← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

(وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ) تقدم إعرابها أكثر من مرة. (سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ) سلام مبتدأ وعلى موسى وهارون خبره (إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) ان واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف وجملة نجزي المحسنين خبر إنا وقد تقدمت لها نظائر. (إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) إن واسمها ومن عبادنا خبر والمؤمنين نعت. الفوائد: حقيقة القول في موسى: الصحيح أن موسى علم أعجمي غير مشتق وقول بعضهم انه مشتق من أوسيت الشجر أي أخذت ما عليه من الورق ضعيف ورد ابن السراج هذا كله وقال: من اشتق شيئا من لغة العجم من لغة العرب كان بمنزلة من ادعى أن الطير ولد الحوت، ومع كون موسى أعجميا اختلف في وزنه فقال سيبويه وزنه مفعل وهو قول أبي عمرو، وقال الكسائي: وزنه فعلى واحتج لسيبويه بأن زيادة الميم أولا أكثر من زيادة الألف آخرا ورد الفارسي على الكسائي بصرفه في النكرة ولو كانت فعلى لكانت ألفه للتأنيث ولا يصرف نكرة أيضا ومن جوز فعلل في الأبنية كما صار إليه الأخفش يجوز عنده كون ألفه للإلحاق فيصرف في النكرة وتقول في جمعه بالواو والنون موسون وموسين بفتح السين عند البصريين والكوفيين إن كان وزنه مفعلا وتقول على طريقة الكسائي موسون بضم السين قبل الواو وموسين بكسر السين قبل الياء، هذا كله في موسى اسم لواحد من بني آدم وأما الموسى التي يحلق بها الشعر فعربية ثم قيل إنها مشتقة من أسوت الشيء إذا أصلحته، والأصل مؤسى بالهمزة فأبدلت الهمزة واوا وقيل من أوسيت حلقت وهذا أشهر ولا أصل

стр. 4412

لواوه على هذا في الهمزة والمشهور تأنيثها وقيل هو مذكر ووزنها على الباعث فعلى فيمتنع الصرف سواء سميت بها أو لم تسم إلا إذا اثبت فعللا فيصرف في النكرة والله أعلم. [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٢٣ الى ١٣٢] وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) اللغة: (بَعْلًا) : بعل اسم صنم لهم من ذهب وبه سمي البلد أيضا مضافا الى بك اسم البلد في الأصل ثم لما عبد فيها هذا الصنم المسمى ببعل سميت بعلبك وفي تاج العروس: «قال الأزهري: هما اسمان جعلا اسما وأحدا لمدينة بالشام والنسبة إليها بعلي أو بكي على ما ذكر في عبد شمس» وعبارة الزمخشري: «أتدعون بعلا وهو علم لصنم كان لهم كمناة وهبل وقيل كان من ذهب وكان طوله عشرين ذراعا وله أربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياءه فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس وهم أهل بعلبك من بلاد الشام

стр. 4413

وبه سميت مدينتهم بعلبك وقيل البعل الرب بلغة اليمن يقال: من بعل هذه الدار أي من ربها؟» وسيأتي المزيد من هذه القصة في باب الفوائد. (تَدْعُونَ) : تنادون. (تَذَرُونَ) : تتركون وسمعنا عمن له نصاب في العربية أن كلمتي ذر ودع أمران في معنى الترك إلا أن دع أمر للمخاطب بترك الشيء قبل العلم به وذر أمر له بتركه بعد ما علمه، وروي أن بعض الأئمة سأل الإمام الرازي عن قوله تعالى: «أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين» لم لم يقل وتدعون أحسن الخالقين وهذا أقرب من الفصاحة للمجانسة بينهما فقال الإمام لأنهم اتخذوا الأصنام آلهة وتركوا الله بعد ما علموا أن الله ربهم ورب آبائهم الأولين استكبارا فلذلك قيل لهم: وتذرون ولم يقل وتدعون، هذا وقد أمات العرب ماضي دع وذر ومصدرهما ولكن روي في الحديث: «لتنتهين أقوام من ودعهم الجمعات» أي عن تركهم الجمعات. وقال في القاموس: ودعه أي اتركه أصله ودع كوضع وقد أميت ماضيه وإنما يقال في ماضيه تركه وجاء في الشعر ودعه وهو مودوع وقرئ شاذا: «ما ودعك ربك وهي قراءته ﷺ » وقال الجوهري: ولا يقال وادع وينافيه وروده في الشعر والقراءة به إلا أن يحمل قولهم وقد أميت ماضيه على قلة الاستعمال فهو شاذ استعمالا صحيح قياسا. (إِلْ ياسِينَ) : قال الزمخشري: «قرىء على الياسين وادريسين وادارسين وادريسين على أنها لغات في الياس وإدريس ولعل لزيادة الياء

стр. 4414

والنون في السريانية معنى» وقيل المراد بياسين هذا الياس المتقدم فعلى هذا هو مفرد مجرور بالفتحة لأنه غير منصرف للعلمية والعجمة وقيل هو ومن آمن معه فجمعوا معه تغليبا كقولهم للمهلب المهلبون فعلى هذا هو مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم. الإعراب: (وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) عطف أو استئناف لذكر القصة الرابعة، وان واسمها والياس علم أعجمي وستأتي ترجمته في باب الفوائد واللام المزحلقة والمرسلين خبر. (إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بفعل محذوف تقديره اذكر، واختار بعضهم تعليقه بالمرسلين وجملة قال في محل جر بإضافة الظرف إليها ولقومه جار ومجرور متعلقان بقال والهمزة للاستفهام ولا نافية وتتقون فعل مضارع مرفوع وفاعل والجملة مقول القول. (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ) الهمزة للاستفهام الانكاري وتدعون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وبعلا مفعول به والواو عاطفة وتذرون عطف على تدعون ويجوز أن تكون حالية والجملة في محل نصب على الحال وأحسن الخالقين مفعول به. (اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) لفظ الجلالة بدل من أحسن الخالقين فهو منصوب وربكم بدل من الله ورب آبائكم الأولين عطف فالكلمات الثلاث منصوبة وقرئ بالرفع على أنها أخبار لمبتدأ محذوف أي هو أو الله مبتدأ وربكم خبره ورب آبائكم الأولين عطف على ربكم. (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) الفاء عاطفة وكذبوه فعل وفاعل ومفعول

стр. 4415

به والفاء في فإنهم الفصيحة وان واسمها واللام المزحلقة ومحضرون خبر إن. (إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء وعباد الله استثناء متصل من فاعل فكذبوه والمخلصين نعت لعباد الله. (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) تقدم إعرابها قريبا فجدد به عهدا. (سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ) تقدم إعرابها. (إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) تقدم اعرابها أيضا. الفوائد: في قصة الياس النبي طرافة ومتعة وتصوير فني ليكون وسيلة للتأثير الوجداني فهي تخاطب حاسة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية لأن القصة في القرآن ليست عملا فنيا مستقلا في موضوعه وطريقة أدائه وعرضه وسرد حوادثه، وقبل أن نبدأ بتلخيص القصة كما روتها السير نبدأ بذكر لمحة عن الياس النبي فقد ذكر أهل التفسير أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل قال محمد بن اسحق: «هو الياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران والله أعلم» وجاء في المنجد للآداب والعلوم انه إيليا النبي من أنبياء بني إسرائيل حارب العبادات الوثنية التي أدخلتها في إسرائيل ايزابيل زوجة آحاب فنفي الى صرفت حيث رد الى الحياة ابن امرأة أرملة وبإذن الله أهطل المطر على الأرض بعد انقطاعه عنها ثلاث سنوات قرب جبل الكرمل وخذل كهنة بعل وعشروت وأمر بقتلهم فلحقته ايزابل بوابل غضبها فهرب الى صحراء سيناء ثم عاد فتنبأ لآحاب بانتقام الله عليه لأنه اغتال نابوت وأخذ كرمه رفع الى السماء على مركبة نارية خلفه بالنبوة تلميذه اليشع. وفيما يلي ما ذكره محمد بن اسحق وعلماء السير والأخبار ملخصا:

стр. 4416

لما قبض الله حزقيل النبي عظمت الأحداث في بني إسرائيل وظهر فيهم الفساد ونصبوا الأصنام فبعث الله إليهم الياس نبيا وكان يوشع لما فتح الشام قسمها على نبي إسرائيل وان سبطا منهم حصل في قسمته بعلبك ونواحيها وعليهم ملك يومئذ اسمه ارحب وكان قد أضل قومه وكان له صنم من ذهب اسمه بعل فغضب الملك على الياس وهمّ بتعذيبه وقتله فلما أحس الياس بالشر خرج هاربا ولاذ بشواهق الجبال وصعيد المغاور وظل سبع سنين هائما يفترش الأرض ويتوسد الحجارة ويأكل من نبات الأرض وثمار الشجر وكانوا قد وضعوا عليه العيون فلما طال عليه الأمر وضاق ذرعا دعا ربه فقيل انظر يوم كذا وكذا فاخرج الى موضع كذا فما جاءك من شيء فاركبه فخرج الياس ومعه اليسع حتى إذا كان بالموضع الذي أمر به إذ أقبل فرس من نار فوثب عليه فانطلق به الفرس فناداه يا الياس ما تأمرني؟ فقذف إليه الياس بكسائه من الجو فكان ذلك علامة استخلافه إلى آخر تلك القصة البديعة التي تصور الجهاد في سبيل العقيدة والثبات على المبدأ. [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٣٣ الى ١٣٨] وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨) الإعراب: (وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) وهذه هي القصة الخامسة، والواو استئنافية أو عاطفة وإن واسمها واللام المزحلقة ومن المرسلين خبرها.

стр. 4417

(إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ) الظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر وجملة نجيناه من الفعل والفاعل والمفعول في محل جر بإضافة الظرف إليها وأهله مفعول معه أو عطف على الهاء وأجمعين تأكيد. (إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ) إلا أداة استثناء وعجوزا مستثنى وفي الغابرين صفة. (ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ودمرنا الآخرين فعل ماض وفاعل ومفعول به وهم كفار قومه. (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ) الواو عاطفة أو حالية وان واسمها واللام المزحلقة وتمرون فعل مضارع وفاعل وعليهم متعلقان بتمرون ومصبحين حال وهي تامة. (وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) الواو عاطفة وبالليل عطف على مصبحين فهو حال أخرى والحال هنا محمول على المكان والباء للملابسة والهمزة داخلة على مقدر عطف عليه قوله فلا تعقلون والتقدير تشاهدون ذلك فلا تعقلون أي تعتبرون به. [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٣٩ الى ١٥٦] وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦)

стр. 4418

اللغة: (أَبَقَ) : هرب من قومه بغير إذن ربه وهو للعبد خاصة إذ يهرب من سيده ولكن أطلق على يونس على طريق الاستعارة التصريحية التبعية أو على طريق المجاز المرسل والعلاقة هي استعمال المقيد في المطلق وفي المصباح: «أبق العبد أبقا من بابي تعب وقتل في لغة والأكثر من باب ضرب إذا هرب من سيده من غير خوف ولا كد والإباق بالكسر اسم منه فهو آبق والجمع أبّاق مثل كافر وكفار» . (الْمُدْحَضِينَ) : المغلوبين بالقرعة، وساهم أي قارع وغالب أهل السفينة بالقرعة، وستأتي قصة يونس مختصرة في باب الفوائد. (مُلِيمٌ) : داخل في الملامة يقال: ألام فلان إذا فعل ما يلام عليه وفي المصباح: «لامه لوما من باب قال: عذله فهو ملوم على النقص والفاعل لائم والجمع لوم مثل راكع وركع وألامه بالألف لغة فهو ملام والفاعل مليم والاسم الملامة والجمع ملاوم واللائمة مثل الملامة وألام الرجل إذا فعل ما يستحق عليه اللوم وتلوّم تلوما: تمكث.

стр. 4419

(العراء) : المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه وهو مشتق من العري وهو عدم السترة شبهت الأرض الجرداء بذلك لعدم استتارها بشيء العرا بالقصر الناحية ومنه اعتراه أي قصد عراه وعبارة القاموس: «العراء الفضاء لا يستتر فيه بشيء وجمعه إعراء وأعرى سار فيه وأقام» . (يَقْطِينٍ) : قال في القاموس: «ما لا ساق له من النبات ونحوه وبهاء: القرعة الرطبة» وعبارة الزمخشري: «واليقطين كل ما ينسدح على وجه الأرض ولا يقوم على ساق كشجرة البطيخ والقثاء والحنظل وهو يفعيل من قطن بالمكان إذا أقام به وقيل هو الدباء» وانما خص القرع لأنه يجمع بين برد الظل ولين الملمس وكبر الورق وان الذباب لا يقربه. الإعراب: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) استئناف أو عطف مسوق لسرد القصة السادسة وهي قصة يونس ﵇ وسأتي خلاصة وافية عنها في باب الفوائد، وان واسمها واللام المزحلقة ومن المرسلين خبر إن. (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) إذ ظرف للمرسلين أي هو من المرسلين حتى في هذه الحالة وجملة أبق في محل جر باضافة الظرف إليها والى الفلك جار ومجرور متعلقان بأبق والمشحون نعت. (فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) الفاء عاطفة وساهم فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو فكان عطف على فساهم واسمها مستتر تقديره هو ومن المدحضين خبر كان. (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) الفاء عاطفة على محذوف يدرك من سياق الكلام أي فألقوه في البحر فالتقمه

стр. 4420

الحوت، وقيل فألقى نفسه في الماء. والتقمه فعل ومفعول به مقدم والحوت مبتدأ مؤخر والواو للحال وهو مبتدأ ومليم خبر والجملة في محل نصب على الحال والمعنى أنه أتى ما يستحق عليه اللوم. (فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) الفاء عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود وان وما في حيزها مبتدأ خبره محذوف وجوبا وأن واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو ومن المسبحين خبرها. (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) اللام واقعة في جواب لولا ولبث فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وفي بطنه متعلقان بلبث أو بمحذوف حال أي مستقر والى يوم متعلقان بلبث وجملة يبعثون مضاف إليها الظرف ويبعثون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. (فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ) الفاء عاطفة على محذوف أي أمرنا الحوت بنبذه فنبذناه، ونبذناه فعل وفاعل ومفعول به وبالعراء متعلقان بنبذناه والواو حالية وهو مبتدأ وسقيم خبر أي معتل مما حلّ به. (وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ) وأنبتنا عطف على فنبذناه وعليه متعلقان بأنبتنا وشجرة مفعول به ومن يقطين نعت لشجرة. (وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) الواو حرف عطف وأرسلنا فعل وفاعل ومفعول به والى مائة ألف متعلقان بأرسلناه وأو حرف عطف ويزيدون فعل مضارع مرفوع وسيأتي القول مفصلا في «أو» في باب الفوائد. (فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) الفاء عاطفة وآمنوا فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل والفاء عاطفة ومتعناهم فعل وفاعل ومفعول به والى حين متعلقان بمتعناهم. (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ) الفاء حرف عطف عطفت هذه الجملة على قوله فاستفتهم وان بعد المدى قال البيضاوي: «فاستفتهم: معطوف على مثله في أول السورة فأمر أولا باستفتائهم

стр. 4421

عن وجه انكار البعث وساق الكلام في تقديره جارا لما يلائمه من القصص موصولا بعضها ببعض ثم أمر باستفتائهم عن وجه القسمة حيث جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين في قولهم الملائكة بنات الله» وقد تقدم أن الفاء الأولى هي الفصيحة لأنها واقعة في جواب شرط مقدر وقد ثار نقاش حول هذا العطف البعيد سنفصل فيه القول في باب الفوائد. واستفتهم فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به والهمزة للاستفهام الإنكاري وسيأتي معناه في باب البلاغة ولربك خبر مقدم والبنات مبتدأ مؤخر والواو حرف عطف ولهم خبر مقدم والبنون مبتدأ مؤخر. (أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ) أم حرف عطف معادلة للهمزة كأن المستفهم يدعي ثبوت أحد الأمرين ويطلب تعيينه منهم قائلا: أي هذين الأمرين تدعونه. وخلقنا فعل وفاعل والملائكة مفعول به وإناثا حال والواو للحال وهم مبتدأ وشاهدون خبر والجملة نصب على الحال. (أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ) كلام مستأنف مسوق لإبطال مذهبهم الفاسد ببيان انه افك صريح لا دليل يدعمه وألا أداة تنبيه وان واسمها ومن إفكهم متعلقان بيقولون واللام المزحلقة وجملة يقولون خبر إنهم. (وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) ولد الله فعل وفاعل والجملة مقول قولهم والواو للحال وان واسمها واللام المزحلقة وكاذبون خبرها. (أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ) الهمزة المفتوحة للاستفهام الانكاري استغنى بها عن همزة الوصل في التوصل للنطق بالساكن، واصطفى فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله والبنات مفعول به وعلى البنين متعلقان باصطفى بعد تضمينه معنى أفضل. (ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) ما اسم استفهام ولكم خبر أي ما ثبت

стр. 4422

واستقر لكم على جهة الإنكار والجملة مستأنفة وكيف اسم استفهام في محل نصب على الحال أو المفعولية المطلقة وتحكمون فعل مضارع وفاعل والجملة مستأنفة أيضا فليس لإحدى الجملتين تعلق بالأخرى. (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) الهمزة للاستفهام الانكاري أيضا والفاء عاطفة على محذوف مفهوم من السياق أي أعميتم عن الحقائق وضللتم عن الشواهد، ولا نافية وتذكرون فعل مضارع مرفوع وفاعل وأصله تتذكرون ومفعول تذكرون محذوف تقديره أنه منزه عن الولد. (أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ) أم حرف عطف بمعنى بل فهو للاضراب الانتقالي ولكم خبر مقدم وسلطان مبتدأ مؤخر ومبين نعت لسلطان. البلاغة: في هذه الآيات يبدو الأسلوب المكي واضح الدلالة، ظاهر المفهوم، مرهف العاطفة فقد تكرر فيه الاستفهام الانكاري، ناعيا عليهم جهلهم المفرط في الغباء، القائم على ثلاث جهالات: أولاها التجسيم لأن الولادة من خصائص الأجسام وثانيتها تفضيل أنفسهم على ربهم حيث جعلوا أوضع الجنسين في اصطلاحهم ومفهومهم له وأرفعهما لهم وتلك جهالة ما بعدها جهالة وثالثتها أنهم استهانوا بأكرم خلق الله وأقربهم إليه حيث أنثوهم وقد كانوا يتعايرون بوصف الأنوثة ويعتبرونه من دلائل المهانة وسمات الخسة. الفوائد: ١- اختلف في «أو» هذه اختلافا كثيرا فقال الفراء: معناها بل يزيدون فتكون عنده للإضراب ويكون الإخبار الأول بحسب ما يظهر

стр. 4423

للناس إذا رأوهم والثاني إضراب لما في الواقع ونفس الأمر فالمعنى أرسلناه الى جماعة يحزرهم الناس مائة الف وهم أزيد من ذلك وفيه نكتة جليلة وهي الانتقال من الأدنى الى الأعلى لما له من الوقع في النفس ولفت النظر إليه بخلاف ما إذا أخبر بالأعلى من أول الأمر، وقال بعض الكوفيين هي بمعنى الواو، أما البصريون فلهم فيها أقوال: ١- قيل هي للإبهام. ٢- وقيل هي للتخيير أي إذا رآهم الرائي تخير بين أن يقول هم مائة ألف أو يقول هم أكثر، قال ابن هشام: نقل ابن الشجري هذا القول عن سيبويه وفي ثبوته عنه نظر ولا يصح التخيير بين شيئين الواقع أحدهما. ٣- وقيل هي للشك مصروفا الى الرائي. ٤- وقيل إنها للإباحة أي لك أن تحزرهم وتقدر عددهم كيف تشاء. ٥- وقيل هي للشك بمعنى أن أصدق الحادسين يشك في عددهم. وأحسن ما قرأناه قول الزمخشري: في مرآى الناظر أي إذا رآها الرائي قال هي مائة ألف أو أكثر والغرض الوصف بالكثرة. ٢- العطف البعيد: قوله «فاستفتهم» الآية معطوف على ما قبله وهو قوله «فاستفتهم أهم أشد خلقا» وقد منع النحاة الفصل بجملة فما بالك بجمل بل بسورة،

стр. 4424

ولكن ما استقبحه النحاة وارد في عطف المفردات وأما الجمل فلاستقلالها يغتفر فيها وهذا الكلام لتلاحمه وتعانقه صار بمثابة الجملة الواحدة فانتفى عنه البعد. ٣- خلاصة قصة يونس: غاضب ذو النون قومه لما لم ينزل بساحتهم العذاب الذي وعدهم به فذهب مغاضبا وكان من حقه أن لا يذهب فقد كان ضيق العطن قليل الذرع ولما ركب السفينة وقفت في لج البحر فقال ملاحوها هنا عبد أبق من سيده تظهره القرعة وكان من عادتهم أن السفينة إذا كان منها آبق أو مذنب لم تسر وكان ذلك بدجلة لأنه أرسل الى أهل نينوى من أرض الموصل فلما ساهم أي قارع أهل السفينة كان من المغلوبين بالقرعة فألقوه في البحر فابتلعه الحوت إلى آخر تلك القصة البديعة. [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٥٧ الى ١٦٤] فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) اللغة: (الْجِنَّةِ) : بكسر الجيم الملائكة سموا بذلك لاجتنانهم عن الأبصار وفي الأساس: «جنة: ستره فاجتنّ واستجن بجنة: استتر

стр. 4425

بها واجتن الولد في البطن وأجنّته الحامل، وحبذا مجن ابن أبي ربيعة» . الإعراب: (فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الفاء الفصيحة وأتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وبكتابكم متعلقان به وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص والتاء اسمها وصادقين خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله. (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق للانحاء عليهم باللائمة واستركاك عقولهم، بأن من نسبوهم إلى الله تعالى يعلمون مصائرهم المحزنة. وجعلوا فعل وفاعل والظرف متعلق بمحذوف مفعول به ثان لجعلوا وبين الجنة عطف ونسبا مفعول جعلوا الأول فهي حكاية يجب أن تذيع وتشيع لتكون شاهد على حقيقة خبالهم. (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) الواو حالية واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعلمت الجنة فعل وفاعل وإن واسمها واللام المزحلقة ومحضرون خبرها وإن وما في حيزها سدت مسد مفعولي علمت وإنما كسرت همزتها لدخول اللام في خبرها والضمير في انهم لمحضرون للكفرة والمعنى انهم يقولون ما يقولون في الملائكة والحال أن الملائكة عالمون انهم في ذلك القول الهراء كاذبون. (سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) سبحان الله مفعول مطلق لفعل محذوف وعما متعلقان بسبحان وجملة يصفون صلة والعائد محذوف والجملة معترضة وهي مسوقة لحكاية تنزيه الملائكة الله سبحانه عما

стр. 4426

وصفه به المشركون. (إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء وعباد الله المخلصين استثناء منقطع من المحضرين كأنهم ليسوا منهم والمستثنى منه إما فاعل جعلوا وإما فاعل يصفون وإما ضمير محضرون أي لكن عباد الله المخلصين ناجون ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا واختاره أبو البقاء وليس ببعيد. (فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ، ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ) الفاء تعليلية وان واسمها والواو واو المعية وما موصول مفعول معه وقد سدت مسد خبر إن أي انكم وآلهتكم قرناء لا تزالون تعبدونها على حد قولك كل رجل وصنيعته أي مقترنان، وسيأتي تفصيل هذه القاعدة في باب الفوائد. وما نافية حجازية وأنتم اسمها وعليه متعلقان بفاتنين والباء حرف جر زائد وفاتنين خبر ما ويجوز أن تكون ما معطوفة على اسم ان وجملة ما أنتم خبر إن والمعنى على هذا انكم ومعبودكم ما أنتم ولا هو فغلب المخاطب، يقال فتن فلان على فلان امرأته أي أفسدها عليه ورجح الزمخشري والبيضاوي هذا الوجه. (إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ) إلا أداة حصر ومن مفعول فاتنين والاستثناء مفرغ ويجوز أن تقدر مفعولا لفاتنين أي أحد فتكون إلا أداة استثناء ومن مستثنى من المفعول المحذوف وهو مبتدأ وصال خبر مرفوع بالضمة المقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين والجحيم مضاف إليه وقد أفرد حملا على لفظ من كما أفرد هو والجملة صلة الموصول. (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) الواو استئنافية وما نافية ومنا خبر مقدم والمبتدأ محذوف أقيمت صفته مقامه والتقدير

стр. 4427

وما منا أحد إلا له مقام معلوم كقوله: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني أي أنا ابن رجل جلا الأمور. ويجوز أن تكون منا صفة لمحذوف هو المبتدأ والخبر جملة إلا له مقام معلوم وإلا أداة حصر وله خبر مقدم ومقام مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة وعبارة القرطبي: «وأنزل الله تعالى حكاية عن قول الملائكة: وما منا إلا له مقام معلوم والتقدير عند الكوفيين وما منا إلا من له مقام معلوم فحذف الموصول وهو من وتقديره عند البصريين، وما منا ملك إلا له مقام معلوم أي مكان معلوم في العبادة» . الفوائد: يجب حذف الخبر إذا كان المبتدأ معطوفا عليه اسم بواو هي نص في المعية نحو كل رجل وضيعته أي حرفته سميت بذلك لأن صاحبها يضيع فيها وكل صانع وما صنع فكل مبتدأ وصانع مضاف إليه وما صنع معطوف على المبتدأ والخبر محذوف وجوبا أي مقترنان وإنما حذف لدلالة الواو وما بعدها على المصاحبة والاقتران، أما إذا لم يكن هناك نص على المعية فيجوز حذفه ويجوز ذكره ومن الثاني قول الفرزدق: تمنوا لي الموت الذي يشعب الفتى ... وكل امرئ والموت يلتقيان فآثر ذكر الخبر وهو جملة يلتقيان. ويشعب: يفرق.

стр. 4428

[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٦٥ الى ١٧٣] وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) الإعراب: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة ونحن مبتدأ أو ضمير فصل والصافون خبر نحن والجملة الاسمية خبر إنا أو الصافون خبر انا أي نقف صفا واحدا في الصلاة أو في ساحة الجهاد ومفعول الصافون محذوف أي نصفّ أقدامنا. (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) عطف على الآية السابقة. (وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ) الواو عاطفة وإن مخففة من الثقيلة مهملة، أو اسمها ضمير الشأن وجملة كانوا خبرها إن أعملت، وكان واسمها واللام الفارقة وجملة يقولون خبر كان وجملة لو وما في حيزها مقول قولهم ولو شرطية وان وما في حيزها فاعل لفعل محذوف أي ثبت وان حرف مشبه بالفعل والظرف متعلق بمحذوف خبر أن المقدم وذكرا اسمها المؤخر ومن الأولين نعت لذكرا. (لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) اللام واقعة في جواب لو وكان واسمها وعباد الله خبرها والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والمخلصين نعت لعباد

стр. 4429

الله. (فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) الفاء الفصيحة وكفروا فعل ماض وفاعل والفاء عاطفة وسوف حرف استقبال ويعلمون فعل مضارع مرفوع وفاعل. (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ) كلام مستأنف مسوق لتقرير الوعيد وتصويره بالقسم لتأكيده والعناية به واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وسبقت كلمتنا فعل وفاعل ولعبادنا متعلقان بسبقت والمرسلين نعت لعبادنا. (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) إن واسمها واللام المزحلقة وهم مبتدأ أو ضمير فصل والمنصورون خبر هم والجملة خبر إنهم أو خبر إنهم وضمير الفصل لا محل له. َ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ) عطف على نظيرتها الآنفة الذكر. الفوائد: عودة الى ضمير الفصل: تقدم في هذا الكتاب بحث ضمير الفصل ونضيف هنا الى ما تقدم ان تسمينه ضميرا مجاز لمشابهة صورته، وقد اتفق جمهور البصريين على انه ملغى لا محل له لكنهم اختلفوا مع ذلك في كونه اسما أو حرفا فقال جمهورهم هو اسم ألغي كما ألغيت أسماء الأفعال وأل الموصولة، وقال بعضهم هو حرف وذلك لا ستنكارهم خلو الاسم عن الإعراب لفظا ومحلا ولأن الغرض به دفع التباس الخبر الذي بعده بالوصف وهذا هو معنى الحرف يعني إفادة المعنى في غيره فلذا صار حرفا وانخلع عنه لباس الاسمية نظير كاف الخطاب فإنه لما تجرد عن معنى الاسمية ودخل في معنى الحرف وهو إفادته في غيره

стр. 4430

وقيل له محل من الإعراب وهو مذهب الكوفيين ويقولون هو توكيد لما قبله فإن ضمير الرفع قد يؤكد به المنصوب والمجرور نحو ضربتك أنت ومررت بك أنت. [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٧٤ الى ١٨٢] فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢) اللغة: (بِساحَتِهِمْ) : بفنائهم، قال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم، وأصل الساحة الفناء الخالي من الأبنية وجمعها سوح فألفها منقلبة عن واو فتصغر سويحة والجمع والتصغير يردان الأشياء الى أصولها. وقال الراغب: إنها من ذوات الياء حيث عدها في مادة سيح ثم قال الراغب: «الساحة المكان الواسع ومنه ساحة الدار والسائح الماء الجاري في الساحة وساح فلان في الأرض مر مر السائح ورجل سائح وسياح» وعلى هذا يكون لها مادتان ولكن كلام الراغب فيه قصور. وفي الأساس ذكرها في مادة سوح ونص عبارته: «عمر

стр. 4431

الله تعالى بك ساحتك، وتقول احمرّ اللّوح، واغبرّت السوح إذا وقع الجدب وقال أبو ذؤيب: وكان سيان أن لا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرت السوح ولم يذكر في الأساس الساحة في مادة سيح فهما مادتان. وفي القاموس أورد الساحة من بنات الواو فقال: «الساحة الناحية وفضاء بين دور الحي والجمع ساح وسوح وساحات» ولم يذكرها في مادة ساح يسيح سيحا وسيحانا إلخ. الإعراب: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ) الفاء الفصيحة أي إن تبينت حقيقة أمرهم فتول عنهم وتول فعل أمر مبني على حذف حرف العلة أي أعرض عنهم والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت وعنهم متعلقان بتول وحتى حرف غاية وجر وحين مجرور بحتى والجار والمجرور متعلقان بتول. (وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) الواو عاطفة وأبصرهم فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به أي إذا نزل بساحتهم العذاب والفاء رابطة لجواب الطلب وسوف حرف استقبال ويبصرون فعل مضارع وفاعل والمفعول به محذوف أي ما يحيق بهم جزاء كفرهم. (أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ) الهمزة للاستفهام ومعنى الاستفهام هنا التهديد والوعيد والفاء عاطفة على محذوف يقدر بحسب المقام وبعذابنا متعلقان بيستعجلون ويستعجلون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل.

стр. 4432

(فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط ونزل فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو أي العذاب وبساحتهم متعلقان بنزل والفاء رابطة لجواب إذا وساء فعل جامد لإنشاء الذم وصباح المنذرين فاعل والمخصوص بالذم محذوف تقديره صباحهم وقيل إن ضمير ساء يعود على المخصوص وان التمييز محذوف وان المذكور مخصوص لا فاعل وسيأتي المزيد من هذا البحث. (وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ) عطف على ما تقدم وقد سبق اعراب هذه الآية المكررة. (وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) تقدم اعرابها وحذف مفعول أبصر اختصارا لدلالة الأول عليه. (سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) سبحان ربك مفعول مطلق لفعل محذوف ورب العزة بدل وعما متعلقان بسبحان وجملة يصفون صلة ما. (وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) سلام مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى الدعاء وعلى المرسلين خبر. (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) الحمد مبتدأ ولله خبر ورب العالمين بدل أو صفة. البلاغة: في قوله «فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين» استعارة تمثيلية فقد شبه العذاب النازل بهم بعد ما أنذروا به فلم يبالوا الانذار، وأصموا آذانهم عنه بجيش أنذر بهجومه قومه بعض نصاحهم فلم يكترثوا لإنذاره ولم يتخذوا الأهبة والاحتياط وما عسى أن ينجيهم من هول الكارثة ويمكنهم من تفادي ويلاتها الطارئة وإنما

стр. 4433

خصص الصباح لأنه كان من عادة مساعيرهم وكماتهم الإغارة فسميت الغارة صباحا لأنها تقع فيه عادة ولهذا استفصح العرب هذه الآية. الفوائد: كل فعل ثلاثي متصرف تام مثبت قابل للتفاوت مبني للمعلوم وليس الوصف منه على وزن أفعل فعلاء صالح للتعجب منه فإنه يجوز استعماله على فعل بضم العين إما بالأصالة كظرف وشرف أو بالتحويل بأن يكون في الأصل مفتوح العين كضرب وقتل أو مكسورها كعلم وفهم بضم العين فيهن وإنما حولت لتلحق بأفعال الغرائز ولتصير قاصرة وجامدة ثم يجري حينئذ مجرى نعم وبئس في إفادة المدح والذم وفي حكم الفاعل وحكم المخصوص تقول في المدح فهم الرجل زيد وفهم رجلا زيد وفي الذم خبث الرجل عمرو وخبث رجلا عمرو ومن أمثلته ساء فإنه في الأصل سوأ بالفتح من السوء ضد السرور من ساءه الأمر يسوءه إذا أحزنه فهو متعد متصرّف فحول الى فعل بالضم فصار قاصرا ثم ضمن معنى بئس فصار جامدا قاصرا محكوما لفاعله بما يحكم لفاعل بئس تقول ساء الرجل زيد وفي التنزيل «وساءت مرتفقا» ومما يحتمل الفاعلية والتميز «ساء ما يحكمون» وقد تقدم بحثه.

стр. 4434

(٣٨) سورة ص مكية وآياتها ثمان وثمانون [سورة ص (٣٨) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) الإعراب: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) ص تقدم القول فيها مفصلا وسيرد مزيدا منه في باب الفوائد. والواو حرف قسم والقرآن مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف وجواب القسم محذوف على الأرجح تقديره إنه لمعجز أو لقد جاءكم الحق وسيرد المزيد من إعراب هذه الآية وما قيل فيها وذي الذكر نعت للقرآن ومعنى الذكر البيان أو الشرف أو الموعظة والذكرى وكلها صحيح. (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ) بل حرف عطف وإضراب

стр. 4435

انتقالي والذين مبتدأ وكفروا صلته وفي عزة خبره وشقاق عطف على عزة أي تكبر وتجبر وشقاق أي امتناع عن قبول الحق. (كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ) كم خبرية في محل نصب مفعول مقدم لأهلكنا وأهلكنا فعل وفاعل ومن قبلهم متعلقان بأهلكنا ومن قرن تمييز كم الخبرية والمراد بالقرن الأمة، فنادوا الفاء عاطفة ونادوا فعل ماض والواو فاعل والواو حالية ولات حرف مشبه بليس وسيأتي القول عنها وعن التاء المتصلة بها مفصلا في باب الفوائد واسمها محذوف تقديره الحين وحين مناص خبرها أي نجاة. (وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ) الواو عاطفة وعجبوا فعل ماض والواو فاعل وأن مصدرية وهي مع ما في حيزها مصدر منصوب بنزع الخافض أي عجبوا من مجيء منذر ومنذر فاعل مؤخر ومنهم نعت لمنذر والواو حرف عطف وقال الكافرون فعل وفاعل وفيه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا للكفر عليهم وامعانا في الغضب عليهم وإشعارا بأن كفرهم حداهم الى هذا القول وهذا مبتدأ وساحر خبر وكذاب خبر ثان أو نعت لساحر. (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ) الهمزة للاستفهام التعجبي أي تعجبوا من هذا الحصر لأنهم قاسوا الغائب على الشاهد جهلا منهم وارتطاما بسوء الغفلة وجعل فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو والآلهة مفعول به أول وإلها مفعول به ثان وواحدا صفة وإن واسمها واللام المزحلقة وشيء خبرها وعجاب صفة لشيء. قال الجوهري: العجيب الأمر الذي يتعجب منه وكذلك العجاب بالضم والعجاب بالتشديد أكثر منه.

стр. 4436

الفوائد: ١- جواب القسم المحذوف وتقديره: تقدم القول مفصلا في فواتح السور ورجحنا أنها خبر لمبتدأ محذوف أي هذه صاد. وأما جواب القسم فقد اختلفوا فيه كثيرا وأصح ما رأيناه هو أنه محذوف وقد اقتصر عليه الزمخشري والبيضاوي، قال الحوفي تقديره: لقد جاءكم الحق وقال ابن عطية تقديره: ما الأمر كما تزعمون وقال الزمخشري تقديره: إنه لمعجز. ٢- القول في لات: لات: هي إحدى الحروف العاملات عمل ليس وهي ما ولا ولات وإن لشبهها بها في النفي، وأما لات فأصلها لا النافية ثم زيدت عليها التاء لتأنيث اللفظ أو للمبالغة في معناه وخصت بنفي الأحيان، وزيادة التاء هنا أحسن منها في ثمت وربت لأن لا محمولة على ليس وليس تتصل بها التاء ومن ثم لم تتصل بلا المحمولة على إن وهي كلمتان عند الجمهور: لا النافية وتاء التأنيث وحركت لالتقاء الساكنين، وقال أبو عبيدة وابن الطراوة كلمة وبعض كلمة وذلك انها لا النافية والتاء الزائدة في أول الحين وقيل كلمة واحدة وهي فعل ماض وعلى هذا هل هي ماضي يليت بمعنى ينقص استعملت للنفي أو هي ليس بكسر الياء قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وأبدلت السين تاء قولا حكاهما في المغني وعملها إجماع من العرب، وله شرطان: كون معموليها اسمي زمان وحذف أحدهما والغالب في المحذوف هو الاسم نحو ولات حين مناص أي ليس الحين حين فرار، ومن القليل قراءة

стр. 4437

بعضهم برفع الحين على أنه اسمها وخبرها محذوف أي ليس حين فرار حينا لهم وقرىء أيضا ولات حين مناص بخفض حين فزعم الفراء أن لات تستعمل حرفا جارا لاسم الزمان خاصة كما أن مذ ومنذ كذلك. وقد جرى المتنبي على هذا القول بقوله: لقد تصبرت حتى لات مصطبر ... فالآن اقحم حتى لات مقتحم قال أبو البقاء: والجر به شاذ وقد جر به العرب وأنشدوا: طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن لات حين بقاء [سورة ص (٣٨) : الآيات ٦ الى ١١] وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١)

стр. 4438

الإعراب: (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ) الواو عاطفة على محذوف سيأتي تقديره في باب الفوائد ويجوز أن تكون استئنافية والكلام مستأنف مسوق لتقرير تآمرهم بعد انصرافهم من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب. وانطلق الملا فعل وفاعل ومنهم حال وأن مصدرية وهي مع ما بعدها في تأويل مصدر مقول قول محذوف أي انطلقوا بقولهم أن امشوا ورجح الزمخشري أن تكون مفسرة لانطلقوا لأنه متضمن معنى القول، قال الزمخشري: «لأن المنطلقين من مجلس التقاول لا بد لهم أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم» وعلى كل هي في موضع نصب على الحال أيضا والمعنى انطلقوا حال كونهم قائلين بعضهم لبعض ويجوز أن تكون مصدرية منصوبة هي ومدخولها بنزع الخافض أي بأن امشوا، واصبروا عطف على امشوا وعلى آلهتكم متعلقان باصبروا على حذف مضاف أي على عبادتها أي ليس لكم يدان في مغالبة محمد فما لكم إلا الصبر. وليس المراد بالانطلاق هنا المشي بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما انه ليس المراد المشي المتعارف بل الاستمرار على الشيء. (إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ) الجملة تعليل للأمر بالصبر وان واسمها واللام المزحلقة وشيء خبرها وجملة يراد صفة لشيء. (ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ) ما نافية وسمعنا فعل وفاعل وبهذا متعلقان بسمعنا والإشارة الى التوحيد الذي يدعو اليه محمد وفي الملة حال من هذا والآخرة نعت والمراد بها ملة عيسى ﵇ وإن نافية وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر واختلاق خبر هذا أي افتعال ومحض كذب. (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا) الهمزة للاستفهام

стр. 4439

الإنكاري وأنزل فعل ماض مبني للمجهول وعليه متعلقان بأنزل والذكر نائب فاعل ومن بيننا حال فهم أنكروا أن يتميز محمد ﷺ بهذا الشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم وقد كرروا هذا المعنى كثيرا فقالوا: «لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم» قالوا ذلك ورددوه مرارا تنفيسا عن الغيظ الذي تجيش به نفوسهم والموجدة التي تعتلج في ضمائرهم. (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ) بل إضراب انتقالي عن مقدر فكأنه قال: انكارهم للذكر ليس عن علم بل هم في شك منه. وهم مبتدأ وفي شك خبر ومن ذكري نعت لشك وبل إضراب انتقالي أيضا مسوق لبيان سبب الشك الذي ترسّب في ضمائرهم وهو أنهم لمّا يذوقوا العذاب ولو أنهم ذاقوه وعانوا بلاءه وكابدوا هو انه لصدقوا ولما لجئوا الى مدافعة اليقين بالشك. ولما حرف نفي وجزم ويذوقوا فعل مضارع مجزوم بلما والواو فاعل وعذاب مفعول به وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لمراعاة الفواصل. (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) أم حرف عطف بمعنى بل فهي منقطعة وعندهم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وخزائن رحمة ربك مبتدأ مؤخر والعزيز الوهاب صفتان لربك. (أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما) أم حرف عطف بمعنى بل وعبارة الزمخشري والبيضاوي متشابهة قال البيضاوي: «كأنه لما أنكر عليهم التصرف في نبوته بأنه ليس عندهم خزائن رحمته التي لا نهاية لها أردف ذلك بأنه ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني الذي هو جزء يسير من خزائن رحمته فمن أين لهم أن يتصرفوا بها» ولهم خبر مقدم وملك السموات والأرض مبتدأ

стр. 4440

مؤخر وما عطف على السموات والأرض والظرف متعلق بمحذوف صلة ما. (فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ) الفاء الفصيحة أي هي جواب شرط مقدر تقديره إن زعموا ذلك فليصعدوا في المعارج الموصلة الى العرش حتى يستووا عليه، واللام لام الأمر ويرتقوا فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وفي الأسباب متعلقان بيرتقوا. (جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ) اختلف المعربون في إعراب هذه الآية اختلافا كثيرا لأنها تحمل عدة وجوه نورد أهمها فيما يلي: جند خبر لمبتدأ محذوف أي هم جند وما نكرة تامة صفة لجند على سبيل التحقير أي هم جند حقير فإن ما إذا كانت صفة تستعمل للتعظيم أو التحقير والثاني هو المراد ولك أن تعربها زائدة وهنالك اسم إشارة في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف صفة لجند ومهزوم نعت ثالث لجند أو خبر ثان للمبتدأ المحذوف ويجوز أن يكون جند مبتدأ ساغ الابتداء به لوصفه وهنالك خبره واختار هذا الوجه أبو البقاء وسنورد لك عبارته في باب الفوائد ومن الأحزاب جار ومجرور متعلقان بمهزوم. الفوائد: ١- الفرق بين لمّا ولم: ونثبت هنا الفرق الدقيق بين لمّا ولم وبه يتبين لماذا أوثرت لمّا في قوله «بل لمّا يذوقوا عذاب» فهما تشتركان في أمور وهي الحرفية والاختصاص بالمضارع والنفي والجزم والقلب للمضي وجواز دخول همزة الاستفهام عليهما، وتنفرد لم عن لمّا بمصاحبة أداة الشرط

стр. 4441

نحو «وإن لم تفعل فما بلغت رسالته» لأن الشرط يليه مثبت لم ولا يليه مثبت لمّا، وتنفرد لم عن لما أيضا بجواز انقطاع نفي منفيها نحو «هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا» لأن المعنى أنه قد كان بعد ذلك شيئا مذكورا، وتنفرد لمّا عن لم بجواز حذف مجزومها كقاربت المدينة ولما، أي ولمّا أدخلها، ولا يجوز ذلك في لم وحملوا قول إبراهيم بن علي بن محمد الهرمي على الضرورة وهو: احفظ وديعتك التي استودعتها ... يوم الأعازب إن وصلت وان لم أي وإن لم تصل، وتنفرد لما عن لم أيضا بتوقع ثبوت منفيها كقوله تعالى «بل لما يذوقوا عذاب» أي الى الآن ما ذاقوه وسوف يذوقونه، وفرق سيبويه بينها وبين لم في هذا الصدد بأن لم نفي لفعل يتوقع وجوده لم يقبل مثبته قد، ولما نفي لما يتوقع وجوده أدخل على مثبته قد، ومن الفرق الدقيق أنه لا يجوز أن تقول الحجر لم يتكلم ويجوز أن تقول الحجر لا يتكلم لأنه ما بعد لم يفيد التوقع وذلك مستحيل. ٢- قصة إسلام عمر: يروي التاريخ أن هذه الآيات نزلت بعد إسلام عمر، ولإسلام عمر قصة محبوكة الحلقات فيها متعة، وفيها طرافة، ولكن لها روايات كثيرة وطرقا مختلفة نجتزىء منها برواية عطاء ومجاهد التي نقلها ابن اسحق عبد الله بن أبي نجيح وهي تذكر ان عمر قال: كنت للإسلام تباعدا، وكنت صاحب خمر في الجاهلية أصبها وأشربها وكان

стр. 4442

لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش، فخرجت أريد جلسائي أولئك فلم أجد منهم أحدا فقلت لو أنني جئت فلانا الخمار، فجئته فلم أجده، قلت لو أنني جئت الكعبة فطفت بها سبعا أو سبعين، فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة فإذا رسول الله، ﷺ ، قائم يصلي وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام واتخذ مكانه بين الركنين: الركن الأسود والركن اليماني، فقلت حين رأيته والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول وقام بنفسي أنني لو دنوت منه أسمع لأروعنه فجئت من قبل الحجر، فلما سمعت القرآن رقّ قلبي فبكيت ودخلني الإسلام. ولما أسلم عمر شقّ ذلك على قريش فاجتمع خمسة وعشرون من صناديدهم فأتوا أبا طالب فقالوا أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، يريدون الذين دخلوا في الإسلام، وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فأحضره وقال له: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء والانصاف فلا تمل كلّ الميل على قومك فقال النبي: ماذا تسألونني؟ فقالوا ارفضنا وأرفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك فقال: أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أمعطيّ أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم العجم قالوا: نعم وعشر أمثالها فقال: قولوا لا إله إلا الله، فقاموا وانطلق الملأ منهم. وقد تبيز بذلك العطف الذي ألمعنا إليه في اعراب وانطلق الملأ منهم إلخ ... ٣- نص عبارة أبي البقاء: وعدناك بنقل نص عبارة أبي البقاء في إعراب قوله «جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب» قال: «جند مبتدأ وما زائدة

стр. 4443

وهنالك نعت ومهزوم الخبر ويجوز أن يكون هنالك اظرفا لمهزوم ومن الأحزاب يجوز أن يكون نعتا لمجند وأن يتعلق بمهزوم وأن يكون نعتا لمهزوم» . [سورة ص (٣٨) : الآيات ١٢ الى ١٥] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) اللغة: (الْأَوْتادِ) : في المصباح: «الوتد بكسر التاء في لغة الحجاز وهي الفصحى وجمعه أوتاد وفتح التاء لغة وأهل نجد يسكنون التاء فيدغمون بعد القلب فيبقى ود ووتدت الوتد أتده وتدا من باب وعد أثبته بحائط أو بالأرض وأوتدته بالألف لغة» وفي الأساس: «ضرب الوتد والودّ والأوتاد بالميتدة ويقال: تد وتدك وأوتده وانتصب كأنه وتد وهو «أذل من وتد» ووتد واتد: ثابت ومن المجاز: وتد الله الأرض بالجبال وأوتدها ووتّدها والجبال أوتاد الأرض وقيل لأعرابي: ما النطشان؟ فقال: يوتد العطشان وروي: شيء نتد به كلامنا» وفي القاموس: «الوتد بالفتح والتحريك وككتف ما رز في الأرض أو الحائط من خشب وما كان في العروض على ثلاثة أحرف

стр. 4444

كعلى والهنيّة الناشزة في مقدّم الأذن والجمع أوتاد ووتد واتد تأكيد وأوتاد الأرض جبالها ومن البلاد رؤساؤها ومن الفم أسنانه» . (الْأَيْكَةِ) : الغيضة والأشجار الملتفة المجتمعة وقد تقدم القول فيها مبسوطا. (فَواقٍ) : بفتح الفاء وضمها أي رجوع وقد قرىء بهما معا فقيل هما نعتان بمعنى واحد وهو الزمان الذي بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع والمعنى مالها من توقف قدر فواق ناقة وفي الحديث: «العيادة قدر فواق ناقة» وفي المختار: «الفواق الزمن الذي بين الحلبتين لأنها تحلب ثم تترك ساعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب، يقال: ما أقام عنده إلا فواقا وفي الحديث: «العيادة قدر فواق ناقه» وقوله تعالى: من فواق يقرأ بالفتح أي مالها من نظرة وراحة وإفاقة» وعبارة الزمخشري في الكشاف: «مالها من فواق وقرىء بالضم مالها من توقف مقدار فواق وهو ما بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع يعني إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان كقوله تعالى: فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة، وعن ابن عباس: ما لها من رجوع وترداد من أفاق المريض إذا رجع الى الصحة وفواق الناقة ساعة ترجع الدرّ الى ضرعها يريد أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد» ولهذه المادة خصائص عجيبة، أنها تتوزع على أنحاء شتى من المعاني وها نحن أولاء نقل لك خلاصة ما ورد في اللسان والأساس منها: «ما بقي في كنانتي إلا سهم أفوق وهو الذي في إحدى زنمتيه كسر أو ميل، وفوق السهم: جعل الوتر في فوقة عند الرمي، وتقول: لا زالت للخير موفقا، وسهمك في الكرم مفوّقا، وفوّقه: جعل له فوقا، وفاقه كسر فوقه، وفاق قومه: فضلهم، ورجل فائق

стр. 4445

في العلم وهو يتفوق على قومه وفوقته عليهم: افضلته، وأفاق فلان من المرض واستفاق وفلان مدمن لا يستفيق من الشراب، وتفوّق الفصيل أمه رضعها فواقا فواقا، وفوّقه الراعي. ومن المجاز تفوقت الماء: شربته شيئا بعد شيء، وتفوّقت مالي: أنفقته على مهل، قال: تفوّقت مالي من طريف وتالد ... تفوّقي الصهباء من حلب الكرم وتفوقت وردي: أخذته قليلا قليلا وأتيته فيقة الضحى وميعته، وخرجنا بعد أفاويق من الليل، ومجت السحابة أفاويقها وأرضعني أفاويق بره، وفوّقني الأماني وما أقام عنده إلا فواق ناقة وفيقة ناقة. ولعل في هذا غنية. الإعراب: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ) كلام مستأنف مسوق لتقرير أحوال الطغاة وبيان مصائر العتاة. وكذبت فعل ماض وقبلهم ظرف متعلق بكذبت وقوم نوح فاعل وعاد عطف على قوم نوح وفرعون عطف أيضا وذو الأوتاد أي ذو الملك الثابت وسيأتي ذكر استعارة الأوتاد في باب البلاغة. (وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ) عطف أيضا وأولئك الأحزاب لك أن تجعل اسم الاشارة بدلا مما قبله والأحزاب بدل منه وإما أن تجعلها جملة مستقلة مؤلفة من مبتدأ هو اسم الإشارة والأحزاب خبره. (إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ) إن نافية لا عمل لها لانتقاض النفي بإلا وكل مبتدأ وإلا أداة حصر وجملة كذب الرسل خبر كل، فحق

стр. 4446

الفاء حرف عطف وحق فعل ماض وعقاب فاعله مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لمراعاة الفواصل. (وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لتقرير عقاب كفار مكة بعد بيان عقاب من سبقوهم في الغواية. وما نافية وينظر فعل مضارع أي ينتظر وهؤلاء اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل وإلا أداة حصر وصيحة مفعول به وواحدة صفة لها وما نافية حجازية أو تميمية ولها خبر مقدم ومن حرف جر زائد وفواق اسم مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه اسم ما أو مبتدأ مؤخر. البلاغة: في قوله «ذو الأوتاد» استعارة تصريحية أي ذو الملك الثابت الموطّد وأصله من ثبات البيت المطنب بأوتاده، قال الرفادة الأودي: البيت لا يبتني إلا على عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد يقول: لا ينال الأمر إلا بتوفر أسبابه، شبه توقف الأمر على أسبابه وتوقف أسبابه بتوقف على أسبابه بتوقف ضرب الخيمة على انتصاب الأعمدة وتوقف انتصابها على اثبات الأوتاد المشدودة بالحبال وبعده: فإن تجمع أسباب وأعمدة ... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا

стр. 4447

ثم قال: فإن اجتمعت الحبال المشدودة بالأوتاد الثابتة وانتصبت الأعمدة ووجد الساكن بلغ مراده وهو بمعنى الجمع فصح جمع ضميره ومعنى كادوا عالجوا يقال كاده كيدا أي عالجه علاجا والمعنى بلغوا الأمر الذي كادوه أي عالجوه لتحصيله. وقال الأسود ابن يعفر: ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد جرت الرياح على مقر ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير الى بلى ونفاد يقول: لا أتمنى بعدهم شيئا من الدنيا. ومحرق هو امرؤ القيس بن عمرو بن عدي اللخمي والإياد في الأصل تراب يجمع حول الحوض والبيت يحفظه من المطر والسيول من الأيد أي القوة أو هو ما أيد به الشيء مطلقا والكنف والجبل الحصين وإياد الجيش جناحاه أي ميمنته وميسرته والأيّد: القوي، وإياد هنا علم على ابن نزار ابن معد بن عدنان فهو أخو مضر وربيعة وأراد به في البيت القبيلة وروي وآل إياد عطفا على آل محرق وغني بالمكان كرضي: أقام به والبلى: الانمحاق، والنفاد: الفناء يقول: تركوا منازلهم وهي جملة مستأنفة لبيان نفي التأميل أو اعتراضية بين المتعاطفين وجملة: جرت الرياح مستأنفة مسوقة لبيان حال القبيلتين يقول: تفانوا فجرت الرياح على محل ديارهم وجريان الرياح على مقر الديار لانهدام الجدران التي كانت تمنع الرياح وذلك كناية عن موتهم وأشار الى أن فتاءهم كان سريعا كأنه دفعة واحدة بقوله: فكأنهم كانوا على ميعاد واحد ولقد

стр. 4448

أقاموا ردحا من الزمن بأرغد عيش وشبه الملك الذي به عزهم وصولتهم بخيمة مضروبة عليهم والظل ترشيح والأوتاد تخييل وإذا فجائية أي فظهر بغتة أن كل نعيم لا محال زائل. هذا وقيل لا استعارة في الآية وأن فرعون كان يتد لكل من يغضب عليه أربعة أوتاد يشد إليها يديه ورجليه ويعذبه حتى يموت والأول أولى وأبلغ. [سورة ص (٣٨) : الآيات ١٦ الى ٢٠] وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠) اللغة: (قِطَّنا) : نصيبنا وحظنا من العذاب وأصله من قطّ الشيء أي قطعه ومنه قط القلم قالوا ذلك استهزاء أي عجل لنا قطعة مما وعدتنا به ويطلق على الصحيفة والصك قط لأنهما قطعتان وقيل للجائزة قط لأنها قطعة من العطية ويجمع على قطوط مثل حمل وحمول وعلى قططة مثل قرد وقردة وقرود وفي القلة على أقططة مثل قدح وأقدحة وأقداح وفي القاموس: «القط: القطع عامة أو عرضا أو قطع شيء صلب كالحقة كالاقتطاط والقصير الجعد من الشعر كالقطط محركة

стр. 4449

وقد قطط كفرح وقد قطّ يقط كيمل قططا محركة وقطاطة، والقطّاط: الخراط صانع الحقق» إلى أن يقول: «والقط بالكسر النصيب والصك وكتاب المحاسبة وجمعه قطوط والسنور وجمعه قطاط وقططه والساعة من الليل» وقال أبو عبيدة والكسائي: القط: الكتاب بالجوائز، وقال الأعشى: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق الإعراب: (وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ) كلام مستأنف مسوق لسرد أنماط من تمحلهم واستهزائهم بعد أن نزل قوله تعالى: «فأما من أوتي كتابه بيمينه» الآية وقالوا فعل وفاعل وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وعجّل لنا فعل أمر ولنا متعلقان به وفاعله مستتر وجوبا تقديره أنت وقطنا مفعول به وقبل يوم الحساب ظرف متعلق بعجل أيضا أو بمحذوف حال. (اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) اصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعلى ما يقولون متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة والعائد محذوف أي يقولونه واذكر عطف على اصبر أي تأس بقصة داود ومنّ نفسك عن إهمال أمر مصابرتهم وتحمل أذاهم لئلا يستهدف لما استهدف له وعبدنا مفعول به وداود بدل وذا الأيد نعت لداود أي صاحب القوة وقد تقدم شرح الأيد وجملة إنه أواب تعليل لكونه من أصحاب الأيد أي راجع الى مرضاة الله وان واسمها وخبرها. (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ) إن واسمها وجملة سخرنا الجبال من الفعل والفاعل والمفعول خبر إنا وجملة

стр. 4450

يسبحن حالية من الجبال وسيأتي سر العدول عن مسبحات إلى يسبحن في باب البلاغة وبالعشي متعلقان بيسبحن والإشراق عطف على بالعشي أي غدوة وعشية وسيأتي حديث ابن عباس عن العشي والإشراق في باب البلاغة أيضا. (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) والطير عطف على الجبال أو مفعول به لفعل محذوف دل عليه ما قبله أي وسخرنا الطير ومحشورة حال أي مجموعة تسبح له وكل مبتدأ وساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم أي كل من الجبال والطير وله جار ومجرور متعلقان بأواب وأواب خبر كل أي رجاع مبالغة آئب أي راجع له بالتسبيح. (وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ) وشددنا ملكه فعل وفاعل ومفعول به أي قويناه بالجنود والحرس وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به أول والحكمة مفعول به ثان وفصل الخطاب عطف على الحكمة وسيأتي معنى فصل الخطاب في باب البلاغة. البلاغة: انطوت في هذه الآيات فنون متعددة تبهر السامعين وإليك التفصيل. ١- العدول عن الاسمية الى الفعلية: في قوله «يسبحن» عدول عن الاسم الى الفعل، والنكتة فيه الدلالة على التجدد والحدوث شيئا بعد شيء وحالا بعد حال وكأن السامع حاضر تلك الحال يسمع تسبيحها ومثله قول الأعشى: لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء باليفاع تحرق ولو قال محرقة لم يكن له ذلك الوقع.
следующие страницы →