلى آلهتهم تنزيلا لها منزلة العقلاء ونصرهم مفعول به والواو للحال وهم مبتدأ ولهم حال من جند لأنه كان في الأصل صفة له وقدمت عليه وجند خبرهم ومحضرون خبر ثان لهم أو نعت لجند.
(فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ) الفاء الفصيحة أي ان علمت ما تقدم وأيقنت أنهم يعلّقون أطماعهم الفارغة على ما يستوجب الخسران ويستدعي تقويض الأحلام وتبديد الأوهام فلا يحزنك قولهم. ولا ناهية ويحزنك فعل مضارع مجزوم بلا والكاف مفعول به وقولهم فاعل ثم علل النهي فقال: إنا بكسر الهمزة ولو فتحت لفسد المعنى، وان واسمها وجملة نعلم خبرها والفاعل مستتر تقديره نحن وما مفعول به وهي موصولة أو مصدرية وجملة
стр. 4338
يسرون لا محل لها على كل حال أي الذي يسرونه أو أسرارهم وما يعلنون عطف على ما يسرون أي والذي يعلنون أو واعلانهم وللزمخشري فصل ممتع بين كسر همزة إن وفتحها نورده في باب الفوائد .
الفوائد:
حاول بعض المنتصرين للنثر، الطاعنين على الشعر، أن يحتج بأن القرآن كلام الله تعالى منثور، وان النبي ﷺ غير شاعر لقوله تعالى: «وما علمناه الشعر وما ينبغي له» ويرى أنه قد أبلغ في الحجة، ولكن الواقع أن الله تعالى لما بعث رسوله أميا غير شاعر إلى قوم يعلمون منه حقيقة ذلك حين استوت الفصاحة واشتهرت البلاغة آية للنبوة، وحجة على الخلق، وإعجازا للمتعاطين، وجعله منثورا ليكون أظهر برهانا لفضله على الشعر الذي يترتب على صاحبه أن يكون قادرا على ما يحبه من الكلام، وتحدي جميع الناس من شاعر وغيره بمثل مثله فأعجزهم ذلك، فمن هنا قال الله تعالى «وما علمناه الشعر وما ينبغي له» أي لتقوم عليكم الحجة ويصح قبلكم الدليل، ويدحض أباطيلكم البرهان، والمعنى: ان القرآن ليس بشعر، وما هو من الشعر في شيء وأين هو عن الشعر؟ والشعر إنما هو كلام موزون مقفى يدل على معنى فأين الوزن؟ وأين التقفية؟ وأين المعاني التي ينتحيها الشعراء عن معانيه؟ وأين نظم كلا منهم عن نظمه وأساليبه؟
فإذن لا مناسبة بينه وبين الشعر، قال الزمخشري: «فإن قلت فقوله:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
стр. 4339
وقوله:
هل أنت إلّا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
قلت: ما هو إلا كلام من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة من غير صنعة ولا تكلف إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه إليه أن جاء موزونا كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة لا يسميها أحد شعرا ولا يخطر ببال المتكلم ولا السامع أنها شعر، وإذا فتشت في كل كلام عن نحو ذلك وجدت الواقع في أوزان البحور غير عزيز، على أن الخليل ما كان يعد المشطور من الرجز شعرا» .
قلت: وقد تقدم في موضع آخر بحث مستفيض عن الشعر فجدد به عهدا.
بين كسر همزة إن وفتحها:
وقال الزمخشري في صدد قوله تعالى: «فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون» : «فإن قلت: فما تقول فيمن يقول:
إن قرأ قارئ أنا نعلم بالفتح انتقضت صلاته وإن اعتقد ما يعطيه من المعنى كفر؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يكون على حذف لام التعليل وهو كثير في القرآن وفي الشعر وفي كل كلام وقياس مطّرد، وهذا معناه ومعنى الكسر سواء، وعليه تلبية رسول الله ﷺ : ان الحمد والنعمة لك، كسر أبو حنيفة وفتح الشافعي وكلاهما تعليل. والثاني أن يكون بدلا من قولهم كأنه قيل فلا
стр. 4340
يحزنك أنا نعلم ما يسرون وما يعلنون، وهذا المعنى قائم مع المكسورة إذا جعلتها مفعولة للقول فقد تبين أن تعلّق الحزن بكون الله عالما وعدم تعلقه لا يدوران على كسر إن وفتحها وإنما يدوران على تقديرك، فتفصل إن فتحت بأن تقدر معنى التعليل ولا تقدر البدل كما أنك تفصل بتقدير معنى التعليل إذا كسرت ولا تقدر معنى المفعولية ثم إن قدرته كاسرا وفاتحا على ما عظم فيه من الخطب ذلك القائل فما فيه إلا نهي رسول الله ﷺ عن الحزن على كون الله عالما بسرهم وعلانيتهم وليس النهي عن ذلك مما يوجب شيئا ألا ترى إلى قوله تعالى: «فلا تكونن ظهيرا للكافرين، ولا تكونن من المشركين، ولا تدع مع الله إلها آخر» .
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٧٧ الى ٨٣]
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١)
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)
стр. 4341
اللغة:
(خَصِيمٌ) : مخاصم مجادل والخصومة الجدل قال في القاموس:
«خاصمه مخاصمة وخصومة فخصمه يخصمه غلبه وهو شاذ لأن فاعلته ففعلته يرد يفعل منه إلى الضم إن لم تكن عينه حرف حلق فإنه بالفتح كفاخره ففخره يفخره وأما المعتل كوجدت وبعت فيرد إلى الكسر إلا ذوات الواو فإنها ترد إلى الضم كراضيته فرضوته أرضوه وخاوفني فخفته أخوفه وليس في كل شيء يقال نازعته لأنهم استغنوا عنه بغلبته واختصموا تخاصموا والخصم المخاصم والجمع خصوم وقد يكون للاثنين والجمع والمؤنث، والخصيم المخاصم والجمع خصماء وخصمان ورجل خصم كفرح مجادل والجمع خصمون ومن قرأ «وهم يخصمون» أراد يختصمون فقلب التاء صادا فأدغم ونقل حركته إلى الخاء ومنهم من لا ينقل ويكسر الخاء لاجتماع الساكنين وأبو عمرو يختلس حركة الخاء اختلاسا وأما الجمع بين الساكنين فلحن، والخصم بالضم الجانب والزاوية والناحية وطرف الزاوية الذي بحيال العزلاء في مؤخرها والجمع أخصام وخصوم واخصام العين ما ضمت عليه الأشفار» وإنما نقلنا لك هذه المادة بطولها لفائدتها ولنبين لك مدى الوهم الذي وقع فيه صاحب المنجد فقد خلط فيها خلطا عجيبا وجعل الأخصام جمعا للخصم والخصيم وهو كما رأيت وهم من أوهام هذا الكتاب العجيب!! (رَمِيمٌ) : بالية وفي المختار «رم بالفتح يرم بالكسر إذا بلي وبابه ضرب» فهو اسم لا صفة ولذلك لم يؤنث وقد وقع خبرا لمؤنث، ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول. وإيضاح هذا الكلام أن فعيلا
стр. 4342
بمعنى فاعل لا تلحق التاء في مؤنثه إلا إذا بقيت وصفية وما هنا انسلخ عنها وغلبت عليه الاسمية أي صار بالغلبة اسما لما بلي من العظام.
الإعراب:
(أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) كلام مستأنف مسوق لتقبيح إنكارهم البعث وقد سما الزمخشري في تقرير هذا المعنى كما سيأتي في باب الفوائد. والهمزة للاستفهام الإنكاري التعجبي، والواو عاطفة وقد تقدم القول فيها مسهبا ولم حرف نفي وقلب وجزم وير فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والإنسان فاعل وأنا وما في حيزها سدت مسد مفعولي ير لأن الرؤية هنا علمية وأن واسمها وجملة خلقناه خبرها وخلقناه فعل وفاعل ومفعول به ومن نطفة جار ومجرور متعلقان بخلقناه والفاء حرف عطف وإذا فجائية وهو مبتدأ وخصيم خبر ومبين صفة وجملة إذا هو خصيم مبين عطف على جملة لم ير الإنسان داخلة معها في حيز الإنكار والتعجب. (وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ) الواو عاطفة وضرب فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولنا متعلقان بضرب ومثلا مفعول به ونسي عطف على ضرب وخلقه مفعول به والعطف داخل في حيز التعجب والإنكار أو الواو للحال بتقدير قد أي وقد نسي خلقه.
(قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) من اسم استفهام مبتدأ وجملة يحيي العظام خبر والواو حالية وهي مبتدأ ورميم خبر والجملة في موضع نصب على الحال. (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) جملة يحييها مقول القول وهو فعل مضارع ومفعول
стр. 4343
به والذي فاعل وجملة أنشأها صلة وأول مرة نصب على الظرف متعلق بأنشأها والواو استئنافية أو حالية وهو مبتدأ وبكل متعلقان بعليم وعليم خبر هو. (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) الذي بدل من الذي الآنفة الذكر وجملة جعل صلة ولكم في موضع المفعول الثاني ومن الشجر الأخضر حالا لأنه كان في الأصل صفة لنارا ونارا مفعول جعل الأول، فإذا الفاء عاطفة وإذا فجائية وأنتم مبتدأ ومنه متعلقان بتوقدون وجملة توقدون خبر أنتم.
(أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) الهمزة للاستفهام الإنكاري والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أليس الذي أنشأها أول مرة وليس الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا وليس الذي خلق السموات والأرض بقادر، وليس فعل ماض ناقص والذي اسمها وجملة خلق السموات والأرض صلة والباء حرف جر زائد وقادر مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس وعلى حرف جر وأن وما في حيزها في محل جر بعلى والجار والمجرور متعلقان بقادر وفاعل مستتر تقديره هو ومثلهم مفعول به.
(بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) حرف جواب لإثبات النفي والواو عاطفة على ما يفيده الإيجاب أي بلى هو قادر على ذلك وهو الخلاق، وهو مبتدأ والخلاق خبر والعليم خبر ثان. (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) إنما كافة ومكفوفة وأمره مبتدأ وإذا ظرف مستقبل وجملة أراد مضاف إليها الظرف وشيئا مفعول به وأن وما في حيزها خبر أمره وله متعلقان بيقول وجملة كن مقول القول وكن فعل
стр. 4344
أمر تام وفاعله مستتر تقديره أنت والفاء عاطفة ويكون فعل مضارع مرفوع لأنه وفاعله جملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف والجملة عطف على أمره وقرىء بالنصب عطفا على يقول.
(فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الفاء الفصيحة وسبحان مفعول مطلق لفعل محذوف والذي مضاف إليه وبيده خبر مقدم وملكوت كل شيء مبتدأ مؤخر والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول وإليه الواو عاطفة وإليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
البلاغة:
حسن البيان:
في قوله: «وضرب لنا مثلا ونسي خلقه» الآيات. حسن البيان، وحقيقته إخراج المعنى في أحسن الصور الموضحة له وإيصاله إلى فهم المخاطب بأقرب الطرق وأسهلها، وقد تأتي العبارة عنه من طريق الإيجاز وقد تأتي من طريق الإطناب بحسب ما تقتضيه الحال، وقد أتى بيان الكتاب العزيز في هذه الآية من الطريقين فكانت جامعة مانعة في الاحتجاج القاطع للخصم، وقد أتى منفصلا عما قبله لأنه سبحانه ذكر المثل وليس في الكلام كله لا قبله ولا بعده ما خرج مخرج المثل ولا ما يصح أن يكون مثلا وهو أن أمية بن خلف أتى رسول الله ﷺ بعظم نخر في يده وقال يا محمد أنت تزعم ربك يحيي هذا بعد أن صار إلى هذه الحال فنزلت، وفي رواية أنه العاصي بن وائل وقيل هو أبي بن خلف الجمحي.
стр. 4345
وقد آن أن ننقل الفصل البليغ الذي أورده الزمخشري في صدد هذه الآيات قال: «قبح الله إنكارهم البعث تقبيحا لا ترى أعجب منه وأبلغ وأدل على تمادي كفر الإنسان وإفراطه في جحود النعم وعقوق الأيادي، وتوغله في الخسة، وتغلغله في القحة حيث قرر أن عنصره الذي خلقه منه هو أخس شيء وأمهنه وهو النطفة المذرة الخارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة ثم عجب من حاله بأن يتصدى مثله على مهانة أصله ودناءة أوله لمخاصمة الجبار، وشرز صفحته لمجادلته، ويركب متن الباطل ويلج ويمحك ويقول: من يقدر على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه ثم يكون خصامه في ألزم وصف له وألصقه به وهو كونه منشأ من موات وهو ينكر إنشاءه من موات وهي المكابرة التي لا مطمح وراءها.
وروي أن جماعة من قريش منهم أبي بن خلف الجمحي وأبو جهل والعاصي بن وائل والوليد بن المغيرة تكلموا في ذلك فقال لهم أبي ألا ترون إلى ما يقول محمد إن الله يبعث الأموات ثم قال: واللات والعزّى لأصيرن إليه ولأخصمنه، وأخذ عظما باليا فجعل يفته بيده وهو يقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ! قال ﷺ نعم ويبعثك ويدخلك جهنم.
следующие страницы →